← История

История · id 23708

البداية والنهاية - ط السعادة

ابن كثير

Полный текст (4 918 стр.). Показаны 2171–2210 · переход к 2176.

стр. 2171

مسعود بن عمرو الثقفي والد المختار بن أبى عبيد أمير العراق، ووالد صفية امرأة عبد الله بن عمر. أسلم أبو عبيد في حياة النبي ﷺ وذكره الشيخ أبو عمر بن عبد البر في الصحابة. قال شيخنا الحافظ أبو عبد الله الذهبي: ولا يبعد أن يكون له رواية والله أعلم. أبو قحافة والد الصديق واسم أبى بكر الصديق عبد الله بن أبى قحافة عثمان بن عامر بن صخر ابن كعب بن سعد بن تيم بن مرة بن كعب بن لؤيّ بن غالب، أسلم أبو قحافة عام الفتح فجاء به الصديق يقوده إلى النبي ﷺ فقال «هلا أقررتم الشيخ في بيته حتى كنا نحن نأتيه» تكرمة لأبي بكر ﵁ فقال: بل هو أحق بالسعي إليك يا رسول الله. فأجلسه رسول الله ﷺ بين يديه ورأسه كالثغامة بياضا ودعا له، وقال: «غيروا هذا الشيب بشيء وجنبوه السواد». ولما توفى رسول الله ﷺ وصارت الخلافة إلى الصديق أخبره المسلمون بذلك وهو بمكة، فقال: أو أقرت بذلك بنو هاشم وبنو مخزوم؟ قالوا: نعم! قال: ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء. ثم أصيب بابنه الصديق ﵁. ثم توفى أبو قحافة في محرم وقيل في رجب سنة أربع عشرة بمكة، عن أربع وسبعين سنة ﵀ وأكرم مثواه. وممن ذكر شيخنا أبو عبد الله الذهبي من المستشهدين في هذه السنة مرتبين على الحروف أوس بن أوس بن عتيك قتل يوم الجسر * بشير بن عنبس بن يزيد الظفري أحدى، وهو ابن عم قتادة بن النعمان ويعرف بفارس الحواء اسم فرسه * ثابت بن عتيك، من بنى عمرو بن مبذول، صحابى قتل يوم الجسر * ثعلبة بن عمرو بن محصن النجاري بدري قتل يومئذ * الحارث بن عتيك ابن النعمان النجاري شهد أحدا قتل يومئذ * الحارث بن مسعود بن عبدة صحابى أنصارى قتل يومئذ، الحارث بن عدي بن مالك أنصارى أحدى قتل يومئذ * خالد بن سعيد بن العاص، قيل إنه استشهد يوم مرج الصفر، وكان في سنة أربع عشرة في قول * خزيمة بن أوس الأشهلي قتل يوم الجسر * ربيعة بن الحارث بن عبد المطلب أرخ وفاته في هذه السنة ابن قانع * زيد بن سراقة يوم الجسر * سعد بن سلامة بن وقش الأشهلي * سعد بن عبادة في قول * سلمة بن أسلم بن حريش يوم الجسر * ضمرة بن غزية يوم الجسر * عباد وعبد الله وعبد الرحمن بنو مريع بن قيظى قتلوا يومئذ * عبد الله بن صعصعة بن وهب الأنصاري النجاري، شهد أحدا وما بعدها. قال ابن الأثير في الغابة: وقتل يوم الجسر * عتبة بن غزوان تقدم * عقبة وأخوه عبد الله حضرا الجسر مع أبيهما قيظى بن قيس وقتلا يومئذ * العلاء بن الحضرميّ توفى في هذه السنة في قول وقيل بعدها وسيأتي * عمرو بن أبى اليسر قتل يوم الجسر * قيس بن السكن أبو زيد الأنصاري ﵁ تقدم * المثنى بن حارثة الشيباني، توفى في هذه السنة ﵀ وقد تقدم * نافع بن غيلان قتل يومئذ * نوفل بن الحارث بن عبد المطلب

стр. 2172

وكان أسنّ من عمه العباس، قيل إنه توفى في هذه السنة والمشهور قبلها كما تقدّم * واقد بن عبد الله قتل يوم (١) * يزيد بن قيس بن الخطيم الأنصاري الظفري شهد أحدا وما بعدها، قتل يوم الجسر، وقد أصابه يوم أحد جراحات كثيرة وكان أبوه شاعرا مشهورا * أبو عبيد بن مسعود الثقفي أمير يوم الجسر وبه عرف لقتله عنده، تخبطه الفيل حتى قتله ﵁ بعد ما قطع بسيفه خرطومه كما تقدم * أبو قحافة التيمي والد أبى بكر الصديق، توفى في هذه السنة ﵁. هند بنت عتبة بن ربيعة ابن عبد شمس بن أمية الأموية، والدة معاوية بن أبى سفيان، وكانت من سيدات نساء قريش ذات رأى ودهاء ورياسة في قومها، وقد شهدت يوم أحد مع زوجها وكان لها تحريض على قتل المسلمين يومئذ، ولما قتل حمزة مثلت به وأخذت من كبده فلاكتها فلم تستطع إساغتها، لأنه كان قد قتل أباها وأخاها يوم بدر، ثم بعد ذلك كله أسلمت وحسن إسلامها عام الفتح، بعد زوجها بليلة. ولما أرادت الذهاب إلى رسول الله ﷺ لتبايعه استأذنت أبا سفيان فقال لها: قد كنت بالأمس مكذبة بهذا الأمر، فقالت والله ما رأيت الله عبد حق عبادته بهذا المسجد قبل هذه الليلة، والله لقد باتوا ليلهم كلهم يصلون فيه. فقال لها: إنك قد فعلت ما فعلت فلا تذهبي وحدكى. فذهبت إلى عثمان ابن عفان ويقال إلى أخيها أبى حذيفة بن عتبة فذهب معها، فدخلت وهي متنقبة، فلما بايعها رسول الله ﷺ مع غيرها من النساء قال «على أن لا تشركن بالله شيئا ولا تسرقن ولا تزنين» فقالت: أو تزني الحرة؟ ولا تقتلن أولادكن قالت: قد ربيناهم صغارا نقتلهم كبارا؟! فتبسم رسول الله ﷺ ، «ولا يأتين ببهتان يفترينه بين أيديهن وأرجلهن ولا يعصينك» فبادرت وقالت: في معروف. فقال في معروف، وهذا من فصاحتها وحزمها، وقد قالت لرسول الله ﷺ : والله يا محمد ما كان على ظهر الأرض أهل خباء أحب إليّ من أن يذلوا من أهل خبائك، فقد والله أصبح اليوم وما على ظهر الأرض من أهل خباء أحب إلى من أن يعزوا من أهل خبائك. فقال: وكذلك والّذي نفسي بيده. وشكت من شح أبى سفيان فأمرها أن تأخذ ما يكفيها ويكفى بنيها بالمعروف، وقصتها مع الفاكه بن المغيرة مشهورة، وقد شهدت اليرموك مع زوجها وماتت يوم مات أبو قحافة في سنة أربع عشرة وهي أم معاوية بن أبى سفيان. ثم دخلت سنة خمس عشرة قال ابن جرير قال بعضهم فيها مصرّ سعد بن أبى وقاص الكوفة دلهم عليها ابن بقيلة قال لسعد: أدلك على أرض ارتفعت عن البق وانحدرت عن الفلاة؟ فدلهم على موضع الكوفة اليوم، قال: وفيها كانت وقعة مرج الروم، وذلك لما انصرف أبو عبيدة وخالد من وقعة فحل قاصدين إلى حمص حسب

стр. 2173

ما أمر به أمير المؤمنين عمر بن الخطاب ﵁ كما تقدم في رواية سيف بن عمر، فسارا حتى نزلا على ذي الكلاع، فبعث هرقل بطريقا يقال له توذرا في جيش معه فنزل بمرج دمشق وغربها، وقد هجم الشتاء فبدأ أبو عبيدة بمرج الروم، وجاء أمير آخر من الروم يقال له شنس وعسكر معه كثيف، فنازله أبو عبيدة فاشتغلوا به عن توذرا فسار توذرا نحو دمشق لينازلها وينتزعها من يزيد ابن أبى سفيان، فاتبعه خالد بن الوليد وبرز إليه يزيد بن أبى سفيان من دمشق، فاقتتلوا وجاء خالد وهم في المعركة فجعل يقتلهم من ورائهم ويزيد يفصل فيهم من أمامهم، حتى أناموهم ولم يفلت منهم إلا الشارد، وقتل خالد توذرا وأخذوا من الروم أموالا عظيمة فاقتسماها ورجع يزيد إلى دمشق وانصرف خالد إلى أبى عبيدة فوجده قد واقع شنس بمرج الروم فقاتلهم فيه مقاتلة عظيمة حتى أنتنت الأرض من زهمهم، وقتل أبو عبيدة شنس وركبوا أكتافهم إلى حمص فنزل عليها يحاصرها. وقعة حمص الأولى لما وصل أبو عبيدة في اتباعه الروم المنهزمين إلى حمص، نزل حولها يحاصرها، ولحقه خالد بن الوليد فحاصروها حصارا شديدا، وذلك في زمن البرد الشديد، وصابر أهل البلد رجاء أن يصرفهم عنهم شدة البرد، وصبر الصحابة صبرا عظيما بحيث إنه ذكر غير واحد أن من الروم من كان يرجع، وقد سقطت رجله وهي في الخف، والصحابة ليس في أرجلهم شيء سوى النعال، ومع هذا لم يصب منهم قدم ولا إصبع أيضا، ولم يزالوا كذلك حتى انسلخ فصل الشتاء فاشتد الحصار، وأشار بعض كبار أهل حمص عليهم بالمصالحة فأبوا عليه ذلك وقالوا: أنصالح والملك منا قريب؟ فيقال إن الصحابة كبروا في بعض الأيام تكبيرة ارتجت منها المدينة حتى تفطرت منها بعض الجدران، ثم تكبيرة أخرى فسقطت بعض الدور، فجاءت عامتهم إلى خاصتهم فقالوا: ألا تنظرون إلى ما نزل بنا، وما نحن فيه؟ ألا تصالحون القوم عنا؟ قال: فصالحوهم على ما صالحوا عليه أهل دمشق، على نصف المنازل، وضرب الخراج على الأراضي، وأخذ الجزية على الرقاب بحسب الغنى والفقر. وبعث أبو عبيدة بالأخماس والبشارة إلى عمر مع عبد الله بن مسعود. وأنزل أبو عبيدة بحمص جيشا كثيفا يكون بها مع جماعة من الأمراء، منهم بلال والمقداد وكتب أبو عبيدة إلى عمر يخبره بأن هرقل قد قطع الماء إلى الجزيرة وأنه يظهر تارة ويخفى أخرى. فبعث إليه عمر يأمره بالمقام ببلده. وقعة قنسرين لما فتح أبو عبيدة حمص بعث خالد بن الوليد إلى قنسرين، فلما جاءها ثار إليه أهلها ومن عندهم من نصارى العرب، فقاتلهم خالد فيها قتالا شديدا، وقتل منهم خلقا كثيرا، فأما من هناك من الروم فأبادهم وقتل أميرهم ميناس. وأما الأعراب فإنهم اعتذروا إليه بأن هذا القتال لم يكن عن رأينا

стр. 2174

فقبل منهم خالد وكف عنهم ثم خلص إلى البلد فتحصنوا فيه، فقال لهم خالد إنكم لو كنتم في السحاب لحملنا الله إليكم أو لأنزلكم إلينا. ولم يزل بهم حتى فتحها الله عليه ولله الحمد. فلما بلغ عمر ما صنعه خالد في هذه الوقعة قال يرحم الله أبا بكر، كان أعلم بالرجال منى، والله إني لم أعزله عن ريبة ولكن خشيت أن يوكل الناس إليه. وفي هذه السنة تقهقر هرقل بجنوده، وارتحل عن بلاد الشام إلى بلاد الروم. هكذا ذكره ابن جرير عن محمد بن إسحاق. قال وقال سيف: كان ذلك في سنة ست عشرة، قالوا: وكان هرقل كلما حج إلى بيت المقدس وخرج منها يقول عليك السلام يا سورية، تسليم مودع لم يقض منك وطرا وهو عائد. فلما عزم على الرحيل من الشام وبلغ الرها، طلب من أهلها أن يصحبوه إلى الروم، فقالوا: إن بقاءنا هاهنا أنفع لك من رحيلنا معك، فتركهم. فلما وصل إلى شمشاط وعلا على شرف لك التفت إلى نحو بيت المقدس وقال: عليك السلام يا سورية سلاما لا اجتماع بعده إلا أن أسلم عليك تسليم المفارق، ولا يعود إليك رومي أبدا إلا خائفا حتى يولد المولود المشئوم، ويا ليته لم يولد. ما أحلى فعله وأمر عاقبته على الروم!! ثم سار هرقل حتى نزل القسطنطينية واستقر بها ملكه، وقد سأل رجلا ممن اتبعه كان قد أسر مع المسلمين، فقال: أخبرنى عن هؤلاء القوم، فقال: أخبرك كأنك تنظر إليهم، هم فرسان بالنهار، رهبان بالليل، لا يأكلون في ذمتهم إلا بثمن، ولا يدخلون إلا بسلام، يقفون على من حاربوه حتى يأتوا عليه. فقال: لئن كنت صدقتني ليملكن موضع قدمي هاتين. قلت وقد حاصر المسلمون قسطنطينية في زمان بنى أمية فلم يملكوها ولكن سيملكها المسلمون في آخر الزمان كما سنبينه في كتاب الملاحم، وذلك قبل خروج الدجال بقليل على ما صحت به الأحاديث عن رسول الله ﷺ في صحيح مسلم وغيره من الائمة ولله الحمد والمنة، وقد حرم الله على الروم أن يملكوا بلاد الشام برمتها إلى آخر الدهر، كما ثبت به الحديث في الصحيحين عن أبى هريرة قال قال رسول الله ﷺ «إذا هلك كسرى فلا كسرى بعده، وإذا هلك قيصر فلا قيصر بعده، والّذي نفسي بيده لتنفقن كنوزهما في سبيل الله » وقد وقع ما أخبر به صلوات الله وسلامه عليه كما رأيت، وسيكون ما أخبر به جزما لا يعود ملك القياصرة إلى الشام أبدا لأن قيصر علم جنس عند العرب يطلق على كل من ملك الشام مع بلاد الروم. فهذا لا يعود لهم أبدا. وقعة قيسارية قال ابن جرير: وفي هذه السنة أمرّ عمر معاوية بن أبى سفيان على قيسارية وكتب إليه: أما بعد فقد وليتك قيسارية فسر إليها واستنصر الله عليهم، وأكثر من قول لا حول ولا قوة إلا بالله

стр. 2175

العلى العظيم، الله ربنا وثقتنا ورجاؤنا ومولانا فنعم المولى ونعم النصير. فسار إليها فحاصرها، وزاحفه أهلها مرات عديدة، وكان آخرها وقعة أن قاتلوا قتالا عظيما، وصمم عليهم معاوية، واجتهد في القتال حتى فتح الله عليه فما انفصل الحال حتى قتل منهم نحوا من ثمانين ألفا، وكمل المائة الألف من الذين انهزموا عن المعركة، وبعث بالفتح والأخماس إلى أمير المؤمنين عمر ﵁. قال ابن جرير: وفيها كتب عمر بن الخطاب إلى عمرو بن العاص بالمسير إلى إيليا، ومناجزة صاحبها فاجتاز في طريقه عند الرملة بطائفة من الروم فكانت. وقعة أجنادين وذلك أنه سار بجيشه وعلى ميمنته ابنه عبد الله بن عمرو، وعلى ميسرته جنادة بن تميم المالكي، من بنى مالك بن كنانة، ومعه شرحبيل بن حسنة، واستخلف على الأردن أبا الأعور السلمي، فلما وصل إلى الرملة وجد عندها جمعا من الروم عليهم الأرطبون، وكان أدهى الروم وأبعدها غورا، وأنكأها فعلا، وقد كان وضع بالرملة جندا عظيما وبايلياء جندا عظيما، فكتب عمرو إلى عمر بالخبر. فلما جاءه كتاب عمرو قال: قد رمينا أرطبون الروم بأرطبون العرب، فانظروا عما تنفرج. وبعث عمرو بن العاص علقمة بن حكيم الفراسى، ومسروق بن بلال العكي على قتال أهل إيليا، وأبا أيوب المالكي إلى الرملة، وعليها التذارق، فكانوا بإزائهم ليشغلوهم عن عمرو بن العاص وجيشه، وجعل عمرو كلما قدم عليه أمداد من جهة عمر يبعث منهم طائفة إلى هؤلاء وطائفة إلى هؤلاء. وأقام عمرو على أجنادين لا يقدر من الأرطبون على سقطة ولا تشفيه الرسل فوليه بنفسه، فدخل عليه كأنه رسول، فأبلغه ما يريد وسمع كلامه وتأمل حضرته حتى عرف ما أراد، وقال الأرطبون في نفسه: والله إن هذا لعمرو أو أنه الّذي يأخذ عمرو برأيه، وما كنت لأصيب القوم بأمر هو أعظم من قتله. فدعا حرسيا فسارّه فأمره بفتكه فقال: اذهب فقم في مكان كذا وكذا، فإذا مر بك فأقتله، ففطن عمرو ابن العاص فقال للأرطبون: أيها الأمير إني قد سمعت كلامك وسمعت كلامي، وإني واحد من عشرة بعثنا عمر بن الخطاب لنكون مع هذا الوالي لنشهد أموره، وقد أجبت أن آتيك بهم ليسمعوا كلامك ويروا ما رأيت. فقال الأرطبون: نعم! فاذهب فأتنى بهم، ودعا رجلا فسارّه فقال: اذهب إلى فلان فرده. وقام عمرو فذهب إلى جيشه ثم تحقق الأرطبون أنه عمرو بن العاص، فقال: خدعني الرجل، هذا والله أدهى العرب. وبلغت عمر بن الخطاب فقال: لله در عمرو. ثم ناهضة عمرو فاقتتلوا بأجنادين قتالا عظيما، كقتال اليرموك، حتى كثرت القتلى بينهم ثم اجتمعت بقية الجيوش إلى عمرو ابن العاص، وذلك حين أعياهم صاحب إيليا وتحصن منهم بالبلد، وكثر جيشه، فكتب الأرطبون إلى عمرو بأنك صديقي ونظيري أنت في قومك مثلي في قومي، والله لا تفتح من فلسطين شيئا بعد

стр. 2176

أجنادين فارجع ولا تغرّ فتلقى مثل ما لقي الذين قبلك من الهزيمة، فدعا عمرو رجلا يتكلم بالرومية فبعثه إلى أرطبون وقال: اسمع ما يقول لك ثم ارجع فأخبرني. وكتب إليه معه: جاءني كتابك وأنت نظيري ومثلي في قومك، لو أخطأتك خصلة تجاهلت فضيلتي وقد علمت أنى صاحب فتح هذه البلاد، واقرأ كتابي هذا بمحضر من أصحابك ووزرائك. فلما وصله الكتاب جمع وزراءه وقرأ عليهم الكتاب فقالوا للأرطبون: من أين علمت أنه ليس بصاحب فتح هذه البلاد؟ فقال: صاحبها رجل اسمه على ثلاثة أحرف. فرجع الرسول إلى عمرو فأخبره بما قال فكتب عمرو إلى عمر يستمده ويقول له: إني أعالج حربا كئودا صدوما، وبلادا ادخرت لك، فرأيك. فلما وصل الكتاب إلى عمر علم أن عمرا لم يقل ذلك إلا لأمر علمه، فعزم عمر على الدخول إلى الشام لفتح بيت المقدس كما سنذكر تفصيله. قال سيف بن عمر عن شيوخه: وقد دخل عمر الشام أربع مرات، الأولى كان راكبا فرسا حين فتح بيت المقدس، والثانية على بعير، والثالثة وصل إلى سرع ثم رجع لأجل ما وقع بالشام من الوباء. والرابعة دخلها على حمار هكذا نقله ابن جرير عنه. فتح بيت المقدس على يدي عمر بن الخطاب ﵁ ذكره أبو جعفر بن جرير في هذه السنة عن رواية سيف بن عمر وملخص ما ذكره هو وغيره أن أبا عبيدة لما فرغ من دمشق كتب إلى أهل إيليا يدعوهم إلى الله وإلى الإسلام، أو يبذلون الجزية أو يؤذنوا بحرب. فأبوا أن يجيبوا إلى ما دعاهم إليه. فركب إليهم في جنوده واستخلف على دمشق سعيد بن زيد ثم حاصر بيت المقدس وضيق عليهم حتى أجابوا إلى الصلح بشرط أن يقدم إليهم أمير المؤمنين عمر بن الخطاب. فكتب إليه أبو عبيدة بذلك فاستشار عمر الناس في ذلك فأشار عثمان بن عفان بأن لا يركب إليهم ليكون أحقر لهم وأرغم لأنوفهم. وأشار على بن أبى طالب بالمسير إليهم ليكون أخف وطأة على المسلمين في حصارهم بينهم، فهوى ما قال على ولم يهو ما قال عثمان. وسار بالجيوش نحوهم واستخلف على المدينة على بن أبى طالب وسار العباس بن عبد المطلب على مقدمته، فلما وصل إلى الشام تلقاه أبو عبيدة ورءوس الأمراء، كخالد بن الوليد، ويزيد بن أبى سفيان، فترجل أبو عبيدة وترجل عمر فأشار أبو عبيدة ليقبل يد عمر فهم عمر بتقبيل رجل أبى عبيدة فكف أبو عبيدة فكف عمر. ثم سار حتى صالح نصارى بيت المقدس واشترط عليهم إجلاء الروم الى ثلاث ثم دخلها إذ دخل المسجد من الباب الّذي دخل منه رسول الله ﷺ ليلة الاسراء. ويقال إنه لبى حين دخل بيت المقدس فصلى فيه تحية المسجد بمحراب داود، وصلى بالمسلمين فيه صلاة الغداة من الغد فقرأ في الأولى بسورة ص وسجد فيها والمسلمون معه، وفي الثانية بسورة بنى إسرائيل، ثم جاء إلى الصخرة

стр. 2177

فاستدل على مكانها من كعب الأحبار وأشار عليه كعب أن يجعل المسجد من ورائه فقال ضاهيت اليهودية. ثم جعل المسجد في قبلي بيت المقدس وهو العمرى اليوم ثم نقل التراب عن الصخرة في طرف ردائه وقبائه، ونقل المسلمون معه في ذلك، وسخر أهل الأردن في نقل بقيتها، وقد كانت الروم جعلوا الصخرة مزبلة لأنها قبلة اليهود، حتى أن المرأة كانت ترسل خرقة حيضتها من داخل الحوز لتلقى في الصخرة، وذلك مكافأة لما كانت اليهود عاملت به القمامة وهي المكان الّذي كانت اليهود صلبوا فيه المصلوب فجعلوا يلقون على قبره القمامة فلأجل ذلك سمى ذلك الموضع القمامة وانسحب هذا الاسم على الكنيسة التي بناها النصارى لك. وقد كان هرقل حين جاءه الكتاب النبوي وهو بايلياء وعظ النصارى فيما كانوا قد بالغوا في إلقاء الكناسة على الصخرة حتى وصلت إلى محراب داود قال لهم: انكم لخليق أن تقتلوا على هذه الكناسة مما امتهنتم هذا المسجد كما قتلت بنو إسرائيل على دم يحيى بن زكريا ثم أمروا بإزالتها فشرعوا في ذلك فما أزالوا ثلثها حتى فتحها المسلمون فأزالها عمر بن الخطاب وقد استقصى هذا كله بأسانيده ومتونه الحافظ بهاء الدين بن الحافظ أبى القاسم بن عساكر في كتابه المستقصى في فضائل المسجد الأقصى. وذكر سيف في سياقه: أن عمر ﵁ ركب من المدينة على فرس ليسرع السير بعد ما استخلف عليها على بن أبى طالب، فسار حتى قدم الجابية فنزل بها وخطب بالجابية خطبة طويلة بليغة منها: «أيها الناس أصلحوا سرائركم تصلح علانيتكم، واعلموا لآخرتكم تكفوا أمر دنياكم، واعلموا أن رجلا ليس بينه وبين آدم أب حي ولا بينه وبين الله هوادة، فمن أراد لحب (طريق) وجه الجنة فليلزم الجماعة فان الشيطان مع الواحد وهو مع الاثنين أبعد، ولا يخلون أحدكم بامرأة فان الشيطان ثالثهما، ومن سرته حسنته وساءته سيئته فهو مؤمن» وهي خطبة طويلة اختصرناها. ثم صالح عمر أهل الجابية ورحل إلى بيت المقدس وقد كتب إلى أمراء الأجناد أن يوافوه في اليوم الفلاني إلى الجابية فتوافوا أجمعون في ذلك اليوم إلى الجابية، فكان أول من تلقاه يزيد بن أبى سفيان، ثم أبو عبيدة، ثم خالد بن الوليد في خيول المسلمين وعليهم يلامق الديباج، فسار إليهم عمر ليحصبهم فاعتذروا إليه بأن عليهم السلاح، وأنهم يحتاجون إليه في حروبهم. فسكت عنهم واجتمع الأمراء كلهم بعد ما استخلفوا على أعمالهم، سوى عمرو بن العاص وشرحبيل فإنهما مواقفان الأرطبون بأجنادين، فبينما عمر في الجابية إذا بكردوس من الروم بأيديهم سيوف مسللة، فسار إليهم المسلمون بالسلاح فقال عمر: إن هؤلاء قوم يستأمنون. فساروا نحوهم فإذا هم جند من بيت المقدس يطلبون الأمان والصلح من أمير المؤمنين حين سمعوا بقدومه فأجابهم عمر ﵁ إلى ما سألوا، وكتب لهم كتاب أمان

стр. 2178

ومصالحة، وضرب عليهم الجزية، واشترط عليهم شروطا ذكرها ابن جرير، وشهد في الكتاب خالد بن الوليد، وعمرو بن العاص، وعبد الرحمن بن عوف، ومعاوية بن أبى سفيان، وهو كاتب الكتاب وذلك في سنة خمسة عشر. ثم كتب لأهل لد ومن لك من الناس كتابا آخر وضرب عليهم الجزية، ودخلوا فيما صالح عليه أهل إيلياء، وفر الأرطبون إلى بلاد مصر، فكان بها حتى فتحها عمرو بن العاص، ثم فر إلى البحر فكان يلي بعض السرايا الذين يقاتلون المسلمين فظفر به رجل من قيس فقطع يد القيسي وقتله القيسي وقال في ذلك. فإن يكن أرطبون الروم أفسدها … فإن فيها بحمد الله منتفعا وإن يكن أرطبون الروم قطّعها … فقد تركت بها أو صاله قطعا ولما صالح أهل الرملة وتلك البلاد، أقبل عمرو بن العاص وشرحبيل بن حسنة حتى قدما الجابية فوجدا أمير المؤمنين عمر بن الخطاب راكبا، فلما اقتربا منه أكبا على ركبتيه فقبلاها واعتنقهما عمر معا ﵃ * قال سيف ثم سار عمر إلى بيت المقدس من الجابية وقد توحّى فرسه فأتوه ببرذون فركبه فجعل يهملج به فنزل عنه وضرب وجهه وقال لا علّم الله من علمك، هذا من الخيلاء، ثم لم يركب برذونا قبله ولا بعده، ففتحت إيلياء وأرضها على يديه ما خلا أجنادين فعلى يدي عمرو. وقيسارية فعلى يدي معاوية. هذا سياق سيف بن عمر وقد خالفه غيره من أئمة السير فذهبوا إلى أن فتح بيت المقدس كان في سنة ست عشرة. قال محمد بن عائذ عن الوليد بن مسلم عن عثمان بن حصن بن علان قال يزيد بن عبيدة: فتحت بيت المقدس سنة ست عشرة وفيها قدم عمر بن الخطاب الجابية. وقال ابو زرعة الدمشقيّ عن دحيم عن الوليد بن مسلم قال: ثم عاد في سنة سبع عشرة فرجع من سرع ثم قدم سنة ثماني عشرة فاجتمع إليه الأمراء وسلموا إليه ما اجتمع عندهم من الأموال فقسمها وجند الأجناد ومصر الأمصار ثم عاد إلى المدينة. وقال يعقوب بن سفيان: ثم كان فتح الجابية وبيت المقدس سنة ست عشرة. وقال أبو معشر: ثم كان عمواس والجابية في سنة ست عشرة. ثم كانت سرع في سبع عشرة، ثم كان عام الرمادة في سنة ثماني عشرة قال: وكان فيها طاعون عمواس - يعنى فتح البلدة المعروفة بعمواس - فأما الطاعون المنسوب إليها فكان في سنة ثماني عشرة كما سيأتي قريبا إن شاء الله تعالى. قال أبو مخنف: لما قد عمر الشام فرأى غوطة دمشق ونظر إلى المدينة والقصور والبساتين تلا قوله تعالى ﴿كَمْ تَرَكُوا مِنْ جَنّاتٍ وَعُيُونٍ * وَزُرُوعٍ وَمَقامٍ كَرِيمٍ * وَنَعْمَةٍ كانُوا فِيها فاكِهِينَ * كَذلِكَ وَأَوْرَثْناها قَوْماً آخَرِينَ﴾ ثم أنشد قول النابغة.

стр. 2179

هما فتيا دهر يكر عليهما … نهار وليل يلحقان التواليا إذا ما هما مرّا بحي بغبطة … أناخا بهم حتى يلاقوا الدواهيا وهذا يقتضي بادى الرأى أنه دخل دمشق وليس كذلك، فإنه لم ينقل أحد أنه دخلها في شيء من قدماته الثلاث إلى الشام، أما الأولى وهي هذه فإنه سار من الجابية إلى بيت المقدس، كما ذكر سيف وغيره والله أعلم. وقال الواقدي أما رواية غير أهل الشام فهي أن عمر دخل الشام مرتين ورجع الثالثة من سرع سنة سبع عشرة وهم يقولون دخل في الثالثة دمشق وحمص وأنكر الواقدي ذلك. قلت: ولا يعرف أنه دخل دمشق إلا في الجاهلية قبل إسلامه كما بسطنا ذلك في سيرته. وقد روينا أن عمر حين دخل بيت المقدس سأل كعب الأحبار عن مكان الصخرة فقال: يا أمير المؤمنين أذرع من وادي جهنم كذا وكذا ذراعا فهي ثمّ. فذرعوا فوجدوها وقد اتخذها النصارى مزبلة، كما فعلت اليهود بمكان القمامة، وهو المكان الّذي صلب فيه المصلوب الّذي شبه بعيسى فاعتقدت النصارى واليهود أنه المسيح. وقد كذبوا في اعتقادهم هذا كما نص الله تعالى على خطئهم في ذلك. والمقصود أن النصارى لما حكموا على بيت المقدس قبل البعثة بنحو من ثلاثمائة سنة، طهروا مكان القمامة واتخذوه كنيسة هائلة بنتها أم الملك قسطنطين باني المدينة المنسوبة اليه، واسم أمه هيلانة الحرانية البندقانية. وأمرت ابنها فبنى للنصارى بيت لحم على موضع الميلاد، وبنت هي على موضع القبر فيما يزعمون. والغرض أنهم اتخذوا مكان قبلة اليهود مزبلة أيضا، في مقابلة ما صنعوا في قديم الزمان وحديثه. فلما فتح عمر بيت المقدس وتحقق موضع الصخرة، أمر بإزالة ما عليها من الكناسة حتى قيل إنه كنسها بردائه، ثم استشار كعبا أين يضع المسجد؟ فأشار عليه بأن يجعله وراء الصخرة، فضرب في صدره وقال. يا ابن أم كعب ضارعت اليهود: وأمر ببنائه في مقدم بيت المقدس. قال الامام أحمد: حدثنا أسود بن عامر ثنا حماد بن سلمة عن أبى سنان عن عبيد بن آدم وأبى مريم وأبى شعيب أن عمر بن الخطاب كان بالجابية فذكر فتح بيت المقدس، قال قال ابن سلمة: فحدثني أبو سنان عن عبيد بن آدم سمعت عمر يقول لكعب: أين ترى أن أصلى؟ قال إن أخذت عنى صليت خلف الصخرة وكانت القدس كلها بين يديك، فقال عمر ضاهيت اليهودية لا ولكن أصلى حيث صلى رسول الله ﷺ ، فتقدم إلى القبلة فصلى، ثم جاء فبسط رداءه وكنس الكناسة في ردائه وكنس الناس. وهذا إسناد جيد اختاره الحافظ ضياء الدين المقدسي في كتابه المستخرج، وقد تكلمنا على رجاله في كتابنا الّذي أفردناه في مسند عمر، ما رواه من الأحاديث المرفوعة وما روى عنه من الآثار الموقوفة مبوبا على أبواب الفقه ولله الحمد والمنة. وقد روى سيف بن عمر عن شيوخه عن سالم قال: لما دخل عمر الشام تلقاه رجل من يهود دمشق،

стр. 2180

فقال السلام عليك يا فاروق، أنت صاحب إيلياء؟ لا ها الله لا ترجع حتى يفتح الله عليك إيلياء. وقد روى أحمد بن مروان الدينَوَريّ عن محمد بن عبد العزيز عن أبيه عن الهيثم بن عدي عن أسامة ابن زيد بن أسلم عن أبيه عن جده أسلم مولى عمر بن الخطاب أنه قدم دمشق في تجار من قريش، فلما خرجوا تخلف عمر لبعض حاجته، فبينما هو في البلد إذا ببطريق يأخذ بعنقه، فذهب ينازعه فلم يقدر، فأدخله دارا فيها تراب وفأس ومجرفة وزنبيل، وقال له: حول هذا من هاهنا إلى هاهنا، وغلق عليه الباب وانصرف فلم يجئ إلى نصف النهار. قال: وجلست مفكرا ولم أفعل مما قال لي شيئا. فلما جاء قال: ما لك لم تفعل؟ ولكمني في رأسي بيده قال: فأخذت الفأس فضربته بها فقتلته وخرجت على وجهي فجئت ديرا لراهب فجلست عنده من العشي، فأشرف على فنزل وأدخلنى الدير فأطعمنى وسقاني، وأتحفنى، وجعل يحقق النظر في، وسألني عن أمرى فقلت: إني أضللت أصحابى. فقال: إنك لتنظر بعين خائف، وجعل يتوسمنى ثم قال: لقد علم أهل دين النصرانية أنى أعلمهم بكتابهم، وإني لأراك الّذي تخرجنا من بلادنا هذه، فهل لك أن تكتب لي كتاب أمان على ديرى هذا؟ فقلت: يا هذا لقد ذهبت غير مذهب. فلم يزل بى حتى كتبت له صحيفة بما طلب منى، فلما كان وقت الانصراف أعطانى أتانا فقال لي أركبها، فإذا وصلت إلى أصحابك فابعث إلى بها وحدها فإنها لا تمر بدير إلا أكرموها. ففعلت ما أمرنى به، فلما قدم عمر لفتح بيت المقدس أتاه ذلك الراهب وهو بالجابية بتلك الصحيفة فأمضاها له عمر واشترط عليه ضيافة من يمرّ به من المسلمين، وأن يرشدهم إلى الطريق. رواه ابن عساكر وغيره. وقد ساقه ابن عساكر من طريق أخرى في ترجمة يحيى بن عبيد الله بن أسامة القرشي البلقاوي عن زيد بن أسلم عن أبيه فذكر حديثا طويلا عجيبا هذا بعضه. وقد ذكرنا الشروط العمرية على نصارى الشام مطولا في كتابنا الأحكام، وأفردنا له مصنفا على حدة ولله الحمد والمنة. وقد ذكرنا خطبته في الجابية بألفاظها وأسانيدها في الكتاب الّذي أفردناه لمسند عمر، وذكرنا تواضعه في دخوله الشام في السيرة التي أفردناها له. وقال أبو بكر بن أبى الدنيا حدثني الربيع بن ثعلب نا أبو إسماعيل المؤدب عن عبد الله بن مسلم ابن هرمز المكيّ عن أبى الغالية الشامي قال: قدم عمر بن الخطاب الجابية على طريق إيلياء على جمل أورق، تلوح صلعته للشمس، ليس عليه قلنسوة ولا عمامة، تصطفق رجلاه بين شعبتى الرحل بلا ركاب، ووطاؤه كساء انبجانى ذو صوف هو وطاؤه إذا ركب، وفراشه إذا نزل، حقيبته نمرة أو شملة محشوة ليفا، هي حقيبته إذا ركب ووسادته إذا نزل وعليه قميص من كرابيس قد رسم وتخرق جنبه. فقال: ادعوا لي رأس القوم، فدعوا له الجلومس، فقال: اغسلوا قميصي وخيطوه وأعيرونى ثوبا أو قميصا.

стр. 2181

فأتى بقميص كتان فقال: ما هذا؟ قالوا: كتان. قال: وما الكتان؟ فأخبروه فنزع قميصه فغسل ورقع وأتى به فنزع قميصهم ولبس قميصه. فقال له الجلومس: أنت ملك العرب وهذه بلاد لا تصلح بها الإبل، فلو لبست شيئا غير هذا وركبت برذونا لكان ذلك أعظم في أعين الروم. فقال: نحن قوم أعزنا الله بالإسلام فلا نطلب بغير الله بديلا، فأتى ببرذون فطرح عليه قطيفة بلا سرج ولا رحل فركبه بها فقال: احبسوا احبسوا، ما كنت أرى الناس يركبون الشيطان قبل هذا فأتى بجمله فركبه. وقال إسماعيل بن محمد الصفار: حدثنا سعد ان بن نصر حدثنا سفيان عن أيوب الطائي عن قيس ابن مسلم عن طارق بن شهاب قال: لما قدم عمر الشام عرضت له مخاضة فنزل عن بعيره ونزع موقيه فأمسكهما بيده وخاض الماء ومعه بعيره، فقال له أبو عبيدة: قد صنعت اليوم صنيعا عظيما عند أهل الأرض، صنعت كذا وكذا، قال: فصك في صدره وقال: أو لو غيرك يقولها يا أبا عبيدة، إنكم كنتم أذل الناس وأحقر الناس وأقل الناس، فأعزكم الله بالإسلام فمهما تطلبوا العز بغيره يذلكم الله. قال ابن جرير: وفي هذه السنة - أعنى سنة خمس عشرة - كانت بين المسلمين وفارس وقعات في قول سيف بن عمر. وقال ابن إسحاق والواقدي: إنما كان ذلك في سنة ست عشرة، ثم ذكر ابن جرير وقعات كثيرة كانت بينهم، وذلك حين بعث عمر بن الخطاب الى سعد بن أبى وقاص يأمره بالمسير إلى المدائن، وأن يخلف النساء والعيال بالعقيق (١) في خيل كثيرة كثيفة. فلما تفرغ سعد من القادسية بعث على المقدمة زهرة بن حوية، ثم أتبعه بالأمراء واحدا بعد واحد، ثم سار في الجيوش وقد جعل هاشم بن عتبة بن أبى وقاص على خلافته مكان خالد بن عرفطة، وجعل خالدا هذا على الساقة، فساروا في خيول عظيمة، وسلاح كثير، وذلك لأيام بقين من شوال من هذه السنة، فنزلوا الكوفة وارتحل زهرة بين أيديهم نحو المدائن، فلقيه بها بصبهرى في جيش من فارس فهزمهم زهرة وذهبت الفرس في هزيمتهم إلى بابل وبها جمع كثير ممن انهزم يوم القادسية قد جعلوا عليهم الفيرزان، فبعث زهرة إلى سعد فأعلمه باجتماع المنهزمين ببابل، فسار سعد بالجيوش إلى بابل، فتقابل هو والفيرزان عند بابل فهزمهم كأسرع من لفة الرداء، وانهزموا بين يديه فرقتين ففرقة ذهبت إلى المدائن، وأخرى سارت إلى نهاوند، وأقام سعد ببابل أياما ثم سار منها نحو المدائن فلقوا جمعا آخر من الفرس فاقتتلوا قتالا شديدا وبارزوا أمير الفرس، وهو شهريار، فبرز إليه رجل من المسلمين يقال له نائل الأعرجي أبو نباتة من شجعان بنى تميم، فتجاولا ساعة بالرماح، ثم ألقياها فانتضيا سيفيهما وتصاولا بهما، ثم تعانقا وسقطا عن فرسيهما إلى الأرض، فوقع شهريار على صدر أبى نباتة، وأخرج خنجرا ليذبحه بها، فوقعت إصبعه في فم أبى نباتة فقضمها حتى شغله عن نفسه، وأخذ الخنجر فذبح شهريار بها وأخذ

стр. 2182

فرسه وسواريه وسلبه، وانكشف أصحابه فهزموا، فأقسم سعد على نائل ليلبس سواري شهريار وسلاحه، وليركبن فرسه إذا كان حرب فكان يفعل ذلك. قالوا: وكان أول من تسور بالعراق، وذلك بمكان يقال له كوثى. وزار المكان الّذي حبس فيه الخليل وصلى عليه وعلى سائر الأنبياء، وقرأ ﴿وَتِلْكَ الْأَيّامُ نُداوِلُها بَيْنَ النّاسِ﴾ الآية. وقعة نهر شير (١) قالوا: ثم قدّم سعد زهرة بين يديه من كوثى الى نهر شير فمضى إلى المقدمة وقد تلقاه شيرزاذ إلى ساباط بالصلح والجزية فبعثه إلى سعد فأمضاه، ووصل سعد بالجنود إلى مكان يقال له مظلم ساباط، فوجدوا لك كتائب كثيرة لكسرى يسمونها بوران، وهم يقسمون كل يوم لا يزول ملك فارس ما عشنا، ومعهم أسد كبير لكسرى يقال له المقرّط، قد أرصدوه في طريق المسلمين فتقدم إليه ابن أخى سعد، وهو هاشم بن عتبة، فقتل الأسد والناس ينظرون وسمى يومئذ سيفه المتين (٢) وقبل سعد يومئذ رأس هاشم، وقبل هاشم قدم سعد. وحمل هاشم على الفرس فأزالهم عن أماكنهم وهزمهم وهو يتلو قوله تعالى ﴿أَوَلَمْ تَكُونُوا أَقْسَمْتُمْ مِنْ قَبْلُ ما لَكُمْ مِنْ زَوالٍ﴾ فلما كان الليل ارتحل المسلمون ونزلوا نهر شير فجعلوا كلما وقفوا كبروا وكذلك حتى كان آخرهم مع سعد فأقاموا بها شهرين ودخلوا في الثالث وفرغت السنة. قال ابن جرير: وفيها حج بالناس عمر وكان عامله فيها على مكة عتاب بن أسيد، وعلى الشام أبو عبيدة، وعلى الكوفة والعراق سعد، وعلى الطائف يعلى بن أمية (٣) وعلى البحرين واليمامة عثمان بن أبى العاص، وعلى عمان حذيفة بن محصن. قلت: وكانت وقعة اليرموك في سنة خمس عشرة في رجب منها عند الليث بن سعد وابن لهيعة وأبى معشر والوليد بن مسلم ويزيد بن عبيدة وخليفة بن خياط وابن الكلبي ومحمد بن عائذ وابن عساكر وشيخنا أبى عبد الله الذهبي الحافظ. وأما سيف بن عمر وأبو جعفر بن جرير فذكروا وقعة اليرموك في سنة ثلاث عشرة. وقد قدمنا ذكرها لك تبعا لابن جرير، وهكذا وقعة القادسية عند بعض الحفاظ أنها كانت في أواخر هذه السنة - سنة خمس عشرة - وتبعهم في ذلك شيخنا الحافظ الذهبي. والمشهور أنها كانت في سنة أربع عشرة كما تقدم ثم ذكر شيخنا الذهبي. من توفى في هذه السنة مرتبين على الحروف سعد بن عبادة الأنصاري الخزرجي، وهو أحد أقوال المؤرخين. وقد تقدم * سعد بن عبيد بن

стр. 2183

النعمان أبو زيد الأنصاري الأوسي، قتل بالقادسية، ويقال إنه أبو زيد القاري أحد الأربعة الذين جمعوا القرآن على عهد رسول الله ﷺ . وأنكر آخرون ذلك، ويقال إنه والد عمير بن سعد الزاهد أمير حمص. وذكر محمد بن سعد وفاته بالقادسية وقال: كانت في سنة ست عشرة والله أعلم * سهيل بن عمرو بن عبد شمس بن عبد ودّ بن نصر بن حسل بن عامر بن لؤيّ أبو يزيد العامري أحد خطباء قريش وأشرافهم، أسلم يوم الفتح وحسن إسلامه وكان سمحا جوادا فصيحا كثير الصلاة والصوم والصدقة وقراءة القرآن والبكاء. ويقال إنه قام وصام حتى شحب لونه. وله سعى مشكور في صلح الحديبيّة. ولما مات رسول الله ﷺ خطب الناس بمكة خطبة عظيمة تثبت الناس على الإسلام، وكانت خطبته بمكة قريبا من خطبة الصديق بالمدينة، ثم خرج في جماعة إلى الشام مجاهدا فحضر اليرموك وكان أميرا على بعض الكراديس، ويقال إنه استشهد يومئذ. وقال الواقدي والشافعيّ: توفى بطاعون عمواس * عامر بن مالك بن أهيب الزهري أخى سعد بن أبى وقاص، هاجر إلى الحبشة، وهو الّذي قدم بكتاب عمر إلى أبى عبيدة بولايته على الشام وعزل خالد عنها، استشهد يوم اليرموك * عبد الله بن سفيان بن عبد الأسد المخزومي، صحابى هاجر إلى الحبشة مع عمه أبى سلمة بن عبد الأسد. روى عنه عمرو بن دينار منقطعا لانه قتل يوم اليرموك * عبد الرحمن بن العوام، أخو الزبير ابن العوام، حضر بدرا مشركا ثم أسلم واستشهد يوم اليرموك في قول * عتبة بن غزوان، توفى فيها في قول * عكرمة بن أبى جهل استشهد باليرموك في قول * عمرو بن أم مكتوم استشهد يوم القادسية وقد تقدم، ويقال بل رجع إلى المدينة * عمرو بن الطفيل بن عمرو تقدم * عامر بن أبى ربيعة تقدم * فراس بن النضر بن الحارث يقال استشهد يوم اليرموك * قيس بن عدي بن سعد بن سهم من مهاجرة الحبشة قتل باليرموك * قيس بن أبى صعصعة * عمرو بن زيد بن عوف الأنصاري المازني شهد العقبة وبدرا، وكان أحد أمراء الكراديس يوم اليرموك، وقتل يومئذ، وله حديث قال: قلت يا رسول الله في كم أقرأ القرآن؟ قال: «في خمس عشرة» الحديث، قال شيخنا أبو عبد الله الذهبي: ففيه دليل على أنه ممن جمع القرآن في عهد رسول الله ﷺ * نصير بن الحارث بن علقمة بن كلدة ابن عبد مناف بن عبد الدار بن قصي القرشي العبدري، أسلم عام الفتح، وكان من علماء قريش، وأعطاه رسول الله ﷺ يوم حنين مائة من الإبل، فتوقف في أخذها وقال: لا أرتشى على الإسلام، ثم قال: والله ما طلبتها ولا سألتها، وهي عطية من رسول الله ﷺ ، فأخذها وحسن إسلامه، واستشهد يوم اليرموك * نوفل بن الحارث بن عبد المطلب ابن عم رسول الله ﷺ ، كان أسن من أسلم من بنى عبد المطلب، وكان ممن أسر يوم بدر ففاداه العباس، ويقال إنه هاجر أيام الخندق وشهد الحديبيّة والفتح، وأعان رسول الله ﷺ يوم حنين بثلاثة آلاف رمح، وثبت يومئذ وتوفى سنة خمس عشرة،

стр. 2184

وقيل سنة عشرين والله أعلم، توفى بالمدينة وصلى عليه عمر ومشى في جنازته ودفن بالبقيع وخلف عدة أولاد فضلاء وأكابر * هشام بن العاص أخو عمرو بن العاص تقدم وقال ابن سعد: قتل يوم اليرموك. ثم دخلت سنة ست عشرة استهلت هذه السنة وسعد بن أبى وقاص منازل مدينة نهر شير، وهي إحدى مدينتي كسرى مما يلي دجلة من الغرب، وكان قدوم سعد إليها في ذي الحجة من سنة خمس عشرة، واستهلت هذه السنة وهو نازل عندها. وقد بعث السرايا والخيول في كل وجه، فلم يجدوا واحدا من الجند، بل جمعوا من الفلاحين مائة ألف فحبسوا حتى كتب إلى عمر ما يفعل بهم، فكتب إليه عمر: إن من كان من الفلاحين لم يعن عليكم وهو مقيم ببلده فهو أمانه، ومن هرب فأدركتموه فشأنكم به. فأطلقهم سعد بعد ما دعاهم إلى الإسلام فأبوا إلا الجزية. ولم يبق من غربي دجلة إلى أرض العرب أحد من الفلاحين إلا تحت الجزية والخراج، وامتنعت نهر شير من سعد أشد الامتناع، وقد بعث إليهم سعد سلمان الفارسي فدعاهم إلى الله أو الجزية أو المقاتلة، فأبوا إلا المقاتلة والعصيان، ونصبوا المجانيق والدبابات، وأمر سعد بعمل المجانيق فعملت عشرون منجنيقا، ونصبت على نهر شير، واشتد الحصار وكان أهل نهر شير يخرجون فيقاتلون قتالا شديدا ويحلفون أن لا يفروا أبدا، فأكذبهم الله وهزمهم زهرة بن حوية بعد ما أصابه سهم وقتل بعد مصابه كثيرا من الفرس وفروا بين يديه ولجئوا إلى بلدهم، فكانوا يحاصرون فيه أشد الحصار، وقد انحصر أهل البلد حتى أكلوا الكلاب والسنانير وقد أشرف رجل منهم على المسلمين فقال: يقول لكم الملك: هل لكم إلى المصالحة على أن لنا ما يلينا من دجلة إلى جبلنا، ولكم ما يليكم من دجلة إلى جبلكم؟ أما شبعتم؟ لا أشبع الله بطونكم. قال: فبدر الناس رجل يقال له أبو مقرن الأسود بن قطبة فأنطقه الله بكلام لم يدر ما قال لهم، فقال: فرجع الرج ورأيناهم يقطعون من نهر شير إلى المدائن. فقال الناس لأبى مقرن: ما قلت لهم؟ فقال: والّذي بعث محمدا بالحق ما أدرى ما قلت لهم إلا أن على سكينة وأنا أرجو أن أكون قد أنطقت بالذي هو خير، وجعل الناس ينتابونه يسألونه عن ذلك، وكان فيمن سأله سعد بن أبى وقاص، وجاءه سعد إلى منزله فقال: يا أبا مقرن ما قلت؟ فو الله إنهم هراب. فحلف له أنه لا يدرى ما قال. فنادى سعد في الناس ونهد بهم إلى البلد والمجانيق تضرب في البلد، فنادى رجل من البلد بالأمان فأمناه، فقال والله ما بالبلد أحد، فتسور الناس السور فما وجدنا فيها أحدا إلا قد هربوا إلى المدائن. وذلك في شهر صفر من هذه السنة فسألنا ذلك الرجل وأناسا من الأسارى فيها لأى شيء هربوا؟ قالوا بعث الملك إليكم يعرض عليكم الصلح فأجابه ذلك الرجل بأنه لا يكون بينكم وبينه صلح أبدا حتى نأكل

стр. 2185

عسل افريذين يأترج كوثى. فقال الملك: يا ويلاه إن الملائكة لتتكلم على ألسنتهم، ترد علينا وتجيبنا عن العرب. ثم أمر الناس بالرحيل من هناك إلى المدائن فجازوا في السفن منها إليها وبينهما دجلة، وهي قريبة منها جدا، ولما دخل المسلمون نهر شير لاح لهم القصر الأبيض من المدائن وهو قصر الملك الّذي ذكره رسول الله ﷺ أنه سيفتحه الله على أمته، وذلك قريب الصباح، فكان أول من رآه من المسلمين ضرار بن الخطاب، فقال: الله أكبر أبيض كسرى، هذا ما وعدنا الله ورسوله. ونظر الناس إليه فتتابعوا التكبير إلى الصبح. ذكر فتح المدائن التي هي مستقر ملك كسرى لما فتح سعد نهر شير واستقر بها، وذلك في صفة لم يجد فيها أحدا ولا شيئا مما يغنم، بل قد تحولوا بكمالهم إلى المدائن وركبوا السفن وضموا السفن إليهم، ولم يجد سعد ﵁ شيئا من السفن وتعذر عليه تحصيل شيء منها بالكلية، وقد زادت دجلة زيادة عظيمة واسودّ ماؤها، ورمت بالزبد من كثرة الماء بها، وأخبر سعد بأن كسرى يزدجرد عازم على أخذ الأموال والأمتعة من المدائن إلى حلوان، وأنك إن لم تدركه قبل ثلاث فات عليك وتفارط الأمر. فخطب سعد المسلمين على شاطئ دجلة، فحمد الله وأثنى عليه وقال إن عدوكم قد اعتصم منكم بهذا البحر فلا تخلصون إليهم معه، وهم يخلصون إليكم إذا شاءوا فينا وشونكم في سفنهم، وليس وراءكم شيء تخافون أن تؤتوا منه، وقد رأيت أن تبادروا جهاد العدو بنياتكم قبل أن تحصركم الدنيا، ألا إني قد عزمت على قطع هذا البحر إليهم. فقالوا جميعا: عزم الله لنا ولك على الرشد فافعل. فعند ذلك ندب سعد الناس إلى العبور ويقول: من يبدأ فيحمى لنا الفراض - يعنى ثغرة المخاضة من الناحية الأخرى - ليجوز الناس إليهم آمنين، فانتدب عاصم بن عمرو وذو البأس من الناس قريب من ستمائة، فأمرّ سعد عليهم عاصم ابن عمرو فوقفوا على حافة دجلة فقال عاصم: من ينتدب معى لنكون قبل الناس دخولا في هذا البحر فنحمى الفراض من الجانب الآخر؟ فانتدب له ستون من الشجعان المذكورين - والأعاجم وقوف صفوفا من الجانب الآخر - فتقدم رجل من المسلمين وقد أحجم الناس عن الخوض في دجلة، فقال: أتخافون من هذه النطفة؟ ثم تلا قوله تعالى ﴿وَما كانَ لِنَفْسٍ أَنْ تَمُوتَ إِلاّ بِإِذْنِ اللهِ كِتاباً مُؤَجَّلاً﴾ ثم أقحم فرسه فيها واقتحم الناس، وقد افترق الستون فرقتين أصحاب الخيل الذكور، وأصحاب الخيل الإناث. فلما رآهم الفرس يطفون على وجه الماء قالوا: دبوانا دبوانا. يقولون مجانين مجانين. ثم قالوا: والله ما تقاتلون إنسا بل تقاتلون جنا. ثم أرسلوا فرسانا منهم في الماء يلتقون أول المسلمين ليمنعوهم من الخروج من الماء، فأمر عاصم بن عمرو أصحابه أن يشرعوا لهم الرماح ويتوخوا الأعين، ففعلوا ذلك بالفرس فقلعوا عيون خيولهم، فرجعوا أمام المسلمين لا يملكون كف خيولهم حتى خرجوا من

стр. 2186

الماء، واتبعهم عاصم وأصحابه فساقوا وراءهم حتى طردوهم عن الجانب الآخر، ووقفوا على حافة الدجلة من الجانب الآخر ونزل بقية أصحاب عاصم من الستمائة في دجلة فخاضوها حتى وصلوا إلى أصحابهم من الجانب الآخر فقاتلوا مع أصحابهم حتى نفوا الفرس عن ذلك الجانب وكانوا يسمون الكتيبة الأولى كتيبة الأهوال، وأميرها عاصم بن عمرو، والكتيبة الثانية الكتيبة الخرساء وأميرها القعقاع بن عمرو. وهذا كله وسعد والمسلمون ينظرون إلى ما يصنع هؤلاء الفرسان بالفرس، وسعد واقف على شاطئ دجلة. ثم نزل سعد ببقية الجيش، وذلك حين نظروا إلى الجانب الآخر قد تحصن بمن حصل فيه من الفرسان المسلمين، وقد أمر سعد المسلمين عند دخول الماء أن يقولوا: نستعين بالله ونتوكل عليه، حسبنا الله ونعم الوكيل، ولا حول ولا قوة إلاّ بالله العلى العظيم. ثم اقتحم بفرسه دجلة واقتحم الناس لم يتخلف عنه أحد، فساروا فيها كأنما يسيرون على وجه الأرض حتى ملئوا ما بين الجانبين، فلا يرى وجه الماء من الفرسان والرجالة، وجعل الناس يتحدثون على وجه الماء كما يتحدثون على وجه الأرض، وذلك لما حصل لهم من الطمأنينة والأمن، والوثوق بأمر الله ووعده ونصره وتأييده، ولأن أميرهم سعد بن أبى وقاص أحد العشرة المشهود لهم بالجنة، وقد توفى رسول الله ﷺ وهو عنه راض، ودعا له. فقال «اللهمّ أجب دعوته، وسدد رميته» والمقطوع به أن سعدا دعا لجيشه هذا في هذا اليوم بالسلامة والنصر، وقد رمى بهم في هذا اليم فسددهم الله وسلمهم، فلم يفقد من المسلمين رجل واحد غير أن رجلا واحدا يقال له غرقدة البارقي، ذلك عن فرس له شقراء، فأخذ القعقاع بن عمرو بلجامها، وأخذ بيد الرجل حتى عدله على فرسه، وكان من الشجعان، فقال: عجز النساء أن يلدن مثل القعقاع بن عمرو. ولم يعدم للمسلمين شيء من أمتعتهم غير قدح من خشب لرجل يقال له مالك بن عامر، كانت علاقته رثة فأخذه الموج، فدعا صاحبه الله ، وقال: اللهمّ لا تجعلني من بينهم يذهب متاعي. فرده الموج إلى الجانب الّذي يقصدونه فأخذه الناس ثم ردوه على صاحبه بعينه. وكان الفرس إذا أعيا وهو في الماء يقيض الله له مثل النشز المرتفع فيقف عليه فيستريح، وحتى أن بعض الخيل ليسير وما يصل الماء إلى حزامها، وكان يوما عظيما وأمرا هائلا، وخطبا جليلا، وخارقا باهرا، ومعجزة لرسول الله ﷺ ، خلقها الله لأصحابه لم ير مثلها في تلك البلاد، ولا في بقعة من البقاع، سوى قضية العلاء بن الحضرميّ المتقدمة، بل هذا أجل وأعظم، فان هذا الجيش كان أضعاف ذلك. قالوا: وكان الّذي يساير سعد ابن أبى وقاص في الماء سلمان الفارسي، فجعل سعد يقول: حسبنا الله ونعم الوكيل. والله لينصرن الله وليه وليظهرن الله دينه، وليهزمن الله عدوه، إن لم يكن في الجيش بغى أو ذنوب تغلب الحسنات. فقال له سلمان: إن الإسلام جديد. ذللت لهم والله البحور كما ذلل لهم البر، أما والّذي نفس سلمان

стр. 2187

بيده ليخرجن منه أفواجا كما دخلوا أفواجا. فخرجوا منه كما قال سلمان لم يغرق منهم أحد، ولم يفقدوا شيئا. ولما استقل المسلمون على وجه الأرض خرجت الخيول تنفض أعرافها صاهلة، فساقوا وراء الأعاجم حتى دخلوا المدائن، فلم يجدوا بها أحدا، بل قد أخذ كسرى أهله وما قدروا عليه من الأموال والأمتعة والحواصل وتركوا ما عجزوا عنه من الأنعام والثياب والمتاع، والآنية والالطاف والادهان ما لا يدرى قيمته. وكان في خزانة كسرى ثلاثة آلاف ألف ألف ألف دينار ثلاث مرات فأخذوا من ذلك ما قدروا عليه وتركوا ما عجزوا عنه وهو مقدار النصف من ذلك أو ما يقاربه. فكان أول من دخل المدائن كتيبة الأهوال ثم الكتيبة الخرساء، فأخذوا في سككها لا يلقون أحدا ولا يخشونه غير القصر الأبيض ففيه مقاتلة وهو محصن. فلما جاء سعد بالجيش دعا أهل القصر الأبيض ثلاثة أيام على لسان سلمان الفارسي، فلما كان اليوم الثالث نزلوا منه وسكنه سعد واتخذ الإيوان مصلى، وحين دخله تلا قوله تعالى ﴿كَمْ تَرَكُوا مِنْ جَنّاتٍ وَعُيُونٍ * وَزُرُوعٍ وَمَقامٍ كَرِيمٍ * وَنَعْمَةٍ كانُوا فِيها فاكِهِينَ * كَذلِكَ وَأَوْرَثْناها قَوْماً آخَرِينَ﴾ ثم تقدم إلى صدره فصلى ثمان ركعات صلاة الفتح، وذكر سيف في روايته أنه صلاها بتسليمة واحدة وأنه جمع بالايوان في صفر من هذه السنة فكانت أول جمعة جمعت بالعراق، وذلك لأن سعدا نوى الاقامة بها، وبعث إلى العيالات فأنزلهم دون المدائن واستوطنوها، حتى فتحوا جلولاء وتكريت والموصل، ثم تحولوا الى الكوفة بعد ذلك كما سنذكره. ثم أرسل السرايا في إثر كسرى يزدجرد فلحق بهم طائفة فقتلوهم وشردوهم واستلبوا منهم أموالا عظيمة. وأكثر ما استرجعوا من ملابس كسرى وتاجه وحليه. وشرع سعد في تحصيل ما لك من الأموال والحواصل والتحف، مما لا يقوم ولا يحد ولا يوصف كثرة وعظمة. وقد روينا أنه كان هناك تماثيل من جص فنظر سعد إلى أحدها وإذا هو يشير بإصبعه إلى مكان، فقال سعد: إن هذا لم يوضع هكذا سدى، فأخذوا ما يسامت إصبعه فوجدوا قبالتها كنزا عظيما من كنوز الأكاسرة الأوائل، فأخرجوا منه أموالا عظيمة جزيلة، وحواصل باهرة، وتحفا فاخرة. واستحوذ المسلمون على ما لك أجمع مما لم ير أحد في الدنيا أعجب منه. وكان في جملة ذلك تاج كسرى وهو مكلل بالجواهر النفيسة التي تحير الأبصار، ومنطقته كذلك وسيفه وسواره وقباؤه وبساط إيوانه، وكان مربعا ستون ذراعا في مثلها، من كل جانب، والبساط مثله سواء، وهو منسوج بالذهب واللآلئ والجواهر الثمينة، وفيه مصور جميع ممالك كسرى، بلاده بأنهارها وقلاعها، وأقاليمها، وكنوزها، وصفة الزروع والأشجار التي في بلاده. فكان إذا جلس على كرسي مملكته ودخل تحت تاجه، وتاج معلق بسلاسل الذهب، لأنه كان لا يستطيع أن يقله

стр. 2188

على رأسه لثقله، بل كان يجيء فيجلس تحته ثم يدخل رأسه تحت التاج والسلاسل الذهب تحمله عنه، وهو يستره حال لبسه فإذا رفع الحجاب عنه خرت له الأمراء سجودا. وعليه المنطقة والسواران والسيف والقباء المرصع بالجواهر فينظر في البلدان واحدة واحدة، فيسأل عنها ومن فيها من النواب، وهل حدث فيها شيء من الأحداث؟ فيخبره بذلك ولاة الأمور بين يديه. ثم ينتقل الى الأخرى، وهكذا حتى يسأل عن أحوال بلاده في كل وقت لا يهمل أمر المملكة، وقد وضعوا هذا البساط بين يديه تذكارا له بشأن الممالك، وهو إصلاح جيد منهم في أمر السياسة. فلما جاء قدر الله زالت تلك الأيدي عن تلك الممالك والأراضي وتسلمها المسلمون من أيديهم قسرا، وكسروا شوكتهم عنها وأخذوها بأمر الله صافية ضافية، ولله الحمد والمنة. وقد جعل سعد بن أبى وقاص على الأقباض عمرو بن عمرو بن مقرن فكان أول ما حصل ما كان في القصر الأبيض ومنازل كسرى، وسائر دور المدائن، وما كان بالايوان مما ذكرنا، وما يفد من السرايا الذين في صحبة زهرة بن حوية، وكان فيما رد زهرة بغل كان قد أدركه وغصبه من الفرس وكانت تحوطه بالسيوف فاستنقذه منهم وقال إن لهذا لشأنا فرده إلى الأقباض وإذا عليه سفطان فيهما ثياب كسرى وحليه، ولبسه الّذي كان يلبسه على السرير كما ذكرنا، وبغل آخر عليه تاجه الّذي ذكرنا في سفطين أيضا ردا من الطريق مما استلبه أصحاب السرايا، وكان فيما ردت السرايا أموال عظيمة وفيها أكثر أناث كسرى وأمتعته والأشياء النفيسة التي استصحبوها معهم، فلحقهم المسلمون فاستلبوها منهم. ولم تقدر الفرس على حمل البساط لثقله عليهم، ولا حمل الأموال لكثرتها. فإنه كان المسلمون يجيئون بعض تلك الدور فيجدون البيت ملآنا إلى أعلاه من أواني الذهب والفضة، ويجدون من الكافور شيئا كثيرا، فيحسبونه ملحا، وربما استعمله بعضهم في العجين فوجدوه مرا حتى تبينوا أمره فتحصل الفيء على أمر عظيم من الأموال، وشرع سعد فخمسه وأمر سلمان الفارسي فقسم الأربعة الأخماس بين الغانمين، فحصل لكل واحد من الفرسان اثنتي عشر ألفا، وكانوا كلهم فرسانا، ومع بعضهم جنائب، واستوهب سعد أربعة أخماس البساط ولبس كسرى من المسلمين، ليبعثه إلى عمرو المسلمين بالمدينة لينظروا إليه ويتعجبوا منه، فطيبوا له ذلك وأذنوا فيه، فبعثه سعد إلى عمر مع الخمس مع بشير بن الخصاصية، وكان الّذي بشر بالفتح قبله حليس بن فلان الأسدي، فروينا أن عمر لما نظر إلى ذلك قال إن قوما أدوا هذا لأمناء، فقال له على بن أبى طالب: إنك عففت فعفت رعيتك، ولو رتعت لرتعت. ثم قسم عمر ذلك في المسلمين فأصاب عليا قطعة من البساط فباعها بعشرين ألفا، وقد ذكر سيف بن عمر أن عمر بن الخطاب ألبس ثياب كسرى لخشبة ونصبها أمامه ليرى الناس ما في هذه الزينة من العجب، وما عليها من زهرة الحياة الدنيا الفانية. وقد روينا أن عمر

стр. 2189

ألبس ثياب كسرى لسراقة بن مالك بن جعشم أمير بنى مدلج ﵁. قال الحافظ أبو بكر البيهقي في دلائل النبوة: أخبرنا عبد الله بن يوسف الأصبهاني ثنا أبو سعيد ابن الأعرابي. قال وجدت في كتابي بخط يدي عن أبى داود حدثنا محمد بن عبيد حدثنا حماد ثنا يونس عن الحسن أن عمر بن الخطاب أتى بفروة كسرى فوضعت بين يديه وفي القوم سراقة بن مالك بن جعشم، قال فألقى إليه سواري كسرى بن هرمز فجعلهما في يده فبلغا منكبيه فلما رآهما في يدي سراقة قال الحمد لله سواري كسرى بن هرمز في يدي سراقة بن مالك بن جعشم أعرابى من بنى مدلج. وذكر الحديث. هكذا ساقه البيهقي. ثم حكى عن الشافعيّ أنه قال: وإنما البسهما سراقة لأن رسول الله ﷺ قال لسراقة ونظر إلى ذراعيه «كأنى بك وقد ألبست سواري كسرى» قال الشافعيّ: وقد قال عمر لسراقة حين ألبسه سواري كسرى: قل الله أكبر. فقال الله أكبر. ثم قال: قل الحمد لله الّذي سلبهما كسرى بن هرمز وألبسهما سراقة بن مالك أعرابى من بنى مدلج. وقال الهيثم بن عدي: أخبرنا أسامة بن زيد الليثي ثنا القاسم بن محمد بن أبى بكر، قال بعث سعد بن أبى وقاص أيام القادسية إلى عمر بقباء كسرى وسيفه ومنطقته وسواريه وسراويله وقميصه وتاجه وخفيه، قال فنظر عمر في وجوه القوم. وكان أجسمهم وأبدنهم قامة سراقة بن مالك بن جعشم فقال يا سراق قم فالبس، قال سراقة فطمعت فيه فقمت فلبست فقال أدبر فأدبرت، ثم قال أقبل فأقبلت، ثم قال بخ بخ، أعير أبي من بنى مدلج عليه قباء كسرى وسراويله وسيفه ومنطقته وتاجه وخفاه. رب يوم يا سراق بن مالك، لو كان عليك فيه هذا من متاع كسرى وآل كسرى، كان شرفا لك ولقومك، انزع. فنزعت. فقال: اللهمّ إنك منعت هذا رسولك ونبيك، وكان أحب إليك منى وأكرم عليك منى. ومنعته أبا بكر وكان أحب إليك منى، وأكرم عليك منى، وأعطيتنيه فأعوذ بك أن تكون أعطيتنيه لتمكر بى. ثم بكى حتى رحمه من كان عنده. ثم قال لعبد الرحمن بن عوف: أقسمت عليك لما بعته ثم قسمته قبل أن تمسى وذكر سيف بن عمر التميمي: أن عمر حين ملك تلك الملابس والجواهر جيء بسيف كسرى ومعه عدة سيوف منها سيف النعمان بن المنذر نائب كسرى على الحيرة وأن عمر قال: الحمد لله الّذي جعل سيف كسرى فيما يضره ولا ينفعه. ثم قال: إن قوما أدوا هذا لأمناء، أو لذو أمانة. ثم قال: إن كسرى لم يزد على أن تشاغل بما أوتى عن آخرته فجمع لزوج امرأته، أو زوج ابنته، ولم يقدم لنفسه، ولو قدم لنفسه ووضع الفضول في مواضعها لحصل له. وقد قال بعض المسلمين وهو أبو نجيد نافع بن الأسود في ذلك: وأملنا على المدائن خيلا … بحرها مثل برّهنّ أريضا

стр. 2190

فانتشلنا خزائن المرء كسرى … يوم ولوا وحاص منا جريضا وقعة جلولاء لما سار كسرى وهو يزدجرد بن شهريار من المدائن هاربا إلى حلوان شرع في أثناء الطريق في جمع رجال وأعوان وجنود، من البلدان التي هناك، فاجتمع إليه خلق كثير، وجم غفير من الفرس وأمر على الجميع مهران، وسار كسرى إلى حلوان فأقام الجمع الّذي جمعه بينه وبين المسلمين في جلولاء، واحتفروا خندقا عظيما حولها، وأقاموا بها في العدد والعدد وآلات الحصار، فكتب سعد إلى عمر يخبره بذلك. فكتب إليه عمر أن يقيم هو بالمدائن ويبعث ابن أخيه هاشم بن عتبة أميرا على الجيش الّذي يبعثه إلى كسرى، ويكون على المقدمة القعقاع بن عمرو، وعلى الميمنة سعد بن مالك وعلى الميسرة أخوه عمر بن مالك، وعلى الساقة عمرو بن مرة الجهنيّ. ففعل سعد ذلك وبعث مع ابن أخيه جيشا كثيفا يقارب اثنى عشر ألفا، من سادات المسلمين ووجوه المهاجرين والأنصار، ورءوس العرب. وذلك في صفر من هذه السنة بعد فراغهم من أمر المدائن، فساروا حتى انتهوا إلى المجوس وهم يجلولاء قد خندقوا عليهم، فحاصرهم هاشم بن عتبة، وكانوا يخرجون من بلدهم للقتال في كل وقت فيقاتلون قتالا لم يسمع بمثله. وجعل كسرى يبعث إليهم الأمداد، وكذلك سعد يبعث المدد إلى ابن أخيه، مرة بعد أخرى. وحمى القتال، واشتد النزال، واضطرمت نار الحرب، وقام في الناس هاشم فخطبهم غير مرة، فحضرهم على القتال والتوكل على الله. وقد تعاقدت الفرس وتعاهدت، وحلفوا بالنار أن لا يفروا أبدا حتى يفنوا العرب. فلما كان الموقف الأخير وهو يوم الفيصل والفرقان، تواقفوا من أول النهار، فاقتتلوا قتالا شديدا لم يعهد مثله حتى فنى النشاب من الطرفين، وتقصفت الرماح من هؤلاء ومن هؤلاء، وصاروا إلى السيوف والطبرزينات، وحانت صلاة الظهر فصلى المسلمون إيماء، وذهبت فرقة المجوس وجاءت مكانها أخرى، فقام القعقاع بن عمرو في المسلمين فقال: أهالكم ما رأيتم أيها المسلمون؟ قالوا: نعم إنا كالّون وهم مريحون، فقال: بل إنا حاملون عليهم ومجدون في طلبهم، حتى يحكم الله بيننا، فاحملوا عليهم حملة رجل واحد حتى نخالطهم، فحمل وحمل الناس، فأما القعقاع فإنه صمم الحملة في جماعة من الفرسان والأبطال والشجعان، حتى انتهى إلى باب الخندق، وأقبل الليل بظلامه وجالت بقية الأبطال بمن معهم في الناس وجعلوا يأخذون في التحاجز من أجل إقبال الليل وفي الأبطال يومئذ طليحة الأسدي، وعمرو بن معديكرب الزبيدي، وقيس بن مكشوح، وحجر بن عدي. ولم يعلموا بما صنعه القعقاع في ظلمة الليل، ولم يشعروا بذلك، لولا مناديه ينادى: أين أيها المسلمون، هذا أميركم على باب خندقهم. فلما سمع ذلك المجوس فروا وحمل المسلمون نحو القعقاع بن عمرو فإذا هو على باب الخندق قد ملكه

стр. 2191

عليهم، وهربت الفرس كل مهرب، وأخذهم المسلمون من كل وجه، وقعدوا لهم كل مرصد، فقتل منهم في ذلك الموقف مائة ألف حتى جللوا وجه الأرض بالقتلى، فلذلك سميت جلولاء. وغنموا من الأموال والسلاح والذهب والفضة قريبا مما غنموا من المدائن قبلها وبعث هاشم بن عتبة القعقاع بن عمرو في إثر من انهزم منهم وراء كسرى، فساق خلفهم حتى أدرك مهران منهزما، فقتله القعقاع بن عمرو، وأفلتهم الفيرزان فاستمر منهزما، وأسر سبايا كثيرة بعث بها إلى هاشم بن عتبة، وغنموا دواب كثيرة جدا. ثم بعث هاشم بالغنائم والأموال إلى عمه سعد بن أبى وقاص فنفل سعد ذوى النجدة ثم أمر بقسم ذلك على الغانمين. قال الشعبي: كان المال المتحصل من وقعة جلولاء ثلاثين ألف ألف، فكان خمسة ستة آلاف ألف وقال غيره: كان الّذي أصاب كل فارس يوم جلولاء نظير ما حصل له يوم المدائن - يعنى اثنى عشر ألفا لكل فارس - وقيل أصاب كل فارس تسعة آلاف وتسع دواب. وكان الّذي ولى قسم ذلك بين المسلمين وتحصيله، سلمان الفارسي ﵁. ثم بعث سعد بالأخماس من المال والرقيق والدواب مع زياد بن أبى سفيان، وقضاعى بن عمرو، وأبى مقرن الأسود. فلما قدموا على عمر سأل عمر زياد بن أبى سفيان عن كيفية الوقعة فذكرها له، وكان زياد فصيحا، فأعجب إيراده لها عمر بن الخطاب ﵁، وأحب أن يسمع المسلمون منه ذلك، فقال له: أتستطيع أن تخطب الناس بما أخبرتنى به؟ قال: نعم يا أمير المؤمنين، إنه ليس أحد على وجه الأرض أهيب عندي منك، فكيف لا أقوى على هذا مع غيرك؟ فقام في الناس فقص عليهم خبر الوقعة، وكم قتلوا، وكم غنموا، بعبارة عظيمة بليغة فقال عمر: إن هذا لهو الخطيب المصقع - يعنى الفصيح - فقال زياد: إن جندنا أطلقوا بالفعال لساننا. ثم حلف عمر بن الخطاب أن لا يجن هذا المال الّذي جاءوا به سقف حتى يقسمه، فبات عبد الله بن أرقم وعبد الرحمن بن عوف يحرسانه في المسجد، فلما أصبح جاء عمر في الناس، بعد ما صلى الغداة وطلعت الشمس، فأمر فكشف عنه جلابيبه، فلما نظر إلى ياقوتة وزبرجده وذهبه الأصفر وفضته البيضاء، بكى عمر، فقال له عبد الرحمن: ما يبكيك يا أمير المؤمنين؟ فو الله إن هذا لموطن شكر، فقال عمر: والله ما ذاك يبكيني، وتالله ما أعطى الله هذا قوما إلا تحاسدوا وتباغضوا، ولا تحاسدوا إلا ألقى بأسهم بينهم. ثم قسمه كما قسم أموال القادسية. وروى سيف بن عمر عن شيوخه أنهم قالوا: وكان فتح جلولاء في ذي القعدة من سنة ستة عشر، وكان بينه وبين فتح المدائن تسعة أشهر وقد تكلم ابن جرير هاهنا فيما رواه عن سيف على ما يتعلق بأرض السواد وخراجها، وموضع تحرير ذلك كتاب الأحكام. وقد قال هاشم بن عتبة في يوم جلولاء:

стр. 2192

يوم جلولاء ويوم رستم … ويوم زحف الكوفة المقدم ويوم عرض الشهر المحرم … وأيام خلت من بينهن صرم شيبن أصدغى فهي هرم … مثل ثغام البلد المحرم وقال أبو نجيد في ذلك: ويوم جلولاء الوقيعة أصبحت … كتائبنا تردى بأسد عوابس فضضت جموع الفرس ثم أنمتهم … فتبا لأجساد المجوس النجائس وأفلتهن الفيرزان بجرعة … ومهران أردت يوم حز القوانس أقاموا بدار للمنية موعد … وللترب تحثوها خجوج الروامس ذكر فتح حلوان ولما انقضت الوقعة أقام هشام بن عتبة بجلولاء عن أمر عمر بن الخطاب - في كتابه إلى سعد - وتقدم القعقاع بن عمرو إلى حلوان، عن أمر عمر أيضا ليكون ردءا للمسلمين لك، ومرابطا لكسرى حيث هرب، فسار كما قدمنا، وأدرك أمير الوقعة، وهو مهران الرازيّ، فقتله وهرب منه الفيرزان، فلما وصل إلى كسرى وأخبره بما كان من أمر جلولاء، وما جرى على الفرس بعده، وكيف قتل منهم مائة ألف، وأدرك مهران فقتل، هرب عند ذلك كسرى من حلوان إلى الري، واستناب على حلوان أميرا يقال له خسروشنوم، فتقدم إليه القعقاع بن عمرو، وبرز إليه خسروشنوم إلى مكان خارج من حلوان، فاقتتلوا لك قتالا شديدا ثم فتح الله ونصر المسلمين وانهزم خسروشنوم، وساق القعقاع إلى حلوان فتسلمها ودخلها المسلمون فغنموا وسبوا، وأقاموا بها، وضربوا الجزية على من حولها من الكور والأقاليم، بعد ما دعوا إلى الدخول في الإسلام فأبوا إلا الجزية. فلم يزل القعقاع بها حتى تحول سعد من المدائن إلى الكوفة، فسار إليها كما سنذكره إن شاء الله تعالى. فتح تكريت والموصل لما افتتح سعد المدائن بلغه أن أهل الموصل قد اجتمعوا بتكريت على رجل من الكفرة يقال له الأنطاق، فكتب إلى عمر بأمر جلولاء واجتماع الفرس بها، وبأمر أهل الموصل، فتقدم ما ذكرناه من كتاب عمر في أهل جلولاء، وما كان من أمرها. وكتب عمر في قضية أهل الموصل الذين قد اجتمعوا بتكريت على الأنطاق، أن يعين جيشا لحربهم، ويؤمر عليه عبد الله بن المعتم، وأن يجعل على مقدمته ربعي بن الأفكل الغزى، وعلى الميمنة الحارث بن حسان الذهلي، وعلى الميسرة فرات بن حيان العجليّ، وعلى الساقة هانئ بن قيس، وعلى الخيل عرفجة بن هرثمة. ففصل عبد الله ابن المعتم في خمسة آلاف من المدائن، فسار في أربع حتى نزل بتكريت على الأنطاق، وقد اجتمع

стр. 2193

إليه جماعة من الروم، ومن الشهارجة، ومن نصارى العرب، من إياد وتغلب والنمر. وقد أحدقوا بتكريت، فحاصرهم عبد الله بن المعتم أربعين يوما. وزاحفوه في هذه المدة أربعة وعشرين مرة، ما من مرة إلا وينتصر عليهم ويفل جموعهم، فضعف جانبهم، وعزمت الروم على الذهاب في السفن بأموالهم، وراسل عبد الله بن المعتم إلى من لك من الأعراب، فدعاهم إلى الدخول معه في النصرة على أهل البلد، فجاءت القصاد إليه عنهم بالإجابة إلى ذلك، فأرسل إليهم: إن كنتم صادقين فيما قلتم فاشهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله، وأقروا بما جاء من عند الله. فرجعت القصاد إليه بأنهم قد أسلموا فبعث إليهم: إن كنتم صادقين فإذا كبرنا وحملنا على البلد الليلة فأمسكوا علينا أبواب السفن، وامنعوهم أن يركبوا فيها، واقتلوا منهم من قدرتهم على قتله. ثم شد عبد الله وأصحابه، وكبروا تكبيرة رجل واحد، وحملوا على البلد فكبرت الأعراب، من الناحية الأخرى، فحار أهل البلد، وأخذوا في الخروج من الأبواب التي تلى دجلة، فتلقتهم إياد والنمر وتغلب، فقتلوهم قتلا ذريعا، وجاء عبد الله بن المعتم بأصحابه من الأبواب الأخر فقتل جميع أهل البلد عن بكرة أبيهم، ولم يسلم إلا من أسلم من الأعراب من إياد وتغلب والنمر، وقد كان عمر عهد في كتابه إذا نصروا على تكريت أن يبعثوا ربعي بن الأفكل إلى الحصنين وهي الموصل سريعا، فسار إليها كما أمر عمر، ومعه سرية كثيرة، وجماعة من الإبطال، فسار إليها حتى فجئها قبل وصول الاخبار إليها، فما كان إلا أن واقفها حتى أجابوا إلى الصلح فضربت عليهم الذمة عن يد وهم صاغرون، ثم قسمت الأموال التي تحصلت من تكريت، فبلغ سهم الفارس ثلاثة آلاف، وسهم الراجل ألف درهم. وبعثوا بالأخماس مع فرات بن حيان، وبالفتح مع الحارث بن حسان، وولى إمرة حرب الموصل ربعي بن الأفكل، وولى الخراج بها عرفجة بن هرثمة. فتح ماسبذان من أرض العراق لما رجع هاشم بن عتبة من جلولاء إلى عمر بالمدائن، بلغ سعدا أن آذين بن الهرمزان قد جمع طائفة من الفرس، فكتب إلى عمر في ذلك، فكتب إليه أن ابعث جيشا وأمر عليهم ضرار ابن الخطاب. فخرج ضرار في جيش من المدائن، وعلى مقدمته ابن الهزيل الأسدي، فتقدم ابن الهزيل بين يدي الجيش، فالتقى مع آذين وأصحابه قبل وصول ضرار إليه، فكسر ابن الهزيل طائفة الفرس، وأسر آذين بن الهرمزان، وفر عنه أصحابه، وأمر ابن الهزيل فضرب عنق آذين بين يديه، وساق وراء المنهزمين حتى انتهى إلى ماسبذان - وهي مدينة كبيرة - فأخذها عنوة، وهرب أهلها في رءوس الجبال والشعاب، فدعاهم فاستجابوا له، وضرب على من لم يسلم الجزية، وأقام نائبا عليها حتى تحول سعد من المدائن إلى الكوفة كما سيأتي.

стр. 2194

فتح قرقيسيا وهيت في هذه السنة قال ابن جرير وغيره: لما رجع هاشم من جلولاء إلى المدائن وكان أهل الجزيرة قد أمدوا أهل حمص على قتال أبى عبيدة وخالد - لما كان هرقل بقنسرين - واجتمع أهل الجزيرة في مدينة هيت، كتب سعد إلى عمر في ذلك، فكتب إليه أن يبعث إليهم جيشا، وأن يؤمر عليهم عمر بن مالك ابن عتبة بن نوفل بن عبد مناف، فسار فيمن معه من المسلمين إلى هيت، فوجدهم قد خندقوا عليهم، فحاصرهم حينا فلم يظفر بهم، فسار في طائفة من أصحابه واستخلف على محاصرة هيت الحارث ابن يزيد، فراح عمر بن مالك إلى قرقيسيا فأخذها عنوة، وأنابوا إلى بذل الجزية، وكتب إلى نائبة على هيت: إن لم يصالحوا أن يحفر من وراء خندقهم خندقا، ويجعل له أبوابا من ناحيته. فلما بلغهم ذلك أنابوا إلى المصالحة. قال شيخنا أبو عبد الله الحافظ الذهبي: وفي هذه السنة بعث أبو عبيدة عمرو بن العاص بعد فراغه من اليرموك إلى قنسرين فصالح أهل حلب، ومنبج، وأنطاكية، على الجزية. وفتح سائر بلاد قنسرين عنوة. قال: وفيها افتتحت سروج والرها على يدي عياض بن غنم. قال: وفيها فيما ذكر ابن الكلبي سار أبو عبيدة وعلى مقدمته خالد بن الوليد، فحاصر إيليا فسألوا الصلح على أن يقدم عمر فيصالحهم على ذلك، فكتب أبو عبيدة إلى عمر فقدم حتى صالحهم وأقام أياما ثم رجع إلى المدينة. قلت: قد تقدم هذا فيما قبل هذه السنة والله أعلم. قال الواقدي: وفي هذه السنة حمى عمر الرَّبَذَة بخيل المسلمين، وفيها غرّب عمر أبا محجن الثقفي إلى باضع (١)، وفيها تزوج عبد الله بن عمر صفية بنت أبى عبيد. قلت: الّذي قتل يوم الجسر، وكان أمير السرية، وهي أخت المختار بن أبى عبيد أمير العراق فيما بعد، وكانت امرأة صالحة، وكان أخوها فاجرا وكافرا أيضا. قال الواقدي: وفيها حج عمر بالناس، واستخلف على المدينة زيد بن ثابت. قال: وكان نائبة على مكة عتاب، وعلى الشام أبو عبيدة، وعلى العراق سعد، وعلى الطائف عثمان ابن أبى العاص، وعلى اليمن يعلى بن أمية، وعلى اليمامة والبحرين العلاء بن الحضرميّ، وعلى عمان حذيفة بن محصن، وعلى البصرة المغيرة بن شعبة، وعلى الموصل ربعي بن الأفكل، وعلى الجزيرة عياض بن غنم الأشعري. قال الواقدي وفي ربيع الأول من هذه السنة - أعنى سنة ست عشرة - كتب عمر بن الخطاب التاريخ، وهو أول من كتبه. قلت: قد ذكرنا سببه في سيرة عمر، وذلك أنه رفع إلى عمر صك مكتوب لرجل على آخر بدين يحل عليه في شعبان، فقال: أي شعبان؟ أمن هذه السنة

стр. 2195

أم التي قبلها، أم التي بعدها؟ ثم جمع الناس فقال: ضعوا للناس شيئا يعرفون فيه حلول ديونهم. فيقال إنهم أراد بعضهم أن يؤرخوا كما تؤرخ الفرس بملوكهم، كلما هلك ملك أرخوا من تاريخ ولاية الّذي بعده، فكرهوا ذلك. ومنهم من قال: أرخوا بتاريخ الروم من زمان إسكندر فكرهوا ذلك، ولطوله أيضا. وقال قائلون: أرخوا من مولد رسول الله ﷺ . وقال آخرون من مبعثه ﵇. وأشار على بن أبى طالب وآخرون أن يؤرخ من هجرته من مكة إلى المدينة لظهوره لكل أحد فإنه أظهر من المولد والمبعث. فاستحسن ذلك عمر والصحابة، فأمر عمر أن يؤرخ من هجرة رسول الله ﷺ وأرخوا من أول تلك السنة من محرمها، وعند مالك ﵀ فيما حكاه عن السهيليّ وغيره أن أول السنة من ربيع الأول لقدومه ﵇ إلى المدينة. والجمهور على أن أول السنة من المحرم، لأنه أضبط لئلا تختلف الشهور، فإن المحرم أول السنة الهلالية العربية. وفي هذه السنة - أعنى سنة ست عشرة - توفيت مارية أم إبراهيم بن رسول الله ﷺ ، وذلك في المحرم منها فيما ذكره الواقدي وابن جرير وغير واحد، وصلى عليها عمر بن الخطاب، وكان يجمع الناس لشهود جنازتها، ودفنت بالبقيع ﵂ وأرضاها، وهي مارية القبطية، أهداها صاحب اسكندرية - وهو جريج بن مينا - في جملة تحف وهدايا لرسول الله ﷺ ، فقبل ذلك منه، وكان معها أختها شيرين التي وهبها رسول الله ﷺ لحسان بن ثابت، فولدت له ابنه عبد الرحمن بن حسان. ويقال أهدى المقوقس معهما جاريتين أخرتين، فيحتمل أنهما كانتا خادمتين لمارية وسيرين. وأهدى معهن غلاما خصيا اسمه مابور، وأهدى مع ذلك بغلة شهباء اسمها الدلدل، وأهدى حلة حرير من عمل الاسكندرية. وكان قدوم هذه الهدية في سنة ثمان. فحملت مارية من رسول الله ﷺ بإبراهيم ﵇، فعاش عشرين شهرا، ومات قبل أبيه رسول الله ﷺ بسنة سواء. وقد حزن عليه رسول الله ﷺ وبكى عليه وقال: تدمع العين، ويحزن القلب، ولا نقول إلا ما يرضى ربنا، وإنا بك يا إبراهيم لمحزونون، وقد تقدم ذلك في سنة عشر. وكانت مارية هذه من الصالحات الخيرات الحسان. وقد حظيت عند رسول الله ﷺ وأعجب بها، وكانت جميلة ملاحة، أي حلوة، وهي تشابه هاجر سرّية الخليل، فان كلا منهما من ديار مصر وتسراها نبي كريم، وخليل جليل، ﵉. ثم دخلت سنة سبع عشرة في المحرم منها انتقل سعد بن أبى وقاص من المدائن إلى الكوفة، وذلك أن الصحابة استوخموا المدائن، وتغيرت ألوانهم، وضعفت أبدانهم، لكثرة ذبابها وغبارها، فكتب سعد إلى عمر في ذلك، فكتب عمر: إن العرب لا تصلح إلا حيث يوافق إبلها. فبعث سعد حذيفة وسلمان بن زياد يرتادان للمسلمين منزلا مناسبا يصلح لاقامتهم. فمرا على أرض الكوفة وهي حصباء في رملة حمراء،

стр. 2196

فأعجبتهما ووجد لك ديرات ثلاث دير حرقة بنت النعمان، ودير أم عمرو، ودير سلسلة، وبين ذلك خصاص خلال هذه الكوفة، فنزلا فصليا لك وقال كل واحد منهما: اللهم رب السماء وما أظلت، ورب الأرض وما أقلت، ورب الريح وما ذرت، والنجوم وما هوت، والبحار وما جرت، والشياطين وما أضلت، والخصاص وما أجنت، بارك لنا في هذه الكوفة واجعلها منزل ثبات. ثم كتبا إلى سعد بالخبر، فأمر سعد باختطاط الكوفة، وسار إليها في أول هذه السنة في محرمها، فكان أول بناء وضع فيها المسجد. وأمر سعد رجلا راميا شديد الرمي، فرمى من المسجد إلى الأربع جهات فحيث سقط سهمه بنى الناس منازلهم، وعمر قصرا تلقاء محراب المسجد للامارة وبيت المال، فكان أول ما بنوا المنازل بالقصب، فاحترقت في أثناء السنة، فبنوها باللبن عن أمر عمر، بشرط أن لا يسرفوا ولا يجاوزوا الحد. وبعث سعد إلى الأمراء والقبائل فقدموا عليه، فأنزلهم الكوفة، وأمر سعد أبا هياج الموكل بإنزال الناس فيها بأن يعمروا ويدعوا للطريق المنهج وسع أربعين ذراعا. ولما دون ذلك ثلاثين وعشرين ذراعا، وللازقة سبعة أذرع. وبنى لسعد قصر قريب من السوق، فكانت غوغاء الناس تمنع سعدا من الحديث، فكان يغلق بابه ويقول: سكن الصويت فلما بلغت هذه الكلمة عمر بن الخطاب بعث محمد بن مسلمة، فأمره إذا انتهى إلى الكوفة أن يقدح زناده ويجمع حطبا ويحرق باب القصر ثم يرجع من فوره. فلما انتهى إلى الكوفة فعل ما أمره به عمر، وأمر سعدا أن لا يغلق بابه عن الناس، ولا يجعل على بابه أحدا يمنع الناس عنه، فامتثل ذلك سعد وعرض على محمد بن مسلمة شيئا من المال فامتنع من قبوله، ورجع إلى المدينة، واستمر سعد بعد ذلك في الكوفة ثلاث سنين ونصف، حتى عزله عنها عمر، من غير عجز ولا خيانة. قصة أبى عبيدة وحصر الروم له بحمص وقدوم عمر إلى الشام أيضا لينصره وذلك أن جمعا من الروم عزموا على حصار أبى عبيدة بحمص، واستجاشوا بأهل الجزيرة، وخلق ممن لك، وقصدوا أبا عبيدة، فبعث أبو عبيدة إلى خالد فقدم عليه من قنسرين، وكتب إلى عمر بذلك، واستشار أبو عبيدة المسلمين في أن يناجز الروم أو يتحصن بالبلد حتى يجيء أمر عمر؟ فكلهم أشار بالتحصن، إلا خالدا فإنه أشار بمناجزتهم، فعصاه وأطاعهم. وتحصن بحمص وأحاط به الروم، وكل بلد من بلدان الشام مشغول أهله عنه بأمرهم، ولو تركوا ما هم فيه وأقبلوا إلى حمص لانخرم النظام في الشام كله. وكتب عمر إلى سعد أن يندب الناس مع القعقاع بن عمرو، ويسيرهم إلى حمص من يوم يقدم عليه الكتاب، نجدة لأبى عبيدة فإنه محصور، وكتب إليه أن يجهز حيشا إلى أهل الجزيرة الذين مالئوا الروم على حصار أبى عبيدة ويكون أمير الجيش إلى الجزيرة عياض ابن غنم. فخرج الجيشان معا من الكوفة، القعقاع في أربعة آلاف نحو حمص لنجدة أبى عبيدة،

стр. 2197

وخرج عمر بنفسه من المدينة لينصر أبا عبيدة، فبلغ الجابية وقيل إنما بلغ سرع. قاله ابن إسحاق، وهو أشبه والله أعلم. فلما بلغ أهل الجزيرة الذين مع الروم على حمص أن الجيش قد طرق بلادهم، انشمروا إلى بلادهم، وفارقوا الروم، وسمعت الروم بقدوم أمير المؤمنين عمر لينصر نائبة عليهم فضعف جانبهم جدا. وأشار خالد على أبى عبيدة بأن يبرز إليهم ليقاتلهم، ففعل ذلك أبو عبيدة، ففتح الله عليه ونصره، وهزمت الروم هزيمة فظيعة. وذلك قبل ورود عمر عليهم، وقبل وصول الامداد إليهم بثلاث ليال. فكتب أبو عبيدة إلى عمر وهو بالجابية يخبره بالفتح وأن المدد وصل إليهم بعد ثلاث ليال وسأله هل يدخلهم في القسم معهم مما أفاء الله عليهم؟ فجاء الجواب بأن يدخلهم معهم في الغنيمة، فان العدو إنما ضعف وإنما انشمر عنه المدد من خوفهم منهم، فأشركهم أبو عبيدة في الغنيمة. وقال عمر: جزى الله أهل الكوفة خيرا يحمون حوزتهم ويمدون أهل الأمصار. فتح الجزيرة قال ابن جرير: وفي هذه السنة فتحت الجزائر فيما قاله سيف بن عمر، قال ابن جرير: في ذي الحجة من سنة سبع عشرة فوافق سيف بن عمر في كونها في هذه السنة. وقال ابن إسحاق: كان ذلك في سنة تسع عشرة. سار إليها عياض بن غنم. وفي صحبته أبو موسى الأشعري وعمر بن سعد ابن أبى وقاص، وهو غلام صغير السن ليس إليه من الأمر شيء، وعثمان بن أبى العاص. فنزل الرها فصالحه أهلها على الجزية، وصالحت حران على ذلك. ثم بعث أبا موسى الأشعري إلى نصيبين، وعمر بن سعد إلى رأس العين، وسار بنفسه إلى دارا، فافتتحت هذه البلدان، وبعث عثمان بن أبى العاص إلى أرمينية، فكان عندها شيء من قتال قتل فيه صفوان بن المعطل السلمي شهيدا. ثم صالحهم عثمان بن أبى العاص على الجزية، على كل أهل بيت دينار. وقال سيف في روايته: جاء عبد الله بن عبد الله بن غسان فسلك على رجليه حتى انتهى إلى الموصل فعبر إلى بلد حتى انتهى إلى نصيبين، فلقوه بالصلح وصنعوا كما صنع أهل الرقة. وبعث إلى عمر برءوس النصارى من عرب أهل الجزيرة، فقال لهم عمر: أدوا الجزية. فقالوا: أبلغنا مأمننا فو الله لئن وضعت علينا الجزية لندخلن أرض الروم، والله لتفضحنا من بين العرب. فقال لهم: أنتم فضحتم أنفسكم، وخالفتم أمتكم، ووالله لتؤدن الجزية وأنتم صغرة قمئة، ولئن هربتم إلى الروم لأكتبن فيكم، ثم لأسبينكم. قالوا: فخذ منا شيئا ولا تسميه جزية. فقال: أما نحن فنسميه جزية، وأما أنتم فسموه ما شئتم. فقال له على بن أبى طالب: ألم يضعف عليهم سعد الصدقة؟ قال: بلى: وأصغى إليه ورضى به منهم. قال ابن جرير: وفي هذه السنة قدم عمر بن الخطاب ﵁ إلى الشام فوصل إلى سرع

стр. 2198

في قول محمد بن إسحاق، وقال سيف: وصل إلى الجابية. قلت: والأشهر أنه وصل سرع، وقد تلقاه أمراء الأجناد، أبو عبيدة، ويزيد بن أبى سفيان، وخالد بن الوليد، إلى سرع فأخبروه أن الوباء قد وقع بالشام، فاستشار عمر المهاجرين والأنصار فاحتلفوا عليه، فمن قائل يقول: أنت قد جئت لأمر فلا ترجع عنه. ومن قائل يقول: لا نرى أن تقدم بوجوه أصحاب رسول الله ﷺ على هذا الوباء. فيقال إن عمر أمر الناس بالرجوع من الغد. فقال أبو عبيدة: أفرارا من قدر الله؟ قال: نعم! نفر من قدر الله إلى قدر الله، أرأيت لو هبطت واديا ذا عدوتين إحداهما مخصبة والأخرى مجدبة، فان رعيت الخصبة رعيتها بقدر الله، وإن أنت رعيت الجدبة رعيتها بقدر الله؟ ثم قال لو غيرك يقولها يا أبا عبيدة. قال ابن إسحاق في روايته وهو في صحيح البخاري: وكان عبد الرحمن بن عوف متغيبا في بعض شأنه، فلما قدم قال: إن عندي من ذلك علما، سمعت رسول الله ﷺ ، يقول: إذا سمعتم به بأرض قوم فلا تقدموا عليه، وإذا وقع بأرض وأنتم فيها فلا تخرجوا فرارا منه. فحمد الله عمر - يعنى لكونه وافق رأيه - ورجع بالناس. وقال الامام أحمد: ثنا وكيع ثنا سفيان بن حسين بن أبى ثابت عن إبراهيم بن سعد عن سعد بن مالك بن أبى وقاص وخزيمة بن ثابت وأسامة بن زيد قالوا: قال رسول الله ﷺ : «إن هذا الطاعون رجز وبقية عذاب عذب به قوم قبلكم، فإذا وقع بأرض أنتم فيها فلا تخرجوا منها فرارا منه، وإذا سمعتم به بأرض فلا تدخلوا عليه» ورواه الامام أحمد أيضا من حديث سعيد بن المسيب ويحيى بن سعيد عن سعد بن أبى وقاص به. قال سيف بن عمر: كان الوباء قد وقع بالشام في المحرم من هذه السنة ثم ارتفع، وكأن سيفا يعتقد أن هذا الوباء هو طاعون عمواس، الّذي هلك فيه خلق من الأمراء ووجوه المسلمين، وليس الأمر كما زعم، بل طاعون عمواس من السنة المستقبلة بعد هذه، كما سنبينه إن شاء الله تعالى. وذكر سيف بن عمر أن أمير المؤمنين عمر كان قد عزم على أن يطوف البلدان، ويزور الأمراء، وينظر فيما اعتمدوه وما آثروا من الخير، فاختلف عليه الصحابة فمن قائل يقول أبدا بالعراق، ومن قائل يقول بالشام، فعزم عمر على قدوم الشام لأجل قسم مواريث من مات من المسلمين في طاعون عمواس، فإنه أشكل قسمها على المسلمين بالشام فعزم على ذلك. وهذا يقتضي أن عمر عزم على قدوم الشام بعد طاعون عمواس، وقد كان الطاعون في سنة ثماني عشرة كما سيأتي، فهو قدوم آخر غير قدوم سرع. والله أعلم. قال سيف عن أبى عثمان وأبى حارثة والربيع بن النعمان قالوا: قال عمر: ضاعت مواريث الناس بالشام أبدأ بها فأقسم المواريث وأقيم لهم ما في نفسي، ثم أرجع فأتقلب في البلاد وأنبذ إليهم أمرى. قالوا: فأتى عمر الشام أربع مرات مرتين في سنة ست عشرة، ومرتين في سنة سبع

стр. 2199

عشرة، ولم يدخلها في الأولى من الأخريين. وهذا يقتضي ما ذكرناه عن سيف أنه يقول بكون طاعون عمواس في سنة سبع عشرة. وقد خالفه محمد بن إسحاق وأبو معشر وغير واحد، فذهبوا إلى أنه كان في سنة ثماني عشرة. وفيه توفى أبو عبيدة ومعاذ ويزيد بن أبى سفيان، وغيرهم من الأعيان، على ما سيأتي تفصيله إن شاء الله تعالى. ذكر شيء من أخبار طاعون عمواس الّذي توفى فيه أبو عبيدة ومعاذ ويزيد بن أبى سفيان وغيرهم من أشراف الصحابة وغيرهم. أورده ابن جرير في هذه السنة. قال محمد بن إسحاق عن شعبة عن المختار بن عبد الله البجلي عن طارق بن شهاب البجلي. قال: أتينا أبا موسى وهو في داره بالكوفة لنتحدث عنده فلما جلسنا قال: لا تحفوا فقد أصيب في الدار إنسان بهذا السقم، ولا عليكم أن تتنزهوا عن هذه القرية فتخرجوا في فسيح بلادكم ونزهها، حتى يرتفع هذا البلاء، فانى سأخبركم بما يكره مما يتقى. من ذلك أن يظن من خرج أنه لو قام مات، ويظن من أقام فأصابه ذلك أنه لو خرج لم يصبه، فإذا لم يظن ذلك هذا المرء المسلم فلا عليه أن يخرج وأن يتنزه عنه، إني كنت مع أبى عبيدة بن الجراح بالشام عام طاعون عمواس، فلما اشتعل الوجع وبلغ ذلك عمر كتب إلى أبى عبيدة ليستخرجه منه: أن سلام عليك أما بعد فإنه قد عرضت لي إليك حاجة أريد أن أشافهك بها، فعزمت عليك إذا نظرت في كتابي هذا أن لا تضعه من يدك حتى تقبل إلى: قال فعرف أبو عبيدة أنه إنما أراد أن يستخرجه من الوباء. فقال: يغفر الله لأمير المؤمنين. ثم كتب إليه يا أمير المؤمنين إني قد عرفت حاجتك إلى، وإني في جند من المسلمين لا أجد بنفسي رغبة عنهم، فلست أريد فراقهم حتى يقضى الله في وفيهم أمره وقضاءه، فخلني من عزمتك يا أمير المؤمنين، ودعني في جندي. فلما قرأ عمر الكتاب بكى فقال الناس يا أمير المؤمنين أمات أبو عبيدة؟ قال: لا، وكأن قد. قال: ثم كتب إليه «سلام عليك أما بعد فإنك أنزلت الناس أرضا عميقة فارفعهم إلى أرض مرتفعة نزهة» قال أبو موسى: فلما أتاه كتابه دعائي فقال: يا أبا موسى، إن كتاب أمير المؤمنين قد جاءني بما ترى، فاخرج فارتد للناس منزلا حتى أتبعك بهم، فرجعت إلى منزلي لأرتحل فوجدت صاحبتي قد أصيبت، فرجعت إليه وقلت: والله لقد كان في أهلي حدث. فقال: لعل صاحبتك قد أصيبت؟ قلت: نعم، فأمر ببعير فرحل له فلما وضع رجله في غرزه طعن فقال: والله لقد أصبت، ثم سار بالناس حتى نزل الجابية ورفع عن الناس الوباء. وقال محمد بن إسحاق عن أبان بن صالح عن شهر بن حوشب عن رابة - رجل من قومه -. وكان قد خلف على أمه بعد أبيه، وكان قد شهد طاعون عمواس. قال: لما اشتعل الوجع قام أبو عبيدة في

стр. 2200

الناس خطيبا فقال: أيها الناس، إن هذا الوجع رحمة بكم ودعوة نبيكم وموت الصالحين قبلكم، وإن أبا عبيدة يسأل الله أن يقسم لأبى عبيدة حظه، فطعن، فمات واستخلف على الناس معاذ بن جبل، فقام خطيبا بعده. فقال: أيها الناس، إن هذا الوجع رحمة بكم، ودعوة نبيكم، وموت الصالحين قبلكم، وإن معاذا يسأل الله تعالى أن يقسم لآل معاذ حظهم، فطعن ابنه عبد الرحمن فمات، ثم قام فدعا لنفسه فطعن في راحته فلقد رأيته ينظر إليها ثم يقلب (١) ظهر كفه ثم يقول: ما أحب أن لي بما فيك شيئا من الدنيا. فلما مات استخلف على الناس عمرو بن العاص فقام فيهم خطيبا فقال: أيها الناس، إن هذا الوجع إذا وقع فإنما يشتعل اشتعال النار، فتحصنوا منه في الجبال. فقال أبو وائل الهذلي: كذبت والله لقد صحبت رسول الله ﷺ وأنت شر من حماري هذا. فقال: والله ما أرد عليكم ما تقول، وأيم الله لا نقيم عليه. قال: ثم خرج وخرج الناس فتفرقوا ودفعه الله عنهم. قال: فبلغ ذلك عمر بن الخطاب من رأى عمرو بن العاص فو الله ما كرهه. قال ابن إسحاق: ولما انتهى إلى عمر مصاب أبى عبيدة ويزيد بن أبى سفيان، أمر معاوية على جند دمشق وخراجها، وأمر شرحبيل بن حسنة على جند الأردن وخراجها. وقال سيف بن عمر عن شيوخه قالوا: لما كان طاعون عمواس وقع مرتين لم ير مثلهما وطال مكثه، وفنى خلق كثير من الناس، حتى طمع العدو وتخوفت قلوب المسلمين لذلك. قلت: ولهذا قدم عمر بعد ذلك إلى الشام فقسم مواريث الذين ماتوا لما أشكل أمرها على الأمراء، وطابت قلوب الناس بقدومه، وانقمعت الأعداء من كل جانب لمجيئه إلى الشام ولله الحمد والمنة. وقال سيف بعد ذكره قدوم عمر بعد طاعون عمواس في آخر سنة سبع عشرة، قال: فلما أراد القفول إلى المدينة في ذي الحجة منها خطب الناس فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: ألا إني قد وليت عليكم وقضيت الّذي على في الّذي ولانى الله من أمركم إن شاء الله، فبسطنا بينكم فيئكم ومنازلكم ومغازيكم، وأبلغناكم ما لدينا، فجندنا لكم الجنود، وهيأنا لكم العروج، وبوأنا لكم، ووسعنا عليكم ما بلغ فيؤكم وما قاتلتم عليه من شامكم، وسمينا لكم أطعماتكم، وأمرنا لكم بأعطياتكم وأرزاقكم ومغانمكم. فمن علم شيئا ينبغي العمل به فليعلمنا نعمل به إن شاء الله ولا قوة إلا بالله. قال وحضرت الصلاة فقال الناس: لو أمرت بلالا فأذن؟ فأمره فأذن فلم يبق أحد كان أدرك رسول الله ﷺ وبلال يؤذن إلا بكى حتى بل لحيته، وعمر أشدهم بكاء، وبكى من لم يدركه لبكائهم ولذكره ﷺ . وذكر ابن جرير في هذه السنة من طريق سيف بن عمر عن أبى المجالد أن عمر بن الخطاب

стр. 2201

بعث ينكر على خالد بن الوليد في دخوله إلى الحمام، وتدلكه بعد النورة بعصفر معجون بخمر، فقال في كتابه: إن الله قد حرم ظاهر الخمر وباطنه، كما حرم ظاهر الإثم وباطنه، وقد حرم مس الخمر فلا تمسوها أجسامكم فإنها نجس، فإن فعلتم فلا تعودوا. فكتب إليه خالد: إنا قتلناها فعادت غسولا غير خمر. فكتب إليه عمر: إني أظن أن آل المغيرة قد ابتلوا بالجفاء فلا أماتكم الله عليه فانتهى لذلك. قال سيف: وأصاب أهل البصرة تلك السنة طاعون أيضا فمات بشر كثير وجم غفير، ﵏ ورضى الله عنهم أجمعين. قالوا: وخرج الحارث بن هشام في سبعين من أهله إلى الشام فلم يرجع منهم إلا أربعة. فقال المهاجرين خالد في ذلك. من يسكن الشام يعرس به … والشام إن لم يفننا كارب أفنى بنى ريطة فرسانهم … عشرون لم يقصص لهم شارب ومن بنى أعمامهم مثلهم … لمثل هذا يعجب العاجب طعنا وطاعونا مناياهم … ذلك ما خط لنا الكاتب كائنة غريبة فيها عزل خالد عن قنسرين أيضا قال ابن جرير: وفي هذه السنة أدرب خالد بن الوليد وعياض بن غنم، أي سلكا درب الروم وأغارا عليهم، فغنموا أموالا عظيمة وسبيا كثيرا. ثم روى من طريق سيف عن أبى عثمان وأبى حارثة والربيع وأبى المجالد. قالوا: لما رجع خالد ومعه أموال جزيلة من الصائفة انتجعه الناس يبتغون رفده ونائله، فكان ممن دخل عليه الأشعث بن قيس فأجازه بعشرة آلاف فلما بلغ ذلك عمر كتب إلى أبى عبيدة يأمره أن يقيم خالدا ويكشف عمامته وينزع عنه قلنسوته ويقيده بعمامته ويسأله عن هذه العشرة آلاف، إن كان أجازها الأشعث من ماله فهو سرف، وإن كان من مال الصائفة فهي خيانة ثم اعزله عن عمله. فطلب أبو عبيدة خالدا وصعد أبو عبيدة المنبر، وأقيم خالد بين يدي المنبر، وقام إليه بلال ففعل ما أمر به عمر بن الخطاب هو والبريد الّذي قدم بالكتاب. هذا وأبو عبيدة ساكت لا يتكلم، ثم نزل أبو عبيدة واعتذر إلى خالد مما كان بغير اختياره وإرادته، فعذره خالد وعرف أنه لا قصد له في ذلك. ثم سار خالد إلى قنسرين فخطب أهل البلد وودعهم، وسار بأهله إلى حمص فخطبهم أيضا وودعهم وسار إلى المدينة، فلما دخل خالد على عمر أنشد عمر قول الشاعر صنعت فلم يصنع كصنعك صانع … وما يصنع الأقوام فالله صانع ثم سأله من أين هذا اليسار الّذي تجيز منه بعشرة آلاف؟ فقال: من الأنفال والسهمان. قال:

стр. 2202

فما زاد على الستين ألفا فلك، ثم قوم أمواله وعروضه وأخذ منه عشرين ألفا ثم قال: والله إنك عليّ لكريم، وإنك إلى لحبيب، ولن تعمل لي بعد اليوم على شيء. وقال سيف عن عبد الله عن المستورد عن أبيه عن عدي بن سهل. قال: كتب عمر إلى الأمصار: إني لم أعزل خالدا عن سخطة ولا خيانة، ولكن الناس فتنوا به فأحببت أن يعلموا أن الله هو الصانع. ثم رواه سيف عن مبشر عن سالم قال: لما قدم خالد على عمر فذكر مثله. قال الواقدي: وفي هذه السنة اعتمر عمر في رجب منها، وعمر في المسجد الحرام وأمر بتجديد أنصاب الحرم، أمر بذلك لمخرمة بن نوفل، وأزهر بن عبد عوف، وحويطب بن عبد العزى، وسعيد بن يربوع. قال الواقدي: وحدثني كثير بن عبد الله المري عن أبيه عن جده قال: قدم عمر مكة في عمرة سنة سبع عشرة، فمر في الطريق فكلمه أهل المياه أن يبنوا منازل بين مكة والمدينة - ولم يكن قبل ذلك بناء - فأذن لهم وشرط عليهم أن ابن السبيل أحق بالظل والماء. قال الواقدي: وفيها تزوج عمر بأم كلثوم بنت على بن أبى طالب، من فاطمة بنت رسول الله ﷺ ، ودخل بها في ذي القعدة. وقد ذكرنا في سيرة عمر ومسندة صفة تزويجه بها وأنه أمهرها أربعين ألفا، وقال إنما تزوجتها لقول رسول الله ﷺ «كل سبب ونسب فإنه ينقطع يوم القيامة إلا سببي ونسبي» قال: وفي هذه السنة ولى عمر أبا موسى الأشعري البصرة، وأمره أن يشخص إليه المغيرة بن شعبة في ربيع الأول، فشهد عليه فيما حدثني معمر عن الزهري عن سعيد بن المسيب: أبو بكرة، وشبل بن معبد البجلي، ونافع بن عبيد، وزياد. ثم ذكر الواقدي وسيف هذه القصة وملخصها: أن امرأة كان يقال لها أم جميل بنت الأفقم، من نساء بن عامر بن صعصعة، ويقال من نساء بنى هلال. وكان زوجها من ثقيف قد توفى عنها، وكانت تغشى نساء الأمراء والأشراف، وكانت تدخل على بيت المغيرة بن شعبة وهو أمير البصرة، وكانت دار المغيرة تجاه دار أبى بكرة، وكان بينهما الطريق، وفي دار أبى بكرة كوة تشرف على كوة في دار المغيرة، وكان لا يزال بين المغيرة وبين أبى بكرة شنئان. فبينما أبو بكرة في داره وعنده جماعة يتحدثون في العلية، إذ فتحت الريح باب الكوفة، فقام أبو بكرة ليغلقها، فإذا كوة المغيرة مفتوحة، وإذا هو على صدر امرأة وبين رجليها، وهو يجامعها، فقال أبو بكرة لأصحابه: تعالوا فانظروا إلى أميركم يزني بأم جميل. فقاموا فنظروا إليه وهو يجامع تلك المرأة، فقالوا لأبى بكرة: ومن أين قلت إنها أم جميل؟ - وكان رأساهما من الجانب الآخر -. فقال: انتظروا، فلما فرغا قامت المرأة فقال أبو بكرة: هذه أم جميل. فعرفوها فيما يظنون. فلما خرج المغيرة - وقد اغتسل - ليصلي بالناس منعه أبو بكرة أن يتقدم. وكتبوا إلى عمر في ذلك، فولى عمر أبا موسى الأشعري أميرا على البصرة. وعزل المغيرة، فسار إلى البصرة فنزل

стр. 2203

البرد. فقال المغيرة: والله ما جاء أبو موسى تاجرا ولا زائرا ولا جاء إلا أميرا. ثم قدم أبو موسى على الناس وناول المغيرة كتابا من عمر هو أوجز كتابه فيه «أما بعد فإنه بلغني نبأ عظيم فبعثت أبا موسى أميرا فسلم ما في يديك والعجل» وكتب إلى أهل البصرة: إني قد وليت عليكم أبا موسى ليأخذ من من قويكم لضعيفكم، وليقاتل بكم عدوكم، وليدفع عن دينكم وليجبى لكم فيئكم ثم ليقسمه بينكم. وأهدى المغيرة لأبى موسى جارية من مولدات الطائف تسمى عقيلة وقال: إني رضيتها لك، وكانت فارهة. وارتحل المغيرة والذين شهدوا عليه وهم أبو بكرة، ونافع بن كلدة، وزياد بن أمية، وشبل بن معبد البجلي. فلما قدموا على عمر جمع بينهم وبين المغيرة. فقال المغيرة: سل هؤلاء الأعبد كيف رأوني؟ مستقبلهم أو مستدبرهم؟ وكيف رأوا المرأة وعرفوها، فان كانوا مستقبلي فكيف لم يستتروا؟ أو مستدبرى فكيف استحلوا النظر في منزلي على امرأتي؟ والله ما أتيت إلا امرأتي وكانت تشبهها. فبدأ عمر بأبي بكرة فشهد عليه أنه رآه بين رجلي أم جميل وهو يدخله ويخرجه كالميل في المكحلة، قال: كيف رأيتهما؟ قال: مستدبرهما. قال: فكيف استبنت رأسها قال: تحاملت. ثم دعا شبل ابن معبد فشهد بمثل ذلك، فقال استقبلتهما أم استدبرتهما؟ قال: استقبلتهما. وشهد نافع بمثل شهادة أبى بكرة ولم يشهد زياد بمثل شهادتهم. قال: رأيته جالسا بين رجلي امرأة فرأيت قدمين مخضوبتين يخفقان واستين مكشوفتين، وسمعت حفزانا شديدا. قال: هل رأيت كالميل في المكحلة؟ قال: لا. قال: فهل تعرف المرأة؟ قال: لا ولكن أشبهها. قال: فتنح. وروى أن عمر ﵁ كبر عند ذلك ثم أمر بالثلاثة فجلدوا. الحد وهو يقرأ قوله تعالى ﴿فَإِذْ لَمْ يَأْتُوا بِالشُّهَداءِ فَأُولئِكَ عِنْدَ اللهِ هُمُ الْكاذِبُونَ﴾ فقال المغيرة: اشفني من الأعبد. قال: اسكت أسكت الله فاك، والله لو تمت الشهادة لرجمناك بأحجارك. فتح الأهواز ومناذر ونهر تيري قال ابن جرير: كان في هذه السنة، وقيل: في سنة ست عشرة. ثم روى من طريق سيف عن شيوخه أن الهرمزان كان قد تغلب على هذه الأقاليم وكان ممن فر يوم القادسية من الفرس، فجهز أبو موسى من البصرة، وعتبة بن غزوان من الكوفة جيشين لقتاله، فنصرهم الله عليه، وأخذوا منه ما بين دجلة إلى دجيل، وغنموا من جيشه ما أرادوا، وقتلوا من أرادوا، ثم صانعهم وطلب مصالحتهم عن بقية بلاده، فشاورا في ذلك عتبة بن غزوان فصالحه، وبعث بالأخماس والبشارة إلى عمر، وبعث وفدا فيهم الأحنف بن قيس. فأعجب عمر به وحظي عنده. وكتب إلى عتبة يوصيه به ويأمره بمشاورته والاستعانة برأيه. ثم نقض الهرمزان العهد والصلح، واستعان بطائفة من الأكراد، وغرته نفسه، وحسن له الشيطان عمله في ذلك. فبرز إليه المسلمون فنصروا عليه وقتلوا من جيشه جما

стр. 2204

غفيرا، وخلقا كثيرا، وجمعا عظيما، واستلبوا منه ما بيده من الأقاليم والبلدان إلى تستر، فتحصن بها، وبعثوا إلى عمر بذلك. وقد قال الأسود بن سريع في ذلك - وكان صحابيا ﵁. لعمرك ما أضاع بنو أبينا … ولكن حافظوا فيمن يطيعوا أطاعوا ربهم وعصاه قوم … أضاعوا أمره فيمن يضيع مجوس لا ينهنهها كتاب … فلاقوا كبة فيها قبوع وولى الهرمزان على جواد … سريع الشد يثفنه الجميع وخلى سرة الأهواز كرها … غداة الجسر إذ نجم الربيع وقال حرقوص بن زهير السعدي وكان صحابيا أيضا: غلبنا الهرمزان على بلاد … لها في كل ناحية ذخائر سواء برهم والبحر فيها … إذا صارت نواحيها بواكر لها بحر يعج بجانبيه … جعافر لا يزال لها زواخر فتح تستر المرة الأولى صلحا قال ابن جرير: كان ذلك في هذه السنة في قول سيف وروايته. وقال غيره: في سنة ست عشرة وقال غيره: كانت في سنة تسع عشرة. ثم قال ابن جرير: ذكر الخبر عن فتحها، ثم ساق من طريق سيف عن محمد وطلحة والمهلب وعمرو قالوا: ولما افتتح حرقوص بن زهير سوق الأهواز، وفر الهرمزان بين يديه، فبعث في إثره جزء بن معاوية - وذلك عن كتاب عمر بذلك - فما زال جزء يتبعه حتى انتهى إلى رامهرمز فتحصن الهرمزان في بلادها، وأعجز جزءا تطلبه، واستحوذ جزء على تلك البلاد والأقاليم والأراضي، فضرب الجزية على أهلها، وعمر عامرها، وشق الأنهار إلى خرابها ومواتها: فصارت في غاية العمارة والجودة. ولما رأى الهرمزان ضيق بلاده عليه لمجاورة المسلمين، طلب من جزء بن معاوية المصالحة، فكتب إلى حرقوص، فكتب حرقوص إلى عتبة بن غزوان، وكتب عتبة إلى عمر في ذلك. فجاء الكتاب العمرى بالمصالحة على رامهرمز، وتستر، وجندسابور، ومدائن أخر مع ذلك. فوقع الصلح على ذلك كما أمر به عمر ﵁. ذكر غزو بلاد فارس من ناحية البحرين (فيما حكاه ابن جرير عن سيف في هذه السنة) وذلك أن العلاء بن الحضرميّ كان على البحرين في أيام الصديق، فلما كان عمر عزله عنها وولاها لقدامة بن مظعون. ثم أعاد العلاء بن الحضرميّ إليها. وكان العلاء بن الحضرميّ يبارى سعد بن أبى وقاص. فلما افتتح سعد القادسية، وأزاح كسرى عن داره، وأخذ حدود ما يلي السواد، واستعلى

стр. 2205

وجاء بأعظم مما جاء به العلاء بن الحضرميّ من ناحية البحرين. فأحب العلاء أن يفعل فعلا في فارس نظير ما فعله سعد فيهم، فندب الناس إلى حربهم، فاستجاب له أهل بلاده، فجزأهم أجزاء، فعلى فرقة الجارود بن المعلى، وعلى الأخرى السوار بن همام، وعلى الأخرى خليد بن المنذر بن ساوى، وخليد هو أمير الجماعة. فحملهم في البحر إلى فارس، وذلك بغير إذن عمر له في ذلك - وكان عمر يكره ذلك لأن رسول الله ﷺ وأبا بكر ما أغزيا فيه المسلمين - فعبرت تلك الجنود من البحرين إلى فارس، فخرجوا من عند إصطخر فحالت فارس بينهم وبين سفنهم، فقام في الناس خليد بن المنذر فقال: أيها الناس، إنما أراد هؤلاء القوم بصنيعهم هذا محاربتكم، وأنتم جئتم لمحاربتهم، فاستعينوا بالله وقاتلوهم، فإنما الأرض والسفن لمن غلب، ﴿وَاِسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلاةِ وَإِنَّها لَكَبِيرَةٌ إِلاّ عَلَى الْخاشِعِينَ﴾ فأجابوه إلى ذلك فصلوا الظهر ثم ناهدوهم فاقتتلوا قتالا شديدا في مكان من الأرض يدعى طاوس، ثم أمر خليد المسلمين فترجلوا وقاتلوا فصبروا، ثم ظفروا فقتلوا فارس مقتلة لم يقتلوا قبلها مثلها. ثم خرجوا يريدون البصرة فغرقت بهم سفنهم، ولم يجدوا إلى الرجوع في البحر سبيلا ووجدوا شهرك في أهل إصطخر قد أخذوا على المسلمين بالطرق، فعسكروا وامتنعوا من العدو. ولما بلغ عمر ما صنع العلاء بن الحضرميّ، اشتد غضبه عليه، وبعث إليه فعزله وتوعده، وأمره بأثقل الأشياء عليه، وأبغض الوجوه إليه. فقال: الحق بسعد بن أبى وقاص [فخرج العلاء إلى سعد بن أبى وقاص (١) و (٢)] مضافا إليه، وكتب عمر إلى عتبة بن غزوان: إن العلاء بن الحضرميّ خرج بجيش فأقطعهم أهل فارس وعصاني، وأظنه لم يرد الله بذلك، فخشيت عليهم إن لا ينصروا، أن يغلبوا وينشبوا، فاندب إليهم الناس واضممهم إليك من قبل أن يحتاجوا. فندب عتبة المسلمين وأخبرهم بكتاب عمر إليه في ذلك، فانتدب جماعة من الأمراء الأبطال، منهم هاشم بن أبى وقاص، وعاصم بن عمرو، وعرفجة بن هرثمة، وحذيفة بن محصن، والأخنف بن قيس، وغيرهم، في اثنى عشر ألفا. وعلى الجميع أبو سبرة بن أبى رهم. فخرجوا على البغال يجنبون الخيل سراعا، فساروا على الساحل لا يلقون أحدا حتى انتهوا إلى موضع الوقعة التي كانت بين المسلمين من أصحاب العلاء، وبين أهل فارس بالمكان المسمى بطاوس، وإذا خليد بن المنذر ومن معه من المسلمين محصورون قد أحاط بهم العدو من كل جانب، وقد تداعت عليهم تلك الأمم من كل وجه، وقد تكاملت أمداد المشركين، ولم يبق إلا القتال. فقدم المسلمون إليهم في أحوج ما هم فيه إليهم، فالتقوا مع المشركين رأسا، فكسر أبو سبرة المشركين كسرة عظيمة، وقتل منهم مقتلة عظيمة جدا، وأخذ منهم أموالا جزيلة باهرة، واستنقذ خليدا ومن معه من المسلمين من أيديهم، وأعز به الإسلام وأهله، ودفع

стр. 2206

الشرك وذله ولله الحمد والمنة ثم عادوا إلى عتبة بن غزوان إلى البصرة. ولما استكمل عتبة فتح تلك الناحية، استأذن عمر في الحج فأذن له فسار إلى الحج واستخلف على البصرة أبا سبرة بن أبى رهم، واجتمع بعمر في الموسم، وسأله أن يقيله فلم يفعل، وأقسم عليه ليرجعن إلى عمله. فدعا عتبة الله فمات ببطن نخلة، وهو منصرف من الحج، فتأثر عليه عمر وأثنى عليه خيرا، وولى بعده بالبصرة المغيرة بن شعبة، فوليها بقية تلك السنة والتي تليها، لم يقع في زمانه حدث، وكان مرزوق السلامة في عمله. ثم وقع الكلام في تلك المرأة من أبى بكرة فكان من أمره ما قدمنا. ثم بعث إليها أبا موسى الأشعري واليا عليها ﵃. ذكر فتح تستر ثانية عنوة والسوس ورامهرمز وأسر الهرمزان وبعثه إلى عمر بن الخطاب ﵁ قال ابن جرير: كان ذلك في هذه السنة في رواية سيف بن عمر التميمي. وكان سبب ذلك أن يزدجرد كان يحرض أهل فارس في كل وقت ويؤنبهم بملك العرب بلادهم وقصدهم إياهم في حصونهم فكتب إلى أهل الأهواز وأهل فارس فتحركوا وتعاهدوا وتعاقدوا على حرب المسلمين، وأن يقصدوا البصرة. وبلغ الخبر إلى عمر، فكتب إلى سعد - وهو بالكوفة - أن ابعث جيشا كثيفا إلى الأهواز مع النعمان بن مقرن وعجل وليكونوا بإزاء الهرمزان، وسمى رجالا من الشجعان الأعيان الأمراء يكونون في هذا الجيش، منهم جرير بن عبد الله البجلي، وجرير بن عبد الله الحميري، والنعمان بن مقرن، وسويد بن مقرن: وعبد الله بن ذي السهمين. وكتب عمر إلى أبى موسى وهو بالبصرة أن ابعث إلى الأهواز جندا كثيفا وأمر عليهم سهيل بن عدي، وليكن معه البراء بن مالك، وعاصم ابن عمرو، ومجزأة بن ثور، وكعب بن ثور، وعرفجة بن هرثمة، وحذيفة بن محصن، وعبد الرحمن بن سهل، والحصين بن معبد. وليكن على أهل الكوفة وأهل البصرة جميعا أبو سبرة بن أبى رهم، وعلى كل من أتاه من المدد. قالوا: فسار النعمان بن مقرن بجيش الكوفة فسبق البصريين فانتهى إلى رامهرمز وبها الهرمزان، فخرج إليه الهرمزان في جنده ونقض العهد بينه وبين المسلمين، فبادره طمعا أن يقتطعه قبل مجيء أصحابه من أهل البصرة رجاء أن ينصر أهل فارس، فالتقى معه النعمان بن مقرن بأربل، فاقتتلا قتالا شديدا، فهزم الهرمزان وفر إلى تستر، وترك رامهرمز فتسلمها النعمان عنوة وأخذ ما فيها من الحواصل والذخائر والسلاح والعدد. فلما وصل الخبر إلى أهل البصرة بما صنع الكوفيون بالهرمزان وأنه فر فلجأ إلى تستر، ساروا إليها ولحقهم أهل الكوفة حتى أحاطوا بها فحاصروها جميعا، وعلى الجميع أبو سبرة [فوجدوا الهرمزان قد حشد بها خلقا كثيرا، وجما غفيرا. وكتبوا إلى عمر في ذلك وسألوه أن يمدهم، فكتب إلى أبى موسى أن يسير إليهم. فسار إليهم - وكان أمير أهل

стр. 2207

البصرة واستمر أبو سبرة] (١) على الامرة على جميع أهل الكوفة والبصرة، فحاصرهم أشهرا وكثر القتل من الفريقين، وقتل البراء بن مالك أخو أنس بن مالك يومئذ مائة مبارز سوى من قتل غير ذلك، وكذلك فعل كعب بن ثور، ومجزأة بن ثور، وأبو يمامة (٢) وغيرهم من أهل البصرة، وكذلك أهل الكوفة قتل منهم جماعة مائة مبارزة كحبيب بن قرة، وربعي بن عامر، وعامر بن عبد الأسود وقد تزاحفوا أياما متعددة، حتى إذا كان في آخر زحف قال المسلمون للبراء، بن مالك - وكان مجاب الدعوة -: يا براء اقسم على ربك ليهزمنهم لنا. فقال: اللهمّ اهمزهم لنا، واستشهدني قال: فهزمهم المسلمون حتى أدخلوهم خنادقهم واقتحموها عليهم، ولجأ المشركون إلى البلد فتحصنوا به، وقد ضاقت بهم البلد، وطلب رجل من أهل البلد الأمان من أبى موسى فأمنه، فبعث يدل المسلمين على مكان يدخلون منه إلى البلد، وهو من مدخل الماء إليها، فندب الأمراء الناس إلى ذلك فانتدب رجال من الشجعان والأبطال، وجاءوا فدخلوا مع الماء - كالبط - إلى البلد، وذلك في الليل، فيقال كان أول من دخلها عبد الله بن مغفل المزني، وجاءوا إلى البوابين فأناموهم وفتحوا الأبواب، وكبر المسلمون فدخلوا البلد، وذلك في وقت الفجر إلى أن تعالى النهار، ولم يصلوا الصبح يومئذ إلا بعد طلوع الشمس [كما حكاه البخاري عن أنس بن مالك قال: شهدت فتح تستر، وذلك عند صلاة الفجر، فاشتغل الناس بالفتح فما صلوا الصبح إلا بعد طلوع الشمس] (٣) فما أحب أن لي بتلك الصلاة حمر النعم. احتج بذلك البخاري لمكحول والأوزاعي في ذهابهما إلى جواز تأخير الصلاة لعذر القتال. وجنح إليه البخاري واستدل بقصة الخندق في قوله ﵇ «شغلونا عن الصلاة الوسطى ملأ الله قبورهم وبيوتهم نارا» وبقوله يوم بنى قريظة «لا يصلين أحد منكم العصر إلا في بنى قريظة» فأخرها فريق من الناس إلى بعد غروب الشمس، ولم يعنفهم، وقد تكلمنا على ذلك في غزوة الفتح والمقصود أن الهرمزان لما فتحت البلد لجأ إلى القلعة فتبعه جماعة من الأبطال ممن ذكرنا وغيرهم فلما حصروه في مكان من القلعة ولم يبق إلا تلافه أو تلافهم، قال لهم بعد ما قتل البراء بن مالك ومجزأة بن ثور رحمهما الله: إن معى جعبة فيها مائة سهم، وإنه لا يتقدم إلى أحد منكم إلا رميته بسهم قتلته، ولا يسقط لي سهم إلا في رجل منكم، فماذا ينفعكم إن أسرتموني بعد ما قتلت منكم مائة رجل؟ قالوا: فماذا تريد؟ قال: تؤمنونى حتى أسلمكم يدي فتذهبوا بى إلى عمر بن الخطاب فيحكم فىّ بما يشاء. فأجابوه إلى ذلك فألقى قوسه ونشابه وأسروه فشدوه وثاقا وأرصدوه ليبعثوه إلى أمير

стр. 2208

المؤمنين عمر، ثم تسلموا ما في البلد من الأموال والحواصل فاقتسموا أربعة أخماسه فنال كل فارس ثلاثة آلاف وكل راجل ألف درهم. فتح السوس ثم ركب أبو سبرة في طائفة من الجيش ومعه أبو موسى الأشعري والنعمان بن مقرن، واستصحبوا معهم الهرمزان، وساروا في طلب المنهزمين من الفرس حتى نزلوا على السوس، فأحاطوا بها. وكتب أبو سبرة إلى عمر فجاء الكتاب بأن يرجع أبو موسى إلى البصرة، وأمر عمر زر بن عبد الله بن كليب العقيمى - وهو صحابى - أن يسير إلى جندسابور، فسار. ثم بعث أبو سبرة بالخمس وبالهرمزان مع وفد فيهم أنس بن مالك والأحنف بن قيس، فلما اقتربوا من المدينة هيئوا الهرمزان بلبسه الّذي كان يلبسه من الديباج والذهب المكلل بالياقوت واللآلئ. ثم دخلوا المدينة وهو كذلك فتيمموا به منزل أمير المؤمنين، فسألوا عنه فقالوا: انه ذهب إلى المسجد بسبب وفد من الكوفة، فجاءوا المسجد فلم يروا أحدا فرجعوا، فإذا غلمان يلعبون فسألوهم عنه فقالوا: إنه نائم في المسجد متوسدا برنسا له. فرجعوا إلى المسجد فإذا هو متوسد برنسا له كان قد لبسه للوفد، فلما انصرفوا عنه توسد البرنس ونام وليس في المسجد غيره، والدرة متعلقة في يده. فقال الهرمزان: أين عمر؟ فقالوا: هو ذا. وجعل الناس يخفضون أصواتهم لئلا ينبهوه، وجعل الهرمزان يقول: وأين حجابه؟ أين حرسه؟ فقالوا: ليس له حجاب ولا حرس، ولا كاتب ولا ديوان. فقال: ينبغي أن يكون نبيا. فقالوا: بل يعمل عمل الأنبياء. وكثر الناس فاستيقظ عمر بالجلبة فاستوى جالسا، ثم نظر إلى الهرمزان، فقال: الهرمزان؟ قالوا: نعم. فتأمله وتأمل ما عليه ثم قال: أعوذ بالله من النار وأستعين بالله. ثم قال: الحمد لله الّذي أذل بالإسلام هذا وأشياعه، يا معشر المسلمين تمسكوا بهذا الدين، واهتدوا بهدى نبيكم، ولا تبطرنكم الدنيا فإنها غدارة. فقال له الوفد: هذا ملك الأهواز فكلمه. فقال: لا حتى لا يبقى عليه من حليته شيء. ففعلوا ذلك وألبسوه ثوبا صفيقا، فقال عمر: يا هرمزان كيف رأيت وبال الغدر وعاقبة أمر الله؟ فقال: يا عمر: أنا وإياكم في الجاهلية كان الله قد خلى بيننا وبينكم فغلبناكم، إذ لم يكن معنا ولا معكم، فلما كان معكم غلبتمونا. فقال عمر: إنما غلبتمونا في الجاهلية باجتماعكم وتفرقنا. ثم قال: ما عذرك وما حجتك في انقاضك مرة بعد مرة؟ فقال: أخاف أن تقتلني قبل أن أخبرك. قال: لا تخف ذلك. فاستسقى الهرمزان ماء فأتى به في قدح [غليظ، فقال: لو مت عطشا لم أستطع أن أشرب في هذا. فأتى به في قدح] (١) آخر يرضاه فلما أخذه جعلت يده ترعد، وقال: إني أخاف أن أقتل وأنا أشرب. فقال عمر: لا بأس عليك حتى تشربه فأكفاه. فقال عمر:

стр. 2209

أعيدوه عليه ولا تجمعوا عليه القتل والعطش. فقال: لا حاجة لي في الماء، إنما أردت أن أستأنس به. فقال له عمر: إني قاتلك، فقال إنك أمنتنى. قال: كذبت، فقال أنس: صدق يا أمير المؤمنين، فقال عمر: ويحك يا أنس أنا أؤمن من قتل مجزأة والبراء؟ لتأتينى بمخرج والا عاقبتك، قال: قلت لا بأس عليك حتى تخبرني. وقلت لا بأس عليك حتى تشربه، وقال له من حوله مثل ذلك. فأقبل على الهرمزان فقال: خدعتني والله لا أنخدع الا أن تسلم. فأسلم ففرض له في ألفين وأنزله المدينة. وفي رواية أن الترجمان بين عمرو بن الهرمزان كان المغيرة بن شعبة، فقال له عمر: قل له من أي أرض أنت؟ قال مهرجانى. قال: تكلم بحجتك. فقال: أكلام حي أم ميت؟ قال: بل كلام حي. فقال قد أمنتنى، فقال خدعتني ولا أقبل ذلك إلا أن تسلم. فأسلم ففرض له في ألفين وأنزله المدينة. ثم جاء زيد فترجم بينهما أيضا. قلت: وقد حسن إسلام الهرمزان وكان لا يفارق عمر حتى قتل عمر فاتهمه بعض الناس بممالأة أبى لؤلؤة هو وجفينة، فقتل عبيد الله بن عمر الهرمزان وجفينة على ما سيأتي تفصيله. وقد روينا أن الهرمزان لما علاه عبيد الله بالسيف قال: لا إله إلا الله. وأما جفينة فصلب على وجهه. والمقصود أن عمر كان يحجر على المسلمين أن يتوسعوا في بلاد العجم خوفا عليهم من العجم، حتى أشار عليه الأحنف بن قيس بأن المصلحة تقتضي توسعهم في الفتوحات فان الملك يزدجرد لا يزال يستحثهم على قتال المسلمين، وإن لم يستأصل شأو العجم وإلا طمعوا في الإسلام وأهله، فاستحسن عمر ذلك منه وصوبه. وأذن للمسلمين في التوسع في بلاد العجم، ففتحوا بسبب ذلك شيئا كثيرا، ولله الحمد. وأكثر ذلك وقع في سنة ثماني عشرة كما سيأتي بيانه فيها. ثم نعود إلى فتح السوس وجندسابور وفتح نهاوند في قول سيف. كان قد تقدم أن أبا سبرة سار بمن معه من علية الأمراء من تستر إلى السوس، فنازلها حينا وقتل من الفريقين خلق كثير، فأشرف عليه علماء أهلها فقالوا: يا معشر المسلمين لا تتبعوا في حصار هذا البلد فانا نأثر فيما نرويه عن قدمائنا من أهل هذا البلد أنه لا يفتحه إلا الدجال أو قوم معهم الدجال، واتفق أنه كان في جيش أبى موسى الأشعري صاف بن صياد، فأرسله أبو موسى فيمن يحاصره، فجاء إلى الباب فدقه برجله فتقطعت السلاسل، وتكسرت الأغلاق، ودخل المسلمون البلد فقتلوا من وجدوا حتى نادوا بالأمان ودعوا الى الصلح فأجابوهم إلى ذلك، وكان على السوس شهريار أخو الهرمزان، فاستحوذ المسلمون على السوس، وهو بلد قديم العمارة في الأرض يقال إنه أول بلد وضع على وجه الأرض والله أعلم. وذكر ابن جرير أنهم وجدوا قبر دانيال بالسوس، وأن أبا موسى لما قدم بها بعد مضى أبى سبرة

стр. 2210

إلى جنديسابور، كتب إلى عمر في أمره فكتب إليه أن يدفنه وأن يغيب عن الناس موضع قبره، ففعل. وقد بسطنا ذلك في سيرة عمر ولله الحمد. قال ابن جرير: وقال بعضهم ان فتح السوس ورامهرمز وتسيير الهرمزان من تستر إلى عمر في سنة عشرين والله أعلم وكان الكتاب العمرى قد ورد بأن النعمان بن مقرن يذهب إلى أهل نهاوند فسار إليها فمر بماه - بلدة كبيرة قبلها - فافتتحها ثم ذهب إلى نهاوند ففتحها ولله الحمد. قلت: المشهور أن فتح نهاوند إنما وقع في سنة إحدى وعشرين كما سيأتي فيها بيان ذلك، وهي وقعة عظيمة وفتح كبير، وخبر غريب ونبأ عجيب، وفتح زر بن عبد الله الفقيمي مدينة جنديسابور (١) فاستوثقت تلك البلاد للمسلمين. هذا وقد تحول يزدجرد من بلد إلى بلد، حتى انتهى أمره إلى الاقامة بأصبهان، وقد كان صرف طائفة من أشراف أصحابه قريبا من ثلاثمائة من العظماء عليهم رجل يقال له سياه، فكانوا يفرون من المسلمين من بلد إلى بلد حتى فتح المسلمون تستر وإصطخر، فقال سياه لأصحابه: إن هؤلاء بعد الشقاء والذلة ملكوا أماكن الملوك الأقدمين، ولا يلقون جندا إلا كسروه، والله ما هذا عن باطل. - ودخل في قلبه الإسلام وعظمته - فقالوا له: نحن تبع لك. وبعث عمار ابن ياسر في غضون ذلك يدعوهم إلى الله، فأرسلوا إلى أبى موسى الأشعري بإسلامهم [وكتب فيهم إلى عمر في ذلك، فأمره أن يفرض لهم في ألفين ألفين، وفرض لستة منهم في ألفين وخمسمائة، وحسن إسلامهم] (٢) وكان لهم نكاية عظيمة في قتال قومهم حتى بلغ من أمرهم أنهم حاصروا حصنا فامتنع عليهم فجاء أحدهم فرمى بنفسه في الليل على باب الحصن وضمخ ثيابه بدم، فلما نظروا إليه حسبوا أنه منهم، ففتحوا إليه باب الحصن ليأووه فثار إلى البواب فقتله، وجاء بقية أصحابه ففتحوا ذلك الحصن، وقتلوا من فيه من المجوس. إلى غير ذلك من الأمور العجيبة والله يهدى من يشاء إلى صراط مستقيم. وذكر ابن جرير أن عمر بن الخطاب عقد الألوية والرايات الكبيرة في بلاد خراسان والعراق لغزو فارس والتوسع في بلادهم كما أشار عليه بذلك الأحنف بن قيس، فحصل بسبب ذلك فتوحات كثيرة في السنة المستقبلة بعدها كما سنبينه وننبه عليه ولله الحمد والمنة. قال: وحج بالناس في هذه السنة أمير المؤمنين عمر بن الخطاب، ثم ذكر نوابه على البلاد، وهم من ذكر في السنة قبلها غير المغيرة فان على البصرة بدله أبو موسى الأشعري. قلت: وقد توفى في هذه السنة أقوام قيل إنهم توفوا قبلها وقد ذكرناهم، وقيل فيما بعدها وسيأتي ذكرهم في أماكنهم والله تعالى أعلم.
следующие страницы →