له حديث واحد في التلبية رواه شراحيل بن القعقاع عنه، قال: كنا نقول في الجاهلية إذا لبينا: لبيك تعظيما إليك عذرا * هدى زبيد قد أتتك قسرا * يعدو بها مضمرات شزرا * يقطعن خبتا وجبالا وعرا * قد تركوا الأوثان خلوا صفرا *
قال عمرو: فنحن نقول الآن ولله الحمد كما علمنا رسول الله ﷺ : لبيك اللهمّ لبيك، لبيك لا شريك لك لبيك، إن الحمد والنعمة لك والملك، لا شريك لك.
العلاء بن الحضرميّ
أمير البحرين لرسول الله ﷺ وأقره عليها أبو بكر ثم عمر. تقدم أنه توفى سنة أربع عشرة ومنهم من يقول إنه تأخر إلى سنة إحدى وعشرين، وعزله عمر عن البحرين وولى مكانه أبا هريرة.
وأمره عمر على الكوفة فمات قبل أن يصل إليها منصرفه من الحج. كما قدمنا ذلك والله أعلم. وقد ذكرنا في دلائل النبوة قصته في سيره بجيشه على وجه الماء وما جرى له من خرق العادات ولله الحمد.
النعمان بن مقرن بن عائذ المزني
أمير وقعة نهاوند، صحابى جليل، قدم مع قومه من مزينة في أربعمائة راكب، ثم سكن البصرة وبعثه الفاروق أميرا على الجنود إلى نهاوند، ففتح الله على يديه فتحا عظيما، ومكن الله له في تلك البلاد، ومكنه من رقاب أولئك العباد، ومكن به للمسلمين هنالك إلى يوم التناد، ومنحه النصر في الدنيا ويوم يقوم الأشهاد، وأتاح له بعد ما أراه ما أحب شهادة عظيمة وذلك غاية المراد، فكان ممن قال الله تعالى في حقه في كتابه المبين وهو صراطه المستقيم ﴿إِنَّ اللهَ اِشْتَرى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ يُقاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ وَعْداً عَلَيْهِ حَقًّا فِي التَّوْراةِ وَالْإِنْجِيلِ وَالْقُرْآنِ وَمَنْ أَوْفى بِعَهْدِهِ مِنَ اللهِ فَاسْتَبْشِرُوا بِبَيْعِكُمُ الَّذِي بايَعْتُمْ بِهِ وَذلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾.
ثم دخلت سنة ثنتين وعشرين
وفيها كانت فتوحات كثيرة فيما ذكره ابن جرير وغيره من الأئمة في هذا الشأن
فتح همدان ثانية ثم الري وما بعدها ثم أذربيجان
قال الواقدي وأبو معشر: كانت في سنة ثنتين وعشرين. وقال سيف: كانت في سنة ثماني عشرة بعد فتح همدان والري وجرجان. وأبو معشر يقول بأن أذربيجان كانت بعد هذه البلدان، ولكن عنده أن الجميع كان في هذه السنة. وعند الواقدي أن فتح همدان والري في سنة ثلاث وعشرين، فهمدان افتتحها المغيرة بعد مقتل عمر بستة أشهر، قال: ويقال كان فتح الري قبل وفاة عمر بسنتين، إلا أن الواقدي وأبا معشر متفقان على أن أذربيجان في هذه السنة، وتبعهما ابن جرير وغيره. وكان السبب في ذلك أن المسلمين لما فرغوا من نهاوند وما وقع من الحرب المتقدم، فتحوا
стр. 2242
حلوان وهمذان بعد ذلك. ثم إن أهل همذان نقضوا عهدهم الّذي صالحهم عليه القعقاع بن عمرو، فكتب عمر إلى نعيم بن مقرن أن يسير إلى همذان، وأن يجعل على مقدمته أخاه سويد بن مقرن، وعلى مجنبتيه ربعي بن عامر الطائي، ومهلهل بن زيد التميمي. فسار حتى نزل على ثنية العسل، ثم تحدر على همذان، واستولى على بلادها، وحاصرها فسألوه الصلح فصالحهم ودخلها، فبينما هو فيها ومعه اثنى عشر ألفا من المسلمين إذ تكاتف الروم والديم وأهل الري وأهل أذربيجان، واجتمعوا على حرب نعيم بن مقرن في جمع كثير، فعلى الديلم ملكهم واسمه موتا، وعلى أهل الري أبو الفرّخان، وعلى أذربيجان اسفندياذ أخو رستم، فخرج إليهم بمن معه من المسلمين حتى التقوا بمكان يقال له واج الروذ، فاقتتلوا قتالا شديدا وكانت وقعة عظيمة تعدل نهاوند ولم تك دونها، فقتلوا من المشركين جمعا كثيرا، وجما غفيرا لا يحصون كثرة، وقتل ملك الديلم موتا وتمزق شملهم، وانهزموا بأجمعهم، بعد من قتل بالمعركة منهم، فكان نعيم بن مقرن أول من قاتل الديلم من المسلمين. وقد كان نعيم كتب إلى عمر يعلمه باجتماعهم فهمه ذلك واغتم له. فلم يفجأه إلى البريد بالبشارة فحمد الله وأثنى عليه، وأمر بالكتاب فقرئ على الناس، ففرحوا وحمدوا الله . ثم قدم عليه بالأخماس ثلاثة من الأمراء وهم سماك بن حرشة، ويعرف بأبي دجانة، وسماك بن عبيد، وسماك بن مخرمة. فلما استسماهم عمر قال: اللهمّ اسمك بهم الإسلام، وأمد بهم الإسلام، ثم كتب إلى نعيم بن مقرن بأن يستخلف على همذان ويسير إلى الري. فامتثل نعيم. وقد قال نعيم في هذه الوقعة:
ولما أتانى أن موتا ورهطه … بنى باسل جروا جنود الأعاجم
نهضت إليهم بالجنود مساميا … لا منع منهم ذمتي بالقواصم
فجئنا إليهم بالحديد كأننا … جبال تراءى من فروع القلاسم
فلما لقيناهم بها مستفيضة … وقد جعلوا يسمون فعل المساهم
صدمناهم في واج روذ بجمعنا … غداة رميناهم بإحدى العظائم
فما صبروا في حومة الموت ساعة … لحد الرماح والسيوف الصوارم
كأنهم عند انبثاث جموعهم … جدار تشظى لبنه للهادم
أصبنا بها موتا ومن لف جمعه … وفيها نهاب قسمه غير عاتم
تبعناهم حتى أووا في شعابهم … فنقتلهم قتل الكلاب الجواحم
كأنّهم في واج رود وجوّه … ضئين أصابتها فروج المحارم
فتح الرّيّ
استخلف نعيم بن مقرن على همذان يزيد بن قيس الهمدانيّ وسار بالجيوش حتى لحق بالري فلقى
стр. 2243
هناك جمعا كثيرا من المشركين فاقتتلوا عند سفح جبل الري فصبروا صبرا عظيما ثم انهزموا فقتل منهم النعمان بن مقرن مقتلة عظيمة بحيث عدوا بالقصب فيها، وغنموا منهم غنيمة عظيمة قريبا مما غنم المسلمون من المدائن. وصالح أبو الفرخان على الري، وكتب له أمانا بذلك، ثم كتب نعيم إلى عمر بالفتح ثم بالأخماس ولله الحمد والمنة.
فتح قومس
ولما ورد البشير بفتح الري وأخماسها كتب عمر إلى نعيم بن مقرن أن يبعث أخاه سويد بن مقرن إلى قومس. فسار إليها سويد، فلم يقم له شيء حتى أخذها سلما وعسكر بها وكتب لأهلها كتاب أمان وصلح.
فتح جرجان
لما عسكر سويد بقومس بعث إليه أهل بلدان شتى منها جرجان وطبرستان وغيرها يسألونه الصلح على الجزية، فصالح الجميع وكتب لأهل كل بلدة كتاب أمان وصلح. وحكى المدائني أن جرجان فتحت في سنة ثلاثين أيام عثمان فالله أعلم.
وهذا فتح أذربيجان
لما افتتح نعيم بن مقرن همذان ثم الري، وكان قد بعث بين يديه بكير بن عبد الله من همذان إلى أذربيجان، وأردفه بسماك بن خرشة، فلقى أسفنديار بن الفرخزاذ بكيرا وأصحابه، قبل أن يقدم عليهم سماك، فاقتتلوا فهزم الله المشركين، وأسر بكير اسفندياذ، فقال له اسفندياذ: الصلح أحب إليك أم الحرب؟ فقال: بل الصلح. قال: فأمسكنى عندك. فأمسكه ثم جعل يفتح بلدا بلدا وعتبة بن فرقد أيضا يفتح معه بلدا بلدا في مقابلته من الجانب الآخر. ثم جاء كتاب عمر بأن يتقدم بكير إلى الباب وجعل سماك موضعه نائبا لعتبة بن فرقد، وجمع عمر أذربيجان كلها لعتبة بن فرقد، وسلم إليه بكير اسفندياذ، وسار كما أمره عمر إلى الباب. قالوا: وقد كان اعترض بهرام بن فرخزاذ لعتبة بن فرقد فهزمه عتبة وهرب بهرام، فلما بلغ ذلك اسفندياذ وهو في الأسر عند بكير قال: الآن تم الصلح وطفئت الحرب. فصالحه فأجاب إلى ذلك كلهم. وعادت أذربيجان سلما، وكتب بذلك عتبة وبكير إلى عمر، وبعثوا بالأخماس إليه، وكتب عتبة حين انتهت إمرة أذربيجان لأهلها كتاب أمان وصلح.
فتح الباب
قال ابن جرير: وزعم سيف أنه كان في هذه السنة كتب عمر بن الخطاب كتابا بالإمرة على هذه الغزوة لسراقة بن عمرو - الملقب بذي النور - وجعل على مقدمته عبد الرحمن بن ربيعة، ويقال له
стр. 2244
- ذو النور أيضا - وجعل على إحدى المجنبتين حذيفة بن أسيد، وعلى الأخرى بكير بن عبد الله الليثي - وكان قد تقدمهم إلى الباب - وعلى المقاسم سلمان بن ربيعة. فساروا كما أمرهم عمر وعلى تعبئته، فلما انتهى مقدم العساكر - وهو عبد الرحمن بن ربيعة - إلى الملك الّذي هناك عند الباب وهو شهربراز ملك أرمينية وهو من بيت الملك الّذي قتل بنى إسرائيل وغزا الشام في قديم الزمان، فكتب شهربراز لعبد الرحمن واستأمنه فأمنه عبد الرحمن بن ربيعة، فقدم عليه الملك، فأنهى إليه أنّ صغوه إلى المسلمين، وأنه مناصح للمسلمين. فقال له: إن فوقى رجلا فاذهب إليه. فبعثه إلى سراقة ابن عمرو أمير الجيش، فسأل من سراقة الأمان، فكتب إلى عمر فأجاز ما أعطاه من الأمان، واستحسنه، فكتب له سراقة كتابا بذلك. ثم بعث سراقة بكيرا، وحبيب بن مسلمة، وحذيفة ابن أسيد، وسلمان بن ربيعة، إلى أهل تلك الجبال المحيطة بأرمينية جبال اللان وتفليس وموقان، فافتتح بكير موقان، وكتب لهم كتاب أمان ومات في غضون ذلك أمير المسلمين لك، وهو سراقة بن عمرو، واستخلف بعده عبد الرحمن بن ربيعة، فلما بلغ عمر ذلك أقره على ذلك وأمره بغزو الترك.
أول غزو الترك
وهو تصديق الحديث المتقدم الثابت
في الصحيح عن أبى هريرة وعمرو بن تغلب، أن رسول الله ﷺ قال: لا تقوم الساعة حتى تقاتلوا قوما عراض الوجوه، دلف الأنوف، حمر الوجوه، كأن وجوههم المجان المطرقة» وفي رواية «يبتلعون الشعر» لما جاء كتاب عمر إلى عبد الرحمن بن ربيعة يأمره بأن يغزو الترك، سار حتى قطع الباب قاصدا لما أمره عمر، فقال له شهربراز: أين تريد؟ قال: أريد ملك الترك بلنجر، فقال له شهربراز: إنا لنرضى منهم بالموادعة، ونحن من وراء الباب. فقال له عبد الرحمن: إن الله بعث إلينا رسولا، ووعدنا على لسانه بالنصر والظفر، ونحن لا نزال منصورين، فقاتل الترك وسار في بلاد بلنجر مائتي فرسخ، وغزا مرات متعددة. ثم كانت له وقائع هائلة في زمن عثمان كما سنورده في موضعه إن شاء الله تعالى.
وقال سيف بن عمر عن الغصن بن القاسم عن رجل عن سلمان بن ربيعة. قال: لما دخل عليهم عبد الرحمن بن ربيعة بلادهم حال الله بين الترك والخروج عليه، وقالوا: ما اجترأ علينا هذا الرجل إلا ومعهم الملائكة تمنعهم من الموت. فتحصنوا منه وهربوا بالغنم والظفر. ثم إنه غزاهم غزوات في زمن عثمان فظفر بهم، كما كان يظفر بغيرهم. فلما ولى عثمان على الكوفة بعض من كان ارتد، غزاهم فتذامرت الترك وقال بعضهم لبعض: إنهم لا يموتون، قال: انظروا وفعلوا فاختفوا لهم في الغياض.
стр. 2245
فرمى رجل منهم رجلا من المسلمين على غرة فقتله وهرب عنه أصحابه، فخرجوا على المسلمين بعد ذلك حتى عرفوا أن المسلمين يموتون، فاقتتلوا قتالا شديدا ونادى مناد من الجو صبرا آل عبد الرحمن وموعدكم الجنة، فقاتل عبد الرحمن حتى قتل وانكشف الناس وأخذ الراية سلمان بن ربيعة فقاتل بها، ونادى المنادي من الجو صبرا آل سلمان بن ربيعة. فقاتل قتالا شديدا ثم تحيز سلمان وأبو هريرة بالمسلمين، وفروا من كثرة الترك ورميهم الشديد السديد على جيلان فقطعوها إلى جرجان، واجترأت الترك بعدها، ومع هذا أخذت الترك عبد الرحمن بن ربيعة فدفنوه في بلادهم، فهم يستسقون بقبره إلى اليوم. وسيأتي تفصيل ذلك كله.
قصة السد
ذكر ابن جرير بسنده أن شهربراز قال لعبد الرحمن بن ربيعة لما قدم عليه حين وصل إلى الباب وأراه رجلا فقال شهربراز: أيها الأمير إن هذا الرجل كنت بعثته نحو السد، وزودته مالا جزيلا وكتبت له إلى الملوك الذين يولونى، وبعثت لهم هدايا، وسألت منهم أن يكتبوا له إلى من يليهم من الملوك حتى ينتهى إلى سد ذي القرنين، فينظر إليه ويأتينا بخبره. فسار حتى انتهى إلى الملك الّذي السد في أرضه، فبعثه إلى عامله مما يلي السد، فبعث معه بازياره ومعه عقابه، فلما انتهوا إلى السد إذا جبلان بينهما سد مسدود، حتى ارتفع على الجبلين، وإذا دون السد خندق أشد سوادا من الليل لبعده، فنظر إلى ذلك كله وتفرس فيه، ثم لما همّ بالانصراف قال له البازيار: على رسلك، ثم شرح بضعة لحم معه فألقاها في ذلك الهواء، وانقض عليها العقاب. فقال: إن أدركتها قبل أن تقع فلا شيء، وإن لم تدركها حتى تقع فذلك شيء. قال: فلم تدركها حتى وقعت في أسفله واتبعها العقاب فأخرجها فإذا فيها ياقوتة وهي هذه. ثم ناولها الملك شهربراز لعبد الرحمن بن ربيعة، فنظر إليها عبد الرحمن ثم ردها إليه، فلما ردها إليه فرح وقال: والله لهذه خير من مملكة هذه المدينة - يعنى مدينة باب الأبواب التي هو فيها - ووالله لأنتم أحب إلى اليوم من مملكة آل كسرى، ولو كنت في سلطانهم وبلغهم خبرها لانتزعوها منى. وأيم الله لا يقوم لكم شيء ما وفيتم ووفى ملككم الأكبر. ثم أقبل عبد الرحمن بن ربيعة على الرسول الّذي ذهب على السد فقال: ما حال هذا الردم؟ - يعنى ما صفته - فأشار إلى ثوب في زرقة وحمرة فقال: مثل هذا. فقال رجل لعبد الرحمن:
صدق والله لقد نفذ ورأى. فقال: أجل وصف صفة الحديد والصفر. قال الله تعالى ﴿آتُونِي زُبَرَ الْحَدِيدِ حَتّى إِذا ساوى بَيْنَ الصَّدَفَيْنِ قالَ اُنْفُخُوا حَتّى إِذا جَعَلَهُ ناراً قالَ آتُونِي أُفْرِغْ عَلَيْهِ قِطْراً﴾ وقد ذكرت صفة السد في التفسير، وفي أوائل هذا الكتاب.
وقد ذكر البخاري في صحيحه تعليقا أن رجلا قال للنّبيّ ﷺ رأيت السد. فقال: «كيف رأيته»؟ قال: مثل البرد المحبر رأيته.
стр. 2246
قالوا: ثم قال عبد الرحمن بن ربيعة لشهربراز: كم كانت هديتك؟ قال: قيمة مائة ألف في بلادي وثلاثة آلاف ألف في تلك البلدان.
بقية من خبر السد
أورد شيخنا أبو عبد الله الذهبي الحافظ في هذه السنة ما ذكره صاحب كتاب مسالك الممالك عما أملاه عليه سلام الترجمان، حين بعثه الواثق بأمر الله بن المعتصم - وكان قد رأى في النوم كأن السد قد فتح - فأرسل سلاما هذا وكتب له إلى الملوك بالوصاة به، وبعث معه ألفى بغل تحمل طعاما فساروا بين سامرا إلى إسحاق بتفليس، فكتب لهم إلى صاحب السرير، وكتب لهم صاحب السرير إلى ملك اللان، فكتب لهم إلى قبلان شاه، فكتب لهم إلى ملك الخزر، فوجه معه خمسة أولاد فساروا ستة وعشرين يوما فانتهوا إلى أرض سوداء منتنة حتى جعلوا يشمون الخل، فساروا فيها عشرة أيام، فانتهوا إلى مدائن خراب مدة سبعة وعشرين يوما، وهي التي كانت يأجوج ومأجوج تطرقها فخربت من ذلك الحين، وإلى الآن، ثم انتهوا إلى حصن قريب من السد فوجدوا قوما يعرفون بالعربية وبالفارسية ويحفظون القرآن، ولهم مكاتب ومساجد، فجعلوا يعجبون منهم ويسألونهم من أين أقبلوا، فذكروا لهم أنهم من جهة أمير المؤمنين الواثق فلم يعرفوه بالكلية. ثم انتهوا إلى جبل أملس ليس عليه خضرا وإذا السد لك من لبن حديد مغيب في نحاس، وهو مرتفع جدا لا يكاد البصر ينتهى إليه، وله شرفات من حديد، وفي وسطه باب عظيم بمصراعين مغلقين، عرضهما مائة ذراع، في طول مائة ذراع، في ثخانة خمسة أذرع، وعليه قفل طوله سبعة أذرع في غلظ باع - وذكر أشياء كثيرة - وعند ذلك المكان حرس يضربون عند القفل في كل يوم فيسمعون بعد ذلك صوتا عظيما مزعجا، فيعلمون أن وراء هذا الباب حرس وحفظة، وقريب من هذا الباب حصنان عظيمان بينهما عين ماء عذبة، وفي إحداهما بقايا العمارة من مغارف ولبن من حديد وغير ذلك، وإذا طول اللبنة ذراع ونصف في مثله، في سمك شبر. وذكروا أنهم سألوا أهل تلك البلاد هل رأوا أحدا من يأجوج ومأجوج فأخبروهم أنهم رأوا منهم يوما أشخاصا فوق الشرفات، فهبت الريح فألقتهم إليهم، فإذا طول الرجل منهم شبر أو نصف شبر والله أعلم قال الواقدي: وفي هذه السنة غزا معاوية الصائفة، من بلاد الروم، وكان معه حماد والصحابة فسار وغنم ورجع سالما. وفيها ولد يزيد بن معاوية، وعبد الملك بن مروان. وفيها حج بالناس عمر ابن الخطاب وكان عماله فيها على البلاد، هم الذين كانوا في السنة قبلها. وذكر أن عمر عزل عمارا في هذه السنة عن الكوفة اشتكاه أهلها وقالوا: لا يحسن السياسة، فعزله وولى أبا موسى الأشعري، فقال أهل الكوفة: لا نريده، وشكوا من غلامه فقال: دعوني حتى انظر في أمرى، وذهب إلى طائفة من
стр. 2247
المسجد ليفكر من يولى. فنام من الهم فجاءه المغيرة فجعل يحرسه حتى استيقظ فقال له: إن هذا الأمر عظيم يا أمير المؤمنين، الّذي بلغ بك هذا. قال: وكيف وأهل الكوفة مائة ألف لا يرضون عن أمير ولا يرضى عنهم أمير. ثم جمع الصحابة واستشارهم، هل يولى عليهم قويا مشددا أو ضعيفا مسلما؟ فقال له المغيرة بن شعبة: يا أمير المؤمنين، إن القوى قوته لك وللمسلمين وتشديده لنفسه، وأما الضعيف المسلم فضعفه عليك وعلى المسلمين وإسلامه لنفسه. فقال عمر للمغيرة - واستحسن ما قال له -:
اذهب فقد وليتك الكوفة. فرده إليها بعد ما كان عزله عنها بسبب ما كان شهد عليه الذين تقدم حدهم بسبب قذفه، والعلم عند الله . وبعث أبا موسى الأشعري إلى البصرة [فقيل لعمار:
أساءك العزل؟ فقال: والله ما سرتني الولاية، ولقد ساءني العزل. وفي رواية أن الّذي سأله عن ذلك عمر ﵁] (١) ثم أراد عمر أن يبعث سعد بن أبى وقاص على الكوفة بدل المغيرة فعاجلته المنية في سنة ثلاث وعشرين على ما سيأتي بيانه، ولهذا أوصى لسعد به.
قال الواقدي: وفي هذه السنة غزا الأحنف بن قيس بلاد خراسان، وقصد البلد الّذي فيه يزدجرد ملك الفرس. قال ابن جرير: وزعم سيف أن هذا كان في سنة ثماني عشرة. قلت:
والأول هو المشهور والله أعلم.
قصة يزدجرد بن شهريار بن كسرى الّذي كان ملك الفرس
لما استلب سعد من يديه مدينة ملكه، ودار مقره، وإيوان سلطانه، وبساط مشورته وحواصله، تحول من هناك إلى حلوان، ثم جاء المسلمون ليحاصروا حلوان فتحول إلى الري، وأخذ المسلمون حلوان ثم أخذت الري، فتحول منها إلى أصبهان، فأخذت أصبهان، فسار إلى كرمان فقصد المسلمون كرمان فافتتحوها، فانتقل إلى خراسان فنزلها. هذا كله والنار التي يعبدها من دون الله يسير بها معه من بلد إلى بلد، ويبنى لها في كل بلد بيت توقد فيهم على عادتهم، وهو يحمل في الليل في مسيره إلى هذه البلدان على بعير عليه هودج ينام فيه. فبينما هو ذات ليلة في هودجه وهو نائم فيه، إذ مروا به على مخاضة فأرادوا أن ينبهوه قبلها لئلا ينزعج إذا استيقظ في المخاضة، فلما أيقظوه تغضب عليهم شديدا وشتمهم، وقال: حرمتمونى أن أعلم مدة بقاء هؤلاء في هذه البلاد وغيرها، إني رأيت في منامي هذا أنى ومحمدا عند الله، فقال له: ملككم مائة سنة، فقال: زدني. فقال: عشرا ومائة.
فقال: زدني. فقال: عشرين ومائة سنة. فقال: زدني فقال لك، وأنبهتمونى، فلو تركتموني لعلمت مدة هذه الأمة.
стр. 2248
غزو المسلمين بلاد خراسان مع الأحنف بن قيس
وذلك أن الأحنف بن قيس هو الّذي أشار على عمر بأن يتوسع المسلمون بالفتوحات في بلاد العجم، ويضيقوا على كسرى يزدجرد، فإنه هو الّذي يستحث الفرس والجنود على قتال المسلمين.
فأذن عمر بن الخطاب في ذلك عن رأيه، وأمرّ الأحنف، وأمره بغزو بلاد خراسان. فركب الأحنف في جيش كثيف إلى خراسان قاصدا حرب يزدجرد، فدخل خراسان فافتتح هراة عنوة واستخلف عليها صحار بن فلان العبديّ، ثم سار إلى مرو الشاهجان وفيها يزدجرد، وبعث الأحنف بين يديه مطرف بن عبد الله بن الشخير إلى نيسابور، والحارث بن حسان إلى سرخس. ولما اقترب الأحنف من مرو الشاهجان، ترحل منها يزدجرد إلى مروالروذ [فافتتح الأحنف مرو الشاهجان فنزلها. وكتب يزدجرد حين نزل مروالروذ] (١) إلى خاقان ملك الترك يستمده، وكتب إلى ملك الصفد [يستمده، وكتب إلى ملك الصين] (٢) يستعينه. وقصده الأحنف بن قيس إلى مروالروذ وقد استخلف على مرو الشاهجان حارثة بن النعمان، وقد وفدت إلى الأحنف أمداد من أهل الكوفة مع أربعة أمراء، فلما بلغ مسيره إلى يزدجرد [ترحل إلى بلخ، فالتقى معه ببلخ يزدجرد] (٣) فهزمه الله وهرب هو ومن بقي معه من جيشه فعبر النهر واستوثق ملك خراسان على يدي الأحنف ابن قيس، واستخلف في كل بلدة أميرا، ورجع الأحنف فنزل مروالروذ، وكتب إلى عمر بما فتح الله عليه من بلاد خراسان بكمالها. فقال عمر: وددت أنه كان بيننا وبين خراسان بحر من نار.
فقال له على: ولم يا أمير المؤمنين؟ فقال: إن أهلها سينقضون عهدهم ثلاث مرات فيجتاحون في الثالثة، فقال: يا أمير المؤمنين [لأن يكون ذلك بأهلها، أحب إلى من] (٤) أن يكون ذلك بالمسلمين وكتب عمر إلى الأحنف ينهاه عن العبور إلى ما وراء النهر. وقال: احفظ ما بيدك من بلاد خراسان. ولما وصل رسول يزدجرد إلى اللذين استنجد بهما لم يحتفلا بأمره، فلما عبر يزدجرد النهر ودخل في بلادهما تعين عليهما إنجاده في شرع الملوك، فسار معه خاقان الأعظم ملك الترك، ورجع يزدجرد بجنود عظيمة فيهم ملك التتار خاقان، فوصل إلى بلخ واسترجعها، وفر عمال الأحنف [إليه إلى مروالروذ، وخرج المشركون من بلخ حتى نزلوا على الأحنف] (٥) بمروالروذ فتبرز الأحنف بمن معه من أهل البصرة وأهل الكوفة والجميع عشرون ألفا فسمع رجلا يقول لآخر:
إن كان الأمير ذا رأى فإنه يقف دون هذا الجبل فيجعله وراء ظهره ويبقى هذا النهر خندقا حوله فلا يأتيه العدو إلا من جهة واحدة. فلما أصبح الأحنف أمر المسلمين فوقفوا في ذلك الموقف بعينه،
стр. 2249
وكان أمارة النصر والرشد، وجاءت الأتراك والفرس في جمع عظيم هائل مزعج، فقام الأحنف في الناس خطيبا فقال: إنكم قليل وعدوكم كثير، فلا يهولنكم، (فكم من فئة قليلة غلبت فئة كثيرة باذن الله والله مع الصابرين) فكانت الترك يقاتلون بالنهار ولا يدرى الأحنف أين يذهبون في الليل. فسار ليلة مع طليعة من أصحابه نحو جيش خاقان، فلما كان قريب الصبح خرج فارس من الترك طليعة وعليه طوق وضرب بطبله فتقدم إليه الأحنف فاختلفا طعنتين فطعنه الأحنف فقتله وهو يرتجز.
ان على كل رئيس حقا … أن يخضب الصعدة أو يندقا
ان لها شيخا بها ملقى … بسيف أبى حفص الّذي تبقى
قال: ثم استلب التركي طوقه ووقف موضعه، فخرج آخر عليه طوق ومعه طبل فجعل يضرب بطبله، فتقدم إليه الأحنف فقتله أيضا واستلبه طوقه ووقف موضعه فخرج ثالث فقتله وأخذ طوقه.
ثم أسرع الأحنف الرجوع إلى جيشه ولا يعلم بذلك أحد من الترك بالكلية. وكان من عادتهم أنهم لا يخرجون من صبيتهم حتى تخرج ثلاثة من كهولهم بين أيديهم يضرب الأول بطبله، ثم الثاني، ثم الثالث، ثم يخرجون بعد الثالث. فلما خرجت الترك ليلتئذ بعد الثالث، فأتوا على فرسانهم مقتلين، تشاءم بذلك الملك خاقان وتطير، وقال لعسكره: قد طال مقامنا وقد أصيب هؤلاء القوم بمكان لم نصب بمثله، ما لنا في قتال هؤلاء القوم من خير، فانصرفوا بنا. فرجعوا إلى بلادهم وانتظرهم المسلمون يومهم ذلك ليخرجوا إليهم من شعبهم فلم يروا أحدا منهم، ثم بلغهم انصرافهم إلى بلادهم راجعين عنهم [وقد كان يزدجرد - وخاقان في مقابلة الأحنف بن قيس ومقاتلته - ذهب] (١) إلى مرو الشاهجان فحاصرها وحارثة بن النعمان بها واستخرج منها خزانته التي كان دفنها بها، ثم رجع وانتظره خاقان ببلخ حتى رجع إليه.
وقد قال المسلمون للأحنف: ما ترى في اتباعهم؟ فقال: أقيموا بمكانكم ودعوهم. وقد أصاب الأحنف في ذلك، فقد جاء في الحديث «اتركوا الترك ما تركوكم» وقد ﴿رَدَّ اللهُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِغَيْظِهِمْ لَمْ يَنالُوا خَيْراً وَكَفَى اللهُ الْمُؤْمِنِينَ الْقِتالَ وَكانَ اللهُ قَوِيًّا عَزِيزاً﴾. ورجع كسرى خاسرا الصفقة لم يشف له غليل، ولا حصل على خير، ولا انتصر كما كان في زعمه، بل تخلى عنه من كان يرجو النصر منه، وتنحى عنه وتبرأ منه أحوج ما كان إليه، وبقي مذبذبا لا إلى هؤلاء ولا إلى هؤلاء ﴿وَمَنْ يُضْلِلِ اللهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ سَبِيلاً﴾ وتحير في أمره ماذا يصنع؟ وإلى أين يذهب؟ وقد أشار عليه بعض أولى النهى من قومه حين قال: قد عزمت أن أذهب إلى بلاد الصين أو أكون مع خاقان في بلاده
стр. 2250
فقالوا: إنا نرى أن نصانع هؤلاء القوم فان لهم ذمة ودينا يرجعون إليه، فنكون في بعض هذه البلاد وهم مجاورينا، فهم خير لنا من غيرهم. فأبى عليهم كسرى ذلك. ثم بعث إلى ملك الصين يستغيث به ويستنجده فجعل ملك الصين يسأل الرسول عن صفة هؤلاء القوم الذين قد فتحوا البلاد وقهروا رقاب العباد، فجعل يخبره عن صفتهم، وكيف يركبون الخيل والإبل، وماذا يصنعون؟ وكيف يصلون. فكتب معه إلى يزدجرد: إنه لم يمنعني أن أبعث إليك بجيش أوله بمرو وآخره بالصين الجهالة بما يحق على، ولكن هؤلاء القوم الذين وصف لي رسولك [صفتهم لو يحاولون الجبال لهدوها، ولو جئت لنصرك أزالونى ما داموا على ما وصف لي رسولك] (١) فسالمهم وارض منهم بالمسالمة. فأقام كسرى وآل كسرى في بعض البلاد مقهورين. ولم يزل ذلك دأبه حتى قتل بعد سنتين من إمارة عثمان كما سنورده في موضعه. ولما بعث الأحنف بكتاب الفتح وما أفاء الله عليهم من أموال الترك ومن كان معهم، وأنهم قتلوا منهم مع ذلك مقتلة عظيمة، ثم ردهم الله بغيظهم لم ينالوا خيرا. فقام عمر على المنبر وقرئ الكتاب بين يديه، ثم قال عمر: إن الله بعث محمدا بالهدى [ووعد على اتباعه من عاجل الثواب وآجله خير الدنيا والآخرة، فقال: ﴿هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدى] (٢) وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ﴾ فالحمد لله الّذي أنجز وعده، ونصر جنده. ألا وإن الله قد أهلك ملك المجوسية وفرق شملهم، فليسوا يملكون من بلادهم شبرا يضير بمسلم، ألا وإن الله قد أورثكم أرضهم وديارهم وأموالهم وأبناءهم لينظر كيف تعملون، فقوموا في أمره على وجل، يوف لكم بعهده، ويؤتكم وعده، ولا تغيروا يستبدل قوما غيركم، فانى لا أخاف على هذه الأمة أن تؤتى إلا من قبلكم.
وقال شيخنا أبو عبد الله الذهبي الحافظ في تاريخ هذه السنة - أعنى سنة ثنتين وعشرين -:
وفيها فتحت أذربيجان على يدي المغيرة بن شعبة. قاله ابن إسحاق: فيقال، إنه صالحهم على ثمانمائة ألف درهم. وقال أبو عبيدة: فتحها حبيب بن سلمة الفهري بأهل الشام عنوة، ومعه أهل الكوفة فيهم حذيفة فافتتحها بعد قتال شديد والله أعلم. وفيها افتتح حذيفة الدينور عنوة - بعد ما كان سعد افتتحها فانتقضوا عهدهم -. وفيها افتتح حذيفة ماه سندان عنوة - وكانوا نقضوا أيضا عهد سعد - وكان مع حذيفة أهل البصرة فلحقهم أهل الكوفة فاختصموا في الغنيمة، فكتب عمر: إن الغنيمة لمن شهد الوقعة. قال: أبو عبيدة ثم غزا حذيفة همذان فافتتحها عنوة، ولم تكن فتحت قبل ذلك، وإليها انتهى فتوح حذيفة. قال: ويقال افتتحها جرير بن عبد الله بأمر المغيرة ويقال: افتتحها المغيرة سنة أربع وعشرين. وفيها افتتحت جرجان. قال خليفة: وفيها افتتح عمرو بن العاص
стр. 2251
طرابلس المغرب، ويقال في السنة التي بعدها. قلت: وفي هذا كله غرابة لنسبته إلى ما سلف والله أعلم. قال شيخنا: وفيها توفى أبى بن كعب في قول الواقدي وابن نمير والذهلي والترمذي، وقد تقدم في سنة تسع عشرة. ومعضد بن يزيد الشيباني استشهد بأذربيجان ولا صحبة له.
ثم دخلت سنة ثلاث وعشرين
وفيها وفاة عمر بن الخطاب ﵁
قال الواقدي وأبو معشر: فيها كان فتح إصطخر وهمذان. وقال سيف: كان فتحها بعد فتح توّج الآخرة. ثم ذكر أن الّذي افتتح توّج مجاشع بن مسعود، بعد ما قتل من الفرس مقتلة عظيمة وغنم منهم غنائم جمة، ثم ضرب الجزية على أهلها، وعقد لهم الذمة، ثم بعث بالفتح وخمس الغنائم إلى عمر بن الخطاب ﵁. ثم ذكر أن عثمان بن أبى العاص افتتح جور بعد قتال شديد كان عندها، ثم افتتح المسلمون إصطخر - وهذه المرة الثانية -، وكان أهلها قد نقضوا العهد بعد ما كان جند العلاء بن الحضرميّ افتتحوها حين جاز في البحر - من أرض البحرين - والتقوا هم والفرس في مكان يقال له طاوس، كما تقدم بسط ذلك في موضعه. ثم صالحه الهر بد على الجزية، وأن يضرب لهم الذمة. ثم بعث بالأخماس والبشارة إلى عمر. قال ابن جرير: وكانت الرسل لها جوائز، وتقضى لهم حوائج، كما كان رسول الله ﷺ يعاملهم بذلك. ثم إن شهرك خلع العهد، ونقض الذمة، ونشط الفرس، فنقضوا، فبعث إليهم عثمان بن أبى العاص ابنه وأخاه الحكم، فاقتتلوا مع الفرس فهزم الله جيوش المشركين، وقتل الحكم بن أبى العاص شهرك، وقتل ابنه معه أيضا. وقال أبو معشر: كانت فارس الأولى وإصطخر الآخرة سنة ثمان وعشرين في إمارة عثمان، وكانت فارس الآخرة ووقعة جور في سنة تسع وعشرين.
فتح فسا وداربجرد وقصة سارية بن زنيم
ذكر سيف عن مشايخه أن سارية بن زنيم قصد فسا وداربجرد، فاجتمع له جموع - من الفرس والأكراد - عظيمة، ودهم المسلمين منهم أمر عظيم وجمع كثير، فرأى عمر في تلك الليلة فيما يرى النائم معركتهم وعددهم في وقت من النهار، وأنهم في صحراء وهناك جبل إن أسندوا إليه لم يؤتوا إلا من وجه واحد، فنادى من الغد الصلاة جامعة، حتى إذا كانت الساعة التي رأى أنهم اجتمعوا فيها، خرج إلى الناس وصعد المنبر، فخطب الناس وأخبرهم بصفة ما رأى، ثم قال: يا سارية الجبل الجبل، ثم أقبل عليهم وقال: إن لله جنودا ولعل بعضها أن يبلغهم. قال: ففعلوا ما قال عمر، فنصرهم الله على عدوهم، وفتحوا البلد. وذكر سيف في رواية أخرى عن شيوخه أن عمر بينما هو يخطب يوم الجمعة إذ قال:
يا سارية بن زنيم الجبل الجبل. فلجأ المسلمون إلى جبل هناك فلم يقدر العدو عليهم إلا من جهة واحدة
стр. 2252
فأظفرهم الله بهم، وفتحوا البلد. وغنموا شيئا كثيرا، فكان من جملة ذلك سفط من جوهر فاستوهبه سارية من المسلمين لعمر، فلما وصل إليه مع الأخماس قدم الرسول بالخمس فوجد عمر قائما في يده عصا وهو يطعم المسلمين سماطهم، فلما رآه عمر قال له: اجلس - ولم يعرفه -، فجلس الرجل فأكل مع الناس، فلما فرغوا انطلق عمر إلى منزله واتبعه الرجل، فاستأذن فأذن له وإذا هو قد وضع له خبز وزيت وملح، فقال: ادن فكل. قال: فجلست فجعل يقول لامرأته: ألا تخرجين يا هذه فتأكلين؟ فقالت: إني أسمع حس رجل عندك. فقال: أجل، فقالت: لو أردت أن أبرز للرجال اشتريت لي غير هذه الكسوة. فقال: أو ما ترضين أن يقال أم كلثوم بنت على وامرأة عمر. فقالت: ما أقل غناء ذلك عنى. ثم قال للرجل: ادن فكل فلو كانت راضية لكان أطيب مما ترى. فأكلا فلما فرغا قال:
أنا رسول سارية بن زنيم يا أمير المؤمنين. فقال: مرحبا وأهلا. ثم أدناه حتى مست ركبته ركبته، ثم سأله عن المسلمين، ثم سأله عن سارية بن زنيم، فأخبره ثم ذكر له شأن السفط من الجوهر فأبى أن يقبله وأمر برده إلى الجند. وقد سأل أهل المدينة رسول سارية عن الفتح فأخبرهم، فسألوه: هل سمعوا صوتا يوم الوقعة؟ قال: نعم، سمعنا قائلا يقول: يا سارية الجبل، وقد كدنا نهلك فلجأنا إليه ففتح الله علينا.
ثم رواه سيف عن مجالد عن الشعبي بنحو هذا. وقال عبد الله بن وهب عن يحيى بن أيوب عن ابن عجلان عن نافع عن ابن عمر أن عمر وجه جيشا ورأس عليهم رجلا يقال له سارية، قال: فبينما عمر يخطب فجعل ينادى: يا ساري الجبل يا ساري الجبل ثلاثا. ثم قدم رسول الجيش فسأله عمر: فقال:
يا أمير المؤمنين هزمنا فبينما نحن كذلك إذ سمعنا مناديا يا سارية الجبل ثلاثا فأسندنا ظهورنا بالجبل فهزمهم الله. قال: فقيل لعمر: إنك كنت تصيح بذلك. وهذا إسناد جيد حسن.
وقال الواقدي: حدثني نافع بن أبى نعيم عن نافع مولى ابن عمر. أن عمر قال على المنبر: يا سارية ابن زنيم الجبل. فلم يدر الناس ما يقول حتى قدم سارية بن زنيم المدينة على عمر، فقال: يا أمير المؤمنين كنا محاصري العدو فكنا نقيم الأيام لا يخرج علينا منهم أحد، نحن في خفض من الأرض وهم في حصن عال، فسمعت صائحا ينادى بكذا وكذا يا سارية بن زنيم الجبل، فعلوت بأصحابي الجبل، فما كان إلا ساعة حتى فتح الله علينا. وقد رواه الحافظ أبو القاسم اللالكائي من طريق مالك عن نافع عن ابن عمر بنحوه، وفي صحته من حديث مالك نظر. وقال الواقدي: حدثني أسامة بن زيد عن أسلم عن أبيه. وأبو سليمان عن يعقوب بن زيد قالا: خرج عمر بن الخطاب ﵁ يوم الجمعة إلى الصلاة فصعد المنبر ثم صاح: يا سارية بن زنيم الجبل، يا سارية بن زنيم الجبل، ظلم من استرعى الذئب الغنم. ثم خطب حتى فرغ، فجاء كتاب سارية إلى عمر: إن الله قد فتح علينا يوم الجمعة ساعة كذا وكذا - لتلك الساعة التي خرج فيها عمر فتكلم على المنبر - قال: سارية فسمعت صوتا
стр. 2253
يا سارية بن زنيم الجبل، يا سارية بن زنيم الجبل، ظلم من استرعى الذئب الغنم، فعلوت بأصحابي الجبل، ونحن قبل ذلك في بطن واد، ونحن محاصرو العدو ففتح الله علينا. فقيل لعمر بن الخطاب ما ذلك الكلام؟ فقال: والله ما ألقيت له إلا بشيء ألقى على لساني. فهذه طرق يشد بعضها بعضا.
ثم ذكر ابن جرير من طريق سيف عن شيوخه فتح كرمان على يدي سهيل بن عدي وأمده عبد الله ابن عبد الله بن عتبان، وقيل على يدي عبد الله بن بديل بن ورقاء الخزاعي، وذكر فتح سجستان على يدي عاصم بن عمرو، بعد قتال شديد، وكانت ثغورها متسعة، وبلادها متنائية، ما بين السند إلى نهر بلخ، وكانوا يقاتلون القندهار والترك من ثغورها وفروجها. وذكر فتح مكران على يدي الحكم بن عمرو، وأمده بشهاب بن المخارق بن شهاب، وسهيل بن عدي، وعبد الله بن عبد الله، واقتتلوا مع ملك السند فهزم الله جموع السند، وغنم المسلمون منهم غنيمة كثيرة، وكتب الحكم ابن عمرو بالفتح وبعث بالأخماس مع صحار العبديّ، فلما قدم على عمر سأله عن أرض مكران فقال:
يا أمير المؤمنين أرض سهلها جبل، وماؤها وشل، وثمرها دقل، وعدوها بطل، وخيرها قليل، وشرها طويل، والكثير بها قليل، والقليل بها ضائع، وما وراءها شر (١) منها. فقال عمر:
أسجّاع أنت أم مخبر؟ فقال: لا، بل مخبر، فكتب عمر إلى الحكم بن عمرو أن لا يغزو بعد ذلك مكران، وليقتصروا على ما دون النهر. وقد قال الحكم بن عمرو في ذلك:
لقد شبع الأرامل غير فخر … بفيء جاءهم من مكران
أتاهم بعد مسغبة وجهد … وقد صفر الشتاء من الدّخان
فانى لا يذم الجيش فعلى … ولا سيفي يذم ولا لساني
غداة أدافع الأوباش دفعا … إلى السند العريضة والمدانى
ومهران لنا فيما أردنا … مطيع غير مسترخى العنان
فلولا ما نهى عنه أميرى … قطعناه إلى البدد الزواني
غزوة الأكراد
ثم ذكر ابن جرير بسنده عن سيف عن شيوخه: أن جماعة من الأكراد والتف إليهم طائفة من الفرس اجتمعوا فلقيهم أبو موسى بمكان من أرض بيروذ قريب من نهر تيري، ثم سار عنهم أبو موسى إلى أصبهان وقد استخلف على حربهم الربيع بن زياد بعد مقتل أخيه المهاجر بن زياد، فتسلم الحرب وحنق عليهم، فهزم الله العدو وله الحمد والمنة، كما هي عادته المستمرة وسنته المستقرة، في عباده المؤمنين، وحزبه المفلحين، من أتباع سيد المرسلين. ثم خمست الغنيمة وبعث بالفتح والخمس
стр. 2254
إلى عمر ﵁، وقد سار ضبة بن محصن العنزي فاشتكى أبا موسى إلى عمر، وذكر عنه أمورا لا ينقم عليه بسببها، فاستدعاه عمر فسأله عنها فاعتذر منها بوجوه مقبولة فسمعها عمرو قبلها، ورده إلى عمله وعذر ضبة فيما تأوله [ومات عمر، وأبو موسى على صلاة البصرة] (١).
خبر سلمة بن قيس الأشجعي والأكراد
بعثه عمر على سرية ووصاه بوصايا كثيرة بمضمون حديث بريدة في صحيح مسلم «اغزوا بسم الله قاتلوا من كفر بالله» الحديث إلى آخره، فساروا فلقوا جمعا من المشركين فدعوهم إلى إحدى ثلاث خلال، فأبوا أن يقبلوا واحدة منها، فقاتلوهم فقتلوا مقاتلتهم، وسبوا ذراريهم، وغنموا أموالهم. ثم بعث سلمة بن قيس رسولا إلى عمر بالفتح وبالغنائم، فذكروا وروده على عمر وهو يطعم الناس، وذهابه معه إلى منزله، كنحو ما تقدم من قصة أم كلثوم بنت على، وطلبها الكسوة كما يكسى طلحة وغيره أزواجهم، فقال: ألا يكفيك أن يقال بنت على وامرأة أمير المؤمنين؟ ثم ذكر طعامه الخشن، وشرابه من سلت، ثم شرع يستعمله عن أخبار المهاجرين، وكيف طعامهم وأشعارهم، وهل يأكلون اللحم الّذي هو شجرتهم، ولا بقاء للعرب دون شجرتهم؟ وذكر عرضه عليه ذلك السفط من الجوهر، فأبى أن يأخذه وأقسم على ذلك، وأمره بأن يرده فيقسم بين الغانمين. وقد أورده ابن جرير مطولا جدا.
وقال ابن جرير: وفي هذه السنة حج عمر بأزواج النبي ﷺ ، وهي آخر حجة حجها ﵁. قال: وفي هذه السنة كانت وفاته. ثم ذكر صفة قتله مطولا أيضا، وقد ذكرت ذلك مستقصى في آخر سيرة عمر، فليكتب من هناك إلى هنا.
وهو عمر بن الخطاب بن نفيل بن عبد العزى بن رياح بن عبد الله بن قرط بن رزاح بن عدي ابن كعب بن لؤيّ بن غالب بن فهر بن مالك بن النضر بن كنانة بن خزيمة بن مدركة بن الياس بن مضر بن نزار بن معد بن عدنان القرشي، أبو حفص العدوي، الملقب بالفاروق قيل لقبه بذلك أهل الكتاب. [وأمه حنتمة بنت هشام أخت أبى جهل بن هشام. أسلم عمر وعمره سبع وعشرين سنة، وشهد بدرا وأحدا والمشاهد كلها مع النبي ﷺ ، وخرج في عدة سرايا، وكان أميرا على بعضها، وهو أول من دعي أمير المؤمنين، وأول من كتب التاريخ، وجمع الناس على التراويح، وأول من عسّ بالمدينة، وحمل الدرة وأدب بها، وجلد في الخمر ثمانين، وفتح الفتوح، ومصر الأمصار، وجنّد الأجناد. ووضع الخراج، ودوّن الدواوين، وعرض الأعطية، واستقضى القضاة، وكوّر الكور، مثل السواد والأهواز والجبال وفارس وغيرها، وفتح الشام كله، والجزيرة والموصل،
стр. 2255
وميافارقين، وآمد، وأرمينية، ومصر واسكندرية. ومات وعساكره على بلاد الري. فتح من الشام اليرموك وبصرى ودمشق والأردن، وبيسان، وطبرية، والجابية، وفلسطين والرملة، وعسقلان وغزة والسواحل والقدس وفتح مصر واسكندرية وطرابلس الغرب وبرقة، ومن مدن الشام بعلبكّ وحمص وقنسرين وحلب وأنطاكية وفتح الجزيرة وحران والرها والرقة ونصيبين ورأس عين وشمشاط وعين وردة وديار بكر وديار ربيعة وبلاد الموصل وأرمينية جميعها. وبالعراق القادسية والحيرة ونهر سير وساباط، ومدائن كسرى وكورة الفرات ودجلة والأبلة والبصرة والأهواز وفارس ونهاوند وهمذان والري وقومس وخراسان وإصطخر وأصبهان والسوس ومرو ونيسابور وجرجان وأذربيجان وغير ذلك، وقطعت جيوشه النهر مرارا، وكان متواضعا في الله، خشن العيش، خشن المطعم، شديدا في ذات الله، يرقع الثوب بالأديم، ويحمل القربة على كتفيه، مع عظم هيبته، ويركب الحمار عريا، والبعير مخطوما بالليف، وكان قليل الضحك لا يمازح أحدا وكان نقش خاتمه كفى بالموت واعظا يا عمر.
وقال النبي ﷺ «أشد أمتى في دين الله عمر»
وعن ابن عباس أن النبي ﷺ قال «إن لي وزيرين من أهل السماء ووزيرين من أهل الأرض، فوزيراى من أهل السماء جبريل وميكائيل ووزيراي من أهل الأرض أبو بكر وعمر، وإنهما السمع والبصر»
وعن عائشة أن النبي ﷺ قال «إن الشيطان يفرق من عمر» وقال «أرحم أمتى أبو بكر، وأشدها في دين الله عمر» وقيل لعمر إنك قضاء. فقال: الحمد لله الّذي ملأ قلبي لهم رحما وملأ قلوبهم لي رعبا. وقال عمر: لا يحل لي من مال الله إلا حلتان حلة للشتاء وحلة للصيف، وقوت أهلي كرجل من قريش ليس بأغناهم، ثم أنا رجل من المسلمين. وكان عمر إذا استعمل عاملا كتب له عهدا وأشهد عليه رهطا من المهاجرين واشترط عليه أن لا يركب برذونا، ولا يأكل نقيا، ولا يلبس رقيقا، ولا يغلق بابه دون ذوى الحاجات. فان فعل شيئا من ذلك حلت عليه العقوبة. وقيل إنه كان إذا حدثه الرجل بالحديث فيكذب فيه الكلمة والكلمتين فيقول عمر: احبس هذه احبس هذه، فيقول الرجل: والله كلما حدثتك به حق غير ما أمرتنى أن أحبسه.
وقال معاوية بن أبى سفيان: أما أبو بكر فلم يرد الدنيا ولم ترده، وأما عمر فأرادته فلم يردها، وأما نحن فتمرغنا فيها ظهرا لبطن. وعوتب عمر فقيل له: لو أكلت طعاما طيبا كان أقوى لك على الحق؟ فقال: إني تركت صاحبىّ على جادة، فان أدركت جادتهما فلم أدركهما في المنزل. وكان يلبس وهو خليفة جبة صوف مرقوعة بعضها بأدم ويطوف بالأسواق على عاتقه الدرة يؤدب بها الناس، وإذا مر بالنوى وغيره يلتقطه ويرمى به في منازل الناس ينتفعون به.
وقال أنس: كان بين كتفي عمر أربع رقاع، وإزاره مرقوع بأدم. وخطب على المنبر وعليه إزار
стр. 2256
فيه اثنى عشر رقعة، وأنفق في حجته ستة عشر دينارا، وقال لابنه: قد أسرفنا، وكان لا يستظل بشيء غير أنه كان يلقى كساءه على الشجر ويستظل تحته، وليس له خيمة ولا فسطاط. ولما قدم الشام لفتح بيت المقدس كان على جمل أورق تلوح صلعته للشمس، ليس عليه قلنسوة ولا عمامة قد طبق رجليه بين شعبى الرحل بلا ركاب، ووطاؤه كبش من صوف، وهو فراشه إذا نزل، وحقيبته محشوة ليفا، وهي وسادته إذا نام، وعليه قميص من كرابيس قد رسم وتخرق جيبه، فلما نزل قال: ادعوا لي رأس القرية، فدعوه فقال: اغسلوا قميصي وخيطوه وأعيرونى قميصا، فأتى بقميص كتان، فقال: ما هذا؟ فقيل كتان. فقال: فما الكتان؟ فأخبروه. فنزع قميصه فغسلوه وخاطوه ثم لبسه، فقال له: أنت ملك العرب، وهذه بلاد لا يصلح فيها ركوب الإبل. فأتى ببرذون فطرح عليه قطيفة بلا سرج ولا رحل، فلما سار جعل [البرذون] يهملج به فقال لمن معه: احبسوا، ما كنت أظن الناس يركبون الشياطين، هاتوا جملي. ثم نزل وركب الجمل.
وعن أنس قال: كنت مع عمر فدخل حائطا لحاجته فسمعته يقول - وبيني وبينه جدار الحائط - عمر بن الخطاب أمير المؤمنين بخ بخ، والله لتتقين الله بنىّ الخطاب أو ليعذبنك. وقيل: إنه حمل قربة على عاتقه فقيل له في ذلك فقال: إن نفسي أعجبتنى فأردت أن أذلها؟ وكان يصلى بالناس العشاء ثم يدخل بيته فلا يزال يصلى إلى الفجر. وما مات حتى سرد الصوم، وكان في عام الرمادة لا يأكل إلا الخبز والزيت حتى اسود جلده ويقول: بئس الوالي أنا إن شبعت والناس جياع. وكان في وجهه خطان أسودان من البكاء، وكان يسمع الآية من القرآن فيغشى عليه فيحمل صريعا إلى منزله فيعاد أياما ليس به مرض إلا الخوف. وقال طلحة بن عبد الله: خرج عمر ليلة في سواد الليل فدخل بيتا فلما أصبحت ذهبت إلى ذلك البيت فإذا عجوز عمياء مقعدة فقلت لها: ما بال هذا الرجل يأتيكى؟ فقالت: إنه يتعاهدني مدة كذا وكذا يأتينى بما يصلحني ويخرج عنى الأذى. فقلت لنفسي:
ثكلتك أمك يا طلحة، أعثرات عمر تتبع؟.
وقال أسلم مولى عمر: قدم المدينة رفقة من تجار، فنزلوا المصلى فقال عمر لعبد الرحمن بن عوف:
هل لك أن نحرسهم الليلة؟ قال: نعم! فباتا يحرسانهم ويصليان، فسمع عمر بكاء صبي فتوجه نحوه فقال لأمه: اتّق الله تعالى وأحسنى إلى صبيك. ثم عاد إلى مكانه، فسمع بكاءه فعاد إلى أمه فقال لها مثل ذلك، ثم عاد إلى مكانه، فلما كان آخر الليل سمع بكاء الصبى فأتى إلى أمه فقال لها: ويحك، إنك أم سوء، ما لي أرى ابنك لا يقر منذ الليلة من البكاء؟! فقالت: يا عبد الله إني أشغله عن الطعام فيأبى ذلك، قال: ولم؟ قالت: لأن عمر لا يفرض إلا للمفطوم. قال: وكم عمر ابنك هذا؟ قالت:
كذا وكذا شهرا، فقال: ويحك لا تعجليه عن الفطام. فلما صلى الصبح وهو لا يستبين للناس
стр. 2257
قراءته من البكاء. قال: بؤسا لعمر. كم قتل من أولاد المسلمين. ثم أمر مناديه فنادى، لا تعجلوا صبيانكم عن الفطام، فانا نفرض لكل مولود في الإسلام. وكتب بذلك إلى الآفاق.
وقال أسلم: خرجت ليلة مع عمر إلى ظاهر المدينة فلاح لنا بيت شعر فقصدناه فإذا فيه امرأة تمخض وتبكى، فسألها عمر عن حالها فقالت: أنا امرأة عربية وليس عندي شيء. فبكى عمر وعاد يهرول إلى بيته فقال لامرأته أم كلثوم بنت على بن أبى طالب: هل لك في أجر ساقه الله إليك؟ وأخبرها الخبر، فقالت: نعم، فحمل على ظهره دقيقا وشحما، وحملت أم كلثوم ما يصلح للولادة وجاءا، فدخلت أم كلثوم على المرأة، وجلس عمر مع زوجها - وهو لا يعرفه - يتحدث، فوضعت المرأة غلاما فقالت أم كلثوم: يا أمير المؤمنين بشر صاحبك بغلام. فلما سمع الرجل قولها استعظم ذلك وأخذ يعتذر إلى عمر. فقال عمر: لا بأس عليك، ثم أوصلهم بنفقة وما يصلحهم وانصرف.
وقال أسلم: خرجت ليلة مع عمر إلى حرة وأقم، حتى إذا كنا بصرار إذا بنار فقال: يا أسلم هاهنا ركب قد قصر بهم الليل، انطلق بنا إليهم، فأتيناهم فإذا امرأة معها صبيان لها وقدر منصوبة على النار وصبيانها يتضاغون، فقال عمر: السلام عليكم يا أصحاب الضوء، قالت: وعليك السلام. قال: أدنو.
قالت: أدن أودع. فدنا فقال: ما بالكم؟ قالت: قصر بنا الليل والبرد. قال: فما بال هؤلاء الصبية يتضاغون؟ قالت: من الجوع. فقال: وأي شيء على التار؟ قالت: ماء أعللهم به حتى يناموا، الله بيننا وبين عمر. فبكى عمر ورجع يهرول إلى دار الدقيق فأخرج عدلا من دقيق وجراب شحم، وقال:
يا أسلم احمله على ظهري، فقلت: أنا أحمله عنك. فقال: أنت تحمل وزري يوم القيامة؟. فحمله على ظهره وانطلقنا إلى المرأة فألقى عن ظهره وأخرج من الدقيق في القدر، وألقى عليه من الشحم، وجعل ينفخ تحت القدر والدخان يتخلل لحيته ساعة، ثم أنزلها عن النار وقال: ايتيني بصحفة. فأتى بها فغرفها ثم تركها بين يدي الصبيان وقال: كلوا، فأكلوا حتى شبعوا - والمرأة تدعو له وهي لا تعرفه - فلم يزل عندهم حتى نام الصغار، ثم أوصلهم بنفقة وانصرف، ثم أقبل على فقال: يا أسلم الجوع الّذي أسهرهم وأبكاهم.
وقيل: إن على بن أبى طالب ﵁ رأى عمر وهو يعدو إلى ظاهر المدينة فقال له: إلى أين يا أمير المؤمنين؟ فقال: قد ند بعير من إبل الصدقة فأنا أطلبه. فقال: قد أتعبت الخلفاء من بعدك.
وقيل: إنه رأى جارية تتمايل من الجوع فقال: من هذه؟ فقالت ابنة عبد الله: هذه ابنتي.
قال: فما بالها؟ فقالت: إنك تحبس عنا ما في يدك فيصيبنا ما ترى. فقال: يا عبد الله، بيني وبينكم كتاب الله، والله ما أعطيكم إلا ما فرض الله لكم، أتريدون منى أن أعطيكم ما ليس لكم؟
стр. 2258
فأعود خائنا؟] (١). روى ذلك عن الزهري.
وقال الواقدي: حدثنا أبو حمزة يعقوب بن مجاهد عن محمد بن إبراهيم عن أبى عمرو قال:
قلت لعائشة: من سمى عمر الفاروق أمير المؤمنين؟ قالت: النبي ﷺ قال «أمير المؤمنين هو» وأول من حياه بها المغيرة بن شعبة» وقيل غيره فالله أعلم.
وقال ابن جرير: حدثني أحمد بن عبد الصمد الأنصاري حدثتني أم عمرو بنت حسان الكوفية - وكان قد أتى عليها مائة وثلاثون سنة - عن أبيها قال: لما ولى عمر قالوا: يا خليفة خليفة رسول الله. فقال عمر: هذا أمر يطول، بل أنتم المؤمنون وأنا أميركم. فسمى أمير المؤمنين.
وملخص ذلك أن عمر ﵁ لما فرغ من الحج سنة ثلاث وعشرين ونزل بالأبطح دعا الله وشكا إليه أنه قد كبرت سنه وضعفت قوته، وانتشرت رعيته، وخاف من التقصير، وسأل الله أن يقبضه إليه، وأن يمن عليه بالشهادة في بلد النبي ﷺ ، كما ثبت عنه في الصحيح أنه كان يقول: اللهمّ إني أسألك شهادة في سبيلك، وموتا في بلد رسولك، فاستجاب له الله هذا الدعاء، وجمع له بين هذين الأمرين الشهادة في المدينة النبويّة وهذا عزيز جدا، ولكن الله لطيف بما يشاء ﵎، فاتفق له أن ضربه أبو لؤلؤة فيروز المجوسي الأصل، الرومي الدار، وهو قائم يصلى في المحراب، صلاة الصبح من يوم الأربعاء، لأربع بقين من ذي الحجة من هذه السنة بخنجر ذات طرفين، فضربه ثلاث ضربات. وقيل ست ضربات، إحداهن تحت سرته قطعت السفاق فخر من قامته، واستخلف عبد الرحمن بن عوف، ورجع العلج بخنجره لا يمر بأحد إلا ضربه، حتى ضرب ثلاثة عشر رجلا مات منهم ستة، فألقى عليه عبد الله بن عوف برنسا فانتحر نفسه لعنه الله، وحمل عمر إلى منزله والدم يسيل من جرحه - وذلك قبل طلوع الشمس - فجعل يفيق ثم يغمى عليه، ثم يذكرونه بالصلاة فيفيق ويقول: نعم، ولا حظ في الإسلام لمن تركها. ثم صلى في الوقت، ثم سأل عمن قتله من هو؟ فقالوا له: هو أبو لؤلؤة غلام المغيرة بن شعبة. فقال: الحمد لله الّذي لم يجعل منيتي على يدي رجل يدعى الايمان ولم يسجد لله سجدة. ثم قال: قبحه الله، لقد كنا أمرنا به معروفا - وكان المغيرة قد ضرب عليه في كل يوم درهمين ثم سأل من عمر أن يزيد في خراجه فإنه نجار نقاش حداد فزاد في خراجه إلى مائة في كل شهر - وقال له: لقد بلغني أنك تحسن أن تعمل رحى تدور بالهواء فقال أبو لؤلؤة: أما والله لأعملن لك رحى يتحدث عنها الناس في المشارق والمغارب - وكان هذا يوم الثلاثاء عشية - وطعنه صبيحة الأربعاء لأربع بقين من ذي الحجة. وأوصى عمر أن يكون الأمر شورى بعده في ستة ممن توفى رسول الله ﷺ وهو عنهم راض، وهم عثمان، وعلى، وطلحة، والزبير
стр. 2259
وعبد الرحمن بن عوف، وسعد بن أبى وقاص، ولم يذكر سعيد بن زيد بن عمرو بن نفيل العدوي فيهم، لكونه من قبيلته، خشية أن يراعى في الإمارة بسببه، وأوصى من يستخلف بعده بالناس خيرا على طبقاتهم ومراتبهم، ومات ﵁ بعد ثلاث، ودفن في يوم الأحد مستهل المحرم من سنة أربع وعشرين، بالحجرة النبويّة، إلى جانب الصديق، عن إذن أم المؤمنين عائشة ﵂ في ذلك، وفي ذلك اليوم حكم أمير المؤمنين عثمان بن عفان ﵁.
قال الواقدي ﵀: حدثني أبو بكر بن إسماعيل بن محمد بن سعد عن أبيه قال: طعن عمر يوم الأربعاء لأربع ليال بقين من ذي الحجة سنة ثلاث وعشرين، ودفن يوم الأحد صباح هلال المحرم سنة أربع وعشرين، فكانت ولايته عشر سنين وخمسة أشهر وأحدا وعشرين يوما، وبويع لعثمان يوم الاثنين لثلاث مضين من المحرم. قال: فذكرت ذلك لعثمان الأخنس فقال:
ما أراك إلا وهلت. توفى عمر لأربع ليال بقين من ذي الحجة وبويع لعثمان لليلة بقيت من ذي الحجة فاستقبل. بخلافته المحرم سنة أربع وعشرين. وقال أبو معشر: قتل عمر لأربع بقين من ذي الحجة تمام سنة ثلاث وعشرين وكانت خلافته عشر سنين وستة أشهر وأربعة أيام وبويع عثمان ابن عفان.
وقال ابن جرير: حدثت عن هشام بن محمد قال: قتل عمر لثلاث بقين من ذي الحجة سنة ثلاث وعشرين فكانت خلافته عشر سنين وستة أشهر وأربعة أيام. وقال سيف عن خليد بن وفرة ومجالد قالا: استخلف عثمان لثلاث من المحرم فخرج فصلى بالناس صلاة العصر. وقال على بن محمد المدائني عن شريك عن الأعمش - أو جابر الجعفي - عن عوف بن مالك الأشجعي وعامر بن أبى محمد عن أشياخ من قومه، وعثمان بن عبد الرحمن عن الزهري قال: طعن عمر يوم الأربعاء لسبع بقين من ذي الحجة والقول الأول هو الأشهر والله أعلم.
صفته ﵁
كان رجلا طوالا أصلع أعسر أيسر أحور العينين، آدم اللوم، وقيل كان أبيض شديد البياض تعلوه حمرة، أشنب الأسنان، وكان يصفر لحيته، ويرجل رأسه بالحناء.
واختلف في مقدار سنه يوم مات ﵁ على أقوال عدتها - عشرة - فقال ابن جرير:
حدثنا زيد بن أخزم ثنا أبو قتيبة عن جرير بن حازم عن أيوب عن نافع عن ابن عمر قال: قتل عمر ابن الخطاب وهو ابن خمس وخمسين سنة، ورواه الدراوَرْديّ عن عبد الله عن نافع عن ابن عمر. وقاله عبد الرزاق عن ابن جريج عن الزهري، ورواه أحمد عن هشيم عن على بن زيد عن سالم بن عبد الله ابن عمر، وعن نافع رواية أخرى ست وخمسون سنة. قال ابن جرير: وقال آخرون: كان عمره
стр. 2260
ثلاثا وخمسين سنة، حدثت بذلك عن هشام بن محمد. ثم روى عن عامر الشعبي أنه توفى وله ثلاث وستون سنة.
قلت: وقد تقدم في عمر الصديق مثله، وروى عن قتادة أنه قال: توفى عمر وهو ابن إحدى وستين سنة، وعن ابن عمر والزهري خمس وستون. وعن ابن عباس ست وستون، وروى ابن جرير عن أسلم مولى عمر أنه قال: توفى وهو ابن ستين سنة. قال الواقدي: وهذا أثبت الأقاويل عندنا.
وقال المدائني: توفى عمر وهو ابن سبع وخمسين سنة.
ذكر زوجاته وأبنائه وبناته
قال الواقدي وابن الكلبي وغيرهما: تزوج عمر في الجاهلية زينب بنت مظعون أخت عثمان ابن مظعون فولدت له عبد الله وعبد الرحمن الأكبر، وحفصة ﵃. وتزوج مليكة بنت جرول فولدت له عبيد الله فطلقها في الهدنة، فخلف عليها أبو الجهم بن حذيفة، قاله المدائني.
وقال الواقدي: هي أم كلثوم بنت جرول فولدت له عبيد الله وزيدا الأصغر. قال المدائني وتزوج قريبة بنت أبى أمية المخزومي ففارقها في الهدنة، فتزوجها بعده عبد الرحمن بن أبى بكر.
قالوا: وتزوج أم حكيم بنت الحارث بن هشام بعد زوجها - حين قتل في الشام - فولدت له فاطمة ثم طلقها. قال المدائني وقيل لم يطلقها. قالوا: وتزوج جميلة بنت عاصم بن ثابت بن أبى الأفلح من الأوس. وتزوج عاتكة بنت زيد بن عمرو بن نفيل، وكانت قبله عند عبد الله بن أبى مليكة ولما قتل عمر تزوجها بعده الزبير بن العوام ﵃، ويقال هي أم ابنه عياض فالله أعلم. قال المدائني: وكان قد خطب أم كلثوم ابنة أبى بكر الصديق وهي صغيرة وراسل فيها عائشة فقالت أم كلثوم: لا حاجة لي فيه، فقالت عائشة: أترغبين عن أمير المؤمنين؟ قالت: نعم، إنه خشن العيش فأرسلت عائشة إلى عمرو بن العاص فصده عنها ودله على أم كلثوم بنت على بن أبى طالب، ومن فاطمة بنت رسول الله ﷺ ، وقال تعلق منها بسبب من رسول الله ﷺ ، فخطبها من على فزوجه إياها، فأصدقها عمر ﵁ أربعين ألفا، فولدت له زيدا ورقية، قالوا: وتزوج لهية - امرأة من اليمن - فولدت له عبد الرحمن الأصغر، وقيل الأوسط. وقال الواقدي: هي أم ولد وليست بزوجة، قالوا: وكانت عنده فكيهة أم ولد فولدت له زينب. قال الواقدي وهي أصغر ولده. قال الواقدي: وخطب أم أبان بنت عتبة بن شيبة فكرهته وقالت: يغلق بابه ويمنع خيره ويدخل عابسا ويخرج عابسا.
قلت: فجملة أولاده ﵁ وأرضاه ثلاثة عشر ولدا، وهم زيد الأكبر، وزيد الأصغر، وعاصم، وعبد الله، وعبد الرحمن الأكبر، وعبد الرحمن الأوسط، قال الزبير بن بكار وهو
стр. 2261
أبو شحمة، وعبد الرحمن الأصغر وعبيد الله، وعياض، وحفصة، ورقية، وزينب، وفاطمة، ﵃. ومجموع نسائه اللاتي تزوجهن في الجاهلية والإسلام ممن طلقهن أو مات عنهن سبع، وهن جميلة بنت عاصم بن ثابت بن الأفلح، وزينب بنت مظعون، وعاتكة بنت زيد بن عمرو بن نفيل، وقريبة بنت أبى أمية، ومليكة بنت جرول، وأم حكيم بنت الحارث بن هشام، وأم كلثوم بنت على بن أبى طالب، وأم كلثوم أخرى وهي مليكة بنت جرول. وكانت له أمتان له منهما أولاد، وهما فكيهة ولهية، وقد اختلف في لهية هذه فقال بعضهم: كانت أم ولد، وقال بعضهم: كان أصلها من اليمن وتزوجها أمير المؤمنين عمر بن الخطاب فالله أعلم.
ذكر بعض ما رثى به
قال على بن محمد المدائني: عن ابن داب وسعيد بن خالد، عن صالح بن كيسان عن المغيرة ابن شعبة قال: لما مات عمر بكته ابنة أبى خيثمة فقالت: وا عمراه، أقام الأود وأبر العهد، أمات الفتن وأحيا السنن، خرج نقى الثوب بريا من العيب.
قال فقال على بن أبى طالب: والله لقد صدقت، ذهب بخيرها، ونجا من شرها، أما والله ما قالت ولكن قولت. قال: وقالت عاتكة بنت زيد بن عمرو بن نفيل في زوجها عمر.
فجّعني فيروز لا درّ درّه … بأبيض تال للكتاب منيب
رءوف على الأدنى غليظ على العدي … أخى ثقة في النائبات نجيب
متى ما يقل لا يكذب القول فعله … سريع إلى الخيرات غير قطوب
وقالت أيضا:
عين جودي بعبرة ونحيب … لا تملّى على الإمام النجيب
فجّعتنا المنون بالفارس العيلم … يوم الهياج والتلبيب
عصمة الناس والمعين على الدهر … وغيث المنتاب والمحروب
قل لأهل السراء والبؤس موتوا … قد سقته المنون كأس سغوب
[وقالت امرأة من المسلمين تبكيه:
سيبكيك نساء الحي … يبكين شجيات
ويخمشن وجوها … كالدنانير نقيات
ويلبسن ثياب الحزن … بعد القصبيات] (١)
وقد ذكر ابن جرير ترجمة طويلة لعمر بن الخطاب، وكذلك أطال ابن الجوزي في سيرته،
стр. 2262
وشيخنا الحافظ أبو عبد الله الذهبي في تاريخه، وقد جمعنا متفرقات كلام الناس في مجلد مفرد، وأفردنا لما أسنده وروى عنه من الأحكام مجلدا آخر كبيرا مرتبا على أبواب الفقه ولله الحمد.
قال ابن جرير: وفي هذه السنة توفى قتادة بن النعمان، وفيها غزا معاوية الصائفة حتى بلغ عمّورية ومعه من الصحابة عبادة بن الصامت، وأبو أيوب، وأبو ذر، وشداد بن أوس، وفيها فتح معاوية عسقلان صلحا. قال: وفيها كان على قضاء الكوفة شريح، وعلى قضاء البصرة كعب بن سوار، قال: وأما مصعب الزبيري فإنه ذكر أن مالكا روى عن الزهري أن أبا بكر وعمر لم يكن لهما قاض وقال شيخنا أبو عبد الله الذهبي في تاريخه في سنة ثلاث وعشرين. فيها كانت قصة سارية بن زنيم.
وفيها فتحت كرمان وأميرها سهيل بن عدي. وفيها فتحت سجستان، وأميرها عاصم بن عمرو.
وفيها فتحت مكران، وأميرها الحكم بن أبى العاص، أخو عثمان، وهي من بلاد الجبل. وفيها رجع أبو موسى الأشعري من بلاد أصبهان وقد افتتح بلادها، وفيها غزا معاوية الصائفة حتى بلغ عمّورية.
ثم ذكر وفاة من مات فيها. فمنهم قتادة بن النعمان الأنصاري الأوسي الظفري أخو أبى سعيد الخدريّ لأمه، وقتادة أكبر منه، شهد بدرا وأصيبت عينه في يوم أحد حتى وقعت على خده فردها رسول الله ﷺ فصارت أحسن عينيه، وكان من الرماة المذكورين، وكان على مقدمة عمر حين قدم إلى الشام توفى في هذه السنة على المشهور عن خمس وستين سنة، ونزل عمر في قبره، وقيل إنه توفى في التي قبلها. ثم ذكر ترجمة عمر بن الخطاب فأطال فيها وأكثر وأطنب، وأتى بمقاصد كثيرة مهمة، وفوائد جمة، وأشياء حسنة، فأثابه الله الجنة. ثم قال:
ذكر من توفى في خلافة عمر بن الخطاب ﵁.
الأقرع بن حابس
ابن عقال بن محمد بن سفيان بن مجاشع بن دارم بن مالك بن حنظلة بن مالك بن زيد مناة بن تميم التميمي المجاشعي. قال ابن دريد: واسمه فراس بن حابس ولقب بالأقرع لقرع في رأسه، وكان أحد الرؤساء، قدم على رسول الله ﷺ مع وفد بنى تميم، وهو الّذي نادى من وراء الحجرات: يا محمد إن مدحى زين، وذمي شين، وهو القائل - وقد رأى رسول الله ﷺ يقبل الحسن - أتقبله؟ والله إن لي عشرة من الولد ما قبلت واحدا منهم. فقال «من لا يرحم لا يرحم».
وفي رواية «ما أملك أن نزع الله الرحمة من قلبك» وكان ممن تألفه رسول الله ﷺ فأعطاه يوم حنين مائة من الإبل، وكذلك لعيينة بن حصن الفزاري، وأعطى عباس بن مرداس خمسين (١) من الإبل فقال:
أتجعل نهبي ونهب العبيد … بين عيينة والأقرع
فما كان حصن ولا حابس … يفوقان مرداس في مجمع
стр. 2263
وما كنت دون امرئ منهما … ومن يخفض اليوم لا يرفع
فقال له رسول الله ﷺ أنت القائل
أتجعل نهبي ونهب العبيد … بين عيينة والأقرع
رواه البخاري قال السهيلي: إنما قدم رسول الله ﷺ ذكر الأقرع قبل عيينة لأن الأقرع كان خيرا من عيينة [ولهذا لم يرتد بعد النبي ﷺ كما ارتد عيينة] (١) فبايع طليحة وصدقه ثم عاد. والمقصود أن الأقرع كان سيدا مطاعا، وشهد مع خالد وقائعه بأرض العراق، وكان على مقدمته يوم الأنبار. ذكره شيخنا فيمن توفى في خلافة عمر بن الخطاب. والّذي ذكره ابن الأثير في الغابة أنه استعمله عبد الله بن عامر على جيش وسيره إلى الجوزجان فقتل وقتلوا جميعا، وذلك في خلافة عثمان كما سيأتي إن شاء الله تعالى.
حباب بن المنذر
ابن الجموح بن زيد بن حرام بن كعب بن غنم بن كعب بن سلمة أبو عمر ويقال أبو عمرو الأنصاري الخزرجي السلمي، ويقال له ذو الرأى لأنه أشار يوم بدر أن ينزل رسول الله ﷺ على أدنى ماء يكون إلى القوم، وأن يغور ما وراءهم من القلب فأصاب في هذا الرأى، ونزل الملك بتصديقه وأما قوله يوم السقيفة: أنا جذيلها المحكك، ومزيجها المرجب، منا أمير ومنكم أمير. فقد رده عليه الصديق والصحابة.
ربيعة بن الحارث بن عبد المطلب الهاشمي ابن عم رسول الله ﷺ
عتبة بن مسعود الهذلي، هاجر مع أخيه لأبويه، عبد الله إلى الحبشة شهد أحدا وما بعدها.
قال الزهري: ما كان عبد الله بأفقه منه، ولكن مات عتبة قبله، وتوفى زمن عمر على الصحيح، ويقال في زمن معاوية سنة أربع وأربعين.
علقمة بن علاثة
ابن عوف بن الأحوص بن جعفر بن كلاب بن ربيعة بن عامر بن صعصعة العامري الكلابي، أسلم عام الفتح وشهد حنينا وأعطى يومئذ مائة من الإبل تأليفا لقلبه، وكان يكون بتهامة وكان شريفا مطاعا في قومه، وقد ارتد أيام الصديق فبعث إليه سرية فانهزم ثم أسلم وحسن إسلامه، ووفد على عمر في خلافته، وقدم دمشق في طلب ميراث له ثمّ، ويقال استعمله عمر على حوران فمات بها، وقد كان الخطيئة قصده ليمتدحه فمات قبل مقدمه بليال فقال:
فما كان بيني لو لقيتك سالما … وبين الغنى إلا ليال قلائل
стр. 2264
علقمة بن مجزز
ابن الأعور بن جعدة بن معاذ بن عتوارة بن عمرو بن مدلج الكناني المدلجي، أحد أمراء رسول الله ﷺ ، على بعض السرايا، وكانت فيه دعابة، فأجج نارا وأمر أصحابه أن يدخلوا فيها فامتنعوا،
فقال النبي ﷺ «لو دخلوا فيها ما خرجوا منها» وقال «إنما الطاعة في المعروف» وقد كان علقمة جوادا ممدحا رثاه جواس العذري فقال:
إن السلام وحسن كل تحية … تغدو على ابن مجزز وتروح
عويم بن ساعدة
ابن عابس أبو عبد الرحمن الأنصاري الأوسي، أحد بنى عمرو بن عوف شهد العقبة وبدرا وما بعدها له حديث عند أحمد وابن ماجة في الاستنجاء بالماء. قال ابن عبد البر: توفى في حياة النبي ﷺ وقيل في خلافة عمر، وقال وهو واقف على قبره: لا يستطيع أحد أن يقول أنا خير من صاحب هذا القبر ما نصبت راية للنّبيّ ﷺ إلا وهو واقف تحتها. وقد روى هذا الأثر ابن أبى عاصم كما أورده ابن الأثير من طريقه.
غيلان بن سلمة الثقفي
أسلم عام الفتح على عشر نسوة فأمره رسول الله ﷺ أن يختار منهن أربعا، وقد وفد قبل الإسلام على كسرى فأمره أن يبنى له قصرا بالطائف، وقد سأله كسرى أي ولدك أحب إليك؟ قال الصغير حتى يكبر، والمريض حتى يبرأ، والغائب حتى يقدم، فقال له كسرى أنى لك هذا؟ هذا كلام الحكماء. قال: فما غذاؤك؟ قال: البر. قال نعم هذا من البر لا من التمر واللبن.
معمر بن الحارث
ابن حبيب بن وهب بن حذافة بن جمح القرشي الجمحيّ أخو حاطب وحطاب، أمهم قيلة بنت مظعون، أخت عثمان بن مظعون أسلم معمر قبل دخول النبي ﷺ دار الأرقم وشهد بدرا وما بعدها وآخى رسول الله ﷺ بينه وبين معاذ بن عفراء.
ميسرة بن مسروق العبسيّ
شيخ صالح قيل إنه صحابى شهد اليرموك ودخل الروم أميرا على جيش ستة آلاف وكانت له همة عالية فقتل وسبى وغنم وذلك في سنة عشرين، وروى عن أبى عبيدة وعنه أسلم مولى عمر، لم يذكره ابن الأثير في الغابة.
واقد بن عبد الله
ابن عبد مناف بن عرين الحنظليّ اليربوعي حليف بنى عدي بن كعب، أسلم قبل دخول النبي
стр. 2265
ﷺ دار الأرقم وشهد بدرا وما بعدها وآخى رسول الله ﷺ بينه وبين بشر بن البراء بن معرور، وهو أول من قتل في سبيل الله ببطن نخلة، مع عبد الله بن جحش حين قتل عمرو بن الحضرميّ، توفى في خلافة عمر ﵁.
أبو خراش الهذلي الشاعر
واسمه خويلد بن مرة، كان يسبق الخيل على قدميه، وكان فتاكا في الجاهلية، ثم أسلم وحسن إسلامه، وتوفى في زمن عمر، أتاه حجاج فذهب يأتيهم بماء فنهشته حية فرجع إليهم بالماء وأعطاهم شاة وقدرا، ولم يعلمهم بما جرى له، فأصبح فمات فدفنوه. ذكره ابن عبد البر وابن الأثير في أسماء الصحابة، والظاهر أنه ليست له وفادة، وإنما أسلم في حياة النبي ﷺ فهو مخضرم والله أعلم.
أبو ليلى عبد الرحمن بن كعب
ابن عمرو الأنصاري شهد أحدا وما بعدها، إلا تبوك فإنه تخلف لعذر الفقر، وهو أحد البكاءين المذكورين.
سودة بنت زمعة
القرشية العامرية أم المؤمنين، أول من دخل بها رسول الله ﷺ بعد خديجة ﵂، وكانت صوامة قوامة، ويقال كان في خلقها حدة، وقد كبرت فأراد رسول الله ﷺ أن يفارقها - ويقال بل فارقها - فقالت: يا رسول الله لا تفارقني وأنا أجعل يومى لعائشة، فتركها رسول الله ﷺ وصالحها على ذلك. وفي ذلك أنزل الله ﴿وَإِنِ اِمْرَأَةٌ خافَتْ مِنْ بَعْلِها نُشُوزاً أَوْ إِعْراضاً فَلا جُناحَ عَلَيْهِما أَنْ يُصْلِحا بَيْنَهُما صُلْحاً وَالصُّلْحُ خَيْرٌ﴾ الآية. قالت عائشة: نزلت في سودة بنت زمعة، توفيت في خلافة عمر بن الخطاب.
هند بنت عتبة
يقال: ماتت في خلافة عمر وقيل توفيت قبل ذلك كما تقدم فالله أعلم.
خلافة أمير المؤمنين عثمان بن عفان ﵁
ثم استهلت سنة أربع وعشرين
ففي أول يوم منها دفن أمير المؤمنين عمر بن الخطاب ﵁، وذلك يوم الأحد في قول وبعد ثلاث أيام بويع أمير المؤمنين عثمان بن عفان ﵁.
كان عمر ﵁ قد جعل الأمر بعده شورى بين ستة نفر وهم عثمان بن عفان، وعلى بن أبى طالب، وطلحة بن عبيد الله، والزبير بن العوام، وسعد بن أبى وقاص، وعبد الرحمن بن عوف ﵃. وتحرج أن يجعلها لواحد من هؤلاء على التعيين، وقال لا أتحمل أمرهم حيا وميتا،
стр. 2266
وإن يرد الله بكم خيرا يجمعكم على خير هؤلاء، كما جمعكم على خيركم بعد نبيكم ﷺ ، ومن تمام ورعه لم يذكر في الشورى سعيد بن زيد بن عمرو بن نفيل لأنه ابن عمه خشي أن يراعى فيولي لكونه ابن عمه، فلذلك تركه. وهو أحد العشرة المشهود لهم بالجنة، بل جاء في رواية المدائني عن شيوخه أنه استثناه من بينهم، وقال لست مدخله فيهم، وقال لأهل الشورى يحضركم عبد الله - يعنى ابنه - وليس إليه من الأمر شيء - يعنى بل يحضر الشورى ويشير بالنصح ولا يولى شيئا - وأوصى أن يصلى بالناس صهيب بن سنان الرومي ثلاثة أيام حتى تنقضي الشورى، وأن يجتمع أهل الشورى ويوكل بهم أناس حتى ينبرم الأمر، ووكل بهم خمسين رجلا من المسلمين وجعل عليهم مستحثا أبا طلحة الأنصاري، والمقداد بن الأسود الكندي، وقد قال عمر بن الخطاب: ما أظن الناس يعدلون بعثمان وعلى أحدا، إنهما كانا يكتبان الوحي بين يدي رسول الله ﷺ بما ينزل به جبريل عليه.
قالوا: فلما مات عمر ﵁ وأحضرت جنازته تبادر إليها على وعثمان أيهما يصلى عليه، فقال لهما عبد الرحمن بن عوف: لستما من هذا في شيء، إنما هذا إلى صهيب الّذي أمره عمر أن يصلى بالناس. فتقدم صهيب وصلى عليه، ونزل في قبره مع ابنه عبد الله أهل الشورى سوى طلحة فإنه كان غائبا، فلما فرغ من شأن عمر جمعهم المقداد بن الأسود في بيت المسور بن مخرمة، وقيل في حجرة عائشة، وقيل في بيت المال، وقيل في بيت فاطمة بنت قيس أخت الضحاك بن قيس، والأول أشبه والله أعلم. فجلسوا في البيت وقام أبو طلحة يحجبهم، وجاء عمرو بن العاص والمغيرة بن شعبة فجلسا من وراء الباب فحصبهم سعد بن أبى وقاص وطردهما وقال جئتما لتقولا حضرنا أمر الشورى؟ رواه المدائني عن مشايخه والله أعلم بصحته.
والمقصود أن القوم خلصوا من الناس في بيت يتشاورون في أمرهم، فكثر القول، وعلت الأصوات وقال أبو طلحة: إني كنت أظن أن تدافعوها ولم أكن أظن أن تنافسوها، ثم صار الأمر بعد حضور طلحة إلى أن فوض ثلاثة منهم ما لهم في ذلك إلى ثلاثة، ففوض الزبير ما يستحقه من الامارة إلى على، وفوض سعد ماله في ذلك إلى عبد الرحمن بن عوف، وترك طلحة حقه إلى عثمان ابن عفان ﵁، فقال عبد الرحمن لعلى وعثمان: أيكما يبرأ من هذا الأمر فنفوض الأمر إليه والله عليه والإسلام ليولين أفضل الرجلين الباقيين فأسكت الشيخان على وعثمان، فقال عبد الرحمن:
إني أترك حقي من ذلك والله على والإسلام أن أجتهد فأولى أولاكما بالحق، فقالا نعم! ثم خاطب كل واحد منهما بما فيه من الفضل، وأخذ عليه العهد والميثاق لئن ولاه ليعدلن ولئن ولى عليه ليسمعن وليطيعن، فقال كل منهما نعم! ثم تفرقوا، ويروى أن أهل الشورى جعلوا الأمر إلى عبد الرحمن ليجتهد للمسلمين في أفضلهم ليوليه، فيذكر أنه سأل من يمكنه سؤاله من أهل الشورى وغيرهم فلا
стр. 2267
يشير إلا بعثمان بن عفان، حتى أنه قال لعلى: أرأيت إن لم أو لك بمن تشير به على؟ قال: [بعثمان.
وقال لعثمان: أرأيت إن لم أولك بمن تشير به؟] (١) قال: بعلي بن أبى طالب. والظاهر أن هذا كان قبل أن ينحصر الأمر في ثلاثة، وينخلع عبد الرحمن منها لينظر الأفضل والله عليه والإسلام ليجتهدن في أفضل الرجلين فيوليه. ثم نهض عبد الرحمن بن عوف ﵁ يستشير الناس فيهما ويجمع رأى المسلمين برأي رءوس الناس وأقيادهم جميعا وأشتاتا، مثنى وفرادى، ومجتمعين، سرا وجهرا، حتى خلص إلى النساء المخدرات في حجابهن، وحتى سأل الولدان في المكاتب، وحتى سأل من يرد من الركبان والاعراب إلى المدينة، في مدة ثلاثة أيام بلياليها، فلم يجد اثنين يختلفين في تقدم عثمان بن عفان، إلا ما ينقل عن عمار والمقداد أنهما أشارا بعلي بن أبى طالب، ثم بايعا مع الناس على ما سنذكره، فسعى في ذلك عبد الرحمن ثلاثة أيام بلياليها لا يغتمض بكثير نوم إلا صلاة ودعاء واستخارة، وسؤالا من ذوى الرأى عنهم، فلم يجد أحدا يعدل بعثمان بن عفان ﵁، فلما كانت الليلة يسفر صباحها عن اليوم الرابع من موت عمر بن الخطاب جاء إلى منزل ابن أخته المسور بن مخرمة فقال: أنائم يا مسور؟ والله لم أغتمض بكثير نوم منذ ثلاث، اذهب فادع إلى عليا وعثمان قال المسور: فقلت بأيهما أبدأ؟ فقال بأيهما شئت، قال فذهبت إلى على فقلت أجب خالي، فقال أمرك أن تدعو معى أحدا؟ قلت: نعم! قال: من؟ قلت: عثمان بن عفان، قال: بأينا بدأ؟ قلت لم يأمرني بذلك، بل قال أدعو لي أيهما شئت أولا، فجئت إليك قال فخرج معى فلما مررنا بدار عثمان بن عفان جلس على حتى دخلت فوجدته يوتر مع الفجر، فقال لي كما قال لي على سواء، ثم خرج فدخلت بهما على خالي وهو قائم يصلى، فلما انصرف أقبل على على وعثمان فقال إنما قد سألت الناس عنكما فلم أجد أحدا يعدل بكما أحدا، ثم أخذ العهد على كل منهما أيضا لئن ولاه ليعدلن، ولئن ولى عليه ليسمعن وليطيعن، ثم خرج بهما إلى المسجد وقد لبس عبد الرحمن العمامة التي عممه رسول الله ﷺ ، وتقلد سيفا، وبعث إلى وجوه الناس من المهاجرين والأنصار، ونودي في الناس عامة الصلاة جامعة، فامتلأ المسجد حتى غص بالناس، وتراص الناس وتراصوا حتى لم يبق لعثمان موضع يجلس إلا في أخريات الناس - وكان رجلا حييا ﵁
ثم صعد عبد الرحمن بن عوف منبر رسول الله ﷺ ، فوقف وقوفا طويلا، ودعا دعاء طويلا، لم يسمعه الناس ثم تكلم فقال: أيها الناس، إني سألتكم سرا وجهرا بأمانيكم فلم أجدكم تعدلون بأحد هذين الرجلين إما على وإما عثمان، فقم إلى يا على، فقام إليه فوقف تحت المنبر فأخذ عبد الرحمن بيده فقال: هل أنت مبايعي على كتاب الله وسنة نبيه ﷺ وفعل أبى بكر وعمر؟ قال: اللهمّ لا ولكن على جهدي من ذلك وطاقتي، قال
стр. 2268
فأرسل يده وقال: قم إلى يا عثمان، فأخذ بيده فقال: هل أنت مبايعي على كتاب الله وسنة نبيه ﷺ وفعل أبى بكر وعمر؟ قال: اللهمّ نعم! قال: فرفع رأسه إلى سقف المسجد ويده في يد عثمان فقال اللهمّ اسمع واشهد، اللهمّ اسمع واشهد، اللهمّ اسمع واشهد، اللهمّ إني قد خلعت ما في رقبتي من ذلك في رقبة عثمان. قال وازدحم الناس يبايعون عثمان حتى غشوه تحت المنبر، قال فقعد عبد الرحمن مقعد النبي ﷺ وأجلس عثمان تحته على الدرجة الثانية، وجاء إليه الناس يبايعونه، وبايعه على بن أبى طالب أولا، ويقال آخرا. وما يذكره كثير من المؤخرين كابن جرير وغيره عن رجال لا يعرفون أن عليا قال لعبد الرحمن خدعتني، وإنك إنما وليته لأنه صهرك وليشاورك كل يوم في شأنه، وأنه تلكأ حتى قال له عبد الرحمن (فمن نكث فإنما ينكث على نفسه، ومن أوفى بما عاهد عليه الله فسيؤتيه أجراً عظيما) إلى غير ذلك من الأخبار المخالفة لما ثبت في الصحاح فهي مردودة على قائليها وناقليها والله أعلم.
والمظنون بالصحابة خلاف ما يتوهم كثير من الرافضة وأغبياء القصاص الذين لا تمييز عندهم بين صحيح الأخبار وضعيفها، ومستقيمها وسقيمها، ومبادها وقويمها، والله الموفق للصواب. وقد اختلف علماء السير في اليوم الّذي بويع فيه لعثمان بن عفان ﵁، فروى الوقدى عن شيوخه أنه بويع يوم الاثنين لليلة بقيت من ذي الحجة سنة ثلاث وعشرين، واستقبل بخلافته المحرم سنة أربع وعشرين، وهذا غريب جدا. وقد روى الواقدي أيضا عن ابن جرير عن ابن أبى مليكة قال:
بويع لعثمان بن عفان لعشر خلون من المحرم بعد مقتل عمر بثلاث ليال، وهذا أغرب من الّذي قبله، وكذا روى سيف بن عمر عن عامر الشعبي أنه قال: أجتمع أهل الشورى على عثمان لثلاث خلون من المحرم سنة أربع وعشرين، وقد دخل وقت العصر وقد أذن مؤذن صهيب، واجتمع الناس بين الأذان والإقامة فخرج فصلى بهم العصر. وقال سيف عن خليفة بن زفر ومجالد قالا: استخلف عثمان لثلاث خلون من المحرم سنة ثلاث وعشرين فخرج فصلى بالناس العصر، وزاد الناس - يعنى في أعطياتهم - مائة، ووفد أهل الأمصار، وهو أول من صنع ذلك. قلت: ظاهر ما ذكرناه من سياق بيعته يقتضي أن ذلك كان قبل الزوال، لكنه لما بايعه الناس في المسجد ذهب به إلى دار الشورى على ما تقدم فيها من الخلاف، فبايعه بقية الناس، وكأنه لم يتم البيعة إلا بعد الظهر وصلى صهيب يومئذ الظهر في المسجد النبوي وكان أول صلاة صلاها الخليفة أمير المؤمنين عثمان بن عفان بالمسلمين صلاة العصر، كما ذكره الشعبي وغيره. وأما أول خطبة خطبها بالمسلمين فروى سيف بن عمر عن بدر بن عثمان عن عمه قال لما بايع أهل الشورى عثمان خرج وهو أشدهم كآبة فأتى منبر النبي ﷺ فخطب الناس فحمد الله وأثنى عليه وصلى على النبي ﷺ ، وقال: إنكم في دار قلعة وفي بقية أعمار،
стр. 2269
فبادروا آجالكم بخير ما تقدرون عليه، فلقد أتيتم صبّحتم أو مسيتم، ألا وإن الدنيا طويت على الغرور فلا تغرنكم الحياة الدنيا ولا يغرنكم بالله الغرور، واعتبروا بمن مضى ثم جدوا ولا تغفلوا.
أين أبناء الدنيا وإخوانها الذين آثاروها وعمروها ومتعوا بها طويلا؟ ألم تلفظهم؟ ارموا بالدنيا حيث رمى الله بها، واطلبوا الآخرة فان الله قد ضرب لها مثلا، بالذي هو خير فقال تعالى (واضرب لهم مثل الحياة الدنيا كماء أنزلناه من السماء فاختلط به نبات الأرض فأصبح هشيما تذروه الرياح وكان الله على كل شيء مقتدرا، المال والبنون زينة الحياة الدنيا والباقيات الصالحات خير عند ربك ثوابا وخير أملا) قال: وأقبل الناس يبايعونه.
قلت وهذه الخطبة: إما بعد صلاة العصر يومئذ، أو قبل الزوال [وعبد الرحمن بن عوف جالس في رأس المنبر] (١) وهو الأشبه والله أعلم. وما يذكره بعض الناس من أن [عثمان لما خطب أول خطبة ارتج عليه فلم يدر ما يقول حتى قال: أيها الناس، إن] (٢) أول مركب صعب، وإن أعش فستأتيكم الخطبة على وجهها، فهو شيء يذكره صاحب العقد وغيره، ممن يذكر طرف الفوائد، ولكن لم أر هذا باسناد تسكن النفس إليه والله أعلم.
وأما قول الشعبي إنه زاد الناس مائة مائة - يعنى في عطاء كل واحد من جند المسلمين - زاده على ما فرض له عمر مائة درهم من بيت المال وكان عمر قد جعل لكل نفس من المسلمين في كل ليلة من رمضان درهما من بيت المال يفطر عليه، ولأمهات المؤمنين درهمين درهمين، فلما ولى عثمان أقر ذلك وزاده، واتخذ سماطا في المسجد أيضا للمتعبدين، والمعتكفين، وأبناء السبيل، والفقراء، والمساكين، ﵁. وقد كان أبو بكر إذا خطب يقوم على الدرجة التي تحت الدرجة التي كان رسول الله ﷺ يقف عليها، فلما ولى عمر نزل درجة أخرى عن درجة أبى بكر ﵄، فلما ولى عثمان قال إن هذا يطول، فصعد إلى الدرجة التي كان يخطب عليها رسول الله ﷺ وزاد الأذان الأول يوم الجمعة، قبل الأذان الّذي كان يؤذن به بين يدي رسول الله ﷺ إذا جلس على المنبر، وأما أول حكومة حكم فيها فقضية عبيد الله بن عمر، وذلك أنه غدا على ابنة أبى لؤلؤة قاتل عمر فقتلها، وضرب رجلا نصرانيا يقال له جفينة بالسيف فقتله وضرب الهرمزان الّذي كان صاحب تستر فقتله، وكان قد قيل إنهما مالئا أبا لؤلؤة على قتل عمر فالله أعلم.
وقد كان عمر قد أمر بسجنه ليحكم فيه الخليفة من بعده، فلما ولى عثمان وجلس للناس كان أول ما تحوكم إليه في شأن عبيد الله، فقال على: ما من العدل تركه، وأمر بقتله، وقال بعض المهاجرين:
أيقتل أبوه بالأمس ويقتل هو اليوم؟ فقال عمرو بن العاص: يا أمير المؤمنين قد برأك الله من ذلك،
стр. 2270
قضية لم تكن في أيامك فدعها عنك، فودى عثمان ﵁ أولئك القتلى من ماله، لأن أمرهم إليه، إذ لا وارث لهم إلا بيت المال، والامام يرى الأصلح في ذلك، وخلى سبيل عبيد الله. قالوا فكان زياد بن لبيد البياضي إذا رأى عبيد الله بن عمر يقول:
ألا يا عبيد الله مالك مهرب … ولا ملجأ من ابن أروى ولا خفر
أصبت دما والله في غير حله … حراما وقتل الهرمزان له خطر
على غير شيء غير أن قال قائل … أتتهمون الهرمزان على عمر
فقال سفيه والحوادث جمّة … نعم أتهمه قد أشار وقد أمر
وكان سلاح العبد في جوف بيته … يقلبها والأمر بالأمر يعتبر
قال: فشكا عبيد الله بن عمر زيادا إلى عثمان فاستدعى عثمان زياد بن لبيد فأنشأ زياد يقول في عثمان:
أبا عمرو عبيد الله رهن … فلا تشكك بقتل الهرمزان
[فإنك إن غفرت الجرم عنه … وأسباب الخطا فرسا رهان] (١)
أتعفو إذ عفوت بغير حق … فما لك بالذي يخلى يدان
قال فنهاه عثمان عن ذلك وزبره فسكت زياد بن لبيد عما يقول. ثم كتب عثمان بن عفان إلى عماله على الأمصار أمراء الحرب، والائمة على الصلوات، والأمناء على بيوت المال يأمرهم بالمعروف وينهاهم عن المنكر ويحثهم على طاعة الله وطاعة رسوله، ويحرضهم على الاتباع وترك الابتداع، قال ابن جرير: وفي هذه السنة عزل عثمان المغيرة بن شعبة عن الكوفة وولى عليها سعد بن أبى وقاص فكان أول عامل ولاه، لأن عمر قال: فان أصابت الامرة سعدا فذاك، وإلا فليستعن به أيكم ولى، فانى لم أعزله عن عجز ولا خيانة. فاستعمل سعدا عليها سنة وبعض أخرى، ثم رواه ابن جرير من طريق سيف عن مجالد عن الشعبي. وقال الواقدي فيما ذكره عن زيد بن أسلم عن أبيه أن عمر أوصى أن تقر عماله سنة، فلما ولى عثمان أقر المغيرة بن شعبة على الكوفة سنة [ثم عزله، واستعمل سعدا ثم عزله وولى الوليد بن عقبة بن أبى معيط. قال ابن جرير: فعلى ما ذكره الواقدي تكون ولاية سعد على الكوفة سنة] (٢) خمس وعشرين. قال ابن جرير: وفي هذه السنة - أعنى سنة أربع وعشرين - غزا الوليد بن عقبة أذربيجان وأرمينية حين منع أهلها ما كانوا صالحوا عليه أهل الإسلام في أيام عمر بن الخطاب، وهذا في رواية أبى مخنف، وأما في رواية غيره فان ذلك كان في سنة ست وعشرين، ثم ذكر ابن جرير: هاهنا هذه الوقعة وملخصها أن الوليد بن عقبة سار بجيش
стр. 2271
الكوفة نحو أذربيجان وأرمينية، حين نقضوا العهد فوطئ بلادهم وأغار بأراضى تلك الناحية فغنم وسبى وأخذ أموالا جزيلة فلما أيقنوا بالهلكة صالحهم أهلها على ما كانوا صالحوا عليه حذيفة بن اليمان ثمانمائة ألف درهم في كل سنة فقبض منهم جزية سنة ثم رجع سالما غانما الى الكوفة، فمر بالموصل.
وجاءه كتاب عثمان وهو بها يأمره أن يمد أهل الشام على حرب أهل الروم. قال ابن جرير: وفي هذه السنة جاشت الروم حتى خاف أهل الشام وبعثوا إلى عثمان ﵁ يستمدونه فكتب إلى الوليد بن عقبة: أن إذا جاءك كتابي هذا فابعث رجلا أمينا كريما شجاعا في ثمانية آلاف أو تسعة آلاف أو عشرة آلاف إلى إخوانكم بالشام. فقام الوليد بن عقبة في الناس خطيبا حين وصل إليه كتاب عثمان فأخبرهم بما أمره به أمير المؤمنين وندب الناس وحثهم على الجهاد ومعاونة معاوية وأهل الشام، وأمرّ سلمان بن ربيعة على الناس الذين يخرجون إلى الشام فانتدب في ثلاثة أيام ثمانية آلاف فبعثهم إلى الشام وعلى جند المسلمين حبيب بن مسلم الفهري، فلما اجتمع الجيشان شنوا الغارات على بلاد الروم فغنموا وسبوا شيئا كثيرا وفتحوا حصونا كثيرة ولله الحمد.
وزعم الواقدي أن الّذي أمد أهل الشام بسلمان بن ربيعة إنما هو سعيد بن العاص عن كتاب عثمان ﵁ فبعث سعيد بن العاص سلمان بن ربيعة بستة آلاف فارس حتى انتهى إلى حبيب ابن مسلمة وقد أقبل إليه الموريان الرومي في ثمانين ألفا من الروم والترك، وكان حبيب بن مسلمة شجاعا شهما فعزم على أن يبيت جيش الروم فسمعته امرأته يقول للأمراء ذلك فقالت له: فأين موعدي معك - تعنى أين أجتمع بك غدا - فقال لها: موعدك سرادق الموريان أو الجنة، ثم نهض إليهم في ذلك الليل بمن معه من المسلمين فقتل من أشرف له وسبقته امرأته إلى سرادق الموريان فكانت أول امرأة من العرب ضرب عليها سرادق وقد مات عنها حبيب بن مسلمة بعد ذلك، فخلف عليها بعده الضحاك بن قياس الفهري، فهي أم ولده. قال ابن جرير: واختلف فيمن حج بالناس في هذه السنة فقال الواقدي وأبو معشر: حج بهم عبد الرحمن بن عوف بأمر عثمان. وقال آخرون: حج بالناس عثمان بن عفان ﵁. والأول هو الأشهر فان عثمان لم يتمكن من الحج في هذه السنة لأجل رعاف أصابه مع الناس في هذه السنة حتى خشي عليه وكان يقال لهذه السنة سنة الرعاف، وفيها افتتح أبو موسى الأشعري الري بعد ما نقضوا العهد الّذي كان واثقهم عليه حذيفة ابن اليمان ﵁، وفيها توفى سراقة بن مالك بن جعشم المدلجي ويكنى بأبي سفيان، كان ينزل قديدا وهو الّذي اتبع رسول الله ﷺ وأبا بكر وعامر بن فهيرة وعبد الله بن أريقط الديليّ حين خرجوا من غار ثور قاصدين المدينة فأراد أن يردهم على أهل مكة لما جعلوا في كل واحد من النبي ﷺ ، وأبى بكر مائة مائة من الإبل، فطمع أن يفوز بهذا الجعل فلم يسلطه الله عليهم، بل
стр. 2272
لما اقترب منهم وسمع قراءة رسول الله ﷺ ساخت قوائم فرسه في الأرض حتى ناداهم بالأمان، فأعطوه الأمان، وكتب له أبو بكر كتاب أمان عن إذن رسول الله ﷺ ، [ثم قدم به بعد غزوة الطائف فأسلم وأكرمه النبي ﷺ ] (١)
وهو القائل: يا رسول الله أعمرتنا هذه لعامنا هذا أم للأبد؟ فقال له: «بل لأبد الأبد. دخلت العمرة في الحج إلى يوم القيامة».
ثم دخلت سنة خمس وعشرين
وفيها نقض أهل الاسكندرية العهد، وذلك أن ملك الروم بعث إليهم معويل الخصى في مراكب من البحر فطمعوا في النصرة ونقضوا ذمتهم، فغزاهم عمرو بن العاص في ربيع الأول، فافتتح الأرض عنوة وافتتح المدينة صلحا. وفيها حج بالناس عثمان بن عفان ﵁. وفيها في قول سيف عزل عثمان سعدا عن الكوفة وولى الوليد بن عقبة بن أبى معيط مكانه، فكان هذا مما نقم على عثمان.
وفيها وجه عمرو بن العاص عبد الله بن سعد بن أبى سرح لغزو بلاد المغرب، واستأذنه ابن أبى سرح في غزو إفريقية فأذن له ويقال فيها أيضا عزل عثمان عمرو بن العاص عن مصر وولى عليها عبد الله بن سعد بن أبى سرح، وقيل بل كان هذا في سنة سبع وعشرين كما سيأتي والله أعلم. وفيها فتح معاوية الحصون، وفيها ولد ابنه يزيد بن معاوية.
ثم دخلت سنة ست وعشرين
قال الواقدي: فيها أمر عثمان بتجديد أنصاب الحرم. وفيها وسع المسجد الحرام. وفيها عزل سعدا عن الكوفة وولاها الوليد بن عقبة، وكان سبب عزل سعد أنه اقترض من ابن مسعود مالا من بيت المال، فلما تقاضاه به ابن مسعود ولم يتيسر قضاؤه تقاولا، وجرت بينهما خصومة شديدة، فغضب عليهما عثمان فعزل سعدا واستعمل الوليد بن عقبة - وكان عاملا لعمر على عرب الجزيرة - فلما قدمها أقبل عليه أهلها فأقام بها خمس سنين وليس على داره باب، وكان فيه رفق برعيته. قال الواقدي: وفيها حج بالناس عثمان بن عفان ﵁. وقال غيره: وفيها افتتح عثمان بن أبى العاص سابور صلحا على ثلاثة آلاف ألف وثلاثمائة ألف.
ثم دخلت سنة سبع وعشرين
قال الواقدي وأبو معشر: وفيها عزل عثمان عمرو بن العاص عن مصر وولى عليها عبد الله بن سعد بن أبى سرح - وكان أخا عثمان لأمه - وهو الّذي شفع له يوم الفتح حين كان أهدر رسول الله ﷺ دمه.
غزوة إفريقية
أمر عثمان عبد الله بن سعد بن أبى سرح أن يغزو بلاد إفريقية فإذا افتتحها الله عليه فله خمس
стр. 2273
الخمس من الغنيمة نفلا، فسار إليها في عشرة آلاف فافتتحها سهلها وجبلها، وقتل خلقا كثيرا من أهلها، ثم اجتمعوا على الطاعة والإسلام، وحسن إسلامهم، وأخذ عبد الله بن سعد خمس الخمس من الغنيمة وبعث بأربعة أخماسه إلى عثمان، وقسم أربعة أخماس الغنيمة بين الجيش، فأصاب الفارس ثلاثة آلاف دينار والراجل ألف دينار. قال الواقدي: وصالحه بطريقها على ألفى ألف دينار وعشرين ألف دينار، فأطلقها كلها عثمان في يوم واحد لآل الحكم ويقال لآل مروان.
غزوة الأندلس
لما افتتحت إفريقية بعث عثمان إلى عبد الله بن نافع بن عبد قيس وعبد الله بن نافع بن الحصين الفهريين من فورهما إلى الأندلس فأتياها من قبل البحر، وكتب عثمان إلى الذين خرجوا إليها يقول: إن القسطنطينية إنما تفتح من قبل البحر، وأنتم إذا فتحتم الأندلس فأنتم شركاء لمن يفتتح قسطنطينية في الأجر آخر الزمان والسلام، قال فساروا إليها فافتتحوها ولله الحمد والمنة.
وقعة جرجير والبربر مع المسلمين
لما قصد المسلمون وهم عشرون ألفا إفريقية، وعليهم عبد الله بن سعد بن أبى سرح، وفي جيشه عبد الله بن عمر، وعبد الله بن الزبير، صمد إليهم ملك البربر جرجير في عشرين ومائة ألف، وقيل في مائتي ألف، فلما تراءى الجمعان أمر جيشه فأحاطوا بالمسلمين هالة، فوقف المسلمون في موقف لم ير أشنع منه ولا أخوف عليهم منه، قال عبد الله بن الزبير: فنظرت إلى الملك جرجير من وراء الصفوف وهو راكب على برذون، وجاريتان تظلانه بريش الطواويس، فذهبت إلى عبد الله بن سعد بن أبى سرح فسألته أن يبعث معى من يحمى ظهري وأقصد الملك، فجهز معى جماعة من الشجعان، قال فأمر بهم فحموا ظهري وذهبت حتى خرقت الصفوف إليه - وهم يظنون أنى في رسالة إلى الملك - فلما اقتربت منه أحس منى الشر ففر على برذونه، فلحقته فطعنته برمحي، وذففت عليه بسيفي، وأخذت رأسه فنصبته على رأس الرمح وكبرت، فلما رأى ذلك البربر فرقوا وفروا كفرار القطا، واتبعهم المسلمون يقتلون ويأسرون فغنموا غنائم جمة وأموالا كثيرة، وسبيا عظيما، وذلك ببلد يقال له سبيطلة - على يومين من القيروان - فكان هذا أول موقف اشتهر فيه أمر عبد الله بن الزبير ﵁ وعن أبيه وأصحابهما أجمعين.
قال الواقدي: وفي هذه السنة افتتحت إصطخر ثانية على يدي عثمان بن أبى العاص، وفيها غزا معاوية قنسرين، وفيها حج بالناس عثمان بن عفان. قال ابن جرير قال بعضهم وفي هذه السنة غزا معاوية قبرص، وقال الواقدي: كان ذلك في سنة ثمان وعشرين. وقال أبو معشر: غزاها معاوية سنة ثلاث وثلاثين فالله أعلم.
стр. 2274
ثم دخلت سنة ثمان وعشرين
فتح قبرص
ففيها ذكر ابن جرير فتح قبرس تبعا للواقدي، وهي جزيرة غربي بلاد الشام في البحر، مخلصة وحدها، ولها ذنب مستطيل إلى نحو الساحل مما يلي دمشق، وغربيها أعرضها، وفيها فواكه كثيرة، ومعادن، وهي بلد جيد، وكان فتحها على يدي معاوية بن أبى سفيان، ركب إليها في جيش كثيف من المسلمين ومعه عبادة بن الصامت وزوجته أم حرام بنت ملحان التي تقدم حديثها في ذلك حين نام رسول الله ﷺ في بيتها ثم استيقظ يضحك فقالت: ما أضحكك يا رسول الله؟ فقال: «ناس من أمتى عرضوا على يركبون ثبج هذا البحر مثل الملوك على الأسرة». فقالت:
يا رسول ادع الله أن يجعلني منهم. فقال «أنت منهم» ثم نام فاستيقظ وهو يضحك فقال مثل ذلك فقالت: ادع الله أن يجعلني منهم فقال: «أنت من الأولين» فكانت في هذه الغزوة وماتت بها وكانت الثانية عبارة عن غزوة قسطنطينية بعد هذا كما سنذكره. والمقصود أن معاوية ركب البحر في مراكب فقصد الجزيرة المعروفة بقبرص ومعه جيش عظيم من المسلمين، وذلك بأمر عثمان بن عفان ﵁ له في ذلك بعد سؤاله إياه، وقد كان سأل في ذلك عمر بن الخطاب فأبى أن يمكنه من حمل المسلمين على هذا الخلق العظيم الّذي لو اضطرب لهلكوا عن آخرهم، فلما كان عثمان لحّ معاوية عليه في ذلك فأذن له فركب في المراكب فانتهى إليها، ووافاه عبد الله بن سعد بن أبى سرح إليها من الجانب الآخر، فالتقيا على أهلها فقتلوا خلقا كثيرا وسبوا سبايا كثيرة، وغنموا مالا جزيلا جيدا، ولما جيء بالأسارى جعل أبو الدرداء يبكى، فقال له جبير بن نفير: أتبكي وهذا يوم أعز الله فيه الإسلام وأهله؟ فقال: ويحك إن هذه كانت أمة قاهرة لهم ملك، فلما ضيعوا أمر الله صيرهم إلى ما ترى، سلط الله عليهم السبي، وإذا سلط على قوم السبي فليس لله فيهم حاجة، وقال ما أهون العباد على الله تعالى إذا تركوا أمره؟! ثم صالحهم معاوية على سبعة آلاف دينار في كل سنة، وهادنهم، فلما أرادوا الخروج منها قدمت لأم حرام بغلة لتركبها فسقطت عنها فاندقت عنقها فماتت هناك فقبرها هنالك يعظمونه ويستسقون به ويقولون قبر المرأة الصالحة.
قال الواقدي: وفي هذه السنة غزا حبيب بن مسلمة سورية من أرض الروم. وتزوج عثمان نائلة بنت الفرافصة الكلبية - وكانت نصرانية فأسلمت قبل أن يدخل بها - وفيها بنى عثمان داره بالمدينة الزوراء. وفيها حج بالناس أمير المؤمنين عثمان بن عفان ﵁.
ثم دخلت سنة تسع وعشرين
ففيها عزل عثمان بن عفان أبا موسى الأشعري عن البصرة، بعد عمله ست سنين وقيل ثلاث،
стр. 2275
وأمر عليها عبد الله بن عامر بن كريز بن ربيعة بن حبيب بن عبد شمس، وهو ابن خال عثمان بن عفان، وجمع له بين جند أبى موسى وجند عثمان بن أبى العاص وله من العمر خمس وعشرون سنة، فأقام بها ست سنين. وفي هذه السنة افتتح عبد الله بن عامر فارس في قول الواقدي وأبى معشر.
وزعم سيف أنه كان قبل هذه السنة فالله أعلم.
وفيها وسع عثمان بن عفان مسجد النبي ﷺ ، وبناه بالقصة - وهي الكلس - كان يؤتى به من بطن نخل والحجارة المنقوشة، وجعل عمده حجارة مرصعة، وسقفه بالساج، وجعل طوله ستين ومائة ذراع، وعرضه خمسين ومائة ذراع، وجعل أبوابه ستة، على ما كانت عليه في زمان عمر بن الخطاب، ابتدأ بناءه في ربيع الأول منها.
وفيها حج بالناس عثمان بن عفان، وضرب له بمنى فسطاطا فكان أول فسطاطا ضربه عثمان بمنى، وأتم الصلاة عامه هذا، فأنكر ذلك عليه غير واحد من الصحابة، كعليّ وعبد الرحمن بن عوف وعبد الله بن مسعود، حتى قال ابن مسعود ليت حظي من أربع ركعات ركعتان متقبلتان، وقد ناظره عبد الرحمن بن عوف فيما فعله، فروى ابن جرير أنه قال: تأهلت بمكة، فقال له: ولك أهل بالمدينة وإنك تقوم حيث أهلك بالمدينة. قال: وإن لي مالا بالطائف أريد أن أطلعه بعد الصدر، قال: إن بينك وبين الطائف مسيرة ثلاث، فقال: وإن طائفة من أهل اليمن قالوا: إن الصلاة بالحضر ركعتان فربما رأوني أصلى ركعتين فيحتجون بى، فقال له: قد كان رسول الله ﷺ ينزل عليه الوحي والناس يومئذ الإسلام فيهم قليل، وكان يصلى هاهنا ركعتين، وكان أبو بكر يصلى هاهنا ركعتين، وكذلك عمر بن الخطاب، وصليت أنت ركعتين صدرا من إمارتك، قال فسكت عثمان ثم قال: إنما هو رأى رأيته.
سنة ثلاثين من الهجرة النبويّة
فيها افتتح سعيد بن العاص طبرستان في قول الواقدي وأبى معشر والمدائني، وقال: هو أول من غزاها. وزعم سيف أنهم كانوا صالحوا سويد بن مقرن قبل ذلك على أن لا يغزوها، على مال بذله له أصبهبذها فالله أعلم. فذكر المدائني أن سعيد بن العاص ركب في جيش فيه الحسن والحسين، والعبادلة الأربعة، وحذيفة بن اليمان، في خلق من الصحابة فسار بهم فمر على بلدان شتى يصالحونه على أموال جزيلة، حتى انتهى إلى بلد معاملة جرجان، فقاتلوه حتى احتاجوا إلى صلاة الخوف، فسأل حذيفة: كيف صلى رسول الله ﷺ ؟ فأخبره فصلى كما أخبره، ثم سأله أهل ذلك الحصن الأمان، فأعطاهم على أن لا يقتل منهم رجلا واحدا ففتحوا الحصن فقتلهم إلا رجلا واحدا، وحوى ما كان في الحصن، فأصاب رجل من بنى نهد سفطا مقفولا فاستدعى به سعيد؟ ففتحوه فإذا
стр. 2276
فيه خرقة سوداء مدرجة فنشروها، فإذا فيها خرقة حمراء فنشروها، وإذا داخلها خرقة صفراء، وفيها إيران كميت وورد. فقال شاعر يهجو بهما بنى نهد.
آب الكرام بالسبايا غنيمة … وفاز بنو نهد بايرين في سفط
كميت وورد وافرين كلاهما … فظنوهما غنما فناهيك من غلط
قالوا: ثم نقض أهل جرجان ما كان صالحهم عليه سعيد بن العاص، وامتنعوا عن أداء المال الّذي ضربه عليهم - وكان مائة ألف دينار وقيل مائتي ألف دينار وقيل ثلاثمائة ألف دينار - ثم وجه إليهم يزيد بن المهلب بعد ذلك كما سنذكره إن شاء الله تعالى.
وفي هذه السنة عزل عثمان بن عفان الوليد بن عقبة عن الكوفة، وولى عليها سعيد بن العاص وكان سبب عزله أنه صلى بأهل الكوفة الصبح أربعا ثم التفت فقال أزيدكم؟ فقال قائل: ما زلنا منك منذ اليوم في زيارة. ثم إنه تصدى له جماعة يقال كان بينهم وبينه شنئان، فشكوه إلى عثمان، وشهد بعضهم عليه أنه شرب الخمر وشهد آخر أنه رآه يتقاياها، فأمر عثمان بإحضاره وأمر بجلده، فيقال إن عليا نزع عنه حلته، وأن سعيد بن العاص جلده بين يدي عثمان بن عفان، وعزله وأمر مكانه على الكوفة سعيد بن العاص.
وفي هذه السنة سقط خاتم النبي ﷺ من يد عثمان في بئر أريس، وهي على ميلين من المدينة، وهي من أقل الآبار ماء، فلم يدرك خبره بعد بذل مال جزيل، والاجتهاد في طلبه، حتى الساعة، فاستخلف عثمان بعده خاتما من فضة، ونقش عليه محمد رسول الله، فلما قتل عثمان ذهب الخاتم فلم يدر من أخذه. وقد روى ابن جرير هاهنا حديثا طويلا في اتخاذ النبي ﷺ خاتما من ذهب، ثم من فضة، وبعثه عمر بن الخطاب إلى كسرى، ثم دحية إلى قيصر، وأن الخاتم الّذي كان في يد النبي ﷺ ثم في يد أبى بكر ثم في يد عمر ثم في يد عثمان ست سنين، ثم إنه وقع في بئر أريس، وقد تقدم بعض هذا في الصحيح. وفي هذه السنة وقع بين معاوية وأبى ذر بالشام، وذلك أن أبا ذر أنكر على معاوية بعض الأمور، وكان ينكر على من يقتنى مالا من الأغنياء ويمنع أن يدخر فوق القوت، ويوجب أن يتصدق بالفضل، ويتأول قول الله ﴿وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلا يُنْفِقُونَها فِي سَبِيلِ اللهِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذابٍ أَلِيمٍ﴾ فينهاه معاوية عن إشاعة ذلك فلا يمتنع، فبعث يشكوه إلى عثمان، فكتب عثمان إلى أبى ذر أن يقدم عليه المدينة، فقدمها فلامه عثمان على بعض ما صدر منه، واسترجعه فلم يرجع فأمره بالمقام بالربذة - وهي شرقى المدينة -
ويقال إنه سأل عثمان أن يقيم بها وقال: إن رسول الله ﷺ قال لي «إذا بلغ البناء سلعا فاخرج منها» وقد بلغ البناء سلعا، فأذن له عثمان بالمقام بالربذة وأمره أن يتعاهد المدينة في بعض الأحيان، حتى لا يرتد
стр. 2277
أعرابيا بعد هجرته، ففعل فلم يزل مقيما بها حتى مات على ما سنذكره ﵁.
وفي هذه السنة زاد عثمان النداء الثالث يوم الجمعة على الزوراء.
فصل
وممن ذكر شيخنا أبو عبد الله الذهبي أنه توفى في هذه السنة - أعنى سنة ثلاثين -. أبى بن كعب فيما صححه الواقدي.
جبار بن صخر
ابن أمية بن خنساء، أبو عبد الرحمن الأنصاري، عقبى بدري، وقد بعثه رسول الله ﷺ إلى خيبر خارصا، وقد توفى عن ستين سنة.
حاطب بن أبى بلتعة
ابن عمرو بن عمير اللخمي حليف بن أسد بن عبد العزى، شهد بدرا وما بعدها، وهو الّذي كان كتب إلى المشركين يعلمهم بعزم رسول الله ﷺ [على فتح مكة، فعذره رسول الله ﷺ ] (١) بما اعتذر به، ثم بعثه بعد ذلك برسالة إلى المقوقس ملك الاسكندرية.
الطفيل بن الحارث
ابن المطلب أخو عبيدة، وحصين، شهد بدرا. قال سعيد بن عمير: توفى في هذه السنة.
عبد الله بن كعب
ابن عمرو المازني أبو الحارث، وقيل أبو يحيى الأنصاري، شهد بدرا وكان على الخمس يومئذ.
عبد الله بن مظعون
أخو عثمان بن مظعون هاجر إلى الحبشة وشهد بدرا.
عياض بن زهير
ابن أبى شداد بن ربيعة بن هلال أبو سعيد القرشي الفهري، شهد بدرا وما بعدها.
مسعود بن ربيعة
وقيل ابن الربيع، أبو عمرو القارّي [شهد بدرا وما بعدها. توفى عن نيف وستين سنة.
معمر بن أبى سرح
ابن ربيعة بن هلال القرشي أبو سعد الفهري] (٢)، وقيل اسمه عمرو، بدري قديم الصحبة.
стр. 2278
أبو أسيد
مالك بن ربيعة قال الفلاس: مات في هذه السنة، والأصح أنه مات سنة أربعين، وقيل سنة ستين فالله أعلم.
ثم دخلت سنة إحدى وثلاثين
ففيها كانت غزوة الصواري، وغزوة الأساودة في البحر فيما ذكره الواقدي وقال أبو معشر:
كانت غزوة الصواري سنة أربع وثلاثين. وملخص ذلك فيما ذكره الواقدي وسيف وغيرهما أن الشام كان قد جمعها لمعاوية بن أبى سفيان لسنتين مضتا من خلافة عثمان بن عفان ﵁، وقد أحرزه غاية الحفظ وحمى حوزته، ومع هذا له في كل سنة غزوة في بلاد الروم في زمن الصيف، - ولهذا يسمون هذه الغزوة الصائفة - فيقتلون خلقا، ويأسرون آخرين، ويفتحون حصونا ويغنمون أموالا ويرعبون الأعداء، فلما أصاب عبد الله بن سعد بن أبى سرح من أصاب من الفرنج والبربر، ببلاد إفريقية والأندلس، حميت الروم واجتمعت على قسطنطين بن هرقل، وساروا إلى المسلمين في جمع لم ير مثله منذ كان الإسلام، خرجوا في خمسمائة مركب، وقصدوا عبد الله بن أبى سرح في أصحابه من المسلمين الذين ببلاد المغرب، فلما تراءى الجمعان بات الروم يقسقسون ويصلبون، وبات المسلمون يقرءون ويصلون، فلما أصبحوا صف عبد الله بن سعد أصحابه صفوفا في المراكب، وأمرهم بذكر الله وتلاوة القرآن، قال بعض من حضر ذلك: فأقبلوا إلينا في أمر لم ير مثله من كثرة المراكب، وعقدوا صواريها، وكانت الريح لهم وعلينا، فأرسينا ثم سكنت الريح عنا، فقلنا لهم: إن شئتم خرجنا نحن وأنتم إلى البر فمات الأعجل منا ومنكم، قال فنخروا نخرة رجل واحد وقالوا: الماء الماء، قال فدنونا منهم وربطنا سفننا بسفنهم، ثم اجتلدنا وإياهم بالسيوف، يثب الرجال على الرجال بالسيوف والخناجر، وضربت الأمواج في عيون تلك السفن حتى ألجأتها إلى الساحل وألقت الأمواج جثث الرجال إلى الساحل حتى صارت مثل الجبل العظيم، وغلب الدم على لون الماء، وصبر المسلمون يومئذ صبرا لم يعهد مثله قط، وقتل منهم بشر كثير، ومن الروم أضعاف ذلك، ثم أنزل الله نصره على المسلمين فهرب قسطنطين وجيشه - وقد قلوا جدا - وبه جراحات شديدة مكينة مكث حينا يداوي منها بعد ذلك، وأقام عبد الله بن سعد بذات الصواري أياما، ثم رجع مؤيدا منصورا مظفرا. قال الواقدي: فحدثني معمر عن الزهري قال: كان في هذه الغزوة محمد بن أبى حذيفة، ومحمد بن أبى بكر، فأظهرا عيب عثمان وما غير وما خالف أبا بكر وعمر، ويقولان دمه حلال لأنه استعمل عبد الله ابن سعد - وكان قد ارتد وكفر بالقرآن العظيم وأباح رسول الله ﷺ دمه، وأخرج رسول الله ﷺ أقواما واستعملهم عثمان، ونزع أصحاب رسول الله ﷺ واستعمل سعيد بن العاص وعبد الله بن
стр. 2279
عامر، فبلغ ذلك عبد الله بن سعد فقال: لا تركبا معنا، فركبا في مركب ما فيه أحد من المسلمين، ولقوا العدو فكانا أنكل المسلمين قتالا، فقيل لهما في ذلك فقالا: كيف نقاتل مع رجل لا ينبغي لنا أن نحكمه؟ فأرسل إليهما عبد الله بن سعد فنهاهما أشد النهى وقال: والله لولا لا أدرى ما يوافق أمير المؤمنين لعاقبتكما وحبستكما. قال الواقدي وفي هذه السنة فتحت أرمينية على يدي حبيب بن مسلمة. وفي هذه السنة قتل كسرى ملك الفرس.
كيفية قتل كسرى ملك الفرس وهو يزدجرد
قال ابن إسحاق: هرب يزدجرد من كرمان في جماعة يسيرة إلى مرو، فسأل من بعض أهلها مالا فمنعوه وخافوه على أنفسهم، فبعثوا إلى الترك يستفزونهم عليه، فأتوه فقتلوا أصحابه وهرب هو حتى أتى منزل رجل ينقر الأرحية على شط، فأوى إليه ليلا، فلما نام قتله. وقال المدائني: لما هرب بعد قتل أصحابه انطلق ماشيا عليه تاجه ومنطقته وسيفه، فانتهى إلى منزل هذا الرجل الّذي ينقر الأرحية فجلس عنده فاستغفله وقتله وأخذ ما كان عليه، وجاءت الترك في طلبه فوجدوه قد قتله وأخذ حاصله، فقتلوا ذلك الرجل وأهل بيته وأخذوا ما كان مع كسرى، ووضعوا كسرى في تابوت وحملوه إلى إصطخر، وقد كان يزدجرد وطئ امرأة من أهل مرو قبل أن يقتل فحملت منه ووضعت بعد قتله غلاما ذاهب الشق وسمى ذلك الغلام المخدج، وكان له نسل وعقب في خراسان، وقد سبى قتيبة بن مسلم في بعض غزواته بتلك البلاد جاريتين من نسله، فبعث بإحداهما إلى الحجاج، فبعث بها إلى الوليد بن عبد الملك فولدت له ابنه يزيد بن الوليد الملقب بالناقص. وقال المدائني في رواية عن بعض شيوخه: إن يزدجرد لما انهزم عنه أصحابه عقر جواده وذهب ماشيا حتى دخل رحى على شط نهر يقال له المرعاب فمكث فيه ليلتين والعدو في طلبه فلم يدر أين هو، ثم جاء صاحب الرحى فرأى كسرى وعليه أبهته، فقال له: ما أنت؟ إنسي أم جنى؟ قال: إنسي، فهل عندك طعام؟ قال: نعم! فأتاه بطعام فقال: إني مزمزم فأتنى بما أزمزم به، قال: فذهب الطحان إلى أسوار من الأساورة فطلب منه ما يزمزم به، قال: وما تصنع به؟ قال: عندي رجل لم أر مثله قط وقد طلب منى هذا، فذهب به الأسوار إلى ملك البلد - مرو واسمه ماهويه بن باباه - فأخبره خبره، فقال هو يزدجرد، اذهبوا فجيئوني برأسه، فذهبوا مع الطحان [فلما دنوا من دار الرحى هابوا أن يقتلوه وتدافعوا وقالوا للطحان] (١) ادخل أنت فأقتله، فدخل فوجده نائما فأخذ حجرا فشدخ به رأسه ثم احتزه فدفعه إليهم وألقى جسده في النهر، فخرجت العامة إلى الطحان فقتلوه، وخرج أسقف فأخذ جسده من النهر وجعله في تابوت وحمله إلى إصطخر فوضعه في ناووس، ويروى أنه مكث في منزل ذلك الطحان ثلاثة أيام لا يأكل
стр. 2280
حتى رق له وقال له: ويحك يا مسكين ألا تأكل؟ وأتاه بطعام فقال: إني لا أستطيع أن آكل إلا بزمزمة، فقال له: كل وأنا أزمزم لك، فسأل أن يأتيه بمزمزم، فلما ذهب يطلب له من بعض الأساورة شموا رائحة المسك من ذلك الرجل، فأنكروا رائحة المسك منه فسألوه فأخبرهم فقال: إن عندي رجلا من صفته كيت وكيت، فعرفوه وقصدوه مع الطحان وتقدم الطحان فدخل عليه وهم بالقبض عليه فعرف يزدجرد ذلك فقال له: ويحك خذ خاتمي وسواري ومنطقتي ودعني أذهب من هاهنا، فقال لا، أعطني أربعة دراهم وأنا أطلقك، فزاده إحدى قرطيه من أذنه فلم يقبل حتى يعطيه أربعة دراهم أخرى، فهم في ذلك إذ دهمهم الجند فلما أحاطوا به وأرادوا قتله قال: ويحكم لا تقتلوني فانا نجد في كتبنا أن من اجترأ على قتل الملوك عاقبه الله بالحريق في الدنيا مع ما هو قادم عليه، فلا تقتلوني واذهبوا بى إلى الملك أو إلى العرب، فإنهم يستحيون من قتل الملوك، فأبوا عليه ذلك فسلبوه ما كان عليه من الحلي فجعلوه في جراب وخنقوه بوتر وألقوه في النهر فتعلق بعود فأخذه أسقف - واسمه إيليا - فنحن عليه مما كان من أسلافه من الإحسان إلى النصارى الذين كانوا ببلادهم، فوضعه في تابوت ودفنه في ناووس، ثم حمل ما كان عليه من الحلي إلى أمير المؤمنين عثمان بن عفان، ففقد قرط من حليه فبعث إلى دهقان تلك البلاد فأغرم ذلك. وكان ملك يزدجرد عشرين سنة، منها أربع سنين في دعة، وباقي ذلك هاربا من بلد إلى بلد، خوفا من الإسلام وأهله، وهو آخر ملوك الفرس في الدنيا على الإطلاق،
لقول رسول الله ﷺ «إذا هلك قيصر فلا قيصر بعده، وإذا هلك كسرى فلا كسرى بعده والّذي نفسي بيده لتنفقن كنوزهما في سبيل الله» رواه البخاري.
وثبت في الحديث الصحيح أنه لما جاء كتاب النبي ﷺ مزقه، فدعا عليه النبي ﷺ أن يمزق كل ممزق، فوقع الأمر كذلك، وفي هذه السنة فتح ابن عامر فتوحات كثيرة كان قد نقض أهلها ما كان لهم من الصلح، فمن ذلك ما فتح عنوة، ومن ذلك ما فتح صلحا، فكان في جملة ما صالح عليه بعض المدائن وهي مرو على ألفى ألف ومائتي ألف، وقيل على ستة آلاف ألف ومائتي ألف.
وفي هذه السنة حج بالناس عثمان بن عفان ﵁.
ثم دخلت سنه ثنتين وثلاثين
وفيها غزا معاوية بلاد الروم حتى بلغ المضيق - مضيق القسطنطينية - ومعه زوجته عاتكة، ويقال فاطمة بنت قرطة بن عبد عمرو بن نوفل بن عبد مناف. قاله أبو معشر والواقدي: وفيها استعمل سعيد بن العاص سلمان بن ربيعة على جيش وأمره أن يغزو الباب، وكتب إلى عبد الرحمن بن ربيعة نائب تلك الناحية بمساعدته، فسار حتى بلغ بلنجر فحصروها ونصبت عليها المجانيق والعرادات. ثم إن أهل بلنجر خرجوا إليهم وعاونهم الترك فاقتتلوا قتالا شديدا - وكانت الترك تهاب