وأنت بحضرة أمير المؤمنين؟ فقال: ما كان يصنع بها موسى وهو يخاطب ربه، فأخذها وتكلم من الظهر إلى أن قاربت العصر، ما تنحنح ولا سعل ولا توقف ولا ابتدأ في معنى فخرج عنه وقد بقيت عليه بقية فيه، فقال معاوية: الصلاة! فقال: الصلاة أمامك، ألسنا في تحميد وتمجيد وعظة وتنبيه، وتذكير ووعد ووعيد؟ فقال معاوية: أنت أخطب العرب، قال: العرب وحدها؟ بل أخطب الجن والانس. قال: كذلك أنت.
سعد بن أبى وقاص
واسمه مالك بن أهيب بن عبد مناف بن زهرة بن كلاب، أبو إسحاق القرشي الزهري، أحد العشرة المشهود لهم بالجنة، وأحد الستة أصحاب الشورى الذين توفى رسول الله وهو عنهم راض، أسلم قديما، قالوا: وكان يوم أسلم عمره سبع عشرة سنة. وثبت عنه في الصحيح أنه قال: ما أسلم أحد في اليوم الّذي أسلمت فيه، ولقد مكثت سبعة أيام وإني لثلث الإسلام سابع سبعة، وهو الّذي كوّف الكوفة ونفى عنها الأعاجم، وكان مجاب الدعوة، وهاجر وشهد بدرا وما بعدها، وهو أول من رمى بسهم في سبيل الله، وكان فارسا شجاعا من أمراء رسول الله ﷺ ، وكان في أيام الصديق معظما جليل المقدار، وكذلك في أيام عمر، وقد استنابه على الكوفة، وهو الّذي فتح المدائن، وكانت بين يديه وقعة جلولاء. وكان سيدا مطاعا، وعزله عن الكوفة عن غير عجز ولا خيانة، ولكن لمصلحة ظهرت لعمر في ذلك. وقد ذكره في الستة أصحاب الشورى، ثم ولاه عثمان بعدها ثم عزله عنها. وقال الحميدي عن سفيان بن عيينة عن عمرو بن دينار قال: شهد سعد بن أبى وقاص وابن عمر دومة الجندل يوم الحكمين. وثبت في صحيح مسلم أن ابنه عمر جاء إليه وهو معتزل في إبله فقال: الناس يتنازعون الإمارة وأنت هاهنا؟ فقال: يا بنى إني
سمعت رسول الله ﷺ يقول:
«إن الله يحب العبد الغنى الخفى التقى». قال ابن عساكر: ذكر بعض أهل العلم أن ابن أخيه هاشم بن عتبة بن أبى وقاص جاءه فقال له: يا عم هاهنا مائة ألف سيف يرونك أحق الناس بهذا الأمر، فقال: أريد من مائة ألف سيفا واحدا إذا ضربت به المؤمن لم يصنع شيئا، وإذا ضربت به الكافر قطع. وقال عبد الرزاق عن ابن جريج حدثني زكريا بن عمرو أن سعد بن أبى وقاص وفد على معاوية فأقام عنده شهر رمضان يقصر الصلاة ويفطر، وقال غيره: فبايعه وما سأله سعد شيئا إلا أعطاه إياه.
قال أبو يعلى: حدثنا زهير ثنا إسماعيل بن علية عن إسماعيل بن أبى خالد عن قيس بن أبى حازم. قال قال سعد: إني لأول رجل رمى بسهم في المشركين، وما جمع رسول الله أبويه لأحد قبلي، ولقد سمعته يقول: «ارم فداك أبى وأمى». وقال أحمد: حدثنا يزيد بن هارون ثنا إسماعيل عن قيس سمعت سعد بن مالك يقول: والله إني لأول العرب رمى بسهم في سبيل الله،
стр. 2557
ولقد كنا نغزو مع رسول الله وما لنا طعام نأكله إلا ورق الحبلة وهذا السمر، حتى أن أحدنا ليضع كما تضع الشاة ما له خلط، ثم أصبحت بنو أسد تعزرنى على الدين، لقد خبت إذا وضل عملي. وقد رواه شعبة ووكيع وغير واحد عن إسماعيل بن أبى خالد به. وقال أحمد: حدثنا ابن سعيد عن يحيى ابن سعيد الأنصاري عن سعيد بن المسيب عن سعد. قال: «جمع لي رسول الله ﷺ أبويه يوم أحد». ورواه أحمد أيضا عن غندر عن شعبة عن يحيى بن سعيد الأنصاري. وقد رواه الليث وغير واحد عن يحيى الأنصاري. ورواه غير واحد عن سعيد بن المسيب عن سعد. ورواه الناس من حديث عامر بن سعد عن أبيه.
وفي بعض الروايات «فداك أبى وأمى»
وفي رواية: «فقال ارم وأنت الغلام الحزور» قال سعيد: وكان سعد جيد الرمي. وقال الأعمش عن أبى خالد عن جابر بن سمرة. قال: أول الناس رمى بسهم في سبيل الله سعد ﵁.
وقال أحمد: حدثنا وكيع ثنا سفيان عن سعد بن إبراهيم عن عبد الله بن شداد سمعت عليا يقول: «ما سمعت رسول الله يفدى أحدا بأبويه إلا سعد بن مالك، وإني سمعته يقول له يوم أحد: ارم سعد فداك أمى وأبى». ورواه البخاري عن أبى نعيم عن مسعر عن سعد بن إبراهيم به. ورواه شعبة عن سعد بن إبراهيم، ورواه سفيان بن عيينة وغير واحد عن يحيى بن سعيد الأنصاري عن سعيد بن المسيب عن على بن أبى طالب فذكره. وقال عبد الرزاق: أنا معمر عن أيوب أنه سمع عائشة بنت سعد تقول: أنا بنت المهاجر الّذي فداه رسول الله ﷺ بالأبوين. وقال الواقدي: حدثني عبيدة بن نابل عن عائشة بنت سعد عن أبيها. قال: «لقد رأيتني أرمى بالسهم يوم أحد فيرده على رجل أبيض حسن الوجه لا أعرفه، حتى كان بعد ذلك فظننت أنه ملك». وقال أحمد: حدثنا سليمان بن داود الهاشمي ثنا إبراهيم عن سعد عن أبيه عن سعد بن أبى وقاص. قال: «لقد رأيت عن يمين رسول الله ﷺ وعن يساره يوم أحد رجلين عليهما ثياب بيض يقاتلان عنه كأشد القتال، ما رأيتهما قبل ولا بعد».
ورواه الواقدي: حدثني إسحاق بن أبى عبد الله عن عبد العزيز - جد ابن أبى عون - عن زياد مولى سعد عن سعد. قال: «رأيت رجلين يوم بدر يقاتلان عن رسول الله أحدهما عن يمينه والآخر عن يساره، وإني لأراه ينظر إلى ذا مرة وإلى ذا مرة مسرورا بما ظفره الله ».
وقال سفيان عن أبى إسحاق عن أبى عبيدة عن عبد الله بن مسعود عن أبيه. قال اشتركت أنا وسعد وعمار يوم بدر فيما أصبنا من الغنيمة، فجاء سعد بأسيرين ولم أجيء أنا وعمار بشيء. وقال الأعمش عن إبراهيم بن علقمة عن ابن مسعود. قال: لقد رأيت سعد بن أبى وقاص يوم بدر يقاتل قتال الفارس للراجل. وقال مالك عن يحيى بن سعيد أنه سمع عبد الله بن عامر يقول قالت عائشة:
بات رسول الله أرقا ذات ليلة ثم قال: «ليت رجلا صالحا يحرسنى الليلة؟ قالت: إذ سمعنا صوت
стр. 2558
السلاح، فقال: من هذا؟ قال: أنا سعد بن أبى وقاص، أنا أحرسك يا رسول الله، قالت: فنام رسول الله ﷺ حتى سمعت غطيطه». أخرجاه من حديث يحيى بن سعيد. وفي رواية «فدعا له رسول الله ﷺ ثم نام»
وقال أحمد: حدثنا قتيبة ثنا رشدين بن سعد عن يحيى بن الحجاج بن شداد عن أبى صالح عن عبد الله بن عمرو بن العاص أن رسول الله قال: «أول من يدخل من هذا الباب رجل من أهل الجنة، فدخل سعد بن أبى وقاص».
وقال أبو يعلى: حدثنا محمد بن المثنى ثنا عبد الله بن قيس الرقاشيّ الخراز، بصرى، ثنا أيوب عن نافع عن ابن عمر. قال: كنا جلوسا عند رسول الله ﷺ فقال: «يدخل عليكم من ذا الباب رجل من أهل الجنة، قال فليس منا أحد إلا وهو يتمنى أن يكون من أهل بيته، فإذا سعد بن أبى وقاص قد طلع».
وقال حرملة عن ابن وهب أخبرنى حيوة أخبرنى عقيل عن ابن شهاب حدثني من لا أتهم عن أنس بن مالك. قال: بينا نحن جلوس عند رسول الله ﷺ فقال: «يطلع الآن عليكم رجل من أهل الجنة، فاطلع سعد بن أبى وقاص، حتى إذا كان الغد قال رسول الله مثل ذلك، قال فاطلع سعد بن أبى وقاص على ترتيبه الأول، حتى إذا كان الغد قال رسول الله مثل ذلك، قال فطلع على ترتيبه، فلما قام رسول الله ﷺ ثار عبد الله بن عمرو بن العاص فقال: إني غاضبت أبى فأقسمت أن لا أدخل عليه ثلاث ليال، فان رأيت أن تؤوينى إليك حتى تنحل يميني فعلت، قال أنس: فزعم عبد الله بن عمرو أنه بات معه ليلة حتى إذا كان الفجر فلم يقم تلك الليلة شيئا، غير أنه كان إذا انقلب على فراشه ذكر الله وكبره حتى يقوم مع الفجر، فإذا صلى المكتوبة أسبغ الوضوء وأتمه ثم يصبح مفطرا، قال عبد الله بن عمرو: فرمقته ثلاث ليال وأيامهن لا يزيد على ذلك، غير أنى لا أسمعه يقول إلا خيرا، فلما مضت الليالي الثلاث وكدت أحتقر عمله، قلت: إنه لم يكن بيني وبين أبى غضب ولا هجر، ولكنى سمعت رسول الله قال ذلك ثلاث مرات في ثلاث مجالس: «يطلع عليكم رجل من أهل الجنة» فاطلعت أنت أولئك المرات الثلاث، فأردت أن آوى إليك حتى انظر ما عملك فأقتدي بك لأنال ما نلت، فلم أرك تعمل كثير عمل، ما الّذي بلغ بك ما قال رسول الله؟ فقال: ما هو إلا الّذي رأيت. قال: فلما رأيت ذلك انصرفت فدعا بى حين وليت، فقال: ما هو الا ما رأيت غير أنى لا أجد في نفسي سوءا لأحد من المسلمين، ولا أنوى له شرا ولا أقوله. قال قلت: هذه التي بلغت بك وهي التي لا أطيق.
وهكذا رواه صالح المزي عن عمرو بن دينار - مولى الزبير - عن سالم عن أبيه فذكر مثل رواية أنس ابن مالك. وثبت في صحيح مسلم من طريق سفيان الثوري عن المقدام بن شريح عن أبيه عن سعد في قوله تعالى ﴿وَلا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَداةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ﴾ نزلت في ستة، أنا وابن مسعود منهم وفي رواية أنزل الله فىّ ﴿وَإِنْ جاهَداكَ لِتُشْرِكَ بِي ما لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ﴾ وذلك أنه لما أسلم
стр. 2559
امتنعت أمه من الطعام والشراب أياما، فقال لها: تعلمين والله لو كانت لك مائة نفس فخرجت نفسا نفسا ما تركت ديني هذا لشيء، إن شئت فكلي وإن شئت فلا تأكلى. فنزلت هذه الآية. وأما حديث الشهادة للعشرة بالجنة فثبت في الصحيح عن سعيد بن زيد. وجاء من حديث سهيل عن أبيه عن أبى هريرة في قصة حراء ذكر سعد بن أبى وقاص منهم.
وقال هشيم وغير واحد عن مجالد عن الشعبي عن جابر. قال: كنا مع رسول الله فأقبل سعد فقال رسول الله ﷺ : «هذا خالي فليرنى امرؤ خاله». رواه الترمذي.
وقال الطبراني: حدثنا الحسين بن إسحاق التستري ثنا عبد الوهاب ابن الضحاك ثنا إسماعيل بن عياش عن صفوان بن عمرو عن ماعز التميمي عن جابر. قال: كنا مع رسول الله ﷺ إذا أقبل سعد فقال: «هذا خالي».
وثبت في الصحيح من حديث مالك وغيره عن الزهري عن عامر بن سعد عن أبيه «أن رسول الله جاءه يعوده عام حجة الوداع من وجع اشتد به. فقلت: يا رسول الله إني ذو مال ولا يرثني إلا ابنة، أفأتصدق بثلثي مالي؟ قال: لا! قلت:
فالشطر يا رسول الله؟ قال: لا! قلت: فالثلث؟ قال: الثلث والثلث كثير، إنك إن تذر ورثتك أغنياء خير من أن تذرهم عالة يتكففون الناس، وإنك لن تنفق نفقة تبتغي بها وجه الله إلا أجرت بها، حتى اللقمة تضعها في فم امرأتك. قلت: يا رسول الله أخلف بعد أصحابى؟ فقال إنك لن تخلف فتعمل عملا تبتغي به وجه الله إلا ازددت به درجة ورفعة، ولعلك أن تخلف حتى ينتفع بك أقوام ويضربك آخرون. ثم قال: اللهمّ أمض لأصحابى هجرتهم ولا تردهم على أعقابهم، لكن البائس سعد ابن خولة يرثى له رسول الله إن مات بمكة». ورواه أحمد عن يحيى بن سعيد عن الجعد بن أوس عن عائشة بنت سعد عن أبيها فذكر نحوه، وفيه قال: «فوضع يده على جبهته فمسح وجهه وصدره وبطنه وقال: اللهمّ اشف سعدا وأتم له هجرته». قال سعد: فما زلت يخيل إلى أنى أجد برده على كبدي حتى الساعة.
وقال ابن وهب: حدثني موسى بن على بن رباح عن أبيه أن رسول الله ﷺ عاد سعدا فقال:
«اللهمّ أذهب عنه الباس، إله الناس، ملك الناس، أنت الشافي لا شافي له إلا أنت، بسم الله أرقيك من كل شيء يؤذيك، من حسد وعين، اللهم أصح قلبه وجسمه، واكشف سقمه وأجب دعوته».
وقال ابن وهب: أخبرنى عمرو عن بكر بن الأشج قال: سألت عامر بن سعد عن
قول رسول الله لسعد: «وعسى أن تبقى ينتفع بك أقوام ويضربك آخرون». فقال: أمر سعد على العراق فقتل قوما على الردة فضرهم، واستتاب قوما كانوا سجعوا سجع مسيلمة الكذاب فتابوا فانتفعوا به.
وقال الامام أحمد: حدثنا أبو المغيرة ثنا معاذ بن رفاعة حدثني على بن زيد عن القاسم أبى عبد الرحمن عن أبى أمامة. قال: جلسنا إلى رسول الله فذكّرنا ورققنا، فبكى سعد بن أبى قاص فأكثر البكاء وقال: يا ليتني مت، فقال رسول الله ﷺ : «يا سعد إن كنت للجنة خلقت فما طال عمرك أو حسن
стр. 2560
من عملك فهو خير لك».
وقال موسى بن عقبة وغيره عن إسماعيل بن أبى خالد عن قيس عن سعد.
إن رسول الله ﷺ قال: «اللهمّ سدد رميته وأجب دعوته».
ورواه سيار بن بشير عن قيس عن أبى بكر الصديق. قال: سمعت رسول الله يقول لسعد: «اللهمّ سدد سهمه وأجب دعوته، وحببه إلى عبادك».
وروى من حديث ابن عباس، وفي رواية محمد بن عائذ الدمشقيّ عن الهيثم بن حميد عن مطعم عن المقدام وغيره أن سعدا قال: يا رسول الله ادع الله أن يجيب دعوتي فقال: «إنه لا يستجيب الله دعوة عبد حتى يطيب مطعمه، فقال: يا رسول الله ادع الله أن يطيب مطعمي فدعا له». قالوا: فكان سعد يتورع من السنبلة يجدها في زرعه فيردها من حيث أخذت.
وقد كان كذلك مجاب الدعوة لا يكاد يدعو بدعاء إلا استجيب له، فمن أشهر ذلك ما روى في الصحيحين من طريق عبد الملك بن عمير عن جابر بن سلمة أن أهل الكوفة شكوا سعدا إلى عمر في كل شيء حتى قالوا: لا يحسن يصلى، فقال سعد: أما إني لا آلو أن أصلى بهم صلاة رسول الله، أطيل الأوليين وأحذف الآخرتين، فقال: الظن بك يا أبا إسحاق، وكان قد بعث من يسأل عنه بمحال الكوفة، فجعلوا لا يسألون أهل مسجد إلا أثنوا خيرا، حتى مروا بمسجد لبني عبس فقام رجل منهم يقال له أبو سعدة أسامة بن قتادة فقال: إن سعدا كان لا يسير في السرية، ولا يقسم بالسوية، ولا يعدل في الرعية القضية، فبلغ سعدا فقال: اللهمّ إن كان عبدك هذا قام مقام رياء وسمعة فأطل عمره وأدم فقره، وأعم بصره وعرضه للفتن، قال: فأنا رأيته بعد ذلك شيخا كبيرا قد سقطت حاجباه على عينيه يقف في الطريق فيغمز الجواري فيقال له، فيقول: شيخ مفتون أصابته دعوة سعد. وفي رواية غريبة أنه أدرك فتنة المختار بن أبى عبيد فقتل فيها. وقال الطبراني: ثنا يوسف القاضي ثنا عمرو بن مرزوق ثنا شعبة عن سعد بن إبراهيم عن سعيد بن المسيب. قال: خرجت جارية لسعد يقال لها زبراء، وعليها قميص جديد فكشفتها الريح فشد عليها عمر بالدرة، وجاء سعد ليمنعه فتناوله عمر بالدرة فذهب سعد يدعو على عمر، فناوله الدرة وقال: اقتص منى فعفى عن عمر. وروى أيضا أنه كان بين سعد وابن مسعود كلام فهمّ سعد أن يدعو عليه فخاف ابن مسعود وجعل يشتد في الهرب.
وقال سفيان بن عيينة: لما كان يوم القادسية كان سعد على الناس وقد أصابته جراح فلم يشهد يوم الفتح، فقال رجل من بجيلة:
ألم تر أن الله أظهر دينه … وسعد بباب القادسية معصم
فأبنا وقد أيمت نساء كثيرة … ونسوة سعد ليس فيهن أيّم
فقال سعد: اللهمّ اكفنا يده ولسانه. فجاءه سهم غرب فأصابه فخرس ويبست يداه جميعا. وقد أسند زياد البكائي وسيف بن عمر عن عبد الملك بن عمير عن قبيصة بن جابر عن ابن عمر فذكر
стр. 2561
مثله، وفيه: ثم خرج سعد فأرى الناس ما به من القروح في ظهره ليعتذر إليهم. وقال هشيم عن أبى بلح عن مصعب بن سعد أن رجلا نال من على فنهاه سعد فلم ينته، فقال سعد: أدعو عليك، فلم ينته، فدعا الله عليه حتى جاء بعير ناد فتخبطه. وجاء من وجه آخر عن عامر بن سعد أن سعدا رأى جماعة عكوفا على رجل فأدخل رأسه من بين اثنين فإذا هو يسب عليا وطلحة والزبير، فنهاه عن ذلك فلم ينته، فقال: أدعو عليك، فقال الرجل: تتهددنى كأنك نبي؟ فانصرف سعد فدخل دار آل فلان فتوضأ وصلى ركعتين ثم رفع يديه فقال: اللهمّ إن كنت تعلم أن هذا الرجل قد سب أقواما قد سبق لهم منك سابقة الحسنى، وأنه قد أسخطك سبه إياهم، فاجعله اليوم آية وعبرة. قال: فخرجت بختية نادة من دار آل فلان لا يردها شيء حتى دخلت بين أضعاف الناس، فافترق الناس فأخذته بين قوائمها، فلم يزل تتخبطه حتى مات. قال: فلقد رأيت الناس يشتدون وراء سعد يقولون: استجاب الله دعاءك يا أبا إسحاق. ورواه حماد بن سلمة عن على بن زيد عن سعيد بن المسيب فذكر نحوه.
وقال أبو بكر بن أبى الدنيا: حدثني الحسن بن داود بن محمد بن المنكدر القرشي ثنا عبد الرزاق عن أبيه عن مينا مولى عبد الرحمن بن عوف أن امرأة كانت تطلع على سعد فنهاها فلم تنته، فاطلعت يوما وهو يتوضأ فقال: شاه وجهك، فعاد وجهها في قفاها. وقال كثير النوري: عن عبد الله بن بديل قال: دخل سعد على معاوية فقال له: مالك لم تقاتل معنا؟ فقال: إني مرت بى ريح مظلمة فقلت: أخ أخ.
فأنخت راحلتي حتى انجلت عنى ثم عرفت الطريق فسرت، فقال معاوية: ليس في كتاب الله:
أخ أخ. ولكن قال الله تعالى ﴿وَإِنْ طائِفَتانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اِقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُما فَإِنْ بَغَتْ إِحْداهُما عَلَى الْأُخْرى فَقاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتّى تَفِيءَ إِلى أَمْرِ اللهِ﴾ فو الله ما كنت مع الباغية على العادلة، ولا مع العادلة على الباغية. فقال سعد: ما كنت لأقاتل رجلا
قال له رسول الله ﷺ : «أنت منى بمنزلة هارون من موسى غير أنه لا نبي بعدي». فقال معاوية: من سمع هذا معك؟ فقال: فلان وفلان وأم سلمة. فقال معاوية: أما إني لو سمعته منه ﷺ لما قاتلت عليا. وفي رواية من وجه آخر أن هذا الكلام كان بينهما وهما بالمدينة في حجة حجها معاوية، وأنهما قاما إلى أم سلمة فسألاها فحدثتهما بما حدث به سعد، فقال معاوية: لو سمعت هذا قبل هذا اليوم لكنت خادما لعلى حتى يموت أو أموت.
وفي إسناد هذا ضعف والله أعلم. وقد روى عن سعد أنه سمع رجلا يتكلم في على وفي خالد فقال:
إنه لم يبلغ ما بيننا إلى ديننا. وقال محمد بن سيرين: طاف سعد على تسع جوار في ليلة فلما انتهى إلى العاشرة أخذه النوم فاستحيت أن توقظه.
ومن كلامه الحسن أنه قال لابنه مصعب: يا بنى إذا طلبت شيئا فاطلبه بالقناعة، فإنه من لا قناعة له لم يغنه المال. وقال حماد بن سلمة عن سماك بن حرب عن معصب بن سعد. قال: كان رأس أبى
стр. 2562
في حجري وهو يقضى فبكيت، فقال: ما يبكيك يا بنى؟ والله إن الله لا يعذبني أبدا، وإني من أهل الجنة. إن الله يدين للمؤمنين بحسناتهم فاعملوا لله، وأما الكفار فيخفف عنهم بحسناتهم، فإذا نفدت قال: ليطلب كل عامل ثواب عمله ممن عمل له. وقال الزهري: لما حضرت سعدا الوفاة دعا بخلق جبة فقال: كفنوني في هذه فانى لقيت فيها المشركين يوم بدر، وإنما خبأتها لهذا اليوم.
وكانت وفاة سعد بالعقيق خارج المدينة، فحمل إلى المدينة على أعناق الرجال فصلى عليه مروان، وصلى بصلاته أمهات المؤمنين الباقيات الصالحات، ودفن بالبقيع. وكان ذلك في هذه السنة - سنة خمس وخمسين - على المشهور الّذي عليه الأكثرون، وقد جاوز الثمانين على الصحيح. قال على بن المديني: وهو آخر العشرة وفاة. وقال غيره: كان آخر المهاجرين وفاة، ﵁ وعنهم أجمعين. وقال الهيثم بن عدي: سنة خمسين، وقال أبو معشر وأبو نعيم مغيث بن المحرر: توفى سعد سنة ثمان وخمسين، زاد مغيث: وفيها توفى الحسن بن على وعائشة وأم سلمة، والصحيح الأول - خمس وخمسين - قالوا وكان قصيرا غليظا شثن الكفين أفطس أشعر الجسد، يخضب بالسواد، وكان ميراثه مائتي ألف وخمسين ألفا.
فضالة بن عبيد الأنصاري الأوسي
أول مشاهده أحد، وشهد بيعة الرضوان، ودخل الشام، وتولى القضاء بدمشق في أيام معاوية بعد أبى الدرداء. قال أبو عبيد: مات سنة ثلاث وخمسين. وقال غيره: سنة سبع وستين، وقال ابن الجوزي في المنتظم: توفى في هذه السنة والله أعلم.
قثم بن العباس بن عبد المطلب
كان أشبه الناس برسول الله ﷺ ، تولى نيابة المدينة في أيام على، وشهد فتح سمرقند فاستشهد بها.
كعب بن عمرو أبو اليسر
الأنصاري السلمي، شهد العقبة وبدرا، وأسر يومئذ العباس بن عبد المطلب، وشهد ما بعد ذلك من المشاهد كلها مع رسول الله ﷺ . قال أبو حاتم وغيره: مات سنة خمس وخمسين، زاد غيره:
وهو آخر من مات من أهل بدر.
ثم دخلت سنة ست وخمسين
وذلك في أيام معاوية، ففيها شتى جنادة بن أبى أمية بأرض الروم، وقيل عبد الرحمن بن مسعود، ويقال فيها غزا في البحر يزيد بن سمرة، وفي البر عياض بن الحارث. وفيها اعتمر معاوية في رجب، وحج بالناس فيها الوليد بن عتبة بن أبى سفيان، وفيها ولى معاوية سعيد بن عثمان بلاد خراسان، وعزل عنها عبيد الله بن زياد، فسار سعيد إلى خراسان والتقى مع الترك عند صغد سمرقند، فقتل
стр. 2563
منهم خلقا كثيرا، واستشهد معه جماعة منهم فيما قيل قثم بن العباس بن عبد المطلب. قال ابن جرير:
سأل سعيد بن عثمان بن عفان معاوية أن يوليه خراسان فقال: إن بها عبيد الله بن زياد، فقال:
أما لقد اصطنعك أبى ورقاك حتى بلغت باصطناعه المدى الّذي لا يجارى إليه ولا يسامى، فما شكرت بلاءه ولا جازيته بآلائه، وقدمت على هذا - بعنى يزيد بن معاوية - وبايعت له، ووالله لأنا خير منه أبا وأما ونفسا. فقال له معاوية: أما بلاء أبيك عندي فقد يحق على الجزاء به، وقد كان من شكري لذلك أنى طلبت بدمه حتى تكشفت الأمور، ولست بلائم لنفسي في التشمير، وأما فضل أبيك على أبيه، فأبوك والله خير منى وأقرب برسول الله ﷺ ، وأما فضل أمك على أمه فما لا ينكر، فان امرأة من قريش خير من امرأة من كلب، وأما فضلك عليه فو الله ما أحب أن الغوطة دحست ليزيد رجالا مثلك - يعنى أن الغوطة لو ملئت رجالا مثل سعيد بن عثمان كان يزيد خيرا وأحب إلى منهم. فقال له يزيد: يا أمير المؤمنين ابن عمك وأنت أحق من نظر في أمره، وقد عتب عليك في فأعتبه. فولاه حرب خراسان، فأتى سمرقند فخرج إليه أهل الصغد من الترك فقاتلهم وهزمهم وحصرهم في مدينتهم، فصالحوه وأعطوه رهنا خمسين غلاما يكونون في يده من أبناء عظمائهم، فأقام بالترمذ ولم يف لهم، وجاء بالغلمان الرهن معه إلى المدينة. وفيها دعا معاوية الناس إلى البيعة ليزيد ولده أن يكون ولى عهده من بعده، - وكان قد عزم قبل ذلك على هذا في حياة المغيرة بن شعبة - فروى ابن جرير من طريق الشعبي أن المغيرة كان قد قدم على معاوية وأعفاه من إمرة الكوفة فأعفاه لكبره وضعفه، وعزم على توليتها سعيد بن العاص، فلما بلغ ذلك المغيرة كأنه ندم، فجاء إلى يزيد ابن معاوية فأشار عليه بأن يسأل من أبيه أن يكون ولى العهد، فسأل ذلك من أبيه فقال: من أمرك بهذا؟ قال: المغيرة، فأعجب ذلك معاوية من المغيرة ورده إلى عمل الكوفة، وأمره أن يسعى في ذلك، فعند ذلك سعى المغيرة في توطيد ذلك، وكتب معاوية إلى زياد يستشيره في ذلك، فكره زياد ذلك لما يعلم من لعب يزيد وإقباله على اللعب والصيد، فبعث إليه من يثنى رأيه عن ذلك، وهو عبيد ابن كعب بن النميري - وكان صاحبا أكيدا لزياد - فسار إلى دمشق فاجتمع بيزيد أولا، فكلمه عن زياد وأشار عليه بان لا يطلب ذلك، فان تركه خير له من السعي فيه، فانزجر يزيد عما يريد من ذلك، واجتمع بأبيه واتفقا على ترك ذلك في هذا الوقت، فلما مات زياد وكانت هذه السنة، شرع معاوية في نظم ذلك والدعاء إليه، وعقد البيعة لولده يزيد، وكتب إلى الآفاق بذلك، فبايع له الناس في سائر الأقاليم، إلا عبد الرحمن بن أبى بكر وعبد الله بن عمرو الحسين بن على وعبد الله بن الزبير وابن عباس، فركب معاوية إلى مكة معتمرا، فلما اجتاز بالمدينة - مرجعه من مكة - استدعى كل واحد من هؤلاء الخمسة فأوعده وتهدده بانفراده، فكان من أشدهم عليه ردا وأجلدهم في الكلام،
стр. 2564
عبد الرحمن بن أبى بكر الصديق، وكان ألينهم كلاما عبد الله بن عمر بن الخطاب، ثم خطب معاوية وهؤلاء حضور تحت منبره، وبايع الناس ليزيد وهم قعود ولم يوافقوا ولم يظهروا خلافا، لما تهددهم وتوعدهم، فاتسقت البيعة ليزيد في سائر البلاد، ووفدت الوفود من سائر الأقاليم إلى يزيد، فكان فيمن قدم الأحنف بن قيس، فأمره معاوية أن يحادث يزيد، فجلسا ثم خرج الأحنف فقال له معاوية: ماذا رأيت من ابن أخيك؟ فقال: إنا نخاف الله إن كذبنا ونخافكم إن صدقنا، وأنت أعلم به في ليله ونهاره، وسره وعلانيته، ومدخله ومخرجه، وأنت أعلم به بما أردت، وإنما علينا أن نسمع ونطيع، وعليك أن تنصح للأمة. وقد كان معاوية لما صالح الحسن عهد للحسن بالأمر من بعده، فلما مات الحسن قوى أمر يزيد عند معاوية، ورأى أنه لذلك أهلا، وذاك من شدة محبة الوالد لولده، ولما كان يتوسم فيه من النجابة الدنيوية، وسيما أولاد الملوك ومعرفتهم بالحروب وترتيب الملك والقيام بأبهته، وكان ظن أن لا يقوم أحد من أبناء الصحابة في هذا المعنى، ولهذا قال لعبد الله ابن عمر فيما خاطبه به: إني خفت أن أذر الرعية من بعدي كالغنم المطيرة ليس لها راع، فقال له ابن عمر: إذا بايعه الناس كلهم بايعته ولو كان عبدا مجدع الأطراف. وقد عاتب معاوية في ولايته يزيد، سعيد بن عثمان بن عفان وطلب منه أن يوليه مكانه، وقال له سعيد فيما قال: إن أبى لم يزل معتنيا بك حتى بلغت ذروة المجد والشرف، وقد قدمت ولدك على وأنا خير منه أبا وأما ونفسا. فقال له:
أما ما ذكرت من إحسان أبيك إلى فإنه أمر لا ينكر، وأما كون أبيك خير من أبيه فحق وأمك قرشية وأمه كلبية فهي خير منها، وأما كونك خيرا منه فو الله لو ملئت إلى الغوطة رجالا مثلك لكان يزيد أحب إلى منكم كلكم. وروينا عن معاوية أنه قال يوما في خطبته: اللهمّ إن كنت تعلم أنى وليته لانه فيما أراه أهل لذلك فأتمم له ما وليته، وإن كنت وليته لأني أحبه فلا تتمم له ما وليته.
وذكر الحافظ ابن عساكر أن معاوية كان قد سمر ليلة فتكلم أصحابه في المرأة التي يكون ولدها نجيبا، فذكروا صفة المرأة التي يكون ولدها نجيبا: فقال معاوية: وددت لو عرفت بامرأة تكون بهذه المثابة؟ فقال أحد جلسائه: قد وجدت ذلك يا أمير المؤمنين. قال: ومن؟ قال: ابنتي يا أمير المؤمنين.
فتزوجها معاوية فولدت له يزيد بن معاوية فجاء نجيبا ذكيا حاذقا. ثم خطب امرأة أخرى فحظيت عنده وولدت له غلاما آخر، وهجر أم يزيد فكانت عنده في جنب داره، فبينما هو في النظارة ومعه امرأته الأخرى، إذ نظر إلى أم يزيد وهي تسرحه، فقالت امرأته: قبحها الله وقبح ما تسرح. فقال:
ولم؟ فو الله إن ولدها أنجب من ولدك، وإن أحببت بينت لك ذلك، ثم استدعى ولدها فقال له:
إن أمير المؤمنين قد عنّ له أن يطلق لك ما تتمناه عليه فاطلب منى ما شئت. فقال: أسأل من أمير المؤمنين أن يطلق لي كلابا للصيد وخيلا ورجالا يكونون معى في الصيد. فقال: قد أمرنا لك
стр. 2565
بذلك، ثم استدعى يزيد فقال له كما قال لأخيه، فقال يزيد: أو يعفيني أمير المؤمنين في هذا الوقت عن هذا؟ فقال: لا بدّ لك أن تسأل حاجتك، فقال: أسال - وأطال الله عمر أمير المؤمنين - أن أكون ولى عهده من بعده، فإنه بلغني أن عدل يوم في الرعية كعبادة خمسمائة عام. فقال: قد أجبتك إلى ذلك، ثم قال لامرأته: كيف رأيت؟ فعلمت وتحققت فضل يزيد على ولدها.
وقد ذكر ابن الجوزي في هذه السنة وفاة أم حرام بنت ملحان الأنصارية امرأة عبادة بن عبادة بن الصامت، والصحيح الّذي لم يذكر العلماء غيره أنها توفيت سنة سبع وعشرين، في خلافة عثمان، وكانت هي وزوجها مع معاوية حين دخل قبرص، وقصتها بغلتها فماتت هناك وقبرها بقبرص، والعجب أن ابن الجوزي أورد في ترجمتها حديثها المخرج في الصحيحين في قيلولة النبي ﷺ في بيتها، ورؤياه في منامه قوما من أمته يركبون ثبج البحر مثل الملوك على الأسرة غزاة في سبيل الله، وأنها سألته أن يدعو لها أن تكون منهم فدعا لها، ثم نام فرأى كذلك، فقالت: أدعو الله أن يجعلني منهم، فقال «لا! أنت من الأولين» وهم الذين فتحوا قبرص فكانت معهم، وذلك في سنة سبع وعشرين، ولم تكن من الآخرين الذين غزوا بلاد الروم سنة إحدى وخمسين مع يزيد بن معاوية ومعهم أبو أيوب، وقد توفى هناك فقبره قريب من سور قسطنطينية، وقد ذكرنا هذا مقرارا في دلائل النبوة
ثم دخلت سنة سبع وخمسين
فيها كان مشتى عبد الله بن قيس بأرض الروم، قال الواقدي: وفي شوالها عزل معاوية مروان ابن الحكم عن المدينة، وولى عليها الوليد بن عتبة بن أبى سفيان، وهو الّذي حج بالناس في هذه السنة، لأنه صارت إليه إمرة المدينة، وكان على الكوفة الضحاك بن قيس، وعلى البصرة عبيد الله ابن زياد، وعلى خراسان سعيد بن عثمان. قال ابن الجوزي: وفيها توفى عثمان بن حنيف الأنصاري الأوسي، وهو أخو عبادة وسهل ابني حنيف، بعثه عمر لمساحة خراج السواد بالعراق، واستنابه عمر على الكوفة، فلما قدم طلحة والزبير صحبة عائشة وامتنع من تسليم دار الامارة، نتفت لحيته وحواجبه وأشفار عينيه ومثل به،
فلما جاء على وسلمه البلد قال له: يا أمير المؤمنين فارقتك ذا لحية واجتمعت بك أمرد، فتبسم على ﵁ وقال: لك أجر ذلك عند الله، وله في المسند والسنن حديث الأعمى الّذي سأل رسول الله ﷺ أن يدعو له ليرد الله عليه ضوء بصره فرده الله عليه، وله حديث آخر عند النسائي، ولم أر أحدا أرخ وفاته بهذه السنة سوى ابن الجوزي والله أعلم.
ثم دخلت سنة ثمان وخمسين
فيها غزا مالك بن عبد الله الخثعميّ أرض الروم، قال الواقدي: وفيها قيل شتى يزيد بن شجرة في البحر، وقيل: بل غزا البحر وبلاد الروم جنادة بن أبى أمية، وقيل: إنما شتى بأرض الروم عمرو
стр. 2566
ابن يزيد الجهنيّ. قال أبو معشر والواقدي: وحج بالناس فيها الوليد بن عتبة بن أبى سفيان، وفيها ولى معاوية الكوفة لعبد الرحمن بن عبد الله بن عثمان بن ربيعة الثقفي، ابن أم الحكم، وأم الحكم هي أخت معاوية، وعزل عنها الضحاك بن قيس، فولى ابن أم الحكم على شرطته زائدة بن قدامة، وخرجت الخوارج في أيام ابن أم الحكم، وكان رئيسهم في هذه الوقعة حيان بن ضبيان السلمي، فبعث إليهم جيشا فقتلوا الخوارج جميعا، ثم إن ابن أم الحكم أساء السيرة في أهل الكوفة فأخرجوه من بين أظهرهم طريدا، فرجع إلى خاله معاوية فذكر له ذلك، فقال: لأولينك مصرا هو خير لك، فولاه مصر، فلما سار إليها تلقاه معاوية بن خديج على مرحلتين من مصر، فقال له: ارجع إلى خالك معاوية، فلعمري لا ندعك تدخلها فتسير فيها وفينا سيرتك في إخواننا أهل الكوفة، فرجع ابن أم الحكم إلى معاوية ولحقه معاوية بن خديج وافدا على معاوية، فلما دخل عليه وجد عنده أخته أم الحكم، وهي أم عبد الرحمن الّذي طرده أهل الكوفة وأهل مصر، فلما رآه معاوية قال: بخ بخ، هذا معاوية بن خديج، فقالت أم الحكم: لأمر حبابة، تسمع بالمعيدي خير من أن تراه، فقال معاوية بن خديج: على رسلك يا أم الحكم، أما والله لقد تزوجت فما أكرمت، وولدت فما أنجبت، أردت أن يلي ابنك الفاسق علينا فيسير فينا كما سار في إخواننا أهل الكوفة، فما كان الله ليريه ذلك، ولو فعل ذلك لضربنا ضربا يطأطئ منه رأسه، - أو قال لضربنا ما صاصا منه - وإن كره ذلك الجالس - يعنى معاوية - فالتفت إليها معاوية فقال: كفى.
قصة غريبة
ذكرها ابن الجوزي في كتابه المنتظم بسنده، وهو أن شابا من بنى عذرة جرت له قصة مع ابن أم الحكم، وملخصها أن معاوية بينما هو يوما على السماط إذا شاب من بنى عذرة قد تمثل بين يديه فأنشده شعرا مضمونه التشوق إلى زوجته سعاد، فاستدناه معاوية واستحكاه عن أمره، فقال: يا أمير المؤمنين إني كنت مزوجا بابنة عم لي، وكان لي إبل وغنم، وأنفقت ذلك عليها، فلما قل ما بيدي رغب عنى أبوها وشكاني إلى عاملك بالكوفة، ابن أم الحكم، وبلغه جمالها فحبسني في الحديد وحملني على أن أطلقها، فلما انقضت عدتها أعطاها عاملك عشرة آلاف درهم فزوجه إياها، وقد أتيتك يا أمير المؤمنين وأنت غياث المحزون الملهوف المكروب، وسند المسلوب، فهل من فرج؟ ثم بكى وأنشأ يقول:
في القلب منى نار … والنار فيها شرار
والجسم منى نحيل … واللون فيه اصفرار
والعين تبكى بشجو … فدمعها مدرار
والحب ذا عبر … فيه الطبيب يحار
стр. 2567
حملت فيه عظيما … فما عليه اصطبار
فليس ليلى بليل … ولا نهاري نهار
قال: فرقّ له معاوية وكتب إلى ابن أم الحكم يؤنبه على ذلك ويعيبه عليه، ويأمره بطلاقها قولا واحدا، فلما جاءه كتاب معاوية تنفس الصعداء وقال: وددت أن أمير المؤمنين خلى بيني وبينها سنة ثم عرضني على السيف، وجعل يؤامر نفسه على طلاقها فلا يقدر على ذلك ولا تحبيبه نفسه، وجعل البريد الّذي ورد عليه بالكتاب يستحثه، فطلقها وأخرجها عنه وسيرها مع الوفد إلى معاوية، فلما وقفت بين يديه رأى منظرا جميلا، فلما استنطقها فإذا أفصح الناس وأحلاهم كلاما، وأكملهم جمالا ودلالا، فقال لابن عمها: يا أعرابى هل من سلوّ عنها بأفضل الرغبة؟ قال: نعم إذا فرقت بين رأسي وجسدي ثم أنشأ يقول: -
لا تجعلني والأمثال تضرب بى … كالمستغيث من الرمضاء بالنار
اردد سعاد على حيران مكتئب … يمسى ويصبح في هم وتذكار
قد شفه قلق ما مثله قلق … وأسعر القلب منه أي إسعار
والله والله لا أنسى محبتها … حتى أغيب في رمسي وأحجارى
كيف السلو وقد هام الفؤاد بها … وأصبح القلب عنها غير صبار؟
فقال معاوية: فانا نخيرها بيني وبينك وبين ابن أم الحكم فأنشأت تقول: -
هذا وإن أصبح في إطار … وكان في نقص من اليسار
أحب عندي من أبى وجاري … وصاحب الدرهم والدينار
أخشى إذا غدرت حر النار
قال: فضحك معاوية وأمر له بعشرة آلاف درهم ومركب ووطاء، ولما انقضت عدتها زوجه بها وسلمها إليه. حذفنا منها أشعارا كثيرة مطولة.
وجرت في هذه السنة فصول طويلة بين عبيد الله بن زياد والخوارج، فقتل منهم خلقا كثيرا وجما غفيرا، وحبس منهم آخرين، وكان صارما كأبيه مقداما في أمرهم والله أعلم
ذكر من توفى فيها من الأعيان
توفى في هذا العام سعيد بن العاص بن أمية بن عبد شمس بن عبد مناف، القرشي الأموي، قتل أبوه يوم بدر كافرا، قتله على بن أبى طالب، ونشأ سعيد في حجر عثمان بن عفان ﵁، وكان عمر سعيد يوم مات رسول الله ﷺ تسع سنين، وكان من سادات المسلمين والأجواد المشهورين، وكان جدّه سعيد بن العاص - ويكنى بأبي أجنحة - رئيسا في قريش، يقال له
стр. 2568
ذو التاج، لأنه كان إذا اعتم لا يعتم أحد يومئذ إعظاما له، وكان سعيد هذا من عمال عمر على السواد، وجعله عثمان فيمن يكتب المصاحف لفصاحته، وكان أشبه الناس لحية برسول الله ﷺ ، وكان في جملة الاثني عشر رجلا، الذين يستخرجون القرآن ويعلمونه ويكتبونه، منهم أبى بن كعب، وزيد بن ثابت. واستنابه عثمان على الكوفة بعد عزله الوليد بن عقبة، فافتتح طبرستان وجرجان، ونقض العهد أهل أذربيجان فغزاهم ففتحها، فلما مات عثمان اعتزل الفتنة فلم يشهد الجمل ولا صفين، فلما استقرّ الأمر لمعاوية وفد إليه فعتب عليه فاعتذر إليه فعذره في كلام طويل جدا، وولاّه المدينة مرتين، وعزله عنها مرتين بمروان بن الحكم، وكان سعيد هذا لا يسبّ عليا، ومروان يسبّه، وروى عن النبي ﷺ ، وعن عمر بن الخطاب، وعثمان، وعائشة، وعنه ابناه عمرو بن سعيد الأشدق وأبو سعيد وسالم بن عبد الله بن عمر، وعروة بن الزبير، وغيرهم، وليس له في المسند ولا في الكتب الستة شيء. وقد كان حسن السيرة، جيد السريرة، وكان كثيرا ما يجمع أصحابه في كل جمعة فيطعمهم ويكسوهم الحلل، ويرسل إلى بيوتهم بالهدايا والتحف والبر الكثير، وكان يصر الصرر فيضعها بين يدي المصلين من ذوى الحاجات في المسجد. قال ابن عساكر: وقد كانت له دار بدمشق تعرف بعده بدار نعيم، وحمام نعيم، بنواحي الديماس، ثم رجع إلى المدينة فأقام بها إلى أن مات، وكان كريما جوادا ممدحا. ثم أورد شيئا من حديثه من طريق يعقوب بن سفيان:
حدثنا أبو سعيد الجعفي ثنا عبد الله بن الأجلح ثنا هشام بن عروة عن أبيه أن سعيد بن العاص قال: إن رسول الله ﷺ قال: «خياركم في الإسلام خياركم في الجاهلية»
وفي طريق الزبير بن بكار: حدثني رجل عن عبد العزيز بن أبان حدثني خالد بن سعيد عن أبيه عن ابن عمر قال: جاءت امرأة إلى رسول الله ﷺ ببرد. فقالت: إني نذرت أن أعطى هذا الثوب أكرم العرب، فقال: «أعطه هذا الغلام» - يعنى سعيد بن العاص - وهو واقف، فلذلك سميت الثياب السعيدية وأنشد الفرزدق قوله فيه
ترى الغرّ الجحاجح من قريش … إذا ما الخطب في الحدثان عالا
قياما ينظرون إلى سعيد … كأنهم يرون به هلالا
وذكر أن عثمان عزل عن الكوفة المغيرة وولاها سعيد بن أبى وقاص، ثم عزله وولاها الوليد ابن عتبة، ثم عزله وولى سعيد بن العاص، فأقام بها حينا، ولم تحمد سيرته فيهم ولم يحبوه، ثم ركب مالك بن الحارث - وهو الأشتر النخعي - في جماعة إلى عثمان وسألوه أن يعزل عنهم سعيدا فلم يعزله، وكان عنده بالمدينة فبعثه إليهم، وسبق الأشتر إلى الكوفة فخطب الناس وحثهم على منعه من الدخول إليهم، وركب الأشتر في جيش يمنعوه من الدخول، قيل تلقوه إلى العذيب، - وقد نزل سعيد بالرعثة - فمنعوه من الدخول إليهم، ولم يزالوا به حتى ردّوه إلى عثمان، وولى الأشتر أبا موسى
стр. 2569
الأشعري على الصلاة والثغر وحذيفة بن اليمان على الفيء، فأجاز ذلك أهل الكوفة وبعثوا إلى عثمان في ذلك فأمضاه وسره ذلك فيما أظهره، ولكن هذا كان أول وهن دخل على عثمان. وأقام سعيد بن العاص بالمدينة حتى كان زمن حصر عثمان فكان عنده بالدار، ثم لما ركب طلحة والزبير مع عائشة من مكة يريدون قتلة عثمان ركب معهم، ثم انفرد عنهم هو والمغيرة بن شعبة وغيرهما، فأقام بالطائف حتى انقضت تلك الحروب كلها، ثم ولاه معاوية إمرة المدينة سنة تسع وأربعين، وعزل مروان فأقام سبعا ثم رد مروان. وقال عبد الملك بن عمير عن قبيصة بن جابر قال: بعثني زياد في شغل إلى معاوية، فلما فرغت من أمورى قلت: يا أمير المؤمنين لمن يكون الأمر من بعدك؟ فسكت ساعة ثم قال: يكون بين جماعة، إما كريم قريش سعيد بن العاص، وإما فتى قريش، حياء ودهاء وسخاء، عبد الله بن عامر، وإما الحسن بن على فرجل سيد كريم، وإما القاري لكتاب الله الفقيه في دين الله، الشديد في حدود الله، مروان بن الحكم، وأما رجل فقيه عبد الله بن عمر، وأما رجل يتردد الشريعة مع دواهي السباع ويروغ روغان الثعلب فعبد الله بن الزبير. وروينا أنه استسقى يوما في بعض طرق المدينة، فأخرج له رجل من دار ماء فشرب، ثم بعد حين رأى ذلك يعرض داره للبيع فسأل عنه لم يبيع داره؟ فقالوا: عليه دين أربعة آلاف دينار، فبعث إلى غريمه فقال: هي لك على، وأرسل إلى صاحب الدار فقال: استمتع بدارك. وكان رجل من القراء الذين يجالسونه قد افتقر وأصابته فاقة شديدة، فقالت له امرأته: إن أميرنا هذا يوصف بكرم، فلو ذكرت له حالك فلعله يسمح لك بشيء؟ فقال: ويحك! لا تحلقى وجهي، فألحت عليه في ذلك، فجاء فجلس إليه، فلما انصرف الناس عنه مكث الرجل جالسا في مكانه، فقال له سعيد: أظن جلوسك لحاجة؟ فسكت الرجل، فقال سعيد لغلمانه: انصرفوا، ثم قال له سعيد: لم يبق غيري وغيرك، فسكت، فأطفأ المصباح ثم قال له: رحمك الله لست ترى وجهي فاذكر حاجتك، فقال: أصلح الله الأمير أصابتنا فاقة وحاجة فأحببت ذكرها لك فاستحييت، فقال له: إذا أصبحت فالق وكيلي فلانا، فلما أصبح الرجل لقي الوكيل فقال له الوكيل: إن الأمير قد أمر لك بشيء فأت بمن يحمله معك، فقال:
ما عندي من يحمله، ثم انصرف الرجل إلى امرأته فلامها وقال: حملتينى على بذل وجهي للأمير، فقد أمر لي بشيء يحتاج إلى من يحمله، وما أراه أمر لي إلا بدقيق أو طعام، ولو كان مالا لما احتاج إلى من يحمله، ولأعطانيه. فقالت له المرأة: فمهما أعطاك فإنه بقوتنا فخذه، فرجع الرجل إلى الوكيل فقال له الوكيل: إني أخبرت الأمير أنه ليس لك أحد يحمله، وقد أرسل بهؤلاء الثلاثة السودان يحملونه معك، فذهب الرجل، فلما وصل إلى منزله إذا على رأس كل واحد منهم عشرة آلاف درهم، فقال للغلمان: ضعوا ما معكم وانصرفوا، فقالوا: إن الأمير قد أطلقنا لك، فإنه ما بعث
стр. 2570
مع خادم هدية إلى أحد إلا كان الخادم الّذي يحملها من جملتها، قال: فحسن حال ذلك الرجل.
وذكر ابن عساكر أن زياد بن أبى سفيان بعث إلى سعيد بن العاص هدايا وأموالا وكتابا ذكر فيه أنه يخطب إليه ابنته أم عثمان من آمنة بنت جرير بن عبد الله البجلي، فلما وصلت الهدايا والأموال والكتاب قرأه، ثم فرق الهدايا في جلسائه، ثم كتب إليه كتابا لطيفا فيه: بسم الله الرحمن الرحيم! قال الله تعالى ﴿كَلاّ إِنَّ الْإِنْسانَ لَيَطْغى * أَنْ رَآهُ اِسْتَغْنى﴾ والسلام: وروينا أن سعيدا خطب أم كلثوم بنت علي من فاطمة، التي كانت تحت عمر بن الخطاب، فأجابت إلى ذلك وشاورت أخويها فكرها ذلك، وفي رواية إنما ذكره ذلك الحسين وأجاب الحسن، فهيأت دارها ونصبت سريرا وتواعدوا للكتاب، وأمرت ابنها زيد بن عمر أن يزوجها منه، فبعث إليها بمائة ألف، وفي رواية بمائتي ألف مهرا، واجتمع عنده أصحابه ليذهبوا معه، فقال: إني أكره أن أخرج أمى فاطمة، فترك التزويج وأطلق جميع ذلك المال لها. وقال ابن معين وعبد الأعلى بن حماد: سأل أعرابى سعيد بن العاص فأمر له بخمسمائة، فقال الخادم: خمسمائة درهم أو دينار؟ فقال: إنما أمرتك بخمسمائة درهم، وإذ قد جاش في نفسك أنها دنانير فادفع إليه خمسمائة دينار، فلما قبضها الأعرابي جلس يبكى، فقال له:
ما لك؟ ألم تقبض نوالك؟ قال: بلى والله! ولكن أبكى على الأرض كيف تأكل مثلك. وقال عبد الحميد بن جعفر: جاء رجل في حمالة أربع ديات سأل فيها أهل المدينة، فقيل: له عليك بالحسن ابن على، أو عبد الله بن جعفر، أو سعيد بن العاص، أو عبد الله بن عباس، فانطلق إلى المسجد فإذا سعيد داخل إليه، فقال: من هذا؟ فقيل: سعيد بن العاص، فقصده فذكر له ما أقدمه، فتركه حتى انصرف من المسجد إلى المنزل فقال للأعرابي: ائت بمن يحمل معك؟ فقال: رحمك الله! إنما سألتك مالا لا تمرا، فقال: أعرف، ائت بمن يحمل معك؟ فأعطاه أربعين ألفا فأخذها الأعرابي وانصرف ولم يسأل غيره. وقال سعيد بن العاص لابنه: يا بنى أجر لله المعروف إذا لم يكن ابتداء من غير مسألة، فأما إذا أتاك الرجل تكاد ترى دمه في وجهه، أو جاءك مخاطرا لا يدرى أتعطيه أم تمنعه، فو الله لو خرجت له من جميع مالك ما كافأته. وقال سعيد: لجليسى عليّ ثلاث، إذا دنا رحبت به، وإذ جلس أوسعت له، وإذا حدث أقبلت عليه. وقال أيضا: يا بنى لا تمازح الشريف فيحقد عليك ولا الدنيء فتهون عليه، وفي رواية فيجترئ عليك. وخطب يوما فقال: من رزقه الله رزقا حسنا فليكن أسعد الناس به، إنما يتركه لأحد رجلين، إما مصلح فيسعد بما جمعت له وتخيب أنت، والمصلح لا يقل عليه شيء، وإما مفسد فلا يبقى له شيء. فقال أبو معاوية: جمع أبو عثمان طرف الكلام. وروى الأصمعي عن حكيم بن قيس. قال قال سعيد بن العاص: موطنان لا أستحيى من رفقي فيهما والتأني عندهما، مخاطبتي جاهلا أو سفيها، وعند مسألتى حاجة لنفسي. ودخلت عليه
стр. 2571
امرأة من العابدات وهو أمير الكوفة فأكرمها وأحسن إليها، فقالت: لا جعل الله لك إلى لئيم حاجة، ولا زالت المنة لك في أعناق الكرام، وإذا أزال عن كريم نعمة جعلك سببا لردها عليه. وقد كان له عشرة من الولد ذكورا وإناثا، وكانت إحدى زوجاته أم البنين بنت الحكم بن أبى العاص - أخت مروان بن الحكم - ولما حضرت سعيدا الوفاة جمع بنيه وقال لهم: لا يفقدن أصحابى غير وجهي، وصلوهم بما كنت أصلهم به، وأجروا عليهم ما كنت أجرى عليهم، وأكفوهم مؤنة الطلب، فان الرجل إذا طلب الحاجة اضطربت أركانه، وارتعدت فرائصه مخافة أن يرد، فو الله لرجل يتململ على فراشه يراكم موضعا لحاجته أعظم منة عليكم مما تعطونه. ثم أوصاهم بوصايا كثيرة، منها أن يوفوا ما عليه من الدين والوعود، وأن لا يزوجوا إخوانهم إلا من الأكفاء، وأن يسودوا أكبرهم. فتكفل بذلك كله ابنه عمرو بن سعيد الأشدق، فلما مات دفنه بالبقيع ثم ركب عمرو إلى معاوية فعزاه فيه واسترجع معاوية وحزن عليه وقال: هل ترك من دين عليه؟ قال: نعم! قال: وكم هو؟ قال: ثلاثمائة ألف درهم، وفي رواية ثلاثة آلاف ألف درهم، فقال معاوية: هي على! فقال ابنه: يا أمير المؤمنين، إنه أوصاني أن لا أقضى دينه إلا من ثمن أراضيه، فاشترى منه معاوية أراضى بمبلغ الدين، وسأل منه عمرو أن يحملها إلى المدينة فحملها له، ثم شرع عمرو يقضى ما على أبيه من الدين حتى لم يبق أحد، فكان من جملة من طالبه شاب معه رقعة من أديم فيها عشرون ألفا، فقال له عمرو: كيف استحققت هذه على أبى؟ فقال الشاب: إنه كان يوما يمشى وحده فأحببت أن أكون معه حتى يصل إلى منزله، فقال: ابغني رقعة من أدم، فذهبت إلى الجزارين فأتيته بهذه فكتب لي فيها هذا المبلغ، واعتذر بأنه ليس عنده اليوم شيء. فدفع إليه عمرو ذلك المال وزاده شيئا كثيرا، ويروى أن معاوية قال لعمرو بن سعيد: من ترك مثلك لم يمت، ثم قال: رحم الله أبا عثمان، ثم قال: قد مات من هو أكبر منى ومن هو أصغر منى، وأنشد قول الشاعر
إذا سار من دون امرئ وأمامه … وأوحش من إخوانه فهو سائر
وكانت وفاة سعيد بن العاص في هذه السنة، وقيل في التي قبلها، وقيل في التي بعدها. وقال بعضهم: كانت وفاته قبل عبد الله بن عامر بجمعة.
شداد بن أوس بن ثابت
ابن المنذر بن حرام، أبو يعلى الأنصاري الخزرجي، صحابى جليل، وهو ابن أخى حسان بن ثابت. وحكى ابن مندة عن موسى بن عقبة أنه قال: شهد بدرا. قال ابن مندة وهو وهم، وكان من الاجتهاد في العبادة على جانب عظيم، كان إذا أخذ مضجعه تعلق على فراشه ويتقلب عليه ويتلوى كما تتلوى الحية ويقول: اللهمّ إن خوف النار قد أقلقنى، ثم يقوم إلى صلاته. قال عبادة بن الصامت:
стр. 2572
كان شداد من الذين أوتوا العلم والحلم. نزل شداد فلسطين وبيت المقدس، ومات في هذه السنة عن خمس وسبعين سنة، وقيل: مات سنة أربع وستين، وقيل سنة إحدى وأربعين. فالله أعلم.
عبد الله بن عامر
ابن كريز بن ربيعة بن حبيب بن عبد شمس بن عبد مناف بن قصي القرشي العبشمي، ابن خال عثمان بن عفان، ولد في حياة رسول الله ﷺ ، وتفل في فيه، فجعل يبتلع ريق رسول الله ﷺ ، فقال: «إنه لمسقى»، فكان لا يعالج أرضا إلا ظهر له الماء، وكان كريما ممدحا ميمون النقيبة، استنابه عثمان على البصرة بعد أبى موسى، وولاه بلاد فارس بعد عثمان بن أبى العاص، وعمره إذ ذاك خمسا وعشرين سنة، ففتح خراسان كلها، وأطراف فارس وسجستان وكرمان وبلاد غزنة، وقتل كسرى ملك الملوك في أيامه - وهو يزدجرد - ثم أحرم عبد الله بن عامر بحجة، وقيل بعمرة من تلك البلاد شكرا لله ، وفرق في أهل المدينة أموالا كثيرة جزيلة، وهو أول من لبس الخز بالبصرة، والله أعلم. وهو أول من اتخذ الحياض بعرفة وأجرى إليها الماء المعين والعين، ولم يزل على البصرة حتى قتل عثمان، فأخذ أموال بيت المال وتلقى بها طلحة والزبير وحضر معهم الجمل، ثم سار إلى دمشق، ولم يسمع له بذكر في صفين، ولكن ولاه معاوية البصرة بعد صلحه مع الحسن، وتوفى في هذه السنة بأرضه بعرفات، وأوصى إلى عبد الله بن الزبير. له حديث واحد، وليس له في الكتب شيء،
روى مصعب الزبيري عن أبيه عن حنظلة بن قيس عن عبد الله ابن عامر أن رسول الله ﷺ قال: «من قتل دون ماله فهو شهيد» وقد زوجه معاوية بابنته هند، وكانت جميلة، فكانت تلى خدمته بنفسها من محبتها له، فنظر يوما في المرآة فرأى صباحة وجهها وشيبة في لحيته فطلقها، وبعث إلى أبيها أن يزوجها بشاب كأن وجهه ورقة مصحف. توفى في هذه السنة وقيل بعدها بسنة.
عبد الرحمن بن أبى بكر الصديق ﵄
وهو أكبر ولد أبى بكر الصديق، قاله الزبير بن بكار، قال: وكانت فيه دعابة، وأمه أم رومان، وأم عائشة فهو شقيقها،
بارز يوم بدر وأخذ مع المشركين، وأراد قتل أبيه أبى بكر، فتقدم إليه أبوه أبو بكر فقال له رسول الله ﷺ : «أمتعنا بنفسك» ثم أسلم عبد الرحمن بعد ذلك في الهدنة، وهاجر قبل الفتح، ورزقه رسول الله ﷺ من خيبر كل سنة أربعين وسقا، وكان من سادات المسلمين،
وهو الّذي دخل على رسول الله ﷺ يوم مات وعائشة مسندته إلى صدرها، ومع عبد الرحمن سواك رطب فأخذه بصره، فأخذت عائشة ذلك السواك فقضمته وطيبته، ثم دفعته إلى
стр. 2573
رسول الله ﷺ فاستن به أحسن استنان ثم قال: «اللهمّ في الرفيق الأعلى». ثم قضى. قالت:
فجمع الله بين ريقي وريقه، ومات بين سحري ونحري، في بيتي ويومى لم أظلم فيه أحدا.
وقد شهد عبد الرحمن فتح اليمامة وقتل يومئذ سبعة، وهو الّذي قتل محكم بن الطفيل. صديق مسيلمة على باطله - كان محكم واقفا في ثلمة حائط فرماه عبد الرحمن فسقط محكم، فدخل المسلمون من الثلمة فخلصوا إلى مسيلمة فقتلوه. وقد شهد فتح الشام، وكان معظما بين أهل الإسلام ونفل ليلى بنت الجودي ملك عرب الشام، نفله إياها خالد بن الوليد عن أمر عمر بن الخطاب كما سنذكره مفصلا.
وقد قال عبد الرزاق عن معمر عن الزهري عن سعيد بن المسيب قال: حدثني عبد الرحمن بن أبى بكر - ولم يجرب عليه كذبة قط - ذكر عنه حكاية أنه لما جاءت بيعة يزيد بن معاوية إلى المدينة، قال عبد الرحمن لمروان: جعلتموها والله هرقلية وكسروية - يعنى جعلتم ملك الملك لمن بعده من ولده - فقال له مروان: اسكت فإنك أنت الّذي أنزل الله فيك ﴿وَالَّذِي قالَ لِوالِدَيْهِ أُفٍّ لَكُما أَتَعِدانِنِي أَنْ أُخْرَجَ﴾ فقالت عائشة: ما أنزل الله فينا شيئا من القرآن، إلا أنه أنزل عذرى، ويروى أنها بعثت إلى مروان تعتبه وتؤنبه وتخبره بخبر فيه ذم له ولأبيه لا يصح عنها، قال الزبير ابن بكار: حدثني إبراهيم بن محمد بن عبد العزيز الزهري عن أبيه عن جده. قال: بعث معاوية إلى عبد الرحمن بن أبى بكر بمائة ألف درهم بعد أن أبى البيعة ليزيد بن معاوية، فردها عبد الرحمن وأبى أن يأخذها، وقال: أبيع ديني بدنياي؟ وخرج إلى مكة فمات بها. وقال أبو زرعة الدمشقيّ:
ثنا أبو مسهر ثنا مالك قال: توفى عبد الرحمن بن أبى بكر في نومة نامها. ورواه أبو مصعب عن مالك عن يحيى بن سعيد فذكره وزاد: فأعتقت عنه عائشة رقابا. ورواه الثوري عن يحيى بن سعيد عن القاسم فذكره. ولما توفى كانت وفاته بمكان يقال له الحبشي - على ستة أميال من مكة، وقيل اثنى عشر ميلا - فحمله الرجال على أعناقهم حتى دفن بأعلى مكة، فلما قدمت عائشة مكة زارته وقالت: أما والله لو شهدتك لم أبك عليك، ولو كنت عندك لم أنقلك من موضعك الّذي مت فيه، ثم تمثلت بشعر متمم بن نويرة في أخيه مالك: -
وكنا كندمانى جديمة برهة … من الدهر حتى قيل لن يتصدعا
فلما تفرقنا كأنى ومالك … لطول اجتماع لم نبت ليلة معا
رواه الترمذي وغيره. وروى ابن سعد أن ابن عمر مرة رأى فسطاطا مضروبا على قبر عبد الرحمن - ضربته عائشة بعد ما ارتحلت - فأمر ابن عمر بنزعه وقال: إنما يظله عمله. وكانت وفاته في هذا العام في قول كثير من علماء التاريخ، ويقال إن عبد الرحمن توفى سنة ثلاث وخمسين قاله الواقدي وكاتبه محمد بن سعد وأبو عبيد وغير واحد، وقيل سنة أربع وخمسين فالله أعلم.
стр. 2574
قصته مع ليلى بنت الجودي ملك عرب الشام
قال الزبير بن بكار: حدثني محمد بن الضحاك الحزامي عن أبيه أن عبد الرحمن بن ابى بكر الصديق ﵄ قدم الشام في تجارة - يعنى في زمان جاهليته - فرأى امرأة يقال لها ليلى ابنة الجودي على طنفسة لها وحولها ولائدها فأعجبته، قال ابن عساكر: رآها بأرض بصرى فقال فيها:
تذكرت ليلى والسماوة دونها … فمال ابنة الجودي ليلى وما ليا
وانى تعاطى قلبه حارثية … تؤمن بصرى أو تحل الحوابيا
وإني بلاقيها بلى ولعلها … إن الناس حجوا قابلا أن توافيا
قال: فلما بعث عمر بن الخطاب جيشه إلى الشام قال للأمير على الجيش: إن ظفرت بليلى بنت الجودي عنوة فادفعها إلى عبد الرحمن بن أبى بكر، فظفر بها فدفعها إليه فأعجب بها وآثرها على نسائه حتى جعلن يشكونها إلى عائشة، فعاتبته عائشة على ذلك، فقال: والله كأنى أرشف بأنيابها حب الرمان، فأصابها وجع سقط له فوها فجفاها حتى شكته إلى عائشة، فقالت له عائشة: يا عبد الرحمن لقد أحببت ليلى فأفرطت، وأبغضتها فأفرطت، فاما أن تنصفها وإما أن تجهزها إلى أهلها. قال الزبيري: وحدثني عبد الله بن نافع عن عبد الرحمن بن أبى الزناد عن هشام بن عروة عن أبيه.
قال: إن عمر بن الخطاب نفل عبد الرحمن بن أبى بكر ليلى بنت الجودي حين فتح دمشق، وكانت ابنة ملك دمشق - يعنى ابنة ملك العرب الذين حول دمشق - والله أعلم.
عبيد الله بن عباس بن عبد المطلب
القرشي الهاشمي ابن عم النبي ﷺ ، وكان أصغر من أخيه عبد الله بسنة، وأمها أم الفضل لبابة بنت الحارث الهلالية، وكان عبيد الله كريما جميلا وسيما يشبه أباه في الجمال،
روينا أن رسول الله ﷺ : «كان يصفّ عبد الله وعبيد الله وكثيرا صفا ويقول: من سبق إليّ فله كذا، فيستبقون إليه فيقعون على ظهره وصدره فيقبلهم ويلتزمهم». وقد استنابه على بن أبى طالب في أيام خلافته على اليمن. وحج بالناس سنة ست وثلاثين وسنة سبع وثلاثين، فلما كان سنة ثمان وثلاثين اختلف هو ويزيد بن سمرة الرهاوي الّذي قدم على الحج من جهة معاوية، ثم اصطلحا على شيبة بن عثمان الحجبي، فأقام للناس الحج عامئذ، ثم لما صارت الشكوة لمعاوية تسلط على عبيد الله بسر بن أبى أرطاة فقتل له ولدين، وجرت أمور باليمن قد ذكرنا بعضها. وكان يقدم هو وأخوه عبد الله المدينة فيوسعهم عبد الله علما، ويوسعهم عبيد الله كرما. وقد روى أنه نزل في مسير له مع مولى له على خيمة رجل من الأعراب، فلما رآه الأعرابي أعظمه وأجله، ورأى حسنه وشكله، فقال لامرأته:
ويحك ماذا عندك لضيفنا هذا؟ فقالت: ليس عندنا إلا هذه الشويهة التي حياة ابنتك من لبنها،
стр. 2575
فقال: إنه لا بد من ذبحها، فقالت: أتقتل ابنتك؟ فقال: وإن، فأخذ الشفرة والشاة وجعل يذبحها ويسلخها وهو يقول مرتجزا:
يا جارتى لا توقظى البنية … إن توقظيها تنتحب عليه … وتنزع الشفرة من يديه
ثم هيأها طعاما فوضعها بين يدي عبيد الله ومولاه فعشاهما، وكان عبيد الله قد سمع محاورته لامرأته في الشاة، فلما أراد الارتحال قال لمولاه: ويلك ماذا معك من المال؟ فقال: معى خمسمائة دينار فضلت من نفقتك، فقال: ادفعها إلى الأعرابي، فقال: سبحان الله! تعطيه خمسمائة دينار وإنما ذبح لك شاة واحدة تساوى خمسة دراهم؟ فقال: ويحك والله لهو أسخى منا وأجود، لأنا إنما أعطيناه بعض ما نملك، وجاد هو علينا بجميع ما يملك، وآثرنا على مهجة نفسه وولده. فبلغ ذلك معاوية فقال: لله در عبيد الله، من أي بيضة خرج؟ ومن أي شيء درج. قال خليفة بن خيّاط:
توفى سنة ثمان وخمسين. وقال غيره: توفى في أيام يزيد بن معاوية، قال أبو عبيد القاسم بن سلام! توفى في سنة سبع وثمانين، وكانت وفاته بالمدينة، وقيل باليمن، وله حديث واحد، قال أحمد: ثنا هشيم ثنا يحيى بن إسحاق عن سليمان بن يسار عن عبيد الله بن عباس قال: جاءت العميصا - أو الرميصا - إلى رسول الله ﷺ تشكو زوجها تزعم أنه لا يصل إليها، فما كان إلا يسيرا حتى جاء زوجها فزعم أنها كاذبة،
وأنها تريد أن ترجع إلى زوجها الأول، فقال رسول الله ﷺ : «ليس لك ذلك حتى يذوق عسيلتك رجل غيره» وأخرجه النسائي عن على بن حجرة عن هشيم به. وممن توفى فيها
أم المؤمنين عائشة بنت أبى بكر الصديق
وزوجة رسول الله ﷺ ، وأحب أزواجه إليه، المبرّأة من فوق سبع سماوات ﵂، وعن أبيها. وأمها هي أم رومان بنت عامر بن عويمر الكنانية، تكنى عائشة بأم عبد الله، قيل كناها بذلك رسول الله ﷺ وسلم بابن أختها عبد الله بن الزبير، وقيل إنها أسقطت من رسول الله ﷺ سقطا فسماه عبد الله، ولم يتزوج رسول الله ﷺ بكرا غيرها، ولم ينزل عليه الوحي في لحاف امرأة غيرها، ولم يكن في أزواجه أحب إليه منها، تزوجها بمكة بعد وفاة خديجة، وقد أتاه الملك بها في المنام في سرقة من حريرة، مرتين أو ثلاثا، فيقول: هذه زوجتك. قال: «فأكشف عنك فإذا هي أنت، فأقول، إن يكن هذا من عند الله يمضه، فخطبها من أبيها فقال: يا رسول الله أو تحل لك؟ قال: نعم! قال: أو لست أخوك؟ قال: بلى في الإسلام، وهي لي حلال، فتزوجها رسول الله ﷺ فحظيت عنده». وقد قدمنا ذلك في أول السيرة، وكان ذلك قبل الهجرة بسنتين، وقيل بسنة ونصف، وقيل بثلاث سنين، وكان عمرها إذ ذاك ست سنين ثم دخل بها وهي بنت تسع سنين بعد بدر، في شوال من سنة ثنتين من الهجرة فأحبها. ولما تكلم فيها أهل الافك بالزور
стр. 2576
والبهتان، غار الله لها فأنزل براءتها في عشر آيات من القرآن تتلى على تعاقب الزمان. وقد ذكرنا ذلك مفصلا فيما سلف، وشرحنا الآيات والأحاديث الواردة في ذلك في غزوة المريسيع، وبسطنا ذلك أيضا في كتاب التفسير بما فيه كفاية ومقنع، ولله الحمد والمنة. وقد أجمع العلماء على تكفير من قذفها بعد براءتها، واختلفوا في بقية أمهات المؤمنين، هل يكفر من قذفهن أم لا؟ على قولين، وأصحهما أنه يكفر، لأن المقذوفة زوجة رسول الله ﷺ ، والله تعالى إنما غضب لها لأنها زوجة رسول الله ﷺ ، فهي وغيرها منهن سواء. ومن خصائصها ﵂ أنها كان لها في القسم يومان يومها ويوم سودة حين وهبتها ذلك تقربا إلى رسول الله ﷺ ، وأنه مات في يومها وفي بيتها وبين سحرها ونحرها، وجمع الله بين ريقه وريقها في آخر ساعة من ساعاته في الدنيا، وأول ساعة من الآخرة، ودفن في بيتها.
وقد قال الامام أحمد: حدثنا وكيع عن إسماعيل عن مصعب بن إسحاق ابن طلحة عن عائشة عن النبي ﷺ قال: «إنه ليهون على أنى رأيت بياض كف عائشة في الجنة» تفرد به أحمد. وهذا في غاية ما يكون من المحبة العظيمة أنه يرتاح لأنه رأى بياض كفها أمامه في الجنة. ومن خصائصها أنها أعلم نساء النبي ﷺ ، بل هي أعلم النساء على الإطلاق. قال الزهري:
لو جمع علم عائشة إلى علم جميع أزواجه، وعلم جميع النساء لكان علم عائشة أفضل. وقال عطاء بن أبى رباح: كانت عائشة أفقه الناس، وأعلم الناس، وأحسن الناس رأيا في العامة. وقال عروة: ما رأيت أحدا أعلم بفقه ولا طب ولا شعر من عائشة، ولم ترو امرأة ولا رجل غير أبى هريرة عن رسول الله ﷺ من الأحاديث بقدر روايتها ﵂، وقال أبو موسى الأشعري: «ما أشكل علينا أصحاب محمد حديث قط فسألنا عائشة إلا وجدنا عندها منه علما». رواه الترمذي، وقال أبو الضحى عن مسروق: رأيت مشيخة أصحاب محمد الأكابر يسألونها عن الفرائض. فأما ما يلهج به كثير من الفقهاء وعلماء الأصول من إيراد حديث: «خذوا شطر دينكم عن هذه الحميراء» فإنه ليس له أصل ولا هو مثبت في شيء من أصول الإسلام، وسألت عنه شيخنا أبا الحجاج المزي فقال:
لا أصل له. ثم لم يكن في النساء أعلم من تلميذاتها عمرة بنت عبد الرحمن، وحفصة بنت سيرين، وعائشة بنت طلحة. وقد تفردت أم المؤمنين عائشة بمسائل عن الصحابة لم توجد إلا عندها، وانفردت باختيارات أيضا وردت أخبار بخلافها بنوع من التأويل. وقد جمع ذلك غير واحد من الأئمة، فمن ذلك قال الشعبي: كان مسروق إذا حدث عن عائشة قال: حدثتني الصديقة بنت الصديق، حبيبة رسول الله المبرأة من فوق سبع سماوات.
وثبت في صحيح البخاري من حديث أبى عثمان النهدي عن عمرو بن العاص. قال: «قلت يا رسول الله أي الناس أحب إليك؟ قال: عائشة، قلت: ومن الرجال؟ قال: أبوها»
وفي صحيح البخاري أيضا عن أبى موسى قال قال رسول الله ﷺ : «كمل
стр. 2577
من الرجال كثير ولم يكمل من النساء إلا مريم بنت عمران، وخديجة بنت خويلد، وآسية امرأة فرعون، وفضل عائشة على النساء كفضل الثريد على سائر الطعام» وقد استدل كثير من العلماء ممن ذهب إلى تفضيل عائشة على خديجة بهذا الحديث، قال: فإنه دخل فيه سائر النساء الثلاث المذكورات وغيرهن، ويعضد ذلك أيضا الحديث الّذي
رواه البخاري: حدثنا إسماعيل بن خليل ثنا على بن مسهر عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة. قالت: «استأذنت هالة بنت خويلد - أخت خديجة - على رسول الله ﷺ فعرف استئذان خديجة فارتاع لذلك، فقال: اللهمّ هالة، قالت عائشة: فغرت وقلت: ما تذكر من عجوز من عجائز قريش حمراء الشدقين هلكت في الدهر الأول، قد أبدلك الله خيرا منها؟» هكذا رواه البخاري، فأما ما يروى فيه من الزيادة: «والله ما أبدلني خيرا منها» فليس يصح سندها. وقد ذكرنا ذلك مطولا عند وفاة خديجة، وذكرنا حجة من ذهب إلى تفضيلها على عائشة بما أغنى عن إعادته هاهنا.
وروى البخاري عن عائشة أن النبي ﷺ قال يوما: «يا عائش هذا جبريل يقرئك السلام، فقلت: وعليه السلام ورحمة الله وبركاته، ترى ما لا أرى» وثبت في صحيح البخاري أن الناس كانوا يتحرون بهداياهم يوم عائشة، فاجتمع أزواجه إلى أم سلمة وقلن لها: قولي له يأمر الناس أن يهدوا له حيث كان، فقالت أم سلمة: فلما دخل عليّ قلت له ذلك فأعرض عنى، ثم قلن لها ذلك فقالت له فأعرض عنها، ثم لما دار إليها قالت له
فقال:
يا أم سلمة لا تؤذيني في عائشة، فإنه والله ما نزل عليّ الوحي في بيت وأنا في لحاف امرأة منكن غيرها»
وذكر أنهن بعثن فاطمة ابنته إليه فقالت: «إن نساءك ينشدونك العدل في ابنة أبى بكر بن أبى قحافة، فقال: يا بنية ألا تحبين من أحب؟ قالت: قلت بلى! قال: فأحبى هذه». ثم بعثن زينب بنت جحش فدخلت على رسول الله ﷺ وعنده عائشة فتكلمت زينب ونالت من عائشة، فانتصرت عائشة منها وكلمتها حتى أفحمتها، فجعل رسول الله ﷺ ينظر إلى عائشة ويقول: «إنها ابنة أبى بكر». وذكرنا أن عمارا لما جاء يستصرخ الناس ويستنفرهم إلى قتال طلحة والزبير أيام الجمل، صعد هو والحسن بن عليّ على منبر الكوفة، فسمع عمار رجلا ينال من عائشة فقال له:
اسكت مقبوحا منبوذا، والله إنها لزوجة رسول الله ﷺ في الدنيا وفي الآخرة، ولكن الله ابتلاكم ليعلم إياه تطيعون أو إياها. وقال الإمام أحمد: حدثنا معاوية بن عمرو ثنا زائدة ثنا عبد الله بن خثيم حدثني عبد الله بن أبى مليكة أنه حدثه ذكوان - حاجب عائشة - أنه جاء عبد الله بن عباس يستأذن على عائشة فجئت - وعند رأسها عبد الله بن أخيها عبد الرحمن - فقلت: هذا ابن عباس يستأذن، فأكب عليها ابن أخيها عبد الله فقال: هذا عبد الله بن عباس يستأذن - وهي تموت - فقالت: دعني من ابن عباس، فقال: يا أماه!! إن ابن عباس من صالح بنيك يسلّم عليك
стр. 2578
ويودعك، فقالت: ائذن له إن شئت، قال فأدخلته، فلما جلس قال: أبشرى فقالت: بماذا؟ فقال: ما بينك وبين أن تلقى محمدا والأحبة إلا أن تخرج الروح من الجسد، وكنت أحب نساء رسول الله ﷺ إليه، ولم يكن رسول الله ﷺ يحب إلا طيبا، وسقطت قلادتك ليلة الأبواء فأصبح رسول الله ﷺ وأصبح الناس وليس معهم ماء، فأنزل الله آية التيمم، فكان ذلك في سببك، وما أنزل الله من الرخصة لهذه الأمة، وأنزل الله براءتك من فوق سبع سماوات، جاء بها الروح الأمين، فأصبح ليس مسجد من مساجد الله إلا يتلى فيه آناء الليل وآناء النهار، فقالت:
دعني منك يا ابن عباس، والّذي نفسي بيده لوددت أنى كنت نسيا منسيا. والأحاديث في فضائلها ومناقبها كثيرة جدا. وقد كانت وفاتها في هذا العام سنة ثمان وخمسين، وقيل قبله بسنة، وقيل بعده بسنة، والمشهور في رمضان منه وقيل في شوال، والأشهر ليلة الثلاثاء السابع عشر من رمضان، وأوصت أن تدفن بالبقيع ليلا، وصلّى عليها أبو هريرة بعد صلاة الوتر، ونزل في قبرها خمسة، وهم عبد الله وعروة ابنا الزبير بن العوام، من أختها أسماء بنت أبى بكر، والقاسم وعبد الله ابنا أخيها محمد بن أبى بكر، وعبد الله بن عبد الرحمن بن أبى بكر، وكان عمرها يومئذ سبعا وستين سنة، لانه توفى رسول الله ﷺ وعمرها ثمان عشرة سنة، وكان عمرها عام الهجرة ثمان سنين أو تسع سنين، فالله أعلم ورضى الله تعالى عن أبيها وعن الصحابة أجمعين.
ثم دخلت سنة تسع وخمسين
فيها شتى عمرو بن مرة الجهنيّ في أرض الروم في البر، قاله الواقدي، ولم يكن فيها غزو في البحر، وقال غيره: بل غزا في البحر عامئذ جنادة بن أبى أمية. وفيها عزل معاوية ابن أم الحكم عن الكوفة لسوء سيرته فيهم، وولى عليهم النعمان بن بشير. وفيها ولى معاوية عبد الرحمن بن زياد ولاية خراسان وعزل عنها سعيد بن عثمان بن عفان، فصار عبيد الله على البصرة، وأخوه عبد الرحمن هذا على خراسان، وعباد بن زياد على سجستان، ولم يزل عبد الرحمن عليها واليا إلى زمن يزيد، فقدم عليه بعد مقتل الحسين فقال له: كم قدمت به من هذا المال؟ قال: عشرون ألف ألف، فقال له: إن شئت حاسبناك، وإن شئت سوغناكها وعزلناك عنها، على أن تعطى عبد الله بن جعفر خمسمائة ألف درهم، قال: بل سوغها، وأما عبد الله بن جعفر فأعطيه ما قلت ومثلها معها، فعزله وولى غيره، وبعث عبد الرحمن بن زياد إلى عبد الله بن جعفر بألف ألف درهم، وقال: خمسمائة ألف من جهة أمير المؤمنين، وخمسمائة ألف من قبلي. وفي هذه السنة وفد عبيد الله بن زياد على معاوية ومعه أشراف أهل البصرة والعراق، فاستأذن لهم عبد الله عليه على منازلهم منه، وكان آخر من أدخله على معاوية الأحنف بن قيس، - ولم يكن عبيد الله يجله - فلما رأى معاوية الأحنف رحّب به
стр. 2579
وعظمه وأجله وأجلسه معه على السرير، ورفع منزلته، ثم تكلم القوم فأثنوا على عبيد الله والأحنف ساكت، فقال له معاوية: مالك يا أبا بحر لا تتكلم؟ فقال له: إن تكلمت خالفت القوم، فقال معاوية: انهضوا فقد عزلته عنكم فاطلبوا واليا ترضونه، فمكثوا أياما يترددون إلى أشراف بنى أمية، يسألون كل واحد أن يتولى عليهم فلم يقبل أحد منهم ذلك، ثم جمعهم معاوية فقال: من اخترتم؟ فاختلفوا عليه، والأحنف ساكت، فقال له معاوية: مالك لا تتكلم؟ فقال: يا أمير المؤمنين إن كنت تريد غير أهل بيتك فرأيك فقال معاوية: قد أعدته إليكم. وقال ابن جرير: قال الأحنف:
يا أمير المؤمنين إن وليت علينا من أهل بيتك فانا لا نعدل بعبيد الله بن زياد أحدا، وإن وليت علينا من غيرهم فانظر لنا في ذلك. فقال معاوية: قد أعدته إليكم. ثم إن معاوية أوصى عبيد الله ابن زياد بالأحنف خيرا، وقبح رأيه فيه وفي مباعدته، فكان الأحنف بعد ذلك أخص أصحاب عبيد الله، ولما وقعت الفتنة لم يف لعبيد الله غير الأحنف بن قيس، والله أعلم.
قصة يزيد بن ربيعة بن مفرغ الحميري مع ابني زياد عبيد الله وعباد
ذكر ابن جرير عن أبى عبيدة معمر بن المثنى وغيره أن هذا الرجل كان شاعرا، وكان مع عباد بن زياد بسجستان، فاشتغل عنه بحرب الترك، وضاق على الناس علف الدواب، فقال ابن مفرغ شعرا يهجو به ابن زياد على ما كان منه فقال: -
ألا ليت اللحى كانت حشيشا … فنعلفها خيول المسلمينا
وكان عباد بن زياد عظيم اللحية كبيرها جدا، فبلغه ذلك فغضب وتطلبه فهرب منه وقال فيه قصائد يهجوه بها كثيرة فمن ذلك قوله: -
إذا أودى معاوية بن حرب … فبشر شعب قعبك بانصداع
فأشهد أن أمك لم تباشر … أبا سفيان واضعة القناع
ولكن كان أمرا فيه لبس … على خوف شديد وارتياع
وقال أيضا: -
ألا أبلغ معاوية بن حرب … مغلغلة من الرجل اليماني
أتغضب أن يقال أبوك عف … وترضى أن يقال أبوك زانى
فأشهد أن رحمك من زياد … كرحم الفيل من ولد الأتان
فكتب عباد بن زياد إلى أخيه عبيد الله وهو وافد على معاوية بهذه الأبيات، فقرأها عبيد الله على معاوية واستأذنه في قتله، فقال: لا تقتله، ولكن أدبه ولا تبلغ به القتل، فلما رجع عبيد الله إلى البصرة استحضره وكان قد استجار بوالد زوجة عبيد الله بن زياد، وهو المنذر بن الجارود، وكانت
стр. 2580
ابنته بحرية عند عبيد الله، فأجاره وآواه إلى داره، وجاء الجارود مسلما على عبيد الله، وبعث عبيد الله الشرط إلى دار المنذر فجاءوا بابن مفرع فأوقف بين يديه، فقال المنذر: إني قد أجرته، فقال: يمدحك ويمدح أباك فترضى عنه، ويهجونى ويهجو أبى ثم تجيره على، ثم أمر عبيد الله بابن مفرغ فسقى دواء مسهلا وحملوه على حمار عليه إكاف وجعلوا يطوفون به في الأسواق وهو يسلح والناس ينظرون إليه، ثم أمر به فنفى إلى سجستان إلى عند أخيه عباد، فقال ابن مفرغ لعبيد الله بن زياد: -
يغسل الماء ما صنعت وقولي … راسخ منك في العظام البوالي
فلما أمر عبيد الله بنفي ابن مفرغ إلى سجستان، كلم اليمانيون معاوية في أمر ابن مفرغ، وأنه إنما بعثه إلى أخيه ليقتله، فبعث معاوية إلى ابن مفرغ وأحضره، فلما وقف بين يديه بكى وشكى إلى معاوية ما فعل به ابن زياد، فقال له معاوية: إنك هجوته، ألست القائل كذا؟ ألست القائل كذا؟ فأنكر أن يكون قال من ذلك شيئا، وذكر أن القائل ذلك هو عبد الرحمن بن الحكم أخو مروان، وأحب أن يسندها إلى، فغضب معاوية على عبد الرحمن بن الحكم ومنعه العطاء حتى يرضى عنه عبيد الله بن زياد، وأنشد ابن مفرع ما قاله في الطريق في معاوية يخاطب راحلته:
عدس ما لعباد عليك إمارة … نجوت وهذا تحملين طليق
لعمري لقد نجاك من هوة الردى … إمام وحبل للأنام وثيق
سأشكر ما أوليت من حسن نعمة … ومثلي بشكر المنعمين حقيق
فقال له معاوية: أما لو كنا نحن الذين هجوتنا لم يكن من أذانا شيء يصل إليك، ولم نتعرض لذلك، فقال: يا أمير المؤمنين إنه ارتكب فىّ ما لم يرتكب مسلم من مسلم على غير حدث ولا جرم، قال: ألست القائل كذا؟ ألست القائل كذا؟ فقد عفونا عن جرمك، أما إنك لو إيانا تعامل لم يكن مما كان شيء فانظر الآن من تخاطب ومن تشاكل، فليس كل أحد يحتمل الهجاء، ولا تعامل أحدا إلا بالحسنى، وانظر لنفسك أي البلاد أحب إليك تقيم بها حتى نبعثك إليها، فاختار الموصل فأرسله إليها، ثم استأذن عبيد الله في القدوم إلى البصرة والمقام بها فأذن له. ثم إن عبد الرحمن ركب إلى عبيد الله فاسترضاه فرضى عنه وأنشده عبد الرحمن: -
لأنت زيادة في آل حرب … أحب إلى من إحدى بنانى
أراك أخا وعما وابن عمّ … فلا أدرى بغيب ما تراني
فقال له عبيد الله: أراك والله شاعر سوء، ثم رضى عنه وأعاد إليه ما كان منعه من العطاء.
قال أبو معشر والواقدي: وحج بالناس في هذه السنة عثمان بن محمد بن أبى سفيان، وكان نائب المدينة الوليد بن عتبة بن أبى سفيان، وعلى الكوفة النعمان بن بشير، وقاضيها شريح، وعلى البصرة
стр. 2581
عبيد الله بن زياد، وعلى سجستان عباد بن زياد، وعلى كرمان شريك بن الأعور الحارثي، من قبل عبيد الله بن زياد.
ذكر من توفى في هذه السنة من المشاهير والأعيان
قال بن الجوزي: توفى فيها أسامة بن زيد، والصحيح قبلها كما تقدم
الحطيئة الشاعر
واسمه جرول بن مالك بن جرول بن مالك بن جوية بن مخزوم بن مالك بن قطيعة بن عيسى ابن مليكة، الشاعر الملقب بالحطيئة لقصره، أدرك الجاهلية وأسلم في زمن الصديق، وكان كثير الهجاء حتى يقال إنه هجا أباه وأمه، وخاله وعمه، ونفسه وعرسه، فمما قال في أمه قوله: -
تنحى فاقعدى عنى بعيدا … أراح الله منك العالمينا
أغربالا إذا استودعت سرا … وكانونا على المتحدثينا
جزاك الله شرا من عجوز … ولقاك العقوق من البنينا
وقال في أبيه وعمه وخاله: -
لحاك الله ثم لحاك حقا … أبا ولحاك من عم وخال
فنعم الشيخ أنت لدى المخازي … وبئس الشيخ أنت لدى المعالي
ومما قال في نفسه يذمها: -
أبت شفتاي اليوم أن تتكلما … بشر فما أدرى لمن أنا قائله؟
أرى لي وجها شوه الله خلقه … فقبح من وجه وقبح حامله
وقد شكاه الناس إلى أمير المؤمنين عمر بن الخطاب فأحضره وحبسه، وكان سبب ذلك أن الزبرقان ابن بدر شكاه لعمر أنه قال له يهجوه: -
دع المكارم لا نرحل لبغيتها … واقعد فإنك أنت الطاعم الكاسي
فقال له عمر: ما أراه هجاك، أما نرضى أن تكون طاعما كاسيا؟ فقال: يا أمير المؤمنين إنه لا يكون هجاء أشد من هذا، فبعث عمر إلى حسان بن ثابت فسأله عن ذلك، فقال: يا أمير المؤمنين ما هجاه ولكن سلح عليه، فعند ذلك حبسه عمرو قال: يا خبيث لأشغلنك عن أعراض المسلمين، ثم شفع فيه عمرو بن العاص فأخرجه وأخذ عليه العهد أن لا يهجو الناس واستتابه، ويقال إنه أراد أن يقطع لسانه فشفعوا فيه حتى أطلقه، وقال الزبير بن بكار: حدثني محمد بن الضحاك بن عثمان الحرامى عن عبد الله بن مصعب حدثني عن ربيعة بن عثمان عن زيد بن أسلم عن أبيه قال: أمر عمر بإخراج الحطيئة من الحبس وقد كلمه فيه عمرو بن العاص وغيره، فأخرج وأنا حاضر فأنشأ يقول: -
стр. 2582
ماذا تقول لا فراخ بذي مرح … زعب الحواصل لا ماء ولا شجر
غادرت كاسبهم في قعر مظلمة … فارحم هداك مليك الناس يا عمر
أنت الامام الّذي من بعد صاحبه … ألقى إليك مقاليد النهى البشر
لم يؤثروك بها إذ قدموك لها … لكن لأنفسهم كانت بك الأثر
فامنن على صبية بالرمل مسكنهم … بين الأباطح يغشاهم بها القدر
نفسي فداؤك كم بيني وبينهم … من عرض وادية يعمى بها الخبر
قال: فلما قال الحطيئة: ماذا تقول الافراخ بذي مرح، بكى عمر، فقال عمرو بن العاص:
ما أظلت الخضراء ولا أقلت الغبراء أعدل من رجل يبكى على تركه الحطيئة. ثم ذكروا أنه أراد قطع لسان الحطيئة لئلا يهجو به الناس فأجلسه على كرسي وجيء بالموسى، فقال الناس: لا يعود يا أمير المؤمنين وأشاروا إليه قل: لا أعود، فقال له عمر النجا، فلما ولى قال له عمر: ارجع يا حطيئة، فرجع فقال له: كأنى بك عند شاب من قريش قد كسر لك نمرقة، وبسط لك أخرى، وقال:
يا حطيئة غننا، فاندفعت تغنيه بأعراض الناس، قال أسلم: فرأيت الحطيئة بعد ذلك عند عبيد الله ابن عمر وقد كسر له نمرقة وبسط له أخرى، وقال: يا حطيئة غننا فاندفع حطيئة يغنى، فقلت له:
يا حطيئة أتذكر يوم عمر حين قال لك ما قال؟ ففزع وقال: رحم الله ذلك المرء، لو كان حيا ما فعلنا هذا، فقلت لعبيد الله: إني سمعت أباك يقول كذا وكذا فكنت أنت ذلك الرجل، وقال الزبير:
حدثني محمد بن الضحاك عن أبيه قال قال عمر للحطيئة: دع قول الشعر. قال لا أستطيع، قال: لم؟ قال: هو مأكلة عيالي، وعلة لساني، قال: فدع المدحة المجحفة، قال: وما هي يا أمير المؤمنين؟ قال تقول بنو فلان أفضل من بنى فلان، امدح ولا تفضل، فقال: أنت أشعر منى يا أمير المؤمنين. ومن مديحه الجيد المشهور قوله:
أقلوا عليهم لا أبا لأبيكم … من اللوم أو سدّوا المكان الّذي سدّوا
أولئك قومي إن بنوا أحسنوا البنا … وإن عاهدوا أوفوا وإن عقدوا شدوا
وإن كانت النعماء فيهم جزوا بها … وإن أنعموا لا كدروها ولا كدّوا
قالوا: ولما احتضر الحطيئة قيل له أوص قال أوصيكم بالشعر، ثم قال:
الشعر صعب وطويل سلّمه … إذا ارتقى فيه الّذي لا يعلمه
زلت به إلى الحضيض قدمه … والشعر لا يستطيعه من يظلمه
أراد أن يعربه فأعجمه
قال أبو الفرج ابن الجوزي في المنتظم: توفى الحطيئة في هذه السنة، وذكر أيضا فيها وفاة
стр. 2583
عبد الله بن عامر بن كريز، وقد تقدم في التي قبلها.
عبد الله بن مالك بن القشب
واسمه جندب بن نضلة بن عبد الله بن رافع الأزدي، أبو محمد حليف بنى عبد المطلب، المعروف بابن بحينة، وهي أمه بحينة بنت الأرت، واسمه الحارث بن المطلب بن عبد مناف، أسلم قديما، وصحب رسول الله ﷺ ، وكان ناسكا قواما صوّاما، وكان ممن يسرد صوم الدهر كله، قال ابن سعد: كان ينزل بطن ريم على ثلاثين ميلا من المدينة، ومات في عمل مروان في المرة الثانية، ما بين سنة أربع وخمسين إلى ثمان وخمسين، والعجب أن ابن الجوزي نقل من كلام محمد بن سعد، ثم إنه ذكر وفاته في هذه السنة - يعنى سنة تسع وخمسين فالله أعلم
قيس بن سعد بن عبادة الأنصاري الخزرجي
صحابى جليل كأبيه، له في الصحيحين حديث، وهو القيام للجنازة، وله في المسند حديث في صوم عاشوراء، وحديث غسل رسول الله ﷺ في دارهم وغير ذلك، وخدم رسول الله ﷺ عشر سنين، وثبت في صحيح البخاري عن أنس قال: كان قيس بن سعد من النبي ﷺ بمنزلة صاحب الشرطة من الأمير. وحمل لواء رسول الله ﷺ في بعض الغزوات، واستعمله على الصدقة، ولما بعث رسول الله ﷺ أبا عبيدة بن الجراح ومعه ثلاثمائة من المهاجرين والأنصار، فأصابهم ذلك الجهد الكثير فنحر لهم قيس بن سعد تسع جزائر، حتى وجدوا تلك الدابة على سيف البحر فأكلوا منها، وأقاموا عليها شهرا حتى سمنوا، وكان قيس سيدا مطاعا كريما ممدحا شجاعا، ولاه عليّ نيابة مصر، وكان يقاوم بدهائه وخديعته وسياسته لمعاوية وعمرو بن العاص، ولم يزل معاوية يعمل عليه حتى عزله [على] عن مصر وولى عليها محمد بن أبى بكر الصديق، فاستخفه معاوية، ولم يزل حتى أخذ منه مصر كما قدمنا. وأقام قيس عند على فشهد معه صفين والنهروان ولزمه حتى قتل ثم صار إلى المدينة، فلما اجتمعت الكلمة على معاوية جاءه ليبايعه كما بايعه أصحابه، قال عبد الرزاق عن ابن عيينة قال قدم قيس بن سعد على معاوية فقال له معاوية: وأنت يا قيس تلجم على مع من ألجم؟ أما والله لقد كنت أحب أن لا تأتينى هذا اليوم إلا وقد ظفر بك ظفر من أظافرى موجع، فقال له قيس: وأنا والله قد كنت كارها أن أقوم في هذا المقام فأحييك بهذه التحية، فقال له معاوية:
ولم؟ وهل أنت إلا حبر من أحبار اليهود؟ فقال له قيس: وأنت يا معاوية كنت صنما من أصنام الجاهلية، دخلت في الإسلام كارها، وخرجت منه طائعا، فقال معاوية: اللهمّ غفرا، مد يدك، فقال له قيس بن سعد: إن شئت. زدت وزدت. وقال موسى بن عقبة: قالت عجوز لقيس: أشكو إليك قلة فأر بيتى، فقال قيس: ما أحسن هذه الكناية!! املئوا بيتها خبزا ولحما وسمنا وتمرا.
стр. 2584
وقال غيره: كانت له صحفة يدار بها حيث دار، وكان ينادى له مناد: هلموا إلى اللحم والثريد.
وكان أبوه وجده من قبله يفعلان كفعله، وقال عروة بن الزبير: باع قيس بن سعد من معاوية أرضا بتسعين ألفا، فقدم المدينة فنادى مناديه: من أراد القرض فليأت، فأقرض منها خمسين ألفا وأطلق الباقي، ثم مرض بعد ذلك فقل عواده، فقال لزوجته - قريبة بنت أبى عتيق أخت أبى بكر الصديق - إني أرى قلة من عادني في مرضى هذا، وإني لأرى ذلك من أجل مالي على الناس من القرض، فبعث إلى كل رجل ممن كان له عليه دين بصكه المكتوب عليه، فوهبهم ماله عليهم، وقيل: إنه أمر مناديه فنادى: من كان لقيس بن سعد عليه دين فهو منه في حل، فما أمسى حتى كسرت عتبة بابه من كثرة العواد، وكان يقول: اللهمّ ارزقني مالا وفعالا، فإنه لا يصلح الفعال إلا بالمال. وقال سفيان الثوري: اقترض رجل من قيس بن سعد ثلاثين ألفا فلما جاء ليوفيه إياها قال له قيس: إنا قوم ما أعطينا أحدا شيئا فنرجع فيه. وقال الهيثم بن عدي: اختلف ثلاثة عند الكعبة في أكرم أهل زمانهم، فقال أحدهم: عبد الله بن جعفر، وقال الآخر: قيس بن سعد، وقال الآخر: عرابة الأوسي، فتماروا في ذلك حتى ارتفع ضجيجهم عند الكعبة، فقال لهم رجل: فليذهب كل رجل منكم إلى صاحبه الّذي يزعم أنه أكرم من غيره، فلينظر ما يعطيه وليحكم على العيان. فذهب صاحب عبد الله بن جعفر إليه فوجده قد وضع رجله في الغرز ليذهب إلى ضيعة له، فقال له: يا ابن عم رسول الله ابن سبيل ومنقطع به، قال: فأخرج رجله من الغرز وقال: ضع رجلك واستو عليها فهي لك بما عليها، وخذ ما في الحقيبة ولا تخدعن عن السيف فإنه من سيوف على، فرجع إلى أصحابه بناقة عظيمة وإذا في الحقيبة أربعة آلاف دينار، ومطارف من خز وغير ذلك، وأجلّ ذلك سيف على بن أبى طالب. ومضى صاحب قيس بن سعد إليه فوجده نائما، فقالت له الجارية: ما حاجتك إليه؟ قال: ابن سبيل ومنقطع به، قالت: فحاجتك أيسر من إيقاظه، هذا كيس فيه سبعمائة دينار ما في دار قيس مال غيره اليوم، واذهب إلى مولانا في معاطن الإبل فخذ لك ناقة وعبدا، واذهب راشدا. فلما استيقظ قيس من نومه أخبرته الجارية بما صنعت فأعتقها شكرا على صنيعها ذلك، وقال:
هلا أيقظتينى حتى أعطيه ما يكفيه أبدا، فلعل الّذي أعطيتيه لا يقع منه موقع حاجته. وذهب صاحب عرابة الأوسي إليه فوجده وقد خرج من منزله يريد الصلاة وهو يتوكأ على عبدين له - وكان قد كف بصره - فقال له: يا عرابة، فقال: قل، فقال: ابن سبيل ومنقطع به، قال: فخلى عن العبدين ثم صفق بيديه، باليمنى على اليسرى، ثم قال أوّه أوّه، والله ما أصبحت ولا أمسيت وقد تركت الحقوق من مال عرابة شيئا، ولكن خذ هذين العبدين، قال: ما كنت لأفعل، فقال: إن لم تأخذهما فهما حران، فان شئت فأعتق، وإن شئت فخذ. وأقبل يلتمس الحائط بيده، قال: فأخذهما وجاء
стр. 2585
بهما إلى صاحبيه، قال فحكم الناس على أن ابن جعفر قد جاد بمال عظيم، وأن ذلك ليس بمستنكر له، إلا أن السيف أجلها. وأن قيسا أحد الأجواد حكم مملوكته في ماله بغير علمه واستحسن فعلها وعتقها شكرا لها على ما فعلت، وأجمعوا على أن أسخى الثلاثة عرابة الأوسي، لأنه جاد بجميع ما يملكه، وذلك جهد من مقل. وقال سفيان الثوري عن عمرو عن أبى صالح قال: قسم سعد بن عبادة ماله بين أولاده وخرج إلى الشام فمات بها، فولد له ولد بعد وفاته، فجاء أبو بكر وعمر إلى قيس ابن سعد فقالا: إن أباك قسم ماله ولم يعلم بحال هذا الولد إذ كان حملا، فأقسموا له معكم، فقال قيس: إني لا أغير ما فعله سعد ولكن نصيبي له. ورواه عبد الرزاق عن معمر عن أيوب عن محمد ابن سيرين فذكره. ورواه عبد الرزاق عن ابن جريج أخبرنى عطاء فذكره. وقال ابن أبى خيثمة:
ثنا أبو نعيم ثنا مسعر عن معبد بن خالد. قال: كان قيس بن سعد لا يزال هكذا رافعا إصبعه المسبحة - يعنى يدعو -
وقال هشام بن عمار: ثنا الجراح بن مليح ثنا أبو رافع عن قيس بن سعد. قال: لولا أنى سمعت رسول الله ﷺ يقول: «المكر والخديعة في النار»: لكنت من أمكر هذه الأمة.
وقال الزهري: دهاة العرب حين ثارت الفتنة خمسة، معاوية، وعمرو بن العاص، والمغيرة بن شعبة، وقيس بن سعد، وعبد الله بن بديل وكانا مع على، وكان المغيرة معتزلا بالطائف حتى حكم الخصمان فصارا إلى معاوية. وقد تقدم أن محمد بن أبى حذيفة كان قد تغلب على مصر وأخرج منها عبد الله بن سعد بن أبى سرح، نائب عثمان بعد عمرو بن العاص، فأقره عليها عليّ مدة يسيرة ثم عزله بقيس بن سعد، فلما دخلها سار فيها سيرة حسنة وضبطها، وذلك سنة ست وثلاثين، فثقل أمره على معاوية وعمرو بن العاص، فكاتباه ليكون معهما على على فامتنع وأظهر للناس منا صحته لهما، وفي الباطن هو مع على، فبلغ ذلك عليا فعزله وبعث إلى مصر الأشتر النخعي فمات الأشتر في الرملة قبل أن يصل إليها، فبعث على محمد بن أبى بكر فخف أمره على معاوية وعمرو، فلم يزالا حتى أخذا منه الديار المصرية، وقتل محمد بن أبى بكر هذا وأحرق في جيفة حمار. ثم سار قيس إلى المدينة، ثم سار إلى على بن أبى طالب إلى العراق، فكان معه في حروبه حتى قتل على، ثم كان مع الحسن ابن على حين سار إلى معاوية ليقاتله، فكان قيس على مقدمة الجيش، فلما بايع الحسن معاوية ساء قيسا ذلك وما أحبه، وامتنع من طاعته معاوية، ثم ارتحل إلى المدينة، ثم قدم على معاوية في وفد من الأنصار فبايع معاوية بعد معاتبة شديدة وقعت بينهما، وكلام فيه غلظة، ثم أكرمه معاوية وقدمه وحظي عنده، فبينما هو مع الوفود عند معاوية إذ قدم كتاب ملك الروم على معاوية وفيه: أن ابعث إلى بسراويل أطول رجل في العرب، فقال معاوية: ما أرانا إلا قد احتجنا إلا سراويلك؟ - وكان قيس مديد القامة جدا لا يصل أطول الرجال إلى صدره - فقام قيس فتنحى ثم خلع سراويله
стр. 2586
فألقاها إلى معاوية فقال له معاوية: لو ذهبت إلى منزلك ثم أرسلت بها إلينا، فأنشأ قيس يقول عند ذلك: -
أردت بها كي يعلم الناس أنها … سراويل قيس والوفود شهود
وأن لا يقولوا غاب قيس وهذه … سراويل غادى سمّد وثمود
وإني من الحىّ اليماني لسيد … وما الناس إلا سيد ومسود
فكدهم بمثلي إن مثلي عليهم … شديد وخلقي في الرجال مديد
وفضلني في الناس أصل ووالد … وباع به أعلو الرجال مديد
قال: فأمر معاوية أطول رجل في الوفد فوضعها على أنفه فوقعت بالأرض، وفي رواية أن ملك الروم بعث إلى معاوية برجلين من جيشه يزعم أن أحدهما أقوى الروم، والآخر أطول الروم فانظر هل في قومك من يفوقهما في قوة هذا وطول هذا؟ فان كان في قومك من يفوقهما بعثت إليك من الأسارى كذا وكذا، ومن التحف كذا وكذا، وإن لم يكن في جيشك من هو أقوى وأطول منهما فهادنى ثلاث سنين. فلما حضرا عند معاوية قال: من لهذا القوى؟ فقالوا: ما له إلا أحد رجلين، إما محمد بن الحنفية، أو عبد الله بن الزبير، فجيء بمحمد ابن الحنفية وهو ابن على بن أبى طالب، فلما اجتمع الناس عند معاوية قال له معاوية: أتعلم فيم أرسلت إليك؟ قال: لا! فذكر له أمر الرومي وشدة بأسه، فقال للرومى: إما أن تجلس لي أو أجلس إليك وتناولني يدك أو أناولك يدي، فأينا قدر على أن يقيم الآخر من مكانه غلبه، وإلا فقد غلب. فقال له: ماذا تريد؟ تجلس أو أجلس؟ فقال له الرومي: بل أجلس أنت، فجلس محمد بن الحنفية وأعطى الرومي يده فاجتهد الرومي بكل ما يقدر عليه من القوة أن يزيله من مكانه أو يحركه ليقيمه فلم يقدر على ذلك، ولا وجد إليه سبيلا، فغلب الرومي: عند ذلك، وظهر لمن معه من الوفود من بلاد الروم أنه قد غلب، ثم قام محمد بن الحنفية فقال للرومى اجلس لي، فجلس وأعطى محمدا يده فما أمهله أن أقامه سريعا، ورفعه في الهواء ثم ألقاه على الأرض فسر بذلك معاوية سرورا عظيما، ونهض قيس بن سعد فتنحى عن الناس ثم خلع سراويله وأعطاها لذلك الرومي الطويل فلبسها فبلغت إلى تدييه وأطرافها تخط بالأرض، فاعترف الرومي بالغلب، وبعث ملكهم ما كان التزمه لمعاوية، وعاتب الأنصار قيس بن سعد في خلعه سراويله بحضرة الناس فقال: ذلك الشعر المتقدم معتذرا به إليهم، وليكون ذلك ألزم للحجة التي تقوم على الروم، وأقطع لما حاولوه. ورواه الحميدي عن سفيان بن عيينة عن عمرو بن دينار قال: كان قيس بن سعد رجلا ضخما جسيما صغير الرأس له لحية في ذقنه، وكان إذا ركب الحمار العالي خطت رجلاه بالأرض، وقال الواقدي وخليفة بن خياط وغير واحد: توفى بالمدينة في آخر خلافة معاوية. وذكر ابن الجوزي وفاته في هذه السنة، فتبعناه في ذلك.
стр. 2587
معقل بن يسار المزني
صحابى جليل، شهد الحديبيّة، وكان هو الّذي كان يرفع أغصان الشجرة عن وجه رسول الله ﷺ وهو يبايع الناس تحتها، وكانت من السمر، وهي المذكورة في القرآن في قوله تعالى: ﴿لَقَدْ رَضِيَ اللهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ﴾ وقد ولاه عمر إمرة البصرة فحفر بها النهر المنسوب إليه، فيقال نهر معقل، وله بها دار،
قال الحسن البصري: دخل عبيد الله بن زياد على معقل بن يسار يعوده في مرضه الّذي مات فيه، فقال له معقل: إني محدثك حديثا سمعته من رسول الله ﷺ ، لو لم أكن على حالتي هذه لم أحدثك به، سمعته يقول: «من استرعاه الله رعية فلم يحطها بنصيحة لم يجد رائحة الجنة، وإن ريحها ليوجد من مسيرة مائة عام». وممن توفى في هذه السنة
أبو هريرة الدوسيّ ﵁
وقد اختلف في اسمه في الجاهلية والإسلام، واسم أبيه على أقوال متعددة، وقد بسطنا أكثرها في كتابنا التكميل، وقد بسط ذلك ابن عساكر في تاريخه، والأشهر أن اسمه عبد الرحمن بن صخر وهو من الأزد، ثم من دوس. ويقال: كان اسمه في الجاهلية عبد شمس، وقيل عبد نهم، وقيل عبد غنم، ويكنى بأبي الأسود، فسماه رسول الله ﷺ عبد الله، وقيل عبد الرحمن، وكناه بأبي هريرة، وروى عنه أنه قال: وجدت هريرة وحشية فأخذت أولادها فقال لي أبى: ما هذه في حجرك؟ فأخبرته، فقال: أنت أبو هريرة.
وثبت في الصحيح أن رسول الله ﷺ قال له: «أبا هر» وثبت أنه قال له: «يا أبا هريرة» قال محمد بن سعد وابن الكلبي والطبراني: اسم أمه ميمونة بنت صفيح بن الحارث بن أبى صعب بن هبة بن سعد بن ثعلبة، أسلمت وماتت مسلمة. وروى أبو هريرة عن رسول الله ﷺ الكثير الطيب، وكان من حفاظ الصحابة، وروى عن أبى بكر وعمر وأبى بن كعب، وأسامة بن زيد، ونضرة بن أبى نضرة، والفضل بن العباس، وكعب الأحبار، وعائشة أم المؤمنين. وحدث عنه خلائق من أهل العلم قد ذكرناهم مرتبين على حروف المعجم في التكميل، كما ذكره شيخنا في تهذيبه. قال البخاري: روى عنه نحو من ثمانمائة رجل أو أكثر من أهل العلم، من الصحابة والتابعين وغيرهم. وقال عمرو بن على الفلاس: كان ينزل المدينة وكان إسلامه سنة خيبر:
قال الواقدي: وكان بذي الحليفة له دار، وقال غيره: كان آدم اللون، بعيد ما بين المنكبين، ذا طفرتين، أقرن الثنيتين.
وقال أبو داود الطيالسي وغير واحد عن أبى خلدة، خالد بن دينار عن أبى العالية عن أبى هريرة قال: لما أسلمت قال رسول الله ﷺ . «ممن أنت؟ فقلت: من دوس، فوضع يده على جبهته وقال: ما كنت أرى أن في دوس رجلا فيه خير» وقال الزهري عن سعيد عن أبى هريرة قال: شهدت مع رسول الله ﷺ خيبر، وروى عبد الرزاق عن سفيان بن عيينة عن
стр. 2588
إسماعيل عن قيس. قال قال أبو هريرة: جئت يوم خيبر بعد ما فرغوا من القتال. وقال يعقوب بن سفيان: حدثنا سعيد بن أبى مريم ثنا الدراوَرْديّ. قال: حدثني خيثم عن عراك بن مالك عن أبيه عن أبى هريرة. قال: «خرج رسول الله ﷺ واستخلف على المدينة سباع بن عرفطة، قال أبو هريرة: وقدمت المدينة فهاجروا فصليت الصبح وراء سباع فقرأ في السجدة الأولى سورة مريم، وفي الثانية ويل للمطففين، قال أبو هريرة: فقلت في نفسي: ويل لأبى فلان، لرجل كان بأرض الأزد - وكان له مكيالان مكيال يكيل به لنفسه، ومكيال يبخس به الناس». وقد ثبت في صحيح البخاري أنه ضل غلام له في الليلة التي اجتمع في صبيحتها برسول الله ﷺ وأنه جعل ينشد:
يا ليلة من طولها وعنائها … على أنها من دارة الكفر نجت
فلما قدم على رسول الله ﷺ قال له: «هذا غلامك»؟ فقال هو حر لوجه الله . وقد لزم أبو هريرة رسول الله ﷺ بعد إسلامه، فلم يفارقه في حضر ولا سفر، وكان أحرص شيء على سماع الحديث منه، وتفقه عنه، وكان يلزمه على شبع بطنه. وقال أبو هريرة - وقد تمخط يوما في قميص له كتان - بخ بخ، أبو هريرة يمتخط في الكتان، لقد رأيتني أخر فيما بين المنبر والحجر من الجوع، فيمر المار فيقول: به جنون وما بى إلا الجوع، والله الّذي لا إله إلا هو لقد كنت أعتمد بكبدي على الأرض من الجوع، وأشد الحجر على بطني من الجوع، ولقد كنت أستقرئ أحدهم الآية وأنا أعلم بها منه، وما بى إلا أن يستتبعنى إلى منزله فيطعمني شيئا، وذكر حديث اللبن مع أهل الصفة كما قدمناه في دلائل النبوة. وقال الامام أحمد: حدثنا عبد الرحمن ثنا عكرمة بن عامر حدثني أبو كثير - وهو يزيد بن عبد الرحمن بن أذينة السحيمى الأعمى - حدثني أبو هريرة. قال: والله ما خلق الله مؤمنا يسمع بى ولا يراني إلا أحبنى، قلت: وما علمك بذلك يا أبا هريرة؟ قال: إن أمى كانت امرأة مشركة، وإني كنت أدعوها إلى الإسلام وكانت تأبى على، فدعوتها يوما فأسمعتنى في رسول الله ﷺ ما أكره،
فأتيت رسول الله ﷺ وأنا أبكى، فقلت: يا رسول الله إني كنت أدعو أمى إلى الإسلام فكانت تأبى على، وإني دعوتها اليوم فأسمعتنى فيك ما أكره، فادع الله أن يهدى أم أبى هريرة، فقال: «اللهمّ اهد أم أبى هريرة» فخرجت أعدو أبشرها بدعاء رسول الله ﷺ لها، فلما أتيت الباب إذا هو مجاف، وسمعت خضخضة (خشخشة) وسمعت خشف رجل - يعنى وقعها - فقالت: يا أبا هريرة كما أنت، ثم فتحت الباب وقد لبست درعها وعجلت عن خمارها أن تلبسه، وقالت: إني أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا عبده ورسوله، فرجعت إلى رسول الله ﷺ أبكى من الفرح كما بكيت من الحزن، فقلت: يا رسول الله أبشر فقد استجاب الله دعاءك، قد هدى الله أم أبى هريرة، وقلت: يا رسول الله أدعو الله أن يحببنى وأمى إلى عباده المؤمنين، فقال:
стр. 2589
«اللهمّ حبب عبيدك هذا وأمه إلى عبادك المؤمنين، وحببهم إليهما» قال أبو هريرة: فما خلق الله من مؤمن يسمع بى ولا يراني أو يرى أمى إلا وهو يحبني. وقد رواه مسلم من حديث عكرمة عن عمار نحوه. وهذا الحديث من دلائل النبوة، فان أبا هريرة محبب إلى جميع الناس، وقد شهر الله ذكره بما قدره أن يكون من روايته من إيراد هذا الخبر عنه على رءوس الناس في الجوامع المتعددة في سائر الأقاليم في الإنصات يوم الجمعة بين يدي الخطبة، والإمام على المنبر، وهذا من تقدير الله العزيز العليم، ومحبة الناس له ﵁.
وقال هشام بن عمار: حدثنا سعيد ثنا عبد الحميد بن جعفر عن المقبري عن سالم مولى النضريين أنه سمع أبا هريرة يقول: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «إنما محمد بشر أغضب كما يغضب البشر وإني قد اتخذت عندك عهدا لن تخلفنيه، فأيما رجل من المسلمين آذيته أو شتمته أو جلدته فاجعلها له قربة بها عندك يوم القيامة» قال أبو هريرة: لقد رفع عليّ رسول الله ﷺ يوما الدرة ليضربني بها فلأن يكون ضربني بها أحب إليّ من حمر النعم، ذلك بأنى أرجو أن أكون مؤمنا وأن يستجاب لرسول الله ﷺ دعوته،
وقال ابن أبى ذيب عن سعيد المقبري عن أبى هريرة. قال: قلت يا رسول الله إني أسمع منك حديثا كثيرا فأنساه، فقال: «ابسط رداءك، فبسطته، ثم قال: ضمه فضممته فما نسيت حديثا بعد» رواه البخاري.
وقال الامام أحمد: حدثنا سفيان عن الزهري عن عبد الرحمن الأعرج. قال: سمعت أبا هريرة يقول: إنكم تزعمون أن أبا هريرة يكثر الحديث عن رسول الله ﷺ ، والله الموعد إني كنت امرأ مسكينا أصحب رسول الله ﷺ على ملء بطني، وكان المهاجرون يشغلهم الصفق في الأسواق، وكانت الأنصار يشغلهم القيام على أموالهم، فحضرت من رسول الله ﷺ يوما مجلسا فقال: «من بسط رداءه حتى أقضى مقالتي ثم يقبضه إليه فلن ينسى شيئا سمعه منى». فبسطت بردة على حتى قضى مقالته ثم قبضتها إليّ فو الّذي نفسي بيده ما نسيت شيئا سمعته منه بعد ذلك. وقد رواه ابن وهب عن يونس عن الزهري عن سعيد بن المسيب عن أبى هريرة وله طرق أخر عنه. وقد قيل إن هذا كان خاصا بتلك المقالة لم ينس منها شيئا، بدليل أنه نسي بعض الأحاديث كما هو مصرح به في الصحيح، حيث نسيى حديث «لا عدوى ولا طيرة» مع حديثه «لا يورد ممرض على مصح» وقيل: إن هذا كان عاما في تلك المقالة وغيرها والله أعلم.
وقال الدراوَرْديّ عن عمرو بن أبى عمرو عن سعيد المقبري عن أبى هريرة أنه قال: «يا رسول الله من أسعد الناس بشفاعتك يوم القيامة؟ فقال: لقد ظننت يا أبا هريرة أن أحدا لا يسألنى عن هذا الحديث أول منك، لما رأيت من حرصك على الناس، إن أسعد الناس بشفاعتي يوم القيامة من قال لا إله إلا الله خالصا من قبل نفسه» ورواه البخاري من حديث عمرو ابن أبى عمرو به. وقال ابن أبى ذيب عن سعيد المقبري عن أبى هريرة أنه قال: «حفظت من
стр. 2590
رسول الله ﷺ وعاءين فأما أحدهما فبثثته في الناس، وأما الآخر فلو بثثته لقطع هذا البلعوم» رواه البخاري من حديث ابن أبى ذيب، ورواه غير واحد عن أبى هريرة، وهذا الوعاء الّذي كان لا يتظاهر به هو الفتن والملاحم وما وقع بين الناس من الحروب والقتال، وما سيقع التي لو أخبر بها قبل كونها لبادر كثير من الناس إلى تكذيبه، وردوا ما أخبر به من الحق، كما قال: لو أخبرتكم أنكم تقتلون إمامكم وتقتتلون فيما بينكم بالسيوف لما صدقتموني. وقد يتمسك بهذا الحديث طوائف من أهل الأهواء والبدع الباطلة، والأعمال الفاسدة، ويسندون ذلك إلى هذا الجراب الّذي لم يقله أبو هريرة، ويعتقدون أن ما هم عليه كان في هذا الجراب الّذي لم يخبر به أبو هريرة، وما من مبطل مع تضاد أقوالهم إلا وهو يدعى هذا وكلهم يكذبون، فإذا لم يكن أبو هريرة قد أخبر به فمن علمه بعده؟ وإنما كان الّذي فيه شيء من الفتن والملاحم كما أخبر بها هو وغيره من الصحابة، مما ذكرناه ومما سنذكره في كتاب الفتن والملاحم. وقال حماد بن زيد: حدثنا عمرو بن عبيد الأنصاري ثنا أبو الزعيزعة كاتب مروان بن الحكم أن مروان دعا أبا هريرة وأقعده خلف السرير، وجعل مروان يسأل وجعلت أكتب عنه، حتى إذا كان عند رأس الحول دعا به وأقعده من وراء الحجاب فجعل يسأله عن ذلك الكتاب، فما زاد ولا نقص، ولا قدم ولا أخر. وروى أبو بكر بن عياش وغيره عن الأعمش عن أبى صالح. قال: كان أبو هريرة من أحفظ أصحاب رسول الله ﷺ ولم يكن بأفضلهم.
وقال الربيع قال الشافعيّ: أبو هريرة أحفظ من روى الحديث في دهره. وقال أبو القاسم البغوي:
حدثنا أبو خيثمة ثنا الوليد بن مسلم ثنا سعيد بن عبد العزيز عن مكحول قال: تواعد الناس ليلة من الليالي إلى قبة من قباب معاوية فاجتمعوا فيها، فقام أبو هريرة فحدثهم عن رسول الله ﷺ حتى أصبح. وقال سفيان بن عيينة عن معمر عن وهب بن منبه عن أخيه همام بن منبه. قال: سمعت أبا هريرة يقول: ما من أحد من أصحاب رسول الله ﷺ أكثر حديثا عنه منى، إلا ما كان من عبد الله بن عمرو، فإنه كان يكتب ولا أكتب. وقال أبو زرعة الدمشقيّ: حدثني محمد بن زرعة الرعينيّ ثنا مروان بن محمد ثنا سعيد بن عبد العزيز عن إسماعيل بن عبد الله عن السائب بن يزيد قال: سمعت عمر بن الخطاب يقول لأبى هريرة: لتتركن الحديث عن رسول الله ﷺ أو لألحقنك بأرض دوس، وقال لكعب الأحبار: لتتركن الحديث عن الأول أو لألحقنك بأرض القردة. قال أبو زرعة، وسمعت أبا مسهر يذكره عن سعيد بن عبد العزيز نحوا منه ولم يسنده، وهذا محمول من عمر على أنه خشي من الأحاديث التي قد تضعها الناس على غير مواضعها، وأنهم يتكلمون على ما فيها من أحاديث الرخص، وأن الرجل إذا أكثر من الحديث ربما وقع في أحاديثه بعض الغلط أو الخطأ فيحملها الناس عنه أو نحو ذلك. وقد جاء أن عمر أذن له بعد ذلك في التحديث، فقال مسدد:
стр. 2591
حدثنا خالد الطحان ثنا يحيى بن عبد الله عن أبيه عن أبى هريرة. قال: بلغ عمر حديثي فأرسل إلى فقال: كنت معنا يوم كنا مع رسول الله ﷺ في بيت فلان؟ قال قلت: نعم! وقد علمت لم تسألنى عن ذلك؟ قال: ولم سألتك؟ قلت: إن رسول الله ﷺ قال يومئذ «من كذب على متعمدا فليتبوَّأ مقعده من النار» قال: أما إذا فاذهب فحدث.
وقال الامام أحمد: حدثنا عفان ثنا عبد الواحد - يعنى ابن زياد - ثنا عاصم بن كليب حدثني أبى. قال: سمعت أبا هريرة يقول - وكان يبتدئ حديثه بان يقول: قال رسول الله ﷺ الصادق المصدوق: «من كذب عليّ عامدا فليتبوَّأ مقعده من النار». وروى مثله من وجه آخر عنه. وقال ابن وهب: حدثني يحيى بن أيوب عن محمد بن عجلان. أن أبا هريرة كان يقول: إني لا حدث أحاديث لو تكلمت بها في زمان عمر أو عند عمر لشج رأسي. وقال صالح بن أبى الأخضر عن الزهري عن أبى سلمة: سمعت أبا هريرة يقول: ما كنا نستطيع أن نقول: قال رسول الله ﷺ حتى قبض عمر، وقال محمد بن يحيى الذهلي ثنا عبد الرزاق عن معمر عن الزهري. قال قال عمر: أقلوا الرواية عن رسول الله ﷺ إلا فيما يعمل به. قال ثم يقول أبو هريرة: أفكنت محدثكم بهذه الأحاديث وعمر حي؟ أما والله إذا لأيقنت أن المحففة ستباشر ظهري، [فان عمر كان يقول، اشتغلوا بالقرآن فان القرآن كلام الله، ولهذا لما بعث أبا موسى إلى العراق قال له: إنك تأنى قوما لهم في مساجدهم دوى بالقرآن كدوي النحل، فدعهم على ما هم عليه، ولا تشغلهم بالأحاديث، وأنا شريكك في ذلك. هذا معروف عن عمر ﵁] (١)
وقال الامام أحمد: حدثنا هشيم عن يعلى بن عطاء عن الوليد بن عبد الرحمن عن ابن عمر. أنه مر بأبي هريرة وهو يحدث عن النبي ﷺ أنه قال: من تبع جنازة فصلّى عليها فله قيراط، فان شهد دفنها فله قيراطان، القيراط أعظم من أحد». فقال له ابن عمر: أبا هرّ انظر ما تحدث عن رسول الله ﷺ فقام إليه أبو هريرة حتى انطلق به إلى عائشة فقال لها: يا أم المؤمنين أنشدك بالله
أسمعت رسول الله ﷺ يقول: «من تبع جنازة فصلّى عليها فله قيراط فان شهد دفنها فله قيراطان»؟ فقالت: اللهمّ نعم. فقال أبو هريرة: إنه لم يكن يشغلني عن رسول الله ﷺ غرس بالوادي وصفق بالأسواق، إني إنما كنت أطلب من رسول الله ﷺ كلمة يعلمنيها، أو أكلة يطعمنيها، فقال له ابن عمر: أنت يا أبا هر كنت ألزمنا رسول الله ﷺ وأعلمنا بحديثه. وقال الواقدي: حدثني عبد الله بن نافع عن أبيه. قال: كنت مع ابن عمر في جنازة أبى هريرة وهو يمشى أمامها ويكثر الترحم عليه، ويقول:
كان ممن يحفظ حديث رسول الله ﷺ على المسلمين. وقد روى أن عائشة تأولت أحاديث كثيرة من أبى هريرة ووهمته في بعضها، وفي الصحيح أنها عابت عليه سرد الحديث، أي الإكثار منه في
стр. 2592
الساعة الواحدة. وقال أبو القاسم البغوي: حدثنا بشر بن الوليد الكندي ثنا إسحاق بن سعد عن سعيد أن عائشة قالت لأبى هريرة: أكثرت الحديث عن رسول الله ﷺ يا أبا هريرة، قال: إني والله ما كانت تشغلني عنه المكحلة والخضاب، ولكن أرى ذلك شغلك عما استكثرت من حديثي.
قالت: لعله. وقال أبو يعلى: حدثنا إبراهيم الشامي ثنا حماد بن سلمة عن ثابت عن أبى رافع أن رجلا من قريش أتى أبا هريرة في حلة وهو يتبختر فيها، فقال: يا أبا هريرة إنك تكثر الحديث عن رسول الله ﷺ ، فهل سمعته يقول في حلتى هذه شيئا؟ قال: والله إنكم لتؤذوننا، ولولا ما أخذ الله على أهل الكتاب ليبيّننّه للناس ولا يكتمونه ما حدثتكم بشيء،
سمعت أبا القاسم ﷺ يقول: «إن رجلا ممن كان قبلكم بينما هو يتبختر في حلة إذ خسف الله به الأرض فهو يتجلجل فيها حتى تقوم الساعة». فو الله ما أدرى لعله كان من قومك أو من رهطك - شك أبو يعلى - وقال محمد بن سعد:
حدثنا محمد بن عمر حدثني كثير بن زيد عن الوليد بن رباح. قال: سمعت أبا هريرة يقول لمروان:
والله ما أنت بوال، وإن الوالي لغيرك فدعه - يعنى حين أرادوا يدفنون الحسن مع رسول الله ﷺ ولكنك تدخل فيما لا يعنيك، إنما تريد بهذا إرضاء من هو غائب عنك - يعنى معاوية - قال: فأقبل عليه مروان مغضبا فقال: يا أبا هريرة إن الناس قد قالوا إنك أكثرت على رسول الله ﷺ الحديث، وإنما قدمت قبل وفاة النبي ﷺ بيسير، فقال أبو هريرة: نعم! قدمت ورسول الله ﷺ بخيبر سنة سبع، وأنا يومئذ قد زدت على الثلاثين سنة سنوات، وأقمت معه حتى توفى، أدور معه في بيوت نسائه وأخدمه، وأنا والله يومئذ مقل، وأصلى خلفه وأحج وأغزو معه، فكنت والله أعلم الناس بحديثه، قد والله سبقني قوم بصحبته والهجرة إليه من قريش والأنصار، وكانوا يعرفون لزومى له فيسألونى عن حديثه، منهم عمر وعثمان وعلى وطلحة والزبير، فلا والله ما يخفى على كل حديث كان بالمدينة، وكل من أحب الله ورسوله، وكل من كانت له عند رسول الله ﷺ منزلة، وكل صاحب له، وكان أبو بكر صاحبه في الغار وغيره، وقد أخرجه رسول الله ﷺ أن يساكنه - يعرض بأبي مروان الحكم بن العاص -. ثم قال أبو هريرة: ليسألنى أبو عبد الملك عن هذا وأشباهه فإنه يجد عندي منه علما جما ومقالا، قال: فو الله ما زال مروان يقصر عن أبى هريرة ويتقيه بعد ذلك ويخافه ويخاف جوابه [وفي رواية أن أبا هريرة قال لمروان: إني أسلمت وهاجرت اختيارا وطوعا، وأحببت رسول الله ﷺ حبا شديدا، وأنتم أهل الدار وموضع الدعوة، أخرجتم الداعي من أرضه، وآذيتموه وأصحابه، وتأخر إسلامكم عن إسلامي إلى الوقت المكروه إليكم. فندم مروان على كلامه له واتقاه] (١) وقال ابن أبى خيثمة: حدثنا هارون بن معروف ثنا محمد بن سلمة ثنا محمد بن إسحاق عن
стр. 2593
عمر أو عثمان بن عروة عن أبيه - يعنى عروة بن الزبير بن العوام - قال: قال لي أبى الزبير: أدنني من هذا اليماني - يعنى أبا هريرة - فإنه يكثر الحديث عن رسول الله ﷺ ، قال: فأدنيته منه، فجعل أبو هريرة يحدث، وجعل الزبير يقول: صدق، كذلك صدق، كذب. قال: قلت يا أبة ما قولك صدق كذب؟ قال: يا بنى أما أن يكون سمع هذه الأحاديث من رسول الله ﷺ فلا أشك، ولكن منها ما يضعه على مواضعه، ومنها ما وضعه على غير مواضعه. وقال على بن المديني عن وهب بن جرير عن أبيه عن محمد بن إسحاق عن محمد بن إبراهيم عن أبى اليسر بن أبى عامر.
قال: كنت عند طلحة بن عبيد الله إذ دخل رجل فقال: يا أبا محمد والله ما ندري هذا اليماني أعلم برسول الله ﷺ منكم، أم يقول على رسول الله ﷺ ما لم يسمع، أو ما لم يقل؟ فقال طلحة: والله ما نشك أنه قد سمع من رسول الله ﷺ ما لم نسمع، وعلم ما لم نعلم، إنا كنا قوما أغنياء، لنا بيوتات وأهلون، وكنا نأتي رسول الله ﷺ طرفي النهار ثم نرجع، وكان هو مسكينا لا مال له ولا أهل، وإنما كانت يده مع رسول الله ﷺ ، وكان يدور معه حيث ما دار، فما نشك أنه قد علم ما لم نعلم وسمع ما لم نسمع. وقد رواه الترمذي بنحوه. وقال شعبة عن أشعث بن سليم عن أبيه قال: سمعت أبا أيوب يحدث عن أبى هريرة فقيل له: أنت صاحب رسول الله ﷺ وتحدث عن أبى هريرة؟ فقال: إن أبا هريرة قد سمع ما لم نسمع، وإني إن أحدث عنه أحب إلى من أن أحدث عن رسول الله ﷺ يعنى ما لم أسمعه منه - وقال مسلم بن الحجاج: حدثنا عبد الله بن عبد الرحمن الدارميّ ثنا مروان الدمشقيّ عن الليث بن سعد حدثني بكير بن الأشج. قال قال لنا بشر بن سعيد: اتقوا الله وتحفظوا من الحديث، فو الله لقد رأيتنا تجالس أبا هريرة فيحدث عن رسول الله ﷺ ويحدثنا عن كعب الأحبار ثم يقوم فأسمع بعض ما كان معنا يجعل حديث رسول الله ﷺ عن كعب، وحديث كعب عن رسول الله ﷺ ، وفي رواية يجعل ما قاله كعب عن رسول الله، وما قاله رسول الله عن كعب، فاتقوا الله وتحفظوا في الحديث. وقال يزيد بن هارون: سمعت شعبة يقول: أبو هريرة كان يدلس - أي يروى ما سمعه من كعب وما سمعه من رسول الله ﷺ ولا يميز هذا من هذا - ذكره ابن عساكر.
وكان شعبة يشير بهذا إلى حديثه «من أصبح جنبا فلا صيام له» فإنه لما حوقق عليه قال: أخبرنيه مخبر ولم أسمعه من رسول الله ﷺ . وقال شريك عن مغيرة عن إبراهيم. قال: كان أصحابنا يدعون من حديث أبى هريرة، وروى الأعمش عن إبراهيم. قال: ما كانوا يأخذون بكل حديث أبى هريرة، وقال الثوري عن منصور عن إبراهيم قال: كانوا يرون في أحاديث أبى هريرة شيئا، وما كانوا يأخذون بكل حديث أبى هريرة، إلا ما كان من حديث صفة جنة أو نار، أو حث على عمل صالح، أو نهى عن شرجاء القرآن به. وقد انتصر ابن عساكر لأبى هريرة وردّ هذا الّذي قاله إبراهيم
стр. 2594
النخعي. وقد قال ما قاله إبراهيم طائفة من الكوفيين، والجمهور على خلافهم.
وقد كان أبو هريرة من الصدق والحفظ والديانة والعبادة والزهادة والعمل الصالح على جانب عظيم.
قال حماد بن زيد عن عباس الجريريّ عن أبى عثمان النهدي. قال: كان أبو هريرة يقوم ثلث الليل، وامرأته ثلثه، وابنته ثلثه، يقوم هذا ثم يوقظ هذا، ثم يوقظ هذا هذا. وفي الصحيحين عنه أنه قال: «أوصاني خليلي ﷺ بصيام ثلاثة أيام من كل شهر وركعتي الضحى، وأن أوتر قبل أن أنام»: وقال ابن جريج عمن حدثه. قال قال أبو هريرة: إني أجزئ الليل ثلاثة أجزاء فجزءا لقراءة القرآن، وجزءا أنام فيه، وجزءا أتذكر فيه حديث رسول الله ﷺ . وقال محمد بن سعد:
ثنا مسلم بن إبراهيم ثنا إسحاق بن عثمان القرشي ثنا أبو أيوب. قال كان لأبى هريرة مسجد في مخدعه، ومسجد في بيته، ومسجد في حجرته، ومسجد على باب داره، إذا خرج صلى فيها جميعها، وإذا دخل صلى فيها جميعا. وقال عكرمة: كان أبو هريرة يسبح كل ليلة ثنتى عشرة ألف تسبيحة، يقول: أسبح على قدر ديتي. وقال هشيم عن يعلى بن عطاء عن ميمون بن أبى ميسرة.
قال: كانت لأبى هريرة صيحتان في كل يوم، أول النهار صيحة يقول: ذهب الليل وجاء النهار وعرض آل فرعون على النار، وإذا كان العشي يقول: ذهب النهار وجاء الليل وعرض آل فرعون على النار، فلا يسمع أحد صوته إلا استعاذ بالله من النار. وقال عبد الله بن المبارك: حدثنا موسى بن عبيدة عن زياد بن ثوبان عن أبى هريرة. قال: لا تغبطن فاجرا بنعمة فان من ورائه طالبا حثيثا طلبه، جهنم كلما خبت زدناهم سعيرا. وقال ابن لهيعة عن أبى يونس عن أبى هريرة أنه صلى بالناس يوما فلما سلم رفع صوته فقال: الحمد لله الّذي جعل الدين قواما، وجعل أبا هريرة إماما، بعد ما كان أجيرا لابنة غزوان على شبع بطنه وحمولة رجله [وقال إبراهيم بن إسحاق الحربي: ثنا عفان ثنا سليم بن حيان قال: سمعت أبى يحدث عن أبى هريرة قال: نشأت يتيما، وهاجرت مسكينا، وكنت أجيرا لابنة غزوان بطعام بطني وعقبة رجلي، أحدو بهم إذا ركبوا وأحتطب إذا نزلوا، فالحمد لله الّذي جعل الدين قواما وجعل أبا هريرة إماما،] (١) ثم يقول: والله يا أهل الإسلام إن كانت إجارتي معهم إلا على كسرة يابسة، وعقبة في ليلة غبراء مظلمة، ثم زوجنيها الله فكنت أركب إذا ركبوا، وأخدم إلا خدموا، وأنزل إذا نزلوا. وقال إبراهيم بن يعقوب الجورجانى: حدثنا الحجاج بن نصر ثنا هلال ابن عبد الرحمن الحنفي عن عطاء بن أبى ميمونة عن أبى سلمة. قال قال أبو هريرة وأبو ذر: باب من العلم نتعلمه أحب إلينا من ألف ركعة تطوعا، وباب نعلمه عملنا به أو لم نعمل به، أحب إلينا من مائة ركعة تطوعا، وقالا:
سمعنا رسول الله ﷺ يقول «إذا جاء طالب العلم الموت وهو على هذه الحال
стр. 2595
مات وهو شهيد» وهذا حديث غريب من هذا الوجه، وروى غير واحد عن أبى هريرة أنه كان يتعوذ في سجوده أن يزني أو يسرق، أو يكفر أو يعمل كبيرة. فقيل له: أتخاف ذلك؟ فقال:
ما يؤمنني وإبليس حي، ومصرّف القلوب يصرفها كيف يشاء؟. وقالت له ابنته: يا أبة إن البنات يعيرننى يقلن: لم لا يحليك أبوك بالذهب؟ فقال: يا بنية قولي لهن. إن أبى يخشى على حر اللهب وقال أبو هريرة أتيت عمر بن الخطاب فقمت له وهو يسبح بعد الصلاة فانتظرته فلما انصرف دنوت منه فقلت: اقرئنى آيات من كتاب الله، قال: وما أريد إلا الطعام، قال فأقرأنى آيات من سورة آل عمران، فلما بلغ أهله دخل وتركني على الباب، فقلت: ينزع ثيابه ثم يأمر لي بطعام، فلم أر شيئا،
فلما طال عليّ قمت فمشيت فاستقبلني رسول الله ﷺ فكلمني فقال: «يا أبا هريرة إن خلوف فمك الليلة لشديد؟ فقلت: أجل يا رسول الله، لقد ظللت صائما وما أفطرت بعد، وما أجد ما أفطر عليه، قال: فانطلق، فانطلقت معه حتى أتى بيته فدعا جارية له سوداء فقال: ايتنا بتلك القصعة، فأتينا بقصعة فيها وضر من طعام أراه شعيرا قد أكل وبقي في جوانبها بعضه وهو يسير، فسميت وجعلت أتتبعه فأكلت حتى شبعت». وقال الطبراني: ثنا إسحاق بن إبراهيم حدثنا عبد الرزاق عن معمر عن أيوب عن محمد بن سيرين أن أبا هريرة قال لابنته: لا تلبسي الذهب فانى أخشى عليك حر اللهب. وقد روى هذا عن أبى هريرة من طرق. وقال الإمام أحمد: حدثنا حجاج ثنا شعبة عن سماك بن حرب عن أبى الربيع عن أبى هريرة أنه قال: إن هذه الكناسة مهلكة دنياكم وآخرتكم - يعنى الشهوات وما يأكلونه - وروى الطبراني عن ابن سيرين عن أبى هريرة أن عمر بن الخطاب دعاه ليستعمله فأبى أن يعمل له، فقال: أتكره العمل وقد عمل من هو خير منك؟ - أو قال: قد طلبه من هو خير منك -؟ قال: من؟ قال: يوسف ﵇ فقال أبو هريرة: يوسف نبي ابن نبي، وأنا أبو هريرة بن أميمة، فأخشى ثلاثا أو اثنتين. فقال عمر: أفلا قلت خمسا؟ قال: أخشى أن أقول بغير علم، وأقضى بغير حلم، وأن يضرب ظهري، وينتزع مالي، ويشتم عرضي.
وقال سعيد بن أبى هند عن أبى هريرة أن رسول الله ﷺ قال له: «ألا تسألنى من هذه الغنائم التي سألني أصحابك؟ فقلت: أسألك أن تعلمني مما علمك الله، قال: فنزع نمرة على ظهري فبسطها بيني وبينه حتى كأنى إلى القمل يدب عليها، فحدثني حتى إذا استوعب حديثه قال:
اجمعها إليك فصرها، فأصبحت لا أسقط حرفا مما حدثني». وقال أبو عثمان النهدي: قلت لأبى هريرة: كيف تصوم؟ قال: أصوم أول الشهر ثلاثا فان حدث بى حدث كان لي أجر شهري.
وقال حماد بن سلمة عن ثابت عن أبى عثمان النهدي أن أبا هريرة كان في سفر ومعه قوم فلما نزلوا وضعوا السفرة وبعثوا إليه ليأكل معهم فقال: إني صائم، فلما كادوا أن يفرغوا من أكلهم جاء فجعل