← История

История · id 23708

البداية والنهاية - ط السعادة

ابن كثير

Полный текст (4 918 стр.). Показаны 2101–2140 · переход к 2106.

стр. 2101

أي بنية؟ قالت جئت لأسلّم عليك - واستحيت أن تسأله - ورجعت، فقال: ما فعلت؟ قالت: استحييت أن أسأله، فأتياه جميعا فقال على: يا رسول الله والله لقد سنوت حتى اشتكيت صدري، وقالت فاطمة: لقد طحنت حتى محلت يداي، وقد جاءك الله بسبي وسعة فأخذ منا، فقال: والله لا أعطيكما وأدع أهل الصفة تطوى بطونهم لا أجد ما أنفق عليهم، فرجعا فأتاهما رسول الله ﷺ وقد دخلا في قطيفتهما إذا غطت رءوسهما تكشفت أقدامهما وإذا غطت أقدامهما تكشفت رءوسهما، فثارا، فقال: مكانكما، ثم قال: ألا أخبركما بخير مما سألتماني؟ قالا: بلى، قال: كلمات علمنيهن جبريل تسبحان الله في دبر كل صلاة عشرا، وتحمدان عشرا، وتكبران عشرا، وإذا آويتما إلى فراشكما فسبحا ثلاثا وثلاثين، واحمدا ثلاثا وثلاثين وكبرا أربعا وثلاثين قال فو الله ما تركتهن منذ علمنيهن رسول الله ﷺ ، قال: فقال له ابن الكواء: ولا ليلة صفين؟ فقال: قاتلكم الله يا أهل العراق، نعم ولا ليلة صفين * وآخر هذا الحديث ثابت في الصحيحين من غير هذا الوجه، فقد كانت فاطمة صابرة مع على على جهد العيش وضيقه، ولم يتزوج عليها حتى ماتت، ولكنه أراد أن يتزوج في وقت بدرة بنت أبى جهل، فأنف رسول الله ﷺ من ذلك وخطب الناس فقال: لا أحرم حلالا ولا أحل حراما، وإن فاطمة بضعة منى يريبني ما رابها، ويؤذيني ما آذاها، وإني أخشى أن تفتن عن دمها، ولكن إني أحب ابن أبى طالب أن يطلقها ويتزوج بنت أبى جهل فأنه والله لا تجتمع بنت نبي الله وبنت عدو الله تحت رجل واحد أبدا، قال: فترك على الخطبة * ولما مات رسول الله ﷺ سألت من أبى بكر الميراث فأخبرها أن رسول الله ﷺ قال: لا نورث ما تركنا فهو صدقة، فسألت أن يكون زوجها ناظرا على هذه الصدقة فأبى ذلك وقال: إني أعول من كان رسول الله يعول، وإني أخشى إن تركت شيئا مما كان رسول الله ﷺ يفعله أن أضل، ووالله لقرابة رسول الله ﷺ أحب إلى أن أصل من قرابتي، فكأنها وجدت في نفسها من ذلك، فلم تزل تبغضه مدة حياتها، فلما مرضت جاءها الصديق فدخل عليها فجعل يترضاها وقال: والله ما تركت الدار والمال والأهل والعشيرة إلا ابتغاء مرضاة الله ومرضاة رسوله ومرضاتكم أهل البيت، فرضيت ﵄ * رواه البيهقي من طريق إسماعيل بن أبى خالد عن الشعبي، ثم قال: وهذا مرسل حسن بإسناد صحيح * ولما حضرتها الوفاة أوصت إلى أسماء بنت عميس - امرأة الصديق - أن تغسلها فغسلتها هي وعلى بن أبى طالب وسلمى أم رافع، قيل والعباس بن عبد المطلب، وما روى من أنها اغتسلت قبل وفاتها وأوصت أن لا تغسل بعد ذلك فضعيف لا يعول عليه والله أعلم * وكان الّذي صلّى عليها زوجها على، وقيل عمها العباس، وقيل أبو بكر الصديق فالله أعلم، ودفنت ليلا وذلك ليلة الثلاثاء لثلاث خلون من رمضان سنة إحدى عشرة

стр. 2102

وقيل إنها توفيت بعده ﵇ بشهرين، وقيل بسبعين يوما، وقيل بخمسة وسبعين يوما، وقيل بثلاثة أشهر، وقيل بثمانية أشهر، والصحيح ما ثبت في الصحيح من طريق الزهري عن عروة عن عائشة أن فاطمة عاشت بعد النبي ﷺ ستة أشهر، ودفنت ليلا، ويقال إنها لم تضحك في مدة بقائها بعده ﵇، وأنها كانت تذوب من حزنها عليه، وشوقها إليه * واختلف في مقدار سنها يومئذ فقيل سبع وقيل ثمان وقيل تسع وعشرون، وقيل ثلاثون، وقيل خمس وثلاثون سنة، وهذا بعيد وما قبله أقرب منه والله أعلم * ودفنت بالبقيع وهي أول من ستر سريرها، وقد ثبت في الصحيح أن عليا كان له فرجة من الناس حياة فاطمة، فلما ماتت التمس مبايعة الصديق فبايعه كما هو مروى في البخاري، وهذه البيعة لإزالة ما كان وقع من وحشة حصلت بسبب الميراث ولا ينفى ما ثبت من البيعة المتقدمة عليها كما قررنا والله أعلم * وممن توفى في هذه السنة أم أيمن بركة بنت ثعلبة بن عمرو بن حصين بن مالك بن سلمة بن عمرو بن النعمان مولاة رسول الله ﷺ ورثها من أبيه، وقيل من أمه، وحضنته وهو صغير، وكذلك بعد ذلك وقد شربت بوله فقال لها: لقد احتضرت بحضار من النار، وقد أعتقها وزوجها عبيدا فولدت منه ابنها أيمن فعرفت به، ثم تزوجها زيد بن حارثة، مولى رسول الله، فولدت أسامة بن زيد، وقد هاجرت الهجرتين الى الحبشة والمدينة وكانت من الصالحات، وكان ﵇ يزورها في بيتها ويقول: هي أمى بعد أمى، وكذلك كان أبو بكر وعمر يزورانها في بيتها، كما تقدم ذلك في ذكر الموالي وقد توفيت بعده ﵇ بخمسة أشهر وقيل بستة أشهر. ومنهم ثابت بن أقرم بن ثعلبة ابن عدي بن العجلان البلوى حليف الأنصار شهد بدرا وما بعدها، وكان ممن حضر مؤتة، فلما قتل عبد الله بن رواحة دفعت الراية إليه فسلمها لخالد بن الوليد، وقال: أنت أعلم بالقتال منى، وقد تقدم أن طليحة الأسدي قتله وقتل معه عكاشة بن محصن وذلك حين يقول طليحة: عشية غادرت ابن أقرم ثاويا … وعكاشة الغنمي تحت مجال وذلك في سنة إحدى عشرة، وقيل سنة ثنتى عشرة، وعن عروة أنه قتل في حياة النبي ﷺ وهذا غريب، والصحيح الأول والله أعلم * ومنهم ثابت بن قيس بن شماس الأنصاري الخزرجي أبو محمد خطيب الأنصار ويقال له أيضا خطيب النبي ﷺ وقد ثبت عنه ﵇ أنه بشره بالشهادة، وقد تقدم الحديث في دلائل النبوة، فقتل يوم اليمامة شهيدا، وكانت راية الأنصار يومئذ بيده * وروى الترمذي بإسناد على شرط مسلم عن أبى هريرة أن رسول الله

стр. 2103

قال: نعم الرجل ثابت بن قيس بن شماس، وقال أبو القاسم الطبراني: ثنا أحمد بن المعلى الدمشقيّ: ثنا سليمان بن عبد الرحمن، ثنا الوليد بن مسلم، حدثني عبد الرحمن بن يزيد بن جابر عن عطاء الخراساني قال: قدمت المدينة فسألت عمن يحدثني بحديث ثابت بن قيس بن شماس، فأرشدونى إلى ابنته، فسألتها فقالت: سمعت أبى يقول: لما أنزل على رسول الله ﷺ ﴿إِنَّ اللهَ لا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتالٍ فَخُورٍ﴾ اشتدت على ثابت وغلق عليه بابه، وطفق يبكى فأخبر رسول الله فسأله فأخبره بما كبر عليه منها، وقال: أنا رجل أحب الجمال، وأنا أسود قومي، فقال: إنك لست منهم، بل تعيش بخير وتموت بخير، ويدخلك الله الجنة، فلما أنزل على رسول الله ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَرْفَعُوا أَصْواتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ وَلا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ﴾ فعل مثل ذلك فأخبر النبي ﷺ فأرسل إليه فأخبره بما كبر عليه منها، وأنه جهير الصوت، وأنه يتخوف أن يكون ممن حبط عمله، فقال: إنك لست منهم، بل تعيش حميدا وتقتل شهيدا ويدخلك الله الجنة، فلما استنفر أبو بكر المسلمين إلى أهل الردة واليمامة ومسيلمة الكذاب، سار ثابت فيمن سار، فلما لقوا مسيلمة وبنى حنيفة هزموا المسلمين ثلاث مرات، فقال ثابت وسالم مولى أبى حذيفة: ما هكذا كنا نقاتل مع رسول الله ﷺ فجعلا لأنفسهما حفرة فدخلا فيها فقاتلا حتى قتلا، قالت: ورأى رجل من المسلمين ثابت بن قيس في منامه فقال: إني لما قتلت بالأمس مر بي رجل من المسلمين فانتزع منى درعا نفيسة ومنزله في أقصى العسكر وعند منزله فرس بتن في طوله، وقد أكفأ على الدرع برمة، وجعل فوق البرمة رحلا، وائت خالد بن الوليد فليبعث إلى درعي فليأخذها، فإذا قدمت على خليفة رسول الله فأعلمه أن على من الدين كذا ولي من المال كذا وفلان من رقيقي عتيق، وإياك أن تقول: هذا حلم فتضيعه، قال: فأتى خالدا فوجه إلى الدرع فوجدها كما ذكر، وقدم على أبى بكر فأخبره فأنفذ أبو بكر وصيته بعد موته فلا نعلم أحدا جازت وصيته بعد موته إلا ثابت بن قيس بن شماس * ولهذا الحديث وهذه القصة شواهد أخر، والحديث المتعلق بقوله: ﴿لا تَرْفَعُوا أَصْواتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ،﴾ في صحيح مسلم عن أنس * وقال حماد بن سلمة: عن ثابت عن أنس أن ثابت بن قيس بن شماس، جاء يوم اليمامة وقد تحنط ونشر أكفانه وقال: اللهمّ إني أبرأ إليك مما جاء به هؤلاء وأعتذر إليك مما صنع هؤلاء، فقتل وكانت له درع فسرقت فرآه رجل فيما يرى النائم فقال: إن درعي في قدر تحت الكانون في مكان كذا وكذا وأوصاه بوصايا، فطلبوا الدرع فوجدوها وأنفذوا الوصايا، رواه الطبراني أيضا * ومنهم حزن بن أبى وهب ابن عمرو بن عامر بن عمران المخزومي، له هجرة ويقال: أسلم عام الفتح، وهو جد سعيد بن المسيب أراد رسول الله ﷺ أن يسميه سهلا فامتنع وقال: لا أغير اسما سمانيه أبواي، فلم تزل الحزونة فينا.

стр. 2104

استشهد يوم اليمامة وقتل معه أيضا ابناه عبد الرحمن ووهب، وابن ابنه حكيم بن وهب بن حزن. وممن استشهد في هذه السنة داذويه الفارسي أحد أمراء اليمن الذين قتلوا الأسود العنسيّ، قتله غيلة قيس بن مكشوح حين ارتد قبل أن يرجع قيس إلى الإسلام فلما عنفه الصديق على قتله أنكر ذلك فقبل علانيته وإسلامه. ومنهم زيد بن الخطاب ابن نفيل القرشي العدوي أبو محمد، وهو أخو عمر بن الخطاب لأبيه، وكان زيد أكبر من عمر، أسلم قديما، وشهد بدرا، وما بعدها وقد آخى رسول الله ﷺ بينه وبين معن بن عدي الأنصاري وقد قتلا جميعا باليمامة، وقد كانت راية المهاجرين يومئذ بيده، فلم يزل يتقدم بها حتى قتل فسقطت، فأخذها سالم مولى أبى حذيفة، وقد قتل زيد يومئذ الرجال بن عنفوة، واسمه نهار، وكان الرجال هذا قد أسلم وقرأ البقرة ثم ارتد ورجع فصدق مسيلمة وشهد له بالرسالة، فحصل به فتنة عظيمة، فكانت وفاته على يد زيد رضى الله عن زيد. ثم قتل زيدا رجل يقال له أبو مريم الحنفي، وقد أسلم بعد ذلك وقال لعمر: يا أمير المؤمنين إن الله أكرم زيدا بيدي ولم يهنى على يده، وقيل: إنما قتله سلمة بن صبيح ابن عم أبى مريم هذا، ورجحه أبو عمر وقال: لأن عمر استقضى أبا مريم، وهذا لا يدل على نفى ما تقدم والله أعلم * وقد قال عمر لما بلغه مقتل زيد بن الخطاب: سبقني إلى الحسنيين أسلم قبلي، واستشهد قبلي، وقال لمتمم بن نويرة حين جعل يرثى أخاه مالكا بتلك الأبيات المتقدم ذكرها: لو كنت أحسن الشعر لقلت كما قلت، فقال له متمم: لو أن أخى ذهب على ما ذهب عليه أخوك ما حزنت عليه، فقال له عمر: ما عزانى أحد بمثل ما عزيتنى به، ومع هذا كان عمر يقول ما هبت الصبا إلا ذكرتني زيد بن الخطاب، ﵁. ومنهم سالم بن عبيد ويقال: ابن يعمل مولى أبى حذيفة بن عتبة بن ربيعة، وإنما كان معتقا لزوجته ثبيتة بنت يعاد وقد تبناه أبو حنيفة وزوجه بابنة أخيه فاطمة بنت الوليد بن عتبة، فلما أنزل الله ﴿اُدْعُوهُمْ لِآبائِهِمْ﴾ جاءت امرأة أبى حذيفة سهلة بنت سهل بن عمرو فقالت: يا رسول الله إن سالما يدخل على وأنا غفل، فأمرها أن ترضعه فأرضعته فكان يدخل عليها بتلك الرضاعة، وكان من سادات المسلمين، أسلم قديما وهاجر إلى المدينة قبل رسول الله ﷺ ، فكان يصلّى بمن بها من المهاجرين، وفيهم عمر بن الخطاب لكثرة حفظه القرآن، وشهد بدرا وما بعدها وهو أحد الأربعة الذين قال فيهم رسول الله ﷺ : استقرءوا القرآن من أربعة، فذكر منهم سالما مولى أبى حذيفة، وروى عن عمر أنه قال: لما احتضر لو كان سالم حيا لما جعلتها شورى، قال أبو عمر بن عبد البر: معناه أنه كان يصدر عن رأيه فيمن

стр. 2105

يوليه الخلافة. ولما أخذ الراية يوم اليمامة بعد مقتل زيد بن الخطاب قال له المهاجرون: أتخشى أن نؤتى من قبلك؟ فقال: بئس حامل القرآن أنا إذا. انقطعت يده اليمنى فأخذها بيساره، فقطعت فاحتضنها وهو يقول ﴿وَما مُحَمَّدٌ إِلاّ رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ﴾ ﴿وَكَأَيِّنْ مِنْ نَبِيٍّ قاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ﴾ فلما صرع قال لأصحابه: ما فعل أبو حذيفة؟ قالوا: قتل، قال: فما فعل فلان؟ قالوا: قتل، قال: فأضجعونى بينهما. وقد بعث عمر بميراثه إلى مولاته التي أعتقته «بثينة» فردته وقالت: إنما أعتقته سائبة، فجعله عمر في بيت المال. ومنهم أبو دجانة سماك بن خرشة ويقال سماك بن أوس بن خرشة بن لوذان بن عبد ودّ بن زيد بن ثعلبة بن الخزرج بن ساعدة بن كعب بن الخزرج الأنصاري الخزرجي، شهد بدرا وأبلى يوم أحد، وقاتل شديدا وأعطاه رسول الله ﷺ يومئذ سيفا فأعطاه حقه وكان يتبختر عند الحرب، فقال ﵇: إن هذه لمشية يبغضها الله، إلا في هذا الموطن. وكان يعصب رأسه بعصابة حمراء، شعارا له بالشجاعة. وشهد اليمامة ويقال إنه ممن اقتحم على بنى حنيفة يومئذ الحديقة فانكسرت رجله، فلم يزل يقاتل حتى قتل يومئذ. وقد قتل مسيلمة مع وحشي بن حرب رماه وحشي بالحربة وعلاه أبو دجانة بالسيف، قال وحشي: فربك أعلم أينا قتله. وقد قيل إنه عاش حتى شهد صفين مع على، والأول أصح. وأما ما يروى عنه من ذكر الحرز المنسوب إلى أبى دجانة فأسناده ضعيف ولا يلتفت إليه والله أعلم. ومنهم شجاع بن وهب ابن ربيعة الأسدي، حليف بنى عبد شمس، أسلم قديما وهاجر وشهد بدرا وما بعدها. وكان رسول رسول الله إلى الحارث بن أبى شمر الغساني فلم يسلّم، وأسلم حاجبه سوى. واستشهد شجاع بن وهب يوم اليمامة عن بضع وأربعين سنة، وكان رجلا طوالا نحيفا أحنى. ومنهم الطفيل بن عمرو بن طريف ابن العاص بن ثعلبة بن سليم بن [فهر بن] غنم بن دوس الدوسيّ، أسلم قديما قبل الهجرة، وذهب إلى قومه فدعاهم إلى الله فهداهم الله على يديه، فلما هاجر النبي ﷺ إلى المدينة جاءه بتسعين أهل بيت من دوس مسلمين، وقد خرج عام اليمامة مع المسلمين ومعه ابنه عمرو، فرأى الطفيل في المنام كأن رأسه قد حلق، وكأن امرأة أدخلته في فرجها، وكأن ابنه يجتهد أن يلحقه فلم يصل. فأولها بأنه سيقتل ويدفن، وأن ابنه يحرص على الشهادة فلا ينالها عامه ذلك. وقد وقع الأمر كما أولها، ثم قتل ابنه شهيدا يوم اليرموك كما سيأتي. ومنهم عباد بن بشر بن وقش الأنصاري أسلم على يدي مصعب بن عمير قبل الهجرة قبل إسلام معاذ، وأسيد بن الحضير، وشهد بدرا

стр. 2106

وما بعدها. وكان ممن قتل كعب بن الأشرف، وكانت عصاه تضيء له إذا خرج من عند رسول الله في ظلمة. قال موسى بن عقبة عن الزهري: قتل يوم اليمامة شهيدا عن خمس وأربعين سنة، وكان له بلاء وعناء. وقال محمد بن إسحاق عن محمد بن جعفر بن الزبير عن عباد بن عبد الله بن الزبير عن عائشة قالت: تهجد رسول الله فسمع صوت عباد فقال: اللهمّ اغفر له. ومنهم السائب بن عثمان بن مظعون بدري من الرماة، أصابه يوم اليمامة سهم فقتله وهو شاب، ﵀. ومنهم السائب بن العوام أخو الزبير بن العوام استشهد يومئذ ﵀. ومنهم عبد الله بن سهيل بن عمرو ابن عبد شمس بن عبد ودّ القرشي العامري، أسلم قديما وهاجر ثم استضعف بمكة، فلما كان يوم بدر خرج معهم فلما تواجهوا فرّ إلى المسلمين فشهدها معهم، وقتل يوم اليمامة فلما حج أبو بكر عزى أباه فيه، فقال سهيل: بلغني أن رسول الله ﷺ قال: إن الشهيد ليشفع لسبعين من أهله، فأرجو أن يبدأ بى. ومنهم عبد الله بن عبد الله بن أبى بن سلول الأنصاري الخزرجي، كان من سادات الصحابة وفضلائهم، شهد بدرا وما بعدها وكان أبوه رأس المنافقين، وكان أشد الناس على أبيه، ولو أذن له رسول الله فيه لضرب عنقه، وكان اسمه الحباب فسماه رسول الله ﷺ عبد الله، وقد استشهد يوم اليمامة ﵁. ومنهم عبد الله بن أبى بكر الصديق أسلم قديما، ويقال: إنه الّذي كان يأتى بالطعام والشراب والأخبار إلى رسول الله ﷺ وإلى أبى بكر وهما بغار ثور، ويبيت عندهما ويصبح بمكة كبائت، فلا يسمع بأمر يكادان به إلا أخبرهما به. وقد شهد الطائف فرماه رجل يقال له أبا محجن الثقفي بسهم فذوى منها فاندملت ولكن لم يزل منها حمتا حتى مات (١) في شوال سنة إحدى عشرة. ومنهم عكاشة بن محصن ابن حرثان بن قيس بن مرة بن كثير (٢) بن غنم بن دودان بن أسد بن خزيمة الأسدي حليف بنى عبد شمس، يكنى أبا محصن، وكان من سادات الصحابة وفضلائهم، هاجر وشهد بدرا وأبلى يومئذ بلاء حسنا وانكسر سيفه فأعطاه رسول الله يومئذ عرجونا فعاد في يده سيفا أمضى من الحديد شديد

стр. 2107

المتن. وكان ذلك السيف يسمى العون. وشهد أحدا والخندق وما بعدها. ولما ذكر رسول الله ﷺ السبعين ألفا الذين يدخلون الجنة بغير حساب فقال عكاشة: يا رسول الله ادع الله أن يجعلني منهم. فقال: اللهمّ اجعله منهم، ثم قام رجل آخر فقال: يا رسول الله ادع الله أن يجعلني منهم، فقال: سبقك بها عكاشة. والحديث مروى من طرق تفيد القطع. وقد خرج عكاشة مع خالد يوم إمرة الصديق بذي القصة فبعثه وثابت بن أقرم بين يديه طليعة، فتلقاهما طليحة الأسدي وأخوه سلمة فقتلاهما، وقد قتل عكاشة قبل مقتله حبال بن طليحة، ثم أسلم طليحة بعد ذلك كما ذكرنا، وكان عمر عكاشة يومئذ أربعا وأربعين سنة وكان من أجمل الناس ﵁. ومنهم معن بن عدي ابن الجعد بن عجلان بن ضبيعة البلوى، حليف بنى عمرو بن عوف. وهو أخو عاصم بن عدي شهد العقبة وبدرا وأحدا والخندق وسائر المشاهد، وكان قد آخى رسول الله ﷺ بينه وبين زيد ابن الخطاب فقتلا جميعا يوم اليمامة ﵄، وقال مالك عن ابن شهاب عن سالم عن أبيه قال: بكى الناس على رسول الله ﷺ حين مات وقالوا: والله وددنا أنا متنا قبله ونخشى أن نفتتن بعده، فقال معن بن عدي: لكنى والله ما أحب أن أموت قبله لأصدقه ميتا كما صدقته حيا * ومنهم الوليد وأبو عبيدة ابنا عمارة بن الوليد بن المغيرة، قتلا مع عمهما خالد بن الوليد بالبطاح وأبوهما عمارة بن الوليد وهو صاحب عمرو بن العاص إلى النجاشي، وقضيته مشهورة. ومنهم أبو حذيفة بن عتبة بن ربيعة ابن عبد شمس القرشي العبشمي أسلم قديما قبل دار الأرقم، وهاجر إلى الحبشة وإلى المدينة وشهد بدرا وما بعدها، وآخى رسول الله ﷺ بينه وبين عباد بن بشر وقد قتلا شهيدين يوم اليمامة. وكان عمر أبى حذيفة يومئذ ثلاثا أو أربعا وخمسين سنة، وكان طويلا حسن الوجه أثعل، وهو الّذي له سن زائدة وكان اسمه هشيم وقيل هاشم. ومنهم أبو دجانة واسمه سماك بن خرشة تقدم قريبا * وبالجملة فقد قتل من المسلمين يوم اليمامة أربعمائة وخمسون من حملة القرآن ومن الصحابة وغيرهم. وإنما أوردنا هؤلاء لشهرتهم وبالله المستعان. قلت: وممن استشهد يومئذ من المهاجرين مالك بن عمرو حليف بنى غنم مهاجري بدري، ويزيد بن رقيش بن رباب الأسدي بدري، والحكم بن سعيد بن العاص بن أمية الأموي، وحسن بن مالك بن بحينة أخو عبد الله بن مالك الأزدي، حليف بنى المطلب بن عبد مناف، وعامر بن البكر الليثي حليف بنى عدي بدري، ومالك بن ربيعة حليف بنى عبد شمس، وأبو أمية صفوان بن أمية بن عمرو، ويزيد بن أوس حليف بنى عبد الدار، وحيي ويقال معلى بن

стр. 2108

حارثة الثقفي، وحبيب بن أسيد بن حارثة الثقفي، والوليد بن عبد شمس المخزومي، وعبد الله بن عمرو بن بجرة العدوي، وأبو قيس بن الحارث بن قيس السهمي، وهو من مهاجرة الحبشة، وعبد الله بن الحارث بن قيس، وعبد الله بن مخرمة بن عبد العزى بن أبى قيس بن عبد ودّ بن نصر العامري، من المهاجرين الأولين، شهد بدرا وما بعدها، وقتل يومئذ، وعمرو بن أويس بن سعد بن أبى سرح العامري، وسليط بن عمرو العامري، وربيعة بن أبى خرشة العامري، وعبد الله بن الحارث بن رحضة من بنى عامر. ومن الأنصار غير من ذكرنا تراجمهم عمارة بن حزم بن زيد بن لوذان النجاري، وهو أخو عمرو بن حزم، كانت معه راية قومه يوم الفتح، وقد شهد بدرا وقتل يومئذ. وعقبة بن عامر بن نابي بن زيد بن حرام السلمي، شهد العقبة الاولى وشهد بدرا وما بعدها. وثابت بن هزال من بنى سالم بن عوف بدري. في قول. وأبو عقيل بن عبد الله بن ثعلبة من بنى جحجبى، شهد بدرا وما بعدها، فلما كان يوم اليمامة أصابه سهم فنزعه ثم تحزم وأخذ سيفه فقاتل حتى قتل، وقد أصابته جراحات كثيرة. وعبد الله بن عتيك، ورافع بن سهل، وحاجب بن يزيد الأشهلي. وسهل بن عدي. ومالك بن أوس. وعمر بن أوس، وطلحة بن عتبة من بنى جحجبى، ورباح مولى الحارث، ومعن بن عدي، وجزء بن مالك بن عامر من بنى جحجبى، وورقة بن إياس بن عمرو الخزرجي بدري، ومروان بن العباس، وعامر بن ثابت، وبشر بن عبد الله الخزرجي، وكليب بن تميم، وعبد الله بن عتبان، وإياس بن وديعة، وأسيد بن يربوع، وسعد بن حارثة، وسهل بن حمان، ومحاسن بن حمير، وسلمة بن مسعود، وقيل مسعود بن سنان، وضمرة بن عياض، وعبد الله بن أنيس، وأبو حبة بن غزية المازني، وخباب ابن زيد، وحبيب بن عمرو بن محصن، وثابت بن خالد، وفروة بن النعمان، وعائذ بن ماعص، ويزيد بن ثابت بن الضحاك، أخو زيد بن ثابت. قال خليفة بن حناط: فجميع من استشهد من المهاجرين والأنصار يوم اليمامة ثمانية وخمسون رجلا، يعنى وبقية الأربعمائة والخمسين من غيرهم والله أعلم * وقد قتل من الكفار فيما سقنا من المواطن التي التقى فيها المسلمون والمشركون في هذه وأوائل التي قبلها، ما ينيف على خمسين ألفا ولله الحمد والمنة، وبه التوفيق والعصمة. فمن مشاهيرهم الأسود العنسيّ لعنه الله، واسمه عبهلة بن كعب بن غوث، خرج أول مخرجه من بلدة باليمن يقال لها كهف خبان ومعه سبعمائة مقاتل، فما مضى شهر حتى تملك صنعاء ثم استوثقت له اليمن بحذافيرها في أقصر مدة، وكان معه شيطان يحذق له ولكن خانه أحوج ما كان إليه. ثم لم تمض له ثلاثة أشهر أو أربعة أشهر حتى قتله الله على يدي إخوان صدق، وأمراء حق، كما قدمنا ذكره وهم دازويه الفارسي، وفيروز الديلميّ، وقيس بن مكشوح المرادي، وذلك في ربيع الأول من سنة إحدى عشرة. قبل وفاة

стр. 2109

رسول الله ﷺ بليال، وقيل بليلة فالله أعلم * وقد أطلع الله رسوله الله ليلة قتله على ذلك كما أسلفناه. ومنهم مسيلمة بن حبيب اليمامي الكذاب لعنه الله قدم المدينة وافدا إلى رسول الله ﷺ مع قومه بنى حنيفة، وقد وقف عليه رسول الله ﷺ فسمعه وهو يقول: إن جعل لي محمد الأمر من بعده اتبعته، فقال له: لو سألتني هذا العود - لعرجون في يده - ما أعطيتكه، ولئن أدبرت ليعقرنك الله، وإني لأراك الّذي أريت فيه ما أريت، وكان رسول الله ﷺ قد رأى في المنام كأن في يده سوارين من ذهب فأهمه شأنهما، فأوحى الله إليه في المنام انفخهما، فنفخهما فطارا، فأولهما بكذابين يخرجان، وهما صاحب صنعاء، وصاحب اليمامة. وهكذا وقع، فأنهما ذهبا وذهب أمرهما. أما الأسود فذبح في داره، وأما مسيلمة فعقره الله على يدي وحشي بن حرب رماه بالحربة فأنفذه كما تعقر الإبل، وضربه أبو دجانة على رأسه ففلقه وذلك بعقر داره في الحديقة التي يقال لها حديقة الموت. وقد وقف عليه خالد بن الوليد وهو طريح - أراه إياه من بين القتلى مجاعة بن مرارة. -، ويقال: كان أصفر أخينس وقيل كان ضخما أسمر اللون كأنه جمل أورق، ويقال إنه مات وعمره مائة وأربعون سنة فالله أعلم. وقد قتل قبله وزيراه ومستشاراه لعنهما الله، وهما محكم بن الطفيل الّذي يقال له محكم اليمامة، قتله عبد الرحمن بن أبى بكر، رماه بسهم وهو يخطب قومه يأمرهم بمصالح حربهم فقتله، والآخر نهار بن عنفوة الّذي يقال له الرجال بن عنفوة، وكان ممن أسلم ثم ارتد وصدق مسيلمة لعنهما الله في هذه الشهادة، وقد رزق الله زيد بن الخطاب قتله قبل أن يقتل زيد ﵁ * ومما يدل على كذب الرجال في هذه الشهادة الضرورة في دين الإسلام، وما رواه البخاري وغيره أن مسيلمة كتب إلى رسول الله ﷺ : بسم الله الرحمن الرحيم من مسيلمة رسول الله إلى محمد رسول الله سلام عليك: أما بعد فأنى قد أشركت معك في الأمر، فلك المدر ولي الوبر، ويروى فلكم نصف الأرض ولنا نصفها، ولكن قريشا قوم يعتدون، فكتب إليه رسول الله ﷺ : «بسم الله الرحمن الرحيم من محمد رسول الله إلى مسيلمة الكذاب، سلام على من اتبع الهدى، أما بعد فأن الأرض لله يورثها من يشاء من عباده والعاقبة للمتقين». وقد قدمنا ما كان يتعاطاه مسيلمة ويتعاناه لعنه الله من الكلام الّذي هو أسخف من الهذيان، مما كان يزعم أنه وحي من الرحمن تعالى الله عما يقوله وأمثاله علوا كبيرا، ولما مات رسول الله ﷺ زعم أنه استقل بالأمر من بعده واستخف قومه فأطاعوه وكان يقول: خذي الدف يا هذه والعبي … وبثي محاسن هذا النبي تولى نبي بنى هاشم … وقام نبي بنى يعرب فلم يمهله الله بعد وفاة رسول الله ﷺ إلا قليلا حتى سلط الله عليه سيفا من سيوفه، وحتفا

стр. 2110

من حتوفه فبعج بطنه، وفلق رأسه وعجل الله بروحه إلى النار فبئس القرار، قال الله تعالى ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ اِفْتَرى عَلَى اللهِ كَذِباً أَوْ قالَ أُوحِيَ إِلَيَّ وَلَمْ يُوحَ إِلَيْهِ شَيْءٌ وَمَنْ قالَ سَأُنْزِلُ مِثْلَ ما أَنْزَلَ اللهُ وَلَوْ تَرى إِذِ الظّالِمُونَ فِي غَمَراتِ الْمَوْتِ وَالْمَلائِكَةُ باسِطُوا أَيْدِيهِمْ أَخْرِجُوا أَنْفُسَكُمُ الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذابَ الْهُونِ بِما كُنْتُمْ تَقُولُونَ عَلَى اللهِ غَيْرَ الْحَقِّ وَكُنْتُمْ عَنْ آياتِهِ تَسْتَكْبِرُونَ﴾ فمسيلمة والأسود وأمثالهما لعنهم الله أحق الناس دخولا في هذه الآية الكريمة، وأولاهم بهذه العقوبة العظيمة * سنة ثنتى عشرة من الهجرة النبويّة استهلت هذه السنة وجيوش الصديق وأمراؤه الذين بعثهم لقتال أهل الردة جوالون في البلاد يمينا وشمالا، لتمهيد قواعد الإسلام وقتال الطغاة من الأنام، حتى رد شارد الدين بعد ذهابه، ورجع الحق إلى نصابه، وتمهدت جزيرة العرب، وصار البعيد الأقصى كالقريب الأدنى، وقد قال جماعة من علماء السير والتواريخ: إن وقعة اليمامة كانت في ربيع الأول من هذه السنة، وقيل: إنها كانت في أواخر التي قبلها، والجمع بين القولين أن ابتداءها كان في السنة الماضية، وانتهاءها وقع في هذه السنة الآتية، وعلى هذا القول ينبغي أن يذكروا في السنة الماضية كما ذكرناه لاحتمال أنهم قتلوا في الماضية، ومبادرة الى استيفاء تراجمهم قبل أن يذكروا مع من قتل بالشام والعراق في هذه السنة على ما سنذكر إن شاء الله وبه الثقة وعليه التكلان * وقد قيل: إن وقعة جواثا وعمان ومهرة وما كان من الوقائع التي أشرنا إليها إنما كانت في سنة ثنتى عشرة وفيها كان قتل الملوك الأربعة حمد ومحرس وأبضعة ومشرحا، وأختهم العمردة الذين ورد الحديث في مسند أحمد بلعنهم. وكان الّذي قتلهم زياد بن لبيد الأنصاري. بعث خالد بن الوليد إلى العراق لما فرغ خالد بن الوليد من اليمامة، بعث إليه الصديق أن يسير إلى العراق، وأن يبدأ بفرج الهند، وهي الأبلة، ويأتى العراق من أعاليها، وأن يتألف الناس ويدعوهم إلى الله ، فان أجابوا وإلا أخذ منهم الجزية فان امتنعوا عن ذلك قاتلهم، وأمره أن لا يكره أحدا على المسير معه، ولا يستعين بمن ارتد عن الإسلام وإن كان عاد إليه. وأمره أن يستصحب كل امرئ مر به من المسلمين. وشرع أبو بكر في تجهيز السرايا والبعوث والجيوش إمدادا لخالد ﵁. قال الواقدي اختلف في خالد، فقائل يقول: مضى من وجهه ذلك من اليمامة إلى العراق، وقائل يقول: رجع من اليمامة إلى المدينة ثم سار إلى العراق من المدينة فمر على طريق الكوفة حتى انتهى إلى الحيرة. قلت: والمشهور الأول. وقد ذكر المدائني بإسناده أن خالدا توجه إلى العراق في المحرم سنة اثنتي عشرة، فجعل طريقه البصرة وفيها قطبة بن قتادة، وعلى الكوفة المثنى بن حارثة الشيباني. وقال محمد بن

стр. 2111

إسحاق عن صالح بن كيسان: إن أبا بكر كتب إلى خالد أن يسير إلى العراق فمضى خالد يريد العراق حتى نزل بقريات من السواد يقال لها بانقيا وباروسما، وصاحبها جابان، فصالحه أهلها. قلت: وقد قتل منهم المسلمون قبل الصلح خلقا كثيرا. وكان الصلح على ألف درهم، وقيل دينار، في رجب، وكان الّذي صالحه بصبهرى بن صلوبا، ويقال صلوبا بن بصبهرى، فقبل منهم خالد وكتب لهم كتابا، ثم أقبل حتى نزل الحيرة فخرج إليه أشرافها مع قبيصة بن إياس بن حيّة الطائي وكان أمره عليها كسرى بعد النعمان بن المنذر فقال لهم خالد: أدعوكم إلى الله وإلى الإسلام فأن أجبتم إليه فأنتم من المسلمين لكم ما لهم وعليكم ما عليهم، فأن أبيتم فالجزية فأن أبيتم فقد أتيتكم بأقوام هم أحرص على الموت منكم على الحياة، جاهدناكم حتى يحكم الله بيننا وبينكم. فقال له قبيصة: ما لنا بحر بك من حاجة بل نقيم على ديننا ونعطيكم الجزية. فقال لهم خالد: تبا لكم إن الكفر فلاة مضلة، فأحمق العرب من سلكها، فلقيه رجلان أحدهما عربي والآخر أعجمى فتركه (١) واستدل بالعجمي، ثم صالحهم على تسعين ألفا، وفي رواية مائتي ألف درهم، فكانت أول جزية أخذت من العراق وحملت إلى المدينة هي والقريات قبلها التي صالح عليها ابن صلوبا. قلت: وقد كان مع نائب كسرى على الحيرة ممن وفد إلى خالد عمرو بن عبد المسيح بن حبان بن بقيلة (٢)، وكان من نصارى العرب، فقال له خالد: من أين أثرك؟ قال: من ظهر أبى، قال: ومن أين خرجت؟ قال: من بطن أمى، قال: ويحك على أي شيء أنت؟ قال: على الأرض، قال: ويحك وفي أي شيء أنت؟ قال: في ثيابي، قال: ويحك على اى شيء أنت؟ قال: على الأرض، قال: ويحك وفي أي شيء أنت؟ قال: في ثيابي، قال: ويحك تعقل؟ قال: نعم وأقيد، قال: إنما أسألك، قال: وأنا أجيبك، قال: أسلم أنت أم حرب؟ قال: بل سلّم، قال: فما هذه الحصون التي أرى؟ قال: بنيناها للسفيه نحبسه حتى يجيء الحليم فينهاه، ثم دعاهم إلى الإسلام أو الجزية أو القتال، فأجابوا إلى الجزية بتسعين أو مائتي ألف كما تقدم * ثم بعث خالد ابن الوليد كتابا إلى أمراء كسرى بالمدائن ومرازبته ووزرائه، كما قال هشام بن الكلبي عن أبى مخنف عن مجالد عن الشعبي قال: أقرأنى بنو بقيلة كتاب خالد بن الوليد إلى أهل المدائن: من خالد ابن الوليد إلى مرازبة أهل فارس، سلام على من اتبع الهدى، أما بعد فالحمد لله الّذي فضّ خدمكم وسلب ملككم ووهّن كيدكم، وان من صلّى صلاتنا واستقبل قبلتنا وأكل ذبيحتنا فذلكم المسلم الّذي له ما لنا وعليه ما علينا، أما بعد فإذا جاءكم كتابي فابعثوا إلى بالرّهن واعتقدوا منى الذمة، وإلا فو الّذي لا إله غيره لأبعثن إليكم قوما يحبون الموت كما تحبون أنتم الحياة. فلما قرءوا الكتاب أخذوا يتعجبون. وقال سيف بن عمر عن طليحة الأعلم عن المغيرة بن عيينة - وكان قاضى أهل الكوفة - قال: فرق خالد مخرجه من اليمامة إلى العراق جنده ثلاث فرق، ولم يحملهم على طريق

стр. 2112

واحدة، فسرح المثنى قبله بيومين ودليله ظفر، وسرح عدي بن حاتم وعاصم بن عمرو، ودليلاهما مالك بن عباد وسالم بن نصر، أحدهما قبل صاحبه بيوم، وخرج خالد - يعنى في آخرهم - ودليله رافع فواعدهم جميعا الحفير ليجتمعوا به، ويصادموا عدوهم، وكان فرج الهند أعظم فروج فارس بأسا وأشدها شوكة، وكان صاحبه يحارب في البر والهند في البحر وهو هرمز، فكتب إليه خالد فبعث هرمز بكتاب خالد إلى شيرى بن كسرى، وأردشير بن شيرى، وجمع هرمز، وهو نائب كسرى جموعا كثيرة وسار بهم إلى كاظمة، وعلى مجنبتيه قباذ وأنوشجان - وهما من بيت الملك - وقد تفرق الجيش في السلاسل لئلا يفروا، وكان هرمز هذا من أخبث الناس طوية وأشدهم كفرا، وكان شريفا في الفرس وكان الرجل كلما ازداد شرفا زاد في حليته، فكانت قلنسوة هرمز بمائة ألف، وقدم خالد بمن معه من الجيش وهم ثمانية عشر ألفا فنزل تجاههم على غير ماء فشكى أصحابه ذلك، فقال: جالد وهم حتى تجلوهم عن الماء، فأن الله جاعل الماء لأصبر الطائفتين، فلما استقر بالمسلمين المنزل وهم ركبان على خيولهم، بعث الله سحابة فأمطرتهم حتى صار لهم غدران من ماء. فقوى المسلمون بذلك، وفرحوا فرحا شديدا، فلما تواجه الصفان وتقاتل الفريقان، ترجل هرمز ودعا إلى النزال، فترجل خالد وتقدم إلى هرمز، فاختلفا ضربتين واحتضنه خالد، وجاءت حامية هرمز فما شغله عن قتله، وحمل القعقاع بن عمرو على حامية هرمز فأناموهم، وانهزم أهل فارس وركب المسلمون أكتافهم إلى الليل واستحوذ المسلمون وخالد على أمتعتهم وسلاحهم فبلغ وقر ألف بعير، وسميت هذه الغزوة ذات السلاسل لكثرة من سلسل بها من فرسان فارس، وأفلت قباذ وأنوشجان * ولما رجع الطلب نادى منادى خالد بالرحيل فسار بالناس وتبعته الأثقال حتى نزل بموضع الجسر الأعظم من البصرة اليوم، وبعث بالفتح والبشارة والخمس، مع زر ابن كليب، إلى الصديق، وبعث معه بفيل، فلما رآه نسوة أهل المدينة جعلن يقلن أمن خلق الله هذا أم شيء مصنوع؟ فرده الصديق مع زر، وبعث أبو بكر لما بلغه الخبر إلى خالد، فنفله سلب هرمز، وكانت قلنسوته بمائة ألف، وكانت مرصعة بالجوهر وبعث خالد الأمراء يمينا وشمالا يحاصرون حصونا هنالك ففتحوها عنوة وصلحا، وأخذوا منها أموالا جمة، ولم يكن خالد يتعرض للفلاحين - من لم يقاتل منهم - ولا أولادهم بل للمقاتلة من أهل فارس * ثم كانت وقعة المذار في صفر من هذه السنة. ويقال لها: وقعة الثني، وهو النهر، قال ابن جرير ويومئذ قال الناس، صفر الأصفار، فيه يقتل كل جبار، على مجمع الأنهار. وكان سببها أن هرمزا كان قد كتب إلى أردشير وشيرى، بقدوم خالد نحوه من اليمامة، فبعث إليه كسرى بمدد مع أمير يقال له: قارن بن قريانس، فلم يصل إلى هرمز حتى كان من أمره مع خالد ما تقدم وفر من فر من الفرس، فتلقاهم قارن، فالتفوا عليه فتذامروا واتفقوا على العود إلى خالد، فساروا إلى موضع يقال له: المذار، وعلى مجنبتي قارن قباذ وأنوشجان، فلما انتهى

стр. 2113

الخبر إلى خالد، قسم ما كان معه من أربعة أخماس غنيمة يوم ذات السلاسل وأرسل إلى الصديق بخبره مع الوليد بن عقبة، وسار خالد بمن معه من الجيوش حتى نزل على المذار، وهو على تعبئته، فاقتتلوا قتال حنق وحفيظة، وخرج قارن يدعو إلى البراز فبرز إليه خالد وابتدره الشجعان من الأمراء فقتل معقل بن الأعشى بن النباش قارنا، وقتل عدي بن حاتم قباذ، وقتل عاصم أنوشجان، وفرت الفرس وركبهم المسلمون في ظهورهم فقتلوا منهم يومئذ ثلاثين ألفا وغرق كثير منهم في الأنهار والمياه، وأقام خالد بالمذار وسلم الأسلاب إلى من قتل، وكان قارن قد انتهى شرفه في أبناء فارس * وجمع بقية الغنيمة وخمسها، وبعث بالخمس والفتح والبشارة إلى الصديق، مع سعيد بن النعمان، أخى بنى عدي بن كعب وأقام خالد هناك حتى قسم أربعة الأخماس وسبى ذراري من حصره من المقاتلة، دون الفلاحين فأنه أقرهم بالجزية وكان في هذا السبي حبيب أبو الحسن البصري وكان نصرانيا ومافنّة مولى عثمان وأبو زياد مولى المغيرة بن شعبة * ثم أمر على الجند سعيد بن النعمان وعلى الجزية سويد ابن مقرّن، وأمره أن ينزل الحفير ليجبى إليه الأموال وأقام خالد يتجسس الأخبار عن الأعداء * ثم كان أمر الولجة في صفر أيضا من هذه السنة، فيما ذكره ابن جرير وذلك لأنه لما انتهى الخبر بما كان بالمذار من قبل قارن وأصحابه إلى أردشير وهو ملك الفرس يومئذ، بعث أميرا شجاعا يقال له الأندرزغر، وكان من أبناء السواد ولد بالمدائن ونشأ بها وأمده بجيش آخر مع أمير يقال له بهمن جاذويه، فساروا حتى بلغوا مكانا يقال له: الولجة، فسمع بهم خالد فسار بمن معه من الجنود ووصى من استخلفه هناك بالحذر وقلة الغفلة، فنازل أندرزغر ومن ناشب معه، واجتمع عنده بالولجة، فاقتتلوا قتالا شديدا هو أشد مما قبله، حتى ظن الفريقان أن الصبر قد فرغ، واستبطأ كمينه الّذي كان قد أرصدهم وراءه في موضعين، فما كان إلا يسيرا حتى خرج الكمينان من هاهنا ومن هاهنا، ففرت صفوف الأعاجم فأخذهم خالد من أمامهم والكمينان من ورائهم، فلم يعرف رجل منهم مقتل صاحبه، وهرب الأندرزغر من الوقعة فمات عطشا، وقام خالد في الناس خطيبا فرغبهم في بلاد الأعاجم وزهدهم في بلاد العرب وقال: ألا ترون ما هاهنا من الأطعمات؟ وبالله لو لم يلزمنا الجهاد في سبيل الله والدعاء إلى الإسلام ولم يكن إلا المعاش لكان الرأى أن نقاتل على هذا الريف حتى نكون أولى به، ونولي الجوع والإقلال من تولاه ممن اثاقل عما أنتم عليه. ثم خمس الغنيمة، وقسم أربعة أخماسها بين الغانمين، وبعث الخمس إلى الصديق، وأسر من أسر من ذراري المقاتلة، وأقر الفلاحين بالجزية * وقال سيف بن عمر عن عمرو عن الشعبي، قال: بارز خالد يوم الولجة رجلا من الأعاجم يعدل بألف رجل فقتله، ثم اتكأ عليه وأتى بغدائه فأكله وهو متكئ عليه بين الصفين *

стр. 2114

ثم كانت وقعة أليس في صفر أيضا وذلك أن خالدا كان قد قتل يوم الولجة طائفة من بكر بن وائل، من نصارى العرب ممن كان مع الفرس، فاجتمع عشائرهم وأشدهم حنقا عبد الأسود العجليّ، وكان قد قتل له ابن بالأمس، فكاتبوا الأعاجم فأرسل إليهم أردشير جيشا، فاجتمعوا بمكان يقال له: أليس، فبينما هم قد نصبوا لهم سماطا فيه طعام يريدون أكله، إذ غافلهم خالد بجيشه، فلما رأوه أشار من أشار منهم بأكل الطعام وعدم الاعتناء بخالد، وقال أمير كسرى: بل ننهض إليه، فلم يسمعوا منه. فلما نزل خالد تقدم بين يدي جيشه ونادى بأعلى صوته لشجعان من هنالك من الأعراب: أين فلان، أين فلان؟ فكلهم تلكئوا عنه إلا رجلا يقال له مالك بن قيس، من بنى جذرة، فأنه برز إليه، فقال له خالد: يا ابن الخبيثة ما جرأك على من بينهم وليس فيك وفاء؟ فضربه فقتله. ونفرت الأعاجم عن الطعام وقاموا إلى السلاح فاقتتلوا قتالا شديدا جدا، والمشركون يرقبون قدوم بهمن مددا من جهة الملك إليهم، فهم في قوة وشدة وكلب في القتال. وصبر المسلمون صبرا بليغا، وقال خالد: اللهمّ لك عليّ إن منحتنا أكتافهم أن لا أستبقي منهم أحدا أقدر عليه حتى أجرى نهرهم بدمائهم. ثم إن الله منح المسلمين أكتافهم فنادى منادى خالد: الأسر، الأسر، لا تقتلوا إلا من امتنع من الأسر، فأقبلت الخيول بهم أفواجا يساقون سوقا، وقد وكل بهم رجالا يضربون أعناقهم في النهر، ففعل ذلك بهم يوما وليلة ويطلبهم في الغد ومن بعد الغد، وكلما حضر منهم أحد ضربت عنقه في النهر، وقد صرف ماء النهر إلى موضع آخر فقال له بعض الأمراء: إن النهر لا يجرى بدمائهم حتى ترسل الماء على الدم فيجري معه فتبر بيمينك، فأرسله فسال النهر دما عبيطا، فلذلك سمى نهر الدم إلى اليوم، فدارت الطواحين بذلك الماء المختلط بالدم العبيط ما كفى العسكر بكماله ثلاثة أيام، وبلغ عدد القتلى سبعين ألفا، ولما هزم خالد الجيش ورجع من رجع من الناس، عدل خالد إلى الطعام الّذي كانوا قد وضعوه ليأكلوه فقال للمسلمين: هذا نفل فانزلوا فكلوا، فنزل الناس فأكلوا عشاء. وقد جعل الأعاجم على طعامهم مرققا كثيرا فجعل من يراه من أهل البادية من الأعراب يقولون: ما هذه الرقع؟ يحسبونها ثيابا، فيقول لهم من يعرف ذلك من أهل الأرياف والمدن: أما سمعتم رقيق العيش؟ قالوا: بلى، قالوا: فهذا رقيق العيش، فسموه يومئذ رقاقا، وإنما كانت العرب تسميه العود * وقد قال سيف بن عمر عن عمرو بن محمد عن الشعبي عمن حدث عن خالد أن رسول الله ﷺ نفل الناس يوم خيبر الخبز والبطيخ والشواء وما أكلوا غير ذلك غير متأثليه * وكان كل من قتل بهذه الوقعة يوم أليس من بلدة يقال لها أمغيشيا، فعدل إليها خالد وأمر بخرابها واستولى على ما بها، فوجدوا بها مغنما عظيما، فقسم بين الغانمين فأصاب الفارس بعد النفل ألفا وخمسمائة غير ما تهيأ له مما قبله. وبعث خالد إلى الصديق بالبشارة والفتح والخمس من الأموال والسبي مع رجل يقال له جندل من

стр. 2115

بنى عجل، وكان دليلا صارما، فلما بلغ الصديق الرسالة وأدى الأمانة، أثنى عليه وأجازه جارية من السبي، وقال الصديق: يا معشر قريش إن أسدكم قد عدا على الأسد [فغلبه على خراذيله]، عجزت النساء أن يلدن مثل خالد بن الوليد. ثم جرت أمور طويلة لخالد في أماكن متعددة يمل سماعها، وهو مع ذلك لا يكل ولا يمل ولا يهن ولا يحزن، بل كلما له في قوة وصرامة وشدة وشهامة، ومثل هذا إنما خلقه الله عزا للإسلام وأهله، وذلا للكفر وشتات شمله. فصل ثم سار خالد فنزل الخورنق والسدير وبالنجف وبث سراياه هاهنا وهاهنا، يحاصرون الحصون من الحيرة ويستنزلون أهلها قسرا وقهرا، وصلحا ويسرا، وكان في جملة ما نزل بالصلح قوم من نصارى العرب فيهم ابن بقيلة المتقدم ذكره، وكتب لأهل الحيرة كتاب أمان، فكان الّذي راوده عليه عمرو بن عبد المسيح ابن نقيلة ووجد خالد معه كيسا، فقال: ما في هذا؟ - وفتحه خالد فوجد فيه شيئا -، فقال ابن بقيلة: هو سم ساعة، فقال: ولم استصحبته معك؟ فقال حتى إذا رأيت مكروها في قومي أكلته فالموت أحب إلى من ذلك، فأخذه خالد في يده وقال: إنه لن تموت نفس حتى تأتى على أجلها، ثم قال: بسم الله خير الأسماء، رب الأرض والسماء، الّذي ليس يضر مع اسمه داء، الرحمن الرحيم، قال: وأهوى إليه الأمراء ليمنعوه منه فبادرهم فابتلعه، فلما رأى ذلك ابن بقيلة قال: والله يا معشر العرب لتملكن ما أردتم ما دام منكم أحد، ثم التفت إلى أهل الحيرة فقال: لم أر كاليوم أوضح إقبالا من هذا، ثم دعاهم وسألوا خالدا الصلح فصالحهم وكتب لهم كتابا بالصلح، وأخذ منهم أربعمائة ألف درهم عاجلة، ولم يكن صالحهم حتى سلموا كرامة بنت عبد المسيح إلى رجل من الصحابة يقال له شويل، وذلك أنه لما ذكر رسول الله ﷺ قصور الحيرة كان شرفها أنياب الكلاب فقال له: يا رسول الله هب لي ابنة بقيلة، فقال: هي لك، فلما فتحت ادعاها شويل وشهد له اثنان من الصحابة، فامتنعوا من تسليمها إليه وقالوا: ما تريد إلى امرأة ابنة ثمانين سنة؟ فقالت لقومها: ادفعوني إليه فأنى سأفتدي منه، وإنه قد رآني وأنا شابة، فسلمت إليه فلما خلا بها قالت: ما تريد إلى امرأة بنت ثمانين سنة؟ وأنا أفتدي منك فاحكم بما أردت، فقال: والله لا أفديك بأقل من عشر مائة فاستكثرتها خديعة منها، ثم أتت قومها فأحضروا له ألف درهم، ولامه الناس وقالوا: لو طلبت أكثر من مائة ألف لدفعوها إليك، فقال: وهل عدد أكثر من عشر مائة؟ وذهب إلى خالد وقال: إنما أردت أكثر العدد، فقال خالد: أردت أمرا وأراد الله غيره، وإنا نحكم بظاهر قولك، ونيتك عند الله، كاذبا أنت أم صادقا * وقال سيف بن عمر عن عمرو بن محمد عن الشعبي: لما افتتح خالد الحيرة صلّى ثماني ركعات بتسليمة واحدة، وقد قال عمرو بن القعقاع في هذه الأيام

стр. 2116

ومن قتل من المسلمين بها وأيام الردة: سقى الله قتلى بالفرات مقيمة … وأخرى بأثباج النجاف الكوانف ونحن وطئنا بالكواظم هرمزا … وبالثنى قرني قارن بالجوارف ويوم أحطنا بالقصور تتابعت … على الحيرة الروحاء إحدى المصارف حططناهم منها وقد كان عرشهم … يميل بهم فعل الجبان المخالف رمينا عليهم بالقبول وقد رأوا … غبوق المنايا حول تلك المحارف صبيحة قالوا نحن قوم تنزلوا … إلى الريف من أرض العريب المقانف وقد قدم جرير بن عبد الله البجلي على خالد بن الوليد وهو بالحيرة بعد الوقعات المتعددة، والغنائم المتقدم ذكرها، ولم يحضر شيئا منها، وذلك لأنه كان قد بعثه الصديق مع خالد بن سعيد بن العاص إلى الشام، فاستأذن خالد بن سعيد في الرجوع إلى الصديق ليجمع له قومه من بجيلة فيكونوا معه، فلما قدم على الصديق فسأله ذلك غضب الصديق وقال: أتيتنى لتشغلنى عما هو أرضى لله من الّذي تدعوني إليه، ثم سيره الصديق إلى خالد بن الوليد بالعراق * قال سيف بأسانيده: ثم جاء ابن صلوبا فصالح خالدا على بانقيا وبسما وما حول ذلك على عشرة آلاف دينار، وجاءه دهاقين تلك البلاد فصالحوه على بلدانهم وأهاليهم كما صالح أهل الحيرة، واتفق في تلك الأيام التي كان قد تمكن بأطراف العراق واستحوذ على الحيرة وتلك البلدان وأوقع بأهل أليس والثني وما بعدها بفارس ومن ناشب معهم ما أوقع من القتل الفظيع في فرسانهم، أن عدت فارس على ملكهم الأكبر أردشير وابنه شيرين فقتلوهما وقتلوا كل من ينسب إليهما، وبقيت الفرس حائرين فيمن يولوه أمرهم، واختلفوا فيما بينهم، غير أنهم قد جهزوا جيوشا تكون حائلة بين خالد وبين المدائن التي فيها إيوان كسرى وسرير مملكته، فحينئذ كتب خالد إلى من هنالك من المرازبة والأمراء والدولة يدعوهم إلى الله وإلى الدخول إلى دين الإسلام ليثبت ملكهم عليهم، وإلا فليدفعوا الجزية وإلا فليعلموا وليستعدوا لقدومه عليهم بقوم يحبون الموت كما يحبون هم الحياة، فجعلوا يعجبون من جرأة خالد وشجاعته، ويسخرون من ذلك لحماقتهم ورعونتهم في أنفسهم، وقد أقام خالد هنالك بعد صلح الحيرة سنة يتردد في بلاد فارس ها هنا وهاهنا، ويوقع بأهلها من البأس الشديد، والسطوة الباهرة، ما يبهر الأبصار لمن شاهد ذلك ويشنف أسماع من بلغه ذلك ويحير العقول لمن تدبره. فتح خالد للأنبار، وتسمى هذه الغزوة ذات العيون ركب خالد في جيوشه فسار حتى انتهى إلى الأنبار وعليها رجل من أعقل الفرس وأسودهم في أنفسهم، يقال له شيرزاذ، فأحاط بها خالد وعليها خندق وحوله أعراب من قومهم على دينهم، واجتمع

стр. 2117

معهم أهل أرضهم، فمانعوا خالدا أن يصل إلى الخندق فضرب معهم رأسا، ولما تواجه الفريقان أمر خالد أصحابه فرشقوهم بالنبال حتى فقئوا منهم ألف عين، فتصايح الناس: ذهبت عيون أهل الأنبار، وسميت هذه الغزوة ذات العيون، فراسل شيرزاذ خالدا في الصلح، فاشترط خالد أمورا امتنع شيرزاذ من قبولها، فتقدم خالد إلى الخندق فاستدعى برذايا الأموال من الإبل فذبحها حتى ردم الخندق بها وجاز هو وأصحابه فوقها، فلما رأى شيرزاذ ذلك أجاب إلى الصلح على الشروط التي اشترطها خالد، وسأله أن يرده إلى مأمنه فوفى له خالد بذلك، وخرج شيرزاذ من الأنبار وتسلمها خالد، فنزلها واطمأن بها، وتعلم الصحابة ممن بها من العرب الكتابة العربية، وكان أولئك العرب قد تعلموها من عرب قبلهم وهم بنو إياد، كانوا بها في زمان بخت نصّر حين أباح العراق للعرب، وأنشدوا خالدا قول بعض إياد يمتدح قومه: قومي إياد لو أنهم أمم … ولو أقاموا فتهزل النعم قوم لهم باحة العراق إذا … ساروا جميعا واللوح والقلم ثم صالح خالد أهل البوازيج وكلواذى، قال: ثم نقض أهل الأنبار ومن حولهم عهدهم لما اضطربت بعض الأحوال، ولم يبق على عهده سوى البوازيج وبانقيا. قال سيف عن عبد العزيز بن سياه عن حبيب بن أبى ثابت قال: ليس لأحد من أهل السواد عهد قبل الوقعة، الا بنو صلوبا وهم أهل الحيرة وكلواذى وقرى من قرى الفرات، غدروا حتى دعوا إلى الذمة بعد ما غدروا. وقال سيف عن محمد بن قيس: قلت للشعبى: أخذ السواد عنوة وكل أرض الا بعض القلاع والحصون؟ قال: بعض صالح وبعض غالب. قلت: فهل لأهل السواد ذمة اعتقدوها قبل الحرب؟ قال: لا، ولكنهم لما دعوا ورضوا بالخراج وأخذ منهم صاروا ذمة. وقعة عين التمر لما استقل خالد بالأنبار استناب عليها الزبرقان بن بدر، وقصد عين التمر وبها يومئذ مهران بن بهرام جوبين في جمع عظيم من العرب، وحولهم من الأعراب طوائف من النمر وتغلب وإياد ومن لاقاهم وعليهم عقّة بن أبى عقّة، فلما دنا خالد قال عقة لمهران: إن العرب أعلم بقتال العرب، فدعنا وخالدا، فقال له: دونكم وإياهم، وإن احتجتم إلينا أعناكم، فلامت العجم أميرهم على هذا، فقال: دعوهم فأن غلبوا خالدا فهو لكم، وإن غلبوا قاتلنا خالدا وقد ضعفوا ونحن أقوياء، فاعترفوا له بفضل الرأى عليهم، وسار خالد وتلقاه عقة فلما تواجهوا قال خالد لمجنبتيه: احفظوا مكانكم فأنى حامل، وأمر حماته أن يكونوا من ورائه، وحمل على عقة وهو يسوى الصفوف فاحتضنه وأسره وانهزم جيش عقة من غير قتال فأكثروا فيهم الأسر، وقصد خالد حصن عين التمر، فلما بلغ مهران هزيمة

стр. 2118

عقة وجيشه، نزل من الحصن وهرب وتركه، ورجعت فلال نصارى الأعراب إلى الحصن فوجدوه مفتوحا فدخلوه واحتموا به، فجاء خالد وأحاط بهم وحاصرهم أشد الحصار، فلما رأوا ذلك سألوه الصلح فأبى إلا أن ينزلوا على حكم خالد، فنزلوا على حكمه فجعلوا في السلاسل وتسلم الحصن ثم أمر فضربت عنق عقة ومن كان أسر معه والذين نزلوا على حكمه أيضا أجمعين، وغنم جميع ما في ذلك الحصن، ووجد في الكنيسة التي به أربعين غلاما يتعلمون الإنجيل وعليهم باب مغلق، فكسره خالد وفرقهم في الأمراء وأهل الغناء، وكان حمران صار إلى عثمان بن عفان من الخمس، ومنهم سيرين والد محمد بن سيرين أخذه أنس بن مالك. وجماعة آخرون من الموالي المشاهير أراد بهم وبذراريهم خيرا. ولما قدم الوليد بن عقبة على الصديق بالخمس رده الصديق إلى عياض بن غنم مددا له وهو محاصر دومة الجندل فلما قدم عليه وجده في ناحية من العراق يحاصر قوما، وهم قد أخذوا عليه الطرق فهو محصور أيضا، فقال عياض للوليد: إن بعض الرأى خير من جيش كثيف، ماذا ترى فيما نحن فيه؟ فقال له الوليد: اكتب إلى خالد يمدك بجيش من عنده، فكتب إليه يستمده، فقدم كتابه على خالد عقب وقعة عين التمر وهو يستغيث به، فكتب إليه: من خالد إلى عياض، إياك أريد. لبّث قليلا تأتك الحلائب … يحملن آسادا عليها القاشب كتائب تتبعها كتائب خبر دومة الجندل لما فرغ خالد من عين التمر قصد إلى دومة الجندل، واستخلف على عين التمر عويمر بن الكاهن الأسلمي، فلما سمع أهل دومة الجندل بمسيره إليهم، بعثوا إلى أحزابهم من بهراء وتنوخ وكلب وغسان والضجاعم، فأقبلوا إليهم وعلى غسان وتنوخ ابن الأيهم، وعلى الضجاعم ابن الحدرجان، وجماع الناس بدومة إلى رجلين أكيدر بن عبد الملك، والجودي بن ربيعة، فاختلفا فقال أكيدر: أنا أعلم الناس بخالد، لا أحد أيمن طائر منه في حرب ولا أحد منه ولا يرى وجه خالد قوم أبدا، قلوا أم كثروا إلا انهزموا عنه، فأطيعوني وصالحوا القوم، فأبوا عليه، فقال: لن أمالئكم على حرب خالد وفارقهم، فبعث إليه خالد عاصم بن عمرو فعارضه فأخذه، فلما أتى به خالدا أمر فضربت عنقه وأخذ ما كان معه، ثم تواجه خالد وأهل دومة الجندل وعليهم الجودي بن ربيعة، وكل قبيلة مع أميرها من الأعراب، وجعل خالد دومة بينه وبين جيش عياض بن غنم، وافترق جيش الأعراب فرقتين، فرقة نحو خالد، وفرقة نحو عياض، وحمل خالد على من قبله، وحمل عياض على أولئك، فأسر خالد الجودي، وأسر الأقرع بن حابس وديعة، وفرت الأعراب إلى الحصن فملئوه وبقي منهم خلق ضاق عنهم، فعطفت بنو تميم على من هو خارج الحصن فأعطوهم ميرة فنجا بعضهم، وجاء خالد فضرب أعناق من وجده خارج الحصن، وأمر بضرب عنق الجودي ومن كان معه من

стр. 2119

الأسارى، إلا أسارى بنى كلب فأن عاصم بن عمرو والأقرع بن حابس، وبنى تميم أجاروهم، فقال لهم خالد: ما لي وما لكم أتحفظون أمر الجاهلية وتضيعون أمر الإسلام؟ فقال له عاصم بن عمرو: أتحسدونهم العافية وتحوّذونهم الشيطان، ثم أطاف خالد بالباب فلم يزل عنه حتى اقتلعه، واقتحموا الحصن فقتلوا من فيه من المقاتلة، وسبوا الذراري فبايعوهم بينهم فيمن يزيد، واشترى خالد يومئذ ابنة الجودي، وكانت موصوفة بالجمال، وأقام بدومة الجندل ورد الأقرع إلى الأنبار، ثم رجع خالد إلى الحيرة، فتلقاه أهلها من أهل الأرض بالتقليس، فسمع رجلا منهم يقول لصاحبه: مر بنا فهذا يوم فرح الشر. خبر وقعتي الحصيد والمضيّح قال سيف عن محمد وطلحة والمهلب قالوا: وكان خالد أقام بدومة الجندل فظن الأعاجم به وكاتبوا عرب الجزيرة فاجتمعوا لحربه، وقصدوا الأنبار يريدون انتزاعها من الزبرقان، وهو نائب خالد عليها، فلما بلغ ذلك الزبرقان كتب إلى القعقاع بن عمرو نائب خالد على الحيرة، فبعث القعقاع أعبد ابن فدكي السعدي وأمره بالحصيد وبعث عروة بن أبى الجعد البارقي وأمره بالخنافس، ورجع خالد من دومة إلى الحيرة وهو عازم على مصادمة أهل المدائن محلة كسرى، لكنه يكره أن يفعل ذلك بغير إذن أبى بكر الصديق، وشغله ما قد اجتمع من جيوش الأعاجم مع نصارى الأعراب يريدون حربه، فبعث القعقاع بن عمرو أميرا على الناس، فالتقوا بمكان يقال له الحصيد، وعلى العجم رجل منهم يقال له روزبه، وأمده أمير آخر يقال له زرمهر، فاقتتلوا قتالا شديدا، وهزم المشركون فقتل منهم المسلمون خلقا كثيرا، وقتل القعقاع بيده زرمهر، وقتل رجل يقال له عصمة بن عبد الله الضبيّ روزبه، وغنم المسلمون شيئا كثيرا، وهرب من هرب من العجم، فلجئوا إلى مكان يقال له خنافس، فسار إليهم أبو ليلى بن فدكي السعدي، فلما أحسوا بذلك ساروا إلى المضيح، فلما استقروا بها بمن معهم من الأعاجم والأعارب قصدهم خالد بن الوليد بمن معه من الجنود، وقسم الجيش ثلاث فرق، وأغار عليهم ليلا وهم نائمون فأنامهم، ولم يفلت منهم إلا اليسير فما شبهوا إلا بغنم مصرعة، وقد روى ابن جرير عن عدي بن حاتم قال: انتهينا في هذه الغارة إلى رجل يقال له حرقوص بن النعمان النمري، وحوله بنوه وبناته وامرأته، وقد وضع لهم جفنة من خمر وهم يقولون: أحد يشرب هذه الساعة وهذه جيوش خالد قد أقبلت؟ فقال لهم: اشربوا شرب وداع فما أرى أن تشربوا خمرا بعدها، فشربوا وجعل يقول: ألا يا اسقيانى قبل نائرة الفجر … لعل منايانا قريب ولا ندري القصيدة إلى آخرها، قال: فهجم الناس عليه فضرب رجل رأسه فإذا هو في جفنته، وأخذت

стр. 2120

بنوه وبناته وامرأته، وقد قتل في هذه المعركة رجلان كانا قد أسلما ومعهما كتاب من الصديق بالأمان ولم يعلم بذلك المسلمون، وهما عبد العزى بن أبى رهم بن قرواش، قتله جرير بن عبد الله البجلي، والآخر لبيد بن جرير، قتله بعض المسلمين، فلما بلغ خبرهما الصديق وداهما، وبعث بالوصاة بأولادهما، وتكلم عمر بن الخطاب في خالد بسببهما، كما تكلم فيه بسبب مالك بن نويرة، فقال له الصديق: كذلك يلقى من يساكن أهل الحرب في ديارهم، أي الذنب لهما في مجاورتهما المشركين، وهذا كما في الحديث «أنا بريء من كل من ساكن المشرك في داره» وفي الحديث الآخر «لا ترى نارهما» أي لا يجتمع المسلمون والمشركون في محلة واحدة * ثم كانت وقعة الثني والزّميل وقد بيتوهم فقتلوا من كان هنالك من الأعراب والأعاجم فلم يفلت منهم أحد ولا انبعث بخبر، ثم بعث خالد بالخمس من الأموال والسبي إلى الصديق، وقد اشترى على بن أبى طالب من هذا السبي جارية من العرب وهي ابنة ربيعة بن بجير التغلبي، فاستولدها عمر ورقية ﵃ أجمعين. وقعة الفراض ثم سار خالد بمن معه من المسلمين إلى وقعة الفراض وهي تخوم الشام والعراق والجزيرة، فأقام هنالك شهر رمضان مفطرا لشغله بالأعداء، ولما بلغ الروم أمر خالد ومصيره إلى قرب بلادهم، حموا وغضبوا وجمعوا جموعا كثيرة، واستمدوا تغلب وإياد والتمر، ثم ناهدوا خالدا فحالت الفرات بينهم فقالت الروم لخالد: اعبر إلينا، وقال خالد للروم: بل اعبروا أنتم، فعبرت الروم إليهم، وذلك للنصف من ذي القعدة سنة ثنتى عشرة، فاقتتلوا هنالك قتالا عظيما بليغا، ثم هزم الله جموع الروم وتمكن المسلمون من اقتفائهم، فقتل في هذه المعركة مائة ألف، وأقام خالد بعد ذلك بالفراض عشرة أيام ثم أذن بالقفول إلى الحيرة، لخمس بقين من ذي القعدة، وأمر عاصم بن عمرو أن يسير في المقدمة وأمر شجرة بن الأعز أن يسير في الساقة، وأظهر خالد أنه يسير في الساقة، وسار خالد في عدة من أصحابه وقصد شطر المسجد الحرام، وسار إلى مكة في طريق لم يسلك قبله قط، ويأتى له في ذلك أمر لم يقع لغيره، فجعل يسير معتسفا على غير جادة، حتى انتهى إلى مكة فأدرك الحج هذه السنة، ثم عاد فأدرك أمر الساقة قبل أن يصلوا إلى الحيرة، ولم يعلم أحد بحج خالد هذه السنة إلا القليل من الناس ممن كان معه، ولم يعلم أبو بكر الصديق بذلك أيضا إلا بعد ما رجع أهل الحج من الموسم، فبعث يعتب عليه في مفارقته الجيش وكانت عقوبته عنده أن صرفه من غزو العراق إلى غزو الشام، وقال له فيما كتب إليه: يقول له: وإن الجموع لم تشج بعون الله شجيك، فليهنئك أبا سليمان النية والحظوة، فأتمم يتمم الله لك، ولا يدخلنك عجب فتخسر وتخذل، وإياك أن تدل بعمل فان الله له المن وهو ولى الجزاء.

стр. 2121

فصل فيما كان من الحوادث في هذه السنة فيها أمر الصديق زيد بن ثابت أن يجمع القرآن من اللحاف والعسب وصدور الرجال، وذلك بعد ما استحر القتل في القراء يوم اليمامة كما ثبت به الحديث في صحيح البخاري، وفيها تزوج على بن أبى طالب بأمامة بنت زينب بنت رسول الله ﷺ ، وهي من أبى العاص بن الربيع بن عبد شمس الأموي، وقد توفى أبوها في هذا العام، وهذه هي التي كان رسول الله ﷺ يحملها في الصلاة فيضعها إذا سجد ويرفعها إذا قام. وفيها تزوج عمر بن الخطاب عاتكة بنت زيد بن عمرو بن نفيل، وهي ابنة عمه، وكان لها محبا وبها معجبا، وكان لا يمنعها من الخروج إلى الصلاة ويكره خروجها، فجلس لها ذات ليلة في الطريق في ظلمة فلما مرت ضرب بيده على عجزها، فرجعت إلى منزلها ولم تخرج بعد ذلك، وقد كانت قبله تحت زيد بن الخطاب، فيما قيل، فقتل عنها، وكانت قبل زيد تحت عبد الله ابن أبى بكر فقتل عنها، ولما مات عمر تزوجها بعده الزبير، فلما قتل خطبها على بن أبى طالب فقالت: إني أرغب بك عن الموت، وامتنعت عن التزوج حتى ماتت، وفيها اشترى عمر مولاه أسلم ثم صار منه أن كان أحد سادات التابعين، وابنه زيد بن أسلم أحد الثقات الرفعاء. وفيها حج بالناس أبو بكر الصديق ﵁، واستخلف على المدينة عثمان بن عفان. رواه ابن إسحاق عن العلاء بن عبد الرحمن بن يعقوب مولى الحرقة عن رجل من بنى سهم، عن أبى ماجدة، قال: حج بنا أبو بكر في خلافته سنة ثنتى عشرة، فذكر حديثا في القصاص من قطع الأذن، وأن عمر حكم في ذلك بأمر الصديق. قال ابن إسحاق: وقال بعض الناس لم يحج أبو بكر في خلافته، وأنه بعث على الموسم سنة ثنتى عشرة عمر بن الخطاب، أو عبد الرحمن بن عوف. فصل فيمن توفى في هذه السنة قد قيل إن وقعة اليمامة وما بعدها كانت في سنة ثنتى عشرة، فليذكر هاهنا من تقدم ذكره في سنة إحدى عشرة من قتل باليمامة وما بعدها، ولكن المشهور ما ذكرناه. بشير بن سعد بن ثعلبة الخزرجي والد النعمان بن بشير، شهد العقبة الثانية، وبدرا وما بعدها، ويقال إنه أول من أسلم من الأنصار، وهو أول من بايع الصديق يوم السقيفة من الأنصار، وشهد مع خالد حروبه إلى أن قتل بعين التمر ﵁. وروى له النسائي حديث النحل. والصعب بن جثامة الليثي أخو محكم بن جثامة له عن رسول الله ﷺ أحاديث، قال أبو حاتم: هاجر وكان نزل ودان ومات في خلافة الصديق. أبو مرثد الغنوي واسمه معاذ بن الحصين ويقال ابن حصين بن يربوع بن عمرو بن يربوع بن خرشة بن سعد بن طريف بن خيلان بن غنم بن غنى بن أعصر بن سعد بن قيس بن غيلان بن مضر بن نزار أبو مرثد

стр. 2122

الغنوي، شهد هو وابنه مرثد بدرا، ولم يشهدها رجل هو وابنه سواهما، واستشهد ابنه مرثد يوم الرجيع كما تقدم، وابن ابنه أنيس بن مرثد بن أبى مرثد له صحبة أيضا، شهد الفتح وحنينا وكان عين رسول الله ﷺ يوم أوطاس فهم ثلاثة نسقا، وقد كان أبو مرثد حليفا للعباس بن عبد المطلب، وروى له عن النبي ﷺ حديث واحد انه قال: لا تصلوا إلى القبور ولا تجلسوا إليها، قال الواقدي: توفى سنة ثنتى عشرة، زاد غيره بالشام، وزاد غيره عن ست وستين سنة، وكان رجلا طويلا كثير الشعر، قلت: وفي قبلىّ دمشق قبر يعرف بقبر كثير، والّذي قرأته على قبره هذا قبر كناز بن الحصين صاحب رسول الله ﷺ ، ورأيت على ذلك المكان روحا وجلالة، والعجب أن الحافظ ابن عساكر لم يذكره في تاريخ الشام فالله أعلم. وممن توفى في هذه السنة أبو العاص بن الربيع ابن عبد العزى بن عبد شمس بن عبد مناف بن قصي القرشي العبشمي زوج أكبر بنات رسول الله ﷺ زينب، وكان محسنا إليها ومحبا لها، ولما أمره المسلمون بطلاقها حين بعث رسول الله ﷺ أبى عليهم ذلك، وكان ابن أخت خديجة بنت خويلد واسم أمه هالة، ويقال هند بنت خويلد واختلف في اسمه فقيل: لقيط، وهو الأشهر، وقيل: مهشم وقيل: هشيم، وقد شهد بدرا من ناحية الكفار فأسر، فجاء أخوه عمرو بن الربيع ليفاديه وأحضر معه في الفداء قلادة كانت خديجة أخرجتها مع ابنتها زينب حين تزوج أبو العاص بها، فلما رآها رسول الله رق لها رقة شديدة وأطلقه بسببها، واشترط عليه أن يبعث له زينب إلى المدينة فوفى له بذلك، واستمر أبو العاص على كفره بمكة إلى قبيل الفتح بقليل، فخرج في تجارة لقريش فاعترضه زيد بن حارثة في سرية فقتلوا جماعة من أصحابه وغنموا العير، وفر أبو العاص هاربا إلى المدينة فاستجار بامرأته زينب فأجارته، فأجاز رسول الله جوارها، ورد عليه ما كان معه من أموال قريش، فرجع بها أبو العاص إليهم، فرد كل مال إلى صاحبه، ثم تشهد شهادة الحق وهاجر إلى المدينة، ورد عليه رسول الله ﷺ زينب بالنكاح الأول وكان بين فراقها له وبين اجتماعهاست سنين وذلك بعد سنتين من وقت تحريم المسلمات على المشركين في عمرة الحديبيّة، وقيل إنما ردها عليه بنكاح جديد فالله أعلم * وقد ولد له من زينب على بن أبى العاص، وخرج مع على إلى اليمن حين بعثه إليها رسول الله ﷺ وكان رسول الله ﷺ يثنى عليه خيرا في صهارته، ويقول: حدثني فصدقني وواعدني فوفانى، وقد توفى في أيام الصديق سنة ثنتى عشرة. وفي هذه السنة تزوج على بن أبى طالب بابنته أمامة بنت أبى العاص، بعد وفاة خالتها فاطمة، وما أدرى هل كان ذلك قبل وفاة أبى العاص أو بعده فالله أعلم * (تم الجزء السادس من البداية والنهاية ويليه الجزء السابع وأوله سنة ثلاث عشرة من الهجرة النبويّة، نسأل الله التوفيق والإعانة على إتمامه.)

стр. 2123

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ سنة ثلاث عشرة من الهجرة استهلت هذه السنة والصديق عازم على جمع الجنود ليبعثهم إلى الشام، وذلك بعد مرجعه من الحج عملا بقوله تعالى: ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قاتِلُوا الَّذِينَ يَلُونَكُمْ مِنَ الْكُفّارِ وَلْيَجِدُوا فِيكُمْ غِلْظَةً وَاِعْلَمُوا أَنَّ اللهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ﴾. وبقوله تعالى: ﴿قاتِلُوا الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَلا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾ الآية. واقتداء برسول الله ﷺ فإنه جمع المسلمين لغزو الشام - وذلك عام تبوك - حتى وصلها في حر شديد وجهد، فرجع عامه ذلك، ثم بعث قبل موته أسامة بن زيد مولاه ليغزو تخوم الشام كما تقدم. ولما فرغ الصديق من أمر جزيرة العرب بسط يمينه إلى العراق، فبعث إليها خالد بن الوليد ثم أراد أن يبعث إلى الشام كما بعث إلى العراق، فشرع في جمع الأمراء في أماكن متفرقة من جزيرة العرب. وكان قد استعمل عمرو بن العاص على صدقات قضاعة معه الوليد بن عقبة فيهم، فكتب إليه يستنفره إلى الشام: «إني كنت قد رددتك على العمل الّذي ولاّكه رسول الله ﷺ مرة، وسماه لك أخرى، وقد أحببت أبا عبد الله أن أفرغك لما هو خير لك في حياتك ومعادك منه، إلا أن يكون الّذي أنت فيه أحب إليك» فكتب إليه عمرو بن العاص: إني سهم من سهام الإسلام، وأنت عبد الله الرامي بها، والجامع لها، فانظر أشدها وأخشاها فارم بى فيها. وكتب إلى الوليد بن عقبة

стр. 2124

بمثل ذلك ورد عليه مثله، وأقبلا بعد ما استخلفا في عملهما، إلى المدينة. وقدم خالد بن سعيد بن العاص من اليمن فدخل المدينة وعليه جبة ديباج، فلما رآها عمر عليه أمر من هناك من الناس بتحريقها عنه، فغضب خالد بن سعيد وقال لعلى بن أبى طالب: يا أبا الحسن! أغلبتم يا بني عبد مناف عن الإمرة؟ فقال له على: أمغالبة تراها أو خلافة؟ فقال لا يغالب على هذا الأمر أولى منكم. فقال له عمر بن الخطاب: اسكت فض الله فاك، والله لا تزال كاذبا تخوض فيما قلت ثم لا تضر إلا نفسك. وأبلغها عمر أبا بكر فلم يتأثر لها أبو بكر. ولما اجتمع عند الصديق من الجيوش ما أراد قام في الناس خطيبا فأثنى على الله بما هو أهله، ثم حث الناس على الجهاد فقال: ألا لكل أمر جوامع، فمن بلغها فهي حسبه، ومن عمل لله كفاه الله، عليكم بالجد والقصد فان القصد أبلغ، ألا إنه لا دين لأحد لا إيمان له، ولا إيمان لمن لا خشية له، ولا عمل لمن لا نية له، ألا وإن في كتاب الله من الثواب على الجهاد في سبيل الله لما ينبغي للمسلم أن يحب أن يخص به، هي النجاة التي دل الله عليها، إذ نجى بها من الخزي، وألحق بها الكرامة. ثم شرع الصديق في تولية الأمراء وعقد الألوية والرايات، فيقال إن أول لواء عقده لخالد بن سعيد بن العاص، فجاء عمر بن الخطاب فثناه عنه وذكره بما قال. فلم يتأثر به الصديق كما تأثر به عمر، بل عزله عن الشام وولاه أرض «تيماء» يكون بها فيمن معه من المسلمين حتى يأتيه أمره. ثم عقد لواء يزيد بن أبي سفيان ومعه جمهور الناس، ومعه سهيل بن عمرو، وأشباهه من أهل مكة، وخرج معه ماشيا يوصيه بما أعتمده في حربه ومن معه من المسلمين، وجعل له دمشق. وبعث أبا عبيدة بن الجراح على جند آخر، وخرج معه ماشيا يوصيه، وجعل له نيابة حمص. وبعث عمرو بن العاص ومعه جند آخر وجعله على فلسطين. وأمر كل أمير أن يسلك طريقا غير طريق الآخر، لما لحظ في ذلك من المصالح. وكان الصديق اقتدى في ذلك بنبي الله يعقوب حين قال لبنيه ﴿يا بَنِيَّ لا تَدْخُلُوا مِنْ بابٍ واحِدٍ وَاُدْخُلُوا مِنْ أَبْوابٍ مُتَفَرِّقَةٍ وَما أُغْنِي عَنْكُمْ مِنَ اللهِ مِنْ شَيْءٍ إِنِ الْحُكْمُ إِلاّ لِلّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَعَلَيْهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُتَوَكِّلُونَ﴾. فكان سلوك يزيد بن أبي سفيان على تبوك. قال المدائني باسناده عن شيوخه قالوا: وكان بعث أبي بكر هذه الجيوش في أول سنة ثلاث عشرة. قال محمد بن إسحاق عن صالح بن كيسان: خرج أبو بكر ماشيا ويزيد بن أبي سفيان راكبا فجعل، يوصيه، فلما فرغ قال: أقرئك السلام وأستودعك الله، ثم انصرف ومضى يزيد وأجدّ السير. ثم تبعه شرحبيل بن حسنة، ثم أبو عبيدة مددا لهما، فسلكوا غير ذلك الطريق. وخرج عمرو بن العاص حتى نزل العرمات من أرض الشام. ويقال إن يزيد بن أبي سفيان نزل البلقاء أولا. ونزل شرحبيل بالأردن، ويقال ببصرى. ونزل أبو عبيدة بالجابية. وجعل الصديق يمدهم بالجيوش، وأمر كل

стр. 2125

واحد منهم أن ينضاف إلى من أحب من الأمراء. ويقال إن أبا عبيدة لما مر بأرض البلقاء قاتلهم حتى صالحوه وكان أول صلح وقع بالشام. ويقال إن أول حرب وقع بالشام أن الروم اجتمعوا بمكان يقال له العرية من أرض فلسطين، فوجه اليهم أبا أمامة في سرية فقتلهم وغنم منهم، وقتل منهم بطريقا عظيما. ثم كانت بعد هذه وقعة مرج الصفراء استشهد فيها خالد بن سعيد بن العاص وجماعة من المسلمين. ويقال إن الّذي استشهد في مرج الصفراء ابن الخالد بن سعيد، وأما هو ففر حتى انحاز إلى أرض الحجاز فالله أعلم، حكاه ابن جرير. قال ابن جرير: ولما انتهى خالد بن سعيد إلى تيماء اجتمع له جنود من الروم في جمع كثير من نصارى العرب، من غيرا، وتنوخ، وبنى كلب، وسليح، ولخم وجذام، وغسان، فتقدم إليهم خالد بن سعيد، فلما اقترب منهم تفرقوا عنه ودخل كثير منهم في الإسلام، وبعث إلى الصديق بعلمه بما وقع من الفتح، فأمره الصديق أن يتقدم ولا يحجم، وأمده بالوليد بن عتبة وعكرمة بن أبي جهل وجماعة، فسار إلى قريب من إيلياء فالتقى هو وأمير من الروم يقال له ماهان فكسره، ولجأ ماهان إلى دمشق، فلحقه خالد بن سعيد، وبادر الجيوش إلى لحوق دمشق وطلب الحظوة، فوصلوا إلى مرج الصفراء فانطوت عليه مسالح ماهان وأخذوا عليهم الطريق، وزحف ماهان ففر خالد بن سعيد، فلم يرد إلى ذي المروة. واستحوذ الروم على جيشهم إلا من فر على الخيل، وثبت عكرمة بن أبي جهل، وقد تقهقر عن الشام قريبا وبقي ردءا لمن نفر إليه، وأقبل شرحبيل بن حسنة من العراق من عند خالد بن الوليد إلى الصديق، فأمره على جيشه وبعثه إلى الشام، فلما مر بخالد بن سعيد بذي المروة، أخذ جمهور أصحابه الذين هربوا معه إلى ذي المروة. ثم اجتمع عند الصديق طائفة من الناس فأمر عليهم معاوية بن أبي سفيان وأرسله وراء أخيه يزيد بن أبي سفيان. ولما مر بخالد بن سعيد أخذ من كان بقي معه بذي المروة إلى الشام. ثم أذن الصديق لخالد بن سعيد في الدخول إلى المدينة وقال: كان عمر أعلم بخالد. وقعة اليرموك على ما ذكره سيف بن عمر في هذه السنة قبل فتح دمشق، وتبعه على ذلك أبو جعفر بن جرير ﵀. وأما الحافظ ابن عساكر ﵀ فإنه نقل عن يزيد بن أبي عبيدة والوليد وابن لهيعة والليث وأبي معشر أنها كانت في سنة خمس عشرة بعد فتح دمشق. وقال محمد بن إسحاق: كانت في رجب سنة خمس عشرة. وقال خليفة بن خياط قال ابن الكلبي: كانت وقعة اليرموك يوم الاثنين لخمس مضين من رجب سنة خمس عشرة. قال ابن عساكر، وهذا هو المحفوظ و [أما] ما قاله سيف من أنها قبل فتح دمشق سنة ثلاث عشرة فلم يتابع عليه.

стр. 2126

قلت: وهذا ذكر سياق سيف وغيره على ما أورده ابن جرير وغيره. قال: ولما توجهت هذه الجيوش نحو الشام أفزع ذلك الروم وخافوا خوفا شديدا، وكتبوا إلى هرقل يعلمونه بما كان من الأمر. فيقال إنه كان يومئذ بمحص، ويقال: كان حج عامه ذلك إلى بيت المقدس. فلما انتهى إليه الخبر. قال لهم: ويحكم إن هؤلاء أهل دين جديد، وإنهم لا قبل لأحد بهم، فأطيعوني وصالحوهم بما تصالحونهم على نصف خراج الشام ويبقى لكم جبال الروم، وإن أنتم أبيتم ذلك أخذوا منكم الشام وضيقوا عليكم جبال الروم. فنخروا من ذلك نخرة حمر الوحش كما هي عاداتهم في قلة المعرفة والرأى بالحرب والنصرة في الدين والدنيا. فعند ذلك سار إلى حمص، وأمر هرقل بخروج الجيوش الروميّة صحبة الأمراء، في مقابلة كل أمير من المسلمين جيش كثيف، فبعث إلى عمرو بن العاص أخا له لأبويه «تذارق» في تسعين ألفا من المقاتلة. وبعث جرجه بن بوذيها إلى ناحية يزيد بن أبي سفيان، فعسكر بإزائه في خمسين ألفا أو ستين ألفا. وبعث الدراقص إلى شرحبيل بن حسنة. وبعث اللقيقار ويقال القيقلان - قال ابن إسحاق وهو خصى هرقل نسطورس - في ستين ألفا إلى أبي عبيدة بن الجراح. وقالت الروم: والله لنشغلن أبا بكر عن أن يورد الخيول إلى أرضنا. وجميع عساكر المسلمين أحد وعشرون ألفا سوى الجيش الّذي مع عكرمة بن أبي جهل. وكان واقفا في طرف الشام ردءا للناس - في ستة آلاف - فكتب الأمراء إلى أبى بكر وعمر يعلمونهما بما وقع من الأمر العظيم، فكتب إليهم أن اجتمعوا وكونوا جندا واحدا والقوا جنود المشركين، فأنتم أنصار الله والله ناصر من نصره، وخاذل من كفره، ولن يؤتى مثلكم عن قلة، ولكن من تلقاء الذنوب فاحترسوا منها، وليصل كل رجل منكم بأصحابه. وقال الصديق: والله لأشغلن النصارى عن وساوس الشيطان يخالد بن الوليد. وبعث إليه وهو بالعراق ليقدم إلى الشام فيكون الأمير على من به، فإذا فرغ عاد إلى عمله بالعراق، فكان ما سنذكره. ولما بلغ هرقل ما أمر به الصديق أمراءه من الاجتماع، بعث إلى أمرائه أن يجتمعوا أيضا وأن ينزلوا بالجيش منزلا واسع العطن، واسع المطرد، ضيق المهرب، وعلى الناس أخوه بندارق، وعلى المقدمة جرجه، وعلى المجنبتين ماهان والدراقص، وعلى البحر القيقلان. وقال محمد بن عائد عن عبد الأعلى عن سعيد بن عبد العزيز: إن المسلمين كانوا أربعة وعشرين ألفا، وعليهم أبو عبيدة، والروم كانوا عشرين ومائة ألف عليهم ماهان وسقلاب يوم اليرموك. وكذا ذكر ابن إسحاق أن سقلاب الخصى كان على الروم يومئذ في مائة ألف، وعلى المقدمة جرجه - من أرمينية - في اثنى عشر ألفا، ومن المستعربة اثنى عشر ألفا عليهم جبلة بن الأيهم: والمسلمون في أربعة وعشرين ألفا، فقاتلوا قتالا شديدا حتى قاتلت النساء من ورائهم أشد القتال. وقال الوليد

стр. 2127

عن صفوان عن عبد الرحمن بن جبير. قال: بعث هرقل مائتي ألف عليهم ماهان الأرمني. قال سيف: فسارت الروم فنزلوا الواقوصة قريبا من اليرموك، وصار الوادي خندقا عليهم. وبعث الصحابة إلى الصديق يستمدونه ويعلمونه بما اجتمع من جيش الروم باليرموك، فكتب الصديق عند ذلك إلى خالد بن الوليد أن يستنيب على العراق وأن يقفل بمن معه إلى الشام، فإذا وصل إليهم فهو الأمير عليهم. فاستناب المثنى بن حارثة على العراق وسار خالد مسرعا في تسعة آلاف وخمسمائة، ودليله رافع بن عميرة الطائي، فأخذ به على السماق حتى انتهى إلى قراقر، وسلك به أراضى لم يسلكها قبله أحد، فاجتاب البراري والقفار، وقطع الأودية، وتصعد على الجبال، وسار في غير مهيع، وجعل رافع يدلهم في مسيرهم على الطريق وهو في مفاوز معطشة، وعطش النوق وسقاها الماء عللا بعد نهل، وقطع مشافرها وكعمها حتى لا تحتز رحل أدبارها، واستاقها معه، فلما فقدوا الماء نحرها فشربوا ما في أجوافها من الماء، ويقال بل سقاه الخيل وشربوا ما كانت تحمله من الماء وأكلوا لحومها. ووصل ولله الحمد والمنة في خمسة أيام، فخرج على الروم من ناحية تدمر فصالح أهل تدمر وأركه، ولما مر بعذراء أباحها وغنم لغسان أموالا عظيمة وخرج من شرقى دمشق، ثم سار حتى وصل إلى قناة بصرى فوجد الصحابة تحاربها فصالحه صاحبها وسلمها إليه، فكانت أول مدينة فتحت من الشام ولله الحمد. وبعث خالد بأخماس ما غنم من غسان مع بلال بن الحرث المزني الى الصديق ثم سار خالد وأبو عبيدة ومرثد وشرحبيل إلى عمرو بن العاص - وقد قصده الروم بأرض العربا من المعور - فكانت واقعة أجنادين. وقد قال رجل من المسلمين في مسيرهم هذا مع خالد: لله عينا رافع أنى اهتدى … قرفون من قراقر إلى شوى خمسا إذا ما ساره الجيش بكى … ما سارها قبلك إنسي أرى وقد كان بعض العرب قال له في هذا المسير: إن أنت أصبحت عند الشجرة الفلانية نجوت أنت ومن معك، وإن لم تدركها هلكت أنت ومن معك، فسار خالد بمن معه وسروا سروة عظيمة فأصبحوا عندها، فقال خالد: عند الصباح يحمد القوم السري. فأرسلها مثلا، وهو أول من قالها ﵁. ويقول غير ابن إسحاق كسيف بن عمر وأبي نحيف وغيرهما في تكميل السياق الأول: حين اجتمعت الروم مع أمرائها بالواقوصة وانتقل الصحابة من منزلهم الّذي كانوا فيه فنزلوا قريبا من الروم في طريقهم الّذي ليس لهم طريق غيره، فقال عمرو بن العاص: أبشروا أيها الناس، فقد حصرت والله الروم، وقلما جاء محصور بخير. ويقال إن الصحابة لما اجتمعوا للمشورة في كيفية المسير إلى الروم، جلس الأمراء لذلك فجاء أبو سفيان فقال: ما كنت أظن أنى أعمر حتى أدرك

стр. 2128

قوما يجتمعون لحرب ولا أحضرهم، ثم أشار أن يتجزأ الجيش ثلاثة أجزاء، فيسير ثلثه فينزلون تجاه الروم، ثم تسير الأثقال والذراري في الثلث الآخر، ويتأخر خالد بالثلث الآخر حتى إذا وصلت الأثقال إلى أولئك سار بعدهم ونزلوا في مكان تكون البرية من وراء ظهورهم لتصل إليهم البرد والمدد. فامتثلوا ما أشار به ونعم الرأى هو. وذكر الوليد عن صفوان عن عبد الرحمن بن جبير أن الروم نزلوا فيما بين دير أيوب واليرموك، ونزل المسلمون من وراء النهر من الجانب الآخر، وأذرعات خلفهم ليصل إليهم المدد من المدينة. ويقال إن خالدا إنما قدم عليهم بعد ما نزل الصحابة تجاه الروم بعد ما صابروهم وحاصروهم شهر ربيع الأول بكماله، فلما انسلخ وأمكن القتال (١) لقلة الماء بعثوا إلى الصديق يستمدونه فقال: خالد لها، فبعث إلى خالد فقدم عليهم في ربيع الآخر، فعند وصول خالد إليهم أقبل ماهان مددا للروم ومعه القساقسة، والشمامسة والرهبان يحثونهم ويحرضونهم على القتال لنصر دين النصرانية، فتكامل جيش الروم أربعون ومائتا ألف ثمانون ألفا مسلسل بالحديد والحبال، وثمانون ألفا فارس، وثمانون ألفا راجل. قال سيف وقيل بل كان الذين تسلسلوا كل عشرة سلسلة لئلا يفروا ثلاثين ألفا، فالله أعلم. قال سيف وقدم عكرمة بمن معه من الجيوش فتكامل جيش الصحابة ستة وثلاثين ألفا إلى الأربعين ألفا. وعند ابن إسحاق والمدائني أيضا أن وقعة أجنادين قبل وقعة اليرموك وكانت وقعة أجنادين لليلتين بقيتا من جمادى الأولى سنة ثلاث عشرة، وقتل بها بشر كثير من الصحابة، وهزم الروم وقتل أميرهم القيقلان. وكان قد بعث رجلا من نصارى العرب يحبس له أمر الصحابة، فلما رجع إليه قال: وجدت قوما رهبانا بالليل فرسانا بالنهار، والله لو سرق فيهم ابن ملكهم لقطعوه، أو زنى لرجموه. فقال له القيقلان: والله لئن كنت صادقا لبطن الأرض خير من ظهرها. وقال سيف بن عمر في سياقه: ووجد خالد الجيوش متفرقة فجيش أبي عبيدة وعمرو بن العاص ناحية، وجيش يزيد وشرحبيل ناحية. فقام خالد في الناس خطيبا. فأمرهم بالاجتماع ونهاهم عن التفرق والاختلاف. فاجتمع الناس وتصافوا مع عدوهم في أول جمادى الآخرة وقام خالد بن الوليد في الناس فحمد الله وأثنى عليه وقال: إن هذا يوم من أيام الله، لا ينبغي فيه الفخر ولا البغي، أخلصوا جهادكم وأريدوا الله بعملكم، وإن هذا يوم له ما بعده لو رددناهم اليوم إلى خندقهم فلا نزال نردهم، وإن هزمونا لا نفلح بعدها أبدا، فتعالوا فلنتعاور الإمارة فليكن عليها بعضنا اليوم والآخر غدا والآخر بعد غد، حتى يتأمر كلكم، ودعوني اليوم إليكم، فأمروه عليهم وهم يظنون أن الأمر يطول جدا فخرجت الروم في تعبئة لم

стр. 2129

ير مثلها قبلها قط وخرج خالد في تعبئة لم تعبها العرب قبل ذلك. فخرج في ستة وثلاثين كردوسا إلى الأربعين كل كردوس ألف رجل عليهم أمير، وجعل أبا عبيدة في القلب، وعلى الميمنة عمرو بن العاص ومعه شرحبيل بن حسنة، وعلى الميسرة يزيد بن أبي سفيان. وأمر على كل كردوس أميرا، وعلى الطلائع قباب بن أشيم، وعلى الأقباض عبد الله بن مسعود والقاضي يومئذ أبو الدرداء وقاصّهم الّذي يعظهم ويحثهم على القتال أبو سفيان بن حرب وقارئهم الّذي يدور على الناس فيقرأ سورة الأنفال وآيات الجهاد المقداد بن الأسود. وذكر إسحاق بن يسار باسناده أن أمراء الأرباع يومئذ كانوا أربعة، أبو عبيدة وعمرو بن العاص وشرحبيل بن حسنة ويزيد بن أبي سفيان، وخرج الناس على راياتهم وعلى الميمنة معاذ بن جبل وعلى الميسرة نفاثة بن أسامة الكناني، وعلى الرجالة هاشم بن عتبة بن أبى وقاص، وعلى الخيالة خالد بن الوليد وهو المشير في الحرب الّذي يصدر الناس كلهم عن رأيه. ولما أقبلت الروم في خيلائها وفخرها قد سدت أقطار تلك البقعة سهلها ووعرها كأنهم غمامة سوداء يصيحون بأصوات مرتفعة ورهبانهم يتلون الإنجيل ويحثونهم على القتال، وكان خالد في الخيل بين يدي الجيش فساق بفرسه إلى أبى عبيدة فقال له: إني مشير بأمر، فقال: قل ما أمرك الله أسمع لك وأطيع. فقال له خالد إن هؤلاء القوم لا بدّ لهم من حملة عظيمة لا محيد لهم عنها، وإني أخشى على الميمنة والميسرة وقد رأيت أن أفرق الخيل فرقتين وأجعلها وراء الميمنة والميسرة حتى إذا صدموهم كانوا لهم ردءا فنأتيهم من ورائهم. فقال: له نعم ما رأيت. فكان خالد في أحد الخيلين من وراء الميمنة وجعل قيس بن هبيرة في الخيل الأخرى وأمر أبا عبيدة أن يتأخر عن القلب إلى وراء الجيش كله لكي إذا رآه المنهزم استحى منه ورجع الى القتال، فجعل أبو عبيدة مكانه في القلب سعيد بن زيد أحد العشرة ﵃، وساق خالد إلى النساء من وراء الجيش ومعهن عدد من السيوف وغيرها، فقال لهن: من رأيتموه موليا فاقتلنه، ثم رجع إلى موقفه ﵁. ولما تراءى الجمعان وتبارز الفريقان وعظ أبو عبيدة المسلمين فقال: عباد الله انصروا الله ينصركم ويثبت أقدامكم، يا معشر المسلمين اصبروا فان الصبر منجاة من الكفر ومرضاة للرب ومدحضة للعار، ولا تبرحوا مصافكم، ولا تخطوا إليهم خطوة، ولا تبدءوهم بالقتال وشرعوا الرماح واستتروا بالدرق والزموا الصمت الا من ذكر الله في أنفسكم حتى آمركم إن شاء الله تعالى. قالوا: وخرج معاذ بن جبل على الناس فجعل يذكرهم ويقول يا أهل القرآن، ومتحفظى الكتاب وأنصار الهدى والحق، إن رحمة الله لا تنال وجنته لا تدخل بالأماني، ولا يؤتى الله المغفرة والرحمة الواسعة إلا الصادق المصدق ألم تسمعوا لقول الله ﴿وَعَدَ اللهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصّالِحاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اِسْتَخْلَفَ﴾

стр. 2130

الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ الآية. فاستحيوا رحمكم الله من ربكم أن يراكم فرارا من عدوكم وأنتم في قبضته وليس لكم ملتحد من دونه ولا عز بغيره. وقال عمرو بن العاص: يا أيها المسلمون غضوا الأبصار، واجثوا على الركب، واشرعوا الرماح، فإذا حملوا عليكم فأمهلوهم حتى إذا ركبوا أطراف الاسنة فثبوا إليهم وثبة الأسد، فو الّذي يرضى الصدق ويثيب عليه ويمقت الكذب ويجزى بالإحسان إحسانا، لقد سمعت أن المسلمين سيفتحونها كفرا كفرا وقصرا قصرا، فلا يهولنكم جموعهم ولا عددهم، فإنكم لو صدقتموهم الشد تطايروا تطاير أولاد الحجل. وقال أبو سفيان: يا معشر المسلمين أنتم العرب وقد أصبحتم في دار العجم منقطعين عن الأهل نائين عن أمير المؤمنين وأمداد المسلمين، وقد والله أصبحتم بإزاء عدو كثير عدده، شديد عليكم حنقه، وقد وترتموهم في أنفسهم وبلادهم ونسائهم، والله لا ينجيكم من هؤلاء القوم، ولا يبلغ بكم رضوان الله غدا إلا بصدق اللقاء والصبر في المواطن المكروهة، ألا وإنها سنة لازمة وان الأرض وراءكم، بينكم وبين أمير المؤمنين وجماعة المسلمين صحارى وبراري، ليس لأحد فيها معقل ولا معدل إلا الصبر ورجاء ما وعد الله فهو خير معول، فامتنعوا بسيوفكم وتعاونوا ولتكن هي الحصون. ثم ذهب إلى النساء فوصاهن ثم عاد فنادى: يا معاشر أهل الإسلام حضر ما ترون فهذا رسول الله والجنة أمامكم، والشيطان والنار خلفكم. ثم سار إلى موقفه ﵀. وقد وعظ الناس أبو هريرة أيضا فجعل يقول: سارعوا إلى الحور العين وجوار ربكم في جنات النعيم، ما أنتم إلى ربكم في موطن بأحب إليه منكم في مثل هذا الموطن، ألا وإن للصابرين فضلهم. قال سيف بن عمر باسناده عن شيوخه: إنهم قالوا كان في ذلك الجمع ألف رجل من الصحابة منهم مائة من أهل بدر. وجعل أبو سفيان يقف على كل كردوس ويقول: الله الله إنكم دارة العرب وأنصار الإسلام، وإنهم دارة الروم وأنصار الشرك، اللهمّ إن هذا يوم من أيامك، اللهمّ أنزل نصرك على عبادك. قالوا: ولما أقبل خالد من العراق قال رجل من نصارى العرب لخالد بن الوليد: ما أكثر الروم وأقل المسلمين!! فقال خالد: ويلك، أتخوفنى بالروم؟ إنما تكثر الجنود بالنصر، وتقل بالخذلان لا بعدد الرجال، والله لوددت أن الأشقر برأ من توجعه، وأنهم أضعفوا في العدد - وكان فرسه قد حفا واشتكى في مجيئه من العراق - ولما تقارب الناس تقدم أبو عبيدة ويزيد بن أبى سفيان ومعهما ضرار بن الأزور، والحارث بن هشام، وأبو جندل بن سهيل، ونادوا: إنما نريد أميركم لنجتمع به، فأذن لهم في الدخول على تذارق، وإذا هو جالس في خيمة من حرير. فقال الصحابة: لا نستحل دخولها، فأمر لهم بفرش بسط من حرير، فقالوا: ولا نجلس على هذه. فجلس معهم حيث

стр. 2131

أحبوا وتراضوا على الصلح، ورجع عنهم الصحابة بعد ما دعوهم إلى الله فلم يتم ذلك. وذكر الوليد بن مسلم أن ماهان طلب خالدا ليبرز إليه فيما بين الصفين فيجتمعا في مصلحة لهم. فقال ماهان: إنا قد علمنا أن ما أخرجكم من بلادكم الجهد والجوع، فهلموا إلى أن أعطى كل رجل منكم عشرة دنانير وكسوة وطعاما وترجعون إلى بلادكم، فإذا كان من العام المقبل بعثنا لكم بمثلها. فقال خالد: إنه لم يخرجنا من بلادنا ما ذكرت، غير أنا قوم نشرب الدماء، وأنه بلغنا أنه لا دم أطيب من دم الروم، فجئنا لذلك. فقال أصحاب ماهان: هذا والله ما كنا نحدث به عن العرب. قالوا ثم تقدم خالد إلى عكرمة بن أبي جهل والقعقاع بن عمرو - وهما على مجنبتي القلب - أن ينشئا القتال، فبدرا يرتجزان ودعوا إلى البراز، وتنازل الأبطال، وتجاولوا وحمى الحرب وقامت على ساق. هذا وخالد مع كردوس من الحماة الشجعان الأبطال بين يدي الصفوف، والأبطال يتصاولون من الفريقين بين يديه، وهو ينظر ويبعث إلى كل قوم من أصحابه بما يعتمدونه من الأفاعيل، ويدبر أمر الحرب أتم تدبير. وقال إسحاق بن بشير عن سعيد بن عبد العزيز عن قدماء مشايخ دمشق، قالوا: ثم زحف ماهان فخرج أبو عبيدة، وقد جعل على الميمنة معاذ بن جبل، وعلى الميسرة قباب بن أشيم الكناني، وعلى الرجالة هاشم بن عتبة بن أبى وقاص، وعلى الخيل خالد بن الوليد، وخرج الناس على راياتهم، وسار أبو عبيدة بالمسلمين، وهو يقول: عباد الله انصروا الله ينصركم ويثبت أقدامكم، يا معاشر المسلمين اصبروا فان الصبر منجاة من الكفر، ومرضاة للرب، ومدحضة للعار، ولا تبرحوا مصافكم، ولا تخطوا إليهم خطوة، ولا تبدءوهم بالقتال، واشرعوا الرماح، واستتروا بالدرق، والزموا الصمت إلا من ذكر الله. وخرج معاذ بن جبل فجعل يذكرهم، ويقول: يا أهل القرآن، ومستحفظى الكتاب، وأنصار الهدى والحق، إن رحمة الله لا تنال، وجنته لا تدخل بالأماني، ولا يؤتى الله المغفرة والرحمة الواسعة إلا للصادق المصدق، ألم تسمعوا لقول الله ﴿وَعَدَ اللهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصّالِحاتِ﴾ إلى آخر الآية؟ فاستحيوا رحمكم الله من ربكم أن يراكم فرارا من عدوكم، وأنتم في قبضته، وليس لكم ملتحد من دونه. وسار عمرو بن العاص في الناس وهو يقول: أيها المسلمون غضوا الأبصار واجثوا على الركب، واشرعوا الرماح، فإذا حملوا عليكم فأمهلوهم حتى إذا ركبوا أطراف الأسنة فثبوا وثبة الأسد، فو الّذي يرضى الصدق ويثيب عليه، ويمقت الكذب ويجزى الإحسان إحسانا. لقد سمعت أن المسلمين سيفتحونها كفرا كفرا وقصرا قصرا، فلا يهولنكم جموعهم ولا عددهم، فإنكم لو صدقتموهم الشد لتطايروا تطاير أولاد الحجل. ثم تكلم أبو سفيان فأحسن وحث على القتال فأبلغ في كلام طويل. ثم قال حين تواجه الناس: يا معشر أهل

стр. 2132

الإسلام حضر ما ترون، فهذا رسول الله والجنة أمامكم، والشيطان والنار خلفكم، وحرض أبو سفيان النساء فقال: من رأيتنه فارا فاضربنه بهذه الأحجار والعصي حتى يرجع. وأشار خالد أن يقف في القلب سعيد بن زيد، وأن يكون أبو عبيدة من وراء الناس ليرد المنهزم. وقسم خالد الخيل قسمين فجعل فرقة وراء الميمنة، وفرقة وراء الميسرة، لئلا يفر الناس وليكونوا ردءا لهم من ورائهم. فقال له أصحابه: افعل ما أراك الله، وامتثلوا ما أشار به خالد ﵁. وأقبلت الروم رافعة صلبانها ولهم أصوات مزعجة كالرعد، والقساقسة والبطارقة تحرضهم على القتال وهم في عدد وعدد لم ير مثله، فالله المستعان وعليه التكلان. وقد كان فيمن شهد اليرموك الزبير بن العوام، وهو أفضل من هناك من الصحابة، وكان من فرسان الناس وشجعانهم، فاجتمع إليه جماعة من الأبطال يومئذ فقالوا: ألا تحمل فنحمل معك؟ فقال: إنكم لا تثبتون، فقالوا: بلى! فحمل وحملوا فلما واجهوا صفوف الروم أحجموا وأقدم هو فاخترق صفوف الروم حتى خرج من الجانب الآخر وعاد إلى أصحابه. ثم جاءوا إليه مرة ثانية ففعل كما فعل في الأولى، وجرح يومئذ جرحين بين كتفيه، وفي رواية جرح. وقد روى البخاري معنى ما ذكرناه في صحيحه. وجعل معاذ بن جبل كلما سمع أصوات القسيسين والرهبان يقول: اللهمّ زلزل أقدامهم، وأرعب قلوبهم: وأنزل علينا السكينة، وألزمنا كلمة التقوى، وحبب إلينا اللقاء، وأرضنا بالقضاء. وخرج ماهان فأمر صاحب الميسرة وهو الدبريجان، وكان عدو الله متنسكا فيهم، فحمل على الميمنة وفيها الأزد ومذحج وحضرموت وخولان، فثبتوا حتى صدقوا (١) أعداء الله، ثم ركبهم من الروم أمثال الجبال. فزال المسلمون من الميمنة إلى ناحية القلب، وانكشف طائفة من الناس إلى العسكر، وثبت صور من المسلمين عظيم يقاتلون تحت راياتهم، وانكشف زبيد. ثم تنادوا فتراجعوا وحملوا حتى نهنهوا من أمامهم من الروم وأشغلوهم عن اتباع من انكشف من الناس، واستقبل النساء من انهزم من سرعان الناس يضربنهم بالخشب والحجارة وجعلت خولة بنت ثعلبة تقول: يا هاربا عن نسوة تقيأت … فعن قليل ما ترى سبيات ولا حصيات ولا رضيات قال: فتراجع الناس إلى مواقفهم. وقال سيف بن عمر عن أبى عثمان الغساني عن أبيه. قال قال عكرمة بن أبى جهل يوم اليرموك: قاتلت رسول الله ﷺ في مواطن وأفر منكم اليوم؟ ثم نادى: من يبايع على الموت؟ فبايعه عمه الحارث بن هشام، وضرار بن الأزور في أربعمائة من وجوه المسلمين

стр. 2133

وفرسانهم، فقاتلوا قدام فسطاط خالد حتى أثبتوا جميعا جراحا، وقتل منهم خلق منهم ضرار بن الأزور ﵃. وقد ذكر الواقدي وغيره أنهم لما صرعوا من الجراح استسقوا ماء فجيء إليهم بشربة ماء فلما قربت إلى أحدهم نظر إليه الآخر فقال: ادفعها إليه، فلما دفعت إليه نظر إليه الآخر فقال: ادفعها إليه، فتدافعوها كلهم من واحد إلى واحد حتى ماتوا جميعا ولم يشربها أحد منهم، ﵃ أجمعين. ويقال إن أول من قتل من المسلمين يومئذ شهيدا رجل جاء إلى أبي عبيدة فقال: إني قد تهيّأت لأمرى فهل لك من حاجة إلى رسول الله ﷺ ؟ قال: نعم، تقرئه عنى السلام وتقول: يا رسول الله إنا قد وجدنا ما وعدنا ربنا حقا. قال: فتقدم هذا الرجل حتى قتل ﵀. قالوا: وثبت كل قوم على رايتهم حتى صارت الروم تدور كأنّها الرحا. فلم تر يوم اليرموك (إلا) مخا ساقطا، ومعصما نادرا، وكفا طائرة من ذلك الموطن. ثم حمل خالد بمن معه من الخيالة على الميسرة التي حملت على ميمنة المسلمين فأزالوهم إلى القلب فقتل من الروم في حملته هذه ستة آلاف منهم ثم قال: والّذي نفسي بيده لم يبق عندهم من الصبر والجلد غير ما رأيتم، وإني لأرجو أن يمنحكم الله أكتافهم. ثم اعترضهم فحمل بمائة فارس معه على نحو من مائة ألف فما وصل إليهم حتى انفض جمعهم، وحمل المسلمون عليهم حملة رجل واحد، فانكشفوا وتبعهم المسلمون لا يمتنعون منهم. قالوا: وبينما هم في جولة الحرب وحومة الوغى والأبطال يتصاولون من كل جانب، إذ قدم البريد من نحو الحجاز فدفع إلى خالد بن الوليد فقال له: ما الخبر؟ فقال له - فيما بينه وبينه -: إن الصديق ﵁ قد توفى واستخلف عمر، واستناب على الجيوش أبا عبيدة عامر بن الجراح. فأسرّها خالد ولم يبد ذلك للناس لئلا يحصل ضعف ووهن في تلك الحال، وقال له والناس يسمعون: أحسنت، وأخذ منه الكتاب فوضعه في كنانته واشتغل بما كان فيه من تدبير الحرب والمقاتلة، وأوقف الرسول الّذي جاء بالكتاب - وهو منجمة بن زنيم - إلى جانبه. كذا ذكره ابن جرير بأسانيده. قالوا وخرج جرجه أحد الأمراء الكبار من الصف واستدعى خالد بن الوليد فجاء إليه حتى اختلفت أعتاق فرسيهما، فقال جرجه: يا خالد أخبرنى فاصدقني ولا تكذبني، فان الحر لا يكذب، ولا تخادعني فان الكريم لا يخادع المسترسل بالله، هل أنزل الله على نبيكم سيفا من السماء فأعطاكه فلا تسله على أحد إلا هزمتهم؟ قال: لا! قال: فيم سميت سيف الله؟ قال: إن الله بعث فينا نبيه فدعانا فنفرنا منه ونأينا عنه جميعا، ثم إن بعضنا صدقه وتابعه، وبعضنا كذبه وباعده، فكنت فيمن كذبه وباعده، ثم إن الله أخذ بقلوبنا ونواصينا فهدانا به وبايعناه، فقال لي: أنت سيف من

стр. 2134

سيوف الله سله الله على المشركين. ودعا لي بالنصر، فسميت سيف الله بذلك فأنا من أشد المسلمين على المشركين. فقال جرجه: يا خالد إلى ما تدعون؟ قال: إلى شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدا عبده ورسوله والإقرار بما جاء به من عند الله . قال: فمن لم يجبكم؟ قال: فالجزية ونمنعهم. قال: فإن لم يعطها قال: نؤذنه بالحرب ثم نقاتله. قال: فما منزلة من يجيبكم ويدخل في هذا الأمر اليوم؟ قال منزلتنا واحدة فيما افترض الله علينا، شريفنا ووضيعنا وأولنا وآخرنا. قال جرجه: فلمن دخل فيكم اليوم من الأجر مثل ما لكم من الأجر والذخر؟ قال: نعم وأفضل. قال: وكيف يساويكم وقد سبقتموه؟ فقال خالد: إنا قبلنا هذا الأمر عنوة وبايعنا نبينا وهو حي بين أظهرنا تأتيه أخبار السماء ويخبرنا بالكتاب ويرينا الآيات، وحق لمن رأى ما رأينا، وسمع ما سمعنا أن يسلم ويبايع، وإنكم أنتم لم تروا ما رأينا، ولم تسمعوا ما سمعنا من العجائب والحجج، فمن دخل في هذا الأمر منكم بحقيقة ونية كان أفضل منا؟ فقال جرجه: بالله لقد صدقتني ولم تخادعني؟ قال: تالله لقد صدقتك وان الله ولى ما سألت عنه. فعند ذلك قلب جرجه الترس ومال مع خالد وقال: علمني الإسلام، فمال به خالد إلى فسطاطه فسنّ عليه قربة من ماء ثم صلى به ركعتين. وحملت الروم مع انقلابه إلى خالد وهم يرون أنها منه حملة فأزالوا المسلمين عن مواقفهم إلا المحامية عليهم عكرمة بن أبى جهل والحرث بن هشام. فركب خالد وجرجه معه والروم خلال المسلمين، فتنادى الناس وثابوا وتراجعت الروم إلى مواقفهم وزحف خالد بالمسلمين حتى تصافحوا بالسيوف فضرب فيهم خالد وجرجه من لدن ارتفاع النهار إلى جنوح الشمس للغروب. وصلى المسلمون صلاة الظهر وصلاة العصر إيماء، وأصيب جرجه ﵀ ولم يصل لله إلا تلك الركعتين مع خالد ﵄. وضعضعت الروم عند ذلك. ثم نهد خالد بالقلب حتى صار في وسط خيول الروم، فعند ذلك هربت خيالتهم، وأسندت بهم في تلك الصحراء، وأفرج المسلمون بخيولهم حتى ذهبوا. وأخر الناس صلاتي العشاءين حتى استقر الفتح، وعمد خالد إلى رحل الروم وهم الرجالة ففصلوهم عن آخرهم حتى صاروا كأنهم حائط قد هدم ثم تبعوا من فر من الخيالة واقتحم خالد عليهم خندقهم، وجاء الروم في ظلام الليل إلى الواقوصة، فجعل الذين تسلسلوا وقيدوا بعضهم ببعض إذا سقط واحد منهم سقط الذين معه. قال ابن جرير وغيره: فسقط فيها وقتل عندها مائة ألف وعشرون ألفا سوى من قتل في المعركة. وقد قاتل نساء المسلمين في هذا اليوم وقتلوا خلقا كثيرا من الروم، وكن يضربن من انهزم من المسلمين ويقلن: أين تذهبون وتدعوننا للعلوج؟ فإذا زجرنهم لا يملك أحد نفسه حتى يرجع إلى القتال. قال وتجلل القيقلان وأشراف من قومه من الروم ببرانسهم وقالوا: إذا لم نقدر على نصر دين

стр. 2135

النصرانية فلنمت على دينهم. فجاء المسلمون فقتلوهم عن آخرهم. قالوا: وقتل في هذا اليوم من المسلمين ثلاثة آلاف منهم عكرمة وابنه عمرو، وسلمة بن هشام، وعمرو بن سعيد، وأبان بن سعيد، وأثبت خالد بن سعيد فلا يدرى أين ذهب وضرار بن الأزور، وهشام بن العاص وعمرو بن الطفيل بن عمرو الدوسيّ، وحقق الله رؤيا أبيه يوم اليمامة. وقد أتلف في هذا اليوم جماعة من الناس انهزم عمرو ابن العاص في أربعة حتى وصلوا إلى النساء ثم رجعوا حين زجرهم النساء، وانكشف شرحبيل بن حسنة وأصحابه ثم تراجعوا حين وعظهم الأمير بقوله تعالى ﴿إِنَّ اللهَ اِشْتَرى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوالَهُمْ﴾ الآية. وثبت يومئذ يزيد بن أبي سفيان وقاتل قتالا شديدا، وذلك أن أباه مر به فقال له: يا بنى عليك بتقوى الله والصبر فإنه ليس رجل بهذا الوادي من المسلمين الا محفوفا بالقتال، فكيف بك وبأشباهك الذين ولوا أمور المسلمين؟! أولئك أحق الناس بالصبر والنصيحة، فاتق الله يا بنى ولا يكونن أحد من أصحابك بأرغب في الأجر والصبر في الحرب ولا أجرأ على عدو الإسلام منك. فقال: أفعل إن شاء الله. فقاتل يومئذ قتالا شديدا وكان من ناحية القلب ﵁، وقال سعيد بن المسيب عن أبيه قال: هدأت الأصوات يوم اليرموك فسمعنا صوتا يكاد يملأ العسكر يقول: يا نصر الله اقترب، الثبات الثبات يا معشر المسلمين، قال: فنظرنا فإذا هو أبو سفيان تحت راية ابنه يزيد. وأكمل خالد ليلته في خيمة تدارق أخى هرقل - وهو أمير الروم كلهم يومئذ - هرب فيمن هرب، وباتت الخيول تجول نحو خيمة خالد يقتلون من مر بهم من الروم حتى أصبحوا، وقتل تدارق وكان له ثلاثون سرادقا وثلاثون رواقا من ديباج بما فيها من الفرش والحرير، فلما كان الصباح حازوا ما كان لك من الغنائم. وما فرحوا بما وجدوا بقدر حزنهم على الصديق حين أعلمهم خالد بذلك ولكن عوضهم الله بالفاروق ﵁. وقال خالد حين عزى المسلمين في الصديق: الحمد لله الّذي قضى على أبى بكر بالموت، وكان أحب إلى من عمر، والحمد لله الّذي ولى عمر وكان أبغض إلى من أبى بكر وألزمنى حبه. وقد اتبع خالد من انهزم من الروم حتى وصل إلى دمشق فخرج إليه أهلها فقالوا: نحن على عهدنا وصلحنا؟ قال: نعم. ثم اتبعهم إلى ثنية العقاب فقتل منهم خلقا كثيرا ثم ساق وراءهم إلى حمص فخرج إليه أهلها فصالحهم كما صالح أهل دمشق. وبعث أبو عبيدة عياض بن غنم وراءهم أيضا فساق حتى وصل ملطية فصالحه أهلها ورجع. فلما بلغ هرقل ذلك بعث إلى مقاتليها فحضروا بين يديه وأمر بملطية فحرقت وانتهت الروم منهزمة إلى هرقل وهو بحمص والمسلمون في آثارهم يقتلون ويأسرون ويغنمون. فلما وصل الخبر إلى هرقل ارتحل من حمص وجعلها بينه وبين المسلمين وترس بها وقال

стр. 2136

هرقل: أما الشام فلا شام، وويل للروم من المولود المشئوم. ومما قيل من الأشعار في يوم اليرموك قول القعقاع بن عمرو: ألم ترنا على اليرموك فزنا … كما فزنا بأيام العراق وعذراء المدائن قد فتحنا … ومرج الصفر … على العتاق فتحنا قبلها بصرى وكانت … محرمة الجناب لدى النعاق قتلنا من أقام لنا وفينا … نهابهم بأسياف رقاق قتلنا الروم حتى ما تساوى … على اليرموك معروق الوراق فضضنا جمعهم لما استجالوا … على الواقوص بالبتر الرقاق غداة تهافتوا فيها فصاروا … إلى أمر يعضل بالذواق وقال الأسود بن مقرن التميمي: وكم قد أغرنا غارة بعد غارة … يوما ويوما قد كشفنا أهاوله ولولا رجال كان عشو غنيمة … لدى مأقط رجت علينا أوائله لقيناهم اليرموك لما تضايقت … بمن حل باليرموك منه حمائله فلا يعد من منا هرقل كتائبا … إذا رامها رام الّذي لا يحاوله وقال عمرو بن العاص: القوم لخم وجذام في الحرب … ونحن والروم بمرج نضطرب فإن يعودوا بها لا نصطحب … بل نعصب الفرار بالضرب الكرب وروى أحمد بن مروان المالكي في المجالسة: ثنا أبو إسماعيل الترمذي ثنا أبو معاوية بن عمرو عن أبى إسحاق قال: كان أصحاب رسول الله ﷺ لا يثبت لهم العدو فواق ناقة عند اللقاء، فقال هرقل وهو على انطاكية لما قدمت منهزمة الروم: ويلكم أخبرونى عن هؤلاء القوم الذين يقاتلونكم أليسوا بشرا مثلكم؟ قالوا: بلى. قال: فأنتم أكثر أم هم؟ قالوا: بل نحن أكثر منهم أضعافا في كل موطن. قال: فما بالكم تنهزمون؟ فقال شيخ من عظمائهم: من أجل أنهم يقومون الليل ويصومون النهار، ويوفون بالعهد، ويأمرون بالمعروف، وينهون عن المنكر، ويتناصفون بينهم، ومن أجل أنا نشرب الخمر، ونزني، ونركب الحرام، وننقض العهد، ونغصب ونظلم ونأمر بالسخط وننهى عما يرضى الله ونفسد في الأرض. فقال: أنت صدقتني. وقال الوليد بن مسلم: أخبرنى من سمع يحيى بن يحيى الغساني يحدث عن رجلين من قومه قالا: لما نزل المسلمون بناحية الأردن، تحدثنا بيننا أن دمشق ستحاصر فذهبنا نتسوق منها قبل ذلك،

стр. 2137

فبينا نحن فيها إذا أرسل إلينا بطريقها فجئناه فقال: أنتما من العرب؟ قلنا نعم! قال: وعلى النصرانية؟ قلنا: نعم. فقال: ليذهب أحدكما فليتجسس لنا عن هؤلاء القوم ورأيهم، وليثبت الآخر على متاع صاحبه. ففعل ذلك أحدنا، فلبث مليا ثم جاءه فقال: جئتك من عند رجال دقاق يركبون خيولا عتاقا، أما الليل فرهبان، وأما النهار ففرسان، يريشون النبل ويبرونها، ويثقفون القنا، لو حدثت جليسك حديثا ما فهمه عنك لما علا من أصواتهم بالقرآن والذكر. قال فالتفت إلى أصحابه وقال: أتاكم منهم ما لا طاقة لكم به. انتقال إمرة الشام من خالد بن الوليد إلى أبي عبيدة في الدولة العمرية وذلك بعد وقعة اليرموك وصيرورة الإمرة بالشام إلى أبي عبيدة، فكان أبو عبيدة أول من سمى أمير الأمراء. قد تقدم أن البريد قدم بموت الصديق والمسلمون مصافو الروم يوم اليرموك. وأن خالدا كتم ذلك عن المسلمين لئلا يقع وهن، فلما أصبحوا أجلى لهم الأمر وقال ما قال، ثم شرع أبو عبيدة في جمع الغنيمة وتخميسها، وبعث بالفتح والخمس مع قباب بن أشيم إلى الحجاز، ثم نودي بالرحيل إلى دمشق، فساروا حتى نزلوا مرج الصفر، وبعث أبو عبيدة بين يديه طليعة أبا أمامة الباهلي ومعه رجلان من أصحابه. قال أبو أمامة: فسرت فلما كان ببعض الطريق أمرت الآخر (١) فكمن هناك وسرت أنا وحدي حتى جئت باب البلد، وهو مغلق في الليل وليس هناك أحد، فنزلت وغرزت رمحي بالأرض ونزعت لجام فرسي، وعلقت عليه مخلاته ونمت، فلما أصبح الصباح قمت فتوضأت وصليت الفجر، فإذا باب المدينة يقعقع فلما فتح حملت على البواب فطعنته بالرمح فقتلته، ثم رجعت والطلب ورائي فلما انتهينا إلى الرجل الّذي في الطريق من أصحابى ظنوا أنه كمين فرجعوا عنى، ثم سرنا حتى أخذنا الآخر وجئت إلى أبى عبيدة فأخبرته بما رأيت، فأقام أبو عبيدة ينتظر كتاب عمر فيما يعتمده من أمر دمشق، فجاءه الكتاب يأمره بالمسير إليها، فساروا إليها حتى أحاطوا بها. واستخلف أبو عبيدة على اليرموك بشير بن كعب في خيل هناك. وقعة جرت بالعراق بعد مجيء خالد إلى الشام وذلك أن أهل فارس اجتمعوا بعد مقتل ملكهم وابنه على تمليك شهريار بن أردشير بن شهريار واستغنموا غيبة خالد عنهم فبعثوا إلى نائبة المثنى بن حارثة جيشا كثيفا نحوا من عشرة آلاف عليهم هرمز بن حادويه، وكتب شهريار إلى المثنى: إني قد بعثت إليك جندا من وحش أهل فارس إنما هم رعاة الدجاج والخنازير، ولست أقاتلك إلا بهم. فكتب إليه المثنى: من المثنى إلى شهريار

стр. 2138

إنما أنت أحد رجلين إما باغ فذلك شر لك وخير لنا، وإما كاذب فأعظم الكاذبين عقوبة وفضيحة عند الله في الناس الملوك، وأما الّذي يدلنا عليه الرأى فإنكم إنما اضطررتم إليهم، فالحمد لله الّذي رد كيدكم إلى رعاة الدجاج والخنازير. قال: فجزع أهل فارس من هذا الكتاب، ولاموا شهريار على كتابه إليه واستهجنوا رأيه. وسار المثنى من الحرة إلى بابل، ولما التقى المثنى وجيشهم بمكان عند عدوة الصراة الأولى، اقتتلوا قتالا شديدا جدا، وأرسل الفرس فيلا بين صفوف الخيل ليفرق خيول المسلمين، فحمل عليه أمير المسلمين المثنى بن حارثة فقتله، وأمر المسلمين فحملوا، فلم تكن إلا هزيمة الفرس فقتلوهم قتلا ذريعا، وغنموا منهم مالا عظيما، وفرت الفرس حتى انتهوا إلى المدائن في شر حالة، ووجدوا الملك قد مات فملكوا عليهم ابنة كسرى «بوران بنت أبرويز» فأقامت العدل، وأحسنت السيرة، فأقامت سنة وسبع شهور، ثم ماتت، فملكوا عليهم أختها «آزرميدخت زنان» فلم ينتظم لهم أمر، فملكوا عليهم «سابور بن شهريار»، وجعلوا أمره إلى الفرخزاذ بن البندوان فزوجه سابور بابنة كسرى «آزرميدخت» فكرهت ذلك وقالت: إنما هذا عبد من عبيدنا. فلما كان ليلة عرسها عليه هموا إليه فقتلوه، ثم ساروا إلى سابور فقتلوه أيضا، وملكوا عليهم هذه المرأة وهي «آزرميدخت» ابنة كسرى. ولعبت فارس بملكها لعبا كثيرا، وآخر ما استقر أمرهم عليه في هذه السنة أن ملكوا امرأة وقد قال رسول الله ﷺ «لن يفلح قوم ولوا أمرهم امرأة». وفي هذه الوقعة التي ذكرنا يقول عبدة بن الطبيب السعدي، وكان قد هاجر لمهاجرة حليلة له حتى شهد وقعة بابل هذه، فلما آيسته رجع إلى البادية وقال: هل حبل خولة بعد البين موصول … أم أنت عنها بعيد الدار مشغول وللأحبة أيام تذكّرها … وللنوى قبل يوم البين تأويل حلت خويلة في حي عهدتهم … دون المدينة فيها الديك والفيل يقارعون رءوس العجم ضاحية … منهم فوارس لا عزل ولا ميل وقد قال الفرزدق في شعره يذكر قتل المثنى ذلك الفيل: وبيت المثنى قاتل الفيل عنوة … ببابل إذ في فارس ملك بابل ثم إن المثنى بن حارثة استبطأ أخبار الصديق لتشاغله بأهل الشام، وما فيه من حرب اليرموك المتقدم ذكره، فسار المثنى بنفسه إلى الصديق، واستناب على العراق بشير بن الخصاصية، وعلى المسالح سعيد بن مرة العجليّ، فلما انتهى المثنى إلى المدينة وجد الصديق في آخر مرض الموت. وقد عهد إلى عمر بن الخطاب، ولما رأى الصديق المثنى قال لعمر: إذا أنامت فلا نمسين حتى تندب

стр. 2139

الناس لحرب أهل العراق مع المثنى، وإذا فتح الله على أمرائنا بالشام فاردد أصحاب خالد إلى العراق فإنهم. أعلم بحربة. فلما مات الصديق ندب عمر المسلمين إلى الجهاد بأرض العراق لقلة من بقي فيه من المقاتلة بعد خالد بن الوليد، فانتدب خلقا وأمر عليهم أبا عبيدة بن مسعود، وكان شابا شجاعا، خبيرا بالحرب والمكيدة. وهذا آخر ما يتعلق بخبر العراق إلى آخر أيام الصديق وأول دولة الفاروق. خلافة عمر بن الخطاب ﵁ كانت وفاة الصديق ﵁ في يوم الاثنين عشية، وقيل بعد المغرب ودفن من ليلته، وذلك لثمان بقين من جمادى الآخرة سنة ثلاث عشرة بعد مرض خمسة عشر يوما، وكان عمر بن الخطاب يصلى عنه فيها بالمسلمين، وفي أثناء هذا المرض عهد بالأمر من بعده إلى عمر بن الخطاب، وكان الّذي كتب العهد عثمان بن عفان، وقرئ على المسلمين فأقروا به وسمعوا له وأطاعوا، فكانت خلافة الصديق سنتين وثلاثة أشهر، وكان عمره يوم توفى ثلاثا وستين سنة، للسن الّذي توفى فيه رسول الله ﷺ ، وقد جمع الله بينهما في التربة، كما جمع بينهما في الحياة، فرضى الله عنه وأرضاه. قال محمد بن سعد عن أبى قطن عمرو بن الهيثم عن ربيع بن حسان الصائغ. قال: كان نقش خاتم أبى بكر «نعم القادر الله». وهذا غريب وقد ذكرنا ترجمة الصديق ﵁، وسيرته وأيامه وما روى من الأحاديث، وما روى عنه من الأحكام في مجلد ولله الحمد والمنة. فقام بالأمر من بعده أتم القيام الفاروق أمير المؤمنين عمر بن الخطاب ﵁. وهو أول من سمى بأمير المؤمنين. وكان أول من حياه بها المغيرة بن شعبة، وقيل غيره كما بسطنا ذلك في ترجمة عمر بن الخطاب وسيرته التي أفردناها في مجلد، ومسندة والآثار المروية مرتبا على الأبواب في مجلد آخر ولله الحمد. وقد كتب بوفاة الصديق إلى أمراء الشام مع شداد بن أوس، ومحمد بن جريح، فوصلا والناس مصافون جيوش الروم يوم اليرموك كما قدمنا. وقد أمر عمر على الجيوش أبا عبيدة حين ولاه وعزل خالد بن الوليد. وذكر سلمة عن محمد بن إسحاق أن عمر إنما عزل خالدا لكلام بلغه عنه، ولما كان من أمر مالك بن نويرة، وما كان يعتمده في حربه. فلما ولى عمر كان أول ما تكلم به أن عزل خالدا، وقال: لا يلي لي عملا أبدا. وكتب عمر إلى أبي عبيدة إن أكذب خالد نفسه فهو أمير على ما كان عليه، وإن لم يكذب نفسه فهو معزول، فأنزع عمامته عن رأسه وقاسمه ماله نصفين. فلما قال أبو عبيدة ذلك لخالد قال له خالد: أمهلنى حتى أستشير أختى، فذهب إلى أخته فاطمة - وكانت تحت الحارث بن هشام - فاستشارها في ذلك، فقالت له: إن عمر لا يحبك أبدا، وإنه سيعزلك وإن كذبت بنفسك. فقال لها: صدقت والله. فقاسمه أبو عبيدة حتى أخذ [إحدى] نعليه وترك له الآخرة،

стр. 2140

وخالد يقول سمعا وطاعة لأمير المؤمنين. وقد روى ابن جرير عن صالح بن كيسان أنه قال: أول كتاب كتبه عمر إلى أبى عبيدة حين ولاه وعزل خالدا أن قال: «وأوصيك بتقوى الله الّذي يبقى ويفنى ما سواه، الّذي هدانا من الضلالة، وأخرجنا من الظلمات إلى النور، وقد استعملتك على جند خالد بن الوليد فقم بأمرهم الّذي يحق عليك، لا تقدم المسلمين هلكة رجاء غنيمة، ولا تنزلهم منزلا قبل أن تستريده لهم وتعلم كيف مأتاه، ولا تبعث سرية إلاّ في كنف من الناس، وإياك وإلقاء المسلمين في الهلكة، وقد أبلاك الله بى وأبلانى بك، فغض بصرك عن الدنيا، وأله قلبك عنها، وإياك أن تهلكك كما أهلكت من كان قبلك، فقد رأيت مصارعهم. وأمرهم بالمسير إلى دمشق»، وكان بعد ما بلغه الخبر بفتح اليرموك وجاءته به البشارة، وحمل الخمس إليه. وقد ذكر ابن إسحاق أن الصحابة قاتلوا بعد اليرموك أجنادين ثم بفحل من أرض الغور قريباً من بيسان بمكان يقال له الردغة سمى بذلك لكثرة ما لقوا من الأوحال فيها، فأغلقوها عليهم، وأحاط بها الصحابة. قال: وحينئذ جاءت الامارة لأبى عبيدة من جهة عمر وعزل خالد، وهذا الّذي ذكره ابن إسحاق من مجيء الإمارة لأبى عبيدة في حصار دمشق هو المشهور. ذكر فتح دمشق قال سيف بن عمر لما ارتحل أبو عبيدة من اليرموك فنزل بالجنود على مرج الصفر وهو عازم على حصار دمشق إذا أتاه الخبر بقدوم مددهم من حمص، وجاءه الخبر بأنه قد أجتمع طائفة كبيرة من الروم بفحل من أرض فلسطين، وهو لا يدرى بأي الأمرين يبدأ. فكتب إلى عمر في ذلك، فجاء الجواب أن أبدأ بدمشق فإنها حصن الشام وبيت مملكتهم، فانهد لها واشغلوا عنكم أهل فحل بخيول تكون تلقاءهم، فان فتحها الله قبل دمشق فذلك الّذي نحب، وإن فتحت دمشق قبلها فسر أنت ومن معك واستخلف على دمشق، فإذا فتح الله عليكم فحل فسر أنت وخالد إلى حمص واترك عمرا وشرحبيل على الأردن وفلسطين. قال: فسرح أبو عبيدة إلى فحل عشرة أمراء مع كل أمير خمسة أمراء وعلى الجميع عمارة بن مخشى الصحابي، فساروا من مرج الصفر إلى فحل فوجدوا الروم لك قريبا من ثمانين ألفا، وقد أرسلوا المياه حولهم حتى أردغت الأرض فسموا ذلك الموضع الردغة، وفتحها الله على المسلمين فكانت أول حصن فتح قبل دمشق على ما سيأتي تفصيله. وبعث أبو عبيدة جيشا يكون بين دمشق وبين فلسطين، وبعث ذا الكلاع في جيش يكون بين دمشق وبين حمص، ليرد من يرد إليهم من المدد من جهة هرقل. ثم سار أبو عبيدة من مرج الصفر قاصدا دمشق، وقد جعل خالد بن الوليد
следующие страницы →