قالُوا لا تَخَفْ خَصْمانِ بَغى بَعْضُنا عَلى بَعْضٍ فَاحْكُمْ بَيْنَنا بِالْحَقِّ وَلا تُشْطِطْ وَاِهْدِنا إِلى سَواءِ الصِّراطِ * إِنَّ هذا أَخِي لَهُ تِسْعٌ وَتِسْعُونَ نَعْجَةً وَلِيَ نَعْجَةٌ واحِدَةٌ فَقالَ أَكْفِلْنِيها وَعَزَّنِي فِي الْخِطابِ * قالَ لَقَدْ ظَلَمَكَ بِسُؤالِ نَعْجَتِكَ إِلى نِعاجِهِ وَإِنَّ كَثِيراً مِنَ الْخُلَطاءِ لَيَبْغِي بَعْضُهُمْ عَلى بَعْضٍ إِلاَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصّالِحاتِ وَقَلِيلٌ ما هُمْ وَظَنَّ داوُدُ أَنَّما فَتَنّاهُ فَاسْتَغْفَرَ رَبَّهُ وَخَرَّ راكِعاً وَأَنابَ * فَغَفَرْنا لَهُ ذلِكَ وَإِنَّ لَهُ عِنْدَنا لَزُلْفى وَحُسْنَ مَآبٍ).
وقد ذكر كثير من المفسرين من السلف والخلف هاهنا قصصا وأخبارا أكثرها إسرائيليات ومنها ما هو مكذوب لا محالة تركنا إيرادها في كتابنا قصدا اكتفاء واقتصارا على مجرد تلاوة القصة من القرآن العظيم والله يهدى من يشاء الى صراط مستقيم.
وقد اختلف الائمة في سجدة ص هل هي من عزائم السجود أو انما هي سجدة شكر ليست من عزائم السجود على قولين * قال البخاري حدثنا محمد بن عبد الله حدثنا محمد بن عبيد الطنافسي عن العوام قال سألت مجاهدا عن سجدة ص فقال سألت ابن عباس من أين سجدت قال أو ما تقرأ ﴿وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِ داوُدَ وَسُلَيْمانَ﴾ ﴿أُولئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللهُ فَبِهُداهُمُ اِقْتَدِهْ﴾ فكان داود ممن أمر نبيكم ﷺ أن يقتدى به فسجدها داود ﵇ فسجدها رسول الله ﷺ وقد قال الامام أحمد حدثنا إسماعيل هو ابن علية عن أيوب عن عكرمة عن ابن عباس أنه قال في السجود في ص ليست من عزائم السجود. وقد رأيت رسول الله ﷺ يسجد فيها. وكذا رواه البخاري وأبو داود والترمذي والنسائي من حديث أيوب وقال الترمذي حسن صحيح
وقال النسائي أخبرنى إبراهيم بن الحسن المقسمي حدثنا حجاج بن محمد عن عمر بن ذر عن أبيه عن سعيد بن جبير عن ابن عباس أن النبي ﷺ سجد في ص وقال سجدها داود توبة ونسجدها شكرا تفرد به أحمد ورجاله ثقات
وقال أبو داود حدثنا أحمد بن صالح حدثنا ابن وهب أخبرني عمرو بن الحارث عن سعيد بن أبى هلال عن عياض بن عبد الله بن سعد بن أبى سرح عن أبى سعيد الخدريّ قال قرأ رسول الله ﷺ وهو على المنبر ص فلما بلغ السجدة نزل فسجد وسجد معه الناس فلما كان يوم آخر قرأها فلما بلغ السجدة تشرف الناس للسجود فقال انما هي توبة نبي ولكن رأيتكم تشرفتم فنزل وسجد. تفرد به أبو داود واسناده على شرط الصحيح. وقال الامام أحمد حدثنا عفان حدثنا يزيد بن زريع حدثنا حميد حدثنا بكر هو ابن عمر وأبو الصديق الناجي أنه أخبره أن أبا سعيد الخدريّ رأى رؤيا أنه يكتب ص فلما بلغ الى التي يسجد بها رأى الدواة والقلم وكل شيء بحضرته انقلب ساجدا قال فقصها على النبي ﷺ فلم يزل يسجد بها بعد * تفرد به أحمد وروى الترمذي وابن ماجة من حديث محمد بن يزيد بن خنيس عن الحسن بن محمد بن عبيد الله بن أبى يزيد قال قال لي ابن جريج حدثني جدك عبيد الله بن أبى يزيد عن ابن عباس قال جاء رجل الى النبي ﷺ فقال يا رسول الله انى
стр. 352
رأيت فيما يرى النائم كأنى أصلى خلف شجرة فقرأت السجدة فسجدت الشجرة بسجودى فسمعتها تقول وهي ساجدة (اللهمّ اكتب لي بها عندك أجرا واجعلها لي عندك ذخرا وضع عنى بها وزرا واقبلها منى كما قبلت من عبدك داود) وقال ابن عباس فرأيت النبي ﷺ قام فقرأ السجدة ثم سجد فسمعته يقول وهو ساجد كما حكى الرجل عن كلام الشجرة. ثم قال الترمذي غريب لا نعرفه الا من هذا الوجه.
وقد ذكر بعض المفسرين أنه ﵇ مكث ساجدا أربعين يوما وقاله مجاهد والحسن وغيرهما وورد في ذلك حديث مرفوع لكنه من رواية يزيد الرقاشيّ وهو ضعيف متروك الرواية * قال الله تعالى ﴿فَغَفَرْنا لَهُ ذلِكَ وَإِنَّ لَهُ عِنْدَنا لَزُلْفى وَحُسْنَ مَآبٍ﴾. اى ان له يوم القيامة لزلفى وهي القربة التي يقربه الله بها ويدنيه من حظيرة قدسه بسببها كما ثبت في حديث (المقسطون على منابر من نور عن يمين الرحمن وكلتا يديه يمين الذين يقسطون في أهليهم وحكمهم وما ولوا).
وقال الامام أحمد في مسندة حدثنا يحيى بن آدم حدثنا فضيل عن عطية عن أبى سعيد الخدريّ قال قال رسول الله ﷺ ان أحب الناس الى الله يوم القيامة وأقربهم منه مجلسا امام عادل وان أبغض الناس الى الله يوم القيامة وأشدهم عذابا امام جائر وهكذا رواه الترمذي من حديث فضيل بن مرزوق الاغرّ به وقال لا نعرفه مرفوعا الا من هذا الوجه وقال ابن أبى حاتم حدثنا أبو زرعة حدثنا عبد الله بن أبى زياد حدثنا سيار حدثنا جعفر بن سليمان سمعت مالك بن دينار في قوله ﴿وَإِنَّ لَهُ عِنْدَنا لَزُلْفى وَحُسْنَ مَآبٍ﴾ قال يقوم داود ﵇ يوم القيامة عند ساق العرش فيقول الله يا داود مجدنى اليوم بذلك الصوت الحسن الرخيم الّذي كنت تمجدني في الدنيا فيقول وكيف وقد سلبته فيقول انى أرده عليك اليوم قال فيرفع داود بصوت يستفرغ نعيم أهل الجنان ﴿يا داوُدُ إِنّا جَعَلْناكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ فَاحْكُمْ بَيْنَ النّاسِ بِالْحَقِّ وَلا تَتَّبِعِ الْهَوى فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللهِ إِنَّ الَّذِينَ يَضِلُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللهِ لَهُمْ عَذابٌ شَدِيدٌ بِما نَسُوا يَوْمَ الْحِسابِ﴾ هذا خطاب من الله تعالى مع داود والمراد ولاة الأمور وحكام الناس وأمرهم بالعدل والتباع الحق المنزل من الله لا ما سواه من الآراء والاهواء وتوعد من سلك غير ذلك وحكم بغير ذلك وقد كان داود ﵇ هو المقتدى به في ذلك الوقت في العدل وكثرة العبادة وأنواع القربات حتى إنه كان لا يمضى ساعة من آناء الليل وأطراف النهار إلا وأهل بيته في عبادة ليلا ونهارا كما قال تعالى ﴿اِعْمَلُوا آلَ داوُدَ شُكْراً وَقَلِيلٌ مِنْ عِبادِيَ الشَّكُورُ﴾ قال أبو بكر بن أبى الدنيا حدثنا إسماعيل بن إبراهيم بن بسام حدثنا صالح المزي عن أبى عمران الجونى عن أبى الجلد قال قرأت في مسألة داود ﵇ أنه قال يا رب كيف لي أن أشكرك وأنا لا أصل الى شكرك إلا بنعمتك قال فأتاه الوحي «أن يا داود ألست تعلم أن الّذي بك من النعم منى قال بلى يا رب قال فانى أرضى بذلك منك» وقال البيهقي أنبأنا أبو عبد الله الحافظ أنبأنا أبو بكر بن بالويه حدثنا محمد بن يونس القرشي حدثنا روح بن عبادة حدثني عبد الله ابن لاحق عن ابن
стр. 353
شهاب قال قال داود «الحمد لله كما ينبغي لكرم وجهه وعز جلاله فأوحى الله اليه إنك أتعبت الحفظة يا داود» ورواه أبو بكر بن أبى الدنيا عن على بن الجعد عن الثوري مثله وقال عبد الله بن المبارك في كتاب الزهد أنبأنا سفيان الثوري عن رجل عن وهب بن منبه قال ان في حكمة آل داود حق على العاقل أن لا يغفل عن أربع ساعات ساعة يناجي فيها ربه وساعة يحاسب فيها نفسه وساعة يفضي فيها الى إخوانه الذين يخبرونه بعيوبه ويصدقونه عن نفسه وساعة يخلى بين نفسه وبين لذاتها فيما يحل ويجمل فان هذه الساعة عون على هذه الساعات وإجمام للقلوب وحق على العاقل أن يعرف زمانه ويحفظ لسانه ويقبل على شأنه * وحق على العاقل أن لا يظعن إلا في إحدى ثلاث زاد لمعاده ومرمة لمعاشه ولذة في غير محرم وقد رواه أبو بكر بن أبى الدنيا عن أبى بكر بن أبى خيثمة عن ابن مهدي عن سفيان عن أبى الأغر عن وهب بن منبه فذكره. ورواه أيضا عن على بن الجعد عن عمر بن الهيثم الرقاشيّ عن أبى الأغر عن وهب بن منبه فذكره وأبو الأغر هذا هو الّذي أبهمه ابن المبارك في روايته. قاله ابن عساكر وقال عبد الرزاق أنبأنا بشر بن رافع حدثنا شيخ من أهل صنعاء يقال له أبو عبد الله قال سمعت وهب بن منبه فذكر مثله. وقد روى الحافظ ابن عساكر في ترجمة داود ﵇ أشياء كثيرة مليحة منها قوله كن لليتيم كالأب الرحيم * واعلم أنك كما تزرع كذلك تحصد. وروى بسند غريب مرفوعا قال داود يا زارع السيئات أنت تحصد شوكها وحسكها وعن داود ﵇ أنه قال مثل الخطيب الأحمق في نادى القوم كمثل المغنى عند رأس الميت وقال أيضا ما أقبح الفقر بعد الغنى وأقبح من ذلك الضلالة بعد الهدى وقال انظر ما تكره أن يذكر عنك في نادى القوم فلا تفعله إذا خلوت. وقال لا تعدن أخاك بما لا تنجزه له فان ذلك عداوة ما بينك وبينه. وقال محمد بن سعد أنبأنا محمد بن عمر الواقدي حدثني هشام بن سعد عن عمر مولى عفرة قال قالت يهود لما رأت رسول الله ﷺ يتزوج النساء انظروا الى هذا الّذي لا يشبع من الطعام ولا والله ما له همة الا الى النساء حسدوه لكثرة نسائه وعابوه بذلك فقالوا لو كان نبيا ما رغب في النساء وكان أشدهم في ذلك حيي بن أخطب فأكذبهم الله وأخبرهم بفضل الله وسعته على نبيه صلوات الله عليه وسلامه فقال ﴿أَمْ يَحْسُدُونَ النّاسَ عَلى ما آتاهُمُ اللهُ مِنْ فَضْلِهِ﴾ يعنى بالناس رسول الله ﷺ ﴿فَقَدْ آتَيْنا آلَ إِبْراهِيمَ الْكِتابَ وَالْحِكْمَةَ وَآتَيْناهُمْ مُلْكاً عَظِيماً﴾ يعنى ما أتى الله سليمان ابن داود كانت له ألف امرأة سبعمائة مهرية وثلاثمائة سرية وكانت لداود ﵇ مائة امرأة منهن امرأة أوريا أم سليمان بن داود التي تزوجها بعد الفتنة هذا أكثر مما لمحمد ﷺ . وقد ذكر الكلبي نحو هذا وانه كان لداود ﵇ مائة امرأة ولسليمان ألف امرأة منهن ثلاثمائة سرية (١)
وروى الحافظ في تاريخه في ترجمة صدقة الدمشقيّ الّذي يروى عن ابن عباس من طريق الفرج
стр. 354
ابن فضالة الحمصي عن أبى هريرة الحمصي عن صدقة الدمشقيّ أن رجلا سأل ابن عباس عن الصيام فقال لأحدثنك بحديث كان عندي في البحث (١) مخزونا إن شئت أنبأتك بصوم داود فإنه كان صواما قواما وكان شجاعا لا يفر إذا لاقى وكان يصوم يوما ويفطر يوما وقال رسول الله ﷺ أفضل الصيام صيام داود وكان يقرأ الزبور بسبعين صوتا يكوّن فيها وكانت له ركعة من الليل يبكى فيها نفسه ويبكى ببكائه كل شيء ويصرف بصوته الهموم والمحموم * وان شئت أنبأتك بصوم ابنه سليمان فإنه كان يصوم من أول الشهر ثلاثة أيام ومن وسطه ثلاثة أيام ومن آخره ثلاثة أيام يستفتح الشهر بصيام ووسطه بصيام ويختمه بصيام. وان شئت أنبأتك بصوم ابن العذراء البتول عيسى بن مريم فإنه كان يصوم الدهر ويأكل الشعير ويلبس الشعر يأكل ما وجد ولا يسأل عما فقد ليس له ولد يموت ولا بيت يخرب وكان أينما أدركه الليل صفن بين قدميه وقام يصلى حتى يصبح وكان راميا لا يفوته صيد يريده وكان يمر بمجالس بنى إسرائيل فيقضى لهم حوائجهم.
وان شئت أنبأتك بصوم أمه مريم بنت عمران فإنها كانت تصوم يوما وتفطر يومين.
وان شئت أنبأتك بصوم النبي العربيّ الأمي محمد ﷺ فإنه كان يصوم من كل شهر ثلاثة أيام ويقول إن ذلك صوم الدهر. وقد روى (٢) الامام احمد عن أبى النصر عن فرج بن فضالة عن أبى هرم عن صدقة عن ابن عباس مرفوعا في صوم داود *
ذكر كمية حياته وكيفية وفاته ﵇
قد تقدم في ذكر الأحاديث الواردة في خلق آدم أن الله لما استخرج ذريته من ظهره فرأى فيهم الأنبياء ﵈ ورأى فيهم رجلا يزهر فقال أي رب من هذا قال هذا ابنك داود قال أي رب كم عمره قال ستون عاما قال أي رب زد في عمره قال لا الا أن أزيده من عمرك وكان عمر آدم ألف عام فزاده أربعين عاما فلما انقضى عمر آدم جاءه ملك الموت فقال بقي من عمري أربعون سنة ونسي آدم ما كان وهبه لولده داود فأتمها الله لآدم ألف سنة ولداود مائة سنة رواه احمد عن ابن عباس والترمذي وصححه عن أبى هريرة وابن خزيمة وابن حبان. وقال الحاكم على شرط مسلم. وقد تقدم ذكر طرقه وألفاظه في قصة آدم * قال ابن جرير وقد زعم بعض أهل الكتاب أن عمر داود كان سبعا وسبعين سنة. قلت هذا غلط مردود عليهم قالوا وكان مدة ملكه أربعين سنة وهذا قد يقبل نقله لانه ليس عندنا ما ينافيه ولا ما يقتضيه
стр. 355
واما وفاته ﵇
فقال الامام احمد في مسندة حدثنا قبيصة حدثنا يعقوب بن عبد الرحمن بن محمد بن عمرو بن أبى عمرو عن المطلب عن أبى هريرة أن رسول الله ﷺ قال: كان داود ﵇ فيه غيرة شديدة فكان إذا خرج أغلق الأبواب فلم يدخل على أهله أحد حتى يرجع قال فخرج ذات يوم وغلقت الدار فأقبلت امرأته تطلع الى الدار فإذا رجل قائم وسط الدار فقالت لمن في البيت من أين دخل هذا الرجل والدار مغلقة والله لنفتضحن بداود فجاء داود فإذا الرجل قائم في وسط الدار فقال له داود من أنت فقال أنا الّذي لا أهاب الملوك ولا أمنع من الحجاب فقال داود أنت والله إذن ملك الموت مرحبا بأمر الله ثم مكث حتى قبضت روحه فلما غسل وكفن وفرغ من شأنه طلعت عليه الشمس فقال سليمان للطير أظلى على داود فأظلته الطير حتى أظلمت عليه الأرض فقال سليمان للطير اقبضى جناحا قال قال أبو هريرة فطفق رسول الله ﷺ يرينا كيف فعلت الطير وقبض رسول الله ﷺ بيده وغلبت عليه يومئذ المضرحية. انفرد بإخراجه الامام احمد واسناده جيد قوى رجاله ثقات ومعنى قوله وغلبت عليه يومئذ المضرحية أي وغلبت على التظليل عليه الصقور الطوال الاجنحة واحدها مضرحى * قال الجوهري وهو الصقر الطويل الجناح وقال السدي عن أبى مالك عن ابن عباس قال مات داود ﵇ فجأة وكان بسبت وكانت الطير تظله. وقال السدي أيضا عن أبى مالك وعن سعيد بن جبير قال مات داود ﵇ يوم السبت فجأة. وقال إسحاق بن بشر عن سعيد بن أبى عروبة عن قتادة عن الحسن قال مات داود ﵇ وهو ابن مائة سنة ومات يوم الأربعاء فجأة. وقال أبو السكن الهجريّ مات إبراهيم الخليل فجأة وداود فجأة وابنه سليمان فجأة صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين رواه ابن عساكر وروى عن بعضهم أن ملك الموت جاءه وهو نازل من محرابه فقال له دعني أنزل أو أصعد فقال يا نبي الله قد نفدت السنون والشهور والآثار والأرزاق. قال فخر ساجدا على مرقاة من تلك المراقي فقبضه وهو ساجد. وقال إسحاق بن بشر (١) انبأنا وافر بن سليمان عن أبى سليمان الفلسطيني عن وهب بن منبه قال إن الناس حضروا جنازة داود ﵇ فجلسوا في الشمس في يوم صائف قال وكان قد شيع جنازته يومئذ أربعون ألف راهب عليهم البرانس سوى غيرهم من الناس ولم يمت في بنى إسرائيل بعد موسى وهارون أحد كانت بنو إسرائيل أشد جزعا عليه منهم على داود قال فآذاهم الحر فنادوا سليمان ﵇ أن يعمل لهم وقاية لما أصابهم من الحر فخرج سليمان فنادى الطير فأجابت فأمرها أن تظل الناس فتراص بعضها الى بعض من كل وجه حتى استمسكت الريح فكاد الناس أن يهلكوا غما فصاحوا
стр. 356
الى سليمان ﵇ من الغم فخرج سليمان فنادى الطير أن أظلى الناس من ناحية الشمس وتنحى عن ناحية الريح ففعلت فكان الناس في ظل وتهب عليهم الريح فكان ذلك أول ما رأوه من ملك سليمان.
وقال الحافظ أبو يعلى حدثنا أبو همام الوليد بن شجاع حدثني الوليد بن مسلم عن الهيثم بن حميد عن الوضين بن عطاء عن نصر بن علقمة عن جبير بن نفير عن أبى الدرداء قال قال رسول الله ﷺ لقد قبض الله داود من بين أصحابه ما فتنوا ولا بدلوا ولقد مكث أصحاب المسيح على سننه وهديه مائتي سنة هذا حديث غريب وفي رفعه نظر والوضين بن عطاء كان ضعيفا في الحديث والله أعلم *
قصة سليمان بن داود ﵉
قال الحافظ بن عساكر هو سليمان بن داود بن ايشا بن عويد بن عابر بن سلمون بن نحشون بن عمينا داب بن ارم بن حصرون بن فارص بن يهوذا بن يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم أبى الربيع نبي الله بن نبي الله. جاء في بعض الآثار أنه دخل دمشق. قال ابن ماكولا فارص بالصاد المهملة وذكر نسبه قريبا مما ذكره ابن عساكر قال الله تعالى ﴿وَوَرِثَ سُلَيْمانُ داوُدَ وَقالَ يا أَيُّهَا النّاسُ عُلِّمْنا مَنْطِقَ الطَّيْرِ وَأُوتِينا مِنْ كُلِّ شَيْءٍ إِنَّ هذا لَهُوَ الْفَضْلُ الْمُبِينُ﴾ أي ورثه في النبوة والملك وليس المراد ورثه في المال لانه قد كان له بنون غيره فما كان ليخص بالمال دونهم ولأنه قد ثبت
في الصحاح من غير وجه عن جماعة من الصحابة أن رسول الله ﷺ قال لا نورث ما تركنا فهو صدقة وفي لفظ نحن معاشر الأنبياء لا نورث فأخبر الصادق المصدوق أن الأنبياء لا تورث أموالهم عنهم كما يورث غيرهم بل يكون أموالهم صدقة من بعدهم على الفقراء والمحاويج لا يخصون بها اقرباؤهم لان الدنيا كانت أهون عليهم وأحقر عندهم من ذلك كما هي عند الّذي أرسلهم واصطفاهم وفضلهم وقال ﴿يا أَيُّهَا النّاسُ عُلِّمْنا مَنْطِقَ الطَّيْرِ﴾ الآية يعنى أنه ﵇ كان يعرف ما يتخاطب به الطيور بلغاتها ويعبر للناس عن مقاصدها وإرادتها. وقد قال الحافظ أبو بكر البيهقي أنبأنا أبو عبد الله الحافظ (١) أنبأنا على بن حشاد (٢) حدثنا إسماعيل بن قتيبة حدثنا على بن قدامة حدثنا أبو جعفر الاسوانى (٣) يعنى محمد بن عبد الرحمن عن أبى
стр. 357
يعقوب العمى (١) حدثني أبو مالك قال مر سليمان بن داود بعصفور يدور حول عصفورة فقال لأصحابه أتدرون ما يقول قالوا وما يقول يا نبي الله: قال يخطبها الى نفسه ويقول زوجيني أسكنك أي غرف دمشق شئت. قال سليمان ﵇ لان غرف دمشق مبنية بالصخر لا يقدر أن يسكنها أحد ولكن كل خاطب كذاب. رواه ابن عساكر عن أبى القاسم زاهر بن طاهر (٢) عن البيهقي به وكذلك ما عداها من الحيوانات وسائر صنوف المخلوقات والدليل على هذا قوله بعد هذا من الآيات ﴿وَأُوتِينا مِنْ كُلِّ شَيْءٍ﴾ أي من كل ما يحتاج الملك اليه من العدد والآلات والجنود والجيوش والجماعات من الجن والانس والطيور والوحوش والشياطين السارحات والعلوم والفهوم والتعبير عن ضمائر المخلوقات من الناطقات والصامتات ثم قال ﴿إِنَّ هذا لَهُوَ الْفَضْلُ الْمُبِينُ﴾ أي من بارئ البريات وخالق الأرض والسموات كما قال تعالى ﴿وَحُشِرَ لِسُلَيْمانَ جُنُودُهُ مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ وَالطَّيْرِ فَهُمْ يُوزَعُونَ * حَتّى إِذا أَتَوْا عَلى وادِ النَّمْلِ قالَتْ نَمْلَةٌ يا أَيُّهَا النَّمْلُ اُدْخُلُوا مَساكِنَكُمْ لا يَحْطِمَنَّكُمْ سُلَيْمانُ وَجُنُودُهُ وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ * فَتَبَسَّمَ ضاحِكاً مِنْ قَوْلِها وَقالَ رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلى والِدَيَّ وَأَنْ أَعْمَلَ صالِحاً تَرْضاهُ وَأَدْخِلْنِي بِرَحْمَتِكَ فِي عِبادِكَ الصّالِحِينَ﴾.
يخبر تعالى عن عبده ونبيه وابن نبيه سليمان بن داود عليهما الصلاة والسلام أنه ركب يوما في جيشه جميعه من الجن والانس والطير فالجن والانس يسيرون معه والطير سائرة معه تظله بأجنحتها من الحر وغيره وعلى كل من هذه الجيوش الثلاثة وزعة أي نقباء يردون أوله على آخره فلا يتقدم أحد عن موضعه الّذي يسير فيه ولا يتأخر عنه قال الله تعالى ﴿حَتّى إِذا أَتَوْا عَلى وادِ النَّمْلِ قالَتْ نَمْلَةٌ يا أَيُّهَا النَّمْلُ اُدْخُلُوا مَساكِنَكُمْ لا يَحْطِمَنَّكُمْ سُلَيْمانُ وَجُنُودُهُ وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ﴾ فأمرت وحذرت واعتذرت عن سليمان وجنوده بعدم الشعور. وقد ذكر وهب أنه مر وهو على البساط بواد بالطائف وأن هذه النملة كان اسمها جرسا وكانت من قبيلة يقال لهم بنو الشيصبان وكانت عرجاء وكانت بقدر الذئب. وفي هذا كله نظر بل في هذا السياق دليل على أنه كان في موكبه راكبا في خيوله وفرسانه لا كما زعم بعضهم من أنه كان إذ ذاك على البساط لانه لو كان كذلك لم ينل النمل منه شيء ولا وطء لان البساط كان عليه جميع ما يحتاجون اليه من الجيوش والخيول والجمال والأثقال والخيام والانعام والطير من فوق ذلك كله كما سنبينه بعد ذلك إن شاء الله تعالى
стр. 358
والمقصود أن سليمان ﵇ فهم ما خاطبت به تلك النملة لامتها من الرأى السديد والأمر الحميد وتبسم من ذلك على وجه الاستبشار والفرح والسرور بما أطلعه الله عليه دون غيره وليس كما يقوله بعض الجهلة من أن الدواب كانت تنطق قبل سليمان وتخاطب الناس حتى أخذ عليهم سليمان بن داود العهد وألجمها فلم تتكلم مع الناس بعد ذلك فان هذا لا يقوله الا الذين لا يعلمون ولو كان هذا هكذا لم يكن لسليمان في فهم لغاتها مزية على غيره إذ قد كان الناس كلهم يفهمون ذلك ولو كان قد أخذ عليها العهد أن لا تتكلم مع غيره وكان هو يفهمها لم يكن في هذا أيضا فائدة يعول عليها ولهذا قال ﴿رَبِّ أَوْزِعْنِي﴾ أي ألهمنى وأرشدنى ﴿أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلى والِدَيَّ وَأَنْ أَعْمَلَ صالِحاً تَرْضاهُ وَأَدْخِلْنِي بِرَحْمَتِكَ فِي عِبادِكَ الصّالِحِينَ﴾ فطلب من الله أن يقيضه للشكر على ما أنعم به عليه وعلى ما خصه به من المزية على غيره وان يبسر عليه العمل الصالح وان يحشره إذا توفاه مع عباده الصالحين وقد استجاب الله تعالى له * والمراد بوالديه داود ﵇ وأمه وكانت من العابدات الصالحات كما
قال سنيد بن داود عن يوسف بن محمد بن المنكدر عن أبيه عن جابر عن النبي ﷺ قال قالت أم سليمان بن داود يا بنى لا تكثر النوم بالليل فان كثرة النوم بالليل تدع العبد فقيرا يوم القيامة. رواه ابن ماجة عن أربعة من مشايخه عنه به نحوه. (١) وقال عبد الرزاق عن معمر عن الزهري أن سليمان ابن داود ﵇ خرج هو وأصحابه يستسقون فرأى نملة قائمة رافعة احدى قوائمها تستسقى فقال لأصحابه ارجعوا فقد سقيتم ان هذه النملة استسقت فاستجيب لها.
قال ابن عساكر وقد روى مرفوعا ولم يذكر فيه سليمان ثم ساقه من طريق محمد بن عزيز عن سلامة بن روح بن خالد عن عقيل عن ابن شهاب حدثني أبو سلمة عن أبى هريرة أنه سمع رسول الله ﷺ يقول خرج نبي من الأنبياء بالناس يستسقون الله فإذا هم بنملة رافعة بعض قوائمها الى السماء فقال النبي ارجعوا فقد استجيب لكم من أجل هذه النملة وقال السدي أصاب الناس قحط على عهد سليمان ﵇ فأمر الناس فخرجوا فإذا بنملة قائمة على رجليها باسطة يديها وهي تقول «اللهمّ انا خلق من خلقك ولا غناء بنا عن فضلك» قال فصب الله عليهم المطر. قال تعالى ﴿وَتَفَقَّدَ الطَّيْرَ فَقالَ ما لِيَ لا أَرَى الْهُدْهُدَ أَمْ كانَ مِنَ الْغائِبِينَ * لَأُعَذِّبَنَّهُ عَذاباً شَدِيداً أَوْ لَأَذْبَحَنَّهُ أَوْ لَيَأْتِيَنِّي بِسُلْطانٍ مُبِينٍ * فَمَكَثَ غَيْرَ بَعِيدٍ فَقالَ أَحَطْتُ بِما لَمْ تُحِطْ بِهِ وَجِئْتُكَ مِنْ سَبَإٍ بِنَبَإٍ يَقِينٍ * إِنِّي وَجَدْتُ اِمْرَأَةً تَمْلِكُهُمْ وَأُوتِيَتْ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ وَلَها عَرْشٌ عَظِيمٌ * وَجَدْتُها وَقَوْمَها يَسْجُدُونَ لِلشَّمْسِ مِنْ دُونِ اللهِ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطانُ أَعْمالَهُمْ فَصَدَّهُمْ عَنِ السَّبِيلِ فَهُمْ لا يَهْتَدُونَ * أَلاّ يَسْجُدُوا لِلّهِ الَّذِي يُخْرِجُ الْخَبْءَ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَيَعْلَمُ ما تُخْفُونَ وَما تُعْلِنُونَ * اللهُ لا إِلهَ إِلاّ هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ * قالَ سَنَنْظُرُ أَصَدَقْتَ أَمْ كُنْتَ مِنَ الْكاذِبِينَ * اِذْهَبْ بِكِتابِي هذا فَأَلْقِهْ إِلَيْهِمْ ثُمَّ تَوَلَّ عَنْهُمْ فَانْظُرْ ماذا يَرْجِعُونَ﴾.
стр. 359
﴿قالَتْ يا أَيُّهَا الْمَلَأُ إِنِّي أُلْقِيَ إِلَيَّ كِتابٌ كَرِيمٌ * إِنَّهُ مِنْ سُلَيْمانَ وَإِنَّهُ بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ * أَلاّ تَعْلُوا عَلَيَّ وَأْتُونِي مُسْلِمِينَ * قالَتْ يا أَيُّهَا الْمَلَأُ أَفْتُونِي فِي أَمْرِي ما كُنْتُ قاطِعَةً أَمْراً حَتّى تَشْهَدُونِ * قالُوا نَحْنُ أُولُوا قُوَّةٍ وَأُولُوا بَأْسٍ شَدِيدٍ وَالْأَمْرُ إِلَيْكِ فَانْظُرِي ماذا تَأْمُرِينَ * قالَتْ إِنَّ الْمُلُوكَ إِذا دَخَلُوا قَرْيَةً أَفْسَدُوها وَجَعَلُوا أَعِزَّةَ أَهْلِها أَذِلَّةً وَكَذلِكَ يَفْعَلُونَ * وَإِنِّي مُرْسِلَةٌ إِلَيْهِمْ بِهَدِيَّةٍ فَناظِرَةٌ بِمَ يَرْجِعُ الْمُرْسَلُونَ * فَلَمّا جاءَ سُلَيْمانَ قالَ أَتُمِدُّونَنِ بِمالٍ فَما آتانِيَ اللهُ خَيْرٌ مِمّا آتاكُمْ بَلْ أَنْتُمْ بِهَدِيَّتِكُمْ تَفْرَحُونَ * اِرْجِعْ إِلَيْهِمْ فَلَنَأْتِيَنَّهُمْ بِجُنُودٍ لا قِبَلَ لَهُمْ بِها وَلَنُخْرِجَنَّهُمْ مِنْها أَذِلَّةً وَهُمْ صاغِرُونَ﴾ يذكر تعالى ما كان من أمر سليمان والهدهد وذلك أن الطيور كان على كل صنف منها مقدمون يقدمون بما يطلب منهم ويحضرون عنده بالنوبة كما هي عادة الجنود مع الملوك وكانت وظيفة الهدهد على ما ذكره ابن عباس وغيره أنهم كانوا إذا اعوزوا الماء في القفار في حال الاسفار يجيء فينظر لهم هل بهذه البقاع من ماء وفيه من القوة التي أودعها الله تعالى فيه أن ينظر الى الماء تحت تخوم الأرض فإذا دلهم عليه حفروا عنه واستنبطوه وأخرجوه واستعملوه لحاجتهم فلما تطلبه سليمان ﵇ ذات يوم فقده ولم يجده في موضعه من محل خدمته ﴿فَقالَ ما لِيَ لا أَرَى الْهُدْهُدَ أَمْ كانَ مِنَ الْغائِبِينَ﴾ أي ما له مفقود من هاهنا أو قد غاب عن بصرى فلا أراه بحضرتي ﴿لَأُعَذِّبَنَّهُ عَذاباً شَدِيداً﴾ توعده بنوع من العذاب * اختلف المفسرون فيه والمقصود حاصل على كل تقدير ﴿أَوْ لَأَذْبَحَنَّهُ أَوْ لَيَأْتِيَنِّي بِسُلْطانٍ مُبِينٍ﴾ أي بحجة تنجيه من هذه الورطة. قال الله تعالى ﴿فَمَكَثَ غَيْرَ بَعِيدٍ﴾ أي فغاب الهدهد غيبة ليست بطويلة ثم قدم منها (فقال) لسليمان ﴿أَحَطْتُ بِما لَمْ تُحِطْ بِهِ﴾ أي اطلعت على ما لم تطلع عليه ﴿وَجِئْتُكَ مِنْ سَبَإٍ بِنَبَإٍ يَقِينٍ﴾ أي بخبر صادق ﴿إِنِّي وَجَدْتُ اِمْرَأَةً تَمْلِكُهُمْ وَأُوتِيَتْ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ وَلَها عَرْشٌ عَظِيمٌ﴾ يذكر ما كان عليه ملوك سبإ في بلاد اليمن من المملكة العظيمة والتبابعة المتوجين وكان الملك قد آل في ذلك الزمان الى امرأة منهم ابنة ملكهم لم يخلف غيرها فملكوها عليهم.
وذكر الثعلبي وغيره أن قومها ملكوا عليهم بعد أبيها رجلا فعم به الفساد فأرسلت اليه تخطبه فتزوجها فلما دخلت عليه سقته خمرا ثم حزت رأسه ونصبته على بابها فاقبل الناس عليها وملكوها عليهم وهي بلقيس بنت السيرح وهو الهدهاد. وقيل شراحيل بن ذي جدن بن السيرح بن الحرث بن قيس ابن صيفي بن سبا بن يشجب بن يعرب بن قحطان وكان أبوها من أكابر الملوك وكان يأبى أن يتزوج من أهل اليمن فيقال إنه تزوج بامرأة من الجن اسمها ريحانة بنت السكن فولدت له هذه المرأة واسمها تلقمة ويقال لها بلقيس. وقد
روى الثعلبي من طريق سعيد بن بشير عن قتادة عن النضر بن انس عن بشير بن نهيك عن أبى هريرة عن النبي ﷺ أنه قال كان أحد أبوي بلقيس جنيا. وهذا حديث غريب وفي سنده ضعف.
وقال الثعلبي أخبرني أبو عبد الله بن قبحونة حدثنا أبو بكر بن جرجة حدثنا ابن أبى الليث حدثنا أبو كريب حدثنا أبو معاوية عن إسماعيل بن مسلم عن الحسن عن أبى بكرة قال ذكرت بلقيس
стр. 360
عند رسول الله ﷺ فقال لا يفلح قوم ولوا أمرهم امرأة. إسماعيل بن مسلم هذا هو المكيّ ضعيف.
وقد ثبت
في صحيح البخاري من حديث عوف عن الحسن عن أبى بكرة أن رسول الله ﷺ لما بلغه أن أهل فارس ملكوا عليهم ابنة كسرى قال لن يفلح قوم ولوا أمرهم امرأة. ورواه الترمذي والنسائي من حديث حميد عن الحسن عن أبى بكرة عن النبي ﷺ وقال الترمذي حسن صحيح وقوله ﴿وَأُوتِيَتْ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ﴾ أي مما من شأنه أن تؤتاه الملوك ﴿وَلَها عَرْشٌ عَظِيمٌ﴾ يعنى سرير مملكتها كان مزخرفا بأنواع الجواهر واللآلي والذهب والحلي الباهر. ثم ذكر كفرهم بالله وعبادتهم الشمس من دون الله وإضلال الشيطان لهم وصده إياهم عن عبادة الله وحده لا شريك له الّذي يخرج الخبء في السموات والأرض ويعلم ما يخفون وما يعلنون أي يعلم السرائر والظواهر من المحسوسات والمعنويات ﴿اللهُ لا إِلهَ إِلاّ هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ﴾ أي له العرش العظيم الّذي لا أعظم منه في المخلوقات. فعند ذلك بعث معه سليمان ﵇ كتابه يتضمن دعوته لهم الى طاعة الله وطاعة رسوله والانابة والإذعان الى الدخول في الخضوع لملكه وسلطانه ولهذا قال لهم ﴿أَلاّ تَعْلُوا عَلَيَّ﴾ أي لا تستكبروا عن طاعتي وامتثال أوامرى ﴿وَأْتُونِي مُسْلِمِينَ﴾ أي وأقدموا على سامعين مطيعين بلا معاودة ولا مراودة فلما جاءها الكتاب مع الطير ومن ثم اتخذ الناس البطائق ولكن أين الثريا من الثرى تلك البطاقة كانت مع طائر سامع مطيع فاهم عالم بما يقول ويقال له فذكر غير واحد من المفسرين وغيرهم أن الهدهد حمل الكتاب وجاء الى قصرها فألقاه اليها وهي في خلوة لها ثم وقف ناحية ينتظر ما يكون من جوابها عن كتابها فجمعت أمراءها ووزراءها وأكابر دولتها الى مشورتها ﴿قالَتْ يا أَيُّهَا الْمَلَأُ إِنِّي أُلْقِيَ إِلَيَّ كِتابٌ كَرِيمٌ﴾ ثم قرأت عليهم عنوانه أولا ﴿إِنَّهُ مِنْ سُلَيْمانَ﴾ ثم قرأته ﴿وَإِنَّهُ بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ * أَلاّ تَعْلُوا عَلَيَّ وَأْتُونِي مُسْلِمِينَ﴾ ثم شاورتهم في أمرها وما قد حل بها وتأدبت معهم وخاطبتهم وهم يسمعون ﴿قالَتْ يا أَيُّهَا الْمَلَأُ أَفْتُونِي فِي أَمْرِي ما كُنْتُ قاطِعَةً أَمْراً حَتّى تَشْهَدُونِ﴾ تعنى ما كنت لأبت أمرا الا وأنتم حاضرون ﴿قالُوا نَحْنُ أُولُوا قُوَّةٍ وَأُولُوا بَأْسٍ شَدِيدٍ﴾ يعنون لنا قوة وقدرة على الجلاد والقتال ومقلومة الأبطال فان أردت منا ذلك فانا عليه من القادرين (و) مع هذا ﴿الْأَمْرُ إِلَيْكِ فَانْظُرِي ماذا تَأْمُرِينَ﴾ فبذلوا لها السمع والطاعة وأخبروها بما عندهم من الاستطاعة وفوضوا اليها في ذلك الأمر لترى فيه ما هو الأرشد لها ولهم فكان رأيها أتم وأسد من رأيهم وعلمت أن صاحب هذا الكتاب لا يغالب ولا يمانع ولا يخالف ولا يخادع ﴿قالَتْ إِنَّ الْمُلُوكَ إِذا دَخَلُوا قَرْيَةً أَفْسَدُوها وَجَعَلُوا أَعِزَّةَ أَهْلِها أَذِلَّةً وَكَذلِكَ يَفْعَلُونَ﴾ تقول برأيها السديد إن هذا الملك لو قد غلب على هذه المملكة لم يخلص الأمر من بينكم الا الى ولم تكن الحدة والشدة والسطوة البليغة الا على ﴿وَإِنِّي مُرْسِلَةٌ إِلَيْهِمْ بِهَدِيَّةٍ فَناظِرَةٌ بِمَ يَرْجِعُ الْمُرْسَلُونَ﴾ أرادت أن تصانع عن نفسها وأهل مملكتها بهدية ترسلها وتحف تبعثها ولم تعلم ان سليمان ﵇ لا يقبل منهم والحالة هذه صرفا ولا عدلا لانهم كافرون وهو
стр. 361
وجنوده عليهم قادرون ولهذا (لما ﴿جاءَ سُلَيْمانَ قالَ أَتُمِدُّونَنِ بِمالٍ فَما آتانِيَ اللهُ خَيْرٌ مِمّا آتاكُمْ بَلْ أَنْتُمْ بِهَدِيَّتِكُمْ تَفْرَحُونَ﴾ هذا وقد كانت تلك الهدايا مشتملة على أمور عظيمة كما ذكره المفسرون ثم قال لرسولها اليه ووافدها الّذي قدم عليه والناس حاضرون يسمعون ﴿اِرْجِعْ إِلَيْهِمْ فَلَنَأْتِيَنَّهُمْ بِجُنُودٍ لا قِبَلَ لَهُمْ بِها وَلَنُخْرِجَنَّهُمْ مِنْها أَذِلَّةً وَهُمْ صاغِرُونَ﴾ يقول ارجع بهديتك التي قدمت بها الى من قدمن بها فان عندي مما قد أنعم الله عليّ وأسداه الىّ من الأموال والتحف والرجال ما هو أضعاف هذا وخير من هذا الّذي أنتم تفرحون به وتفخرون على أبناء جنسكم بسببه ﴿فَلَنَأْتِيَنَّهُمْ بِجُنُودٍ لا قِبَلَ لَهُمْ بِها﴾ أي فلأبعثن اليهم بجنود لا يستطيعون دفاعهم ولا نزالهم ولا ممانعتهم ولا قتالهم ولأخرجنهم من بلدهم وحوزتهم ومعاملتهم ودولتهم أذلة ﴿وَهُمْ صاغِرُونَ﴾ عليهم الصغار والعار والدمار فلما بلغهم ذلك عن نبي الله لم يكن لهم بد من السمع والطاعة فبادروا الى اجابته في تلك الساعة وأقبلوا صحبة الملكة أجمعين سامعين مطيعين خاضعين فلما سمع بقدومهم عليه ووفودهم اليه قال لمن بين يديه ممن هو مسخر له من الجان ما قصه الله عنه في القرآن. ﴿قالَ يا أَيُّهَا الْمَلَؤُا أَيُّكُمْ يَأْتِينِي بِعَرْشِها قَبْلَ أَنْ يَأْتُونِي مُسْلِمِينَ * قالَ عِفْرِيتٌ مِنَ الْجِنِّ أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ تَقُومَ مِنْ مَقامِكَ وَإِنِّي عَلَيْهِ لَقَوِيٌّ أَمِينٌ * قالَ الَّذِي عِنْدَهُ عِلْمٌ مِنَ الْكِتابِ أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ يَرْتَدَّ إِلَيْكَ طَرْفُكَ فَلَمّا رَآهُ مُسْتَقِرًّا عِنْدَهُ قالَ هذا مِنْ فَضْلِ رَبِّي لِيَبْلُوَنِي أَأَشْكُرُ أَمْ أَكْفُرُ وَمَنْ شَكَرَ فَإِنَّما يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ رَبِّي غَنِيٌّ كَرِيمٌ * قالَ نَكِّرُوا لَها عَرْشَها نَنْظُرْ أَتَهْتَدِي أَمْ تَكُونُ مِنَ الَّذِينَ لا يَهْتَدُونَ * فَلَمّا جاءَتْ قِيلَ أَهكَذا عَرْشُكِ قالَتْ كَأَنَّهُ هُوَ وَأُوتِينَا الْعِلْمَ مِنْ قَبْلِها وَكُنّا مُسْلِمِينَ * وَصَدَّها ما كانَتْ تَعْبُدُ مِنْ دُونِ اللهِ إِنَّها كانَتْ مِنْ قَوْمٍ كافِرِينَ * قِيلَ. لَهَا اُدْخُلِي الصَّرْحَ فَلَمّا رَأَتْهُ حَسِبَتْهُ لُجَّةً وَكَشَفَتْ عَنْ ساقَيْها قالَ إِنَّهُ صَرْحٌ مُمَرَّدٌ مِنْ قَوارِيرَ قالَتْ رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي وَأَسْلَمْتُ مَعَ سُلَيْمانَ لِلّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ﴾.
لما طلب سليمان من الجان أن يحضروا له عرش بلقيس وهو سرير مملكتها التي تجلس عليه وقت حكمها قبل قدومها عليه ﴿قالَ عِفْرِيتٌ مِنَ الْجِنِّ أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ تَقُومَ مِنْ مَقامِكَ﴾ يعنى قبل أن ينقضي مجلس حكمك وكان فيما يقال من أول النهار الى قريب الزوال يتصدى لمهمات بنى إسرائيل وما لهم من الاشغال ﴿وَإِنِّي عَلَيْهِ لَقَوِيٌّ أَمِينٌ﴾ أي وانى لذو قدرة على احضارى إليك وامانة على ما فيه من الجواهر النفيسة لديك ﴿قالَ الَّذِي عِنْدَهُ عِلْمٌ مِنَ الْكِتابِ﴾ المشهور أنه آصف بن برخيا وهو ابن خالة سليمان. وقيل هو رجل من مؤمني الجان كان فيما يقال يحفظ الاسم الأعظم. وقيل رجل من بنى إسرائيل من علمائهم وقيل إنه سليمان وهذا غريب جدا. وضعفه السهيليّ بانه لا يصح في سياق الكلام قال وقد قيل فيه قول رابع وهو جبريل ﴿أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ يَرْتَدَّ إِلَيْكَ طَرْفُكَ﴾ قيل معناه قبل أن تبعث رسولا الى أقصى ما ينتهى اليه طرفك من الأرض ثم يعود إليك. وقيل قبل أن يصل إليك أبعد من تراه من
стр. 362
الناس وقيل قبل أن يكل طرفك إذا أدمت النظر به قبل أن تطبق جفنك. وقيل قبل أن يرجع إليك طرفك إذا نظرت به الى أبعد غاية منك ثم أغمضته وهذا أقرب ما قيل. ﴿فَلَمّا رَآهُ مُسْتَقِرًّا عِنْدَهُ﴾ أي فلما رأى عرش بلقيس مستقرا عنده في هذه المدة القريبة من بلاد اليمن الى بيت المقدس في طرفة عين ﴿قالَ هذا مِنْ فَضْلِ رَبِّي لِيَبْلُوَنِي أَأَشْكُرُ أَمْ أَكْفُرُ﴾ أي هذا من فضل الله على وفضله على عبيده ليختبرهم على الشكر أو خلافه ﴿وَمَنْ شَكَرَ فَإِنَّما يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ﴾ أي انما يعود نفع ذلك عليه ﴿وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ رَبِّي غَنِيٌّ كَرِيمٌ﴾ أي غنى عن شكر الشاكرين ولا يتضرر بكفر الكافرين ثم أمر سليمان ﵇ أن يغير حلى هذا العرش وينكر لها ليختبر فهمها وعقلها ولهذا قال ﴿نَنْظُرْ أَتَهْتَدِي أَمْ تَكُونُ مِنَ الَّذِينَ لا يَهْتَدُونَ * فَلَمّا جاءَتْ قِيلَ أَهكَذا عَرْشُكِ قالَتْ كَأَنَّهُ هُوَ﴾ وهذا من فطنتها وغزارة فهمها لأنها استبعدت أن يكون عرشها لأنها خلفته وراءها بأرض اليمن ولم تكن تعلم أن أحدا يقدر على هذا الصنع العجيب الغريب قال الله تعالى اخبارا عن سليمان وقومه ﴿وَأُوتِينَا الْعِلْمَ مِنْ قَبْلِها وَكُنّا مُسْلِمِينَ * وَصَدَّها ما كانَتْ تَعْبُدُ مِنْ دُونِ اللهِ إِنَّها كانَتْ مِنْ قَوْمٍ كافِرِينَ﴾ أي ومنعها عبادة الشمس التي كانت تسجد لها هي وقومها من دون الله أتباعا لدين آبائهم وأسلافهم لا لدليل قادهم الى ذلك ولا حدأهم على ذلك وكان سليمان قد أمر ببناء صرح من زجاج وعمل في ممره ماء وجعل عليه سقفا من زجاج وجعل فيه من السمك وغيرها من دواب الماء وأمرت بدخول الصرح وسليمان جالس على سريره فيه ﴿فَلَمّا رَأَتْهُ حَسِبَتْهُ لُجَّةً وَكَشَفَتْ عَنْ ساقَيْها قالَ إِنَّهُ صَرْحٌ مُمَرَّدٌ مِنْ قَوارِيرَ قالَتْ رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي وَأَسْلَمْتُ مَعَ سُلَيْمانَ لِلّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ﴾ وقد قيل إن الجن أرادوا أن يبشعوا منظرها عند سليمان وأن تبدي عن ساقيها ليرى ما عليها من الشعر فينفره ذلك منها وخشوا أن يتزوجها لأن أمها من الجان فتتسلط عليهم معه. وذكر بعضهم أن حافرها كان كحافر الدابة وهذا ضعيف وفي الأول أيضا نظر والله أعلم الا أن سليمان قيل إنه لما أراد إزالته حين عزم على تزوجها سأل الأنس عن زواله فذكروا له الموسى فامتنعت من ذلك فسأل الجان فصنعوا له النورة ووضعوا له الحمام فكان أول من دخل الحمام فلما وجد مسه قال أوه من عذاب أوه أوه قبل أن لا ينفع أوه. رواه الطبراني مرفوعا وفيه نظر * وقد ذكر الثعلبي وغيره أن سليمان لما تزوجها أقرها على مملكة اليمن وردها اليه وكان يزورها في كل شهر مرة فيقيم عندها ثلاثة أيام ثم يعود على البساط وأمر الجان فبنوا له ثلاثة قصور باليمن غمدان وسالحين وبيتون فالله أعلم. وقد روى ابن إسحاق عن بعض أهل العلم عن وهب بن منبه أن سليمان لم يتزوجها بل زوجها بملك همدان وأقرها على ملك اليمن وسخر زوبعة ملك جن اليمن فبنى لها القصور الثلاثة التي ذكرناها باليمن والأول أشهر وأظهر والله أعلم.
стр. 363
وقال تعالى في سورة ص ﴿وَوَهَبْنا لِداوُدَ سُلَيْمانَ نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوّابٌ * إِذْ عُرِضَ عَلَيْهِ بِالْعَشِيِّ الصّافِناتُ الْجِيادُ * فَقالَ إِنِّي أَحْبَبْتُ حُبَّ الْخَيْرِ عَنْ ذِكْرِ رَبِّي حَتّى تَوارَتْ بِالْحِجابِ * رُدُّوها عَلَيَّ فَطَفِقَ مَسْحاً بِالسُّوقِ وَالْأَعْناقِ * وَلَقَدْ فَتَنّا سُلَيْمانَ وَأَلْقَيْنا عَلى كُرْسِيِّهِ جَسَداً ثُمَّ أَنابَ * قالَ رَبِّ اِغْفِرْ لِي وَهَبْ لِي مُلْكاً لا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ مِنْ بَعْدِي إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهّابُ * فَسَخَّرْنا لَهُ الرِّيحَ تَجْرِي بِأَمْرِهِ رُخاءً حَيْثُ أَصابَ * وَالشَّياطِينَ كُلَّ بَنّاءٍ وَغَوّاصٍ * وَآخَرِينَ مُقَرَّنِينَ فِي الْأَصْفادِ * هذا عَطاؤُنا فَامْنُنْ أَوْ أَمْسِكْ بِغَيْرِ حِسابٍ * وَإِنَّ لَهُ عِنْدَنا لَزُلْفى وَحُسْنَ مَآبٍ﴾. يذكر تعالى أنه وهب لداود سليمان ﵉ ثم أثنى الله عليه تعالى فقال ﴿نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوّابٌ﴾ أي رجاع مطيع لله. ثم ذكر تعالى ما كان من أمره في الخيل الصافنات وهي التي تقف على ثلاث وطرف حافر الرابعة. الجياد وهي المضمرة السراع ﴿فَقالَ إِنِّي أَحْبَبْتُ حُبَّ الْخَيْرِ عَنْ ذِكْرِ رَبِّي حَتّى تَوارَتْ بِالْحِجابِ﴾ يعنى الشمس. وقيل الخيل على ما سنذكره من القولين. ﴿رُدُّوها عَلَيَّ فَطَفِقَ مَسْحاً بِالسُّوقِ وَالْأَعْناقِ﴾ قيل مسح عراقيبها وأعناقها بالسيوف. وقيل مسح عنها العرق لما أجراها وسابق بينها وبين يديه على القول الآخر * والّذي عليه أكثر السلف الأول فقالوا اشتغل بعرض تلك الخيول حتى خرج وقت العصر وغربت الشمس روى هذا عن على بن أبى طالب وغيره والّذي يقطع به أنه لم يترك الصلاة عمدا من غير عذر اللهمّ الا أن يقال إنه كان سائغا في شريعتهم فأخر الصلاة لأجل أسباب الجهاد وعرض الخيل من ذلك * وقد ادعى طائفة من العلماء في تأخير النبي ﷺ صلاة العصر يوم الخندق أن هذا كان مشروعا إذ ذاك حتى نسخ بصلاة الخوف قاله الشافعيّ وغيره.
وقال مكحول والأوزاعي بل هو حكم محكم الى اليوم أنه يجوز تأخيرها بعذر القتال الشديد كما ذكرنا تقرير ذلك في سورة النساء عند صلاة الخوف. وقال آخرون بل كان تأخير النبي ﷺ صلاة العصر يوم الخندق نسيانا وعلى هذا فيحمل فعل سليمان ﵇ على هذا والله أعلم. واما من قال الضمير في قوله ﴿حَتّى تَوارَتْ بِالْحِجابِ﴾ عائد على الخيل وانه لم تفته وقت صلاة وان المراد بقوله ﴿رُدُّوها عَلَيَّ فَطَفِقَ مَسْحاً بِالسُّوقِ وَالْأَعْناقِ﴾ يعنى مسح العرق عن قراقيبها وأعناقها فهذا القول اختاره ابن جرير ورواه الوالبي عن ابن عباس في مسح العرق * ووجه هذا القول ابن جرير بأنه ما كان ليعذب الحيوان بالعرقبة ويهلك مالا بلا سبب ولا ذنب لها وهذا الّذي قاله فيه نظر لانه قد يكون هذا سائغا في ملتهم وقد ذهب بعض علمائنا الى أنه إذا خاف المسلمون أن يظفر الكفار على شيء من الحيوانات من أغنام ونحوها جاز ذبحها واهلاكها لئلا يتقووا بها وعليه حمل صنيع جعفر بن أبى طالب يوم عقر فرسه بموته وقد قيل إنها كانت خيلا عظيمة. قيل كانت عشرة آلاف فرس. وقيل عشرين ألف فرس. وقيل كان فيها عشرون فرسا من ذوات الاجنحة. وقد
روى أبو داود في سننه حدثنا محمد بن عوف حدثنا سعيد ابن أبى مريم أنبأنا يحيى بن أيوب حدثني عمارة بن عزية أن محمد بن إبراهيم حدثه عن محمد بن أبى سلمة
стр. 364
ابن عبد الرحمن عن عائشة قالت قدم رسول الله ﷺ من غزوة تبوك أو خيبر وفي سهوتها ستر فهبت الريح فكشفت ناحية الستر عن بنات لعائشة تلعب فقال ما هذا يا عائشة فقالت بناتي ورأى بينهن فرسا له جناحان من رقاع فقال ما هذا الّذي أرى وسطهن قالت فرس قال وما الّذي عليه هذا قالت جناحان قال فرس له جناحان قالت أما سمعت أن لسليمان خيلا لها أجنحة قالت فضحك حتى رأيت نواجذه ﷺ . وقال بعض العلماء لما ترك الخيل لله عوضه الله عنها بما هو خير له منها وهو الريح التي كانت غدوها شهرا ورواحها شهرا كما سيأتي الكلام عليها كما
قال الامام احمد حدثنا إسماعيل حدثنا سليمان بن المغيرة عن حميد بن هلال عن أبى قتادة وأبى الدهماء وكانا يكثران السفر نحو البيت قالا أتينا على رجل من أهل البادية فقال البدوي أخذ بيدي رسول الله ﷺ فجعل يعلمني مما علمه الله وقال انك لا تدع شيئا اتقاء الله الا أعطاك الله خيرا منه. وقوله تعالى ﴿وَلَقَدْ فَتَنّا سُلَيْمانَ وَأَلْقَيْنا عَلى كُرْسِيِّهِ جَسَداً ثُمَّ أَنابَ﴾. ذكر ابن جرير وابن أبى حاتم وغيرهما من المفسرين هاهنا آثارا كثيرة عن جماعة من السلف وأكثرها أو كلها متلقاة من الإسرائيليات وفي كثير منها نكارة شديدة وقد نبهنا على ذلك في كتابنا التفسير واقتصرنا هاهنا على مجرد التلاوة ومضمون ما ذكروه أن سليمان ﵇ غاب عن سريره أربعين يوما ثم عاد اليه ولما عاد أمر ببناء بيت المقدس فبناه بناء محكما. وقد قدمنا أنه جدده
وأن أول من جعله مسجدا إسرائيل ﵇ كما ذكرنا ذلك عند قول أبى ذر قلت يا رسول الله أي مسجد وضع أول قال المسجد الحرام قلت ثم أي قال مسجد بيت المقدس قلت كم بينهما قال أربعون سنة ومعلوم أن بين إبراهيم الّذي بنى المسجد الحرام وبين سليمان بن داود ﵉ أزيد من ألف سنة دع أربعين سنة وكان سؤاله الملك الّذي لا ينبغي لأحد من بعده بعد إكماله البيت المقدس كما
قال الامام احمد والنسائي وابن ماجة وابن خزيمة وابن حبان والحاكم بأسانيدهم عن عبد الله بن فيروز الديلميّ عن عبد الله ابن عمرو ابن العاص قال قال رسول الله ﷺ إن سليمان لما بنى بيت المقدس سأل ربه خلالا ثلاثا فأعطاه اثنتين ونحن نرجو أن تكون لنا الثالثة سأله حكما يصادف حكمه فأعطاه إياه وسأله ملكا لا ينبغي لأحد من بعده فأعطاه إياه وسأله ايما رجل خرج من بيته لا يريد الا الصلاة في هذا المسجد خرج من خطيئته مثل يوم ولدته أمه فنحن نرجو أن يكون الله قد أعطانا إياها. فاما الحكم الّذي يوافق حكم الله تعالى فقد أثنى الله تعالى عليه وعلى أبيه في قوله ﴿وَداوُدَ وَسُلَيْمانَ إِذْ يَحْكُمانِ فِي الْحَرْثِ إِذْ نَفَشَتْ فِيهِ غَنَمُ الْقَوْمِ وَكُنّا لِحُكْمِهِمْ شاهِدِينَ * فَفَهَّمْناها سُلَيْمانَ وَكُلاًّ آتَيْنا حُكْماً وَعِلْماً﴾ وقد ذكر شريح القاضي وغير واحد من السلف أن هؤلاء القوم كان لهم كرم فنفشت فيه غنم قوم آخرين أي رعته بالليل فأكلت شجره بالكلية فتحاكموا الى داود ﵇ فحكم لأصحاب الكرم بقيمته فلما خرجوا على سليمان قال بما حكم لكم نبي الله فقالوا بكذا وكذا فقال أما لو كنت أنا لما حكمت الا بتسليم الغنم الى أصحاب الكرم فيستغلونها نتاجا ودرا حتى
стр. 365
يصلح أصحاب الغنم كرم أولئك ويردوه الى ما كان عليه ثم يتسلموا غنمهم فبلغ داود ﵇ ذلك فحكم به وقريب من هذا ما ثبت
في الصحيحين من حديث أبى الزناد عن الأعرج عن أبى هريرة قال قال رسول الله ﷺ بينما امرأتان معهما ابناهما إذ عدا الذئب فأخذ ابن إحداهما فتنازعتا في الأخر فقالت الكبرى انما ذهب بابنك وقالت الصغرى بل انما ذهب بابنك فتحاكمتا الى داود فحكم به للكبرى فخرجتا على سليمان فقال ائتوني بالسكين أشقه نصفين لكل واحدة منكما نصفه فقالت الصغرى لا تفعل يرحمك الله هو ابنها فقضى به لها ولعل كلا من الحكمين كان سائغا في شريعتهم ولكن ما قاله سليمان أرجح ولهذا أثنى الله عليه بما ألهمه إياه ومدح بعد ذلك أباه فقال ﴿وَكُلاًّ آتَيْنا حُكْماً وَعِلْماً وَسَخَّرْنا مَعَ داوُدَ الْجِبالَ يُسَبِّحْنَ وَالطَّيْرَ وَكُنّا فاعِلِينَ * وَعَلَّمْناهُ صَنْعَةَ لَبُوسٍ لَكُمْ لِتُحْصِنَكُمْ مِنْ بَأْسِكُمْ فَهَلْ أَنْتُمْ شاكِرُونَ﴾.
ثم قال ﴿وَلِسُلَيْمانَ الرِّيحَ عاصِفَةً﴾ أي وسخرنا لسليمان الريح عاصفة ﴿تَجْرِي بِأَمْرِهِ إِلى الْأَرْضِ الَّتِي بارَكْنا فِيها وَكُنّا بِكُلِّ شَيْءٍ عالِمِينَ * وَمِنَ الشَّياطِينِ مَنْ يَغُوصُونَ لَهُ وَيَعْمَلُونَ عَمَلاً دُونَ ذلِكَ وَكُنّا لَهُمْ حافِظِينَ﴾.
وقال في سورة ص ﴿فَسَخَّرْنا لَهُ الرِّيحَ تَجْرِي بِأَمْرِهِ رُخاءً حَيْثُ أَصابَ * وَالشَّياطِينَ كُلَّ بَنّاءٍ وَغَوّاصٍ * وَآخَرِينَ مُقَرَّنِينَ فِي الْأَصْفادِ * هذا عَطاؤُنا فَامْنُنْ أَوْ أَمْسِكْ بِغَيْرِ حِسابٍ * وَإِنَّ لَهُ عِنْدَنا لَزُلْفى وَحُسْنَ مَآبٍ﴾. لما ترك الخيل ابتغاء وجه الله عوضه الله منها الريح التي هي أسرع سيرا وأقوى وأعظم ولا كلفة عليه لها تجرى بأمره رخاء ﴿حَيْثُ أَصابَ﴾ أي حيث أراد من أي البلاد. كان له بساط مركب من أخشاب بحيث إنه يسمع جميع ما يحتاج اليه من الدور المبنية والقصور والخيام والأمتعة والخيول والجمال والأثقال والرجال من الانس والجان وغير ذلك من الحيوانات والطيور فإذا أراد سفرا أو مستنزها أو قتال ملك أو أعداء من أي بلاد الله شاء فإذا حمل هذه الأمور المذكورة على البساط أمر الريح فدخلت تحته فرفعته فإذا استقل بين السماء والأرض أمر الرخاء فسارت به فان أراد أسرع من ذلك أمر العاصفة فحملته أسرع ما يكون فوضعته في أي مكان شاء بحيث إنه كان يرتحل في أول النهار من بيت المقدس فتغدو به الريح فتضعه بإصطخر مسيرة شهر فيقيم هناك الى آخر النهار * ثم يروح من آخره فترده الى بيت المقدس كما قال تعالى ﴿وَلِسُلَيْمانَ الرِّيحَ غُدُوُّها شَهْرٌ وَرَواحُها شَهْرٌ وَأَسَلْنا لَهُ عَيْنَ الْقِطْرِ وَمِنَ الْجِنِّ مَنْ يَعْمَلُ بَيْنَ يَدَيْهِ بِإِذْنِ رَبِّهِ وَمَنْ يَزِغْ مِنْهُمْ عَنْ أَمْرِنا نُذِقْهُ مِنْ عَذابِ السَّعِيرِ * يَعْمَلُونَ لَهُ ما يَشاءُ مِنْ مَحارِيبَ وَتَماثِيلَ وَجِفانٍ كَالْجَوابِ وَقُدُورٍ راسِياتٍ اِعْمَلُوا آلَ داوُدَ شُكْراً وَقَلِيلٌ مِنْ عِبادِيَ الشَّكُورُ﴾.
قال الحسن البصري كان يغدو من دمشق فينزل بإصطخر فيتغدى بها ويذهب رائحا منها فيبيت بكابل وبين دمشق وبين إصطخر مسيرة شهر وبين إصطخر وكابل مسيرة شهر قلت قد ذكر المتكلمون على العمران والبلدان أن إصطخر بنتها الجان لسليمان وكان فيها قرار مملكة الترك قديما وكذلك غيرها من بلدان شتى كتدمر وبيت المقدس وباب جبرون وباب البريد اللذان بدمشق على أحد الأقوال.
стр. 366
وأما القطر فقال ابن عباس ومجاهد وعكرمة وقتادة وغير واحد هو النحاس قال قتادة وكانت باليمن أنبعها الله له قال السدي ثلاثة أيام فقط أخذ منها جميع ما يحتاج اليه للبنايات وغيرها وقوله ﴿وَمِنَ الْجِنِّ مَنْ يَعْمَلُ بَيْنَ يَدَيْهِ بِإِذْنِ رَبِّهِ وَمَنْ يَزِغْ مِنْهُمْ عَنْ أَمْرِنا نُذِقْهُ مِنْ عَذابِ السَّعِيرِ﴾ أي وسخر الله له من الجن عمالا يعملون له ما يشاء لا يفترون ولا يخرجون عن طاعته ومن خرج منهم عن الأمر عذبه ونكل به ﴿يَعْمَلُونَ لَهُ ما يَشاءُ مِنْ مَحارِيبَ﴾ وهي الأماكن الحسنة وصدور المجالس ﴿وَتَماثِيلَ﴾ وهي الصور في الجدران وكان هذا سائغا في شريعتهم وملتهم ﴿وَجِفانٍ كَالْجَوابِ﴾. قال ابن عباس الجفنة كالجوبة من الأرض وعنه كالحياض وكذا قال مجاهد والحسن وقتادة والضحاك وغيرهم وعلى هذه الرواية يكون الجواب جمع جابية وهي الحوض الّذي يجبى فيه الماء كما قال الأعشى.
تروح على آل المحلق جفنة * كجابية الشيخ العراقي يفهق وأما القدور الراسيات فقال عكرمة أثافيها منها يعنى أنهن ثوابت لا يزلن عن أماكنهن وهكذا قال مجاهد وغير واحد ولما كان هذا بصدد إطعام الطعام والإحسان الى الخلق من إنسان وجان قال تعالى ﴿اِعْمَلُوا آلَ داوُدَ شُكْراً وَقَلِيلٌ مِنْ عِبادِيَ الشَّكُورُ﴾ وقال تعالى ﴿وَالشَّياطِينَ كُلَّ بَنّاءٍ وَغَوّاصٍ * وَآخَرِينَ مُقَرَّنِينَ فِي الْأَصْفادِ﴾ يعنى أن منهم من قد سخره في البناء ومنهم من يأمره بالغوص في الماء لاستخراج ما هنالك من الجواهر واللآلي وغير ذلك مما لا يوجد الا هنالك وقوله ﴿وَآخَرِينَ مُقَرَّنِينَ فِي الْأَصْفادِ﴾ أي قد عصوا فقيدوا مقرنين اثنين اثنين في الأصفاد وهي القيود. هذا كله من جملة ما هيأه الله وسخر له من الأشياء التي هي من تمام الملك الّذي لا ينبغي لأحد من بعده ولم يكن أيضا لمن كان قبله وقد
قال البخاري ثنا محمد بن بشار حدثنا محمد بن جعفر حدثنا شعبة عن محمد بن زياد عن أبى هريرة عن النبي ﷺ قال إن عفريتا من الجن تفلت على البارحة ليقطع على صلاتي فأمكننى الله منه فأخذته فأردت أن أربطه الى سارية من سواري المسجد حتى تنظروا اليه كلكم فذكرت دعوة أخى سليمان ﴿رَبِّ اِغْفِرْ لِي وَهَبْ لِي مُلْكاً لا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ مِنْ بَعْدِي﴾ فرددته خاسئا). وكذا
رواه مسلم والنسائي من حديث شعبة وقال مسلم حدثنا محمد بن سلمة المرادي حدثنا عبد الله بن وهب عن معاوية بن صالح حدثني ربيعة بن يزيد عن أبى إدريس الخولانيّ عن أبى الدرداء قال قام رسول الله ﷺ فصلى فسمعناه يقول أعوذ بالله منك ألعنك بلعنة الله ثلاثا وبسط يده كأنه يتناول شيئا فلما فرغ من الصلاة قلنا يا رسول الله سمعناك تقول في الصلاة شيئا لم نسمعك تقوله قبل ذلك ورأيناك بسطت يدك قال إن عدو الله إبليس جاء بشهاب من نار ليجعله في وجهي فقلت أعوذ بالله منك ثلاث مرات ثم قلت ألعنك بلعنة الله التامة فلم يستأخر ثلاث مرات. ثم أردت أخذه والله لولا دعوة أخينا سليمان لأصبح موثقا يلعب به ولدان أهل المدينة.
وكذا رواه النسائي عن محمد بن سلمة به.
وقال احمد حدثنا أبو احمد حدثنا مرة بن معبد ثنا أبو عبيد
стр. 367
حاجب سليمان قال رأيت عطاء بن يزيد الليثي قائما يصلى فذهبت أمر بين يديه فردني ثم قال حدثني أبو سعيد الخدريّ أن رسول الله ﷺ قام فصلى صلاة الصبح وهو خلفه فقرأ فالتبست عليه القراءة.
فلما فرغ من صلاته قال لو رأيتموني وإبليس فأهويت بيدي فما زلت أخنقه حتى وجدت برد لعابه بين إصبعي هاتين الإبهام والتي تليها ولولا دعوة أخى سليمان لأصبح مربوطا بسارية من سواري المسجد يتلاعب به صبيان المدينة فمن استطاع منكم أن لا يحول بينه وبين القبلة أحد فليفعل. روى أبو داود منه فمن استطاع الى آخره عن احمد بن سريج عن احمد الزبيري به * وقد ذكر غير واحد من السلف أنه كانت لسليمان من النساء ألف امرأة سبعمائة بمهور وثلاثمائة سراري وقيل بالعكس ثلاثمائة حرائر وسبعمائة من الإماء. وقد كان يطيق من التمتع بالنساء أمرا عظيما جدا
قال البخاري حدثنا خالد بن مخلد حدثنا مغيرة بن عبد الرحمان عن أبى الزناد عن الأعرج عن أبى هريرة عن النبي ﷺ قال قال سليمان بن داود لأطوفن الليلة على سبعين امرأة تحمل كل امرأة فارسا يجاهد في سبيل الله فقال له صاحبه إن شاء الله فلم يقل فلم تحمل شيئا الا واحدا ساقطا أحد شقيه فقال النبي ﷺ لو قالها لجاهدوا في سبيل الله * وقال شعيب وابن أبى الزناد تسعين وهو أصح تفرد به البخاري من هذا الوجه
وقال أبو يعلى حدثنا زهير حدثنا يزيد أنبانا هشام بن حسان عن محمد عن أبى هريرة قال قال رسول الله ﷺ قال سليمان بن داود لأطوفن الليلة على مائة امرأة كل امرأة منهن تلد غلاما يضرب بالسيف في سبيل الله ولم يقل إن شاء الله فطاف تلك الليلة على مائة امرأة فلم تلد منهن امرأة إلا امرأة ولدت نصف إنسان فقال رسول الله ﷺ لو قال إن شاء الله لولدت كل امرأة منهن غلاما يضرب بالسيف في سبيل الله . إسناده على شرط الصحيح ولم يخرجوه من هذا الوجه.
وقال الامام احمد حدثنا هشيم ثنا هشام عن ابن سيرين عن أبى هريرة قال قال سليمان بن داود لأطوفن الليلة على مائة امرأة تلد كل واحدة منهن غلاما يقاتل في سبيل الله ولم يستثن فما ولدت الا واحدة منهن بشق إنسان قال قال رسول الله ﷺ لو استثنى لولد له مائة غلام كلهم يقاتل في سبيل الله تفرد به احمد أيضا.
وقال الامام احمد حدثنا عبد الرزاق أنبأنا معمر عن ابن طاووس عن أبيه عن أبى هريرة قال قال رسول الله ﷺ قال سليمان بن داود لأطوفن الليلة بمائة امرأة تلد كل امرأة منهن غلاما يقاتل في سبيل الله قال ونسي أن يقول إن شاء الله فاطاف بهن قال فلم تلد منهن امرأة الا واحدة نصف إنسان فقال رسول الله ﷺ لو قال إن شاء الله لم يحنث وكان دركا لحاجته وهكذا أخرجاه في الصحيحين من حديث عبد الرزاق به مثله.
وقال إسحاق بن بشر أنبأنا مقاتل عن أبى الزناد وابن أبى الزناد عن أبيه عن عبد الرحمن عن أبى هريرة أن سليمان بن داود كان له اربعمائة امرأة وستمائة سرية فقال يوما لأطوفن الليلة على ألف امرأة فتحمل كل واحدة منهن بفارس يجاهد في سبيل الله ولم يستثن فطاف عليهنّ فلم تحمل واحدة منهن
стр. 368
الا امرأة واحدة منهن جاءت بشق إنسان فقال النبي ﷺ والّذي نفسي بيده لو استثنى فقال إن شاء الله لولد له ما قال فرسان ولجاهدوا في سبيل الله . وهذا اسناد ضعيف لحال إسحاق بن بشر فإنه منكر الحديث ولا سيما وقد خالف الروايات الصحاح. وقد كان له ﵇ من أمور الملك واتساع الدولة وكثرة الجنود وتنوعها ما لم يكن لأحد قبله ولا يعطيه الله أحدا بعده كما قال ﴿وَأُوتِينا مِنْ كُلِّ شَيْءٍ﴾ و ﴿قالَ رَبِّ اِغْفِرْ لِي وَهَبْ لِي مُلْكاً لا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ مِنْ بَعْدِي إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهّابُ﴾ وقد أعطاه الله ذلك بنص الصادق المصدوق. ولما ذكر تعالى ما أنعم به عليه واسداه من النعم الكاملة العظيمة اليه قال ﴿هذا عَطاؤُنا فَامْنُنْ أَوْ أَمْسِكْ بِغَيْرِ حِسابٍ﴾ أي أعط من شئت وأحرم من شئت فلا حساب عليك أي تصرف في المال كيف شئت فان الله قد سوغ لك كلما تفعله من ذلك ولا يحاسبك على ذلك وهذا شان النبي الملك بخلاف العبد الرسول فان من شأنه أن لا يعطى أحدا ولا يمنع أحدا إلا باذن الله له في ذلك وقد خير نبينا محمد صلوات الله وسلامه عليه بين هذين المقامين فاختار أن يكون عبدا رسولا. وفي بعض الروايات أنه استشار جبريل في ذلك فاشار اليه أن تواضع فاختار أن يكون عبدا رسولا صلوات الله وسلامه عليه وقد جعل الله الخلافة والملك من بعده في أمته الى يوم القيامة فلا تزال طائفة من أمته ظاهرين حتى تقوم الساعة فلله الحمد والمنة.
ولما ذكر تعالى ما وهبه لنبيه سليمان ﵇ من خير الدنيا نبه على ما أعده له في الآخرة من الثواب الجزيل والأجر الجميل والقربة التي تقربه اليه والفوز العظيم والاكرام بين يديه وذلك يوم المعاد والحساب حيث يقول تعالى ﴿وَإِنَّ لَهُ عِنْدَنا لَزُلْفى وَحُسْنَ مَآبٍ﴾.
ذكر وفاته وكم كانت مدة ملكه وحياته
قال الله ﵎ ﴿فَلَمّا قَضَيْنا عَلَيْهِ الْمَوْتَ ما دَلَّهُمْ عَلى مَوْتِهِ إِلاّ دَابَّةُ الْأَرْضِ تَأْكُلُ مِنْسَأَتَهُ فَلَمّا خَرَّ تَبَيَّنَتِ الْجِنُّ أَنْ لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ الْغَيْبَ ما لَبِثُوا فِي الْعَذابِ الْمُهِينِ﴾.
روى ابن جرير وابن أبى حاتم وغيرهما من حديث إبراهيم بن طهمان عن عطاء بن السائب عن سعيد بن جبير عن ابن عباس عن النبي ﷺ قال كان سليمان نبي الله ﵇ إذا صلّى رأى شجرة نابتة بين يديه فيقول لها ما اسمك فتقول كذا فيقول لاى شيء أنت فان كانت لغرس غرست وان كانت لدواء أنبتت فبينما هو يصلى ذات يوم إذ رأى شجرة بين يديه فقال لها ما اسمك قالت الخروب قال لاى شيء أنت قالت الخراب هذا البيت فقال سليمان اللهمّ عم على الجن موتى حتى تعلم الانس أن الجن لا يعلمون الغيب فنحتها عصا فتوكأ عليها حولا والجن تعمل فأكلتها الارضة فتبينت الانس أن الجن ﴿لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ الْغَيْبَ ما لَبِثُوا﴾ حولا ﴿فِي الْعَذابِ الْمُهِينِ﴾. قال وكان ابن عباس يقرؤها كذلك قال فشكرت الجن للارضة فكانت تأتيها بالماء.
стр. 369
لفظ ابن جرير وعطاء الخراساني في حديثه نكارة * وقد رواه الحافظ ابن عساكر من طريق سلمة ابن كهيل عن سعيد بن جبير عن ابن عباس موقوفا وهو أشبه بالصواب والله أعلم. وقال السدي في خبر ذكره عن أبى مالك وعن أبى صالح عن ابن عباس وعن مرة عن ابن مسعود وعن أناس من الصحابة كان سليمان ﵇ يتجرد في بيت المقدس السنة والسنتين والشهر والشهرين وأقل من ذلك وأكثر يدخل طعامه وشرابه فأدخله في المرة التي توفى فيها فكان بدء ذلك أنه لم يكن يوم يصبح فيه الا نبتت في بيت المقدس شجرة فيأتيها فيسألها ما اسمك فتقول الشجرة اسمى كذا وكذا فان كانت لغرس غرسها وان كانت نبتت دواء قالت نبت دواء لكذا وكذا فيجعلها كذلك حتى نبتت شجرة يقال لها الخروبة فسألها ما اسمك فقالت أنا الخروبة فقال ولاى شيء نبت فقالت نبت لخراب هذا المسجد فقال سليمان ما كان الله ليخربه وأنا حي أنت التي على وجهك هلاكي وخراب بيت المقدس فنزعها وغرسها في حائط له. ثم دخل المحراب فقام يصلى متكئا على عصاه فمات ولم تعلم به الشياطين وهم في ذلك يعملون له يخافون أن يخرج فيعاقبهم وكانت الشياطين تجتمع حول المحراب وكان المحراب له كوى بين يديه وخلفه فكان الشيطان الّذي يريد أن يخلع يقول الست جليدا ان دخلت فخرجت من ذلك الجانب فيدخل حتى يخرج من الجانب الأخر فدخل شيطان من أولئك فمر ولم يكن شيطان ينظر الى سليمان ﵇ وهو في المحراب الا احترق ولم يسمع صوت سليمان ثم رجع فلم يسمع ثم رجع فوقع في البيت ولم يحترق ونظر الى سليمان ﵇ قد سقط ميتا فخرج فأخبر الناس أن سليمان قد مات ففتحوا عنه فأخرجوه ووجدوا منسأته وهي العصا بلسان الحبشة قد أكلتها الارضة ولم يعلموا منذ كم مات فوضعوا الارضة على العصافا كلت منها يوما وليلة. ثم حسبوا على ذلك النحو فوجدوه قد مات منذ سنة وهي قراءة ابن مسعود فمكثوا يدأبون له من بعد موته حولا كاملا فأيقن الناس عند ذلك أن الجن كانوا يكذبون ولو أنهم علموا الغيب لعلموا بموت سليمان ولم يلبثوا في العذاب سنة يعملون له وذلك قول الله ﴿ما دَلَّهُمْ عَلى مَوْتِهِ إِلاّ دَابَّةُ الْأَرْضِ تَأْكُلُ مِنْسَأَتَهُ فَلَمّا خَرَّ تَبَيَّنَتِ الْجِنُّ أَنْ لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ الْغَيْبَ ما لَبِثُوا فِي الْعَذابِ الْمُهِينِ﴾ يقول تبين أمرهم للناس أنهم كانوا يكذبونهم ثم إن الشياطين قالوا للارضة لو كنت تأكلين الطعام لأتيناك بأطيب الطعام ولو كنت تشربين الشراب سقيناك أطيب الشراب ولكنا سننقل إليك الماء والطين قال فإنهم ينقلون اليها ذلك حيث كانت قال ألم تر الى الطين الّذي يكون في جوف الخشب فهو ما يأتيها به الشيطان تشكرا لها. وهذا فيه من الإسرائيلات التي لا تصدق ولا تكذب.
وقال أبو داود في كتاب القدر حدثنا عثمان بن أبى شيبة حدثنا قبيصة حدثنا سفيان عن الأعمش عن خيثمة قال قال سليمان بن داود ﵉ لملك الموت إذا أردت أن تقبض روحي فأعلمني قال ما أنا أعلم بذاك منك انما هي كتب يلقى الى فيها تسمية من يموت. وقال أصبغ بن الفرج وعبد الله بن وهب عن
стр. 370
عبد الرحمن بن زيد بن أسلم قال قال سليمان لملك الموت إذا أمرت بى فأعلمني فأتاه فقال يا سليمان قد أمرت بك قد بقيت لك سويعة فدعا الشياطين فبنوا عليه صرحا من قوارير ليس له باب فقام يصلى فاتكأ على عصاه قال فدخل عليه ملك الموت فقبض روحه وهو متوك على عصاه ولم يصنع ذلك فرارا من ملك الموت قال والجن تعمل بين يديه وينظرون اليه يحسبون أنه حي قال فبعث الله دابة الأرض يعنى الى منسأته فأكلتها حتى إذا أكلت جوف العصا ضعفت وثقل عليها فخر فلما رأت الجن ذلك انفضوا وذهبوا قال فذلك قوله ﴿ما دَلَّهُمْ عَلى مَوْتِهِ إِلاّ دَابَّةُ الْأَرْضِ تَأْكُلُ مِنْسَأَتَهُ فَلَمّا خَرَّ تَبَيَّنَتِ الْجِنُّ أَنْ لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ الْغَيْبَ ما لَبِثُوا فِي الْعَذابِ الْمُهِينِ﴾. قال أصبغ وبلغني عن غيره أنها مكثت سنة تأكل في منسأته حتى خر وقد روى نحو هذا عن جماعة من السلف وغيرهم والله أعلم.
قال إسحاق بن بشر عن محمد ابن إسحاق عن الزهري وغيره ان سليمان ﵇ عاش ثنتين وخمسين سنة وكان ملكه أربعين سنة وقال إسحاق أنبأنا أبو روق عن عكرمة عن ابن عباس أن ملكه كان عشرين سنة والله أعلم وقال ابن جرير فكان جميع عمر سليمان بن داود ﵉ نيفا وخمسين سنة وفي سنة اربع من ملكه ابتدأ ببناء بيت المقدس فيما ذكر ثم ملك بعده ابنه رحبعام مدة سبع عشرة سنة فيما ذكره ابن جرير وقال ثم تفرقت بعده مملكة بنى إسرائيل.
باب ذكر جماعة من أنبياء بنى إسرائيل ﵈ ممن لا يعلم وقت زمانهم على التعيين الا انهم بعد داود وسليمان ﵉ وقبل زكريا ويحيى ﵉
فمنهم شعيا بن امصيا
قال محمد بن إسحاق وكان قبل زكريا ويحيى وهو ممن بشر بعيسى ومحمد ﵉ وكان في زمانه ملك اسمه حزقيا على بنى إسرائيل ببلاد بيت المقدس وكان سامعا مطيعا لشعيا فيما يأمره به وينهاه عنه من المصالح وكانت الأجداث قد عظمت في بنى إسرائيل فمرض الملك وخرجت في رجله قرحة. وقصد بيت المقدس ملك بابل في ذلك الزمان وهو سنحاريب قال ابن إسحاق في ستمائة ألف راية وفزع الناس فزعا عظيما شديدا وقال الملك للنّبيّ شعيا ماذا أوحى الله إليك في أمر سنحاريب وجنوده فقال لم يوح الى فيهم شيء بعد. ثم نزل عليه الوحي بالأمر للملك حزقيا بان يوصى ويستخلف على ملكه من يشاء فإنه قد اقترب أجله فلما أخبره بذلك أقبل الملك على القبلة فصلى وسبح ودعا وبكى فقال وهو يبكى ويتضرع الى الله بقلب مخلص وتوكل وصبر (اللهمّ رب الأرباب وإله الآلهة يا رحمان
стр. 371
يا رحيم يا من لا تأخذه سنة ولا نوم اذكرني بعلمي وفعلى وحسن قضائي على بنى إسرائيل وذلك كله كان منك فأنت أعلم به من نفسي سرى واعلانى لك) قال فاستجاب الله له ورحمه واوحى الله الى شعيا أن يبشره بانه قد رحم بكاءه وقد اخر في أجله خمس عشر سنة وأنجاه من عدوه سنحاريب فلما قال له ذلك ذهب منه الوجع وانقطع عنه الشر والحزن وخر ساجدا وقال في سجوده (اللهمّ أنت الّذي تعطى الملك من تشاء وتنزعه ممن تشاء وتعز من تشاء وتذل من تشاء عالم الغيب والشهادة أنت الأول والآخر والظاهر والباطن وأنت ترحم وتستجيب دعوة المضطرين) فلما رفع رأسه أوحى الله الى شعيا أن يأمره أن يأخذ ماء التين فيجعله على قرحته فيشفى ويصبح قد برئ. ففعل ذلك فشفى وأرسل الله على جيش سنحاريب الموت فأصبحوا وقد هلكوا كلهم سوى سنحاريب وخمسة من أصحابه منهم نصر فأرسل ملك بنى إسرائيل فجاء بهم فجعلهم في الأغلال وطاف بهم في البلاد على وجه التنكيل بهم والإهانة لهم سبعين يوما ويطعم كل واحد منهم كل يوم رغيفين من شعير ثم أودعهم السجن واوحى الله تعالى الى شعيا أن يأمر الملك بإرسالهم الى بلادهم لينذروا قومهم ما قد حل بهم فلما رجعوا جمع سنحاريب قومه وأخبرهم بما قد كان من أمرهم فقال له السحرة والكهنة انا أخبرناك عن شأن ربهم وأنبيائهم فلم تطعنا وهي أمة لا يستطيعها أحد من ربهم فكان أمر سنحاريب مما خوفهم الله به. ثم مات سنحاريب بعد سبع سنين. قال ابن إسحاق ثم لما مات حزقيا ملك بنى إسرائيل مرح أمرهم واختلطت احداثهم وكثر شرهم فأوحى الله تعالى إلى شعيا فقام فيهم فوعظهم وذكرهم وأخبرهم عن الله بما هو اهله وانذرهم بأسه وعقابه ان خالفوه وكذبوه. فلما فرغ من مقالته عدوا عليه وطلبوه ليقتلوه فهرب منهم فمر بشجرة فانفلقت له فدخل فيها وأدركه الشيطان فاخذ بهدبة ثوبه فابرزها فلما رأوا ذلك جاءوا بالمنشار فوضعوه على الشجرة فنشروها ونشروه معها فانا لله وإنا اليه راجعون
ومنهم ارميا بن حلقيا من سبط لاوى بن يعقوب
وقد قيل إنه الخضر رواه الضحاك عن ابن عباس وهو غريب وليس بصحيح * قال ابن عساكر جاء في بعض الآثار أنه وقف على دم يحيى بن زكريا وهو يفور بدمشق فقال أيها الدم فتنت الناس فأسكن فسكن ورسب حتى غاب * وقال أبو بكر بن ابى الدنيا حدثني على بن أبى مريم عن احمد بن حباب عن عبد الله بن عبد الرحمن قال قال أرميا أي رب أي عبادك أحبّ إليك قال أكثرهم لي ذكرا الذين يشتغلون بذكري عن ذكر الخلائق. الذين لا تعرض لهم وسادس الفناء ولا يحدثون أنفسهم بالبقاء. الذين إذا عرض لهم عيش الدنيا قلوه وإذا زوى عنهم سروا بذلك. أولئك انحلهم محبتي وأعطيهم فوق غاياتهم.
стр. 372
ذكر خراب بيت المقدس
وقوله تعالى ﴿وَآتَيْنا مُوسَى الْكِتابَ وَجَعَلْناهُ هُدىً لِبَنِي إِسْرائِيلَ أَلاّ تَتَّخِذُوا مِنْ دُونِي وَكِيلاً * ذُرِّيَّةَ مَنْ حَمَلْنا مَعَ نُوحٍ إِنَّهُ كانَ عَبْداً شَكُوراً * وَقَضَيْنا إِلى بَنِي إِسْرائِيلَ فِي الْكِتابِ لَتُفْسِدُنَّ فِي الْأَرْضِ مَرَّتَيْنِ وَلَتَعْلُنَّ عُلُوًّا كَبِيراً * فَإِذا جاءَ وَعْدُ أُولاهُما بَعَثْنا عَلَيْكُمْ عِباداً لَنا أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ فَجاسُوا خِلالَ الدِّيارِ وَكانَ وَعْداً مَفْعُولاً * ثُمَّ رَدَدْنا لَكُمُ الْكَرَّةَ عَلَيْهِمْ وَأَمْدَدْناكُمْ بِأَمْوالٍ وَبَنِينَ وَجَعَلْناكُمْ أَكْثَرَ نَفِيراً﴾.
﴿* إِنْ أَحْسَنْتُمْ أَحْسَنْتُمْ لِأَنْفُسِكُمْ وَإِنْ أَسَأْتُمْ فَلَها فَإِذا جاءَ وَعْدُ الْآخِرَةِ لِيَسُوؤُا وُجُوهَكُمْ وَلِيَدْخُلُوا الْمَسْجِدَ كَما دَخَلُوهُ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَلِيُتَبِّرُوا ما عَلَوْا تَتْبِيراً * عَسى رَبُّكُمْ أَنْ يَرْحَمَكُمْ وَإِنْ عُدْتُمْ عُدْنا وَجَعَلْنا جَهَنَّمَ لِلْكافِرِينَ حَصِيراً﴾ وقال وهب بن منبه أوحى الله الى نبي من أنبياء بنى إسرائيل يقال له أرميا حين ظهرت فيهم المعاصي أن قم بين ظهراني قومك فأخبرهم أن لهم قلوبا ولا يفقهون وأعينا ولا يبصرون وآذانا ولا يسمعون وانى تذكرت صلاح آبائهم فعطفني ذلك على أبنائهم فسلهم كيف وجدوا غب طاعتي وهل سعد أحد ممن عصاني بمعصيتي وهل شقي أحد ممن أطاعنى بطاعتي إن الدواب تذكر أوطانها فتنزع اليها وان هؤلاء القوم تركوا الأمر الّذي أكرمت عليه آباءهم والتمسوا الكرامة من غير وجهها أما أحبارهم فأنكروا حقي وأما قراؤهم فعبدوا غيري وأما نساكهم فلم ينتفعوا بما علموا وأما ولاتهم فكذبوا على وعلى رسلي. خزنوا المكر في قلوبهم وعودوا الكذب ألسنتهم. وإني أقسم بجلالي وعزتي لاهيجن عليهم جيولا لا يفقهون ألسنتهم ولا يعرفون وجوههم ولا يرحمون بكاءهم ولأبعثن فيهم ملكا جبارا قاسيا له عساكر كقطع السحاب ومواكب كأمثال الفجاج كان خفقان راياته طيران النسور وكان حمل فرسانه كر العقبان يعيدون العمران خرابا ويتركون القرى وحشة فيا ويل إيليا وسكانها كيف أذللهم للقتل وأسلط عليهم السبا وأعيد بعد لجب الأعراس صراخا وبعد صهيل الخيل عواء الذئاب وبعد شرافات القصور مساكن السباع وبعد ضوء السرج وهج العجاج وبالعز ذلا وبالنعمة العبوديّة وأبدلن نساءهم بعد الطيب التراب. وبالمشي على الزرابي الخبب ولأجعلن أجسادهم زبلا للأرض وعظامهن ضاحية للشمس ولأدوسنهم بألوان العذاب ثم لآمرن السماء فتكون طبقا من حديد والأرض سبيكة من نحاس فان أمطرت لم تنبت الأرض وان أنبتت شيئا في خلال ذلك فبرحمتي للبهائم. ثم أحبسه في زمان الزرع وأرسله في زمان الحصاد فان زرعوا في خلال ذلك شيئا سلطت عليه الآفة فان خلص منه شيء نزعت منه البركة فان دعوني لم أجبهم وان سألوا لم أعطهم وان بكوا لم أرحمهم وان تضرعوا صرفت وجهي عنهم. رواه ابن عساكر بهذا اللفظ.
وقال إسحاق بن بشر أنبأنا إدريس عن وهب بن منبه قال ان الله تعالى لما بعث أرميا الى بنى إسرائيل وذلك حين عظمت الاحداث فيهم فعملوا بالمعاصي وقتلوا الأنبياء طمع نصر فيهم وقذف
стр. 373
الله في قلبه وحدث نفسه بالمسير اليهم لما أراد الله أن ينتقم به منهم فأوحى الله الى أرميا إني مهلك بنى إسرائيل ومنتقم منهم فقم على صخرة بيت المقدس يأتيك أمرى ووحيي فقام أرميا فشق ثيابة وجعل الرماد على رأسه وخر ساجدا وقال يا رب وددت أمى لم تلدني حين جعلتني آخر أنبياء بنى إسرائيل فيكون خراب بيت المقدس وبوار بنى إسرائيل من أجلى فقال له ارفع رأسك فرفع رأسه فبكى ثم قال يا رب من تسلط عليهم فقال عبدة النيران لا يخافون عقابي ولا يرجون ثوابي قم يا أرميا فاستمع وحيي أخبرك خبرك وخبر بنى إسرائيل. من قيل أن أخلقك اخترتك. ومن قبل أن أصورك في رحم أمك قدستك ومن قبل أن أخرجك من بطن أمك طهرتك ومن قبل أن تبلغ نبأتك ومن قبل أن تبلغ الأشد اخترتك ولأمر عظيم اجتبيتك فقم مع الملك تسدده وترشده فكان مع الملك يسدده ويأتيه الوحي من الله حتى عظمت الاحداث ونسوا ما نجاهم الله به من عدوهم سنحاريب وجنوده فأوحى الله الى أرميا قم فاقصص عليهم ما آمرك به وذكرهم نعمتي عليهم وعرفهم أحداثهم فقال أرميا (يا رب انى ضعيف إن لم تقونى عاجز إن لم تبلغني مخطئ إن لم تسددني مخذول إن لم تنصرني ذليل إن لم تعزني) فقال الله تعالى (أو لم تعلم أن الأمور كلها تصدر عن مشيئتى وأن الخلق والأمر كله لي وأن القلوب والألسنة كلها بيدي فاقلبها كيف شئت فتطيعني فانا الله الّذي ليس شيء مثلي. قامت السموات والأرض وما فيهن بكلمتي. وانه لا يخلص التوحيد ولم تتم القدرة إلا لي ولا يعلم ما عندي غيري وأنا الّذي كلمت البحار ففهمت قولي وأمرتها ففعلت أمرى وحددت عليها حدودا فلا تعدو حدى وتأتي بأمواج كالجبال فإذا بلغت حدى ألبستها مذلة لطاعتي وخوفا واعترافا لأمرى وانى معك ولن يصل إليك شيء معى وانى بعثتك الى خلق عظيم من خلقي لتبلغهم رسالاتي فتستوجب لذلك أجر من اتبعك ولا ينقص ذلك من أجورهم شيئا انطلق الى قومك فقم فيهم وقل لهم ان الله قد ذكركم بصلاح آبائكم فلذلك استبقاكم يا معشر أبناء الأنبياء وكيف وجد آباؤكم مغبة طاعتي وكيف وجدتم مغبة معصيتي وهل وجدوا أحدا عصاني فبعد بمعصيتي وهل علموا أحدا أطاعنى فشقي بطاعتي ان الدواب إذا ذكرت أوطانها الصالحة نزعت اليها وان هؤلاء القوم رتعوا في مروج الهلكة وتركوا الأمر الّذي به أكرمت آباءهم وابتغوا الكرامة من غير وجهها * أما أحبارهم ورهبانهم فاتخذوا عبادي خولا يتعبدونهم ويعملون فيهم بغير كتابي حتى أجهلوهم أمري وأنسوهم ذكرى وسنتي وعزوهم عنى فدان لهم عبادي بالطاعة التي لا تنبغي الألى فهم يطيعونهم في معصيتي * وأما ملوكهم وأمراؤهم فبطروا نعمتي وآمنوا مكري وغرتهم الدنيا حتى نبذوا كتابي ونسوا عهدي فهم يحرفون كتابي ويفترون على رسلي جرأة منهم على وغرة بى فسبحان جلالي وعلو مكاني وعظمة شأنى هل ينبغي أن يكون لي شريك في ملكي وهل ينبغي لبشر أن يطاع في معصيتي وهل ينبغي لي
стр. 374
أن أخلق عبادا أجعلهم أربابا من دوني أو آذن لأحد بالطاعة لأحد وهي لا تنبغي إلا لي * وأما قراؤهم وفقهاؤهم فيدرسون ما يتخيرون فينقادون للملوك فيتابعونهم على البدع التي يبتدعون في ديني ويطيعونهم في معصيتي ويوفون لهم بالعهود الناقضة لعهدي فهم جهلة بما يعلمون لا ينتفعون بشيء مما علموا من كتابي * وأما أولاد النبيين فمقهورون ومفتونون يخوضون مع الخائضين يتمنون مثل نصرى آباءهم والكرامة التي أكرمتهم بها ويزعمون أنه لا أحد أولى بذلك منهم بغير صدق منهم ولا تفكر ولا يذكرون كيف كان صبر آبائهم وكيف كان جهدهم في أمرى حين اغتر المغترون وكيف بذلوا أنفسهم ودماءهم فصبروا وصدقوا حتى عز أمرى وظهر ديني فتأنيت هؤلاء القوم لعلهم يستحيون منى ويرجعون فتطولت عليهم وصفحت عنهم فأكثرت ومددت لهم في العمر وأعذرت لهم لعلهم يتذكرون * وكل ذلك أمطر عليهم السماء وأنبت لهم الأرض وألبسهم العافية وأظهرهم على العدو ولا يزدادون الا طغيانا وبعدا منى فحتى متى هذا. أبى يسخرون أم بى يتحرشون أم إياي يخادعون أم على يجترئون فانى أقسم بعزتي لأتيحن عليهم فتنة يتحير فيها الحكيم ويضل فيها رأى ذوى الرأى وحكمة الحكيم ثم لأسلطن عليهم جبارا قاسيا عاتبا ألبسه الهيبة وأنزع من قلبه الرأفة والرحمة وآليت أن يتبعه عدد وسواد مثل الليل المظلم. له فيه عساكر مثل قطع السحاب ومواكب مثل العجاج وكأن حفيف راياته طيران النسور وحمل فرسانه كسرب العقبان يعيدون العمران خرابا والقرى وحشا ويعثون في الأرض فسادا ويتبرون ما علوا تتبيرا قاسية قلوبهم لا يكترثون ولا يرقبون ولا يرحمون ولا يبصرون ولا يسمعون يجولون في الأسواق بأصوات مرتفعة مثل زئير الأسد تقشعر من هيبتها الجلود وتطيش من سمعها الأحلام بالسنة لا يفقهونها ووجوه ظاهر عليها المنكر لا يعرفونها. فو عزّتي لاعطلن بيوتهم من كتبي وقدسي ولاخلين مجالسهم من حديثها ودروسها ولأوحشن مساجدهم من عمارها وزوارها الذين كانوا يتزينون بعمارتها لغيري ويتهجدون فيها ويتعبدون لكسب الدنيا بالدين ويتفقهون فيها لغير الدين ويتعلمون فيها لغير العمل لأبدلن ملوكها بالعز الذل وبالأمن الخوف وبالغنى الفقر وبالنعمة الجوع وبطول العافية والرخاء أنواع البلاء وبلباس الديباج والحرير مدارع الوبر والعباء وبالأرواح الطيبة والادهان جيف القتل وبلباس التيجان أطواق الحديد والسلاسل والأغلال. ثم لأعيدن فيهم بعد القصور الواسعة والحصون الحصينة الخراب وبعد البروج المشيدة مساكن السباع وبعد صهيل الخيل عواء الذئاب وبعد ضوء السراج دخان الحريق وبعد الانس الوحشة والقفار * ثم لأبدلن نساءها بالاسورة الأغلال وبقلائد الدر والياقوت سلاسل الحديد وبألوان الطيب والادهان النقع والغبار وبالمشي على الزرابي عبور الأسواق والأنهار والخبب الى الليل في بطون الأسواق وبالخدور والستور الحسور عن الوجوه والسوق والاسفار
стр. 375
والأرواح السموم. ثم لادوسنهم بأنواع العذاب حتى لو كان الكائن منهم في حالق لوصل ذلك اليه انى إنما أكرم من أكرمنى وانما أهين من هان عليه أمرى. ثم لآمرن السماء خلال ذلك فلتكونن عليهم طبقا من حديد ولآمرن الأرض فلتكونن سبيكة من نحاس فلا سماء تمطر ولا أرض تنبت. فان أمطرت خلال ذلك شيئا سلطت عليهم الآفة فان خلص منه شيء نزعت منه البركة وان دعوني لم أجبهم وان سألوني لم أعطهم وان بكوا لم أرحمهم وان تضرعوا الى صرفت وجهي عنهم. وان قالوا اللهم أنت الّذي ابتدأتنا وآباءنا من قبلنا برحمتك وكرامتك وذلك بأنك اخترتنا لنفسك وجعلت فينا نبوتك وكتابك ومساجدك ثم مكنت لنا في البلاد واستخلفتنا فيها وربيتنا وآباءنا من قبلنا بنعمتك صغارا وحفظتنا وإياهم برحمتك كبارا فأنت أو في المنعمين وان غيرنا. ولا تبدل. وان بدلنا وان تتم فضلك ومنك وطولك وإحسانك فان قالوا ذلك قلت لهم إني ابتدئ عبادي برحمتي ونعمتي * فان قبلوا أتممت وان استزادوا زدت وان شكروا ضاعفت وان غيروا غيرت وإذا غيروا غضبت * وإذا غضبت عذبت وليس يقوم شيء بغضبي.
قال كعب فقال أرميا برحمتك أصبحت أتعلم بين يديك وهل ينبغي ذلك لي وأنا أذل وأضعف من أن ينبغي لي أن أتكلم بين يديك ولكن برحمتك أبقيتنى لهذا اليوم وليس أحد أحق أن يخاف هذا العذاب وهذا الوعيد منى بما رضيت به منى طولا والاقامة في دار الخاطئين وهم يعصونك حولي بغير نكر ولا تغيير منى فان تعذبني فبذنبي وان ترحمني فذلك ظني بك * ثم قال يا رب سبحانك وبحمدك وتباركت ربنا وتعاليت أتهلك هذه القرية وما حولها وهي مساكن أنبيائك ومنزل وحيك يا رب سبحانك وبحمدك وتباركت ربنا وتعاليت لمخرب هذا المسجد وما حوله من المساجد ومن البيوت التي رفعت لذكرك يا رب سبحانك وبحمدك وتباركت وتعاليت لمقتل هذه الأمة وعذابك إياهم وهم من ولد إبراهيم خليلك وأمة موسى نجيك وقوم داود صفيك يا رب أي القرى تأمن عقوبتك بعد وأي العباد يأمنون سطوتك بعد ولد خليلك إبراهيم وأمة نجيك موسى وقوم خليفتك داود تسلط عليهم عبدة النيران قال الله تعالى يا أرميا من عصاني فلا يستنكر نقمتي فانى انما أكرمت هؤلاء القوم على طاعتي ولو أنهم عصوني لأنزلنهم دار العاصين الا أن أتداركهم برحمتي.
قال أرميا يا رب اتخذت إبراهيم خليلا وحفظتنا به. وموسى قربته نجيا فنسألك أن تحفظنا ولا تتخطفنا ولا تسلط علينا عدونا فأوحى الله اليه (يا أرميا إني قدستك في بطن أمك وأخرتك الى هذا اليوم فلو أن قومك حفظوا اليتامى والأرامل والمساكين وابن السبيل لمكنت الداعم لهم وكانوا عندي بمنزلة جنة ناعم شجرها طاهر ماؤها ولا يغور ماؤها ولا تبور ثمارها ولا تنقطع ولكن سأشكو إليك بنى إسرائيل إني كنت لهم بمنزلة الداعي الشفيق أجنبهم كل قحط وكل عسرة واتبع بهم الخصب حتى صاروا كباشا ينطح
стр. 376
بعضها بعضا فيا ويلهم ثم يا ويلهم انما أكرم من أكرمنى وأهين من هان عليه أمري ان من كان قبل هؤلاء القوم من القرون يستخفون بمعصيتي وان هؤلاء القوم يتبرعون بمعصيتي تبرعا فيظهرونها في المساجد والأسواق وعلى رءوس الجبال وظلال الأشجار حتى عجت السماء الى منهم وعجت الأرض والجبال ونفرت منها الوحوش بأطراف الأرض وأقاصيها وفي كل ذلك لا ينتهون ولا ينتفعون بما علموا من الكتاب).
قال فلما بلغهم أرميا رسالة ربهم وسمعوا ما فيها من الوعيد والعذاب عصوه وكذبوه وأتهموه وقالوا (كذبت وأعظمت على الله الفرية فتزعم أن الله معطل أرضه ومساجده من كتابه وعبادته وتوحيده فمن يعبده حين لا يبقى له في الأرض عابد ولا مسجد ولا كتاب لقد أعظمت الفرية على الله واعتراك الجنون) فأخذوه وقيدوه وسجنوه فعند ذلك بعث الله عليهم نصر فاقبل يسير بجنوده حتى نزل بساحتهم ثم حاصرهم فكان كما قال تعالى ﴿فَجاسُوا خِلالَ الدِّيارِ﴾ قال فلما طال بهم الحصر نزلوا على حكمه ففتحوا الأبواب وتخللوا الازقة وذلك قوله ﴿فَجاسُوا خِلالَ الدِّيارِ﴾ وحكم فيهم حكم الجاهلية وبطش الجبارين فقتل منهم الثلث وسبى الثلث وترك الزمنى والشيوخ والعجائز ثم وطئهم بالخيل وهدم بيت المقدس وساق الضبيان وأوقف النساء في الأسواق حاسرات وقتل المقاتلة وخرب الحصون وهدم المساجد وحرق التوراة وسأل عن دانيال الّذي كان قد كتب له الكتاب فوجدوه قد مات وأخرج أهل بيته الكتاب اليه وكان فيهم دانيال بن حزقيل الأصغر وميشائيل وعزرائيل وميخائيل فأمضى لهم ذلك الكتاب وكان دانيال بن حزقيل خلفا من دانيال الأكبر ودخل نصر بجنوده بيت المقدس ووطئ الشام كلها وقتل بنى إسرائيل حتى أفناهم * فلما فرغ منها انصرف راجعا وحمل الأموال التي كانت بها وساق السبايا فبلغ معه عدة صبيانهم من أبناء الأحبار والملوك تسعين ألف غلام وقذف الكناسات في بيت المقدس وذبح فيه الخنازير وكان الغلمان سبعة آلاف غلام من بيت داود وأحد عشر الفا من سبط يوسف بن يعقوب وأخيه بنيامين وثمانية آلاف من سبط ايشى بن يعقوب وأربعة عشر الفا من سبط زبالون ونفتالى ابني يعقوب وأربعة عشر الفا من سبط دان بن يعقوب وثمانية آلاف من سبط يستأخر بن يعقوب والفين من سبط زبالون بن يعقوب وأربعة آلاف من سبط روبيل ولاوى واثنى عشر الفا من سائر بنى إسرائيل وانطلق حتى قدم أرض بابل.
قال إسحاق بن بشر قال وهب بن منبه فلما فعل ما فعل قيل له كان لهم صاحب يحذرهم ما أصابهم ويصفك وخبرك لهم ويخبرهم أنك تقتل مقاتلتهم وتسبى ذراريهم وتهدم مساجدهم وتحرق كنائسهم فكذبوه واتهموه وضربوه وقيدوه وحبسوه فأمر نصر فاخرج أرميا من السجن فقال له أكنت تحذر هؤلاء القوم ما أصابهم قال نعم قال فانى علمت ذلك قال أرسلنى الله اليهم فكذبوني قال كذبوك وضربوك وسجنوك قال نعم قال (بئس القوم قوم كذبوا نبيهم وكذبوا رسالة ربهم فهل لك أن تلحق
стр. 377
بى فأكرمك وأواسيك وان أحببت أن تقيم في بلادك فقد أمنتك) قال له أرميا إني لم أزل في أمان الله منذ كنت لم أخرج منه ساعة قط ولو أن بنى إسرائيل لم يخرجوا منه لم يخافوك ولا غيرك ولم يكن لك عليهم سلطان فلما سمع بخت نصّر هذا القول منه تركه فأقام أرميا مكانه بأرض إيليا. وهذا سياق غريب. وفيه حكم ومواعظ وأشياء مليحة وفيه من جهة التعريب غرابة.
وقال هشام بن محمد بن السائب الكلبي كان نصر أصفهبذا لما بين الأهواز الى الروم للملك على الفرس وهو لهراسب وكان قد بنى مدينة بلخ التي تلقب بالخنساء وقاتل الترك والجأهم الى أضيق الأماكن وبعث نصر لقتال بنى إسرائيل بالشام فلما قدم الشام صالحه أهل دمشق وقد قيل إن الّذي بعث بخت نصّر إنما هو بهمن ملك الفرس بعد بشتاسب بن لهراسب وذلك لتعدى بنى إسرائيل على رسله اليهم. وقد روى ابن جرير عن يونس بن عبد الأعلى عن بن وهب عن سليمان بن بلال عن يحيى بن سعيد الأنصاري عن سعيد بن المسيب أن نصر لما قدم دمشق وجد بها دما يغلي على كبا يعنى القمامة فسألهم ما هذا الدم فقالوا أدركنا آباءنا على هذا وكلما ظهر عليه الكبا ظهر قال فقتل على ذلك سبعين الفا من المسلمين وغيرهم فسكن. وهذا إسناد صحيح الى سعيد بن المسيب وقد تقدم من كلام الحافظ بن عساكر ما يدل على أن هذا دم يحيى بن زكريا وهذا لا يصح لأن يحيى بن زكريا بعد نصر بمدة والظاهر أن هذا دم نبي متقدم أو دم لبعض الصالحين أو لمن شاء الله ممن الله أعلم به.
قال هشام بن الكلبي ثم قدم نصر بيت المقدس فصالحه ملكها وكان من آل داود وصانعه عن بنى إسرائيل وأخذ منه نصر رهائن ورجع. فلما بلغ طبرية بلغه أن بنى إسرائيل ثاروا على ملكهم فقتلوه لأجل أنه صالحه فضرب رقاب من معه من الرهائن ورجع اليهم فاخذ المدينة عنوة. وقتل المقاتلة وسبى الذرية. قال وبلغنا أنه وجد في السجن أرميا النبي فأخرجه وقص عليه ما كان من أمره إياهم وتحذيره لهم عن ذلك فكذبوه وسجنوه فقال نصر بئس القوم قوم عصوا رسول الله وخلى سبيله وأحسن اليه واجتمع اليه من بقي من ضعفاء بنى إسرائيل فقالوا إنا قد أسأنا وظلمنا ونحن نتوب الى الله مما صنعنا فادع الله أن يقبل توبتنا فدعا ربه فأوحى الله اليه أنه غير فاعل فان كانوا صادقين فليقيموا معك بهذه البلدة فأخبرهم ما أمره الله تعالى به فقالوا كيف نقيم بهذه البلدة وقد خربت وغضب الله على أهلها فأبوا ان يقيموا.
قال ابن الكلبي ومن ذلك الزمان تفرقت بنو إسرائيل في البلاد فنزلت طائفة منهم الحجاز وطائفة يثرب وطائفة وادي القرى وذهبت شرذمة منهم الى مصر فكتب نصر الى ملكها يطلب منه من شرد منهم اليه فأبى عليه فركب في جيشه فقاتله وقهره وغلبه وسبى ذراريهم. ثم ركب الى بلاد المغرب حتى بلغ أقصى تلك الناحية. قال ثم انصرف بسبي كثير من أرض المغرب ومصر وأهل بيت
стр. 378
المقدس وأرض فلسطين والأردن وفي السبي دانيال * قلت والظاهر أنه دانيال بن حزقيل الأصغر لا الأكبر على ما ذكره وهب بن منبه والله أعلم *
ذكر شيء من خبر دانيال ﵇
قال ابن أبى الدنيا حدثنا احمد بن عبد الأعلى الشيباني قال إن لم أكن سمعته من شعيب بن صفوان فحدثني بعض أصحابنا عنه عن الأجلح الكندي عن عبد الله بن أبى الهذيل قال ضرا نصر أسدين فالقاهما في جب وجاء بدانيال فألقاه عليهما فلم يهيجاه فمكث ما شاء الله ثم اشتهى ما يشتهي الآدميون من الطعام والشراب فأوحى الله الى أرميا وهو بالشام أن اعدد طعاما وشرابا لدانيال فقال يا رب أنا بالأرض المقدسة ودانيال بأرض بابل من أرض العراق فأوحى الله اليه أن أعدد ما أمرناك به فانا سنرسل من يحملك ويحمل ما أعددت ففعل وأرسل اليه من حمله وحمل ما أعده حتى وقف على رأس الجب فقال دانيال من هذا قال أنا أرميا فقال ما جاء بك فقال أرسلنى إليك ربك. قال وقد ذكرني ربى قال نعم فقال دانيال الحمد لله الّذي لا ينسى من ذكره. والحمد لله الّذي يجيب من رجاه. والحمد لله الّذي من وثق به لم يكله الى غيره. والحمد لله الّذي يجزى بالإحسان إحسانا. والحمد لله الّذي يجزى بالصبر نجاة. والحمد لله الّذي هو يكشف ضرنا بعد كربنا. والحمد لله الّذي يقينا حين يسوء ظننا بأعمالنا والحمد لله الّذي هو رجاؤنا حين ينقطع الحيل عنا وقال يونس بن بكير عن محمد بن إسحاق عن أبى خلد بن دينار حدثنا أبو العالية قال لما افتتحنا تستر وجدنا في مال بيت الهرمزان سريرا عليه رجل ميت عند رأسه مصحف فأخذنا المصحف فحملناه الى عمر بن الخطاب فدعا له كعبا فنسخه بالعربية. فانا أول رجل من العرب قرأه قرأته مثل ما أقرأ القرآن هذا فقلت لأبى العالية ما كان فيه قال سيركم وأموركم ولحون كلامكم وما هو كائن بعد قلت فما صنعتم بالرجل قال حفرنا بالنهار ثلاثة عشر قبرا متفرقة فلما كان بالليل دفناه وسوينا القبور كلها لنعميه على الناس فلا ينبشونه. قلت فما يرجون منه قال كانت السماء إذا حبست عنهم برزوا بسريره فيمطرون قلت من كنتم تظنون الرجل قال رجل يقال له دانيال قلت منذ كم وجدتموه قد مات قال منذ ثلاثمائة سنة قلت ما تغير منه شيء قال لا إلا شعرات من قفاه إن لحوم الأنبياء لا تبليها الأرض ولا تأكلها السباع. وهذا اسناد صحيح الى أبى العالية ولكن إن كان تاريخ وفاته محفوظا من ثلاثمائة سنة فليس بنبي بل هو رجل صالح لأن عيسى بن مريم ليس بينه وبين رسول الله ﷺ نبي بنص الحديث الّذي في البخاري والفترة التي كانت بينهما أربعمائة سنة * وقيل ستمائة وقيل ستمائة وعشرون سنة وقد يكون تاريخ وفاته من ثمانمائة سنة وهو قريب من وقت دانيال إن كان كونه دانيال هو المطابق لما في نفس الأمر فإنه قد يكون رجلا آخر
стр. 379
إما من الأنبياء أو الصالحين ولكن قربت الظنون أنه دانيال لأن دانيال كان قد أخذه ملك الفرس فأقام عنده مسجونا كما تقدم. وقد روى باسناد صحيح الى أبى العالية أن طول انفه شبر. وعن أنس ابن مالك باسناد جيد أن طول انفه ذراع فيحتمل على هذا أن يكون رجلا من الأنبياء الأقدمين قبل هذه المدد والله أعلم.
وقد
قال أبو بكر بن أبى الدنيا في كتاب احكام القبور حدثنا أبو بلال محمد بن الحارث بن عبد الله ابن أبى بردة بن أبى موسى الأشعري حدثنا أبو محمد القاسم بن عبد الله عن ابى الأشعث الأحمري قال قال رسول الله ﷺ ان دانيال دعا ربه ان يدفنه امة محمد فلما افتتح أبو موسى الأشعري تستر وجده في تابوت تضرب عروقه ووريده وقد
كان رسول الله ﷺ قال من دل على دانيال فبشروه بالجنة فكان الّذي دل عليه رجل يقال له حرقوص فكتب أبو موسى الى عمر بخبره فكتب اليه عمر أن أدفنه وابعث الى حرقوص فان النبي ﷺ بشره بالجنة وهذا مرسل من هذا الوجه وفي كونه محفوظا نظر والله اعلم.
ثم قال ابن ابى الدنيا حدثنا أبو بلال حدثنا قاسم بن عبد الله عن عنبسة بن سعيد وكان عالما قال وجد أبو موسى مع دانيال مصحفا وجرة فيها ودك ودراهم وخاتمه فكتب أبو موسى بذلك الى عمر فكتب اليه عمر أما المصحف فابعث به إلينا وأما الودك فابعث إلينا منه ومر من قبلك من المسلمين يستشفون به واقسم الدراهم بينهم وأما الخاتم فقد نفلناكه * وروى عن ابن ابى الدنيا من غير وجه ان أبا موسى لما وجده وذكروا له انه دانيال التزمه وعانقه وقبله. وكتب الى عمر يذكر له امره وانه وجد عنده مالا موضوعا قريبا من عشرة آلاف درهم وكان من جاء اقترض منها فان ردها والا مرض وان عنده ربعة فامر عمر بان يغسل بماء وسدر ويكفن ويدفن ويخفى قبره فلا يعلم به أحد وامر بالمال أن يرد الى بيت المال وبالربعة فتحمل اليه ونفله خاتمه. وروى عن أبى موسى انه أمر اربعة من الاسراء فسكروا نهرا وحفروا في وسطه قبرا فدفنه فيه ثم قدم الأربعة الاسراء فضرب أعناقهم فلم يعلم موضع قبره غير أبى موسى الأشعري ﵁ * وقال ابن ابى الدنيا حدثني إبراهيم بن عبد الله حدثنا احمد بن عمرو بن السرح حدثنا ابن وهب عن عبد الرحمن بن ابى الزناد عن أبيه قال رأيت في يد ابن بردة بن ابى موسى الأشعري خاتما نقش فصه أسدان بينهما رجل يلحسان ذلك الرجل قال ابو بردة هذا خاتم ذلك الرجل الميت الّذي زعم أهل هذه البلدة أنه دانيال اخذه أبو موسى يوم دفنه. قال أبو بردة فسأل أبو موسى علماء تلك القرية عن نقش ذلك الخاتم فقالوا ان الملك الّذي كان دانيال في سلطانه جاءه المنجمون وأصحاب العلم فقالوا له انه يولد ليلة كذا وكذا غلام يعور ملكك ويفسده فقال الملك والله لا يبقى تلك الليلة غلام الا قتلته الا أنهم أخذوا دانيال فالقوه في اجمة الأسد فبات
стр. 380
الأسد ولبوته يلحسانه ولم يضراه فجاءت أمه فوجدتهما يلحسانه فنجاه الله بذلك حتى بلغ ما بلغ قال أبو بردة قال أبو موسى قال علماء تلك القرية فنقش دانيال صورته وصورة الاسدين يلحسانه في فص خاتمه لئلا ينسى نعمة الله عليه في ذلك. اسناد حسن.
وهذا ذكر عمارة بيت المقدس بعد خرابها واجتماع الملأ من بنى إسرائيل بعد تفرقهم في بقاع الأرض وشعابها
قال الله تعالى في كتابه المبين وهو أصدق القائلين ﴿أَوْ كَالَّذِي مَرَّ عَلى قَرْيَةٍ وَهِيَ خاوِيَةٌ عَلى عُرُوشِها. قالَ أَنّى يُحْيِي هذِهِ اللهُ بَعْدَ مَوْتِها فَأَماتَهُ اللهُ مِائَةَ عامٍ ثُمَّ بَعَثَهُ قالَ كَمْ لَبِثْتَ قالَ لَبِثْتُ يَوْماً أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ قالَ بَلْ لَبِثْتَ مِائَةَ عامٍ فَانْظُرْ إِلى طَعامِكَ وَشَرابِكَ لَمْ يَتَسَنَّهْ وَاُنْظُرْ إِلى حِمارِكَ وَلِنَجْعَلَكَ آيَةً لِلنّاسِ وَاُنْظُرْ إِلَى الْعِظامِ كَيْفَ نُنْشِزُها ثُمَّ نَكْسُوها لَحْماً فَلَمّا تَبَيَّنَ لَهُ قالَ أَعْلَمُ أَنَّ اللهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ قال هشام بن الكلبي ثم أوحى الله تعالى الى ارميا ﵇ فيما بلغني انى عامر بيت المقدس فاخرج اليها فانزلها فخرج حتى قدمها وهي خراب فقال في نفسه سبحان الله أمرنى الله أن أنزل هذه البلدة وأخبرني انه عامرها فمتى يعمرها ومتى يحييها الله بعد موتها ثم وضع رأسه فنام ومعه حماره وسلة من طعام فمكث في نومه سبعين سنة حتى هلك نصر والملك الّذي فوقه وهو لهراسب وكان ملكه مائة وعشرين سنة وقام بعده ولده بشتاسب بن لهراسب وكان موت بخت نصّر في دولته فبلغه عن بلاد الشام انها خراب وان السباع قد كثرت في ارض فلسطين فلم يبق بها من الانس أحد فنادى في ارض بابل في بنى إسرائيل ان من شاء ان يرجع الى الشام فليرجع وملك عليهم رجلا من آل داود وامره ان يعمر بيت المقدس ويبنى مسجدها فرجعوا فعمروها وفتح الله لأرميا عينيه فنظر الى المدينة كيف تبنى وكيف تعمر ومكث في نومه ذلك حتى تمت له مائة سنة ثم بعثه الله وهو لا يظن انه نام أكثر من ساعة وقد عهد المدينة خرابا فلما نظر اليها عامرة آهلة قال أعلم أن الله على كل شيء قدير. قال فأقام بنو إسرائيل بها ورد الله عليهم أمرهم فمكثوا كذلك حتى غلبت عليهم الروم في زمن ملوك الطوائف. ثم لم يكن لهم جماعة ولا سلطان يعنى بعد ظهور النصارى عليهم. هكذا حكاه ابن جرير في تاريخه عنه. وذكر ابن جرير ان لهراسب كان ملكا عادلا سائسا لمملكته قد دانت له العباد والبلاد والملوك والقواد وانه كان ذا رأى جيد في عمارة الأمصار والأنهار والمعاقل. ثم لما ضعف عن تدبير المملكة بعد مائة سنة ونيف نزل عن الملك لولده بشتاسب فكان في زمانه ظهور دين المجوسية (١) وذلك ان رجلا كان اسمه زردشت
стр. 381
كان قد صحب ارميا ﵇ فأغضبه فدعا عليه ارميا فبرص زردشت فذهب فلحق بأرض آذربيجان وصحب بشتاسب فلقنه دين المجوسية الّذي اخترعه من تلقاء نفسه فقبله منه بشتاسب وحمل الناس عليه وقهرهم وقتل منهم خلقا كثيرا ممن أباه منهم * ثم كان بعد بشتاسب بهمن بن بشتاسب وهو من ملوك الفرس المشهورين والابطال المذكورين وقد ناب بخت نصّر لكل واحد من هؤلاء الثلاثة وعمر دهرا طويلا قبحه الله * والمقصود ان هذا الّذي ذكره ابن جرير من أن هذا المار على هذه القرية هو ارميا ﵇ * قال وهب بن منبه وعبد الله بن عبيد بن عمير وغيرهما وهو قوى من حيث السباق المتقدم وقد روى عن على وعبد الله بن سلام وابن عباس والحسن وقتادة والسدي وسليمان ابن بريدة وغيرهم أنه عزير. وهذا أشهر عند كثير من السلف والخلف والله أعلم.
وهذه قصة العزير
قال الحافظ أبو القاسم بن عساكر هو عزير بن جروة ويقال بن سوريق بن عديا بن أيوب بن درزنا بن عرى بن تقى بن أسبوع بن فنحاص بن العازر بن هارون بن عمران * ويقال عزير بن سروخا جاء في بعض الآثار ان قبره بدمشق. ثم ساق من طريق أبى القاسم البغوي عن داود بن عمرو عن حبان بن على عن محمد بن كريب عن أبيه عن ابن عباس مرفوعا لا أدرى العين بيع أم لا ولا أدرى أكان عزير نبيا أم لا ثم رواه من حديث مؤمل بن الحسن عن محمد بن إسحاق السجزى عن عبد الرزاق عن معمر عن ابن أبى ذؤيب عن سعيد المقبري عن أبى هريرة مرفوعا نحوه. ثم روى من طريق إسحاق بن بشر وهو متروك عن جويبر ومقاتل عن الضحاك عن ابن عباس ان عزيرا كان ممن سباه نصر وهو غلام حدث فلما بلغ أربعين سنة أعطاه الله الحكمة قال ولم يكن أحد أحفظ ولا أعلم بالتوراة منه قال وكان يذكر مع الأنبياء حتى محى الله اسمه من ذلك حين سأل ربه عن القدر وهذا ضعيف
стр. 382
ومنقطع ومنكر والله أعلم.
وقال إسحاق بن بشر عن سعيد عن أبى عروبة عن قتادة عن الحسن عن عبد الله بن سلام ان عزيرا هو العبد الّذي أماته الله مائة عام ثم بعثه. وقال إسحاق بن بشر انبأنا سعيد بن بشير عن قتادة عن كعب وسعيد بن ابى عروبة عن قتادة عن الحسن ومقاتل وجويبر عن الضحاك عن ابن عباس وعبد الله بن إسماعيل السدي عن أبيه عن مجاهد عن ابن عباس وإدريس عن جده وهب بن منبه قال إسحاق كل هؤلاء حدثوني عن حديث عزير وزاد بعضهم على بعض قالوا باسنادهم ان عزيرا كان عبدا صالحا حكيما خرج ذات يوم الى ضيعة له يتعاهدها فلما انصرف أتى الى خربة حين قامت الظهيرة واصابه الحر ودخل الخربة وهو على حماره فنزل عن حماره ومعه سلة فيها تين وسلة فيها عنب فنزل في ظل تلك الخربة واخرج قصعة معه فاعتصر من العنب الّذي كان معه في القصعة ثم أخرج خبزا يابسا معه فألقاه في تلك القصعة في العصير ليبتل ليأكله ثم استلقى على قفاه وأسند رجليه الى الحائط فنظر سقف تلك البيوت ورأى ما فيها وهي قائمة على عروشها وقد باد أهلها ورأى عظاما بالية فقال ﴿أَنّى يُحْيِي هذِهِ اللهُ بَعْدَ مَوْتِها﴾ فلم يشك أن الله يحييها ولكن قالها تعجبا فبعث الله ملك الموت فقبض روحه فأماته الله مائة عام. فلما أتت عليه مائة عام وكانت فيما بين ذلك في بنى إسرائيل أمور واحداث قال فبعث الله الى عزير ملكا فخلق قلبه ليعقل قلبه وعينيه لينظر بهما فيعقل كيف يحيى الله الموتى. ثم ركب خلقه وهو ينظر ثم كسى عظامه اللحم والشعر والجلد ثم نفخ فيه الروح كل ذلك وهو يرى ويعقل فاستوى جالسا فقال له الملك كم لبثت قال لبثت يوما أو بعض يوم وذلك أنه كان لبث صدر النهار عند الظهيرة وبعث في آخر النهار والشمس لم تغب فقال أو بعض يوم ولم يتم لي يوم فقال له الملك بل لبثت مائة عام فانظر الى طعامك وشرابك يعنى الطعام الخبز اليابس وشرابه العصير الّذي كان اعتصره في القصعة فاذاهما على حالهما لم يتغير العصير والخبز يابس فذلك قوله ﴿لَمْ يَتَسَنَّهْ﴾ يعنى لم يتغير وكذلك التين والعنب غض لم يتغير شيء من حالهما فكأنه أنكر في قلبه فقال له الملك أنكرت ما قلت لك انظر الى حمارك فنظر الى حماره قد بليت عظامه وصارت نخرة فنادى الملك عظام الحمار فأجابت وأقبلت من كل ناحية حتى ركبه الملك وعزير ينظر اليه ثم ألبسها العروق والعصب ثم كساها اللحم ثم أنبت عليها الجلد والشعر ثم نفخ فيه الملك فقام الحمار رافعا رأسه وأذنيه الى السماء ناهقا يظن القيامة قد قامت فذلك قوله ﴿وَاُنْظُرْ إِلى حِمارِكَ وَلِنَجْعَلَكَ آيَةً لِلنّاسِ وَاُنْظُرْ إِلَى الْعِظامِ كَيْفَ نُنْشِزُها ثُمَّ نَكْسُوها لَحْماً﴾ يعنى وانظر الى عظام حمارك كيف يركب بعضها بعضا في أوصالها حتى إذا صارت عظاما مصورا حمارا بلا لحم ثم انظر كيف نكسوها لحما فلما تبين له قال اعلم أن الله على كل شيء قدير من احياء الموتى وغيره. قال فركب حماره حتى أتى محلته فأنكره الناس وأنكر الناس وأنكر منزله فانطلق على وهم منه حتى أتى منزله فإذا هو
стр. 383
بعجوز عمياء مقعدة قد أتى عليها مائة وعشرون سنة كانت أمة لهم فخرج عنهم عزير وهي بنت عشرين سنة كانت عرفته وعقلته فلما أصابها الكبر أصابها الزمانة. فقال لها عزير يا هذه أهذا منزل عزير قالت نعم هذا منزل عزير فبكت وقالت ما رأيت أحدا من كذا وكذا سنة يذكر عزيرا وقد نسيه الناس قال فانى انا عزير كان الله أماتني مائة سنة ثم بعثني قالت سبحان الله فان عزيرا قد فقدناه منذ مائة سنة فلم نسمع له بذكر قال فانى أنا عزير قالت فان عزيرا رجل مستجاب الدعوة يدعو للمريض ولصاحب البلاء بالعافية والشفاء فادع الله أن يرد على بصرى حتى أراك فان كنت عزيرا عرفتك. قال فدعا ربه ومسح بيده على عينيها فصحتا وأخذ بيدها وقال قومي باذن الله فأطلق الله رجليها فقامت صحيحة كأنما نشطت من عقال فنظرت فقالت اشهد انك عزير وانطلقت الى محلة بنى إسرائيل وهم في أنديتهم ومجالسهم وابن لعزير شيخ ابن مائة سنة وثماني عشر سنة وبنى بنيه شيوخ في المجلس فنادتهم فقالت هذا عزير قد جاءكم فكذبوها فقالت أنا فلانة مولاتكم دعا لي ربه فرد على بصرى وأطلق رجلي وزعم أن الله أماته مائة سنة ثم بعثه قال فنهض الناس فاقبلوا اليه فنظروا اليه فقال ابنه كان لأبي شامة سوداء بين كتفيه فكشف عن كتفيه فإذا هو عزير فقالت بنو إسرائيل فإنه لم يكن فينا أحد حفظ التوراة فيما حدثنا غير عزير وقد حرق نصر التوراة ولم يبق منها شيء الا ما حفظت الرجال فاكتبها لنا وكان أبوه سروخا وقد دفن التوراة أيام نصر في موضع لم يعرفه أحد غير عزير فانطلق بهم الى ذلك الموضع فحفره فاستخرج التوراة وكان قد عفن الورق ودرس الكتاب قال وجلس في ظل شجرة وبنو إسرائيل حوله فجدد لهم التوراة ونزل من السماء شهابان حتى دخلا جوفه فتذكر التوراة فجددها لبني إسرائيل. فمن ثم قالت اليهود عزير بن الله للذي كان من أمر الشهابين وتجديده التوراة وقيامه بأمر بنى إسرائيل وكان جدد لهم التوراة بأرض السواد بدير حزقيل. والقرية التي مات فيها يقال لها سايراباذ * قال ابن عباس فكان كما قال الله تعالى ﴿وَلِنَجْعَلَكَ آيَةً لِلنّاسِ﴾ يعنى لبني إسرائيل. وذلك انه كان يجلس مع بنيه وهم شيوخ وهو شاب لانه مات وهو ابن أربعين سنة فبعثه الله شابا كهيئة يوم مات قال ابن عباس بعث بعد نصر وكذلك قال الحسن وقد أنشد ابو حاتم السجستاني في معنى ما قاله ابن عباس.
واسود رأس شاب من قبله ابنه … ومن قبله ابن ابنه فهو أكبر
يرى ابنه شيخا يدب على عصا … ولحيته سوداء والرأس أشقر
وما لابنه حيل ولا فضل قوة … يقوم كما يمشى الصبى فيعثر
يعد ابنه في الناس تسعين حجة … وعشرين لا يجرى ولا يتبختر
وعمر أبيه أربعون أمرّها … ولان ابنه تسعون في الناس عبر
فما هو في المعقول ان كنت داريا … وان كنت لا تدري فبالجهل تعذر
стр. 384
فصل
المشهور ان عزيرا نبي من أنبياء بنى إسرائيل وانه كان فيما بين داود وسليمان وبين زكريا ويحيى وانه لما لم يبق في بنى إسرائيل من يحفظ التوراة ألهمه الله حفظها فسردها على بنى إسرائيل كما قال وهب بن منبه أمر الله ملكا فنزل بمغرفة من نور فقذفها في عزير فنسخ التوراة حرفا بحرف حتى فرغ منها. وروى ابن عساكر عن ابن عباس انه سال عبد الله بن سلام عن قول الله تعالى ﴿وَقالَتِ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ اِبْنُ اللهِ﴾ لم قالوا ذلك فذكر له ابن سلام ما كان من كتبه لبني إسرائيل التوراة من حفظه وقول بنى إسرائيل لم يستطع موسى أن يأتينا بالتوراة الا في كتاب وان عزيرا قد جاءنا بها من غير كتاب فرماه طوائف منهم وقالوا عزير ابن الله. ولهذا يقول كثير من العلماء ان تواتر التوراة انقطع في زمن العزير. وهذا متجه جدا إذا كان العزير غير نبي كما قاله عطاء بن أبى رباح والحسن البصري وفيما رواه إسحاق ابن بشر عن مقاتل بن سليمان عن عطاء وعن عثمان بن عطاء الخراساني عن أبيه ومقاتل عن عطاء بن ابى رباح قال كان في الفترة تسعة أشياء نصر وجنة صنعاء وجنة سبا وأصحاب الأخدود وامر حاصورا (١) وأصحاب الكهف وأصحاب الفيل ومدينة انطاكية وامر تبع. وقال إسحاق بن بشر انبأنا سعيد عن قتادة عن الحسن قال كان امر عزير وبخت نصّر في الفترة. وقد ثبت
في الصحيح ان رسول الله ﷺ قال ان أولى الناس بابن مريم لأنا إنه ليس بيني وبينه نبي). وقال وهب ابن منبه كان فيما بين سليمان وعيسى ﵉. وقد روى ابن عساكر عن أنس بن مالك وعطاء بن السائب أن عزيرا كان في زمن موسى بن عمران وانه استاذن عليه فلم يأذن له يعنى لما كان من سؤاله عن القدر وانه انصرف وهو يقول مائة موتة أهون من ذل ساعة وفي معنى قول عزير مائة موتة أهون من ذل ساعة قول بعض الشعراء
قد يصبر الحر على السيف … ويأنف الصبر على الحيف
ويؤثر الموت على حالة … يعجز فيها عن قرى الضيف
فاما ما روى ابن عساكر وغيره عن ابن عباس ونوف البكالي وسفيان الثوري وغيرهم من أنه سأل عن القدر فمحى اسمه من ذكر الأنبياء فهو منكر وفي صحته نظر وكأنه مأخوذ عن الإسرائيليات وقد روى عبد الرزاق وقتيبة بن سعيد عن جعفر بن سليمان عن أبى عمران الجونى عن نوف البكالي قال قال عزير فيما يناجي ربه (يا رب تخلق خلقا فتضل من تشاء وتهدى من تشاء) فقيل له أعرض عن هذا فعاد فقيل له لتعرض عن هذا أو لامحون اسمك من الأنبياء إني لا أسأل عما افعل وهم يسألون وهذا لا يقتضي وقوع ما توعد عليه لو عاد فما محيا اسمه والله أعلم.
وقد روى الجماعة سوى الترمذي من حديث يونس بن يزيد عن الزهري عن سعيد وابى سلمة
стр. 385
عن أبى هريرة وكذلك
رواه شعيب عن أبى الزناد عن الأعرج عن ابى هريرة قال قال رسول الله ﷺ نزل نبي من الأنبياء تحت شجرة فلدغته نملة فامر بجهازه فاخرج من تحتها ثم أمر بها فأحرقت بالنار فأوحى الله اليه مهلا نملة واحدة. فروى إسحاق بن بشر عن ابن جريج عن عبد الوهاب بن مجاهد عن أبيه أنه عزير. وكذا روى عن ابن عباس والحسن البصري انه عزير فالله اعلم.
قصة زكريا ويحيى ﵉
قال الله تعالى في كتابه العزيز ﴿بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ * كهيعص * ذِكْرُ رَحْمَتِ رَبِّكَ عَبْدَهُ زَكَرِيّا * إِذْ نادى رَبَّهُ نِداءً خَفِيًّا * قالَ رَبِّ إِنِّي وَهَنَ الْعَظْمُ مِنِّي وَاِشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْباً وَلَمْ أَكُنْ بِدُعائِكَ رَبِّ شَقِيًّا * وَإِنِّي خِفْتُ الْمَوالِيَ مِنْ وَرائِي وَكانَتِ اِمْرَأَتِي عاقِراً فَهَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا * يَرِثُنِي وَيَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ وَاِجْعَلْهُ رَبِّ رَضِيًّا * يا زَكَرِيّا إِنّا نُبَشِّرُكَ بِغُلامٍ اِسْمُهُ يَحْيى لَمْ نَجْعَلْ لَهُ مِنْ قَبْلُ سَمِيًّا * قالَ رَبِّ أَنّى يَكُونُ لِي غُلامٌ وَكانَتِ اِمْرَأَتِي عاقِراً وَقَدْ بَلَغْتُ مِنَ الْكِبَرِ عِتِيًّا * قالَ كَذلِكَ قالَ رَبُّكَ هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ وَقَدْ خَلَقْتُكَ مِنْ قَبْلُ وَلَمْ تَكُ شَيْئاً * قالَ رَبِّ اِجْعَلْ لِي آيَةً قالَ آيَتُكَ أَلاّ تُكَلِّمَ النّاسَ ثَلاثَ لَيالٍ سَوِيًّا * فَخَرَجَ عَلى قَوْمِهِ مِنَ الْمِحْرابِ فَأَوْحى إِلَيْهِمْ أَنْ سَبِّحُوا بُكْرَةً وَعَشِيًّا * يا يَحْيى خُذِ الْكِتابَ بِقُوَّةٍ وَآتَيْناهُ الْحُكْمَ صَبِيًّا﴾.
﴿* وَحَناناً مِنْ لَدُنّا وَزَكاةً وَكانَ تَقِيًّا * وَبَرًّا بِوالِدَيْهِ وَلَمْ يَكُنْ جَبّاراً عَصِيًّا * وَسَلامٌ عَلَيْهِ يَوْمَ وُلِدَ وَيَوْمَ يَمُوتُ وَيَوْمَ يُبْعَثُ حَيًّا﴾ وقال تعالى ﴿وَكَفَّلَها زَكَرِيّا كُلَّما دَخَلَ عَلَيْها زَكَرِيَّا الْمِحْرابَ وَجَدَ عِنْدَها رِزْقاً قالَ يا مَرْيَمُ أَنّى لَكِ هذا قالَتْ هُوَ مِنْ عِنْدِ اللهِ إِنَّ اللهَ يَرْزُقُ مَنْ يَشاءُ بِغَيْرِ حِسابٍ * هُنالِكَ دَعا زَكَرِيّا رَبَّهُ قالَ رَبِّ هَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ ذُرِّيَّةً طَيِّبَةً إِنَّكَ سَمِيعُ الدُّعاءِ * فَنادَتْهُ الْمَلائِكَةُ وَهُوَ قائِمٌ يُصَلِّي فِي الْمِحْرابِ أَنَّ اللهَ يُبَشِّرُكَ بِيَحْيى مُصَدِّقاً بِكَلِمَةٍ مِنَ اللهِ وَسَيِّداً وَحَصُوراً وَنَبِيًّا مِنَ الصّالِحِينَ * قالَ رَبِّ أَنّى يَكُونُ لِي غُلامٌ وَقَدْ بَلَغَنِيَ الْكِبَرُ وَاِمْرَأَتِي عاقِرٌ قالَ كَذلِكَ اللهُ يَفْعَلُ ما يَشاءُ * قالَ رَبِّ اِجْعَلْ لِي آيَةً. قالَ آيَتُكَ أَلاّ تُكَلِّمَ النّاسَ ثَلاثَةَ أَيّامٍ إِلاّ رَمْزاً وَاُذْكُرْ رَبَّكَ كَثِيراً وَسَبِّحْ بِالْعَشِيِّ وَالْإِبْكارِ﴾ وقال تعالى في سورة الأنبياء ﴿وَزَكَرِيّا إِذْ نادى رَبَّهُ رَبِّ لا تَذَرْنِي فَرْداً وَأَنْتَ خَيْرُ الْوارِثِينَ * فَاسْتَجَبْنا لَهُ وَوَهَبْنا لَهُ يَحْيى وَأَصْلَحْنا لَهُ زَوْجَهُ إِنَّهُمْ كانُوا يُسارِعُونَ فِي الْخَيْراتِ وَيَدْعُونَنا رَغَباً وَرَهَباً وَكانُوا لَنا خاشِعِينَ﴾. وقال تعالى ﴿وَزَكَرِيّا وَيَحْيى وَعِيسى وَإِلْياسَ كُلٌّ مِنَ الصّالِحِينَ﴾. قال الحافظ أبو القاسم بن عساكر في كتابه التاريخ المشهور الحافل. زكريا بن برخيا ويقال زكريا بن دان يقال زكريا بن لدن بن مسلم بن صدوق بن حشبان بن دواد بن سليمان بن مسلم بن صديقة بن برخيا بن بلعاطة بن ناحور بن شلوم بن بهفاشاط بن اينامن بن رحبعام بن سليمان بن داود أبو يحيى النبي ﵇ من بنى إسرائيل. دخل البثينة من أعمال دمشق في طلب ابنه يحيى. وقيل انه كان بدمشق حين قتل ابنه يحيى والله أعلم. وقد قيل غير ذلك في نسبه
стр. 386
ويقال فيه زكريا بالمد وبالقصر ويقال زكري أيضا.
والمقصود ان الله تعالى أمر رسوله ﷺ أن يقص على الناس خبر زكريا ﵇ وما كان من أمره حين وهبه الله ولدا على الكبر وكانت امرأته عاقرا في حال شبيبتها وقد أسنت أيضا حتى لا ييئس أحد من فضل الله ورحمته ولا يقنط من فضله تعالى وتقدس فقال تعالى ﴿ذِكْرُ رَحْمَتِ رَبِّكَ عَبْدَهُ زَكَرِيّا * إِذْ نادى رَبَّهُ نِداءً خَفِيًّا﴾. قال قتادة عند تفسيرها ان الله يعلم القلب النقي ويسمع الصوت الخفى.
وقال بعض السلف قام من الليل فنادى ربه مناداة أسرها عمن كان حاضرا عنده مخافته فقال (يا رب يا رب يا رب فقال الله لبيك لبيك لبيك) ﴿قالَ رَبِّ إِنِّي وَهَنَ الْعَظْمُ مِنِّي﴾ أي ضعف وخار من الكبر ﴿وَاِشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْباً﴾ استعارة من اشتعال النار في الحطب أي غلب على سواد الشعر شيبة كما قال ابن دريد في مقصورته.
أما ترى رأسي حاكى لونه … طرة صبح تحت أذيال الدجا
واشتعل المبيض في مسودة … مثل اشتعال النار في جمر الغضا
وآض عود اللهو يبسا ذاويا … من بعد ما قد كان مجاج الثرى
يذكر ان الضعف قد استحوذ عليه باطنا وظاهرا وهكذا قال زكريا ﵇ ﴿إِنِّي وَهَنَ الْعَظْمُ مِنِّي وَاِشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْباً﴾ وقوله ﴿لَمْ أَكُنْ بِدُعائِكَ رَبِّ شَقِيًّا﴾ أي ما عودتني فيما اسألك الا الاجابة وكان الباعث له على هذه المسألة انه لما كفل مريم بنت عمران بن ماثان وكان كلما دخل عليها محرابها وجد عندها فاكهة في غير أوانها ولا في أوانها وهذه من كرامات الأولياء فعلم أن الرازق للشيء في غير أوانه قادر على أن يرزقه ولدا وان كان قد طعن في سنه ﴿هُنالِكَ دَعا زَكَرِيّا رَبَّهُ قالَ رَبِّ هَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ ذُرِّيَّةً طَيِّبَةً إِنَّكَ سَمِيعُ الدُّعاءِ﴾ وقوله ﴿وَإِنِّي خِفْتُ الْمَوالِيَ مِنْ وَرائِي وَكانَتِ اِمْرَأَتِي عاقِراً﴾ قيل المراد بالموالي العصبة وكأنه خاف من تصرفهم بعده في بنى إسرائيل بما لا يوافق شرع الله وطاعته فسال وجود ولد من صلبه يكون برا تقيا مرضيا ولهذا قال ﴿فَهَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ﴾ أي من عندك بحولك وقوتك ﴿وَلِيًّا * يَرِثُنِي﴾ أي في النبوة والحكم في بنى إسرائيل ﴿وَيَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ وَاِجْعَلْهُ رَبِّ رَضِيًّا﴾ يعنى كما كان آباؤه واسلافه من ذرية يعقوب أنبياء فاجعله مثلهم في الكرامة التي أكرمتهم بها من النبوة والوحي وليس المراد هاهنا وراثة المال كما زعم ذلك من زعمه من الشيعة ووافقهم ابن جرير هاهنا وحكاه عن ابى صالح من السلف لوجوه. أحدها ما قدمنا عند قوله تعالى ﴿وَوَرِثَ سُلَيْمانُ داوُدَ﴾ أي في النبوة والملك كما ذكرنا
في الحديث المتفق عليه بين العلماء المروي في الصحاح والمسانيد والسنن وغيرها من طرق عن جماعة من الصحابة ان رسول الله ﷺ قال لا نورث ما تركنا فهو صدقة فهذا نص على أن رسول الله ﷺ لا يورث ولهذا منع الصديق ان يصرف ما كان يختص به في حياته الى أحد من وراثه الذين لولا هذا
стр. 387
النص لصرف اليهم وهم ابنته فاطمة وأزواجه التسع وعمه العباس ﵃ واحتج عليهم الصديق في منعه إياهم بهذا الحديث وقد وافقه على روايته عن رسول الله ﷺ عمر بن الخطاب وعثمان بن عفان وعلى بن أبى طالب والعباس بن عبد المطلب وعبد الرحمن بن عوف وطلحة والزبير وأبو هريرة وآخرون ﵃. الثاني ان الترمذي رواه بلفظ يعم سائر الأنبياء نحن معاشر الأنبياء لا نورث وصححه. الثالث ان الدنيا كانت احقر عند الأنبياء من أن يكنزوا لها أو يلتفتوا اليها أو يهمهم أمرها حتى يسألوا الأولاد ليحوزوها بعدهم فان من لا يصل الى قريب من منازلهم في الزهادة لا يهتم بهذا المقدار أن يسأل ولدا يكون وارثا له فيها. الرابع أن زكريا ﵇ كان نجارا يعمل بيده ويأكل من كسبها كما كان داود ﵇ يأكل من كسب يده والغالب ولا سيما من مثل حال الأنبياء أنه لا يجهد نفسه في العمل اجهادا يستفضل منه ما لا يكون ذخيرة له يخلفه من بعده وهذا أمر بين واضح لكل من تأمله وتدبره وتفهم ان شاء الله.
قال الامام أحمد حدثنا يزيد يعنى ابن هارون أنبأنا حماد بن سلمة عن ثابت عن أبى رافع عن أبى هريرة أن رسول الله ﷺ قال كان زكريا نجارا. وهكذا رواه مسلم وابن ماجة من غير وجه عن حماد بن سلمة به. وقوله ﴿يا زَكَرِيّا إِنّا نُبَشِّرُكَ بِغُلامٍ اِسْمُهُ يَحْيى لَمْ نَجْعَلْ لَهُ مِنْ قَبْلُ سَمِيًّا﴾. وهذا مفسر بقوله ﴿فَنادَتْهُ الْمَلائِكَةُ وَهُوَ قائِمٌ يُصَلِّي فِي الْمِحْرابِ أَنَّ اللهَ يُبَشِّرُكَ بِيَحْيى مُصَدِّقاً بِكَلِمَةٍ مِنَ اللهِ وَسَيِّداً وَحَصُوراً وَنَبِيًّا مِنَ الصّالِحِينَ﴾ فلما بشر بالولد وتحقق البشارة شرع يستعلم على وجه التعجب وجود الولد والحالة هذه له ﴿قالَ رَبِّ أَنّى يَكُونُ لِي غُلامٌ وَكانَتِ اِمْرَأَتِي عاقِراً وَقَدْ بَلَغْتُ مِنَ الْكِبَرِ عِتِيًّا﴾ أي كيف يوجد ولد من شيخ كبير قيل كان عمره إذ ذاك سبعا وسبعين سنة والأشبه والله أعلم أنه كان أسن من ذلك ﴿وَكانَتِ اِمْرَأَتِي عاقِراً﴾ يعنى وقد كانت امرأتي في حال شبيبتها عاقرا لا تلد والله أعلم. كما قال الخليل ﴿أَبَشَّرْتُمُونِي عَلى أَنْ مَسَّنِيَ الْكِبَرُ فَبِمَ تُبَشِّرُونَ﴾ وقالت سارة ﴿يا وَيْلَتى أَأَلِدُ وَأَنَا عَجُوزٌ وَهذا بَعْلِي شَيْخاً إِنَّ هذا لَشَيْءٌ عَجِيبٌ * قالُوا أَتَعْجَبِينَ مِنْ أَمْرِ اللهِ رَحْمَتُ اللهِ وَبَرَكاتُهُ عَلَيْكُمْ أَهْلَ الْبَيْتِ إِنَّهُ حَمِيدٌ مَجِيدٌ﴾ وهكذا أجيب زكريا ﵇ قال له الملك الّذي يوحى اليه بأمر ربه ﴿كَذلِكَ قالَ رَبُّكَ هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ﴾ أي هذا سهل يسير عليه ﴿وَقَدْ خَلَقْتُكَ مِنْ قَبْلُ وَلَمْ تَكُ شَيْئاً﴾ أي قدرته أوجدتك بعد ان لم تكن شيئا مذكورا أفلا يوجد منك ولدا وان كنت شيخا. وقال تعالى ﴿فَاسْتَجَبْنا لَهُ وَوَهَبْنا لَهُ يَحْيى وَأَصْلَحْنا لَهُ زَوْجَهُ إِنَّهُمْ كانُوا يُسارِعُونَ فِي الْخَيْراتِ وَيَدْعُونَنا رَغَباً وَرَهَباً وَكانُوا لَنا خاشِعِينَ﴾ ومعنى إصلاح زوجته انها كانت لا تحيض فحاضت. وقيل كان في لسانها شيء أي بذاءة ﴿قالَ رَبِّ اِجْعَلْ لِي آيَةً﴾ أي علامة على وقت تعلق منى المرأة بهذا الولد المبشر به ﴿قالَ آيَتُكَ أَلاّ تُكَلِّمَ النّاسَ ثَلاثَ لَيالٍ سَوِيًّا﴾ يقول علامة ذلك أن يعتريك سكت لا تنطق معه ثلاثة أيام الا رمزا وأنت في ذلك سوى الخلق صحيح المزاج معتدل البنية وأمر
стр. 388
بكثرة الذكر في هذه الحال بالقلب واستحضار ذلك بفؤاده بالعشي والأبكار فلما بشر بهذه البشارة خرج مسرورا بها على قومه من محرابه ﴿فَأَوْحى إِلَيْهِمْ أَنْ سَبِّحُوا بُكْرَةً وَعَشِيًّا﴾ * والوحي هاهنا هو الأمر الخفى اما بكتابه كما قاله مجاهد والسدي أو اشارة كما قاله مجاهد أيضا ووهب وقتادة. قال مجاهد وعكرمة ووهب والسدي وقتادة اعتقل لسانه من غير مرض. وقال ابن زيد كان يقرأ ويسبح ولكن لا يستطيع كلام أحد. وقوله ﴿يا يَحْيى خُذِ الْكِتابَ بِقُوَّةٍ وَآتَيْناهُ الْحُكْمَ صَبِيًّا﴾، يخبر تعالى عن وجود الولد وفق البشارة الإلهية لأبيه زكريا ﵇ وأن الله علمه الكتاب والحكمة وهو صغير في حال صباه * قال عبد الله بن المبارك قال معمر قال الصبيان ليحيى بن زكريا اذهب بنا نلعب فقال ما للعب خلقنا قال وذلك قوله ﴿وَآتَيْناهُ الْحُكْمَ صَبِيًّا﴾ وأما قوله ﴿وَحَناناً مِنْ لَدُنّا﴾ فروى ابن جرير عن عمرو بن دينار عن عكرمة عن ابن عباس أنه قال لا أدرى ما الحنان. وعن ابن عباس ومجاهد وعكرمة وقتادة والضحاك ﴿وَحَناناً مِنْ لَدُنّا﴾ أي رحمة من عندنا رحمنا بها زكريا فوهبنا له هذا الولد * وعن عكرمة ﴿وَحَناناً﴾ أي محبة عليه ويحتمل أن يكون ذلك صفة لتحنن يحيى على الناس ولا سيما على أبويه وهو محبتهما والشفقة عليهما وبره بهما. وأما الزكاة فهو طهارة الخلق وسلامته من النقائص والرذائل. والتقوى طاعة الله بامتثال أوامره وترك زواجره، ثم ذكر بره بوالديه وطاعته لهما أمرا ونهيا وترك عقوقهما قولا وفعلا فقال ﴿وَبَرًّا بِوالِدَيْهِ وَلَمْ يَكُنْ جَبّاراً عَصِيًّا﴾ ثم قال ﴿وَسَلامٌ عَلَيْهِ يَوْمَ وُلِدَ وَيَوْمَ يَمُوتُ وَيَوْمَ يُبْعَثُ حَيًّا﴾ هذه الأوقات الثلاثة أشد ما تكون على الإنسان فإنه ينتقل في كل منها من عالم إلى عالم آخر فيفقد الأول بعد ما كان ألفه وعرفه ويصير إلى الآخر ولا يدرى ما بين يديه ولهذا يستهل صارخا إذا خرج من بين الأحشاء وفارق لينها وضمها وينتقل إلى هذه الدار ليكابد همومها وغمها وكذلك إذا فارق هذه الدار وانتقل إلى عالم البرزخ بينها وبين دار القرار وصار بعد الدور والقصور إلى عرصة الأموات سكان القبور وانتظر هناك النفخة في الصور ليوم البعث والنشور فمن مسرور ومحبور ومن محزون ومثبور وما بين جبير وكسير وفريق في الجنة وفريق في السعير. ولقد أحسن بعض الشعراء حيث يقول:
ولدتك أمك باكيا مستصرخا … والناس حولك يضحكون سرورا
فاحرص لنفسك أن تكون إذا بكوا … في يوم موتك ضاحكا مسرورا
ولما كانت هذه المواطن الثلاثة اشق ما تكون على ابن آدم سلم الله على يحيى في كل موطن منها فقال
(وسلام عليه يوم ولد ويوم يموت ويوم يبعث حيا)
وقال سعيد ابن أبى عروبة عن قتادة أن الحسن قال إن يحيى وعيسى التقيا فقال له عيسى استغفر لي أنت خير منى فقال له الآخر استغفر لي أنت خير منى فقال له عيسى أنت خير منى سلمت على نفسي وسلم الله عليك فعرف والله فضلهما، وأما قوله في الآية الأخرى ﴿وَسَيِّداً وَحَصُوراً وَنَبِيًّا مِنَ الصّالِحِينَ﴾ فقيل المراد بالحصور الّذي لا يأتى النساء
стр. 389
وقيل غير ذلك وهو أشبه لقوله ﴿هَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ ذُرِّيَّةً طَيِّبَةً﴾ وقد
قال الامام احمد حدثنا عفان حدثنا حماد أنبأنا على بن زيد عن يوسف بن مهران عن ابن عباس أن رسول الله ﷺ قال ما من أحد من ولد آدم إلا وقد أخطأ أو هم بخطيئة ليس يحيى بن زكريا وما ينبغي لأحد يقول أنا خير من يونس بن متى. على بن زيد بن جدعان تكلم فيه غير واحد من الأئمة وهو منكر الحديث وقد رواه ابن خزيمة والدارقطنيّ من طريق أبى عاصم العبادانى عن على بن زيد بن جدعان به مطولا ثم قال ابن خزيمة وليس على شرطنا.
وقال ابن وهب حدثني ابن لهيعة عن عقيل عن ابن شهاب قال خرج رسول الله ﷺ على أصحابه يوما وهم يتذاكرون فضل الأنبياء فقال قائل (موسى كليم الله وقال قائل عيسى روح الله وكلمته وقال قائل إبراهيم خليل الله فقال اين الشهيد اين الشهيد يلبس الوبر ويأكل الشجر مخافة الذنب قال ابن وهب يريد يحيى بن زكريا. وقد
رواه محمد ابن إسحاق وهو مدلس عن يحيى بن سعيد الأنصاري عن سعيد بن المسيب حدثني ابن العاص أنه سمع رسول الله ﷺ يقول كل ابن آدم ياتى يوم القيامة وله ذنب الا ما كان من يحيى بن زكريا. فهذا من رواية ابن إسحاق وهو من المدلسين وقد عنعن هاهنا. ثم قال عبد الرزاق عن معمر عن قتادة عن سعيد بن المسيب مرسلا. ثم رأيت ابن عساكر ساقه من طريق أبى أسامة عن يحيى بن سعيد الأنصاري ثم قد رواه ابن عساكر من طريق إبراهيم بن يعقوب الجوزجاني خطيب دمشق حدثنا محمد بن الأصبهاني حدثنا أبو خالد الأحمر عن يحيى ابن سعيد عن سعيد بن المسيب عن عبد الله بن عمرو قال ما أحدا لا يلقى الله بذنب الا يحيى بن زكريا. ثم تلا ﴿وَسَيِّداً وَحَصُوراً﴾ ثم رفع شيئا من الأرض فقال ما كان معه الا مثل هذا. ثم ذبح ذبحا وهذا موقوف من هذه الطريق وكونه موقوفا أصح من رفعه والله أعلم. وأورده ابن عساكر من طرق عن معمر من ذلك ما أورده من حديث إسحاق بن بشر وهو ضعيف عن عثمان بن سباح عن ثور بن يزيد عن خالد ابن معدان عن معاذ عن النبي ﷺ بنحوه.
وروى من طريق أبى داود الطيالسي وغيره عن الحكم بن عبد الرحمن بن أبى نعيم عن أبيه عن أبى سعيد قال قال رسول ﷺ الحسن والحسين سيدا شباب أهل الجنة الا ابني الخالة يحيى وعيسى ﵉. وقال أبو نعيم الحافظ الأصبهاني حدثنا إسحاق بن احمد حدثنا إبراهيم بن يوسف حدثنا احمد بن أبى الحواري سمعت أبا سليمان يقول خرج عيسى بن مريم ويحيى ابن زكريا يتماشيان فصدم يحيى امرأة فقال له عيسى يا ابن خالة لقد أصبت اليوم خطيئة ما أظن أنه يغفر لك ابدا قال وما هي يا ابن خالة قال امرأة صدمتها. قال والله ما شعرت بها. قال سبحان الله بدنك معى فأين روحك قال معلق بالعرش ولو أن قلبي اطمئنّ الى جبريل لظننت أنى ما عرفت الله طرفة عين. فيه غرابة وهو من الإسرائيليات * وقال إسرائيل عن ابى حصين عن خيثمة قال كان عيسى بن مريم ويحيى بن زكريا ابني خالة وكان عيسى يلبس الصوف وكان يحيى يلبس الوبر ولم يكن لواحد منهما دينار ولا درهم ولا
стр. 390
عبد ولا أمة ولا مأوى يأويان اليه اين ما جنهما الليل أويا فلما أرادا أن يتفرقا قال له يحبى أوصني قال لا تغضب قال لا أستطيع الا أن اغضب قال لا تقتن مالا قال أما هذه فعسى.
وقد اختلفت الرواية عن وهب بن منبه هل مات زكريا ﵇ موتا أو قتل قتلا على روايتين فروى عبد المنعم بن إدريس بن سنان عن أبيه عن وهب بن منبه أنه قال هرب من قومه فدخل شجرة فجاءوا فوضعوا المنشار عليهما فلما وصل المنشار الى أضلاعه أن فأوحى الله اليه لئن لم يسكن أنينك لأقلبن الأرض ومن عليها فسكن أنينه حتى قطع باثنتين. وقد روى هذا في حديث مرفوع سنورده بعد ان شاء الله * وروى إسحاق بن بشر عن إدريس بن سنان عن وهب أنه قال الّذي انصدعت له الشجرة هو شعيا فأما زكريا فمات موتا فالله أعلم.
وقال الامام احمد حدثنا عفان أنبأنا أبو خلف موسى بن خلف وكان يعد من البدلاء حدثنا يحيى بن أبى كثير عن زيد بن سلام عن جده ممطور عن الحارث الأشعري أن النبي ﷺ قال ان الله أمر يحيى بن زكريا بخمس كلمات أن يعمل بهن وان يأمر بنى إسرائيل أن يعملوا بهن وكاد أن يبطئ فقال له عيسى ﵇ إنك قد أمرت بخمس كلمات أن تعمل بهن وتأمر بنى إسرائيل أن يعملوا بهن. فاما أن تبلغهن وإما أن ابلغهن فقال يا أخى إني أخشى إن سبقتني أن أعذب أو يخسف بى قال فجمع يحيى بنى إسرائيل في بيت المقدس حتى امتلأ المسجد فقعد على الشرف فحمد الله واثنى عليه ثم قال إن الله أمرنى بخمس كلمات أن أعمل بهن وآمركم ان تعملوا بهن. وأولهن أن تعبدوا الله لا تشركوا به شيئا فان مثل ذلك مثل من اشترى عبدا من خالص ماله بورق أو ذهب فجعل يعمل ويؤدى غلته الى غير سيده فأيكم يسره أن يكون عبده كذلك وأن الله خلقكم ورزقكم فاعبدوه ولا تشركوا به شيئا وأمركم بالصلاة فان الله ينصب وجهه قبل عبده ما لم يلتفت فإذا صليتم فلا تلتفتوا * وأمركم بالصيام فان مثل ذلك كمثل رجل معه صرة من مسك في عصابة كلهم يجد ريح المسك وان خلوف فم الصائم أطيب عند الله من ريح المسك * وأمركم بالصدقة فان مثل ذلك كمثل رجل اسره العدو فشدوا يده الى عنقه وقدموه ليضربوا عنقه فقال هل لكم أن أفتدي نفسي منكم فجعل يفتدى نفسه منهم بالقليل والكثير حتى فك نفسه * وآمركم بذكر الله كثيرا فان مثل ذلك كمثل رجل طلبه العدو سراعا في اثره فأتي حصنا حصينا فتحصن فيه وأن العبد أحصن ما يكون من الشيطان إذا كان في ذكر الله قال وقال رسول ﷺ وأنا آمركم بخمس الله أمرني بهن بالجماعة والسمع والطاعة والهجرة والجهاد في سبيل الله فان من خرج عن الجماعة قيد شبر فقد خلع ربق الإسلام من عنقه الا أن يرجع ومن دعا بدعوى الجاهلية فهو من حثا جهنم قال يا رسول الله وان صام وصلّى قال وان صام وصلّى وزعم أنه مسلم ادعوا المسلمين بأسمائهم بما سماهم الله المسلمين المؤمنين عباد الله .
وهكذا رواه أبو يعلى عن هدبة بن خالد عن ابان بن يزيد عن يحيى بن أبى كثير به. وكذلك رواه