← История

История · id 23708

البداية والنهاية - ط السعادة

ابن كثير

Полный текст (4 918 стр.). Показаны 2521–2560 · переход к 2526.

стр. 2521

عنده ومعه السيف متقلدا به يحاجف عن عثمان فخشي عثمان عليه فأقسم عليه ليرجعن إلى منزلهم تطييبا لقلب على، وخوفا عليه ﵃. وكان على يكرم الحسن إكراما زائدا، ويعظمه ويبجله وقد قال له يوما: يا بنى ألا تخطب حتى أسمعك؟ فقال: إني أستحيى أن أخطب وأنا أراك، فذهب على فجلس حيث لا يراه الحسن ثم قام الحسن في الناس خطيبا وعليّ يسمع، فأدى خطبة بليغة فصيحة فلما انصرف جعل على يقول: ذرية بعضها من بعض والله سميع عليم. وقد كان ابن عباس يأخذ الركاب للحسن والحسين إذا ركبا، ويرى هذا من النعم عليه. وكانا إذا طافا بالبيت يكاد الناس يحطمونهما مما يزدحمون ﵉ عليهما، ﵄ وأرضاهما. وكان ابن الزبير يقول: والله ما قامت النساء عن مثل الحسن بن على. وقال غيره: كان الحسن إذا صلى الغداة في مسجد رسول الله يجلس في مصلاه يذكر الله حتى ترتفع الشمس، ويجلس إليه من يجلس من سادات الناس يتحدثون عنده، ثم يقوم فيدخل على أمهات المؤمنين فيسلم عليهنّ وربما أتحفنه ثم ينصرف إلى منزله. ولما نزل لمعاوية عن الخلافة من ورعه صيانة لدماء المسلمين، كان له على معاوية في كل عام جائزة، وكان يفد إليه، فربما أجازه بأربعمائة ألف درهم، وراتبه في كل سنة مائة ألف، فانقطع سنة عن الذهاب وجاء وقت الجائزة فاحتاج الحسن إليها - وكان من أكرم الناس - فأراد أن يكتب إلى معاوية ليبعث بها إليه، فلما نام تلك الليلة رأى رسول الله في المنام فقال له: يا بنى أتكتب إلى مخلوق بحاجتك؟ وعلمه دعاء يدعو به» فترك الحسن. ما كان همّ به من الكتابة، فذكره معاوية وافتقده، وقال: ابعثوا إليه بمائتي ألف فلعل له ضرورة في تركه القدوم علينا، فحملت إليه من غير سؤال. قال صالح بن أحمد: سمعت أبى يقول: الحسن بن على مدني ثقة. حكاه ابن عساكر في تاريخه، قالوا: وقاسم الله ماله ثلاث مرات، وخرج من ماله مرتين، وحج خمسا وعشرين مرة ماشيا وإن الجنائب لتقاد بين يديه. وروى ذلك البيهقي من طريق عبيد الله بن عمير عن ابن عباس. وقال على بن زيد بن جدعان: وقد علق البخاري في صحيحه أنه حج ماشيا والجنائب تقاد بين يديه، وروى داود بن رشيد عن حفص عن جعفر بن محمد عن أبيه. قال: حج الحسن بن على ماشيا والجنائب تقاد بين يديه ونجائبه تقاد إلى جنبه. وقال العباس بن الفضل عن القاسم عن محمد بن على قال قال الحسن بن على: إني لأستحيى من ربى أن ألقاه ولم أمش إلى بيته، فمشى عشرين مرة إلى المدينة على رجليه، قالوا: وكان يقرأ في بعض خطبه سورة إبراهيم، وكان يقرأ كل ليلة سورة الكهف قبل أن ينام، يقرؤها من لوح كان يدور معه حيث كان من بيوت نسائه، فيقرؤه بعد ما يدخل في الفراش قبل أن ينام ﵁. وقد كان من الكرم على جانب عظيم، قال محمد بن سيرين: ربما أجاز الحسن بن على الرجل الواحد بمائة ألف. وقال سعيد بن عبد العزيز: سمع الحسن رجلا

стр. 2522

إلى جانبه يدعو الله أن يملكه عشرة آلاف درهم، فقام إلى منزله فبعث بها إليه. وذكروا أن الحسن رأى غلاما أسود يأكل من رغيف لقمة ويطعم كلبا هناك لقمة، فقال له: ما حملك على هذا؟ فقال: إني أستحى منه أن آكل ولا أطعمه، فقال له الحسن: لا تبرح من مكانك حتى آتيك، فذهب إلى سيده فاشتراه واشترى الحائط الّذي هو فيه، فأعتقه وملّكه الحائط، فقال الغلام: يا مولاي قد وهبت الحائط للذي وهبتني له. قالوا: وكان كثير التزوج، وكان لا يفارقه أربع حرائر، وكان مطلاقا مصداقا، يقال إنه أحصن سبعين امرأة، وذكروا أنه طلق امرأتين في يوم، واحدة من بنى أسد وأخرى من بنى فزارة - فزارية - وبعث إلى كل واحدة منهما بعشرة آلاف وبزقاق من عسل، وقال للغلام: اسمع ما تقول كل واحدة منهما، فأما الفزارية فقالت: جزاه الله خيرا، ودعت له، وأما الأسدية فقالت. متاع قليل من حبيب مفارق. فرجع الغلام إليه بذلك، فارتجع الأسدية وترك الفزارية. وقد كان على يقول لأهل الكوفة: لا تزوجوه فإنه مطلاق، فيقولون والله يا أمير المؤمنين لو خطب إلينا كل يوم لزوجناه منا من شاء ابتغاء في صهر رسول الله ﷺ . وذكروا أنه نام مع امرأته خولة بنت منظور الفزاري - وقيل هند بنت سهيل - فوق إجار فعمدت المرأة فربطت رجله بخمارها إلى خلخالها، فلما استيقظ قال لها: ما هذا؟ فقالت: خشيت أن تقوم من وسن النوم فتسقط فأكون أشأم سخلة على العرب. فأعجبه ذلك منها، واستمر بها سبعة أيام بعد ذلك. وقال أبو جعفر الباقر: جاء رجل إلى الحسين بن على فاستعان به في حاجة فوجده معتكفا فاعتذر إليه، فذهب إلى الحسن فاستعان به فقضى حاجته، وقال: لقضاء حاجة أخ لي في الله أحب إلى من اعتكاف شهر. وقال هشيم عن منصور عن ابن سيرين قال: كان الحسن بن على لا يدعو إلى طعامه أحدا يقول: هو أهون من أن يدعى إليه أحد. وقال أبو جعفر: قال على يا أهل الكوفة لا تزوجوا الحسن بن عسلى فإنه مطلاق، فقال رجل من همذان: والله لنزوجنه، فما رضى أمسك وما كره طلق. وقال أبو بكر الخرائطى - في كتاب مكارم الأخلاق -: ثنا ابن المنذر - هو إبراهيم - ثنا القواريري ثنا عبد الأعلى عن هشام عن محمد بن سيرين قال: تزوج الحسن بن على امرأة فبعث إليها بمائة جارية مع كل جارية ألف درهم. وقال عبد الرزاق عن الثوري عن عبد الرحمن بن عبد الله عن أبيه عن الحسن بن سعد عن أبيه قال: متع الحسن بن على امرأتين بعشرين ألفا وزقاق من عل، فقالت إحداهما - وأراها الحنفية - متاع: قليل من حبيب مفارق. وقال الواقدي: حدثني على بن عمر عن أبيه عن على بن الحسين قال: كان الحسن بن على مطلاقا للنساء، وكان لا يفارق امرأة إلا وهي تحبه. وقال جويرية بن أسماء: لما مات الحسن بكى عليه مروان في جنازته، فقال له الحسين: أتبكيه وقد كنت تجرعه ما تجرعه؟ فقال: إني كنت أفعل إلى أحلم من هذا، وأشار هو

стр. 2523

إلى الجبل. وقال محمد بن سعد: أنا إسماعيل بن إبراهيم الأسدي عن ابن عون عن محمد بن إسحاق قال: ما تكلم عندي أحد كان أحب إلى إذا تكلم أن لا يسكت من الحسن بن على، وما سمعت منه كلمة فحش قط إلا مرة، فإنه كان بينه وبين عمرو بن عثمان خصومة فقال: ليس له عندنا إلا ما رغم أنفه، فهذه أشد كلمة فحش سمعتها منه قط. قال محمد بن سعد: وأنا الفضل بن دكين أنا مساور الجصاص عن رزين بن سوار. قال: كان بين الحسن ومروان خصومة فجعل مروان يغلظ للحسن وحسن ساكت، فامتخط مروان بيمينه، فقال له الحسن: ويحك! أما علمت أن اليمنى للوجه، والشمال للفرج؟ أف لك، فسكت مروان. وقال أبو العباس محمد بن يزيد المبرد قيل للحسن بن على: إن أبا ذر يقول: الفقر أحب إلي من الغنى، والسقم أحب إلي من الصحة، فقال: رحم الله أبا ذر أما أنا فأقول: من اتكل على حسن اختيار الله له لم يتمكن أن يكون في غير الحالة التي اختار الله له. وهذا أحد الوقوف على الرضا بما تعرف به القضاء. وقال أبو بكر محمد بن كيسان الأصم: قال الحسن ذات يوم لأصحابه: إني أخبركم عن أخ لي كان من أعظم الناس في عيني، وكان عظيم ما عظمه في عيني صغر الدنيا في عينه، كان خارجا عن سلطان بطنه فلا يشتهي ما لا يجد، ولا يكثر إذا وجد، وكان خارجا عن سلطان فرجه، فلا يستخف له عقله ولا رأيه، وكان خارجا عن سلطان جهله فلا يمد يدا إلا على ثقة المنفعة، ولا يخطو خطوة إلا لحسنة، وكان لا يسخط ولا يتبرم، كان إذا جامع العلماء يكون على أن يسمع أحرص منه على أن يتكلم، وكان إذا غلب على الكلام لم يغلب على الصمت، كان أكثر دهره صامتا، فإذا قال يذر القائلين، وكان لا يشارك في دعوى، ولا يدخل في مراء، ولا يدلى بحجة، حتى يرى قاضيا يقول ما لا يفعل، ويفعل ما لا يقول، تفضلا وتكرما، كان لا يغفل عن إخوانه، ولا يستخص بشيء دونهم. كان لا يكرم أحدا فيما يقع العذر بمثله، كان إذا ابتدأه أمر ان لا يرى أيهما أقرب إلى الحق نظر فيما هو أقرب إلى هواه فخالفه. رواه ابن عساكر والخطيب. وقال أبو الفرج المعافى بن زكريا الحريري: ثنا بدر بن الهيثم الحضرميّ ثنا على بن المنذر الطريفي ثنا عثمان ابن سعيد الدارميّ ثنا محمد بن عبد الله أبو رجاء - من أهل تستر - ثنا شعبة بن الحجاج الواسطي عن أبى إسحاق الهمدانيّ عن الحارث الأعور أن عليا سأل ابنه - يعنى الحسن - عن أشياء من المروءة فقال: يا بنى ما السداد؟ قال: يا أبة السداد دفع المنكر بالمعروف، قال: فما الشرف؟ قال: اصطناع العشيرة وحمل الجريرة. قال: فما المروءة؟ قال: العفاف وإصلاح المرء ماله. قال: فما الدنيئة؟ قال: النظر في اليسير ومنع الحقير. قال: فما اللوم؟ قال: احتراز المرء نفسه وبذله عرسه. قال: فما السماحة؟ قال: البذل في العسر واليسر. قال: فما الشح؟ قال: أن ترى ما في يديك سرفا وما أنفقته تلفا. قال: فما الإخاء؟ قال: الوفاء في الشدة والرخاء. قال: فما الجبن؟ قال: الجرأة

стр. 2524

على الصديق والنكول عن العدو. قال: فما الغنيمة؟ قال: الرغبة في التقوى والزهادة في الدنيا. قال: فما الحلم؟ قال كظم الغيظ وملك النفس. قال فما الغنى؟ قال: رضى النفس بما قسم الله لها وإن قلّ، فإنما الغنى غنى النفس. قال: فما الفقر؟ قال: شره النفس في كل شيء. قال: فما المنعة؟ قال: شدة البأس ومقارعة أشد الناس. قال: فما الذل؟ قال: الفزع عند المصدوقية؟ قال: فما الجرأة؟ قال: موافقة الأقران. قال: فما الكلفة قال: كلامك فيما لا يعنيك. قال: فما المجد. قال: أن تعطى في الغرم وأن تعفو عن الجرم. قال: فما العقل؟ قال: حفظ القلب كل ما استرعيته. قال: فما الخرق؟ قال: معاداتك إمامك ورفعك عليه كلامك. قال: فما الثناء؟ قال: إتيان الجميل وترك القبيح. قال: فما الحزم؟ قال: طول الاناة، والرّفق بالولاة، والاحتراس من الناس بسوء الظن هو الحزم قال: فما الشرف؟ قال: موافقة الاخوان، وحفظ الجيران. قال فما السفه؟ قال: اتباع الدناة، ومصاحبة الغواة، قال؟ فما الغفلة. قال: تركك المسجد وطاعتك المفسد. قال: فما الحرمان؟ قال: تركك حظك وقد عرض عليك. قال: فمن السيد؟ قال: الأحمق في المال المتهاون بعرضه، يشتم فلا يجيب المتحرم بأمر العشيرة هو السيد. قال ثم قال على: يا بنى سمعت رسول الله ﷺ يقول: «لا فقر أشد من الجهل، ولا مال أفضل من العقل، ولا وحدة أوحش من العجب، ولا مظاهرة أوثق من المشاورة، ولا عقل كالتدبير، ولا حسب كحسن الخلق، ولا ورع كالكف، ولا عبادة كالتفكر، ولا إيمان كالحياء، ورأس الايمان الصبر، وآفة الحديث الكذب، وآفة العلم النسيان، وآفة الحلم السفه، وآفة العبادة الفترة، وآفة الطرف الصلف، وآفة الشجاعة البغي، وآفة السماحة المن، وآفة الجمال الخيلاء، وآفة الحب الفخر» ثم قال على: يا بنى لا تستخفن برجل تراه أبدا، فان كان أكبر منك فعدّه أباك، وإن كان مثلك فهو أخوك، وإن كان أصغر منك فاحسب أنه ابنك. فهذا ما سأل على ابنه عن أشياء من المروءة. قال القاضي أبو الفرج: ففي هذا الخبر من الحكمة وجزيل الفائدة ما ينتفع به من راعاه، وحفظه ووعاه، وعمل به وأدب نفسه بالعمل عليه، وهذبها بالرجوع إليه، وتتوفر فائدته بالوقوف عنده. وفيما رواه أمير المؤمنين وأضعافه عن النبي ﷺ ما لا غنى لكل لبيب عليم، وقدرة حكيم، عن حفظه وتأمله، والمسعود من هدى لتلقيه، والمجدود من وفق لامتثاله وتقبله. قلت: ولكن إسناد هذا الأثر وما فيه من الحديث المرفوع ضعيف، ومثل هذه الألفاظ في عبارتها ما يدل ما في بعضها من النكارة على أنه ليس بمحفوظ والله أعلم. وقد ذكر الأصمعي والعتبى والمدائني وغيرهم: أن معاوية سأل الحسن عن أشياء تشبه هذا فأجابه بنحو ما تقدم، لكن هذا السياق أطول بكثير مما تقدم فالله أعلم. وقال على بن العباس الطبراني: كان على خاتم الحسن بن على مكتوبا:

стр. 2525

قدم لنفسك ما استطعت من التقى … إن المنية نازلة بك يا فتى أصبحت ذا فرح كأنك لا ترى … أحباب قلبك في المقابر والبلى قال الامام أحمد: حدثنا مطلب بن زياد بن محمد ثنا محمد بن أبان قال قال الحسن بن على لبنيه وبنى أخيه: «تعلموا فإنكم صغار قوم اليوم وتكونوا كبارهم غدا، فمن لم يحفظ منكم فليكتب». رواه البيهقي عن الحاكم عن عبد الله بن أحمد عن أبيه. وقال محمد بن سعد: ثنا الحسن بن موسى وأحمد بن يونس قالا: ثنا زهير بن معاوية ثنا أبو إسحاق عن عمرو الأصم قال قلت للحسن بن على: إن هذه الشيعة تزعم أن عليا مبعوث قبل يوم القيامة، قال: كذبوا والله! ما هؤلاء بالشيعة، لو علمنا أنه مبعوث ما زوجنا نساءه ولا اقتسمنا ما له. وقال عبد الله بن أحمد: حدثني أبو على سويد الطحان ثنا على بن عاصم ثنا أبو ريحانة عن سفينة عن النبي ﷺ قال: «الخلافة بعدي ثلاثون سنة» فقال رجل كان حاضراً في المجلس: قد دخلت من هذه الثلاثين ستة شهور في خلافة معاوية. فقال: من هاهنا أتيت تلك الشهور كانت البيعة للحسن بن على، بايعه أربعون ألفا أو اثنان وأربعون ألفا. وقال صالح بن أحمد: سمعت أبى يقول: بايع الحسن تسعون ألفا فزهد في الخلافة وصالح معاوية ولم يسل في أيامه محجمة من دم. وقال ابن أبى خيثمة: وحدثنا أبى ثنا وهب بن جرير قال قال أبى: فلما قتل على بايع أهل الكوفة الحسن بن على وأطاعوه وأحبوه أشد من حبهم لأبيه. وقال ابن أبى خيثمة: ثنا هارون بن معروف ثنا ضمرة عن ابن شوذب. قال: لما قتل على سار الحسن في أهل العراق وسار معاوية في أهل الشام فالتقوا فكره الحسن القتال وبايع معاوية على أن جعل العهد للحسن من بعده. قال: فكان أصحاب الحسن يقولون: يا عار المؤمنين، قال: فيقول لهم: العار خير من النار. وقال أبو بكر بن أبى الدنيا: حدثنا العباس بن هشام عن أبيه قال: لما قتل على بايع الناس الحسن بن على فوليها سبعة وأحد عشر يوما. وقال غير عباس: بايع الحسن أهل الكوفة، وبايع أهل الشام معاوية بايلياء بعد قتل على، وبويع بيعة العامة ببيت المقدس يوم الجمعة من آخر سنة أربعين، ثم لقي الحسن معاوية بمسكن - من سواد الكوفة - في سنة إحدى وأربعين فاصطلحا، وبايع الحسن معاوية. وقال غيره: كان صلحهما ودخول معاوية الكوفة في ربيع الأول من سنة إحدى وأربعين. وقد تكلمنا على تفصيل ذلك فيما تقدم بما أغنى عن إعادته هاهنا. وحاصل ذلك أنه اصطلح مع معاوية على أن يأخذ ما في بيت المال الّذي بالكوفة، فوفى له معاوية بذلك فإذا فيه خمسة آلاف ألف، وقيل سبعة آلاف ألف، وعلى أن يكون خراج. وقيل دارابجرد له في كل عام، فامتنع أهل تلك الناحية عن أداء الخراج إليه، فعوضه معاوية عن كل ستة آلاف ألف درهم في كل عام، فلم يزل يتناولها مع ما له في كل زيارة من الجوائز والتحف والهدايا، إلى أن توفى في

стр. 2526

هذا العام. وقال محمد بن سعد عن هودة بن خليفة عن عوف عن محمد بن سيرين قال: لما دخل معاوية الكوفة وبايعه الحسن بن على قال أصحاب معاوية لمعاوية: مر الحسن بن على أن يخطب، فإنه حديث السن عيى، فلعله يتلعثم فيتضع في قلوب الناس. فأمره فقام فاختطب فقال في خطبته: «أيها الناس لو اتبعتم بين جابلق وجابرس رجلا جده نبي غيري وغير أخى لم تجدوه، وإنا قد أعطينا بيعتنا معاوية ورأينا أن حقن دماء المسلمين خير من إهراقها، والله ما أدرى لعله فتنة لكم ومتاع إلى حين» - وأشار إلى معاوية - فغضب من ذلك وقال: ما أردت من هذه؟ قال: أردت منها ما أراد الله منها. فصعد معاوية وخطب بعده. وقد رواه غير واحد وقدمنا أن معاوية عتب على أصحابه. وقال محمد بن سعد: ثنا أبو داود الطيالسي: ثنا شعبة عن يزيد قال: سمعت جبير بن نفير الحضرميّ يحدث عن أبيه قال: قلت للحسن بن على: إن الناس يزعمون أنك تريد الخلافة؟ فقال: كانت جماجم العرب بيدي، يسالمون من سالمت ويحاربون من حاربت، فتركتها ابتغاء وجه الله، ثم أثيرها ثانيا من أهل الحجاز. وقال محمد بن سعد: أنا على بن محمد عن إبراهيم بن محمد عن زيد بن أسلم قال: دخل رجل على الحسن بن على وهو بالمدينة وفي يده صحيفة فقال: ما هذه؟ فقال: ابن معاوية يعدنيها ويتوعد، قال: قد كنت على النّصف منه، قال: أجل ولكن خشيت أن يجئ يوم القيامة سبعون ألفا، أو ثمانون ألفا، أو أكثر أو أقل، تنضح أوداجهم دما، كلهم يستعدى الله فيم هريق دمه. وقال الأصمعي عن سلام بن مسكين عن عمران بن عبد الله. قال: رأى الحسن بن على في منامه أنه مكتوب بين عينيه، ﴿قُلْ هُوَ اللهُ أَحَدٌ﴾ ففرح بذلك فبلغ ذلك سعيد بن المسيب فقال: إن كان رأى هذه الرؤيا فقلّ ما بقي من أجله. قال: فلم يلبث الحسن بن على بعد ذلك إلا أياما حتى مات. وقال أبو بكر بن أبى الدنيا: حدثنا عبد الرحمن بن صالح العتكيّ ومحمد بن عثمان العجليّ قالا: ثنا أبو أسامة عن ابن عون عن عمير بن إسحاق. قال: دخلت أنا ورجل آخر من قريش على الحسن ابن على فقام فدخل المخرج ثم خرج فقال: لقد لفظت طائفة من كبدي أقلبها بهذا العود، ولقد سقيت السم مرارا وما سقيت مرة هي أشد من هذه. قال: وجعل يقول لذلك الرجل: سلني قبل أن لا تسألنى، فقال ما أسألك شيئا يعافيك الله، قال: فخرجنا من عنده ثم عدنا إليه من الغد. وقد أخذ في السوق فجاء حسين حتى قعد عند رأسه، فقال: أي أخى! من صاحبك؟ قال: تريد قتله، قال: نعم! قال لئن كان صاحبي الّذي أظن لله أشد نقمة. وفي رواية: فالله أشد بأسا وأشد تنكيلا، وإن لم يكنه ما أحب أن تقتل بى بريئا. ورواه محمد بن سعد عن ابن علية عن ابن عون. وقال محمد بن عمر الواقدي: حدثني عبد الله بن جعفر عن أم بكر بنت المسور. قالت: الحسن سقى مرارا كل ذلك يفلت منه، حتى كانت المرة الآخرة التي مات فيها فإنه كان يختلف كبده، فلما مات أقام

стр. 2527

نساء بنى هاشم عليه النوح شهرا. وقال الواقدي: وحدثنا عبدة بنت نائل عن عائشة قالت: حد نساء بنى هاشم على الحسن بن على سنة. قال الواقدي: وحدثني عبد الله بن جعفر عن عبد الله بن حسن قال: كان الحسن بن على كثير نكاح النساء، وكان قل ما يحظين عنده، وكان قل امرأة تزوجها إلا أحبته وضنت به، فيقال إنه كان سقى سما، ثم أفلت، ثم سقى فأفلت ثم كانت الآخرة توفى فيها، فلما حضرته الوفاة قال الطبيب وهو يختلف إليه: هذا رجل قطع السم إمعاءه، فقال الحسين: يا أبا محمد أخبرنى من سقاك؟ قال: ولم يا أخى؟ قال: أقتله والله قبل أن أدفنك ولا أقدر عليه أو يكون بأرض أتكلف الشخوص إليه. فقال: يا أخى إنما هذه الدنيا ليال فانية، دعه حتى ألتقى أنا وهو عند الله، وأبى أن يسميه. وقد سمعت بعض من يقول: كان معاوية قد تلطف لبعض خدمه أن يسقيه سما. قال محمد بن سعد: وأنا يحيى بن حمال أنا أبو عوانة عن المغيرة عن أم موسى أن جعدة بنت الأشعث بن قيس سقت الحسن السم فاشتكى منه شكاة، قال فكان يوضع تحته طشت ويرفع آخر نحوا من أربعين يوما. وروى بعضهم أن يزيد بن معاوية بعث إلى جعدة بنت الأشعث أن سمى الحسن وأنا أتزوجك بعده، ففعلت، فلما مات الحسن بعثت إليه فقال: إنا والله لم نرضك للحسن أفترضاك لأنفسنا؟ وعندي أن هذا ليس بصحيح، وعدم صحته عن أبيه معاوية بطريق الأولى والأحرى، وقد قال كثير نمرة في ذلك: يا جعد بكيّه ولا نسأمى … بكاء حق ليس بالباطل لن تسترى البيت على مثله … في الناس من حاف ولا ناعل أعنى الّذي أسلمه أهله … للزمن المستخرج الماحل كان إذا شبت له ناره … يرفعها بالنسب الماثل كيما يراها بائس مرمل … أو فرد قوم ليس بالآهل تغلي بنىّ اللحم حتى إذا … أنضج لم تغل على آكل قال سفيان بن عيينة عن رقبة بن مصقلة قال: لما احتضر الحسن بن على قال: أخرجونى إلى الصحن انظر في ملكوت السموات. فأخرجوا فراشه فرفع رأسه فنظر فقال: اللهمّ إني أحتسب نفسي عندك فإنها أعز الأنفس على، قال: فكان مما صنع الله له أنه احتسب نفسه عنده. وقال عبد الرحمن بن مهدي: لما اشتد بسفيان الثوري المرض جزع جزعا شديدا فدخل عليه مرحوم بن عبد العزيز فقال: ما هذا الجزع يا أبا عبد الله؟ تقدم على رب عبدته ستين سنة، صمت له، صليت له، حججت له، قال فسرى عن الثوري. وقال أبو نعيم: لما اشتد بالحسن بن على الوجع جزع فدخل عليه رجل فقال له: يا أبا محمد ما هذا الجزع؟ ما هو إلا أن تفارق روحك جسدك فتقدم على

стр. 2528

أبويك على وفاطمة، وعلى جديك النبي ﷺ وخديجة، وعلى أعمامك حمزة وجعفر، وعلى أخوالك القاسم الطيب ومطهر وإبراهيم، وعل خالاتك رقيّة وأم كلثوم وزينب، قال: فسرى عنه. وفي رواية أن القائل له ذلك الحسين، وأن الحسن قال له: يا أخى إني أدخل في أمر من أمر الله لم أدخل في مثله، وأرى خلقا من خلق الله لم أر مثله قط. قال: فبكى الحسين ﵄. رواه عباس الدوري عن ابن معين، ورواه بعضهم عن جعفر بن محمد عن أبيه فذكر نحوهما. وقال الواقدي: ثنا إبراهيم بن الفضل عن أبى عتيق قال: سمعت جابر بن عبد الله يقول: شهدنا حسن بن على يوم مات وكادت الفتنة تقع بين الحسين بن على ومروان بن الحكم، وكان الحسن قد عهد إلى أخيه أن يدفن مع رسول الله، فان خاف أن يكون في ذلك قتال أو شر فليدفن بالبقيع، فأبى مروان أن يدعه - ومروان يومئذ معزول يريد أن يرضى معاوية - ولم يزل مروان عدوا لبني هاشم حتى مات، قال جابر: فكلمت يومئذ حسين بن على فقلت: يا أبا عبد الله اتّق الله ولا تثر فتنة فان أخاك كان لا يحب ما ترى، فادفنه بالبقيع مع أمه ففعل. ثم روى الواقدي: حدثني عبد الله بن نافع عن أبيه عن عمر قال حضرت موت الحسن بن على فقلت للحسين بن على اتّق الله ولا تثر فتنة ولا تسفك الدماء: وادفن أخاك إلى جانب أمه، فان أخاك قد عهد بذلك إليك، قال ففعل الحسين. وقد روى الواقدي عن أبى هريرة نحوا من هذا، وفي رواية أن الحسن بعث يستأذن عائشة في ذلك فأذنت له، فلما مات لبس الحسين السلاح وتسلح بنو أمية وقالوا: لا ندعه يدفن مع رسول الله ﷺ ، أيدفن عثمان بالبقيع ويدفن الحسن بن على في الحجرة؟ فلما خاف الناس وقوع الفتنة أشار سعد بن أبى وقاص وأبو هريرة وجابر وابن عمر على الحسين أن لا يقاتل فامتثل ودفن أخاه قريبا من قبر أمه بالبقيع، ﵁. وقال سفيان الثوري عن سالم بن أبى حفصة عن أبى حازم قال: رأيت الحسين بن على قدّم يومئذ سعيد بن العاص فصلى على الحسن وقال: لولا أنها سنة ما قدمته. وقال محمد بن إسحاق: حدثني مساور مولى بن سعد بن بكر قال: رأيت أبا هريرة قائما على مسجد رسول الله يوم مات الحسن بن على وهو ينادى بأعلى صوته: يا أيها الناس مات اليوم حب رسول الله فابكوا. وقد اجتمع الناس لجنازته حتى ما كان البقيع يسع أحدا من الزحام. وقد بكاه الرجال والنساء سبعا، واستمر نساء بنى هاشم ينحن عليه شهرا، وحدت نساء بنى هاشم عليه سنة. قال يعقوب بن سفيان: حدثنا محمد بن يحيى ثنا سفيان عن جعفر بن محمد عن أبيه قال: قتل على وهو ابن ثمان وخمسين سنة، ومات لها حسن، وقتل لها الحسين ﵃. وقال شعبة عن أبى بكر بن حفص قال: توفى سعد والحسن ابن على في أيام بعد ما مضى من إمارة معاوية عشر سنين. وقال علية عن جعفر بن محمد عن أبيه قال: توفى الحسن وهو ابن سبع وأربعين، وكذا قال غير واحد وهو أصح. والمشهور أنه مات سنة

стр. 2529

تسع وأربعين كما ذكرنا، وقال آخرون: مات سنة خمسين وقيل سنة إحدى وخمسين أو ثمان وخمسين. سنة خمسين من الهجرة ففي هذه السنة توفى أبو موسى الأشعري في قول، والصحيح سنة ثنتين وخمسين كما سيأتي. فيها حج بالناس معاوية، وقيل ابنه يزيد، وكان نائب المدينة في هذه السنة سعيد بن العاص، وعلى الكوفة والبصرة والمشرق وسجستان وفارس والسند والهند زياد. وفي هذه السنة اشتكى بنو ونهشل على الفرزدق إلى زياد فهرب منه إلى المدينة، وكان سبب ذلك أنه عرّض بمعاوية في قصيدة له فتطلبه زياد أشد الطلب ففر منه إلى المدينة، فاستجار بسعيد بن العاص، وقال في ذلك أشعارا، ولم يزل فيما بين مكة والمدينة حتى توفى زياد فرجع إلى بلاده، وقد طول ابن جرير هذه القصة. وقد ذكر ابن جرير في هذه السنة من الحوادث ما رواه من طريق الواقدي: حدثني يحيى بن سعيد بن دينار عن أبيه أن معاوية كان قد عزم على تحويل المنبر النبوي من المدينة إلى دمشق وأن يأخذ العصاة التي كان النبي ﷺ يمسكها في يده إذا خطب فيقف على المنبر وهو ممسكها، حتى قال أبو هريرة وجابر بن عبد الله: يا أمير المؤمنين نذكرك الله أن تفعل هذا فان هذا، لا يصلح أن يخرج المنبر من موضع وضعه فيه رسول الله ﷺ ، وأن يخرج عصاه من المدينة. فترك ذلك معاوية ولكن زاد في المنبر ست درجات واعتذر إلى الناس. ثم روى الواقدي أن عبد الملك بن مروان في أيامه عزم على ذلك أيضا فقيل له: إن معاوية كان قد عزم على هذا ثم ترك، وأنه لما حرك المنبر خسفت الشمس فترك. ثم لما حج الوليد بن عبد الملك أراد ذلك أيضا فقيل له: إن معاوية وأباك أراد ذلك ثم تركاه، وكان السبب في تركه أن سعيد بن المسيب كلم عمر بن عبد العزيز أن يكلمه في ذلك ويعظه فترك. ثم لما حج سليمان أخبره عمر بن عبد العزيز بما كان عزم عليه الوليد، وأن سعيد بن المسيب نهاه عن ذلك، فقال: ما أحب أن يذكر هذا عن عبد الملك ولا عن الوليد، وما يكون لنا أن نفعل هذا، ما لنا وله، وقد أخذنا الدنيا فهي في أيدينا فنريد أن نعمد إلى علم من أعلام الإسلام يفد إليه الناس فنحمله إلى ما قبلنا. هذا ما لا يصلح ﵀. وفي هذه السنة عزل معاوية عن مصر معاوية بن خديج وولى عليها من إفريقية مسلمة بن مخلد، وفيها افتتح عقبة بن نافع الفهري عن أمر معاوية بلاد إفريقية، واختط القيروان - وكان غيضة تأوى إليها السباع والوحوش والحيات العظام، فدعا الله تعالى فلم يبق فيها شيء من ذلك حتى ان السباع صارت تخرج منها تحمل أولادها، والحيات يخرجن من أجحارهن هوارب - فأسلم خلق كثير من البربر فبنى في مكانها القيروان. وفيها غزا بسر بن أبى أرطاة وسفيان بن عوف أرض الروم، وفيها غزا فضالة بن عبيد البحر، وفيها توفى مدلاج بن عمرو السلمي صحابى جليل شهد

стр. 2530

المشاهد كلها مع رسول الله ﷺ ولم أر له ذكرا في الصحابة. صفية بنت حيي بن أخطب ابن شعبة بن ثعلبة بن عبد بن كعب بن الخزرج بن أبى حبيب بن النضير بن النحام بن نحوم، أم المؤمنين النضرية من سلالة هارون ﵇، وكانت مع أبيها وابن عمها أخطب بالمدينة، فلما أجلى رسول الله ﷺ بنى النضير ساروا إلى خيبر، وقتل أبوها مع بنى قريظة صبرا كما قدمنا فلما فتح رسول الله ﷺ خيبر كانت في جملة السبي فوقعت في سهم دحية بن خليفة الكلبي، فذكر له جمالها وأنها بنت ملكهم، فاصطفاها لنفسه وعوضه منها وأسلمت وأعتقها وتزوجها، فلما حلت بالصهباء بنى بها، وكانت ماشطتها أم سليم، وقد كانت تحت ابن عمها كنانة بن أبى الحقيق فقتل في المعركة، ووجد رسول الله بخدها لطمة فقال: ما هذه؟ فقالت: إني رأيت كأن القمر أقبل من يثرب فسقط في حجري فقصّيت المنام على ابن عمى فلطمني وقال: تتمنين أن يتزوجك ملك يثرب؟ فهذه من لطمته. وكانت من سيدات النساء عبادة وورعا وزهادة وبرا وصدقة، ﵂ وأرضاها. قال الواقدي: توفيت سنة خمسين وقال غيره سنة ست وثلاثين، والأول أصح والله أعلم. وأما أم شريك الأنصارية ويقال العامرية فهي التي وهبت نفسها للنّبيّ ﷺ فقيل قبلها وقيل لم يقبلها، ولم تتزوج حتى مات ﵂ وهي التي سقيت بدلو من السماء لما منعها المشركون الماء فأسلموا عند ذلك، واسمها غزية، وقيل عزيلة بنى عامر على الصحيح، قال ابن الجوزي: ماتت سنة خمسين ولم أره لغيره. وأما عمرو بن أمية الضمريّ فصحابي جليل أسلّم بعد أحد، وأول مشاهده بئر معونة، وكان ساعي رسول الله ﷺ بعثه إلى النجاشي في تزويج أم حبيبة وأن يأتى بمن بقي من المسلمين، وله أفعال حسنة، وآثار محمودة، ﵁. توفى في خلافة معاوية. وذكر أبو الفرج ابن الجوزي - في كتابه المنتظم - أن في هذه السنة توفى جبير بن مطعم وحسان بن ثابت، والحكم بن عمرو الغفاريّ، ودحية بن خليفة الكلبي، وعقيل بن أبى طالب، وعمرو بن أمية الضمريّ بدري، وكعب بن مالك، والمغيرة بن شعبة، وجويرية بنت الحارث، وصفية بنت حيي، وأم شريك الأنصارية. ﵃ أجمعين. أما جبير بن مطعم ابن عدي بن نوفل بن عبد مناف القرشي النوفلي أبو محمد وقيل أبو عدي المدني، فإنه قدم وهو مشرك في فداء أسارى بدر، فلما سمع قراءة رسول الله ﷺ في سورة الطور ﴿أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ﴾

стр. 2531

شَيْءٍ أَمْ هُمُ الْخالِقُونَ دخل في قلبه الإسلام، ثم أسلم عام خيبر، وقيل زمن الفتح، والأول أصح، وكان من سادات قريش وأعلمها بالأنساب، أخذ ذلك عن الصديق والمشهور أنه توفى سنة ثمان وخمسين، وقيل سنة تسع وخمسين. وأما حسان بن ثابت شاعر الإسلام فالصحيح أنه توفى سنة أربع وخمسين كما سيأتي. وأما الحكم بن عمرو بن مجدع الغفاريّ أخو رافع بن عمرو، ويقال له الحكم بن الأقرع، فصحابي جليل له عند البخاري حديث واحد في النهى عن لحوم الحمر الانسية، استنابه زياد بن أبيه على غزو جبل الأشل فغنم شيئا كثيرا، فجاء كتاب زياد إليه على لسان معاوية أن يصطفى من الغنيمة لمعاوية ما فيها من الذهب والفضة لبيت ماله فرد عليه: إن كتاب الله قبل كتاب أمير المؤمنين، أو لم يسمع لقوله ﵇: «لا طاعة لمخلوق في معصية الله»؟ وقسم في الناس غنائمهم، فيقال إنه حبس إلى أن مات بمرو في هذه السنة وقيل في سنة إحدى وخمسين ﵀. وأما دحية بن خليفة الكلبي فصحابي جليل، كان جميل الصورة، فلهذا كان جبريل يأتى كثيرا في صورته، وكان رسول الله ﷺ أرسله إلى قيصر، أسلم قديما ولكن لم يشهد بدرا، وشهد ما بعدها، ثم شهد اليرموك وأقام بالمرة - غربي دمشق - إلى أن مات في خلافة معاوية. وفيها توفى عبد الرحمن بن سمرة بن حبيب بن عبد شمس القرشي أبو سعيد العبشمي، أسلم يوم الفتح، وقيل شهد موتة، وغزا خراسان، وافتتح سجستان وكابل وغيرها، وكانت له دار بدمشق وأقام بالبصرة، وقيل بمرو، قال محمد بن سعد وغير واحد: مات بالبصرة سنة خمسين، وقيل سنة إحدى وخمسين، وصلى عليه زياد، وترك عدة من الذكور، وكان اسمه في الجاهلية عبد كلال، وقيل عبد كلوب، وقيل عبد الكعبة، فسماه رسول ﷺ عبد الرحمن. وهو كان أحد السفيرين بين معاوية والحسن ﵄ * وفيها توفى عثمان بن أبى العاص الثقفي، أبو عبد الله الطائفي، له ولأخيه الحكم صحبة، قدم على رسول الله ﷺ في وفد ثقيف فاستعمله رسول الله على الطائف، وأمّره عليها أبو بكر وعمر، فكان أميرهم وإمامهم مدة طويلة حتى مات سنة خمسين، وقيل سنة إحدى وخمسين ﵁. وأما عقيل بن أبى طالب أخو على فكان أكبر من جعفر بعشر سنين وجعفر أكبر من على بعشر سنين كما أن طالب أكبر من عقيل بعشر، وكلهم أسلم إلا طالبا، أسلّم عقيل قبل الحديبيّة وشهد موتة، وكان من أنسب قريش، وكان قد ورث أقرباءه الذين هاجروا وتركوا أموالهم بمكة، ومات في خلافة معاوية.

стр. 2532

وفيها كانت وفاة عمرو بن الحمق بن الكاهن الخزاعي، أسلم قبل الفتح، وهاجر، وقيل: إنه إنما أسلم عام حجة الوداع، وورد في حديث أن رسول الله دعا له أن يمتعه الله بشبابه، فبقي ثمانين سنة لا يرى في لحيته شعرة بيضاء، ومع هذا كان أحد الأربعة الذين دخلوا على عثمان، ثم صار بعد ذلك من شيعة على، فشهد معه الجمل وصفين، وكان من جملة من أعان حجر بن عدي فتطلبه زياد فهرب إلى الموصل، فبعث معاوية إلى نائيها فوجدوه قد اختفى في غار فنهشته حية فمات فقطع رأسه فبعث به إلى معاوية، فطيف به في الشام وغيرها، فكان أول رأس طيف به. ثم بعث معاوية برأسه إلى زوجته آمنة بنت الشريد - وكانت في سجنه - فألقى في حجرها، فوضعت كفها على جبينه ولئمت فمه وقالت: غيبتموه عنى طويلا، ثم أهديتموه إلى قتيلا فأهلا بها من هدية غير قالية ولا مقلية. وأما كعب بن مالك الأنصاري السلمي شاعر الإسلام فأسلم قديما وشهد العقبة ولم يشهد بدرا كما ثبت في الصحيحين في سياق توبة الله عليه فإنه كان أحد الثلاثة الذين تيب عليهم من تخلفهم عن غزوة تبوك كما ذكرنا ذلك مفصلا في التفسير، وكما تقدم في غزوة تبوك. وغلط ابن الكلبي في قوله إنه شهد بدرا، وفي قوله إنه توفى قبل إحدى وأربعين، فان الواقدي - وهو أعلم منه - قال توفى سنة خمسين، وقال القاسم بن عدي سنة إحدى وخمسين ﵁. المغيرة بن شعبة ابن أبى عامر بن مسعود أبو عيسى ويقال أبو عبد الله الثقفي، وعروة بن مسعود الثقفي عم أبيه، كان المغيرة من دهاة العرب، وذوى آرائها، أسلم عام الخندق بعد ما قتل ثلاثة عشر من ثقيف، رجعهم من عند المقوقس وأخذ أموالهم فغرم دياتهم عروة بن مسعود، وشهد الحديبيّة، وكان واقفا يوم الصلح على رأس رسول الله ﷺ بالسيف صلتا، وبعثه رسول الله ﷺ بعد إسلام أهل الطائف هو وأبو سفيان بن حرب فهدما اللات، وقدمنا كيفية هدمهما إياها، وبعثه الصديق إلى البحرين، وشهد اليمامة واليرموك فأصيبت عينه يومئذ، وقيل بل نظر إلى الشمس وهي كاسفة فذهب ضوء عينه، وشهد القادسية، وولاه عمر فتوحا كثيرة، منها همدان وميسان، وهو الّذي كان رسول سعد إلى رستم فكلمه بذلك الكلام البليغ فاستنابه عمر على البصرة، فلما شهد عليه بالزنا ولم يثبت عزله عنها وولاه الكوفة، واستمر به عثمان حينا ثم عزله، فبقي معتزلا حتى كان أمر الحكمين فلحق بمعاوية، فلما قتل على وصالح معاوية الحسن ودخل الكوفة ولاه عليها فلم يزل أميرها حتى مات في هذه السنة على المشهور. قاله محمد بن سعد وغيره. وقال الخطيب: أجمع الناس على ذلك، وذلك في رمضان منها عن سبعين سنة، وقال أبو عبيد: مات سنة تسع وأربعين، وقال: ابن عبد البر: سنة إحدى وخمسين، وقيل سنة ثمان وخمسين، وقيل سنة ست وثلاثين وهو غلط.

стр. 2533

قال محمد بن سعد: وكان أصهب الشعر جدا، أكشف، مقلص الشفتين، أهتم ضخم الهامة، عبل الذراعين، بعيد ما بين المنكبين، وكان يفرق رأسه أربعة قرون. وقال الشعبي: القضاة أربعة أبو بكر، وعمر، وابن مسعود، وأبو موسى. والدهاة أربعة، معاوية، وعمرو، والمغيرة، وزياد، وقال الزهري: الدهاة في الفتنة خمسة، معاوية، وعمرو بن العاص، والمغيرة بن شعبة، وكان معتزلا، وقيس بن سعد بن عبادة، وعبد الله بن بديل بن ورقاء، وكانا مع على. قلت: والشيعة يقولون: الأشباح خمسة. رسول الله، وعلى، وفاطمة، والحسن، والحسين، والاضداد خمسة أبو بكر، وعمر، ومعاوية، وعمرو بن العاص، والمغيرة بن شعبة. وقال الشعبي: سمعت المغيرة يقول: ما غلبني أحد إلا فتى مرة أردت أن أتزوج امرأة فاستشرته فيها فقال: أيها الأمير! لا أرى لك أن تتزوجها، فقلت له: لم؟ فقال: إني رأيت رجلا يقبلها. ثم بلغني عنه أنه تزوجها، فقلت له: ألم تزعم أنك رأيت رجلا يقبلها؟ فقال: نعم! رأيت أباها يقبلها وهي صغيرة. وقال أيضا: سمعت قبيصة بن جابر يقول: صحبت المغيرة بن شعبة فلو أن مدينة لها ثمانية أبواب لا يخرج من باب منها إلا بمكر لخرج المغيرة من أبوابها كلها. وقال ابن وهب: سمعت مالكا يقول: كان المغيرة بن شعبة يقول: صاحب المرأة الواحدة يحيض معها ويمرض معها، وصاحب المرأتين بين نارين يشتعلان، وصاحب الأربعة قرير العين، وكان يتزوج أربعة معا ويطلقهنّ معا، وقال عبد الله بن نافع الصائغ أحصن المغيرة ثلاثمائة امرأة. وقال غيره: ألف امرأة وقيل مائة امرأة. وقيل ثمانين امرأة. جويرية بنت الحارث بن أبى ضرار الخزاعية المصطلقية وكان سباها رسول ﷺ في غزوة المريسيع، وهي غزوة المصطلق، وكان أبوها ملكهم فأسلمت فأعتقها رسول الله ﷺ وتزوجها، وكانت قد وقعت في سهم ثابت بن قيس بن شماس وكاتبها فأتت رسول الله تستعينه في كتابتها فقال: «أو خير من ذلك»؟ قالت: وما هو يا رسول الله؟ قال: «أشتريك وأعتقك وأتزوجك» فأعتقها فقال الناس أصهار رسول الله ﷺ فاعتقوا ما بأيديهم من سبى بنى المصطلق نحوا من مائة أهل بيت، فقالت عائشة: لا أعلم امرأة أعظم بركة على أهلها منها. وكان اسمها برة فسماها رسول الله ﷺ جويرية. وكانت امرأة ملاحة - أي حلوة الكلام - توفيت في هذا العام سنة خمسين كما ذكره ابن الجوزي وغيره عن خمس وستين سنة، وقال الواقدي: سنة ست وخمسين ﵂ وأرضاها، والله أعلم. ثم دخلت سنة إحدى وخمسين فيها كان مقتل حجر بن عدي بن جبل بن عدي بن ربيعة بن معاوية الأكبر بن الحارث بن معاوية بن ثور بن بزيغ بن كندى الكوفي، ويقال له حجر الخير، ويقال له حجر بن الأدبر، لأن

стр. 2534

أباه عديا طعن موليا فسمى الأدبر، وهو من كندة من رؤساء أهل الكوفة، قال ابن عساكر: وفد إلى النبي ﷺ وسمع عليا وعمارا وشراحيل بن مرة، ويقال شرحبيل بن مرة. وروى عنه أبو ليلى مولاه، وعبد الرحمن بن عباس، وأبو البختري الطائي. وغزا الشام في الجيش الذين افتتحوا عذراء، وشهد صفين مع على أميرا، وقيل بعذراء من قرا دمشق، ومسجد قبره بها معروف. ثم ساق ابن عساكر بأسانيده إلى حجر يذكر طرفا صالحا من روايته عن على وغيره، وقد ذكره محمد بن سعد في الطبقة الرابعة من الصحابة، وذكر له وفادة، ثم ذكره في الأول من تابعي أهل الكوفة. قال: وكان ثقة معروفا، ولم يرو عن غير على شيئا قال ابن عساكر: بل قد روى عن عمار وشراحيل بن مرة، وقال أبو أحمد العسكري: أكثر المحدثين لا يصححون له صحبة، شهد القادسية وافتتح برج عذراء، وشهد الجمل وصفين، وكان مع على حجر الخير - وهو حجر بن عدي هذا - وحجر الشرف - وهو حجر ابن يزيد بن سلمة بن مرة - وقال المرزباني: قد روى أن حجر بن عدي وفد إلى رسول الله ﷺ مع أخيه هانئ بن عدي، وكان هذا الرجل من عباد الناس وزهادهم، وكان بارا بأمه، وكان كثير الصلاة والصيام، قال أبو معشر: ما أحدث قط إلا توضأ، ولا توضأ إلا صلّى ركعتين. هكذا قال غير واحد من الناس. وقد قال الامام أحمد: حدثنا يعلى بن عبيد حدثني الأعمش عن أبى إسحاق. قال قال سلمان لحجر: يا ابن أم حجر لو تقطعت أعضاؤك ما بلغت الايمان، وكان إذ كان المغيرة بن شعبة على الكوفة إذا ذكر عليا في خطبته يتنقصه بعد مدح عثمان وشيعته فيغضب حجر هذا ويظهر الإنكار عليه، ولكن كان المغيرة فيه حلم وأناة فكان يصفح عنه ويعظه فيما بينه وبينه، ويحذره غب هذا الصنيع، فان معارضة السلطان شديد وبالها، فلم يرجع حجر عن ذلك. فلما كان في آخر أيام المغيرة قام حجر يوما، فأنكر عليه في الخطبة وصاح به وذمه بتأخيره العطاء عن الناس، وقام معه فئام الناس لقيامه، يصدقونه ويشنعون على المغيرة، ودخل المغيرة بعد الصلاة قصر الامارة ودخل معه جمهور الأمراء، فأشاروا عليه بردع حجر هذا عما تعاطاه من شق العصي والقيام على الأمير، وذمروه وحثوه على التنكيل فصفح عنه وحلم به. وذكر يونس بن عبيد أن معاوية كتب إلى المغيرة يستمده بمال يبعثه من بيت المال، فبعث عيرا تحمل مالا فاعترض لها حجر، فأمسك بزمام أولها وقال: لا والله حتى يوفى كل ذي حق حقه. فقال شباب ثقيف للمغيرة: ألا نأتيك برأسه؟ فقال: ما كنت لأفعلن ذلك بحجر، فتركه، فلما بلغ معاوية ذلك عزل المغيرة وولى زيادا، والصحيح أنه لم يعزل المغيرة حتى مات، فلما توفى المغيرة بن شعبة ﵁ وجمعت الكوفة مع البصرة لزياد دخلها وقد التف على حجر جماعات من شيعة على يقولون أمره ويشدون على يده، ويسبون معاوية ويتبرءون منه، فلما كان أول خطبة خطبها زياد بالكوفة، ذكر في آخرها فضل عثمان وذم من قتله

стр. 2535

أو أعان على قتله. فقام حجر كما كان يقوم في أيام المغيرة، وتكلم بنحو مما قال للمغيرة، فلم يعرض له زياد، ثم ركب زياد إلى البصرة، وأراد أن يأخذ حجرا معه إلى البصرة لئلا يحدث حدثا، فقال: إني مريض، فقال: والله إنك لمريض الدين والقلب والعقل، والله لئن أحدثت شيئا لأسعين في قتلك، ثم سار زياد إلى البصرة فبلغه أن حجرا وأصحابه أنكروا على نائبة بالكوفة - وهو عمرو بن حريث - وحصبوه وهو على المنبر يوم الجمعة، فركب زياد إلى الكوفة فنزل في القصر ثم خرج إلى المنبر وعليه قباء سندس، ومطرف خز أحمر، قد فرق شعره، وحجر جالس وحوله أصحابه أكثر ما كانوا يومئذ، وكان من لبس من أصحابه يومئذ نحو من ثلاثة آلاف، وجلسوا حوله في المسجد في الحديد والسلاح، فخطب زياد فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: أما بعد فان غب البغي والغي وخيم، وإن هؤلاء أمنونى فاجترءوا على، وايم الله لئن لم تستقيموا لأداوينكم بدوائكم، ثم قال: ما أنا بشيء إن لم أمنع ساحة الكوفة من حجر وأصحابه وأدعه نكالا لمن بعده، ويل أمك يا حجر، سقط بك العشاء على سرحان. ثم قال: أبلغ نصيحة أن راعى إبلها … سقط العشاء به على سرحان وجعل زياد يقول في خطبته: إن من حق أمير المؤمنين - يعنى كذا وكذا - فأخذ حجر كفا حصباء فحصبه وقال: كذبت! عليك لعنة الله. فانحدر زياد فصلى، ثم دخل القصر واستحضر حجرا، ويقال إن زيادا لما خطب طول الخطبة وأخر الصلاة فقال له حجر: الصلاة، فمضى في خطبته، فلما خشي فوت الصلاة عمد إلى كف من حصباء ونادى الصلاة، وثار الناس معه، فلما رأى ذلك زياد نزل فصلى بالناس، فلما انصرف من صلاته كتب إلى معاوية في أمره وكثر عليه، فكتب إليه معاوية: أن شده في الحديد واحمله إلى، فبعث إليه زياد والى الشرطة - وهو شداد بن الهيثم - ومعه أعوانه فقال له: إن الأمير يطلبك، فامتنع من الحضور إلى زياد، وقام دونه أصحابه، فرجع الوالي إلى زياد فأعلمه، فاستنهض زياد جماعات من القبائل فركبوا مع الوالي إلى حجر وأصحابه فكان بينهم قتال بالحجارة والعصي، فعجزوا عنه، فندب محمد بن الأشعث وأمهله ثلاثا وجهز معه جيشا، فركبوا في طلبه ولم يزالوا حتى أحضروه إلى زياد، وما أغنى عنه قومه ولا من كان يظن أن ينصره فعند ذلك قيده زياد وسجنه عشرة أيام وبعث به إلى معاوية، وبعث معه جماعة يشهدون عليه أنه سب الخليفة، وأنه حارب الأمير، وأنه يقول: إن هذا الأمر لا يصلح إلا في آل على بن أبى طالب. وكان من جملة الشهود عليه أبو بردة بن أبى موسى، ووائل بن حجر، وعمر بن سعد بن أبى وقاص، وإسحاق، وإسماعيل، وموسى بنو طلحة بن عبيد الله، والمنذر بن الزبير، وكثير بن شهاب، وثابت بن ربعي، في سبعين ويقال: إنه كتبت شهادة شريح القاضي فيهم، وإنه أنكر ذلك وقال:

стр. 2536

إنما قلت لزياد: إنه كان صواما قواما، ثم بعث زياد حجرا وأصحابه مع وائل بن حجر، وكثير بن شهاب إلى الشام. وكان مع حجر بن عدي بن جبلة الكندي، من أصحابه جماعة، قيل عشرون وقيل أربعة عشر رجلا، منهم الأرقم بن عبد الله الكندي وشريك بن شداد الحضرميّ، وصيفي بن فسيل، وقبيصة بن ضبيعة بن حرملة العبسيّ، وكريم بن عفيف الخثعميّ، وعاصم بن عوف البجلي وورقاء بن سمى البجلي، وكدام بن حبان، وعبد الرحمن بن حسان العريان - من بنى تميم - ومحرز ابن شهاب التميمي، وعبيد الله بن حوية السعدي التميمي أيضا. فهؤلاء أصحابه الذين وصلوا معه، فساروا بهم إلى الشام. ثم إن زيادا أتبعهم برجلين آخرين، عتبة بن الأخنس من بنى سعد، وسعد ابن عمران الهمدانيّ، فكملوا أربعة عشر رجلا، فيقال: إن حجرا لما دخل على معاوية قال: السلام عليك يا أمير المؤمنين، فغضب معاوية غضبا شديدا وأمر بضرب عنقه هو ومن معه، ويقال إن معاوية ركب فتلقاهم في برج عذراء، ويقال: بل بعث إليهم من تلقاهم إلى عذراء تحت الثنية - ثنية العقاب - فقتلوا هناك. وكان الذين بعث إليهم ثلاثة وهم هدبة بن فياض القضاعي، وحضير بن عبد الله الكلابي، وأبو شريف البدوي، فجاءوا إليهم فبات حجر وأصحابه يصلون طول الليل، فلما صلوا الصبح قتلوهم، وهذا هو الأشهر والله أعلم. وذكر محمد بن سعد أنهم دخلوا عليه ثم ردهم فقتلوا بعذراء، وكان معاوية قد استشار الناس فيهم حتى وصل بهم إلى برج عذراء فمن مشير بقتلهم، ومن مشير بتفريقهم في البلاد، فكتب معاوية إلى زياد كتابا آخر في أمرهم، فأشار عليه بقتلهم إن كان له حاجة في ملك العراق، فعند ذلك أمر بقتلهم، فاستوهب منه الأمراء واحدا بعد واحد حتى استوهبوا منه ستة، وقتل منهم ستة أولهم حجر بن عدي، ورجع آخر فعفا عنه معاوية، وبعث بآخر نال من عثمان وزعم أنه أول من جار في الكلم ومدح عليا، فبعث به معاوية إلى زياد وقال له: لم تبعث إلى فيهم أردى من هذا. فلما وصل إلى زياد ألقاه في الناطف حيا - وهو عبد الرحمن بن حسان الفري. وهذه تسمية الذين قتلوا بعذراء: حجر بن عدي، وشريك بن شداد، وصيفي بن فسيل، وقبيصة بن ضبيعة، ومحرز بن شهاب المنقري، وكدام بن حبان. ومن الناس من يزعم أنهم مدفونون بمسجد القصب في عرفة، والصحيح بعذراء، ويذكر أن حجرا لما أرادوا قتله قال: دعوني حتى أتوضأ، فقالوا: توضأ، فقال: دعوني حتى أصلى ركعتين فصلاهما وخفف فيهما، ثم قال: لولا أن يقولوا ما بى جزع من الموت لطولتهما. ثم قال: قد تقدم لهما صلوات كثيرة. ثم قدموه للقتل وقد حفرت قبورهم ونشرت أكفانهم، فلما تقدم إليه السياف ارتعدت فرائصه فقيل له: إنك قلت لست بجازع، فقال: وما لي لا أجزع وأنا أرى قبرا محفورا وكفنا منشورا وسيفا مشهورا. فأرسلها مثلا. ثم تقدم إليه السياف. وهو أبو شريف البدوي، وقيل تقدم إليه رجل أعور فقال له: امدد عنقك،

стр. 2537

فقال: لا أعين على قتل نفسي، فضربه فقتله. وكان قد أوصى أن يدفن في قيوده، ففعل به ذلك، وقيل: بل صلوا عليه وغسلوه. وروى أن الحسن بن على. قال: أصلوا عليه ودفنوه في قيوده؟ قالوا: نعم! قال: حجهم والله. والظاهر أن الحسين قائل هذا، فان حجرا قتل في سنة إحدى وخمسين، وقيل سنة ثلاث وخمسين، وعلى كل تقدير فالحسن قد مات قبله والله أعلم. فقتلوه ﵀ وسامحه. وروينا أن معاوية لما دخل على أم المؤمنين عائشة فسلم عليها من وراء الحجاب - وذلك بعد مقتله حجرا وأصحابه - قالت له: أين ذهب عنك حلمك يا معاوية حين قتلت حجرا وأصحابه؟ فقال لها: فقدته حين غاب عنى من قومي مثلك يا أماه. ثم قال لها: فكيف بري بك يا أمه؟ فقالت: إنك بى لبار، فقال: يكفيني هذا عند الله، وغدا لي ولحجر موقف بين يدي الله . وفي رواية أنه قال: إنما قتله الذين شهدوا عليه. وروى ابن جرير أن معاوية جعل يغرغر بالموت وهو يقول: إن يومى بك يا حجر بن عدي لطويل، قالها ثلاثا فالله أعلم. وقال محمد بن سعد في الطبقات: ذكر بعض أهل العلم أن حجرا وفد إلى رسول الله ﷺ مع أخيه هانئ بن عدي، - وكان من أصحاب على - فلما قدم زياد بن أبى سفيان واليا على الكوفة دعا بحجر بن عدي فقال: تعلم أنى أعرفك وقد كنت أنا وأباك على أمر قد علمت - يعنى من حب على - وأنه قد جاء غير ذلك، وإني أنشدك الله أن تقطر لي من دمك قطرة فأستفرغه كله، أملك عليك لسانك، وليسعك منزلك، وهذا سريري فهو مجلسك، وحوائجك مقضية لدى، فاكفني نفسك فانى أعرف عجلتك، فأنشدك الله في نفسك، وإياك وهذه السقطة وهؤلاء السفهاء أن يستنزلوك عن رأيك. فقال حجر: قد فهمت، ثم انصرف إلى منزله فأتاه الشيعة فقالوا: ما قال لك؟ قال قال لي كذا وكذا. وسار زياد إلى البصرة ثم جعلوا يترددون إليه يقولون له: أنت شيخنا، وإذا جاء المسجد مشوا معه، فأرسل إليه عمرو بن حريث - نائب زياد على الكوفة - يقول: ما هذه الجماعة وقد أعطيت الأمير ما قد علمت؟ فقال للرسول: إنهم ينكرون ما أنتم عليه، إليك وراءك أوسع لك. فكتب عمرو بن حريث إلى زياد: إن كان لك حاجة بالكوفة فالعجل العجل، فأعجل زياد السير إلى الكوفة، فلما وصل بعث إليه عدي بن حاتم، وجرير بن عبد الله البجلي، وخالد بن عرفطة في جماعة من أشراف الكوفة لينهوه عن هذه الجماعة، فأتوه فجعلوا يحدثونه ولا يرد عليهم شيئا، بل جعل يقول: يا غلام أعلفت البكر؟ لبكر مربوط في الدار - فقال له عدي بن حاتم: أمجنون أنت؟ نكلمك وأنت تقول: أعلفت البكر، ثم قال عدي لأصحابه: ما كنت أظن هذا البائس بلغ به الضعف كل ما أرى. ثم نهضوا فأخبروا زيادا ببعض الخبر وكتموه بعضا، وحسنوا أمره وسألوه الرّفق به فلم يقبل، بل بعث إليه الشرط والمحاربة فأتى به وبأصحابه، فقال له: مالك ويلك؟ قال:

стр. 2538

إني على بيعتي لمعاوية، فجمع زياد سبعين من أهل الكوفة فقال: اكتبوا شهادتكم على حجر وأصحابه، ففعلوا، ثم أوفدهم إلى معاوية، وبلغ الخبر عائشة فأرسلت عبد الرحمن بن الحارث بن هشام إلى معاوية تسأله أن يخلى سبيلهم، فلما دخلوا على معاوية قرأ كتاب زياد فقال معاوية: أخرجوا بهم إلى عذراء فاقتلوهم هناك، فذهبوا بهم ثم قتلوا منهم سبعة، ثم جاء رسول معاوية بالتخلية عنهم، وأن يطلقوهم كلهم، فوجدوا قد قتلوا منهم سبعة وأطلقوا السبعة الباقين، ولكن كان حجر فيمن قتل في السبعة الأول، وكان قد سألهم أن يصلى ركعتين قبل أن يقتلوه، فصلى ركعتين فطول فيهما، وقال إنهما لأخف صلاة صليتها. وجاء رسول عائشة بعد ما فرغ من شأنهم. فلما حج معاوية قالت له عائشة: أين عزب عنك حلمك حين قتلت حجرا؟ فقال: حين غاب عنى مثلك من قومي. ويروى أن عبد الرحمن بن الحارث قال لمعاوية: أقتلت حجر بن الأدبر؟ فقال معاوية: قتله أحب إلى من أن أقتل معه مائة ألف. وقد ذكر ابن جرير وغيره عن حجر بن عدي وأصحابه أنهم كانوا ينالون من عثمان ويطلقون فيه مقالة الجور، وينتقدون على الأمراء، ويسارعون في الإنكار عليهم، ويبالغون في ذلك، ويتولون شيعة على، ويتشددون في الدين. ويروى أنه لما أخذ في قيوده سائرا من الكوفة إلى الشام تلقته بناته في الطريق وهن يبكين، فمال نحوهن: فقال إن الّذي يطعمكم ويكسوكم هو الله وهو باق لكن بعدي، فعليكن بتقوى الله وعبادته، وإني إما أن أقتل في وجهي وهي شهادة، أو أن أرجع إليكن مكرما، والله خليفتي عليكم. ثم انصرف مع أصحابه في قيوده، ويقال إنه أوصى أن يدفن في قيوده ففعل ذلك به، ولكن صلوا عليهم ودفنوهم مستقبل القبلة ﵏ وسامحهم. وقد قالت امرأة من المتشيعات ترثى حجرا - وهي هند بنت زيد بن مخرمة الأنصارية - ويقال إنها لهند أخت حجر فالله أعلم. ترفع أيها القمر المنير … تبصر هل ترى حجرا يسير يسير إلى معاوية بن حرب … ليقتله كما زعم الأمير يرى قتل الخيار عليه حقا … له من شر أمته وزير ألا يا ليت حجرا مات يوما … ولم ينحر كما نحر البعير تجبرت الجبابر بعد حجر … وطاب لها الخورنق والسدير وأصبحت البلاد له محولا … كأن لم يحيها مزن مطير ألا يا حجر حجر بن عدي … تلقتك السلامة والسرور أخاف عليك ما أردى عديا … وشيخا في دمشق له زبير فان تهلك فكل زعيم قوم … من الدنيا إلى هلك يصير

стр. 2539

فرضوا أن الآله عليك ميتا … وجنات بها نعم وحور وذكر ابن عساكر له مراثي كثيرة. وقال يعقوب بن سفيان: حدثني حرملة أنا ابن وهب أخبرنى ابن لهيعة عن أبى الأسود قال: دخل معاوية على عائشة فقالت: ما حملك على قتل أهل عذراء، حجرا وأصحابه؟ فقال: يا أم المؤمنين إني رأيت في قتلهم صلاحا للأمة، وفي مقامهم فسادا للأمة، فقالت: سمعت رسول الله يقول: «سيقتل بعذراء أناس يغضب الله لهم وأهل السماء». وهذا إسناد ضعيف منقطع. وقد رواه عبد الله بن المبارك عن ابن لهيعة عن أبى الأسود أن عائشة قالت: بلغني أنه سيقتل بعذراء أناس يغضب الله لهم وأهل السماء. وقال يعقوب: حدثني ابن لهيعة حدثني الحارث بن يزيد عن عبد الله بن رزين الغافقي. قال: سمعت عليا يقول: يا أهل العراق سيقتل منكم سبعة نفر بعذراء، مثلهم كمثل أصحاب الأخدود، قال: يقتل حجر وأصحابه - ابن لهيعة ضعيف -. وروى الامام أحمد عن ابن علية عن ابن عون عن نافع قال: كان ابن عمر في السوق فنعى له حجر فأطلق حبوته وقام وغلب عليه النحيب. وروى أحمد عن عفان عن ابن علية عن أيوب عن عبد الله بن أبى مليكة - أو غيره - قال لما قدم معاوية المدينة دخل على عائشة فقالت: أقتلت حجرا؟ فقال: يا أم المؤمنين إني وجدت قتل رجل في صلاح الناس خير من استحيائه في فسادهم. وقال حماد بن سلمة عن على بن زيد عن سعيد بن المسيب عن مروان. قال: دخلت مع معاوية على أم المؤمنين عائشة فقالت: يا معاوية قتلت حجرا وأصحابه وفعلت الّذي فعلت، أما خشيت أن أخبأ لك رجلا يقتلك؟ فقال: لا! إني في بيت الأمان، سمعت رسول الله يقول: «الايمان ضد الفتك لا يفتك مؤمن». يا أم المؤمنين كيف أنا فيما سوى ذلك من حاجاتك وأمرك؟ قالت: صالح. قال: فدعيني وحجرا حتى نلتقي عند ربنا . وفي رواية أنها حجبته وقالت: لا يدخل على أبدا، فلم يزل يتلطف حتى دخل فلامته في قتله حجرا، فلم يزل يعتذر حتى عذرته. وفي رواية: أنها كانت تتوعده وتقول: لولا يغلبنا سفهاؤنا لكان لي ولمعاوية في قتله حجرا شأن، فلما اعتذر إليها عذرته. وذكر ابن الجوزي في المنتظم أنه توفى في هذه السنة من الأكابر جرير بن عبد الله البجلي، وجعفر بن أبى سفيان بن الحارث، وحارثة بن النعمان، وحجر بن عدي، وسعيد بن زيد بن عمرو بن نفيل، وعبد الله بن أنيس، وأبو بكرة نفيع بن الحارث الثقفي، ﵃. فأما جرير بن عبد الله البجلي فأسلم بعد نزول المائدة، وكان إسلامه في رمضان سنة عشر، وكان قدومه ورسول الله يخطب، وكان قد قال في خطبته: «إنه يقدم عليكم من هذا الفج من خير ذي يمن، وإن على وجهه مسحة ملك»، فلما دخل نظر الناس إليه فكان كما وصف رسول الله ﷺ ، وأخبروه بذلك فحمد الله

стр. 2540

تعالى. ويروى أن رسول الله ﷺ لما جالسه بسط له رداءه وقال: «إذا جاءكم كريم قوم فأكرموه» قال ابن جرير: وفي هذه السنة ولى زياد على خراسان بعد موت الحكم بن عمرو الربيع بن زياد الحارثي ففتح بلخ صلحا، وكانوا قد غلقوها بعد ما صالحهم الأحنف، وفتح قوهستان عنوة، وكان عندها أتراك فقتلهم ولم يبق منهم إلا ترك طرخان، فقتله قتيبة بن مسلم بعد ذلك كما سيأتي. وفي هذه السنة غزا الربيع ما وراء النهر فغنم وسلم، وكان قد قطع ما وراء النهر قبله الحكم بن عمرو، وكان أول من شرب من النهر غلام للحكم، فسقى سيده وتوضأ الحكم وصلى وراء النهر ركعتين ثم رجع، فلما كان الربيع هذا غزا ما وراء النهر فغنم وسلم. وفي هذه السنة حج بالناس يزيد بن معاوية فيما قاله أبو معشر والواقدي، وبعثه رسول الله إلى ذي الخلصة - وكان بيتا تعظمه دوس في الجاهلية - فذكر أنه لا يثبت على الخيل، فضرب في صدره وقال: «اللهمّ ثبته واجعله هاديا مهديا» فذهب فهدمه. وفي الصحيحين أنه قال: ما حجبنى رسول الله منذ أسلمت ولا رآني إلا تبسم. وكان عمر بن الخطاب يقول: جرير يوسف هذه الأمة. وقال عبد الملك بن عمير: رأيت جريرا كأن وجهه شقة قمر. وقال الشعبي: كان جرير هو وجماعة مع عمر في بيت. فاشتم عمر من بعضهم ريحا، فقال: عزمت على صاحب هذه الريح لما قام فتوضأ، فقال جرير: أو نقوم كلما فنتوضأ يا أمير المؤمنين؟ فقال عمر: نعم السيد كنت في الجاهلية، ونعم السيد أنت في الإسلام. وقد كان عاملا لعثمان على همدان، يقال إنه أصيبت عينه هناك، فلما قتل عثمان اعتزل عليا ومعاوية، ولم يزل مقيما بالجزيرة حتى توفى بالسراة، سنة إحدى وخمسين، قاله الواقدي، وقيل سنة أربع، وقيل سنة ست وخمسين. وأما جعفر بن أبى سفيان بن الحارث بن عبد المطلب فأسلم مع أبيه حين تلقياه بين مكة والمدينة عام الفتح، فلما ردهما قال أبو سفيان: والله لئن لم يأذن لي عليه لآخذن بيد هذا فأذهبن في الأرض فلا يدرى أين أذهب، فلما بلغ ذلك رسول الله رق له وأذن له وقبل إسلامهما فأسلما إسلاما حسنا، بعد ما كان أبو سفيان يؤذى رسول الله أذى كثيرا، وشهد حنينا، وكان ممن ثبت يومئذ ﵄. وأما حارثة بن النعمان الأنصاري النجاري فشهد بدرا وأحدا والخندق والمشاهد، وكان من فضلاء الصحابة، وروى أنه رأى جبريل مع رسول الله بالمقاعد يتحدثان بعد خيبر، وأنه رآه يوم بنى قريظة في صورة دحية. وفي الصحيح أن رسول الله ﷺ سمع قراءته في الجنة. قال محمد بن سعد: حدثنا عبد الرحمن بن يونس ثنا محمد بن إسماعيل بن أبى فديك ثنا محمد بن عثمان عن أبيه أن حارثة بن النعمان كان قد كف بصره فجعل خيطا من مصلاه إلى باب حجرته، فإذا جاءه المسكين أخذ من ذلك التمر ثم أخذ يمسك بذلك الخيط حتى

стр. 2541

يضع ذلك في يد المسكين، وكان أهله يقولون له: نحن نكفيك ذلك، فيقول: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «مناولة المسكين تقى ميتة السوء». وأما حجر بن عدي فقد تقدمت قصته مبسوطة. وأما سعيد بن زيد بن عمرو بن نفيل القرشي أبو الأعور العدوي فهو أحد العشرة المشهود لهم بالجنة، وهو ابن عم عمر بن الخطاب، وأخته عاتكة زوجة عمر، وأخت عمر فاطمة زوجة سعيد، أسلم قبل عمر هو وزوجته فاطمة، وهاجرا، وكان من سادات الصحابة قال عروة والزهري وموسى بن عقبة ومحمد بن إسحاق والواقدي وغير واحد: لم يشهد بدرا لأنه قد كان بعثه رسول الله هو وطلحة بن عبيد الله بين يديه يتجسسان أخبار قريش فلم يرجعا حتى فرغ من بدر، فضرب لهما رسول الله بسهمهما وأجرهما، ولم يذكره عمر في أهل الشورى لئلا يحابي بسبب قرابته من عمر فيولي فتركه لذلك، وإلا فهو ممن شهد له رسول الله ﷺ بالجنة في جملة العشرة، كما صحت بذلك الأحاديث المتعددة الصحيحة، ولم يتول بعده ولاية، وما زال كذلك حتى مات بالكوفة، وقيل بالمدينة وهو الأصح، قال الفلاس وغيره: سنة إحدى وخمسين وقيل سنة ثنتين وخمسين والله أعلم. وكان رجلا طوالا أشعر، وقد غسله سعد، وحمل من العقيق على رقاب الرجال إلى المدينة، وكان عمره يومئذ بضعا وسبعين سنة. وأما عبد الله أنيس بن الجهنيّ أبو يحيى المدني فصحابي جليل شهد العقبة ولم يشهد بدرا. وشهد ما بعدها، وكان هو ومعاذ يكسران أصنام الأنصار، له في الصحيح حديث أن ليلة القدر ليلة ثلاث وعشرين، وهو الّذي بعثه رسول الله إلى خالد بن سفيان الهذلي فقتله بعرنة وأعطاه رسول الله مخصرة وقال: «هذه آية ما بيني وبينك يوم القيامة» فأمر بها فدفنت معه في أكفانه. وقد ذكر ابن الجوزي أنه توفى سنة إحدى وخمسين، وقال غيره سنة أربع وخمسين وقيل سنة ثمانين. وأما أبو بكرة نفيع بن الحارث ابن كلدة بن عمرو بن علاج بن أبى سلمة الثقفي فصحابي جليل كبير القدر، ويقال كان اسمه مسروح وإنما قيل له أبو بكرة لأنه تدلى في بكرة يوم الطائف فأعتقه رسول الله وكل مولى فر إليهم يومئذ. وأمه سمية هي أم زياد، وكانا ممن شهد على المغيرة بالزنا هو وأخوه زياد ومعهما سهل بن معبد، ونافع بن الحارث فلما تلكأ زياد في الشهادة جلد عمر الثلاثة الباقين ثم استتابهم فتابوا إلا أبا بكرة فإنه صمم على الشهادة، وقال المغيرة: يا أمير المؤمنين اشفني من هذا العبد، فنهره عمر وقال له: اسكت! لو كملت الشهادة لرجمتك بأحجارك، وكان أبو بكرة خير هؤلاء الشهود وكان ممن اعتزل الفتن فلم يكن في خيرهما، ومات في هذه السنة، وقيل قبلها بسنة، وقيل بعدها بسنة وصلّى عليه أبو

стр. 2542

برزة الأسلمي، وكان قد آخى بينهما رسول الله ﷺ . وفيها توفيت أم المؤمنين ميمونة بنت الحارث الهلالية، تزوجها رسول الله ﷺ في عمرة القضاء سنة سبع، قال ابن عباس - وكان ابن أختها أم الفضل لبابة بنت الحارث: تزوجها رسول الله ﷺ وهو محرم، وثبت في صحيح مسلم عنها أنهما كانا حلالين، وقولها مقدم عند الأكثرين على قوله. وروى الترمذي عن أبى رافع - وكان السفير بينهما - أنهما كانا حلالين. ويقال كان اسمها برة فسماها رسول الله ميمونة، وتوفيت بسرف بين مكة والمدينة حيث بنى بها رسول الله ﷺ في هذه السنة، وقيل في سنة ثلاث وستين، وقيل سنة ست وستين، والمشهور الأول، وصلى عليها ابن أختها عبد الله بن عباس ﵄. ثم دخلت سنة ثنتين وخمسين ففيها غزا بلاد الروم وشتى بها سفيان بن عوف الأزدي فمات هنالك، واستخلف على الجند بعده عبد الله بن مسعدة الفزاري، وقيل إن الّذي كان أمير الغزو ببلاد الروم هذه السنة بسر بن أبى أرطاة ومعه سفيان بن عوف، وحج بالناس في هذه السنة سعيد بن العاص نائب المدينة، قاله أبو معشر والواقدي وغيرهما. وغزا الصائفة محمد بن عبد الله الثقفي. وعمال الأمصار في هذه السنة عمالها في السنة الماضية. ذكر من توفى فيها من الأعيان * خالد بن زيد بن كليب أبو أيوب الأنصاري الخزرجي شهد بدرا والعقبة والمشاهد كلها، وشهد مع على قتال الحرورية، وفي داره كان نزول رسول الله ﷺ حين قدم المدينة فأقام عنده شهرا حتى بنى المسجد ومساكنه حوله، ثم تحول إليها، وقد كان أبو أيوب أنزل رسول الله في أسفل داره ثم تحرج من أن يعلو فوقه، فسأل من رسول الله ﷺ أن يصعد إلى العلو ويكون هو وأم أيوب في السفل فأجابه. وقد روينا عن ابن عباس أنه قدم عليه أبو أيوب البصرة وهو نائبها فخرج له عن داره وأنزله بها، فلما أراد الانصراف خرج له عن كل شيء بها، وزاده تحفا وخدما كثيرا أربعين ألفا، وأربعين عبدا إكراما له لما كان أنزل رسول الله ﷺ في داره، وقد كان من أكبر الشرف له. وهو القائل لزوجته أم أيوب - حين قالت له: أما تسمع ما يقول الناس في عائشة -؟ فقال: أكنت فاعلة ذلك يا أم أيوب؟ فقالت: لا والله فقال: والله لهى خير منك، فأنزل الله ﴿لَوْلا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ ظَنَّ الْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِناتُ بِأَنْفُسِهِمْ خَيْراً﴾ الآية. وكانت وفاته ببلاد الروم قريبا من سور قسطنطينية من هذه السنة، وقيل في التي قبلها، وقيل في التي بعدها. وكان في جيش يزيد بن معاوية، وإليه أوصى، وهو الّذي صلى عليه. وقد قال الامام أحمد: حدثنا عثمان ثنا همام ثنا أبو عاصم عن رجل من أهل مكة أن يزيد بن

стр. 2543

معاوية كان أميرا على الجيش الّذي غزا فيه أبو أيوب، فدخل عليه عند الموت فقال له: إذا أنا مت فاقرءوا على الناس منى السلام وأخبروهم أنى سمعت رسول الله ﷺ يقول: «من مات لا يشرك بالله شيئا جعله الله في الجنة». ولينطلقوا فيبعدوا بى في أرض الروم ما استطاعوا. قال: فحدث الناس لما مات أبو أيوب فأسلم الناس وانطلقوا بجنازته. وقال أحمد: حدثنا أسود بن عامر ثنا أبو بكر عن الأعمش عن أبى ظبيان قال: غزا أبو أيوب مع يزيد بن معاوية قال: فقال إذا مت فأدخلونى في أرض العدو فادفنوني تحت أقدامكم حيث تلقون العدو، قال: ثم قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «من مات لا يشرك بالله شيئا دخل الجنة». ورواه أحمد عن ابن نمير ويعلى بن عبيد عن الأعمش سمعت أبا ظبيان فذكره، وقال فيه: سأحدثكم حديثا سمعته من رسول الله ﷺ لولا حالي هذا ما حدثتكموه، سمعت رسول الله ﷺ يقول: «من مات لا يشرك بالله شيئا دخل الجنة»: وقال أحمد: حدثنا إسحاق بن عيسى حدثني محمد بن قيس - قاضى عمر بن عبد العزيز - عن أبى صرمة عن أبى أيوب الأنصاري أنه قال حين حضرته الوفاة: قد كنت كتمت عنكم شيئا سمعته من رسول الله ﷺ سمعته يقول: «لولا أنكم تذنبون لخلق الله قوما يذنبون فيغفر لهم». وعندي أن هذا الحديث والّذي قبله هو الّذي حمل يزيد بن معاوية على طرف من الأرجاء، وركب بسببه أفعالا كثيرة أنكرت عليه كما سنذكره في ترجمته والله تعالى أعلم. قال الواقدي: مات أبو أيوب بأرض الروم سنة ثنتين وخمسين ودفن عند القسطنطينية وقبره هنالك يستسقى به الروم إذا قحطوا، وقيل: إنه مدفون في حائط القسطنطينية وعلى قبره مزار ومسجد وهم يعظمونه، وقال أبو زرعة الدمشقيّ: توفى سنة خمس وخمسين، والأول أثبت والله أعلم. وقال أبو بكر بن خلاد: حدثنا الحارث بن أبى أسامة ثنا داود بن المحبر ثنا ميسرة بن عبد ربه عن موسى بن عبيدة عن الزهري عن عطاء بن يزيد عن أبى أيوب الأنصاري عن النبي ﷺ . قال: «إن الرجلين ليتوجهان إلى المسجد فيصليان فينصرف أحدهما وصلاته أوزن من صلاة الآخر، وينصرف الآخر وما تعدل صلاته مثقال ذرة، إذا كان أورعهما عن محارم الله وأحرصهما على المسارعة إلى الخير». وعن أبى أيوب قال قال رسول الله ﷺ لرجل سأله أن يعلمه ويوجز فقال له: «إذا صليت صلاة فصل صلاة مودع، ولا تكلمن بكلام تعتذر منه، واجمع اليأس مما في أيدي الناس» وفيها كانت وفاة أبى موسى عبد الله بن قيس بن سليم بن حضار بن حرب بن عامر بن غز بن بكر بن عامر بن عذر بن وائل بن ناجية بن جماهر بن الأشعر الأشعري، أسلم ببلاده وقدم مع جعفر وأصحابه عام خيبر، وذكر محمد بن إسحاق أنه هاجر أولا إلى مكة ثم هاجر إلى اليمن، وليس هذا بالمشهور، وقد استعمله رسول الله ﷺ مع معاذ على اليمن، واستنابه عمر على البصرة، وفتح تستر،

стр. 2544

وشهد خطبة عمر بالجابية، وولاه عثمان الكوفة، وكان أحد الحكمين بين على ومعاوية، فلما اجتمعا خدع عمرو أبا موسى، وكان من قراء الصحابة وفقهائهم، وكان أحسن الصحابة صوتا في زمانه، قال أبو عثمان النهدي: ما سمعت صوت صنج ولا بربط ولا مزمار أطيب من صوت أبى موسى وثبت في الحديث أن رسول الله ﷺ قال: «لقد أوتى هذا مزمارا من مزامير آل داود». وكان عمر يقول له: ذكرنا ربنا يا أبا موسى، فيقرأ وهم يسمعون. وقال الشعبي: كتب عمر في وصيته أن لا يقر لي عامل أكثر من سنة إلا أبا موسى فليقر أربع سنين. وذكر ابن الجوزي في المنتظم أنه توفى في هذه السنة، وهو قول بعضهم، وقيل إنه توفى قبلها بسنة، وقيل في سنة ثنتين وأربعين، وقيل غير ذلك والله أعلم. وكانت وفاته بمكة لما اعتزل الناس بعد التحكيم، وقيل بمكان يقال له: الثوبة على ميلين من الكوفة. وكان قصيرا نحيف الجسم أسبط، أي لا لحية له، ﵁. وذكر ابن الجوزي أنه توفى في هذه السنة أيضا من الصحابة. عبد الله بن المغفل المزني وكان أحد البكاءين، وأحد العشرة الذين بعثهم عمر إلى البصرة ليفقهوا الناس، وهو أول من دخل تستر من المسلمين حين فتحها. لكن الصحيح ما حكاه البخاري عن مسدد أنه توفى سنة سبع وخمسين. وقال ابن عبد البر: توفى سنة ستين، وقال غيره: سنة إحدى وستين فالله أعلم. ويروى عنه أنه رأى في منامه كأن القيامة قد قامت وكان هناك مكان من وصل إليه نجا، فجعل يحاول الوصول إليه فقيل له: أتريد أن تصل إليه وعندك ما عندك من الدنيا؟ فاستيقظ فعمد إلى عيبة عنده فيها ذهب كثير فلم يصبح عليه الصباح إلا وقد فرقها في المساكين والمحاويج والأقارب ﵁. وفيها توفى عمران بن حصين بن عبيد ابن خلف أبو نجيد الخزاعي، أسلم هو وأبو هريرة عام خيبر وشهد غزوات، وكان من سادات الصحابة، استقضاه عبد الله بن عامر على البصرة فحكم له بها، ثم استعفاه فأعفاه، ولم يزل بها حتى مات في هذه السنة، قال الحسن: وابن سيرين البصري: ما قدم البصرة راكب خير منه، وقد كانت الملائكة تسلم عليه فلما اكتوى انقطع عنه سلامهم ثم عادوا قبل موته بقليل فكانوا يسلمون عليه ﵁ وعن أبيه. كعب بن عجرة الأنصاري أبو محمد المدني صحابى جليل وهو الّذي نزلت فيه آية الفدية في الحج. مات في هذه السنة، وقيل قبلها بسنة عن خمس أو سبع وسبعين سنة. معاوية بن خديج ابن جفنة بن قتيرة الكندي الخولانيّ المصري، صحابى على قول الأكثرين، وذكره ابن

стр. 2545

حبان في التابعين من الثقات، والصحيح الأول، شهد فتح مصر، وهو الّذي وفد إلى عمر بفتح الاسكندرية، وشهد مع عبد الله بن سعد بن أبى سرح قتال البربر، وذهبت عينه يومئذ، وولى حروبا كثيرة في بلاد المغرب، وكان عثمانيا في أيام على ببلاد مصر، ولم يبايع عليا بالكلية، فلما أخذ معاوية بن أبى سفيان مصر أكرمه ثم استنابه بها بعد عبد الله بن عمرو بن العاص، فإنه ناب بها بعد أبيه سنتين ثم عزله معاوية وولى معاوية بن خديج هذا، فلم يزل بمصر حتى مات بها في هذه السنة. هانئ بن نيار أبو بردة البلوى خال البراء بن عازب المخصوص بذبح العناق وإجزائها عن غيرها من الأضاحي، وشهد العقبة وبدرا والمشاهد كلها وكانت راية بنى حارثة معه يوم الفتح ﵁. ثم دخلت سنة ثلاث وخمسين ففيها غزا عبد الرحمن بن أم الحكم بلاد الروم وشتى بها، وفيها افتتح المسلمون وعليهم جنادة ابن أبى أمية جزيرة رودس فأقام بها طائفة من المسلمين كانوا أشد شيء على الكفار، يعترضون لهم في البحر ويقطعون سبيلهم، وكان معاوية يدر عليهم الأرزاق والأعطيات الجزيلة، وكانوا على حذر شديد من الفرنج، يبيتون في حصن عظيم عنده فيه حوائجهم ودوابهم وحواصلهم، ولهم نواطير على البحر ينذرونهم إن قدم عدو أو كادهم أحد، وما زالوا كذلك حتى كانت إمرة يزيد بن معاوية بعد أبيه، فحولهم من تلك الجزيرة، وقد كانت للمسلمين بها أموال كثيرة وزراعات غزيرة. وحج بالناس في هذه السنة سعيد بن العاص والى المدينة أيضا، قاله أبو معشر والواقدي. وفي هذه السنة توفى جبلة ابن الأيهم الغساني كما ستأتي ترجمته في آخر هذه التراجم. وفيها توفى الربيع بن زياد الحارثي، اختلف في صحبته وكان نائب زياد على خراسان، وكان قد ذكر حجر بن عدي فأسف عليه، وقال: والله لو ثارت العرب له لما قتل صبرا ولكن أقرت العرب فذلت، ثم لما كان يوم الجمعة دعا الله على المنبر أن يقبضه إليه فما عاش إلى الجمعة الأخرى، واستخلف على عمله ابنه عبد الله بن الربيع فأقره زياد على ذلك، فمات بعد ذلك بشهرين، واستخلف على عملهم بخراسان خليد بن عبد الله الحنفي فأقره زياد. رويفع بن ثابت صحابى جليل شهد فتح مصر، وله آثار جيدة في فتح بلاد المغرب، ومات ببرقة واليا من جهة مسلمة بن مخلد نائب مصر. وفي هذه السنة أيضا توفى زياد بن أبى سفيان ويقال له: زياد بن أبيه وزياد بن سمية - وهي أمه -

стр. 2546

في رمضان من هذه السنة مطعونا، وكان سبب ذلك أنه كتب إلى معاوية يقول له: إني قد ضبطت لك العراق بشمالي ويميني فارغة، فارع لي ذلك، وهو يعرض له أن يستنيبه على بلاد الحجاز أيضا، فلما بلغ أهل الحجاز جاءوا إلى عبد الله بن عمر فشكوا إليه ذلك، وخافوا أن يلي عليهم زياد، فيعسفهم كما عسف أهل العراق، فقام ابن عمر فاستقبل القبلة فدعا على زياد والناس يؤمنون، فطعن زياد بالعراق في يده فضاق ذرعا بذلك، واستشار شريحا القاضي في قطع يده، فقال له شريح: إني لا أرى ذلك، فإنه إن لم يكن في الأجل فسحة لقيت الله أجذم قد قطعت يدك خوفا من لقائه، وإن كان لك أجل بقيت في الناس أجذم فيعير ولدك بذلك. فصرفه عن ذلك، فلما خرج شريح من عنده عاتبه بعض الناس: وقالوا: هلا تركته فقطع يده؟! فقال: قال رسول الله ﷺ : «المستشار مؤتمن». ويقال إن زيادا جعل يقول: أأنام أنا والطاعون في فراش واحد؟ فعزم على قطع يده، فلما جيء بالمكاوى والحديد خاف من ذلك فترك ذلك، وذكر أنه جمع مائة وخمسين طبيبا ليداووه مما يجد من الحر في باطنه، منهم ثلاثة ممن كان يطب كسرى بن هرمز، فعجزوا عن رد القدر المحتوم والأمر المحموم، فمات في ثالث شهر رمضان في هذه السنة، وقد قام في إمرة العراق خمس سنين. ودفن بالثوبة خارج الكوفة، وقد كان برز منها قاصدا إلى الحجاز أميرا عليها، فلما بلغ خبر موته عبد الله بن عمر قال: اذهب إليك يا ابن سمية، فلا الدنيا بقيت لك، ولا الآخرة أدركت. قال أبو بكر بن أبى الدنيا: حدثني أبى عن هشام بن محمد حدثني يحيى بن ثعلبة أبو المقدم الأنصاري عن أمه عن عائشة عن أبيها عبد الرحمن بن السائب الأنصاري. قال: جمع زياد أهل الكوفة فملأ منهم المسجد والرحبة والقصر ليعرض عليهم البراءة من على بن أبى طالب، قال عبد الرحمن: فانى لمع نفر من أصحابى من الأنصار، والناس في أمر عظيم من ذلك وفي حصر، قال: فهومت تهويمة - أي نعست نعسة - فرأيت شيئا أقبل طويل العنق، له عنق مثل عنق البعير، أهدب أهدل فقلت: ما أنت؟ فقال: أنا النقاد ذو الرقبة، بعثت إلى صاحب هذا القصر، فاستيقظت فزعا فقلت لأصحابى: هل رأيتم ما رأيت؟ قالوا: لا! فأخبرتهم، وخرج علينا خارج من القصر فقال: إن الأمير يقول لكم: انصرفوا عنى: فانى عنكم مشغول. وإذا الطاعون قد أصابه. وروى ابن أبى الدنيا أن زيادا لما ولى الكوفة سأل عن أعبدها فدل على رجل يقال له أبو المغيرة الحميري، فجاء به فقال له: الزم بيتك ولا تخرج منه وأنا أعطيك من المال ما شئت، فقال: لو أعطيتنى ملك الأرض ما تركت خروجي لصلاة الجماعة. فقال الزم الجماعة ولا تتكلم بشيء. فقال: لا أستطيع ترك الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر، فأمر به فضربت عنقه. ولما احتضر قال له ابنه: يا أبة قد هيأت لك ستين ثوبا أكفنك فيها، فقال يا بنى قد دنا من أبيك أمر إما لباس خير من لباسه وإما سلب سريع. وهذا غريب جدا

стр. 2547

صعصعة بن ناجية ابن عفان بن محمد بن سفيان بن مجاشع بن دارم، كان سيدا في الجاهلية وفي الإسلام، يقال إنه أحيى في الجاهلية ثلاثمائة وستين موءودة، وقيل أربعمائة، وقيل ستا وتسعين موءودة، فلما أسلم قال له رسول الله ﷺ : «لك أجر ذلك إذ من الله عليك بالإسلام». ويروى عنه أنه أول ما أحيى الموءودة أنه ذهب في طلب ناقتين شردتا له، قال فبينما أنا في الليل أسير إذ أنا بنار تضيء مرة وتخبو أخرى. فجعلت لا أهتدى إليها، فقلت: اللهمّ لك على إن أوصلتنى إليها ان أدفع عن أهلها ضيما إن وجدته بهم، قال فوصلت إليها وإذا شيخ كبير يوقد نارا وعنده نسوة مجتمعات، فقلت: ما أنتن؟ فقلن إن هذه امرأة قد حبستنا منذ ثلاث، تطلق ولم تخلص، فقال الشيخ صاحب المنزل: وما خبرك؟ فقلت: إني في طلب ناقتين ندّتا لي، فقال: قد وجدتهما، إنهما لفي إبلنا، قال فنزلت عنده؟ قال فما هو الا أن نزلت إذ قلن وضعت، فقال الشيخ: إن كان ذكرا فارتحلوا، وإن كان أنثى فلا تسمعننى صوتها، فقلت: علام تقتل ولدك ورزقه على الله؟ فقال: لا حاجة لي بها، فقلت: أنا أفتديها منك وأتركها عندك حتى تبين عندك أو تموت. قال: بكم؟ قلت. بإحدى ناقتي، قال: لا! قلت فبهما، قال لا إلا أن تزيدني بعيرك هذا فأنى أراه شابا حسن اللون، قلت نعم على أن تردني إلى أهلي، قال نعم، فلما خرجت من عندهم رأيت أن الّذي صنعته نعمة من الله منّ بها على هداني إليها، فجعلت لله على أن لا أجد موءودة إلا افتديتها كما افتديت هذه، قال فما جاء الإسلام حتى أحييت مائة موءودة إلا أربعة، ونزل القرآن بتحريم ذلك على المسلمين. وممن توفى في هذه السنة من المشاهير المذكورين جبلة بن الأيهم الغساني ملك نصارى العرب وهو جبلة بن الأيهم بن جبلة بن الحارث بن أبى شمر، واسمه المنذر بن الحارث، وهو ابن مارية ذات القرطين، وهو ابن ثعلبة بن عمرو بن جفنة، واسمه كعب أبو عامر بن حارثة بن امرئ القيس، ومارية بنت أرقم بن ثعلبة بن عمرو بن جفنة، ويقال غير ذلك في نسبه، وكنيته جبلة أبو المنذر الغساني الجفنى، وكان ملك غسان، وهم نصارى العرب أيام هرقل، وغسان أولاد عم الأنصار أوسها وخزرجها، وكان جبلة آخر ملوك غسان، فكتب إليه رسول الله ﷺ كتابا مع شجاع بن وهب يدعوه إلى الإسلام فأسلم وكتب بإسلامه إلى رسول الله ﷺ . وقال ابن عساكر: إنه لم يسلم قط، وهكذا صرح به الواحدي وسعيد بن عبد العزيز. وقال الواقدي: شهد اليرموك مع الروم أيام عمر بن الخطاب ثم أسلم بعد ذلك في أيام عمر، فاتفق أنه وطئ رداء رجل من مزينة بدمشق فلطمه ذلك المزني، فدفعه أصحاب جبلة إلى أبى عبيدة فقالوا: هذا لطم جبلة، قال أبو عبيدة: فيلطمه جبلة: فقالوا: أو ما يقتل؟ قال لا! قالوا: فما تقطع يده؟ قال لا، إنما أمر الله

стр. 2548

بالقود، فقال جبلة: أترون أنى جاعل وجهي بدلا لوجه مازني جاء من ناحية المدينة؟ بئس الدين هذا، ثم ارتد نصرانيا وترحل بأهله حتى دخل أرض الروم، فبلغ ذلك عمر فشق عليه وقال لحسان: إن صديقك جبلة ارتد عن الإسلام، فقال: ﴿إِنّا لِلّهِ وَإِنّا إِلَيْهِ راجِعُونَ،﴾ ثم قال: ولم؟ قال لطمه رجل من مزينة فقال: وحق له، فقام إليه عمر بالدرة فضربه. ورواه الواقدي عن معمر وغيره عن الزهري عن عبيد الله بن عبد الله عن ابن عباس وساق ذلك بأسانيده إلى جماعة من الصحابة. وهذا القول هو أشهر الأقوال. وقد روى ابن الكلبي وغيره أن عمر لما بلغه إسلام جبلة فرح بإسلامه، ثم بعث يستدعيه ليراه بالمدينة، وقيل بل استأذنه جبلة في القدوم عليه فأذن له فركب في خلق كثير من قومه، قيل مائة وخمسين راكبا، وقيل خمسمائة، وتلقته هدايا عمر ونزله قبل أن يصل إلى المدينة بمراحل، وكان يوم دخوله يوما مشهودا دخلها وقد ألبس خيوله قلائد الذهب والفضة، ولبس تاجا على رأسه مرصعا باللآلئ والجواهر، وفيه قرطا مارية جدته، وخرج أهل المدينة رجالهم ونساؤهم ينظرون إليه، فلما سلم على عمر رحب به عمر وأدنى مجلسه، وشهد الحج مع عمر في هذه السنة، فبينما هو يطوف بالكعبة إذ وطئ إزاره رجل من بنى فزارة فانحل، فرفع جبلة يده فهشم أنف ذلك الرجل، ومن الناس من يقول: إنه قلع عينه، فاستعدى عليه الفزاري إلى عمرو معه خلق كثير من بنى فزارة، فاستحضره عمر فاعترف جبلة، فقال له عمر: أقدته منك. فقال: كيف وأنا ملك وهو سوقة؟ فقال: إن الإسلام جمعك وإياه فلست تفضله إلا بالتقوى، فقال جبلة: قد كنت أظن أن أكون في الإسلام أعز منى في الجاهلية، فقال عمر: دع ذا عنك، فإنك إن لم ترض الرجل أقدته منك، فقال إذا أتنصر، فقال إن تنصرت ضربت عنقك، فلما رأى الحد: قال سأنظر في أمرى هذه الليلة، فانصرف من عند عمر، فلما ادلهمّ الليل ركب في قومه ومن أطاعه فسار إلى الشام ثم دخل بلاد الروم ودخل على هرقل في مدينة القسطنطينية فرحب به هرقل وأقطعه بلادا كثيرة، وأجرى عليه أرزاقا جزيلة، وأهدى إليه هدايا جميلة، وجعله من سماره، فمكث عنده دهرا. ثم إن عمر كتب كتابا إلى هرقل مع رجل يقال له جثامة بن مساحق الكناني، فلما بلغ هرقل كتاب عمر بن الخطاب قال له هرقل: هل لقيت ابن عمك جبلة؟ قال: لا! قال فالقه، فذكر اجتماعه به وما هو فيه من النعمة والسرور والحبور الدنيوي، في لباسه وفرشه ومجلسه وطيبه وجواريه، حواليه الحسان من الخدم والقيان، ومطعمه وشرابه وسروره وداره التي تعوض بها عن دار الإسلام، وذكر أنه دعاه إلى الإسلام والعود إلى الشام فقال: أبعد ما كان منى من الارتداد؟ فقال: نعم! إن الأشعث بن قيس ارتد وقاتلهم بالسيوف، ثم لما رجع إلى الحق قبله منه وزوجه الصديق بأخته أم فروة، قال: فالتهى عنه بالطعام والشراب، وعرض عليه الخمر فأبى عليه، وشرب جبلة من الخمر شيئا كثيرا حتى سكر

стр. 2549

ثم أمر جواريه المغنيات فغنينه بالعيد أن من قول حسان يمدح بنى عمه من غسان والشعر في والد جبلة هذا الحيوان. لله در عصابة نادمتهم … يوما بجلق في الزمان الأول أولاد جفنة حول قبر أبيهم … قبر ابن مارية الكريم المفضل يسقون من ورد البريص عليهم … بردي يصفّق بالرحيق السلسل بيض الوجوه كريمة أحسابهم … شم الأنوف من الطراز الأول يغشون حتى ما تهر كلابهم … لا يسألون عن السواد المقبل قال: فأعجبه قولهن ذلك، ثم قال: هذا شعر حسان بن ثابت الأنصاري فينا وفي ملكنا، ثم قال لي: كيف حاله؟ قلت: تركته ضريرا شيخا كبيرا، ثم قال لهن: أطربننى فاندفعن يغنين لحسان أيضا لمن الديار أوحشت بمغان … بين أعلا اليرموك فالصّمّان فالقريات من بلامس فداريا … فسكاء لقصور الدواني فقفا جاسم فأودية الصفر … مغنى قبائل وهجان تلك دار العزيز بعد أنيس … وحلوك عظيمة الأركان صلوات المسيح في ذلك الدير … دعاء القسيس والرهبان ذاك مغنى لآل جفنة في الدهر … محاه تعاقب الأزمان قد أرانى هناك حق مكين … عند ذي التاج مجلسى ومكاني ثكلت أمهم وقد ثكلتهم … يوم حلوا بحارث الحولاني وقد دنا الفصح فالولائد ينظمن … سراعا أكلّة المرجان ثم قال: هذا لابن الفريعة حسان بن ثابت فينا وفي ملكنا وفي منازلنا بأكناف غوطة دمشق، قال: ثم سكت طويلا، ثم قال لهن: بكيننى، فوضعن عيدانهن ونكسن رءوسهن وقلن: تنصرت الأشراف من عار لطمة … وما كان فيها لو صبرت لها ضرر تكنفنى فيها اللجاج ونخوة … وبعت بها العين الصحيحة بالعور فيا ليت أمى لم تلدني وليتني … رجعت إلى القول الّذي قاله عمر ويا ليتني أرعى المخاض بقفرة … وكنت أسيرا في ربيعة أو مضر ويا ليت لي بالشام أدنى معيشة … أجالس قومي ذاهب السمع والبصر أدين بما دانوا به من شريعة … وقد يصبر العود الكبير على الدبر قال: فوضع يده على وجهه فبكى حتى بل لحيته بدموعه وبكيت معه، ثم استدعى بخمسمائة دينار

стр. 2550

هرقلية فقال: خذ هذه فأوصلها إلى حسان بن ثابت، وجاء بأخرى فقال: خذ هذه لك، فقلت: لا حاجة لي فيها ولا أقبل منك شيئا وقد ارتددت عن الإسلام، فيقال: إنه أضافها إلى التي لحسان، فبعث بألف دينار هرقلية، ثم قال له: أبلغ عمر بن الخطاب منى السلام وسائر المسلمين، فلما قدمت على عمر أخبرته خبره فقال: ورأيته يشرب الخمر؟ قلت: نعم! قال: أبعده الله، تعجل فانية بباقية فما ربحت تجارته. ثم قال: وما الّذي وجه به لحسان؟ قلت: خمسمائة دينار هرقلية، فدعا حسانا فدفعها إليه، فأخذها وهو يقول: إن ابن جفنة من بقية معشر … لم يغرهم آباؤهم باللوم لم ينسنى بالشام إذ هو ربها … كلا ولا متنصرا بالروم يعطى الجزيل ولا يراه عنده … إلا كبعض عطية المحروم وأتيته يوما فقرب مجلسى … وسقى فرواني من المذموم ثم لما كان في هذه السنة من أيام معاوية بعث معاوية عبد الله بن مسعدة الفزاري رسولا إلى ملك الروم، فاجتمع بجبلة بن الأيهم فرأى ما هو فيه من السعادة الدنيوية والأموال من الخدم والحشم والذهب والخيول، فقال له جبلة: لو أعلم أن معاوية يقطعنى أرض البثينة فإنها منازلنا، وعشرين قرية من غوطة دمشق ويفرض لجماعتنا، ويحسن جوائزنا، لرجعت إلى الشام. فأخبر عبد الله بن مسعدة معاوية بقوله، فقال معاوية: أنا أعطيه ذلك، وكتب إليه كتابا مع البريد بذلك، فما أدركه البريد إلا وقد مات في هذه السنة قبحه الله. وذكر أكثر هذه الأخبار الشيخ أبو الفرج ابن الجوزي في المنتظم، وأرخ وفاته هذه السنة، - أعنى سنة ثلاث وخمسين - وقد ترجمه الحافظ ابن عساكر في تاريخه فأطال الترجمة وأفاد، ثم قال في آخرها: بلغني أن جبلة توفى في خلافة معاوية بأرض الروم بعد سنة أربعين من الهجرة. سنة أربع وخمسين ففيها كان شتى محمد بن مالك بأرض الروم، وغزا الصائفة معن بن يزيد السلمي، وفيها عزل معاوية سعيد بن العاص عن إمرة المدينة ورد إليها مروان بن الحكم، وكتب إليه أن يهدم دار سعيد بن العاص، ويصطفى أمواله التي بأرض الحجاز، فجاء مروان إلى دار سعيد ليهدمها فقال سعيد: ما كنت لتفعل ذلك، فقال: إن أمير المؤمنين كتب إلى بذلك، ولو كتب إليك في دار لفعلته. فقام سعيد فأخرج إليه كتاب معاوية إليه حين ولاه المدينة أن يهدم دار مروان ويصطفى ماله، وذكر أنه لم يزل يحاجف دونه حتى صرف ذلك عنه، فلما رأى مروان الكتاب إلى سعيد بذلك، ثناه ذلك عن سعيد، ولم يزل يدافع عنه حتى تركه معاوية في داره وأقر عليه أمواله. وفيها

стр. 2551

عزل معاوية سمرة بن جندب عن البصرة، وكان زياد استخلفه عليها فأقره معاوية ستة أشهر، وولى عليها عبد الله بن عمرو بن غيلان. وروى ابن جرير وغيره عن سمرة أنه قال لما عزله معاوية: لعن الله معاوية لو أطعت الله كما أطعت معاوية ما عذبني أبدا. وهذا لا يصح عنه. وأقر عبد الله بن خالد بن أسيد على نيابة الكوفة، وكان زياد قد استخلفه عليها فأبقاه معاوية. وقدم في هذه السنة عبيد الله بن زياد على معاوية فأكرمه وسأله عن نواب أبيه على البلاد فأخبره عنهم، ثم ولاه إمرة خراسان وهو ابن خمس وعشرين سنة، فسار إلى مقاطعته وتجهز من فوره غاديا إليها، فقطع النهر إلى جبال بخارا، ففتح رامس ونصف بيكند - وهما من معاملة بخارا - ولقي الترك هناك فقاتلهم قتالا شديدا وهزمهم هزيمة فظيعة بحيث إن المسلمين أعجلوا امرأة الملك أن تلبس خفيها، فلبست واحدة وتركت أخرى، فأخذها المسلمون فقوموا جواهرها بمائتي ألف درهم، وغنموا مع ذلك غنائم كثيرة، وأقام عبيد الله بخراسان سنتين. وفي هذه السنة حج بالناس مروان بن الحكم نائب المدينة. وكان على الكوفة عبد الله بن خالد بن أسيد، وقيل: بل كان عليها الضحاك بن قيس، وكان على البصرة عبد الله بن غيلان. ذكر من توفى فيها من الأعيان * أسامة بن زيد بن حارثة الكلبي أبو محمد المدني مولى رسول الله ﷺ وابن مولاه، وحبه وابن حبه، وأمه بركة أم أيمن مولاة رسول الله ﷺ وحاضنته، ولاه رسول الله الإمرة بعد مقتل أبيه فطعن بعض الناس في إمرته، فقال رسول الله ﷺ : «إن تطعنوا في إمارته فقد طعنتم في إمرة أبيه من قبله، وايم الله إن كان لخليقا بالامارة، وإن كان لمن أحب الناس إلى بعده». وثبت في صحيح البخاري عنه: «أن رسول الله كان يجلس الحسن على فخذه ويجلس أسامة على فخذه الأخرى ويقول: اللهمّ إني أحبهما فأحبهما». وفضائله كثيرة. توفى رسول الله وعمره تسع عشرة سنة، وكان عمر إذا لقيه يقول: السلام عليك أيها الأمير. وصحح أبو عمر بن عبد البر أنه توفى في هذه السنة، وقال غيره سنة ثمان أو تسع وخمسين، وقيل توفى بعد مقتل عثمان فالله أعلم. ثوبان بن مجدد مولى رسول الله ﷺ تقدمت ترجمته في مواليه ومن كان يخدمه ﵇، أصله من العرب فأصابه سبى فاشتراه رسول الله ﷺ فأعتقه، فلزم رسول الله سفرا وحضرا، فلما مات أقام بالرملة ثم انتقل إلى حمص فابتنى بها دارا ولم يزل بها حتى مات في هذه السنة على الصحيح، وقيل سنة أربع وأربعين وهو غلط، ويقال إنه توفى بمصر، والصحيح بحمص جبير بن مطعم تقدم أنه توفى سنة خمسين.

стр. 2552

الحارث بن ربعي أبو قتادة الأنصاري، وقال الواقدي: اسمه النعمان بن ربعي، وقال غيره: عمرو بن ربعي. وهو أبو قتادة الأنصاري السلمي المدني فارس الإسلام، شهد أحدا وما بعدها، وكان له يوم ذي قرد سعى مشكور كما قدمنا هناك. قال رسول الله ﷺ : «خير فرساننا اليوم أبو قتادة، وخير رجالتنا سلمة بن الأكوع». وزعم أبو أحمد الحاكم أنه شهد بدرا وليس بمعروف، وقال أبو سعيد الخدريّ: أخبرنى من هو خير منى أبو قتادة الأنصاري أن رسول الله قال لعمار: «تقتلك الفئة الباغية». قال الواقدي وغير واحد: توفى في هذه السنة - يعنى سنة أربع وخمسين - بالمدينة عن سبعين سنة، وزعم الهيثم بن عدي وغيره أنه توفى بالكوفة سنة ثمان وثلاثين، وصلى عليه على بن أبى طالب. وهذا غريب حكيم بن حزام بن خويلد بن أسد بن عبد العزى بن قصي بن كلاب القرشي الأسدي أبو خالد المكيّ، أمه فاختة بنت زهير بن الحارث بن أسد بن عبد العزى، وعمته خديجة بنت خويلد، زوجة رسول الله ﷺ ، وأم أولاده سوى إبراهيم. ولدته أمه في جوف الكعبة قبل الفيل بثلاث عشر سنة، وذلك أنها دخلت تزور فضربها الطلق وهي في الكعبة فوضعته على نطع، وكان شديد المحبة لرسول الله ﷺ ، ولما كان بنو هاشم وبنو المطلب في الشعب لا يبايعوا ولا يناكحوا، كان حكيم يقبل بالعير يقدم من الشام فيشتريها بكمالها، ثم يذهب بها فيضرب أدبارها حتى يلج الشعب يحمل الطعام والكسوة تكرمة لرسول الله ﷺ ، ولعمته خديجة بنت خويلد. وهو الّذي اشترى زيد بن حارثة فابتاعته منه عمته خديجة فوهبته لرسول الله فأعتقه، وكان اشترى حلة ذي يزن فأهداها لرسول الله ﷺ فلبسها، قال: فما رأيت شيئا أحسن منه فيها. ومع هذا ما أسلم إلا يوم الفتح هو وأولاده كلهم، قال البخاري وغيره: عاش في الجاهلية ستين سنة، وفي الإسلام ستين سنة، وكان من سادات قريش وكرمائهم وأعلمهم بالنسب، وكان كثير الصدقة والبر والعتاقة، فلما أسلم سأل عن ذلك رسول الله فقال: «أسلمت على ما أسلمت من خير». وقد كان حكيم شهد مع المشركين بدرا وتقدم إلى الحوض فكاد حمزة أن يقتله، فما سحب إلا سحبا بين يديه، فلهذا كان إذا اجتهد في اليمين يقول: لا والّذي نجاني يوم بدر. ولما ركب رسول الله إلى فتح مكة ومعه الجنود بمر الظهران خرج حكيم وأبو سفيان يتجسسان الأخبار، فلقيهما العباس، فأخذ أبا سفيان فأجاره وأخذ له أمانا من رسول الله ﷺ ، وأسلم أبو سفيان ليلتئذ كرها، ومن صبيحة ذلك اليوم أسلم حكيم وشهد مع رسول الله ﷺ حنينا، وأعطاه مائة من الإبل ثم سأله فأعطاه، ثم سأله فأعطاه، ثم قال: «يا حكيم إن هذه المال حلوة خضرة، وإنه من أخذه بسخاوة بورك له فيه، ومن أخذه بإسراف نفس لم يبارك له فيه وكان كالذي يأكل ولا يشبع». فقال

стр. 2553

حكيم: والّذي بعثك بالحق لا أرزأ بعدك أبدا، فلم يرزأ أحدا بعده، وكان أبو بكر يعرض عليه العطاء فيأبى، وكان عمر يعرض عليه العطاء فيأبى فيشهد عليه المسلمين، ومع هذا كان من أغنى الناس، مات الزبير يوم مات ولحكيم عليه مائة ألف، وقد كان بيده حين أسلم الرفادة ودار الندوة فباعها بعد من معاوية بمائة ألف، وفي رواية بأربعين ألف دينار، فقال له ابن الزبير: بعت مكرمة قريش؟ فقال له حكيم: ابن أخى ذهبت المكارم فلا كرم إلا التقوى، يا ابن أخى إني اشتريتها في الجاهلية بزق خمر، ولأشترين بها دارا في الجنة، أشهدك أنى قد جعلتها في سبيل الله، وهذه الدار كانت لقريش بمنزلة دار العدل، وكان لا يدخلها أحد إلا وقد صار سنه أربعين سنة، إلا حكيم بن حزام فإنه دخلها وهو ابن خمس عشرة سنة، ذكره الزبير بن بكار، وذكر الزبير أن حكيما حج عاما فأهدى مائة بدنة مجللة، وألف شاة، وأوقف معه بعرفات مائة وصيف في أعناقهم أطوقة الفضة، وقد نقش فيها: هؤلاء عتقاء الله عن حكيم بن حزام، فأعتقهم وأهدى جميع تلك الأنعام ﵁. توفى حكيم في هذه السنة على الصحيح، وقيل غير ذلك وله مائة وعشرون سنة. حويطب بن عبد العزى العامري صحابى جليل، أسلم عام الفتح، وكان قد عمر دهرا طويلا، ولهذا جعله عمر في النفر الذين جددوا أنصاب الحرم، وقد شهد بدرا مع المشركين، ورأى الملائكة يومئذ بين السماء والأرض، وشهد الحديبيّة وسعى في الصلح، فلما كان عمرة القضاء كان هو وسهيل هما اللذان أمرا رسول الله ﷺ بالخروج من مكة، فأمر بلالا أن لا تغرب الشمس وبمكة أحد من أصحابه، قال: وفي كل هذه المواطن أهم بالإسلام ويأبى الله إلا ما يريد، فلما كان زمن الفتح خفت خوفا شديدا وهربت فلحقني أبو ذر - وكان لي خليلا في الجاهلية -. فقال: يا حويطب مالك؟ فقلت: خائف، فقال: لا تخلف فإنه أبر الناس: وأوصل الناس، وأنا لك جار فاقدم معى، فرجعت معه فوقف بى على رسول الله وهو بالبطحاء ومعه أبو بكر وعمر، وقد علمني أبو ذر أن أقول: السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته، فلما قلت ذلك قال: «حويطب»؟ قلت: نعم! أشهد أن لا إله إلا الله وأنك رسول الله، فقال: «الحمد لله الّذي هداك» وسر بذلك واستقرضنى مالا فأقرضته أربعين ألفا، وشهدت معه حنينا والطائف، وأعطانى من غنائم حنين مائة بعير. ثم قدم حويطب بعد ذلك المدينة فنزلها وله بها دار، ولما ولى عليها مروان بن الحكم جاءه حويطب وحكيم بن حزام، ومخرمة بن نوفل، فسلموا عليه وجعلوا يتحدثون عنده ثم تفرقوا، ثم اجتمع حويطب بمروان يوما آخر فسأله مروان عن عمره فأخبره، فقال له: تأخر إسلامك أيها الشيخ حتى سبقك الأحداث. فقال حويطب: الله المستعان، والله لقد هممت بالإسلام غير مرة كل ذلك يعوقنى أبوك يقول تضع شرفك وتدع دين آبائك لدين

стр. 2554

محدث؟ وتصير تابعا؟ قال: فاسكت مروان وندم على ما كان قال له، ثم قال حويطب: أما كان أخبرك عثمان ما كان لقي من أبيك حين أسلم؟ قال: فازداد مروان غما. وكان حويطب ممن شهد دفن عثمان، واشترى منه معاوية داره بمكة بأربعين ألف دينار فاستكثرها الناس، فقال: وما هي في رجل له خمسة من العيال؟ قال الشافعيّ: كان حويطب جيد الإسلام، وكان أكثر قريش ريعا جاهليا. وقال الواقدي: عاش حويطب في الجاهلية ستين سنة، وفي الإسلام ستين سنة، ومات حويطب في هذه السنة بالمدينة وله مائة وعشرون سنة. وقال غيره: توفى بالشام. له حديث واحد رواه البخاري ومسلم والنسائي من حديث السائب بن يزيد عنه عن عبد الله بن السعدي عن عمر في العمالة، وهو من عزيز الحديث لانه اجتمع فيه أربعة من الصحابة ﵃. معبد بن يربوع بن عنكثة ابن عامر بن مخزوم، أسلم عام الفتح، وشهد حنينا، وأعطاه رسول الله خمسين من الإبل، وكان اسمه صرما، وفي رواية أصرم، فسماه معبدا، وكان في جملة النفر الذين أمرهم عمر بتجديد أنصاب الحرم، وقد أصيب بصره بعد ذلك فأتاه عمر يعزيه فيه، رواه البخاري. قال الواقدي وخليفة وغير واحد: مات في هذه السنة بالمدينة، وقيل بمكة وهو ابن مائة وعشرين سنة، وقيل أكثر من ذلك. مرة بن شراحيل الهمدانيّ يقال له مرة الطيب، ومرة الخير، روى عن أبى بكر وعمر وعلى وابن مسعود وغيرهم، كان يصلى كل يوم وليلة ألف ركعة، فلما كبر صلى أربعمائة ركعة، ويقال إنه سجد حتى أكل التراب جبهته، فلما مات رئي في المنام - وقد صار ذلك المكان نورا - فقيل له: أين منزلك؟ فقال: بدار لا يظعن أهلها ولا يموتون النعيمان بن عمرو ابن رفاعة بن الحر، شهد بدرا وما بعدها، ويقال إنه الّذي كان يؤتى به في الشراب، فقال رجل: لعنه الله ما أكثر ما يؤتى به! فقال رسول الله ﷺ : «لا تلعنه فإنه يحب الله ورسوله». سودة بنت زمعة القرشية العامرية أم المؤمنين، تزوجها رسول الله بعد خديجة، وكانت قبله عند السكران بن عمرو أخى سهيل بن عمرو، فلما كبرت هم رسول الله بطلاقها، ويقال إنه طلقها، فسألته أن يبقيها في نسائه وتهب يومها لعائشة، فقبل ذلك رسول الله ﷺ حتى أنزل الله: ﴿وَإِنِ اِمْرَأَةٌ خافَتْ مِنْ بَعْلِها نُشُوزاً أَوْ إِعْراضاً﴾ الآية، وكانت ذات عبادة وورع وزهادة، قالت عائشة: ما من امرأة أحب إلى أن أكون في مسلاحها غير أن فيها حدة تسرع منها الفيئة. ذكر ابن الجوزي وفاتها في هذه السنة، وقال ابن أبى خيثمة: توفيت في آخر خلافة عمر بن الخطاب فالله أعلم.

стр. 2555

ثم دخلت سنة خمس وخمسين فيها عزل معاوية عبد الله بن غيلان عن البصرة وولى عليها عبيد الله بن زياد، وكان سبب عزل معاوية بن غيلان عن البصرة أنه كان يخطب الناس فحصبه رجل من بنى ضبة فأمر بقطع يده، فجاء قومه إليه فقالوا له: إنه متى بلغ أمير المؤمنين أنك قطعت يده في هذا الصنع فعل به وبقومه نظير ما فعل بحجر بن عدي، فاكتب لنا كتابا أنك قطعت يده في شبهة، فكتب لهم فتركوه عندهم حينا ثم جاءوا معاوية فقالوا له: إن نائبك قطع يد صاحبنا في شبهة فأقدنا منه، قال: لا سبيل إلى القود من نوابى ولكن الدية، فأعطاهم الدية وعزل ابن غيلان، وقال لهم: اختاروا من تريدون، فذكروا رجالا فقال: لا! ولكن أولى عليكم ابن أخى عبيد الله بن زياد، فولاه فاستخلف ابن زياد على خراسان أسلم بن زرعة، فلم يغز ولم يفتح شيئا، وولى قضاء البصرة لزرارة بن أوفى ثم عزله وولى ابن أذينة، وولى شرطتها عبد الله بن الحصين. وحج بالناس في هذه السنة مروان بن الحكم نائب المدينة. وفيها عزل معاوية عبد الله بن خالد بن أسيد عن الكوفة وولى عليها الضحاك بن قيس ﵁. ذكر من توفى من الأعيان في هذه السنة * أرقم بن أبى الأرقم عبد مناف بن أسد بن عبد الله بن عمر بن مخزوم، أسلم قديما، يقال سابع سبعة، وكانت داره كهفا للمسلمين يأوى إليها رسول الله ومن أسلم من قريش، وكانت عند الصفا وقد صارت فيما بعد ذلك للمهدي فوهبها لامرأته الخيزران أم موسى الهادي وهارون الرشيد، فبنتها وجددتها فعرفت بها، ثم صارت لغيرها، وقد شهد الأرقم بدرا وما بعدها من المشاهد، ومات بالمدينة في هذه السنة، وصلى عليه سعد بن أبى وقاص أوصى به ﵄، وله بضع وثمانون سنة. سحبان بن زفر بن إياس ابن عبد شمس بن الأجب الباهلي الوائلى، الّذي يضرب بفصاحته المثل، فيقال: أفصح من سحبان وائل، ووائل هو ابن معد بن مالك بن أعصر بن سعد بن قيس بن غيلان بن مضر بن نزار، وباهلة امرأة مالك بن أعصر، ينسب إليها ولدها، وهي باهلة بنت صعب بن سعد العشيرة. قال ابن عساكر: سحبان المعروف بسحبان وائل، بلغني أنه وفد إلى معاوية فتكلم فقال معاوية: أنت الشيخ؟ فقال: إي والله وغير ذلك، ولم يزد ابن عساكر على هذا، وقد نسبه ابن الجوزي في كتابه المنتظم كما ذكرنا، ثم قال: وكان بليغا يضرب المثل بفصاحته، دخل يوما على معاوية وعنده خطباء القبائل، فلما رأوه خرجوا لعلمهم بقصورهم عنه، فقال سحبان لقد علم الحيى اليمانون أننى … إذا قلت أما بعد أنى خطيبها فقال له معاوية: اخطب! فقال: انظروا لي عصى تقيم من أودى، فقالوا: وماذا تصنع بها

стр. 2556

وأنت بحضرة أمير المؤمنين؟ فقال: ما كان يصنع بها موسى وهو يخاطب ربه، فأخذها وتكلم من الظهر إلى أن قاربت العصر، ما تنحنح ولا سعل ولا توقف ولا ابتدأ في معنى فخرج عنه وقد بقيت عليه بقية فيه، فقال معاوية: الصلاة! فقال: الصلاة أمامك، ألسنا في تحميد وتمجيد وعظة وتنبيه، وتذكير ووعد ووعيد؟ فقال معاوية: أنت أخطب العرب، قال: العرب وحدها؟ بل أخطب الجن والانس. قال: كذلك أنت. سعد بن أبى وقاص واسمه مالك بن أهيب بن عبد مناف بن زهرة بن كلاب، أبو إسحاق القرشي الزهري، أحد العشرة المشهود لهم بالجنة، وأحد الستة أصحاب الشورى الذين توفى رسول الله وهو عنهم راض، أسلم قديما، قالوا: وكان يوم أسلم عمره سبع عشرة سنة. وثبت عنه في الصحيح أنه قال: ما أسلم أحد في اليوم الّذي أسلمت فيه، ولقد مكثت سبعة أيام وإني لثلث الإسلام سابع سبعة، وهو الّذي كوّف الكوفة ونفى عنها الأعاجم، وكان مجاب الدعوة، وهاجر وشهد بدرا وما بعدها، وهو أول من رمى بسهم في سبيل الله، وكان فارسا شجاعا من أمراء رسول الله ﷺ ، وكان في أيام الصديق معظما جليل المقدار، وكذلك في أيام عمر، وقد استنابه على الكوفة، وهو الّذي فتح المدائن، وكانت بين يديه وقعة جلولاء. وكان سيدا مطاعا، وعزله عن الكوفة عن غير عجز ولا خيانة، ولكن لمصلحة ظهرت لعمر في ذلك. وقد ذكره في الستة أصحاب الشورى، ثم ولاه عثمان بعدها ثم عزله عنها. وقال الحميدي عن سفيان بن عيينة عن عمرو بن دينار قال: شهد سعد بن أبى وقاص وابن عمر دومة الجندل يوم الحكمين. وثبت في صحيح مسلم أن ابنه عمر جاء إليه وهو معتزل في إبله فقال: الناس يتنازعون الإمارة وأنت هاهنا؟ فقال: يا بنى إني سمعت رسول الله ﷺ يقول: «إن الله يحب العبد الغنى الخفى التقى». قال ابن عساكر: ذكر بعض أهل العلم أن ابن أخيه هاشم بن عتبة بن أبى وقاص جاءه فقال له: يا عم هاهنا مائة ألف سيف يرونك أحق الناس بهذا الأمر، فقال: أريد من مائة ألف سيفا واحدا إذا ضربت به المؤمن لم يصنع شيئا، وإذا ضربت به الكافر قطع. وقال عبد الرزاق عن ابن جريج حدثني زكريا بن عمرو أن سعد بن أبى وقاص وفد على معاوية فأقام عنده شهر رمضان يقصر الصلاة ويفطر، وقال غيره: فبايعه وما سأله سعد شيئا إلا أعطاه إياه. قال أبو يعلى: حدثنا زهير ثنا إسماعيل بن علية عن إسماعيل بن أبى خالد عن قيس بن أبى حازم. قال قال سعد: إني لأول رجل رمى بسهم في المشركين، وما جمع رسول الله أبويه لأحد قبلي، ولقد سمعته يقول: «ارم فداك أبى وأمى». وقال أحمد: حدثنا يزيد بن هارون ثنا إسماعيل عن قيس سمعت سعد بن مالك يقول: والله إني لأول العرب رمى بسهم في سبيل الله،

стр. 2557

ولقد كنا نغزو مع رسول الله وما لنا طعام نأكله إلا ورق الحبلة وهذا السمر، حتى أن أحدنا ليضع كما تضع الشاة ما له خلط، ثم أصبحت بنو أسد تعزرنى على الدين، لقد خبت إذا وضل عملي. وقد رواه شعبة ووكيع وغير واحد عن إسماعيل بن أبى خالد به. وقال أحمد: حدثنا ابن سعيد عن يحيى ابن سعيد الأنصاري عن سعيد بن المسيب عن سعد. قال: «جمع لي رسول الله ﷺ أبويه يوم أحد». ورواه أحمد أيضا عن غندر عن شعبة عن يحيى بن سعيد الأنصاري. وقد رواه الليث وغير واحد عن يحيى الأنصاري. ورواه غير واحد عن سعيد بن المسيب عن سعد. ورواه الناس من حديث عامر بن سعد عن أبيه. وفي بعض الروايات «فداك أبى وأمى» وفي رواية: «فقال ارم وأنت الغلام الحزور» قال سعيد: وكان سعد جيد الرمي. وقال الأعمش عن أبى خالد عن جابر بن سمرة. قال: أول الناس رمى بسهم في سبيل الله سعد ﵁. وقال أحمد: حدثنا وكيع ثنا سفيان عن سعد بن إبراهيم عن عبد الله بن شداد سمعت عليا يقول: «ما سمعت رسول الله يفدى أحدا بأبويه إلا سعد بن مالك، وإني سمعته يقول له يوم أحد: ارم سعد فداك أمى وأبى». ورواه البخاري عن أبى نعيم عن مسعر عن سعد بن إبراهيم به. ورواه شعبة عن سعد بن إبراهيم، ورواه سفيان بن عيينة وغير واحد عن يحيى بن سعيد الأنصاري عن سعيد بن المسيب عن على بن أبى طالب فذكره. وقال عبد الرزاق: أنا معمر عن أيوب أنه سمع عائشة بنت سعد تقول: أنا بنت المهاجر الّذي فداه رسول الله ﷺ بالأبوين. وقال الواقدي: حدثني عبيدة بن نابل عن عائشة بنت سعد عن أبيها. قال: «لقد رأيتني أرمى بالسهم يوم أحد فيرده على رجل أبيض حسن الوجه لا أعرفه، حتى كان بعد ذلك فظننت أنه ملك». وقال أحمد: حدثنا سليمان بن داود الهاشمي ثنا إبراهيم عن سعد عن أبيه عن سعد بن أبى وقاص. قال: «لقد رأيت عن يمين رسول الله ﷺ وعن يساره يوم أحد رجلين عليهما ثياب بيض يقاتلان عنه كأشد القتال، ما رأيتهما قبل ولا بعد». ورواه الواقدي: حدثني إسحاق بن أبى عبد الله عن عبد العزيز - جد ابن أبى عون - عن زياد مولى سعد عن سعد. قال: «رأيت رجلين يوم بدر يقاتلان عن رسول الله أحدهما عن يمينه والآخر عن يساره، وإني لأراه ينظر إلى ذا مرة وإلى ذا مرة مسرورا بما ظفره الله ». وقال سفيان عن أبى إسحاق عن أبى عبيدة عن عبد الله بن مسعود عن أبيه. قال اشتركت أنا وسعد وعمار يوم بدر فيما أصبنا من الغنيمة، فجاء سعد بأسيرين ولم أجيء أنا وعمار بشيء. وقال الأعمش عن إبراهيم بن علقمة عن ابن مسعود. قال: لقد رأيت سعد بن أبى وقاص يوم بدر يقاتل قتال الفارس للراجل. وقال مالك عن يحيى بن سعيد أنه سمع عبد الله بن عامر يقول قالت عائشة: بات رسول الله أرقا ذات ليلة ثم قال: «ليت رجلا صالحا يحرسنى الليلة؟ قالت: إذ سمعنا صوت

стр. 2558

السلاح، فقال: من هذا؟ قال: أنا سعد بن أبى وقاص، أنا أحرسك يا رسول الله، قالت: فنام رسول الله ﷺ حتى سمعت غطيطه». أخرجاه من حديث يحيى بن سعيد. وفي رواية «فدعا له رسول الله ﷺ ثم نام» وقال أحمد: حدثنا قتيبة ثنا رشدين بن سعد عن يحيى بن الحجاج بن شداد عن أبى صالح عن عبد الله بن عمرو بن العاص أن رسول الله قال: «أول من يدخل من هذا الباب رجل من أهل الجنة، فدخل سعد بن أبى وقاص». وقال أبو يعلى: حدثنا محمد بن المثنى ثنا عبد الله بن قيس الرقاشيّ الخراز، بصرى، ثنا أيوب عن نافع عن ابن عمر. قال: كنا جلوسا عند رسول الله ﷺ فقال: «يدخل عليكم من ذا الباب رجل من أهل الجنة، قال فليس منا أحد إلا وهو يتمنى أن يكون من أهل بيته، فإذا سعد بن أبى وقاص قد طلع». وقال حرملة عن ابن وهب أخبرنى حيوة أخبرنى عقيل عن ابن شهاب حدثني من لا أتهم عن أنس بن مالك. قال: بينا نحن جلوس عند رسول الله ﷺ فقال: «يطلع الآن عليكم رجل من أهل الجنة، فاطلع سعد بن أبى وقاص، حتى إذا كان الغد قال رسول الله مثل ذلك، قال فاطلع سعد بن أبى وقاص على ترتيبه الأول، حتى إذا كان الغد قال رسول الله مثل ذلك، قال فطلع على ترتيبه، فلما قام رسول الله ﷺ ثار عبد الله بن عمرو بن العاص فقال: إني غاضبت أبى فأقسمت أن لا أدخل عليه ثلاث ليال، فان رأيت أن تؤوينى إليك حتى تنحل يميني فعلت، قال أنس: فزعم عبد الله بن عمرو أنه بات معه ليلة حتى إذا كان الفجر فلم يقم تلك الليلة شيئا، غير أنه كان إذا انقلب على فراشه ذكر الله وكبره حتى يقوم مع الفجر، فإذا صلى المكتوبة أسبغ الوضوء وأتمه ثم يصبح مفطرا، قال عبد الله بن عمرو: فرمقته ثلاث ليال وأيامهن لا يزيد على ذلك، غير أنى لا أسمعه يقول إلا خيرا، فلما مضت الليالي الثلاث وكدت أحتقر عمله، قلت: إنه لم يكن بيني وبين أبى غضب ولا هجر، ولكنى سمعت رسول الله قال ذلك ثلاث مرات في ثلاث مجالس: «يطلع عليكم رجل من أهل الجنة» فاطلعت أنت أولئك المرات الثلاث، فأردت أن آوى إليك حتى انظر ما عملك فأقتدي بك لأنال ما نلت، فلم أرك تعمل كثير عمل، ما الّذي بلغ بك ما قال رسول الله؟ فقال: ما هو إلا الّذي رأيت. قال: فلما رأيت ذلك انصرفت فدعا بى حين وليت، فقال: ما هو الا ما رأيت غير أنى لا أجد في نفسي سوءا لأحد من المسلمين، ولا أنوى له شرا ولا أقوله. قال قلت: هذه التي بلغت بك وهي التي لا أطيق. وهكذا رواه صالح المزي عن عمرو بن دينار - مولى الزبير - عن سالم عن أبيه فذكر مثل رواية أنس ابن مالك. وثبت في صحيح مسلم من طريق سفيان الثوري عن المقدام بن شريح عن أبيه عن سعد في قوله تعالى ﴿وَلا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَداةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ﴾ نزلت في ستة، أنا وابن مسعود منهم وفي رواية أنزل الله فىّ ﴿وَإِنْ جاهَداكَ لِتُشْرِكَ بِي ما لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ﴾ وذلك أنه لما أسلم

стр. 2559

امتنعت أمه من الطعام والشراب أياما، فقال لها: تعلمين والله لو كانت لك مائة نفس فخرجت نفسا نفسا ما تركت ديني هذا لشيء، إن شئت فكلي وإن شئت فلا تأكلى. فنزلت هذه الآية. وأما حديث الشهادة للعشرة بالجنة فثبت في الصحيح عن سعيد بن زيد. وجاء من حديث سهيل عن أبيه عن أبى هريرة في قصة حراء ذكر سعد بن أبى وقاص منهم. وقال هشيم وغير واحد عن مجالد عن الشعبي عن جابر. قال: كنا مع رسول الله فأقبل سعد فقال رسول الله ﷺ : «هذا خالي فليرنى امرؤ خاله». رواه الترمذي. وقال الطبراني: حدثنا الحسين بن إسحاق التستري ثنا عبد الوهاب ابن الضحاك ثنا إسماعيل بن عياش عن صفوان بن عمرو عن ماعز التميمي عن جابر. قال: كنا مع رسول الله ﷺ إذا أقبل سعد فقال: «هذا خالي». وثبت في الصحيح من حديث مالك وغيره عن الزهري عن عامر بن سعد عن أبيه «أن رسول الله جاءه يعوده عام حجة الوداع من وجع اشتد به. فقلت: يا رسول الله إني ذو مال ولا يرثني إلا ابنة، أفأتصدق بثلثي مالي؟ قال: لا! قلت: فالشطر يا رسول الله؟ قال: لا! قلت: فالثلث؟ قال: الثلث والثلث كثير، إنك إن تذر ورثتك أغنياء خير من أن تذرهم عالة يتكففون الناس، وإنك لن تنفق نفقة تبتغي بها وجه الله إلا أجرت بها، حتى اللقمة تضعها في فم امرأتك. قلت: يا رسول الله أخلف بعد أصحابى؟ فقال إنك لن تخلف فتعمل عملا تبتغي به وجه الله إلا ازددت به درجة ورفعة، ولعلك أن تخلف حتى ينتفع بك أقوام ويضربك آخرون. ثم قال: اللهمّ أمض لأصحابى هجرتهم ولا تردهم على أعقابهم، لكن البائس سعد ابن خولة يرثى له رسول الله إن مات بمكة». ورواه أحمد عن يحيى بن سعيد عن الجعد بن أوس عن عائشة بنت سعد عن أبيها فذكر نحوه، وفيه قال: «فوضع يده على جبهته فمسح وجهه وصدره وبطنه وقال: اللهمّ اشف سعدا وأتم له هجرته». قال سعد: فما زلت يخيل إلى أنى أجد برده على كبدي حتى الساعة. وقال ابن وهب: حدثني موسى بن على بن رباح عن أبيه أن رسول الله ﷺ عاد سعدا فقال: «اللهمّ أذهب عنه الباس، إله الناس، ملك الناس، أنت الشافي لا شافي له إلا أنت، بسم الله أرقيك من كل شيء يؤذيك، من حسد وعين، اللهم أصح قلبه وجسمه، واكشف سقمه وأجب دعوته». وقال ابن وهب: أخبرنى عمرو عن بكر بن الأشج قال: سألت عامر بن سعد عن قول رسول الله لسعد: «وعسى أن تبقى ينتفع بك أقوام ويضربك آخرون». فقال: أمر سعد على العراق فقتل قوما على الردة فضرهم، واستتاب قوما كانوا سجعوا سجع مسيلمة الكذاب فتابوا فانتفعوا به. وقال الامام أحمد: حدثنا أبو المغيرة ثنا معاذ بن رفاعة حدثني على بن زيد عن القاسم أبى عبد الرحمن عن أبى أمامة. قال: جلسنا إلى رسول الله فذكّرنا ورققنا، فبكى سعد بن أبى قاص فأكثر البكاء وقال: يا ليتني مت، فقال رسول الله ﷺ : «يا سعد إن كنت للجنة خلقت فما طال عمرك أو حسن

стр. 2560

من عملك فهو خير لك». وقال موسى بن عقبة وغيره عن إسماعيل بن أبى خالد عن قيس عن سعد. إن رسول الله ﷺ قال: «اللهمّ سدد رميته وأجب دعوته». ورواه سيار بن بشير عن قيس عن أبى بكر الصديق. قال: سمعت رسول الله يقول لسعد: «اللهمّ سدد سهمه وأجب دعوته، وحببه إلى عبادك». وروى من حديث ابن عباس، وفي رواية محمد بن عائذ الدمشقيّ عن الهيثم بن حميد عن مطعم عن المقدام وغيره أن سعدا قال: يا رسول الله ادع الله أن يجيب دعوتي فقال: «إنه لا يستجيب الله دعوة عبد حتى يطيب مطعمه، فقال: يا رسول الله ادع الله أن يطيب مطعمي فدعا له». قالوا: فكان سعد يتورع من السنبلة يجدها في زرعه فيردها من حيث أخذت. وقد كان كذلك مجاب الدعوة لا يكاد يدعو بدعاء إلا استجيب له، فمن أشهر ذلك ما روى في الصحيحين من طريق عبد الملك بن عمير عن جابر بن سلمة أن أهل الكوفة شكوا سعدا إلى عمر في كل شيء حتى قالوا: لا يحسن يصلى، فقال سعد: أما إني لا آلو أن أصلى بهم صلاة رسول الله، أطيل الأوليين وأحذف الآخرتين، فقال: الظن بك يا أبا إسحاق، وكان قد بعث من يسأل عنه بمحال الكوفة، فجعلوا لا يسألون أهل مسجد إلا أثنوا خيرا، حتى مروا بمسجد لبني عبس فقام رجل منهم يقال له أبو سعدة أسامة بن قتادة فقال: إن سعدا كان لا يسير في السرية، ولا يقسم بالسوية، ولا يعدل في الرعية القضية، فبلغ سعدا فقال: اللهمّ إن كان عبدك هذا قام مقام رياء وسمعة فأطل عمره وأدم فقره، وأعم بصره وعرضه للفتن، قال: فأنا رأيته بعد ذلك شيخا كبيرا قد سقطت حاجباه على عينيه يقف في الطريق فيغمز الجواري فيقال له، فيقول: شيخ مفتون أصابته دعوة سعد. وفي رواية غريبة أنه أدرك فتنة المختار بن أبى عبيد فقتل فيها. وقال الطبراني: ثنا يوسف القاضي ثنا عمرو بن مرزوق ثنا شعبة عن سعد بن إبراهيم عن سعيد بن المسيب. قال: خرجت جارية لسعد يقال لها زبراء، وعليها قميص جديد فكشفتها الريح فشد عليها عمر بالدرة، وجاء سعد ليمنعه فتناوله عمر بالدرة فذهب سعد يدعو على عمر، فناوله الدرة وقال: اقتص منى فعفى عن عمر. وروى أيضا أنه كان بين سعد وابن مسعود كلام فهمّ سعد أن يدعو عليه فخاف ابن مسعود وجعل يشتد في الهرب. وقال سفيان بن عيينة: لما كان يوم القادسية كان سعد على الناس وقد أصابته جراح فلم يشهد يوم الفتح، فقال رجل من بجيلة: ألم تر أن الله أظهر دينه … وسعد بباب القادسية معصم فأبنا وقد أيمت نساء كثيرة … ونسوة سعد ليس فيهن أيّم فقال سعد: اللهمّ اكفنا يده ولسانه. فجاءه سهم غرب فأصابه فخرس ويبست يداه جميعا. وقد أسند زياد البكائي وسيف بن عمر عن عبد الملك بن عمير عن قبيصة بن جابر عن ابن عمر فذكر
следующие страницы →