← История

История · id 23708

البداية والنهاية - ط السعادة

ابن كثير

Полный текст (4 918 стр.). Показаны 2136–2175 · переход к 2141.

стр. 2136

هرقل: أما الشام فلا شام، وويل للروم من المولود المشئوم. ومما قيل من الأشعار في يوم اليرموك قول القعقاع بن عمرو: ألم ترنا على اليرموك فزنا … كما فزنا بأيام العراق وعذراء المدائن قد فتحنا … ومرج الصفر … على العتاق فتحنا قبلها بصرى وكانت … محرمة الجناب لدى النعاق قتلنا من أقام لنا وفينا … نهابهم بأسياف رقاق قتلنا الروم حتى ما تساوى … على اليرموك معروق الوراق فضضنا جمعهم لما استجالوا … على الواقوص بالبتر الرقاق غداة تهافتوا فيها فصاروا … إلى أمر يعضل بالذواق وقال الأسود بن مقرن التميمي: وكم قد أغرنا غارة بعد غارة … يوما ويوما قد كشفنا أهاوله ولولا رجال كان عشو غنيمة … لدى مأقط رجت علينا أوائله لقيناهم اليرموك لما تضايقت … بمن حل باليرموك منه حمائله فلا يعد من منا هرقل كتائبا … إذا رامها رام الّذي لا يحاوله وقال عمرو بن العاص: القوم لخم وجذام في الحرب … ونحن والروم بمرج نضطرب فإن يعودوا بها لا نصطحب … بل نعصب الفرار بالضرب الكرب وروى أحمد بن مروان المالكي في المجالسة: ثنا أبو إسماعيل الترمذي ثنا أبو معاوية بن عمرو عن أبى إسحاق قال: كان أصحاب رسول الله ﷺ لا يثبت لهم العدو فواق ناقة عند اللقاء، فقال هرقل وهو على انطاكية لما قدمت منهزمة الروم: ويلكم أخبرونى عن هؤلاء القوم الذين يقاتلونكم أليسوا بشرا مثلكم؟ قالوا: بلى. قال: فأنتم أكثر أم هم؟ قالوا: بل نحن أكثر منهم أضعافا في كل موطن. قال: فما بالكم تنهزمون؟ فقال شيخ من عظمائهم: من أجل أنهم يقومون الليل ويصومون النهار، ويوفون بالعهد، ويأمرون بالمعروف، وينهون عن المنكر، ويتناصفون بينهم، ومن أجل أنا نشرب الخمر، ونزني، ونركب الحرام، وننقض العهد، ونغصب ونظلم ونأمر بالسخط وننهى عما يرضى الله ونفسد في الأرض. فقال: أنت صدقتني. وقال الوليد بن مسلم: أخبرنى من سمع يحيى بن يحيى الغساني يحدث عن رجلين من قومه قالا: لما نزل المسلمون بناحية الأردن، تحدثنا بيننا أن دمشق ستحاصر فذهبنا نتسوق منها قبل ذلك،

стр. 2137

فبينا نحن فيها إذا أرسل إلينا بطريقها فجئناه فقال: أنتما من العرب؟ قلنا نعم! قال: وعلى النصرانية؟ قلنا: نعم. فقال: ليذهب أحدكما فليتجسس لنا عن هؤلاء القوم ورأيهم، وليثبت الآخر على متاع صاحبه. ففعل ذلك أحدنا، فلبث مليا ثم جاءه فقال: جئتك من عند رجال دقاق يركبون خيولا عتاقا، أما الليل فرهبان، وأما النهار ففرسان، يريشون النبل ويبرونها، ويثقفون القنا، لو حدثت جليسك حديثا ما فهمه عنك لما علا من أصواتهم بالقرآن والذكر. قال فالتفت إلى أصحابه وقال: أتاكم منهم ما لا طاقة لكم به. انتقال إمرة الشام من خالد بن الوليد إلى أبي عبيدة في الدولة العمرية وذلك بعد وقعة اليرموك وصيرورة الإمرة بالشام إلى أبي عبيدة، فكان أبو عبيدة أول من سمى أمير الأمراء. قد تقدم أن البريد قدم بموت الصديق والمسلمون مصافو الروم يوم اليرموك. وأن خالدا كتم ذلك عن المسلمين لئلا يقع وهن، فلما أصبحوا أجلى لهم الأمر وقال ما قال، ثم شرع أبو عبيدة في جمع الغنيمة وتخميسها، وبعث بالفتح والخمس مع قباب بن أشيم إلى الحجاز، ثم نودي بالرحيل إلى دمشق، فساروا حتى نزلوا مرج الصفر، وبعث أبو عبيدة بين يديه طليعة أبا أمامة الباهلي ومعه رجلان من أصحابه. قال أبو أمامة: فسرت فلما كان ببعض الطريق أمرت الآخر (١) فكمن هناك وسرت أنا وحدي حتى جئت باب البلد، وهو مغلق في الليل وليس هناك أحد، فنزلت وغرزت رمحي بالأرض ونزعت لجام فرسي، وعلقت عليه مخلاته ونمت، فلما أصبح الصباح قمت فتوضأت وصليت الفجر، فإذا باب المدينة يقعقع فلما فتح حملت على البواب فطعنته بالرمح فقتلته، ثم رجعت والطلب ورائي فلما انتهينا إلى الرجل الّذي في الطريق من أصحابى ظنوا أنه كمين فرجعوا عنى، ثم سرنا حتى أخذنا الآخر وجئت إلى أبى عبيدة فأخبرته بما رأيت، فأقام أبو عبيدة ينتظر كتاب عمر فيما يعتمده من أمر دمشق، فجاءه الكتاب يأمره بالمسير إليها، فساروا إليها حتى أحاطوا بها. واستخلف أبو عبيدة على اليرموك بشير بن كعب في خيل هناك. وقعة جرت بالعراق بعد مجيء خالد إلى الشام وذلك أن أهل فارس اجتمعوا بعد مقتل ملكهم وابنه على تمليك شهريار بن أردشير بن شهريار واستغنموا غيبة خالد عنهم فبعثوا إلى نائبة المثنى بن حارثة جيشا كثيفا نحوا من عشرة آلاف عليهم هرمز بن حادويه، وكتب شهريار إلى المثنى: إني قد بعثت إليك جندا من وحش أهل فارس إنما هم رعاة الدجاج والخنازير، ولست أقاتلك إلا بهم. فكتب إليه المثنى: من المثنى إلى شهريار

стр. 2138

إنما أنت أحد رجلين إما باغ فذلك شر لك وخير لنا، وإما كاذب فأعظم الكاذبين عقوبة وفضيحة عند الله في الناس الملوك، وأما الّذي يدلنا عليه الرأى فإنكم إنما اضطررتم إليهم، فالحمد لله الّذي رد كيدكم إلى رعاة الدجاج والخنازير. قال: فجزع أهل فارس من هذا الكتاب، ولاموا شهريار على كتابه إليه واستهجنوا رأيه. وسار المثنى من الحرة إلى بابل، ولما التقى المثنى وجيشهم بمكان عند عدوة الصراة الأولى، اقتتلوا قتالا شديدا جدا، وأرسل الفرس فيلا بين صفوف الخيل ليفرق خيول المسلمين، فحمل عليه أمير المسلمين المثنى بن حارثة فقتله، وأمر المسلمين فحملوا، فلم تكن إلا هزيمة الفرس فقتلوهم قتلا ذريعا، وغنموا منهم مالا عظيما، وفرت الفرس حتى انتهوا إلى المدائن في شر حالة، ووجدوا الملك قد مات فملكوا عليهم ابنة كسرى «بوران بنت أبرويز» فأقامت العدل، وأحسنت السيرة، فأقامت سنة وسبع شهور، ثم ماتت، فملكوا عليهم أختها «آزرميدخت زنان» فلم ينتظم لهم أمر، فملكوا عليهم «سابور بن شهريار»، وجعلوا أمره إلى الفرخزاذ بن البندوان فزوجه سابور بابنة كسرى «آزرميدخت» فكرهت ذلك وقالت: إنما هذا عبد من عبيدنا. فلما كان ليلة عرسها عليه هموا إليه فقتلوه، ثم ساروا إلى سابور فقتلوه أيضا، وملكوا عليهم هذه المرأة وهي «آزرميدخت» ابنة كسرى. ولعبت فارس بملكها لعبا كثيرا، وآخر ما استقر أمرهم عليه في هذه السنة أن ملكوا امرأة وقد قال رسول الله ﷺ «لن يفلح قوم ولوا أمرهم امرأة». وفي هذه الوقعة التي ذكرنا يقول عبدة بن الطبيب السعدي، وكان قد هاجر لمهاجرة حليلة له حتى شهد وقعة بابل هذه، فلما آيسته رجع إلى البادية وقال: هل حبل خولة بعد البين موصول … أم أنت عنها بعيد الدار مشغول وللأحبة أيام تذكّرها … وللنوى قبل يوم البين تأويل حلت خويلة في حي عهدتهم … دون المدينة فيها الديك والفيل يقارعون رءوس العجم ضاحية … منهم فوارس لا عزل ولا ميل وقد قال الفرزدق في شعره يذكر قتل المثنى ذلك الفيل: وبيت المثنى قاتل الفيل عنوة … ببابل إذ في فارس ملك بابل ثم إن المثنى بن حارثة استبطأ أخبار الصديق لتشاغله بأهل الشام، وما فيه من حرب اليرموك المتقدم ذكره، فسار المثنى بنفسه إلى الصديق، واستناب على العراق بشير بن الخصاصية، وعلى المسالح سعيد بن مرة العجليّ، فلما انتهى المثنى إلى المدينة وجد الصديق في آخر مرض الموت. وقد عهد إلى عمر بن الخطاب، ولما رأى الصديق المثنى قال لعمر: إذا أنامت فلا نمسين حتى تندب

стр. 2139

الناس لحرب أهل العراق مع المثنى، وإذا فتح الله على أمرائنا بالشام فاردد أصحاب خالد إلى العراق فإنهم. أعلم بحربة. فلما مات الصديق ندب عمر المسلمين إلى الجهاد بأرض العراق لقلة من بقي فيه من المقاتلة بعد خالد بن الوليد، فانتدب خلقا وأمر عليهم أبا عبيدة بن مسعود، وكان شابا شجاعا، خبيرا بالحرب والمكيدة. وهذا آخر ما يتعلق بخبر العراق إلى آخر أيام الصديق وأول دولة الفاروق. خلافة عمر بن الخطاب ﵁ كانت وفاة الصديق ﵁ في يوم الاثنين عشية، وقيل بعد المغرب ودفن من ليلته، وذلك لثمان بقين من جمادى الآخرة سنة ثلاث عشرة بعد مرض خمسة عشر يوما، وكان عمر بن الخطاب يصلى عنه فيها بالمسلمين، وفي أثناء هذا المرض عهد بالأمر من بعده إلى عمر بن الخطاب، وكان الّذي كتب العهد عثمان بن عفان، وقرئ على المسلمين فأقروا به وسمعوا له وأطاعوا، فكانت خلافة الصديق سنتين وثلاثة أشهر، وكان عمره يوم توفى ثلاثا وستين سنة، للسن الّذي توفى فيه رسول الله ﷺ ، وقد جمع الله بينهما في التربة، كما جمع بينهما في الحياة، فرضى الله عنه وأرضاه. قال محمد بن سعد عن أبى قطن عمرو بن الهيثم عن ربيع بن حسان الصائغ. قال: كان نقش خاتم أبى بكر «نعم القادر الله». وهذا غريب وقد ذكرنا ترجمة الصديق ﵁، وسيرته وأيامه وما روى من الأحاديث، وما روى عنه من الأحكام في مجلد ولله الحمد والمنة. فقام بالأمر من بعده أتم القيام الفاروق أمير المؤمنين عمر بن الخطاب ﵁. وهو أول من سمى بأمير المؤمنين. وكان أول من حياه بها المغيرة بن شعبة، وقيل غيره كما بسطنا ذلك في ترجمة عمر بن الخطاب وسيرته التي أفردناها في مجلد، ومسندة والآثار المروية مرتبا على الأبواب في مجلد آخر ولله الحمد. وقد كتب بوفاة الصديق إلى أمراء الشام مع شداد بن أوس، ومحمد بن جريح، فوصلا والناس مصافون جيوش الروم يوم اليرموك كما قدمنا. وقد أمر عمر على الجيوش أبا عبيدة حين ولاه وعزل خالد بن الوليد. وذكر سلمة عن محمد بن إسحاق أن عمر إنما عزل خالدا لكلام بلغه عنه، ولما كان من أمر مالك بن نويرة، وما كان يعتمده في حربه. فلما ولى عمر كان أول ما تكلم به أن عزل خالدا، وقال: لا يلي لي عملا أبدا. وكتب عمر إلى أبي عبيدة إن أكذب خالد نفسه فهو أمير على ما كان عليه، وإن لم يكذب نفسه فهو معزول، فأنزع عمامته عن رأسه وقاسمه ماله نصفين. فلما قال أبو عبيدة ذلك لخالد قال له خالد: أمهلنى حتى أستشير أختى، فذهب إلى أخته فاطمة - وكانت تحت الحارث بن هشام - فاستشارها في ذلك، فقالت له: إن عمر لا يحبك أبدا، وإنه سيعزلك وإن كذبت بنفسك. فقال لها: صدقت والله. فقاسمه أبو عبيدة حتى أخذ [إحدى] نعليه وترك له الآخرة،

стр. 2140

وخالد يقول سمعا وطاعة لأمير المؤمنين. وقد روى ابن جرير عن صالح بن كيسان أنه قال: أول كتاب كتبه عمر إلى أبى عبيدة حين ولاه وعزل خالدا أن قال: «وأوصيك بتقوى الله الّذي يبقى ويفنى ما سواه، الّذي هدانا من الضلالة، وأخرجنا من الظلمات إلى النور، وقد استعملتك على جند خالد بن الوليد فقم بأمرهم الّذي يحق عليك، لا تقدم المسلمين هلكة رجاء غنيمة، ولا تنزلهم منزلا قبل أن تستريده لهم وتعلم كيف مأتاه، ولا تبعث سرية إلاّ في كنف من الناس، وإياك وإلقاء المسلمين في الهلكة، وقد أبلاك الله بى وأبلانى بك، فغض بصرك عن الدنيا، وأله قلبك عنها، وإياك أن تهلكك كما أهلكت من كان قبلك، فقد رأيت مصارعهم. وأمرهم بالمسير إلى دمشق»، وكان بعد ما بلغه الخبر بفتح اليرموك وجاءته به البشارة، وحمل الخمس إليه. وقد ذكر ابن إسحاق أن الصحابة قاتلوا بعد اليرموك أجنادين ثم بفحل من أرض الغور قريباً من بيسان بمكان يقال له الردغة سمى بذلك لكثرة ما لقوا من الأوحال فيها، فأغلقوها عليهم، وأحاط بها الصحابة. قال: وحينئذ جاءت الامارة لأبى عبيدة من جهة عمر وعزل خالد، وهذا الّذي ذكره ابن إسحاق من مجيء الإمارة لأبى عبيدة في حصار دمشق هو المشهور. ذكر فتح دمشق قال سيف بن عمر لما ارتحل أبو عبيدة من اليرموك فنزل بالجنود على مرج الصفر وهو عازم على حصار دمشق إذا أتاه الخبر بقدوم مددهم من حمص، وجاءه الخبر بأنه قد أجتمع طائفة كبيرة من الروم بفحل من أرض فلسطين، وهو لا يدرى بأي الأمرين يبدأ. فكتب إلى عمر في ذلك، فجاء الجواب أن أبدأ بدمشق فإنها حصن الشام وبيت مملكتهم، فانهد لها واشغلوا عنكم أهل فحل بخيول تكون تلقاءهم، فان فتحها الله قبل دمشق فذلك الّذي نحب، وإن فتحت دمشق قبلها فسر أنت ومن معك واستخلف على دمشق، فإذا فتح الله عليكم فحل فسر أنت وخالد إلى حمص واترك عمرا وشرحبيل على الأردن وفلسطين. قال: فسرح أبو عبيدة إلى فحل عشرة أمراء مع كل أمير خمسة أمراء وعلى الجميع عمارة بن مخشى الصحابي، فساروا من مرج الصفر إلى فحل فوجدوا الروم لك قريبا من ثمانين ألفا، وقد أرسلوا المياه حولهم حتى أردغت الأرض فسموا ذلك الموضع الردغة، وفتحها الله على المسلمين فكانت أول حصن فتح قبل دمشق على ما سيأتي تفصيله. وبعث أبو عبيدة جيشا يكون بين دمشق وبين فلسطين، وبعث ذا الكلاع في جيش يكون بين دمشق وبين حمص، ليرد من يرد إليهم من المدد من جهة هرقل. ثم سار أبو عبيدة من مرج الصفر قاصدا دمشق، وقد جعل خالد بن الوليد

стр. 2141

في القلب وركب أبو عبيدة وعمرو بن العاص في المجنبتين، وعلى الخيل عياض بن غنم، وعلى الرجالة شرحبيل بن حسنة، فقدموا دمشق وعليها نسطاس بن نسطوس، فنزل خالد بن الوليد على الباب الشرقي وإليه باب كيسان أيضا، ونزل أبو عبيدة على باب الجابية الكبير، ونزل يزيد بن أبى سفيان على باب الجابية الصغير، ونزل عمرو بن العاص وشرحبيل بن حسنة على بقية أبواب البلد ونصبوا المجانيق والدبابات، وقد أرصد أبو عبيدة أبا الدرداء على جيش ببرزة يكونون ردءا له، وكذا الّذي بينه وبين حمص وحاصروها حصارا شديدا سبعين ليلة، وقيل أربعة أشهر، وقيل ستة أشهر، وقيل أربعة عشر شهرا فالله أعلم. وأهل دمشق ممتنعون منهم غاية الامتناع، ويرسلون إلى ملكهم هرقل - وهو مقيم بحمص - يطلبون منه المدد فلا يمكن وصول المدد إليهم من ذي الكلاع، الّذي قد أرصده أبو عبيدة ﵁ بين دمشق وبين حمص - عن دمشق ليلة - فلما أيقن أهل دمشق أنه لا يصل إليهم مدد أبلسوا وفشلوا وضعفوا، وقوى المسلمون واشتد حصارهم، وجاء فصل الشتاء واشتد البرد وعسر الحال وعسر القتال، فقدر الله الكبير المتعال، ذو العزة والجلال، أن ولد لبطريق دمشق مولود في تلك الليالي فصنع لهم طعاما وسقاهم بعده شرابا. وباتوا عنده في وليمته قد أكلوا وشربوا وتعبوا فناموا عن مواقفهم، واشتغلوا عن أماكنهم، وفطن لذلك أمير الحرب خالد بن الوليد فإنه كان لا ينام ولا يترك أحدا ينام، بل مراصد لهم ليلا ونهارا، وله عيون وقصاد يرفعون إليه أحوال المقاتلة صباحا ومساء. فلما رأى خمدة تلك الليلة، وأنه لا يقاتل على السور أحد كان قد أعد سلاليم من حبال فجاء هو وأصحابه من الصناديد الأبطال، مثل القعقاع بن عمرو ومذعور بن عدي، وقد أحضر جيشه عند الباب وقال لهم: إذا سمعتم تكبيرنا فوق السور فأرقوا إلينا. ثم نهد هو وأصحابه فقطعوا الخندق سباحة بقرب في أعناقهم، فنصبوا تلك السلام وأثبتوا أعاليها بالشرفات، وأكدوا أسافلها خارج الخندق، وصعدوا فيها، فلما استووا على السور رفعوا أصواتهم بالتكبير، وجاء المسلمون فصعدوا في تلك السلالم وانحدر خالد وأصحابه الشجعان من السور إلى البوابين فقتلوهم، وقطع خالد وأصحابه أغاليق الباب بالسيوف وفتحوا الباب عنوة، فدخل الجيش الخالديّ من الباب الشرقي. ولما سمع أهل البلد التكبير ثاروا وذهب كل فريق إلى أماكنهم من السور، لا يدرون ما الخبر، فجعل كلما قدم أحد من أصحاب الباب الشرقي قتله أصحاب خالد، ودخل خالد البلد عنوة فقتل من وجده. وذهب أهل كل باب فسألوا من أميرهم الّذي عند الباب من خارج الصلح - وقد كان المسلمون دعوهم إلى المشاطرة فيأبون عليهم - فلما دعوهم إلى ذلك أجابوهم. ولم يعلم بقية الصحابة ما صنع خالد. ودخل المسلمون من كل جانب وباب فوجدوا خالدا وهو يقتل من وجده فقالوا له: إنا قد أمناهم، فقال: إني فتحتها عنوة. والتقت الأمراء في وسط البلد عند كنيسة المقسلاط بالقرب من

стр. 2142

درب الريحان اليوم. هكذا ذكره سيف بن عمر وغيره وهو المشهور أن خالدا فتح الباب قسرا. وقال آخرون: بل الّذي فتحها عنوة أبو عبيدة وقيل يزيد بن أبى سفيان، وخالد صالح أهل البلد فعكسوا المشهور المعروف والله أعلم. وقد اختلف الصحابة فقال قائلون هي صلح - يعنى على ما صالحهم الأمير في نفس الأمر وهو أبو عبيدة -. وقال آخرون: بل هي عنوة، لأن خالدا افتتحها بالسيف أولا كما ذكرنا، فلما أحسوا بذلك ذهبوا إلى بقية الأمراء ومعهم أبو عبيدة فصالحوهم، فأنفقوا فيما بينهم على أن جعلوا نصفها صلحا ونصفها عنوة، فملك أهلها نصف ما كان بأيديهم وأقروا عليه، واستقرت يد الصحابة على النصف. ويقوى هذا ما ذكره سيف بن عمر من أن الصحابة كانوا يطلبون إليهم أن يصالحوهم على المشاطرة فيأبون، فلما أحسوا باليأس أنابوا، إلى ما كانت الصحابة دعوهم إليه فبادروا إلى إجابتهم. ولم تعلم الصحابة بما كان من خالد إليهم والله أعلم، ولهذا أخذ الصحابة نصف الكنيسة العظمى التي كانت بدمشق وتعرف «بكنيسة يوحنا» فاتخذوا الجانب الشرقي منها مسجدا، وأبقوا لهم نصفها الغربي كنيسة، وقد أبقوا لهم مع ذلك أربع عشرة كنيسة أخرى مع نصف الكنيسة المعروفة «بيوحنا»، وهي جامع دمشق اليوم. وقد كتب لهم بذلك خالد بن الوليد كتابا، وكتب فيه شهادته أبو عبيدة وعمرو بن العاص ويزيد وشرحبيل: إحداها كنيسة المقسلاط التي اجتمع عندها أمراء الصحابة، وكانت مبنية على ظهر السوق الكبير، وهذه القناطير المشاهدة في سوق الصابونيين من بقية القناطر التي كانت تحتها، ثم بادت فيما بعد وأخذت حجارتها في العمارات. الثانية: كنيسة كانت في رأس درب القرشيين وكانت صغيرة، قال الحافظ ابن عساكر: وبعضها باق إلى اليوم وقد تشعثت. الثالثة: كانت بدار البطيخ العتيقة. قلت: وهي داخل البلد بقرب الكوشك، وأظنها هي المسجد الّذي قبل هذا المكان المذكور، فإنها خربت من دهر والله أعلم. الرابعة: كانت بدرب بنى نصر بين درب الحبالين ودرب التميمي. قال الحافظ ابن عساكر: وقد أدركت بعض بنيانها، وقد خرب أكثرها. الخامسة: كنيسة بولص، قال ابن عساكر: وكانت غربي القيسارية الفخرية وقد أدركت من بنيانها بعض أساس الحنيّة. السادسة: كانت في موضع دار الوكالة وتعرف اليوم بكنيسة القلانسيين. قلت: والقلانسيين هي الحواحين اليوم. السابعة: التي بدرب السقيل اليوم وتعرف بكنيسة حميد بن درة سابقا، لأن هذا الدرب كان أقطاعا له وهو حميد بن عمرو بن مساحق القرشي العامري، ودرة أمه، وهي درة ابنة هاشم بن عتبة بن ربيعة، فأبوها خال معاوية. وكان قد أقطع هذا الدرب فنسبت هذه الكنيسة إليه، وكان مسلما، ولم يبق لهم اليوم سواها، وقد خرب أكثرها. ولليعقوبية منهم كنيسة

стр. 2143

داخل باب توما بين رحبة خالد - وهو خالد بن أسيد بن أبى العيص - وبين درب طلحة بن عمرو بن مرة الجهنيّ، وهي الكنيسة الثامنة، وكانت لليعقوبيين كنيسة أخرى فيما بين درب التنوى وسوق على. قال ابن عساكر: قد بقي من بنائها بعضه، وقد خربت منذ دهر. وهي الكنيسة التاسعة وأما العاشرة فهي الكنيسة المصلبة قال الحافظ ابن عساكر: وهي باقية إلى اليوم بين الباب الشرقي وباب توما بقرب النيبطن عند السور. والناس اليوم يقولون النيطون. قال ابن عساكر: وقد خرب أكثرها هكذا قال. وقد خربت هذه الكنيسة وهدمت في أيام صلاح الدين فاتح القدس بعد الثمانين وخمسمائة بعد موت الحافظ ابن عساكر ﵀. الحادية عشرة: كنيسة مريم داخل الباب الشرقي. قال ابن عساكر وهي من أكبر ما بقي بأيديهم. قلت: ثم خربت بعد موته بدهر في أيام الملك الظاهر ركن الدين بيبرس البندقداري على ما سيأتي بيانه الثانية عشر: كنيسة اليهود التي بأيديهم اليوم في حارتهم، ومحلها معروف بالقرب من الجبر وتسميه الناس اليوم بستان القط وكانت لهم كنيسة في درب البلاغة لم تكن داخلة في العهد فهدمت فيما بعد وجعل مكانها المسجد المعروف بمسجد ابن السهروردي، والناس اليوم يقولون درب الشاذورى. قلت: وقد أخربت لهم كنيسة كانوا قد أحدثوها لم يذكرها أحد من علماء التاريخ لا ابن عساكر ولا غيره، وكان إخرابها في حدود سنة سبع عشرة وسبعمائة ولم يتعرض الحافظ ابن عساكر لذكر كنيسة السامرة بمرة. ثم قال ابن عساكر: ومما أحدث - يعنى النصارى - كنيسة بناها أبو جعفر المنصور بنى قطيطا في الفريق عند قناة صالح قريبا من دازبها وارمن اليوم (١)، وقد أخربت فيما بعد وجعلت مسجدا يعرف بمسجد الجنيق وهو مسجد أبى اليمن. قال ومما أحدث كنيستا العباد إحداهما عند دار ابن الماشلي وقد جعلت مسجدا. والأخرى التي في رأس درب النقاشين وقد جعلت مسجدا. انتهى ما ذكره الحافظ ابن عساكر الدمشقيّ ﵀. قلت: وظاهر سياق سيف بن عمر يقتضي أن فتح دمشق وقع في سنة ثلاث عشرة ولكن نص سيف على ما نص عليه الجمهور من أنها فتحت في نصف رجب سنة أربع عشرة. كذا حكاه الحافظ ابن عساكر من طريق محمد بن عائذ القرشي الدمشقيّ عن الوليد بن مسلم عن عثمان بن حصين بن غلاق عن يزيد بن عبيدة قال: فتحت دمشق سنة أربع عشرة. ورواه دحيم عن الوليد. قال: سمعت أشياخا يقولون إن دمشق فتحت سنة أربع عشرة. وهكذا قال سعيد بن عبد العزيز وأبو معشر ومحمد بن إسحاق ومعمر والأموي وحكاه عن مشايخه وابن الكلبي وخليفة بن خياط وأبو عبيدة القاسم بن سلام، إن فتح دمشق كان في سنة

стр. 2144

أربع عشرة. وزاد سعيد بن عبد العزيز وأبو معشر والأموي: وكانت اليرموك بعدها بسنة. وقال بعضهم: بل كان فتحها في شوال سنة أربع عشرة. وقال خليفة: حاصرهم أبو عبيدة في رجب وشعبان ورمضان وشوال وتم الصلح في ذي القعدة. وقال الأموي في مغازيه: كانت وقعة أجنادين في جمادى الاولى، ووقعة فحل في ذي القعدة من سنة ثلاث عشرة - يعنى ووقعة دمشق سنة أربع عشرة - وقال دحيم عن الوليد: حدثني الأموي أن وقعة فحل وأجنادين كانت في خلافة أبى بكر ثم مضى المسلمون إلى دمشق فنزلوا عليها في رجب سنة ثلاث عشرة يعنى ففتحوها في سنة أربع عشرة. وكانت اليرموك سنة خمس عشرة، وقدم عمر إلى بيت المقدس سنة ست عشرة. فصل واختلف العلماء في دمشق هل فتحت صلحا أو عنوة؟ فأكثر العلماء على أنه استقر أمرها على الصلح، لأنهم شكوا في المتقدم على الآخر أفتحت عنوة ثم عدل الروم إلى المصالحة، أو فتحت صلحا، أو اتفق الاستيلاء من الجانب الآخر قسرا؟ فلما شكوا في ذلك جعلوها صلحا احتياطا. وقيل بل جعل نصفها صلحا ونصفها عنوة، وهذا القول قد يظهر من صنع الصحابة في الكنيسة العظمى التي كانت أكبر معابدهم حين أخذوا نصفها وتركوا لهم نصفها والله أعلم. ثم قيل: إن أبا عبيدة هو الّذي كتب لهم كتاب الصلح، وهذا هو الأنسب والأشهر، فإن خالدا كان قد عزل عن الإمرة، وقيل بل الّذي كتب لهم الصلح خالد بن الوليد، ولكن أقره على ذلك أبو عبيدة فالله أعلم. وذكر أبو حذيفة إسحاق بن بشر أن الصديق توفى قبل فتح دمشق، وأن عمر كتب إلى أبي عبيدة يعزيه والمسلمين في الصديق، وأنه قد استنابه على من بالشام، وأمره أن يستشير خالدا في الحرب، فلما وصل الكتاب إلى أبى عبيدة كتمه من خالد حتى فتحت دمشق بنحو من عشرين ليلة، فقال له خالد: يرحمك الله، ما منعك أن تعلمني حين جاءك؟ فقال: إني كرهت أن أكسر عليك حربك، وما سلطان الدنيا أريد، ولا للدنيا أعمل، وما ترى سيصير إلى زوال وانقطاع، وإنما نحن إخوان وما يضر الرجل أن يليه أخوه في دينه ودنياه. ومن أعجب ما يذكر هاهنا ما رواه يعقوب بن سفيان الفسوي: حدثنا هشام بن عمار ثنا عبد الملك ابن محمد ثنا راشد بن داود الصنعاني حدثني أبو عثمان الصنعاني شراحيل بن مرثد، قال: بعث أبو بكر خالد بن الوليد إلى أهل اليمامة، وبعث يزيد بن أبى سفيان إلى الشام، فذكر الراويّ فقال خالد لأهل اليمامة إلى أن قال: ومات أبو بكر واستخلف عمر فبعث أبا عبيدة إلى الشام فقدم دمشق فاستمد أبو عبيدة عمر فكتب عمر إلى خالد بن الوليد أن يسير إلى أبى عبيدة بالشام، فذكر مسير

стр. 2145

خالد من العراق إلى الشام كما تقدم وهذا غريب جدا فان الّذي لا يشك فيه أن الصديق هو الّذي بعث أبا عبيدة وغيره من الأمراء إلى الشام، وهو الّذي كتب إلى خالد بن الوليد أن يقدم من العراق إلى الشام ليكون مددا لمن به وأميرا عليهم، ففتح الله تعالى عليه وعلى يديه جميع الشام على ما سنذكره إن شاء الله تعالى. وقال محمد بن عائذ: قال الوليد بن مسلم: أخبرنى صفوان بن عمرو عن عبد الرحمن بن جبير بن نفير أن المسلمين لما افتتحوا مدينة دمشق بعثوا أبا عبيدة بن الجراح وافدا إلى أبى بكر بشيرا بالفتح فقدم المدينة فوجد أبا بكر قد توفى واستخلف عمر بن الخطاب فأعظم أن يتأمر أحد من الصحابة عليه فولاه جماعة الناس فقدم عليهم فقالوا: مرحبا بمن بعثناه بريدا فقدم علينا أميرا، وقد روى الليث وابن لهيعة وحيوة بن شريح ومفضل بن فضالة وعمر بن الحارث وغير واحد عن يزيد بن أبي حبيب عن عبد الله بن الحكم عن على بن رباح عن عقبة بن عامر أنه بعثه أبو عبيدة بريدا بفتح دمشق قال: فقدمت على عمر يوم الجمعة فقال لي: منذ كم لم تنزع خفيك؟ فقلت من يوم الجمعة وهذا يوم الجمعة. فقال: أصبت السنة. قال الليث: وبه نأخذ، يعنى أن المسح على الخفين للمسافر لا يتأقت، بل له أن يمسح عليهما ما شاء، وإليه ذهب الشافعيّ في القديم. وقد روى أحمد وأبو داود عن أبى بن عمارة مرفوعا مثل هذا، والجمهور على ما رواه مسلم عن على في تأقيت المسح للمسافر ثلاثة أيام ولياليهن، وللمقيم يوم وليلة. ومن الناس من فصل بين البريد ومن في معناه وغيره، فقال في الأول لا يتأقت، وفيما عداه يتأقت لحديث عقبة وحديث على والله أعلم. فصل ثم إن أبا عبيدة بعث خالد بن الوليد إلى البقاع ففتحه بالسيف. وبعث سرية فالتقوا مع الروم بعين ميسنون، وعلى الروم رجل يقال له «سنان» تحدر على المسلمين من عقبة بيروت فقتل من المسلمين يومئذ جماعة من الشهداء فكانوا يسمون «عين ميسنون» عين الشهداء. واستخلف أبو عبيدة على دمشق يزيد بن أبى سفيان كما وعده بها الصديق. وبعث يزيد دحية بن خليفة إلى تدمر في سرية ليمهدوا أمرها. وبعث أبا الزهراء القشيري إلى البثينة وحوران فصالح أهلها. قال أبو عبيد القاسم بن سلام ﵀: افتتح خالد دمشق صلحا، وهكذا سائر مدن الشام كانت صلحا دون أرضيها. فعلى يدي يزيد بن أبى سفيان وشرحبيل بن حسنة وأبى عبيدة. وقال الوليد بن مسلم: أخبرنى غير واحد من شيوخ دمشق بينما هم على حصار دمشق إذ أقبلت خيل من

стр. 2146

عقبة السلمية مخمرة بالحرير فثار إليهم المسلمون فالتقوا فيما بين بيت لهيا والعقبة التي أقبلوا منها، فهزموهم وطردوهم إلى أبواب حمص، فلما رأى أهل حمص ذلك ظنوا أنهم قد فتحوا دمشق فقال لهم أهل حمص إنا نصالحكم على ما صالحتم عليه أهل دمشق ففعلوا. وقال خليفة بن خياط حدثني عبد الله بن المغيرة عن أبيه قال افتتح شرحبيل بن حسنة الأردن كلها عنوة ما خلا طبرية فان أهلها صالحوه. وهكذا قال ابن الكلبي. وقالا بعث أبو عبيدة خالدا فغلب على ارض البقاع وصالحه أهل بعلبكّ وكتب لهم كتابا. وقال ابن المغيرة عن أبيه وصالحهم على أنصاف منازلهم وكنائسهم، ووضع الخراج. وقال ابن إسحاق وغيره وفي سنة أربع عشرة فتحت حمص وبعلبكّ صلحا على يدي أبى عبيدة في ذي القعدة قال خليفة ويقال في سنة خمس عشرة وقعة فحل (١) وقد ذكرها كثير من العلماء السير قبل فتح دمشق وإنما ذكرها الامام أبو جعفر بن جرير بعد فتح دمشق وتبع في ذلك سياق سيف بن عمر فيما رواه عن أبى عثمان يزيد بن أسيد الغساني وأبى حارثة القيسي قالا: خلف الناس يزيد بن أبى سفيان في خيله في دمشق وسار نحو فحل وعلى الناس الذين هم بالغور شرحبيل بن حسنة وسار أبو عبيدة وقد جعل على المقدمة خالد بن الوليد وأبو عبيدة على الميمنة وعمرو بن العاص على الميسرة، وعلى الخيل ضرار بن الأزور، وعلى الرجالة عياض بن غنم فوصلوا إلى فحل وهي بلدة بالغور وقد انحاز الروم إلى بسان، وأرسلوا مياه تلك الأراضي على ما لك من الأراضي فحال بينهم وبين المسلمين، وأرسل المسلمون إلى عمر يخبرونه بما هم فيه من مصابرة عدوهم وما صنعه الروم من تلك المكيدة، إلا أن المسلمين في عيش رغيد ومدد كبير، وهم على أهبة من أمرهم. وأمير هذا الحرب شرحبيل بن حسنة وهو لا يبيت ولا يصبح إلا على تعبئة. وظن الروم أن المسلمين على غرة، فركبوا في بعض الليالي ليبيتوهم، وعلى الروم سقلاب بن مخراق، فهجموا على المسلمين فنهضوا إليهم نهضة رجل واحد لأنهم على أهبة دائما، فقاتلوهم حتى الصباح وذلك اليوم بكماله إلى الليل. فلما أظلم الليل فر الروم وقتل أميرهم سقلاب وركب المسلمون أكتافهم وأسلمتهم هزيمتهم إلى ذلك الوحل الّذي كانوا قد كادوا به المسلمين فغرقهم الله فيه، وقتل منهم المسلمين بأطراف الرماح ما قارب الثمانين ألفا لم ينج منهم إلا الشريد، وغنموا منهم شيئا كثيرا وما لا جزيلا. وانصرف أبو عبيدة وخالد بن معهما من الجيوش نحو حمص كما أمر أمير المؤمنين عمر ابن الخطاب. واستخلف أبو عبيدة على الأردن شرحبيل بن حسنة، فسار شرحبيل ومعه عمرو بن العاص فحاصر بيسان فخرجوا إليه فقتل منهم مقتلة عظيمة، ثم صالحوه على مثل ما صالحت عليه

стр. 2147

دمشق، وضرب عليهم الجزية والخراج على أراضيهم وكذلك فعل أبو الأعور السلمي بأهل طبرية سواء فصل فيما وقع بأرض العراق في هذه المدة من القتال وقد قدمنا أن المثنى بن حارثة لما سار خالد من العراق بمن صحبه إلى الشام وقد قيل إنه سار بتسعة آلاف، وقيل بثلاثة آلاف، وقيل بسبعمائة وقيل بأقل، إلا أنهم صناديد جيش العراق، فأقام المثنى بمن بقي فاستقل عددهم وخاف من سطوة الفرس لولا اشتغالهم بتبديل ملوكهم وملكاتهم، واستبطأ المثنى خبر الصديق فسار إلى المدينة فوجد الصديق في السياق، فأخبره بأمر العراق، فأوصى الصديق عمر أن يندب الناس لقتال أهل العراق. فلما مات الصديق ودفن ليلة الثلاثاء أصبح عمر فندب الناس وحثهم على قتال أهل العراق، وحرضهم ورغبهم في الثواب على ذلك، فلم يقم أحد لأن الناس كانوا يكرهون قتال الفرس لقوة سطوتهم، وشدة قتالهم. ثم ندبهم في اليوم الثاني والثالث فلم يقم أحد وتكلم المثنى بن حارثة فأحسن، وأخبرهم بما فتح الله تعالى على يدي خالد من معظم أرض العراق، وما لهم لك من الأموال والأملاك والأمتعة والزاد، فلم يقم أحد في اليوم الثالث فلما كان اليوم الرابع كان أول من انتدب من المسلمين أبو عبيد بن مسعود الثقفي ثم تتابع الناس في الاجابة، وأمر عمر طائفة من أهل المدينة وأمر على الجميع أبا عبيد هذا ولم يكن صحابيا، فقيل لعمر: هلا أمرت عليهم رجلا من الصحابة؟ فقال: إنما أومر أول من استجاب، إنكم إنما سبقتم الناس بنصرة هذا الدين، وإن هذا هو الّذي استجاب قبلكم. ثم دعاه فوصاه في خاصة نفسه بتقوى الله وبمن معه من المسلمين خيرا، وأمره، أن يستشير أصحاب رسول الله ﷺ ، (وأن يستشير سليط بن قيس فإنه رجل باشر الحروب) (١) فسار المسلمون إلى أرض العراق (وهم سبعة آلاف رجل) (٢) وكتب عمر إلى أبى عبيدة أن يرسل من كان بالعراق ممن قدم مع خالد إلى العراق (فجهز عشرة آلاف عليهم هاشم ابن عتبة وأرسل عمر جرير بن عبد الله البجلي في أربعة آلاف إلى العراق فقدم الكوفة ثم خرج منها فواقع هرقران المدار فقتله وانهزم جيشه وغرق أكثرهم في دجلة) (٣) فلما وصل الناس إلى العراق وجدوا الفرس مضطربين في ملكهم، وآخر ما استقر عليه أمرهم أن ملكوا عليهم «بوران» بنت كسرى بعد ما قتلوا التي كانت قبلها «أزرميدخت» وفوضت بوران أمر الملك عشر سنين إلى رجل منهم يقال له رستم بن فرخزاد على أن يقوم بأمر الحرب، ثم يصير الملك إلى آل كسرى فقبل ذلك. وكان رستم هذا منجما يعرف النجوم وعلمها جيدا، فقيل له: ما حملك على هذا؟ يعنون وأنت تعلم أن هذا الأمر لا يتم لك فقال: الطمع وحب الشرف

стр. 2148

وقعة النمارق بعث رستم أميرا يقال له «جابان» وعلى مجنبتيه رجلان يقال لأحدهما «حشنس ماه» ويقال للآخر «مردان شاه» وهو خصى أمير حاجب الفرس، فالتقوا مع أبى عبيد بمكان يقال له النمارق، - بين الحيرة والقادسية - وعلى الخيل المثنى بن حارثة، وعلى الميسرة عمرو بن الهيثم فاقتتلوا لك قتالا شديدا وهزم الله الفرس وأسر جابان ومردان شاه. فأما مردان شاه فإنه قتله الّذي أسره، وأما جابان فإنه خدع الّذي أسره حتى أطلقه فأمسكه المسلمون وأبوا أن يطلقوه، وقالوا ان هذا هو الأمير وجاءوا به إلى أبى عبيد فقالوا اقتله فإنه الأمير فقال وإن كان الأمير فانى لا أقتله. وقد أمنه رجل من المسلمين ثم ركب أبو عبيد في آثار من انهزم منهم وقد لجئوا إلى مدينة كسكر التي لابن خالة كسرى واسمه نرسى فوازرهم نرسى على قتال أبى عبيد فقهرهم أبو عبيد وغنم منهم شيئا كثيرا وأطعمات كثيرة جدا، ولله الحمد. وبعث بخمس ما غنم من المال والطعام إلى عمر بن الخطاب بالمدينة وقد قال في ذلك رجل من المسلمين. لعمري وما عمري عليّ بهين … لقد صبحت بالخزي أهل النمارق بأيدي رجال هاجروا نحو ربهم … يجوسونهم ما بين درنا وبارق قتلناهم ما بين مرج مسلح … وبين الهوانى من طريق التدارق فالتقوا بمكان بين كسكر والسفاطية وعلى ميمنة نرسى وميسرته ابنا خاله بندويه وبيرويه أولاد نظام وكان رستم قد جهز الجيوش مع الجالينوس فلما بلغ أبو عبيد ذلك اعجل نرسى بالقتال قبل وصولهم فاقتتلوا قتالا شديدا فانهزمت الفرس وهرب نرسى والجالينوس الى المدائن بعد وقعة جرت من أبى عبيد مع الجالينوس بمكان يقال له باروسما فبعث أبو عبيد المثنى بن حارثة وسرايا أخر إلى متاخم تلك الناحية كنهرجور ونحوها ففتحها صلحا وقهرا وضربوا الجزية والخراج وغنموا الأموال الجزيلة ولله الحمد والمنة وكسروا الجالينوس الّذي جاء لنصرة جابان وغنموا جيشه وأمواله وكر هاربا إلى قومه حقيرا ذليلا. وقعة جسر أبى عبيد التي قتل فيها أمير المسلمين وخلق كثير منهم ف ﴿إِنّا لِلّهِ وَإِنّا إِلَيْهِ راجِعُونَ﴾ لما رجع الجالينوس هاربا مما لقي من المسلمين تذامرت الفرس بينهم واجتمعوا إلى رستم فأرسل جيشا كثيفا عليهم ذا الحاجب «بهمس حادويه» وأعطاه راية أفريدون وتسمى درفش كابيان وكانت الفرس تتيمن بها. وحملوا معهم راية كسرى وكانت من جلود النمور عرضها ثمانية أذرع. فوصلوا إلى المسلمين وبينهم النهر وعليه جسر فأرسلوا: إما أن تعبروا إلينا وإما إن نعبر إليكم. فقال المسلمون لأميرهم أبى عبيد أأمرهم فليعبروهم إلينا. فقال ما هم بأجرأ على الموت منا. ثم اقتحم

стр. 2149

إليهم فاجتمعوا في مكان ضيق لك فاقتتلوا قتالا شديدا لم يعهد مثله والمسلمون في نحو من عشرة آلاف وقد جاءت الفرس معهم بأفيلة كثيرة عليها الجلاجل، قائمة لتذعر خيول المسلمين فجعلوا كلما حملوا على المسلمين فرت خيولهم من الفيلة ومما تسمع من الجلاجل التي عليها ولا يثبت منها الا القليل على قسر. وإذا حمل المسلمون عليهم لا تقدم خيولهم عل الفيلة ورشقتهم الفرس بالنبل، فنالوا منهم خلقا كثيرا وقتل المسلمون منهم مع ذلك ستة آلاف. وأمر أبو عبيد المسلمين أن يقتلوا الفيلة أولا، فاحتوشوها فقتلوها عن آخرها، وقد قدمت الفرس بين أيديهم فيلا عظيما أبيض، فتقدم إليه أبو عبيد فضربه بالسيف فقطع زلومه فحمى الفيل، وصاح صيحة هائلة وحمل فتخبطه برجليه فقتله ووقف فوقه فحمل على الفيل خليفة أبى عبيد الّذي كان أوصى أن يكون أميرا بعده فقتل، ثم آخر ثم آخر حتى قتل سبعة من ثقيف كان قد نص أبو عبيد عليهم واحدا بعد واحد، ثم صارت الى المثنى بن حارثة بمقتضى الوصية أيضا. وقد كانت دومة امرأة أبى عبيد رأت مناما يدل على ما وقع سواء بسواء. فلما رأى المسلمون ذلك وهنوا عند ذلك ولم يكن بقي إلا الظفر بالفرس، وضعف أمرهم، وذهب ريحهم، وولوا مدبرين، وساقت الفرس خلفهم فقتلوا بشرا كثيرا، وانكشف الناس فكان أمرا بليغا وجاءوا إلى الجسر فمر بعض الناس. ثم انكسر الجسر فتحكم فيمن وراءه الفرس فقتلوا من المسلمين وغرق في الفراة نحوا من أربعة آلاف. ف ﴿إِنّا لِلّهِ وَإِنّا إِلَيْهِ راجِعُونَ﴾. وسار المثنى بن حارثة فوقف عند الجسر الّذي جاءوا منه، وكان الناس لما انهزموا جعل بعضهم يلقى بنفسه في الفرات فيغرق، فنادى المثنى. أيها الناس على هينتكم فانى واقف على فم الجسر لا أجوزه حتى لا يبقى منكم أحد هاهنا، فلما عدّى الناس إلى الناحية الأخرى سار المثنى فنزل بهم أول منزل، وقام يحرسهم هو وشجعان المسلمين، وقد جرح أكثرهم وأثخنوا. ومن الناس من ذهب في البرية لا يدرى أين ذهب، ومنهم من رجع إلى المدينة النبويّة مذعورا، وذهب بالخبر عبد الله بن زيد بن عاصم المازني إلى عمر بن الخطاب فوجده على المنبر، فقال له عمر: ما وراءك يا عبد الله بن زيد؟ فقال: أتاك الخبر اليقين يا أمير المؤمنين، ثم صعد إليه المنبر فأخبره الخبر سرا، ويقال كان أول من قدم بخبر الناس عبد الله بن يزيد بن الحصين الحطمى فالله أعلم. قال سيف بن عمرو كانت هذه الوقعة في شعبان من سنة ثلاث [عشرة] بعد اليرموك بأربعين يوما فالله أعلم، وتراجع المسلمون بعضهم إلى بعض وكان منهم من فر إلى المدينة فلم يؤنب عمر الناس بل قال أنا فيئكم وأشغل الله المجوس بأمر ملكهم. وذلك أن أهل المدائن عدوا على رستم فخلعوه ثم ولوه وأضافوا إليه الفيرزان، واختلفوا على فرقتين، فركب الفرس إلى المدائن ولحقهم المثنى بن حارثة في نفر من المسلمين، فعارضه أميران من أمرائهم في جيشهم، فأسرهما وأسر معهما بشرا كثيرا

стр. 2150

فضرب أعناقهم. ثم أرسل المثنى إلى من بالعراق من أمراء المسلمين يستمدهم، فبعثوا إليه بالأمداد، وبعث إليه عمر بن الخطاب بمدد كثير فيهم جرير بن عبد الله البجلي، في قومه بجيلة بكمالها، وغيره من سادات المسلمين حتى كثر جيشه. وقعة البويت التي اقتص فيها المسلمون من الفرس فلما سمع بذلك أمراء الفرس، وبكثرة جيوش المثنى، بعثوا إليه جيشا آخر مع رجل يقال له مهران فتوافوا هم وإياهم بمكان يقال له «البويت» قريب من مكان الكوفة اليوم وبينهما الفرات. فقالوا: إما أن تعبروا إلينا، أو نعبر إليكم. فقال المسلمون: بل اعبروا إلينا. فعبرت الفرس إليهم فتواقفوا، وذلك في شهر رمضان. فعزم المثنى على المسلمين في الفطر فأفطروا عن آخرهم ليكون أقوى لهم، وعبى الجيش، وجعل يمر على كل راية من رايات الأمراء على القبائل ويعظهم ويحثهم على الجهاد والصبر والصمت. وفي القوم جرير بن عبد الله البجلي في بجيلة وجماعة من سادات المسلمين. وقال المثنى لهم: إني مكبر ثلاث تكبيرات فتهيئوا، فإذا كبرت الرابعة فاحملوا. فقابلوا قوله بالسمع والطاعة والقبول. فلما كبر أول تكبيرة عاجلتهم الفرس فحملوا حتى غالقوهم، واقتتلوا قتالا شديدا، ورأى المثنى في بعض صفوفه خللا، فبعث إليهم رجلا يقول: الأمير يقرأ عليكم السلام ويقول لكم: لا تفضحوا العرب اليوم فاعتدلوا. فلما رأى ذلك منهم - وهم بنو عجل - أعجبه وضحك. وبعث إليهم يقول: يا معشر المسلمين عاداتكم، انصروا الله ينصركم. وجعل المثنى والمسلمون يدعون الله بالظفر والنصر. فلما طالت مدة الحرب جمع المثنى جماعة من أصحابه الأبطال يحمون ظهره، وحمل على مهران فأزاله عن موضعه حتى دخل الميمنة، وحمل غلام من بنى تغلب نصراني فقتل مهران وركب فرسه. كذا ذكره سيف بن عمر. وقال محمد بن إسحاق بل حمل عليه المنذر بن حسان بن ضرار الضبيّ فطعنه واحتز رأسه جرير بن عبد الله البجلي، واختصما في سلبه، فأخذ جرير السلاح وأخذ المنذر منطقته. وهربت المجوس وركب المسلمون أكتافهم يفصلونهم فصلا. وسبق المثنى بن حارثة إلى الجسر فوقف عليه ليمنع الفرس من الجواز عليه ليتمكن منهم المسلمون. فركبوا أكتافهم بقية ذلك اليوم وتلك الليلة، ومن أبعد إلى الليل فيقال إنه قتل منهم يومئذ وغرق قريب من مائة ألف ولله الحمد والمنة. وغنم المسلمون مالا جزيلا وطعاما كثيرا، وبعثوا بالبشارة والأخماس إلى عمر ﵁. وقد قتل من سادات المسلمين في هذا اليوم بشر كثير أيضا. وذلت لهذه الوقعة رقاب الفرس وتمكن الصحابة من الغارات في بلادهم فيما بين الفرات ودجلة فغنموا شيئا عظيما لا يمكن حصره. وجرت أمور يطول ذكرها بعد يوم البويت وكانت هذه الواقعة بالعراق نظير اليرموك بالشام. وقد قال الأعور الشنى العبديّ في ذلك: -

стр. 2151

هاجت لأعور دار الحي أحزانا … واستبدلت بعد عبد القيس حسانا وقد أرانا بها والشمل مجتمع … إذ بالنخيلة قتلى جند مهرانا إذ كان سار المثنى بالخيول لهم … فقتل الزحف من فرس وجيلانا سما لمهران والجيش الّذي معه … حتى أبادهم مثنى ووحدانا (١) فصل ثم بعث أمير المؤمنين عمر بن الخطاب سعد بن أبى وقاص الزهري أحد العشرة في ستة آلاف أميرا على العراق، وكتب إلى جرير بن عبد الله والمثنى بن حارثة أن يكونا تبعا له وأن يسمعا له ويطيعا، فلما وصل إلى العراق كانا معه، وكانا قد تنازعا الامرة، فالمثنى يقول لجرير: إنما بعثك أمير المؤمنين مددا إلى. ويقول جرير: إنما بعثني أميرا عليك. فلما قدم سعد على أمر العراق انقطع نزاعهما. قال ابن إسحاق. وتوفى المثنى بن حارثة في هذه السنة: كذا قال ابن إسحاق. والصحيح أن بعث عمر سعدا إنما كان في أول سنة أربع عشرة كما سيأتي. ذكر اجتماع الفرس على يزدجرد بعد اختلافهم واضطرابهم ثم اجتمعت كلمتهم كان شيرين قد اجمع آل كسرى في القصر الأبيض وأمر بقتل ذكر انهم كلهم، وكانت أم يزدجرد فيهم ومعها ابنها وهو صغير، فواعدت أخواله فجاءوا وأخذوه منها وذهبوا به إلى بلادهم، فلما وقع ما وقع يوم البويت وقتل من قتل منهم كما ذكرنا، وركب المسلمون أكتافهم وانتصروا عليهم وعلى أخذ بلدانهم، ومحالهم وأقاليمهم. ثم سمعوا بقدوم سعد بن أبى وقاص من جهة عمر، اجتمعوا فيما بينهم وأحضروا الأميرين الكبيرين فيهم وهما رستم والفيرزان فتذامروا فيما بينهم وتواصوا وقالوا لهما لئن لم تقوما بالحرب كما ينبغي لنقتلنكما ونشتفى بكما. ثم رأوا فيما بينهم أن يبعثوا خلف نساء كسرى من كل فج ومن كل بقعة، فمن كان لها ولد من آل كسرى ملكوه عليهم. فجعلوا إذا أتوا بالمرأة عاقبوها هل لها ولد وهي تنكر ذلك خوفا على ولدها إن كان لها ولد، فلم يزالوا حتى دلوا على أم يزدجرد، فأحضروها وأحضروا ولدها فملكوه عليهم وهو ابن احدى وعشرين سنة، وهو من ولد شهريار بن كسرى وعزلوا بوران واستوثقت الممالك له، واجتمعوا عليه وفرحوا به، وقاموا بين يديه بالنصر أتم قيام، واستفحل أمره فيهم وقويت شكوتهم به، وبعثوا إلى الأقاليم والرساتيق فخلعوا الطاعة للصحابة ونقضوا عهودهم وذممهم، وبعث الصحابة إلى عمر بالخبر، فأمرهم عمر أن يتبرزوا من بين ظهرانيهم

стр. 2152

وليكونوا على أطراف البلاد حولهم على المياه، وأن تكون كل قبيلة تنظر إلى الأخرى بحيث إذا حدث حدث على قبيلة لا يخفى أمرها على جيرانهم. وتفاقم الحال جدا، وذلك في ذي القعدة من سنة ثلاث عشرة، وقد حج بالناس عمر في هذه السنة وقيل بل حج بهم عبد الرحمن بن عوف ولم يحج عمر هذه السنة والله أعلم. ذكر ما وقع في هذه السنة أعنى سنة ثلاث عشرة من الحوادث إجمالا، ومن توفى من الأعيان كانت فيها وقائع تقدم تفصيلها ببلاد العراق على يدي خالد بن الوليد ﵁، فتحت فيها الحيرة والأنبار وغيرهما من الأمصار، وفيها سار خالد بن الوليد من العراق إلى الشام على المشهور. وفيها كانت وقعة اليرموك في قول سيف بن عمر واختيار ابن جرير، وقتل بها من قتل من الأعيان ممن يطول ذكرهم وتراجمهم ورضى الله عنهم أجمعين. وفيها توفى أبو بكر الصديق. وقد أفردنا سيرته في مجلد ولله الحمد. وفيها ولى عمر بن الخطاب ﵁ يوم الثلاثاء لثمان بقين من جمادى الآخرة منها فولى قضاء المدينة على بن أبى طالب ﵁ واستناب على الشام أبا عبيدة عامر بن عبد الله بن الجراح الفهري، وعزل عنها خالد بن الوليد المخزومي، وأبقاه على شورى الحرب. وفيها فتحت بصرى صلحا وهي أول مدينة فتحت من الشام، وفيها فتحت دمشق في قول سيف وغيره كما قدمنا واستنيب فيها يزيد بن أبى سفيان فهو أول من وليها من أمراء المسلمين ﵃. وفيها كانت وقعة فحل من أرض الغور وقتل بها جماعة من الصحابة وغيرهم. وفيها كانت وقعة جسر أبي عبيد فقتل فيها أربعة آلاف من المسلمين منهم أميرهم أبو عبيد بن مسعود الثقفي، وهو والد صفية امرأة عبد الله بن عمر وكانت امرأة صالحة رحمهما الله. ووالد المختار بن أبي عبيد كذاب ثقيف وقد كان نائبا على العراق في بعض وقعات العراق كما سيأتي. وفيها توفى المثنى بن حارثة في قول ابن إسحاق، وقد كان نائبا على العراق استخلفه خالد بن الوليد حين سار إلى الشام، وقد شهد مواقف مشهورة وله أيام مذكورة ولا سيما يوم البويت بعد جسر أبي عبيد قتل فيه من الفرس وغرق بالفرات قريب من مائة ألف، والّذي عليه الجمهور أنه بقي إلى سنة أربع عشرة كما سيأتي بيانه وفيها حج بالناس عمر بن الخطاب في قول بعضهم وقيل بل حج عبد الرحمن بن عوف. وفيها استنفر عمر قبائل العرب لغزو العراق والشام فأقبلوا من كل النواحي فرمى بهم الشام والعراق. وفيها كانت وقعة أجنادين في قول ابن إسحاق يوم السبت لثلاث من جمادى الأولى منها. وكذا عند الواقدي فيما بين الرملة وبين جسرين وعلى الروم القيقلان وأمير المسلمين عمرو بن العاص، وهو في عشرين ألفا في قول فقتل القيقلان وانهزمت الروم وقتل منهم خلق كثير. واستشهد من المسلمين أيضا جماعة منهم هشام بن العاص

стр. 2153

والفضل بن العباس، وأبان بن سعيد وأخواه خالد وعمرو، ونعيم بن عبد الله بن النحام، والطفيل بن عمرو وعبد الله بن عمرو الدوسيان، وضرار بن الأزور، وعكرمة بن أبى جهل، وعمه سلمة بن هشام، وهبار بن سفيان، وصخر بن نصر، وتميم وسعيد ابنا الحارث بن قيس ﵃. وقال محمد بن سعد قتل يومئذ طليب بن عمرو وأمه أروى بنت عبد المطلب عمة رسول الله ﷺ وممن قتل يومئذ عبد الله بن الزبير بن عبد المطلب، وكان عمره يومئذ ثلاثين سنة فيما ذكره الواقدي قال: ولم يكن له رواية وكان ممن صبر يوم حنين. قال ابن جرير وقتل يومئذ عثمان بن طلحة بن أبي طلحة والحارث بن أوس بن عتيك ﵃. وفيها كانت وقعة مرج الصفر في قول خليفة بن خياط وذلك لثنتى عشرة بقيت من جمادى الأولى وأمير الناس خالد بن سعيد بن العاص فقتل يومئذ وقيل إنما قتل أخوه عمرو وقيل ابنه فالله أعلم، قال ابن إسحاق: وكان أمير الروم قلقط فقتل من الروم مقتلة عظيمة حتى جرت طاحون هناك من دمائهم. والصحيح أن وقعة مرج الصفر في أول سنة أربع عشرة كما سيأتي. ذكر المتوفين في هذه السنة مرتبين على الحروف كما ذكرهم شيخنا الحافظ الذهبي في تاريخه أبان بن سعيد بن العاص بن أمية الأموي أبو الوليد المكيّ صحابى جليل. وهو الّذي أجار عثمان ابن عفان يوم الحديبيّة حتى دخل مكة لأداء رسالة رسول الله ﷺ . أسلم بعد مرجع أخويه من الحبشة. خالد، وعمرو، فدعواه إلى الإسلام فأجابهما. وساروا فوجدوا رسول الله ﷺ قد فتح خيبر. وقد استعمله رسول الله ﷺ سنة تسع على البحرين وقتل بأجنادين * أنسة مولى رسول الله ﷺ المشهور أنه قتل ببدر فيما ذكره البخاري وغيره، وزعم الواقدي فيما نقله عن أهل العلم أنه شهد أحدا وأنه بقي بعد ذلك زمانا. قال: وحدثني ابن أبى الزناد عن محمد بن يوسف أن أنسة مات في خلافة أبى بكر الصديق، وكان يكنى أبا مسروح. وقال الزهري كان يأذن للناس على النبي ﷺ * تميم بن الحارث بن قيس السهمي وأخوه قيس صحابيان جليلان هاجرا إلى الحبشة وقتلا بأجنادين * الحارث بن أوس بن عتيك من مهاجرة الحبشة. قتل بأجنادين * خالد بن سعيد بن العاص الأموي، من السابقين الأولين، ممن هاجر إلى الحبشة وأقام بها بضع عشرة سنة ويقال إنه كان على صنعاء من جهة رسول الله ﷺ . وأمره الصديق على بعض الفتوحات كما تقدم قتل يوم مرج الصفر في قول، وقيل بل هرب فلم يمكنه الصديق من دخول المدينة تعزيرا له، فأقام شهرا في بعض ظواهرها حتى أذن له. ويقال إن الّذي قتله أسلم وقال رأيت له حين قتلته نورا ساطعا إلى السماء ﵁ * سعد بن عبادة بن دليم بن حارثة بن أبى خزيمة. ويقال حارثة بن حزيمة بن ثعلبة بن

стр. 2154

طريف بن الخزرج بن ساعدة بن كعب بن الخزرج الأنصاري الخزرجي سيدهم، أبو ثابت، ويقال أبو قيس صحابى جليل كان أحد النقباء ليلة العقبة، وشهد بدرا في قول عروة وموسى بن عقبة والبخاري وابن ماكولا. وروى ابن عساكر من طريق حجاج بن أرطاة عن الحكم عن مقسم عن ابن عباس أن راية المهاجرين يوم بدر كانت مع على وراية الأنصار مع سعد بن عبادة ﵄. قلت: والمشهور أن هذا كان يوم الفتح والله أعلم. وقال الواقدي: لم يشهدها لأنّه نهسته حية فشغلته عنها بعد أن تجهز لها، فضرب له رسول الله ﷺ بسهمه وأجره، وشهد أحدا وما بعدها. وكذا قال خليفة بن خياط. وكانت له جفنة تدور مع النبي ﷺ حيث دار من بيوت نسائه بلحم وثريد، أو لبن وخبز، أو خبز بسمن أو بخلّ وزيت، وكان ينادى عند أطمة كل ليلة لمن أراد القرى. وكان يحسن الكتابة بالعربي، والرمي والسباحة، وكان يسمى من أحسن ذلك كاملا. وقد ذكر أبو عمر بن عبد البر ما ذكره غير واحد من علماء التاريخ أنه تخلف عن بيعة الصديق حتى خرج إلى الشام فمات بقرية من حوران سنة ثلاث عشرة في خلافة الصديق. قاله ابن إسحاق والمدائني وخليفة. قال: وقيل في أول خلافة عمر. وقيل سنة أربع عشرة، وقيل سنة خمس عشرة. وقال الفلاس وابن بكر سنة ست عشرة قلت: أما بيعة الصديق فقد روينا في مسند الامام أحمد أنه سلم للصديق ما قاله من إن الخلفاء من قريش. وأما موته بأرض الشام فمحقق والمشهور أنه بحوران. قال محمد بن عائذ الدمشقيّ عن عبد الأعلى عن سعيد بن عبد العزيز أنه قال: أول مدينة فتحت من الشام بصرى، وبها توفى سعد ابن عبادة. وعند كثير من أهل زماننا أنه دفن بقرية من غوطة دمشق، يقال لها «المنيحة» وبها قبر مشهور به. ولم أر الحافظ ابن عساكر تعرض لذكر هذا القبر في ترجمته بالكلية فالله أعلم. قال ابن عبد البر: ولم يختلفوا أنه وجد ميتا في مغتسله، وقد أخضر جسده ولم يشعروا بموته حتى سمعوا قائلا يقول: قتلنا سيد الخزرج سعد بن عباده * رميناه بسهم فلم يخطئ فؤاده قال ابن جريج: سمعت عطاء (يقول) سمعت أن الجن قالوا في سعد بن عبادة هذين البيتين. له عن النبي ﷺ أحاديث، وكان ﵁ من أشد الناس غيرة، ما تزوج امرأة إلا بكرا، ولا طلق امرأة فتجاسر أحد أن يخطبها بعده. وقد روى أنه لما خرج من المدينة قسم ماله بين بنيه، فلما توفى ولد له ولد فجاء أبو بكر وعمر إلى ابنه قيس بن سعد فأمراه أن يدخل هذا معهم، فقال إني لا أغير ما صنع سعد ولكن نصيبي لهذا الولد * سلمة بن هشام بن المغيرة، أخو أبى جهل بن هشام،

стр. 2155

أسلم سلمة قديما وهاجر إلى الحبشة فلما رجع منها حبسه أخوه وأجاعه فكان رسول الله ﷺ يدعو له في القنوت ولجماعة معه من المستضعفين. ثم انسل فلحق برسول الله ﷺ بالمدينة بعد الخندق، وكان معه بها، وقد شهد أجنادين وقتل بها ﵁ * ضرار بن الأزور الأسدي، كان من الفرسان المشهورين، والأبطال المذكورين، له مواقف مشهودة، وأحوال محمودة. ذكر عروة وموسى بن عقبة أنه قتل بأجنادين. له حديث في استحباب إبقاء شيء من اللبن في الضرع عند الحلب * طليب ابن عمير بن وهب بن كثير بن هند بن قصي القرشي العبديّ، أمه أروى بنت عبد المطلب عمة النبي ﷺ . أسلم قديما وهاجر إلى الحبشة الهجرة الثانية، وشهد بدرا. قاله ابن إسحاق والواقدي والزبير بن بكار. ويقال إنه أول من ضرب مشركا، وذلك أن أبا جهل سب النبي ﷺ فضربه طليب بلحى جمل فشجه. استشهد طليب بأجنادين وقد شاخ ﵁ * عبد الله بن الزبير بن عبد المطلب بن هاشم القرشي الهاشمي، ابن عم النبي ﷺ كان من الأبطال المذكورين والشجعان المشهورين، قتل يوم أجنادين بعد ما قتل عشرة من الروم مبارزة كلهم بطارقة أبطال. وله من العمر يومئذ بضع وثلاثون سنة * عبد الله بن عمرو الدوسيّ قتل بأجنادين. وليس هذا الرجل معروفا * عثمان بن طلحة العبدري الحجبي. قيل إنه قتل بأجنادين، والصحيح أنه تأخر إلى ما بعد الأربعين * عتاب بن أسيد بن أبى العيص بن أمية الأموي أبو عبد الرحمن أمير مكة نيابة عن رسول الله ﷺ استعمله عليها عام الفتح، وله من العمر عشرون سنة، فحج بالناس عامئذ، واستنابه عليها أبو بكر بعده ﵇. وكانت وفاته بمكة، قيل يوم توفى أبو بكر ﵄. له حديث واحد رواه أهل السنن الأربعة * عكرمة بن أبى جهل عمرو بن هشام بن المغيرة بن عبد الله بن عمر بن مخزوم أبو عثمان القرشي المخزومي، كان من سادات الجاهلية كأبيه، ثم أسلم عام الفتح بعد ما فر، ثم رجع إلى الحق. واستعمله الصديق على عمان حين ارتدوا فظفر بهم كما تقدم. ثم قدم الشام وكان أميرا على بعض الكراديس، ويقال: إنه لا يعرف له ذنب بعد ما أسلم. وكان يقبل المصحف ويبكى ويقول: كلام ربى كلام ربى. احتج بهذا الامام أحمد على جواز تقبيل المصحف ومشروعيته. وقال الشافعيّ: كان عكرمة محمود البلاء في الإسلام. قال عروة: قتل بأجنادين. وقال غيره: باليرموك بعد ما وجد به بضع وسبعون ما بين ضربة وطعنة ﵁ * الفضل بن العباس بن عبد المطلب، قيل إنه توفى في هذه السنة، والصحيح أنه تأخر إلى سنة ثماني عشرة * نعيم بن عبد الله بن النحام أحد بنى عدي، أسلم قديما قبل عمر ولم يتهيأ له هجرة إلى ما بعد الحديبيّة، وذلك لأنه كان فيه برّ بأقاربه، فقالت له قريش: أقم عندنا على أي دين شئت، فو الله لا يتعرضك أحد إلا ذهبت أنفسنا دونك. استشهد يوم أجنادين وقيل يوم اليرموك ﵁ * هبار بن الأسود بن أسد أبو الأسود القرشي الأسدي،

стр. 2156

هذا الرجل كان قد طعن راحلة زينب بنت النبي ﷺ يوم خرجت من مكة حتى أسقطت، ثم أسلم بعد فحسن إسلامه، وقتل بأجنادين ﵁ * هبار بن سفيان بن عبد الأسود المخزومي ابن أخى أم سلمة. أسلم قديما وهاجر إلى الحبشة واستشهد يوم أجنادين على الصحيح، وقيل قتل يوم مؤتة والله أعلم * هشام بن العاص بن وائل السهمي أخو عمرو بن العاص. روى الترمذي أن رسول الله ﷺ قال «ابنا العاص مؤمنان» وقد أسلم هشام قبل عمرو، وهاجر إلى الحبشة، فلما رجع منها احتبس بمكة. ثم هاجر بعد الخندق، وقد أرسله الصديق إلى ملك الروم، وكان من الفرسان. وقتل بأجنادين، وقيل باليرموك، والأول أصح والله أعلم * أبو بكر الصديق ﵁ تقدم وله ترجمة مفردة ولله الحمد. سنة أربع عشرة من الهجرة النبويّة استهلت هذه السنة والخليفة عمر بن الخطاب يحث الناس ويحرضهم على جهاد أهل العراق، وذلك لما بلغه من قتل أبى عبيد يوم الجسر، وانتظام شمل الفرس، واجتماع أمرهم على يزدجرد الّذي أقاموه من بيت الملك، ونقض أهل الذمة بالعراق عهودهم، ونبذهم المواثيق التي كانت عليهم، وآذوا المسلمين وأخرجوا العمال من بين أظهرهم. وقد كتب عمر إلى من هنالك من الجيش أن يتبرزوا من بين أظهرهم إلى أطراف البلاد. قال ابن جرير ﵀. وركب عمر ﵁ في أول يوم من المحرم هذه السنة في الجيوش من المدينة فنزل على ماء يقال له صرار، فعسكر به عازما على غزو العراق بنفسه واستخلف على المدينة على بن أبى طالب، واستصحب معه عثمان بن عفان وسادات الصحابة. ثم عقد مجلسا لاستشارة الصحابة فيما عزم عليه، ونودي ان الصلاة جامعة، وقد أرسل إلى على فقدم من المدينة، ثم استشارهم فكلهم وافقوه على الذهاب إلى العراق، إلا عبد الرحمن بن عوف فإنه قال له: إني أخشى إن كسرت أن تضعف المسلمون في سائر أقطار الأرض، وإني أرى أن تبعث رجلا وترجع أنت إلى المدينة. فارثا (١) عمرو الناس عند ذلك واستصوبوا رأى ابن عوف. فقال عمر فمن ترى أن نبعث إلى العراق؟ فقال: قد وجدته. قال ومن هو؟ قال الأسد في براثنه سعد بن مالك الزهري. فاستجاد قوله وأرسل إلى سعد فأمره على العراق وأوصاه فقال: يا سعد بن وهيب لا يغرنك من الله أن قيل خال رسول الله ﷺ وصاحبه، فإن الله لا يمحو السيّئ بالسيئ، ولكن يمحو السيّئ بالحسن، وإن الله ليس بينه وبين أحد نسب إلا بطاعته، فالناس شريفهم ووضيعهم في ذات الله سواء، الله ربهم وهم عباده، يتفاضلون بالعافية ويدركون ما عند الله بالطاعة، فانظر الأمر الّذي رأيت

стр. 2157

رسول الله ﷺ منذ بعث إلى أن فارقنا عليه فالزمه، فإنه الأمر. هذه عظتى إياك، إن تركتها ورغبت عنها حبط عملك وكنت من الخاسرين. ولما أراد فراقه قال له: إنك ستقدم على أمر شديد، فالصبر الصبر على ما أصابك ونابك، تجمع لك خشية الله، وأعلم أن خشية الله تجتمع في أمرين، في طاعته واجتناب معصيته، وإنما طاعة من أطاعه ببغض الدنيا وحب الآخرة، وإنما عصيان من عصاه بحب الدنيا وبغض الآخرة. وللقلوب حقائق ينشئها الله إنشاء، منها السر ومنها العلانية، فأما العلانية فأن يكون حامده وذامّه في الحق سواء، وأما السر فيعرف بظهور الحكمة من قبله على لسانه، وبمحبة الناس، ومن محبة الناس. فلا تزهد في التحبب فان النبيين قد سألوا محبتهم، وإن الله إذا أحب عبدا حبّبه، وإذا أبغض عبدا بغّضه، فاعتبر منزلتك عند الله بمنزلتك عند الناس. قالوا: فسار سعد نحو العراق في أربعة آلاف ثلاثة آلاف من أهل اليمن، وألف من سائر الناس، وقيل في ستة آلاف. وشيعهم عمر من صرار إلى الأعوص وقام عمر في الناس خطيبا لك فقال: إن الله إنما ضرب لكم الأمثال، وصرف لكم القول لتحيى القلوب فان القلوب ميتة في صدورها حتى يحييها الله، من علم شيئا فلينتفع به، فان للعدل أمارات وتباشير، فأما الأمارات فالحياء والسخاء والهين واللين. وأما التباشير فالرحمة. وقد جعل الله لكل أمر بابا، ويسر لكل باب مفتاحا، فباب العدل الاعتبار، ومفتاحه الزهد، والاعتبار ذكر الموت والاستعداد بتقديم الأموال. والزهد أخذ الحق من كل أحد قبله حق والاكتفاء بما يكفيه من الكفاف، فان لم يكفه الكفاف لم يغنه شيء. إني بينكم وبين الله، وليس بيني وبينه أحد، وإن الله قد ألزمنى دفع الدعاء عنه فانهوا شكاتكم إلينا، فمن لم يستطع فإلى من يبلغناها نأخذ له الحق غير متعتع. ثم سار سعد إلى العراق، ورجع عمر بمن معه من المسلمين إلى المدينة. ولما انتهى سعد إلى نهر زرود، ولم يبق بينه وبين أن يجتمع بالمثنى بن حارثة إلا اليسير، وكل منهما مشتاق إلى صاحبه، انتقض جرح المثنى بن حارثة الّذي كان جرحه يوم الجسر فمات ﵀ ورضى الله عنه، واستخلف على الجيش بشير بن الخصاصية. ولما بلغ سعدا موته ترحم عليه وتزوج زوجته سلمى. ولما وصل سعد إلى محلة الجيوش انتهت إليه رياستها وإمرتها، ولم يبق بالعراق أمير من سادات العرب إلا تحت أمره وأمده عمر بأمداد أخر حتى اجتمع معه يوم القادسية ثلاثون ألفا، وقيل ستة وثلاثون. وقال عمر: والله لأرمين ملوك العجم بملوك العرب. وكتب إلى سعد أن يجعل الأمراء على القبائل، والعرفاء على كل عشرة عريفا على الجيوش، وأن يواعدهم إلى القادسية، ففعل ذلك سعد، عرف العرفاء، وأمر على القبائل، وولى على الطلائع، والمقدمات، والمجنبات والساقات، والرجالة، والركبان، كما أمر أمير المؤمنين عمر.

стр. 2158

قال سيف باسناده عن مشايخه قالوا: وجعل عمر على قضاء الناس عبد الرحمن بن ربيعة الباهلي ذا النون، وجعل إليه الافباض وقسمة الفيء، وجعل داعية الناس وقاصّهم سلمان الفارسي. وجعل الكاتب زياد بن أبى سفيان. قالوا وكان في هذا الجيش كله من الصحابة ثلاثمائة وبضعة عشر صحابيا، منهم بضعة وسبعون بدريا، وكان فيه سبعمائة من أبناء الصحابة ﵃. وبعث عمر كتابه إلى سعد يأمره بالمبادرة إلى القادسية، والقادسية باب فارس في الجاهلية، وأن يكون بين الحجر والمدر، وأن يأخذ الطرق والمسالك على فارس، وأن يبدروهم بالضرب والشدة، ولا يهولنك كثرة عددهم وعددهم، فإنهم قوم خدعة مكرة، وإن أنتم صبرتم وأحسنتم ونويتم الأمانة رجوت أن تنصروا عليهم، ثم لم يجتمع لهم شملهم أبدا إلا أن يجتمعوا، وليست معهم قلوبهم. وإن كانت الأخرى فارجعوا إلى ما وراءكم حتى تصلوا إلى الحجر فإنكم عليه أجرأ، وإنهم عنه أجبن وبه أجهل، حتى يأتى الله بالفتح عليهم ويرد لكم الكرة. وأمره بمحاسبة نفسه وموعظة جيشه، وأمرهم بالنية الحسنة والصبر فان النصر يأتى من الله على قدر النية، والأجر على قدر الحسبة، وسلوا الله العافية، وأكثروا من قول لا حول ولا قوة إلا بالله العلى العظيم، واكتب إليّ بجميع أحوالكم وتفاصيلها، وكيف تنزلون وأين يكون منكم عدوكم، واجعلني بكتبك إلى كأنى انظر إليكم، واجعلني من أمركم على الجلية، وخف الله وارجه ولا تدل بشيء، واعلم أن الله قد توكل لهذا الأمر بما لا خلف له، فاحذر أن يصرفه عنك ويستبدل بكم غيركم. فكتب إليه سعد يصف له كيفية تلك المنازل والأراضي بحيث كأنه يشاهدها، وكتب إليه يخبره بأن الفرس قد جردوا لحربه رستم وأمثاله، فهم يطلبوننا ونحن نطلبهم، وأمر الله بعد ماض، وقضاؤه مسلم، إلى ما قدر لنا وعلينا، فنسأل الله خير القضاء وخير القدر في عافية. وكتب إليه عمر: قد جاءني كتابك وفهمته، فإذا لقيت عدوك ومنحك الله أدبارهم، فإنه قد ألقى في روعي أنكم ستهزمونهم فلا تشكن في ذلك، فإذا هزمتهم فلا تنزع عنهم حتى تقتحم عليهم المدائن فإنه خرابها إن شاء الله. وجعل عمر يدعو لسعد خاصة وله وللمسلمين عامة. ولما بلغ سعد العذيب اعترض للمسلمين جيش للفرس مع شيرزاذ بن اراذويه، فغنموا مما معه شيئا كثيرا ووقع منهم موقعا كبيرا، فخمسها سعد وقسم أربعة أخماسها في الناس واستبشر الناس بذلك وفرحوا، وتفاءلوا، وأفرد سعد سرية تكون حياطة لمن معهم من الحريم، على هذه السرية غالب بن عبد الله الليثي. فصل في غزوة القادسية ثم سار سعد فنزل القادسية، وبث سراياه، وأقام بها شهرا لم ير أحدا من الفرس، فكتب إلى عمر بذلك، والسرايا تأتى بالميرة من كل مكان. فعجت رعايا الفرس من أطراف بلادهم إلى يزدجرد

стр. 2159

من الذين يلقون من المسلمين من النهب والسبي. وقالوا: إن لم تنجدونا والا أعطينا ما بأيدينا وسلمنا إليهم الحصون. واجتمع رأى الفرس على إرسال رستم إليهم، فبعث إليه يزدجرد فأمره على الجيش فاستعفى رستم من ذلك، وقال: إن هذا ليس برأي في الحرب، إن إرسال الجيوش بعد الجيوش أشد على العرب من أن يكسروا جيشا كثيفا مرة واحدة. فأبى الملك إلا ذلك، فتجهز رستم للخروج. ثم بعث سعد كاشفا الى الحيرة وإلى صلوبا فأتاه الخبر بأن الملك قد أمر على الحرب رستم بن الفرخزاذ الأرمني، وأمده بالعساكر. فكتب سعد الى عمر بذلك فكتب إليه عمر: لا يكربنك ما يأتيك عنهم، ولا ما يأتونك به، واستعن بالله وتوكل عليه، وابعث إليه رجالا من أهل النظر والرأى والجلد يدعونه، فإن الله جاعل دعاءهم توهينا لهم وفلجا عليهم، واكتب إلى في كل يوم. ولما اقترب رستم بجيوشه وعسكر بساباط كتب سعد إلى عمر يقول: إن رستم قد عسكر بساباط وجر الخيول والفيول وزحف علينا بها، وليس شيء أهم عندي، ولا أكثر ذكرا منى لما أحببت أن أكون عليه من الاستعانة والتوكل. وعبأ رستم فجعل على المقدمة وهي أربعون ألفا الجالنوس، وعلى الميمنة الهرمزان، وعلى الميسرة مهران بن بهرام وذلك ستون ألفا، وعلى الساقة البندران في عشرين ألفا، فالجيش كله ثمانون ألفا فيما ذكره سيف وغيره. وفي رواية: كان رستم في مائة ألف وعشرين ألفا، يتبعها ثمانون ألفا، وكان معه ثلاثة وثلاثون فيلا منها فيل أبيض كان لسابور، فهو أعظمها وأقدمها، وكانت الفيلة تألفه. ثم بعث سعد جماعة من السادات منهم النعمان بن مقرن، وفرات بن حبان، وحنظلة بن الربيع التميمي، وعطارد بن حاجب، والأشعث بن قيس، والمغيرة بن شعبة، وعمرو بن معديكرب، يدعون رستم إلى الله . فقال لهم رستم: ما أقدمكم؟ فقالوا: جئنا لموعود الله إيانا، أخذ بلادكم وسبى نسائكم وأبنائكم وأخذ أموالكم، فنحن على يقين من ذلك، وقد رأى رستم في منامه كان ملكا نزل من السماء فختم على سلاح الفرس كله ودفعه إلى رسول الله ﷺ فدفعه رسول الله ﷺ إلى عمر. وذكر سيف بن عمر أن رستم طاول سعدا في اللقاء حتى كان بين خروجه من المدائن وملتقاه سعدا بالقادسية أربعة أشهر كل ذلك لعله يضجر سعدا ومن معه ليرجعوا، ولولا أن الملك استعجله ما التقاه، لما يعلم من غلبة المسلمين لهم ونصرهم عليهم، لما رأى في منامه، ولما يتوسمه، ولما سمع منهم، ولما عنده من علم النجوم الّذي يعتقد صحته في نفسه لما له من الممارسة لهذا الفن. ولما دنا جيش رستم من سعد أحب سعد أن يطلع على أخبارهم على الجلية، فبعث رجلا سرية لتأتيه برجل من الفرس وكان في السرية طليحة الأسدي الّذي كان ادعى النبوة ثم تاب. وتقدم الحارث مع أصحابه حتى رجعوا. فلما بعث سعد السرية اخترق طليحة الجيوش والصفوف، وتخطي الألوف، وقتل جماعة من الأبطال حتى أسر أحدهم وجاء به لا يملك من نفسه شيئا، فسأله

стр. 2160

سعد عن القوم فجعل يصف شجاعة طليحة، فقال دعنا من هذا وأخبرنا عن رستم، فقال: هو في مائة ألف وعشرين ألفا، ويتبعها مثلها. وأسلم الرجل من فوره ﵀. قال سيف عن شيوخه: ولما تواجه الجيشان بعث رستم إلى سعد أن يبعث إليه برجل عاقل عالم بما أسأله عنه. فبعث إليه المغيرة بن شعبة ﵁. فلما قدم عليه جعل رستم يقول له: إنكم جيراننا وكنا نحسن إليكم ونكف الأذى عنكم، فارجعوا إلى بلادكم ولا نمنع تجارتكم من الدخول إلى بلادنا. فقال له المغيرة: إنا ليس طلبنا الدنيا، وإنما هنا وطلبنا الآخرة، وقد بعث الله إلينا رسولا قال له: إني قد سلطت هذه الطائفة على من لم يدن بديني فأنا منتقم بهم منهم، وأجعل لهم الغلبة ما داموا مقرين به، وهو دين الحق، لا يرغب عنه أحد إلا ذل، ولا يعتصم به إلا عز. فقال له رستم: فما هو؟ فقال أما عموده الّذي لا يصلح شيء منه إلا به فشهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله، والإقرار بما جاء من عند الله، فقال ما أحسن هذا؟! وأي شيء أيضا؟ قال وإخراج العباد من عبادة العباد إلى عبادة الله. قال: وحسن أيضا وأي شيء أيضا؟ قال: والناس بنو آدم، فهم إخوة لأب وأم، قال وحسن أيضا. ثم قال رستم: أرأيت إن دخلنا في دينكم أترجعون عن بلادنا؟ قال: إي والله ثم لا نقرب بلادكم إلا في تجارة أو حاجة. قال: وحسن أيضا. قال: ولما خرج المغيرة من عنده ذاكر رستم رؤساء قومه في الإسلام فأنفوا ذلك وأبوا أن يدخلوا فيه قبحهم الله وأخزاهم وقد فعل. قالوا: ثم بعث إليه سعد رسولا آخر بطلبه وهو ربعي بن عامر، فدخل عليه وقد زينوا مجلسه بالنمارق المذهبة والزرابي الحرير، وأظهر اليواقيت واللآلئ الثمينة، والزينة العظيمة، وعليه تاجه وغير ذلك من الأمتعة الثمينة. وقد جلس على سرير من ذهب. ودخل ربعي بثياب صفيقة وسيف وترس وفرس قصيرة، ولم يزل راكبها حتى داس بها على طرف البساط، ثم نزل وربطها ببعض تلك الوسائد، وأقبل وعليه سلاحه ودرعه وبيضته على رأسه. فقالوا له: ضع سلاحك. فقال: إني لم آتكم. وإنما جئتكم حين دعوتموني فان تركتموني هكذا وإلا رجعت. فقال رستم: ائذنوا له، فأقبل يتوكأ على رمحه فوق النمارق فخرق عامتها، فقالوا له: ما جاء بكم؟ فقال الله ابتعثنا لنخرج من شاء من عبادة العباد إلى عبادة الله، ومن ضيق الدنيا إلى سعتها، ومن جور الأديان إلى عدل الإسلام، فأرسلنا بدينه إلى خلقه لندعوهم إليه، فمن قبل ذلك قبلنا منه ورجعنا عنه، ومن أبى قاتلناه أبدا حتى نفضى إلى موعود الله. قالوا: وما موعود الله؟ قال: الجنة لمن مات على قتال من أبى، والظفر لمن بقي. فقال رستم: قد سمعت مقالتكم فهل لكم أن تؤخروا هذا الأمر حتى تنظر فيه وتنظروا؟ قال نعم! كم أحب إليكم؟ يوما أو يومين؟ قال: لا، بل حتى نكاتب أهل رأينا ورؤساء قومنا. فقال:

стр. 2161

ما سن لنا رسول الله ﷺ أن نؤخر الأعداء عند اللقاء أكثر من ثلاث، فانظر في أمرك وأمرهم واختر واحدة من ثلاث بعد الأجل، فقال: أسيدهم أنت؟ قال! لا: ولكن المسلمون كالجسد الواحد يجير أدناهم على أعلاهم. فاجتمع رستم برؤساء قومه فقال: هل رأيتم قط أعز وأرجح من كلام هذا الرجل؟ فقالوا معاذ الله أن تميل إلى شيء من هذا وتدع دينك إلى هذا الكلب، أما ترى إلى ثيابه؟ فقال: ويلكم لا تنظروا إلى الثياب، وانظروا إلى الرأى والكلام والسيرة. إن العرب يستخفون بالثياب والمأكل، ويصونون الأحساب. ثم بعثوا يطلبون في اليوم الثاني رجلا فبعث إليهم حذيفة بن محصن فتكلم نحو ما قال ربعي. وفي اليوم الثالث المغيرة بن شعبة فتكلم بكلام حسن طويل. قال فيه رستم للمغيرة: إنما مثلكم في دخولكم أرضنا كمثل الذباب رأى العسل. فقال من يوصلني إليه وله درهمان؟ فلما سقط عليه غرق فيه، فجعل يطلب الخلاص فلا يجده، وجعل يقول من يخلصني وله أربعة دراهم؟ ومثلكم كمثل ثعلب ضعيف دخل جحرا في كرم فلما رآه صاحب الكرم ضعيفا رحمه فتركه، فلما سمن أفسد شيئا كثيرا فجاء بجيشه، واستعان عليه بغلمانه فذهب ليخرج فلم يستطع لسمنه فضربه حتى قتله، فهكذا تخرجون من بلادنا. ثم استشاط غضبا وأقسم بالشمس لأقتلنكم غدا [. فقال المغيرة: ستعلم. ثم قال رستم للمغيرة: قد أمرت لكم بكسوة. ولأميركم بألف دينار وكسوة ومركوب وتنصرفون عنا. فقال المغيرة: أبعد أن أوهنا ملككم وضعفنا عزكم، ولنا مدة نحو بلادكم ونأخذ الجزية منكم عن يد وأنتم صاغرون وستصيرون لنا عبيدا على رغمكم؟ فلما قال ذلك استشاط غضبا.] (١) وقال ابن جرير حدثني محمد بن عبد الله بن صفوان الثقفي ثنا أمية بن خالد ثنا أبو عوانة عن حصين بن عبد الرحمن. قال قال أبو وائل: جاء سعد حتى نزل القادسية ومعه الناس قال لا أدرى لعلنا لا نزيد على سبعة آلاف أو ثمانية آلاف بين ذلك، والمشركون ثلاثون ألفا ونحو ذلك، فقالوا لا يد لكم ولا قوة ولا سلاح، ما جاء بكم؟ ارجعوا. قال: قلنا ما نحن براجعين، فكانوا يضحكون من نبلنا ويقولون دوك دوك وشبهونا بالمغازل. فلما أبينا عليهم أن نرجع قالوا: ابعثوا إلينا رجلا من عقلائكم يبين لنا ما جاء بكم. فقال المغيرة بن شعبة، أنا: فعبر إليهم فقعد مع رستم على السرير فنخروا وصاحوا، فقال: إن هذا لم يزدني رفعة ولم ينقص صاحبكم. فقال رستم: صدق، ما جاء بكم؟ فقال: إنا كنا قوما في شر وضلالة، فبعث الله إلينا نبيا فهدانا الله به ورزقنا على يديه، فكان فيما رزقنا حبة تنبت في هذا البلد، فلما أكلناها وأطعمناها أهلينا قالوا: لا صبر لنا عنها، أنزلونا هذه الأرض حتى نأكل من هذه الحبة. فقال رستم إذا نقتلكم. قال إن قتلتمونا دخلنا الجنة، وإن

стр. 2162

قتلناكم دخلتم النار وأديتم الجزية. قال: فلما قال وأديتم الجزية نخروا وصاحوا وقالوا: لا صلح بيننا وبينكم. فقال المغيرة: تعبرون إلينا أو نعبر إليكم؟ فقال رستم: بل نعبر إليكم. فاستأخر المسلمون حتى عبروا فحملوا عليهم فهزموهم. وذكر سيف أن سعدا كان به عرق النساء يومئذ، وأنه خطب الناس وتلى قوله تعالى: (ولقد كتبنا في الزبور من بعد الذكر أن الأرض يرثها عبادي الصالحون)، وصلى بالناس الظهر ثم كبر أربعا وحملوا بعد أن أمرهم أن يقولوا: لا حول ولا قوة إلا بالله، في طردهم إياهم، وقتلهم لهم. وقعودهم لهم كل مرصد، وحصرهم لبعضهم في بعض الأماكن حتى أكلوا الكلاب والسنانير. وما رد شاردهم حتى وصل إلى نهاوند، ولجأ أكثرهم إلى المدائن، ولحقهم المسلمون إلى أبوابها. وكان سعد قد بعث طائفة من أصحابه إلى كسرى يدعونه إلى الله قبل الوقعة فاستأذنوا على كسرى فأذن لهم، وخرج أهل البلد ينظرون إلى أشكالهم وأرديتهم على عواتقهم وسياطهم بأيديهم، والنعال في أرجلهم، وخيولهم الضعيفة، وخبطها الأرض بأرجلها. وجعلوا يتعجبون منها غاية العجب كيف مثل هؤلاء يقهرون جيوشهم مع كثرة عددها وعددها. ولما استأذنوا على الملك يزدجرد أذن لهم وأجلسهم بين يديه، وكان متكبرا قليل الأدب، ثم جعل يسألهم عن ملابسهم هذه ما اسمها؟ عن الأردية، والنعال، والسياط ثم كلما قالوا له شيئا من ذلك تفاءل فرد الله فأله على رأسه. ثم قال لهم: ما الّذي أقدمكم هذه البلاد؟ أظننتم أنا لما تشاغلنا بأنفسنا اجترأتم علينا؟ فقال له النعمان بن مقرن: إن الله رحمنا فأرسل إلينا رسولا يدلنا على الخير ويأمرنا به، ويعرفنا الشر وينهانا عنه، ووعدنا على إجابته خير الدنيا والآخرة. فلم يدع إلى ذلك قبيلة إلا صاروا فرقتين فرقة تقاربه وفرقة تباعده، ولا يدخل معه في دينه إلا الخواص، فمكث كذلك ما شاء الله أن يمكث، ثم أمر أن ينهد إلى من خالفه من العرب ويبدأ بهم، ففعل فدخلوا معه جميعا على وجهين مكروه عليه فاغتبط، وطائع إياه فأزداد. فعرفنا جميعا فضل ما جاء به على الّذي كنا عليه من العداوة والضيق، وأمرنا أن نبدأ بمن يلينا من الأمم فندعوهم إلى الإنصاف، فنحن ندعوكم إلى ديننا وهو دين الإسلام حسن الحسن وقبح القبيح كله، فإن أبيتم فأمر من الشر هو أهون من آخر شر منه الجزاء (١) فان أبيتم فالمناجزة. وإن أجبتم إلى ديننا خلفنا فيكم كتاب الله وأقمناكم عليه على أن تحكموا بأحكامه ونرجع عنكم، وشأنكم وبلادكم، وأن أتيتمونا بالجزى (١) قبلنا ومنعناكم وإلا قاتلناكم. قال فتكلم يزدجرد فقال: إني لا أعلم في الأرض أمة كانت أشقى ولا أقل عددا ولا أسوأ ذات بين منكم، قد كنا نوكل بكم قرى الضواحي ليكفوناكم، لا تغزوكم فارس ولا تطمعون أن تقوموا لهم. فان كان عددكم كثر فلا يغرنكم منا، وإن كان الجهد دعاكم فرضنا

стр. 2163

لكم قوتا إلى خصبكم وأكرمنا وجوهكم وكسوناكم وملكنا عليكم ملكا يرفق بكم. فأسكت القوم فقام المغيرة بن شعبة فقال: أيها الملك إن هؤلاء رءوس العرب ووجوههم، وهم أشراف يستحيون من الأشراف، وإنما يكرم الأشراف الأشراف، ويعظم حقوق الأشراف الأشراف، وليس كل ما أرسلوا له جمعوه لك، ولا كل ما تكلمت به أجابوك عليه، وقد أحسنوا ولا يحسن بمثلهم إلا ذلك، فجاوبني فأكون أنا الّذي أبلغك ويشهدون على ذلك. إنك قد وصفتنا صفة لم تكن بها عالما، فأما ما ذكرت من سوء الحال فما كان أسوأ حالا منا، وأما جوعنا فلم يكن يشبه الجوع، كنا نأكل الخنافس والجعلان والعقارب والحيات، ونرى ذلك طعامنا، وأما المنازل فإنما هي ظهر الأرض، ولا نلبس إلا ما غزلنا من أوبار الإبل وأشعار الغنم. ديننا أن يقتل بعضنا بعضا، وإن يبغى بعضنا على بعض، وإن كان أحدنا ليدفن ابنته وهي حية كراهية أن تأكل من طعامه، وكانت حالنا قبل اليوم على ما ذكرت لك [وفي المعاد على ما ذكرت لك] فبعث الله إلينا رجلا معروفا نعرف نسبه ونعرف وجهه ومولده، فأرضه خير أرضنا، وحسبه خير أحسابنا، وبيته خير بيوتنا، وقبيلته خير قبائلنا، وهو نفسه كان خيرنا في الحال التي كان فيها أصدقنا وأحملنا، فدعانا إلى أمر فلم يجبه أحد. أول ترب كان له الخليفة من بعده، فقال وقلنا، وصدق وكذبنا، وزاد ونقصنا، فلم يقل شيئا إلا كان، فقذف الله في قلوبنا التصديق له واتباعه، فصار فيما بيننا وبين رب العالمين. فما قال لنا فهو قول الله، وما أمرنا فهو أمر الله، فقال لنا إن ربكم يقول: أنا الله وحدي لا شريك لي كنت إذ لم يكن شيء وكل شيء هالك إلا وجهي، وأنا خلقت كل شيء وإلى يصير كل شيء، وان رحمتي أدركتكم فبعثت إليكم هذا الرجل لأدلكم على السبيل التي أنجيكم بها بعد الموت من عذابي، ولأحلكم داري دار السلام. فنشهد عليه أنه جاء بالحق من عند الحق، وقال من تابعكم على هذا فله ما لكم وعليه ما عليكم، ومن أبى فأعرضوا عليه الجزية ثم امنعوه مما تمنعون منه أنفسكم، ومن أبى فقاتلوه فأنا الحكم بينكم، فمن قتل منكم أدخلته جنتي، ومن بقي منكم أعقبته النصر على من ناواه. فاختر إن شئت الجزية وأنت صاغر، وإن شئت فالسيف، أو تسلم فتنجى نفسك. فقال يزدجرد: استقبلتني بمثل هذا؟ فقال ما استقبلت إلا من كلمني، ولو كلمني غيرك لم استقبلك به. فقال: لولا أن الرسل لا تقتل لقتلتكم، لا شيء لكم عندي. وقال ائتوني بوقر من تراب فاحملوه على أشرف هؤلاء ثم سوقوه حتى يخرج من أبيات المدائن. ارجعوا إلى صاحبكم فأعلموه أنى مرسل إليه رستم حتى يدفنه وجنده في خندق القادسية وينكل به وبكم من بعد، ثم أورده بلادكم حتى أشغلكم في أنفسكم بأشد مما نالكم من سابور. ثم قال: من أشرفكم؟ فسكت القوم فقال عاصم بن عمرو واقتات ليأخذ التراب أنا أشرفهم، أنا سيد هؤلاء فحملنيه، فقال: أكذلك؟ قالوا: نعم. فحمله على عنقه فخرج به من الإيوان والدار حتى يأتى راحلته

стр. 2164

فحمله عليها ثم انجذب في السير ليأتوا به سعدا وسبقهم عاصم فمر بباب قد بس فطواه وقال بشروا الأمير بالظفر، ظفرنا إن شاء الله تعالى، ثم مضى حتى جعل التراب في الحجر ثم رجع فدخل على سعد فأخبره الخبر. فقال: ابشروا فقد والله أعطانا الله أقاليد ملكهم، وتفاءلوا بذلك أخذ بلادهم. ثم لم يزل أمر الصحابة يزداد في كل يوم علوا وشرفا ورفعة، وينحط أمر الفرس سفلا وذلا ووهنا. ولما رجع رستم إلى الملك يسأله عن حال من رأى من المسلمين؟ فذكر له عقلهم وفصاحتهم وحدة جوابهم، وأنهم يرومون أمرا يوشك أن يدركوه. وذكر ما أمر به أشرفهم من حمل التراب وأنه استحمق أشرفهم في حمله التراب على رأسه، ولو شاء اتقى بغيره وأنا لا أشعر. فقال له رستم: إنه ليس أحمق، وليس هو بأشرفهم، إنما أراد أن يفتدى قومه بنفسه ولكن والله ذهبوا بمفاتيح أرضنا. وكان رستم منجما، ثم أرسل رجلا وراءهم وقال: إن أدرك التراب فرده تداركنا أمرنا، وإن ذهبوا به إلى أميرهم غلبونا على أرضنا. قال: فساق وراءهم فلم يدركهم بل سبقوه إلى سعد بالتراب. وساء ذلك فارس وغضبوا من ذلك أشد الغضب واستهجنوا رأى الملك. فصل كانت وقعة القادسية وقعة عظيمة لم يكن بالعراق أعجب منها، وذلك أنه لما تواجه الصفان كان سعد ﵁ قد أصابه عرق النسا، ودمامل في جسده، فهو لا يستطيع الركوب، وإنما هو في قصر متكئ على صدره فوق وسادة وهو ينظر إلى الجيش، ويدبر أمره، وقد جعل أمر الحرب إلى خالد بن عرفطة، وجعل على الميمنة جرير بن عبد الله البجلي، وعلى الميسرة قيس بن مكشوح، وكان قيس والمغيرة بن شعبة قد قدما على سعد مددا من عند أبى عبيدة من الشام بعد ما شهدا وقعة اليرموك. وزعم ابن إسحاق أن المسلمين كانوا ما بين السبعة آلاف إلى الثمانية آلاف، وأن رستما كان في ستين ألفا، فصلى سعد بالناس الظهر ثم خطب الناس فوعظهم وحثهم وتلا قوله تعالى ﴿وَلَقَدْ كَتَبْنا فِي الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الْأَرْضَ يَرِثُها عِبادِيَ الصّالِحُونَ﴾ وقرأ القراء آيات الجهاد وسورة، ثم كبر سعد أربعا ثم حملوا بعد الرابعة فاقتتلوا حتى كان الليل فتحاجزوا، وقد قتل من الفرقين بشر كثير، ثم أصبحوا إلى مواقفهم فاقتتلوا يومهم ذلك وعامة ليلتهم، ثم أصبحوا كما أمسوا على مواقفهم، فاقتتلوا حتى أمسوا ثم اقتتلوا في اليوم الثالث كذلك وأمست هذه الليلة تسمى ليلة الهرير، فلما أصبح اليوم الرابع اقتتلوا قتالا شديدا وقد قاسوا من الفيلة بالنسبة إلى الخيول العربية بسبب نفرتها منها أمرا بليغا، وقد أباد الصحابة الفيلة ومن عليها، وقلعوا عيونها، وأبلى جماعة من الشجعان في هذه الأيام مثل طليحة الأسدي، وعمرو بن معديكرب، والقعقاع بن عمرو، وجرير بن عبد الله البجلي، وضرار ابن الخطاب، وخالد بن عرفطة، وأشكالهم وأضرابهم، فلما كان وقت الزوال من هذا اليوم

стр. 2165

ويسمى يوم القادسية، وكان يوم الاثنين من المحرم سنة أربع عشرة كما قاله سيف بن عمر التميمي، هبت ريح شديدة فرفعت خيام الفرس عن أماكنها وألقت سرير رستم الّذي هو منصوب له، فبادر فركب بغلته وهرب فأدركه المسلمون فقتلوه وقتلوا الجالينوس مقدم الطلائع القادسية، وانهزمت الفرس ولله الحمد والمنة عن بكرة أبيهم، ولحقهم المسلمون في أقفائهم فقتل يومئذ المسلسلون بكمالهم وكانوا ثلاثين ألفا، وقتل في المعركة عشرة آلاف، وقتلوا قبل ذلك قريبا من ذلك. وقتل من المسلمين في هذا اليوم وما قبله من الأيام ألفان وخمسمائة ﵏. وساق المسلمون خلف المنهزمين حتى دخلوا وراءهم مدينة الملك وهي المدائن التي فيها الإيوان الكسروي، وقد أذن لمن ذكرنا عليه، فكان منهم إليه ما قدمنا. وقد غنم المسلمون من وقعة القادسية هذه من الأموال والسلاح ما لا يحد ولا يوصف كثرة، فحصلت الغنائم بعد صرف الأسلاب وخمست وبعث بالخمس والبشارة إلى أمير المؤمنين عمر بن الخطاب ﵁. وقد كان عمر ﵁ يستخبر عن أمر القادسية كل من لقيه من الركبان، ويخرج من المدينة إلى ناحية العراق يستنشق الخبر، فبينما هو ذات يوم من الأيام إذا هو براكب يلوح من بعد، فاستقبله عمر فاستخبره، فقال له: فتح الله على المسلمين بالقادسية وغنموا غنائم كثيرة وجعل يحدثه وهو لا يعرف عمرو عمر ماش تحت راحلته، فلما اقتربا من المدينة جعل الناس يحيون عمر بالامارة فعرف الرجل عمر فقال: يرحمك الله يا أمير المؤمنين هلا أعلمتنى أنك الخليفة؟ فقال لا حرج عليك يا أخى. وقد تقدم أن سعدا ﵁ كان به قروح وعرق النسا، فمنعه من شهود القتال لكنه جالس في رأس القصر ينظر في مصالح الجيش، وكان مع ذلك لا يغلق عليه باب القصر لشجاعته، ولو فر الناس لأخذته الفرس قبضا باليد، لا يمتنع منهم، وعنده امرأته سلمى بنت حفص التي كانت قبله عند المثنى بن حارثة، فلما فر بعض الخيل يومئذ فزعت وقالت: وا مثنياه ولا مثنى لي اليوم. فغضب سعد من ذلك ولطم وجهها، فقالت - أغيرة وجبنا يعنى أنها تعيره بجلوسه في القصر يوم الحرب - وهذا عناد منها فإنها أعلم الناس بعذره وما هو فيه من المرض المانع من ذلك، وكان عنده في القصر رجل مسجون على الشراب كان قد حد فيه مرات متعددة، يقال سبع مرات، فأمر به سعد فقيد وأودع في القصر فلما رأى الخيول تجول حول حمى القصر وكان من الشجعان الأبطال قال: كفى حزنا أن تدحم الخيل بالفتى … وأترك مشدودا عليّ وثاقيا إذا قمت غنائى الحديد وغلقت … مصاريع من دوني تصم المناديا وقد كنت ذا مال كثير وإخوة … وقد تركونى مفردا لا أخا ليا ثم سأل من زبراء أم ولد سعد أن تطلقه وتعيره فرس سعد، وحلف لها أنه يرجع آخر النهار فيضع

стр. 2166

رجله في القيد فأطلقته، وركب فرس سعد وخرج فقاتل قتالا شديدا، وجعل سعد ينظر إلى فرسه فيعرفها وينكروها ويشبهه بأبي محجن ولكن يشك لظنه أنه في القصر موثق، فلما كان آخر النهار رجع فوضع رجله في قيدها ونزل سعد فوجد فرسه يعرق فقال: ما هذا؟ فذكروا له قصة أبى محجن فرضى عنه وأطلقه ﵄. وقد قال رجل من المسلمين في سعد ﵁: نقاتل حتى أنزل الله نصره … وسعد بباب القادسية معصم فأبنا وقد آمت نساء كثيرة … ونسوة سعد ليس فيهن أيم فيقال إن سعدا نزل إلى الناس فاعتذر إليهم مما فيه من القروح في فخذيه وأليتيه، فعذره الناس. ويذكر أنه دعا على قائل هذين البيتين وقال: اللهمّ إن كان كاذبا، أو قال الّذي قال رياء وسمعة وكذبا فاقطع لسانه ويده. فجاءه سهم وهو واقف بين الصفين، فوقع في لسانه فبطل شقه فلم يتكلم حتى مات رواه سيف عن عبد الملك بن عمير عن قبيصة بن جابر فذكره. وقال سيف عن المقدام بن شريح الحارثي عن أبيه قال قال جرير بن عبد الله البجلي: أنا جرير وكنيتي أبو عمرو * قد فتح الله وسعد في القصر فأشرف سعد من قصره وقال: وما أرجو بجيلة غير أنى … أؤمل أجرها يوم الحساب وقد دلفيت خيولهم خيولا … وقد وقع الفوارس في الضراب وقد دلفت بعرصتهم خيول … كأن زهاءها إبل الجراب فلولا جمع قعقاع بن عمرو … وحمال للجّوا في الركاب ولولا ذاك ألفيتم رعاعا … تسيل جموعكم مثل الذباب وقد روى محمد بن إسحاق عن إسماعيل بن أبى خالد عن قيس بن أبى حازم البجلي - وكان ممن شهد القادسية - قال: كان معنا رجل من ثقيف فلحق بالفرس مرتدا، فأخبرهم أن بأس الناس في الجانب الّذي فيه بجيلة. قال: وكنا ربع الناس، قال: فوجهوا إلينا ستة عشر فيلا، وجعلوا يلقون تحت أرجل خيولنا حسك الحديد، ويرشقوننا بالنشاب، فلكأنه المطر، وقربوا خيولهم بعضها إلى بعض لئلا ينفروا. قال: وكان عمرو بن معديكرب الزبيدي يمر بنا فيقول: يا معشر المهاجرين، كونوا أسودا فإنما الفارسي تيس. قال: وكان فيهم أسوار لا تكاد تسقط له نشابة، فقلنا له يا أبا ثور اتق ذاك الفارس فإنه لا تسقط له نشابة، فوجه إليه الفارس ورماه بنشابة فأصاب ترسه وحمل عليه عمرو فاعتنقه فذبحه فاستلبه سوارين من ذهب، ومنطقة من ذهب، ويلمقا من ديباج. قال: وكان المسلمون

стр. 2167

ستة آلاف أو سبعة آلاف، فقتل الله رستما وكان الّذي قتله رجل يقال له هلال بن علقمة التميمي، رماه رستم بنشابة فأصاب قدمه وحمل عليه هلال فقتله واحتز رأسه وولت الفرس فاتبعهم المسلمون يقتلونهم فأدركوهم في مكان قد نزلوا فيه واطمأنوا، فبينما هم سكارى قد شربوا ولعبوا إذ هجم عليهم المسلمون فقتلوا منهم مقتلة عظيمة، وقتل لك الجالينوس، قتله زهرة بن حوية التميمي. ثم ساروا خلفهم فكلما تواجه الفريقان نصر الله حزب الرحمن، وخذل حزب الشيطان وعبدة النيران، واحتاز المسلمون من الأموال ما يعجز عن حصره ميزان وقبان، حتى أن منهم من يقول من يقايض بيضاء بصفراء لكثرة ما غنموا من الفرسان. ولم يزالوا يتبعونهم حتى جازوا الفرات وراءهم وفتحوا المدائن وجلولاء على ما سيأتي تفصيله في موضعه إن شاء الله تعالى وبه الثقة وقال سيف بن عمر عن سليمان بن بشير عن أم كثير امرأة همام بن الحارث النخعي قالت: شهدنا القادسية مع سعد مع أزواجنا، فلما أتانا أن قد فرغ من الناس، شددنا علينا ثيابنا وأخذنا الهراويّ ثم أتينا القتلى، فمن كان من المسلمين سقيناه ورفعناه، ومن كان من المشركين أجهزنا عليه، ومعنا الصبيان فنوليهم ذلك - تعنى استلابهم - لئلا يكشفن عن عورات الرجال. وقال سيف بأسانيده عن شيوخه قالوا: وكتب سعد إلى عمر يخبره بالفتح وبعدة من قتلوا من المشركين. وبعدة من قتل من المسلمين، وبعث بالكتاب مع سعد بن عميلة الفزاري وصورته «أما بعد فان الله نصرنا على أهل فارس ومنحناهم سنن من كان قبلهم من أهل دينهم، بعد قتال طويل، وزلزال شديد، وقد لقوا المسلمين بعدة لم ير الراءون مثل زهائها، فلم ينفعهم الله بذلك، بل سلبوه ونقله عنهم إلى المسلمين، واتبعهم المسلمون على الأنهار، وصفوف الآجام، وفي الفجاح. وأصيب من المسلمين سعد بن عبيد القاري وفلان وفلان، ورجال من المسلمين لا يعلمهم إلا الله، فإنه بهم عالم كانوا يدوون بالقرآن إذا جن عليهم الليل كدوي النحل، وهم آساد في النهار لا تشبههم الأسود، ولم يفضل من مضى منهم من بقي إلا بفضل الشهادة إذا لم تكتب لهم» فيقال إن عمر قرأ هذه البشارة على الناس فوق المنبر ﵃. ثم قال عمر للناس: إني حريص على أن لا أرى حاجة إلا سددتها، ما اتسع بعضنا لبعض، فإذا عجز ذلك عنا تأسينا في عيشنا حتى نستوى في الكفاف، ولوددت أنكم علمتم من نفسي مثل الّذي وقع فيها لكم، ولست معلمكم إلا بالعمل، إني والله لست بملك فأستعبدكم، ولكنى عبد الله عرض على الأمانة فان أبيتها ورددتها عليكم واتبعتكم حتى تشبعوا في بيوتكم وترووا سعدت بكم، وإن أنا حملتها واستتبعتكم إلى بيتي شقيت بكم، ففرحت قليلا وحزنت طويلا، فبقيت لا أقال ولا أرد فأستعتب. وقال سيف عن شيوخه قالوا: وكانت العرب من العذيب إلى عدن أبين، يتربصون وقعة

стр. 2168

القادسية هذه، يرون أن ثبات ملكهم وزواله بها، وقد بعث أهل كل بلدة قاصدا يكشف ما يكون من خبرهم، فلما كان ما كان من الفتح سبقت الجن بالبشارة إلى أقصى البلاد قبل رسل الأنس فسمعت امرأة ليلا بصنعاء على رأس جبل وهي تقول: فحييت عنا عكرم ابنة خالد … وما خير زاد بالقليل المصرد وحييت عنى الشمس عند طلوعها … وحييت عنى كل تاج مفرد وحيتك عنى عصبة نخعية … حسان الوجوه آمنوا بمحمد أقاموا لكسرى يضربون جنوده … بكل رقيق الشفرتين مهند إذا ثوّب الداعي أناخوا بكلكل … من الموت مسود الغياطل أجرد قالوا: وسمع أهل اليمامة مجتازا يغنى بهذه الأبيات: وجدنا الأكرمين بنى تميم … غداة الروع أكثرهم رجالا هموا ساروا بارعن مكفهر … إلى لجب يرونهم رعالا بحور للأكاسر من رجال … كأسد الغاب تحسبهم جبالا تركن لهم بقادس عزّ فخر … وبالخيفين أياما طوالا مقطعة أكفهم وسوق … بمرد حيث قابلت الرجالا قالوا: وسمع ذلك في سائر بلاد العرب، وقد كانت بلاد العراق بكمالها التي فتحها خالد نقضت العهود والذمم والمواثيق التي كانوا أعطوها خالدا، سوى أهل بانقيا وبرسما، وأهل أليس الآخرة ثم عاد الجميع بعد هذه الوقعة التي أوردناها، وادعوا أن الفرس أجبروهم على نقض العهود، وأخذوا منهم الخراج وغير ذلك. فصدقوهم في ذلك تألفا لقلوبهم وسنذكر حكم أهل السواد في كتابنا الأحكام الكبير إن شاء الله تعالى. وقد ذهب ابن إسحاق وغيره إلى أن وقعة القادسية كانت في سنة خمس عشرة. وزعم الواقدي أنها كانت في سنة ست عشرة. وأما سيف بن عمرو جماعة فذكروها في سنة أربع عشرة، وفيها ذكرها ابن جرير فالله أعلم. قال ابن جرير والواقدي: في سنة أربع عشرة جمع عمر بن الخطاب الناس على أبى بن كعب في التراويح وذلك في شهر رمضان منها، وكتب إلى سائر الأمصار يأمرهم بالاجتماع في قيام شهر رمضان قال ابن جرير وفيها بعث عمر بن الخطاب عتبة بن غزوان إلى البصرة وأمره أن ينزل فيها بمن معه من المسلمين، وقطع مادة أهل فارس عن الذين بالمدائن ونواحيها منهم في قول المدائني، وروايته. قال: وزعم سيف أن البصرة إنما مصرت في ربيع من سنة ست عشرة وأن عتبة بن غزوان إنما خرج إلى البصرة من المدائن بعد فراغ سعد من جلولاء وتكريت، وجهه إليها سعد بأمر عمر ﵃.

стр. 2169

وقال أبو مخنف عن مجالد عن الشعبي ﵃: إن عمر بعث عتبة بن غزوان إلى أرض البصرة في ثلاثمائة وبضعة عشر رجلا، وسار إليه من الأعراب ما كمل معه خمسمائة، فنزلها في ربيع الأول سنة أربع عشرة، والبصرة يومئذ تدعى أرض الهند فيها حجارة بيض خشنة، وجعل يرتاد لهم منزلا حتى جاءوا حيال الجسر الصغير فإذا فيه حلفا وقصب نابت، فنزلوا. فركب إليهم صاحب الفرات في أربعة آلاف أسوار، فالتقاه عتبة بعد ما زالت الشمس، وأمر الصحابة فحملوا عليهم فقتلوا الفرس عن آخرهم، وأسروا صاحب الفرات، وقام عتبة خطيبا فقال في خطبته: إن الدنيا قد آذنت بصرم، وولت حذاء، ولم يبق منها إلا صبابة كصبابة الإناء، وإنكم منتقلون منها إلى دار القرار، فانتقلوا عما بحضرتكم، فقد ذكر لي لو أن صخرة ألقيت من شفير جهنم هوت سبعين خريفا ولتملأنه، أو عجبتم؟ ولقد ذكر لي أن ما بين مصراعين من مصاريع الجنة مسيرة أربعين عاما، وليأتين عليه يوم وهو كظيظ من الزحام، ولقد رأيتني وأنا سابع سبعة، وأنا مع رسول الله ﷺ ما لنا طعام إلا ورق السّمر، حتى تقرحت أشداقنا، والتقطت بردة فشققتها بيني وبين سعد، فما منا من أولئك السبعة من أحد إلا هو أمير على مصر من الأمصار، وسيجربون الناس بعدنا. وهذا الحديث في صحيح مسلم بنحو من هذا السياق. وروى على بن محمد المدائني أن عمر كتب إلى عتبة بن غزوان حين وجهه إلى البصرة: يا عتبة إني استعملتك على أرض الهند وهي حومة من حومة العدو، وأرجو أن يكفيك الله ما حولها، وأن يعينك عليها، وقد كتبت إلى العلاء بن الحضرميّ يمدك بعرفجة بن هرثمة. فإذا قدم عليك فاستشره وقربه، وادع إلى الله، فمن أجابك فاقبل منه، ومن أبى فالجزية عن صغار وذلة، وإلا فالسيف في غير هوادة، واتّق الله فيما وليت، وإياك أن تنازعك نفسك إلى كبر فتفسد عليك آخرتك، وقد صحبت رسول الله ﷺ فعززت بعد الذلة، وقويت بعد الضعف، حتى صرت أميرا مسلطا، وملكا مطاعا، تقول فيسمع منك، وتأمر فيطاع أمرك، فيا لها نعمة إذا لم ترق فوق قدرك، وتبطر على من دونك، احتفظ من النعمة احتفاظك من المعصية، وهي أخوفهما عندي عليك أن يستدرجك ويخدعك فتسقط سقطة فتصير بها إلى جهنم، أعيذك بالله ونفسي من ذلك، إن الناس أسرعوا إلى الله حتى رفعت لهم الدنيا فأرادوها، فأرد الله ولا ترد الدنيا، واتّق مصارع الظالمين. وقد فتح عتبة الأيلة في رجب أو شعبان من هذه السنة. ولما مات عتبة بن غزوان في هذه السنة استعمل عمر على البصرة المغيرة بن شعبة سنتين، فلما رمى بما رمى به عزله وولى عليها أبا موسى الأشعري ﵃. وفي هذه السنة ضرب عمر بن الخطاب ابنه عبيد الله في الشراب هو وجماعة معه، وفيها ضرب أبا محجن الثقفي في الشراب أيضا سبع مرات، وضرب معه ربيعة بن أمية بن

стр. 2170

خلف، وفيها نزل سعد بن أبى وقاص الكوفة، وحج بالناس في هذه السنة عمر بن الخطاب. قال: وكان بمكة عتاب بن أسيد، وبالشام أبو عبيدة، وبالبحرين عثمان بن أبى العاص وقيل العلاء بن الحضرميّ، وعلى العراق سعد، وعلى عمان حذيفة بن محصن. ذكر من توفى في هذا العام من المشاهير والأعيان ففيها توفى سعد بن عبادة في قول والصحيح في التي قبلها والله أعلم * عتبة بن غزوان بن جابر بن هيب المازني، حليف بنى عبد شمس صحابى بدري، وأسلم قديما بعد سنة (١) وهاجر إلى أرض الحبشة وهو أول من اختط البصرة عن أمر عمر في إمرته له على ذلك كما تقدم، وله فضائل ومآثر، وتوفى سنة أربع عشرة، وقيل سنة خمس عشرة، وقيل سنة سبع عشرة، وقيل سنة عشرين فالله أعلم. وقد جاوز الخمسين، وقيل بلغ ستين سنة ﵁ * عمرو بن أم مكتوم الأعمى، ويقال اسمه عبد الله، صحابى مهاجري، هاجر بعد مصعب بن عمير، قبل النبي ﷺ فكان يقرئ الناس القرآن، وقد استخلفه رسول الله ﷺ على المدينة غير مرة، فيقال ثلاث عشرة مرة، وشهد القادسية مع سعد زمن عمر فيقال إنه قتل بها شهيدا ويقال إنه رجع إلى المدينة وتوفى بها والله أعلم * المثنى بن حارثة بن سلمة بن ضمضم بن سعد بن مرة بن ذهل بن شيبان الشيباني نائب خالد على العراق، وهو الّذي صارت اليه الإمرة بعد أبى عبيد يوم الجسر، فدارى بالمسلمين حتى خلصهم من الفرس يومئذ، وكان أحد الفرسان الأبطال، وهو الّذي ركب إلى الصديق فحرضه على غزو العراق، ولما توفى تزوج سعد بن أبى وقاص بامرأته سلمى بنت حفص ﵄ وأرضاهما. وقد ذكره ابن الأثير في كتابه الغابة في أسماء الصحابة * أبو زيد الأنصاري النجاري أحد القراء الأربعة الذين حفظوا القرآن من الأنصار في عهد رسول الله ﷺ كما ثبت ذلك في حديث أنس بن مالك، وهم معاذ بن جبل، وأبى بن كعب، وزيد بن ثابت، وأبو زيد. قال أنس أحد عمومتي. قال الكلبي واسم أبى زيد هذا قيس بن السكن بن قيس بن زعوراء بن حزم بن جندب بن غنم بن عدي بن النجار شهد بدرا. قال موسى بن عقبة واستشهد يوم جسر أبى عبيد وهي عنده في سنة أربع عشرة، وقال بعض الناس أبو زيد الّذي يجمع القرآن سعد بن عبيد، وردوا هذا برواية قتادة عن أنس بن مالك قال: افتخرت الأوس والخزرج فقالت الأوس: منا غسيل الملائكة حنظلة بن أبى عامر، ومنا الّذي حمته الدبر عاصم بن ثابت بن أبى الأفلح، ومنا الّذي اهتز له عرش الرحمن سعد بن معاذ، ومنا الّذي جعلت شهادته شهادة رجلين خزيمة بن ثابت، فقالت الخزرج منا أربعة جمعوا القرآن على عهد رسول الله ﷺ أبىّ، وزيد بن ثابت، ومعاذ، وأبو زيد ﵃ أجمعين * أبو عبيد بن

стр. 2171

مسعود بن عمرو الثقفي والد المختار بن أبى عبيد أمير العراق، ووالد صفية امرأة عبد الله بن عمر. أسلم أبو عبيد في حياة النبي ﷺ وذكره الشيخ أبو عمر بن عبد البر في الصحابة. قال شيخنا الحافظ أبو عبد الله الذهبي: ولا يبعد أن يكون له رواية والله أعلم. أبو قحافة والد الصديق واسم أبى بكر الصديق عبد الله بن أبى قحافة عثمان بن عامر بن صخر ابن كعب بن سعد بن تيم بن مرة بن كعب بن لؤيّ بن غالب، أسلم أبو قحافة عام الفتح فجاء به الصديق يقوده إلى النبي ﷺ فقال «هلا أقررتم الشيخ في بيته حتى كنا نحن نأتيه» تكرمة لأبي بكر ﵁ فقال: بل هو أحق بالسعي إليك يا رسول الله. فأجلسه رسول الله ﷺ بين يديه ورأسه كالثغامة بياضا ودعا له، وقال: «غيروا هذا الشيب بشيء وجنبوه السواد». ولما توفى رسول الله ﷺ وصارت الخلافة إلى الصديق أخبره المسلمون بذلك وهو بمكة، فقال: أو أقرت بذلك بنو هاشم وبنو مخزوم؟ قالوا: نعم! قال: ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء. ثم أصيب بابنه الصديق ﵁. ثم توفى أبو قحافة في محرم وقيل في رجب سنة أربع عشرة بمكة، عن أربع وسبعين سنة ﵀ وأكرم مثواه. وممن ذكر شيخنا أبو عبد الله الذهبي من المستشهدين في هذه السنة مرتبين على الحروف أوس بن أوس بن عتيك قتل يوم الجسر * بشير بن عنبس بن يزيد الظفري أحدى، وهو ابن عم قتادة بن النعمان ويعرف بفارس الحواء اسم فرسه * ثابت بن عتيك، من بنى عمرو بن مبذول، صحابى قتل يوم الجسر * ثعلبة بن عمرو بن محصن النجاري بدري قتل يومئذ * الحارث بن عتيك ابن النعمان النجاري شهد أحدا قتل يومئذ * الحارث بن مسعود بن عبدة صحابى أنصارى قتل يومئذ، الحارث بن عدي بن مالك أنصارى أحدى قتل يومئذ * خالد بن سعيد بن العاص، قيل إنه استشهد يوم مرج الصفر، وكان في سنة أربع عشرة في قول * خزيمة بن أوس الأشهلي قتل يوم الجسر * ربيعة بن الحارث بن عبد المطلب أرخ وفاته في هذه السنة ابن قانع * زيد بن سراقة يوم الجسر * سعد بن سلامة بن وقش الأشهلي * سعد بن عبادة في قول * سلمة بن أسلم بن حريش يوم الجسر * ضمرة بن غزية يوم الجسر * عباد وعبد الله وعبد الرحمن بنو مريع بن قيظى قتلوا يومئذ * عبد الله بن صعصعة بن وهب الأنصاري النجاري، شهد أحدا وما بعدها. قال ابن الأثير في الغابة: وقتل يوم الجسر * عتبة بن غزوان تقدم * عقبة وأخوه عبد الله حضرا الجسر مع أبيهما قيظى بن قيس وقتلا يومئذ * العلاء بن الحضرميّ توفى في هذه السنة في قول وقيل بعدها وسيأتي * عمرو بن أبى اليسر قتل يوم الجسر * قيس بن السكن أبو زيد الأنصاري ﵁ تقدم * المثنى بن حارثة الشيباني، توفى في هذه السنة ﵀ وقد تقدم * نافع بن غيلان قتل يومئذ * نوفل بن الحارث بن عبد المطلب

стр. 2172

وكان أسنّ من عمه العباس، قيل إنه توفى في هذه السنة والمشهور قبلها كما تقدّم * واقد بن عبد الله قتل يوم (١) * يزيد بن قيس بن الخطيم الأنصاري الظفري شهد أحدا وما بعدها، قتل يوم الجسر، وقد أصابه يوم أحد جراحات كثيرة وكان أبوه شاعرا مشهورا * أبو عبيد بن مسعود الثقفي أمير يوم الجسر وبه عرف لقتله عنده، تخبطه الفيل حتى قتله ﵁ بعد ما قطع بسيفه خرطومه كما تقدم * أبو قحافة التيمي والد أبى بكر الصديق، توفى في هذه السنة ﵁. هند بنت عتبة بن ربيعة ابن عبد شمس بن أمية الأموية، والدة معاوية بن أبى سفيان، وكانت من سيدات نساء قريش ذات رأى ودهاء ورياسة في قومها، وقد شهدت يوم أحد مع زوجها وكان لها تحريض على قتل المسلمين يومئذ، ولما قتل حمزة مثلت به وأخذت من كبده فلاكتها فلم تستطع إساغتها، لأنه كان قد قتل أباها وأخاها يوم بدر، ثم بعد ذلك كله أسلمت وحسن إسلامها عام الفتح، بعد زوجها بليلة. ولما أرادت الذهاب إلى رسول الله ﷺ لتبايعه استأذنت أبا سفيان فقال لها: قد كنت بالأمس مكذبة بهذا الأمر، فقالت والله ما رأيت الله عبد حق عبادته بهذا المسجد قبل هذه الليلة، والله لقد باتوا ليلهم كلهم يصلون فيه. فقال لها: إنك قد فعلت ما فعلت فلا تذهبي وحدكى. فذهبت إلى عثمان ابن عفان ويقال إلى أخيها أبى حذيفة بن عتبة فذهب معها، فدخلت وهي متنقبة، فلما بايعها رسول الله ﷺ مع غيرها من النساء قال «على أن لا تشركن بالله شيئا ولا تسرقن ولا تزنين» فقالت: أو تزني الحرة؟ ولا تقتلن أولادكن قالت: قد ربيناهم صغارا نقتلهم كبارا؟! فتبسم رسول الله ﷺ ، «ولا يأتين ببهتان يفترينه بين أيديهن وأرجلهن ولا يعصينك» فبادرت وقالت: في معروف. فقال في معروف، وهذا من فصاحتها وحزمها، وقد قالت لرسول الله ﷺ : والله يا محمد ما كان على ظهر الأرض أهل خباء أحب إليّ من أن يذلوا من أهل خبائك، فقد والله أصبح اليوم وما على ظهر الأرض من أهل خباء أحب إلى من أن يعزوا من أهل خبائك. فقال: وكذلك والّذي نفسي بيده. وشكت من شح أبى سفيان فأمرها أن تأخذ ما يكفيها ويكفى بنيها بالمعروف، وقصتها مع الفاكه بن المغيرة مشهورة، وقد شهدت اليرموك مع زوجها وماتت يوم مات أبو قحافة في سنة أربع عشرة وهي أم معاوية بن أبى سفيان. ثم دخلت سنة خمس عشرة قال ابن جرير قال بعضهم فيها مصرّ سعد بن أبى وقاص الكوفة دلهم عليها ابن بقيلة قال لسعد: أدلك على أرض ارتفعت عن البق وانحدرت عن الفلاة؟ فدلهم على موضع الكوفة اليوم، قال: وفيها كانت وقعة مرج الروم، وذلك لما انصرف أبو عبيدة وخالد من وقعة فحل قاصدين إلى حمص حسب

стр. 2173

ما أمر به أمير المؤمنين عمر بن الخطاب ﵁ كما تقدم في رواية سيف بن عمر، فسارا حتى نزلا على ذي الكلاع، فبعث هرقل بطريقا يقال له توذرا في جيش معه فنزل بمرج دمشق وغربها، وقد هجم الشتاء فبدأ أبو عبيدة بمرج الروم، وجاء أمير آخر من الروم يقال له شنس وعسكر معه كثيف، فنازله أبو عبيدة فاشتغلوا به عن توذرا فسار توذرا نحو دمشق لينازلها وينتزعها من يزيد ابن أبى سفيان، فاتبعه خالد بن الوليد وبرز إليه يزيد بن أبى سفيان من دمشق، فاقتتلوا وجاء خالد وهم في المعركة فجعل يقتلهم من ورائهم ويزيد يفصل فيهم من أمامهم، حتى أناموهم ولم يفلت منهم إلا الشارد، وقتل خالد توذرا وأخذوا من الروم أموالا عظيمة فاقتسماها ورجع يزيد إلى دمشق وانصرف خالد إلى أبى عبيدة فوجده قد واقع شنس بمرج الروم فقاتلهم فيه مقاتلة عظيمة حتى أنتنت الأرض من زهمهم، وقتل أبو عبيدة شنس وركبوا أكتافهم إلى حمص فنزل عليها يحاصرها. وقعة حمص الأولى لما وصل أبو عبيدة في اتباعه الروم المنهزمين إلى حمص، نزل حولها يحاصرها، ولحقه خالد بن الوليد فحاصروها حصارا شديدا، وذلك في زمن البرد الشديد، وصابر أهل البلد رجاء أن يصرفهم عنهم شدة البرد، وصبر الصحابة صبرا عظيما بحيث إنه ذكر غير واحد أن من الروم من كان يرجع، وقد سقطت رجله وهي في الخف، والصحابة ليس في أرجلهم شيء سوى النعال، ومع هذا لم يصب منهم قدم ولا إصبع أيضا، ولم يزالوا كذلك حتى انسلخ فصل الشتاء فاشتد الحصار، وأشار بعض كبار أهل حمص عليهم بالمصالحة فأبوا عليه ذلك وقالوا: أنصالح والملك منا قريب؟ فيقال إن الصحابة كبروا في بعض الأيام تكبيرة ارتجت منها المدينة حتى تفطرت منها بعض الجدران، ثم تكبيرة أخرى فسقطت بعض الدور، فجاءت عامتهم إلى خاصتهم فقالوا: ألا تنظرون إلى ما نزل بنا، وما نحن فيه؟ ألا تصالحون القوم عنا؟ قال: فصالحوهم على ما صالحوا عليه أهل دمشق، على نصف المنازل، وضرب الخراج على الأراضي، وأخذ الجزية على الرقاب بحسب الغنى والفقر. وبعث أبو عبيدة بالأخماس والبشارة إلى عمر مع عبد الله بن مسعود. وأنزل أبو عبيدة بحمص جيشا كثيفا يكون بها مع جماعة من الأمراء، منهم بلال والمقداد وكتب أبو عبيدة إلى عمر يخبره بأن هرقل قد قطع الماء إلى الجزيرة وأنه يظهر تارة ويخفى أخرى. فبعث إليه عمر يأمره بالمقام ببلده. وقعة قنسرين لما فتح أبو عبيدة حمص بعث خالد بن الوليد إلى قنسرين، فلما جاءها ثار إليه أهلها ومن عندهم من نصارى العرب، فقاتلهم خالد فيها قتالا شديدا، وقتل منهم خلقا كثيرا، فأما من هناك من الروم فأبادهم وقتل أميرهم ميناس. وأما الأعراب فإنهم اعتذروا إليه بأن هذا القتال لم يكن عن رأينا

стр. 2174

فقبل منهم خالد وكف عنهم ثم خلص إلى البلد فتحصنوا فيه، فقال لهم خالد إنكم لو كنتم في السحاب لحملنا الله إليكم أو لأنزلكم إلينا. ولم يزل بهم حتى فتحها الله عليه ولله الحمد. فلما بلغ عمر ما صنعه خالد في هذه الوقعة قال يرحم الله أبا بكر، كان أعلم بالرجال منى، والله إني لم أعزله عن ريبة ولكن خشيت أن يوكل الناس إليه. وفي هذه السنة تقهقر هرقل بجنوده، وارتحل عن بلاد الشام إلى بلاد الروم. هكذا ذكره ابن جرير عن محمد بن إسحاق. قال وقال سيف: كان ذلك في سنة ست عشرة، قالوا: وكان هرقل كلما حج إلى بيت المقدس وخرج منها يقول عليك السلام يا سورية، تسليم مودع لم يقض منك وطرا وهو عائد. فلما عزم على الرحيل من الشام وبلغ الرها، طلب من أهلها أن يصحبوه إلى الروم، فقالوا: إن بقاءنا هاهنا أنفع لك من رحيلنا معك، فتركهم. فلما وصل إلى شمشاط وعلا على شرف لك التفت إلى نحو بيت المقدس وقال: عليك السلام يا سورية سلاما لا اجتماع بعده إلا أن أسلم عليك تسليم المفارق، ولا يعود إليك رومي أبدا إلا خائفا حتى يولد المولود المشئوم، ويا ليته لم يولد. ما أحلى فعله وأمر عاقبته على الروم!! ثم سار هرقل حتى نزل القسطنطينية واستقر بها ملكه، وقد سأل رجلا ممن اتبعه كان قد أسر مع المسلمين، فقال: أخبرنى عن هؤلاء القوم، فقال: أخبرك كأنك تنظر إليهم، هم فرسان بالنهار، رهبان بالليل، لا يأكلون في ذمتهم إلا بثمن، ولا يدخلون إلا بسلام، يقفون على من حاربوه حتى يأتوا عليه. فقال: لئن كنت صدقتني ليملكن موضع قدمي هاتين. قلت وقد حاصر المسلمون قسطنطينية في زمان بنى أمية فلم يملكوها ولكن سيملكها المسلمون في آخر الزمان كما سنبينه في كتاب الملاحم، وذلك قبل خروج الدجال بقليل على ما صحت به الأحاديث عن رسول الله ﷺ في صحيح مسلم وغيره من الائمة ولله الحمد والمنة، وقد حرم الله على الروم أن يملكوا بلاد الشام برمتها إلى آخر الدهر، كما ثبت به الحديث في الصحيحين عن أبى هريرة قال قال رسول الله ﷺ «إذا هلك كسرى فلا كسرى بعده، وإذا هلك قيصر فلا قيصر بعده، والّذي نفسي بيده لتنفقن كنوزهما في سبيل الله » وقد وقع ما أخبر به صلوات الله وسلامه عليه كما رأيت، وسيكون ما أخبر به جزما لا يعود ملك القياصرة إلى الشام أبدا لأن قيصر علم جنس عند العرب يطلق على كل من ملك الشام مع بلاد الروم. فهذا لا يعود لهم أبدا. وقعة قيسارية قال ابن جرير: وفي هذه السنة أمرّ عمر معاوية بن أبى سفيان على قيسارية وكتب إليه: أما بعد فقد وليتك قيسارية فسر إليها واستنصر الله عليهم، وأكثر من قول لا حول ولا قوة إلا بالله

стр. 2175

العلى العظيم، الله ربنا وثقتنا ورجاؤنا ومولانا فنعم المولى ونعم النصير. فسار إليها فحاصرها، وزاحفه أهلها مرات عديدة، وكان آخرها وقعة أن قاتلوا قتالا عظيما، وصمم عليهم معاوية، واجتهد في القتال حتى فتح الله عليه فما انفصل الحال حتى قتل منهم نحوا من ثمانين ألفا، وكمل المائة الألف من الذين انهزموا عن المعركة، وبعث بالفتح والأخماس إلى أمير المؤمنين عمر ﵁. قال ابن جرير: وفيها كتب عمر بن الخطاب إلى عمرو بن العاص بالمسير إلى إيليا، ومناجزة صاحبها فاجتاز في طريقه عند الرملة بطائفة من الروم فكانت. وقعة أجنادين وذلك أنه سار بجيشه وعلى ميمنته ابنه عبد الله بن عمرو، وعلى ميسرته جنادة بن تميم المالكي، من بنى مالك بن كنانة، ومعه شرحبيل بن حسنة، واستخلف على الأردن أبا الأعور السلمي، فلما وصل إلى الرملة وجد عندها جمعا من الروم عليهم الأرطبون، وكان أدهى الروم وأبعدها غورا، وأنكأها فعلا، وقد كان وضع بالرملة جندا عظيما وبايلياء جندا عظيما، فكتب عمرو إلى عمر بالخبر. فلما جاءه كتاب عمرو قال: قد رمينا أرطبون الروم بأرطبون العرب، فانظروا عما تنفرج. وبعث عمرو بن العاص علقمة بن حكيم الفراسى، ومسروق بن بلال العكي على قتال أهل إيليا، وأبا أيوب المالكي إلى الرملة، وعليها التذارق، فكانوا بإزائهم ليشغلوهم عن عمرو بن العاص وجيشه، وجعل عمرو كلما قدم عليه أمداد من جهة عمر يبعث منهم طائفة إلى هؤلاء وطائفة إلى هؤلاء. وأقام عمرو على أجنادين لا يقدر من الأرطبون على سقطة ولا تشفيه الرسل فوليه بنفسه، فدخل عليه كأنه رسول، فأبلغه ما يريد وسمع كلامه وتأمل حضرته حتى عرف ما أراد، وقال الأرطبون في نفسه: والله إن هذا لعمرو أو أنه الّذي يأخذ عمرو برأيه، وما كنت لأصيب القوم بأمر هو أعظم من قتله. فدعا حرسيا فسارّه فأمره بفتكه فقال: اذهب فقم في مكان كذا وكذا، فإذا مر بك فأقتله، ففطن عمرو ابن العاص فقال للأرطبون: أيها الأمير إني قد سمعت كلامك وسمعت كلامي، وإني واحد من عشرة بعثنا عمر بن الخطاب لنكون مع هذا الوالي لنشهد أموره، وقد أجبت أن آتيك بهم ليسمعوا كلامك ويروا ما رأيت. فقال الأرطبون: نعم! فاذهب فأتنى بهم، ودعا رجلا فسارّه فقال: اذهب إلى فلان فرده. وقام عمرو فذهب إلى جيشه ثم تحقق الأرطبون أنه عمرو بن العاص، فقال: خدعني الرجل، هذا والله أدهى العرب. وبلغت عمر بن الخطاب فقال: لله در عمرو. ثم ناهضة عمرو فاقتتلوا بأجنادين قتالا عظيما، كقتال اليرموك، حتى كثرت القتلى بينهم ثم اجتمعت بقية الجيوش إلى عمرو ابن العاص، وذلك حين أعياهم صاحب إيليا وتحصن منهم بالبلد، وكثر جيشه، فكتب الأرطبون إلى عمرو بأنك صديقي ونظيري أنت في قومك مثلي في قومي، والله لا تفتح من فلسطين شيئا بعد
следующие страницы →