← История

История · id 23708

البداية والنهاية - ط السعادة

ابن كثير

Полный текст (4 918 стр.). Показаны 3081–3120 · переход к 3086.

стр. 3081

تسمع بالمعيدي خير من أن تراه، فقال: حيّهلا يا أمير المؤمنين إنما المرء بأصغريه قلبه ولسانه، إن نطق نطق ببيان، وإن قاتل قاتل بجنان، وأنا الّذي أقول وجربت الأمور وجربتنى … وقد أبدت عريكتى الأمور وما تخفى الرجال على أنى … بهم لأخو مثاقفة خبير ترى الرجل النحيف فتزدريه … وفي أثوابه أسد زئير ويعجبك الطرير فتختبره … فيخلف ظنك الرجل الطرير وما هام الرجال لها بزين … ولكن زينها دين وخير بغاث الطير أطولها جسوما … ولم تطل البزاة ولا الصقور وقد عظم البعير بغير لب … فلم يستغن بالعظم البعير فيركب ثم يضرب بالهراوى … ولا عرف لديه ولا نكير وعود النبع ينبت مستمرا … وليس يطول والعضباء حور وقد تكلم أبو الفرج بن طرار على غريب هذه الحكاية وشعرها بكلام طويل، قالوا: ودخل كثير عزة يوما على عبد الملك بن مروان فامتدحه بقصيدته التي يقول فيها: - على ابن أبى العاصي دروع حصينة … أجاد المسدى سردها وأدالها قال له عبد الملك: أفلا قلت كما قال الأعشى لقيس بن معديكرب: - وإذا تجيء كتيبة ملمومة … شهبا يخشى الذائدون صيالها كنت المقدم غير لابس جبة … بالسيف يضرب معلما أبطالها فقال: يا أمير المؤمنين وصفه بالخرق ووصفتك بالحزم. ودخل يوما على عبد الملك وهو يتجهز للخروج إلى مصعب بن الزبير فقال: ويحك يا كثير، ذكرتك الآن بشعرك فان أصبته أعطيتك حكمك، فقال: يا أمير المؤمنين كأنك لما ودعت عاتكة بنت يزيد بكت لفراقك فبكى لبكائها حشمها فذكرت قولي: إذا ما أراد الغزو لم تثن عزمه … حصان عليها نظم در يزينها نهته فلما لم تر النهى عافه … بكت فبكى مما عراها قطينها قال: أصبت فاحتكم، قال: مائة ناقة من نوقك المختارة، قال: هي لك، فلما سار عبد الملك إلى العراق نظر يوما إلى كثير عزة وهو مفكر في أمره فقال: عليّ به، فلما جيء به قال له: أرأيت إن أخبرتك بما كنت تفكر به تعطيني حكمي؟ قال: نعم، قال: والله؟ قال: والله، قال له عبد الملك إنك تقول في نفسك: هذا رجل ليس هو على مذهبي، وهو ذاهب إلى قتال رجل ليس هو على

стр. 3082

مذهبي، فان أصابني سهم غرب من بينهما خسرت الدنيا والآخرة، فقال: إي والله يا أمير المؤمنين، فاحتكم، قال: أحتكم حكمي أن أردك إلى أهلك وأحسن جائزتك، فأعطاه مالا وأذن له بالانصراف. وقال حماد الراوية عن كثير عزة: وفدت أنا والأحوص ونصيب إلى عمر بن عبد العزيز حين ولى الخلافة، ونحن نمتّ بصحبتنا إياه ومعاشرتنا له، لما كان بالمدينة، وكل منا يظن أنه سيشركه في الخلافة، فنحن نسير ونختال في رحالنا، فلما انتهينا إلى خناصرة ولاحت لنا أعلامها، تلقانا مسلمة بن عبد الملك فقال: ما أقدمكم؟ أو ما علمتم أن صاحبكم لا يحب الشعر ولا الشعراء؟ قال: فوجمنا لذلك، فأنزلنا مسلمة عنده وأجرى علينا النفقات وعلف دوابنا، وأقمنا عنده أربعة أشهر لا يمكنه أن يستأذن لنا على عمر، فلما كان في بعض الجمع دنوت منه لأسمع خطبته فأسلم عليه بعد الصلاة، فسمعته يقول في خطبته: لكل سفر زاد، فتزودوا لسفركم من الدنيا إلى الآخرة بالتقوى، وكونوا كمن عاين ما أعد الله له من عذابه وثوابه فترغبوا وترهبوا، ولا يطولن عليكم الأمد فتقسو قلوبكم وتنقادوا لعدوكم، فإنه والله ما بسط أمل من لا يدرى لعله لا يمسى بعد إصباحه ولا يصبح بعد إمسائه، وربما كانت له كامنة بين ذلك خطرات الموت والمنايا، وإنما يطمئن من وثق بالنجاة من عذاب الله وأهوال يوم القيامة، فأما من لا يداوي من الدنيا كلما إلا أصابه جارح من ناحية أخرى فكيف يطمئن، أعوذ بالله أن آمركم بما أنهى عنه نفسي فتخسر صفقتي وتبدو مسكنتي في يوم لا ينفع فيه إلا الحق والصدق، ثم بكى حتى ظننا أنه قاض نحبه، وارتج المسجد وما حوله بالبكاء والعويل: قال: فانصرفت إلى صاحبي فقلت: خذ سرحا من الشعر غير ما كنا نقول لعمر وآبائه فإنه رجل أخرى ليس برجل دنيا. قال: ثم استأذن لنا مسلمة عليه يوم الجمعة فلما دخلنا عليه سلمت عليه ثم قلت: يا أمير المؤمنين طال الثواء وقلت! الفائدة، وتحدث بجفائك إيانا وفود العرب. فقال: ﴿إِنَّمَا الصَّدَقاتُ لِلْفُقَراءِ وَالْمَساكِينِ﴾ وقرأ الآية، فان كنتم من هؤلاء أعطيتم وإلا فلا حق لكم فيها، فقلت: يا أمير المؤمنين إني مسكين وعابر سبيل ومنقطع به، فقال: ألستم عند أبى سعيد؟ - يعنى مسلمة بن عبد الملك - فقلنا: بلى! فقال: إنه لا ثواب على من هو عند أبى سعيد، فقلت: ائذن لي يا أمير المؤمنين بالإنشاد، قال: نعم ولا تقل إلا حقا، فأنشدته قصيدة فيه: وليت فلم تشتم عليا ولم تخف … بريئا ولم تقبل إشارة مجرم وصدقت بالفعل المقال مع الّذي … أتيت فأمسى راضيا كل مسلم ألا إنما يكفى الفتى بعد ريعه … من الأود النادي ثقاف المقوم وقد لبست تسعى إليك ثيابها … تراءى لك الدنيا بكف ومعصم وتومض أحيانا بعين مريضة … وتبسم عن مثل الجمان المنظم

стр. 3083

فأعرضت عنها مشمئزا كأنما … سقتك مذوقا من سمام وعلقم وقد كنت من أحبالها في ممنع … ومن بحرها في مزبد الموج مفعم وما زلت تواقا إلى كل غاية … بلغت بها أعلى البناء المقدم فلما أتاك الملك عفوا ولم تكن … لطالب دنيا بعده في تكلم تركت الّذي يفنى وإن كان مونقا … وآثرت ما يبقى برأي مصمم وأضررت بالفاني وشمرت للذي … أمامك في يوم من الشر مظلم ومالك إذ كنت الخليفة مانع … سوى الله من مال رعيت ولا دم سما لك هم في الفؤاد مؤرق … بلغت به أعلى المعالي بسلم فما بين شرق الأرض والغرب كلها … مناد ينادى من فصيح وأعجم يقول أمير المؤمنين ظلمتني … بأخذك ديناري وأخذك درهمى ولا بسط كف لامرئ غير مجرم … ولا السفك منه ظالما ملء محجم ولو يستطيع المسلمون لقسموا … لك الشطر من أعمارهم غير ندّم فعشت بها ما حج لله راكب … ملب مطيف بالمقام وزمزم فاربح بها من صفقة لمبايع … وأعظم بها أعظم بها ثم أعظم قال: فأقبل عليّ عمر بن عبد العزيز وقال: إنك تسأل عن هذا يوم القيامة، ثم استأذنه الأحوص فأنشده قصيدة أخرى فقال: إنك تسأل عن هذا يوم القيامة. ثم استأذنه نصيب فلم يأذن له وأمر لكل واحد منهم بمائة وخمسين درهما، وأغزى نصيبا إلى مرج دابق. وقد وفد كثير عزة بعد ذلك على يزيد بن عبد الملك فامتدحه بقصائد فأعطاه سبعمائة دينار. وقال الزبير بن بكار: كان كثير عزة شيعيا خبيثا يرى الرجعة، وكان يرى التناسخ ويحتج بقوله تعالى ﴿فِي أَيِّ صُورَةٍ ما شاءَ رَكَّبَكَ﴾ وقال موسى بن عقبة هوّل كثير عزة ليلة في منامه فأصبح يمتدح آل الزبير ويرثى عبد الله بن الزبير، وكان يسيء الرأى فيه: بمفتضح البطحا تأول أنه … أقام بها ما لم ترمها الأخاشب سرحنا سروبا آمنين ومن يخف … بوائق ما يخشى تنبه النوائب تبرأت من عيب ابن أسماء إنني … إلى الله من عيب ابن أسماء تائب هو المرء لا ترزى به أمهاته … وآباؤه فينا الكرام الأطايب وقال مصعب بن عبد الله الزبيري: قالت عائشة بنت طلحة لكثير عزة: ما الّذي يدعوك إلى ما تقول من الشعر في عزة وليست على نصف من الحسن والجمال؟ فلو قلت ذلك فىّ وفي أمثالى فانا

стр. 3084

أشرف وأفضل وأحسن منها - وكانت عائشة بنت طلحة قد فاقت النساء حسنا وجمالا وأصالة - وإنما قالت له ذلك لتختبره وتبلوه فقال: ضحى قلبه يا عز أو كاد يذهل … وأضحى يريد الصوم أو يتبدل وكيف يريد الصوم من هو وامق … لعزة لا قال ولا متبذل إذا واصلتنا خلة كي تزيلنا … أبينا وقلنا الحاجبية أول سنوليك عرفا إن أردت وصالنا … ونحن لتيك الحاجبية أوصل وحدثها الواشون أنى هجرتها … فحملها غيظا عليّ المحمل فقالت له عائشة: قد جعلتني خلة ولست لك بخلة، وهلا قلت كما قال جميل فهو والله أشعر منك حيث يقول: يا رب عارضة علينا وصلها … بالجد تخلطه بقول الهازل فأجبتها بالقول بعد تستر … حبي بثينة عن وصالك شاغلى لو كان في قلبي بقدر قلامة … فضل وصلتك أو أتتك رسائلي فقال: والله ما أنكر فضل جميل، وما أنا إلا حسنة من حسناته، واستحيا. ومما أنشده ابن الأنباري لكثير عزة: بأبي وأمى أنت من معشوقة … طبن العدو لها فغير حالها ومشى إليّ بعيب عزة نسوة … جعل الآله خدودهن نعالها الله يعلم لو جمعن ومثلت … لأخذت قبل تأمل تمثالها ولو ان عزة خاصمت شمس الضحى … في الحسن عند موفق لقضي لها وأنشد غيره لكثير عزة: فما أحدث النأى الّذي كان بيننا … سلوا ولا طول اجتماع تقاليا وما زادني الواشون إلا صبابة … ولا كثرة الناهين إلا تماديا غيره له: فقلت لها يا عز كل مصيبة … إذا وطنت يوما لها النفس ذلت هنيئا مريئا غير داء مخامر … لعزة من أعراضنا ما استحلت وقال كثير عزة أيضا وفيه حكمة أيضا: ومن لا يغمض عينه عن صديقه … وعن بعض ما فيه يمت وهو عاتب ومن يتتبع جاهدا كل عثرة … يجدها ولا يبقى له الدهر صاحب وذكروا أن عزة بنت جميل بن حفص أحد بنى حاجب بن عبد الله بن غفار أم عمرو الضمرية

стр. 3085

وفدت على عبد الملك بن مروان تشكو إليه ظلامة فقال: لا أقضيها لك حتى تنشدينى شيئا من شعره، فقالت: لا أحفظ لكثير شعرا، لكنى سمعتهم يحكون عنه أنه قال فىّ هذه الأبيات: قضى كل ذي دين علمت غريمه … وعزة ممطول معنى غريمها فقال: ليس عن هذا أسألك ولكن أنشدينى قوله: وقد زعمت أنى تغيرت بعدها … ومن ذا الّذي يا عز لا يتغير تغير جسمي والمحبة كالذي … عهدت ولم يخبر بذاك مخبر قال فاستحيت وقالت: أما هذا فلا أحفظه ولكن سمعتهم يحكونه عنه، ولكن أحفظ له قوله: كأنى أنادى صخرة حين أعرضت … من الظلم لو تمشى بها العصم زلت صفوح فما تلقاك إلا بخيلة … ومن مل منها ذلك الوصل ملت قال فقضى لها حاجتها وردها ورد عليها ظلامتها وقال: أدخلوها الحرم ليتعلموا من أدبها. وروى عن بعض نساء العرب قالت: اجتازت بنا عزة فاجتمع نساء الحاضر إليها لينظرن حسنها، فإذا هي حميراء حلوة لطيفة، فلم تقع من النساء بذاك الموقع حتى تكلمت فإذا هي أبرع النساء وأحلاهن حديثا، فما بقي في أعيننا امرأة تفوقها حسنا وجمالا وحلاوة. وذكر الأصمعي عن سفيان بن عيينة قال: دخلت عزة على سكينة بنت الحسين فقالت لها: إني أسألك عن شيء فاصدقيني، ما الّذي أراد كثير في قوله لك: قضى كل ذي دين فوفى غريمه … وعزة ممطول معنى غريمها فقالت: كنت وعدته قبلة فمطلته بها، فقالت: أنجزيها له وإثمها على، وقد كانت سكينة بنت الحسين من أحسن النساء حتى كان يضرب بحسنها المثل. وروى أن عبد الملك بن مروان أراد أن يزوج كثيرا من عزة فأبت عليه وقالت: يا أمير المؤمنين أبعد ما فضحني بين الناس وشهرني في العرب؟ وامتنعت من ذلك كل الامتناع، ذكره ابن عساكر. وروى أنها اجتازت مرة بكثير وهو لا يعرفها فتنكرت عليه وأرادت أن تختبر ما عنده، فتعرض لها فقالت: فأين حبك عزة؟ فقال: أنا لك الفداء لو أن عزة أمة لو لوهبتها لك، فقالت: ويحك لا تفعل ألست القائل: إذا وصلتنا خلة كي تزيلنا … أبينا وقلنا الحاجبية أول؟ فقال: بأبي أنت وأمى، أقصرى عن ذكرها واسمعي ما أقول: هل وصل عزة إلا وصل غانية … في وصل غانية من وصلها بدل قالت: فهل لك في المجالسة؟ قال: ومن لي بذلك؟ قالت: فكيف بما قلت في عزة؟ قال: أقلبه فيتحول لك، قال فسفرت عن وجهها وقالت: أغدرا وتناكثا يا فاسق، وإنك لهاهنا يا عدو

стр. 3086

الله، فبهت وأبلس ولم ينطق وتحير وخجل، ثم قالت: قاتل الله جميلا حيث يقول: - محا الله من لا ينفع الود عنده … ومن حبله إن صد غير متين ومن هو ذو وجهين ليس بدائم … على العهد حلافا بكل يمين ثم شرع كثير يعتذر ويتنصل مما وقع منه ويقول في ذلك الأشعار ذاكرا وآثرا. وقد ماتت عزة بمصر في أيام عبد العزيز بن مروان، وزار كثير قبرها ورثاها وتغير شعره بعدها، فقال له قائل: ما بال شعرك تغير وقد قصرت فيه؟ فقال: ماتت عزة ولا أطرب، وذهب الشباب فلا أعجب، ومات عبد العزيز بن مروان فلا أرغب، وإنما ينشأ الشعر عن هذه الخلال. وكانت وفاته ووفاة عكرمة في يوم واحد، ولكن في سنة خمس ومائة على المشهور. وإنما ذكره شيخنا الذهبي في هذه السنة - أعنى سنة سبع ومائة - والله سبحانه أعلم. ثم دخلت سنة ثمان ومائة [ففيها افتتح مسلمة بن عبد الملك قيسارية من بلاد الروم، وفتح إبراهيم بن هشام بن عبد الملك حصنا من حصون الروم أيضا، وفيها غزا أسيد بن عبد الله القسري أمير خراسان فكسر الأتراك كسرة فاضحة. وفيها زحف خاقان إلى أذربيجان وحاصر مدينة وارثان ورماها بالمناجيق، فسار إليه أمير تلك الناحية الحارث بن عمرو نائب مسلمة بن عبد الملك، فالتقى مع خاقان ملك الترك فهزمه وقتل من جيشه خلق كثير، وهرب الخاقان بعد أن كان قتل في جملة من قتل من جيشه، وقتل الحارث بن عمرو شهيدا، وذلك بعد أن قتلوا من الأتراك خلقا كثيرا. وفيها غزا معاوية بن هشام بن عبد الملك أرض الروم، وبعث البطال على جيش كثيف فافتتح جنجرة وغنم منها شيئا كثيرا] (١) وفيها توفى من الأعيان بكر بن عبد الله المزني البصري. [كان عالما عابدا زاهدا متواضعا قليل الكلام، وله روايات كثيرة عن خلق من الصحابة والتابعين. قال بكر بن عبد الله: إذا رأيت من هو أكبر منك من المسلمين فقل: سبقته إلى المعاصي فهو خير منى، وإذا رأيت إخوانك يكرمونك ويعظمونك فقل: هذا من فضل ربى، وإذا رأيت منهم تقصيرا فقل: هذا بذنب أحدثته. وقال: من مثلك يا ابن آدم؟ خلى بينك وبين الماء والمحراب متى شئت تطهرت ودخلت على ربك ليس بينك وبينه ترجمان ولا حاجب. وقال: لا يكون العبد تقيا حتى يكون تقى الطمع تقى الغضب. وقال: إذا رأيتم الرجل موكلا بعيوب الناس ناسيا لعيبه فاعلموا أنه قد مكر به. وقال: كان الرجل من بنى إسرائيل إذا بلغ المبلغ الصالح من العمل فمشى في الناس تظلله غمامة، قال: فمر رجل قد أظلته غمامة على رجل فأعظمه لما رآه مما آتاه الله، فاحتقره صاحب الغمامة فأمرها الله أن تتحول

стр. 3087

عن رأسه إلى رأس الّذي احتقره، وهو الّذي عظم أمر الله . وقال: ما سبقتم أبو بكر بكثير صلاة ولا صيام، ولكن بشيء قرّ في صدره. وله كلام حسن كثير يطول ذكره] (١) راشد بن سعد المقرئي الحمصي عمّر دهرا، وروى عن جماعة من الصحابة، وقد كان عابدا صالحا زاهدا. رحمه الله تعالى، وله ترجمة طويلة محمد بن كعب القرظي توفى فيها في قول [وهو أبو حمزة، له روايات كثيرة عن جماعة من الصحابة، وكان عالما بتفسير القرآن، صالحا عابدا، قال الأصمعي: حدثنا أبو المقدام - هشام بن زياد - عن محمد بن كعب القرظي أنه سئل: ما علامة الخذلان؟ قال: أن يقبح الرجل ما كان يستحسن، ويستحسن ما كان قبيحا. وقال عبد الله بن المبارك: حدثنا عبد الله بن عبد الله بن موهب قال: سمعت ابن كعب يقول: لأن أقرأ في ليلة حتى أصبح إذا زلزلت والقارعة لا أزيد عليهما وأردد فيهما الفكر، أحب إلى من أن أهدّ القرآن هدا - أو قال أنثره نثرا -. وقال: لو رخص لأحد في ترك الذكر لرخص لزكريا ﵇، قال تعالى: ﴿آيَتُكَ أَلاّ تُكَلِّمَ النّاسَ ثَلاثَةَ أَيّامٍ إِلاّ رَمْزاً وَاُذْكُرْ رَبَّكَ كَثِيراً وَسَبِّحْ بِالْعَشِيِّ وَالْإِبْكارِ﴾ فلو رخص لأحد في ترك الذكر لرخص له، ولرخص للذين يقاتلون في سبيل الله، قال تعالى: ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُوا وَاُذْكُرُوا اللهَ كَثِيراً لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ وقال في قوله تعالى: ﴿اِصْبِرُوا وَصابِرُوا وَرابِطُوا﴾ قال: اصبروا على دينكم وصابروا لوعدكم الّذي وعدتم، ورابطوا عدوّكم الظاهر والباطن، واتقوا الله فيما بيني وبينكم، لعلكم تفلحون إذا لقيتمونى. وقال في قوله تعالى: ﴿لَوْلا أَنْ رَأى بُرْهانَ رَبِّهِ﴾: علم ما أحل القرآن مما حرّم ﴿مِنْها قائِمٌ وَحَصِيدٌ﴾ قال: القائم ما كان من بنائهم قائما، والحصيد ما حصد فهدم. ﴿إِنَّ عَذابَها كانَ غَراماً﴾ قال: غرموا ما نعموا به من النعم في الدنيا، وفي رواية سألهم ثمن نعمة فلم يقدروا عليها ولم يؤدوها، فأغرمهم ثمنها. فأدخلهم النار. وقال قتيبة بن سعيد: حدثنا عبد الرحمن بن أبى الموالي قال: سمعت محمد بن كعب في هذه الآية ﴿وَما آتَيْتُمْ مِنْ رِباً لِيَرْبُوَا فِي أَمْوالِ النّاسِ فَلا يَرْبُوا عِنْدَ اللهِ﴾ قال: هو الرجل يعطى الآخر من ماله ليكافئه به أو يزداد، فهذا الّذي لا يربو عند الله، والمضعفون هم الذين يعطون لوجه الله لا يبتغى مكافأة أحد. وفي قوله تعالى: ﴿أَدْخِلْنِي مُدْخَلَ صِدْقٍ وَأَخْرِجْنِي مُخْرَجَ صِدْقٍ﴾ قال: اجعل سريرتي وعلانيتي حسنة. وقيل: أدخلنى مدخل صدق في العمل الصالح، أي الإخلاص، وأخرجني مخرج صدق أي سالما. ﴿أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ﴾ أي يسمع القرآن وقلبه معه (٢) في مكان آخر. ﴿فَاسْعَوْا إِلى ذِكْرِ اللهِ﴾ قال: السعي العمل ليس بالشد. وقال: الكبائر ثلاثة، أن تأمن مكر الله، وأن تقنط من رحمة الله، وأن تيأس من روح الله.

стр. 3088

وقال عبد الله بن المبارك: حدثنا موسى بن عبيدة عن محمد بن كعب قال: إذا أراد الله بعبد خيرا جعل فيه ثلاث خصال، فقها في الدين، وزهادة في الدنيا، وبصرا بعيوب نفسه. وقال: الدنيا دار قلق، رغب عنها السعداء، وانتزعت من أيدي الأشقياء، فأشقى الناس بها أرغب الناس فيها، وأزهد الناس فيها أسعد الناس بها، هي الغاوية لمن أضاعها، المهلكة لمن اتبعها، الخائنة لمن انقاد لها، علمها جهل، وغناؤها فقر، وزيادتها نقصان، وأيامها دول. وروى ابن المبارك عن داود بن قيس قال سمعت محمد بن كعب يقول: إن الأرض لتبكى من رجل وتبكى على رجل، تبكى على من كان يعمل على ظهرها بطاعة الله، وتبكى ممن كان يعمل على ظهرها بمعصية الله، قد أثقلها. ثم قرأ ﴿فَما بَكَتْ عَلَيْهِمُ السَّماءُ وَالْأَرْضُ﴾ وقال في قوله تعالى: ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ، * وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ﴾: من يعمل مثقال ذرة خيرا من كافر يرى ثوابها في نفسه وأهله وماله حتى يخرج من الدنيا وليس له خير. ومن يعمل مثقال ذرة شرا يره، من مؤمن يرى عقوبتها في نفسه وأهله وماله حتى يخرج من الدنيا وليس له شر. وقال: ما يؤمنني أن يكون الله قد اطلع عليّ في بعض ما يكره فمقتنى، وقال: اذهب لا أغفر لك، مع أن عجائب القرآن تردني على أمور حتى أنه لينقضي الليل ولم أفرغ من حاجتي. وكتب عمر بن عبد العزيز إلى محمد بن كعب يسأله أن يبيعه غلامه سالما - وكان عابدا خيرا زاهدا - فكتب إليه: - إني قد دبرته، قال: فازدد فيه، فأتاه سالم فقال له عمر: إني قد ابتليت بما ترى، وأنا والله أتخوف أن لا أنجو، فقال له سالم: إن كنت كما تقول فهذا نجاته، وإلا فهو الأمر الّذي يخاف. قال: يا سالم عظني، قال: آدم ﵇ أخطأ خطيئة واحدة خرج بها من الجنة، وأنتم مع عمل الخطايا ترجون دخول الجنة، ثم سكت. قلت: والأمر كما قيل في بعض كتب الله: تزرعون السيئات وترجون الحسنات، لا يجتنى من الشوك العنب. تصل الذنوب إلى الذنوب وترتجى … درج الجنان وطيب عيش العابد ونسيت أن الله أخرج آدما … منها إلى الدنيا بذنب واحد وقال: من قرأ القرآن متع بعقله وإن بلغ من العمر مائتي سنة. وقال له رجل: ما تقول في التوبة؟ قال: لا أحسنها، قال: أفرأيت إن أعطيت الله عهدا أن لا تعصيه أبدا؟ قال: فمن أعظم جرما منك، تتألى على الله أن لا ينفذ فيك أمره. وقال الحافظ أبو القاسم سليمان بن أحمد الطبراني: حدثنا ابن عبد العزيز حدثنا أبو عبيد القاسم ابن سلام حدثنا عباد بن عباد عن هشام بن زياد أبى المقدام. قالوا كلهم: حدثنا محمد بن كعب القرظي قال: حدثنا ابن عباس أن رسول الله ﷺ قال: «من أحب أن يكون أغنى الناس فليكن

стр. 3089

بما في يد الله أوثق مما في يده، ألا أنبئكم بشراركم؟ قالوا: نعم يا رسول الله، قال: من نزل وحده، ومنع رفده، وجلد عبده، أفأنبئكم بشر من هذا؟ قالوا: نعم يا رسول الله، قال: من لا يقيل عثرة ولا يقبل معذرة، ولا يغفر ذنبا، ثم قال: ألا أنبئكم بشر من هذا؟ قالوا: نعم يا رسول الله، قال: من لا يرجى خيره، ولا يؤمن شره، إن عيسى بن مريم قام في بنى إسرائيل خطيبا فقال: يا بنى إسرائيل لا تكلموا بالحكمة عند الجهال فتظلموها، ولا تمنعوها أهلها فتظلموها - وقال مرة فتظلموهم - ولا تظلموا ظالما، ولا تطاولوا ظالما فيبطل فضلكم عند ربكم، يا بنى إسرائيل الأمور ثلاثة، أمر تبين رشده فاتبعوه، وأمر تبين غيه فاجتنبوه، وامر اختلف فيه فردوه إلى الله». وهذه الألفاظ لا تحفظ عن النبي ﷺ بهذا السياق إلا من حديث محمد بن كعب عن ابن عباس، وقد روى أول الحديث إلى ذكر عيسى من غير طريقه، وسيأتي أن هذا الحديث تفرد به الطبراني بطوله والله أعلم] (١) وفيها توفى أبو نضرة المنذر بن مالك بن قطعة العبديّ، وقد ذكرنا تراجمهم في كتابنا التكميل. ثم دخلت سنة تسع ومائة ففيها عزل هشام بن عبد الملك أسد بن عبد الله القسري عن إمرة خراسان وأمره أن يقدم إلى الحج، فأقبل منها في رمضان، واستخلف على خراسان الحكم بن عوانة الكلبي، واستناب هشام على خراسان أشرس بن عبد الله السلمي، وأمره أن يكاتب خالد بن عبد الله القسري، وكان أشرس فاضلا خيرا، وكان سمى الكامل لذلك، وكان أول من اتخذ المرابطة بخراسان، واستعمل المرابطة عبد الملك بن زياد الباهلي، وتولى هو الأمور بنفسه كبيرها وصغيرها، ففرح بها أهلها. وفيها حج بالناس إبراهيم بن هشام أمير الحرمين. سنة عشر ومائة من الهجرة النبويّة فيها قاتل مسلمة بن عبد الملك ملك الترك الأعظم خاقان، فزحف إلى مسلمة في جموع عظيمة فتواقفوا نحوا من شهر، ثم هزم الله خاقان زمن الشتاء، ورجع مسلمة سالما غانما، فسلك على مسلك ذي القرنين في رجوعه إلى الشام، وتسمى هذه الغزاة غزاة الطين، وذلك أنهم سلكوا على مغارق ومواضع غرق فيها دواب كثيرة، وتوحل فيها خلق كثير، فما نجوا حتى قاسوا شدائد وأهوالا صعابا وشدائد عظاما، وفيها دعا أشرس بن عبد الله السلمي نائب خراسان أهل الذمة بسمرقند ومن وراء النهر إلى الدخول في الإسلام، ويضع عنهم الجزية فأجابوه إلى ذلك، وأسلم غالبهم، ثم طالبهم

стр. 3090

بالجزية فنصبوا له الحرب وقاتلوه، ثم كانت بينه وبين الترك حروب كثيرة، أطال ابن جرير بسطها وشرحها فوق الحاجة. وفيها أرسل أمير المؤمنين هشام بن عبيدة إلى إفريقية متوليا عليها، فلما وصل جهز ابنه وأخاه في جيش فالتقوا مع المشركين فقتلوا منهم خلقا كثيرا وأسروا بطريقهم وانهزم باقيهم، وغنم المسلمون منهم شيئا كثيرا. وفيها افتتح معاوية بن هشام حصنين من بلاد الروم، وغنم غنائم جمة. وفيها حج بالناس إبراهيم بن هشام، وعلى العراق خالد القسري، وعلى خراسان أشرس السلمي. ذكر من توفى فيها من الأعيان: جرير الشاعر وهو جرير بن الخطفى ويقال ابن عطية بن الخطفى واسم الخطفى حذيفة بن بدر بن سلمة بن عوف بن كليب بن يربوع بن حنظلة بن مالك بن زيد مناة بن تميم بن مر بن طابخة بن الياس ابن مضر بن نزار، أبو حرزة الشاعر البصري، قدم دمشق مرارا، وامتدح يزيد بن معاوية والخلفاء من بعده ووفد على عمر بن عبد العزيز، وكان في عصره من الشعراء الذين يقارنونه الفرزدق والأخطل، وكان جرير أشعرهم وأخيرهم، قال غير واحد: هو أشعر الثلاثة، قال ابن دريد ثنا الاشناندانى ثنا الثوري عن أبى عبيدة عن عثمان البنيّ قال: رأيت جريرا وما تضم شفتاه من التسبيح، فقلت: وما ينفعك هذا؟ فقال: سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر ولله الحمد إن الحسنات يذهبن السيئات، وعد من الله حق. وقال هشام بن محمد الكلبي عن أبيه قال: دخل رجل من بنى عذرة على عبد الملك بن مروان يمتدحه بقصيدة وعنده الشعراء الثلاثة، جرير والفرزدق والأخطل، فلم يعرفهم الأعرابي، فقال عبد الملك للأعرابى: هل تعرف أهجى بيت قالته العرب في الإسلام؟ قال: نعم! قول جرير: فغض الطرف إنك من نمير … فلا كعبا بلغت ولا كلابا فقال: أحسنت، فهل تعرف أمدح بيت قيل في الإسلام؟ قال: نعم! قول جرير: ألستم خير من ركب المطايا … وأندى العالمين بطون راح فقال: أصبت وأحسنت، فهل تعرف أرق بيت قيل في الإسلام؟ قال: نعم! قول جرير: إن العيون التي في طرفها مرض … قتلننا ثم لم يحيين قتلانا يصرعن ذا اللب حتى لا حراك به … وهن أضعف خلق الله أركانا فقال: أحسنت، فهل تعرف جريرا؟ قال: لا والله، وإني إلى رؤيته لمشتاق، قال: فهذا جرير وهذا الفرزدق وهذا الأخطل، فأنشأ الأعرابي يقول: -

стр. 3091

فحيا الإله أبا حرزة … وأرغم أنفك يا أخطل وجدّ الفرزدق اتعس به … ورق خياشيمه الجندل فأنشأ الفرزدق يقول: يا أرغم الله أنفا أنت حامله … يا ذا الخنا ومقال الزور والخطل ما أنت بالحكم الترضى حكومته … ولا الأصيل ولا ذي الرأى والجدل ثم أنشأ الأخطل يقول: - يا شر من حملت ساق على قدم … ما مثل قولك في الأقوام يحتمل ان الحكومة ليست في أبيك ولا … في معشر أنت منهم انهم سفل فقام جرير مغضبا وقال: - أتشتمان سفاها خيركم حسبا … ففيكما - وإلهي - الزور والخطل شتمتماه على رفعي ووضعكما … لا زلتما في سفال أيها السفل ثم وثب جرير فقبل رأس الأعرابي وقال: يا أمير المؤمنين جائزتي له، وكانت خمسة آلاف، فقال عبد الملك: وله مثلها من مالي، فقبض الأعرابي ذلك كله وخرج. وحكى يعقوب بن السكيت أن جريرا دخل على عبد الملك مع وفد أهل العراق من جهة الحجاج فأنشده مديحه الّذي يقول فيه: ألستم خير من ركب المطايا … وأندى العالمين بطون راح فأطلق له مائة ناقة وثمانية من الرعاء أربعة من النوبة وأربعة من السبي الذين قدم بهم من الصغد قال جرير: وبين يدي عبد الملك جامان من فضة قد أهديت له، وهو لا يعبأ بها شيئا، فهو يقرعها بقضيب في يده، فقلت: يا أمير المؤمنين المحلب، فألقى إلى واحدا من تلك الجامات، ولما رجع إلى الحجاج أعجبه إكرام أمير المؤمنين له فأطلق الحجاج له خمسين ناقة تحمل طعاما لأهله. وحكى نفطويه أن جريرا دخل يوما على بشر بن مروان وعنده الأخطل، فقال بشر لجرير: أتعرف هذا؟ قال: لا، ومن هذا أيها الأمير؟ فقال: هذا الأخطل، فقال الأخطل: أنا الّذي قذفت عرضك، وأسهرت ليلك، وآذيت قومك، فقال جرير: أما قولك شتمت عرضك فما ضر البحر أن يشتمه من غرق فيه، وأما قولك وأسهرت ليلك، فلو تركتني أنام لكان خيرا لك، وأما قولك وآذيت قومك فكيف تؤذى قوما أنت تؤدى الجزية إليهم؟ وكان الأخطل من نصارى العرب المتنصرة، قبحه الله وأبعد مثواه، وهو الّذي أنشد بشر بن مروان قصيدته التي يقول فيها: قد استوى بشر على العراق … من غير سيف ودم مهراق

стр. 3092

وهذا البيت تستدل به الجهمية على أن الاستواء على العرش بمعنى الاستيلاء، وهذا من تحريف الكلم عن مواضعه، وليس في بيت هذا النصراني حجة ولا دليل على ذلك، ولا أراد الله باستوائه على عرشه استيلاءه عليه، تعالى الله عن قول الجهمية علوا كبيرا، فإنه إنما يقال استوى على الشيء إذا كان ذلك الشيء عاصيا عليه قبل استيلائه عليه، كاستيلاء بشر على العراق، واستيلاء الملك على المدينة بعد عصيانها عليه، وعرش الرب لم يكن ممتنعا عليه نفسا واحدا، حتى يقال استوى عليه، أو معنى الاستواء الاستيلاء، ولا تجد أضعف من حجج الجهمية، حتى أداهم الإفلاس من الحجج إلى بيت هذا النصراني المقبوح وليس فيه حجة والله أعلم. وقال الهيثم بن عدي عن عوانة بن الحكم قال: لما استخلف عمر بن عبد العزيز وفد إليه الشعراء فمكثوا ببابه أياما لا يؤذن لهم ولا يلتفت إليهم، فساءهم ذلك وهموا بالرجوع إلى بلادهم، فمر بهم رجاء بن حيوة فقال له جرير: - يا أيها الرجل المرخى عمامته … هذا زمانك فاستأذن لنا عمرا فدخل ولم يذكر لعمر من أمرهم شيئا، فمرّ بهم عدي بن أرطاة فقال له جرير منشدا: يا أيها الراكب المرخى مطيته … هذا زمانك إني قد مضى زمنى أبلغ خليفتنا إن كنت لاقيه … أنى لدى الباب كالمصفود في قرن لا تنس حاجتنا لاقيت مغفرة … قد طال مكثي عن أهلي وعن وطني فدخل عدي على عمر بن عبد العزيز فقال: يا أمير المؤمنين الشعراء ببابك وسهامهم مسمومة وأقوالهم نافذة، فقال: ويحك يا عدي، ما لي وللشعراء، فقال: يا أمير المؤمنين إن رسول الله ﷺ قد كان يسمع الشعر ويجزى عليه، وقد أنشده العباس بن مرداس مدحه فأعطاه حلة، فقال له عمر: أتروي منها شيئا؟ قال: نعم فأنشده: - رأيتك يا خير البرية كلها … نشرت كتابا جاء بالحق معلما شرعت لنا دين الهدى بعد جورنا … عن الحق لما أصبح الحق مظلما ونوّرت بالبرهان أمرا مدلسا … واطفأت بالقرآن نارا تضرما فمن مبلغ عنى النبي محمدا … وكل امرئ يجزى بما كان قدما أقمت سبيل الحق بعد اعوجاجه … وكان قديما ركنه قد تهدما تعالى علوا فوق عرش إلهنا … وكان مكان الله أعلا وأعظما فقال عمر: من بالباب منهم؟ فقال: عمر بن أبى ربيعة، فقال أليس هو الّذي يقول: ثم نبهتها فهبت كعابا … طفلة ما تبين رجع الكلام

стр. 3093

ساعة ثم إنها بعد قالت … ويلنا قد عجلت يا ابن الكرام أعلى غير موعد جئت تسرى … تتخطى إلى رءوس النيام ما تجشمت ما تريد من الأمر … ولا حيت طارقا لخصام فلو كان عدو الله إذ فجر كتم وستر على نفسه، لا يدخل والله أبدا، فمن بالباب سواه؟ قال: همام بن غالب - يعنى الفرزدق - فقال عمر: أو ليس هو الّذي يقول في شعره: هما دليانى من ثمانين قامة … كما انقض باز أقتم الريش كاسره فلما استوت رجلاي بالأرض قالتا … أحىّ يرجّى أم قتيل نحاذره لا يطأ والله بساطي وهو كاذب، فمن سواه بالباب؟ قال: الأخطل، قال: أو ليس هو الّذي يقول: ولست بصائم رمضان طوعا … ولست بآكل لحم الأضاحي ولست بزاجر عيسا بكور … إلى بطحاء مكة للنجاح ولست بزائر بيتا بعيدا … بمكة أبتغي فيه صلاحي ولست بقائم كالعير أدعو … قبيل الصبح حي على الفلاح ولكنى سأشربها شمولا … وأسجد عند منبلج الصباح والله لا يدخل على وهو كافر أبدا، فهل بالباب سوى من ذكرت؟ قال: نعم الأحوص، قال: أليس هو الّذي يقول: الله بيني وبين سيدها … يفر منى بها وأتبعه فما هو دون من ذكرت، فمن هاهنا غيره؟ قال جميل بن معمر، قال: الّذي يقول: - ألا ليتنا نحيا جميعا وإن نمت … يوافق في الموتى خريجى خريجها فما أنا في طول الحياة براغب … إذا قيل قد سوى عليها صفيحها فلو كان عدو الله تمنى لقاءها في الدنيا ليعمل بذلك صالحا ويتوب، والله لا يدخل على أبدا، فهل بالباب أحد سوى ذلك؟ قلت: جرير، قال أما إنه الّذي يقول: طرقتك صائدة القلوب وليس ذا … حين الزيارة فارجعى بسلام فان كان لا بد فأذن لجرير، فأذن له فدخل على عمر وهو يقول: إن الّذي بعث النبي محمدا … جعل الخلافة للإمام العادل وسع الخلائق عدله ووفاؤه … حتى ارعوى وأقام ميل المائل إني لأرجو منك خيرا عاجلا … والنفس مولعة بحب العاجل فقال له: ويحك يا جرير، اتّق الله فيما تقول، ثم إن جريرا استأذن عمر في الإنشاد فلم يأذن له ولم

стр. 3094

ينهه، فأنشده قصيدة طويلة يمدحه بها، فقال له: ويحك يا جرير لا أرى لك فيما هاهنا حقا، فقال: إني مسكين وابن سبيل، قال: إنا ولينا هذا الأمر ونحن لا تملك إلا ثلاثمائة درهم، أخذت أم عبد الله مائة وابنها مائة وقد بقيت مائة، فأمر له بها، فخرج على الشعراء فقالوا: ما وراءك يا جرير؟ فقال: ما يسوءكم، خرجت من عند أمير المؤمنين وهو يعطى الفقراء ويمنع الشعراء وإني عنه لراض، ثم أنشأ يقول: رأيت رقى الشيطان لا تستفزّه … وقد كان شيطاني من الجن راقيا وقال بعضهم فيما حكاه المعافى بن زكريا الجريريّ قالت جارية للحجاج بن يوسف: إنك تدخل هذا علينا، فقال: إنه ما علمت عفيفا، فقالت: أما إنك لو أخليتنى وإياه سترى ما يصنع، فأمر بإخلائها مع جرير في مكان يراهما الحجاج ولا يريانه، ولا يشعر جرير بشيء من ذلك، فقالت له: يا جرير، فأطرق رأسه، وقال: ها أنا ذا، فقالت: أنشدنى من قولك كذا وكذا - لشعر فيه رقة - فقال: لست أحفظه ولكن أحفظ كذا وكذا - ويعرض عن ذاك وينشدها شعرا في مدح الحجاج - فقالت: لست أريد هذا، إنما أريد كذا وكذا - فيعرض عن ذاك وينشدها شعرا في مدح الحجاج - فقالت: لست أريد هذا، إنما أريد كذا وكذا فيعرض عن ذاك وينشدها في الحجاج - حتى انقضى المجلس فقال الحجاج: لله درك، أبيت إلا كرما وتكرما. وقال عكرمة أنشدت أعرابيا بيتا لجرير الخطفى: أبدل الليل لا تجرى كواكبه … أو طال حتى حسبت النجم حيرانا فقال الأعرابي: إن هذا حسن في معناه وأعوذ بالله من مثله، ولكنى أنشدك في ضده من قولي وليل لم يقصره رقاد … وقصره لنا وصل الحبيب نعيم الحب أورق فيه … حتى تناولنا جناه من قريب بمجلس لذة لم نقف فيه … على شكوى ولا عيب الذنوب فخشينا أن نقطعه بلفظ … فترجمت العيون عن القلوب (١) فقلت له: زدني، قال: أما من هذا فحسبك ولكن أنشدك غيره فأنشدنى: وكنت إذا عقدت حبال قوم … صحبتهم وشيمتي الوفاء فأحسن حين يحسن محسنوهم … وأجتنب الإساءة إن أساءوا أشاء سوى مشيئتهم فآتي … مشيئتهم واترك ما أشاء قال ابن خلكان: كان جرير أشعر من الفرزدق عند الجمهور، وأفخر بيت قاله جرير: إذا غضبت عليك بنو تميم حسبت الناس كلهم غضابا قال وقد سأله رجل: من أشعر الناس؟ فأخذ بيده وأدخله على ابنه، وإذا هو يرتضع من ثدي

стр. 3095

عنز، فاستدعاه فنهض واللبن يسيل على لحيته، فقال جرير للذي سأله: أتبصر هذا؟ قال: نعم، قال: أتعرفه؟ قال: لا، قال: هذا أبى، وإنما يشرب من ضرع العنز لئلا يحلبها فيسمع جيرانه حس الحلب فيطلبوا منه لبنا، فأشعر الناس من فاخر بهذا ثمانين شاعرا فغلبهم، وقد كان بين جرير والفرزدق مقاولات ومهاجاة كثيرة جدا يطول ذكرها، وقد مات في سنة عشر ومائة، قاله خليفة بن خياط وغير واحد، قال خليفة: مات الفرزدق وجرير بعده بأشهر، وقال الصولي: ماتا في سنة إحدى عشرة ومائة، ومات الفرزدق قبل جرير بأربعين يوما، وقال الكريمي عن الأصمعي عن أبيه قال: رأى رجل جريرا في المنام بعد موته فقال له: ما فعل الله بك؟ فقال: غفر لي، فقيل: بماذا؟ قال بتكبيرة كبرتها بالبادية، قيل له: فما فعل الفرزدق؟ قال أيهات أهلكه قذف المحصنات. قال الأصمعي لم يدعه في الحياة ولا في الممات وأما الفرزدق واسمه همام بن غالب بن صعصعة بن ناجية بن عقال بن محمد بن سفيان بن مجاشع بن دارم بن حنظلة بن زيد بن مناة بن مر بن أد بن طابخة أبو فراس بن أبى خطل التميمي البصري الشاعر المعروف بالفرزدق، وجده صعصعة بن ناجية صحابى، وفد إلى رسول الله ﷺ ، وكان يحيى الموءودة في الجاهلية، حدث الفرزدق عن على أنه ورد مع أبيه عليه، فقال من هذا؟ قال ابني وهو شاعر، قال علمه القراءة فهو خير له من الشعر. وسمع الفرزدق الحسين بن على ورآه وهو ذاهب إلى العراق وأبا هريرة وأبا سعيد الخدريّ وعرفجة بن أسعد، وزرارة بن كرب، والطرماح بن عدي الشاعر، وروى عنه خالد الحذاء ومروان الأصغر وحجاج بن حجاج الأحول، وجماعة، وقد وفد على معاوية يطلب ميراث عنه الحباب، وعلى الوليد بن عبد الملك وعلى أخيه، ولم يصح ذلك، وقال أشعث بن عبد الله عن الفرزدق قال نظر أبو هريرة إلى قدمي فقال: يا فرزدق إني أرى قدميك صغيرين فاطلب لهما موضعا في الجنة، فقلت: إن ذنوبي كثيرة، فقال: لا بأس فانى سمعت رسول الله ﷺ يقول: «إن بالمغرب بابا مفتوحا للتوبة لا يغلق حتى تطلع الشمس من مغربها». وقال معاوية بن عبد الكريم عن أبيه قال: دخلت على الفرزدق فتحرك فإذا في رجله قيد، فقلت: ما هذا؟ فقال: حلفت أن لا أنزعه حتى أحفظ القرآن. وقال أبو عمرو بن العلاء: ما رأيت بدويا أقام بالحضر إلا فسد لسانه إلا رؤبة بن العجاج والفرزدق فإنهما زادا على طول الاقامة جدة وحدة، وقال راويته أبو شفعل طلق الفرزدق امرأته النوار ثلاثا ثم جاء فأشهد على ذلك الحسن البصري، ثم ندم على طلاقها وإشهاده الحسن على ذلك فأنشأ يقول: - فلو أنى ملكت يدي وقلبي … لكان عليّ للقدر الخيار

стр. 3096

ندمت ندامة الكسعي لما … غدت منى مطلقة نوار وكانت جنتي فخرجت منها … كآدم حين أخرجه الضرار وقال الأصمعي وغير واحد: لما ماتت النوار بنت أعين بن ضبيعة المجاشعي امرأة الفرزدق - وكانت قد أوصت أن يصلى عليها الحسن البصري - فشهدها أعيان أهل البصرة مع الحسن والحسن على بغلته، والفرزدق على بعيره، فسار فقال الحسن للفرزدق: ماذا يقول الناس؟ قال: يقولون شهد هذه الجنازة اليوم خير الناس - يعنونك - وشر الناس - يعنوني - فقال له: يا أبا فراس لست أنا بخير الناس ولست أنت بشر الناس، ثم قال له الحسن: ما أعددت لهذا اليوم؟ قال: شهادة أن لا إله إلا الله منذ ثمانين سنة، فلما أن صلى عليها الحسن مالوا إلى قبرها فأنشأ الفرزدق يقول: أخاف وراء القبر ان لم يعافنى … أشد من القبر التهابا وأضيقا إذا جاءني يوم القيامة قائد … عنيف وسواق يسوق الفرزدقا لقد خاب من أولاد دارم من مشى … إلى النار مغلول القلادة أزرقا يساق إلى نار الجحيم مسر بلا … سرابيل قطران لباسا مخرقا إذا شربوا فيها الصديد رأيتهم … يذوبون من حر الصديد تمزقا قال: فبكى الحسن حتى بل الثرى ثم التزم الفرزدق، وقال: لقد كنت من أبغض الناس إلى، وإنك اليوم من أحب الناس إلى. وقال له بعض الناس: ألا تخاف من الله في قذف المحصنات، فقال: والله لله أحب إلى من عيني اللتين أبصر بهما، فكيف يعذبني؟ وقد قدمنا أنه مات سنة عشر ومائة قبل جرير بأربعين يوما، وقيل بأشهر فالله أعلم. وأما الحسن وابن سيرين فقد ذكرنا ترجمة كل منهما في كتابنا التكميل مبسوطة وحسبنا الله ونعم الوكيل فأما الحسن بن أبى الحسن فاسم أبيه يسار وأبرد هو أبو سعيد البصري مولى زيد بن ثابت، ويقال مولى جابر بن عبد الله وقيل غير ذلك، وأمه خيرة مولاة لأم سلمة كانت تخدمها، وربما أرسلتها في الحاجة فتشتغل عن ولدها الحسن وهو رضيع، فتشاغله أم سلمة بثدييها فيدران عليه فيرتضع منهما، فكانوا يرون أن تلك الحكمة والعلوم التي أوتيها الحسن من بركة تلك الرضاعة من الثدي المنسوب إلى رسول الله ﷺ ثم كان وهو صغير تخرجه أمه إلى الصحابة فيدعون له، وكان في جملة من يدعو له عمر بن الخطاب، قال: اللهمّ فقهه في الدين، وحببه إلى الناس. وسئل مرة أنس بن مالك عن مسألة فقال: سلوا عنها مولانا الحسن، فإنه سمع وسمعنا، فحفظ ونسينا، وقال أنس مرة: إني لأغبط أهل البصرة بهذين الشيخين - الحسن وابن سيرين - وقال قتادة: ما جالست رجلا فقيها إلا رأيت فضل الحسن عليه،

стр. 3097

وقال أيضا: ما رأت عيناي أفقه من الحسن، وقال أيوب: كان الرجل يجالس الحسن ثلاث حجج ما يسأله عن مسألة هيبة له، وقال الشعبي لرجل يريد قدوم البصرة: إذا نظرت إلى رجل أجمل أهل البصرة وأهيبهم فهو الحسن، فأقرأه منى السلام. وقال يونس بن عبيد: كان الرجل إذا نظر إلى الحسن انتفع به وإن لم ير عمله ولم يسمع كلامه، وقال الأعمش: ما زال الحسن يعى الحكمة حتى نطق بها، وكان أبو جعفر إذا ذكره يقول: ذاك الّذي يشبه كلامه كلام الأنبياء وقال محمد بن سعد: قالوا كان الحسن جامعا للعلم والعمل، عالما رفيعا فقيها ثقة مأمونا عابدا زاهدا ناسكا كثير العلم والعمل فصيحا جميلا وسيما، وقدم مكة فأجلس على سرير، وجلس العلماء حوله، واجتمع الناس إليه فحدثهم. قال أهل التاريخ: مات الحسن عن ثمان وثمانين سنة، عام عشر ومائة في رجب منها، بينه وبين محمد بن سيرين مائة يوم. وأما ابن سيرين فهو محمد بن سيرين أبو بكر بن أبى عمرو الأنصاري مولى أنس بن مالك النضري، كان أبو محمد من سبى عين التمر، أسره خالد بن الوليد في جملة السبي، فاشتراه أنس ثم كاتبه، ثم ولد له من الأولاد الأخيار جماعة، محمد هذا، وأنس بن سيرين، ومعبد ويحيى وحفصة وكريمة، وكلهم تابعيون ثقات أجلاء ﵏. قال البخاري: ولد محمد لسنتين بقيتا من خلافة عثمان، وقال هشام بن حسان: هو أصدق من أدركت من البشر، وقال محمد بن سعد: كان ثقة مأمونا عالما رفيعا فقيها إماما كثير العلم ورعا، وكان به صمم، وقال مؤرق العجليّ: ما رأيت رجلا أفقه في ورعه، وأورع في فقهه منه، قال ابن عون: كان محمد بن سيرين أرجى الناس لهذه الأمة، وأشد الناس إزارا على نفسه، وأشدهم خوفا عليها. قال ابن عون: ما بكى في الدنيا مثل ثلاثة، محمد بن سيرين في العراق، والقاسم بن محمد في الحجاز، ورجاء بن حيوة بالشام. وكانوا يأتون بالحديث على حروفه، وكان الشعبي يقول: عليكم بذاك الأصم - يعنى محمد بن سيرين - وقال ابن شوذب: ما رأيت أحدا أجرأ على تعبير الرؤيا منه. وقال عثمان البتي: لم يكن بالبصرة أعلم بالقضاء منه. قالوا: ومات في تاسع شوال من هذه السنة بعد الحسن بمائة يوم فصل كان اللائق، بالمؤلف أن يذكر تراجم هؤلاء العلماء الأخيار قبل تراجم الشعراء المتقدم ذكرهم فيبدأ بهم ثم يأتى بتراجم الشعراء، وأيضا فإنه أطال القول في تراجم الشعراء واختصر تراجم العلماء، ولو كان فيها حسن وحكم جمة ينتفع بها من وقف عليها، ولعلها أفيد من مدحهم والثناء عليهم، ولا سيما

стр. 3098

كلام الحسن وابن سيرين ووهب بن منبه - كما ذكره بعد وكما سيأتي ذكر ترجمته في هذه الزيادة - فإنه قد اختصرها جدا وإن المؤلف أقدر وأوسع علما، فما ينبغي أن يخل ببعض كلامهم وحكمهم، فان النفوس مستشرفة إلى معرفة ذلك والنظر فيه، فان أقوال السلف لها موقع من القلوب، والمؤلف غالبا في التراجم يحيل على ما ذكره في التكميل الّذي صنفه في أسماء الرجال، وهذا الكتاب لم نقف عليه نحن ولا من سألناه عنه من العلماء، فانا قد سألنا عنه جماعة من أهل الفن فلم يذكر غير واحد أنه اطلع عليه، فكيف حال غيرهم.؟ وقد ذكرت في غالب التراجم زيادات على ما ذكره المؤلف مما وصلت إليه معرفتي وأطلعنا عليه، ولو كان عندي كتب لأشبعت القول في ذلك، إذ الحكمة هي ضالة المؤمن. ولعل أن يقف على هذا راغب في الآخرة، طالب ما عند الله فينتفع به أعظم مما ينتفع به من تراجم الخلف والملوك والأمراء، وإن كانت تلك أيضا نافعة لمتعير ومزدجر، فان ذكر أئمة العدل والجور بعد موتهم فيها فضل أولئك، وغم هؤلاء، ليعلم الظالم أنه وإن مات لم يمت ما كان متلبسا به من الفساد والظلم، بل هو مدون في الكتب عند العلماء. وكذلك أهل العدل والصلاح والخير، فان الله قد قص في القرآن أخبار الملوك والفراعنة والكفار والمفسدين، تحذيرا من أحوالهم وما كانوا يعملون، وقص أيضا أخبار الأتقياء والمحسنين والأبرار والأخيار والمؤمنين، للاقتداء والتأسي بهم والله سبحانه أعلم. فنقول وبالله التوفيق: أما الحسن فهو أبو سعيد البصري الامام الفقيه المشهور، أحد التابعين الكبار الأجلاء علما وعملا وإخلاصا فروى ابن أبى الدنيا عنه قال: كان الرجل يتعبد عشرين سنة لا يشعر به جاره، وأحدهم يصلى ليلة أو بعض ليلة فيصبح وقد استطال على جاره، وإن كان القوم ليجتمعون فيتذاكرون فتجيء الرجل عبرته فيردها ما استطاع، فان غلب قام عنهم. وقال الحسن: تنفس رجل عند عمر بن عبد العزيز فلكزه عمر - أو قال: لكمه - وقال: إن في هذا لفتنة. وقد ذكره ابن أبى الدنيا عن الحسن عن عمر بن الخطاب. وروى الطبراني عنه أنه قال: إن قوما ألهتهم أمانى المغفرة ورجاء الرحمة حتى خرجوا من الدنيا وليست لهم أعمال صالحة، يقول أحدهم: إني لحسن الظن بالله، وأرجو رحمة الله، وكذب، لو أحسن الظن بالله لأحسن العمل لله، ولو رجا رحمة الله لطلبها بالأعمال الصالحة، يوشك من دخل المفازة من غير زاد ولا ماء أن يهلك. وروى ابن أبى الدنيا عنه قال: حادثوا هذه القلوب فإنها سريعة الدثور، واقذعوا هذه لأنفس فإنها تنزع إلى شر غاية. وقال مالك بن دينار: قلت للحسن: ما عقوبة العالم إذا أحب الدنيا؟ قال: موت القلب، فإذا أحب الدنيا طلبها بعمل الآخرة، فعند ذلك ترحل عنه بركات العلم ويبقى عليه رسمه. وروى الفتنى. عن أبيه قال: عاد الحسن عليلا فوجده قد شفى من علته، فقال: أيها الرجل إن الله قد ذكرك

стр. 3099

فاذكره، وقد أقالك فاشكره، ثم قال الحسن: إنما المرض ضربة سوط من ملك كريم، فأما أن يكون العليل بعد المرض فرسا جوادا، وإما أن يكون حمارا عثورا معقورا. وروى العتبى عن أبيه أيضا قال: كتب الحسن إلى فرقد: أما بعد فانى أوصيك بتقوى الله، والعمل بما علمك الله، والاستعداد لما وعد الله، مما لا حيلة لأحد في دفعه، ولا ينفع الندم عند نزوله، فاحسر عن رأسك قناع الغافلين، وانتبه من رقدة الجاهلين، وشمر الساق، فان الدنيا ميدان مسابقة، والغاية الجنة أو النار، فان لي ولك من الله مقاما يسألنى وإياك فيه عن الحقير والدقيق، والجليل والخافى، ولا آمن أن يكون فيما يسألنى وإياك عنه وساوس الصدور، ولحظ العيون، وإصغاء الأسماع. وما أعجز عنه. وروى ابن قتيبة عنه أنه مر على باب ابن هبيرة فرأى القراء - وكانوا هم الفقهاء - جلوسا على باب ابن هبيرة فقال: طفحتم نعالكم، وبيضتم ثيابكم. ثم أتيتم إلى أبوابهم تسعون؟ ثم قال لأصحابه: ما ظنكم بهؤلاء الحذاء؟ ليست مجالسهم من مجالس الأتقياء، وإنما مجالسهم مجالس الشرط. وروى الخرائطى عن الحسن أنه كان إذا اشترى شيئا وكان في ثمنه كسر جبره لصاحبه. ومر الحسن بقوم يقولون: نقص دانق أي عن الدرهم الكامل والدينار الكامل - إما أن يكون درهما ينقص نصفا أو ربعا، والعشرة تسعة ونصف، وقس على هذا، فكان الحسن يستحب جبران هذه الأشياء، وإن كان اشترى السلعة بدرهم ينقص دانقا كمله درهما، أو بتسعة ونصف كملها عشرة، مروءة وكرما. وقال عبد الأعلى السمسار، قال الحسن: يا عبد الأعلى! أما يبيع أحدكم الثوب لأخيه فينقص درهمين أو ثلاثة؟ قلت لا والله ولا دانق واحد، فقال الحسن: إن هذه الأخلاق فما بقي من المروءة إذا؟. قال: وكان الحسن يقول: لا دين إلا بمروءة. وباع بغلة له فقال له المشترى: أما تحط لي شيئا يا أبا سعيد؟ قال لك خمسون درهما، أزيدك؟ قال: لا! رضيت، قال: بارك الله لك. وروى ابن أبى الدنيا عن حمزة الأعمى قال: ذهبت بى أمى إلى الحسن فقالت: يا أبا سعيد: ابني هذا قد أحببت أن يلزمك فلعل الله أن ينفعه بك، قال: فكنت أختلف إليه، فقال لي يوما: يا بنى أدم الحزن على خير الآخرة لعله أن يوصلك إليه، وابك في ساعات الليل والنهار في الخلوة لعل مولاك أن يطلع عليك فيرحم عبرتك فتكون من الفائزين، قال: وكنت أدخل على الحسن منزله وهو يبكى، وربما جئت إليه وهو يصلى فأسمع بكاءه ونحيبه، فقلت له يوما: إنك تكثر البكاء فقال يا بنى! ماذا يصنع المؤمن إذا لم يبك؟ يا بنى إن البكاء داع إلى الرحمة، فان استطعت أن تكون عمرك باكيا فافعل لعله تعالى أن يرحمك، فإذا أنت نجوت من النار، وقال: ما هو إلا حلول الدار إما الجنة وإما النار، ما هناك منزل ثالث. وقال: بلغنا أن الباكي من خشية الله لا تقطر من دموعه

стр. 3100

قطرة حتى تعتق رقبته من النار. وقال: لو أن باكيا بكى في ملأ من خشية الله لرحموا جميعا، وليس شيء من الأعمال إلا له وزن إلا البكاء من خشية الله فإنه لا يقوّم الله بالدمعة منه شيئا. وقال: ما بكى عبد إلا شهد عليه قلبه بالصدق أو الكذب. وروى ابن أبى الدنيا عنه في كتاب اليقين قال: من علامات المسلم قوة دين، وحزم في لين، وإيمان في يقين، وحكم في علم، وحبس في رفق، وإعطاء في حق، وقصد في غنى، وتحمل في فاقة وإحسان في قدرة، وطاعة معها نصيحة، وتورع في رغبة، وتعفف وصبر في شدة، لا ترديه رغبته، ولا يبدره لسانه، ولا يسبقه بصره، ولا يغلبه فرجه، ولا يميل به هواه، ولا يفضحه لسانه، ولا يستخفه حرصه، ولا تقصر به نيته. كذا ذكر هذه الألفاظ عنه (١). قال: حدثنا عبد الرحمن ابن صالح عن الحكم بن ظهير عن يحيى بن المختار عن الحسن فذكره، وقال فيه أيضا عنه: يا ابن آدم إن من ضعف يقينك أن تكون بما في يدك أوثق منك بما في يدي الله وقال ابن أبى الدنيا: حدثنا على بن إبراهيم اليشكري حدثنا موسى بن إسماعيل الجيلي حدثنا حفص بن سليمان أبو مقاتل عن عون بن أبى شداد عن الحسن قال قال لقمان لابنه: يا بنى!! العمل لا يستطاع إلا باليقين، ومن يضعف يقينه يضعف عمله. وقال: يا بنى إذا جاءك الشيطان من قبل الشك والريب فاغلبه باليقين والنصيحة، وإذا جاءك من قبل الكسل والسآمة فاغلبه بذكر القبر والقيامة، وإذا جاءك من قبل الرغبة والرهبة فأخبره أن الدنيا مفارقة متروكة. وقال الحسن: ما أيقن عبد بالجنة والنار حق يقينهما إلا خشع وذبل واستقام واقتصد حتى يأتيه الموت. وقال: باليقين طلبت الجنة، وباليقين هربت من النار، وباليقين أديت الفرائض على أكمل وجهها، وباليقين أصبر على الحق وفي معافاة الله خير كثير، قد والله رأيناهم يتعاونون في العافية، فإذا نزل البلاء تفارقوا. وقال: الناس في العافية سواء، فإذا نزل البلاء تبين عنده الرجال. وفي رواية: فإذا نزل البلاء تبين من يعبد الله وغيره، وفي رواية فإذا نزل البلاء سكن المؤمن إلى إيمانه، والمنافق إلى نفاقه. وقال الفريابي في فضائل القرآن: حدثنا عبد الله بن المبارك أخبرنا معمر عن يحيى بن المختار عن الحسن قال: إن هذا القرآن قد قرأه عبيد وصبيان لا علم لهم بتأويله، لم يأتوا الأمر من قبل أوله، قال الله : ﴿كِتابٌ أَنْزَلْناهُ إِلَيْكَ مُبارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آياتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُوا الْأَلْبابِ﴾ وما تدبر آياته إلا أتباعه، أما والله ما هو بحفظ حروفه وإضاعة حدوده، حتى أن أحدهم ليقول: قد قرأت القرآن كله فما أسقط منه حرفا واحدا، وقد والله أسقطه كله، ما يرى له القرآن في خلق ولا عمل، حتى ان أحدهم ليقول: والله إني لأقرأ السورة في نفس، لا والله ما هؤلاء بالقراءة ولا بالعلماء ولا الحكماء

стр. 3101

ولا الورعة، ومتى كانت القراءة هكذا أو يقول مثل هذا، لا أكثر الله في الناس، مثل هؤلاء. ثم روى الحسن عن جندب قال: قال لنا حذيفة: هل تخافون من شيء؟ قال: قلت والله إنك وأصحابك لأهون الناس عندنا، فقال: أما والّذي نفسي بيده لا تؤتون إلا من قبلنا، ومع ذلك نشئ آخر يقرءون القرآن يكونون في آخر هذه الأمة ينثرونه نثر الدقل، لا يجاوز تراقيهم، تسبق قراءتهم إيمانهم. وروى ابن أبى الدنيا عنه في ذم الغيبة له قال: والله للغيبة أسرع في دين المؤمن من الأكلة في جسده. وكان يقول: ابن آدم إنك لن تصيب حقيقة الايمان حتى لا تصيب الناس بعيب هو فيك، وحتى تبدأ بصلاح ذلك العيب فتصلحه من نفسك، فإذا فعلت ذلك كان ذلك شغلك في طاعة نفسك، وأحب العباد إلى الله من كان هكذا. وقال الحسن: ليس بينك وبين الفاسق حرمة. وقال: ليس لمبتدع غيبة. وقال أصلت بن طريف: قلت للحسن: الرجل الفاجر المعلن بفجوره، ذكرى له بما فيه غيبة؟ قال: لا ولا كرامة. وقال: إذا ظهر فجوره فلا غيبة له. وقال: ثلاثة لا تحرم عليك غيبتهم: المجاهر بالفسق، والامام الجائر، والمبتدع. وقال له رجل: إن قوما يجالسونك ليجدوا بذلك إلى الوقيعة فيك سبيلا، فقال: هون عليك يا هذا فانى أطمعت نفسي في الجنان فطمعت، وأطمعتها في النجاة من النار فطمعت، وأطمعتها في السلامة من الناس فلم أجد إلى ذلك سبيلا، فان الناس لم يرضوا عن خالقهم ورازقهم فكيف يرضون عن مخلوق مثلهم؟ وقال: كانوا يقولون: من رمى أخاه بذنب قد تاب منه لم يمت حتى يصيب ذلك الذنب. وقال الحسن: قال لقمان لابنه: يا بنى إياك والكذب فإنه شهى كلحم العصفور عما قليل يقلاه صاحبه. وقال الحسن: اعتبروا الناس بأعمالهم ودعوا أقوالهم فان الله لم يدع قولا إلا جعل عليه دليلا من عمل يصدقه أو يكذبه، فان سمعت قولا حسنا فرويدا بصاحبه، فان وافق قول عملا فنعم ونعمت عين أخته وأخيه، وإذا خالف قول عملا فماذا يشبه عليك منه، أم ماذا يخفى عليك منه؟ إياك وإياه لا يخدعنك كما خدع ابن آدم، إن لك قولا وعملا، فعملك أحق بك من قولك، وإن لك سريرة وعلانية، فسريرتك أحق بك من علانيتك، وإن لك عاجلة وعاقبة، فعاقبتك أحق بك من عاجلتك. وقال ابن أبى الدنيا: حدثنا حمزة بن العباس أنبأ عبدان بن عثمان أنبأ معمر عن يحيى بن المختار عن الحسن قال: إذا شبت لقيت الرجل أبيض حديد اللسان حديد النظر ميت القلب والعمل، أنت أبصر به من نفسه، ترى أبدانا ولا قلوبا، وتسمع الصوت ولا أنيس، أخصب ألسنة وأجدب قلوبا، يأكل أحدهم من غير ماله ويبكى على عماله، فإذا كهضته البطنة قال: يا جارية أو يا غلام ايتني بهاضم، وهل هضمت يا مسكين إلا دينك؟. وقال: من رق ثوبه رق دينه، ومن سمن جسده هزل دينه، ومن طاب طعامه أنتن كسبه. وقال فيما رواه عنه الآجري: رأس مال المؤمن

стр. 3102

دين حيث ما زال زال معه، لا يخلفه في الرحال، ولا يأتمن عليه الرجال. وقال في قوله تعالى: ﴿وَلا أُقْسِمُ بِالنَّفْسِ اللَّوّامَةِ﴾ قال: لا تلقى المؤمن إلا يلوم نفسه، ما أردت بكلمة كذا، ما أردت بأكلة كذا، ما أردت بمجلس كذا، وأما الفاجر فيمضى قدما قدما لا يلوم نفسه. وقال: تصبروا وتشددوا فإنما هي ليال تعد، وإنما أنتم ركب وقوف يوشك أن يدعى أحدكم فيجيب ولا يلتفت، فانقلبوا بصالح ما بحضرتكم، إن هذا الحق أجهد الناس وحال بينهم وبين شهواتهم، وإنما يصبر على هذا الحق من عرف فضله وعاقبته. وقال: لا يزال العبد بخير ما كان له واعظ من نفسه، وكانت المحاسبة من همته. وقال ابن أبى الدنيا في محاسبة النفس: حدثنا عبد الله حدثنا إسماعيل بن زكريا حدثنا عبد الله ابن المبارك عن معمر عن يحيى بن المختار عن الحسن قال: المؤمن قوام على نفسه يحاسب نفسه لله ، وإنما خف الحساب يوم القيامة على قوم حاسبوا أنفسهم في الدنيا، وإنما شق الحساب يوم القيامة على أقوام أخذوا هذا الأمر من غير محاسبة، إن المؤمن يفجأه الشيء ويعجبه فيقول: والله إنك لمن حاجتي وإني لأشتهيك، ولكن والله ما من صلة إليك، هيهات حيل بيني وبينك، ويفرط منه الشيء فيرجع إلى نفسه فيقول: ما أردت إلى هذا أبدا إن شاء الله: إن المؤمنين قوم قد أوثقهم القرآن وحال بينهم وبين هلكتهم، إن المؤمن أسير في الدنيا يسعى في فكاك رقبته، لا يأمن شيئا حتى يلقى الله ، يعلم أنه مأخوذ عليه في سمعه وبصره ولسانه، وفي جوارحه كلها. وقال: الرضا صعب شديد، وإنما معول المؤمن الصبر. وقال: ابن آدم عن نفسك فكايس، فإنك إن دخلت النار لم تجبر بعدها أبدا. وقال ابن أبى الدنيا: أنبأ إسحاق بن إبراهيم قال: سمعت حماد بن زيد يذكر عن الحسن قال: المؤمن في الدنيا كالغريب لا ينافس في غيرها ولا يجزع من ذلها، للناس حال وله حال، الناس منه في راحة، ونفسه منه في شغل. وقال: لولا البلاء ما كان في أيام قلائل ما يهلك المرء نفسه. وقال: أدركت صدر هذه الأمة وخيارها وطال عمري فيهم، فو الله إنهم كانوا فيما أحل الله لهم أزهد منكم فيما حرم لله عليكم، أدركتهم عاملين بكتاب ربهم، متبعين سنة نبيهم، ما طوى أحدهم ثوبا، ولا جعل بينه وبين الأرض شيئا، ولا أمر أهله بصنع طعام، كان أحدهم يدخل منزله فان قرب اليه شيء أكل وإلا سكت فلا يتكلم في ذلك. وقال إن المنافق إذا صلى صلى رياء أو حياء من الناس أو خوفا، وإذا صلى صلى فقرأهم الدنيا، وإن فاتته الصلاة لم يندم عليها ولم يحزنه فواتها. وقال الحسن فيما رواه عنه صاحب كتاب النكت: من جعل الحمد لله على النعم حصنا وحابسا وجعل أداء الزكاة على المال سياجا وحارسا، وجعل العلم له دليلا وسائسا، أمن العطب، وبلغ أعلى الرتب. ومن كان للمال قانصا، وله عن الحقوق حابسا، وشغله وألهاه عن طاعة الله كان لنفسه ظالما

стр. 3103

ولقلبه بما جنت يداه كالما، وسلط الله على ماله سالبا وخالسا، ولم يأمل العطب في سائر وجوه الطلب وقيل: إن هذا لغيره، والله أعلم. وقال الحسن: أربع من كنّ فيه ألقى الله عليه محبته. ونشر عليه رحمته: من رق لوالديه، ورق لمملوكه، وكفل اليتيم، وأعان الضعيف. وسئل الحسن عن النفاق فقال: هو اختلاف السر والعلانية والمدخل والمخرج، وقال: ما خافه إلا مؤمن، ولا أمنه إلا منافق - يعنى النفاق - وحلف الحسن: ما مضى مؤمن ولا بقي إلا وهو يخاف النفاق، وفي رواية: إلا وهو من النفاق مشفق، ولا مضى منافق ولا بقي إلا وهو من النفاق آمن. وكتب عمر بن عبد العزيز إلى الحسن: كيف حبك الدينار والدرهم؟ قال: لا أحبهما، فكتب إليه: تولّ فإنك تعدل. وقال إبراهيم بن عيسى: ما رأيت أطول حزنا من الحسن، وما رأيته قط إلا حسبته حديث عهد بمصيبة، وقال مسمع: لو رأيت الحسن لقلت: قد بث عليه حزن الخلائق. وقال يزيد بن حوشب: ما رأيت أحزن من الحسن وعمر بن عبد العزيز، كأن النار لم تخلق إلا لهما. وقال ابن أسباط: مكث الحسن ثلاثين سنة لم يضحك، وأربعين سنة لم يمزح. وقال: ما سمع الخلائق بعورة بادية، وعين باكية مثل يوم القيامة. وقال: ابن آدم! إنك ناظر غدا إلى عملك يوزن خيره وشره، فلا تحقرن شيئا من الشر أن تتقيه، فإنك إذا رأيته غدا في ميزانك سرك (١) مكانه. وقال: ذهبت الدنيا وبقيت أعمالكم قلائد في أعناقكم وقال: ابن آدم! بع دنياك بآخرتك تربحهما جميعا، ولا تبع آخرتك بدنياك فتخسرهما جميعا، وهذا مأثور عن لقمان أنه قاله لولده. وقال الحسن: تجد الرجل قد لبس الأحمر والأبيض وقال: هلموا فانظروا إلى، قال الحسن: قد رأيناك يا أفسق الفاسقين فلا أهلا بك ولا سهلا، فأما أهل الدنيا فقد اكتسبوا بنظرهم إليك مزيد حرص على دنياهم، وجرأة على شهوات الغنى في بطونهم وظهورهم. وأما أهل الآخرة فقد كرهوك ومقتوك. وقال: إنهم وإن هملجت بهم البراذين، وزفرت بهم البغال، ووطئت أعقابهم الرجال، إن ذل المعاصي لا يفارق رقابهم، يأبى الله إلا أن يذل من عصاه. وقال فرقد: دخلنا على الحسن فقلنا: يا أبا سعيد: ألا يعجبك من محمد بن الأهتم؟ فقال: ما له؟ فقلنا: دخلنا عليه آنفا وهو يجود بنفسه فقال: انظروا إلى ذاك الصندوق - وأومأ إلى صندوق في جانب بيته - فقال: هذا الصندوق فيه ثمانون ألف دينار - أو قال: درهم - لم أؤد منها زكاة، ولم أصل منها رحما، ولم يأكل منها [محتاج]. فقلنا: يا أبا عبد الله، فلمن كنت تجمعها؟ قال: لروعة الزمان، ومكاثرة الأقران، وجفوة السلطان. فقال: انظروا من أين أتاه شيطانه فخوفه روعة زمانه،

стр. 3104

ومكاثرة أقرانه، وجفوة سلطانه؟ ثم قال: أيها الوارث: لا تخدعن كما خدع صويحبك بالأمس، جاءك هذا المال لم تتعب لك فيه يمين، ولم يعرق لك فيه جبين، جاءك ممن كان له جموعا منوعا، من باطل جمعه، من حق منعه، ثم قال الحسن: إن يوم القيامة لذو حسرات، الرجل يجمع المال ثم يموت ويدعه لغيره فيرزقه الله فيه الصلاح والإنفاق في وجوه البر، فيجد ماله في ميزان غيره. وكان الحسن يتمثل بهذا البيت في أول النهار يقول: وما الدنيا بباقية لحي … ولا حي على الدنيا بباق وبهذا البيت في آخر النهار: يسر الفتى ما كان قدم من تقى … إذا عرف الداء الّذي هو قاتله ولد الحسن في خلافة عمر بن الخطاب وأتى به إليه فدعا له وحنكه. ومات بالبصرة في سنة عشر ومائة والله أعلم. محمد بن سيرين أبو بكر بن أبى عمرو الأنصاري، مولى أنس بن مالك النضري، كان أبوه من سبى عين التمر أسره في جملة السبي خالد بن الوليد فاشتراه أنس ثم كاتبه. وقد ولد له من الأخيار جماعة، محمد هذا، وأنس بن سيرين، ومعبد، ويحيى، وحفصة، وكريمة، وكلهم تابعيون ثقات أجلاء، رحمهم الله تعالى. قال البخاري: ولد محمد لسنتين بقيتا من خلافة عثمان. وقال هشام بن حسان: هو أصدق من أدركت من البشر. وقد تقدم هذا كله فيما ذكره المؤلف. كان ابن سيرين إذا ذكر عنده رجل بسوء ذكره بأحسن ما يعلم. وقال خلف بن هشام: كان محمد بن سيرين قد أعطى هديا وسمتا وخشوعا، وكان الناس إذا رأوه ذكروا الله. ولما مات أنس بن مالك أوصى أن يغسله محمد بن سيرين - وكان محمد محبوسا - فقالوا له في ذلك، فقال: أنا محبوس فقالوا: قد استأذنا الأمير في إخراجك، قال: إن الأمير لم يحبسني، إنما حبسني من له الحق، فأذن له صاحب الحق فغسله. وقال يونس: ما عرض لمحمد بن سيرين أمران إلا أخذ بأوثقهما في دينه، وقال: إني لأعلم الذنب الّذي حملت بسببه، إني قلت يوما لرجل: يا مفلس، فذكر هذا لأبى سليمان الدارانيّ فقال: قلت ذنوبهم فعرفوا من أين أتوا. ومثلنا قد كثرت ذنوبنا فلم ندر من أين نؤتى، ولا بأي ذنب نؤخذ. وكان إذا دعي إلى وليمة يدخل منزله فيقول: ايتوني بشربة سويق فيشربها ويقول: إني أكره أن أحمل جوعي إلى موائدهم وطعامهم: وكان يدخل السوق نصف النهار فيكبر الله ويسبحه ويذكره ويقول: إنها ساعة غفلة الناس، وقال: إذا أراد الله بعبد خيرا جعل له واعظا

стр. 3105

من قلبه يأمره وينهاه. وقال: ظلم لأخيك أن تذكر منه أسوأ ما تعلم منه وتكتم خيره. وقال: العزلة عبادة، وكان إذا ذكر الموت مات منه كل عضو على حدته. وفي رواية كان يتغير لونه وينكر حاله، حتى كأنه ليس بالذي كان، وكان إذا سئل عن الرؤيا قال للسائل: اتّق الله في اليقظة ولا يغرك ما رأيت في المنام. وقال له رجل: رأيت كأنى أصب الزيت في الزيتون، فقال: فتش على امرأتك فإنها أمك، ففتش فإذا هي أمه. وذلك أن الرجل أخذ من بلاده صغيرا سبيا ثم مكث في بلاد الإسلام إلى أن كبر، ثم سبيت أمه فاشتراها جاهلا أنها أمه، فلما رأى هذه الرؤيا وذكرها لابن سيرين فأمره أن يفتش على ذلك، ففتش فوجد الأمر على ما ذكره. وقال له آخر: رأيت كأنى دست - أو قال وطئت - تمرة فخرجت منها فأرة. فقال له: تتزوج امرأة - أو قال: تطأ امرأة - صالحة تلد بنتا فاسقة، فكان كما قال. وقال له آخر: رأيت كأن على سطح بيتي حبات شعير فجاء ديك فلقطها، فقال له: إن سرق لك شيء في هذه الأيام فأتنى. فوضعوا بساطا على سطحهم فسرق، فجاء إليه فأخبره، فقال: اذهب إلى مؤذن محلتك فخذه منه، فجاء إلى المؤذن فأخذ البساط منه. وقال له رجل: رأيت الحمام تلقط الياسمين. فقال: مات علماء البصرة. وأتاه رجل فقال: رأيت رجلا عريانا واقفا على مزبلة وبيده طنبور يضرب به، فقال له ابن سيرين: لا تصلح هذه الرؤيا في زماننا هذا إلا للحسن البصري، فقال: الحسن هو والله الّذي رأيت. فقال: نعم، لأن المزبلة الدنيا وقد جعلها تحت رجليه، وعريه تجرده عنها، والطنبور يضرب به هي المواعظ التي يقرع بها آذان الناس. وقال له آخر: رأيت كأنى أستاك والدم يسيل. فقال له: أنت رجل تقع في أعراض الناس وتأكل لحومهم وتخرج في بابه وتأتيه (١). وقال له آخر: رأيت كأنى أرى اللؤلؤ في الحمأة، فقال له: أنت رجل تضع القرآن والعلم عند غير أهله ومن لا ينتفع به. وجاءته امرأة فقالت: رأيت كأن سنورا أدخل رأسه في بطن زوجي فأخذ منه قطعة، فقال لها ابن سيرين: سرق لزوجك ثلاثمائة درهم، وستة عشر درهما، فقالت: صدقت من أين أخذته؟ فقال: من هجاء حروفه وهي حساب الجمل، فالسين ستون، والنون خمسون، والواو ستة والراء مائتان، وذلك ثلاثمائة وستة عشر، وذكرت السنور أسود فقال: هو عبد في جواركم، فالزموا عبدا أسود كان في جوارهم وضرب فأقر بالمال المذكور. وقال له رجل: رأيت لحيتي قد طالت وأنا انظر إليها. فقال له أمؤذن أنت؟ قال: نعم! قال له: اتّق الله ولا تنظر إلى دور الجيران. وقال له آخر: رأيت كأن لحيتي قد طالت حتى جززتها ونسجتها كساء وبعته في السوق. فقال له: اتّق الله فإنك شاهد زور. وقال له آخر: رأيت كأنى آكل أصابعى، فقال له تأكل من عمل يدك. وقال لرجل

стр. 3106

انظر هل ترى في المسجد أحدا؟ فذهب فنظر ثم رجع إليه فقال: ليس في المسجد أحد، فقال: أليس أمرتك أن تنظر هل ترى أحدا قد يكون في المسجد من الأمراء (١)؟. وقال عن رجل ذكر له ذلك الأسود، ثم قال: أستغفر الله! ما أرانى إلا قد اغتبت الرجل - وكان الرجل أسود - وقال: اشترك سبعة في قتل امرأة فقتلهم عمر، فقال لو أن أهل صنعاء اشتركوا في قتلها لأبدت خضراءهم. وهب بن منبه اليماني تابعي جليل، وله معرفة بكتب الأوائل، وهو يشبه كعب الأحبار، وله صلاح وعبادة، ويروى عنه أقوال حسنة وحكم ومواعظ، وقد بسطنا ترجمته في كتابنا التكميل ولله الحمد. قال الواقدي: توفى بصنعاء سنة عشر ومائة، وقال غيره: بعدها بسنة، وقيل بأكثر، والله أعلم. ويزعم بعض الناس أن قبره غربي بصرى بقرية يقال لها عصم، ولم أجد لذلك أصلا، والله أعلم. انتهى ما ذكره المؤلف. فصل أدرك وهب بن منبه عدة من الصحابة، وأسند عن ابن عباس وجابر والنعمان بن بشير. وروى عن معاذ بن جبل وأبى هريرة، وعن طاوس. وعنه من التابعين عدة. وقال وهب: مثل من تعلم علما لا يعمل به كمثل طبيب معه شفاء لا يتداوى به. وعن منير مولى الفضل بن أبى عياش قال: كنت جالسا مع وهب بن منبه فأتاه رجل فقال له: إني مررت بفلان وهو يشتمك، فغضب وقال: ما وجد الشيطان رسولا غيرك؟ فما برحت من عنده حتى جاءه ذلك الشاتم فسلم على وهب فرد عليه¬ السلام، ومد يده إليه وصافحه وأجلسه إلى جنبه. وقال ابن طاوس: سمعت وهبا يقول: ابن آدم احتل لدينك فان رزقك سيأتيك. وقال وهب: كسى أهل النار والعرى كان خيرا لهم، وطعموا والجوع كان خيرا لهم، وأعطوا الحياة والموت كان خيرا لهم. وقال: قال داود ﵇: اللهمّ أيما فقير سأل غنيا فتصامّ عنه، فأسألك إذا دعاك فلا تجبه، وإذا سألك فلا تعطه. وقال: قرأت في بعض كتب الله: ابن آدم، لا خير لك في أن تعلم ما لم تعلم، ولم تعمل بما قد علمت، فان مثلك كمثل رجل احتطب حطبا فحزم حزمة فذهب يحملها فعجز عنها فضم إليها أخرى. وقال: إن لله ثمانية عشر ألف عالم، الدنيا منها عالم واحد، وما العمارة في الخراب إلا كفسطاط في الصحراء. وروى الطبراني عنه أنه قال: إذا أردت أن تعمل بطاعة الله فاجتهد في نصحك وعملك لله، فان العمل لا يقبل ممن ليس بناصح، والنصح لله لا يكمل إلا بطاعة الله، كمثل الثمرة الطيبة ريحها وطعمها، كذلك مثل طاعة الله، النصح ريحها، والعمل طعمها، ثم زين طاعتك بالحلم

стр. 3107

والعقل، والفقه والعمل، ثم أكبر نفسك عن أخلاق السفهاء وعبيد الدنيا، وعبّدها على أخلاق الأنبياء والعلماء العاملين، وعوّدها فعل الحكماء، وأمنعها عمل الأشقياء، وألزمها سيرة الأتقياء، وأعز بها عن سبل الخبثاء، وما كان لك من فضل فأعن به من دونك، وما كان فيمن دونك من نقص فأعنه عليه حتى يبلغه، فان الحكيم من جمع فواضله وعاد بها على من دونه، وينظر في نقائص من دونه فيقويها ويرجيها حتى يبلغه، إن كان فقيها حمل من لا فقه له إذا رأى أنه يريد صحابته ومعونته وإذا كان له مال أعطى منه من لا مال له، وإذا كان مصلحا استغفر للمذنب ورجا توبته، وإذا كان محسنا أحسن إلى من أساء إليه واستوجب بذلك أجره، ولا يغتر بالقول حتى يحسن منه الفعل، فإذا أحسن الفعل نظر إلى فضل الله وإحسانه إليه، ولا يتمنى الفعل حتى يفعله، فإذا بلغ من طاعة الله مبلغا حمد الله على ما بلغ منها ثم طلب ما لم يبلغ منها، وإذا ذكر خطيئة سترها عن الناس واستغفر الله الّذي هو قادر على أن يغفرها، وإذا علم من الحكمة شيئا لم يشبعه بل يطلب ما لم يبلغ منها، ثم لا يستعين بشيء من الكذب، فان الكذب كالأكلة في الجسد تكاد تأكله، أو كالأكلة في الخشب، يرى ظهرها حسنا وجوفها نخر تغر من يراها حتى تنكسر على ما فيها وتهلك من اغتر بها. وكذلك الكذب في الحديث لا يزال صاحبه يغتر به، يظن أنه معينة على حاجته ورائد له في رغبته، حتى يعرف ذلك منه، ويتبين لذوي العقول غروره، فتستنبط الفقهاء ما كان يستخفى به عنه، فإذا اطلعوا على ذلك من أمره وتبين لهم، كذبوا خبره، وأباروا شهادته، واتهموا صدقه، وحقروا شأنه، وأبغضوا مجلسه، واستخفوا منه بسرائرهم، وكتموه حديثهم، وصرفوا عنه أماناتهم، وغيبوا عنه أمرهم، وحذروه على دينهم ومعيشتهم، ولم يحضروه شيئا من محاضرتهم، ولم يأمنوه على شيء من سرّهم، ولم يحكموه فيما شجر بينهم. وروى عبد المنعم بن إدريس عن أبيه عن وهب قال: قال لقمان لابنه: إن مثل أهل الذكر والغفلة كمثل النور والظلمة. وقال: قرأت في التوراة أربعة أسطر متواليات: من قرأ كتاب الله فظن أنه لا يغفر له فهو من المستهزءين بآيات الله، ومن شكا مصيبة نزلت به فإنما يشكو ربه ، ومن أسف على ما فاته من الدنيا سخط قضاء ربه ، ومن تضعضع لغني ذهب ثلث دينه. وقال وهب: قرأت في التوراة: أيما دار بنيت بقوة الضعفاء جعلت عاقبتها إلى الخراب، وأيما مال جمع من غير حله أسرع الفقر إلى أهله. وقال عبد الله بن المبارك: حدثنا معمر عن محمد بن عمرو قال: سمعت وهب بن منبه يقول: وجدت في بعض الكتب: يقول الله تعالى: إذا أطاعنى عبدي استجبت له من قبل أن يدعوني، وأعطيته من قبل أن يسألنى، وإن عبدي إذا أطاعنى لو أن أهل السموات وأهل الأرض أجلبوا

стр. 3108

عليه جعلت له المخرج من ذلك، وإن عبدي إذا عصاني قطعت يديه من أبواب السماء، وجعلته في الهواء فلا يمتنع من شيء أراده من خلقي. وقال ابن المبارك أيضا: حدثنا بكار بن عبد الله قال: سمعت وهب بن منبه يقول: قال الله تعالى فيما يعيب به أحبار بنى إسرائيل: تفقهون لغير الدين، وتتعلمون لغير العمل، وتبتاعون الدنيا بعمل الآخرة، وتلبسون جلود الضأن، وتحملون نفس الذباب، وتتغذون الغذاء من شرابكم، وتبتلعون أمثال الجبال من الحرام، وتثقلون الدين على الناس أمثال الجبال، ثم لا تعينوهم برفع الخناصر، تطيلون الصلاة وتبيضون الثياب، تنتقصون بذلك مال اليتيم والأرملة، فبعزتي حلفت لأضربنكم بفتنة يضل فيها رأى ذي الرأى وحكمة الحكيم. وقال الطبراني: حدثنا عبد الله بن محمد الصنعاني حدثنا همام بن مسلمة حدثنا غوث بن جابر حدثنا عقيل بن معقل قال: سمعت وهب بن منبه يقول: إن الله ليس يحمد أحدا على طاعة، ولا ينال أحد من الله خيرا إلا برحمته، وليس يرجو الله خير الناس ولا يخاف شرهم، ولا يعطف الله على الناس إلا برحمته إياهم، إن مكروا به أباد مكرهم، وإن خادعوه رد عليهم خداعهم، وإن كاذبوه كذب بهم، وإن أدبر واقطع دابرهم، وإن أقبلوا قبل منهم ولا يقبل منهم شيئا من حيلة، ولا مكر ولا خداع ولا سخط ولا مشادة، وإنما يأتى بالخير من الله تعالى رحمته، ومن لم يبتغ الخير من قبل رحمته لا يجد بابا غير ذلك يدخل منه، فان الله تعالى لا ينال الخير منه إلا بطاعته، ولا يعطف الله على الناس شيء إلا تعبدهم له، وتضرعهم إليه حتى يرحمهم، فإذا رحمهم استخرجت رحمته منه حاجتهم، وليس ينال الخير من الله من وجه غير ذلك، وليس إلى رحمة الله سبيل تؤتى من قبله إلا تعبد العباد له وتضرعهم إليه، فان رحمة الله باب كل خير يبتغى من قبله، وإن مفتاح ذلك الباب التضرع إلى الله والتعبد له، فمن ترك المفتاح لم يفتح له، ومن جاء بالمفتاح فتح له به، وكيف يفتح الباب بغير مفتاح، ولله خزائن الخير كله، وباب خزائن الله رحمته، ومفتاح رحمة الله التذلل والتضرع والافتقار إلى الله، فمن حفظ ذلك المفتاح فتحت له الخزائن ودخل، فله فيها ما تشتهي الأنفس وتلذ الأعين وفيها ما تشاءون وما تدعون في مقام أمين، لا يحولون عنه ولا يخافون ولا ينصبون ولا يهرمون ولا يفتقرون ولا يموتون، في نعيم مقيم، وأجر عظيم، وثواب كريم، نزلا من غفور رحيم. وقال سفيان بن عيينة: قال وهب: أعون الأخلاق على الدين الزهادة في الدنيا، وأسرعها ردا اتباع الهوى وحب المال والشرف، ومن حب المال والشرف تنتهك المحارم، ومن انتهاك المحارم يغضب الرب، وغضب الله ليس له دواء. وقال: يقول الله تعالى في بعض كتبه يعتب به بنى إسرائيل: إني إذا أطعت رضيت، وإذا رضيت باركت، وليس لبركتي نهاية. وإذا عصيت غضبت وإذا غضبت لعنت، وإن اللعنة منى تبلغ السابع من الولد. وقال: كان في بنى إسرائيل رجل

стр. 3109

عصى الله مائتي سنة، ثم مات فأخذوا برجله فألقوه على مزبلة، فأوحى الله إلى موسى: أن صل عليه، فقال: يا رب إن بنى إسرائيل شهدوا أنه قد عصاك مائتي سنة، قال الله له: نعم هكذا كان، إلا أنه كان كلما نشر التوراة ورأى أسم محمد ﷺ قبّله ووضعه على عينيه وصلى عليه، فشكرت ذلك له فغفرت له ذنوبه وزوجته سبعين حوراء. كذا روى وفيه علل، ولا يصح مثله، وفي إسناده غرابة وفي متنه نكارة شديدة. وروى ابن إدريس عن أبيه عن وهب قال: قال موسى: يا رب احبس عنى كلام الناس، فقال الله له: يا موسى ما فعلت هذا بنفسي، وقال لما دعي يوسف إلى الملك وقف بالباب وقال: حسبي ديني من دنياي، حسبي ربى من خلقه، عز جارك وجل ثناؤك، ولا إله غيرك ثم دخل على الملك، فلما نظر إليه الملك نزل عن سريره وخر له ساجدا ثم أقعده الملك معه على السرير، وقال: ﴿إِنَّكَ الْيَوْمَ لَدَيْنا مَكِينٌ أَمِينٌ﴾ فقال: ﴿اِجْعَلْنِي عَلى خَزائِنِ الْأَرْضِ إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ﴾ حفيظ بهذه السنين وما استودعتني فيها، عليم بلغة من يأتينى. وقال الإمام أحمد: حدثنا منذر بن النعمان الأفطس أنه سمع وهبا يقول: لما أمر الله الحوت أن لا يضره ولا يكلمه - يعنى يونس - قال: ﴿فَلَوْلا أَنَّهُ كانَ مِنَ الْمُسَبِّحِينَ * لَلَبِثَ فِي بَطْنِهِ إِلى يَوْمِ يُبْعَثُونَ﴾ قال: من العابدين قبل ذلك، فذكره الله بعبادته المتقدمة، فلما خرج من البحر نام فأنبت الله شجرة من يقطين - وهو الدباء - فلما رآها قد أظلته ورأى خضرتها فأعجبته، ثم نام فاستيقظ فإذا هي قد يبست، فجعل يتحزن عليها، فقيل له: أنت لم تخلق ولم تسق ولم تنبت وتحزن عليها، وأنا الّذي خلقت مائة ألف من النار أو يزيدون ثم رحمتهم فشق ذلك عليك. وقال الإمام أحمد: حدثنا إبراهيم بن خالد الغساني حدثنا رباح حدثني عبد الملك بن عبد المجيد ابن خشك عن وهب قال: لما أمر نوح أن يحمل من كل زوجين اثنين، قال: يا رب كيف أصنع بالأسد والبقر؟ وكيف أصنع بالعناق والذئب؟ وكيف أصنع بالحمام والهر؟ قال: من ألقى بينهم العداوة؟ قال: أنت يا رب، قال: فانى أؤلف بينهم حتى لا يتضررون. وقال وهب لعطاء الخراساني: ويحك يا عطاء، ألم أخبر أنك تحمل علمك إلى أبواب الملوك وأبناء الدنيا، وأبواب الأمراء؟ ويحك يا عطاء، أتأتي من يغلق عنك بابه، ويظهر لك فقره، ويوارى عنك غناه، وتترك باب من يقول: ﴿اُدْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾؟ ويحك يا عطاء، إن كان يغنيك ما يكفيك فأوهى ما في الدنيا يكفيك، وإن كان لا يغنيك ما يكفيك فليس في الدنيا شيء يكفيك، ويحك يا عطاء، إنما بطنك بحر من البحور، وواد من الأودية، لا يملؤه شيء إلا التراب. وسئل وهب عن رجلين يصليان، أحدهما أطول قنوتا وصمتا، والآخر أطول سجودا، فأيهما أفضل؟ فقال: أنصحهما لله . وقال: من خصال المنافق أن يحب الحمد ويكره الذم، أي

стр. 3110

يحب أن يحمد على ما لم يفعل، ويكره أن يذم بما فيه. قال: وقال لقمان لابنه: يا بنى اعقل عن الله فان أعقل الناس من عقل عن الله، وإن الشيطان ليفر من العاقل ما يستطيع أن يكايده. وقال لرجل من جلسائه: ألا أعلمك طبا لا يتعايا فيه الأطباء، وفقها لا يتعايا فيه الفقهاء، وحلما لا يتعايا فيه الحلماء، قال: بلى يا أبا عبد الله، قال: أما الطب فلا تأكل طعاما إلا سميت الله على أوله وحمدته على آخره، وأما الفقه فان سئلت عن شيء عندك فيه علم فأخبر بما تعلم وإلا فقل: لا أدرى، وأما الحلم فأكثر الصمت إلا أن تسأل عن شيء. وقال: إذا كان في الصبى خلقان، الحياء والرهبة، طمع في رشده. وقال: لما بلغ ذو القرنين مطلع الشمس قال له ملك هناك: صف لي الناس، فقال محادثتك من لا يعقل كمن يغنى الموتى، ومحادثتك من لا يعقل كمن يبل الصخر الأصم كي يلبن، وكمن يطبخ الحديد يلتمس أدمه، ومحادثتك من لا يعقل كمن يضع المائدة لأهل القبور، ونقل الحجارة من رءوس الجبال أيسر من محادثة من لا يعقل. وقال: قرأت في بعض الكتب أن مناديا ينادى من السماء الرابعة كل صباح: أبناء الأربعين زرع قد دنا حصاده، أبناء الخمسين ماذا قدمتم؟ أبناء الستين لا عذر لكم، ليت الخلق لم يخلقوا، وليتهم إذ خلقوا علموا لماذا خلقوا، قد أتتكم الساعة فخذوا حذركم. وقال: قال دانيال: يا لهفي على زمن يلتمس فيه الصالحون فلا يوجد منهم أحد، إلا كالسنبلة في أثر الحاصد، أو كالخصلة في أثر القاطف، يوشك نوائح أولئك وبواكيهم أن تبكيهم. وروى عبد الرزاق عن عبد الصمد بن معقل. قال: سمعت وهبا يقول في قوله تعالى: ﴿وَنَضَعُ الْمَوازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيامَةِ﴾ قال: إنما يوزن من الأعمال خواتيمها، وإذا أراد الله بعبد خيرا ختم له بخير عمله، وإذا أراد الله بعبد شرا ختم له بشر عمله. وقال وهب: إن الله تعالى لما فرغ من الخلق نظر إليهم حين مشوا على وجه الأرض فقال: أنا الله لا إله إلا أنا الّذي خلقتكم وأفنيكم بحكمي حق قضائي ونافذ أمرى، أنا أعيدكم كما خلقتكم، وأفنيكم حتى أبقى وحدي، فان الملك والخلود لا يحق إلا لي، أدعو خلقي وأجمعهم بقضائي، يوم أحشر أعدائى، وتجل القلوب من هيبتي، وتتبرأ الآلهة ممن عبدها دوني. قال: وذكر وهب أن الله لما فرغ من خلقه يوم الجمعة أقبل يوم السبت فمدح نفسه بما هو أهله وذكر عصمته وجبروته وكبرياءه، وسلطانه وقدرته وملكه وربوبيته، فأنصت كل شيء وأطرق له. فقال: أنا الملك لا إله إلا أنا ذو الرحمة الواسعة والأسماء الحسنى، أنا الله لا إله إلا أنا ذو العرش المجيد والأمثال العلا، أنا الله لا إله إلا أنا ذو الطول والمن والآلاء والكبرياء، أنا الله لا إله إلا أنا بديع السموات والأرض، ملأت كل شيء عظمتي، وقهر كل شيء ملكي، وأحاطت بكل شيء قدرتي، وأحصى كل شيء علمي، ووسعت كل شيء رحمتي، وبلغ كل شيء لطفي، فأنا الله يا معشر الخلائق

стр. 3111

فاعرفوا مكاني، فليس شيء في السموات والأرضين إلا أنا، وخلقي كلهم لا يقوم ولا يدوم إلا بى، ويتقلب في قبضتي، ويعيش برزقي، وحياته وموته وبقاؤه وفناؤه بيدي، فليس له محيص ولا ملجأ غيري، لو تخليت عنه طرفة عين لدمر كله، وكنت أنا على حالي لا ينقصني ذلك شيئا، ولا ينقص ذلك ملكي شيئا، وأنا مستغن بالعز كله في جبروتي وملكي، وبرهان نوري، وشديد بطشي، وعلو مكاني، وعظمة شأنى، فلا شيء مثلي، ولا إله غيري، وليس ينبغي لشيء خلقته أن يعدل بى ولا ينكرنى، وكيف ينكرنى من خلقته يوم خلقته على معرفتي؟، أم كيف يكابرنى من قهر قهره ملكي؟ أم كيف يعجزنى من ناصيته بيدي؟ أم كيف يعدل بى من أعمره وأسقم جسمه وأنقص عقله وأتوفى نفسه وأخلقه وأهرمه فلا يمتنع منى؟ أم كيف يستنكف عن عبادتي عبدي وابن عبدي وابن أمتى، ومن لا ينسب إلى خالق ولا وارث غيري؟ أم كيف يعبد دوني من تخلقه الأيام، ويفنى أجله اختلاف الليل والنهار؟ وهما شعبة يسيرة من سلطاني؟ فإليّ إلى يا أهل الموت والفناء، لا إلى غيري، فانى كتبت الرحمة على نفسي وقضيت العفو والمغفرة لمن استغفرني، أغفر الذنوب جميعا، صغيرها وكبيرها لمن استغفرني، ولا يكبر ذلك على ولا يتعاظمني، فلا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة ولا تقنطوا من رحمتي، فان رحمتي سبقت غضبى، وخزائن الخير كلها بيدي، ولم أخلق شيئا مما خلقت لحاجة كانت منى إليه، ولكن لأبين به قدرتي، ولينظر الناظرون في ملكي، ويتدبروا حكمتى، وليسبحوا بحمدي ويعبدوني لا يشركوا بى شيئا، ولتعنو الوجوه كلها إلى. وقال أشرس عن وهب قال قال داود: إلهي أين أجدك؟ قال عند المنكسرة قلوبهم من مخافتي. وقال كان رجل من بنى إسرائيل صام سبعين أسبوعا يفطر في كل أسبوع يوما وهو يسأل الله أن يريه كيف يغوى الشيطان الناس، فلما أن طال ذلك عليه ولم يجب، قال في نفسه: لو أقبلت على خطيئتي وعلى ذنوبي وما بيني وبين ربى لكان خيرا من هذا الأمر الّذي أطلب، ثم أقبل على نفسه فقال: يا نفس من قبلك أتيت، لو علم الله فيك خيرا لقضي حاجتك. فأرسل الله ملكا إلى نبيهم: أن قل لفلان العابد: إزراؤك على نفسك وكلامك الّذي تكلمت به، أعجب إلى مما مضى من عبادتك، وقد أجاب الله سؤالك، وفتح بصرك فانظر الآن، فنظر فإذا أحبولة لإبليس قد أحاطت بالأرض، وإذا ليس أحد من بنى آدم إلا وحوله شياطين مثل الذباب، فقال: إي رب، ومن ينجو من هؤلاء؟ قال صاحب القلب الوادع اللين. وقال وهب: كان رجل من السائحين فأتى على أرض فيها قثاء فدعته نفسه إلى أخذ شيء منه، فعاقبها فقام مكانه يصلى ثلاثة أيام، فمرّ به رجل وقد لوّحته الشمس والريح، فلما نظر إليه قال:

стр. 3112

سبحان الله!! لكأنما أحرق هذا الإنسان بالنار، فقال السائح: هكذا بلغ منى ما ترى خوف النار، فكيف بى لو قد دخلتها؟! وقال: كان رجل من الأولين أصاب ذنبا فقال: لله عليّ أن لا يظلني سقف بيت أبدا حتى تأتينى براءة من النار، فكان بالصحراء في الحر والقر، فمر به رجل فرأى شدة حاله فقال: يا عبد الله ما بلغ بك ما أرى؟ فقال: بلغ ما ترى ذكر جهنم، فكيف بى إذا أنا وقعت فيها!؟. وقال: لا يكون البطال من الحكماء أبدا، ولا يرث الزناة من ملكوت السماء، وقال وهب في موعظته: اليوم يعظ السعيد، ويستكثر من منافعه اللبيب، يا ابن آدم إنما جمعت من منافع هذا اليوم لدفع ضرر الجهالة عنك، وإنما أوقدت فيه مصابيح الهدى لتنبه لحزبك، فلم أر كاليوم ضل مع نوره متحير داع لمداواة سليم، يا ابن آدم! إنه لا أقوى من خالق، ولا أضعف من مخلوق، ولا أقدر ممن طلبته في يده، ولا أضعف ممن هو في يد طالبه، يا ابن آدم إنه قد ذهب منك ما لا يرجع إليك، وأقام عندك ما سيذهب، فما الجزع مما لا بدّ منه؟ وما الطمع فيما لا يرتجى؟ وما الحيلة في بقاء ما سيذهب؟ يا ابن آدم اقصر عن طلب ما لا تدرك، وعن تناول ما لا تناله، وعن ابتغاء ما لا يوجد، واقطع الرجاء عنك كما قعدت به عنك الأشياء، واعلم أنه ربّ مطلوب هو شر لطالبه، يا ابن آدم إنما الصبر عند المصيبة، وأعظم من المصيبة سوء الخلق منها، يا ابن آدم أي أيام الدهر ترتجى؟ يوم يجيء في عتم أو يوم تستأخر عاقبته عن أوان مجيئه؟ فانظر إلى الدهر تجده ثلاثة أيام، يوم مضى لا ترجوه، ويوم لا بد منه، ويوم يجيء لا تأمنه، فأمس شاهد عليك مقبول، وأمين مؤد، وحكيم مؤدب، قد فجعك بنفسه، وخلف فيك حكمته. واليوم صديق مودع، كان طويل الغيبة عنك، وهو سريع الظعن إياك ولم يأته، وقد مضى قبله شاهد عدل، فان كان ما فيه لك فاشفعه بمثله أوثق لك باجتماع شهادتهما عليك. يا ابن آدم إنما أهل الدنيا سفر لا يحلون عقد رحالهم إلا في غيرها، وإنما يتبلغون بالعواري فما أحسنه - يعنى الشكر - للمنعم والتسليم للمعاد، يا ابن آدم إنما الشيء من مثله وقد مضت قبلنا أصول نحن فروعها، فما بقاء الفرع بعد ذهاب أصله؟! إنما يقر الفرع بعد الأصل. يا ابن آدم إنه لا أعظم رزية في عقله ممن ضيع اليقين وأخطأ العمل. أيها الناس! إنما البقاء بعد الفناء، وقد خلقنا ولم نكن، وسنبلى ثم نعود، ألا وإنما العواري اليوم والهنات غدا، ألا وإنه قد تقارب منا سلب فاحش، أو عطاء جزيل، فأصلحوا ما تقدمون عليه بما تظعنون عنه. أيها الناس!! إنما أنتم في هذه الدنيا غرض تنتضل فيه المنايا، وإن ما أنتم فيه من دنياكم نهب للمصائب، لا تنالون فيها نعمة إلا بفراق الأخرى، ولا يستقبل منكم معمر يوما من عمره إلا بهدم آخر من أجله، ولا يتخذ له زيادة في ماله إلا بنفاد ما قبله من رزقه، ولا يحيى له أثر إلا مات له أثر. نسأل الله أن يبارك لنا ولكم فيما مضى من هذه العظة.

стр. 3113

وقال قتيبة بن سعيد: حدثنا كثير بن هشام حدثنا جعفر بن مروان عن وهب بن منبه. عن الطريق ولم تستقم (١) لسائقها، وإن فتر سائقها حزنت، ولم تتبع قائدها: فإذا اجتمعا استقامت طوعا أو كرها، ولا تستطيع الدين إلا بالطوع والكره، وإن كان كلما كره الإنسان شيئا من دينه تركه، أوشك أن لا يبقى معه من دينه شيء. وقال وهب: إن من حكمة الله أنه خلق الخلق مختلفا خلقه ومقاديره، فمنه خلق يدوم ما دامت الدنيا، لا تنقصه الأيام ولا تهرمه وتبليه ويموت، ومنه خلق لا يطعم ولا يرزق، ومنه خلق يطعم ويرزق، خلقه الله وخلق معه رزقه، ثم خلق الله من ذلك خلقا في البر وخلقا في البحر، ثم جعل رزق ما خلق في البحر وفي البحر، ولا ينفع رزق دواب البر دواب البحر، ولا رزق دواب البحر دواب البر، لو خرج ما في البحر إلى البر هلك، ولو دخل ما في البر إلى البحر هلك، ففي ذلك ممن خلق الله في البر والبحر عبرة لمن أهمته قسمة الأرزاق والمعيشة فليعتبر ابن آدم فيما قسم الله من الأرزاق، فإنه لا يكون فيها شيء إلا كما قسمه سبحانه بين خلقه، لا يستطيع أحد أن يغيرها ولا أن يخلطها، كما لا نستطيع دواب البر أن تعيش بأرزاق دواب البحر، ولا دواب البحر بأرزاق دواب البر، ولو اضطرت اليه هلكت كلها، فإذا استقرت كل دابة منها فيما رزقت أصلحها ذلك وأحياها، وكذلك ابن آدم إذا استقر وقنع بما قسم الله له من رزقه أحياه ذلك وأصلحه، فإذا تعاطى رزق غيره نقصه ذلك وضره وفضحه. وقال لعطاء الخراساني: كان العلماء قبلكم قد استغنوا بعلمهم عن دنيا غيرهم، فكانوا لا يلتفتون إلى أهل الدنيا، ولا إلى ما في أيديهم، فكان أهل الدنيا يبذلون إليهم دنياهم رغبة في علمهم، فأصبح أهل العلم فينا اليوم يبذلون لأهل الدنيا علمهم رغبة في الدنيا، فأصبح أهل الدنيا قد زهدوا في علمهم لما رأوا من سوء موضعه عندهم، فإياك يا عطاء وأبواب السلطان فان عند أبوابهم فتنا كمبارك الإبل، لا تصيب من دنياهم شيئا إلا أصابوا من دينك مثله. وقال إبراهيم الجنيد: حدثنا عبد الله بن أبى بكر المقدمي حدثنا جعفر بن سليمان حدثنا عمر بن عبد الرحمن الصنعاني قال: سمعت وهب بن منبه يقول: لقي عالم عالما هو فوقه في العلم، فقال: كيف صلاتك؟ فقال: ما أحسب أحدا سمع بذكر الجنة والنار يأتى عليه ساعة لا يصلى فيها، قال: فكيف ذكرك للموت؟ قال: ما أرفع قدما ولا أضع أخرى إلا رأيت أنى ميت. فقال: فكيف صلاتك أنت أيها الرجل؟ فقال: إني لأصلى وأبكى حتى ينبت العشب من دموعي، فقال العالم: أما إنك إن تضحك وأنت معترف بخطيئتك خير لك من أن تبكى وأنت مدل بعلمك، فان المدل لا يرفع له عمل فقال: أوصني فانى أراك حكيما، فقال ازهد في الدنيا ولا تنازع أهلها فيها، وكن فيها كالنخلة، إن

стр. 3114

أكلت أكلت طيبا، وإن وضعت وضعت طيبا، وإن وقعت على عدو لم تكسره، وأنصح لله نصح الكلب لأهله، فإنهم يجيعونه ويطردونه ويضربونه وهو يأبى إلا أن يحوطهم ويحفظهم، وينصح لهم. فكان وهب إذا ذكر هذا الحديث قال: وا سوأتاه إذا كان الكلب أنصح لأهله منك يا ابن آدم لله . وفي رواية أنه قال: إني لأصلى حتى ترم قدماي، فقال له: إنك إن تبت تائبا، وتصبح نادما، خير لك من أن تبيت قائما وتصبح معجبا، إلى آخره. وروى سفيان عن رجل من أهل صنعاء عن وهب فذكر الحديث كما تقدم. وقال عثمان بن أبى شيبة: حدثنا محمد بن عمران بن أبى ليلى حدثنا الصلت بن عاصم المرادي عن أبيه عن وهب قال: لما أهبط آدم من الجنة استوحش لفقد أصوات الملائكة، فهبط عليه جبريل فقال: يا آدم ألا أعلمك شيئا تنتفع به في الدنيا والآخرة؟ قال: بلى. قال قل: اللهمّ تمم لي النعمة حتى تهنيني المعيشة، اللهمّ اختم لي بخير حتى لا تضرني ذنوبي، اللهمّ اكفني مؤنة الدنيا وكل هول في القيامة حتى تدخلني الجنة في عافية. وقال عبد الرزاق: حدثني بكار بن عبد الله عن وهب قال: قرأت في بعض الكتب فوجدت الله تعالى يقول: يا ابن آدم ما أنصفتنى، تذكر بى وتنساني، وتدعو إلى وتفر منى، خيرى إليك نازل، وشرك إلى صاعد، ولا يزال ملك كريم قد نزل إليك من أجلك، يا ابن آدم إن أحب ما تكون إلى وأقرب ما تكون منى إذا رضيت بما قسمت لك، وأبغض ما تكون إليّ، وأبعد ما تكون منى إذا سخطت بما قسمت لك. يا ابن آدم أطعنى فيما أمرتك، ولا تعلمني بما يصلحك، إني عالم بخلقي، وأنا أعلم بحاجتك التي ترفعك من نفسك، إني إنما أكرم من أكرمنى، وأهين من هان عليه أمرى، لست بناظر في حق عبدي حتى ينظر العبد في حقي. وقال وهب: قرأت نيفا وتسعين كتابا من كتب الله تعالى فوجدت في جميعها: ان من وكل إلى نفسه شيئا من المشيئة فقد كفر. وقال: لا يسكن ابن آدم، إن الله هو قسم الأرزاق متفاضلة ومختلفة، فان تقلل ابن آدم شيئا من رزقه فليزدد إلى الله رغبة، ولا يقولن: لو اطلع الله على هذا من حالي، أو شعر به غيره؟ فكيف لا يطلع على شيء الّذي خلقه وقدره؟ أو يعتبر ابن آدم في غير ذلك مما يتفاضل فيه الناس، كأن الله فاضل بينهم في الأجسام والأموال والألوان والعقول والأحلام، فلا يكبر على ابن آدم أن يفضل عليه في الرزق والمعيشة، ولا يكبر عليه أن يفضل عليه في الحلم والعلم والعقل والدين، أو لا يعلم ابن آدم أن الّذي رزقه في ثلاثة أزمان من عمره لم يكن له في واحد منها كسب ولا حيلة، أنه سوف يرزقه في الزمن الرابع. أول زمان من أزمانه حين كان في بطن أمه، يخلق فيه ويرزق من غير مال كسبه، وهو في قرار مكين، لا يؤذيه فيه حرّ ولا برد، ولا شيء ولا همّ ولا حزن، وليس له هناك يد تبطش،

стр. 3115

ولا رجل تسعى، ولا لسان ينطق. فساق الله إليه رزقه هناك على أتم الوجوه وأهناها وأمراها، ثم إن الله أراد أن يحوله من تلك المنزلة إلى غيرها. ويحدث له في الزمن الثاني رزقا من أمه يكفيه ويغنيه، من غير حول منه ولا قوة، ولا بطش ولا سعى، بل تفضلا من الله وجودا، ورزقا أجراه وساقه إليه، ثم أراد الله سبحانه أن ينقله من الزمن الثاني إلى الزمن الثالث من ذلك اللبن إلى رزق يحدثه له من كسب أبويه، بأن يجعل له الرحمة في قلوبهما حتى يؤثراه على نفسهما بكسبهما، ويغنياه ويغذياه بأطيب ما يقدران عليه من الأغذية، وهو لا يعينهما على شيء من ذلك بكسب ولا حيلة، حتى إذا عقل حدث نفسه بأنه إنما يرزق بحيلته ومكسبه وسعيه، ثم يدخل عليه في الزمن الرابع إساءة الظن بربه ، فيضيع أوامر الله في طلب المعاش وزيادة المال وكثرته، وينظر إلى أبناء الجنس وما عليه من التنافس في طلب الدنيا، فيكسب بذلك ضعف اليقين والايمان، ويمتلئ قلبه فقرا وخوفا منه مع المتاع، ويبتلى بموت القلب وعدم العقل، ولو نظر ابن آدم نظر معرفة وعقل لعلم أنه لن يغنيه في الزمن الرابع إلا من أغناه ورزقه في الأزمان الثلاثة قبل، فلا مقال له ولا معذرة مما سلط عليه في الزمان الرابع إلا برحمة الله، فان ابن آدم كثير الشك يقصر به حكمه وعلمه عن علم الله والتفكر في أمره، ولو تفكر حتى يفهم، وتفهم حتى يعلم، علم أن علامة الله التي بها يعرف، خلقه الّذي خلق، ثم رزقه لما خلق، وقدره لما قدر. وقال عطاء الخراساني: لقيت وهبا في الطريق فقلت: حدثني حديثا أحفظه عنك في مقامي هذا وأوجز. فقال: أوحى الله إلى داود ﵇: يا داود، أما وعزتي وعظمتي لا ينتصر بى عبد من عبادي دون خلقي أعلم ذلك من نيته، فتكيده السموات السبع ومن فيهن، والأرضون السبع ومن فيهن، إلا جعلت له منهن فرجا ومخرجا، أما وعزتي وجلالي لا يعتصم عبد من عبادي بمخلوق دوني أعلم ذلك من نيته، إلا قطعت أسباب السموات من يده، وأسخت الأرض من تحته ولا أبالى في أي واد هلك. وقال أبو بلال الأشعري عن أبى هشام الصنعاني قال: حدثني عبد الصمد بن معقل قال سمعت وهب بن منبه يقول: وجدت في بعض الكتب أن الله تعالى يقول: كفاني للعبد مآلا، إذا كان عبدي في طاعتي أعطيته قبل أن يسألنى، وأستجيب له من قبل أن يدعوني، فانى أعلم بحاجته التي ترفق به من نفسه. وقال: قرأت في بعض الكتب أن الشيطان لم يكابد شيئا أشد عليه من مؤمن عاقل لأنه إذا كان مؤمنا عاقلا ذا بصيرة فهو أثقل على الشيطان من الجبال الصم، إنه ليزالل المؤمن العاقل فلا يستطيعه، فيتحول عنه إلى الجاهل فيستأمره ويتمكن من قياده. وقال: قام موسى ﵇ فلما رأته بنو إسرائيل قاموا، فقال: على مكانكم، ثم ذهب إلى الطور فإذا هو بنهر أبيض

стр. 3116

فيه مثل رءوس الكثبان كافور محفوف بالرياحين، فلما رآه أعجبه فدخل عليه فاغتسل وغسل ثوبه، ثم خرج وجفف ثوبه، ثم رجع إلى الماء فاستنضح فيه إلى أن جف ثوبه، فلبسه ثم أخذ نحو الكثيب الآخر الّذي فوق الطور، فإذا هو برجلين يحفران قبرا، فقام عليهما فقال: ألا أعينكما؟ قالا: بلى فنزل فحفر، فقال لهما: لتحدثانى مثل من الرجل؟ فقالا: على طولك وهيئتك، فاضطجع فيه لينظروا فالتأمت عليه الأرض، فلم ينظر إلى قبر موسى ﵇ إلا الرخم، فأصمها الله وأبكمها. وقال: يقول الله : لولا أنى كتبت النتن على الميت لحبسه الناس في بيوتهم، ولولا أنى كتبت الفساد على اللحم لحرمة الأغنياء على الفقراء. وقال: مرّ عابد براهب فقال له: منذ كم أنت في هذه الصومعة؟ قال: منذ ستين سنة، قال: وكيف صبرت فيها ستين سنة؟ قال: مر فإن الزمان يمر، وإن الدنيا تمر، ثم قال له: يا راهب كيف ذكرك للموت؟ قال: ما أحسب عبدا يعرف الله تأتى عليه ساعة إلا يذكر الموت فيها، وما أرفع قدما إلا وأنا أظن أن لا أضعها حتى أموت، وما أضع قدما إلا وأنا أظن أن لا أرفعها حتى أموت، فجعل العابد يبكى، فقال له الراهب: هذا بكاؤك إذا خلوت؟ - أو قال: كيف أنت إذا خلوت؟ - فقال العابد: إني لأبكى عند إفطاري فأشرب شرابي بدموعى، ويصرعني النوم فأبل متاعي بدموعى، فقال له الراهب: إنك إن تضحك وأنت معترف بذنبك خير لك من أن تبكى وأنت مدل على الله بعلمك. فقال: أوصني بوصية، قال: كن في الدنيا بمنزلة النخلة، إن أكلت أكلت طيبا، وإن وضعت وضعت طيبا، وإن سقطت على شيء لم تضره، ولا تكن في الدنيا بمنزلة الحمار إنما همته أن يشبع ثم يرمى بنفسه في التراب، وأنصح لله نصح الكلب لأهله، فإنهم يجيعونه ويطردونه، وهو يأبى إلا أن يحرسهم ويحفظهم. قال أبو عبد الرحمن أشرس: وكان طاوس إذا ذكر هذا الحديث بكى وقال: عز علينا أن تكون الكلاب أنصح لأهلها منا لمولانا . وقد تقدم نحو هذا المتن. وقال وهب: تخلى راهب في صومعته في زمن المسيح: فأراد إبليس أن يكيده فلم يقدر عليه، فأتاه بكل مراد فلم يقدر عليه، فأتاه متشبها بالمسيح فناداه: أيها الراهب أشرف عليّ أكلمك فأنا المسيح، فقال: إن كنت المسيح فما لى إليك من حاجة، أليس قد أمرتنا بالعبادة؟ ووعدتنا القيامة؟ انطلق لشأنك فلا حاجة لي فيك. قال: فذهب عنه الشيطان خاسئا وهو حسير، فلم يعد إليه. ومن طريق أخرى عنه قال: أتى إبليس راهبا في صومعته فاستفتح عليه، فقال له: من أنت؟ قال: أنا المسيح، فقال الراهب: والله لئن كنت إبليس لأخلون بك، ولئن كنت المسيح فما عسى أن أصنع بك اليوم شيئا، لقد بلغتنا رسالة ربك فقبلناها عنك، وشرعت لنا الدين

стр. 3117

فنحن عليه، فاذهب فلست بفاتح لك فقال: صدقت، أنا إبليس ولا أريد إضلالك بعد اليوم أبدا فسلني عما بدا لك أخبرك به. قال: وأنت صادق؟ قال: لا تسألنى عن شيء إلا صدقتك فيه. قال: فأخبرني أي أخلاق بنى آدم أوثق في أنفسكم أن تضلوهم به؟ قال ثلاثة أشياء: الجدة، والشح، والشكر وقال وهب: قال موسى: يا رب أي عبادك (١) قال: من لا تنفعه موعظة، ولا يذكرني إذا خلا، قال: إلهي فما جزاء من ذكرك بلسانه وقلبه؟ قال: يا موسى أظله يوم القيامة بظل عرشي، وأجعله في كنفى. وقال وهب: لقي عالم عالما هو فوقه في العلم فقال له: رحمك الله ما هذا البناء الّذي لا إسراف فيه؟ قال: ما سترك من الشمس، وأكنك من الغيث. قال: فما هذا الطعام الّذي لا إسراف فيه؟ قال: فوق الجوع ودون الشبع من غير تكلف. قال: فما هذا اللباس الّذي لا إسراف فيه؟ قال: هو ما ستر العورة ومنع الحر والبرد من غير تنوع ولا تلون. قال: فما هذا الضحك الّذي لا إسراف فيه؟ قال: هو ما أسفر وجهك ولا يسمع صوتك. قال: فما هذا البكاء الّذي لا إسراف فيه؟ قال: لا تمل من البكاء من خشية الله ، ولا تبك على شيء من الدنيا. قال: كم أخفى من عملي؟ قال: ما أظن بك أنك لم تعمل حسنة. قال: ما أعلن من عملي؟ قال: الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر، وما يأتم بك الحريص، واحذر النظر إلى الناس. وقال: لكل شيء طرفان ووسط، فإذا أمسكت بأحد الطرفين مال الآخر، وإذا أمسكت بالوسط اعتدلا، فعليكم بالوسط من الأشياء. وقال: أربعة أحرف في التوراة: من لم يشاور يندم، ومن استغنى استأثر، والفقر الموت الأحمر، وكما تدين تدان، ومن تجر فجر. وقال عبد الله بن المبارك: حدثنا بكار بن عبد الله أنه سمع وهب بن منبه يقول: كان رجل من أفضل أهل زمانه، وكان يزار فيعظهم، فاجتمعوا إليه ذات يوم فقال: إنا قد خرجنا عن الدنيا وفارقنا الأهل والأموال مخافة الطغيان، وقد خفنا أن يكون قد دخل علينا في حالنا هذه من الطغيان أعظم وأكثر مما يدخل على أهل الأموال في أموالهم، وعلى الملوك في ملكهم، أرانا يحب أحدنا أن تقضى له الحاجة، وإذا اشترى شيئا أن يحابي لمكان دينه، وأن يعظم إذا لقي الناس لمكان دينه، وجعل يعدد آفات العلماء والعباد الذين يدخل عليهم في دينهم من حب الشرف والتعظيم. قال: فشاع ذلك الكلام عنه حتى بلغ ملك تلك البلاد، فعجب منه الملك وقال لرءوس دولته: ينبغي لهذا أن يزار، ثم اتعدوا لزيارته يوما، فركب إليه الملك ليسلم عليه، فأشرف العابد - وكان عالما جيد العلم بآفات العلوم والأعمال ودسائس النفوس - فرأى الأرض التي تحت مكانه قد سدت بالخيل والفرسان، فقال ما هذا؟ فقيل له: هذا الملك قاصد إليك يسلم عليك لما بلغه من حسن كلامك،

стр. 3118

فقال: إنا لله، وما أصنع به؟ هلكنا والله إن لم نلقن الحجة من عند الله مع هذا الرجل، وينصرف عنا وهو ماقت لنا، ثم سأل خادمه: هل عندك طعام؟ قال: نعم. قال: فأت به فضعه بين أيدينا، قال: هو شيء من ثمر الشجر، وهو شيء من بقل وزيتون، قال: فأت به، فأتى به، ثم أمر بجماعته فاجتمعوا حول ذلك الطعام، فقال: إذا دخل عليكم هذا الرجل فلا يلتفت أحد منكم إليه، ولا يقم له أحد، وأقبلوا على الأكل العنيف، ولا يرفع أحد منكم رأسه، لعل الله أن يصرفه عنا وهو كاره لنا فانى أخاف الفتنة والشهرة وامتلاء القلب منهما، فلا نخلص إلا بنار جهنم. قال: فبكى القوم وبكى ذلك الرجل العالم، فلما اقترب الملك من جبلهم الّذي هم فيه، ترجل الملك ومن معه من أعيان دولته وصعد في الجبل، فلما وصل إلى قرب مكانهم أخذوا في الأكل العنيف، فدخل عليهم الملك وهم يأكلون فلم يرفعوا رءوسهم إليه، وجعل ذلك العالم الفاضل يلف البقل مع الزيتون مع الكسرة الكبيرة من الخبز ويدخلها في فمه، فسلم عليهم الملك وقال: أيكم العابد؟ فأشاورا إليه، فقال له الملك: كيف أنت أيها الرجل؟ فقال له: كالناس - وهو يأكل ذلك الأكل العنيف - فقال الملك: ليس عند هذا خير، ثم أدبر الملك خارجا عنه، وقال: ما عند هذا من علم. فلما نزل الملك من الجبل نظر إليه العابد من كوة وقال: أيها الملك! الحمد لله الّذي صرفك عنى وأنت لي كاره - أو قال: الحمد لله الّذي صرفك عنى بما صرفك به - وفي رواية ذكر ابن المبارك أنه قال: الحمد لله الّذي صرفه عنى وهو لي لائم. وفي رواية أن هذا العابد كان ملكا، وكان قد زهد في الدنيا وتركها، لأنه كان قد دخل عليه رجل من بقايا أهل الجنة والعمل الصالح فوعظه، فاتعد معه أن يصحبه، وأنه يخرج عن الملك طلبا لما عنده في الدار الآخرة، وأنه وافقه جماعة من بنيه وأهله ورءوس دولته، فخرجوا برّمتهم، لا يدرى أحد أين ذهبوا، وكان هذا الملك من أهل العدل والخير والخوف من الله ، وكان متسع الملك والمملكة، كثير الأموال والرجال، فساروا حتى أتوا جبلا في أطراف مملكته، كثير الشجر والمياه، فأقاموا به حينا، فقال الملك: إن نحن طال أمرنا ومقامنا في هذا الجبل، سمع بنا الناس من أهل مملكتنا فلا يدعونا، وإني أرى أن نذهب إلى غير مملكتنا فننزل مكانا بعيدا عن الناس، لعل أن نسلم منهم ويسلموا منا، فساروا من ذلك الجبل طالبين بلادا لا يعرفون، فوجدوا بها جبلا نائيا عن الناس، كثير الأشجار والمياه، قليل الطوارق، وإذا في ذروته عين ماء جارية وأرض متسعة، تزرع لمن أراد الزرع بها، فنزلوا به وبنوا به أماكن للعبادة والسكنى، وزرعوا لهم على ماء تلك العين بعض بقول يأتدمون بها، وأشجار زيتون، وجعلوا يزرعون بأيديهم ويأكلون ثم شاع أمرهم في بعض تلك البلاد القريبة من جبلهم، فجعلوا يأتونهم ويزورونهم، إلى أن شاع

стр. 3119

ذلك الكلام المتقدم عن ذلك العالم، فبلغ ملك تلك البلاد فقصدهم للزيارة، فذكر القصة كما تقدم، والله أعلم. وقال وهب: أزهد الناس في الدنيا - وإن كان عليها حريصا - من لم يرض منها إلا بالكسب الحلال الطيب، مع حفظ الأمانات، وأرغب الناس فيها وإن كان عنها معرضا، من لم يبال من أين كسبه منها حلالا كان أو حراما، وإن أجود الناس في الدنيا من جاد بحقوق الله ، وإن رآه الناس بخيلا فيما سوى ذلك، وإن أبخل الناس في الدنيا من بخل بحقوق الله وإن رآه الناس جوادا فيما سوى ذلك. وقال الطبراني: حدثنا معاذ بن المثنى حدثنا على بن المديني حدثنا محمد بن عمرو بن مقسم قال سمعت عطاء بن مسلم يقول: سمعت وهب بن منبه يقول: إن الله تعالى كلم موسى ﵇ في ألف مقام، وكان إذا كلمه رئي النور على وجه موسى ثلاثة أيام، ولم يمس موسى امرأة منذ كلمه ربه . وقال عثمان بن أبى شيبة: حدثنا عبد الله بن عامر بن زرارة حدثنا عبد الله بن الأجلح عن محمد بن إسحاق قال: حدثني ربيعة بن أبى عبد الرحمن قال: سمعت ابن منبه اليماني يقول: إن للنبوة أثقالا ومؤنة لا يحملها إلا القوى، وإن يونس بن متى كان عبدا صالحا، وكان في خلقه ضيق، فلما حملت عليه النبوة تفسخ تحتها تفسخ الربع تحت الحمل، فرفضها من يده وخرج هاربا، فقال الله تعالى لنبيه ﷺ : ﴿فَاصْبِرْ كَما صَبَرَ أُولُوا الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ﴾ وقال: ﴿فَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ وَلا تَكُنْ كَصاحِبِ الْحُوتِ إِذْ نادى وَهُوَ مَكْظُومٌ﴾ الآية، وقال يونس بن بكير عن أبى إسحاق بن وهب بن منبه عن أبيه قال: أمر الله الريح أن لا يتكلم أحد من الخلائق بشيء في الأرض إلا ألقته في أذن سليمان، فلذلك سمع كلام النملة. وروى سفيان عن عمرو بن دينار عن وهب قال: كان الرجل من بنى إسرائيل إذا ساح أربعين سنة أرى شيئا، كأن يرى علامة القبول، قال: فساح رجل من ولد ربيعة أربعين سنة فلم ير شيئا، فقال: يا رب إذ أحسنت وأساء والداي فما ذنبي؟ قال: فأرى ما كان يرى غيره. وفي رواية أنه قال: يا رب إذا كان والداي قد أكلا أضرس أنا؟ وفي رواية عنه أنه قال: يا رب إذا كان والداي قد أساءا أحرم أنا إحسانك وبرك؟ فأظلته غمامة. وروى عبد الله بن المبارك عن رباح بن زيد عن عبد العزيز بن مروان. قال: سمعت وهب ابن منبه يقول: مثل الدنيا والآخرة مثل ضرتين، إن أرضيت إحداهما أسخطت الأخرى، وقال: إن أعظم الذنوب عند الله بعد الشرك بالله السحر. وروى عبد الرزاق قال: أخبرنى أبى عن وهب قال: إذا صام الإنسان زاغ بصره، فإذا أفطر على حلاوة عاد بصره. وقال ابن المبارك

стр. 3120

عن بكر بن عبد الله قال سمعت وهبا يقول: مرّ رجل عابد على رجل عابد فرآه مفكرا، فقال له: مالك؟ فقال له: أعجب من فلان، إنه كان قد بلغ من عبادته ما بلغ، ثم مالت به الدنيا. فقال: لا تعجب ممن مال كيف مال، ولكن اعجب ممن استقام كيف استقام. وقال عبد الله ابن الامام أحمد بن حنبل: حدثني أبى حدثنا عبد الرزاق حدثنا بكار بن عبد الله قال: سمعت وهب بن منبه يقول: إن بنى إسرائيل أصابتهم عقوبة وشدة، فقال النبي ﷺ : وددنا أن نعلم ما الّذي يرضى ربنا فنتبعه، فأوحى الله إليه: إن قومك يقولون: إذا أرضوهم رضيت، وإذا أسخطوهم أسخطت. وقال عبد الله بن أحمد أيضا: حدثنا أبى حدثنا إبراهيم بن خالد حدثني عمر بن عبد الرحمن قال: سمعت وهب بن منبه يقول: إن عيسى ﵇ كان واقفا على قبر ومعه الحواريون - أو نفر من أصحابه - قال: وصاحب القبر يدلّى فيه، قال: فذكروا من ظلمة القبر وضيقه، فقال عيسى: قد كنتم فيما هو أضيق من ذلك، في أرحام أمهاتكم، فإذا أحب الله أن يوسع وسع، أو كما قال. وقال عبد الله بن المبارك: حدثنا بكار بن عبد الله قال: سمعت وهب بن منبه يقول: كان رجل عابد من السياح أراده الشيطان من قبل الشهوة والرغبة والغضب، فلم يستطع منه شيئا من ذلك، فتمثل له حية وهو يصلى، فمضى ولم يلتفت إليه، فالتوى على قدميه فلم يلتفت إليه، فدخل ثيابه وأخرج رأسه من عند رأسه فلم يلتفت ولم يستأخر، فلما أراد أن يسجد التوى في موضع سجوده، فلما وضع رأسه ليسجد فتح فاه ليلتقم رأسه، فوضع رأسه فجعل يعركه حتى استمكن من السجود على الأرض. ثم جاءه على صورة رجل فقال له: أنا صاحبك الّذي أخوفك، أتيتك من قبل الشهوة والغضب والرغبة، وأنا الّذي كنت أتمثل لك بالسباع والحيات فلم أستطع منك شيئا، وقد بدا لي أن أصادقك ولا آتيك في صلاتك بعد اليوم. فقال له العابد: لا يوم خوفتني خفتك، ولا اليوم بى حاجة في مصادقتك. قال: سلني عما شئت أخبرك، قال فما عسيت أن أسألك؟ قال: ألا تسألنى عن مالك ما فعل به بعدك؟ قال: لو أردت ذلك ما فارقته. قال: أفلا تسألنى عن أهلك من مات منهم ومن بقي؟ قال: أنا مت قبلهم. قال أفلا تسألنى عما أضل به الناس؟ قال: أنت أضلهم. فأخبرني عن أوثق ما في نفسك تضل به بنى آدم. قال: ثلاثة أخلاق، الشح، والحدة، والسكر. فان الرجل إذا كان شحيحا قللنا ماله في عينه ورغبناه في أموال الناس، وإذا كان حديدا تداولناه بيننا كما يتداول الصبيان الكرة، ولو كان يحيى الموتى بدعوته لم نيأس منه، وكل ما يبنيه نهدمه، لنا كلمة واحدة. وإذا سكر قدناه إلى كل شر وفضيحة وخزي وهو ان كما تقاد القط إذا أخذ بأذنها كيف شئنا.
следующие страницы →