← История

История · id 23708

البداية والنهاية - ط السعادة

ابن كثير

Полный текст (4 918 стр.). Показаны 2591–2630 · переход к 2596.

стр. 2591

حدثنا خالد الطحان ثنا يحيى بن عبد الله عن أبيه عن أبى هريرة. قال: بلغ عمر حديثي فأرسل إلى فقال: كنت معنا يوم كنا مع رسول الله ﷺ في بيت فلان؟ قال قلت: نعم! وقد علمت لم تسألنى عن ذلك؟ قال: ولم سألتك؟ قلت: إن رسول الله ﷺ قال يومئذ «من كذب على متعمدا فليتبوَّأ مقعده من النار» قال: أما إذا فاذهب فحدث. وقال الامام أحمد: حدثنا عفان ثنا عبد الواحد - يعنى ابن زياد - ثنا عاصم بن كليب حدثني أبى. قال: سمعت أبا هريرة يقول - وكان يبتدئ حديثه بان يقول: قال رسول الله ﷺ الصادق المصدوق: «من كذب عليّ عامدا فليتبوَّأ مقعده من النار». وروى مثله من وجه آخر عنه. وقال ابن وهب: حدثني يحيى بن أيوب عن محمد بن عجلان. أن أبا هريرة كان يقول: إني لا حدث أحاديث لو تكلمت بها في زمان عمر أو عند عمر لشج رأسي. وقال صالح بن أبى الأخضر عن الزهري عن أبى سلمة: سمعت أبا هريرة يقول: ما كنا نستطيع أن نقول: قال رسول الله ﷺ حتى قبض عمر، وقال محمد بن يحيى الذهلي ثنا عبد الرزاق عن معمر عن الزهري. قال قال عمر: أقلوا الرواية عن رسول الله ﷺ إلا فيما يعمل به. قال ثم يقول أبو هريرة: أفكنت محدثكم بهذه الأحاديث وعمر حي؟ أما والله إذا لأيقنت أن المحففة ستباشر ظهري، [فان عمر كان يقول، اشتغلوا بالقرآن فان القرآن كلام الله، ولهذا لما بعث أبا موسى إلى العراق قال له: إنك تأنى قوما لهم في مساجدهم دوى بالقرآن كدوي النحل، فدعهم على ما هم عليه، ولا تشغلهم بالأحاديث، وأنا شريكك في ذلك. هذا معروف عن عمر ﵁] (١) وقال الامام أحمد: حدثنا هشيم عن يعلى بن عطاء عن الوليد بن عبد الرحمن عن ابن عمر. أنه مر بأبي هريرة وهو يحدث عن النبي ﷺ أنه قال: من تبع جنازة فصلّى عليها فله قيراط، فان شهد دفنها فله قيراطان، القيراط أعظم من أحد». فقال له ابن عمر: أبا هرّ انظر ما تحدث عن رسول الله ﷺ فقام إليه أبو هريرة حتى انطلق به إلى عائشة فقال لها: يا أم المؤمنين أنشدك بالله أسمعت رسول الله ﷺ يقول: «من تبع جنازة فصلّى عليها فله قيراط فان شهد دفنها فله قيراطان»؟ فقالت: اللهمّ نعم. فقال أبو هريرة: إنه لم يكن يشغلني عن رسول الله ﷺ غرس بالوادي وصفق بالأسواق، إني إنما كنت أطلب من رسول الله ﷺ كلمة يعلمنيها، أو أكلة يطعمنيها، فقال له ابن عمر: أنت يا أبا هر كنت ألزمنا رسول الله ﷺ وأعلمنا بحديثه. وقال الواقدي: حدثني عبد الله بن نافع عن أبيه. قال: كنت مع ابن عمر في جنازة أبى هريرة وهو يمشى أمامها ويكثر الترحم عليه، ويقول: كان ممن يحفظ حديث رسول الله ﷺ على المسلمين. وقد روى أن عائشة تأولت أحاديث كثيرة من أبى هريرة ووهمته في بعضها، وفي الصحيح أنها عابت عليه سرد الحديث، أي الإكثار منه في

стр. 2592

الساعة الواحدة. وقال أبو القاسم البغوي: حدثنا بشر بن الوليد الكندي ثنا إسحاق بن سعد عن سعيد أن عائشة قالت لأبى هريرة: أكثرت الحديث عن رسول الله ﷺ يا أبا هريرة، قال: إني والله ما كانت تشغلني عنه المكحلة والخضاب، ولكن أرى ذلك شغلك عما استكثرت من حديثي. قالت: لعله. وقال أبو يعلى: حدثنا إبراهيم الشامي ثنا حماد بن سلمة عن ثابت عن أبى رافع أن رجلا من قريش أتى أبا هريرة في حلة وهو يتبختر فيها، فقال: يا أبا هريرة إنك تكثر الحديث عن رسول الله ﷺ ، فهل سمعته يقول في حلتى هذه شيئا؟ قال: والله إنكم لتؤذوننا، ولولا ما أخذ الله على أهل الكتاب ليبيّننّه للناس ولا يكتمونه ما حدثتكم بشيء، سمعت أبا القاسم ﷺ يقول: «إن رجلا ممن كان قبلكم بينما هو يتبختر في حلة إذ خسف الله به الأرض فهو يتجلجل فيها حتى تقوم الساعة». فو الله ما أدرى لعله كان من قومك أو من رهطك - شك أبو يعلى - وقال محمد بن سعد: حدثنا محمد بن عمر حدثني كثير بن زيد عن الوليد بن رباح. قال: سمعت أبا هريرة يقول لمروان: والله ما أنت بوال، وإن الوالي لغيرك فدعه - يعنى حين أرادوا يدفنون الحسن مع رسول الله ﷺ ولكنك تدخل فيما لا يعنيك، إنما تريد بهذا إرضاء من هو غائب عنك - يعنى معاوية - قال: فأقبل عليه مروان مغضبا فقال: يا أبا هريرة إن الناس قد قالوا إنك أكثرت على رسول الله ﷺ الحديث، وإنما قدمت قبل وفاة النبي ﷺ بيسير، فقال أبو هريرة: نعم! قدمت ورسول الله ﷺ بخيبر سنة سبع، وأنا يومئذ قد زدت على الثلاثين سنة سنوات، وأقمت معه حتى توفى، أدور معه في بيوت نسائه وأخدمه، وأنا والله يومئذ مقل، وأصلى خلفه وأحج وأغزو معه، فكنت والله أعلم الناس بحديثه، قد والله سبقني قوم بصحبته والهجرة إليه من قريش والأنصار، وكانوا يعرفون لزومى له فيسألونى عن حديثه، منهم عمر وعثمان وعلى وطلحة والزبير، فلا والله ما يخفى على كل حديث كان بالمدينة، وكل من أحب الله ورسوله، وكل من كانت له عند رسول الله ﷺ منزلة، وكل صاحب له، وكان أبو بكر صاحبه في الغار وغيره، وقد أخرجه رسول الله ﷺ أن يساكنه - يعرض بأبي مروان الحكم بن العاص -. ثم قال أبو هريرة: ليسألنى أبو عبد الملك عن هذا وأشباهه فإنه يجد عندي منه علما جما ومقالا، قال: فو الله ما زال مروان يقصر عن أبى هريرة ويتقيه بعد ذلك ويخافه ويخاف جوابه [وفي رواية أن أبا هريرة قال لمروان: إني أسلمت وهاجرت اختيارا وطوعا، وأحببت رسول الله ﷺ حبا شديدا، وأنتم أهل الدار وموضع الدعوة، أخرجتم الداعي من أرضه، وآذيتموه وأصحابه، وتأخر إسلامكم عن إسلامي إلى الوقت المكروه إليكم. فندم مروان على كلامه له واتقاه] (١) وقال ابن أبى خيثمة: حدثنا هارون بن معروف ثنا محمد بن سلمة ثنا محمد بن إسحاق عن

стр. 2593

عمر أو عثمان بن عروة عن أبيه - يعنى عروة بن الزبير بن العوام - قال: قال لي أبى الزبير: أدنني من هذا اليماني - يعنى أبا هريرة - فإنه يكثر الحديث عن رسول الله ﷺ ، قال: فأدنيته منه، فجعل أبو هريرة يحدث، وجعل الزبير يقول: صدق، كذلك صدق، كذب. قال: قلت يا أبة ما قولك صدق كذب؟ قال: يا بنى أما أن يكون سمع هذه الأحاديث من رسول الله ﷺ فلا أشك، ولكن منها ما يضعه على مواضعه، ومنها ما وضعه على غير مواضعه. وقال على بن المديني عن وهب بن جرير عن أبيه عن محمد بن إسحاق عن محمد بن إبراهيم عن أبى اليسر بن أبى عامر. قال: كنت عند طلحة بن عبيد الله إذ دخل رجل فقال: يا أبا محمد والله ما ندري هذا اليماني أعلم برسول الله ﷺ منكم، أم يقول على رسول الله ﷺ ما لم يسمع، أو ما لم يقل؟ فقال طلحة: والله ما نشك أنه قد سمع من رسول الله ﷺ ما لم نسمع، وعلم ما لم نعلم، إنا كنا قوما أغنياء، لنا بيوتات وأهلون، وكنا نأتي رسول الله ﷺ طرفي النهار ثم نرجع، وكان هو مسكينا لا مال له ولا أهل، وإنما كانت يده مع رسول الله ﷺ ، وكان يدور معه حيث ما دار، فما نشك أنه قد علم ما لم نعلم وسمع ما لم نسمع. وقد رواه الترمذي بنحوه. وقال شعبة عن أشعث بن سليم عن أبيه قال: سمعت أبا أيوب يحدث عن أبى هريرة فقيل له: أنت صاحب رسول الله ﷺ وتحدث عن أبى هريرة؟ فقال: إن أبا هريرة قد سمع ما لم نسمع، وإني إن أحدث عنه أحب إلى من أن أحدث عن رسول الله ﷺ يعنى ما لم أسمعه منه - وقال مسلم بن الحجاج: حدثنا عبد الله بن عبد الرحمن الدارميّ ثنا مروان الدمشقيّ عن الليث بن سعد حدثني بكير بن الأشج. قال قال لنا بشر بن سعيد: اتقوا الله وتحفظوا من الحديث، فو الله لقد رأيتنا تجالس أبا هريرة فيحدث عن رسول الله ﷺ ويحدثنا عن كعب الأحبار ثم يقوم فأسمع بعض ما كان معنا يجعل حديث رسول الله ﷺ عن كعب، وحديث كعب عن رسول الله ﷺ ، وفي رواية يجعل ما قاله كعب عن رسول الله، وما قاله رسول الله عن كعب، فاتقوا الله وتحفظوا في الحديث. وقال يزيد بن هارون: سمعت شعبة يقول: أبو هريرة كان يدلس - أي يروى ما سمعه من كعب وما سمعه من رسول الله ﷺ ولا يميز هذا من هذا - ذكره ابن عساكر. وكان شعبة يشير بهذا إلى حديثه «من أصبح جنبا فلا صيام له» فإنه لما حوقق عليه قال: أخبرنيه مخبر ولم أسمعه من رسول الله ﷺ . وقال شريك عن مغيرة عن إبراهيم. قال: كان أصحابنا يدعون من حديث أبى هريرة، وروى الأعمش عن إبراهيم. قال: ما كانوا يأخذون بكل حديث أبى هريرة، وقال الثوري عن منصور عن إبراهيم قال: كانوا يرون في أحاديث أبى هريرة شيئا، وما كانوا يأخذون بكل حديث أبى هريرة، إلا ما كان من حديث صفة جنة أو نار، أو حث على عمل صالح، أو نهى عن شرجاء القرآن به. وقد انتصر ابن عساكر لأبى هريرة وردّ هذا الّذي قاله إبراهيم

стр. 2594

النخعي. وقد قال ما قاله إبراهيم طائفة من الكوفيين، والجمهور على خلافهم. وقد كان أبو هريرة من الصدق والحفظ والديانة والعبادة والزهادة والعمل الصالح على جانب عظيم. قال حماد بن زيد عن عباس الجريريّ عن أبى عثمان النهدي. قال: كان أبو هريرة يقوم ثلث الليل، وامرأته ثلثه، وابنته ثلثه، يقوم هذا ثم يوقظ هذا، ثم يوقظ هذا هذا. وفي الصحيحين عنه أنه قال: «أوصاني خليلي ﷺ بصيام ثلاثة أيام من كل شهر وركعتي الضحى، وأن أوتر قبل أن أنام»: وقال ابن جريج عمن حدثه. قال قال أبو هريرة: إني أجزئ الليل ثلاثة أجزاء فجزءا لقراءة القرآن، وجزءا أنام فيه، وجزءا أتذكر فيه حديث رسول الله ﷺ . وقال محمد بن سعد: ثنا مسلم بن إبراهيم ثنا إسحاق بن عثمان القرشي ثنا أبو أيوب. قال كان لأبى هريرة مسجد في مخدعه، ومسجد في بيته، ومسجد في حجرته، ومسجد على باب داره، إذا خرج صلى فيها جميعها، وإذا دخل صلى فيها جميعا. وقال عكرمة: كان أبو هريرة يسبح كل ليلة ثنتى عشرة ألف تسبيحة، يقول: أسبح على قدر ديتي. وقال هشيم عن يعلى بن عطاء عن ميمون بن أبى ميسرة. قال: كانت لأبى هريرة صيحتان في كل يوم، أول النهار صيحة يقول: ذهب الليل وجاء النهار وعرض آل فرعون على النار، وإذا كان العشي يقول: ذهب النهار وجاء الليل وعرض آل فرعون على النار، فلا يسمع أحد صوته إلا استعاذ بالله من النار. وقال عبد الله بن المبارك: حدثنا موسى بن عبيدة عن زياد بن ثوبان عن أبى هريرة. قال: لا تغبطن فاجرا بنعمة فان من ورائه طالبا حثيثا طلبه، جهنم كلما خبت زدناهم سعيرا. وقال ابن لهيعة عن أبى يونس عن أبى هريرة أنه صلى بالناس يوما فلما سلم رفع صوته فقال: الحمد لله الّذي جعل الدين قواما، وجعل أبا هريرة إماما، بعد ما كان أجيرا لابنة غزوان على شبع بطنه وحمولة رجله [وقال إبراهيم بن إسحاق الحربي: ثنا عفان ثنا سليم بن حيان قال: سمعت أبى يحدث عن أبى هريرة قال: نشأت يتيما، وهاجرت مسكينا، وكنت أجيرا لابنة غزوان بطعام بطني وعقبة رجلي، أحدو بهم إذا ركبوا وأحتطب إذا نزلوا، فالحمد لله الّذي جعل الدين قواما وجعل أبا هريرة إماما،] (١) ثم يقول: والله يا أهل الإسلام إن كانت إجارتي معهم إلا على كسرة يابسة، وعقبة في ليلة غبراء مظلمة، ثم زوجنيها الله فكنت أركب إذا ركبوا، وأخدم إلا خدموا، وأنزل إذا نزلوا. وقال إبراهيم بن يعقوب الجورجانى: حدثنا الحجاج بن نصر ثنا هلال ابن عبد الرحمن الحنفي عن عطاء بن أبى ميمونة عن أبى سلمة. قال قال أبو هريرة وأبو ذر: باب من العلم نتعلمه أحب إلينا من ألف ركعة تطوعا، وباب نعلمه عملنا به أو لم نعمل به، أحب إلينا من مائة ركعة تطوعا، وقالا: سمعنا رسول الله ﷺ يقول «إذا جاء طالب العلم الموت وهو على هذه الحال

стр. 2595

مات وهو شهيد» وهذا حديث غريب من هذا الوجه، وروى غير واحد عن أبى هريرة أنه كان يتعوذ في سجوده أن يزني أو يسرق، أو يكفر أو يعمل كبيرة. فقيل له: أتخاف ذلك؟ فقال: ما يؤمنني وإبليس حي، ومصرّف القلوب يصرفها كيف يشاء؟. وقالت له ابنته: يا أبة إن البنات يعيرننى يقلن: لم لا يحليك أبوك بالذهب؟ فقال: يا بنية قولي لهن. إن أبى يخشى على حر اللهب وقال أبو هريرة أتيت عمر بن الخطاب فقمت له وهو يسبح بعد الصلاة فانتظرته فلما انصرف دنوت منه فقلت: اقرئنى آيات من كتاب الله، قال: وما أريد إلا الطعام، قال فأقرأنى آيات من سورة آل عمران، فلما بلغ أهله دخل وتركني على الباب، فقلت: ينزع ثيابه ثم يأمر لي بطعام، فلم أر شيئا، فلما طال عليّ قمت فمشيت فاستقبلني رسول الله ﷺ فكلمني فقال: «يا أبا هريرة إن خلوف فمك الليلة لشديد؟ فقلت: أجل يا رسول الله، لقد ظللت صائما وما أفطرت بعد، وما أجد ما أفطر عليه، قال: فانطلق، فانطلقت معه حتى أتى بيته فدعا جارية له سوداء فقال: ايتنا بتلك القصعة، فأتينا بقصعة فيها وضر من طعام أراه شعيرا قد أكل وبقي في جوانبها بعضه وهو يسير، فسميت وجعلت أتتبعه فأكلت حتى شبعت». وقال الطبراني: ثنا إسحاق بن إبراهيم حدثنا عبد الرزاق عن معمر عن أيوب عن محمد بن سيرين أن أبا هريرة قال لابنته: لا تلبسي الذهب فانى أخشى عليك حر اللهب. وقد روى هذا عن أبى هريرة من طرق. وقال الإمام أحمد: حدثنا حجاج ثنا شعبة عن سماك بن حرب عن أبى الربيع عن أبى هريرة أنه قال: إن هذه الكناسة مهلكة دنياكم وآخرتكم - يعنى الشهوات وما يأكلونه - وروى الطبراني عن ابن سيرين عن أبى هريرة أن عمر بن الخطاب دعاه ليستعمله فأبى أن يعمل له، فقال: أتكره العمل وقد عمل من هو خير منك؟ - أو قال: قد طلبه من هو خير منك -؟ قال: من؟ قال: يوسف ﵇ فقال أبو هريرة: يوسف نبي ابن نبي، وأنا أبو هريرة بن أميمة، فأخشى ثلاثا أو اثنتين. فقال عمر: أفلا قلت خمسا؟ قال: أخشى أن أقول بغير علم، وأقضى بغير حلم، وأن يضرب ظهري، وينتزع مالي، ويشتم عرضي. وقال سعيد بن أبى هند عن أبى هريرة أن رسول الله ﷺ قال له: «ألا تسألنى من هذه الغنائم التي سألني أصحابك؟ فقلت: أسألك أن تعلمني مما علمك الله، قال: فنزع نمرة على ظهري فبسطها بيني وبينه حتى كأنى إلى القمل يدب عليها، فحدثني حتى إذا استوعب حديثه قال: اجمعها إليك فصرها، فأصبحت لا أسقط حرفا مما حدثني». وقال أبو عثمان النهدي: قلت لأبى هريرة: كيف تصوم؟ قال: أصوم أول الشهر ثلاثا فان حدث بى حدث كان لي أجر شهري. وقال حماد بن سلمة عن ثابت عن أبى عثمان النهدي أن أبا هريرة كان في سفر ومعه قوم فلما نزلوا وضعوا السفرة وبعثوا إليه ليأكل معهم فقال: إني صائم، فلما كادوا أن يفرغوا من أكلهم جاء فجعل

стр. 2596

يأكل، فجعل القوم ينظرون إلى رسولهم الّذي أرسلوه إليه، فقال لهم: أراكم تنظرون إليّ، قد والله أخبرنى أنه صائم، فقال أبو هريرة: صدق، إني سمعت رسول الله ﷺ يقول: «صوم شهر صوم الصبر، وصوم ثلاثة أيام من كل شهر صوم الدهر». وقد صمت ثلاثة أيام من أول الشهر فأنا مفطر في تخفيف الله، صائم في تضعيف الله . وروى الامام أحمد: حدثنا عبد الملك بن عمرو ثنا إسماعيل عن أبى المتوكل عن أبى هريرة أنه كان هو وأصحاب له إذا صاموا يجلسون في المسجد وقالوا نطهر صيامنا. وقال الامام أحمد: حدثنا أبو عبيدة الحداد حدثنا عثمان الشحام أبو سلمة ثنا فرقد السبخى قال: كان أبو هريرة يطوف بالبيت وهو يقول: ويل لي من بطني، إن أشبعته كظّني، وإن أجعته أضعفنى. وروى الامام أحمد عن عكرمة قال: قال أبو هريرة: إني لأستغفر الله وأتوب إليه كل يوم اثنتي عشرة ألف مرة، وذلك على قدر ديتي. وروى عبد الله بن أحمد عن أبى هريرة انه كان له خيط فيه اثنا عشر ألف عقدة يسبح به قبل أن ينام. وفي رواية ألفا عقدة فلا ينام حتى يسبح به، وهو أصح من الّذي قبله. ولما حضره الموت بكى فقيل له: ما يبكيك؟ فقال: ما أبكى على دنياكم هذه، ولكن أبكى على بعد سفري وقلة زادي، وإني أصبحت في صعود ومهبط على جنة ونار، لا أدرى إلى أيهما يؤخذ بى. وروى قتيبة بن سعيد ثنا الفرج بن فضالة عن أبى سعيد عن أبى هريرة قال: «إذا زوقتم مساجدكم وحليتم مصاحفكم فالدمار عليكم» وروى الطبراني عن معمر قال: بلغني عن أبى هريرة أنه كان إذا مر به جنازة قال روحوا فانا غادون، أو اغدوا فانا رائحون، موعظة بليغة، وعقلة سريعة، يذهب الأول ويبقى الآخر لا عقل له. وقال الحافظ أبو بكر بن مالك: حدثنا عبد الله بن أحمد بن حنبل حدثني أبو بكر ليث بن خالد البجلي ثنا عبد المؤمن بن عبد الله السدوسي. قال: سمعت أبا يزيد المديني يقول: قام أبو هريرة على منبر رسول الله ﷺ دون مقام رسول الله ﷺ بعتبة، فقال: ويل للعرب من شر قد اقترب، ويل لهم من إمارة الصبيان، يحكمون فيهم بالهوى ويقتلون بالغضب. وقال الإمام أحمد: حدثنا على بن ثابت عن أسامة ابن زيد عن أبى زياد - مولى ابن عباس - عن أبى هريرة قال: كانت لي خمس عشرة ثمرة فأفطرت على خمس وتسحرت بخمس وأبقيت خمسا لفطرى. وقال أحمد: حدثنا عبد الملك بن عمرو ثنا إسماعيل - يعنى العبديّ - عن أبى المتوكل أن أبا هريرة كانت لهم زنجية قد غمتهم بعملها، فرفع عليها يوما السوط ثم قال: لولا القصاص يوم القيامة لأغشينك به، ولكن سأبيعك ممن يوفيني ثمنك، أحوج ما أكون إليه، اذهبي فأنت حرة لله . وروى حماد بن سلمة عن أيوب عن يحيى بن أبى كثير عن أبى سلمة أن أبا هريرة مرض فدخلت عليه أعوده فقلت: اللهمّ اشف أبا هريرة، فقال: اللهمّ لا ترجعها، ثم قال: يا أبا سلمة يوشك أن يأتى على الناس زمان يكون الموت أحب

стр. 2597

إلى أحدهم من الذهب الأحمر. وروى عطاء عن أبى هريرة قال: إذا رأيتم ستا فان كانت نفس أحدكم في يده فليرسلها، فلذلك أتمنى الموت أخاف أن تدركني، إذا أمرت السفهاء، وبيع الحكم، وتهون بالدم، وقطعت الأرحام، وكثرت الجلاوزة، ونشأ نشو يتخذون القرآن مزامير. وقال ابن وهب: حدثنا عمرو بن الحارث عن يزيد بن زياد القرظي أن ثعلبة بن أبى مالك القرظي حدثه أن أبا هريرة أقبل في السوق يحمل حزمتى حطب - وهو يومئذ أمير لمروان بن الحكم - فقال: أوسع الطريق للأمير يا ابن أبى مالك، [فقلت يرحمك الله يكفى هذا! فقال: أوسع الطريق للأمير والحزمة عليه] (١) وله فضائل ومناقب كثيرة وكلام حسن ومواعظ جمة، أسلم كما قدمنا عام خيبر، فلزم رسول الله ﷺ ولم يفارقه إلا حين بعثه مع العلاء بن الحضرميّ إلى البحرين، ووصاه به، فجعله العلاء مؤذنا بين يديه، وقال له أبو هريرة: لا تسبقني بآمين أيها الأمير. وقد استعمله عمر بن الخطاب عليها في أيام إمارته، وقاسمه مع جملة العمال. قال عبد الرزاق: حدثنا معمر عن أيوب عن ابن سيرين. أن عمر استعمل أبا هريرة على البحرين فقدم بعشرة آلاف، فقال له عمر: استأثرت بهذه الأموال أي عدو الله وعدو كتابه؟ فقال أبو هريرة: لست بعدو الله ولا عدو كتابه، ولكن عدو من عاداهما. فقال: فمن أين هي لك؟ قال: خيل نتجت، وغلة ورقيق لي، وأعطية تتابعت على. فنظروا فوجدوه كما قال. فلما كان بعد ذلك دعاه عمر ليستعمله فأبى أن يعمل له، فقال له: تكره العمل وقد طلبه من كان خيرا منك؟ طلبه يوسف ﵇، فقال: إن يوسف نبي ابن نبي ابن نبي ابن نبي، وأنا أبو هريرة بن أمية وأخشى ثلاثا واثنين، قال عمر: فهلا قلت خمسة؟ قال: أخشى أن أقول بغير علم، وأقضى بغير حلم، أو يضرب ظهري، وينزع مالي، ويشتم عرضي. وذكر غيره أن عمر غرمه في العمالة الأولى اثنى عشر ألفا فلهذا امتنع في الثانية. وقال عبد الرزاق عن معمر عن محمد بن زياد. قال: كان معاوية يبعث أبا هريرة على المدينة فإذا غضب عليه عزله وولى مروان بن الحكم، فإذا جاء أبو هريرة إلى مروان حجبه عنه، فعزل مروان ورجع أبو هريرة، فقال لمولاه: من جاءك فلا ترده واحجب مروان، فلما جاء مروان دفع الغلام في صدره فما دخل إلا بعد جهد جهيد، فلما دخل قال: إن الغلام حجبنا عنك، فقال له أبو هريرة: إنك أحق الناس أن لا تغضب من ذلك. والمعروف أن مروان هو الّذي كان يستنيب أبا هريرة في إمرة المدينة، ولكن كان يكون عن إذن معاوية في ذلك والله أعلم. وقال حماد بن سلمة عن ثابت عن أبى رافع: كان مروان ربما استخلف أبا هريرة على المدينة فيركب الحمار ويلقى الرجل فيقول: الطريق قد جاء الأمير - يعنى نفسه - وكان يمر بالصبيان وهم يلعبون بالليل لعبة الأعراب، وهو أمير، فلا يشعرون إلا وقد ألقى نفسه بينهم ويضرب برجليه

стр. 2598

كأنه مجنون، يريد بذلك أن يضحكهم، فيفزع الصبيان منه ويفرون عنه هاهنا وهاهنا يتضاحكون. قال أبو رافع: وربما دعاني أبو هريرة إلى عشائه بالليل فيقول: دع العراق للأمير - يعنى قطع اللحم - قال: فأنظر فإذا هو ثريد بالزيت. وقال ابن وهب: حدثني عمرو بن الحارث عن يزيد بن زياد القرظي أن ثعلبة بن أبى مالك حدثه أن أبا هريرة أقبل في السوق يحمل حزمة حطب وهو يومئذ خليفة مروان فقال: أوسع الطريق للأمير يا ابن أبى مالك. فقلت: أصلحك الله تلقى هذا، فقال: أوسع الطريق للأمير والحزمة عليه. وقد تقدم هذا. وروى نحوه من غير وجه. وقال أبو الزعيزعة كاتب مروان: بعث مروان إلى أبى هريرة بمائة دينار، فلما كان الغد بعث إليه: إني غلطت ولم أردك بها، وإني إنما أردت غيرك. فقال أبو هريرة: قد أخرجتها فإذا خرج عطائي فخذها منه - وكان قد تصدق بها - وإنما أراد مروان اختباره. وقال الامام أحمد: حدثنا عبد الأعلى بن عبد الجبار ثنا حماد بن سلمة عن يحيى بن سعيد بن المسيب قال: كان معاوية إذا أعطى أبا هريرة سكت، وإذا أمسك عنه تكلم. وروى غير واحد عن أبى هريرة أنه جاءه شاب فقال: يا أبا هريرة إني أصبحت صائما فدخلت على أبى فجاءني بخبز ولحم فأكلت ناسيا، فقال: طعمة أطعمكها الله لا عليك، قال: ثم دخلت دارا لأهلى فجيء بلبن لقحة فشربته ناسيا، قال: لا عليك، قال: ثم نمت فاستيقظت فشربت ماء، وفي رواية وجامعت ناسيا، فقال أبو هريرة: إنك يا ابن أخى لم تعتد الصيام. [وقال غير واحد: كان أبو هريرة إذا رأى الجنازة قال: روحوا فانا غادون، أو اغدوا فانا رائحون. وروى غير واحد أنه لما حضرته الوفاة بكى فقيل له: ما يبكيك؟ قال: على قلة الزاد وشدة المفازة، وأنا على عقبة هبوط إما إلى جنة أو إلى نار فما أدرى إلى أيهما أصير] (١) وقال مالك عن سعيد بن أبى سعيد المقبري. قال: دخل مروان على أبى هريرة في مرضه الّذي مات فيه فقال: شفاك الله يا أبا هريرة، فقال أبو هريرة: اللهمّ إني أحب لقاءك فأحب لقائي. قال: فما بلغ مروان أصحاب القطن حتى مات أبو هريرة وقال يعقوب ابن سفيان عن دحيم عن الوليد بن جابر عن عمير بن هانئ. قال قال أبو هريرة: اللهمّ لا تدركني سنة ستين، قال: فتوفى فيها أو قبلها بسنة، وهكذا قال الواقدي: إنه توفى سنة تسع وخمسين، عن ثمان وسبعين سنة، قال الواقدي: وهو الّذي صلى على عائشة في رمضان، وعلى أم سلمة في شوال سنة تسع وخمسين، ثم توفى أبو هريرة بعدهما فيها، كذا قال، والصواب أن أم سلمة تأخرت بعد أبى هريرة. وقد قال غير واحد: إنه توفى سنة تسع وخمسين وقيل ثمان، وقيل سبع وخمسين، والمشهور تسع وخمسين. قالوا: وصلى عليه الوليد بن عتبة بن أبى سفيان نائب المدينة، وفي القوم ابن عمر وأبو سعيد وخلق من الصحابة وغيرهم، وكان ذلك عند صلاة العصر، وكانت وفاته في داره بالعقيق،

стр. 2599

فحمل إلى المدينة فصلى عليه، ثم دفن بالبقيع ﵀ ورضى عنه. وكتب الوليد بن عتبة إلى معاوية بوفاة أبى هريرة، فكتب إليه معاوية: أن انظر ورثته فأحسن إليهم، وأصرف إليهم عشرة آلاف درهم، وأحسن جوارهم، واعمل إليهم معروفا، فإنه كان ممن نصر عثمان، وكان معه في الدار رحمهما الله تعالى: سنة ستين من الهجرة النبويّة فيها كانت غزوة مالك بن عبد الله مدينة سورية، قال الواقدي: وفيها دخل جنادة بن أبى أمية جزيرة رودس، وفيها أخذ معاوية البيعة ليزيد من الوفد الذين قدموا صحبة عبيد الله بن زياد إلى دمشق، وفيها مرض معاوية مرضه الّذي توفى فيه في رجب منها كما سنبينه. فروى ابن جرير من طريق أبى مخنف: حدثني عبد الملك بن نوفل بن مساحق بن عبد الله بن مخرمة أن معاوية لما مرض مرضته التي هلك فيها، دعا ابنه يزيد فقال: يا بنى إني قد كفيتك الرحلة والرجال. ووطأت لك الأشياء، وذللت لك الأعزاء، وأخضعت لك أعناق العرب، وإني لا أتخوف أن ينازعك هذا الأمر الّذي أسسته إلا أربعة نفر، الحسين بن على، وعبد الله بن عمر، وعبد الله بن الزبير، وعبد الرحمن بن أبى بكر. كذا قال، والصحيح أن عبد الرحمن كان قد توفى قبل موت معاوية بسنتين كما قدمنا، فاما ابن عمر فهو رجل ثقة قد وقدته العبادة، وإذا لم يبق أحد غيره بايعك، وأما الحسين فان أهل العراق خلفه لا يدعونه حتى يخرجونه عليك، فان خرج فظفرت به فاصفح عنه، فان له رحما ماسة، وحقا عظيما. وأما ابن أبى بكر فهو رجل إن رأى أصحابه صنعوا شيئا صنع مثله، ليست له همة إلا في النساء واللهو. وأما الّذي يجثم لك جثوم الأسد، ويراوغك روغان الثعلب، وإذا أمكنته فرصة وثب، فذاك ابن الزبير، فان هو فعلها بك فقدرت عليه فقطعه إربا إربا. قال غير واحد: فحين حضرت معاوية الوفاة كان يزيد في الصيد، فاستدعى معاوية الضحاك بن قيس الفهري - وكان على شرطة دمشق - ومسلم بن عقبة فأوصى إليهما أن يبلغا يزيد السلام ويقولان له يتوصى بأهل الحجاز، وإن سأله أهل العراق في كل يوم أن يعزل عنهم عاملا ويولى عليهم عاملا فليفعل، فعزل واحد أحب إليك من أن يسل عليك مائة ألف سيف، وإن يتوصى بأهل الشام، وأن يجعلهم أنصاره، وأن يعرف لهم حقهم، ولست أخاف عليه من قريش سوى ثلاثة، الحسين، وابن عمر، وابن الزبير. ولم يذكر عبد الرحمن بن أبى بكر، وهذا أصح، فأما ابن عمر فقد وقدته العبادة، وأما الحسين فرجل ضعيف وأرجو أن يكفيكه الله تعالى بمن قتل أباه وخذل أخاه، وإن له رحما ماسة وحقا عظيما، وقرابة من محمد ﷺ ، ولا أظن أهل العراق تاركيه حتى يخرجوه، فان قدرت عليه فأصفح عنه فانى لو صاحبته عفوت عنه. وأما ابن الزبير فإنه خب ضب فان شخص لك فانبذ إليه إلا أن يلتمس منك صلحا، فان فعل فاقبل منه، واصفح عن دماء قومك ما استطعت.

стр. 2600

وكان موت معاوية لاستهلال رجب من هذه السنة. قاله هشام بن الكلبي. وقيل للنصف منه، قاله الواقدي. وقيل يوم الخميس لثمان بقين منه، قاله المدائني. قال ابن جرير: وأجمعوا على أنه هلك في رجب منها، وكان مدة ملكه استقلالا من جمادى سنة إحدى وأربعين حين بايعه الحسن بن على بأدرج، فذلك تسع عشرة سنة وثلاثة أشهر، وكان نائبا في الشام عشرين سنة تقريبا، وقيل غير ذلك، وكان عمره ثلاثا وسبعين سنة، وقيل خمسا وسبعين سنة، وقيل ثمانيا وسبعين سنة، وقيل خمساً وثمانين سنة، وسيأتي بقية الكلام في آخر ترجمته. وقال أبو السكن زكريا بن يحيى: حدثني عم أبى زحر بن حصين عن جده حميد بن منهب. قال: كانت هند بنت عتبة عند الفاكه بن المغيرة المخزومي، وكان الفاكه من فتيان قريش، وكان له بيت للضيافة يغشاه الناس من غير إذن، فخلا ذلك البيت يوما فاضطجع الفاكه وهند فيه في وقت القائلة، ثم خرج الفاكه لبعض شأنه، وأقبل رجل ممن كان يغشاه فولج البيت فلما رأى المرأة فيه ولى هاربا، ورآه الفاكه وهو خارج من البيت، فأقبل إلى هند وهي مضطجعة فضربها برجله وقال: من هذا الّذي كان عندك؟ قالت: ما رأيت أحدا ولا انتبهت حتى أنبهتنى أنت، فقال لها: الحقي بأبيك، وتكلم فيها الناس، فقال لها أبوها: يا بنية إن الناس قد أكثروا فيك القالة، فأنبئينى نبأك، فان يكن الرجل عليك صادقا دسست إليه من يقتله فينقطع عنك القالة، وإن يك كاذبا حاكمته إلى بعض كهان اليمن، فعند ذلك حلفت هند لأبيها بما كانوا يحلفون في الجاهلية إنه لكاذب عليها، فقال عتبة بن ربيعة للفاكه: يا هذا إنك قد رميت ابنتي بأمر عظيم، [وعار كبير، لا يغسله الماء، وقد جعلتنا في العرب بمكان ذلة ومنقصة، ولولا أنك منى ذو قرابة لقتلتك، ولكن سأحاكمك إلى كاهن اليمن] (١) فحاكمنى إلى بعض كهان اليمن، فخرج الفاكه في بعض جماعة من بنى مخزوم - أقاربه - وخرج عتبة في جماعة من بنى عبد مناف، وخرجوا بهند ونسوة معها من أقاربهم، ثم ساروا قاصدين بلاد اليمن، فلما شارفوا بلاد الكاهن قالوا غدا نأتي الكاهن، فلما سمعت هند ذلك تنكرت حالها وتغير وجهها، وأخذت في البكاء، فقال لها أبوها: يا بنية قد أرى ما بك من تنكر الحال، وكثرة البكاء، وما ذاك أراه عندك إلا لمكروه أحدثتيه، وعمل اقترفتيه، فهلا كان هذا قبل أن يشيع في الناس ويشتهر مسيرنا؟ فقالت: والله يا أبتاه ما هذا الّذي تراه منى لمكروه وقع منى، وإني لبريئة، ولكن هذا الّذي تراه من الحزن وتغير الحال هو أنى أعلم أنكم تأتون هذا الكاهن وهو بشر يخطئ ويصيب، وأخاف أن يخطئ في أمرى بشيء يكون عاره على إلى آخر الدهر، ولا آمنه أن يسمني ميسما تكون على سبة في العرب. فقال لها أبوها: لا تخافي فانى سوف أختبره وأمتحنه قبل أن يتكلم في شأنك وأمرك، فان

стр. 2601

أخطأ فيما أمتحنه به لم أدعه يتكلم في أمرك. ثم إنه انفرد عن القوم - وكان راكبا مهرا - حتى توارى عنهم خلف رابية فنزل عن فرسه ثم صفر له حتى أدلى، ثم أخذ حبة بر فأدخلها في إحليل المهر، وأوكى عليها بسير حتى أحكم ربطها، ثم صفر له حتى اجتمع إحليله، ثم أتى القوم فظنوا أنه ذهب ليقضى حاجة له، ثم أتى الكاهن فلما قدموا عليه أكرمهم ونحر لهم، فقال له عتبة: انا قد جئناك في أمر، ولكن لا أدعك تتكلم فيه حتى تبين لنا ما خبأت لك، فأنى قد خبأت لك خبيئا فانظر ما هو، فأخبرنا به. قال الكاهن: ثمرة في كمرة، قال: أريد أبين من هذا، قال: حبات بر في إحليل مهر، قال: صدقت فخذ لما جئناك له، انظر في أمر هؤلاء النسوة، فأجلس النساء خلفه وهند معهم لا يعرفها، ثم جعل يدنو من إحداهن فيضرب كتفها ويبريها، ويقول: انهضى، حتى دنا من هند فضرب كتفها وقال انهضى حصان رزان، غير رسخا ولا زانية، ولتلدنّ ملكا يقال له معاوية. فوثب إليها الفاكه فأخذ بيدها، فنترت يدها من يده وقالت له: إليك عنى، والله لا يجمع رأسي ورأسك وسادة، والله لأحرصن أن يكون هذا الملك من غيرك، فتزوجها أبو سفيان بن حرب فجاءت منه بمعاوية هذا. وفي رواية أن أباها هو الّذي قال للفاكه ذلك والله سبحانه أعلم. وهذه ترجمة معاوية ﵁ وذكر شيء من أيامه ودولته وما ورد في مناقبه وفضائله ﵀ وهو معاوية بن أبى سفيان صخر بن حرب بن أمية بن عبد شمس بن عبد مناف بن قصي، القرشي الأموي، أبو عبد الرحمن، خال المؤمنين، وكاتب وحي رسول رب العالمين. وأمه هند بنت عتبة بن ربيعة بن عبد شمس، أسلم معاوية عام الفتح، وروى عنه أنه قال: أسلمت يوم القضية ولكن كتمت إسلامي من أبى، ثم علم بذلك فقال لي: هذا أخوك يزيد وهو خير منك على دين قومه، فقلت له: لم آل نفسي جهدا. قال معاوية: ولقد دخل على رسول الله ﷺ مكة في عمرة القضاء وإني لمصدق به، ثم لما دخل عام الفتح أظهرت إسلامي فجئته فرحب بى، وكتبت بين يديه. قال الواقدي: وشهد معه حنينا، وأعطاه مائة من الإبل، وأربعين أوقية من ذهب، وزنها بلال، وشهد اليمامة. وزعم بعضهم أنه هو الّذي قتل مسيلمة، حكاه ابن عساكر، وقد يكون له شرك في قتله، وإنما الّذي طعنه وحشي، وجلله أبو دجانة سماك بن خرشة بالسيف، وكان أبوه من سادات قريش، وتفرد بالسؤدد بعد يوم بدر، ثم لما أسلم حسن بعد ذلك إسلامه، وكان له مواقف شريفة، وآثار محمودة في يوم اليرموك وما قبله وما بعده، وصحب معاوية رسول الله ﷺ ، وكتب الوحي بين يديه مع الكتاب، وروى عن رسول الله ﷺ أحاديث كثيرة في الصحيحين وغيرهما من السنن والمسانيد، وروى عنه جماعة من الصحابة والتابعين، قال أبو بكر بن أبى الدنيا: كان معاوية طويلا

стр. 2602

أبيض جميلا، إذا ضحك انقلبت شفته العليا، وكان يخضب. حدثني محمد بن يزيد الأزدي ثنا أبو مسهر عن سعيد بن عبد العزيز عن أبى عبد رب قال: رأيت معاوية يصفر لحيته كأنها الذهب. وقال غيره: كان أبيض طويلا أجلح أبيض الرأس واللحية يخضبهما بالحناء والكتم. وقد أصابته لوقة في آخر عمره، فكان يستر وجهه ويقول: رحم الله عبدا دعا لي بالعافية، فقد رميت في أحسنى وما يبدو منى ولولا هواي في يزيد لأبصرت رشدي، وكان حليما وقورا رئيسا سيدا في الناس، كريما عادلا شهما. وقال المدائني عن صالح بن كيسان قال: رأى بعض متفرسى العرب معاوية وهو صبي صغير، فقال: إني لأظن هذا الغلام سيسود قومه، فقالت هند: ثكلته إن كان لا يسود إلا قومه. وقال الشافعيّ قال أبو هريرة: رأيت هندا بمكة كأن وجهها فلقة قمر، وخلفها من عجيزتها مثل الرجل الجالس، ومعها صبي يلعب، فمر رجل فنظر إليه فقال: إني لأرى غلاما إن عاش ليسودن قومه، فقالت هند: إن لم يسد إلى قومه فأماته الله، وهو معاوية بن أبى سفيان. وقال محمد بن سعد: أنبأنا على بن محمد بن عبد الله بن أبى سيف قال: نظر أبو سفيان يوما إلى معاوية وهو غلام فقال لهند: إن ابني هذا لعظيم الرأس، وإنه لخليق أن يسود قومه، فقالت هند: قومه فقط، ثكلته إن لم يسد العرب قاطبة. وكانت هند تحمله وهو صغير وتقول: إن بنى معرق كريم … محبب في أهله حليم ليس بفحاش ولا لئيم … ولا ضجور ولا سئوم صخر بنى فهر به زعيم … لا يخلف الظن ولا يخيم قال: فلما ولى عمر يزيد بن أبى سفيان ما ولاه من الشام، خرج إليه معاوية فقال أبو سفيان لهند: كيف رأيت صار ابنك تابعا لابني؟ فقالت: إن اضطربت خيل العرب فستعلم أين يقع ابنك مما يكون فيه ابني، فلما مات يزيد بن أبى سفيان سنة بضع عشرة، وجاء البريد إلى عمر بموته، رد عمر البريد إلى الشام بولاية معاوية مكان أخيه يزيد، ثم عزى أبا سفيان في ابنه يزيد، فقال: يا أمير المؤمنين من وليت مكانه؟ قال أخوه معاوية، قال: وصلت رحما يا أمير المؤمنين. وقالت هند لمعاوية فيما كتبت به إليه: والله يا بنى إنه قل أن تلد حرمة مثلك، وإن هذا الرجل قد استنهضك في هذا الأمر، فاعمل بطاعته فيما أحببت وكرهت. وقال له أبوه: يا بنى إن هؤلاء الرهط من المهاجرين سبقونا وتأخرنا فرفعهم سبقهم وقدمهم عند الله وعند رسوله، وقصر بنا تأخيرنا فصاروا قادة وسادة، وصرنا أتباعا، وقد ولوك جسيما من أمورهم فلا تخالفهم، فإنك تجرى إلى أمد فنافس فان بلغته أورثته عقبك، فلم يزل معاوية نائبا على الشام في الدولة العمرية والعثمانية مدة خلافة عثمان، وافتتح في سنة سبع وعشرين جزيرة قبرص وسكنها المسلمون قريبا من ستين سنة في أيامه ومن بعده، ولم تزل الفتوحات

стр. 2603

والجهاد قائما على ساقه في أيامه في بلاد الروم والفرنج وغيرها، فلما كان من أمره وأمر أمير المؤمنين على ما كان، لم يقع في تلك الأيام فتح بالكلية، لا على يديه ولا على يدي على، وطمع في معاوية ملك الروم بعد أن كان قد أخشاه وأذله، وقهر جنده ودحاهم، فلما رأى ملك الروم اشتغال معاوية بحرب على تدانى إلى بعض البلاد في جنود عظيمة وطمع فيه، فكتب معاوية إليه: والله لئن لم تنته وترجع إلى بلادك يا لعين لأصطلحن أنا وابن عمى عليك ولأخرجنك من جميع بلادك، ولأضيقن عليك الأرض بما رحبت. فعند ذلك خاف ملك الروم وانكف، وبعث يطلب الهدنة. ثم كان من أمر التحكيم ما كان، وكذلك ما بعده إلى وقت اصطلاحه مع الحسن بن على كما تقدم، فانعقدت الكلمة على معاوية، وأجمعت الرعايا على بيعته في سنة إحدى وأربعين كما قدمنا، فلم يزل مستقلا بالأمر في هذه المدة إلى هذه السنة التي كانت فيها وفاته، والجهاد في بلاد العدو قائم، وكلمة الله عالية. والغنائم ترد إليه من أطراف الأرض، والمسلمون معه في راحة وعدل، وصفح وعفو. وقد ثبت في صحيح مسلم من طريق عكرمة بن عمار عن أبى زميل سماك بن الوليد عن ابن عباس. قال قال أبو سفيان: يا رسول الله ثلاثا أعطنيهن، قال: نعم، قال: تؤمرنى حتى أقاتل الكفار كما كنت أقاتل المسلمين، قال: نعم! قال ومعاوية تجعله كاتبا بين يديك، قال: نعم: وذكر الثالثة وهو أنه أراد أن يزوج رسول الله ﷺ بابنته الأخرى عزة بنت أبى سفيان، واستعان على ذلك بأختها أم حبيبة، فقال: «إن ذلك لا يحل لي» وقد تكلمنا على ذلك في جزء مفرد، وذكرنا أقوال الائمة واعتذارهم عنه ولله الحمد. والمقصود منه أن معاوية كان من جملة الكتاب بين يدي رسول الله ﷺ الذين يكتبون الوحي. وروى الامام أحمد ومسلم والحاكم في مستدركه من طريق أبى عوانة - الوضاح ابن عبد الله اليشكري - عن أبى حمزة عمران بن ابى عطاء عن ابن عباس. قال: كنت ألعب مع الغلمان فإذا رسول الله ﷺ قد جاء فقلت: ما جاء إلا إلى، فاختبأت على باب فجاءني فخطانى خطاة أو خطاتين، ثم قال «اذهب فادع لي معاوية - وكان يكتب الوحي - قال: فذهبت فدعوته له فقيل: إنه يأكل، فأتيت رسول الله ﷺ فقلت إنه يأكل، فقال: اذهب فادعه، فأتيته الثانية فقيل: إنه يأكل فأخبرته، فقال في الثالثة: لا أشبع الله بطنه» قال: فما شبع بعدها، وقد انتفع معاوية بهذه الدعوة في دنياه وأخراه، أما في دنياه فإنه لما صار إلى الشام أميرا، كان يأكل في اليوم سبع مرات يجاء بقصعة فيها لحم كثير وبصل فيأكل منها، ويأكل في اليوم سبع أكلات بلحم، ومن الحلوى والفاكهة شيئا كثيرا ويقول والله ما أشبع وإنما أعيا، وهذه نعمة ومعدة يرغب فيها كل الملوك. وأما في الآخرة فقد أتبع مسلم هذا الحديث بالحديث الّذي رواه البخاري وغيرهما من غير وجه عن جماعة من الصحابة. أن رسول الله ﷺ قال: «اللهمّ إنما أنا بشر فأيما عبد سببته أو جلدته

стр. 2604

أو دعوت عليه وليس لذلك أهلا فاجعل ذلك كفارة وقربة تقربه بها عندك يوم القيامة». فركب مسلم من الحديث الأول وهذا الحديث فضيلة لمعاوية، ولم يورد له غير ذلك. وقال المسيب بن واضح عن أبى إسحاق الفزاري عن عبد الملك بن أبى سليمان عن عطاء بن أبى رباح عن ابن عباس. قال: «أتى جبريل إلى رسول الله ﷺ فقال: يا محمد أقرئ معاوية السلام واستوص به خيرا، فإنه أمين الله على كتابه ووحيه ونعم الأمين. ثم أورده ابن عساكر من وجه آخر عن عبد الملك بن أبى سليمان، ثم أورده أيضا من رواية على وجابر بن عبد الله «أن رسول الله ﷺ استشار جبريل في استكتابه معاوية، فقال: استكتبه فإنه أمين». ولكن في الأسانيد إليهما غرابة، ثم أورد عن على في ذلك غرائب كثيرة عن غيره أيضا. وقال أبو عوانة عن سليمان عن عمرو بن مرة عن عبد الله بن الحارث عن زهير بن الأقمر الزبيدي عن عبد الله بن عمرو. قال: كان معاوية يكتب للنّبيّ ﷺ . وقال أبو القاسم الطبراني: حدثنا أحمد بن محمد الصيدلاني ثنا السري عن عاصم ثنا عبد الله بن يحيى بن أبى كثير عن أبيه هشام بن عروة عن عائشة. قالت: لما كان يوم أم حبيبة من النبي ﷺ ، دق الباب داق، فقال النبي ﷺ «انظروا من هذا؟ قالوا: معاوية، قال: ائذنوا له، فدخل وعلى أذنه قلم يخط به، فقال: ما هذا القلم على أذنك يا معاوية؟ قال: قلم أعددته لله ولرسوله، فقال له: جزاك الله عن نبيك خيرا، والله ما استكتبتك إلا بوحي من الله، وما أفعل من صغيرة ولا كبيرة إلا بوحي من الله، كيف بك لو قمصك الله قميصا - يعنى الخلافة -؟ فقامت أم حبيبة فجلست بين يديه وقالت: يا رسول الله وإن الله مقمصه قميصا؟ قال: نعم! ولكن فيه هنات وهنات. فقالت: يا رسول الله فادع الله له، فقال: اللهمّ اهده بالهدى، وجنبه الردى، واغفر له في الآخرة والأولى». قال الطبراني تفرد به السري عن عاصم عن عبد الله بن يحيى بن أبى كثير عن هشام. وقد أورد ابن عساكر بعد هذا أحاديث كثيرة موضوعة، والعجب منه مع حفظه واطلاعه كيف لا ينبه عليها وعلى نكارتها وضعف رجالها والله الموفق للصواب. وقد أوردنا من طريق أبى هريرة وأنس وواثلة بن الأسقع مرفوعا: «الأمناء ثلاثة، جبريل، وأنا ومعاوية» ولا يصح من جميع وجوهه، ومن رواية ابن عباس: «الأمناء سبعة، القلم، واللوح، وإسرافيل، وميكائيل، وجبريل، وأنا، ومعاوية» وهذا أنكر من الأحاديث التي قبله، وأضعف إسنادا. وقال الامام أحمد: حدثنا عبد الرحمن بن مهدي عن معاوية - يعنى ابن صالح - عن يونس بن سيف عن الحارث بن زياد عن أبى رهم عن العرباض بن سارية السلمي. قال: سمعت رسول الله ﷺ يدعونا إلى السحور في شهر رمضان: هلم إلى الغداء المبارك، ثم سمعته يقول: اللهمّ علم معاوية الكتاب والحساب وقه العذاب». تفرد به أحمد. ورواه ابن جرير من حديث ابن مهدي، وكذلك رواه

стр. 2605

أسد بن موسى، وبشر بن السري، وعبد الله بن صالح، عن معاوية بن صالح، باسناده مثله. وفي رواية بشر بن السري «وأدخله الجنة» ورواه ابن عدي وغيره من حديث عثمان بن عبد الرحمن الجمحيّ عن عطاء عن ابن عباس. قال قال رسول الله ﷺ : «اللهمّ علم معاوية الكتاب والحساب وقه العذاب». وقال محمد بن سعد: ثنا سليمان بن حرب والحسين بن موسى الأشيب قال: ثنا أبو هلال محمد بن سليم ثنا جبلة بن عطية عن مسلمة بن مخلد، وقال الأشهب: قال أبو هلال أو عن رجل عن مسلمة بن مخلد، وقال سليمان بن حرب أو حدثه مسلمة عن رجل أنه رأى معاوية يأكل فقال لعمرو بن العاص: إن ابن عمك هذا لمخضد: قال أما انى أقول لك هذا وقد سمعت رسول الله ﷺ يقول: «اللهمّ علمه الكتاب ومكن له في البلاد وقه العذاب». وقد أرسله غير واحد من التابعين منهم الزهري وعروة بن رويم وجرير بن عثمان الرحبيّ الحمصي، ويونس بن ميسرة بن حلبس. وقال الطبراني: ثنا أبو زرعة وأحمد بن محمد بن يحيى بن حمزة الدمشقيان قالا: ثنا أبو مسهر ثنا سعيد بن عبد العزيز عن ربيعة بن يزيد عن عبد الرحمن بن أبى عميرة المزني - وكان من أصحاب النبي ﷺ أن رسول الله ﷺ قال لمعاوية: «اللهمّ علمه الكتاب والحساب وقه العذاب» قال ابن عساكر: وهذا غريب، والمحفوظ بهذا الاسناد حديث العرباض الّذي تقدم، ثم روى من طريق الطبراني عن أبى زرعة عن أبى مسهر عن سعيد عن ربيعة عن عبد الرحمن بن أبى عميرة المزني. قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول لمعاوية: «اللهمّ اجعله هاديا مهديا واهده واهد به» وقال الإمام أحمد: حدثنا على بن بحر ثنا الوليد بن مسلم ثنا سعيد بن عبد العزيز عن ربيعة بن يزيد عن عبد الرحمن بن أبى عميرة عن النبي ﷺ أنه ذكر معاوية فقال: «اللهمّ اجعله هاديا مهديا واهد به» وهكذا رواه الترمذي عن محمد بن يحيى عن أبى مسهر عن سعيد بن عبد العزيز به. وقال حسن غريب. وقد رواه عمر بن عبد الواحد ومحمد بن سليمان الحراني كما رواه الوليد بن مسلم وأبو مسهر عن سعيد عن ربيعة بن يزيد عن عبد الرحمن بن أبى عميرة. ورواه محمد بن المصفى عن مروان بن محمد الطاطري عن سعيد بن عبد العزيز عن ربيعة بن يزيد عن أبى إدريس عن ابن أبى عميرة أن رسول الله ﷺ دعا لمعاوية فقال: «اللهمّ علمه العلم، واجعله هاديا مهديا، واهده واهد به» وقد رواه سلمة بن شبيب وصفوان بن صالح وعيسى بن هلال وأبو الأزهر عن مروان الطاطري، ولم يذكروا أبا إدريس في إسناده. ورواه الطبراني عن عبدان بن أحمد عن على بن سهل الرمليّ عن الوليد بن مسلم عن سعيد بن عبد العزيز عن يونس بن ميسرة بن حلبس عن عبد الرحمن بن أبى عميرة المزني. أنه سمع رسول الله ﷺ وذكر معاوية فقال: «اللهمّ اجعله هاديا مهديا واهده» قال ابن عساكر: وقول الجماعة هو الصواب. وقد اعتنى ابن عساكر بهذا الحديث وأطنب فيه وأطيب

стр. 2606

وأطرب، وأفاد وأجاد، وأحسن الانتقاد، فرحمه الله، كم له من موطن قد تبرز فيه على غيره من الحفاظ والنقاد. وقال الترمذي: حدثنا محمد بن يحيى ثنا عبد الله بن محمد النفيلى ثنا عمرو بن واقد عن يونس بن حلبس عن أبى إدريس الخولانيّ قال: لما عزل عمر بن الخطاب عمير بن سعد عن الشام وولى معاوية قال الناس: عزل عمر عميرا وولى معاوية، فقال عمر: لا تذكروا معاوية إلا بخير، فانى سمعت رسول الله ﷺ يقول: «اللهمّ اهد به» تفرد به الترمذي وقال: غريب. وعمرو ابن واقد ضعيف، هكذا ذكره أصحاب الأطراف في مسند عمير بن سعد الأنصاري. وعندي أنه ينبغي أن يكون من رواية عمر بن الخطاب، ويكون الصواب فقال عمر: لا تذكروا معاوية إلا بخير، ليكون عذرا له في توليته له. ومما يقوى هذا أن هشام بن عمار قال: حدثنا ابن أبى السائب - وهو عبد العزيز بن الوليد بن سليمان - قال: وسمعت أبى يذكر أن عمر بن الخطاب ولى معاوية بن أبى سفيان فقالوا: ولى حدث السن، فقال: تلومونني في ولايته، وأنا سمعت رسول الله ﷺ يقول: «اللهمّ اجعله هاديا مهديا واهد به» وهذا منقطع يقويه ما قبله. قال الطبراني: حدثنا يحيى بن عثمان بن صالح ثنا نعيم بن حماد ثنا محمد بن شعيب بن سابور ثنا مروان بن جناح عن يونس بن ميسرة بن حلبس عن عبد الله بن بسر أن رسول الله ﷺ : «استشار أبا بكر وعمر في أمر فقال: أشيروا على، فقالا: الله ورسوله أعلم، فقال: ادعوا معاوية؟ فقال أبو بكر وعمر: أما في رسول الله ﷺ ورجلين من رجال قريش ما يتقنون أمرهم، حتى يبعث رسول الله ﷺ إلى غلام من غلمان قريش؟ فقال: ادعوا لي معاوية فدعى له، فلما وقف بين يديه قال رسول الله ﷺ : أحضروه أمركم وأشهدوه أمركم، فإنه قوى أمين». ورواه بعضهم عن نعيم وزاد «وحملوه أمركم». ثم ساق ابن عساكر أحاديث كثيرة موضوعة بلا شك في فضل معاوية، أضربنا عنها صفحا، واكتفينا بما أوردناه من الأحاديث الصحاح والحسان والمستجادات عما سواها من الموضوعات والمنكرات. ثم قال ابن عساكر: وأصح ما روى في فضل معاوية حديث أبى جمرة عن ابن عباس «أنه كان كاتب النبي ﷺ منذ أسلم» أخرجه مسلم في صحيحه، وبعده حديث العرباض: «اللهمّ علم معاوية الكتاب» وبعده حديث ابن أبى عميرة: «اللهمّ اجعله هاديا مهديا» قلت: وقد قال البخاري في كتاب المناقب: ذكر معاوية بن أبى سفيان: حدثنا الحسن بن بشر ثنا المعافى عن عثمان ابن الأسود عن ابن أبى مليكة قال: أوتر معاوية بعد العشاء بركعة وعنده مولى لابن عباس، فأتى ابن عباس، فقال: أوتر معاوية بركعة بعد العشاء، فقال: دعه فإنه قد صحب رسول الله ﷺ . حدثنا ابن أبى مريم ثنا نافع بن عمر ثنا ابن أبى مليكة. قال: قيل لابن عباس: هل لك في

стр. 2607

أمير المؤمنين معاوية؟ ما أوتر إلا بواحدة! قال: أصاب، إنه فقيه. ثنا عمرو بن عباس ثنا جعفر ثنا شعبة عن أبى التياح قال: سمعت حمدان عن أبان عن معاوية. قال: إنكم لتصلون صلاة، لقد صحبنا رسول الله ﷺ فما رأيناه يصليهما، ولقد نهى عنهما - يعنى الركعتين بعد العصر - ثم قال البخاري بعد ذلك: ذكر هند بنت عتبة بن ربيعة: حدثنا عبدان ثنا عبد الله ثنا يونس عن الزهري حدثني عروة أن عائشة قالت: جاءت هند بنت عتبة امرأة أبى سفيان إلى رسول الله ﷺ فقالت: يا رسول الله ما كان على ظهر الأرض من أهل خباء أحب إلى من أن يذلوا من أهل خبائك، فقال: وأيضا والّذي نفسي بيده. فقالت: يا رسول الله إن أبا سفيان رجل مسيك، فهل على من حرج أن أطعم من الّذي له عيالنا؟ قال: لا إلا بالمعروف». فالمدحة في قوله: «وأيضا والّذي نفسي بيده» وهو أنه كان يود أن هندا وأهلها وكل كافر يذلوا في حال كفرهم، فلما أسلموا كان يحب أن يعزوا فأعزهم الله - يعنى أهل خبائها. وقال الإمام أحمد: حدثنا روح ثنا أبو أمية عمرو بن يحيى بن سعيد قال. سمعت جدي يحدث أن معاوية أخذ الاداوة بعد أبى هريرة فتبع رسول الله ﷺ بها - وكان أبو هريرة قد اشتكى - فبينما هو يوضئ رسول الله ﷺ إذ رفع رأسه إليه مرة أو مرتين وهو يتوضأ فقال: يا معاوية إن وليت أمرا فاتق الله واعدل. قال معاوية فما زلت أظن أنى سأبتلى بعمل لقول النبي ﷺ حتى ابتليت». تفرد به أحمد، ورواه أبو بكر بن أبى الدنيا عن أبى إسحاق الهمذانيّ سعيد بن زنبور بن ثابت عن عمرو ابن يحيى بن سعيد. ورواه ابن مندة من حديث بشر بن الحكم عن عمرو بن يحيى به. وقال أبو يعلى: حدثنا سويد بن سعيد ثنا عمرو بن يحيى بن سعيد عن جده عن معاوية قال: «اتبعت رسول الله ﷺ بوضوء، فلما توضأ نظر إلى فقال: يا معاوية إن وليت أمرا فاتق واعدل، فما زلت أظن أنى مبتلى بعمل حتى وليت». ورواه غالب القطان عن الحسن. قال: سمعت معاوية يخطب وهو يقول: «صببت يوما على رسول الله ﷺ وضوءه فرفع رأسه إليّ فقال: أما إنك ستلي أمر أمتى بعدي، فإذا كان ذلك فاقبل من محسنهم وتجاوز عن مسيئهم، وقال: فما زلت أرجو حتى قمت مقامي هذا». وروى البيهقي عن الحاكم بسنده إلى إسماعيل بن إبراهيم بن مهاجر عن عبد الملك بن عمير. قال قال معاوية: والله ما حملني على الخلافة إلا قول رسول الله ﷺ : «إن ملكت فأحسن» قال البيهقي: إسماعيل بن إبراهيم هذا ضعيف، إلا أن للحديث شواهد. وروى ابن عساكر باسناده عن نعيم بن حماد: ثنا محمد بن حرب عن أبى بكر بن أبى مريم ثنا محمد بن زياد عن عوف بن مالك الأشجعي قال: «بينما أنا راقد في كنيسة يوحنا - وهي يومئذ مسجد يصلى فيها - إذ انتبهت من نومي فإذا أنا بأسد يمشى بين يدي، فوثبت إلى سلاحي، فقال الأسد: مه! إنما أرسلت إليك

стр. 2608

برسالة لتبلغها، فقلت: ومن أرسلك؟ قال: الله أرسلنى إليك لتبلغ معاوية السلام وتعلمه أنه من أهل الجنة، فقلت له. ومن معاوية؟ قال: معاوية بن أبى سفيان» ورواه الطبراني عن أبى يزيد القراطيسي عن المعلى بن الوليد القعقاعي عن محمد بن حبيب الخولانيّ عن أبى بكر بن عبد الله بن أبى مريم الغساني، وفيه ضعف وهذا غريب جدا، ولعل الجميع مناما، ويكون قوله: إذ انتبهت من نومي مدرجاً لم يضبطه ابن أبى مريم، والله أعلم. وقال محمد بن عائذ عن الوليد عن ابن لهيعة عن يونس عن الزهري. قال: قدم عمر الجابية فنزع شرحبيل وأمر عمرو بن العاص بالمسير إلى مصر، ونفى الشام على أميرين أبى عبيدة ويزيد، ثم توفى أبو عبيدة فاستخلف عياض بن غنم، ثم توفى يزيد فأمر معاوية مكانه، ثم نعاه عمر لأبى سفيان، فقال لأبى سفيان: احتسب يزيد بن أبى سفيان، قال: من أمرت مكانه؟ قال: معاوية، فقال: وصلت رحما يا أمير المؤمنين، فكان معاوية على الشام، وعمير بن سعد حتى قتل عمر، ﵃. وقال محمد بن إسحاق: مات أبو عبيدة في طاعون عمواس واستخلف معاذا، فمات معاذ واستخلف يزيد بن أبى سفيان، فمات واستخلف أخاه معاوية فأقره عمر، وولى عمرو بن العاص فلسطين والأردن، ومعاوية دمشق وبعلبكّ والبلقاء، وولى سعد بن عامر بن جذيم حمص، ثم جمع الشام كلها لمعاوية بن أبى سفيان، ثم أمره عثمان بن عفان على الشام. وقال إسماعيل بن أمية: أفرد عمر معاوية بإمرة الشام، وجعل له في كل شهر ثمانين دينارا. والصواب أن الّذي جمع لمعاوية الشام كلها عثمان بن عفان، وأما عمر فإنه إنما ولاه بعض أعمالها. وقال بعضهم: لما عزيت هند في يزيد بن أبى سفيان - ولم يكن منها - قيل لها: إنه قد جعل معاوية أميرا مكانه، فقالت: أو مثل معاوية يجعل خلفا من أحد؟ فو الله لو أن العرب اجتمعت متوافرة ثم رمى به فيها لخرج من أي أعراضها (نواحيها) شاء. وقال آخرون: ذكر معاوية عند عمر فقال: دعوا فتى قريش وابن سيدها، إنه لمن يضحك في الغضب ولا ينال منه إلا على الرضا، ومن لا يأخذ من فوق رأسه إلا من تحت قدميه. وقال ابن أبى الدنيا: حدثني محمد بن قدامة الجوهري حدثني عبد العزيز بن يحيى عن شيخ له. قال: لما قدم عمر بن الخطاب الشام تلقاه معاوية في موكب عظيم، فلما دنا من عمر قال له: أنت صاحب الموكب؟ قال: نعم يا أمير المؤمنين. قال: هذا حالك مع ما بلغني من طول وقوف ذوى الحاجات ببابك؟ قال: هو ما بلغك من ذلك. قال: ولم تفعل هذا؟ لقد هممت أن آمرك بالمشي حافيا إلى بلاد الحجاز، قال: يا أمير المؤمنين إنا بأرض جواسيس العدو فيها كثيرة، فيجب أن نظهر من عز السلطان ما يكون فيه عز للإسلام وأهله ويرهبهم به، فان أمرتنى فعلت، وإن نهيتني انتهيت. فقال له عمر: يا معاوية ما سألتك عن شيء إلا تركتني في مثل رواجب الضرس، لئن كان ما قلت حقا إنه

стр. 2609

لرأى أريت، ولئن كان باطلا إنه لخديعة أديت. قال: فمرني يا أمير المؤمنين بما شئت، قال: لا آمرك ولا أنهاك. فقال رجل: يا أمير المؤمنين ما أحسن ما صدر الفتى عما أوردته فيه؟! فقال عمر: لحسن موارده ومصادره جشمناه ما جشمناه. وفي رواية أن معاوية تلقى عمر حين قدم الشام، ومعاوية في موكب كثيف، فاجتاز بعمر وهو وعبد الرحمن بن عوف راكبان على حمار، ولم يشعر بهما، فقيل له: إنك جاوزت أمير المؤمنين، فرجع، فلما رأى عمر ترجل وجعل يقول له ما ذكرنا، فقال عبد الرحمن بن عوف: ما أحسن ما صدر عما أوردته فيه يا أمير المؤمنين!؟ فقال: من أجل ذلك جشمناه ما جشمناه. وقال عبد الله بن المبارك في كتاب الزهد: أخبرنا محمد بن ذئب عن مسلم بن جندب عن أسلم مولى عمر قال: قدم علينا معاوية وهو أبيض نص وبّاص، أبضّ الناس وأجملهم، فخرج إلى الحج مع عمر، فكان عمر ينظر إليه فيعجب منه، ثم يضع إصبعه على متن معاوية ثم يرفعها عن مثل الشراك، فيقول: بخ بخ، نحن إذاً خير الناس، أن جمع لنا خير الدنيا والآخرة. فقال معاوية: يا أمير المؤمنين سأحدثك أنا بأرض الحمامات والريف والشهوات، فقال عمر: سأحدثك ما بك إلا إلطافك نفسك بأطيب الطعام وتصبحك حتى تضرب الشمس متنيك، وذوو الحاجات وراء الباب. فقال: يا أمير المؤمنين علمني أمتثل. قال: فلما جئنا ذا طوى أخرج معاوية حلة فلبسها، فوجد عمر منها ريحاً كأنه ريح طيب، فقال: يعمد أحدكم فيخرج حاجا مقلا حتى إذا جاء أعظم بلدان الله حرمة أخرج ثوبيه كأنهما كانا في الطيب فلبسهما؟! فقال معاوية: إنما لبستهما لأدخل فيهما على عشيرتي وقومي، والله لقد بلغني أذاك هاهنا وبالشام، فالله يعلم أنى لقد عرفت الحياء فيه، ثم نزع معاوية ثوبيه ولبس ثوبيه اللذين أحرم فيهما. وقال أبو بكر بن أبى الدنيا: حدثني أبى عن هشام بن محمد عن أبى عبد الرحمن المدني. قال: كان عمر بن الخطاب إذا رأى معاوية قال: هذا كسرى العرب. وهكذا حكى المدائني عن عمر أنه قال ذلك. وقال عمرو بن يحيى بن سعيد الأموي عن جده. قال: دخل معاوية على عمر وعليه حلة خضراء، فنظر إليها الصحابة، فلما رأى ذلك عمر وثب إليه بالدرة فجعل يضربه بها، وجعل معاوية يقول: يا أمير المؤمنين الله الله في، فرجع عمر إلى مجلسه فقال له القوم: لم ضربته يا أمير المؤمنين؟ وما في قومك مثله؟ فقال: والله ما رأيت إلا خيراً، وما بلغني إلا خير، ولو بلغني غير ذلك لكان منى إليه غير ما رأيتم، ولكن رأيته - وأشار بيده - فأحببت أن أضع منه ما شمخ. وقد قال أبو داود: حدثنا سليمان بن عبد الرحمن الدمشقيّ ثنا يحيى بن حمزة ثنا ابن أبى مريم أن القاسم بن مخيمرة أخبره أن أبا مريم الأزدي أخبره. قال: دخلت على معاوية فقال: ما أنعمنا بك أبا فلان - وهي كلمة تقولها

стр. 2610

العرب - فقلت: حديث سمعته أخبرك به، سمعت رسول الله ﷺ يقول: «من ولاه الله شيئا من أمر المسلمين فاحتجب دون حاجتهم وخلتهم وفقرهم، احتجب الله دون حاجه وخلته وفقره». قال: فجعل معاوية حين سمع هذا الحديث رجلا على حوائج الناس. ورواه الترمذي وغيره. وقال الامام أحمد: حدثنا مروان بن معاوية الفزاري ثنا حبيب بن الشهيد عن أبى مجاز. قال: خرج معاوية على الناس فقاموا له فقال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «من أحب أن يتمثل له الرجال قياماً فليتبوَّأ مقعده من النار». [وفي رواية. قال: خرج معاوية على ابن عامر وابن الزبير فقام له ابن عامر ولم يقم له ابن الزبير، فقال معاوية لابن عامر: اجلس! فانى سمعت رسول الله ﷺ يقول: «من أحب أن يتمثل له العباد قياما فليتبوَّأ مقعده من النار». (١) ورواه أبو داود والترمذي من حديث حبيب بن الشهيد، وقال الترمذي: حديث حسن. وروى أبو داود من حديث الثوري عن ثور بن يزيد عن راشد بن سعد المقري الحمصي عن معاوية. قال: قال رسول الله ﷺ : «إنك إن تتبعت عورات الناس أفسدتهم أو كدت أن تفسدهم». قال: كلمة سمعها معاوية نفعه الله بها. تفرد به أحمد - يعنى أنه كان جيد السيرة، حسن التجاوز، جميل العفو، كثير الستر رحمه الله تعالى - وثبت في الصحيحين من حديث الزهري عن حميد بن عبد الرحمن عن معاوية. أنه قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «من يرد الله به خيرا يفقهه في الدين، وإنما أنا قاسم والله يعطى، ولا يزال طائفة من أمتى ظاهرين على الحق لا يضرهم من خذلهم ولا من خالفهم حتى يأتى أمر الله وهم ظاهرون». وفي رواية «وهم على ذلك» وقد خطب معاوية بهذا الحديث مرة ثم قال: وهذا مالك ابن يخامر يخبر عن معاذ أن رسول الله ﷺ قال وهم بالشام - يحث بهذا أهل الشام على مناجزة أهل العراق: «وإن أهل الشام هم الطائفة المنصورة على من خالفها» وهذا مما كان يحتج به معاوية لأهل الشام في قتالهم أهل العراق. وقال الليث بن سعد: فتح معاوية قيسارية سنة تسع عشرة في دولة عمر بن الخطاب. وقال غيره: وفتح قبرص سنة خمس وقيل سبع، وقيل ثمان وعشرين في أيام عثمان. قالوا: وكان عام غزوة المضيق - يعنى مضيق القسطنطينية - في سنة ثنتين وثلاثين في أيامه وكان هو الأمير على الناس عامئذ. وجمع عثمان لمعاوية جميع الشام، وقيل إن عمر هو الّذي جمعها له، والصحيح عثمان. واستقضى معاوية فضالة بن عبيد بعد أبى الدرداء، ثم كان ما كان بينه وبين على بعد قتل عثمان، على سبيل الاجتهاد والرأى، فجرى بينهما قتال عظيم كما قدمنا، وكان الحق والصواب مع على، ومعاوية معذور عند جمهور العلماء سلفاً وخلفاً، وقد شهدت الأحاديث الصحيحة بالإسلام للفريقين من الطرفين - أهل العراق وأهل الشام - كما ثبت في الحديث الصحيح

стр. 2611

«تمرق مارقة على خير فرقة من المسلمين، فيقتلها أدنى الطائفتين إلى الحق» فكانت المارقة الخوارج، وقتلهم على وأصحابه، ثم قتل على فاستقل معاوية بالأمر سنة إحدى وأربعين، وكان يغزو الروم في كل سنة مرتين، مرة في الصيف ومرة في الشتاء، ويأمر رجلا من قومه فيحج بالناس، وحج هو سنة خمسين، وحج ابنه يزيد سنة إحدى وخمسين. وفيها أوفى التي بعدها أغزاه بلاد الروم [فسار معه خلق كثير من كبراء الصحابة حتى حاصر القسطنطينية، وقد ثبت في الصحيح: «أول جيش يغزو القسطنطينية مغفور لهم».] (١) وقال وكيع عن الأعمش عن أبى صالح. قال: كان الحادي يحدو بعثمان فيقول: إن الأمير بعده على … وفي الزبير خلف مرضى فقال كعب: بل هو صاحب البغلة الشهباء - يعنى معاوية - فقال: يا أبا إسحاق تقول هذا وهاهنا على والزبير وأصحاب محمد ﷺ ؟ فقال: أنت صاحبها. ورواه سيف عن بدر بن الخليل عن عثمان ابن عطية الأسدي عن رجل من بنى أسد. قال: ما زال معاوية يطمع فيها منذ سمع الحادي في أيام عثمان يقول: إن الأمير بعده على … وفي الزبير خلف مرضى فقال كعب: كذبت! بل صاحب البغلة الشهباء بعده - يعنى معاوية - فقال له معاوية في ذلك فقال: نعم! أنت الأمير بعده، ولكنها والله لا تصل إليك حتى تكذب بحديثي هذا، فوقعت في نفس معاوية. وقال ابن أبى الدنيا: حدثنا محمد بن عباد المكيّ ثنا سفيان بن عيينة عن أبى هارون قال قال عمر: إياكم والفقرة بعدي، فان فعلتم فان معاوية بالشام، وستعلمون إذا وكلتم إلى رأيكم كيف يستبزها دونكم. ورواه الواقدي من وجه آخر عن عمر ﵁. وقد روى ابن عساكر عن عامر الشعبي أن عليا حين بعث جرير بن عبد الله البجلي إلى معاوية قبل وقعة صفين - وذلك حين عزم عليّ على قصد الشام، وجمع الجيوش لذلك - وكتب معه كتابا إلى معاوية يذكر له فيه أنه قد لزمته بيعته، لانه قد بايعه المهاجرون والأنصار، فان لم تبايع استعنت بالله عليك وقاتلتك. وقد أكثرت القول في قتلة عثمان، فادخل فيما دخل فيه الناس، ثم حاكم القوم إلى أحملك وإياهم على كتاب الله، في كلام طويل. وقد قدمنا أكثره، فقرأه معاوية على الناس وقام جرير فخطب الناس، وأمر في خطبته معاوية بالسمع والطاعة، وحذره من المخالفة والمعاندة، ونهاه عن إيقاع الفتنة بين الناس، وأن يضرب بعضهم بعضا بالسيوف. فقال معاوية: انتظر حتى آخذ رأى أهل الشام، فلما كان بعد ذلك أمر معاوية مناديا فنادى في الناس: الصلاة جامعة، فلما اجتمع الناس صعد المنبر فخطب فقال: «الحمد لله الّذي جعل الدعائم للإسلام أركانا، والشرائع للايمان برهانا، يتوقد مصباحه

стр. 2612

بالسنة في الأرض المقدسة التي جعلها الله محل الأنبياء والصالحين من عباده، فأحلها أهل الشام ورضيهم لها، ورضيها لهم، لما سبق في مكنون علمه من طاعتهم ومناصحتهم أولياءه فيها، والقوام بأمره، الذابين عن دينه وحرماته، ثم جعلهم لهذه الأمة نظاما، وفي أعلام الخير عظاما، يردع الله بهم الناكثين، ويجمع بهم الألفة بين المؤمنين، والله نستعين على إصلاح ما تشعث من أمور المسلمين، وتباعد بينهم بعد القرب والألفة، اللهمّ انصرنا على قوم يوقظون نائما، ويخيفون آمنا، ويريدون هراقة دمائنا، وإخافة سبلنا، وقد يعلم الله أنا لا نريد لهم عقابا، ولا نهتك لهم حجابا، غير أن الله الحميد كسانا من الكرامة ثوبا لن ننزعه طوعا ما جاوب الصدى، وسقط الندى، وعرف الهدى، وقد علمنا أن الّذي حملهم على خلافنا البغي والحسد لنا، فالله نستعين عليهم. أيها الناس! قد علمتم أنى خليفة أمير المؤمنين عمر بن الخطاب، وأنى خليفة أمير المؤمنين عثمان عليكم، وأنى لم أقم رجلا منكم على خزاية قط، وإني ولى عثمان وابن عمه، قال الله تعالى في كتابه: ﴿وَمَنْ قُتِلَ مَظْلُوماً فَقَدْ جَعَلْنا لِوَلِيِّهِ سُلْطاناً﴾ وقد علمتم أنه قتل مظلوما، وأنا أحب أن تعلموني ذات أنفسكم في قتل عثمان. فقال أهل الشام بأجمعهم: بل نطلب بدمه، فأجابوه إلى ذلك وبايعوه، ووثقوا له أن يبذلوا في ذلك أنفسهم وأموالهم، أو يدركوا بثأره، أو يفنى الله أرواحهم قبل ذلك، فلما رأى جرير من طاعة أهل الشام لمعاوية ما رأى، أفزعه ذلك، وعجب منه. وقال معاوية لجرير: إن ولانى على الشام ومصر بايعته على أن لا يكون لأحد بعده على بيعة، فقال: اكتب إلى على بما شئت، وأنا أكتب معك، فلما بلغ عليا الكتاب قال: هذه خديعة، وقد سألني المغيرة بن شعبة أن أولى معاوية الشام وأنا بالمدينة فأبيت ذلك (وما كنت متخذ المضلين عضدا) ثم كتب إلى جرير بالقدوم عليه، فما قدم إلا وقد اجتمعت العساكر إلى على، وكتب معاوية إلى عمرو بن العاص - وكان معتزلا بفلسطين حين قتل عثمان - وكان عثمان قد عزله عن مصر فاعتزل بفلسطين، فكتب إليه معاوية يستدعيه ليستشيره في أموره فركب إليه فاجتمعا على حرب على. وقد قال عقبة بن أبى معيط في كتاب معاوية إلى على حين سأله نيابة الشام ومصر، فكتب إلى معاوية يؤنبه ويلومه على ذلك ويعرض بأشياء فيه. معاوي إن الشام شامك فاعتصم … بشامك لا تدخل عليك الأفاعيا فان عليا ناظر ما تجيبه … فأهد له حربا يشيب النواصيا وحام عليها بالقتال وبالقنا … ولاتك مخشوش الذراعين وانيا وإلا فسلّم إن في الأمن راحة … لمن لا يريد الحرب فاختر معاويا

стр. 2613

وإن كتابا يا ابن حرب كتبته … على طمع جان عليك الدواهيا سألت عليا فيه ما لا تناله … ولو نلته لم يبق إلا لياليا إلى أن ترى منه الّذي ليس بعدها … بقاء فلا تكثر عليك الأمانيا ومثل على تغترره بخدعة … وقد كان ما خربت من قبل بانيا ولو نشبت أظفاره فيك مرة … فراك ابن هند بعد ما كنت فاريا وقد ورد من غير وجه أن أبا مسلم الخولانيّ وجماعة معه دخلوا على معاوية فقالوا له: أنت تنازع عليا أم أنت مثله؟ فقال: والله إني لأعلم أنه خير منى وأفضل، وأحق بالأمر منى، ولكن ألستم تعلمون أن عثمان قتل مظلوماً، وأنا ابن عمه، وأنا أطلب بدمه وأمره إلى؟ فقولوا له: فليسلم إلى قتلة عثمان وأنا أسلم له أمره. فأتوا عليا فكلموه في ذلك فلم يدفع إليهم أحدا، فعند ذلك صمم أهل الشام على القتال مع معاوية. وعن عمرو بن شمر عن جابر الجعفي عن عامر الشعبي وأبى جعفر الباقر. قال: بعث على رجلا إلى دمشق ينذرهم أن عليا قد نهد في أهل العراق إليكم ليستعلم طاعتكم لمعاوية، فلما قدم أمر معاوية فنودي في الناس: الصلاة جامعة، فملئوا المسجد ثم صعد المنبر فقال في خطبته: إن عليا قد نهد إليكم في أهل العراق فما الرأى؟ فضرب كل منهم على صدره، ولم يتكلم أحد منهم، ولا رفعوا إليه أبصارهم، وقام ذو الكلاع فقال: يا أمير المؤمنين عليك الرأى وعلينا الفعال، ثم نادى معاوية في الناس: أن اخرجوا إلى معسكركم في ثلاث، فمن تخلف بعدها فقد أحل بنفسه، فاجتمعوا كلهم، فركب ذلك الرجل إلى على فأخبره، فأمر على مناديا فنادى: الصلاة جامعة، فاجتمعوا فصعد المنبر فقال: إن معاوية قد جمع الناس لحربكم، فما الرأى؟ فقال كل فريق منهم مقالة، واختلط كلام بعضهم في بعض، فلم يدر على مما قالوا شيئا، فنزل عن المنبر وهو يقول: ﴿إِنّا لِلّهِ وَإِنّا إِلَيْهِ راجِعُونَ،﴾ ذهب والله بها ابن آكلة الأكباد. ثم كان من أمر الفريقين بصفين ما كان، كما ذكرناه مبسوطا في سنة ست وثلاثين. وقد قال أبو بكر بن دريد: أنبأنا أبو حاتم عن أبى عبيدة. قال قال معاوية: لقد وضعت رجلي في الركاب وهممت يوم صفين بالهزيمة، فما منعني إلا قول ابن الاطنابة حيث يقول: - أبت لي عفتي وأبى بلائي … وأخذى الحمد بالثمن الربيح وإكراهى على المكروه نفسي … وضربي هامة البطل المشيح وقولي كلما جشأت وجاشت … مكانك تحمدي أو تستريحي وروى البيهقي عن الامام أحمد أنه قال: الخلفاء أبو بكر وعمر وعثمان وعلى، فقيل له: فمعاوية؟ قال: لم يكن أحد أحق بالخلافة في زمان على من على، ورحم الله معاوية. وقال على بن المديني:

стр. 2614

سمعت سفيان بن عيينة يقول: ما كانت في على خصلة تقصر به عن الخلافة، ولم يكن في معاوية خصلة ينازع بها علياً. وقيل لشريك القاضي: كان معاوية حليما؟ فقال: ليس بحليم من سفه الحق وقاتل عليا. رواه ابن عساكر. وقال سفيان الثوري عن حبيب عن سعيد بن جبير عن ابن عباس أنه ذكر معاوية وأنه لبى عشية عرفة فقال فيه قولا شديدا، ثم بلغه أن عليا لبى عشية عرفة فتركه. وقال أبو بكر بن أبى الدنيا: حدثني عباد بن موسى ثنا على بن ثابت الجزري عن سعيد بن أبى عروبة عن عمر بن عبد العزيز. قال: رأيت رسول الله ﷺ في المنام وأبو بكر وعمر جالسان عنده، فسلمت عليه وجلست، فبينما أنا جالس إذ أتى بعلي ومعاوية، فأدخلا بيتا وأجيف الباب وأنا انظر، فما كان بأسرع من أن خرج على وهو يقول: قضى لي ورب الكعبة، ثم ما كان بأسرع من أن خرج معاوية وهو يقول: غفر لي ورب الكعبة. وروى ابن عساكر عن أبى زرعة الرازيّ أنه قال له رجل: إني أبغض معاوية، فقال له: ولم؟ قال: لأنه قاتل عليا، فقال له أبو زرعة: ويحك إن رب معاوية رحيم، وخصم معاوية خصم كريم، فأيش دخولك أنت بينهما؟ ﵄. وسئل الامام أحمد عما جرى بين على ومعاوية فقرأ ﴿تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ لَها ما كَسَبَتْ وَلَكُمْ ما كَسَبْتُمْ وَلا تُسْئَلُونَ عَمّا كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ وكذا قال غير واحد من السلف. وقال الأوزاعي: سئل الحسن عما جرى بين على وعثمان فقال: كانت لهذا سابقة ولهذا سابقة، ولهذا قرابة ولهذا قرابة، فابتلى هذا وعوفي هذا. وسئل عما جرى بين على ومعاوية فقال: كانت لهذا قرابة ولهذا قرابة، ولهذا سابقة ولم يكن لهذا سابقة، فابتليا جميعاً. وقال كلثوم بن جوشن: سأل النضر أبو عمر الحسن البصري فقال: أبو بكر أفضل أم على؟ فقال: سبحان الله ولا سواء، سبقت لعلى سوابق يشركه فيها أبو بكر، وأحدث على حوادث لم يشركه فيها أبو بكر، أبو بكر أفضل. قال: فعمر أفضل أم على؟ فقال: مثل قوله في أبى بكر، ثم قال: عمر أفضل. ثم قال: عثمان أفضل أم على؟ فقال مثل قوله الأول، ثم قال: عثمان أفضل. قال: فعلى أفضل أم معاوية؟ فقال: سبحان الله ولا سواء سبقت لعلى سوابق لم يشركه فيها معاوية، وأحدث على أحداثا شركه فيها معاوية، على أفضل من معاوية. وقد روى عن الحسن البصري أنه كان ينقم على معاوية أربعة أشياء، قتاله علياً، وقتله حجر بن عدي، واستلحاقه زياد بن أبيه، ومبايعته ليزيد ابنه. وقال جرير بن عبد الحميد عن مغيرة. قال: لما جاء خبر قتل على إلى معاوية جعل يبكى، فقالت له امرأته: أتبكيه وقد قاتلته؟ فقال: ويحك إنك لا تدرين ما فقد الناس من الفضل والفقه والعلم، وفي رواية أنها قالت له بالأمس تقاتلنه واليوم تبكينه؟ قلت: وقد كان مقتل على في رمضان سنة أربعين، ولهذا قال الليث بن سعد: إن معاوية بويع

стр. 2615

له بإيليا بيعة الجماعة، ودخل الكوفة سنة أربعين، والصحيح الّذي قاله ابن إسحاق والجمهور أنه بويع له بإيليا في رمضان سنة أربعين، حين بلغ أهل الشام مقتل على، ولكنه إنما دخل الكوفة بعد مصالحة الحسن له في شهر ربيع الأول سنة إحدى وأربعين، وهو عام الجماعة، وذلك بمكان يقال له أدرج، وقيل بمسكن من أرض سواد العراق من ناحية الأنبار، فاستقل معاوية بالأمر إلى أن مات سنة ستين. قال بعضهم: كان نقش خاتم معاوية: لكل عمل ثواب. وقيل بل كان: لا قوة إلا بالله. وقال يعقوب بن سفيان: حدثنا أبو بكر بن أبى شيبة وسعيد بن منصور قالا: ثنا أبو معاوية ثنا الأعمش عن عمرو بن مرة عن سعيد بن سويد. قال: صلى بنا معاوية بالنخيلة - يعنى خارج الكوفة - الجمعة في الضحى ثم خطبنا فقال: ما قاتلتكم لتصوموا ولا لتصلوا ولا لتحجوا ولا لتزكوا، قد عرفت أنكم تفعلون ذلك، ولكن إنما قاتلتكم لأتأمر عليكم، فقد أعطانى الله ذلك وأنتم كارهون». رواه محمد بن سعد عن يعلى بن عبيد عن الأعمش به. وقال محمد بن سعد: حدثنا عارم ثنا حماد بن يزيد عن معمر عن الزهري أن معاوية عمل سنتين عمل عمر ما يخرم فيه، ثم إنه بعد عن ذلك. وقال نعيم بن حماد: حدثنا ابن فضيل عن السري بن إسماعيل عن الشعبي حدثني سفيان بن الليل قال: قلت للحسن بن على لما قدم من الكوفة إلى المدينة: يا مذل المؤمنين، قال: لا تقل ذلك فانى سمعت رسول الله ﷺ يقول: «لا تذهب الأيام والليالي حتى يملك معاوية». فعلمت أن أمر الله واقع، فكرهت أن تهراق بيني وبينه دماء المسلمين. وقال مجالد عن الشعبي عن الحارث الأعور. قال قال على بعد ما رجع من صفين: أيها الناس لا تكرهوا إمارة معاوية، فإنكم لو فقدتموه رأيتم الرءوس تندر عن كواهلها كأنها الحنظل. وقال ابن عساكر باسناده عن أبى داود الطيالسي: ثنا أيوب بن جابر عن أبى إسحاق عن الأسود بن يزيد قال قلت لعائشة: ألا تعجبين لرجل من الطلقاء ينازع أصحاب رسول الله ﷺ في الخلافة؟ فقالت: وما تعجب من ذلك؟ هو سلطان الله يؤتيه البر والفاجر، وقد ملك فرعون أهل مصر أربعمائة سنة، وكذلك غيره من الكفار. وقال الزهري: حدثني القاسم بن محمد أن معاوية حين قدم المدينة يريد الحج دخل على عائشة فكلمها خاليين لم يشهد كلامهما أحد إلا ذكوان أبو عمرو مولى عائشة، فقالت: أمنت أن أخبأ لك رجلا يقتلك بقتلك أخى محمدا؟ فقال: صدقتي، فلما قضى معاوية كلامه معها تشهدت عائشة ثم ذكرت ما بعث الله به نبيه ﷺ من الهدى ودين الحق، والّذي سن الخلفاء بعده، وحضّت معاوية على العدل واتباع أثرهم، فقالت في ذلك فلم يترك له عذرا، فلما قضت مقالتها قال لها معاوية: أنت والله العالمة العاملة بأمر رسول الله ﷺ ، الناصحة المشفقة البليغة الموعظة، حضضت على الخير، وأمرت به، ولم تأمرينا إلا بالذي هو لنا مصلحة، وأنت أهل أن تطاعى. وتكلمت هي ومعاوية

стр. 2616

كلاماً كثيراً. فلما قام معاوية اتكأ على ذكوان وقال: والله ما سمعت خطيباً ليس رسول الله ﷺ أبلغ من عائشة. وقال محمد بن سعد: حدثنا خالد بن مخلد البجلي ثنا سليمان بن بلال حدثني علقمة ابن أبى علقمة عن أمه. قالت: قدم معاوية بن أبى سفيان المدينة فأرسل إلى عائشة: أن أرسلي بانبجانية رسول الله ﷺ وشعره، فأرسلت به معى أحمله، حتى دخلت به عليه، فأخذ الانبجانية فلبسها، وأخذ شعره فدعا بماء فغسله وشربه وأفاض على جلده. وقال الأصمعي عن الهذلي عن الشعبي قال: لما قدم معاوية المدينة عام الجماعة تلقته رجال من وجوه قريش فقالوا: الحمد لله الّذي أعز نصرك، وأعلا أمرك. فما رد عليهم جوابا حتى دخل المدينة، فقصد المسجد وعلا المنبر فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: أما بعد! فانى والله ما وليت أمركم حين وليته وأنا أعلم أنكم لا تسرون بولايتي ولا تحبونها، وإني لعالم بما في نفوسكم من ذلك، ولكنى خاستكم بسيفي هذا مخالسة، ولقد رمت نفسي على عمل ابن أبى قحافة فلم أجدها تقوم بذلك ولا تقدر عليه، وأردتها على عمل ابن الخطاب فكانت أشد نفورا وأعظم هربا من ذلك، وحاولتها على مثل سنيات عثمان فأبت على وأين مثل هؤلاء؟ ومن يقدر على أعمالهم؟ هيهات أن يدرك فضلهم أحد ممن بعدهم؟ رحمة الله ورضوانه عليهم، غير أنى سلكت بها طريقا لي فيه منفعة، ولكم فيه مثل ذلك. ولكل فيه مواكلة حسنة، ومشاربة جميلة، ما استقامت السيرة وحسنت الطاعة، فان لم تجدوني خيركم فأنا خير لكم، والله لا أحمل السيف على من لا سيف معه، ومهما تقدم مما قد علمتموه فقد جعلته دبر أذنى، وإن لم تجدوني أقوم بحقكم كله فارضوا منى ببعضه، فإنها بقائبة قوبها، وإن السيل إذا جاء يبري، وإن قل أغنى، وإياكم والفتنة فلا تهموا بها، فإنها تفسد المعيشة، وتكدر النعمة، وتورث الاستيصال، أستغفر الله لي ولكم، أستغفر الله. ثم نزل. - قال أهل اللغة: القائبة البيضة، والقوب الفرخ، قابت البيضة تقوب إذا انفلقت عن الفرخ -. والظاهر أن هذه الخطبة كانت عام حج في سنة أربع وأربعين، أو في سنة خمسين، لا في عام الجماعة. وقال الليث: حدثني علوان بن صالح بن كيسان أن معاوية قدم المدينة أول حجة حجها بعد اجتماع الناس عليه، فلقيه الحسن والحسين ورجال من قريش، فتوجه إلى دار عثمان بن عفان، فلما دنا إلى باب الدار صاحت عائشة بنت عثمان وندبت أباها، فقال معاوية لمن معه: انصرفوا إلى منازلكم فان لي حاجة في هذه الدار، فانصرفوا ودخل فسكن عائشة بنت عثمان، وأمرها بالكف وقال لها: يا بنت أخى إن الناس أعطونا سلطاننا فأظهرنا لهم حلما تحته غضب، وأظهروا لنا طاعة تحتها حقد، فبعناهم هذا بهذا، وباعونا هذا بهذا، فان أعطيناهم غير ما اشتروا منا شحوا علينا بحقنا وغمطناهم بحقهم، ومع كل إنسان منهم شيعته، وهو يرى مكان شيعته، فان نكثناهم نكثوا بنا، ثم لا ندري أتكون

стр. 2617

لنا الدائرة أم علينا؟ وأن تكوني ابنة عثمان أمير المؤمنين أحب إلى أن تكوني أمة من إماء المسلمين. ونعم الخلف أنا لك بعد أبيك. وقد روى ابن عدي من طريق على بن زيد وهو ضعيف عن أبى نضرة عن أبى سعيد، ومن حديث مجالد وهو ضعيف أيضا عن أبى الوداك عن أبى سعيد. أن رسول الله ﷺ قال: «إذا رأيتم معاوية على منبري فاقتلوه». وأسنده أيضا من طريق الحكم بن ظهير - وهو متروك - عن عاصم عن زر عن ابن مسعود مرفوعا. وهذا الحديث كذب بلا شك، ولو كان صحيحا لبادر الصحابة إلى فعل ذلك، لأنهم كانوا لا تأخذهم في الله لومة لائم. وأرسله عمرو بن عبيد عن الحسن البصري، قال أيوب: وهو كذب ورواه الخطيب البغدادي باسناد مجهول عن أبى الزبير عن جابر مرفوعا: «إذا رأيتم معاوية يخطب على منبري فاقتلوه (١) فإنه أمين مأمون» وقد قال أبو زرعة الدمشقيّ عن دحيم عن الوليد عن الأوزاعي قال: أدركت خلافة معاوية عدة من الصحابة منهم أسامة وسعد وجابر وابن عمر وزيد بن ثابت وسلمة بن مخلد وأبو سعيد ورافع بن خديج وأبو أمامة وأنس بن مالك، ورجال أكثر وأطيب ممن سمينا بأضعاف مضاعفة، كانوا مصابيح الهدى، وأوعية العلم، حضروا من الكتاب تنزيله، ومن الدين جديدة، وعرفوا من الإسلام ما لم يعرفه غيرهم، وأخذوا عن رسول الله ﷺ تأويل القرآن. ومن التابعين لهم بإحسان ما شاء الله، منهم المسور بن مخرمة وعبد الرحمن بن الأسود بن عبد يغوث وسعيد بن المسيب، وعبد الله بن محيريز، وفي أشباه لهم لم ينزعوا يدا من جماعة في أمة محمد ﷺ . وقال أبو زرعة عن دحيم عن الوليد عن سعيد بن عبد العزيز. قال: لما قتل عثمان لم يكن للناس غازية تغزو، حتى كان عام الجماعة فأغزا معاوية أرض الروم ست عشرة غزوة، تذهب سرية في الصيف ويشتّوا بأرض الروم، ثم تقفل وتعقبها أخرى، وكان في جملة من أغزى ابنه يزيد ومعه خلق من الصحابة، فجاز بهم الخليج، وقاتلوا أهل القسطنطينية على بابها، ثم قفل بهم راجعا إلى الشام، وكان آخر ما أوصى به معاوية أن قال: شد خناق الروم. وقال ابن وهب عن يونس عن الزهري قال: حج معاوية بالناس في أيام خلافته مرتين، وكانت أيامه عشرين سنة إلا شهرا. وقال أبو بكر بن عياش: حج بالناس معاوية سنة أربع وأربعين، وسنة خمسين. وقال غيره: سنة إحدى وخمسين فالله أعلم. وقال الليث بن سعد: حدثنا بكير عن بشر بن سعيد أن سعد بن أبى وقاص قال: ما رأيت أحدا بعد عثمان أقضى بحق من صاحب هذا الباب - يعنى معاوية - وقال عبد الرزاق: حدثنا معمر عن الزهري عن حميد بن عبد الرحمن ثنا المسور بن مخرمة أنه وفد على معاوية. قال:

стр. 2618

فلما دخلت عليه - حسبت أنه قال سلمت عليه - فقال: ما فعل طعنك على الأئمة يا مسور؟ قال قلت: ارفضنا من هذا وأحسن فيما قدمنا له، فقال: لتكلمني بذات نفسك، قال: فلم أدع شيئا أعيبه عليه إلا أخبرته به، فقال: لا تبرأ من الذنوب، فهل لك من ذنوب تخاف أن تهلكك إن لم يغفرها الله لك؟ قال: قلت: نعم! إن لي ذنوبا إن لم تغفرها هلكت بسببها، قال: فما الّذي يجعلك أحق بأن ترجو أنت المغفرة منى، فو الله لما إلى من إصلاح الرعايا وإقامة الحدود والإصلاح بين الناس والجهاد في سبيل الله والأمور العظام التي لا يحصيها إلا الله ولا نحصيها أكثر مما تذكر من العيوب والذنوب، وإني لعلى دين يقبل الله فيه الحسنات ويعفو عن السيئات، والله على ذلك ما كنت لأخيّر بين الله وغيره إلا اخترت الله على غيره مما سواه، قال: ففكرت حين قال لي ما قال فعرفت أنه قد خصمنى. قال: فكان المسور إذا ذكره بعد ذلك دعا له بخير. وقد رواه شعيب عن الزهري عن عروة عن المسور بنحوه. وقال ابن دريد عن أبى حاتم عن العتبى قال قال معاوية: يا أيها الناس! ما أنا بخيركم وإن منكم لمن هو خير منى، عبد الله بن عمر، وعبد الله بن عمرو، وغيرهما من الأفاضل، ولكن عسى أن أكون أنفعكم ولاية، وأنكاكم في عدوكم، وأدركم حلبا. وقد رواه أصحاب محمد عن ابن سعد عن محمد بن مصعب عن أبى بكر بن أبى مريم عن ثابت مولى معاوية أنه سمع معاوية يقول نحو ذلك. وقال هشام بن عمار خطيب دمشق: حدثنا عمرو بن واقد ثنا يونس بن حلبس قال سمعت معاوية على منبر دمشق يوم جمعة يقول: أيها الناس اعقلوا قولي، فلن تجدوا أعلم بأمور الدنيا والآخرة منى، أقيموا وجوهكم وصفوفكم في الصلاة، أو ليخالفن الله بين قلوبكم، خذوا على أيدي سفهائكم أو ليسلطن الله عليكم عدوكم فليسومنكم سوء العذاب. تصدقوا ولا يقولن الرجل إني مقل، فإن صدقة المقل أفضل من صدقة الغنى، إياكم وقذف المحصنات، وإن يقول الرجل: سمعت وبلغني، فلو قذف أحدكم امرأة على عهد نوح لسئل عنها يوم القيامة. وقال أبو داود الطيالسي: حدثنا يزيد ابن طهمان الرقاشيّ ثنا محمد بن سيرين. قال: كان معاوية إذا حدث عن رسول الله ﷺ لم يتهم. ورواه أبو القاسم البغوي عن سويد بن سعيد عن همام بن إسماعيل عن أبى قبيل. قال: كان معاوية يبعث رجلا يقال له أبو الجيش في كل يوم فيدور على المجالس يسأل هل ولد لأحد مولود؟ أو قدم أحد من الوفود؟ فإذا أخبر بذلك أثبت في الديوان - يعنى ليجرى عليه الرزق - وقال غيره: كان معاوية متواضعا ليس له مجالد إلا كمجالد الصبيان التي يسمونها المخاريق فيضرب بها الناس. وقال هشام بن عمار عن عمرو بن واقد عن يونس بن ميسرة بن حلبس. قال: رأيت معاوية في سوق دمشق وهو مردف وراءه وصفيا عليه قميص مرقوع الجيب، وهو يسير في أسواق دمشق، وقال

стр. 2619

الأعمش عن مجاهد، إنه قال: لو رأيتم معاوية لقلتم هذا المهدي. وقال هشيم عن العوام عن جبلة ابن سحيم عن ابن عمرو. قال: ما رأيت أحدا أسود من معاوية، قال قلت: ولا عمر؟ قال: كان عمر خيرا منه، وكان معاوية أسود منه. ورواه أبو سفيان الحيريّ عن العوام بن حوشب به. وقال: ما رأيت أحدا بعد رسول الله ﷺ أسود من معاوية، قيل ولا أبو بكر؟ قال: كان أبو بكر وعمر وعثمان خيرا منه، وهو أسود. وروى من طرق عن ابن عمر مثله. وقال عبد الرزاق: عن معمر عن همام سمعت ابن عباس يقول: ما رأيت رجلا كان أخلق بالملك من معاوية، وقال حنبل بن إسحاق: حدثنا أبو نعيم حدثنا ابن أبى عتيبة عن شيخ من أهل المدينة قال قال معاوية. أنا أول الملوك. وقال ابن أبى خيثمة: حدثنا هارون بن معروف حدثنا حمزة عن ابن شوذب قال: كان معاوية يقول أنا أول الملوك وآخر خليفة، قلت: والسنة أن يقال لمعاوية ملك، ولا يقال له خليفة لحديث «سفينة الخلافة بعدي ثلاثون سنة ثم تكون ملكا عضوضا». وقال عبد الملك بن مروان يوما وذكر معاوية فقال: ما رأيت مثله في حلمه واحتماله وكرمه. وقال قبيصة بن جابر: ما رأيت أحدا أعظم حلما ولا أكثر سؤددا ولا أبعد أناة ولا ألين مخرجا، ولا أرحب باعا بالمعروف من معاوية. وقال بعضهم: أسمع رجل معاوية كلاما سيئا شديدا، فقيل له لو سطوت عليه؟ فقال: إني لأستحيى من الله أن يضيق حلمي عن ذنب أحد من رعيتي. وفي رواية قال له رجل: يا أمير المؤمنين ما أحلمك؟ فقال: إني لأستحيى أن يكون جرم أحد أعظم من حلمي. وقال الأصمعي عن الثوري: قال قال معاوية: إني لأستحيى أن يكون ذنب أعظم من عفوي، أو جهل أكبر من حلمي، أو تكون عورة لا أواريها بستري. وقال الشعبي والأصمعي عن أبيه قالا: جرى بين رجل يقال له أبو الجهم وبين معاوية كلام فتكلم أبو الجهم بكلام فيه غمر لمعاوية، فأطرق معاوية. ثم رفع رأسه فقال: يا أبا الجهم إياك والسلطان فإنه يغضب غضب الصبيان، ويأخذ أخذ الأسد، وإن قليله يغلب كثير الناس. ثم أمر معاوية لأبى الجهم بمال فقال: أبو الجهم في ذلك يمدح معاوية. نميل على جوانبه كأنا … نميل إذا نميل على أبينا نقلبه لنخبر حالتيه … فنخبر منهما كرما ولينا وقال الأعمش: طاف الحسن بن على مع معاوية فكان معاوية يمشى بين يديه، فقال الحسن: ما أشبه أليتيه بأليتي هند؟! فالتفت إليه معاوية فقال: أما إن ذلك كان يعجب أبا سفيان. وقال ابن أخته عبد الرحمن بن أم الحكم لمعاوية: إن فلانا يشتمني، فقال له: طأطئ لها فتمر. فتجاوزك. وقال ابن الأعرابي: قال رجل لمعاوية: ما رأيت أندل منك، فقال معاوية: بلى من واجه الرجال بمثل

стр. 2620

هذا. وقال أبو عمرو بن العلاء قال معاوية: ما يسرني بذل الكرم حمر النعم. وقال: ما يسرني بذل الحلم عز النصر. وقال بعضهم: قال معاوية: يا بنى أمية فارقوا قريشا بالحلم، فو الله لقد كنت ألقى الرجل في الجاهلية فيوسعنى شتما وأوسعه حلما، فأرجع وهو لي صديق، إن استنجدته أنجدنى، وأثور به فيثور معى، وما وضع الحلم عن شريف شرفه، ولا زاده إلا كرما وقال: آفة الحلم الذل. وقال: لا يبلغ الرجل مبلغ الرأى حتى يغلب حلمه جهله، وصبره شهوته، ولا يبلغ الرجل ذلك إلا بقوة الحلم. وقال عبد الله بن الزبير: لله در ابن هند، إن كنا لنفرقه وما الليث على براثنه بأجرأ منه، فيتفارق لنا، وإن كنا لنخدعه وما ابن ليلة من أهل الأرض بأدهى منه فيتخادع لنا، والله لوددت أنا متعنا به ما دام في هذا الجبل حجر - وأشار إلى أبى قبيس - وقال رجل لمعاوية: من أسود الناس؟ فقال: أسخاهم نفسا حين يسأل، وأحسنهم في المجالس خلقا، وأحلمهم حين يستجهل. وقال أبو عبيدة معمر بن المثنى: كان معاوية يتمثل بهذه الأبيات كثيرا. فما قتل السفاهة مثل حلم … يعود به على الجهل الحليم فلا تسفه وإن ملّئت غيظا … على أحد فان الفحش لوم ولا تقطع أخا لك عند ذنب … فان الذنب يغفره الكريم [وقال القاضي الماوردي في الأحكام السلطانية: وحكى أن معاوية أتى بلصوص فقطعهم حتى بقي واحد من بينهم، فقال: يميني أمير المؤمنين أعيذها … بعفوك أن تلقى مكانا يشينها يدي كانت الحسناء لو تم سترها … ولا تعدم الحسناء عيبا يشيبها فلا خير في الدنيا وكانت حبيبة … إذا ما شمالي فارقتها يمينها فقال معاوية: كيف أصنع بك؟ قد قطعنا أصحابك؟ فقالت أم السارق: يا أمير المؤمنين! اجعلها في ذنوبك التي تتوب منها. فخلى سبيله، فكان أول حد ترك في الإسلام] (١). وعن ابن عباس أنه قال: قد علمت بم غلب معاوية الناس، كانوا إذا طاروا وقع، وإذ وقع طاروا، وقال غيره: كتب معاوية إلى نائبة زياد: إنه لا ينبغي أن يسوس الناس سياسة واحدة باللين فيمرحوا، ولا بالشدة فيحمل الناس على المهالك، ولكن كن أنت للشدة والفظاظة والغلظة، وأنا للين والألفة والرحمة، حتى إذا خاف خائف وجد بابا يدخل منه. وقال أبو مسهر عن سعيد بن عبد العزيز. قال: قضى معاوية عن عائشة أم المؤمنين ثمانية عشر ألف دينار، وما كان عليها من الدين الّذي كانت تعطيه الناس. وقال هشام بن عروة عن أبيه. قال: بعث معاوية إلى أم المؤمنين عائشة بمائة ألف

стр. 2621

ففرقتها من يومها فلم يبق منها درهم، فقالت لها خادمتها: هلا أبقيت لنا درهما نشتري به لحما تفطري عليه؟ فقالت: لو ذكرتيني لفعلت. وقال عطاء: بعث معاوية إلى عائشة وهي بمكة بطوق قيمته مائة ألف فقبلته. وقال زيد بن الحباب عن الحسين بن واقد عن عبد الله بن بريدة. قال: قدم الحسن بن على على معاوية فقال له: لأجيزنك بجائزة لم يجزها أحد كان قبلي، فأعطاه أربعمائة ألف ألف. ووفد إليه مرة الحسن والحسين فأجازهما على الفور بمائتي ألف، وقال لهما: ما أجاز بهما أحد قبلي، فقال له الحسين، ولم تعط أحدا أفضل منا. وقال ابن أبى الدنيا: حدثنا يوسف بن موسى ثنا جرير عن مغيرة. قال: أرسل الحسن بن على وعبد الله بن جعفر إلى معاوية يسألانه المال، فبعث إليهما - أو إلى كل منهما - بمائة ألف، فبلغ ذلك عليا فقال لهما: ألا تستحيان؟ رجل نطعن في عينه غدوة وعشية تسألانه المال؟ فقالا: بل حرمتنا أنت وجاد هو لنا. وروى الأصمعي قال: وفد الحسن وعبد الله بن الزبير على معاوية فقال للحسن: مرحبا وأهلا بابن رسول الله، وأمر له بثلاثمائة ألف، وقال لابن الزبير: مرحبا وأهلا بابن عمة رسول الله، وأمر له بمائة ألف. وقال أبو مروان المرواني: بعث معاوية إلى الحسن بن على بمائة ألف فقسمها على جلسائه، وكانوا عشرة، فأصاب كل واحد عشرة آلاف. وبعث إلى عبد الله بن جعفر بمائة ألف فاستوهبتها منه امرأته فاطمة فأطلقها لها، وبعث إلى مروان بن الحكم بمائة ألف فقسم منها خمسين ألفا وحبس خمسين ألفا، وبعث إلى ابن عمر بمائة ألف، ففرق منها تسعين واستبقى عشرة آلاف. فقال معاوية: إنه لمقتصد يحب الاقتصاد. وبعث إلى عبد الله بن الزبير بمائة ألف فقال للرسول: لم جئت بها بالنهار؟ هلا جئت بها بالليل؟ ثم حبسها عنده ولم يعط منها أحدا شيئا، فقال معاوية: إنه لخب ضبّ، كأنك به قد رفع ذنبه وقطع حبله. وقال ابن داب: كان لعبد الله بن جعفر على معاوية في كل سنة ألف ألف، ويقضى له معها مائة حاجة، فقدم عليه عاما فأعطاه المال وقضى له الحاجات، وبقيت منها واحدة، فبينما هو عنده إذ قدم أصبغهند سجستان يطلب من معاوية أن يملكه على تلك البلاد، ووعد من قضى له هذه الحاجة من ماله ألف ألف، فطاف على رءوس الأشهاد والأمراء من أهل الشام وأمراء العراق، ممن قدم مع الأحنف بن قيس، فكلهم يقولون: عليك بعبد الله بن جعفر، فقصده الدهقان فكلم فيه ابن جعفر معاوية فقضى حاجته تكملة المائة حاجة، وأمر الكاتب فكتب له عهده، وخرج به ابن جعفر إلى الدهقان فسجد له وحمل إليه ألف ألف درهم، فقال له ابن جعفر: اسجد لله واحمل مالك إلى منزلك، فإنا أهل بيت لا نبيع المعروف بالثمن. فبلغ ذلك معاوية فقال: لأن يكون يزيد قالها أحب إلى من خراج العراق، أبت بنو هاشم إلا كراما. وقال غيره: كان لعبد الله بن جعفر على معاوية في كل سنة ألف ألف، فاجتمع عليه في بعض الأوقات دين خمسمائة ألف، فألحّ عليه

стр. 2622

غرماؤه فاستنظرهم حتى يقدم على معاوية فيسأله أن يسلفه شيئا من العطاء، فركب إليه فقال له: ما أقدمك يا ابن جعفر؟ فقال: دين ألحّ على غرماؤه، فقال: وكم هو؟ قال: خمسمائة ألف. فقضاها عنه وقال له: إن الألف ألف ستأتيك في وقتها. وقال ابن سعيد: حدثنا موسى بن إسماعيل ثنا ابن هلال عن قتادة. قال قال معاوية: يا عجبا للحسن بن على!! شرب شربة عسل يمانية بماء رومة فقضى نحبه، ثم قال لابن عباس: لا يسؤك الله ولا يحزنك في الحسن بن على، فقال ابن عباس لمعاوية: لا يحزنني الله ولا يسوءنى ما أبقى الله أمير المؤمنين. قال: فأعطاه ألف ألف درهم وعروضا وأشياء، وقال: خذها فاقسمها في أهلك. وقال أبو الحسن المدائني عن سلمة بن محارب قال: قيل لمعاوية أيكم كان أشرف، أنتم أو بنو هاشم؟ قال: كنا أكثر أشرافا وكانوا هم أشرف، فيهم واحد لم يكن في بنى عبد مناف مثل هاشم، فلما هلك كنا أكثر عددا وأكثر أشرافا، وكان فيهم عبد المطلب لم يكن فينا مثله، فلما مات صرنا أكثر عددا وأكثر أشرافا، ولم يكن فيهم واحد كواحدنا، فلم يكن إلا كقرار العين حتى قالوا: منا نبي، فجاء نبي لم يسمع الأولون والآخرون بمثله، محمد ﷺ ، فمن يدرك هذه الفضيلة وهذا الشرف؟. وروى ابن أبى خيثمة عن موسى بن إسماعيل عن حماد بن سلمة عن على بن زيد عن يوسف بن مهران عن ابن عباس أن عمرو بن العاص قصّ على معاوية مناما رأى فيه أبا بكر وعمر وعثمان وهم يحاسبون على ما ولّوه في أيامهم، ورأى معاوية وهو موكل به رجلان يحاسبانه على ما عمل في أيامه، فقال له معاوية: وما رأيت ثم دنانير مصر؟. وقال ابن دريد عن أبى حاتم عن العتبى. قال: دخل عمرو على معاوية وقد ورد عليه كتاب فيه تعزية له في بعض الصحابة، فاسترجع معاوية فقال عمرو بن العاص: - تموت الصالحون وأنت حي … تخطاك المنايا لا تموت فقال له معاوية: - أترجو أن أموت وأنت حي … فلست بميت حتى تموت وقال ابن السماك قال معاوية: كل الناس أستطيع أن أرضيه إلا حاسد نعمة فإنه لا يرضيه إلا زوالها، وقال الزهري عن عبد الملك عن أبى بحرية. قال قال معاوية: المروءة في أربع، العفاف في الإسلام، واستصلاح المال، وحفظ الأخوان، وحفظ الجار. وقال أبو بكر الهذلي: كان معاوية يقول الشعر فلما ولى الخلافة قال له أهله: قد بلغت الغاية فماذا تصنع بالشعر؟ فارتاح يوما فقال: - صرمت سفاهتي وأرحت حلمي … وفىّ على تحملي اعتراضى على أنى أجيب إذا دعتني … إلى حاجاتها الحدق المراض وقال مغيرة عن الشعبي: أول من خطب جالسا معاوية حين كثر شحمة وعظم بظنه. وكذا

стр. 2623

روى عن مغيرة عن إبراهيم أنه قال: أول من خاطب جالسا يوم الجمعة معاوية. وقال أبو المليح عن ميمون: أول من جلس على المنبر معاوية واستأذن الناس في الجلوس. وقال قتادة عن سعيد بن المسيب: أول من أذن وأقام يوم الفطر والنحر معاوية. وقال أبو جعفر الباقر: كانت أبواب مكة لا أغلاق لها، وأول من اتخذ لها الأبواب معاوية. وقال أبو اليمان عن شعيب عن الزهري: مضت السنة أن لا يرث الكافر المسلم، ولا المسلم الكافر، وأول من ورث المسلم من الكافر معاوية، وقضى بذلك بنو أمية بعده، حتى كان عمر بن عبد العزيز فراجع السنة، وأعاد هشام ما قضى به معاوية وبنو أمية من بعده، وبه قال الزهري، ومضت السنة أن دية المعاهد كدية المسلم، وكان معاوية أول من قصرها إلى النصف، وأخذ النصف لنفسه. وقال ابن وهب عن مالك عن الزهري قال: سألت سعيد بن المسيب عن أصحاب رسول الله ﷺ فقال لي: اسمع يا زهري، من مات محبا لأبى بكر وعمر وعثمان وعلى، وشهد للعشرة بالجنة، وترحم على معاوية، كان حقا على الله أن لا يناقشه الحساب. وقال سعيد بن يعقوب الطالقانيّ: سمعت عبد الله بن المبارك يقول: تراب في أنف معاوية أفضل من عمر بن عبد العزيز. وقال محمد بن يحيى بن سعيد: سئل ابن المبارك عن معاوية فقال: ما أقول في رجل قال رسول الله ﷺ : سمع الله لمن حمده، فقال خلفه: ربنا ولك الحمد، فقيل له: أيهما أفضل؟ هو أو عمر بن عبد العزيز؟ فقال: لتراب في منخري معاوية مع رسول الله ﷺ خير وأفضل من عمر بن عبد العزيز. وقال غيره عن ابن المبارك قال معاوية: عندنا محنة فمن رأيناه ينظر إليه شزرا اتهمناه على القول - يعنى الصحابة - وقال محمد بن عبد الله بن عمار الموصلي وغيره: سئل المعافى بن عمران أيهما أفضل؟ معاوية أو عمر بن عبد العزيز؟ فغضب وقال للسائل: أتجعل رجلا من الصحابة مثل رجل من التابعين؟ معاوية صاحبه وصهره وكاتبه وأمينه على وحي الله. وقد قال رسول الله ﷺ : «دعوا لي أصحابى وأصهارى، فمن سبهم فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين». وكذا قال الفضل بن عتيبة. وقال أبو توبة الربيع بن نافع الحلبي: معاوية ستر لأصحاب محمد ﷺ ، فإذا كشف الرجل الستر اجترأ على ما وراءه. وقال الميموني قال لي أحمد بن حنبل: يا أبا الحسن إذا رأيت رجلا يذكر أحدا من الصحابة بسوء فاتهمه على الإسلام. وقال الفضل ابن زياد: سمعت أبا عبد الله يسأل عن رجل تنقص معاوية وعمرو بن العاص أيقال له رافضي؟ فقال: إنه لم يجترئ عليهما إلا وله خبيئة سوء، ما انتقص أحد أحدا من الصحابة إلا وله داخلة سوء. وقال ابن المبارك عن محمد بن مسلم عن إبراهيم بن ميسرة. قال: ما رأيت عمر بن عبد العزيز ضرب إنسانا قط إلا إنسانا شتم معاوية، فإنه ضربه أسواطا. وقال بعض السلف: بينما أنا على جبل بالشام إذ سمعت هاتفا يقول: من أبغض الصديق فذاك زنديق، ومن أبغض عمر فإلى جهنم زمرا، ومن

стр. 2624

أبغض عثمان فذاك خصمه الرحمن، ومن أبغض عليا فذاك خصمه النبي، ومن أبغض معاوية سحبته الزبانية، إلى جهنم الحامية، يرمى به في الحامية الهاوية. وقال بعضهم: رأيت رسول الله ﷺ وعنده أبو بكر وعمر وعثمان وعلى ومعاوية، إذ جاء رجل فقال عمر: يا رسول الله هذا يتنقصنا، فكأنه انتهره رسول الله ﷺ ، فقال: يا رسول الله إني لا أتنقص هؤلاء ولكن هذا - يعنى معاوية - فقال: «ويلك! أو ليس هو من أصحابى؟ قالها ثلاثا، ثم أخذ رسول الله ﷺ حربة فناولها معاوية فقال: جا بها (١) في لبته» فضربه بها وانتهبت فبكرت إلى منزلي فإذا ذلك الرجل قد أصابته الذبحة من الليل ومات، وهو راشد الكندي. وروى ابن عساكر عن الفضيل بن عياض أنه كان يقول: معاوية من الصحابة، من العلماء الكبار، ولكن ابتلى بحب الدنيا. وقال العتبى: قيل لمعاوية أسرع إليك الشيب؟ فقال: كيف لا ولا أزال أرى رجلا من العرب قائما على رأسي يلقح لي كلاما يلزمني جوابه، فان أصبت لم أحمد، وإن أخطأت سارت بها البرود. وقال الشعبي وغيره: أصابت معاوية في آخر عمره لوقة [وروى ابن عساكر في ترجمة خديج الخصى مولى معاوية قال: اشترى معاوية جارية بيضاء جميلة فأدخلتها عليه مجردة، وبيده قضيب، فجعل يهوى به إلى متاعها - يعنى فرجها - ويقول: هذا المتاع لو كان لي متاع، اذهب بها إلى يزيد بن معاوية، ثم قال: لا! ادع لي ربيعة بن عمرو الجرشى - وكان فقيها - فلما دخل عليه قال: إن هذه أتيت بها مجردة فرأيت منها ذاك وذاك، وإني أردت أن أبعث بها إلى يزيد، قال: لا تفعل يا أمير المؤمنين! فإنها لا تصلح له، فقال: نعم ما رأيت، قال: ثم وهبها لعبد الله بن مسعدة الفزاري مولى فاطمة بنت رسول الله ﷺ ، وكان أسود فقال له: بيض بها ولدك، وهذا من فقه معاوية وتحريه، حيث كان نظر إليها بشهوة، ولكنه استضعف نفسه عنها، فتحرج أن يهبها من ولده يزيد لقوله تعالى ﴿وَلا تَنْكِحُوا ما نَكَحَ آباؤُكُمْ مِنَ النِّساءِ﴾ وقد وافقه على ذلك الفقيه ربيعة بن عمرو الجرشى الدمشقيّ (٢)] [وذكر ابن جرير أن عمرو بن العاص قدم في وفد أهل مصر إلى معاوية، فقال لهم في الطريق: إذا دخلتم على معاوية فلا تسلموا عليه بالخلافة فإنه لا يحب ذلك، فلما دخل عليه عمرو قبلهم، قال معاوية لحاجبه: أدخلهم، وأوعز إليه أن يخوفهم في الدخول ويرعبهم، وقال: إني لأظن عمرا قد تقدم إليهم في شيء؟. فلما أدخلوهم عليه - وقد أهانوهم - جعل أحدهم إذا دخل يقول: السلام عليك يا رسول الله، فلما نهض عمرو من عنده قال: قبحكم الله! نهيتكم عن أن تسلموا عليه بالخلافة فسلمتم عليه بالنّبوّة. وذكر أن رجلا سأل من معاوية أن يساعده في بناء داره باثني عشر ألف جذع من الخشب.

стр. 2625

فقال له معاوية: أين دارك؟ قال: بالبصرة، قال: وكم اتساعها؟ قال: فرسخان في فرسخين، قال: لا تقل داري بالبصرة، ولكن قل: البصرة في داري. وذكر أن رجلا دخل بابن معه فجلسا على سماط معاوية فجعل ولده يأكل أكلا ذريعا، فجعل معاوية يلاحظه، وجعل أبوه يريد أن ينهاه عن ذلك فلا يفطن، فلما خرجا لامه أبوه وقطعه عن الدخول، فقال له معاوية! أين ابنك التلقامة؟ قال: اشتكى. قال: قد علمت أن أكله سيورثه داء. قال: ونظر معاوية إلى رجل وقف بين يديه يخاطبه وعليه عباءة فجعل يزدريه، فقال: يا أمير المؤمنين إنك لا تخاطب العباءة، إنما يخاطبك من بها. وقال معاوية: أفضل الناس من إذا أعطى شكر، وإذا ابتلى صبر، وإذا غضب كظم، وإذا قدر غفر، وإذا وعد أنجز، وإذا أساء استغفر. وكتب رجل من أهل المدينة إلى معاوية بن أبى سفيان ﵁: إذا الرجال ولدت أولادها، واضطربت من كبر أعضادها وجعلت أسقامها تعتادها، فهي زروع قددنا حصادها. فقال معاوية: نعى إليّ نفسي (١)] وقال ابن أبى الدنيا: حدثني هارون بن سفيان عن عبد الله السهمي حدثني ثمامة بن كلثوم أن آخر خطبة خطبها معاوية أن قال: أيها الناس! إن من زرع قد استحصد، وإني قد وليتكم ولن يليكم أحد بعدي خير منى، وإنما يليكم من هو شر منى، كما كان من وليكم قبلي خيرا منى، ويا يزيد إذا دنا أجلى فول غسلي رجلا لبيبا، فان اللبيب من الله بمكان، فلينعم الغسل وليجهر بالتكبير، ثم اعمد إلى منديل في الخزانة فيه ثوب من ثياب رسول الله ﷺ وقراضة من شعره وأظفاره، فاستودع القراضة أنفى وفمي، وأذنى وعيني، واجعل ذلك الثوب مما يلي جلدي دون لفافى، ويا يزيد احفظ وصية الله في الوالدين، فإذا أدرجتمونى في جريدتى ووضعتموني في حفرتي فخلوا معاوية وأرحم الراحمين. وقال بعضهم: لما احتضر معاوية جعل يقول: - لعمري لقد عمرت في الدهر برهة … ودانت لي الدنيا بوقع البواتر وأعطيت حمر المال والحكم والنهى … ولي سلمت كل الملوك الجبابر فأضحى الّذي قد كان مما يسرّنى … كحكم مضى في المزمنات الغوابر فيا ليتني لم أعن في الملك ساعة … ولم أسع في لذات عيش نواضر وكنت كذي طمرين عاش ببلغة … فلم يك حتى زار ضيق المقابر وقال محمد بن سعد. أنبأنا على بن محمد عن محمد بن الحكم عمن حدثه أن معاوية لما احتضر أوصى بنصف ماله أن يرد إلى بيت المال - كأنه أراد أن يطيب له - لأن عمر بن الخطاب قاسم عماله. وذكروا أنه في آخر عمره اشتد به البرد فكان إذا لبس أو تغطى بشيء ثقيل يغمه، فاتخذ له

стр. 2626

ثوبا من حواصل الطير، ثم ثقل عليه بعد ذلك، فقال: تبا لك من دار، ملكتك أربعين سنة، عشرين أميرا، وعشرين خليفة، ثم هذا حالي فيك، ومصيري منك، تبا للدنيا ولمحبيها. وقال محمد بن سعد: أنبأنا أبو عبيدة عن أبى يعقوب الثقفي عن عبد الملك بن عمير. قال: لما ثقل معاوية وتحدث الناس بموته قال لأهله: احشوا عيني إثمدا، وأوسعوا رأسي دهنا، ففعلوا وغرقوا وجهه بالدهن، ثم مهد له مجلس وقال: أسندوني، ثم قال: ائذنوا للناس فليسلموا على قياما ولا يجلس أحد، فجعل الرجل يدخل فيسلم قائما فيراه مكتحلا متدهنا فيقول متقول الناس إن أمير المؤمنين لما به وهو أصح الناس، فلما خرجوا من عنده قال معاوية في ذلك: - وتجلدي للشامتين أريهم … أنى لريب الدهر لا أتضعضع وإذا المنية أنشبت أظفارها … ألفيت كل تميمة لا تنفع قال: وكان به النقابة - يعنى لوقة - فمات من يومه ذلك ﵀. وقال موسى بن عقبة: لما نزل بمعاوية الموت قال: يا ليتني كنت رجلا من قريش بذي طوى، ولم أل من هذا الأمر شيئا. وقال أبو السائب المخزومي: لما حضرت معاوية الوفاة تمثل بقول الشاعر: - إن تناقش يكن نقاشك يا رب … عذابا لا طوق لي بالعذاب أو تجاوز تجاوز العفو واصفح … عن مسيء ذنوبه كالتراب وقال بعضهم: لما احتضر معاوية جعل أهله يقلبونه فقال لهم: أي شيخ تقلبون؟ إن نجاه الله من عذاب النار غدا. وقال محمد بن سيرين: جعل معاوية لما احتضر يضع خدا على الأرض ثم يقلب وجهه ويضع الخد الآخر ويبكى ويقول: اللهمّ إنك قلت في كتابك ﴿إِنَّ اللهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ ما دُونَ ذلِكَ لِمَنْ يَشاءُ﴾ اللهمّ فاجعلني فيمن تشاء أن تغفر له. وقال العتبى عن أبيه: تمثل معاوية عند موته بقول بعضهم وهو في السياق. هو الموت لا منجا من الموت والّذي … نحاذر بعد الموت أدهى وأفظع ثم قال: اللهمّ أقل العثرة، وأعف عن الزلة، وتجاوز بحلمك عن جهل من لم يرج غيرك، فإنك واسع المغفرة، ليس لذي خطيئة من خطيئته مهرب إلا إليك. ورواه ابن دريد عن أبى حاتم عن أبى عبيدة عن أبى عمرو بن العلاء فذكر مثله، وزاد: ثم مات. وقال غيره: أغمى عليه ثم أفاق فقال لأهله: اتقوا الله فان الله تعالى يقي من اتقاه، ولا يقي من لا يتقى، ثم مات ﵀. وقد روى أبو مخنف عن عبد الملك بن نوفل. قال: لما مات معاوية صعد الضحاك بن قيس المنبر فخطب الناس - وأكفان معاوية على يديه - فقال بعد حمد الله والثناء عليه: إن معاوية الّذي كان سور

стр. 2627

العرب وعونهم وجدهم، قطع الله به الفتنة، وملكه على العباد، وفتح به البلاد، ألا إنه قد مات وهذه أكفانه، فنحن مدرجوه فيها ومدخلوه قبره ومخلون بينه وبين عمله، ثم هول البرزخ إلى يوم القيامة، فمن كان منكم يريد أن يشهده فليحضر عند الأولى. ثم نزل وبعث البريد إلى يزيد بن معاوية يعلمه ويستحثه على المجيء. ولا خلاف أنه توفى بدمشق في رجب سنة ستين. فقال جماعة: ليلة الخميس للنصف من رجب سنة ستين، وقيل ليلة الخميس لثمان بقين من رجب سنة ستين. قاله ابن إسحاق وغير واحد، وقيل لأربع خلت من رجب، قاله الليث. وقال سعد بن إبراهيم لمستهل رجب، قال محمد بن إسحاق والشافعيّ: صلى عليه ابنه يزيد، وقد ورد من غير وجه أنه أوصى إليه أن يكفن في ثوب رسول الله ﷺ الّذي كساه إياه، وكان مدّخرا عنده لهذا اليوم، وأن يجعل ما عنده من شعره وقلامة أظفاره في فمه وأنفه وعينيه وأذنيه. وقال آخرون: بل كان ابنه يزيد غائبا فصلى عليه الضحاك بن قيس بعد صلاة الظهر بمسجد دمشق، ثم دفن فقيل بدار الامارة وهي الخضراء، وقيل بمقابر باب الصغير، وعليه الجمهور فالله أعلم. وكان عمره إذ ذاك ثمانيا وسبعين سنة، وقيل جاوز الثمانين وهو الأشهر والله أعلم. ثم ركب الضحاك بن قيس في جيش وخرج ليتلقى يزيد بن معاوية - وكان يزيد بحوارين - فلما وصلوا إلى ثنية العقاب تلقتهم أثقال يزيد، وإذا يزيد راكب على بختي وعليه الحزن ظاهر، فسلم عليه الناس بالإمارة وعزوه في أبيه، وهو يخفض صوته في رده عليهم، والناس صامتون لا يتكلم معه إلا الضحاك بن قيس، فانتهى إلى باب توما، فظن الناس أنه يدخل منه إلى المدينة، فأجازه مع السور حتى انتهى إلى الباب الشرقي، فقيل: يدخل منه لأنه باب خالد، فجازه حتى أتى الباب الصغير فعرف الناس أنه قاصد قبر أبيه، فلما وصل إلى باب الصغير ترجل عند القبر ثم دخل فصلى على أبيه بعد ما دفن ثم انفتل، فلما خرج من المقبرة أتى بمراكب الخلافة فركب. ثم دخل البلد وأمر فنودي في الناس إن الصلاة جامعة، ودخل الخضراء فاغتسل ولبس ثيابا حسنة ثم خرج فخطب الناس أول خطبة خطبها وهو أمير المؤمنين، فقال بعد حمد الله والثناء عليه: أيها الناس! إن معاوية كان عبدا من عبيد الله، أنعم الله عليه ثم قبضه إليه، وهو خير ممن بعده ودون من قبله، ولا أزكيه على الله فإنه أعلم به، إن عفى عنه فبرحمته، وإن عاقبه فبذنبه، وقد وليت الأمر من بعده، ولست آسى على طلب، ولا أعتذر من تفريط، وإذا أراد الله شيئا كان. وقال لهم في خطبته هذه: وإن معاوية كان يغزيكم في البحر، وإني لست حاملا أحدا من المسلمين في البحر، وإن معاوية كان يشتيكم بأرض الروم ولست مشتيا أحدا بأرض الروم، وإن معاوية كان يخرج لكم العطاء أثلاثا وأنا أجمعه لكم كله. قال: فافترق الناس عنه وهم لا يفضلون

стр. 2628

عليه أحدا. وقال محمد بن عبد الله بن عبد الحكم: سمعت الشافعيّ يقول: بعث معاوية وهو مريض إلى ابنه يزيد، فلما جاءه البريد ركب وهو يقول: - جاء البريد بقرطاس يخب به … فأوجس القلب من قرطاسه فزعا قلنا لك الويل ماذا في صحيفتكم … قال الخليفة أمسى مثقلا وجعا فمادت الأرض أو كادت تميد بنا … كأن أغبر من أركانها انقلعا ثم انبعثنا إلى خوص مضمرة … نرمي الفجاج بها ما نأتلى سرعا فما نبالى إذا بلّغن أرجلنا … ما مات منهن بالمرمات أو طلعا لما انتهينا وباب الدار منصفق … بصوت رملة ريع القلب فانصدعا من لا تزل نفسه توفى على شرف … توشك مقاليد تلك النفس أن تقعا أودى ابن هند وأودى المجد يتبعه … كأنا جميعا خليطا سالمين معا أغر أبلج يستسقى الغمام به … لو قارع الناس عن أحلامهم قرعا لا يرقع الناس ما أوهى وإن جهدوا … أن يرقعوه ولا يوهون ما رقعا وقال الشافعيّ: سرق يزيد هذين البيتين من الأعشى، ثم ذكر أنه دخل قبل موت أبيه دمشق وأنه أوصى إليه، وهذا قد قاله ابن إسحاق وغير واحد، ولكن الجمهور على أن يزيد لم يدخل دمشق إلا بعد موت أبيه، وأنه صلى على قبره بالناس كما قدمناه والله أعلم. وقال أبو الورد العنبري يرثى معاوية ﵁: - ألا أنعى معاوية بن حرب … نعاة الحل للشهر الحرام نعاه الناعيات بكل فج … خواضع في الأزمة كالسهام فهاتيك النجوم وهنّ خرس … ينحن على معاوية الهمام وقال أيمن بن خريم يرثيه أيضا: - رمى الحدثان نسوة آل حرب … بمقدار سمدن له سمودا فرد شعورهن السود بيضا … ورد وجوههن البيض سودا فإنك لو شهدت بكاء هند … ورملة إذ يصفقن الخدودا بكيت بكاء معولة قريح … أصاب الدهر واحدها الفريدا ذكر من تزوج من النساء ومن ولد له من الأولاد الذكور والإناث كان له عبد الرحمن وبه كان يكنى، وعبد الله، وكان ضعيف العقل، وأمهما فاختة بنت قرظة ابن عمرو بن نوفل بن عبد مناف، وقد تزوج بأختها منفردة عنها بعدها، وهي كنوة بنت قرظة وهي

стр. 2629

التي كانت معه حين افتتح قبرص، وتزوج نائلة بنت عمارة الكلبية فأعجبته وقال لميسون بنت بحدل: ادخلى فانظرى إلى ابنة عمك، فدخلت فسألها عنها فقالت: إنها لكاملة الجمال، ولكن رأيت تحت سرتها خالا، وإني لأرى هذه يقتل زوجها ويوضع رأسه في حجرها. فطلقها معاوية فتزوجها بعده حبيب بن سلمة الفهري، ثم خلف عليها بعده النعمان بن بشير فقتل ووضع رأسه في حجرها. ومن أشهر أولاده يزيد وأمه ميسون بنت بحدل بن أنيف بن دجلة بن قنافة الكلبي، وهي التي دخلت على نائلة فأخبرت معاوية عنها بما أخبرته، وكانت حازمة عظيمة الشأن جمالا ورياسة وعقلا ودينا، دخل عليها معاوية يوما ومعه خادم خصى فاستترت منه وقالت: ما هذا الرجل معك؟ فقال: إنه خصى فاظهرى عليه، فقالت: ما كانت المثلة لتحل له ما حرم الله عليه، وحجبته عنها. وفي رواية أنها قالت له: إن مجرد مثلتك له لن تحل ما حرمه الله عليه، فلهذا أولى الله ابنها يزيد الخلافة بعد أبيه. وذكر ابن جرير أن ميسون هذه ولدت لمعاوية بنتا أخرى يقال لها: أمة رب المشارق، ماتت صغيرة، ورملة تزوجها عمرو بن عثمان بن عفان، كانت دارها بدمشق عند عقبة السمك تجاه زقاق الرمان، قاله ابن عساكر قال: ولها طاحون معروفة إلى الآن، وهند بنت معاوية تزوجها عبد الله بن عامر، فلما أدخلت عليه بالخضراء جوار الجامع أرادها على نفسها فتمنعت عليه وأبت أشد الاباء، فضربها فصرخت، فلما سمع الجواري صوتها صرخن وعلت أصواتهن، فسمع معاوية فنهض إليهن فاستعلمهن ما الخبر؟ فقلن: سمعنا صوت سيدتنا فصحنا، فدخل فإذا بها تبكى من ضربه، فقال لابن عامر: ويحك!! مثل هذه تضرب في مثل هذه الليلة؟ ثم قال له: اخرج من هاهنا، فخرج ابن عامر وخلا بها معاوية فقال لها: يا بنية إنه زوجك الّذي أحله الله لك، أو ما سمعت قول الشاعر: - من الخفرات البيض أما حرامها … فصعب وأما حلها فذلول؟ ثم خرج معاوية من عندها وقال لزوجها: ادخل فقد مهدت لك خلقها ووطأته. فدخل ابن عامر فوجدها قد طابت أخلاقها فقضى حاجته منها رحمهم الله تعالى. فصل [كان على قضاء معاوية أبو الدرداء بولاية عمر بن الخطاب، فلما حضره الموت أشار على معاوية بتولية فضالة بن عبيد، ثم مات فضالة فولى أبا إدريس الخولانيّ. وكان على حرسه رجل من الموالي يقال له المختار وقيل مالك، ويكنى أبا المخارق - مولى لحمير - وكان معاوية أول من اتخذ الحرس، وعلى حجابته سعد مولاه وعلى الشرطة قيس بن حمزة، ثم زميل بن عمرو العذري، ثم الضحاك بن

стр. 2630

قيس الفهري، وكان صاحب أمره سرجون بن منصور الرومي. وكان معاوية أول من اتخذ ديوان الخاتم وختم الكتب] (١). فصل وممن ذكر أنه توفى في هذه السنة - أعنى سنة ستين - (صفوان بن المعطل) بن رخصة بن المؤمل ابن خزاعيّ أبو عمرو، وأول مشاهده المريسيع، وكان في الساقة يومئذ، وهو الّذي رماه أهل الافك بأم المؤمنين فبرأه الله وإياها مما قالوا، وكان من سادات المسلمين، وكان ينام نوما شديدا حتى كان ربما طلعت عليه الشمس وهو نائم لا يستيقظ، فقال له رسول الله ﷺ : «إذا استيقظت فصل» وقد قتل صفوان شهيدا. أبو مسلم الخولانيّ عبد بن ثوب الخولانيّ من خولان ببلاد اليمن. دعاه الأسود العنسيّ إلى أن يشهد أنه رسول الله فقال له: أتشهد أنى رسول الله؟ فقال: لا أسمع، أشهد أن محمدا رسول الله، فأجج له نارا وألقاه فيها فلم تضره، وأنجاه الله منها فكان يشبه بإبراهيم الخليل، ثم هاجر فوجد رسول الله ﷺ قد مات، فقدم على الصديق فأجلسه بينه وبين عمر وقال له عمر: الحمد لله الّذي لم يمتنى حتى أرى في أمة محمد من فعل به كما فعل بإبراهيم الخليل، وقبله بين عينيه، وكانت له أحوال ومكاشفات والله سبحانه أعلم. ويقال إنه توفى فيها النعمان بن بشير، والأظهر أنه مات بعد ذلك كما سيأتي إن شاء الله تعالى. إمارة يزيد بن معاوية وما جرى في أيامه من الحوادث والفتن بويع له بالخلافة بعد أبيه في رجب سنة ستين، وكان مولده سنة ست وعشرين، فكان يوم بويع ابن أربع وثلاثين سنة، فأقر ثواب أبيه على الأقاليم، لم يعزل أحدا منهم، وهذا من ذكائه. قال هشام بن محمد الكلبي عن أبى مخنف لوط بن يحيى الكوفي الأخباري: ولى يزيد في هلال رجب سنة ستين، وأمير المدينة الوليد بن عتبة بن أبى سفيان، وأمير الكوفة النعمان بن بشير، وأمير البصرة عبد الله بن زياد، وأمير مكة عمرو بن سعيد بن العاص، ولم يكن ليزيد همة حين ولى إلا بيعة النفر الذين أبوا على معاوية البيعة ليزيد، فكتب إلى نائب المدينة الوليد بن عتبة: «بسم الله الرحمن الرحيم من يزيد أمير المؤمنين إلى الوليد بن عتبة، أما بعد فان معاوية كان عبدا من عباد الله أكرمه الله واستخلفه وخوّله ومكّن له، فعاش بقدر ومات بأجل، فرحمه الله، فقد عاش محمودا ومات برا تقيا والسلام. وكتب إليه في صحيفة كأنها أذن الفأرة: أما بعد فخذ حسينا وعبد الله بن عمرو عبد الله بن
следующие страницы →