← История

История · id 23708

البداية والنهاية - ط السعادة

ابن كثير

Полный текст (4 918 стр.). Показаны 2486–2525 · переход к 2491.

стр. 2486

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ فصل في ذكر شيء من سيرته العادلة وسريرته الفاضلة ومواعظه وقضاياه الفاصلة وخطبه الكاملة وحكمه التي هي إلى القلوب واصله قال عبد الوارث عن أبى عمرو بن العلاء عن أبيه قال: خطب على الناس فقال: أيها الناس! والله الّذي لا إله إلا هو ما زريت من مالكم قليلا ولا كثيرا إلا هذه - وأخرج قارورة من كم قميصه فيها طيب - فقال: أهداها إلى الدهقان، - وفي رواية بضم الدال -، وقال: ثم أتى بيت المال فقال: خذوا وأنشأ يقول: أفلح من كانت له قوصرة … يأكل منها كل يوم تمرة وفي رواية: مرة. وفي رواية طوبى لمن كانت له قوصره. وقال حرملة عن ابن وهب عن ابن لهيعة عن ابن هبيرة عن عبد الله بن أبى رزين الغافقي قال: دخلنا مع على يوم الأضحى فقرب إلينا خزيرة فقلنا: أصلحك الله لو قدمت إلينا هذا البط والإوز، فان الله قد أكثر الخير فقال: يا ابن رزين إني سمعت رسول الله ﷺ يقول: «لا يحل للخليفة من مال الله إلا قصعتان، قصعة يأكلها

стр. 2487

هو وأهله، وقصعة يطعمها بين الناس». وقال الامام أحمد: حدثنا حسن وأبو سعيد مولى بنى هاشم قالا: ثنا ابن لهيعة ثنا عبد الله بن هبيرة عن عبد الله بن رزين أنه قال: دخلت على على بن أبى طالب، قال حسن يوم الأضحى: فقرب إلينا خزيرة، فقلنا: أصلحك الله لو أطعمتنا هذا البط؟ - يعنى الإوز - فان الله قد أكثر الخير، قال: يا ابن رزين إني سمعت رسول الله ﷺ يقول: «لا يحل للخليفة من مال الله إلا قصعتان، قصعة يأكلها هو وأهله، وقصعة يضعها بين يدي الناس» وقال أبو عبيد: ثنا عباد بن العوام عن مروان بن عنترة عن أبيه قال: دخلت على على بن أبى طالب بالخورنق وعليه قطيفة وهو يرعد من البرد فقلت: يا أمير المؤمنين إن الله قد جعل لك ولأهل بيتك نصيبا في هذا المال وأنت ترعد من البرد؟ فقال: إني والله لا أرزأ من مالكم شيئا، وهذه القطيفة هي التي خرجت بها من بيتي - أو قال من المدينة - وقال أبو نعيم: سمعت سفيان الثوري يقول: ما بنى على لبنة ولا قصبة على لبنة، وإن كان ليؤتى بحبوبه من المدينة في جراب. وقال يعقوب بن سفيان: ثنا أبو بكر الحميدي ثنا سفيان أبو حسان عن مجمع بن سمعان التيمي قال: خرج على بن أبى طالب بسيفه إلى السوق فقال: من يشترى منى سيفي هذا؟ فلو كان عندي أربعة دراهم أشترى بها إزارا ما بعته. وقال الزبير بن بكار: حدثني سفيان عن جعفر قال - أظنه عن أبيه - إن عليا كان إذا لبس قميصا مد يده في كمه فما فضل من الكم عن أصابعه قطعه وقال: ليس للكم فضل عن الأصابع. وقال أبو بكر بن عياش عن يزيد بن أبى زياد عن مقسم عن ابن عباس قال: اشترى على قميصا بثلاثة دراهم وهو خليفة وقطع كمه من موضع الرسغين، وقال: الحمد لله الّذي هذا من رياشه. وروى الامام أحمد في الزهد عن عباد بن العوام عن هلال بن حبان عن مولى لأبى غصين قال: رأيت عليا خرج فأتى رجلا من أصحاب الكرابيس فقال له: عندك قميص سنبلاني؟ قال: فأخرج إليه قميصا فلبسه فإذا هو إلى نصف ساقيه، فنظر عن يمينه وعن شماله فقال: ما أرى إلا قدرا حسنا، بكم هذا؟ قال: بأربعة دراهم يا أمير المؤمنين، قال: فحلها من إزاره فدفعها إليه ثم انطلق. وقال محمد بن سعد: أنا الفضل بن دكين أنا الحسن بن جرموز عن أبيه قال: رأيت عليا وهو يخرج من القصر وعليه قبطيتان إزار إلى نصف الساق ورداء مشمر قريب منه، ومعه درة له يمشى بها في الأسواق وبأمر الناس بتقوى الله وحسن البيع ويقول: أوفوا الكيل والميزان، ويقول: لا تنفخوا اللحم. وقال عبد الله بن المبارك في الزهد: أنا رجل حدثني صالح بن ميثم ثنا يزيد بن وهب الجهنيّ قال: خرج علينا على بن أبى طالب ذات يوم وعليه بردان متزر بأحدهما مرتد بالآخر قد أرخى جانب إزاره ورفع جانبا، قد رفع إزاره بخرقة فمر به أعرابى فقال: أيها الإنسان البس من هذه الثياب فإنك ميت أو مقتول. فقال: أيها الأعرابي إنما ألبس هذين الثوبين ليكونا أبعد لي

стр. 2488

من الزهو، وخيرا لي في صلاتي، وسنة للمؤمن. وقال عبد بن حميد: ثنا محمد بن عبيد ثنا المختار بن نافع عن أبى مطر قال: خرجت من المسجد فإذا رجل ينادى من خلفي: ارفع إزارك فإنه أبقى لثوبك وأتقى لك، وخذ من رأسك إن كنت مسلما، فمشيت خلفه وهو مؤتزر بإزار ومرتد برداء ومعه الدرة كأنه أعرابى بدوي فقلت: من هذا؟ فقال لي رجل: أراك غريبا بهذا البلد. فقلت: أجل أنا رجل من أهل البصرة، فقال: هذا على بن أبى طالب أمير المؤمنين حتى انتهى إلى دار بنى أبى معيط وهو يسوق الإبل، فقال: بيعوا ولا تحلفوا فان اليمين تنفق السلعة وتمحق البركة، ثم أتى أصحاب التمر فإذا خادم تبكى فقال: ما يبكيك؟ فقالت: باعني هذا الرجل تمرا بدرهم فرده موالي فأبى أن يقبله، فقال له على: خذ تمرك وأعطها درهمها فإنها ليس لها أمر، فدفعه، فقلت: أتدري من هذا؟ فقال: لا فقلت: هذا على بن أبى طالب أمير المؤمنين، فصبت تمره وأعطاها درهمها. ثم قال الرجل: أحب أن ترضى عنى يا أمير المؤمنين، قال: ما أرضانى عنك إذا أوفيت الناس حقوقهم، ثم مر مجتازا بأصحاب التمر فقال: يا أصحاب التمر أطعموا المساكين يرب كسبكم. ثم مر مجتازا ومعه المسلمون حتى انتهى إلى أصحاب السمك فقال: لا يباع في سوقنا طافى. ثم أتى دار فرات - وهي سوق الكرابيس - فأتى شيخا فقال: يا شيخ أحسن بيعي في قميص بثلاثة دراهم، فلما عرفه لم يشتر منه شيئا، ثم آخر فلما عرفه لم يشتر منه شيئا، فأتى غلاما حدثا فاشترى منه قميصا بثلاثة دراهم وكمه ما بين الرسغين إلى الكعبين يقول في لبسه: الحمد لله الّذي رزقني من الرياش ما أتجمل به في الناس، وأواري به عورتي. فقيل له: يا أمير المؤمنين هذا شيء ترويه عن نفسك أو شيء سمعته من رسول الله ﷺ ؟ فقال: لا! بل شيء سمعته من رسول الله ﷺ يقوله عند الكسوة. فجاء أبو الغلام صاحب الثوب فقيل له: يا فلان قد باع ابنك اليوم من أمير المؤمنين قميصا بثلاثة دراهم، قال: أفلا أخذت منه درهمين؟ فأخذ منه أبوه درهما ثم جاء به إلى أمير المؤمنين وهو جالس مع المسلمين على باب الرحبة فقال: أمسك هذا الدرهم. فقال: ما شأن هذا الدرهم؟ فقال إنما ثمن القميص درهمين، فقال: باعني رضاي وأخذ رضاه. وقال عمرو بن شمر عن جابر الجعفي عن الشعبي قال: وجد على بن أبى طالب درعه عند رجل نصراني فأقبل به إلى شريح يخاصمه، قال: فجاء على حتى جلس جنب شريح وقال: يا شريح لو كان خصمي مسلما ما جلست إلا معه، ولكنه نصراني وقد قال رسول الله ﷺ : «إذا كنتم وإياهم في طريق فاضطروهم إلى مضايقه، وصغروا بهم كما صغر الله بهم من غير أن تطغوا» ثم قال: هذا الدرع درعي ولم أبع ولم أهب، فقال شريح للنصراني: ما تقول فيما يقول أمير المؤمنين؟ فقال النصراني: ما الدرع إلا درعي وما أمير المؤمنين عندي بكاذب، فالتفت شريح إلى على فقال: يا أمير المؤمنين هل من بينة؟ فضحك على وقال أصاب شريح، ما لي بينة، فقضى بها شريح للنصراني، قال فأخذه النصراني

стр. 2489

ومشى خطا ثم رجع فقال: أما أنا فأشهد أن هذه أحكام الأنبياء، أمير المؤمنين يدنيني إلى قاضيه يقضى عليه، أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، الدرع والله درعك يا أمير المؤمنين اتبعت الجيش وأنت منطلق إلى صفين فخرجت من بعيرك الأورق. فقال: أما إذ أسلمت فهي لك، وحمله على فرس. قال الشعبي: فأخبرني من رآه يقاتل الخوارج يوم النهروان. وقال سعيد بن عبيد عن على بن ربيعة: جاء جعدة بن هبيرة إلى على فقال: يا أمير المؤمنين يأتيك الرجلان أنت أحب إلى أحدهما من أهله وماله، والآخر لو يستطيع أن يذبحك لذبحك، فتقضى لهذا على هذا؟ قال: فلهزه على وقال: إن هذا شيء لو كان لي فعلت، ولكن إنما ذا شيء لله. وقال أبو القاسم البغوي: حدثني جدي ثنا على بن هاشم عن صالح بياع الأكسية عن جدته قالت: رأيت عليا اشترى تمرا بدرهم فحمله في ملحفته فقال رجل: يا أمير المؤمنين ألا نحمله عنك؟ فقال: أبو العيال أحق بحمله. وعن أبى هاشم عن زاذان قال: كان على يمشى في الأسواق وحده وهو خليفة يرشد الضال ويعين الضعيف ويمر بالبياع والبقال فيفتح عليه القرآن ويقرأ ﴿تِلْكَ الدّارُ الْآخِرَةُ نَجْعَلُها لِلَّذِينَ لا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الْأَرْضِ وَلا فَساداً﴾، ثم يقول: نزلت هذه الآية في أهل العدل والتواضع من الولاة وأهل القدرة من سائر الناس. وعن عبادة بن زياد عن صالح بن أبى الأسود عمن حدثه أنه رأى عليا قد ركب حمارا ودلى رجليه إلى موضع واحد ثم قال: أنا الّذي أهنت الدنيا. وقال يحيى بن معين عن على ابن الجعد عن الحسن بن صالح قال: تذاكروا الزهاد عند عمر بن عبد العزيز فقال قائلون: فلان، وقال قائلون: فلان، فقال عمر بن عبد العزيز: أزهد الناس في الدنيا على بن أبى طالب. وقال هشام ابن حسان: بينا نحن عند الحسن البصري إذ أقبل رجل من الأزارقة فقال: يا أبا سعيد ما تقول في على بن أبى طالب؟ قال: فاحمرت وجنتا الحسن وقال: رحم الله عليا، إن عليا كان سهما لله صائبا في أعدائه، وكان في محلة العلم أشرفها وأقربها إلى رسول الله ﷺ ، وكان رهباني هذه الأمة، لم يكن لمال الله بالسروقة، ولا في أمر الله بالنومة، أعطى القرآن عزائمه وعمله وعلمه، فكان منه في رياض مونقة، وأعلام بينة، ذاك على بن أبى طالب يا لكع. وقال هشيم عن يسار عن عمار. قال: حدث رجل على بن أبى طالب بحديث فكذبه فما قام حتى عمى: وقال أبو بكر بن أبى الدنيا. حدثني شريح بن يونس ثنا هشيم عن إسماعيل بن سالم عن عمار الحضرميّ عن زاذان أبى عمر أن رجلا حدث عليا بحديث فقال: ما أراك إلا قد كذبتني، قال: لم أفعل قال: أدعو عليك إن كنت كذبت، قال: ادع! فدعا فما برح حتى عمى. وقال ابن أبى الدنيا: حدثنا خلف بن سالم ثنا محمد بن بشر عن أبى مكين قال: مررت أنا وخالي أبو أمية على دار في محل حي من مراد، قال: ترى هذه الدار؟ قلت: نعم! قال: فان عليا مر عليها وهم يبنونها فسقطت عليه قطعة فشجته فدعا الله أن لا يكمل

стр. 2490

بناؤها، قال: فما وضعت عليها لبنة، قال: فكنت فيمن يمر عليها لا تشبه الدور. وقال ابن أبى الدنيا: حدثني عبد الله بن يونس بن بكير الشيباني عن أبيه عن عبد الغفار بن القاسم الأنصاري عن أبى بشير الشيباني. قال: شهدت الجمل مع مولاي فما رأيت يوما قط أكثر ساعدا نادرا وقدما نادرة من يومئذ، ولا مررت بدار الوليد قط إلا ذكرت يوم الجمل قال: فحدثني الحكم بن عيينة أن عليا دعا يوم الجمل فقال: اللهمّ خذ أيديهم وأقدامهم. ومن كلامه الحسن ﵁. قال ابن أبى الدنيا: حدثنا على بن الجعد أنا عمرو بن شمر حدثني إسماعيل السدي سمعت أبا أراكة يقول: صليت مع على صلاة الفجر فلما انفتل عن يمينه مكث كأن عليه كآبة حتى إذا كانت الشمس على حائط المسجد قيد رمح صلى ركعتين ثم قلب يده فقال: والله لقد رأيت أصحاب محمد ﷺ فلما أرى اليوم شيئا يشبههم، لقد كانوا يصبحون صفرا شعثا غبرا بين أعينهم كأمثال ركب المعزى، قد باتوا لله سجدا وقياما يتلون كتاب الله يتراوحون بين جباههم وأقدامهم، فإذا أصبحوا فذكروا الله مادوا كما يميد الشجر في يوم الريح، وهملت أعينهم حتى تنبل ثيابهم، والله لكأن القوم باتوا غافلين، ثم نهض فما رئي بعد ذلك مفترا يضحك حتى قتله ابن ملجم عدو الله الفاسق. وقال وكيع عن عمرو بن منبه عن أوفى بن دلهم عن على بن أبى طالب أنه قال: تعلموا العلم تعرفوا به، واعملوا تكونوا من أهله، فإنه يأتى من بعدكم زمان ينكر فيه من الحق تسعة أعشاره، وإنه لا ينجو منه إلا كل أواب منيب، أولئك أئمة الهدى ومصابيح العلم ليسوا بالعجل المذاييع البذر، ثم قال: ألا وإن الدنيا قد ارتحلت مدبرة وإن الآخرة قد أتت مقبلة، ولكل واحدة بنون فكونوا من أبناء الآخرة ولا تكونوا من أبناء الدنيا، ألا وإن الزاهدين في الدنيا اتخذوا الأرض بساطا، والتراب فراشا، والماء طيبا، ألا من اشتاق إلى الآخرة سلا عن الشهوات، ومن أشفق من النار رجع عن المحرمات، ومن طلب الجنة سارع إلى الطاعات، ومن زهد في الدنيا هانت عليه المصائب، ألا إن لله عبادا كمن رأى أهل الجنة في الجنة مخلدين، وأهل النار في النار معذبين، شرورهم مأمونة، وقلوبهم محزونة، وأنفسهم عفيفة، وحوائجهم خفيفة، صبروا أياما قليلة لعقبي راحة طويلة، أما الليل فصافون أقدامهم، تجرى دموعهم على خدودهم، يجأرون إلى الله في فكاك رقابهم. وأما النهار فظماء حلماء بررة أتقياء، كأنهم القداح ينظر إليهم الناظر فيقول مرضى وما بالقوم من مرض، وخولطوا ولقد خالط القوم أمر عظيم. وعن الأصبغ بن نباتة قال: صعد على ذات يوم المنبر فحمد الله وأثنى عليه وذكر الموت فقال: عباد الله الموت ليس منه فوت، إن أقمتم له أخذكم، وإن فررتم منه أدرككم، فالنجا النجا، والوحا الوحا، إن وراءكم طالب حثيث القبر فاحذروا ضغطته وظلمته ووحشته، ألا وإن القبر حفرة من حفر النار، أو روضة من رياض

стр. 2491

الجنة، ألا وإنه يتكلم في كل يوم ثلاث مرات فيقول: أنا بيت الظلمة، أنا بيت الدود، أنا بيت الوحشة، ألا وإن وراء ذلك يوم يشيب فيه الصغير ويسكر فيه الكبير، ﴿وَتَضَعُ كُلُّ ذاتِ حَمْلٍ حَمْلَها، وَتَرَى النّاسَ سُكارى وَما هُمْ بِسُكارى وَلكِنَّ عَذابَ اللهِ شَدِيدٌ﴾ ألا وإن وراء ذلك ما هو أشد منه، نار حرها شديد، وقعرها بعيد، وجليها ومقامعها حديد، وماؤها صديد، وخازنها مالك ليس لله فيه رحمة. قال: ثم بكى وبكى المسلمون حوله، ثم قال: ألا وإن وراء ذلك جنة عرضها السموات والأرض أعدت للمتقين، جعلنا الله وإياكم من المتقين، وأجارنا وإياكم من العذاب الأليم. ورواه ليث بن أبى سليم عن مجاهد حدثني من سمع عليا فذكر نحوه. وقال وكيع عن عمرو بن منبه عن أوفى بن دلهم قال: خطب على فقال: أما بعد فان الدنيا قد أدبرت وآذنت بوداع، وإن الآخرة قد أقبلت وأشرفت باطلاع، وإن المضمار اليوم وغدا السباق، ألا وإنكم في أيام أمل من ورائه أجل، فمن قصر في أيام أمله قبل حضور أجله فقد خاب عمله، ألا فاعملوا لله في الرغبة كما تعملون له في الرهبة، ألا وإنه لم أر كالجنة نام طالبها، ولم أر كالنار نام هاربها، وإنه من لم ينفعه الحق ضره الباطل، ومن لم يستقم به الهدى حاد به الضلال، ألا وإنكم قد أمرتم بالظعن، وذللتم على الزاد، ألا أيها الناس إنما الدنيا عرض حاضر يأكل منها البر والفاجر، وإن الآخرة وعد صادق، يحكم فيها ملك قادر، ألا إن الشيطان يعدكم الفقر ويأمركم بالفحشاء، والله يعدكم مغفرة منه وفضلا والله واسع عليم. أيها الناس: أحسنوا في أعماركم تحفظوا في أعقابكم، فان الله وعد جنته من أطاعه، وأوعد ناره من عصاه، إنها نار لا يهدأ زفيرها، ولا يفك أسيرها، ولا يجبر كسيرها، حرها شديد، وقعرها بعيد، وماؤها صديد، وإن أخوف ما أخاف عليكم اتباع الهوى وطول الأمل. وفي رواية فان اتباع الهوى يصد عن الحق، وإن طول الأمل ينسى الآخرة. وعن عاصم بن ضمرة قال: ذم رجل الدنيا عند على فقال على: الدنيا دار صدق لمن صدقها، ودار نجاة لمن فهم عنها، ودار غنا وزاد لمن تزود منها، ومهبط وحي الله، ومصلى ملائكته، ومسجد أنبيائه، ومتجر أوليائه، ربحوا فيها الرحمة، واكتسبوا فيها الجنة، فمن ذا يذمها وقد آذنت بغيلها، ونادت بفراقها، وشابت بشرورها السرور، وببلائها الرغبة فيها والحرص عليها ترغيبا وترهيبا، فيا أيها الذام للدنيا المعلل نفسه بالأمالي متى خدعتك الدنيا أو متى اشتدت إليك؟ أبمصارع آبائك في البلى؟ أم بمضاجع أمهاتك تحت الثرى؟ كم مرضت بيديك، وعللت بكفيك، ممن تطلب له الشفاء، وتستوصف له الأطباء، لا يغنى عنه دواؤك، ولا ينفعه بكاؤك. وقال سفيان الثوري والأعمش عن عمرو بن مرة عن أبى البختري. قال: جاء رجل إلى على فأطراه - وكان يبغض عليا - فقال له: لست كما تقول، وأنا فوق ما في نفسك. وروى ابن عساكر أن رجلا قال لعلى: ثبتك الله قال: على صدرك. وقال ابن أبى الدنيا: حدثنا إسحاق بن إسماعيل ثنا

стр. 2492

سفيان بن عيينة عن أبى حمزة عن يحيى بن عقيل عن يحيى بن يعمر قال قال على: إن الأمر ينزل إلى السماء كقطر المطر لكل نفس ما كتب الله لها من زيادة أو نقصان في نفس أو أهل أو مال، فمن رأى نقصا في نفسه أو أهله أو ماله، ورأى لغيره عثرة فلا يكونن ذلك له فتنة، فان المسلم ما لم يعش دناه يظهر تخشعا لها إذا ذكرت، ويغرى به لئام الناس، كالبائس العالم ينتظر أول فورة من قداحه توجب له المغنم، وتدفع عنه المغرم فكذلك المسلم البريء من الخيانة بين إحدى الحسنيين، إذا ما دعا الله، فما عند الله خير له، وإما أن يرزقه الله مالا فإذا هو ذو أهل ومال ومعه حسبه ودينه، وإما أن يعطيه الله في الآخرة فالآخرة خير وأبقى، الحرث حرثان فحرث الدنيا المال والتقوى، وحرث الآخرة الباقيات الصالحات، وقد يجمعهما الله تعالى لأقوام. قال سفيان الثوري: ومن يحسن أن يتكلم بهذا الكلام إلا على؟ وقال عن زبيد اليامى عن مهاجر العامري قال: كتب على بن أبى طالب عهدا لبعض أصحابه على بلد فيه: أما بعد فلا تطولن حجابك على رعيتك، فان احتجاب الولاة عن الرعية شعبة الضيق، وقلة علم بالأمور، والاحتجاب يقطع عنهم علم ما احتجبوا دونه، فيضعف عندهم الكبير، ويعظم الصغير، ويقبح. الحسن، ويحسن القبيح، ويشاب الحق بالباطل، وإنما الوالي بشر لا يعرف ما يوارى عنه الناس به من الأمور، وليس على القوم سمات يعرف بها ضروب الصدق من الكذب، فتحصن من الإدخال في الحقوق بلين الحجاب، فإنما أنت أحد الرجلين، إما أمرؤ شحت نفسك بالبذل في الحق ففيم احتجابك من حق واجب عليك أن تعطيه؟ وخلق كريم تسد به؟ وإما مبتلى بالمنع والشح فما أسرع زوال نعمتك، وما أسرع كف الناس عن مسألتك إذا يئسوا من ذلك، مع أن أكثر حاجات الناس إليك ما لا مؤنة فيه عليك من شكاية مظلمة أو طلب انصاف، فانتفع بما وصفت لك واقتصر على حظك ورشدك إن شاء الله. وقال المدائني: كتب على إلى بعض عماله: رويدا فكأن قد بلغت المدى، وعرضت عليك أعمالك بالمحل الّذي ينادى المغتر بالحسرة، ويتمنى المضيع التوبة، والظالم الرجعة. وقال هشيم: أنا عمر بن أبى زائدة عن الشعبي قال: كان أبو بكر يقول الشعر، وكان عمر يقول الشعر، وكان على يقول الشعر، وكان على أشعر الثلاثة. ورواه هشام بن عمار عن إبراهيم بن أعين عن عمر بن أبى زائدة عن عبد الله بن أبى السفر عن الشعبي فذكره. وقال أبو بكر بن دريد قال وأخبرنا عن دماد عن أبى عبيدة قال: كتب معاوية إلى على: يا أبا الحسن إلى لي فضائل كثيرة، وكان أبى سيدا في الجاهلية، وصرت ملكا في الإسلام، وأنا صهر رسول الله ﷺ ، وخال المؤمنين، وكاتب الوحي. فقال على: أبا الفضائل يفخر على ابن آكلة الأكباد؟ ثم قال: اكتب يا غلام محمد النبي أخى وصهري … وحمزة سيد الشهداء عمى

стр. 2493

وجعفر الّذي يمسى ويضحى … يطير مع الملائكة ابن أمى وبنت محمد سكنى وعرسي … مسوط لحمها بدمى ولحمى وسبطا أحمد ولداي منها … فأيكم له سهم كسهمي سبقتكم إلى الإسلام طرا … صغيرا ما بلغت أوان حلمي قال فقال معاوية: أخفوا هذا الكتاب لا يقرأه أهل الشام فيميلون إلى ابن أبى طالب. وهذا منقطع بين أبى عبيدة وزمان على ومعاوية. وقال الزبير بن بكار وغيره: حدثني بكر بن حارثة عن الزهري عن عبد الرحمن بن كعب بن مالك عن جابر بن عبد الله قال: سمعت عليا ينشد ورسول الله ﷺ يسمع: أنا أخو المصطفى لا شك في نسبي … معه ربيت وسبطاه هما ولدى جدي وجد رسول الله منفرد … وفاطم زوجتي لا قول ذي فند صدقته وجميع الناس في بهم … من الضلالة والإشراك والنكد فالحمد لله شكرا لا شريك له … البرّ بالعبد والباقي بلا أمد قال: فتبسم رسول الله ﷺ وقال: «صدقت يا على» وهذا بهذا الاسناد منكر والشعر فيه ركاكة، وبكر هذا لا يقبل منه تفرده بهذا السند والمتن والله أعلم. وروى الحافظ ابن عساكر من طريق أبى زكريا الرمليّ: ثنا يزيد بن هارون عن نوح بن قيس عن سلامة الكندي عن الأصبغ ابن نباتة عن على أنه جاءه رجل فقال: يا أمير المؤمنين إن لي إليك حاجة فرفعتها إلى الله قبل أن أرفعها إليك، فإن أنت قضيتها حمدت الله وشكرتك، وإن أنت لم تقضها حمدت الله وعذرتك. فقال على: اكتب حاجتك على الأرض فانى أكره أن أرى ذل السؤال في وجهك، فكتب: إني محتاج، فقال على: على بحلة، فأتى بها فأخذها الرجل فلبسها، ثم أنشأ يقول: كسوتني حلة تبلى محاسنها … فسوف أكسوك من حسن الثنا حللا إن نلت حسن ثنائى نلت مكرمة … ولست أبغى بما قد قلته بدلا إن الثناء ليحيى ذكر صاحبه … كالغيث يحيى نداه السهل والجبلا لا تزهد الدهر في خير تواقعه … فكل عبد سيجزى بالذي عملا فقال على: على بالدنانير فأتى بمائة دينار فدفعها إليه، قال الأصبغ: فقلت يا أمير المؤمنين حلة ومائة دينار؟ قال: نعم! سمعت رسول الله ﷺ يقول: «أنزلوا الناس منازلهم» وهذه منزلة هذا الرجل عندي. وروى الخطيب البغدادي من طريق أبى جعفر أحمد بن إسحاق بن إبراهيم بن نبيط بن شريط عن أبيه عن جده قال قال على بن أبى طالب:

стр. 2494

إذا اشتملت على الناس القلوب … وضاق بما به الصدر الرحيب وأوطنت المكاره واطمأنت … وأرست في أماكنها الخطوب ولم تر لانكشاف الضر وجها … ولا أغنى بحيلته الأريب أتاك على قنوط منك غوث … يمنّ به القريب المستجيب وكل الحادثات إذا تناهت … فموصول بها الفرج القريب ومما أنشده أبو بكر محمد بن يحيى الصولي لأمير المؤمنين على بن أبى طالب: - ألا فاصبر على الحدث الجليل … وداو جواك بالصبر الجميل ولا تجزع فان أعسرت يوما … فقد أيسرت في الدهر الطويل ولا تظنن بربك ظن سوء … فان الله أولى بالجميل فان العسر يتبعه يسار … وقول الله أصدق كل قيل فلو أن العقول تجر رزقا … لكان الرزق عند ذوى العقول فكم من مؤمن قد جاع يوما … سيروى من رحيق السلسبيل فمن هوان الدنيا على الله أنه سبحانه يجيع المؤمن مع نفاسته، ويشبع الكلب مع خساسته، والكافر يأكل ويشرب، ويلبس ويتمتع، والمؤمن يجوع ويعرى، وذلك لحكمة اقتضتها حكمة أحكم الحاكمين. ومما أنشده على بن جعفر الوراق لأمير المؤمنين على بن أبى طالب أجد الثياب إذا اكتسيت فإنها … زين الرجال بها تعز وتكرم ودع التواضع في الثياب تخشعا … فالله يعلم ما تجن وتكتم فرثاث ثوبك لا يزيدك زلفة … عند الإله وأنت عبد مجرم وبهاء ثوبك لا يضرك بعد أن … تخشى الإله وتتقى ما يحرم وهذا كما جاء في الحديث: «إن الله لا ينظر إلى صوركم ولا إلى ثيابكم وإنما ينظر إلى قلوبكم وأعمالكم» وقال الثوري: ليس الزهد في الدنيا بلبس العبا ولا بأكل الخشن، إنما الزهد في الدنيا قصر الأمل. وقال أبو العباس محمد بن يزيد بن عبد الأكبر المبرد: كان مكتوبا على سيف على: للناس حرص على الدنيا وتدبير … وفي مراد الهوى عقل وتشمير وإن أتوا طاعة لله ربهم … فالعقل منهم عن الطاعات مأسور لأجل هذا وذاك الحرص قد مزجت … صفاء عيشاتها هم وتكدير لم يرزقوها بعقل عند ما قسمت … لكنهم رزقوها بالمقادير

стр. 2495

كم من أديب لبيب لا تساعده … ومائق نال دنياه بتقصير لو كان عن قوة أو عن مغالبة … طار البزاة بأرزاق العصافير وقال الأصمعي: ثنا سلمة بن بلال عن مجالد عن الشعبي قال قال على بن أبى طالب لرجل كره له صحبة رجل: فلا تصحب أخا الجهل … وإياك وإياه * فكم من جاهل جاهل … أودى حليما حين آخاه يقاس المرء بالمرء … إذا ما المرء ما شاه * وللشيء على الشى … مقاييس وأشباه وللقلب على القلب … دليل حين يلقاه وعن عمرو بن العلاء عن أبيه قال: وقف على على قبر فاطمة وأنشأ يقول: ذكرت أبا أروى فبت كأننى … برد الهموم الماضيات وكيل لكل اجتماع من خليلين فرقة … وكل الّذي قبل الممات قليل وإن افتقادي واحدا بعد واحد … دليل على أن لا يدوم خليل سيعرض عن ذكرى وتنسى مودتي … ويحدث بعدي للخليل خليل إذا انقطعت يوما من العيش مدتي … فان غناء الباكيات قليل وأنشد بعضهم لعلى ﵁: حقيق بالتواضع من يموت … ويكفى المرء من دنياه قوت فما للمرء يصبح ذا هموم … وحرص ليس تدركه النعوت صنيع مليكنا حسن جميل … وما أرزاقه عنا تفوت فيا هذا سترحل عن قليل … إلى قوم كلامهم السكوت وهذا الفصل يطول استقصاؤه وقد ذكرنا منه ما فيه مقنع لمن أراده ولله الحمد والمنة. وقال حماد بن سلمة عن أيوب السختياني أنه قال: من أحب أبا بكر فقد أقام الدين ومن أحب عمر فقد أوضح السبيل، ومن أحب عثمان فقد استنار بنور الله، ومن أحب عليا فقد استمسك بالعروة الوثقى، ومن قال الحسنى في أصحاب رسول الله ﷺ فقد برئ من النفاق. غريبة من الغرائب وآبدة من الأوابد قال ابن أبى خيثمة: ثنا أحمد بن منصور ثنا سيار ثنا عبد الرزاق قال قال معمر مرة وأنا مستقبله وتبسم وليس معنا أحد فقلت له: ما شأنك؟ قال: عجبت من أهل الكوفة كأن الكوفة إنما بنيت على حب على، ما كلمت أحدا منهم إلا وجدت المقتصد منهم الّذي يفضل عليا على أبى بكر وعمر، منهم سفيان الثوري، قال: فقلت لمعمر ورأيته؟ - كأنى أعظمت ذاك - فقال معمر: وما ذاك؟ لو أن

стр. 2496

رجلا قال على أفضل عندي منهما ما عبته إذا ذكر فضلهما ولو أن رجلا قال: عمر عندي أفضل من على وأبى بكر ما عنفته، قال عبد الرزاق: فذكرت ذلك لوكيع بن الجراح ونحن خاليين فاستهالها من سفيان وضحك وقال: لم يكن سفيان يبلغ بنا هذا الحد، ولكنه أفضى إلى معمر بما لم يفض إلينا، وكنت أقول لسفيان: يا أبا عبد الله أرأيت إن فضلنا عليا على أبى بكر وعمر ما تقول في ذلك؟ فيسكت ساعة ثم يقول: أخشى أن يكون ذلك طعنا على أبي بكر وعمر ولكنا نقف. قال عبد الرزاق: وأما ابن التيمي - يعنى معتمرا - فقال: سمعت أبى يقول: فضل على بن أبى طالب بمائة منقبة وشاركهم في مناقبهم، وعثمان أحب إلى منه. هكذا رواه ابن عساكر في تاريخه بسنده عن ابن أبى خيثمة به. وهذا الكلام فيه تخبيط كثير ولعله اشتبه على معمر فان المشهور عن بعض الكوفيين تقديم على على عثمان، فأما على الشيخين فلا، ولا يخفى فضل الشيخين على سائر الصحابة إلا على غبي، فكيف يخفى على هؤلاء الأئمة؟ بل قد قال غير واحد من العلماء - كأيوب والدارقطنيّ - من قدم عليا على عثمان فقد أزرى بالمهاجرين والأنصار. وهذا الكلام حق وصدق وصحيح ومليح. وقال يعقوب بن أبى سفيان: ثنا عبد العزيز بن عبد الله الاريسى ثنا إبراهيم بن سعيد عن شعبة عن أبى عون - محمد بن عبد الله الثقفي - عن أبى صالح الحنفي قال: رأيت على بن أبى طالب أخذ المصحف فوضعه على رأسه حتى أنى لأرى ورقه يتقعقع قال ثم قال: اللهمّ إنهم منعونى أن أقوم في الأمة بما فيه فأعطنى ثواب ما فيه، ثم قال: اللهمّ إني قد مللتهم وملونى وأبغضتهم وأبغضونى، وحملونى على غير طبيعتي وخلقي وأخلاق لم تكن تعرف لي، اللهمّ فأبدلنى بهم خيرا منهم، وأبدلهم بى شرا منى، اللهمّ أمت قلوبهم موت الملح في الماء. قال إبراهيم: - يعنى أهل الكوفة - وقال ابن أبى الدنيا: حدثني عبد الرحمن بن صالح ثنا عمرو بن هشام الخببيّ عن أبى خباب عن أبى عوف الثقفي عن أبى عبد الرحمن السلمي. قال: قال لي الحسن بن على قال لي على: «إن رسول الله ﷺ سنح لي الليلة في منامي فقلت: يا رسول الله ما لقيت من أمتك من الأود واللدد؟ قال: ادع عليهم فقلت: اللهمّ أبدلني بهم من هو خير لي منهم، وأبدلهم بى من هو شر منى، فخرج فضربه الرجل [الأود العوج واللدد الخصومة] وقد قدمنا الحديث الوارد بالاخبار بقتله وأنه يخضب لحيته من قرن رأسه، فوقع كما أخبر صلوات الله وسلامه على رسوله، وروى أبو داود في كتاب القدر أنه لما كان أيام الخوارج كان أصحاب على يحرسونه كل ليلة عشرة - يبيتون في المسجد بالسلاح - فرآهم على فقال: ما يجلسكم؟ فقالوا: نحرسك، فقال: من أهل السماء؟ ثم قال: إنه لا يكون في الأرض شيء حتى يقضى في السماء، وإن على من الله جنة حصينة. وفي رواية: وإن الرجل جنة محصونة، وإنه ليس من الناس أحد إلا وقد وكل به ملك فلا تريده دابة ولا شيء إلا قال: اتقه اتقه،

стр. 2497

فإذا جاء القدر خلا عنه، وفي رواية: ملكان يدفعان عنه فإذا جاء القدر خليا عنه، وإنه لا يجد عبد حلاوة الايمان حتى يعلم أن ما أصابه لم يكن ليخطئه، وما أخطأه لم يكن ليصيبه، وكان على يدخل المسجد كل ليلة فيصلي فيه، فلما كانت الليلة التي قتل في صبيحتها قلق تلك الليلة وجمع أهله فلما خرج إلى المسجد صرخ الإوز في وجهه فسكتوهن عنه فقال: ذروهن فإنهن نوائح، فلما خرج إلى المسجد ضربه ابن ملجم فكان ما ذكرنا قبل. فقال الناس: يا أمير المؤمنين ألا نقتل مرادا كلها؟ فقال: لا ولكن احبسوه وأحسنوا إساره، فان مت فاقتلوه وإن عشت فالجروح قصاص. وجعلت أم كلثوم بنت على تقول: ما لي ولصلاة الغداة، وقتل زوجي عمر أمير المؤمنين صلاة الغداة، وقتل أبى أمير المؤمنين صلاة الغداة، ﵂. وقيل لعلى: ألا تستخلف؟ فقال: لا ولكن أترككم كما ترككم رسول الله، فان يرد الله بكم خيرا يجمعكم على خيركم كما جمعكم على خيركم بعد رسول الله ﷺ ، فهذا اعتراف منه في آخر وقت الدنيا بفضل الصديق. وقد ثبت عنه بالتواتر أنه خطب بالكوفة في أيام خلافته ودار إمارته، فقال: أيها الناس إن خير هذه الأمة بعد نبيها أبو بكر، ثم عمر ولو شئت أن أسمى الثالث لسميت. وعنه أنه قال وهو نازل من المنبر: ثم عثمان ثم عثمان. ولما مات على ولى غسله ودفنه أهله، وصلى عليه ابنه الحسن وكبر أربعا، وقيل أكثر من ذلك. ودفن على بدار الخلافة بالكوفة وقيل تجاه الجامع من القبلة في حجرة من دور آل جعدة بن هبيرة، بحذاء باب الوراقين وقيل بظاهر الكوفة، وقيل بالكناسة، وقيل دفن بالبرية. وقال شريك القاضي وأبو نعيم الفضل بن دكين: نقله الحسن بن على بعد صلحه مع معاوية من الكوفة فدفنه بالمدينة بالبقيع إلى جانب فاطمة بنت رسول الله ﷺ . وقال عيسى بن داب: بل لما تحملوا به حملوه في صندوق على بعير، فلما مروا به ببلاد طيئ أضلوا ذلك البعير فأخذته طيئ تحسب فيه مالا، فلما وجدوا بالصندوق ميتا دفنوه في بلادهم فلا يعرف قبره إلى الآن، والمشهور أن قبره إلى الآن بالكوفة كما ذكر عبد الملك ابن عمران أن خالد بن عبد الله القسري - نائب بنى أمية في زمان هشام - لما هدم دورا ليبنيها وجد قبرا فيه شيخ أبيض الرأس واللحية فإذا هو على، فأراد أن يحرقه بالنار فقيل له: أيها الأمير إن بنى أمية لا يريدون منك هذا كله، فلفه في قباطي ودفنه هناك. قالوا: فلا يقدر أحد أن يسكن تلك الدار التي هو فيها إلا ارتحل منها. رواه ابن عساكر. ثم إن الحسن بن على استحضر عبد الرحمن بن ملجم من السجن، فأحضر الناس النفط والبواري ليحرقوه، فقالوا لهم أولاد على: دعونا نشتفى منه، فقطعت يداه ورجلاه فلم يجزع ولا فتر عن الذكر، ثم كحلت عيناه وهو في ذلك يذكر الله وقرأ سورة اقرأ باسم ربك إلى آخرها، وإن عينيه لتسيلان على خديه، ثم حاولوا لسانه ليقطعوه فجزع من ذلك جزعا شديدا، فقيل له في ذلك فقال: إني أخاف أن أمكث في الدنيا فواقا لا أذكر الله

стр. 2498

خلافة الحسن بن على ﵁ وعن أبيه وأمه قد ذكرنا أن عليا ﵁ لما ضربه ابن ملجم قالوا له: استخلف يا أمير المؤمنين فقال: لا ولكن أدعكم كما ترككم رسول الله ﷺ يعنى بغير استخلاف - فان يرد الله بكم خيرا يجمعكم على خيركم كما جمعكم على خيركم بعد رسول الله ﷺ ، فلما توفى وصلى عليه ابنه الحسن - لأنه أكبر بنيه ﵃ ودفن كما ذكرنا بدار الامارة على الصحيح من أقوال الناس، فلما فرغ من شأنه كان أول من تقدم إلى الحسن بن على ﵁ قيس بن سعد بن عبادة فقال له: ابسط يدك أبايعك على كتاب الله وسنة نبيه، فسكت الحسن فبايعه ثم بايعه الناس بعده، وكان ذلك يوم مات على، وكان موته يوم ضرب على قول وهو يوم الجمعة السابع عشر من رمضان سنة أربعين، وقيل إنما مات بعد الطعنة بيومين، وقيل مات في العشر الأخير من رمضان، ومن يومئذ ولى الحسن ابن على، وكان قيس بن سعد على إمرة أذربيجان، تحت يده أربعون ألف مقاتل، قد بايعوا عليا على الموت، فلما مات على ألح قيس بن سعد على الحسن في النفير لقتال أهل الشام، فعزل قيسا عن إمرة أذربيجان، وولى عبيد الله بن عباس عليها، ولم يكن في نية الحسن أن يقاتل أحدا، ولكن غلبوه على رأيه، فاجتمعوا اجتماعا عظيما لم يسمع بمثله، فأمر الحسن بن على قيس بن سعد بن عبادة على المقدمة في اثنى عشر ألفا بين يديه، وسار هو بالجيوش في أثره قاصدا بلاد الشام، ليقاتل معاوية وأهل الشام فلما اجتاز بالمدائن نزلها وقدم المقدمة بين يديه، فبينما هو في المدائن معسكرا بظاهرها، إذ صرخ في الناس صارخ: ألا إن قيس بن سعد بن عبادة قد قتل، فثار الناس فانتهبوا أمتعة بعضهم بعضا حتى انتهبوا سرادق الحسن، حتى نازعوه بساطا كان جالسا عليه، وطعنه بعضهم حين ركب طعنة أثبتوه وأشوته فكرههم الحسن كراهية شديدة، وركب فدخل القصر الأبيض من المدائن فنزله وهو جريح، وكان عامله على المدائن سعد بن مسعود الثقفي - أخو أبى عبيد صاحب يوم الجسر - فلما استقر الجيش بالقصر قال المختار بن أبى عبيد قبحه الله لعمه سعد بن مسعود: هل لك في الشرف والغنى؟ قال: ماذا؟ قال: تأخذ الحسن بن على فتقيده وتبعثه إلى معاوية، فقال له عمه: قبحكم الله وقبح ما جئت به، أغدر بابن بنت رسول الله ﷺ ؟ ولما رأى الحسن بن على تفرق جيشه عليه مقتهم وكتب عند ذلك إلى معاوية بن أبى سفيان - وكان قد ركب في أهل الشام فنزل مسكن - يراوضه على الصلح بينهما، فبعث إليه معاوية عبد الله بن عامر وعبد الرحمن بن سمرة، فقدما عليه الكوفة فبذلا له ما أراد من الأموال، فاشترط أن يأخذ من بيت مال الكوفة خمسة آلاف ألف درهم، وأن يكون خراج داربجرد له، وأن لا يسب على وهو يسمع، فإذا فعل ذلك نزل عن الإمرة

стр. 2499

فيه. فقتل عند ذلك وحرق بالنار، قبحه الله. قال محمد بن سعد: كان ابن ملجم رجلا أسمر حسن الوجه أبلج، شعره مع شحمة أذنه، في جبهته أثر السجود. قال العلماء: ولم ينتظر بقتله بلوغ العباس ابن على فإنه كان صغيرا يوم قتل أبوه، قالوا: لأنه كان قتل محاربة لا قصاصا والله أعلم. وكان طعن على يوم الجمعة السابع عشر من رمضان سنة أربعين بلا خلاف فقيل مات من يومه وقيل يوم الأحد التاسع عشر منه، قال الفلاس: وقيل ضرب ليلة إحدى وعشرين ومات ليلة أربع وعشرين عن بضع أو ثمان وخمسين سنة، وقيل عن ثلاث وستين سنة وهو المشهور، قاله محمد بن الحنفية، وأبو جعفر الباقر، وأبو إسحاق السبيعي، وأبو بكر بن عياش. وقال بعضهم: عن ثلاث أو أربع وستين سنة، وعن أبى جعفر الباقر خمس وستين سنة. وكانت خلافته خمس سنين إلا ثلاثة أشهر، وقيل أربع سنين وثمانية أشهر وثلاثة وعشرين يوما، ﵁. وقال جرير عن مغيرة قال: لما جاء نعى على بن أبى طالب إلى معاوية وهو نائم مع امرأته فاختة بنت قرطة في يوم صائف، جلس وهو يقول: ﴿إِنّا لِلّهِ وَإِنّا إِلَيْهِ راجِعُونَ،﴾ وجعل يبكى فقالت له فاختة: أنت بالأمس تطعن عليه واليوم تبكى عليه، فقال: ويحك إنما أبكى لما فقد الناس من حلمه وعلمه وفضله وسوابقه وخيره. وذكر ابن أبى الدنيا - في كتاب مكائد الشيطان - أن رجلا من أهل الشام من أمراء معاوية غضب ذات ليلة على ابنه فأخرجه من منزله، فخرج الغلام لا يدرى أين يذهب، فجلس وراء الباب من خارج فنام ساعة ثم استيقظ وبابه يخمشه هر أسود بري، فخرج إليه الهر الّذي في منزلهم فقال له البري: ويحك! افتح فقال: لا أستطيع، فقال: ويحك ائتني بشيء أتبلغ به فانى جائع وأنا تعبان، هذا أوان مجيء من الكوفة، وقد حدث الليلة حدث عظيم، قتل على بن أبى طالب، قال فقال له الهر الأهلي: والله إنه ليس هاهنا شيء إلا وقد ذكروا اسم الله عليه، غير سفود كانوا يشوون عليه اللحم، فقال: ائتني به، فجاء به فجعل يلحسه حتى أخذ حاجته وانصرف، وذلك بمرأى من الغلام ومسمع، فقام إلى الباب فطرقه فخرج إليه أبوه فقال: من؟ فقال له: افتح، فقال: ويحك مالك؟ فقال: افتح، ففتح فقص عليه خبر ما رأى، فقال له: ويحك أمنام هذا؟ قال: لا والله، قال: ويحك! أفأصابك جنون بعدي؟ قال لا والله، ولكن الأمر كما وصفت لك، فاذهب إلى معاوية الآن فاتخذ عنده بما قلت لك، فذهب الرجل فاستأذن على معاوية فأخبره خبر ما ذكر له ولده. فأرّخوا ذلك عندهم قبل مجيء البرد، ولما جاءت البرد وجدوا ما أخبروهم به مطابقا لما كان أخبر به أبو الغلام، هذا ملخص ما ذكره. وقال أبو القاسم: ثنا على بن الجعد ثنا زهير بن معاوية عن أبى إسحاق عن عمرو بن الأصم قال: قلت للحسين بن على: إن هذه الشيعة يزعمون أن عليا مبعوث قبل يوم القيامة، فقال: كذبوا والله ما هؤلاء بالشيعة، لو علمنا أنه مبعوث ما زوجنا نساءه ولا قسمنا ماله. ورواه أسباط بن محمد عن مطرف عن إسحاق عن عمرو بن الأصم عن الحسن بن على بنحوه.

стр. 2500

لمعاوية، ويحقن الدماء بين المسلمين. فاصطلحوا على ذلك واجتمعت الكلمة على معاوية على ما سيأتي بيانه وتفصيله، وقد لام الحسين لأخيه الحسن على هذا الرأى فلم يقبل منه، والصواب مع الحسن ﵁ كما سنذكر دليله قريبا. وبعث الحسن بن على إلى أمير المقدمة قيس بن سعد أن يسمع ويطيع، فأبى قيس بن سعد من قبول ذلك، وخرج عن طاعتهما جميعا، واعتزل بمن أطاعه ثم راجع الأمر فبايع معاوية بعد قريب كما سنذكره. ثم المشهور أن مبايعة الحسن لمعاوية كانت في سنة أربعين، ولهذا يقال له عام الجماعة، لاجتماع الكلمة فيه على معاوية، والمشهور عند ابن جرير وغيره من علماء السير أن ذلك كان في أوائل سنة إحدى وأربعين كما سنذكره إن شاء الله، وحج بالناس في هذه السنة - أعنى سنة أربعين - المغيرة بن شعبة، وزعم ابن جرير فيما رواه عن إسماعيل بن راشد أن المغيرة بن شعبة افتعل كتابا على لسان معاوية ليلى إمرة الحج عامئذ، وبادر إلى ذلك عتبة بن أبى سفيان، وكان معه كتاب من أخيه بإمرة الحج، فتعجل المغيرة فوقف بالناس يوم الثامن ليسبق عتبة إلى الامرة. وهذا الّذي نقله ابن جرير لا يقبل، لا يظن بالمغيرة ﵁ ذلك، وإنما نبهنا على ذلك ليعلم أنه باطل، فان الصحابة أجل قدرا من هذا، ولكن هذه نزغة شيعية. قال ابن جرير: وفي هذه السنة بويع لمعاوية بايلياء - يعنى لما مات على - قام أهل الشام فبايعوا معاوية على إمرة المؤمنين لأنه لم يبق له عندهم منازع، فعند ذلك أقام أهل العراق الحسن بن على ﵁ ليمانعوا به أهل الشام فلم يتم لهم ما أرادوه وما حاولوه، وإنما كان خذلانهم من قبل تدبيرهم وآرائهم المختلفة المخالفة لأمرائهم، ولو كانوا يعلمون لعظموا ما أنعم الله به عليهم من مبايعتهم ابن بنت رسول الله ﷺ ، وسيد المسلمين، وأحد علماء الصحابة وحلمائهم وذوى آرائهم. والدليل على أنه أحد الخلفاء الراشدين الحديث الّذي أوردناه في دلائل النبوة من طريق سفينة مولى رسول الله ﷺ أن رسول الله ﷺ قال: «الخلافة بعدي ثلاثون سنة ثم تكون ملكا» وإنما كملت الثلاثون بخلافة الحسن بن على، فإنه نزل عن الخلافة لمعاوية في ربيع الأول من سنة إحدى وأربعين، وذلك كمال ثلاثين سنة من موت رسول الله ﷺ ، فإنه توفى في ربيع الأول سنة إحدى عشرة من الهجرة، وهذا من دلائل النبوة صلوات الله وسلامه عليه وسلم تسليما. وقد مدحه رسول الله ﷺ على صنيعه هذا وهو تركه الدنيا الفانية، ورغبته في الآخرة الباقية، وحقنه دماء هذه الأمة، فنزل عن الخلافة وجعل الملك بيد معاوية حتى تجتمع الكلمة على أمير واحد. وهذا المدح قد ذكرناه وسنورده في حديث أبى بكرة الثقفي أن رسول الله ﷺ صعد المنبر يوما وجلس الحسن بن على إلى جانبه، فجعل ينظر إلى الناس مرة وإليه أخرى ثم قال: «أيها الناس إن ابني هذا سيد، وسيصلح الله به بين فئتين عظيمتين من المسلمين» رواه البخاري.

стр. 2501

سنة إحدى وأربعين قال ابن جرير: فيها سلم الحسن بن على الأمر لمعاوية بن أبى سفيان. ثم روى عن الزهري أنه قال: لما بايع أهل العراق الحسن بن على طفق يشترط عليهم أنهم سامعون مطيعون مسالمون [من سالمت] محاربون [من حاربت] فارتاب به أهل العراق وقالوا: ما هذا لكم بصاحب؟ فما كان عن قريب حتى طعنوه فأشووه فازداد لهم بغضا وازداد منهم ذعرا، فعند ذلك عرف تفرقهم واختلافهم عليه وكتب إلى معاوية يسالمه ويراسله في الصلح بينه وبينه على ما يختاران. وقال البخاري في كتاب الصلح: حدثنا عبد الله بن محمد ثنا سفيان عن أبى موسى. قال: سمعت الحسن يقول: «استقبل والله الحسن بن على معاوية بن أبى سفيان بكتائب أمثال الجبال فقال عمرو بن العاص: إني لأرى كتائب لا تولى حتى تقتل أقرانها، فقال معاوية - وكان والله خير الرجلين -: إن قتل هؤلاء هؤلاء، وهؤلاء هؤلاء من لي بأمور الناس؟ من لي بضعفتهم؟ من لي بنسائهم؟ فبعث إليه رجلين من قريش من بنى عبد شمس - عبد الرحمن بن سمرة، وعبد الله بن عامر - قال: اذهبا إلى هذا الرجل فأعرضا عليه وقولا له واطلبا إليه، فأتياه فدخلا عليه فتكلما وقالا له وطلبا إليه، فقال لهما الحسن بن على: إنا بنو عبد المطلب قد أصبنا من هذا المال، وإن هذه الأمة قد عاثت في دمائها، قالا: فإنه يعرض عليك كذا وكذا، ويطلب إليك ويسالمك. قال: فمن لي بهذا؟ قالا: نحن لك به، فما سألهما شيئا إلا قالا: نحن لك به، فصالحه»، قال الحسن: ولقد سمعت أبا بكرة يقول: رأيت رسول الله ﷺ على المنبر والحسن بن على إلى جنبه وهو يقبل على الناس مرة وعليه أخرى ويقول: «إن ابني هذا سيد ولعل الله أن يصلح به بين فئتين عظيمتين من المسلمين». قال البخاري قال لي على بن المديني: إنما ثبت عندنا سماع الحسن بن أبى بكرة بهذا الحديث، قلت: وقد روى هذا الحديث البخاري في كتاب الفتن عن على بن عبد الله - وهو ابن المديني - وفي فضائل الحسن عن صدقة بن الفضل ثلاثتهم عن سفيان. ورواه أحمد عن سفيان - وهو ابن عيينة - عن إسرائيل بن موسى البصري به. ورواه أيضا في دلائل النبوة عن عبد الله بن محمد - وهو ابن أبى شيبة - ويحيى بن آدم كلاهما عن حسين بن على الجعفي عن إسرائيل عن الحسن وهو البصري به. وأخرجه أحمد وأبو داود والنسائي من حديث حماد بن زيد عن على بن زيد عن الحسن البصري به. ورواه أبو داود أيضا والترمذي من طريق أشعث عن الحسن به. وقال الترمذي: حسن صحيح. وقد رواه النسائي من طريق عوف الأعرابي وغيره عن الحسن البصري مرسلا. وقال أحمد: حدثنا عبد الرزاق أنا معمر أخبرنى من سمع الحسن يحدث عن أبى بكرة قال: «كان النبي ﷺ يحدثنا يوما والحسن بن على في حجره فيقبل على أصحابه فيحدثهم ثم يقبل على الحسن فيقبله ثم قال: «إن ابني

стр. 2502

هذا سيد إن يعش يصلح بين طائفتين من المسلمين» قال الحافظ ابن عساكر: كذا رواه معمر ولم يسم الّذي حدثه به عن الحسن، وقد رواه جماعة عن الحسن منهم أبو موسى إسرائيل، ويونس بن عبيد، ومنصور بن زاذان، وعلى بن زيد، وهشام بن حسان، وأشعث بن سوار، والمبارك بن فضالة، وعمرو بن عبيد القدري. ثم شرع ابن عساكر في تطريق هذه الروايات كلها فأفاد وأجاد. قلت: والظاهر أن معمرا رواه عن عمرو بن عبيد فلم يفصح باسمه. وقد رواه محمد بن إسحاق بن يسار عنه وسماه، ورواه أحمد بن هشام عن مبارك بن فضالة عن الحسن بن أبى بكرة فذكر الحديث قال الحسن: فو الله والله بعد أن يولى لم يهراق في خلافته ملء محجمة بدم، قال شيخنا أبو الحجاج المزي في أطرافه: وقد رواه بعضهم عن الحسن عن أم سلمة. وقد روى هذا الحديث من طريق جابر بن عبد الله الأنصاري ﵁، قال قال رسول الله ﷺ للحسن: «إن ابني هذا سيد يصلح الله به بين فئتين من المسلمين». وكذا رواه عبد الرحمن بن معمر عن الأعمش به. وقال أبو يعلى: ثنا أبو بكر ثنا زيد بن الحباب ثنا محمد بن صالح التمار المدني ثنا محمد بن مسلم بن أبى مريم عن سعيد بن أبى سعيد المدني قال: كنا مع أبى هريرة إذ جاء الحسن بن على قد سلم علينا قال: فتبعه [فلحقه] وقال: وعليك السلام يا سيدي، وقال سمعت رسول الله ﷺ يقول: «إنه سيد» وقال أبو الحسن على بن المديني: كان تسليم الحسن الأمر لمعاوية في الخامس من ربيع الأول سنة إحدى وأربعين، وقال غيره: في ربيع الآخر. ويقال في غرة جمادى الأولى فالله أعلم. قال: وحينئذ دخل معاوية إلى الكوفة فخطب الناس بها بعد البيعة. وذكر ابن جرير أن عمرو بن العاص أشار على معاوية أن يأمر الحسن بن على أن يخطب الناس ويعلمهم بنزوله عن الأمر لمعاوية، فأمر معاوية الحسن فقام في الناس خطيبا فقال في خطبته بعد حمد الله والثناء عليه والصلاة على رسوله ﷺ : أما بعد أيها الناس! فان الله هداكم بأولنا وحقن دماءكم بآخرنا، وإن لهذا الأمر مدة، والدنيا دول، وإن الله تعالى قال لنبيه ﷺ : ﴿وَإِنْ أَدْرِي لَعَلَّهُ فِتْنَةٌ لَكُمْ وَمَتاعٌ إِلى حِينٍ﴾، فلما قالها غضب معاوية وأمره بالجلوس، وعتب على عمرو بن العاص في إشارته بذلك، ولم يزل في نفسه لذلك والله أعلم. فأما الحديث الّذي قال أبو عيسى الترمذي في جامعه: حدثنا محمود بن غيلان ثنا أبو داود الطيالسي ثنا القاسم بن الفضل الحدانى عن يوسف بن سعد قال: قام رجل إلى الحسن بن على بعد ما بايع معاوية فقال: سودت وجوه المؤمنين - أو يا مسود وجوه المؤمنين - فقال: لا تؤنبنى رحمك الله، فان النبي ﷺ أرى بنى أمية على منبره فساءه ذلك فنزلت ﴿إِنّا أَعْطَيْناكَ الْكَوْثَرَ﴾ يا محمد - يعنى نهرا في الجنة - ونزلت ﴿إِنّا أَنْزَلْناهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ * وَما أَدْراكَ ما لَيْلَةُ الْقَدْرِ * لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ﴾ يملكها بعدك بنو أمية يا محمد، قال الفضل: فعددنا فإذا هي ألف شهر لا تزيد يوما

стр. 2503

ولا تنقص. ثم قال الترمذي: هذا حديث غريب لا نعرفه إلا من حديث القاسم بن الفضل وهو ثقة وثقه يحيى القطان وابن مهدي، قال: وشيخه يوسف بن سعد، ويقال يوسف بن مازن - رجل مجهول - قال: ولا يعرف هذا الحديث على هذا اللفظ إلا من هذا الوجه، فإنه حديث غريب بل منكر جدا، وقد تكلمنا عليه في كتاب التفسير بما فيه كفاية وبينا وجه نكارته، وناقشنا القاسم ابن الفضل فيما ذكره، فمن أراد ذلك فليراجع التفسير والله أعلم. وقال الحافظ أبو بكر الخطيب البغدادي: ثنا إبراهيم بن مخلد بن جعفر ثنا محمد بن أحمد بن إبراهيم الحكمي ثنا عباس بن محمد ثنا أسود بن عامر ثنا زهير بن معاوية ثنا أبو روق الهمدانيّ ثنا أبو العريف قال: كنا في مقدمة الحسن بن على اثنا عشر ألفا بمسكن مستميتين من الجد على قتال أهل الشام، وعلينا أبو الغمر طه فلما جاءنا بصلح الحسن بن على كأنما كسرت ظهورنا من الغيظ، فلما قدم الحسن بن على الكوفة قال له رجل منا يقال له أبو عامر سعيد بن النتل: السلام عليك يا مذل المؤمنين فقال: لا تقل هذا يا عامر! لست بمذل المؤمنين ولكنى كرهت أن أقتلهم على الملك. ولما تسلم معاوية البلاد ودخل الكوفة وخطب بها واجتمعت عليه الكلمة في سائر الأقاليم والآفاق، ورجع إليه قيس بن سعد أحد دهاة العرب - وقد كان عزم على الشقاق - وحصل على بيعة معاوية عامئذ الإجماع والاتفاق، ترحل الحسن ابن على ومعه أخوه الحسين وبقية إخوتهم وابن عمهم عبد الله بن جعفر من أرض العراق إلى أرض المدينة النبويّة على ساكنها أفضل الصلاة والسلام، وجعل كلما مر بحىّ من شيعتهم يبكتونه على ما صنع من نزوله عن الأمر لمعاوية، وهو في ذلك هو البار الراشد الممدوح، وليس يجد في صدره حرجا ولا تلوما ولا ندما، بل هو راض بذلك مستبشر به، وإن كان قد ساء هذا خلقا من ذويه وأهله وشيعتهم، ولا سيما بعد ذلك بمدد وهلم جرّا إلى يومنا هذا. والحق في ذلك اتباع السنة ومدحه فيما حقن به دماء الأمة، كما مدحه على ذلك رسول الله ﷺ كما تقدم في الحديث الصحيح ولله الحمد والمنة. وسيأتي فضائل الحسن عند ذكر وفاته ﵁ وأرضاه، وجعل جنات الفردوس متقلبه ومثواه، وقد فعل. وقال محمد بن سعد: أنا أبو نعيم ثنا شريك عن عاصم عن أبى رزين. قال: خطبنا الحسن بن على يوم جمعة فقرأ سورة إبراهيم على المنبر حتى ختمها. وروى ابن عساكر عن الحسن أنه كان يقرأ كل ليلة سورة الكهف في لوح مكتوب يدور معه حيث دار من بيوت أزواجه قبل أن ينام وهو في الفراش ﵁. ذكر أيام معاوية بن أبى سفيان وملكه قد تقدم في الحديث أن الخلافة بعده ﵇ ثلاثون سنة، ثم تكون ملكا، وقد انقضت الثلاثون بخلافة الحسن بن على، فأيام معاوية أول الملك، فهو أول ملوك الإسلام وخيارهم. قال

стр. 2504

الطبراني: حدثنا على بن عبد العزيز ثنا أحمد بن يونس ثنا الفضيل بن عياض عن ليث عن عبد الرحمن بن سابط عن أبى ثعلبة الخشنيّ عن معاذ بن جبل وأبى عبيدة قالوا قال رسول الله ﷺ «إن هذا الأمر بدا رحمة ونبوة، ثم يكون رحمة وخلافة، ثم كائن ملكان عضوضا، ثم كائن عتوا وجبرية وفسادا في الأرض، يستحلون الحرير والفروج والخمور ويرزقون على ذلك وينصرون حتى يلقوا الله » (١) إسناده جيد. وقد ذكرنا في دلائل النبوة الحديث الوارد من طريق إسماعيل بن إبراهيم ابن مهاجر وفيه ضعف عن عبد الملك بن عمر قال قال معاوية: والله ما حملني على الخلافة إلا قول رسول الله ﷺ لي: «يا معاوية إن ملكت فأحسن». رواه البيهقي عن الحاكم عن الأصم عن العباس بن محمد عن محمد بن سابق عن يحيى بن زكريا بن أبى زائدة عن إسماعيل، ثم قال البيهقي: وله شواهد من وجوه أخر، منها حديث عمرو بن يحيى بن سعيد بن العاص عن جده سعيد أن معاوية أخذ الاداوة فتبع رسول الله فنظر إليه فقال له: «يا معاوية إن وليت أمرا فاتق الله واعدل» قال معاوية: فما زلت أظن أنى مبتلى بعمل لقول رسول الله ﷺ . ومنها حديث راشد بن سعد عن معاوية قال قال رسول الله ﷺ : «إنك إن اتبعت عورات الناس أفسدتهم» قال أبو الدرداء: كلمة سمعها معاوية من رسول الله ﷺ فنفعه الله بها. ثم روى البيهقي من طريق هشيم عن العوام بن حوشب عن سليمان بن أبى سليمان عن أبيه عن أبى هريرة قال قال رسول الله ﷺ : «الخلافة بالمدينة، والملك بالشام» غريب جدا، وروى من طريق أبى إدريس عن أبى الدرداء قال قال رسول الله ﷺ : «بينا أنا نائم رأيت الكتاب احتمل من تحت رأسي فظننت أنه مذهوب به، فأتبعته بصرى فعمد به إلى الشام، وإن الايمان حين تقع الفتنة بالشام». وقد رواه سعيد عن عبد العزيز عن عطية ابن قيس عن يونس بن ميسرة عن عبد الله بن عمرو. ورواه الوليد بن مسلم عن عفير بن معدان عن سليمان عن عامر عن أبى أمامة. وروى يعقوب بن سفيان عن نصر بن محمد بن سليمان السلمي الحمصي عن أبيه عن عبد الله بن قيس، سمعت عمر بن الخطاب يقول: قال رسول الله ﷺ : «رأيت عمودا من نور خرج من تحت رأسي ساطعا حتى استقر بالشام». وقال عبد الرزاق عن معمر عن الزهري عن عبد الله بن صفوان قال قال رجل يوم صفين: اللهمّ العن أهل الشام، فقال له على: لا تسب أهل الشام فان بها الابدال فان بها الابدال فان بها الابدال. وقد روى هذا الحديث من وجه آخر مرفوعا: فضل معاوية بن أبى سفيان ﵁ هو معاوية بن أبى سفيان صخر بن حرب بن أمية بن عبد شمس بن عبد مناف بن قصي أبو عبد الرحمن القرشي الأموي، خال المؤمنين، وكاتب وحي رب العالمين، أسلم هو وأبوه وأمه هند

стр. 2505

بنت عتبة بن ربيعة بن عبد شمس يوم الفتح. وقد روى عن معاوية أنه قال: أسلمت يوم عمرة القضاء ولكنى كتمت إسلامي من أبى إلى يوم الفتح، وقد كان أبوه من سادات قريش في الجاهلية، وآلت إليه رياسة، قريش بعد يوم بدر، فكان هو أمير الحروب من ذلك الجانب، وكان رئيسا مطاعا ذا مال جزيل، ولما أسلم قال: يا رسول الله مرني حتى أقاتل الكفار كما كنت أقاتل المسلمين. قال: «نعم، قال ومعاوية تجعله كاتبا بين يديك، قال: نعم» ثم سأل أن يزوج رسول الله ﷺ بابنته، وهي عزة بنت أبى سفيان واستعان على ذلك بأختها أم حبيبة، فلم يقع ذلك، وبيّن رسول الله ﷺ أن ذلك لا يحل له. وقد تكلمنا على هذا الحديث في غير موضع، وأفردنا له مصنفا على حدة ولله الحمد والمنة. والمقصود أن معاوية كان يكتب الوحي لرسول الله ﷺ مع غيره من كتاب الوحي ﵃. ولما فتحت الشام ولاه عمر نيابة دمشق بعد أخيه يزيد بن أبى سفيان، وأقره على ذلك عثمان ابن عفان وزاده بلادا أخرى، وهو الّذي بنى القبة الخضراء بدمشق وسكنها أربعين سنة، قاله الحافظ ابن عساكر. ولما ولى على بن أبى طالب الخلافة أشار عليه كثير من أمرائه ممن باشر قتل عثمان أن يعزل معاوية عن الشام ويولى عليها سهل بن حنيف فعزله فلم ينتظم عزله والتف عليه جماعة من أهل الشام ومانع عليا عنها وقد قال: لا أبايعه حتى يسلمني قتلة عثمان فإنه قتل مظلوما، وقد قال الله تعالى: ﴿وَمَنْ قُتِلَ مَظْلُوماً فَقَدْ جَعَلْنا لِوَلِيِّهِ سُلْطاناً﴾. وروى الطبراني عن ابن عباس أنه قال: ما زلت موقنا أن معاوية يلي الملك من هذه الآية. أوردنا سنده ومتنه عند تفسير هذه الآية. فلما امتنع معاوية من البيعة لعلى حتى يسلمه القتلة، كان من صفين ما قدمنا ذكره، ثم آل الأمر إلى التحكيم، فكان من أمر عمرو بن العاص وأبى موسى ما أسلفناه من قوة جانب أهل الشام في الصعدة الظاهرة، واستفحل أمر معاوية، ولم يزل أمر على في اختلاف مع أصحابه حتى قتله ابن ملجم كما تقدم، فعند ذلك بايع أهل العراق الحسن بن على، وبايع أهل الشام لمعاوية بن أبى سفيان. ثم ركب الحسن في جنود العراق عن غير إرادة منه، وركب معاوية في أهل الشام. فلما تواجه الجيشان وتقابل الفريقان سعى الناس بينهما في الصلح فانتهى الحال إلى أن خلع الحسن نفسه من الخلافة وسلم الملك إلى معاوية بن أبى سفيان، وكان ذلك في ربيع الأول من هذه السنة - أعنى سنة إحدى وأربعين - ودخل معاوية إلى الكوفة فخطب الناس بها خطبة بليغة بعد ما بايعه الناس - واستوثقت له الممالك شرقا وغربا، وبعدا وقربا، وسمى هذا العام عام الجماعة لاجتماع الكلمة فيه على أمير واحد بعد الفرقة، فولى معاوية قضاء الشام لفضالة بن عبيد، ثم بعده لأبى إدريس الخولانيّ. وكان على شرطته قيس بن حمزة، وكان كاتبه وصاحب أمره سرحون بن منصور الرومي، ويقال إنه أول من اتخذ الحرس وأول من حزم الكتب وختمها، أو كان أول الأحداث في دولته ﵁.

стр. 2506

خروج طائفة من الخوارج عليه وكان سبب ذلك أن معاوية لما دخل الكوفة وخرج الحسن وأهله منها قاصدين إلى الحجاز، قالت فرقة من الخوارج - نحو من خمسمائة -: جاء ما لا يشك فيه فسيروا إلى معاوية فجاهدوه، فساروا حتى قربوا من الكوفة وعليهم فروة بن نوفل، فبعث إليهم معاوية خيلا من أهل الشام فطردوا الشاميين، فقال معاوية: لا أمان لكم عندي حتى تكفوا بوائقكم، فخرجوا إلى الخوارج فقالت لهم الخوارج: ويلكم ما تبغون؟ أليس معاوية عدوكم وعدونا؟ فدعونا حتى نقاتله فان أصبناه كنا قد كفيناكموه، وإن أصبنا كنتم قد كفيتمونا. فقالوا: لا والله حتى نقاتلكم، فقالت الخوارج: يرحم الله إخواننا من أهل النهروان كانوا أعلم بكم يا أهل الكوفة، فاقتتلوا فهزمهم أهل الكوفة وطردوهم، ثم إن معاوية أراد أن يستخلف على الكوفة عبد الله بن عمرو بن العاص فقال له المغيرة بن شعبة: أتوليه الكوفة وأباه مصر وتبقى أنت بين لحيي الأسد؟ فثناه عن ذلك وولى عليها المغيرة بن شعبة، فاجتمع عمرو بن العاص بمعاوية فقال: أتجعل المغيرة على الخراج؟ هلا وليت الخراج رجلا آخر؟ فعزله عن الخراج وولاه على الصلاة، فقال المغيرة لعمرو في ذلك، فقال له: ألست المشير على أمير المؤمنين في عبد الله بن عمرو؟ قال: بلى! قال: فهذه بتلك. وفي هذه السنة وثب حمران بن أبان على البصرة فأخذها وتغلب عليها، فبعث معاوية جيشا ليقتلوه ومن معه، فجاء أبو بكرة الثقفي إلى معاوية فسأله في الصفح والعفو، فعفا عنهم وأطلقهم وولى على البصرة بسر بن أبى أرطاة، فتسلط على أولاد زياد يريد قتلهم، وذلك أن معاوية كتب إلى أبيهم ليحضر إليه فلبث، فكتب إليه بسر: لئن لم تسرع إلى أمير المؤمنين وإلا قتلت بنيك، فبعث أبو بكرة إلى معاوية في ذلك. وقد قال معاوية لأبى بكرة: هل من عهد تعهده إلينا؟ قال: نعم! أعهد إليك يا أمير المؤمنين أن تنظر لنفسك ورعيتك وتعمل صالحا فإنك قد تقلدت عظيما، خلافة الله في خلقه، فاتق الله فان لك غاية لا تعدوها، ومن ورائك طالب حثيث وأوشك أن يبلغ المدى فيلحق الطالب فتصير إلى من يسألك عما كنت فيه وهو أعلم به منك، وإنما هي محاسبة وتوقيف، فلا تؤثرن على رضا الله شيئا. ثم ولى معاوية في آخر هذه السنة البصرة لعبد الله بن عامر، وذلك أن معاوية أراد أن يوليها لعتبة بن أبى سفيان فقال له ابن عامر: إن لي بها أموالا وودائع، وإن لم تولينها هلكت، فولاه إياها وأجابه إلى سؤاله في ذلك. قال أبو معشر: وحج بالناس في هذه السنة عتبة بن أبى سفيان، وقال الواقدي: إنما حج بهم عنبسة بن أبى سفيان فالله أعلم. ومن أعيان من توفى في هذا العام رفاعة بن رافع ابن مالك بن العجلان شهد العقبة وبدرا وما بعد ذلك.

стр. 2507

ركانة بن عبد يزيد ابن هشام بن عبد المطلب القرشي، وهو الّذي صارعه النبي ﷺ فصرعه، وكان هذا من أشد الرجال، وكان غلب رسول الله ﷺ له من المعجزات كما قدمنا في دلائل النبوة، أسلم عام الفتح، وقيل قبل ذلك بمكة فالله أعلم. صفوان بن أمية ابن خلف بن وهب بن حذافة بن وهب القرشي، أحد الرؤساء تقدم أنه هرب من رسول الله ﷺ عام الفتح، ثم جاء فأسلم وحسن إسلامه، وكان الّذي استأمن له عمير بن وهب الجمحيّ. وكان صاحبه وصديقه في الجاهلية كما تقدم، وقدم به في وقت صلاة العصر فاستأمن له فأمّنه رسول الله ﷺ أربعة أشهر، واستعار منه أدرعا وسلاحا ومالا. وحضر صفوان حنينا مشركا، ثم أسلم ودخل الإيمان قلبه، فكان من سادات المسلمين كما كان من سادات الجاهلية. قال الواقدي: ثم لم يزل مقيما بمكة حتى توفى بها في أول خلافة معاوية. عثمان بن طلحة ابن أبى طلحة بن عبد العزى بن عبد الدار العبدري الحجبي، أسلم هو وخالد بن الوليد وعمرو بن العاص في أول سنة ثمان قبل الفتح. وقد روى الواقدي حديثا طويلا عنه في صفة إسلامه، وهو الّذي أخذ منه رسول الله مفتاح الكعبة عام الفتح ثم رده إليه وهو يتلو قوله تعالى ﴿إِنَّ اللهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَماناتِ إِلى أَهْلِها﴾ وقال له: «خذها يا عثمان خالدة تالدة لا ينتزعها منكم إلا ظالم». وكان على قد طلبها فمنعه من ذلك. قال الواقدي: نزل المدينة حياة رسول الله، فلما مات نزل بمكة فلم يزل بها حتى مات في أول خلافة معاوية. عمرو بن الأسود السكونيّ كان من العباد الزهاد، وكانت له حلة بمائتي درهم يلبسها إذا قام إلى صلاة الليل، وكان إذا خرج إلى المسجد وضع يمينه على شماله مخافة الخيلاء، روى عن معاذ، وعبادة بن الصامت، والعرباض بن سارية وغيرهم، وقال أحمد في الزهد: ثنا أبو اليمان ثنا ابن بكر عن حكيم بن عمير وضمرة بن حبيب قالا: قال عمر بن الخطاب: من سره أن ينظر إلى هدى رسول الله ﷺ فلينظر إلى هدى عمرو بن الأسود. عاتكة بنت زيد ابن عمرو بن نفيل بن عبد العزى، وهي أخت سعيد بن زيد أحد العشرة، أسلمت وهاجرت وكانت من حسان النساء وعبادهن، تزوجها عبيد الله بن أبى بكر فتتيم بها، فلما قتل في غزوة الطائف آلت أن لا تزوج بعده، فبعث إليها عمر بن الخطاب - وهو ابن عمها - فتزوجها، فلما

стр. 2508

قتل عنها خلف بعده عليها الزبير بن العوام، فقتل بوادي السباع، فبعث إليها على بن أبى طالب يخطبها فقالت: إني أخشى عليك أن تقتل، فأبت أن تتزوجه ولو تزوجته لقتل عنها أيضا، فأنها لم تزل حتى ماتت في أول خلافة معاوية في هذه السنة رحمها الله. ثم دخلت سنة ثنتين وأربعين فيها غزا المسلمون اللان والروم فقتلوا من أمرائهم وبطارقتهم خلقا كثيرا، وغنموا وسلموا، وفيها ولى معاوية مروان بن الحكم نيابة المدينة، وعلى مكة خالد بن العاص بن هشام، وعلى الكوفة المغيرة بن شعبة، وعلى قضائها شريح القاضي، وعلى البصرة عبد الله بن عامر، وعلى خراسان قيس ابن الهيثم من قبل عبد الله بن عامر. وفي هذه السنة تحركت الخوارج الذين كانوا قد عفى عنهم على يوم النهروان، وقد عوفي جرحاهم وثابت إليهم قواهم، فلما بلغهم مقتل على ترحموا على قاتله ابن ملجم وقال قائلهم: لا يقطع الله يدا علت قذال على بالسيف، وجعلوا يحمدون الله على قتل على، ثم عزموا على الخروج على الناس وتوافقوا على الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر فيما يزعمون. وفي هذه السنة قدم زياد بن أبيه على معاوية - وكان قد امتنع عليه قريبا من سنة في قلعة عرفت به يقال لها قلعة زياد - فكتب إليه معاوية: ما يحملك على أن تهلك نفسك؟ أقدم عليّ فأخبرني بما صار إليك من أموال فارس وما صرفت منها وما بقي عندك فائتنى به وأنت آمن، فان شئت أن تقيم عندنا فعلت وإلا ذهبت حيث ما شئت من الأرض فأنت آمن. فعند ذلك أزمع زياد السير إلى معاوية، فبلغ المغيرة قدومه فخشي أن يجتمع بمعاوية قبله، فسار نحو دمشق إلى معاوية فسبقه زياد إلى معاوية بشهر فقال معاوية للمغيرة: ما هذا وهو أبعد منك وأنت جئت بعده بشهر؟ فقال: يا أمير المؤمنين إنه ينتظر الزيادة وأنا أنتظر النقصان، فأكرم معاوية زيادا وقبض ما كان معه من الأموال وصدقه فيما صرفه وما بقي عنده. ثم دخلت سنة ثلاث وأربعين فيها غزا بسر بن أبى أرطاة بلاد الروم فوغل فيها حتى بلغ مدينة قسطنطينية، وشتى ببلادهم فيما زعمه الواقدي، وأنكر غيره ذلك وقالوا: لم يكن بها مشتى لأحد قط فالله أعلم. قال ابن جرير: وفيها مات عمرو بن العاص بمصر، ومحمد بن مسلمة، قلت: وسنذكر ترجمة كل منهما في آخرها، فولى معاوية بعد عمرو بن العاص على ديار مصر ولده عبد الله بن عمرو، قال الواقدي: فعمل له عليها سنتين. وقد كانت في هذه السنة - أعنى سنة ثلاث وأربعين - وقعة عظيمة بين الخوارج وجند الكوفة، وذلك أنهم صمموا - كما قدمنا - على الخروج على الناس في هذا الحين، فاجتمعوا في قريب من ثلاثمائة عليهم المستورد بن علقمة، فجهز عليهم المغيرة بن شعبة جندا عليهم معقل بن قيس في ثلاثة آلاف، فصار إليهم وقدم بين يديه أبا الرواع في طليعة هي ثلاثمائة على عدة الخوارج، فلقيهم أبو

стр. 2509

الرواع بمكان يقال له المذار: فاقتتلوا معهم فهزمهم الخوارج ثم كروا عليهم فهزمتهم الخوارج، ولكن لم يقتل أحد منهم، فلزموا مكانهم في مقاتلتهم ينتظرون قدوم أمير الجيش معقل بن قيس عليهم، فما قدم عليهم إلا في آخر نهار غربت فيه الشمس، فنزل وصلى بأصحابه، ثم شرع في مدح أبى الرواع فقال له: أيها الأمير إن لهم شدات منكرة، فكن أنت ردء الناس، ومر الفرسان فليقاتلوا بين يديك، فقال معقل بن قيس: نعم ما رأيت، فما كان إلا ريثما قال له ذلك حتى حملت الخوارج على معقل وأصحابه، فانجفل عنه عامة أصحابه، فترجل عند ذلك معقل بن قيس وقال: يا معشر المسلمين الأرض الأرض، فترجل معه جماعة من الفرسان والشجعان قريب من مائتي فارس، منهم أبو الرواع الشاكري، فحمل عليهم المستورد بن علقمة بأصحابه فاستقبلوهم بالرماح والسيوف، ولحق بقية الجيش بعض الفرسان فدمرهم وعيرهم وأنبهم على الفرار فرجع الناس إلى معقل وهو يقاتل الخوارج بمن معه من الأنصار قتالا شديدا، والناس يتراجعون في أثناء الليل، فصفهم معقل بن قيس ميمنة وميسرة ورتبهم وقال: لا تبرحوا على مصافكم حتى نصبح فنحمل عليهم، فما أصبحوا حتى هزمت الخوارج فرجعوا من حيث أتوا، فسار معقل في طلبهم وقدم بين يديه أبا الرواع في ستمائة فالتقوا بهم عند طلوع الشمس فثار إليهم الخوارج فتبارزوا ساعة، ثم حملوا حملة رجل واحد فصبر لهم أبو الرواع بمن معه، وجعل يدمرهم ويعيرهم ويؤنبهم على الفرار ويحثهم على الصبر فصبروا وصدقوا في الثبات حتى ردوا الخوارج إلى أماكنهم، فلما رأت الخوارج ذلك خافوا من هجوم معقل عليهم فما يكون دون قتلهم شيء، فهربوا بين أيديهم حتى قطعوا دجلة ووقعوا في أرض نهر شير، وتبعهم أبو الرواع ولحقه معقل بن قيس، ووصلت الخوارج إلى المدينة العتيقة فركب إليهم شريك بن عبيد - نائب المدائن - ولحقهم أبو الرواع بمن معه من المقدمة. وحج بالناس في هذه السنة مروان بن الحكم نائب المدينة. وممن توفى بها عمرو بن العاص ومحمد بن مسلمة ﵄. أما عمرو بن العاص [فهو عمرو ابن العاص] بن وائل بن هشام بن سعد بن سهم بن عمرو بن هصيص بن كعب بن لؤيّ بن غالب القرشي السهمي، أبو عبد الله، ويقال أبو محمد، أحد رؤساء قريش في الجاهلية، وهو الّذي أرسلوه إلى النجاشي ليرد عليهم من هاجر من المسلمين إلى بلاده فلم يجبهم إلى ذلك لعدله، ووعظ عمرو بن العاص في ذلك، فيقال إنه أسلم على يديه والصحيح أنه إنما أسلم قبل الفتح بستة أشهر هو وخالد بن الوليد، وعثمان بن طلحة العبدري. وكان أحد أمراء الإسلام، وهو أمير ذات السلاسل، وأمده رسول الله ﷺ بمدد عليهم أبو عبيدة ومعه الصديق وعمر الفاروق، واستعمله رسول الله ﷺ على عمان فلم يزل عليها مدة حياة رسول الله ﷺ ، وأقره عليها الصديق. وقد قال الترمذي: ثنا قتيبة ثنا ابن لهيعة ثنا مشرح بن عاهان عن عقبة بن عامر. قال قال رسول الله ﷺ : «أسلم

стр. 2510

الناس وآمن عمرو بن العاص» وقال أيضا: ثنا إسحاق بن منصور ثنا أبو أسامة عن نافع عن عمر الجمحيّ عن ابن أبى مليكة. قال قال طلحة بن عبيد الله: سمعت رسول الله يقول: «إن عمرو بن العاص من صالحي قريش» وفي الحديث الآخر: «ابنا العاص مؤمنان» وفي الحديث الآخر: «نعم أهل البيت عبد الله وأبو عبد الله وأم عبد الله». رووه في فضائل عمرو بن العاص. ثم إن الصديق بعثه في جملة من بعث من أمراء الجيش إلى الشام فكان ممن شهد تلك الحروب، وكانت له الآراء السديدة، والمواقف الحميدة، والأحوال السعيدة. ثم بعثه عمر إلى مصر فافتتحها واستنابه عليها، وأقره فيها عثمان بن عفان أربع سنين ثم عزله كما قدمنا، وولى عليها عبد الله بن سعد بن أبى سرح، فاعتزل عمرو بفلسطين وبقي في نفسه من عثمان ﵄. فلما قتل سار إلى معاوية فشهد مواقفه كلها بصفين وغيرها، وكان هو أحد الحكمين. ثم لما أن استرجع معاوية مصر وانتزعها من يد محمد بن أبى بكر، استعمل عمرو بن العاص عليها فلم يزل نائبها إلى أن مات في هذه السنة على المشهور، وقيل إنه توفى سنة سبع وأربعين، وقيل سنة ثمان وأربعين. وقيل سنة إحدى وخمسين ﵀. وقد كان معدودا من دهاة العرب وشجعانهم وذوى آرائهم. وله أمثال حسنة وأشعار جيدة. وقد روى عنه أنه قال: حفظت من رسول الله ﷺ ألف مثل، ومن شعره: إذا المرء لم يترك طعاما يحبه … ولم ينه قلبا غاويا حيث يمما قضى وطرا منه وغادر سبة … إذا ذكرت أمثالها تملأ الفما وقال الامام أحمد: حدثنا على بن إسحاق ثنا عبد الله - يعنى ابن المبارك - أنا ابن لهيعة حدثني يزيد بن أبى حبيب أن عبد الرحمن بن شماسة حدثه قال: لما حضرت عمرو بن العاص الوفاة بكى فقال له ابنه عبد الله: لم تبكى؟ أجزعا على الموت؟ فقال: لا والله ولكن مما بعد الموت، فقال له: قد كنت على خير، فجعل يذكره صحبة رسول الله وفتوحه الشام، فقال عمرو: تركت أفضل من ذلك كله شهادة أن لا إله إلا الله، إني كنت على ثلاثة أطباق ليس فيها طبق إلا عرفت نفسي فيه، كنت أول قريش كافرا، وكنت أشد الناس على رسول الله ﷺ فلو مت حينئذ وجبت لي النار، فلما بايعت رسول الله ﷺ كنت أشد الناس حياء منه، فما ملأت عيني من رسول الله ولا راجعته فيما أريد حتى لحق بالله حياء، فلو مت يومئذ قال الناس: هنيئا لعمرو أسلم وكان على خير فمات عليه نرجو له الجنة. ثم تلبست بعد ذلك بالسلطان وأشياء فلا أدرى عليّ أم لي، فإذا مت فلا تبكين على باكية، ولا يتبعني مادح ولا نار، وشدوا على إزاري فانى مخاصم، وشنوا على التراب شنا، فان جنبي الأيمن ليس أحق بالتراب من جنبي الأيسر، ولا تجعلن في قبري خشبة ولا حجرا، وإذا واريتموني فاقعدوا عندي قدر نحر جزور أستأنس بكم. وقد روى مسلم هذا الحديث في صحيحه من

стр. 2511

حديث يزيد بن أبى حبيب باسناده نحوه وفيه زيادات على هذا السياق، فمنها قوله: كي أستأنس بكم لأنظر ماذا أراجع رسل ربى . وفي رواية أنه بعد هذا حول وجهه إلى الجدار وجعل يقول: اللهمّ أمرتنا فعصينا، ونهيتنا فما انتهينا، ولا يسعنا إلا عفوك. وفي رواية أنه وضع يده على موضع الغل من عنقه ورفع رأسه إلى السماء وقال: اللهمّ لا قوى فانتصر، ولا برئ فأعتذر، ولا مستنكر بل مستغفر، لا إله إلا أنت، فلم يزل يرددها حتى مات ﵁. وأما محمد بن مسلمة الأنصاري [فقد] أسلم على يدي مصعب بن عمير قبل أسيد بن حضير وسعد ابن معاذ، شهد بدرا وما بعدها إلا تبوك فإنه استخلفه رسول الله على المدينة في قول، وقيل استخلفه في قرقرة الكدر، وكان فيمن قتل كعب بن الأشرف اليهودي، وقيل إنه الّذي قتل مرحبا اليهودي يوم خيبر أيضا. وقد أمّره رسول الله ﷺ على نحو من خمس عشرة سرية، وكان ممن اعتزل تلك الحروب بالجمل وصفين ونحو ذلك، واتخذ سيفا من خشب. وقد ورد في حديث قدمناه أنه أمره رسول الله ﷺ بذلك وخرج إلى الرَّبَذَة. وكان من سادات الصحابة، وكان هو رسول عمر إلى عماله وهو الّذي شاطرهم عن أمره، وله وقائع عظيمة وصيانة وأمانة بليغة، ﵁، واستعمله على صدقات جهينة، وقيل إنه توفى سنة ست أو سبع وأربعين، وقيل غير ذلك. وقد جاوز السبعين، وترك بعده عشرة ذكور وست بنات، وكان أسمر شديد السمرة طويلا أصلع ﵁. وممن توفى فيها عبد الله بن سلام أبو يوسف الإسرائيلي، أحد أحبار اليهود، أسلم حين قدم رسول الله ﷺ المدينة، قال: لما قدم رسول الله المدينة انجفل الناس إليه فكنت فيمن انجفل إليه، فلما رأيت وجهه عرفت أن وجهه ليس بوجه رجل كذاب، فكان أول ما سمعته يقول: «أيها الناس أفشوا السلام، وأطعموا الطعام، وصلوا الأرحام تدخلوا الجنة بسلام». وقد ذكرنا صفة إسلامه أول الهجرة، وماذا سأل عنه رسول الله ﷺ من الأسئلة النافعة الحسنة، ﵁. وهو ممن شهد له رسول الله بالجنة، وهو ممن يقطع له بدخولها. ثم دخلت سنة أربع وأربعين فيها غزا عبد الرحمن بن خالد بن الوليد بلاد الروم ومعه المسلمون وشتوا هنالك، وفيها غزا بسر ابن أبى أرطاة في البحر، وفيها عزل معاوية عبد الله بن عامر عن البصرة، وذلك أنه ظهر فيها الفساد وكان ليّن العريكة سهلا، يقال إنه كان لا يقطع لصا ويريد أن يتألف الناس، فذهب عبد الله بن أبى أوفى المعروف بابن الكواء فشكاه إلى معاوية، فعزل معاوية ابن عامر عن البصرة وبعث إليها الحرث بن عبد الله الأزدي، ويقال إن معاوية استدعاه إليه ليزوره فقدم ابن عامر على معاوية دمشق فأكرمه ورده على عمله، فلما ودعه قال له معاوية: ثلاث أسألكهن فقل هي لك وأنا ابن أم

стр. 2512

حكيم، ترد على عملي ولا تغضب، قال ابن عامر: قد فعلت، قال معاوية: وتهب لي مالك بعرفة، قال: قد فعلت. قال: وتهب لي دورك بمكة، قال: قد فعلت. فقال له معاوية: وصلتك رحما، فقال ابن عامر: يا أمير المؤمنين وإني سائلك ثلاثا فقل هي لك وأنا ابن هند، قال: ترد على مالي بعرفة، قال: قد فعلت قال ولا تحاسب: لي عاملا ولا أميرا، قال: قد فعلت، قال: وتنكحني ابنتك هندا، قال: قد فعلت. ويقال إن معاوية خيره بين هذه الثلاث وبين الولاية على البصرة فاختار هذه الثلاث واعتزل عن البصرة. قال ابن جرير: وفي هذه السنة استلحق معاوية زياد ابن أبيه فألحقه بأبي سفيان، وذلك أن رجلا شهد على إقرار أبى سفيان أنه عاهر بسمية أم زياد في الجاهلية، وأنها حملت بزياد هذا منه، فلما استلحقه معاوية قيل له زياد بن أبى سفيان، وقد كان الحسن البصري ينكر هذا الاستلحاق ويقول: قال رسول الله ﷺ : «الولد للفراش وللعاهر الحجر». وقال أحمد: ثنا هشيم ثنا خالد عن أبى عثمان قال: لما ادعى زياد لقيت أبا بكرة فقلت: ما هذا الّذي صنعتم؟ سمعت سعد بن أبى وقاص يقول: سمعت أذنى رسول الله ﷺ يقول: «من ادعى أبا في الإسلام غير أبيه وهو يعلم أنه غير أبيه فالجنة عليه حرام» فقال أبو بكرة: وأنا سمعته من رسول الله ﷺ ، أخرجاه من حديث أبى عثمان عنهما. قلت: أبو بكرة واسمه نفيع وأمه سمية أيضا. وحج بالناس في هذه السنة معاوية، وفيها عمل معاوية المقصورة بالشام، ومروان مثلها بالمدينة. وفي هذه السنة توفيت أم حبيبة بنت أبى سفيان أم المؤمنين، واسمها رملة أخت معاوية، أسلمت قديما وهاجرت هي وزوجها عبد الله بن جحش إلى أرض الحبشة فتنصر هناك زوجها، وثبتت على دينها ﵂، وحبيبة هي أكبر أولادها منه، ولدتها بالحبشة وقيل بمكة قبل الهجرة، ومات زوجها هنالك لعنة الله وقبحه. ولما تأيمت من زوجها بعث رسول الله ﷺ عمرو بن أمية الضمريّ إلى النجاشي فزوجها منه، وولى العقد خالد بن سعيد بن العاص، وأصدقها عنه النجاشي أربعمائة دينار وحملها إليه في سنة سبع، ولما جاء أبوها عام الفتح ليشهد العقد دخل عليها فثنت عنه فراش رسول الله فقال لها: والله يا بنية ما أدرى أرغبت بهذا الفراش عنى أم بى عنه؟ فقالت: بل هو فراش رسول الله وأنت رجل مشرك، فقال لها: والله يا بنية لقد لقيت بعدي شرا. وقد كانت من سيدات أمهات المؤمنين ومن العابدات الورعات ﵂. قال محمد بن عمر الواقدي: حدثني أبو بكر بن عبد الله بن أبى سبرة عن عبد المجيد بن سهيل عن عوف بن الحارث قال: سمعت عائشة تقول: دعتني أم حبيبة عند موتها فقالت: قد يكون بيننا ما يكون بين الضرائر. فقلت: يغفر الله لي ولك، ما كان من ذلك كله وتجاوزت وحاللتك، فقالت: سررتينى سرك الله. وأرسلت إلى أم سلمة فقالت لها مثل ذلك.

стр. 2513

ثم دخلت سنة خمس وأربعين فيها ولى معاوية البصرة للحارث بن عبد الله الأزدي، ثم عزله بعد أربعة أشهر، وولى زيادا فقدم زياد الكوفة، وعليها المغيرة فأقام بها ليأتيه رسول معاوية بولاية البصرة، فظن المغيرة أنه قد جاء على إمرة الكوفة فبعث إليه وائل بن حجر ليعلم خبره فاجتمع به فلم يقدر منه على شيء، فجاء البريد إلى زياد أن يسير إلى البصرة، واستعمله على خراسان وسجستان ثم جمع له الهند والبحرين وعمان. ودخل زياد البصرة في مستهل جمادى الأول فقام في أول خطبة خطبها - وقد وجد الفسق ظاهرا - فقال فيها: أيها الناس كأنكم لم تسمعوا ما أعد الله من الثواب لأهل الطاعة، والعذاب لأهل المعصية تكونون كمن طرقت جبينه الدنيا وفسدت مسامعه الشهوات، فاختار الفانية على الباقية. ثم ما زال يقيم أمر السلطان ويجرد السيف حتى خافه الناس خوفا عظيما، وتركوا ما كانوا فيه من المعاصي الظاهرة، واستعان بجماعة من الصحابة، وولى عمران بن حصين القضاء بالبصرة، وولى الحكم بن عمرو الغفاريّ نيابة خراسان، وولى سمرة بن جندب وعبد الرحمن بن سمرة وأنس بن مالك، وكان حازم الرأى ذا هيبة داهية، وكان مفوها فصيحا بليغا. قال الشعبي: ما سمعت متكلما قط تكلم فأحسن إلا أحببت أن يسكت خوفا من أن يسيء إلا زيادا فإنه كان كلما أكثر كان أجود كلاما، وقد كانت له وجاهة عند عمر بن الخطاب. وفي هذه السنة غزا الحكم بن عمرو نائب زياد على خراسان جبل الأسل عن أمر زياد فقتل منهم خلقا كثيرا وغنم أموالا جمة، فكتب إليه زياد: إن أمير المؤمنين قد جاء كتابه أن يصطفى له كل صفراء وبيضاء - يعنى الذهب والفضة - يجمع كله من هذه الغنيمة لبيت المال. فكتب الحكم بن عمرو: إن كتاب الله مقدم على كتاب أمير المؤمنين، وإنه والله لو كانت السموات والأرض على عدو فاتقى الله يجعل له مخرجا، ثم نادى في الناس: أن أغدوا على قسم غنيمتكم، فقسمها بينهم وخالف زيادا فيما كتب إليه عن معاوية، وعزل الخمس كما أمر الله ورسوله، ثم قال الحكم: إن كان لي عندك خير فاقبضنى إليك، فمات بمرو من خراسان ﵁. قال ابن جرير: وحج بالناس في هذه السنة مروان بن الحكم وكان نائب المدينة. وفي هذه السنة توفى زيد بن ثابت الأنصاري أحد كتاب الوحي، وقد ذكرنا ترجمته فيهم في أواخر السيرة، وهو الّذي كتب هذا المصحف الامام الّذي بالشام عن أمر عثمان بن عفان، وهو خط جيد قوى جدا فيما رأيته، وقد كان زيد بن ثابت من أشد الناس ذكاء تعلم لسان يهود وكتابهم في خمسة عشر يوما، قال أبو الحسن بن البراء: تعلم الفارسية من رسول كسرى في ثمانية عشر يوما، وتعلم الحبشية والروميّة والقبطية من خدام رسول الله ﷺ ، قال الواقدي: وأول مشاهده الخندق وهو ابن خمس عشرة سنة. وفي الحديث الّذي رواه أحمد والنسائي: «وأعلمهم بالفرائض زيد بن

стр. 2514

ثابت». وقد استعمله عمر بن الخطاب على القضاء، وقال مسروق: كان زيد بن ثابت من الراسخين، وقال محمد بن عمرو عن أبى سلمة عن ابن عباس أنه أخذ لزيد بن ثابت بالركاب فقال له: تنح يا ابن عم رسول الله، فقال: لا! هكذا نفعل بعلمائنا وكبرائنا. وقال الأعمش عن ثابت عن عبيد قال: كان زيد بن ثابت من أفكه الناس في بيته ومن أذمها إذا خرج إلى الرجال. وقال محمد بن سيرين: خرج زيد بن ثابت إلى الصلاة فوجد الناس راجعين منها فتوارى عنهم، وقال: من لا يستحيى من الناس لا يستحيى من الله. مات في هذه السنة وقيل في سنة خمس وخمسين، والصحيح الأول، وقد قارب الستين وصلى عليه مروان، وقال ابن عباس: لقد مات اليوم عالم كبير. وقال أبو هريرة: مات حبر هذه الأمة. وفيها مات سلمة بن سلامة بن وقش عن سبعين، وقد شهد بدرا وما بعدها ولا عقب له. وعاصم ابن عدي، وقد استخلفه رسول الله حين خرج إلى بدر على قبا وأهل العالية، وشهد أحدا وما بعدها، وتوفى عن خمس وعشرين ومائة، وقد بعثه رسول الله هو ومالك بن الدخشم إلى مسجد الضرار فحرقاه. وفيها توفيت حفصة بنت عمر بن الخطاب أم المؤمنين، وكانت قبل رسول الله ﷺ تحت حنيس بن حذافة السهمي، وهاجرت معه إلى المدينة فتوفى عنها بعد بدر، فلما انقضت عدتها عرضها أبوها على عثمان بعد وفاة زوجته رقية بنت رسول الله ﷺ ، فأبى أن يتزوجها، فعرضها على أبى بكر فلم يرد عليه شيئا، فما كان عن قريب حتى خطبها رسول الله ﷺ فتزوجها، فعاتب عمر أبا بكر بعد ذلك في ذلك فقال له أبو بكر: إن رسول الله كان قد ذكرها فما كنت لأفشى سر رسول الله ﷺ ، ولو تركها فتزوجها. وقد روينا في الحديث أن رسول الله ﷺ طلق حفصة ثم راجعها. وفي رواية أن جبريل أمره بمراجعتها، وقال: إنها صوامة قوامة، وهي زوجتك في الجنة. وقد أجمع الجمهور أنها توفيت في شعبان من هذه السنة عن ستين سنة، وقيل إنها توفيت أيام عثمان والأول أصح. ثم دخلت سنة ست وأربعين فيها شتى المسلمون ببلاد الروم مع أميرهم عبد الرحمن بن خالد بن الوليد، وقيل كان أميرهم غيره والله أعلم. وحج بالناس فيها عتبة بن أبى سفيان أخو معاوية، والعمال على البلاد هم المتقدم ذكرهم وممن توفى في هذه السنة سالم بن عمير أحد البكاءين المذكورين في القرآن، شهد بدرا وما بعدها من المشاهد كلها.

стр. 2515

سراقة بن كعب شهد بدرا وما بعدها عبد الرحمن بن خالد بن الوليد القرشي المخزومي، وكان من الشجعان المعروفين والأبطال المشهورين كأبيه، وكان قد عظم ببلاد الشام لذلك حتى خاف منه معاوية، ومات وهو مسموم ﵀ وأكرم مثواه، قال ابن مندة وأبو نعيم الأصبهاني: أدرك النبي ﷺ . وقد روى ابن عساكر من طريق أبى عمر أن عمرو بن قيس روى عنه عن النبي ﷺ في الحجامة بين الكتفين قال البخاري: وهو منقطع - يعنى مرسلا - وكان كعب بن جعيل مداحا له ولأخويه مهاجر وعبد الله. وقال الزبير بن بكار: كان عظيم القدر في أهل الشام، شهد صفين مع معاوية. وقال ابن سميع: كان يلي الصوائف زمن معاوية، وقد حفظ عن معاوية. وقد ذكر ابن جرير وغيره أن رجلا يقال له ابن أثال - وكان رئيس الذمة بأرض حمص - سقاه شربة فيها سم فمات، وزعم بعضهم أن ذلك عن أمر معاوية له في ذلك ولا يصح. ورثاه بعضهم فقال: أبوك الّذي قاد الجيوش مغرّيا … إلى الروم لما أعطت الخرج فارس وكم من فتى نبهّته بعد هجعة … بقرع لجام وهو أكتع ناعس وما يستوي الصفان صف لخالد … وصف عليه من دمشق البرانس وقد ذكروا أن خالد بن عبد الرحمن بن خالد قدم المدينة فقال له عروة بن الزبير: ما فعل ابن أثال؟ فسكت، ثم رجع إلى حمص فثار على ابن أثال فقتله، فقال: قد كفيتك إياه ولكن ما فعل ابن جرموز؟ فسكت عروة ومحمد بن مسلمة في قول، وقد تقدم (هرم بن حبان العبديّ) وهو أحد عمال عمر بن الخطاب، ولقي أويسا القرني وكان من عقلاء الناس وعلمائهم، ويقال إنه لما دفن جاءت سحابة فروت قبره وحده، ونبت العشب عليه من وقته والله أعلم. ثم دخلت سنة سبع وأربعين فيها شتى المسلمون ببلاد الروم، وفيها عزل معاوية عبد الله بن عمرو بن العاص عن ديار مصر وولى عليها معاوية بن خديج، وحج بالناس عتبة، وقيل أخوه عنبسة بن أبى سفيان فالله أعلم. وممن توفى فيها قيس بن عاصم المنقري، كان من سادات الناس في الجاهلية والإسلام، وكان ممن حرم الخمر في الجاهلية والإسلام، وذلك أنه سكر يوما فعبث بذات محرم منه فهربت منه، فلما أصبح قيل له في ذلك فقال في ذلك: رأيت الخمر منقصة وفيها … مقابح تفضح الرجل الكريما فلا والله أشربها حياتي … ولا أشفى بها أبدا سقيما وكان إسلامه مع وفد بنى تميم، وفي بعض الأحاديث أن رسول الله قال: «هذا سيد أهل الوبر»

стр. 2516

وكان جوادا ممدحا كريما وهو الّذي يقول فيه الشاعر: وما كان قيس هلكه هلك واحد … ولكنه بنيان قوم تهدما وقال الأصمعي: سمعت أبا عمرو بن العلاء وأبا سفيان بن العلاء يقولان: قيل للأحنف بن قيس ممن تعلمت الحلم؟ قال: من قيس بن عاصم المنقري، لقد اختلفنا إليه في الحكم كما يختلف إلى الفقهاء، فبينا نحن عنده يوما وهو قاعد بفنائه محتب بكسائه أتته جماعة فيهم مقتول ومكتوف فقالوا: هذا ابنك قتله ابن أخيك، قال: فو الله ما حل حبوته حتى فرغ من كلامه، ثم التفت إلى ابن له في المسجد فقال: أطلق عن ابن عمك، ووار أخاك واحمل إلى أمه مائة من الإبل فإنها غريبة، ويقال إنه لما حضرته الوفاة جلس حوله بنوه - وكانوا اثنين وثلاثين ذكرا - فقال لهم: يا بنى سوّدوا عليكم أكبركم تخلفوا أباكم، ولا تسوّدوا أصغركم فيزدرى بكم أكفاؤكم، وعليكم بالمال واصطناعه فإنه نعم ما يهبه الكريم، ويستغنى به عن اللئيم، وإياكم ومسألة الناس فإنها من أخس مكسبة الرجل، ولا تنوحوا عليّ فان رسول الله لم ينح عليه، ولا تدفنونى حيث يشعر بكر بن وائل، فانى كنت أعاديهم في الجاهلية. وفيه يقول الشاعر عليك سلام الله قيس بن عاصم … ورحمته ما شاء أن يترحما تحية من أوليته منك منة … إذا ذكرت مثلتها تملأ الفما فما كان قيس هلكه هلك واحد … ولكنه بنيان قوم تهدما ثم دخلت سنة ثمان وأربعين فيها شتى أبو عبد الرحمن القتبى بالمسلمين ببلاد انطاكية، وفيها غزا عقبة بن عامر بأهل مصر البحر، وحج بالناس في هذه السنة مروان بن الحكم نائب المدينة. ثم دخلت سنة تسع وأربعين فيها غزا يزيد بن معاوية بلاد الروم حتى بلغ قسطنطينية ومعه جماعات من سادات الصحابة منهم ابن عمرو ابن عباس وابن الزبير وأبو أيوب الأنصاري. وقد ثبت في صحيح البخاري أن رسول الله ﷺ قال: «أول جيش يغزون مدينة قيصر مغفور لهم» فكان هذا الجيش أول من غزاها، وما وصلوا إليها حتى بلغوا الجهد. وفيها توفى أبو أيوب خالد بن زيد الأنصاري، و [قيل] لم يمت في هذه الغزوة بل بعدها سنة إحدى أو ثنتين أو ثلاث وخمسين كما سيأتي. وفيها عزل معاوية مروان عن المدينة وولى عليها سعيد بن العاص، فاستقضى سعيد عليها أبا سلمة بن عبد الرحمن. وفيها شتى مالك بن هبيرة الفزاري بأرض الروم، وفيها كانت غزوة فضالة بن عبيد، وشتى لك، ففتح البلد وغنم شيئا كثيرا. وفيها كانت صائفة عبد الله بن كرز. وفيها وقع الطاعون بالكوفة فخرج

стр. 2517

منها المغيرة فارا، فلما ارتفع الطاعون رجع إليها فأصابه الطاعون فمات، والصحيح أنه مات سنة خمسين كما سيأتي، فجمع معاوية لزياد الكوفة إلى البصرة، فكان أول من جمع له بينهما، فكان يقيم في هذه ستة أشهر وهذه ستة أشهر، وكان يستخلف على البصرة سمرة بن جندب. وحج بالناس في هذه السنة سعيد بن العاص. ذكر من توفى في هذه السنة من الأعيان الحسن بن على بن أبى طالب أبو محمد القرشي الهاشمي، سبط رسول الله ﷺ ، ابن ابنته فاطمة الزهراء، وريحانته، وأشبه خلق الله به في وجهه، ولد للنصف من رمضان سنة ثلاث من الهجرة، فحنكه رسول الله بريقه وسماه حسنا، وهو أكبر ولد أبويه، وقد كان رسول الله ﷺ يحبه حبا شديدا حتى كان يقبل زبيبته وهو صغير، وربما مص لسانه واعتنقه وداعبه، وربما جاء ورسول الله ﷺ ساجد في الصلاة فيركب على ظهره فيقره على ذلك ويطيل السجود من أجله، وربما صعد معه إلى المنبر، وقد ثبت في الحديث أنه ﵇ بينما هو يخطب إذ رأى الحسن والحسين مقلين فنزل إليهما فاحتضنهما وأخذهما معه إلى المنبر وقال: «صدق الله ﴿أَنَّما أَمْوالُكُمْ وَأَوْلادُكُمْ فِتْنَةٌ﴾ إني رأيت هذين يمشيان ويعثران فلم أملك أن نزلت إليهما» ثم قال: «إنكم لمن روح الله وإنكم لتبجلون وتحببون». وقد ثبت في صحيح البخاري عن أبى عاصم عن عمر بن سعيد بن أبى حسين عن ابن أبى مليكة عن عقبة بن الحارث أن أبا بكر صلّى بهم العصر بعد وفاة رسول الله بليال ثم خرج هو وعلى يمشيان، فرأى الحسن يلعب مع الغلمان فاحتمله على عنقه وجعل يقول: «يا بابي شبه النبي، ليس شبيها بعلي». قال: وعلى يضحك. وروى سفيان الثوري وغير واحد قالوا: ثنا وكيع ثنا إسماعيل بن أبى خالد سمعت أبا جحيفة يقول: «رأيت النبي ﷺ وكان الحسن بن على يشبهه». ورواه البخاري ومسلم من حديث إسماعيل بن أبى خالد قال وكيع: لم يسمع إسماعيل من أبى جحيفة إلا هذا الحديث. وقال أحمد: ثنا أبو داود الطيالسي ثنا زمعة عن ابن أبى مليكة قالت: كانت فاطمة تنقر للحسن بن على وتقول: يا بابي شبه النبي ليس شبيها بعلي. وقال عبد الرزاق وغيره عن معمر عن الزهري عن أنس قال: كان الحسن بن على أشبههم وجها برسول الله ﷺ . ورواه أحمد عن عبد الرزاق بنحوه، وقال أحمد: ثنا حجاج ثنا إسرائيل عن أبى إسحاق عن هانئ عن على قال: «الحسن أشبه برسول الله ما بين الصدر إلى الرأس، والحسين أشبه برسول الله ما أسفل من ذلك». ورواه الترمذي من حديث إسرائيل وقال حسن غريب. وقال أبو داود الطيالسي: ثنا قيس عن أبى إسحاق عن هانئ بن هانئ عن على قال: كان الحسن أشبه الناس برسول الله من وجهه إلى سرته، وكان الحسين أشبه الناس به

стр. 2518

ما أسفل من ذلك. وقد روى عن ابن عباس وابن الزبير أن الحسن بن على كان يشبه النبي ﷺ . وقال أحمد: ثنا حازم بن الفضيل ثنا معتمر عن أبيه قال: سمعت أبا تميمة يحدث عن أبى عثمان النهدي يحدثه أبو عثمان عن أسامة بن زيد قال: «كان النبي ﷺ يأخذنى فيقعدني على فخذه ويقعد الحسن على فخذه الأخرى ثم يضمنا ثم يقول: اللهمّ ارحمهما فانى أرحمهما». وكذا رواه البخاري عن النهدي عن محمد بن الفضيل أخو حازم به، وعن على بن المديني عن يحيى القطان عن سليمان التيمي عن أبى تميمة عن أبى عثمان عن أسامة، وأخرجه أيضا عن موسى بن إسماعيل ومسدد عن معتمر عن أبيه عن أبى عثمان عن أسامة فلم يذكر أبا تميمة والله أعلم. وفي رواية: «اللهمّ إني أحبهما فأحبهما». وقال شعبة عن عدي بن ثابت عن البراء بن عازب قال: رأيت النبي ﷺ والحسن بن على عاتقه وهو يقول: «اللهمّ إني أحبه فأحبه». أخرجاه من حديث شعبة. ورواه على بن الجعد عن فضيل بن مرزوق عن عدي عن البراء، فزاد «وأحب من أحبه» وقال الترمذي: حسن صحيح. وقال أحمد: ثنا سفيان بن عيينة عن عبيد الله بن أبى يزيد عن نافع بن جبير بن مطعم عن أبى هريرة عن النبي ﷺ قال للحسن بن على: «اللهمّ إني أحبه فأحبه وأحب من يحبه». ورواه مسلم عن أحمد وأخرجاه من حديث شعبة. وقال أحمد: ثنا أبو النضر ثنا ورقاء عن عبيد الله بن أبى يزيد عن نافع بن جبير عن أبى هريرة. قال: «كنت مع النبي ﷺ في سوق من أسواق المدينة فانصرف وانصرفت معه، فجاء إلى فناء فاطمة فقال أي لكع أي لكع أي لكع فلم يجبه أحد، فانصرف وانصرفت معه إلى فناء فقعد، قال: فجاء الحسن بن على - قال أبو هريرة: ظننا أن أمه حبسته لتجعل في عنقه السخاب - فلما دخل التزمه رسول الله والتزم هو رسول الله، ثم قال: إني أحبه وأحب من يحبه» ثلاث مرات. وأخرجاه من حديث سفيان بن عيينة عن عبد الله به. وقال أحمد: ثنا حماد الخياط ثنا هشام بن سعد عن نعيم بن عبد الله المجمر عن أبى هريرة. قال: «خرج رسول الله إلى سوق بنى قينقاع متكئا على يدي فطاف فيها، ثم رجع فاحتبى في المسجد وقال: أين لكاع؟ ادعوا لي لكاع، فجاء الحسن فاشتد حتى وثب في حبوته فأدخل فمه في فمه ثم قال: اللهمّ إني أحبه فأحبه وأحب من يحبه» ثلاثا، قال أبو هريرة: ما رأيت الحسن إلا فاضت عينىّ، أو قال: دمعت عيني أو بكيت - وهذا على شرط مسلم ولم يخرجوه. وقد رواه الثوري عن نعيم عن محمد بن سيرين عن أبى هريرة فذكر مثله أو نحوه. ورواه معاوية بن أبى برود عن أبيه عن أبى هريرة بنحوه وفيه زيادة. وروى أبو إسحاق عن الحارث عن على نحوا من هذا. ورواه عثمان بن أبى اللباب عن ابن أبى مليكة عن عائشة بنحوه وفيه زيادة. وروى أبو إسحاق عن الحارث عن على نحوا من هذا السياق. وقال سفيان الثوري وغيره عن سالم بن أبى حفصة عن أبى حازم عن أبى هريرة. قال قال

стр. 2519

رسول الله ﷺ : «من أحب الحسن والحسين فقد أحبنى، ومن أبغضهما فقد أبغضنى» غريب من هذا الوجه. وقال أحمد: ثنا ابن نمير ثنا الحجاج - يعنى ابن دينار - عن جعفر بن إياس عن عبد الرحمن بن مسعود عن أبى هريرة قال: «خرج علينا رسول الله ومعه حسن وحسين، هذا على عاتقه وهذا على عاتقه، وهو يلثم هذا مرة وهذا مرة حتى انتهى إلينا، فقال له رجل: يا رسول الله إنك لتحبهما، فقال: من أحبهما فقد أحبنى ومن أبغضهما فقد أبغضنى». تفرد به أحمد. وقال أبو بكر ابن عياش عن عاصم عن زر عن عبد الله قال: «كان رسول الله ﷺ يصلى فجاء الحسن والحسين فجعلا يتوثبان على ظهره إذا سجد، فأراد الناس زجرهما فلما سلم قال للناس: هذان ابناي، من أحبهما فقد أحبنى». ورواه النسائي من حديث عبيد الله بن موسى عن على بن صالح عن عاصم به. وقد ورد عن عائشة وأم سلمة أمى المؤمنين أن رسول الله اشتمل على الحسن والحسين وأمهما وأبيهما فقال: «اللهمّ هؤلاء أهل بيتي فأذهب عنهم الرجس وطهرهم تطهيرا» وقال محمد بن سعد: ثنا محمد ابن عبد الله الأسدي ثنا شريك عن جابر عن عبد الرحمن بن سابط عن جابر بن عبد الله. قال قال رسول الله: «من سره أن ينظر إلى سيد شباب أهل الجنة فلينظر إلى الحسن ابن على» وقد رواه وكيع عن الربيع بن سعد عن عبد الرحمن بن سابط عن جابر فذكر مثله، وإسناده لا بأس به، ولم يخرجوه. وجاء من حديث على وأبى سعيد وبريدة أن رسول الله قال: «الحسن والحسين سيدا شباب أهل الجنة وأبوهما خير منهما». وقال أبو القاسم البغوي: ثنا داود بن عمرو ثنا إسماعيل ابن عياش حدثني عبد الله بن عثمان بن خيثم عن سعد بن راشد عن يعلى بن مرة. قال: «جاء الحسن والحسين يسعيان إلى رسول الله فجاء أحدهما قبل الآخر فجعل يده تحت رقبته ثم ضمه إلى إبطه، ثم جاء الآخر فجعل يده إلى الأخرى في رقبته ثم ضمه إلى إبطه، وقبل هذا ثم قبل هذا ثم قال: اللهمّ إني أحبهما فأحبهما، ثم قال: أيها الناس إن الولد مبخلة مجبنة مجهلة» وقد رواه عبد الرزاق عن معمر عن ابن أبى خيثم عن محمد بن الأسود بن خلف عن أبيه «أن رسول الله أخذ حسنا فقبله ثم أقبل عليهم فقال: إن الولد مبخلة مجبنة» وقال ابن خزيمة: ثنا عبدة بن عبد الله الخزاعي ثنا زيد بن الحباب ح وقال أبو يعلى أبو خيثمة: ثنا زيد بن الحباب حدثني حسين بن واقد حدثني عبد الله بن بريدة عن أبيه قال: «كان رسول الله ﷺ يخطب فجاء الحسن والحسين وعليهما قميصان أحمران يعثران ويقومان، فنزل رسول الله إليهما فأخذهما فوضعهما في حجره على المنبر، ثم قال: صدق الله! إنما أموالكم وأولادكم فتنة، رأيت هذين الصبيين فلم أصبر، ثم أخذ في خطبته». وقد رواه أبو داود والترمذي وابن ماجة من حديث الحسين بن واقد، وقال الترمذي حسن غريب لا نعرفه إلا من حديثه، وقد رواه محمد الضمريّ عن زيد بن أرقم فذكر القصة للحسن وحده: وفي

стр. 2520

حديث عبد الله بن شداد عن أبيه «أن رسول الله صلّى بهم إحدى صلاتي العشي فسجد سجدة أطال فيها السجود، فلما سلم قال الناس له في ذلك، قال: إن ابني هذا - يعنى الحسن - ارتحلني فكرهت أن أعجله حتى يقضى حاجته». وقال الترمذي عن أبى الزبير عن جابر قال: «دخلت على رسول الله وهو حامل الحسن والحسين على ظهره وهو يمشى بهما على أربع، فقلت: نعم الحمل حملكما فقال: ونعم العدلان هما» على شرط مسلم ولم يخرجوه، وقال أبو يعلى: ثنا أبو هاشم ثنا أبو عامر ثنا زمعة بن صالح عن سلمة بن وهرام عن عكرمة عن ابن عباس. قال: «خرج رسول الله وهو حامل الحسن على عاتقه فقال له رجل: يا غلام نعم المركب ركبت، فقال رسول الله: ونعم الراكب هو». وقال أحمد: حدثنا تليد بن سليمان ثنا أبو الحجاف عن أبى حازم عن أبى هريرة. قال: «نظر رسول الله إلى على وحسن وحسين وفاطمة فقال: أنا حرب لمن حاربتم وسلم لمن سالمتم». وقد رواه النسائي من حديث أبى نعيم، وابن ماجة من حديث وكيع كلاهما عن سفيان الثوري عن أبى الحجاف داود بن أبى عوف، قال وكيع: وكان مريضا - عن أبى حازم عن أبى هريرة أن رسول الله قال عن الحسن والحسين: «من أحبهما فقد أحبنى، ومن أبغضهما فقد أبغضنى» وقد رواه أسباط عن السدي عن صبيح مولى أم سلمة عن زيد بن أرقم فذكره. وقال بقية عن بجير بن سعيد عن خالد ابن معدان عن المقدام بن معديكرب قال: سمعت رسول الله يقول: «الحسن منى والحسين من على» فيه نكارة لفظا ومعنى. وقال أحمد: ثنا محمد بن أبى عدي عن ابن عوف عن عمير بن إسحاق. قال: «كنت مع الحسن بن على فلقينا أبو هريرة فقال: أرنى أقبل منك حيث رأيت رسول الله يقبل، فقال: بقميصه، قال: فقبل سرته» تفرد به أحمد، ثم رواه عن إسماعيل بن علية عن ابن عوف. وقال أحمد: ثنا هاشم بن القاسم عن جرير عن عبد الرحمن أبى عوف الجرشى عن معاوية. قال: «رأيت رسول الله يمص لسانه - أو قال شفته يعنى الحسن بن على - وإنه لن يعذب لسان أو شفتان يمصهما رسول الله ﷺ ». تفرد به أحمد، وقد ثبت في الصحيح عن أبى بكرة. وروى أحمد عن جابر بن عبد الله أن رسول الله ﷺ قال: «إن ابني هذا سيد ولعل الله أن يصلح به بين فئتين عظيمتين من المسلمين». وقد تقدم هذا الحديث في دلائل النبوة، وتقدم قريبا عند نزول الحسن لمعاوية عن الخلافة، ووقع ذلك تصديقا لقوله ﷺ هذا، وكذلك ذكرناه في كتاب دلائل النبوة ولله الحمد والمنة. وقد كان الصديق يجله ويعظمه ويكرمه ويحبه ويتفداه، وكذلك عمر ابن الخطاب، فروى الواقدي عن موسى بن محمد بن إبراهيم بن الحارث التيمي عن أبيه: أن عمر لما عمل الديوان فرض للحسن والحسين مع أهل بدر في خمسة آلاف خمسة آلاف، وكذلك كان عثمان بن عفان يكرم الحسن والحسين ويحبهما. وقد كان الحسن بن على يوم الدار - وعثمان بن عفان محصور -

стр. 2521

عنده ومعه السيف متقلدا به يحاجف عن عثمان فخشي عثمان عليه فأقسم عليه ليرجعن إلى منزلهم تطييبا لقلب على، وخوفا عليه ﵃. وكان على يكرم الحسن إكراما زائدا، ويعظمه ويبجله وقد قال له يوما: يا بنى ألا تخطب حتى أسمعك؟ فقال: إني أستحيى أن أخطب وأنا أراك، فذهب على فجلس حيث لا يراه الحسن ثم قام الحسن في الناس خطيبا وعليّ يسمع، فأدى خطبة بليغة فصيحة فلما انصرف جعل على يقول: ذرية بعضها من بعض والله سميع عليم. وقد كان ابن عباس يأخذ الركاب للحسن والحسين إذا ركبا، ويرى هذا من النعم عليه. وكانا إذا طافا بالبيت يكاد الناس يحطمونهما مما يزدحمون ﵉ عليهما، ﵄ وأرضاهما. وكان ابن الزبير يقول: والله ما قامت النساء عن مثل الحسن بن على. وقال غيره: كان الحسن إذا صلى الغداة في مسجد رسول الله يجلس في مصلاه يذكر الله حتى ترتفع الشمس، ويجلس إليه من يجلس من سادات الناس يتحدثون عنده، ثم يقوم فيدخل على أمهات المؤمنين فيسلم عليهنّ وربما أتحفنه ثم ينصرف إلى منزله. ولما نزل لمعاوية عن الخلافة من ورعه صيانة لدماء المسلمين، كان له على معاوية في كل عام جائزة، وكان يفد إليه، فربما أجازه بأربعمائة ألف درهم، وراتبه في كل سنة مائة ألف، فانقطع سنة عن الذهاب وجاء وقت الجائزة فاحتاج الحسن إليها - وكان من أكرم الناس - فأراد أن يكتب إلى معاوية ليبعث بها إليه، فلما نام تلك الليلة رأى رسول الله في المنام فقال له: يا بنى أتكتب إلى مخلوق بحاجتك؟ وعلمه دعاء يدعو به» فترك الحسن. ما كان همّ به من الكتابة، فذكره معاوية وافتقده، وقال: ابعثوا إليه بمائتي ألف فلعل له ضرورة في تركه القدوم علينا، فحملت إليه من غير سؤال. قال صالح بن أحمد: سمعت أبى يقول: الحسن بن على مدني ثقة. حكاه ابن عساكر في تاريخه، قالوا: وقاسم الله ماله ثلاث مرات، وخرج من ماله مرتين، وحج خمسا وعشرين مرة ماشيا وإن الجنائب لتقاد بين يديه. وروى ذلك البيهقي من طريق عبيد الله بن عمير عن ابن عباس. وقال على بن زيد بن جدعان: وقد علق البخاري في صحيحه أنه حج ماشيا والجنائب تقاد بين يديه، وروى داود بن رشيد عن حفص عن جعفر بن محمد عن أبيه. قال: حج الحسن بن على ماشيا والجنائب تقاد بين يديه ونجائبه تقاد إلى جنبه. وقال العباس بن الفضل عن القاسم عن محمد بن على قال قال الحسن بن على: إني لأستحيى من ربى أن ألقاه ولم أمش إلى بيته، فمشى عشرين مرة إلى المدينة على رجليه، قالوا: وكان يقرأ في بعض خطبه سورة إبراهيم، وكان يقرأ كل ليلة سورة الكهف قبل أن ينام، يقرؤها من لوح كان يدور معه حيث كان من بيوت نسائه، فيقرؤه بعد ما يدخل في الفراش قبل أن ينام ﵁. وقد كان من الكرم على جانب عظيم، قال محمد بن سيرين: ربما أجاز الحسن بن على الرجل الواحد بمائة ألف. وقال سعيد بن عبد العزيز: سمع الحسن رجلا

стр. 2522

إلى جانبه يدعو الله أن يملكه عشرة آلاف درهم، فقام إلى منزله فبعث بها إليه. وذكروا أن الحسن رأى غلاما أسود يأكل من رغيف لقمة ويطعم كلبا هناك لقمة، فقال له: ما حملك على هذا؟ فقال: إني أستحى منه أن آكل ولا أطعمه، فقال له الحسن: لا تبرح من مكانك حتى آتيك، فذهب إلى سيده فاشتراه واشترى الحائط الّذي هو فيه، فأعتقه وملّكه الحائط، فقال الغلام: يا مولاي قد وهبت الحائط للذي وهبتني له. قالوا: وكان كثير التزوج، وكان لا يفارقه أربع حرائر، وكان مطلاقا مصداقا، يقال إنه أحصن سبعين امرأة، وذكروا أنه طلق امرأتين في يوم، واحدة من بنى أسد وأخرى من بنى فزارة - فزارية - وبعث إلى كل واحدة منهما بعشرة آلاف وبزقاق من عسل، وقال للغلام: اسمع ما تقول كل واحدة منهما، فأما الفزارية فقالت: جزاه الله خيرا، ودعت له، وأما الأسدية فقالت. متاع قليل من حبيب مفارق. فرجع الغلام إليه بذلك، فارتجع الأسدية وترك الفزارية. وقد كان على يقول لأهل الكوفة: لا تزوجوه فإنه مطلاق، فيقولون والله يا أمير المؤمنين لو خطب إلينا كل يوم لزوجناه منا من شاء ابتغاء في صهر رسول الله ﷺ . وذكروا أنه نام مع امرأته خولة بنت منظور الفزاري - وقيل هند بنت سهيل - فوق إجار فعمدت المرأة فربطت رجله بخمارها إلى خلخالها، فلما استيقظ قال لها: ما هذا؟ فقالت: خشيت أن تقوم من وسن النوم فتسقط فأكون أشأم سخلة على العرب. فأعجبه ذلك منها، واستمر بها سبعة أيام بعد ذلك. وقال أبو جعفر الباقر: جاء رجل إلى الحسين بن على فاستعان به في حاجة فوجده معتكفا فاعتذر إليه، فذهب إلى الحسن فاستعان به فقضى حاجته، وقال: لقضاء حاجة أخ لي في الله أحب إلى من اعتكاف شهر. وقال هشيم عن منصور عن ابن سيرين قال: كان الحسن بن على لا يدعو إلى طعامه أحدا يقول: هو أهون من أن يدعى إليه أحد. وقال أبو جعفر: قال على يا أهل الكوفة لا تزوجوا الحسن بن عسلى فإنه مطلاق، فقال رجل من همذان: والله لنزوجنه، فما رضى أمسك وما كره طلق. وقال أبو بكر الخرائطى - في كتاب مكارم الأخلاق -: ثنا ابن المنذر - هو إبراهيم - ثنا القواريري ثنا عبد الأعلى عن هشام عن محمد بن سيرين قال: تزوج الحسن بن على امرأة فبعث إليها بمائة جارية مع كل جارية ألف درهم. وقال عبد الرزاق عن الثوري عن عبد الرحمن بن عبد الله عن أبيه عن الحسن بن سعد عن أبيه قال: متع الحسن بن على امرأتين بعشرين ألفا وزقاق من عل، فقالت إحداهما - وأراها الحنفية - متاع: قليل من حبيب مفارق. وقال الواقدي: حدثني على بن عمر عن أبيه عن على بن الحسين قال: كان الحسن بن على مطلاقا للنساء، وكان لا يفارق امرأة إلا وهي تحبه. وقال جويرية بن أسماء: لما مات الحسن بكى عليه مروان في جنازته، فقال له الحسين: أتبكيه وقد كنت تجرعه ما تجرعه؟ فقال: إني كنت أفعل إلى أحلم من هذا، وأشار هو

стр. 2523

إلى الجبل. وقال محمد بن سعد: أنا إسماعيل بن إبراهيم الأسدي عن ابن عون عن محمد بن إسحاق قال: ما تكلم عندي أحد كان أحب إلى إذا تكلم أن لا يسكت من الحسن بن على، وما سمعت منه كلمة فحش قط إلا مرة، فإنه كان بينه وبين عمرو بن عثمان خصومة فقال: ليس له عندنا إلا ما رغم أنفه، فهذه أشد كلمة فحش سمعتها منه قط. قال محمد بن سعد: وأنا الفضل بن دكين أنا مساور الجصاص عن رزين بن سوار. قال: كان بين الحسن ومروان خصومة فجعل مروان يغلظ للحسن وحسن ساكت، فامتخط مروان بيمينه، فقال له الحسن: ويحك! أما علمت أن اليمنى للوجه، والشمال للفرج؟ أف لك، فسكت مروان. وقال أبو العباس محمد بن يزيد المبرد قيل للحسن بن على: إن أبا ذر يقول: الفقر أحب إلي من الغنى، والسقم أحب إلي من الصحة، فقال: رحم الله أبا ذر أما أنا فأقول: من اتكل على حسن اختيار الله له لم يتمكن أن يكون في غير الحالة التي اختار الله له. وهذا أحد الوقوف على الرضا بما تعرف به القضاء. وقال أبو بكر محمد بن كيسان الأصم: قال الحسن ذات يوم لأصحابه: إني أخبركم عن أخ لي كان من أعظم الناس في عيني، وكان عظيم ما عظمه في عيني صغر الدنيا في عينه، كان خارجا عن سلطان بطنه فلا يشتهي ما لا يجد، ولا يكثر إذا وجد، وكان خارجا عن سلطان فرجه، فلا يستخف له عقله ولا رأيه، وكان خارجا عن سلطان جهله فلا يمد يدا إلا على ثقة المنفعة، ولا يخطو خطوة إلا لحسنة، وكان لا يسخط ولا يتبرم، كان إذا جامع العلماء يكون على أن يسمع أحرص منه على أن يتكلم، وكان إذا غلب على الكلام لم يغلب على الصمت، كان أكثر دهره صامتا، فإذا قال يذر القائلين، وكان لا يشارك في دعوى، ولا يدخل في مراء، ولا يدلى بحجة، حتى يرى قاضيا يقول ما لا يفعل، ويفعل ما لا يقول، تفضلا وتكرما، كان لا يغفل عن إخوانه، ولا يستخص بشيء دونهم. كان لا يكرم أحدا فيما يقع العذر بمثله، كان إذا ابتدأه أمر ان لا يرى أيهما أقرب إلى الحق نظر فيما هو أقرب إلى هواه فخالفه. رواه ابن عساكر والخطيب. وقال أبو الفرج المعافى بن زكريا الحريري: ثنا بدر بن الهيثم الحضرميّ ثنا على بن المنذر الطريفي ثنا عثمان ابن سعيد الدارميّ ثنا محمد بن عبد الله أبو رجاء - من أهل تستر - ثنا شعبة بن الحجاج الواسطي عن أبى إسحاق الهمدانيّ عن الحارث الأعور أن عليا سأل ابنه - يعنى الحسن - عن أشياء من المروءة فقال: يا بنى ما السداد؟ قال: يا أبة السداد دفع المنكر بالمعروف، قال: فما الشرف؟ قال: اصطناع العشيرة وحمل الجريرة. قال: فما المروءة؟ قال: العفاف وإصلاح المرء ماله. قال: فما الدنيئة؟ قال: النظر في اليسير ومنع الحقير. قال: فما اللوم؟ قال: احتراز المرء نفسه وبذله عرسه. قال: فما السماحة؟ قال: البذل في العسر واليسر. قال: فما الشح؟ قال: أن ترى ما في يديك سرفا وما أنفقته تلفا. قال: فما الإخاء؟ قال: الوفاء في الشدة والرخاء. قال: فما الجبن؟ قال: الجرأة

стр. 2524

على الصديق والنكول عن العدو. قال: فما الغنيمة؟ قال: الرغبة في التقوى والزهادة في الدنيا. قال: فما الحلم؟ قال كظم الغيظ وملك النفس. قال فما الغنى؟ قال: رضى النفس بما قسم الله لها وإن قلّ، فإنما الغنى غنى النفس. قال: فما الفقر؟ قال: شره النفس في كل شيء. قال: فما المنعة؟ قال: شدة البأس ومقارعة أشد الناس. قال: فما الذل؟ قال: الفزع عند المصدوقية؟ قال: فما الجرأة؟ قال: موافقة الأقران. قال: فما الكلفة قال: كلامك فيما لا يعنيك. قال: فما المجد. قال: أن تعطى في الغرم وأن تعفو عن الجرم. قال: فما العقل؟ قال: حفظ القلب كل ما استرعيته. قال: فما الخرق؟ قال: معاداتك إمامك ورفعك عليه كلامك. قال: فما الثناء؟ قال: إتيان الجميل وترك القبيح. قال: فما الحزم؟ قال: طول الاناة، والرّفق بالولاة، والاحتراس من الناس بسوء الظن هو الحزم قال: فما الشرف؟ قال: موافقة الاخوان، وحفظ الجيران. قال فما السفه؟ قال: اتباع الدناة، ومصاحبة الغواة، قال؟ فما الغفلة. قال: تركك المسجد وطاعتك المفسد. قال: فما الحرمان؟ قال: تركك حظك وقد عرض عليك. قال: فمن السيد؟ قال: الأحمق في المال المتهاون بعرضه، يشتم فلا يجيب المتحرم بأمر العشيرة هو السيد. قال ثم قال على: يا بنى سمعت رسول الله ﷺ يقول: «لا فقر أشد من الجهل، ولا مال أفضل من العقل، ولا وحدة أوحش من العجب، ولا مظاهرة أوثق من المشاورة، ولا عقل كالتدبير، ولا حسب كحسن الخلق، ولا ورع كالكف، ولا عبادة كالتفكر، ولا إيمان كالحياء، ورأس الايمان الصبر، وآفة الحديث الكذب، وآفة العلم النسيان، وآفة الحلم السفه، وآفة العبادة الفترة، وآفة الطرف الصلف، وآفة الشجاعة البغي، وآفة السماحة المن، وآفة الجمال الخيلاء، وآفة الحب الفخر» ثم قال على: يا بنى لا تستخفن برجل تراه أبدا، فان كان أكبر منك فعدّه أباك، وإن كان مثلك فهو أخوك، وإن كان أصغر منك فاحسب أنه ابنك. فهذا ما سأل على ابنه عن أشياء من المروءة. قال القاضي أبو الفرج: ففي هذا الخبر من الحكمة وجزيل الفائدة ما ينتفع به من راعاه، وحفظه ووعاه، وعمل به وأدب نفسه بالعمل عليه، وهذبها بالرجوع إليه، وتتوفر فائدته بالوقوف عنده. وفيما رواه أمير المؤمنين وأضعافه عن النبي ﷺ ما لا غنى لكل لبيب عليم، وقدرة حكيم، عن حفظه وتأمله، والمسعود من هدى لتلقيه، والمجدود من وفق لامتثاله وتقبله. قلت: ولكن إسناد هذا الأثر وما فيه من الحديث المرفوع ضعيف، ومثل هذه الألفاظ في عبارتها ما يدل ما في بعضها من النكارة على أنه ليس بمحفوظ والله أعلم. وقد ذكر الأصمعي والعتبى والمدائني وغيرهم: أن معاوية سأل الحسن عن أشياء تشبه هذا فأجابه بنحو ما تقدم، لكن هذا السياق أطول بكثير مما تقدم فالله أعلم. وقال على بن العباس الطبراني: كان على خاتم الحسن بن على مكتوبا:

стр. 2525

قدم لنفسك ما استطعت من التقى … إن المنية نازلة بك يا فتى أصبحت ذا فرح كأنك لا ترى … أحباب قلبك في المقابر والبلى قال الامام أحمد: حدثنا مطلب بن زياد بن محمد ثنا محمد بن أبان قال قال الحسن بن على لبنيه وبنى أخيه: «تعلموا فإنكم صغار قوم اليوم وتكونوا كبارهم غدا، فمن لم يحفظ منكم فليكتب». رواه البيهقي عن الحاكم عن عبد الله بن أحمد عن أبيه. وقال محمد بن سعد: ثنا الحسن بن موسى وأحمد بن يونس قالا: ثنا زهير بن معاوية ثنا أبو إسحاق عن عمرو الأصم قال قلت للحسن بن على: إن هذه الشيعة تزعم أن عليا مبعوث قبل يوم القيامة، قال: كذبوا والله! ما هؤلاء بالشيعة، لو علمنا أنه مبعوث ما زوجنا نساءه ولا اقتسمنا ما له. وقال عبد الله بن أحمد: حدثني أبو على سويد الطحان ثنا على بن عاصم ثنا أبو ريحانة عن سفينة عن النبي ﷺ قال: «الخلافة بعدي ثلاثون سنة» فقال رجل كان حاضراً في المجلس: قد دخلت من هذه الثلاثين ستة شهور في خلافة معاوية. فقال: من هاهنا أتيت تلك الشهور كانت البيعة للحسن بن على، بايعه أربعون ألفا أو اثنان وأربعون ألفا. وقال صالح بن أحمد: سمعت أبى يقول: بايع الحسن تسعون ألفا فزهد في الخلافة وصالح معاوية ولم يسل في أيامه محجمة من دم. وقال ابن أبى خيثمة: وحدثنا أبى ثنا وهب بن جرير قال قال أبى: فلما قتل على بايع أهل الكوفة الحسن بن على وأطاعوه وأحبوه أشد من حبهم لأبيه. وقال ابن أبى خيثمة: ثنا هارون بن معروف ثنا ضمرة عن ابن شوذب. قال: لما قتل على سار الحسن في أهل العراق وسار معاوية في أهل الشام فالتقوا فكره الحسن القتال وبايع معاوية على أن جعل العهد للحسن من بعده. قال: فكان أصحاب الحسن يقولون: يا عار المؤمنين، قال: فيقول لهم: العار خير من النار. وقال أبو بكر بن أبى الدنيا: حدثنا العباس بن هشام عن أبيه قال: لما قتل على بايع الناس الحسن بن على فوليها سبعة وأحد عشر يوما. وقال غير عباس: بايع الحسن أهل الكوفة، وبايع أهل الشام معاوية بايلياء بعد قتل على، وبويع بيعة العامة ببيت المقدس يوم الجمعة من آخر سنة أربعين، ثم لقي الحسن معاوية بمسكن - من سواد الكوفة - في سنة إحدى وأربعين فاصطلحا، وبايع الحسن معاوية. وقال غيره: كان صلحهما ودخول معاوية الكوفة في ربيع الأول من سنة إحدى وأربعين. وقد تكلمنا على تفصيل ذلك فيما تقدم بما أغنى عن إعادته هاهنا. وحاصل ذلك أنه اصطلح مع معاوية على أن يأخذ ما في بيت المال الّذي بالكوفة، فوفى له معاوية بذلك فإذا فيه خمسة آلاف ألف، وقيل سبعة آلاف ألف، وعلى أن يكون خراج. وقيل دارابجرد له في كل عام، فامتنع أهل تلك الناحية عن أداء الخراج إليه، فعوضه معاوية عن كل ستة آلاف ألف درهم في كل عام، فلم يزل يتناولها مع ما له في كل زيارة من الجوائز والتحف والهدايا، إلى أن توفى في
следующие страницы →