الشرك وذله ولله الحمد والمنة ثم عادوا إلى عتبة بن غزوان إلى البصرة.
ولما استكمل عتبة فتح تلك الناحية، استأذن عمر في الحج فأذن له فسار إلى الحج واستخلف على البصرة أبا سبرة بن أبى رهم، واجتمع بعمر في الموسم، وسأله أن يقيله فلم يفعل، وأقسم عليه ليرجعن إلى عمله. فدعا عتبة الله فمات ببطن نخلة، وهو منصرف من الحج، فتأثر عليه عمر وأثنى عليه خيرا، وولى بعده بالبصرة المغيرة بن شعبة، فوليها بقية تلك السنة والتي تليها، لم يقع في زمانه حدث، وكان مرزوق السلامة في عمله. ثم وقع الكلام في تلك المرأة من أبى بكرة فكان من أمره ما قدمنا. ثم بعث إليها أبا موسى الأشعري واليا عليها ﵃.
ذكر فتح تستر ثانية عنوة والسوس ورامهرمز وأسر الهرمزان وبعثه إلى عمر بن الخطاب ﵁
قال ابن جرير: كان ذلك في هذه السنة في رواية سيف بن عمر التميمي. وكان سبب ذلك أن يزدجرد كان يحرض أهل فارس في كل وقت ويؤنبهم بملك العرب بلادهم وقصدهم إياهم في حصونهم فكتب إلى أهل الأهواز وأهل فارس فتحركوا وتعاهدوا وتعاقدوا على حرب المسلمين، وأن يقصدوا البصرة. وبلغ الخبر إلى عمر، فكتب إلى سعد - وهو بالكوفة - أن ابعث جيشا كثيفا إلى الأهواز مع النعمان بن مقرن وعجل وليكونوا بإزاء الهرمزان، وسمى رجالا من الشجعان الأعيان الأمراء يكونون في هذا الجيش، منهم جرير بن عبد الله البجلي، وجرير بن عبد الله الحميري، والنعمان بن مقرن، وسويد بن مقرن: وعبد الله بن ذي السهمين. وكتب عمر إلى أبى موسى وهو بالبصرة أن ابعث إلى الأهواز جندا كثيفا وأمر عليهم سهيل بن عدي، وليكن معه البراء بن مالك، وعاصم ابن عمرو، ومجزأة بن ثور، وكعب بن ثور، وعرفجة بن هرثمة، وحذيفة بن محصن، وعبد الرحمن بن سهل، والحصين بن معبد. وليكن على أهل الكوفة وأهل البصرة جميعا أبو سبرة بن أبى رهم، وعلى كل من أتاه من المدد. قالوا: فسار النعمان بن مقرن بجيش الكوفة فسبق البصريين فانتهى إلى رامهرمز وبها الهرمزان، فخرج إليه الهرمزان في جنده ونقض العهد بينه وبين المسلمين، فبادره طمعا أن يقتطعه قبل مجيء أصحابه من أهل البصرة رجاء أن ينصر أهل فارس، فالتقى معه النعمان بن مقرن بأربل، فاقتتلا قتالا شديدا، فهزم الهرمزان وفر إلى تستر، وترك رامهرمز فتسلمها النعمان عنوة وأخذ ما فيها من الحواصل والذخائر والسلاح والعدد. فلما وصل الخبر إلى أهل البصرة بما صنع الكوفيون بالهرمزان وأنه فر فلجأ إلى تستر، ساروا إليها ولحقهم أهل الكوفة حتى أحاطوا بها فحاصروها جميعا، وعلى الجميع أبو سبرة [فوجدوا الهرمزان قد حشد بها خلقا كثيرا، وجما غفيرا. وكتبوا إلى عمر في ذلك وسألوه أن يمدهم، فكتب إلى أبى موسى أن يسير إليهم. فسار إليهم - وكان أمير أهل
стр. 2207
البصرة واستمر أبو سبرة] (١) على الامرة على جميع أهل الكوفة والبصرة، فحاصرهم أشهرا وكثر القتل من الفريقين، وقتل البراء بن مالك أخو أنس بن مالك يومئذ مائة مبارز سوى من قتل غير ذلك، وكذلك فعل كعب بن ثور، ومجزأة بن ثور، وأبو يمامة (٢) وغيرهم من أهل البصرة، وكذلك أهل الكوفة قتل منهم جماعة مائة مبارزة كحبيب بن قرة، وربعي بن عامر، وعامر بن عبد الأسود وقد تزاحفوا أياما متعددة، حتى إذا كان في آخر زحف قال المسلمون للبراء، بن مالك - وكان مجاب الدعوة -: يا براء اقسم على ربك ليهزمنهم لنا. فقال: اللهمّ اهمزهم لنا، واستشهدني قال: فهزمهم المسلمون حتى أدخلوهم خنادقهم واقتحموها عليهم، ولجأ المشركون إلى البلد فتحصنوا به، وقد ضاقت بهم البلد، وطلب رجل من أهل البلد الأمان من أبى موسى فأمنه، فبعث يدل المسلمين على مكان يدخلون منه إلى البلد، وهو من مدخل الماء إليها، فندب الأمراء الناس إلى ذلك فانتدب رجال من الشجعان والأبطال، وجاءوا فدخلوا مع الماء - كالبط - إلى البلد، وذلك في الليل، فيقال كان أول من دخلها عبد الله بن مغفل المزني، وجاءوا إلى البوابين فأناموهم وفتحوا الأبواب، وكبر المسلمون فدخلوا البلد، وذلك في وقت الفجر إلى أن تعالى النهار، ولم يصلوا الصبح يومئذ إلا بعد طلوع الشمس [كما حكاه البخاري عن أنس بن مالك قال: شهدت فتح تستر، وذلك عند صلاة الفجر، فاشتغل الناس بالفتح فما صلوا الصبح إلا بعد طلوع الشمس] (٣) فما أحب أن لي بتلك الصلاة حمر النعم. احتج بذلك البخاري لمكحول والأوزاعي في ذهابهما إلى جواز تأخير الصلاة لعذر القتال. وجنح إليه البخاري واستدل بقصة الخندق في
قوله ﵇ «شغلونا عن الصلاة الوسطى ملأ الله قبورهم وبيوتهم نارا»
وبقوله يوم بنى قريظة «لا يصلين أحد منكم العصر إلا في بنى قريظة» فأخرها فريق من الناس إلى بعد غروب الشمس، ولم يعنفهم، وقد تكلمنا على ذلك في غزوة الفتح والمقصود أن الهرمزان لما فتحت البلد لجأ إلى القلعة فتبعه جماعة من الأبطال ممن ذكرنا وغيرهم فلما حصروه في مكان من القلعة ولم يبق إلا تلافه أو تلافهم، قال لهم بعد ما قتل البراء بن مالك ومجزأة بن ثور رحمهما الله: إن معى جعبة فيها مائة سهم، وإنه لا يتقدم إلى أحد منكم إلا رميته بسهم قتلته، ولا يسقط لي سهم إلا في رجل منكم، فماذا ينفعكم إن أسرتموني بعد ما قتلت منكم مائة رجل؟ قالوا: فماذا تريد؟ قال: تؤمنونى حتى أسلمكم يدي فتذهبوا بى إلى عمر بن الخطاب فيحكم فىّ بما يشاء. فأجابوه إلى ذلك فألقى قوسه ونشابه وأسروه فشدوه وثاقا وأرصدوه ليبعثوه إلى أمير
стр. 2208
المؤمنين عمر، ثم تسلموا ما في البلد من الأموال والحواصل فاقتسموا أربعة أخماسه فنال كل فارس ثلاثة آلاف وكل راجل ألف درهم.
فتح السوس
ثم ركب أبو سبرة في طائفة من الجيش ومعه أبو موسى الأشعري والنعمان بن مقرن، واستصحبوا معهم الهرمزان، وساروا في طلب المنهزمين من الفرس حتى نزلوا على السوس، فأحاطوا بها. وكتب أبو سبرة إلى عمر فجاء الكتاب بأن يرجع أبو موسى إلى البصرة، وأمر عمر زر بن عبد الله بن كليب العقيمى - وهو صحابى - أن يسير إلى جندسابور، فسار. ثم بعث أبو سبرة بالخمس وبالهرمزان مع وفد فيهم أنس بن مالك والأحنف بن قيس، فلما اقتربوا من المدينة هيئوا الهرمزان بلبسه الّذي كان يلبسه من الديباج والذهب المكلل بالياقوت واللآلئ. ثم دخلوا المدينة وهو كذلك فتيمموا به منزل أمير المؤمنين، فسألوا عنه فقالوا: انه ذهب إلى المسجد بسبب وفد من الكوفة، فجاءوا المسجد فلم يروا أحدا فرجعوا، فإذا غلمان يلعبون فسألوهم عنه فقالوا: إنه نائم في المسجد متوسدا برنسا له.
فرجعوا إلى المسجد فإذا هو متوسد برنسا له كان قد لبسه للوفد، فلما انصرفوا عنه توسد البرنس ونام وليس في المسجد غيره، والدرة متعلقة في يده. فقال الهرمزان: أين عمر؟ فقالوا: هو ذا. وجعل الناس يخفضون أصواتهم لئلا ينبهوه، وجعل الهرمزان يقول: وأين حجابه؟ أين حرسه؟ فقالوا:
ليس له حجاب ولا حرس، ولا كاتب ولا ديوان. فقال: ينبغي أن يكون نبيا. فقالوا: بل يعمل عمل الأنبياء. وكثر الناس فاستيقظ عمر بالجلبة فاستوى جالسا، ثم نظر إلى الهرمزان، فقال:
الهرمزان؟ قالوا: نعم. فتأمله وتأمل ما عليه ثم قال: أعوذ بالله من النار وأستعين بالله. ثم قال: الحمد لله الّذي أذل بالإسلام هذا وأشياعه، يا معشر المسلمين تمسكوا بهذا الدين، واهتدوا بهدى نبيكم، ولا تبطرنكم الدنيا فإنها غدارة. فقال له الوفد: هذا ملك الأهواز فكلمه. فقال: لا حتى لا يبقى عليه من حليته شيء. ففعلوا ذلك وألبسوه ثوبا صفيقا، فقال عمر: يا هرمزان كيف رأيت وبال الغدر وعاقبة أمر الله؟ فقال: يا عمر: أنا وإياكم في الجاهلية كان الله قد خلى بيننا وبينكم فغلبناكم، إذ لم يكن معنا ولا معكم، فلما كان معكم غلبتمونا. فقال عمر: إنما غلبتمونا في الجاهلية باجتماعكم وتفرقنا. ثم قال: ما عذرك وما حجتك في انقاضك مرة بعد مرة؟ فقال: أخاف أن تقتلني قبل أن أخبرك. قال: لا تخف ذلك. فاستسقى الهرمزان ماء فأتى به في قدح [غليظ، فقال: لو مت عطشا لم أستطع أن أشرب في هذا. فأتى به في قدح] (١) آخر يرضاه فلما أخذه جعلت يده ترعد، وقال: إني أخاف أن أقتل وأنا أشرب. فقال عمر: لا بأس عليك حتى تشربه فأكفاه. فقال عمر:
стр. 2209
أعيدوه عليه ولا تجمعوا عليه القتل والعطش. فقال: لا حاجة لي في الماء، إنما أردت أن أستأنس به. فقال له عمر: إني قاتلك، فقال إنك أمنتنى. قال: كذبت، فقال أنس: صدق يا أمير المؤمنين، فقال عمر: ويحك يا أنس أنا أؤمن من قتل مجزأة والبراء؟ لتأتينى بمخرج والا عاقبتك، قال: قلت لا بأس عليك حتى تخبرني. وقلت لا بأس عليك حتى تشربه، وقال له من حوله مثل ذلك. فأقبل على الهرمزان فقال: خدعتني والله لا أنخدع الا أن تسلم. فأسلم ففرض له في ألفين وأنزله المدينة.
وفي رواية أن الترجمان بين عمرو بن الهرمزان كان المغيرة بن شعبة، فقال له عمر: قل له من أي أرض أنت؟ قال مهرجانى. قال: تكلم بحجتك. فقال: أكلام حي أم ميت؟ قال: بل كلام حي.
فقال قد أمنتنى، فقال خدعتني ولا أقبل ذلك إلا أن تسلم. فأسلم ففرض له في ألفين وأنزله المدينة.
ثم جاء زيد فترجم بينهما أيضا.
قلت: وقد حسن إسلام الهرمزان وكان لا يفارق عمر حتى قتل عمر فاتهمه بعض الناس بممالأة أبى لؤلؤة هو وجفينة، فقتل عبيد الله بن عمر الهرمزان وجفينة على ما سيأتي تفصيله.
وقد روينا أن الهرمزان لما علاه عبيد الله بالسيف قال: لا إله إلا الله. وأما جفينة فصلب على وجهه.
والمقصود أن عمر كان يحجر على المسلمين أن يتوسعوا في بلاد العجم خوفا عليهم من العجم، حتى أشار عليه الأحنف بن قيس بأن المصلحة تقتضي توسعهم في الفتوحات فان الملك يزدجرد لا يزال يستحثهم على قتال المسلمين، وإن لم يستأصل شأو العجم وإلا طمعوا في الإسلام وأهله، فاستحسن عمر ذلك منه وصوبه. وأذن للمسلمين في التوسع في بلاد العجم، ففتحوا بسبب ذلك شيئا كثيرا، ولله الحمد. وأكثر ذلك وقع في سنة ثماني عشرة كما سيأتي بيانه فيها.
ثم نعود إلى فتح السوس وجندسابور وفتح نهاوند في قول سيف. كان قد تقدم أن أبا سبرة سار بمن معه من علية الأمراء من تستر إلى السوس، فنازلها حينا وقتل من الفريقين خلق كثير، فأشرف عليه علماء أهلها فقالوا: يا معشر المسلمين لا تتبعوا في حصار هذا البلد فانا نأثر فيما نرويه عن قدمائنا من أهل هذا البلد أنه لا يفتحه إلا الدجال أو قوم معهم الدجال، واتفق أنه كان في جيش أبى موسى الأشعري صاف بن صياد، فأرسله أبو موسى فيمن يحاصره، فجاء إلى الباب فدقه برجله فتقطعت السلاسل، وتكسرت الأغلاق، ودخل المسلمون البلد فقتلوا من وجدوا حتى نادوا بالأمان ودعوا الى الصلح فأجابوهم إلى ذلك، وكان على السوس شهريار أخو الهرمزان، فاستحوذ المسلمون على السوس، وهو بلد قديم العمارة في الأرض يقال إنه أول بلد وضع على وجه الأرض والله أعلم.
وذكر ابن جرير أنهم وجدوا قبر دانيال بالسوس، وأن أبا موسى لما قدم بها بعد مضى أبى سبرة
стр. 2210
إلى جنديسابور، كتب إلى عمر في أمره فكتب إليه أن يدفنه وأن يغيب عن الناس موضع قبره، ففعل. وقد بسطنا ذلك في سيرة عمر ولله الحمد.
قال ابن جرير: وقال بعضهم ان فتح السوس ورامهرمز وتسيير الهرمزان من تستر إلى عمر في سنة عشرين والله أعلم وكان الكتاب العمرى قد ورد بأن النعمان بن مقرن يذهب إلى أهل نهاوند فسار إليها فمر بماه - بلدة كبيرة قبلها - فافتتحها ثم ذهب إلى نهاوند ففتحها ولله الحمد.
قلت: المشهور أن فتح نهاوند إنما وقع في سنة إحدى وعشرين كما سيأتي فيها بيان ذلك، وهي وقعة عظيمة وفتح كبير، وخبر غريب ونبأ عجيب، وفتح زر بن عبد الله الفقيمي مدينة جنديسابور (١) فاستوثقت تلك البلاد للمسلمين. هذا وقد تحول يزدجرد من بلد إلى بلد، حتى انتهى أمره إلى الاقامة بأصبهان، وقد كان صرف طائفة من أشراف أصحابه قريبا من ثلاثمائة من العظماء عليهم رجل يقال له سياه، فكانوا يفرون من المسلمين من بلد إلى بلد حتى فتح المسلمون تستر وإصطخر، فقال سياه لأصحابه: إن هؤلاء بعد الشقاء والذلة ملكوا أماكن الملوك الأقدمين، ولا يلقون جندا إلا كسروه، والله ما هذا عن باطل. - ودخل في قلبه الإسلام وعظمته - فقالوا له: نحن تبع لك. وبعث عمار ابن ياسر في غضون ذلك يدعوهم إلى الله، فأرسلوا إلى أبى موسى الأشعري بإسلامهم [وكتب فيهم إلى عمر في ذلك، فأمره أن يفرض لهم في ألفين ألفين، وفرض لستة منهم في ألفين وخمسمائة، وحسن إسلامهم] (٢) وكان لهم نكاية عظيمة في قتال قومهم حتى بلغ من أمرهم أنهم حاصروا حصنا فامتنع عليهم فجاء أحدهم فرمى بنفسه في الليل على باب الحصن وضمخ ثيابه بدم، فلما نظروا إليه حسبوا أنه منهم، ففتحوا إليه باب الحصن ليأووه فثار إلى البواب فقتله، وجاء بقية أصحابه ففتحوا ذلك الحصن، وقتلوا من فيه من المجوس. إلى غير ذلك من الأمور العجيبة والله يهدى من يشاء إلى صراط مستقيم.
وذكر ابن جرير أن عمر بن الخطاب عقد الألوية والرايات الكبيرة في بلاد خراسان والعراق لغزو فارس والتوسع في بلادهم كما أشار عليه بذلك الأحنف بن قيس، فحصل بسبب ذلك فتوحات كثيرة في السنة المستقبلة بعدها كما سنبينه وننبه عليه ولله الحمد والمنة.
قال: وحج بالناس في هذه السنة أمير المؤمنين عمر بن الخطاب، ثم ذكر نوابه على البلاد، وهم من ذكر في السنة قبلها غير المغيرة فان على البصرة بدله أبو موسى الأشعري.
قلت: وقد توفى في هذه السنة أقوام قيل إنهم توفوا قبلها وقد ذكرناهم، وقيل فيما بعدها وسيأتي ذكرهم في أماكنهم والله تعالى أعلم.
стр. 2211
ثم دخلت سنة ثمانية عشر
المشهور الّذي عليه الجمهور أن طاعون عمواس كان بها، وقد تبعنا قول سيف بن عمر وابن جرير في إيراده ذلك في السنة التي قبلها، لكنا نذكر وفاة من مات في الطاعون في هذه السنة إن شاء الله تعالى، قال ابن إسحاق، وأبو معشر: كان في هذه السنة طاعون عمواس وعام الرمادة، فتفانى فيهما الناس. قلت: كان في عام الرمادة جدب عم أرض الحجاز، وجاع الناس جوعا شديدا.
وقد بسطنا القول في ذلك في سيرة عمر. وسميت عام الرمادة لأن الأرض اسودت من قلة المطر حتى عاد لونها شبيها بالرماد. وقيل: لأنها تسفى الريح ترابا كالرماد. ويمكن أن تكون سميت لكل منهما والله أعلم. وقد أجدبت الناس في هذه السنة بأرض الحجاز، وجفلت الأحياء إلى المدينة ولم يبق عند أحد منهم زاد فلجئوا إلى أمير المؤمنين فأنفق فيهم من حواصل بيت المال مما فيه من الأطعمة والأموال حتى أنفده، وألزم نفسه أن لا يأكل سمنا ولا سمينا حتى يكشف ما بالناس، فكان في زمن الخصب يبث له الخبز باللبن والسمن، ثم كان عام الرمادة يبث له بالزيت والخل، وكان يستمرئ الزيت. وكان لا يشبع مع ذلك، فاسود لون عمر ﵁ وتغير جسمه حتى كاد يخشى عليه من الضعف. واستمر هذا الحال في الناس تسعة أشهر، ثم تحول الحال إلى الخصب والدعة وانشمر الناس عن المدينة إلى أماكنهم.
قال الشافعيّ: بلغني أن رجلا من العرب قال لعمر حين ترحلت الأحياء عن المدينة: لقد انجلت عنك ولأنك لابن حرة. أي واسيت الناس وأنصفتهم وأحسنت إليهم. وقد روينا أن عمر عس المدينة ذات ليلة عام الرمادة فلم يجد أحدا يضحك، ولا يتحدث الناس في منازلهم على العادة، ولم ير سائلا يسأل، فسأل عن سبب ذلك فقيل له: يا أمير المؤمنين إن السؤال سألوا فلم يعطوا فقطعوا السؤال، والناس في هم وضيق فهم لا يتحدثون ولا يضحكون. فكتب عمر إلى أبى موسى بالبصرة أن يا غوثاه لأمة محمد. وكتب إلى عمرو بن العاص بمصر أن يا غوثاه لأمة محمد. فبعث إليه كل واحد منهما بقافلة عظيمة تحمل البر وسائر الاطعمات، ووصلت ميرة عمرو في البحر إلى جدة ومن جدة إلى مكة. وهذا الأثر جيد الاسناد، لكن ذكر عمرو بن العاص في عام الرمادة مشكل، فان مصر لم تكن فتحت في سنة ثماني عشرة، فاما أن يكون عام الرمادة بعد سنة ثماني عشرة، أو يكون ذكر عمرو بن العاص في عام الرمادة وهم والله أعلم.
وذكر سيف عن شيوخه أن أبا عبيدة قدم المدينة ومعه أربعة آلاف راحلة تحمل طعاما، فأمره عمر بتفريقها في الأحياء حول المدينة، فلما فرغ من ذلك أمر له بأربعة آلاف درهم فأبى أن يقبلها، فلح عليه عمر حتى قبلها.
стр. 2212
وقال سيف بن عمر عن سهل بن يوسف السلمي عن عبد الرحمن بن كعب بن مالك قال: كان عام الرمادة في آخر سنة سبع عشرة، وأول سنة ثماني عشرة، أصاب أهل المدينة وما حولها جوع فهلك كثير من الناس، حتى جعلت الوحش تأوى إلى الانس، فكان الناس بذلك وعمر كالمحصور عن أهل الأمصار حتى أقبل بلال بن الحارث المزني فاستأذن على عمر فقال: أنا رسول رسول الله إليك، يقول لك رسول الله ﷺ «لقد عهدتك كيسا، وما زلت على ذلك (١)، فما شأنك»؟ قال:
متى رأيت هذا؟ قال: البارحة. فخرج فنادى في الناس الصلاة جامعة، فصلى بهم ركعتين ثم قام فقال:
أيها الناس أنشدكم الله هل تعلمون منى أمرا غيره خير منه؟ فقالوا: اللهمّ لا، فقال: إن بلال بن الحارث يزعم ذية وذية. قالوا: صدق بلال فاستغث بالله ثم بالمسلمين. فبعث إليهم - وكان عمر عن ذلك محصورا - فقال عمر: الله أكبر، بلغ البلاء مدته فانكشف. ما أذن لقوم في الطلب إلا وقد رفع عنهم الأذى والبلاء. وكتب إلى أمراء الأمصار أن أغيثوا أهل المدينة ومن حولها، فإنه قد بلغ جهدهم. وأخرج الناس إلى الاستسقاء فخرج وخرج معه العباس بن عبد المطلب ماشيا، فخطب وأوجز وصلى ثم جثى لركبتيه وقال: اللهمّ إياك نعبد وإياك نستعين، اللهمّ اغفر لنا وارحمنا وارض عنا. ثم انصرف فما بلغوا المنازل راجعين حتى خاضوا الغدران.
ثم روى سيف عن مبشر بن الفضيل عن جبير بن صخر عن عاصم بن عمر بن الخطاب أن رجلا من مزينة عام الرمادة سأله أهله أن يذبح لهم شاة فقال: ليس فيهن شيء. فألحوا عليه فذبح شاة فإذا عظامها حمر فقال يا محمداه. فلما أمسى أرى في المنام أن رسول الله ﷺ يقول له: «أبشر بالحياة، ايت عمر فأقره منى السلام وقل له إن عهدي بك وفىّ العهد شديد العقد، فالكيس الكيس يا عمر»، فجاء حتى أتى باب عمر فقال لغلامه استأذن لرسول رسول الله ﷺ . فأتى عمر فأخبره ففزع ثم صعد عمر المنبر فقال للناس أنشدكم الله الّذي هداكم للإسلام هل رأيتم منى شيئا تكرهونه؟ فقالوا: اللهمّ لا، وعم ذاك؟ فأخبرهم بقول المزني - وهو بلال بن الحارث - ففطنوا ولم يفطن.
فقالوا: إنما استبطأك في الاستسقاء فاستسق بنا. فنادى في الناس فخطب فأوجز ثم صلى ركعتين فأوجز ثم قال: اللهمّ عجزت عنا أنصارنا، وعجز عنا حولنا وقوتنا، وعجزت عنا أنفسنا، ولا حول ولا قوة إلا بك، اللهمّ اسقنا وأحى العباد والبلاد.
وقال الحافظ أبو بكر البيهقي: أخبرنا أبو نصر بن قتادة وأبو بكر الفارسي قالا: حدثنا أبو عمر بن مطر حدثنا إبراهيم بن على الذهلي حدثنا يحيى بن يحيى حدثنا أبو معاوية عن الأعمش عن أبى صالح عن مالك قال: أصاب الناس قحط في زمن عمر بن الخطاب فجاء رجل إلى قبر النبي ﷺ
стр. 2213
فقال: يا رسول الله استسق الله لأمتك فإنهم قد هلكوا فأتاه رسول الله ﷺ في المنام فقال: ايت عمر فأقره منى السلام وأخبرهم أنهم مسقون، وقل له عليك بالكيس الكيس. فأتى الرجل فأخبر عمر فقال: يا رب ما آلوا إلا ما عجزت عنه. وهذا إسناد صحيح.
وقال الطبراني: حدثنا أبو مسلم الكشي حدثنا أبو محمد الأنصاري ثنا أبى عن ثمامة بن عبد الله ابن أنس، عن أنس أن عمر خرج يستسقى وخرج بالعباس معه يستسقى يقول: اللهمّ إنا كنا إذا قحطنا على عهد نبينا توسلنا إليك بنبينا، وإنا نتوسل إليك بعم نبينا ﷺ . وقد رواه البخاري عن الحسن بن محمد عن محمد بن عبد الله به ولفظه «عن أنس أن عمر كان إذا قحطوا يستسقى بالعباس ابن عبد المطلب فيقول: اللهمّ إنا كنا نتوسل إليك بنبينا فتسقينا وإنا نتوسل إليك بعم نبينا فاسقنا. قال: فيسقون. وقال أبو بكر بن أبى الدنيا - في كتاب المطر وفي كتاب مجابي الدعوة - حدثنا أبو بكر النيسابورىّ ثنا عطاء بن مسلم عن العمرى عن خوات بن جبير قال: خرج عمر يستسقى بهم فصلى ركعتين فقال: اللهمّ إنا نستغفرك ونستسقيك فما برح من مكانه حتى مطروا فقدم أعراب فقالوا: يا أمير المؤمنين بينا نحن في وادينا في ساعة كذا إذ أظلتنا غمامة فسمعنا منها صوتا: أتاك الغوث أبا حفص، أتاك الغوث أبا حفص. وقال ابن أبى الدنيا: ثناء إسحاق بن إسماعيل ثنا سفيان عن مطرف بن طريف عن الشعبي قال: خرج عمر يستسقى بالناس فما زاد على الاستغفار حتى رجع فقالوا يا أمير المؤمنين ما نراك استسقيت. فقال: لقد طلبت المطر بمجاديح السماء التي يستنزل بها المطر ثم قرأ ﴿اِسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كانَ غَفّاراً * يُرْسِلِ السَّماءَ عَلَيْكُمْ مِدْراراً﴾ ثم قرأ ﴿وَأَنِ اِسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ﴾ الآية.
وذكر ابن جرير في هذه السنة من طريق سيف بن عمر عن أبى المجالد والربيع وأبى عثمان وأبى حارثة وعن عبد الله بن شبرمة عن الشعبي قالوا: كتب أبو عبيدة إلى عمر بن الخطاب أن نفرا من المسلمين أصابوا الشراب، منهم ضرار وأبو جندل بن سهل، فسألناهم فقالوا: خيرنا فاخترنا.
قال فهل أنتم منتهون؟ ولم يعزم. فجمع عمر الناس فأجمعوا على خلافهم، وأن المعنى: فهل أنتم منتهون أي انتهوا. وأجمعوا على جلدهم ثمانين ثمانين. وأن من تأول هذا التأويل وأصرّ عليه يقتل.
فكتب عمر إلى أبى عبيدة أن ادعهم فسلهم عن الخمر فان قالوا هي حلال فاقتلهم، وإن قالوا هي حرام فاجلدهم. فاعترف القوم بتحريمها، فجلدوا الحد وندموا على ما كان منهم من اللجاجة فيما تأولوه، حتى وسوس أبو جندل في نفسه، فكتب أبو عبيدة إلى عمر في ذلك، وسأله أن يكتب إلى أبى جندل ويذكره، فكتب إليه عمر بن الخطاب في ذلك، من عمر إلى أبى جندل، إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء، فتب وارفع رأسك وابرز ولا تقنط فان الله تعالى يقول
стр. 2214
﴿قُلْ يا عِبادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللهِ إِنَّ اللهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعاً إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ وكتب عمر إلى الناس: إن عليكم أنفسكم ومن غير فغيروا عليه، ولا تعيروا أحدا فيفشو فيكم البلاء، وقد قال أبو الزهراء القشيري في ذلك.
ألم تر أن الدهر يعثر بالفتى … وليس على صرف المنون بقادر
صبرت ولم أجزع وقد مات إخوتي … ولست عن الصهباء يوما بصابر
رماها أمير المؤمنين بحتفها … فخلانها يبكون حول المقاصر
قال الواقدي وغيره: وفي هذه السنة في ذي الحجة منها حول عمر المقام - وكان ملصقا بجدار الكعبة - فأخره إلى حيث هو الآن لئلا يشوش المصلون عنده على الطائفين. قلت: قد ذكرت أسانيد ذلك في سيرة عمر ولله الحمد والمنة * قال: وفيها استقضى عمر شريحا على الكوفة، وكعب ابن سور على البصرة [قال وفيها حج عمر بالناس وكانت نوابه فيها الذين تقدم ذكرهم في السنة الماضية] (١) وفيها فتحت الرقة والرها وحران على يدي عياض بن غنم. قال: وفتحت رأس عين الوردة على يدي عمر بن سعد بن أبى وقاص. وقال غيره خلاف ذلك. وقال شيخنا الحافظ الذهبي في تاريخه: وفيها - يعنى هذه السنة - افتتح أبو موسى الأشعري الرها وشمشاط عنوة، وفي أوائلها وجه أبو عبيدة عياض بن غنم إلى الجزيرة فوافق أبا موسى فافتتحا حران ونصيبين وطائفة من الجزيرة عنوة، وقيل صلحا. وفيها صار عياض إلى الموصل فافتتحها وما حولها عنوة. وفيها بنى سعد جامع الكوفة.
وقال الواقدي: وفيها كان طاعون عمواس فمات فيه خمسة وعشرون ألفا. قلت: هذا الطاعون منسوب إلى بلدة صغيرة يقال لها عمواس - وهي بين القدس والرملة - لأنها كان أول ما نجم الداء بها، ثم انتشر في الشام منها فنسب إليها، ف ﴿إِنّا لِلّهِ وَإِنّا إِلَيْهِ راجِعُونَ﴾. قال الواقدي توفى: في عام طاعون عمواس من المسلمين بالشام خمسة وعشرون ألفا. وقال غيره: ثلاثون ألفا.
وهذا ذكر طائفة من أعيانهم ﵃.
الحارث بن هشام
أخو أبى جهل أسلم يوم الفتح، وكان سيدا شريفا في الإسلام كما كان في الجاهلية، استشهد بالشام في هذه السنة في قول، وتزوج عمر بعده بامرأته فاطمة.
شرحبيل بن حسنة
أحد أمراء الأرباع، وهو أمير فلسطين، وهو شرحبيل بن عبد الله بن المطاع بن قطن الكندي حليف بنى زهرة، وحسنة أمه، نسب إليها وغلب عليه ذلك. أسلم قديما وهاجر إلى الحبشة وجهزه الصديق إلى الشام، فكان أميرا على ربع الجيش، وكذلك في الدولة العمرية، وطعن هو
стр. 2215
وأبو عبيدة وأبو مالك الأشعري في يوم واحد سنة ثماني عشرة. له حديثان روى ابن ماجة أحدهما في الوضوء وغيره.
عامر بن عبد الله بن الجراح
ابن هلال بن أهيب بن ضبة بن الحارث بن فهر القرشي أبو عبيدة بن الجراج الفهري، أمين هذه الأمة، وأحد العشرة المشهود لهم بالجنة، وأحد الخمسة الذين أسلموا في يوم واحد، وهم عثمان بن مظعون، وعبيدة بن الحارث، وعبد الرحمن بن عوف، وأبو سلمة بن عبد الأسد، وأبو عبيدة بن الجراح. أسلموا على يدي الصديق. ولما هاجروا آخى رسول الله ﷺ بينه وبين سعد بن معاذ، وقيل بين محمد بن مسلمة. وقد شهد بدرا وما بعدها،
وقال رسول الله ﷺ «إن لكل أمة أمينا وأمين هذه الأمة أبو عبيدة بن الجراح» ثبت ذلك في الصحيحين. وثبت في الصحيحين أيضا أن الصديق قال يوم السقيفة: وقد رضيت لكم أحد هذين الرجلين فبايعوه - يعنى عمر بن الخطاب وأبا عبيدة - وبعثه الصديق أميرا على ربع الجيش إلى الشام، ثم لما انتدب خالدا من العراق كان أميرا على أبى عبيدة وغيره لعلمه بالحروب. فلما انتهت الخلافة إلى عمر عزل خالدا وولى أبا عبيدة ابن الجراح، وأمره أن يستشير خالدا، فجمع للأمة بين أمانة أبى عبيدة وشجاعة خالد. قال ابن عساكر: وهو أول من سمى أمير الأمراء بالشام. قالوا: وكان أبو عبيدة طوالا نحيفا أجنى معروق الوجه، خفيف اللحية، أهتم، وذلك لأنه لما انتزع الحلقتين من وجنتي رسول الله ﷺ يوم أحد خاف أن يؤلم رسول الله ﷺ فتحامل على ثنيتيه فسقطنا، فما رأى أحسن هتما منه. توفى بالطاعون عام عمواس كما تقدم سياقه في سنة ست عشرة عن سيف بن عمر. والصحيح أن عمواس كانت في هذه السنة - سنة ثماني عشرة - بقرية فحل، وقيل بالجابية. وقد اشتهر في هذه الأعصار قبر بالقرب من عقبة ينسب إليه والله أعلم. وعمره يوم مات ثمان وخمسون سنة.
الفضل بن عباس بن عبد المطلب
كان حسنا وسيما جميلا، أردفه رسول الله ﷺ وراءه يوم النحر من حجة الوداع، وهو شاب حسن، وقد شهد فتح الشام، وأستشهد بطاعون عمواس، في قول محمد بن سعد والزبير بن بكار وأبى حاتم وابن الرقى وهو الصحيح. وقيل يوم مرج الصفر، وقيل بأجنادين. ويقال باليرموك سنة ثمان وعشرين.
معاذ بن جبل
ابن عمرو بن أوس بن عابد بن عدي بن كعب بن عمرو بن أدى بن على بن أسد بن ساردة بن يزيد بن جشم بن الخزرج الأنصاري الخزرجي أبو عبد الرحمن المدني صحابى جليل كبير القدر.
قال الواقدي: كان طوالا حسن الشعر والثغر براق الثنايا، لم يولد له. وقال غيره: بل ولد له ولد وهو عبد الرحمن. شهد معه اليرموك. وقد شهد معاذ العقبة. ولما هاجر الناس آخى رسول الله ﷺ
стр. 2216
بينه وبين ابن مسعود. وحكى الواقدي الإجماع على ذلك. وقد قال محمد بن إسحاق: آخى بينه وبين جعفر بن أبى طالب. وشهد بدرا وما بعدها. وكان أحد الأربعة من الخزرج، الذين جمعوا القرآن في حياة النبي ﷺ ، وهم أبى بن كعب، وزيد بن ثابت، ومعاذ بن جبل، وأبو زيد بن عمر بن أنس بن مالك * وصح في
الحديث الّذي رواه أبو داود والنسائي من حديث حيوة بن شريح عن عقبة بن مسلم عن أبى عبد الرحمن الجيلي عن الصنابحي. عن معاذ أن رسول الله ﷺ قال له «يا معاذ والله إني لأحبك فلا تدعن أن تقول في دبر كل صلاة اللهمّ أعنى على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك» وفي المسند والنسائي وابن ماجة من طريق أبى قلابة عن أنس مرفوعا «وأعلمهم بالحلال والحرام معاذ بن جبل» وقد بعثه رسول الله ﷺ إلى اليمن وقال له «بم تحكم»؟ فقال: بكتاب الله وبالحديث. وكذلك أقره الصديق على ذلك يعلم الناس الخير باليمن. ثم هاجر إلى الشام فكان بها حتى مات بعد ما استخلفه أبو عبيدة حين طعن ثم طعن بعده في هذه السنة. وقد قال عمر بن الخطاب: إن معاذا يبعث أمام العلماء بربوة. ورواه محمد بن كعب مرسلا. وقال ابن مسعود: كنا نشبهه بإبراهيم الخليل. وقال ابن مسعود: إن معاذا كان قانتا الله حنيفا ولم يك من المشركين. وكانت وفاته شرقى غورينسان سنة ثماني عشرة. وقيل سنة تسع وعشرة [وقيل سبع عشرة، عن ثمان وثلاثين سنة على المشهور] (١) وقيل غير ذلك والله أعلم.
يزيد بن أبى سفيان
أبو خالد صخر بن حرب بن أمية بن عبد شمس بن عبد مناف القرشي الأموي، أخو معاوية، وكان يزيد أكبر وأفضل. وكان يقال له يزيد الخير، أسلم عام الفتح، وحضر حنينا وأعطاه رسول الله ﷺ مائة من الإبل وأربعين أوقية، واستعمله الصديق على ربع الجيش إلى الشام، وهو أول أمير وصل إليها، ومشى الصديق في ركابه يوصيه، وبعث معه أبا عبيدة وعمرو بن العاص وشرحبيل ابن حسنة فهؤلاء أمراء الأرباع. ولما افتتحوا دمشق دخل هو من باب الجابية الصغير عنوة كخالد في دخوله من الباب الشرقي عنوة وكان الصديق قد وعده بإمرتها، فوليها عن أمر عمر وأنفذ له ما وعده الصديق، وكان أول من وليها من المسلمين. المشهور أنه مات في طاعون عمواس كما تقدم.
وزعم الوليد بن مسلم أنه توفى سنة تسع عشرة بعد ما فتح قيسارية. ولما مات كان قد استخلف أخاه معاوية على دمشق فأمضى عمر بن الخطاب له ذلك ﵃. وليس له في الكتب شيء،
وقد روى عنه أبو عبد الله الأشعري أن رسول الله ﷺ قال: «مثل الّذي يصلى ولا يتم ركوعه ولا سجوده مثل الجائع الّذي لا يأكل إلا التمرة والتمرتين لا يغنيان عنه شيئا».
стр. 2217
أبو جندل بن سهيل
ابن عمرو، وقيل اسمه العاص أسلم قديما وقد جاء يوم صلح الحديبيّة مسلما يرسف في قيوده لأنه كان قد استضعف فرده أبوه وأبى أن يصالح حتى يرد، ثم لحق أبو جندل بأبي بصير إلى سيف البحر، ثم هاجر إلى المدينة وشهد فتح الشام. وقد تقدم أنه تأول آية الخمر ثم رجع، ومات بطاعون عمواس ﵀ ورضى عنه * أبو عبيدة بن الجراح هو عامر بن عبد الله تقدم * أبو مالك الأشعري، قيل اسمه كعب بن عاصم قدم مهاجرا سنة خيبر مع أصحاب السفينة، وشهد ما بعدها، واستشهد بالطاعون عام عمواس هو وأبو عبيدة ومعاذ في يوم واحد ﵃ أجمعين.
ثم دخلت سنة تسع عشرة
قال الواقدي وغيره: كان فتح المدائن وجلولاء فيها. والمشهور خلاف ما قال كما تقدم. وقال محمد ابن إسحاق: كان فتح الجزيرة والرها وحران ورأس العين ونصيبين في هذه السنة. وقد خالفه غيره.
وقال أبو معشر وخليفة وابن الكلبي: كان فتح قيسارية في هذه السنة وأميرها معاوية. وقال غيره يزيد بن أبى سفيان. وقد تقدم أن معاوية افتتحها قبل هذا بسنتين. وقال محمد بن إسحاق كان فتح قيسارية من فلسطين وهرب هرقل وفتح مصر في سنة عشرين. وقال سيف بن عمر: كان فتح قيسارية وفتح مصر في سنة ست عشرة. قال ابن جرير: فأما فتح قيسارية فقد تقدم، وأما فتح مصر فانى سأذكره في سنة عشرين إن شاء الله تعالى. قال الواقدي: وفي هذه السنة ظهرت نار من حرة ليلا فأراد عمر أن يخرج بالرجال إليها، ثم أمر المسلمين بالصدقة فطفئت ولله الحمد.
ويقال كان فيها وقعة أرمينية، وأميرها عثمان بن أبى العاص، وقد أصيب فيها صفوان بن المعطل بن رخصة السلمي ثم الذكوانيّ، وكان أحد الأمراء يومئذ. وقد قال فيه رسول الله ﷺ «ما علمت عليه إلا خيرا» وهو الّذي ذكره المنافقون في قصة الافك فبرأ الله ساحته، وجناب أم المؤمنين زوجة رسول الله ﷺ مما قالوا. وقد كان إلى حين قالوا لم يتزوج، ولهذا قال والله ما كشفت كنف أثنى قط. ثم تزوّج بعد ذلك، وكان كثير النوم ربما غلب عليه عن صلاة الصبح في وقتها، كما جاء في سنن أبى داود وغيره.
وكان شاعرا ثم حصلت له شهادة في سبيل الله. قيل بهذا البلد، وقيل بالجزيرة، وقيل بشمشاط.
وقد تقدم بعض هذا فيما سلف. وفيها فتحت تكريت في قول والصحيح قبل ذلك، وفيها فيما ذكرنا أسرت الروم عبد الله بن حذافة. وفيها في ذي الحجة منها كانت وقعة بأرض العراق قتل فيها أمير المجوس شهرك، وكان أمير المسلمين يومئذ الحكم بن أبى العاص ﵁. قال ابن جرير وفيها حج بالناس عمر، ونوابه في البلاد وقضاته هم المذكورون قبلها والله أعلم *
стр. 2218
ذكر من توفى فيها من الأعيان
وممن توفى فيها من الأعيان أبى بن كعب سيد القراء، وهو أبى بن كعب بن قيس بن عبيد بن زيد بن معاوية بن عمرو بن مالك بن النجار، أبو المنذر وأبو الطفيل، الأنصاري النجاري سيد القراء شهد العقبة وبدرا وما بعدهما، وكان سيدا جليل القدر. وهو أحد القراء الأربعة الخزرجيين الذين جمعوا القرآن في حياة رسول الله ﷺ وقد قال لعمر يوما: إني تلقيت القرآن ممن تلقاه منه جبريل وهو رطب. وفي المسند والنسائي وابن ماجة من طريق أبى قلابة عن أنس مرفوعا «أقرأ أمتى أبى ابن كعب»
وفي الصحيح أن رسول الله ﷺ قال له «إن الله أمرنى أن أقرأ عليك القرآن».
قال: وسماني لك؟ «قال نعم» فذرفت عيناه وقد تكلمنا على ذلك في التفسير عند سورة ﴿لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ وَالْمُشْرِكِينَ مُنْفَكِّينَ حَتّى تَأْتِيَهُمُ الْبَيِّنَةُ﴾ قال الهيثم بن عدي: توفى أبى سنة تسع عشرة. وقال يحيى بن معين: سنة سبع عشرة أو عشرين. وقال الواقدي عن غير واحد: توفى سنة ثنتين وعشرين. وبه قال أبو عبيد وابن نمير وجماعة. وقال الفلاس وخليفة: توفى في خلافة عثمان بن عفان ﵁ * وفيها مات خباب مولى عتبة بن غزوان من المهاجرين شهد بدرا وما بعدها، وهو صحابى من السابقين وصلى عليه عمر * ومات فيها صفوان بن المعطل في قول كما تقدم والله أعلم.
سنة عشرين من الهجرة
قال محمد بن إسحاق: فيها كان فتح مصر. وكذا قال الواقدي: إنها فتحت هي واسكندرية في هذه السنة. وقال أبو معشر: فتحت مصر سنة عشرين، واسكندرية في سنة خمس وعشرين. وقال سيف: فتحت مصر واسكندرية في سنة ست عشرة في ربيع الأول منها. ورجح ذلك أبو الحسن ابن الأثير في الكامل لقصة بعث عمرو الميرة من مصر عام الرمادة، وهو معذور فيما رجحه والله أعلم.
وفيها كان فتح تستر في قول طائفة من علماء السير بعد محاصرة سنتين وقيل سنة ونصف والله أعلم.
صفة فتح بلاد مصر مجموعا من كلام ابن إسحاق وسيف وغيرهما
قالوا: لما استكمل عمر والمسلمون فتح الشام بعث عمرو بن العاص إلى مصر وزعم سيف أنه بعثه بعد فتح بيت المقدس، وأردفه بالزبير بن العوام وفي صحبته بشر بن أرطاة، وخارجة بن حذافة، وعمير ابن وهب الجمحيّ. فاجتمعا على باب مصر فلقيهم أبو مريم جاثليق مصر ومعه الأسقف أبو مريام في أهل الثبات، بعثه المقوقس صاحب اسكندرية لمنع بلادهم، فلما تصافوا قال عمرو بن العاص لا تعجلوا حتى نعذر، ليبرز إليّ بو مريم وأبو مريام راهبا هذه البلاد، فبرزا إليه، فقال لهما عمرو بن العاص:
أنتما راهبا هذه البلاد فاسمعا، إن الله بعث محمدا ﷺ بالحق وأمره به وأمرنا به محمد ﷺ ، وأدى
стр. 2219
إلينا كل الّذي أمر به، ثم مضى وتركنا على الواضحة، وكان مما أمرنا به الأعذار إلى الناس، فنحن ندعوكم إلى الإسلام، فمن أجابنا إليه فمثلنا، ومن لم يجبنا عرضنا عليه الجزية وبذلنا له المنعة، وقد أعلمنا أنا مفتتحوكم، وأوصانا بكم حفظا لرحمنا منكم، وأن لكم إن أجبتمونا بذلك ذمة إلى ذمة ومما عهد إلينا أميرنا استوصوا بالقبطيين خيرا، فان رسول الله ﷺ أوصانا بالقبطيين خيرا، لأن لهم رحما وذمة. فقالوا: قرابة بعيدة لا يصل مثلها إلا الأنبياء معروفة شريفة، كانت ابنة ملكنا وكانت من أهل منف والملك فيهم فأديل عليهم أهل عين شمس فقتلوهم وسلبوهم ملكهم واغتربوا فلذلك صارت إلى إبراهيم ﵇ مرحبا به وأهلا. أمنا حتى نرجع إليك، فقال عمرو: إن مثلي لا يخدع ولكنى أؤجلكما ثلاثا لتنظروا ولتناظروا قومكما وإلا ناجزتكم. قالا: زدنا، فزادهم يوما، فقالا: زدنا. فزادهم يوما. فرجعا إلى المقوقس فأبى أرطبون أن يجيبهما وأمر بمناهدتهم، فقالا لأهل مصر: أما نحن فسنجتهد أن ندفع عنكم ولا نرجع إليهم. وقد بقيت أربعة أيام قاتلوا وأشار عليهم بأن يبيتوا المسلمين، فقال الملأ منهم: ما تقاتلون من قوم قتلوا كسرى وقيصر وغلبوهم على بلادهم.
فألح الأرطبون في أن يبيتوا للمسلمين ففعلوا فلم يظفروا بشيء بل قتل منهم طائفة منهم الأرطبون، وحاصر المسلمون عين شمس من مصر في اليوم الرابع. وارتقى الزبير عليهم سور البلد، فلما أحسوا بذلك خرجوا إلى عمرو من الباب الآخر فصالحوه واخترق الزبير البلد حتى خرج من الباب الّذي عليه عمرو فأمضوا الصلح وكتب لهم عمرو كتاب أمان: «بسم الله الرحمن الرحيم: هذا ما أعطى عمرو ابن العاص أهل مصر من الأمان على أنفسهم وملّتهم وأموالهم وكنائسهم وصلبهم وبرهم وبحرهم، لا يدخل عليهم شيء من ذلك ولا ينتقص ولا يساكنهم النوبة، وعلى أهل مصر أن يعطوا الجزية إذا اجتمعوا على هذا الصلح وانتهت زيادة نهرهم خمسين ألف ألف وعليهم ما حق لصونهم، فإن أبى أحد منهم أن يجيب رفع عنهم من الجزاء بقدرهم، وذمتنا ممن أبى بريئة. وإن نقص نهرهم من غايته رفع عنهم بقدر ذلك ومن دخل في صلحهم من الروم والنوبة، فله مثل ما لهم وعليه مثل ما عليهم، ومن أبى واختار الذهاب فهو آمن حتى يبلغ مأمنه أو يخرج من سلطاننا، عليهم ما عليهم أثلاثا، في كل ثلث جباية ثلث ما عليهم. على ما في هذا الكتاب عهد الله وذمة رسوله وذمة الخليفة أمير المؤمنين وذمم المؤمنين، وعلى النوبة الذين استجابوا أن يعينوا بكذا وكذا رأسا، وكذا وكذا فرسا على أن لا يغزوا ولا يمنعوا من تجارة صادرة ولا واردة. شهد الزبير وعبد الله ومحمد ابناه وكتب وردان وحضر» فدخل في ذلك أهل مصر كلهم وقبلوا الصلح واجتمعت الخيول بمصر وعمروا الفسطاط، وظهر أبو مريم وأبو مريام فكلما عمرا في السبايا التي أصيبت بعد المعركة. فأبى عمرو أن يردها عليهما، وأمر بطردهما وإخراجهما من بين يديه، فلما بلغ ذلك أمير المؤمنين عمر بن
стр. 2220
الخطاب أمر أن كل سبى أخذ في الخمسة أيام التي أمنوهم فيها أن يرد عليهم، وكل سبى أخذ ممن لم يقاتل وكذلك من قاتل فلا يرد عليه سباياه. وقيل إنه أمره أن يخيروا من في أيديهم من السبي بين الإسلام وبين أن يرجع إلى أهله، فمن أختار الإسلام فلا يردوه إليهم، ومن اختارهم ردوه عليهم وأخذوا منه الجزية، وأما ما تفرق من سبيهم في البلاد ووصل إلى الحرمين وغيرهما، فإنه لا يقدر على ردهم ولا ينبغي أن يصالحهم على ما يتعذر الوفاء به. ففعل عمرو ما أمر به أمير المؤمنين، وجمع السبايا وعرضوهم وخيروهم فمنهم من اختار الإسلام، ومنهم من عاد إلى دينه، وانعقد الصلح بينهم. ثم أرسل عمرو جيشا إلى اسكندرية - وكان المقوقس صاحب الاسكندرية قبل ذلك يؤدى خراج بلده وبلد مصر إلى ملك الروم - فلما حاصره عمرو بن العاص جمع أساقفته وأكابر دولته وقال لهم: إن هؤلاء العرب غلبوا كسرى وقيصر وأزالوهم عن ملكهم ولا طاقة لنا بهم، والرأى عندي أن نؤدي الجزية إليهم. ثم بعث إلى عمرو بن العاص يقول: إني كنت أؤدى الخراج إلى من هو أبغض إلى منكم - فارس والروم - ثم صالحه على أداء الجزية، وبعث عمرو بالفتح والأخماس إلى عمر بن الخطاب ﵁.
وذكر سيف أن عمرو بن العاص لما التقى مع المقوقس جعل كثير من المسلمين يفر من الزحف فجعل عمر يزمرهم ويحثهم على الثبات: فقال له رجل من أهل اليمن: إنا لم نخلق من حجارة ولا حديد.
فقال له عمرو: اسكت فأنما، أنت كلب. فقال له الرجل فأنت إذا أمير الكلاب. فأعرض عنه عمرو ونادى يطلب أصحاب رسول الله ﷺ فلما اجتمع إليه من هناك من الصحابة قال لهم عمرو:
تقدموا فبكم ينصر الله المسلمين. فنهدوا إلى القوم ففتح الله عليهم وظفروا أتم الظفر. قال سيف:
ففتحت مصر في ربيع الأول من سنة ست عشرة وقام فيها ملك الإسلام ولله الحمد والمنة. وقال غيره: فتحت مصر في سنة عشرين، وفتحت اسكندرية في سنة خمس وعشرين بعد محاصرة ثلاثة أشهر عنوة، وقيل صلحا على اثنى عشر ألف دينار. وقد ذكر أن المقوقس سأل من عمرو أن يهادنه أولا، فلم يقبل عمرو وقال له: قد علمتم ما فعلنا بملككم الأكبر هرقل. فقال المقوقس لأصحابه:
صدق فنحن أحق بالإذعان. ثم صالح على ما تقدم. وذكر غيره أن عمرا والزبير سارا إلى عين شمس فحاصراها وأن عمرا بعث إلى الفرما أبرهة بن الصباح، وبعث عوف بن مالك إلى الاسكندرية، فقال كل منهما لأهل بلده: إن نزلتم فلكم الأمان. فتربصوا ماذا يكون من أهل عين شمس، فلما صالحوا صالح الباقون. وقد قال عوف بن مالك لأهل اسكندرية: ما أحسن بلدكم؟ فقالوا: إن إسكندر لما بناها قال: لأبنين مدينة فقيرة إلى الله غنية عن الناس. فبقيت بهجتها. وقال أبرهة لأهل الفرما: ما أقبح مدينتكم؟ فقالوا إن الفرما - وهو أخو الإسكندر - لما بناها قال لأبنين مدينة
стр. 2221
غنية عن الله فقيرة إلى الناس. فهي لا يزال ساقطا بناؤها فشوهت بذلك.
وذكر سيف أن عبد الله بن سعد بن أبى سرح لما ولى مصر بعد ذلك زاد في الخراج عليهم رءوسا من الرقيق يهدونها إلى المسلمين في كل سنة، ويعوضهم المسلمون بطعام مسمى وكسوة. وأقر ذلك عثمان بن عفان وولاة الأمور بعده، حتى كان عمر بن عبد العزيز فأمضاه أيضا نظرا لهم، وإبقاء لعهدهم. قلت: وإنما سميت ديار مصر بالفسطاط نسبة إلى فسطاط عمرو بن العاص، وذلك أنه نصب خيمته وهي الفسطاط موضع مصر اليوم، وبنى الناس حوله، وتركت مصر القديمة من زمان عمرو بن العاص وإلى اليوم، ثم رفع الفسطاط وبنى موضعه جامعا وهو المنسوب إليه اليوم. وقد غزا المسلمون بعد فتح مصر النوبة فنالهم جراحات كثيرة، وأصيبت أعين كثيرة، لجودة رمى النوبة فسموهم جند الحدق. ثم فتحها الله بعد ذلك وله الحمد والمنة. وقد اختلف في بلاد مصر فقيل:
فتحت صلحا إلا الاسكندرية، وهو قول يزيد بن أبى حبيب، وقيل: كلها عنوة وهو قول ابن عمر وجماعة. وعن عمرو بن العاص أنه خطب الناس فقال: ما قعدت مقعدي هذا ولا حد من القبط عندي عهد إن شئت - قلت، وإن شئت بعت وإن شئت خمست إلا لأهل الطابلس فان لهم عهدا نوفى به.
قصة نيل مصر
روينا من طريق ابن لهيعة عن قيس بن الحجاج عمن حدثه قال: لما افتتحت مصر أتى أهلها عمرو بن العاص - حين دخل بؤنة من أشهر العجم - فقالوا: أيها الأمير، لنيلنا هذا سنة لا يجرى إلا بها. قال: وما ذاك؟ قالوا: إذا كانت اثنتي عشرة ليلة خلت من هذا الشهر عمدنا إلى جارية بكر من أبويها، فأرضينا أبويها وجعلنا عليها من الحلي والثياب أفضل ما يكون، ثم ألقيناها في هذا النيل. فقال لهم عمرو: إن هذا مما لا يكون في الإسلام، إن الإسلام يهدم ما قبله. قال: فأقاموا بؤنة وأبيب ومسرى والنيل لا يجرى قليلا ولا كثيرا، حتى هموا بالجلاء، فكتب عمرو إلى عمر ابن الخطاب بذلك، فكتب إليه: إنك قد أصبت بالذي فعلت، وإني قد بعثت إليك بطاقة داخل كتابي، فألقها في النيل. فلما قدم كتابه أخذ عمرو البطاقة فإذا فيها «من عبد الله عمر أمير المؤمنين إلى نيل أهل مصر، أما بعد، فإن كنت إنما تجرى من قبلك ومن أمرك فلا تجر فلا حاجة لنا فيك، وإن كنت إنما تجرى بأمر الله الواحد القهار، وهو الّذي يجريك فنسأل الله تعالى أن يجريك» قال: فألقى البطاقة في النيل فأصبحوا يوم السبت وقد أجرى الله النيل ستة عشر ذراعا في ليلة واحدة وقطع الله تلك السنة عن أهل مصر إلى اليوم.
قال سيف بن عمر: وفي ذي القعدة من هذه السنة - وهي عنده سنة ست عشرة - جعل عمرو المسالح على أرجاء مصر، وذلك لأن هرقل أغزا الشام ومصر في البحر. قال ابن جرير: وفي هذه
стр. 2222
السنة غزا أرض الروم أبو بحرية عبد الله بن قيس العبديّ - وهو أول من دخلها فيما قيل - فسلم وغنم وقيل أول من دخلها ميسرة بن مسروق العبسيّ. قال الواقدي: وفيها عزل عمر قدامة بن مظعون عن البحرين، وحده في الشراب. وولى على البحرين واليمامة أبا هريرة الدوسيّ ﵁.
قال: وفيها شكا أهل الكوفة سعدا في كل شيء، حتى قالوا: لا يحسن يصلى، فعزله عنها وولى عليها عبد الله بن عبد الله بن عتبان - وكان نائب سعد - وقيل بل ولاها عمرو بن ياسر. وقال الامام أحمد: حدثنا سفيان عن عبد الملك سمعه من جابر بن سمرة. قال: شكا أهل الكوفة سعدا إلى عمر فقالوا: إنه لا يحسن يصلى، قال الأعاريب؟ والله ما آلو بهم صلاة رسول الله ﷺ في الظهر والعصر، اردد في الأوليين وأصرف في الأخيرين. فسمعت عمر يقول: كذا الظن بك يا أبا إسحاق.
وفي صحيح مسلم أن عمر بعث من يسأل عنه أهل الكوفة فأثنوا خيرا إلا رجلا يقال له: أبو سعدة قتادة بن أسامة قام فقال: أما إذا أنشدتنا فان سعدا لا يقسم بالسوية ولا يعدل في القضية، ولا يخرج في السرية. فقال سعد: اللهمّ إن كان عبدك هذا قام مقام رياء وسمعة، فأطل عمره وأدم فقره وعرضه للفتن. فأصابته دعوة سعد - فكان شيخا كبيرا يرفع حاجبيه عن عينيه، ويتعرض للجواري في الطرق فيغمزهن، فيقال له في ذلك، فيقول: شيخ كبير مفتون أصابته دعوة سعد. وقد قال عمر في وصيته - وذكره في السنة - «فان أصابت الامرة سعدا فذاك، وإلا فليستعن به أيكم ولى، فأنى لم أعز له عن عجز ولا خيانة. قال وفيها أجلى عمر يهود خيبر عنها إلى أذرعات وغيرها، وفيها أجلى عمر يهود نجران منها أيضا إلى الكوفة، وقسم خيبر، ووادي القرى، ونجران بين المسلمين. قال: وفيها دوّن عمر الدّواوين، وزعم غيره أنه دوّنها قبل ذلك فالله أعلم. قال: وفيها بعث عمر علقمة بن مجزز المدلجي إلى الحبشة في البحر فأصيبوا فآلى عمر على نفسه أن لا يبعث جيشا في البحر بعدها. وقد خالف الواقدي في هذا أبو معشر فزعم أن غزوة الحبشة إنما كانت في سنة إحدى وثلاثين - يعنى في خلافة عثمان بن عفان - والله أعلم. قال الواقدي: وفيها تزوج عمر فاطمة بنت الوليد بن عتبة.
التي مات عنها الحارث بن هشام في الطاعون. وهي أخت خالد بن الوليد. قال: وفيها مات هلال بدمشق، وأسيد بن الحضير في شعبان، وزينب بنت جحش أم المؤمنين. وهي أول من مات من أمهات المؤمنين ﵂. قال: وفيها مات هرقل وقام بعده ولده قسطنطين. قال: وحج بالناس في هذه السنة عمر ونوابه وقضاته من تقدم في التي قبلها. سوى من ذكرنا أنه عزله وولى غيره.
ذكر المتوفين في هذه السنة من الأعيان - أسيد بن الحضير
ابن سماك الأنصاري الأشهلي من الأوس، أبو يحيى أحد النقباء ليلة العقبة، وكان أبوه رئيس الأوس يوم بعاث، وكان قبل الهجرة بست سنين، وكان يقال له حضير الكتائب، يقال إنه أسلم
стр. 2223
على يدي مصعب بن عمير. ولما هاجر الناس آخى رسول الله ﷺ بينه وبين زيد بن حارثة، ولم يشهد بدرا.
وفي الحديث الّذي صححه الترمذي عن أبى هريرة أن رسول الله ﷺ قال «نعم الرجل أبو بكر، نعم الرجل عمر، نعم الرجل أسيد بن الحضير» وذكر جماعة. وقدم الشام مع عمر وأثنت عليه عائشة، وعلى سعد بن معاذ، وعباد بن بشر، ﵃. وذكر ابن بكير أنه توفى بالمدينة سنة عشرين، وأن عمر حمل بين عموديه وصلى عليه ودفن بالبقيع، وكذا أرخ وفاته سنة عشرين الواقدي وأبو عبيد وجماعة.
أنيس بن مرثد بن أبى مرثد الغنوي
هو وأبوه وجده صحابة وكان أنيس هذا عينا لرسول الله يوم حنين،
ويقال إنه الّذي قال له رسول الله ﷺ «اغد يا أنيس إلى امرأة هذا فان اعترفت فارجمها» والصحيح أنه غيره، فان في الحديث «فقال لرجل من أسلم» فقيل: انه أنيس بن الضحاك الأسلمي. وقد مال ابن الأثير إلى ترجيحه والله أعلم. له حديث في الفتنة قال إبراهيم بن المنذر: توفى في ربيع الأول سنة عشرين.
بلال بن أبى رباح الحبشي المؤذن مولى أبى بكر
ويقال له بلال بن حمامة. وهي أمه. أسلم قديما فعذب في الله فصبر فاشتراه الصديق فأعتقه، شهد بدرا وما بعدها. وكان عمر يقول: أبو بكر سيدنا وأعتق سيدنا. رواه البخاري. ولما شرع الأذان بالمدينة كان هو الّذي يؤذن بين يدي رسول الله ﷺ وابن أم مكتوم يتناوبان، تارة هذا وتارة هذا، وكان بلال ندي الصوت حسنه، فصيحا، وما
يروى «أن سين بلال عند الله شينا» فليس له أصل. وقد أذن يوم الفتح على ظهر الكعبة. ولما توفى رسول الله ﷺ ترك الأذان، ويقال أذن للصديق أيام خلافته ولا يصح. ثم خرج إلى الشام مجاهدا، ولما قدم عمر إلى الجابية أذن بين يديه بعد الخطبة لصلاة الظهر، فانتحب الناس بالبكاء. وقيل إنه زار المدينة في غضون ذلك [فأذن فبكى الناس بكاء شديدا ويحق لهم ذلك] (١) ﵃.
وثبت في الصحيح أن رسول الله ﷺ قال لبلال «إني دخلت الجنة فسمعت خشف نعليك أمامى فأخبرني بأرجى عمل عملته».
فقال:
ما توضأت إلا وصليت ركعتين. «فقال بذاك»
وفي رواية «ما أحدثت إلا توضأت وما توضأت إلا رأيت أن على أن أصلى ركعتين» قالوا: وكان بلال آدم شديد الأدمة طويلا نحيفا كثير الشعر خفيف العارضين. قال ابن بكير: توفى بدمشق في طاعون عمواس سنة ثماني عشرة. وقال محمد بن إسحاق وغير واحد: توفى سنة عشرين. قال الواقدي: ودفن بباب الصغير وله بضع وستون سنة
стр. 2224
وقال غيره: مات بداريا ودفن بباب كيسان. وقيل دفن بداريا، وقيل إنه مات بحلب. والأول أصح والله أعلم.
سعيد بن عامر بن خذيم
من أشراف بنى جمح، شهد خيبر وكان من الزهاد والعباد، وكان أميرا لعمر على حمص بعد أبى عبيدة، بلغ عمر أنه قد أصابته جراحة شديدة، فأرسل إليه بألف دينار فتصدق بها جميعها، وقال لزوجته: أعطيناها لمن يتجر لنا فيها ﵁. قال خليفة: فتح هو ومعاوية قيسارية كل منهما أمير على من معه.
عياض بن غنم
أبو سعد الفهري من المهاجرين الأولين، شهد بدرا وما بعدها، وكان سمحا جوادا، شجاعا، وهو الّذي افتتح الجزيرة، وهو أول من جاز درب الروم غازيا، واستنابه أبو عبيدة بعده على الشام فأقره عمر عليها إلى أن مات سنة عشرين عن ستين سنة.
أبو سفيان بن الحارث
ابن عبد المطلب بن عم رسول الله ﷺ قيل اسمه المغيرة. أسلم عام الفتح فحسن إسلامه جدا وكان قبل ذلك من أشد الناس على رسول الله ﷺ ، وعلى دينه ومن تبعه، وكان شاعرا مطيقا يهجو الإسلام وأهله، وهو الّذي رد عليه حسان بن ثابت ﵁ في قوله:
ألا أبلغ أبا سفيان عنى … مغلغلة فقد برح الخفاء
هجوت محمدا وأجبت عنه … وعند الله في ذاك الجزاء
أتهجوه ولست له بكفء … فشركما لخيركما الفداء
ولما جاء هو وعبد الله بن أبى أمية ليسلما لم يأذن لهما ﵇ حتى شفعت أم سلمة لأخيها فأذن له، وبلغه أن أبا سفيان هذا قال: والله لئن لم يأذن لي لآخذن بيد بنى هذا - لولد معه صغير - فلا ذهبن فلا يدرى أين أذهب. فرق حينئذ له رسول الله ﷺ وأذن له، ولزم رسول الله ﷺ يوم حنين وكان آخذا بلجام بغلته يومئذ،
وقد روى أن رسول الله ﷺ أحبه وشهد له بالجنة، وقال «أرجو أن تكون خلفا من حمزة» وقد رثى رسول الله ﷺ حين توفى بقصيدة ذكرناها فيما سلف وهي التي يقول فيها:
ارقت فبات ليلى لا يزول … وليل أخ المصيبة فيه طول
وأسعدنى البكاء وذاك فيما … أصيب المسلمون به قليل
فقد عظمت مصيبتنا وجلت … عشية قيل قد قبض الرسول
стр. 2225
فقدنا الوحي والتنزيل فينا … يروح به ويغدو جبرئيل
ذكروا أن أبا سفيان حج فلما حلق رأسه قطع الحالق ثؤلولا له في رأسه فتمرض منه فلم يزل كذلك حتى مات بعد مرجعه إلى المدينة، وصلى عليه عمر بن الخطاب. وقد قيل إن أخاه نوفلا توفى قبله بأربعة أشهر والله أعلم.
أبو الهيثم بن التيهان
هو مالك بن مالك بن عسل بن عمرو بن عبد الأعلم بن عامر بن دعورا بن جشم بن الحارث بن الخزرج بن عمرو بن مالك بن الأوس الأنصاري الأوسي، شهد العقبة نقيبا، وشهد بدرا وما بعدها، ومات سنة عشرين، وقيل إحدى وعشرين، وقيل إنه شهد صفين مع على، قال ابن الأثير وهو الأكثر. وقد ذكره شيخنا هنا فالله أعلم.
زينب بنت جحش
ابن رباب الأسدية من أسد خزيمة أول أمهات المؤمنين وفاة، أمها أميمة بنت عبد المطلب، وكان اسمها برة، فسماها رسول الله زينب، وتكنى أم الحكم، وهي التي زوجه الله بها، وكانت تفتخر بذلك على سائر أزواج النبي ﷺ ، فتقول: زوجكن أهلوكن وزوجني الله من السماء. قال الله تعالى ﴿فَلَمّا قَضى زَيْدٌ مِنْها وَطَراً زَوَّجْناكَها﴾ الآية. وكانت قبله عند مولاه زيد بن حارثة، فلما طلقها تزوجها رسول الله ﷺ : قيل كان ذلك في سنة ثلاث وقيل أربع وهو الأشهر. وقيل سنة خمس. وفي دخوله ﵇ بها نزل الحجاب كما ثبت في الصحيحين عن أنس. وهي التي كانت تسامى عائشة بنت الصديق في الجمال والحظوة، وكانت دينة ورعة عابدة كثيرة الصدقة.
وذاك الّذي أشار إليه رسول الله ﷺ بقوله «أسرعكن لحاقا بى أطولكن يدا» أي بالصدقة. وكانت امرأة صناعا تعمل بيديها وتتصدق على الفقراء. قالت عائشة: ما رأيت امرأة قط خيرا في الدين وأتقى لله وأصدق حديثا وأوصل للرحم وأعظم أمانة وصدقة من زينب بنت جحش. ولم تحج بعد حجة الوداع لا هي ولا سودة، لقوله، ﵇ لأزواجه «هذه ثم ظهور الحصر» وأما بقية أزواج النبي ﷺ فكن يخرجن إلى الحج وقالتا زينب وسودة: والله لا تحركنا بعده دابة. قالوا: وبعث عمر إليها فرضها اثنى عشر ألفا فتصدقت به في أقاربها. ثم قالت: اللهمّ لا يدكرنى عطاء عمر بعد هذا. فماتت في سنة عشرين وصلى عليها عمر. وهي أول من صنع لها النعش، ودفنت بالبقيع
صفية بنت عبد المطلب عمة رسول الله ﷺ
وهي أم الزبير بن العوام، وهي شقيقة حمزة والمقوم وحجل، أمهم هالة بنت وهيب بن عبد مناف ابن زهرة. لا خلاف في إسلامها وقد حضرت يوم أحد ووجدت على أخيها حمزة وجدا كثيرا، وقتلت
стр. 2226
يوم الخندق رجلا من اليهود جاء فجعل يطوف بالحصن التي هي فيه وهو فارع حصن حسان فقالت لحسان: انزل فأقتله، فأبى، فنزلت إليه فقتلته ثم قالت: انزل فاسلبه فلولا أنه رجل لاستلبته. فقال:
لا حاجة لي فيه. وكانت أول امرأة قتلت رجلا من المشركين. وقد اختلف في إسلام من عداها من عمات النبي ﷺ فقيل: أسلمت أروى وعاتكة. قال ابن الأثير وشيخنا أبو عبد الله الذهبي الحافظ: والصحيح أنه لم يسلم منهن غيرها. وقد تزوجت أولا بالحارث بن حرب بن أمية. ثم خلف عليها العوام بن خويلد فولدت له الزبير وعبد الكعبة. وقيل تزوج بها العوام بكرا، والصحيح الأول توفيت بالمدينة سنة عشرين عن ثلاث وسبعين سنة. ودفنت بالبقيع ﵂ وقد ذكر ابن إسحاق من توفى غيرها.
عويم بن ساعدة الأنصاري
شهد العقبتين والمشاهد كلها وهو أول من استنجى بالماء، وفيه نزل قوله تعالى ﴿فِيهِ رِجالٌ يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا وَاللهُ يُحِبُّ الْمُطَّهِّرِينَ﴾ وله روايات توفى هذه السنة بالمدينة * بشر بن عمرو بن حنش يلقب بالجارود، أسلم في السنة العاشرة، وكان شريفا مطاعا في عبد القيس، وهو الّذي شهد على قدامة بن مظعون أنه شرب الخمر، فعزله عمر عن اليمن وحده قتل الجارود شهيدا * أبو خراشة خويلد بن مرة الهذلي، كان شاعرا مجيدا مخضر ما أدرك الجاهلية والإسلام وكان إذا جرى سبق الخيل. نهشته حية فمات بالمدينة.
ثم دخلت سنة إحدى وعشرين
ففيها كانت وقعة نهاوند وفتحها على المشهور
وهي وقعة عظيمة جدا لها شأن رفيع ونبأ عجيب، وكان المسلمون يسمونها فتح الفتوح
قال ابن إسحاق والواقدي: كانت وقعة نهاوند في سنة إحدى وعشرين. وقال سيف: كانت في سنة سبع عشرة. وقيل في سنة تسع عشرة والله أعلم. وإنما ساق أبو جعفر بن جرير قصتها في هذه السنة فتبعناه في ذلك وجمعنا كلام هؤلاء الأئمة في هذا الشأن سياقا واحدا، حتى دخل سياق بعضهم في بعض. قال سيف وغيره: وكان الّذي هاج هذه الوقعة أن المسلمين لما افتتحوا الأهواز ومنعوا جيش العلاء من أيديهم واستولوا على دار الملك القديم من إصطخر مع ما حازوا من دار مملكتهم حديثا، وهي المدائن، وأخذ تلك المدائن والأقاليم والكور والبلدان الكثيرة، فحموا عند ذلك واستجاشهم يزدجرد الّذي تقهقر من بلد إلى بلد حتى صار إلى أصبهان مبعدا طريدا، لكنه في أسرة من قومه وأهله وماله، وكتب إلى ناحية نهاوند وما والاها من الجبال والبلدان، فتجمعوا وتراسلوا حتى كمل لهم من الجنود ما لم يجتمع لهم قبل ذلك، فبعث سعد إلى عمر يعلمه بذلك، وثار أهل الكوفة على سعد في غضون هذا الحال. فشكوه في كل شيء حتى قالوا: لا يحسن يصلى. وكان الّذي نهض
стр. 2227
بهذه الشكوى رجل يقال له: الجراح بن سنان الأسدي في نفر معه، فلما ذهبوا إلى عمر فشكوه قال لهم عمر: إن الدليل على ما عندكم من الشر نهوضكم في هذا الحال عليه، وهو مستعد لقتال أعداء الله، وقد جمعوا لكم، ومع هذا لا يمنعني أن انظر في أمركم. ثم بعث محمد بن مسلمة - وكان رسول العمال - فلما قدم محمد بن مسلمة الكوفة طاف على القبائل والعشائر والمساجد بالكوفة فكل يثنى على سعد خيرا إلا ناحية الجراح بن سنان فإنهم سكتوا فلم يذموا ولم يشكروا، حتى انتهى إلى بنى عبس، فقام رجل يقال له أبو سعدة أسامة بن قتادة، فقال: أما إذ ناشدتنا فان سعدا لا يقسم بالسوية، ولا يعدل في الرعية، ولا يغزو في السرية. فدعا عليه سعد فقال: اللهمّ إن كان قالها كذبا ورياء وسمعة فأعم بصره، وكثر عياله، وعرضه لمضلات الفتن. فعمى واجتمع عنده عشر بنات، وكان يسمع بالمرأة فلا يزال حتى يأتيها فيجسها فإذا عثر عليه قال: دعوة سعد الرجل المبارك. ثم دعا سعد على الجراح وأصحابه فكل أصابته فارعة في جسده، ومصيبة في ماله بعد ذلك، واستنفر محمد بن مسلمة أهل الكوفة لغزو أهل نهاوند في غضون ذلك عن أمر عمر بن الخطاب. ثم سار سعد ومحمد بن مسلمة والجراح وأصحابه حتى جاءوا عمر فسأله عمر: كيف يصلى؟ فأخبره أنه يطول في الأوليين ويخفف في الأخريين وما آلو ما اقتديت به من صلاة رسول الله ﷺ . فقال له عمر: ذاك الظن بك يا أبا إسحاق. وقال سعد في هذه القصة. لقد أسلمت خامس خمسة، ولقد كنا وما لنا طعام إلا ورق الحبلة حتى تقرحت أشداقنا، وإني لأول رجل رمى بسهم في سبيل الله، ولقد جمع لي رسول الله ﷺ أبويه وما جمعهما لأحد قبلي، ثم أصبحت بنو أسد يقولون لا يحسن يصلى. وفي رواية يغرر بى على الإسلام، لقد خبت إذا وضل عملي. ثم قال عمر لسعد: من استخلفت على الكوفة؟ فقال: عبد الله بن عبد الله ابن عتبان، فأقره عمر على نيابته الكوفة - وكان شيخا كبيرا من أشراف الصحابة حليفا لبني الحبلى من الأنصار - واستمر سعد معزولا من غير عجز ولا خيانة ويهدد أولئك النفر، وكاد يوقع بهم بأسا. ثم ترك ذلك خوفا من أن لا يشكو أحدا أميرا.
والمقصود أن أهل فارس اجتمعوا من كل فج عميق بأرض نهاوند، حتى اجتمع منهم مائة ألف وخمسون ألف مقاتل، وعليهم الفيرزان ويقال: بندار، ويقال ذو الحاجب. وتذامروا فيما بينهم، وقالوا: إن محمدا الّذي جاء العرب لم يتعرض لبلادنا، ولا أبو بكر الّذي قام بعده تعرض لنا في دار ملكنا، وإن عمر بن الخطاب هذا لما طال ملكه انتهك حرمتنا وأخذ بلادنا، ولم يكفه ذلك حتى أغزانا في عقر دارنا، وأخذ بيت المملكة وليس بمنته حتى يخرجكم من بلادكم. فتعاهدوا وتعاقدوا على أن يقصدوا البصرة والكوفة ثم يشغلوا عمر عن بلاده، وتواثقوا من أنفسهم وكتبوا بذلك عليهم كتابا. فلما كتب سعد بذلك إلى عمر - وكان قد عزل سعدا في غضون ذلك - شافه سعد عمر بما
стр. 2228
تمالئوا عليه وتصدوا إليه، وأنه قد اجتمع منهم مائة وخمسون ألفا. وجاء كتاب عبد الله بن عبد الله ابن عتبان من الكوفة إلى عمر مع قريب بن ظفر العبديّ بأنهم قد اجتمعوا وهم متحرفون متذامرون على الإسلام وأهله، وأن المصلحة يا أمير المؤمنين أن نقصدهم فنعاجلهم عما هموا به وعزموا عليه من المسير إلى بلادنا. فقال عمر لحامل الكتاب: ما اسمك؟ قال: قريب. قال: ابن من؟ قال: ابن ظفر. فتفاءل عمر بذلك وقال: ظفر قريب. ثم أمر فنودي الصلاة جامعة، فاجتمع الناس وكان أول من دخل المسجد لذلك سعد بن أبى وقاص، فتفاءل عمر أيضا بسعد، فصعد عمر المنبر حتى اجتمع الناس فقال: إن هذا يوم له ما بعده من الأيام، ألا وإني قد هممت بأمر فاسمعوا وأجيبوا وأوجزوا ولا تنازعوا فتفشلوا وتذهب ريحكم، إني قد رأيت أن أسير بمن قبلي حتى أنزل منزلا وسطا بين هذين المصرين فأستنفر الناس، ثم أكون لهم ردءا حتى يفتح الله عليهم. فقام عثمان وعلى وطلحة والزبير وعبد الرحمن بن عوف في رجال من أهل الرأى، فتكلم كل منهم بانفراده فأحسن وأجاد، واتفق رأيهم على أن لا يسير من المدينة، ولكن يبعث البعوث ويحصرهم برأيه ودعائه. وكان من كلام على ﵁ أن قال: يا أمير المؤمنين، إن هذا الأمر لم يكن نصره ولا خذلانه بكثرة ولا قلة، هو دينه الّذي أظهر، وجنده الّذي أعزه وأمده بالملائكة حتى بلغ ما بلغ. فنحن على موعود من الله والله منجز وعده، وناصر جنده، ومكانك منهم يا أمير المؤمنين مكان النظام من الخرز يجمعه ويمسكه، فإذا انحل تفرق ما فيه وذهب، ثم لم يجتمع بحذافيره أبدا. والعرب اليوم وإن كانوا قليلا فهم كثير عزيز بالإسلام، فأقم مكانك واكتب إلى أهل الكوفة فهم أعلام العرب ورؤساؤهم، فليذهب منهم الثلثان ويقيم الثلث، واكتب إلى أهل البصرة يمدونهم أيضا. - وكان عثمان قد أشار في كلامه أن يمدهم في جيوش من أهل اليمن والشام. ووافق عمر على الذهاب إلى ما بين البصرة والكوفة - فرد عليّ على عثمان في موافقته على الذهاب إلى ما بين البصرة والكوفة كما تقدم، ورد رأى عثمان فيما أشار به من استمداد أهل الشام خوفا على بلادهم إذا قل جيوشها من الروم. ومن أهل اليمن خوفا على بلادهم من الحبشة. فأعجب عمر قول على وسر به - وكان عمر إذا استشار أحدا لا يبرم أمرا حتى يشاور العباس - فلما أعجبه كلام الصحابة في هذا المقام عرضه على العباس فقال:
يا أمير المؤمنين خفض عليك، فإنما اجتمع هؤلاء الفرس لنقمة تنزل عليهم. ثم قال عمر: أشيروا على بمن أوليه أمر الحرب وليكن عراقيا. فقالوا: أنت أبصر بجندك يا أمير المؤمنين. فقال: أما والله لأولين رجلا يكون أول الأسنة إذا لقيها غدا. قالوا: من يا أمير المؤمنين؟ قال: النعمان بن مقرن.
فقالوا: هو لها - وكان النعمان قد كتب إلى عمرو هو على كسكر وسأله أن يعزله عنها ويوليه قتال أهل نهاوند - فلهذا أجابه إلى ذلك وعينه له، ثم كتب عمر إلى حذيفة أن يسير من الكوفة بجنود
стр. 2229
منها، وكتب إلى أبى موسى أن يسير بجنود البصرة، وكتب إلى النعمان، وكان بالبصرة - أن يسير بمن هناك من الجنود إلى نهاوند، وإذا اجتمع الناس فكل أمير على جيشه والأمير على الناس كلهم النعمان بن مقرن. فإذا قتل فحذيفة بن اليمان، فان قتل فجرير بن عبد الله، فإن قتل فقيس بن مكشوح، فان قتل قيس ففلان ثم فلان، حتى عد سبعة أحدهم المغيرة بن شعبة، وقيل لم يسم فيهم والله أعلم.
وصورة الكتاب «بسم الله الرحمن الرحيم من عبد الله عمر أمير المؤمنين، إلى النعمان بن مقرن سلام عليك، فانى أحمد إليك الله الّذي لا إله إلا هو، أما بعد فإنه قد بلغني أن جموعا من الأعاجم كثيرة قد جمعوا لكم بمدينة نهاوند، فإذا أتاك كتابي هذا فسر بأمر الله وبعون الله وبنصر الله بمن معك من المسلمين، ولا توطئهم وعرا فتؤذيهم، ولا تمنعهم حقهم فتكفرهم، ولا تدخلهم غيضة، فان رجلا من المسلمين أحب إلى من مائة ألف دينار، والسلام عليك. فسر في وجهك ذلك حتى تأتى ماه فانى قد كتبت إلى أهل الكوفة أن يوافوك بها، فإذا اجتمع إليك جنودك فسر إلى الفيرزان ومن جمع معه من الأعاجم من أهل فارس وغيرهم، واستنصروا وأكثروا من لا حول ولا قوة إلا بالله». وكتب عمر إلى نائب الكوفة - عبد الله بن عبد الله - أن يعين جيشا ويبعثهم إلى نهاوند، وليكن الأمير عليهم حذيفة بن اليمان حتى ينتهى إلى النعمان بن مقرن، فإن قتل النعمان فحذيفة، فان قتل فنعيم بن مقرن. وولى السائب بن الأقرع قسم الغنائم. فسار حذيفة في جيش كثيف نحو النعمان ابن مقرن ليوافوه بماه، وسار معه حذيفة خلق كثير من أمراء العراق، وقد أرصد في كل كورة ما يكفيها من المقاتلة، وجعل الحرس في كل ناحية، واحتاطوا احتياطا عظيما، ثم انتهوا إلى النعمان ابن مقرن حيث اتعدوا، فدفع حذيفة بن اليمان إلى النعمان كتاب عمر وفيه الأمر له بما يعتمده في هذه الوقعة، فكمل جيش المسلمين في ثلاثين ألفا من المقاتلة فيما رواه سيف عن الشعبي، فمنهم من سادات الصحابة ورءوس العرب خلق كثير وجم غفير، منهم عبد الله بن عمر أمير المؤمنين، وجرير بن عبد الله البجلي، وحذيفة بن اليمان، والمغيرة بن شعبة، وعمرو بن معديكرب الزبيدي، وطليحة بن خويلد الأسدي، وقيس بن مكشوح المرادي. فسار الناس نحو نهاوند وبعث النعمان بن مقرن الأمير بين يديه طليعة ثلاثة وهم طليحة، وعمرو بن معديكرب الزبيدي، وعمرو بن أبى سلمة.
ويقال له عمرو بن ثبى أيضا، ليكشفوا له خبر القوم وما هم عليه. فسارت الطليعة يوما وليلة فرجع عمرو بن ثبى فقيل له: ما رجعك؟ فقال: كنت في أرض العجم وقتلت أرض جاهلها وقتل أرضا عالمها. ثم رجع بعده عمرو بن معديكرب وقال: لم نر أحدا وخفت أن يؤخذ علينا الطريق، ونفذ طليحة ولم يحفل برجوعهما فسار بعد ذلك نحوا من بضعة عشر فرسخا حتى انتهى إلى نهاوند، ودخل في العجم وعلم من أخبارهم ما أحب. ثم رجع إلى النعمان فأخبره بذلك، وأنه ليس بينه وبين نهاوند
стр. 2230
شيء يكرهه. فسار النعمان على تعبئته وعلى المقدمة نعيم بن مقرن، وعلى المجنبتين حذيفة وسويد بن مقرن، وعلى المجردة القعقاع بن عمرو، وعلى الساقة مجاشع بن مسعود، حتى انتهوا إلى الفرس وعليهم الفيرزان، ومعه من الجيش كل من غاب عن القادسية في تلك الأيام المتقدمة، وهو في مائة وخمسين ألفا، فلما تراءى الجمعان كبر النعمان وكبر المسلمون ثلاث تكبيرات، فزلزلت الأعاجم ورعبوا من ذلك رعبا شديدا. ثم أمر النعمان بحط الأثقال وهو واقف، فحط الناس أثقالهم، وتركوا رحالهم، وضربوا خيامهم وقبابهم. وضربت خيمة للنعمان عظيمة، وكان الذين ضربوا أربعة عشر من أشراف الجيش، وهم حذيفة بن اليمان، وعتبة بن عمرو، والمغيرة بن شعبة، وبشير بن الخصاصية، وحنظلة الكاتب، وابن الهوبر، وربعي بن عامر، وعامر بن مطر، وجرير بن عبد الله الحميري، وجرير بن عبد الله البجلي، والأقرع بن عبد الله الحميري، والأشعث بن قيس الكندي، وسعيد بن قيس الهمدانيّ، ووائل بن حجر، فلم ير بالعراق خيمة عظيمة أعظم من بناء هذه الخيمة، وحين حطوا الأثقال أمر النعمان بالقتال وكان يوم الأربعاء، فاقتتلوا ذلك اليوم والّذي بعده والحرب سجال، فلما كان يوم الجمعة انحجزوا في حصنهم، وحاصرهم المسلمون فأقاموا عليهم ما شاء الله، والأعاجم يخرجون إذا أرادوا ويرجعون إلى حصونهم إذا أرادوا. وقد بعث أمير الفرس يطلب رجلا من المسلمين ليكلمه، فذهب إليه المغيرة بن شعبة، فذكر من عظيم ما رأى عليه من لبسه ومجلسه، وفيما خاطبه به من الكلام في احتقار العرب واستهانته بهم، وأنهم كانوا أطول الناس جوعا، وأقلهم دارا وقدرا. وقال: ما يمنع هؤلاء الأساورة حولي أن ينتظموكم بالنشاب إلا مجا من جيفكم، فان تذهبوا نخل عنكم، وإن تابوا نزركم مصارعكم. قال: فتشهدت وحمدت الله وقلت: لقد كنا أسوأ حالا مما ذكرت، حتى بعث الله رسوله فوعدنا النصر في الدنيا، والخير في الآخرة، وما زلنا نتعرض من ربنا النصر منذ بعثت الله رسوله إلينا، وقد جئناكم في بلادكم وإنا لن نرجع إلى ذلك الشقاء أبدا حتى نغلبكم على بلادكم وما في أيديكم أو نقتل بأرضكم. فقال: أما والله إن الأعور لقد صدقكم ما في نفسه. فلما طال على المسلمين هذا الحال واستمر، جمع النعمان بن مقرن أهل الرأى من الجيش، وتشاوروا في ذلك، وكيف يكون من أمرهم حتى يتواجهوا هم والمشركون في صعيد واحد، فتكلم عمرو بن أبى سلمة أولا - وهو أسن من كان هناك - فقال: إن بقاءهم على ما هم عليه أضر عليهم من الّذي يطلبه منهم وأبقى على المسلمين.
فرد الجميع عليه وقالوا: إنا لعلى يقين من إظهار ديننا، وإنجاز موعود الله لنا. وتكلم عمرو بن معديكرب فقال: ناهدهم وكاثرهم ولا تخفهم. فردوا جميعا عليه وقالوا: انما تناطح بنا الجدران والجدران أعوان لهم علينا. وتكلم طليحة الأسدي فقال: إنهما لم يصيبا، وإني أرى أن تبعث سرية فتحدق بهم ويناوشوهم بالقتال ويحمشوهم فإذا برزوا إليهم فليفروا إلينا هرابا، فإذا استطردوا
стр. 2231
وراءهم وانتموا إلينا عزمنا أيضا على الفرار كلنا، فإنهم حينئذ لا يشكون في الهزيمة فيخرجون من حصونهم عن بكرة أبيهم، فإذا تكامل خروجهم رجعنا إليهم فجالدناهم حتى يقضى الله بيننا.
فاستجاد الناس هذا الرأى، وأمر النعمان على المجردة القعقاع بن عمرو، وأمرهم أن يذهبوا إلى البلد فيحاصروهم وحدهم ويهربوا بين أيديهم إذا برزوا إليهم. ففعل القعقاع ذلك، فلما برزوا من حصونهم نكص القعقاع بمن معه ثم نكص ثم نكص فاغتنمها الأعاجم، ففعلوا ما ظن طليحة، وقالوا: هي هي، فخرجوا بأجمعهم ولم يبق بالبلد من المقاتلة إلا من يحفظ لهم الأبواب، حتى انتهوا إلى الجيش، والنعمان بن مقرن على تعبئته. وذلك في صدر نهار جمعة، فعزم الناس على مصادمتهم، فنهاهم النعمان وأمرهم أن لا يقاتلوا حتى تزول الشمس، وتهب الأرواح، وينزل النصر كما كان رسول الله ﷺ يفعل. وألح الناس على النعمان في الحملة فلم يفعل - وكان رجلا ثابتا - فلما حان الزوال صلى بالمسلمين ثم ركب برذونا له أحوى قريبا من الأرض، فجعل يقف على كل راية ويحثهم على الصبر ويأمرهم بالثبات، ويقدم إلى المسلمين أنه يكبر الأولى فيتأهب الناس للحملة، ويكبر الثانية فلا يبقى لأحد أهبة، ثم الثالثة ومعها الحملة الصادقة. ثم رجع إلى موقفه. وتعبت الفرس تعبئة عظيمة واصطفوا صفوفا هائلة. في عدد وعدد لم ير مثله، وقد تغلغل كثير منهم بعضهم في بعض وألقوا حسك الحديد وراء ظهورهم حتى لا يمكنهم الهرب ولا الفرار، ولا التحيز. ثم إن النعمان بن مقرن ﵁ كبر الأولى وهز الراية فتأهب الناس للحملة، ثم كبر الثانية وهز الراية فتأهبوا أيضا، ثم كبر الثالثة وحمل وحمل الناس على المشركين وجعلت راية النعمان تنقض على الفرس كانقضاض العقاب على الفريسة، حتى تصافحوا بالسيوف فاقتتلوا قتالا لم يعهد مثله في موقف من المواقف المتقدمة، ولا سمع السامعون بوقعة مثلها، قتل من المشركين ما بين الزوال إلى الظلام من القتلى ما طبق وجه الأرض دما، بحيث إن الدواب كانت تطبع فيه، حتى قيل إن الأمير النعمان بن مقرن زلق به حصانه في ذلك الدم فوقع وجاءه سهم في خاصرته فقتله، ولم يشعر به أحد سوى أخيه سويد، وقيل نعيم، وقيل غطاه بثوبه وأخفى موته ودفع الراية إلى حذيفة بن اليمان، فأقام حذيفة أخاه نعيما مكانه، وأمر بكتم موته حتى ينفصل الحال لئلا ينهزم الناس. فلما أظلم الليل انهزم المشركون مدبرين وتبعهم المسلمون [وكان الكفار قد قرنوا منهم ثلاثين ألفا بالسلاسل وحفروا حولهم خندقا، فلما انهزموا وقعوا في الخندق وفي تلك الأودية نحو مائة ألف] (١) وجعلوا يتساقطون في أودية بلادهم فهلك منهم بشر كثير نحو مائة ألف أو يزيدون، سوى من قتل في المعركة، ولم يفلت منهم إلا الشريد. وكان الفيرزان أميرهم قد صرع في المعركة فانفلت وانهزم واتبعه نعيم بن مقرن، وقدم القعقاع بين يديه
стр. 2232
وقصد الفيرزان همدان فلحقه القعقاع وأدركه عند ثنية همدان، وقد أقبل منها بغال كثير وحمر تحمل عسلا، فلم يستطع الفيرزان صعودها منهم، وذلك لحينه فترجل وتعلق في الجبل فاتبعه القعقاع حتى قتله، وقال المسلمون يومئذ: إن لله جنودا من عسل، ثم غنموا ذلك العسل وما خالطه من الأحمال وسميت تلك الثنية ثنية العسل. ثم لحق القعقاع بقية المنهزمين منهم إلى همدان وحاصرها وحوى ما حولها، فنزل إليه صاحبها - وهو خسروشنوم - فصالحه عليها. ثم رجع القعقاع إلى حذيفة ومن معه من المسلمين، وقد دخلوا بعد الوقعة نهاوند عنوة، وقد جمعوا الأسلاب والمغانم إلى صاحب الأقباض وهو السائب ابن الأقرع. ولما سمع أهل ماه بخبر أهل همدان بعثوا إلى حذيفة وأخذوا لهم منه الأمان، وجاء رجل يقال له الهرند - وهو صاحب نارهم - فسأل من حذيفة الأمان ويدفع إليهم وديعة عنده لكسرى، أدخرها لنوائب الزمان، فأمنه حذيفة وجاء ذلك الرجل بسفطين مملوءتين جوهرا ثمينا لا يقوم، غير أن المسلمين لم يعبئوا به، واتفق رأيهم على بعثه لعمر خاصة، وأرسلوه صحبة الأخماس والسبي صحبة السائب بن الأقرع، وأرسل قبله بالفتح مع طريف بن سهم، ثم قسم حذيفة بقية الغنيمة في الغانمين، ورضخ ونفل لذوي النجدات، وقسم لمن كان قد أرصد من الجيوش لحفظ ظهور المسلمين من ورائهم، ومن كان ردءا لهم، ومنسوبا إليهم. وأما أمير المؤمنين فإنه كان يدعوا الله ليلا ونهارا لهم، دعاء الحوامل المقربات، وابتهال ذوى الضرورات، وقد استبطأ الخبر عنهم فبينا رجل من المسلمين ظاهر المدينة إذا هو براكب فسأله من أين أقبل؟ فقال: من نهاوند. فقال: ما فعل الناس؟ قال:
فتح الله عليهم وقتل الأمير، وغنم المسلمون غنيمة عظيمة أصاب الفارس ستة آلاف، والراجل ألفان. ثم فاته وقدم ذلك الرجل المدينة فأخبر الناس وشاع الخبر حتى بلغ أمير المؤمنين فطلبه فسأله عمن أخبره، فقال: راكب. فقال: إنه لم يجئنى، وإنما هو رجل من الجن وهو بريدهم واسمه عثيم، ثم قدم طريف بالفتح بعد ذلك بأيام، وليس معه سوى الفتح، فسأله عمن قتل النعمان فلم يكن معه علم حتى قدم الذين معهم الأخماس فأخبروا بالأمر على جليته، فإذا ذلك قد الجنى شهد الوقعة ورجع سريعا إلى قومه نذيرا. ولما أخبر عمر بمقتل النعمان بكى وسأل السائب عمن قتل من المسلمين فقال:
فلان وفلان وفلان، لأعيان الناس وأشرافهم.
ثم قال وآخرون من أفناد الناس ممن لا يعرفهم أمير المؤمنين، فجعل يبكى ويقول: وما ضرهم أن لا يعرفهم أمير المؤمنين؟ لكن الله يعرفهم وقد أكرمهم بالشهادة، وما يصنعون بمعرفة عمر. ثم أمر بقسمة الخمس على عادته، وحملت ذانك السفطان إلى منزل عمر، ورجعت الرسل، فلما أصبح عمر طلبهم فلم يجدهم، فأرسل في إثرهم البرد فما لحقهم البريد إلا بالكوفة.
قال السائب بن الأقرع: فلما أنخت بعيري بالكوفة، أناخ البريد على عرقوب بعيري، وقال:
стр. 2233
أجب أمير المؤمنين، فقلت: لماذا؟ فقال: لا أدرى. فرجعنا على إثرنا، حتى انتهيت إليه. قال:
ما لي ولك يا ابن أم السائب، بل ما لابن أم السائب وما لي، قال: فقلت: وما ذاك يا أمير المؤمنين؟ فقال: ويحك والله إن هو إلا أن نمت في الليلة التي خرجت فيها فباتت ملائكة الله تسحبنى إلى ذينك السفطين وهما يشتعلان نارا، يقولون لنكوينك بهما. فأقول: إني أقسمهما بين المسلمين.
فاذهب بهما لا أبا لك فبعهما فاقسمهما في أعطية المسلمين وأرزاقهم، فإنهم لا يدرون ما وهبوا ولم تدر أنت معهم.
قال السائب: فأخذتهما حتى جئت بهما مسجد الكوفة وغشيتني التجار فابتاعهما منى عمرو بن حريث المخزومي بألفي ألف. ثم خرج بهما إلى أرض الأعاجم فباعهما بأربعة آلاف ألف. فما زال أكثر أهل الكوفة ما لا بعد ذلك. قال سيف: ثم قسم ثمنهما بين الغانمين فنال كل فارس أربعة آلاف درهم من ثمن السفطين. قال الشعبي: وحصل للفارس من أصل الغنيمة ستة آلاف وللراجل ألفان وكان المسلمون ثلاثين ألفا.
قال: وافتتحت نهاوند في أول سنة تسع عشرة لسبع سنين من إمارة عمر، رواه سيف عن عمرو ابن محمد عنه. وبه عن الشعبي قال: لما قدم سبى نهاوند إلى المدينة جعل أبو لؤلؤة - فيروز غلام المغيرة ابن شعبة - لا يلقى منهم صغيرا إلا مسح رأسه وبكى وقال: أكل عمر كبدي - وكان أصل أبى لؤلؤة من نهاوند فأسرته الروم أيام فارس وأسرته المسلمون بعد، فنسب إلى حيث سبى - قالوا: ولم تقم للأعاجم بعد هذه الوقعة قائمة، وأتحف عمر الذين أبلوا فيها بألفين تشريفا لهم وإظهارا لشأنهم.
وفي هذه السنة افتتح المسلمون أيضا بعد نهاوند مدينة جىّ - وهي مدينة أصبهان - بعد قتال كثير وأمور طويلة، فصالحوا المسلمين وكتب لهم عبد الله بن عبد الله كتاب أمان وصلح وفر منهم ثلاثون نفرا إلى كرمان لم يصالحوا المسلمين. وقيل: إن الّذي فتح أصبهان هو النعمان بن مقرن وأنه قتل بها، ووقع أمير المجوس وهو ذو الحاجبين عن فرسه فانشق بطنه ومات وانهزم أصحابه. والصحيح أن الّذي فتح أصبهان عبد الله بن عبد الله بن عتبان - الّذي كان نائب الكوفة - وفيها افتتح أبو موسى قم وقاشان، وافتتح سهيل بن عدي مدينة كرمان.
وذكر ابن جرير عن الواقدي: أن عمرو بن العاص سار في جيش معه إلى طرابلس قال: وهي برقة فافتتحها صلحا على ثلاثة عشر ألف دينار في كل سنة.
قال: وفيها بعث عمرو بن العاص عقبة بن نافع الفهري إلى زويلة ففتحها بصلح، وصار ما بين برقة إلى زويلة سلما للمسلمين. قال: وفيها ولى عمر عمار بن ياسر على الكوفة بدل زياد بن حنظلة الّذي ولاه بعد عبد الله بن عبد الله بن عتبان، وجعل عبد الله بن مسعود على بيت المال، فاشتكى
стр. 2234
أهل الكوفة من عمار فاستعفى عمار من عمله، فعزله وولى جبير بن مطعم، وأمره أن لا يعلم أحدا، وبعث المغيرة بن شعبة امرأته إلى امرأة جبير يعرض عليها طعاما للسفر فقالت: اذهبي فأتينى به. فذهب المغيرة إلى عمر فقال: بارك الله يا أمير المؤمنين فيمن وليت على الكوفة. فقال: وما ذاك؟ وبعث إلى جبير بن مطعم فعزله وولى المغيرة بن شعبة ثانية، فلم يزل عليها حتى مات عمر ﵃.
قال: وفيها حج عمر واستخلف على المدينة زيد بن ثابت وكان عماله على البلدان المتقدمون في السنة التي قبلها سوى الكوفة.
قال الواقدي: وفيها توفى خالد بن الوليد بحمص وأوصى إلى عمر بن الخطاب. وقال غيره توفى سنة ثلاث وعشرين، وقيل بالمدينة. والأول أصح. وقال غيره: وفيها توفى العلاء بن الحضرميّ فولى عمر مكانه أبا هريرة. وقد قيل إن العلاء توفى قبل هذا كما تقدم والله أعلم.
وقال ابن جرير فيما حكاه عن الواقدي: وكان أمير دمشق في هذه السنة عمير بن سعيد، وهو أيضا على حمص وحوران وقنسرين والجزيرة، وكان معاوية على البلقاء والأردن، وفلسطين، والسواحل وأنطاكية، وغير ذلك.
ذكر من توفى في هذه السنة أعنى سنة إحدى وعشرين
خالد بن الوليد
ابن المغيرة بن عبد الله بن عمر بن مخزوم القرشي أبو سليمان المخزومي، سيف الله، أحد الشجعان المشهورين، لم يقهر في جاهلية ولا إسلام. وأمه عصماء بنت الحارث، أخت لبابة (١) بنت الحارث، وأخت ميمونة بنت الحارث أم المؤمنين. قال الوقدى: أسلم أول يوم من صفر سنة ثمان، وشهد مؤتة وانتهت إليه الامارة يومئذ عن غير إمرة، فقاتل يومئذ قتالا شديدا لم ير مثله، اندقت في يده تسعة أسياف، ولم تثبت في يده إلا صفيحة يمانية.
وقد قال رسول الله ﷺ «أخذ الراية زيد فأصيب، ثم أخذها جعفر فأصيب، ثم أخذها عبد الله بن رواحة فأصيب، ثم أخذها سيف من سيوف الله ففتح الله على يديه». وقد روى أن خالدا سقطت قلنسوته يوم اليرموك وهو في الحرب فجعل يستحث في طلبها فعوتب في ذلك، فقال: إن فيها شيئا من شعر ناصية رسول الله ﷺ ، وإنها ما كانت معى في موقف إلا نصرت بها.
وقد روينا في مسند أحمد من طريق الوليد بن مسلم عن وحشي بن حرب عن أبيه عن جده وحشي بن حرب عن أبى بكر الصديق أنه لما أمر خالدا على حرب أهل الردة قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول «فنعم عبد الله وأخو العشيرة خالد بن الوليد، خالد بن الوليد سيف من سيوف الله
стр. 2235
سله الله على الكفار والمنافقين»
وقال أحمد: حدثنا حسين الجعفي عن زائدة عن عبد الملك بن عمير قال: استعمل عمر بن الخطاب أبا عبيدة على الشام وعزل خالد بن الوليد، فقال خالد: بعث إليكم أمين هذه الأمة، [سمعت رسول الله ﷺ يقول «أمين هذه الأمة] (١) أبو عبيدة بن الجراح» فقال أبو عبيدة: سمعت رسول الله ﷺ : يقول «خالد سيف من سيوف الله نعم فتى العشيرة» وقد أورده ابن عساكر من حديث عبد الله بن أبى أوفى، وأبى هريرة، ومن طرق مرسلة يقوى بعضها بعضا. وفي الصحيح «وأما خالد فإنكم تظلمون خالدا وقد احتبس أدراعه وأعبده في سبيل الله» وشهد الفتح وشهد حنينا وغزا بنى جذيمة أميرا في حياته ﵇. واختلف في شهوده خيبر [وقد دخل مكة أميرا على طائفة من الجيش وقتل خلقا كثيرا من قريش، كما قدمنا ذلك مبسوطا في موضعه، ولله الحمد والمنة. وبعثه رسول الله ﷺ إلى العزى - وكانت لهوازن - فكسر قمتها أولا ثم دعثرها وجعل يقول: يا عزى كفرانك لا سبحانك * إني رأيت الله قد أهانك. ثم حرقها] (٢) وقد استعمله الصديق بعد رسول الله ﷺ على قتال أهل الردة ومانعي الزكاة، فشفى واشتفى. ثم وجهه إلى العراق ثم أتى الشام فكانت له من المقامات ما ذكرناها مما تقربها القلوب والعيون، وتتشنف بها الأسماع. ثم عزله عمر عنها وولى أبا عبيدة وأبقاه مستشارا في الحرب، ولم يزل بالشام حتى مات على فراشه ﵁.
وقد روى الواقدي عن عبد الرحمن بن أبى الزناد عن أبيه قال: لما حضرت خالدا الوفاة بكى ثم قال: لقد حضرت كذا وكذا زحفا، وما في جسدي شبر إلا وفيه ضربة سيف، أو طعنة برمح، أو رمية بسهم، وها أنا أموت على فراشي حتف أنفى كما يموت البعير، فلا نامت أعين الجبناء. وقال أبو يعلى: ثنا شريح بن يونس ثنا يحيى بن زكريا عن إسماعيل بن أبى خالد عن قيس. قال: قال خالد بن الوليد: ما ليلة يهدى إلى فيها عروس، أو أبشر فيها بغلام بأحب إلى من ليلة شديدة الجليد في سرية من المهاجرين أصبح بهم العدو. وقال أبو بكر بن عياش عن الأعمش عن خيثمة قال: أتى خالد برجل معه زق خمر فقال: اللهمّ اجعله عسلا، فصار عسلا. وله طرق، وفي بعضها مر عليه رجل معه زق خمر فقال له خالد: ما هذا؟ فقال: عسل فقال: اللهمّ اجعله خلا، فلما رجع إلى أصحابه قال: جئتكم بخمر لم يشرب العرب مثله، ثم فتحه فإذا هو خل، فقال أصابته والله دعوة خالد ﵁. وقال حماد بن سلمة عن ثمامة عن أنس. قال: لقي خالد عدوا له فولى عنه المسلمون منهزمين وثبت هو وأخو البراء بن مالك، وكنت بينهما واقفا، قال: فنكس خالد رأسه ساعة إلى الأرض ثم رفع رأسه إلى السماء ساعة - قال: وكذلك كان يفعل إذا أصابه مثل هذا -، ثم
стр. 2236
قال لأخى البراء: قم فركبا، واختطب خالد من معه من المسلمين وقال: ما هو إلا الجنة وما إلى المدينة سبيل. ثم حمل بهم فهزم المشركين.
وقد حكى مالك عن عمر بن الخطاب أنه قال لأبى بكر: اكتب إلى خالد أن لا يعطى شاة ولا بعيرا إلا بأمرك. فكتب أبو بكر إلى خالد بذلك، فكتب إليه خالد: إما أن تدعني وعملي، وإلا فشأنك بعملك. فأشار عليه عمر بعزله، فقال أبو بكر: فمن يجزى عنى جزاء خالد؟ قال عمر: أنا.
قال: فأنت. فتجهز عمر حتى أنيخ الظهر في الدار، ثم جاء الصحابة فأشاروا على الصديق بإبقاء عمر بالمدينة وإبقاء خالد بالشام. فلما ولى عمر كتب إلى خالد بذلك فكتب إليه خالد بمثل ذلك فعزله، وقال: ما كان الله ليراني آمر أبا بكر بشيء لا أنفذه أنا. وقد روى البخاري في التاريخ وغيره من طريق على بن رباح عن ياسر بن سلمى البرني، قال: سمعت عمر يتعذر إلى الناس بالجابية من عزل خالد، فقال: أمرته أن يحبس هذا المال على ضعفة المهاجرين فأعطاه ذا البأس، وذا الشرف واللسان، فأمرت أبا عبيدة. فقال أبو عمرو بن حفص بن المغيرة: ما اعتذرت يا عمر، لقد نزعت عاملا استعمله رسول الله ﷺ ، ووضعت لواء رفعه رسول الله ﷺ ، وأغمدت سيفا سله الله، ولقد قطعت الرحم، وحسدت ابن العم. فقال عمر: إنك قريب القرابة، حديث السن مغضب في ابن عمك.
قال الواقدي ﵀، ومحمد بن سعيد وغير واحد: مات سنة إحدى وعشرين بقرية على ميل من حمص، وأوصى إلى عمر بن الخطاب. وقال دحيم وغيره: مات بالمدينة. والصحيح الأول.
وقدمنا فيما سلف تعزير عمر له حين أعطى الأشعث بن قيس عشرة آلاف، وأخذه من ماله عشرين ألفا أيضا. وقدمنا عتبة عليه لدخوله الحمام وتدلكه بعد النورة بدقيق عصفر معجون بخمر، واعتذار خالد إليه بأنه صار غسولا. وروينا عن خالد أنه طلق امرأة من نسائه وقال: إني لم أطلقها عن ريبة، ولكنها لم تمرض عندي ولم يصبها شيء في بدنها ولا رأسها ولا في شيء من جسدها. وروى سيف وغيره: أن عمر قال حين عزل خالدا عن الشام، والمثنى بن حارثة عن العراق: إنما عزلتهما ليعلم الناس أن الله نصر الدين لا بنصرهما وأن القوة لله جميعا. وروى سيف أيضا أن عمر قال حين عزل خالدا عن قنسرين وأخذ منه ما أخذ: إنك على لكريم، وإنك عندي لعزيز، ولن يصل إليك منى أمر تكرهه بعد ذلك. وقد قال الأصمعي عن سلمة عن بلال عن مجالد عن الشعبي قال:
اصطرع عمر وخالد وهما غلامان - وكان خالد ابن خال عمر - فكسر خالد ساق عمر، فعولجت وجبرت، وكان ذلك سبب العداوة بينهما. وقال الأصمعي عن ابن عون عن محمد بن سيرين قال:
دخل خالد على عمر وعليه قميص حرير فقال عمر: ما هذا يا خالد؟ فقال: وما بأس يا أمير المؤمنين، أليس قد لبسه عبد الرحمن بن عوف؟ فقال: وأنت مثل ابن عوف؟ ولك مثل ما لابن عوف؟ عزمت
стр. 2237
على من بالبيت إلا أخذ كل واحد منهم بطائفة مما يليه. قال: فمزقوه حتى لم يبق منه شيء. وقال عبد الله بن المبارك عن حماد بن زيد حدثنا عبد الله بن المختار عن عاصم بن بهدلة عن أبى وائل - ثم شك حماد في أبى وائل - قال: ولما حضرت خالد بن الوليد الوفاة قال: لقد طلبت القتل في مظانه فلم يقدر لي إلا أن أموت على فراشي. وما من عملي شيء أرجى عندي بعد لا إله إلا الله من ليلة بتها وأنا متترس والسماء تهلنى تمطر إلى الصبح، حتى نغير على الكفار. ثم قال: إذا أنامت فانظروا إلى سلاحي وفرسي فاجعلوه عدة في سبيل الله. فلما توفى خرج عمر على جنازته فذكر قوله:
ما على آل نساء الوليد أن يسفحن على خالد من دموعهن ما لم يكن نقعا أو لقلقة.
قال ابن المختار: النقع التراب على الرأس، واللقلقة الصوت. وقد علق البخاري في صحيحه بعض هذا فقال: وقال عمر: دعهن يبكين على أبى سليمان ما لم يكن نقع أو لقلقة. وقال محمد بن سعد ثنا وكيع وأبو معاوية وعبد الله بن نمير قالوا: حدثنا الأعمش عن شقيق بن سلمة قال: لما مات خالد ابن الوليد اجتمع نسوة بنى المغيرة في دار خالد يبكين عليه فقيل لعمر: إنهن قد اجتمعن في دار خالد يبكين عليه، وهن خلقاء أن يسمعنك بعض ما تكره. فأرسل إليهن فانههن. فقال عمر: وما عليهنّ أن ينزفن من دموعهن على أبى سليمان، ما لم يكن نقعا أو لقلقة. ورواه البخاري في التاريخ من حديث الأعمش بنحوه.
وقال إسحاق بن بشر وقال محمد: مات خالد بن الوليد بالمدينة فخرج عمر في جنازته وإذا أمه تندبه وتقول:
أنت خير من ألف ألف من القوم … إذا ما كبت وجوه الرجال
فقال: صدقت والله إن كان لذلك.
وقال سيف بن عمر عن شيوخه عن سالم. قال: فأقام خالد في المدينة حتى إذا ظن عمر أنه قد زال ما كان يخشاه من افتتان الناس به، وقد عزم على توليته بعد أن يرجع من الحج، واشتكى خالد بعده وهو خارج من المدينة زائرا لأمه فقال لها: احدرونى إلى مهاجري، فقدمت به المدينة ومرضته فلما ثقل وأظل قدوم عمر لقيه لاق على مسيرة ثلاث صادرا عن حجة فقال له عمريهم (١) فقال: خالد ابن الوليد ثقيل لما به. فطوى عمر ثلاثا في ليلة فأدركه حين قضى، فرق عليه واسترجع وجلس ببابه حتى جهز، وبكته البواكي، فقيل لعمر: ألا تسمع ألا تنهاهن؟ فقال: وما على نساء قريش أن يبكين أبا سليمان؟ ما لم يكن نقع ولا لقلقة. فلما خرج لجنازته رأى عمر امرأة محرمة تبكيه وتقول:
أنت خير من ألف ألف من الناس … إذا ما كبت وجوه الرجال
стр. 2238
أشجاع فأنت أشجع من ليث … ضمر بن جهم أبى أشبال
أجواد فأنت أجود من سيل … دياس يسيل بين الجبال
فقال عمر: من هذه؟ فقيل له: أمّه. فقال: أمّه والا له ثلاثا. وهل قامت النساء عن مثل خالد. قال: فكان عمر يتمثل في طيه تلك الثلاث في ليلة وفي قدومه.
تبكى ما وصلت به الندامى … ولا تبكى فوارس كالجبال
أولئك إن بكيت أشد فقدا … من الاذهاب والعكر الجلال
تمنى بعدهم قوم مداهم … فلم يدنوا لأسباب الكمال
وفي رواية أن عمر قال لأم خالد: أخالدا أو أجره ترزئين؟ عزمت عليك أن لا تبيني حتى تسود يداك من الخضاب. وهذا كله مما يقتضي موته بالمدينة النبويّة، وإليه ذهب دحيم عبد الرحمن بن إبراهيم الدمشقيّ، ولكن المشهور عن الجمهور وهم الواقدي، وكاتبه محمد بن سعد، وأبو عبيد القاسم ابن سلام، وإبراهيم بن المنذر، ومحمد بن عبد الله بن نمير، وأبو عبد الله العصفري، وموسى بن أيوب، وأبو سليمان بن أبى محمد وغيرهم، أنه مات بحمص سنة إحدى وعشرين. زاد الواقدي:
وأوصى إلى عمر بن الخطاب. وقد روى محمد بن سعد عن الواقدي عن عبد الرحمن بن أبى الزناد وغيره قالوا: قدم خالد المدينة بعد ما عزله عمر فاعتمر ثم رجع إلى الشام، فلم يزل بها حتى مات في سنة إحدى وعشرين. وروى الواقدي أن عمر رأى حجاجا يصلون بمسجد قباء فقال: أين نزلتم بالشام؟ قالوا: بحمص، قال: فهل من معرفة خبر؟ قالوا: نعم مات خالد بن الوليد. قال: فاسترجع عمر وقال: كان والله سدادا لنحور العدو، ميمون النقيبة. فقال له على: فلم عزلته؟ قال: لبذله المال لذوي الشرف واللسان.
وفي رواية أن عمر قال لعلى: ندمت على ما كان منى. وقال محمد بن سعد: أخبرنا عبد الله بن الزبير الحميدي ثنا سفيان بن عيينة ثنا إسماعيل بن أبى خالد، سمعت قيس بن أبى حازم يقول: لما مات خالد بن الوليد قال عمر: رحم الله أبا سليمان، لقد كنا نظن به أمورا ما كانت. وقال جويرية عن نافع قال: لما مات خالد لم يوجد له إلا فرسه وغلامه وسلاحه، وقال القاضي المعافى بن زكريا الحريري: ثنا أحمد بن العباس العسكري، ثنا عبد الله بن أبى سعد حدثني عبد الرحمن بن حمزة اللخمي ثنا أبو على الحرنازى قال: دخل هشام بن البختري في ناس من بنى مخزوم على عمر بن الخطاب فقال له: يا هشام أنشدنى شعرك في خالد. فأنشده فقال: قصرت في الثناء على أبى سليمان ﵀، إنه كان ليحب أن يذل الشرك وأهله، وإن كان الشامت به لمتعرضا لمقت الله. ثم قال عمر قاتل الله أخا بنى تميم ما أشعره.
стр. 2239
وقل للذي يبقى خلاف الّذي مضى … تهيأ لأخرى مثلها فكأن قدى
فما عيش من قد عاش بعدي بنافعي … ولا موت من قد مات يوما بمخلدى
ثم قال عمر: رحم الله أبا سليمان ما عند الله خير له مما كان فيه. ولقد مات سعيدا وعاش حميدا ولكن رأيت الدهر ليس بقائل.
طليحة بن خويلد
ابن نوفل بن نضلة بن الأشتر بن جحوان بن فقعس بن طريف بن عمر بن قعير بن الحارث بن ثعلبة بن داود بن أسد بن خزيمة الأسدي الفقعسي، كان ممن شهد الخندق من ناحية المشركين، ثم أسلم سنة تسع، ووفد على رسول الله ﷺ إلى المدينة ثم ارتد بعد وفاة رسول الله ﷺ في أيام الصديق، وادعى النبوة كما تقدم. وروى ابن عساكر أنه ادعى النبوة في حياة رسول الله ﷺ وأن ابنه خيال قدم على رسول الله ﷺ فسأله: ما اسم الّذي يأتى إلى أبيك؟ فقال: ذو النون الّذي لا يكذب ولا يخون، ولا يكون كما يكون. فقال: لقد سمى ملكا عظيم الشأن، ثم قال لابنه:
قتلك الله وحرمك الشهادة. ورده كما جاء. فقتل خيال في الردة في بعض الوقائع قتله عكاشة بن محصن ثم قتل طليحة عكاشة وله مع المسلمين وقائع. ثم خذله الله على يدي خالد بن الوليد، وتفرق جنده فهرب حتى دخل الشام فنزل على آل جفنة، فأقام عندهم حتى مات الصديق حياء منه، ثم رجع إلى الإسلام واعتمر، ثم جاء يسلم على عمر فقال له: اغرب عنى فإنك قاتل الرجلين الصالحين، عكاشة بن محصن، وثابت بن أقرم، فقال: يا أمير المؤمنين هما رجلان أكرمهما الله على يدي ولم يهنى بأيديهما. فأعجب عمر كلامه ورضى عنه. وكتب له بالوصاة إلى الأمراء أن يشاور ولا يولى شيئا من الأمر ثم عاد إلى الشام مجاهدا فشهد اليرموك وبعض حروب كالقادسية ونهاوند الفرس، وكان من الشجعان المذكورين، والأبطال المشهورين، وقد حسن إسلامه بعد هذا كله. وذكره محمد بن سعد في الطبقة الرابعة من الصحابة وقال: كان يعد بألف فارس لشدته وشجاعته وبصره بالحرب. وقال أبو نصر بن ماكولا: أسلم ثم ارتد ثم أسلم وحسن إسلامه، وكان يعدل بألف فارس. ومن شعره أيام ردته وادعائه النبوة في قتل المسلمين أصحابه.
فما ظنكم بالقوم إذ تقتلونهم … أليسوا وإن لم يسلموا برجال
فان يكن اذواد أصبن ونسوة … فلم يذهبوا فرعا بقتل خيال
نصبت لهم صدر الحمالة إنها … معاودة قتل الكماة نزال
فيوما تراها في الجلال مصونة … ويوما تراها غير ذات جلال
ويوما تراها تضيء المشرفية نحوها … ويوما تراها في ظلال عوالي
стр. 2240
عشية غادرت ابن أقرم ثاويا … وعكاشة العمى عند مجال
وقال سيف بن عمر عن مبشر بن الفضيل عن جابر بن عبد الله. قال: بالله الّذي لا إله إلا هو ما أطلعنا على أحد من أهل القادسية يريد الدنيا مع الآخرة، ولقد اتهمنا ثلاثة نفر فما رأينا كما هجمنا عليهم من أمانتهم وزهدهم، طليحة بن خويلد الأسدي، وعمرو بن معديكرب، وقيس ابن المكشوح. قال ابن عساكر: ذكر أبو الحسين محمد بن أحمد بن الفراس الوراق أن طليحة استشهد بنهاوند سنة إحدى وعشرين مع النعمان بن مقرن، وعمرو بن معديكرب ﵃.
عمرو بن معديكرب
ابن عبد الله بن عمرو بن عاصم بن عمرو بن زبيد الأصغر بن ربيعة بن سلمة بن مازن بن ربيعة ابن شيبة وهو زبيد الأكبر بن الحارث بن صعف بن سعد العشيرة بن مذحج الزبيدي المذحجي أبو ثور، أحد الفرسان المشاهير الأبطال، والشجعان المذاكير، قدم على رسول الله ﷺ سنة تسع، وقيل عشر، مع وفد مراد، وقيل في وفد زبيد قومه. وقد ارتد مع الأسود العنسيّ فسار إليه خالد بن سعيد بن العاص، فقاتله فضربه خالد بن سعيد بالسيف على عاتقه فهرب وقومه، وقد استلب خالد سيفه الصمصامة، ثم أسر ودفع إلى أبى بكر فأنبه وعاتبه واستنابه، فتاب وحسن إسلامه بعد ذلك، فسيره إلى الشام، فشهد اليرموك ثم أمره عمر بالمسير إلى سعد وكتب بالوصاة به، وأن يشاور ولا يولى شيئا، فنفع الله به الإسلام وأهله، وأبلى بلاء حسنا يوم القادسية. وقيل إنه قتل بها، وقيل بنهاوند، وقيل مات عطشا في بعض القرى يقال لها روذة فالله أعلم. وذلك كله في إحدى وعشرين فقال بعض من رثاه من قومه:
لقد غادر الركبان يوم تحملوا … بروذة شخصا لا جبانا ولا غمرا
فقل لزبيد بل لمذحج كلها … رزئتم أبا ثور قريع الوغى عمرا
وكان عمرو بن معديكرب ﵁ من الشعراء المجيدين، فمن شعره:
أعاذل عدتى بدني ورمحي … وكل مقلص سلس القياد
أعاذل إنما أفنى شبابي … إجابتي الصريخ إلى المنادي
مع الأبطال حتى سل جسمي … وأقرع عاتقي حمل النجاد
ويبقى بعد حلم القوم حلمي … ويفنى قبل زاد القوم زادي
تمنى أن يلاقينى قييس … وددت وأينما منى ودادي
فمن ذا عاذرى من ذي سفاه … يرود بنفسه منى المرادي
أريد حياته ويريد قتلى … عذيرك من خليلك من مرادى
стр. 2241
له حديث واحد في التلبية رواه شراحيل بن القعقاع عنه، قال: كنا نقول في الجاهلية إذا لبينا: لبيك تعظيما إليك عذرا * هدى زبيد قد أتتك قسرا * يعدو بها مضمرات شزرا * يقطعن خبتا وجبالا وعرا * قد تركوا الأوثان خلوا صفرا *
قال عمرو: فنحن نقول الآن ولله الحمد كما علمنا رسول الله ﷺ : لبيك اللهمّ لبيك، لبيك لا شريك لك لبيك، إن الحمد والنعمة لك والملك، لا شريك لك.
العلاء بن الحضرميّ
أمير البحرين لرسول الله ﷺ وأقره عليها أبو بكر ثم عمر. تقدم أنه توفى سنة أربع عشرة ومنهم من يقول إنه تأخر إلى سنة إحدى وعشرين، وعزله عمر عن البحرين وولى مكانه أبا هريرة.
وأمره عمر على الكوفة فمات قبل أن يصل إليها منصرفه من الحج. كما قدمنا ذلك والله أعلم. وقد ذكرنا في دلائل النبوة قصته في سيره بجيشه على وجه الماء وما جرى له من خرق العادات ولله الحمد.
النعمان بن مقرن بن عائذ المزني
أمير وقعة نهاوند، صحابى جليل، قدم مع قومه من مزينة في أربعمائة راكب، ثم سكن البصرة وبعثه الفاروق أميرا على الجنود إلى نهاوند، ففتح الله على يديه فتحا عظيما، ومكن الله له في تلك البلاد، ومكنه من رقاب أولئك العباد، ومكن به للمسلمين هنالك إلى يوم التناد، ومنحه النصر في الدنيا ويوم يقوم الأشهاد، وأتاح له بعد ما أراه ما أحب شهادة عظيمة وذلك غاية المراد، فكان ممن قال الله تعالى في حقه في كتابه المبين وهو صراطه المستقيم ﴿إِنَّ اللهَ اِشْتَرى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ يُقاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ وَعْداً عَلَيْهِ حَقًّا فِي التَّوْراةِ وَالْإِنْجِيلِ وَالْقُرْآنِ وَمَنْ أَوْفى بِعَهْدِهِ مِنَ اللهِ فَاسْتَبْشِرُوا بِبَيْعِكُمُ الَّذِي بايَعْتُمْ بِهِ وَذلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾.
ثم دخلت سنة ثنتين وعشرين
وفيها كانت فتوحات كثيرة فيما ذكره ابن جرير وغيره من الأئمة في هذا الشأن
فتح همدان ثانية ثم الري وما بعدها ثم أذربيجان
قال الواقدي وأبو معشر: كانت في سنة ثنتين وعشرين. وقال سيف: كانت في سنة ثماني عشرة بعد فتح همدان والري وجرجان. وأبو معشر يقول بأن أذربيجان كانت بعد هذه البلدان، ولكن عنده أن الجميع كان في هذه السنة. وعند الواقدي أن فتح همدان والري في سنة ثلاث وعشرين، فهمدان افتتحها المغيرة بعد مقتل عمر بستة أشهر، قال: ويقال كان فتح الري قبل وفاة عمر بسنتين، إلا أن الواقدي وأبا معشر متفقان على أن أذربيجان في هذه السنة، وتبعهما ابن جرير وغيره. وكان السبب في ذلك أن المسلمين لما فرغوا من نهاوند وما وقع من الحرب المتقدم، فتحوا
стр. 2242
حلوان وهمذان بعد ذلك. ثم إن أهل همذان نقضوا عهدهم الّذي صالحهم عليه القعقاع بن عمرو، فكتب عمر إلى نعيم بن مقرن أن يسير إلى همذان، وأن يجعل على مقدمته أخاه سويد بن مقرن، وعلى مجنبتيه ربعي بن عامر الطائي، ومهلهل بن زيد التميمي. فسار حتى نزل على ثنية العسل، ثم تحدر على همذان، واستولى على بلادها، وحاصرها فسألوه الصلح فصالحهم ودخلها، فبينما هو فيها ومعه اثنى عشر ألفا من المسلمين إذ تكاتف الروم والديم وأهل الري وأهل أذربيجان، واجتمعوا على حرب نعيم بن مقرن في جمع كثير، فعلى الديلم ملكهم واسمه موتا، وعلى أهل الري أبو الفرّخان، وعلى أذربيجان اسفندياذ أخو رستم، فخرج إليهم بمن معه من المسلمين حتى التقوا بمكان يقال له واج الروذ، فاقتتلوا قتالا شديدا وكانت وقعة عظيمة تعدل نهاوند ولم تك دونها، فقتلوا من المشركين جمعا كثيرا، وجما غفيرا لا يحصون كثرة، وقتل ملك الديلم موتا وتمزق شملهم، وانهزموا بأجمعهم، بعد من قتل بالمعركة منهم، فكان نعيم بن مقرن أول من قاتل الديلم من المسلمين. وقد كان نعيم كتب إلى عمر يعلمه باجتماعهم فهمه ذلك واغتم له. فلم يفجأه إلى البريد بالبشارة فحمد الله وأثنى عليه، وأمر بالكتاب فقرئ على الناس، ففرحوا وحمدوا الله . ثم قدم عليه بالأخماس ثلاثة من الأمراء وهم سماك بن حرشة، ويعرف بأبي دجانة، وسماك بن عبيد، وسماك بن مخرمة. فلما استسماهم عمر قال: اللهمّ اسمك بهم الإسلام، وأمد بهم الإسلام، ثم كتب إلى نعيم بن مقرن بأن يستخلف على همذان ويسير إلى الري. فامتثل نعيم. وقد قال نعيم في هذه الوقعة:
ولما أتانى أن موتا ورهطه … بنى باسل جروا جنود الأعاجم
نهضت إليهم بالجنود مساميا … لا منع منهم ذمتي بالقواصم
فجئنا إليهم بالحديد كأننا … جبال تراءى من فروع القلاسم
فلما لقيناهم بها مستفيضة … وقد جعلوا يسمون فعل المساهم
صدمناهم في واج روذ بجمعنا … غداة رميناهم بإحدى العظائم
فما صبروا في حومة الموت ساعة … لحد الرماح والسيوف الصوارم
كأنهم عند انبثاث جموعهم … جدار تشظى لبنه للهادم
أصبنا بها موتا ومن لف جمعه … وفيها نهاب قسمه غير عاتم
تبعناهم حتى أووا في شعابهم … فنقتلهم قتل الكلاب الجواحم
كأنّهم في واج رود وجوّه … ضئين أصابتها فروج المحارم
فتح الرّيّ
استخلف نعيم بن مقرن على همذان يزيد بن قيس الهمدانيّ وسار بالجيوش حتى لحق بالري فلقى
стр. 2243
هناك جمعا كثيرا من المشركين فاقتتلوا عند سفح جبل الري فصبروا صبرا عظيما ثم انهزموا فقتل منهم النعمان بن مقرن مقتلة عظيمة بحيث عدوا بالقصب فيها، وغنموا منهم غنيمة عظيمة قريبا مما غنم المسلمون من المدائن. وصالح أبو الفرخان على الري، وكتب له أمانا بذلك، ثم كتب نعيم إلى عمر بالفتح ثم بالأخماس ولله الحمد والمنة.
فتح قومس
ولما ورد البشير بفتح الري وأخماسها كتب عمر إلى نعيم بن مقرن أن يبعث أخاه سويد بن مقرن إلى قومس. فسار إليها سويد، فلم يقم له شيء حتى أخذها سلما وعسكر بها وكتب لأهلها كتاب أمان وصلح.
فتح جرجان
لما عسكر سويد بقومس بعث إليه أهل بلدان شتى منها جرجان وطبرستان وغيرها يسألونه الصلح على الجزية، فصالح الجميع وكتب لأهل كل بلدة كتاب أمان وصلح. وحكى المدائني أن جرجان فتحت في سنة ثلاثين أيام عثمان فالله أعلم.
وهذا فتح أذربيجان
لما افتتح نعيم بن مقرن همذان ثم الري، وكان قد بعث بين يديه بكير بن عبد الله من همذان إلى أذربيجان، وأردفه بسماك بن خرشة، فلقى أسفنديار بن الفرخزاذ بكيرا وأصحابه، قبل أن يقدم عليهم سماك، فاقتتلوا فهزم الله المشركين، وأسر بكير اسفندياذ، فقال له اسفندياذ: الصلح أحب إليك أم الحرب؟ فقال: بل الصلح. قال: فأمسكنى عندك. فأمسكه ثم جعل يفتح بلدا بلدا وعتبة بن فرقد أيضا يفتح معه بلدا بلدا في مقابلته من الجانب الآخر. ثم جاء كتاب عمر بأن يتقدم بكير إلى الباب وجعل سماك موضعه نائبا لعتبة بن فرقد، وجمع عمر أذربيجان كلها لعتبة بن فرقد، وسلم إليه بكير اسفندياذ، وسار كما أمره عمر إلى الباب. قالوا: وقد كان اعترض بهرام بن فرخزاذ لعتبة بن فرقد فهزمه عتبة وهرب بهرام، فلما بلغ ذلك اسفندياذ وهو في الأسر عند بكير قال: الآن تم الصلح وطفئت الحرب. فصالحه فأجاب إلى ذلك كلهم. وعادت أذربيجان سلما، وكتب بذلك عتبة وبكير إلى عمر، وبعثوا بالأخماس إليه، وكتب عتبة حين انتهت إمرة أذربيجان لأهلها كتاب أمان وصلح.
فتح الباب
قال ابن جرير: وزعم سيف أنه كان في هذه السنة كتب عمر بن الخطاب كتابا بالإمرة على هذه الغزوة لسراقة بن عمرو - الملقب بذي النور - وجعل على مقدمته عبد الرحمن بن ربيعة، ويقال له
стр. 2244
- ذو النور أيضا - وجعل على إحدى المجنبتين حذيفة بن أسيد، وعلى الأخرى بكير بن عبد الله الليثي - وكان قد تقدمهم إلى الباب - وعلى المقاسم سلمان بن ربيعة. فساروا كما أمرهم عمر وعلى تعبئته، فلما انتهى مقدم العساكر - وهو عبد الرحمن بن ربيعة - إلى الملك الّذي هناك عند الباب وهو شهربراز ملك أرمينية وهو من بيت الملك الّذي قتل بنى إسرائيل وغزا الشام في قديم الزمان، فكتب شهربراز لعبد الرحمن واستأمنه فأمنه عبد الرحمن بن ربيعة، فقدم عليه الملك، فأنهى إليه أنّ صغوه إلى المسلمين، وأنه مناصح للمسلمين. فقال له: إن فوقى رجلا فاذهب إليه. فبعثه إلى سراقة ابن عمرو أمير الجيش، فسأل من سراقة الأمان، فكتب إلى عمر فأجاز ما أعطاه من الأمان، واستحسنه، فكتب له سراقة كتابا بذلك. ثم بعث سراقة بكيرا، وحبيب بن مسلمة، وحذيفة ابن أسيد، وسلمان بن ربيعة، إلى أهل تلك الجبال المحيطة بأرمينية جبال اللان وتفليس وموقان، فافتتح بكير موقان، وكتب لهم كتاب أمان ومات في غضون ذلك أمير المسلمين لك، وهو سراقة بن عمرو، واستخلف بعده عبد الرحمن بن ربيعة، فلما بلغ عمر ذلك أقره على ذلك وأمره بغزو الترك.
أول غزو الترك
وهو تصديق الحديث المتقدم الثابت
في الصحيح عن أبى هريرة وعمرو بن تغلب، أن رسول الله ﷺ قال: لا تقوم الساعة حتى تقاتلوا قوما عراض الوجوه، دلف الأنوف، حمر الوجوه، كأن وجوههم المجان المطرقة» وفي رواية «يبتلعون الشعر» لما جاء كتاب عمر إلى عبد الرحمن بن ربيعة يأمره بأن يغزو الترك، سار حتى قطع الباب قاصدا لما أمره عمر، فقال له شهربراز: أين تريد؟ قال: أريد ملك الترك بلنجر، فقال له شهربراز: إنا لنرضى منهم بالموادعة، ونحن من وراء الباب. فقال له عبد الرحمن: إن الله بعث إلينا رسولا، ووعدنا على لسانه بالنصر والظفر، ونحن لا نزال منصورين، فقاتل الترك وسار في بلاد بلنجر مائتي فرسخ، وغزا مرات متعددة. ثم كانت له وقائع هائلة في زمن عثمان كما سنورده في موضعه إن شاء الله تعالى.
وقال سيف بن عمر عن الغصن بن القاسم عن رجل عن سلمان بن ربيعة. قال: لما دخل عليهم عبد الرحمن بن ربيعة بلادهم حال الله بين الترك والخروج عليه، وقالوا: ما اجترأ علينا هذا الرجل إلا ومعهم الملائكة تمنعهم من الموت. فتحصنوا منه وهربوا بالغنم والظفر. ثم إنه غزاهم غزوات في زمن عثمان فظفر بهم، كما كان يظفر بغيرهم. فلما ولى عثمان على الكوفة بعض من كان ارتد، غزاهم فتذامرت الترك وقال بعضهم لبعض: إنهم لا يموتون، قال: انظروا وفعلوا فاختفوا لهم في الغياض.
стр. 2245
فرمى رجل منهم رجلا من المسلمين على غرة فقتله وهرب عنه أصحابه، فخرجوا على المسلمين بعد ذلك حتى عرفوا أن المسلمين يموتون، فاقتتلوا قتالا شديدا ونادى مناد من الجو صبرا آل عبد الرحمن وموعدكم الجنة، فقاتل عبد الرحمن حتى قتل وانكشف الناس وأخذ الراية سلمان بن ربيعة فقاتل بها، ونادى المنادي من الجو صبرا آل سلمان بن ربيعة. فقاتل قتالا شديدا ثم تحيز سلمان وأبو هريرة بالمسلمين، وفروا من كثرة الترك ورميهم الشديد السديد على جيلان فقطعوها إلى جرجان، واجترأت الترك بعدها، ومع هذا أخذت الترك عبد الرحمن بن ربيعة فدفنوه في بلادهم، فهم يستسقون بقبره إلى اليوم. وسيأتي تفصيل ذلك كله.
قصة السد
ذكر ابن جرير بسنده أن شهربراز قال لعبد الرحمن بن ربيعة لما قدم عليه حين وصل إلى الباب وأراه رجلا فقال شهربراز: أيها الأمير إن هذا الرجل كنت بعثته نحو السد، وزودته مالا جزيلا وكتبت له إلى الملوك الذين يولونى، وبعثت لهم هدايا، وسألت منهم أن يكتبوا له إلى من يليهم من الملوك حتى ينتهى إلى سد ذي القرنين، فينظر إليه ويأتينا بخبره. فسار حتى انتهى إلى الملك الّذي السد في أرضه، فبعثه إلى عامله مما يلي السد، فبعث معه بازياره ومعه عقابه، فلما انتهوا إلى السد إذا جبلان بينهما سد مسدود، حتى ارتفع على الجبلين، وإذا دون السد خندق أشد سوادا من الليل لبعده، فنظر إلى ذلك كله وتفرس فيه، ثم لما همّ بالانصراف قال له البازيار: على رسلك، ثم شرح بضعة لحم معه فألقاها في ذلك الهواء، وانقض عليها العقاب. فقال: إن أدركتها قبل أن تقع فلا شيء، وإن لم تدركها حتى تقع فذلك شيء. قال: فلم تدركها حتى وقعت في أسفله واتبعها العقاب فأخرجها فإذا فيها ياقوتة وهي هذه. ثم ناولها الملك شهربراز لعبد الرحمن بن ربيعة، فنظر إليها عبد الرحمن ثم ردها إليه، فلما ردها إليه فرح وقال: والله لهذه خير من مملكة هذه المدينة - يعنى مدينة باب الأبواب التي هو فيها - ووالله لأنتم أحب إلى اليوم من مملكة آل كسرى، ولو كنت في سلطانهم وبلغهم خبرها لانتزعوها منى. وأيم الله لا يقوم لكم شيء ما وفيتم ووفى ملككم الأكبر. ثم أقبل عبد الرحمن بن ربيعة على الرسول الّذي ذهب على السد فقال: ما حال هذا الردم؟ - يعنى ما صفته - فأشار إلى ثوب في زرقة وحمرة فقال: مثل هذا. فقال رجل لعبد الرحمن:
صدق والله لقد نفذ ورأى. فقال: أجل وصف صفة الحديد والصفر. قال الله تعالى ﴿آتُونِي زُبَرَ الْحَدِيدِ حَتّى إِذا ساوى بَيْنَ الصَّدَفَيْنِ قالَ اُنْفُخُوا حَتّى إِذا جَعَلَهُ ناراً قالَ آتُونِي أُفْرِغْ عَلَيْهِ قِطْراً﴾ وقد ذكرت صفة السد في التفسير، وفي أوائل هذا الكتاب.
وقد ذكر البخاري في صحيحه تعليقا أن رجلا قال للنّبيّ ﷺ رأيت السد. فقال: «كيف رأيته»؟ قال: مثل البرد المحبر رأيته.