← История

История · id 23708

البداية والنهاية - ط السعادة

ابن كثير

Полный текст (4 918 стр.). Показаны 3291–3330 · переход к 3296.

стр. 3291

وكان مولده في سنة ثمانين فتم له من العمر سبعون سنة، وصلى عليه ببغداد ست مرات لكثرة الزحام، وقبره هناك ﵀. ثم دخلت سنة إحدى وخمسين ومائة فيها عزل المنصور عمر بن حفص عن السند وولى عليها هشام بن عمرو التغلبي، وكان سبب عزله عنها أن محمد بن عبد الله بن حسن لما ظهر بعث ابنه عبد الله الملقب بالأشتر ومعه جماعة بهدية وخيول عتاق إلى عمر بن حفص هذا إلى السند فقبلها، فدعوه إلى دعوة أبيه محمد بن عبد الله بن حسن في السر فأجابهم إلى ذلك ولبسوا البياض. ولما جاء خبر مقتل محمد بن عبد الله بالمدينة سقط في أيديهم وأخذوا في الاعتذار إلى عبد الله بن محمد، فقال له عبد الله: إني أخشى على نفسي. فقال: إني سأبعثك إلى ملك من المشركين في جوار أرضنا، وإنه من أشد الناس تعظيما لرسول الله ﷺ ، وإنه متى عرفك أنك من سلالته أحبك. فأجابه إلى ذلك، وسار عبد الله ابن محمد إلى ذلك الملك وكان عنده آمنا، وصار عبد الله يركب في موكب من الزيدية ويتصيد في جحفل من الجنود، وانضم إليه خلق وقدم عليه طوائف من الزيدية. وأما المنصور فإنه بعث يعتب على عمر بن حفص نائب السند، فقال رجل من الأمراء ابعثني إليه واجعل القضية مسندة إلى، فانى سأعتذر إليه من ذلك، فان سلمت وإلا كنت فداءك وفداء من عندك من الأمراء. فأرسله سفيرا في القضية إلى المنصور، فلما وقف بين يدي المنصور أمر بضرب عنقه، وكتب إلى عمر بن حفص بعزله عن السند وولاه بلاد إفريقية عوضا عن أميرها، ولما وجه المنصور هشام بن عمرو إلى السند أمره أن يجتهد في تحصيل عبد الله بن محمد، فجعل يتوانى في ذلك، فبعث إليه المنصور يستحثه في ذلك، ثم اتفق الحال أن سيفا أخا هشام بن عمرو لقي عبد الله بن محمد في بعض الأماكن فاقتتلوا فقتل عبد الله وأصحابه جميعا واشتبه عليهم مكانه في القتلى فلم يقدروا عليه. فكتب هشام بن عمرو إلى المنصور يعلمه بقتله، [فبعث يشكره على ذلك ويأمره بقتال الملك الّذي آواه، ويعلمه أن عبد الله كان قد تسرى بجارية هنالك وأولدها ولدا أسماه محمدا، فإذا ظفرت بالملك فاحتفظ بالغلام فنهض] هشام بن عمرو إلى ذلك الملك فقاتله فغلبه وقهره على بلاده وأمواله وحواصله، وبعث بالفتح والأخماس وبذلك الغلام والملك إلى المنصور، ففرح المنصور بذلك وبعث بذلك الغلام إلى المدينة، وكتب المنصور إلى نائبها يعلمه بصحة نسبه، ويأمره أن يلحقه بأهله يكون عندهم لئلا يضيع نسبه، فهو الّذي يقال له أبو الحسن بن الأشتر. وفي هذه السنة قدم المهدي بن المنصور على أبيه من خراسان فتلقاه أبوه والأمراء والأكابر.

стр. 3292

إلى أثناء الطريق، وقدم بعد ذلك نواب البلاد والشام وغيرها للسلام عليه وتهنئته بالسلامة والنصر. وحمل إليه من الهدايا والتحف ما لا يحد ولا يوصف. بناء الرصافة قال ابن جرير: وفي هذه السنة شرع المنصور في بناء الرصافة لابنه المهدي بعد مقدمه من خراسان، وهي في الجانب الشرقي من بغداد، وجعل لها سورا وخندقا، وعمل عندها ميدانا وبستانا، وأجرى إليها الماء من نهر المهدي. قال ابن جرير: وفيها جدد المنصور البيعة لنفسه ثم لولده المهدي من بعده، ولعيسى بن موسى من بعدهما، وجاء الأمراء والخواص فبايعوا وجعلوا يقبّلون يد المنصور ويد ابنه ويلمسون يد عيسى بن موسى ولا يقبلونها. قال الواقدي: وولى المنصور معن بن زائدة سجستان. وحج بالناس فيها محمد بن إبراهيم بن محمد بن على، وهو نائب مكة والطائف، وعلى المدينة الحسن بن زيد، وعلى الكوفة محمد بن سليمان، وعلى البصرة جابر بن زيد الكلابي، وعلى مصر يزيد بن حاتم. ونائب خراسان حميد بن قحطبة، ونائب سجستان معن بن زائدة. وغزا الصائفة فيها عبد الوهاب بن إبراهيم بن محمد. وفيها توفى حنظلة ابن أبى سفيان، وعبد الله بن عون، ومحمد بن إسحاق بن يسار، صاحب السيرة النبويّة التي جمعها وجعلها علما يهتدى به، وفخرا يستجلى به، والناس كلهم عيال عليه في ذلك، كما قال الشافعيّ وغيره من الأئمة. ثم دخلت سنة ثنتين وخمسين ومائة فيها عزل المنصور عن إمرة مصر يزيد بن حاتم وولاها محمد بن سعيد، وبعث إلى نائب إفريقية وكان قد بلغه أنه عصى وخالف، فلما جيء به أمر بضرب عنقه. وعزل عن البصرة جابر ابن زيد الكلابي وولاها يزيد بن منصور. وفيها قتلت الخوارج معن بن زائدة بسجستان. وفيها توفى عباد بن منصور، ويونس بن يزيد الأيلي. ثم دخلت سنة ثلاث وخمسين ومائة وفيها غضب المنصور على كاتبه أبى أيوب المورياني وسجنه وسجن أخاه خالدا وبنى أخيه الأربعة سعيدا ومسعودا ومخلدا ومحمدا، وطالبهم بالأموال الكثيرة. وكان سبب ذلك ما ذكره ابن عساكر في ترجمة أبى جعفر المنصور، وهو أنه كان في زمن شبيبته قد ورد الموصل وهو فقير لا شيء له ولا معه شيء، فأجر نفسه من بعض الملاحين حتى اكتسب شيئا تزوج به امرأة، ثم جعل يعدها ويمنيها أنه من بيت سيصير الملك إليهم سريعا، فاتفق حبلها منه، ثم تطلبه بنو أمية فهرب عنها

стр. 3293

وتركها حاملا، ووضع عندها رقعة فيها نسبته، وأنه عبد الله بن محمد بن على بن عبد الله بن عباس، وأمرها إذا بلغها أمره أن تأتيه، وإذا ولدت غلاما أن تسميه جعفرا. فولدت غلاما فسمته جعفرا. ونشأ الغلام فتعلم الكتابة وغوى العربية والأدب، وأتقن ذلك إتقانا جيدا، ثم آل الأمر إلى بنى العباس، فسألت عن السفاح فإذا هو ليس صاحبها، ثم قام المنصور وصار الولد إلى بغداد فاختلط بكتّاب الرسائل فأعجب به أبو أيوب المورياني صاحب ديوان الإنشاء للمنصور، وحظي عنده وقدمه على غيره، فاتفق حضوره معه بين يدي الخليفة فجعل الخليفة يلاحظه، ثم بعث يوما الخادم ليأتيه بكاتب فدخل ومعه ذلك الغلام، فكتب بين يدي المنصور كتابا وجعل الخليفة ينظر إليه ويتأمله، ثم سأله عن اسمه فأخبره أنه جعفر، فقال: ابن من؟ فسكت الغلام، فقال: مالك لا تتكلم؟ فقال: يا أمير المؤمنين إن من خبري كيت وكيت، فتغير وجه الخليفة ثم سأله عن أمه فأخبره، وسأله عن أحوال بلد الموصل فجعل يخبره والغلام يتعجب. ثم قام إليه الخليفة فاحتضنه وقال: أنت ابني. ثم بعثه بعقد ثمين ومال جزيل وكتاب إلى أمه يعلمها بحقيقة الأمر وحال الولد. وخرج الغلام ومعه ذلك من باب سر الخليفة فأحرز ذلك ثم جاء إلى أبى أيوب فقال: ما بطأ بك عند الخليفة؟ فقال: إنه استكتبنى في رسائل كثيرة، ثم تقاولا، ثم فارقه الغلام مغضبا ونهض من فوره فاستأجر إلى الموصل ليعلم أمه ويحملها وأهلها إلى بغداد، إلى أبيه الخليفة. فسار مراحل، ثم سأل عنه أبو أيوب فقيل سافر فظن أبو أيوب أنه قد أفشى شيئا من أسراره إلى الخليفة وفر منه، فبعث في طلبه رسولا وقال: حيث وجدته فرده على. فسار الرسول في طلبه فوجده في بعض المنازل فخنقه وألقاه في بئر وأخذ ما كان معه فرجع به إلى أبى أيوب. فلما وقف أبو أيوب على الكتاب أسقط في يديه وندم على بعثه خلفه. وانتظر الخليفة عود ولده إليه واستبطأه وكشف عن خبره فإذا رسول أبى أيوب قد لحقه وقتله. فحينئذ استحضر أبا أيوب وألزمه بأموال عظيمة، وما زال في العقوبة حتى أخذ جميع أمواله وحواصله ثم قتله، وجعل يقول: هذا قتل حبيبي. وكان المنصور كلما ذكر ولده حزن عليه حزنا شديدا. وفيها خرجت الخوارج من الصفرية وغيرهم ببلاد إفريقية. فاجتمع منهم ثلاثمائة ألف وخمسون ألفا، ما بين فارس وراحل، وعليهم أبو حاتم الأنماطي، وأبو عباد. وانضم إليهم أبو قرة الصفرى في أربعين ألفا، فقاتلوا نائب إفريقية فهزموا جيشه وقتلوه، وهو عمر بن عثمان بن أبى صفرة الّذي كان نائب السند كما تقدم، قتله هؤلاء الخوارج ﵀. وأكثرت الخوارج الفساد في البلاد، وقتلوا الحريم والأولاد. وفيها ألزم المنصور الناس بلبس قلانس سود طوال جدا، وحتى كانوا يستعينون على رفعها من داخلها بالقصب، فقال أبو دلامة الشاعر في ذلك:

стр. 3294

وكنا نرجى من إمام زيادة … فزاد الامام المرتجى في القلانس تراها على هام الرجال كأنها … دنا يهود جللت بالبرانس وفيها غزا الصائفة معيوب بن يحيى الحجورى فأسر خلقا كثيرا من الروم ينيف على ستة آلاف أسير، وغنم أموالا جزيلة. وحج بالناس المهدي بن المنصور [وهو ولى العهد الملقب بالمهديّ. وكان على نيابة مكة والطائف محمد بن إبراهيم، وعلى المدينة الحسن بن زيد وعلى الكوفة محمد بن سليمان وعلى البصرة يزيد بن منصور، وعلى مصر محمد بن سعيد. وذكر الواقدي أن يزيد بن منصور كان ولاه المنصور في هذه السنة اليمن. فالله أعلم] (١). وفيها توفى أبان بن صمعة، وأسامة بن زيد الليثي، وثور بن يزيد الحمصي، والحسن بن عمارة، وقطر بن خليفة، ومعمر وهشام بن الغازي والله أعلم. ثم دخلت سنة أربع وخمسين ومائة فيها دخل المنصور بلاد الشام وزار بيت المقدس وجهز يزيد بن حاتم في خمسين ألفا وولاه بلاد إفريقية، وأمره بقتال الخوارج، وأنفق على هذا الجيش نحوا من ثلاث وستين ألف درهم، وغزا الصائفة زفر بن عاصم الهلالي. وحج بالناس فيها محمد بن إبراهيم. ونواب البلاد والأقاليم هم المذكورون في التي قبلها، سوى البصرة فعليها عبد الملك بن أيوب بن ظبيان. وفيها توفى أبو أيوب الكاتب وأخوه خالد، وأمر المنصور ببني أخيه أن تقطع أيديهم وأرجلهم ثم تضرب بعد ذلك أعناقهم ففعل ذلك بهم. وفيها توفى: أشعب الطامع وهو أشعب بن جبير أبو العلاء، ويقال أبو إسحاق المديني، ويقال له أبو حميدة. وكان أبوه مولى لآل الزبير، قتله المختار، وهو خال الواقدي. روى عن عبد الله بن جعفر «أن رسول الله ﷺ كان يتختم في اليمين». وأبان بن عثمان، وسالم وعكرمة، وكان ظريفا ماجنا يحبه أهل زمانه لخلاعته وطمعه، وكان حميد الغناء، وقد وفد على الوليد بن يزيد دمشق فترجمه ابن عساكر ترجمة ذكر عنه فيها أشياء مضحكة، وأسند عنه حديثين. وروى عنه أنه سئل يوما أن يحدث فقال: حدثني عكرمة عن ابن عباس أن رسول الله ﷺ . قال: «خصلتان من عمل بهما دخل الجنة» ثم سكت فقيل له: وما هما؟ فقال: نسي عكرمة الواحدة ونسيت أنا الأخرى. وكان سالم بن عبد الله ابن عمر يستخفه ويستحليه ويضحك منه ويأخذه معه إلى الغابة، وكذلك كان غيره من أكابر الناس. وقال الشافعيّ: عبث الولدان يوما بأشعب فقال لهم: إن هاهنا أناسا يفرقون الجوز - ليطردهم

стр. 3295

عنه - فتسارع الصبيان إلى ذلك، فلما رآهم مسرعين قال: لعله حق فتبعهم. وقال له رجل: ما بلغ من طمعك؟ فقال: ما زفت عروس بالمدينة إلا رجوت أن تزف إلى فأكسح داري وأنظف بابي وأكنس بيتي. واجتاز يوما برجل يصنع طبقا من قش فقال له: زد فيه طورا أو طورين لعله أن يهدى يوما لنا فيه هدية. وروى ابن عساكر أن أشعب غنى يوما لسالم بن عبد الله بن عمر قول بعض الشعراء: مضين بها والبدر يشبه وجهها … مطهرة الأثواب والدين وافر لها حسب زاك وعرض مهذب … وعن كل مكروه من الأمر زاجر من الخفرات البيض لم تلق ريبة … ولم يستملها عن تقى الله شاعر فقال له سالم: أحسنت فزدنا. فغناه: ألمت بنا والليل داج كأنه … جناح غراب عنه قد نفض القطرا فقلت أعطار ثوى في رحالنا … وما علمت ليلى سوى ريحها عطرا فقال له: أحسنت ولولا أن يتحدث الناس لأجزلت لك الجائزة، وإنك من الأمر لبمكان. وفيها توفى جعفر بن برقان، والحكم بن أبان، وعبد الرحمن بن زيد بن جابر، وقرة بن خالد، وأبو عمرو بن العلاء أحد أئمة القراء، واسمه كنيته، وقيل اسمه ريان والصحيح الأول. وهو أبو عمرو بن العلاء بن عمار بن العريان بن عبد الله بن الحصين التميمي المازني البصري، وقيل غير ذلك في نسبه، كان علامة زمانه في الفقه والنحو وعلم القراءات، وكان من كبار العلماء العاملين، يقال إنه كتب ملء بيت من كلام العرب، ثم تزهد فأحرق ذلك كله، ثم راجع الأمر الأول فلم يكن عنده إلا ما كان يحفظه من كلام العرب، وكان قد لقي خلقا كثيرا من أعراب الجاهلية، كان مقدما أيام الحسن البصري ومن بعده. ومن اختياراته في العربية قوله في تفسيره الغرة في الجنين: إنها لا يقبل فيها إلا أبيض غلاما كان أو جارية. فهم ذلك من قوله ﵇: «غرة عبد أو أمة» ولو أريد أي عبد كان أو جارية لما قيده بالغرة، وإنما الغرة البياض. قال ابن خلكان: وهذا غريب ولا أعلم هل يوافقه قول أحد من الأئمة المجتهدين أم لا. وذكر عنه أنه كان إذا دخل شهر رمضان لا ينشد بيتا من الشعر حتى ينسلخ، وإنما كان يقرأ القرآن وأنه كان يشترى له كل يوم كوزا جديدا وريحانا طريا، وقد صحبه الأصمعي نحوا من عشر سنين. كانت وفاته في هذه السنة، وقيل في سنة ست وخمسين، وقيل تسع وخمسين فالله أعلم. وقد قارب التسعين، وقيل إنه جاوزها فالله أعلم، وقبره بالشام وقيل بالكوفة فالله أعلم. [وقد روى ابن عساكر في ترجمة صالح بن على بن عبد الله بن العباس عن أبيه عن جده عبد الله]

стр. 3296

[ابن عباس مرفوعا «لأن يربى أحدكم بعد أربع وخمسين ومائة جر وكلب خير له من أن يربى ولدا لصلبه». وهذا منكر جدا وفي إسناده نظر. ذكره من طريق تمام عن خيثمة بن سليمان عن محمد ابن عوف الحمصي عن أبى المغيرة عبد الله بن السمط عن صالح به، وعبد الله بن السمط هذا لا أعرفه، وقد ذكره شيخنا الحافظ الذهبي في كتابه الميزان وقال: روى عن صالح بن على حديثا موضوعا] (١) ثم دخلت سنة خمس وخمسين ومائة فيها دخل يزيد بن حاتم بلاد إفريقية فافتتحها عودا على بدء، وقتل من كان فيها ممن تغلب عليها من الخوارج، وقتل أمراءهم وأسر كبراءهم وأذل أشرافهم واستبدل أهل تلك البلاد بالخوف أمنا وسلامة، وبالإهانة كرامة، وكان من جملة من قتل من أمرائهم أبو حاتم وأبو عباد الخارجيان. ثم لما استقامت له وبه الأمور في البلدان دخل بعد ذلك بلاد القيروان فمهدها وأقر أهلها وقرر أمورها وأزال محذورها والله سبحانه أعلم. بناء الرافقة وهي المدينة المشهورة وفيها أمر المنصور ببناء الرافقة على منوال بناء بغداد في هذه السنة، وأمر فيها ببناء سور وعمل خندق حول الكوفة، وأخذ ما غرم على ذلك من أموال أهلها، من كل إنسان من أهل اليسار أربعين درهما. وقد فرضها أولا خمسة دراهم، خمسة دراهم، ثم جباها أربعين أربعين، فقال في ذلك بعضهم يا لقومي ما رأينا … في أمير المؤمنينا قسم الخمسة فينا … وجبانا أربعينا وفيها غزا الصائفة يزيد بن أسيد السلمي. وفيها طلب ملك الروم الصلح من المنصور على أن يحمل إليه الجزية. وفيها عزل المنصور أخاه العباس بن محمد بن الجزيرة وغرمه أموالا كثيرة. وفيها عزل محمد بن سليمان بن على عن إمرة الكوفة، فقيل لأمور بلغته عنه في تعاطى منكرات، وأمور لا تليق بالعمال، وقيل لقتله محمد بن أبى العوجاء - وقد كان ابن أبى العوجاء هذا زنديقا - يقال إنه لما أمر بضرب عنقه اعترف على نفسه بوضع أربعة آلاف حديث يحل فيها الحرام ويحرم فيها الحلال، ويصوّم الناس يوم الفطر ويفطرهم في أيام الصيام، فأراد المنصور أن يجعل قتله له ذنبا فعزله به، وإنما أراد أن يقيده منه، فقال له عيسى بن موسى: يا أمير المؤمنين لا تعزله بهذا ولا نقتله به، فإنه إنما قتله على الزندقة، ومتى عزلته به شكره العامة وذموك، فتركه حينا ثم عزله وولى مكانه على الكوفة عمرو بن زهير. وفيها عزل عن المدينة الحسن بن زيد وولى عليها عمه عبد الصمد بن على، وجعل معه فليح بن سليمان مشرفا عليه. وعلى إمرة مكة محمد بن إبراهيم بن محمد، وعلى البصرة الهيثم بن معاوية، وعلى مصر محمد بن سعيد، وعلى إفريقية يزيد بن حاتم. وفيها توفى صفوان

стр. 3297

ابن عمرو وعثمان بن أبى العاتكة الدمشقيان، وعثمان بن عطاء، ومسعر بن كدام. وحماد الراوية وهو ابن أبى ليلى ميسرة - ويقال سابور - بن المبارك بن عبيد الديلميّ الكوفي، مولى بكير ابن زيد الخيل الطائي، كان من أعلم الناس بأيام العرب وأخبارها وأشعارها ولغاتها، وهو الّذي جمع السبع المعلقات الطوال، وإنما سمى الراوية لكثرة روايته الشعر عن العرب، اختبره الوليد بن يزيد بن عبد الملك أمير المؤمنين في ذلك فأنشده تسعا وعشرين قصيدة على حروف المعجم، كل قصيدة نحوا من مائة بيت، وزعم أنه لا يسمى شاعر من شعراء العرب إلا أنشد له ما لا يحفظه غيره. فأطلق له مائة ألف درهم. وذكر أبو محمد الحريري في كتابه درة الغواص، أن هشام بن عبد الملك استدعاه من العراق من نائبة يوسف بن عمر، فلما دخل عليه إذا هو في دار قوراء مرخمة بالرخام والذهب، وإذا عنده جاريتان حسنتان جدا، فاستنشده شيئا فأنشده، فقال له: سل حاجتك: فقال: كائنة ما كانت يا أمير المؤمنين؟ فقال: وما هي؟ فقال تطلق لي إحدى هاتين الجاريتين. فقال: هما وما عليهما لك، وأخلاه في بعض داره وأطلق له مائة ألف درهم. هذا ملخص الحكاية، والظاهر أن هذا الخليفة إنما هو الوليد بن يزيد، فإنه ذكر أنه شرب معه الخمر، وهشام لم يكن يشرب. ولم يكن نائبة على العراق يوسف بن عمر، إنما كان نائبة خالد بن عبد الله القسري، وبعده يوسف بن عمر بن عبد العزيز. كانت وفاة حماد في هذه السنة عن ستين سنة. قال ابن خلكان: وقيل إنه أدرك أول خلافة المهدي في سنة ثمان وخمسين فالله أعلم. وفيها قتل حماد عجرد على الزندقة. وهو حماد بن عمر بن يوسف بن كليب الكوفي، ويقال إنه واسطي، مولى بنى سواد، وكان شاعرا ماجنا ظريفا زنديقا متهما على الإسلام، وقد أدرك الدولتين الأموية والعباسية، ولم يشتهر إلا في أيام بنى العباس، وكان بينه وبين بشار بن برد مهاجاة كثيرة، وقد قتل بشار هذا على الزندقة أيضا كما سيأتي، ودفن مع حماد هذا في قبره، وقيل إن حمادا عجرد مات سنة ثمان وخمسين، وقيل إحدى وستين ومائة فالله أعلم. ثم دخلت سنة ست وخمسين ومائة فيها ظفر الهيثم بن معاوية نائب المنصور على البصرة، بعمرو بن شداد الّذي كان عاملا لإبراهيم ابن محمد على فارس، فقيل أمر فقطعت يداه ورجلاه وضربت عنقه ثم صلب. وفيها عزل المنصور الهيثم بن معاوية هذا الّذي فعل هذه الفعلة عن البصرة وولى عليها قاضيها سوار بن عبد الله، فجمع له بين القضاء والصلاة، وجعل على شرطتها وأحداثها سعيد بن دعلج، ورجع الهيثم بن معاوية قاتل عمرو بن شداد إلى بغداد فمات فيها فجأة في هذه السنة، وهو على بطن جارية له، وصلى عليه

стр. 3298

المنصور ودفن في مقابر بنى هاشم [ويقال إنه أصابته دعوة عمر بن شداد الّذي قتله تلك القتلة، فليتق العبد الظلم] (١) وحج بالناس العباس بن محمد أخو المنصور. ونواب البلاد هم المذكورون في التي قبلها. وعلى فارس والأهواز وكور دجلة عمارة بن حمزة، وعلى كرمان والسند هشام بن عمرو. وفيها توفى حمزة الزيات في قول. وهو أحد القراء المشهورين والعباد المذكورين، وإليه تنسب المدود الطويلة في القراءة اصطلاحا من عنده، وقد تكلم فيه بسببها بعض الأئمة وأنكروها عليه. وسعيد بن أبى عروبة، وهو أول من جمع السنن في قول، وعبد الله بن شوذب، وعبد الرحمن بن زياد بن أنعم الإفريقي، وعمر بن ذر. ثم دخلت سنة سبع وخمسين ومائة فيها بنى المنصور قصره المسمى بالخلد في بغداد، تفاؤلا في الدنيا، فعند كماله مات وخرب القصر من بعده، وكان المستحث في عمارته أبان بن صدقة، والربيع مولى المنصور وهو حاجبه. وفيها حول المنصور الأسواق من قرب دار الامارة إلى باب الكرخ. وقد ذكرنا فيما تقدم سبب ذلك. وفيها أمر بتوسعة الطرقات. وفيها أمر بعمل جسر عند باب الشعير. وفيها استعرض المنصور جنده وهم ملبسون السلاح وهو أيضا لابس سلاحا عظيما، وكان ذلك عند دجلة. وفيها عزل عن السند هشام بن عمرو ولى عليها سعيد بن الخليل. وفيها غزا الصائفة يزيد بن أسيد السلمي فأوغل في بلاد الروم، وبعث سنانا مولى البطال مقدمة بين يديه ففتح حصونا وسبى وغنم. وفيها حج بالناس إبراهيم بن يحيى بن محمد بن على. ونواب البلاد هم المذكورون في التي قبلها. وفيها توفى الحسين بن واقد، والامام الجليل علامة الوقت أبو عمرو عبد الرحمن بن عمرو الأوزاعي فقيه أهل الشام وإمامهم. وقد بقي أهل دمشق وما حولها من البلاد على مذهبه نحوا من مائتين وعشرين سنة. وهذا ذكر شيء من ترجمة الأوزاعي ﵀ هو عبد الرحمن بن عمرو بن محمد أبو عمرو الأوزاعي. والأوزاع بطن من حمير وهو من أنفسهم، قاله محمد بن سعد. وقال غيره: لم يكن من أنفسهم وإنما نزل في محلة الأوزاع، وهي قرية خارج باب الفراديس من قرى دمشق، وهو ابن عم يحيى بن عمرو الشيباني. قال أبو زرعة: وأصله من سبى السند فنزل الأوزاع فغلب عليه النسبة إليها. وقال غيره: ولد ببعلبكّ ونشأ بالبقاع يتيما في حجر أمه، وكانت تنتقل به من بلد إلى بلد، وتأدب بنفسه، فلم يكن في أبناء الملوك والخلفاء والوزراء والتجار وغيرهم أعقل منه، ولا أورع ولا أعلم، ولا أفصح ولا أوقر ولا أحلم، ولا أكثر صمتا منه، ما تكلم بكلمة إلا كان المتعين على من سمعها من جلسائه أن يكتبها عنه، من حسنها،

стр. 3299

وكان يعاني الرسائل والكتابة، وقد اكتتب مرة في بعث إلى اليمامة فسمع الحديث من يحيى بن أبى كثير وانقطع إليه فأرشده إلى الرحلة إلى البصرة ليسمع من الحسن وابن سيرين. فسار إليها فوجد الحسن قد توفى من شهرين ووجد ابن سيرين مريضا، فجعل يتردد لعيادته، فقوى المرض به ومات ولم يسمع منه الأوزاعي شيئا. ثم جاء فنزل دمشق بمحلة الأوزاع خارج باب الفراديس، وساد أهلها في زمانه وسائر البلاد في الفقه والحديث والمغازي وغير ذلك من علوم الإسلام. وقد أدرك خلقا من التابعين وغيرهم، وحدث عنه جماعات من سادات المسلمين، كمالك بن أنس والثوري والزهري، وهو من شيوخه. وأثنى عليه غير واحد من الأئمة، وأجمع المسلمون على عدالته وإمامته. قال مالك: كان الأوزاعي إماما يقتدى به. وقال سفيان بن عيينة وغيره: كان الأوزاعي إمام أهل زمانه، وقد حج مرة فدخل مكة وسفيان الثوري آخذ بزمام جملة، ومالك بن أنس يسوق به، والثوري يقول: افسحوا للشيخ حتى أجلساه عند الكعبة، وجلسا بين يديه يأخذان عنه. وقد تذاكر مالك والأوزاعي مرة بالمدينة من الظهر حتى صليا العصر، ومن العصر حتى صليا المغرب، فغمره الأوزاعي في المغازي، وغمره مالك في الفقه. أو في شيء من الفقه. وتناظر الأوزاعي والثوري في مسجد الخيف في مسألة رفع اليدين في الركوع والرفع منه، فاحتج الأوزاعي على الرفع في ذلك بما رواه عن الزهري عن سالم عن أبيه «أن رسول الله ﷺ كان يرفع يديه في الركوع والرفع منه». واحتج الثوري على ذلك بحديث يزيد بن أبى زياد (١) فغضب الأوزاعي وقال: تعارض حديث الزهري بحديث يزيد بن أبى زياد وهو رجل ضعيف؟ فاحمار وجه الثوري، فقال الأوزاعي: لعلك كرهت ما قلت؟ قال: نعم. قال: فقم بنا حتى نلتعن عند الركن أينا على الحق. فسكت الثوري. وقال هقل بن زياد: أفتى الأوزاعي في سبعين ألف مسألة بحدثنا. وأخبرنا. وقال أبو زرعة: روى عنه ستون ألف مسألة. وقال غيرهما: أفتى في سنة ثلاث عشرة ومائة وعمره إذ ذاك خمس وعشرون سنة، ثم لم يزل يفتى حتى مات وعقله زاك. وقال يحيى القطان عن مالك: اجتمع عندي الأوزاعي والثوري وأبو حنيفة فقلت: أيهم أرجح؟ قال: الأوزاعي. وقال محمد بن عجلان: لم أر أحدا أنصح للمسلمين من الأوزاعي. وقال غيره: ما رئي الأوزاعي ضاحكا مقهقها قط، ولقد كان يعظ الناس فلا يبقى أحد في مجلسه إلا بكى بعينه أو بقلبه، وما رأيناه يبكى في مجلسه قط وكان إذا خلى بكى حتى يرحم. وقال يحيى بن معين: العلماء أربعة: الثوري، وأبو حنيفة، ومالك، والأوزاعي. قال أبو حاتم: كان ثقة متبعا لما سمع. قالوا: وكان الأوزاعي لا يلحن في كلامه، وكانت كتبه ترد على المنصور فينظر فيها ويتأملها ويتعجب من فصاحتها وحلاوة عبارتها.

стр. 3300

وقد قال المنصور يوما لأحظى كتّابه عنده - وهو سليمان بن مجالد -: ينبغي أن نجيب الأوزاعي على ذلك دائما، لنستعين بكلامه فيما نكاتب به إلى الآفاق إلى من لا يعرف كلام الأوزاعي. فقال: والله يا أمير المؤمنين لا يقدر أحد من أهل الأرض على مثل كلامه ولا على شيء منه. وقال الوليد ابن مسلم: كان الأوزاعي إذا صلى الصبح جلس يذكر الله سبحانه حتى تطلع الشمس، وكان يأثر عن السلف ذلك. قال: ثم يقومون فيتذاكرون في الفقه والحديث. وقال الأوزاعي: رأيت ربّ العزة في المنام فقال: أنت الّذي تأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر؟ فقلت: بفضلك أي رب. ثم قلت: يا رب أمتنى على الإسلام. فقال: وعلى السنة. وقال محمد بن شعيب بن شابور: قال لي شيخ بجامع دمشق: أنا ميت في يوم كذا وكذا. فلما كان في ذلك اليوم رأيته في صحن الجامع يتفلى، فقال لي: اذهب إلى سرير الموتى فاحرزه لي عندك قبل أن تسبق إليه. فقلت: ما تقول؟ فقال: هو ما أقول لك، وإني رأيت كأن قائلا يقول فلان قدري، وفلان كذا وعثمان بن العاتكة نعم. الرجل، وأبو عمرو الأوزاعي خير من يمشى على وجه الأرض، وأنت تميت في يوم كذا وكذا. قال محمد بن شعيب: فما جاء الظهر حتى مات وصلينا عليه بعدها وأخرجت جنازته. ذكر ذلك ابن عساكر. وكان الأوزاعي ﵀ كثير العبادة حسن الصلاة ورعا ناسكا طويل الصمت، وكان يقول: من أطال القيام في صلاة الليل هوّن الله عليه طول القيام يوم القيامة، أخذ ذلك من قوله تعالى ﴿وَمِنَ اللَّيْلِ فَاسْجُدْ لَهُ وَسَبِّحْهُ لَيْلاً طَوِيلاً، * إِنَّ هؤُلاءِ يُحِبُّونَ الْعاجِلَةَ وَيَذَرُونَ وَراءَهُمْ يَوْماً ثَقِيلاً﴾ وقال الوليد بن مسلم: ما رأيت أحدا أشد اجتهادا من الأوزاعي في العبادة. وقال غيره: حج فما نام على الراحلة، إنما هو في صلاة، فإذا نعس استند إلى القتب، وكان من شدة الخشوع كأنه أعمى. ودخلت امرأة على امرأة الأوزاعي فرأت الحصير الّذي يصلى عليه مبلولا فقالت لها: لعل الصبى بال هاهنا. فقالت: هذا أثر دموع الشيخ من بكائه في سجوده، هكذا يصبح كل يوم. وقال الأوزاعي: عليك بآثار من سلف وإن رفضك الناس، وإياك وأقوال الرجال وإن زخرفوه وحسنوه، فان الأمر ينجلي وأنت منه على طريق مستقيم. وقال أيضا: اصبر على السنة وقف حيث يقف القوم، وقل ما قالوا وكف عما كفوا، وليسعك ما وسعهم. وقال: العلم ما جاء عن أصحاب محمد، وما لم يجئ عنهم فليس بعلم. وكان يقول: لا يجتمع حب عليّ وعثمان إلا في قلب مؤمن. وإذا أراد الله بقوم شرا فتح عليهم باب الجدل وسد عنهم باب العلم والعمل. قالوا: وكان الأوزاعي من أكرم الناس وأسخاهم، وكان له في بيت المال على الخلفاء أقطاع صار إليه من بنى أمية وقد وصل إليه من خلفاء بنى أمية وأقاربهم وبنى العباس نحو من سبعين ألف دينار، فلم يمسك منها شيئا، ولا اقتنى شيئا من عقار ولا غيره، ولا ترك يوم مات سوى سبعة دنانير كانت جهازه، بل

стр. 3301

كان ينفق ذلك كله في سبيل الله وفي الفقراء والمساكين. ولما دخل عبد الله بن على - عم السفاح الّذي أجلى بنى أمية عن الشام، وأزال الله سبحانه دولتهم على يده - دمشق فطلب الأوزاعي فتغيب عنه ثلاثة أيام ثم حضر بين يديه. قال الأوزاعي: دخلت عليه وهو على سرير وفي يده خيزرانة والمسوّدة عن يمينه وشماله، معهم السيوف مصلتة - والغمد الحديد - فسلمت عليه فلم يرد ونكت بتلك الخيزرانة التي في يده ثم قال: يا أوزاعي ما ترى فيما صنعنا من إزالة أيدي أولئك الظلمة عن العباد والبلاد؟ أجهادا ورباطا هو؟ قال: فقلت: أيها الأمير سمعت يحيى بن سعيد الأنصاري يقول سمعت محمد بن إبراهيم التيمي يقول سمعت علقمة بن وقاص يقول سمعت عمر بن الخطاب يقول سمعت رسول الله ﷺ يقول: «إنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امرئ ما نوى، فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله فهجرته إلى الله ورسوله، ومن كانت هجرته لدنيا يصيبها أو امرأة يتزوجها فهجرته إلى ما هاجر إليه». قال فنكت بالخيزرانة أشد مما كان ينكت، وجعل من حوله يقبضون أيديهم على قبضات سيوفهم، ثم قال: يا أوزاعي ما تقول في دماء بنى أمية؟ فقلت: قال رسول الله ﷺ : «لا يحل دم امرئ مسلم إلا بإحدى ثلاث: النفس بالنفس، والثيب الزاني، والتارك لدينه المفارق للجماعة». فنكت بها أشد من ذلك ثم قال: ما تقول في أموالهم؟ فقلت: إن كانت في أيديهم حراما فهي حرام عليك أيضا، وإن كانت حلالا فلا تحل لك إلا بطريق شرعي. فنكت أشد مما كان ينكت قبل ذلك ثم قال: ألا نوليك القضاء؟ فقلت: إن أسلافك لم يكونوا يشقون عليّ في ذلك، وإني أحب أن يتم ما ابتدءوني به من الإحسان. فقال: كأنك تحب الانصراف؟ فقلت: إن ورائي حرما وهم محتاجون إلى القيام عليهنّ وسترهن، وقلوبهن مشغولة بسببي. قال: وانتظرت رأسي أن يسقط بين يدي، فأمرنى بالانصراف. فلما خرجت إذا برسوله من ورائي، وإذا معه مائتا دينار، فقال يقول لك الأمير: استنفق هذه. قال: فتصدقت بها، وإنما أخذتها خوفا. قال: وكان في تلك الأيام الثلاثة صائما فيقال إن الأمير لما بلغه ذلك عرض عليه الفطر عنده فأبى أن يفطر عنده. قالوا: ثم رحل الأوزاعي من دمشق فنزل بيروت مرابطا بأهله وأولاده، قال الأوزاعي: وأعجبنى في بيروت أنى مررت بقبورها فإذا امرأة سوداء في القبور فقلت لها: أين العمارة ياهنتاه؟ فقالت: إن أردت العمارة فهي هذه - وأشارت إلى القبور - وإن كنت تريد الخراب فأمامك وأشارت إلى البلد - فعزمت على الاقامة بها. وقال محمد بن كثير: سمعت الأوزاعي يقول: خرجت يوما إلى الصحراء فإذا رجل جراد وإذا شخص راكب على جرادة منها وعليه سلاح الحديد، وكلما قال بيده هكذا إلى جهة مال الجراد مع يده، وهو يقول: الدنيا باطل باطل باطل، وما فيها باطل

стр. 3302

باطل باطل. وقال الأوزاعي: كان عندنا رجل يخرج يوم الجمعة إلى الصيد ولا ينتظر الجمعة فخسف ببغلته فلم يبق منها إلا أذناها، وخرج الأوزاعي يوما من باب مسجد بيروت وهناك وكان فيه رجل يبيع الناطف وإلى جانبه رجل يبيع البصل وهو يقول: يا بصل أحلى من العسل، أو قال أحلى من الناطف. فقال الأوزاعي: سبحان الله! أيظن هذا أن شيئا من الكذب يباح؟ فكأن هذا ما يرى في الكذب بأسا. وقال الواقدي قال الأوزاعي: كنا قبل اليوم نضحك ونلعب، أما إذ صرنا أئمة يقتدى بنا فلا ترى أن يسعنا ذلك، وينبغي أن نتحفظ. وكتب إلى أخ له: أما بعد فقد أحيط بك من كل جانب، وإنه يسار بك في كل يوم وليلة، فاحذر الله والقيام بين يديه، وأن يكون آخر العهد بك والسلام. وقال ابن أبى الدنيا: حدثني محمد بن إدريس سمعت أبا صالح - كاتب الليث - يذكر عن الهقل ابن زياد عن الأوزاعي أنه وعظ فقال في موعظته: أيها الناس، تقووا بهذه النعم التي أصبحتم فيها على الهرب من نار الله الموقدة، التي تطلع الأفئدة، فإنكم في دار الثواء فيها قليل، وأنتم عما قليل عنها راحلون، خلائف بعد القرون الماضية الذين استقبلوا من الدنيا آنقها وزهرتها، فهم كانوا أطول منكم أعمارا وأمد أجساما، وأعظم أحلاما، وأكثر أموالا وأولادا، فخددوا الجبال وجابوا الصخر بالواد، وتنقلوا في البلاد، مؤيدين ببطش شديد، وأجساد كالعماد، فما لبثت الأيام والليالي أن طوت آثارهم، وأخربت منازلهم وديارهم، وأنست ذكرهم، فهل تحس منهم من أحد أو تسمع له ركزا؟ كانوا بلهو الأمل آمنين، وعن ميقات يوم موتهم غافلين، فآبوا إياب قوم نادمين، ثم إنكم قد علمتم الّذي نزل بساحتهم بياتا من عقوبة الله، فأصبح كثير منهم في ديارهم جاثمين، وأصبح الباقون المتخلفون يبصرون في نعمة الله وينظرون في آثار نقمته، وزوال نعمته عمن تقدمهم من الهالكين ينظرون والله في مساكن خالية خاوية، قد كانت بالعز محفوفة، وبالنعم معروفة، والقلوب إليها مصروفة، والأعين نحوها ناظرة، فأصبحت آية للذين يخافون العذاب الأليم، وعبرة لمن يخشى. وأصبحتم بعدهم في أجل منقوص ودنيا منقوصة، في زمان قد ولى عفوه وذهب رخاؤه وخيره وصفوه، فلم يبق منه إلا جمة شر، وصبابة كدر، وأهاويل عبر، وعقوبات غير، وإرسال فتن، وتتابع زلازل، ورذالة خلف بهم ظهر الفساد في البر والبحر، يضيقون الديار ويغلون الأسعار بما يرتكبونه من العار والشنار، فلا تكونوا أشباها لمن خدعه الأمل، وغيره طول الأجل، ولعبت به الأماني، نسأل الله أن يجعلنا وإياكم ممن إذا دعي بدر، وإذا نهى انتهى، وعقل مثواه فمهد لنفسه. وقد اجتمع الأوزاعي بالمنصور حين دخل الشام ووعظه وأحبه المنصور وعظمه، ولما أراد الانصراف من بين يديه استأذنه أن لا يلبس السواد فأذن له، فلما خرج قال المنصور للربيع

стр. 3303

الحاجب: الحقه فاسأله لم كره لبس السواد؟ ولا تعلمه أنى قلت لك. فسأله الربيع فقال: لأني لم أر محرما أحرم فيه، ولا ميتا كفن فيه، ولا عروسا جليت فيه، فلهذا أكرهه. وقد كان الأوزاعي في الشام معظما مكرما أمره أعز عندهم من أمر السلطان، وقد هم به بعض الولاة مرة فقال له أصحابه: دعه عنك والله لو أمر أهل الشام أن يقتلوك لقتلوك. ولما مات جلس على قبره بعض الولاة فقال: رحمك الله، فو الله لقد كنت أخاف منك أكثر مما أخاف من الّذي ولانى - يعنى المنصور - وقال ابن أبى العشرين: ما مات الأوزاعي حتى جلس وحده وسمع شتمه بأذنه. وقال أبو بكر بن أبى خيثمة: حدثنا محمد بن عبيد الطنافسي قال: كنت جالسا عند الثوري فجاءه رجل فقال: رأيت كأن ريحانة من المغرب - يعنى قلعت -. قال: إن صدقت رؤياك فقد مات الأوزاعي. فكتبوا ذلك فجاء موت الأوزاعي في ذلك اليوم. وقال أبو مسهر: بلغنا أن سبب موته أن امرأته أغلقت عليه باب حمام فمات فيه، ولم تكن عامدة ذلك، فأمرها سعيد بن عبد العزيز بعتق رقبة. قال: وما خلف ذهبا ولا فضة ولا عقارا، ولا متاعا إلا ستة وثمانين، فضلت من عطائه. وكان قد اكتتب في ديوان الساحل. وقال غيره: كان الّذي أغلق عليه باب الحمام صاحب الحمام، أغلقه وذهب لحاجة له ثم جاء ففتح الحمام فوجده ميتا قد وضع يده اليمنى تحت خده وهو مستقبل القبلة ﵀. قلت: لا خلاف أنه مات ببيروت مرابطا، واختلفوا في سنة ووفاته، فروى يعقوب بن سفيان عن سلمة قال قال أحمد: رأيت الأوزاعي وتوفى سنة خمسين ومائة. قال العباس بن الوليد البيروتي: توفى يوم الأحد أول النهار لليلتين بقيتا من صفر سنة سبع وخمسين ومائة، وهو الّذي عليه الجمهور وهو الصحيح، وهو قول أبى مسهر وهشام بن عمار والوليد بن مسلم - في أصح الروايات عنه - ويحيى بن معين ودحيم وخليفة بن خياط وأبى عبيد وسعيد بن عبد العزيز وغير واحد. قال العباس بن الوليد: ولم يبلغ سبعين سنة. وقال غيره: جاوز السبعين، والصحيح سبع وستون سنة، لأن ميلاده في سنة ثمان وثمانين على الصحيح. وقيل إنه ولد سنة ثلاث وسبعين، وهذا ضعيف. وقد رآه بعضهم في المنام فقال له: دلني على عمل يقر بنى إلى الله. فقال: ما رأيت في الجنة درجة أعلا من درجة العلماء العاملين، ثم المحزونين. ثم دخلت سنة ثمان وخمسين ومائة فيها تكامل بناء قصر المنصور المسمى بالخلد وسكنه أياما يسيرة ثم مات وتركه، وفيها مات طاغية الروم. وفيها وجه المنصور ابنه المهدي إلى الرقة وأمره بعزل موسى بن كعب عن الموصل، وأن يولى عليها خالد بن برمك، وكان ذلك بعد نكتة غريبة اتفقت ليحيى بن خالد، وذلك أن

стр. 3304

المنصور كان قد غضب على خالد بن برمك، وألزمه بحمل ثلاثة آلاف ألف، فضاق ذرعا بذلك، ولم يبق له مال ولا حال وعجز عن أكثرها، وقد أجله ثلاثة أيام، وأن يحمل ذلك في هذه الثلاثة الأيام وإلا فدمه هدر فجعل يرسل ابنه يحيى إلى أصحابه من الأمراء يستقرض منهم، فكان منهم من أعطاه مائة ألف، ومنهم أقل وأكثر. قال يحيى بن خالد: فبينا أنا ذات يوم من تلك الأيام الثلاثة على جسر بغداد، وأنا مهموم في تحصيل ما طلب منا مما لا طاقة لنا به، إذ وثب إلى زاجر من أولئك الذين يكونون عند الجسر من الطرقية، فقال لي: ابشر، فلم ألتفت إليه، فتقدم إلى حتى أخذ بلجام فرسي ثم قال لي: أنت مهموم، ليفرجن الله همك ولتمرن غدا في هذا الموضع واللواء بين يديك، فان كان ما قلت لك حقا فلي عليك خمسة آلاف. فقلت: نعم. ولو قال خمسون ألفا لقلت نعم، لبعد ذلك عندي. وذهبت لشأنى، وقد بقي علينا من الحمل ثلاثمائة ألف فورد الخبر إلى المنصور بانتقاض الموصل وانتشار الأكراد فيها، فاستشار المنصور الأمراء من يصلح للموصل؟ فأشار بعضهم بخالد بن برمك، فقال له المنصور: أو يصلح لذلك بعد ما فعلنا به؟ فقال: نعم! وأنا الضامن أنه يصلح لها، فأمر بإحضاره فولاه إياها ووضع عنه بقية ما كان عليه، وعقد له اللواء، وولى ابنه يحيى أذربيجان وخرج الناس في خدمتهما. قال يحيى: فمررنا بالجسر فثار لي ذلك الزاجر فطالبني بما وعدته به، فأمرت له به فقبض خمسة آلاف. وفي هذه السنة خرج المنصور إلى الحج فساق الهدى معه، فلما جاوز الكوفة بمراحل أخذه وجه الّذي مات به وكان عنده سوء مزاج فاشتد عليه من شدة الحر وركوبه في الهواجر، وأخذه إسهال وأفرط به، فقوى مرضه، ودخل مكة فتوفى بها ليلة السبت لست مضين من ذي الحجة، وصلى عليه ودفن بكذا عند ثنية باب المعلاة التي بأعلى مكة، وكان عمره يومئذ ثلاثا وقيل أربعا وقيل خمسا وستين، وقيل إنه بلغ ثمانيا وستين سنة فالله أعلم. وقد كتم الربيع الحاجب موته حتى أخذ البيعة للمهدي من القوّاد ورءوس بنى هاشم، ثم دفن. وكان الّذي صلى عليه إبراهيم بن يحيى بن محمد بن على، وهو الّذي أقام للناس الحج في هذه السنة. وهذه ترجمة المنصور هو عبد الله بن محمد بن على بن عبد الله بن عباس بن عبد المطلب بن هاشم أبو جعفر المنصور. وكان أكبر من أخيه أبى العباس السفاح، وأمه أم ولد اسمها سلامة. روى عن جده عن ابن عباس «أن رسول الله ﷺ كان يتختم في يمينه» أورده ابن عساكر من طريق محمد بن إبراهيم السلمي عن المأمون عن الرشيد عن المهدي عن أبيه المنصور به، بويع له بالخلافة بعد أخيه في ذي الحجة سنة ست وثلاثين ومائة، وعمره يومئذ إحدى وأربعون سنة، لأنه ولد في سنة خمس وتسعين

стр. 3305

على المشهور في صفر منها بالحمية من بلاد البلقاء، وكانت خلافته ثنتين وعشرين سنة إلا أياما، وكان أسمر اللون موفر اللمة خفيف اللحية، رحب الجبهة، أقنى الأنف، أعين كأن عينيه لسانان ناطقان، يخالطه أبهة الملك، وتقبله القلوب، وتتبعه العيون، يعرف الشرف في مواضعه، والعنف في صورته، والليث في مشيته، هكذا وصفه بعض من رآه. وقد صح عن ابن عباس أنه قال: «منا السفاح والمنصور» وفي رواية «حتى نسلمها إلى عيسى بن مريم». وقد روى مرفوعا ولا يصح ولا وقفه أيضا. وذكر الخطيب أن أمه سلامة قالت: رأيت حين حملت به كأنه خرج منى أسد فزأر واقفا على يديه، فما بقي أسد حتى جاء فسجد له. وقد رأى المنصور في صغره مناما غريبا كان يقول: ينبغي أن يكتب في ألواح الذهب، ويعلق في أعناق الصبيان. قال: رأيت كأنى في المسجد الحرام وإذا رسول الله ﷺ في الكعبة والناس مجتمعون حولها، فخرج من عنده مناد: أين عبد الله؟ فقام أخى السفاح يتخطى الرجال حتى جاء باب الكعبة فأخذ بيده فأدخله إياها، فما لبث أن خرج ومعه لواء أسود. ثم نودي أين عبد الله؟ فقمت أنا وعمى عبد الله بن على نستبق، فسبقته إلى باب الكعبة فدخلتها، فإذا رسول الله ﷺ وأبو بكر وعمر وبلال، فعقد لي لواء وأوصاني بأمته وعممني عمامة كورها ثلاثة وعشرون كورا، وقال: «خذها إليك أبا الخلفاء إلى يوم القيامة». وقد اتفق سجن المنصور في أيام بنى أمية فاجتمع به نوبخت المنجم وتوسم فيه الرئاسة فقال له: ممن تكون؟ فقال: من بنى العباس، فلما عرف منه نسبه وكنيته قال: أنت الخليفة الّذي تلى الأرض. فقال له: ويحك ماذا تقول؟ فقال: هو ما أقول لك، فضع لي خطك في هذه الرقعة أن تعطيني شيئا إذا وليت. فكتب له، فلما أولى أكرمه المنصور وأعطاه وأسلم نوبخت على يديه، وكان قبل ذلك مجوسيا. ثم كان من أخص أصحاب المنصور. وقد حج المنصور بالناس سنة أربعين ومائة، وأحرم من الحيرة، وفي سنة أربع وأربعين، وفي سنة سبع وأربعين. وفي سنة ثنتين وخمسين، ثم في هذه السنة التي مات فيه. وبنى بغداد والرصافة والرافقة وقصره الخلد. قال الربيع بن يونس الحاجب: سمعت المنصور يقول: الخلفاء أربعة: أبو بكر وعمر وعثمان وعلى. والملوك أربعة معاوية وعبد الملك بن مروان وهشام بن عبد الملك، وأنا. وقال مالك: قال لي المنصور: من أفضل الناس بعد رسول الله ﷺ ؟ فقلت: أبو بكر. وعمر. فقال: أصبت وذلك رأى أمير المؤمنين. وعن إسماعيل البهري قال سمعت المنصور على منبر عرفة يوم عرفة يقول: أيها الناس؟ إنما أنا سلطان الله في أرضه، أسوسكم بتوفيقه ورشده، وخازنه على ماله أقسمه بإرادته وأعطيه باذنه، وقد جعلني الله عليه قفلا فان شاء أن يفتحنى لأعطياتكم وقسم أرزاقكم فتحني، وإذا شاء أن يقفلنى عليه قفلنى. فارغبوا إلى الله أيها الناس وسلوه في هذا اليوم الشريف الّذي

стр. 3306

وهبكم فيه من فضله ما أعلمكم به في كتابه، إذ يقول: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلامَ دِيناً﴾. أن يوفقني للصواب ويسددني للرشاد ويلهمني الرأفة بكم والإحسان إليكم ويفتحنى لاعطياتكم وقسم أرزاقكم بالعدل عليكم، فإنه سميع مجيب. وقد خطب يوما فاعترضه رجل وهو يثنى على الله ، فقال: يا أمير المؤمنين اذكر من أنت ذاكره، واتّق الله فيما تأتيه وتذره. فسكت المنصور حتى انتهى كلام الرجل فقال: أعوذ بالله أن أكون من قال الله فيه ﴿وَإِذا قِيلَ لَهُ اِتَّقِ اللهَ أَخَذَتْهُ الْعِزَّةُ بِالْإِثْمِ﴾ أو أن أكون جبارا عصيا، أيها الناس! إن الموعظة علينا نزلت ومن عندنا نبتت. ثم قال للرجل: ما أظنك في مقالتك هذه تريد وجه الله، وإنما أردت أن يقال عنك وعظ أمير المؤمنين، أيها الناس لا يغرنكم هذا فتفعلوا كفعله ثم أمر به فاحتفظ به وعاد إلى خطبته فأكملها، ثم قال لمن هو عنده: أعرض عليه الدنيا فان قبلها فأعلمني، وإن ردها فأعلمني، فما زال به الرجل الّذي هو عنده حتى أخذ المال ومال إلى الدنيا فولاه الحسبة والمظالم وأدخله على الخليفة في بزة حسنة، وثياب وشارة وهيئة دنيوية، فقال له الخليفة: ويحك! لو كنت محقا مريدا وجه الله بما قلت على رءوس الناس لما قبلت شيئا مما أرى، ولكن أردت أن يقال عنك إنك وعظت أمير المؤمنين، وخرجت عليه، ثم أمر به فضربت عنقه. وقد قال المنصور لابنه المهدي: إن الخليفة لا يصلحه إلاّ التقوى، والسلطان لا يصلحه إلا الطاعة. والرعية لا يصلحها إلا العدل، وأولى الناس بالعفو أقدرهم على العقوبة، وأنقص الناس عقلا من ظلم من هو دونه. وقال أيضا: يا بنى استدم النعمة بالشكر، والقدرة بالعفو، والطاعة بالتأليف، والنصر بالتواضع والرحمة للناس، ولا تنس نصيبك من الدنيا ونصيبك من رحمة الله. وحضر عنده مبارك بن فضالة يوما وقد أمر برجل أن يضرب عنقه وأحضر النطع والسيف، فقال له مبارك: سمعت الحسين يقول قال رسول الله ﷺ : «إذا كان يوم القيامة نادى مناد ليقم من كان أجره على الله فلا يقوم إلا من عفا» فأمر بالعفو عن ذلك الرجل. ثم أخذ يعدد على جلسائه عظيم جرائم ذلك الرجل وما صنعه. وقال الأصمعي: أتى المنصور برجل ليعاقبه فقال: يا أمير المؤمنين الانتقام عدل والعفو فضل، وتعوذ أمير المؤمنين بالله أن يرضى لنفسه بأوكس النصيبين، وأدنى القسمين، دون أرفع الدرجتين. قال فعفا عنه. وقال الأصمعي: قال المنصور لرجل من أهل الشام: احمد الله يا أعرابى الّذي دفع عنكم الطاعون بولايتنا. فقال إن الله لا يجمع علينا حشفا وسوء كيل، ولايتكم والطاعون. والحكايات في ذكر حلمه وعفوه كثيرة جدا. [ودخل بعض الزهاد على المنصور فقال: إن الله أعطاك الدنيا بأسرها فاشتر نفسك ببعضها، واذكر ليلة تبيت في القبر لم تبت قبلها ليلة، واذكر ليلة تمخض عن]

стр. 3307

[يوم لا ليلة بعده. قال: فأفحم المنصور قوله وأمر له بمال فقال: لو احتجت إلى مالك لما وعظتك] (١) ودخل عمرو بن عبيد القدري على المنصور فأكرمه وعظمه وقربه وسأله عن أهله وعياله، ثم قال له: عظني. فقرأ عليه سورة الفجر إلى ﴿إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصادِ﴾ فبكى المنصور بكاء شديدا حتى كأنه لم يسمع بهذه الآيات قبل ذلك، ثم قال له: زدني. فقال: إن الله قد أعطاك الدنيا بأسرها فاشتر نفسك ببعضها، وإن هذا الأمر كان لمن قبلك ثم صار إليك ثم هو صائر لمن بعدك، واذكر ليلة تسفر عن يوم القيامة. فبكى المنصور أشد من بكائه الأول حتى اختلفت أجفانه. فقال له سليمان بن مجالد: رفقا بأمير المؤمنين. فقال عمرو: وماذا على أمير المؤمنين أن يبكى من خشية الله . ثم أمر له المنصور بعشرة آلاف درهم فقال: لا حاجة لي فيها. فقال المنصور: والله لتأخذنها. فقال: والله لا آخذنها. فقال له المهدي وهو جالس في سواده وسيفه إلى جانب أبيه: أيحلف أمير المؤمنين وتحلف أنت؟ فالتفت إلى المنصور فقال: ومن هذا؟ فقال: هذا ابني محمد ولى العهد من بعدي. فقال عمرو: إنك سميته اسما لم يستحقه لعمله، وألبسته لبوسا ما هو لبوس الأبرار، ولقد مهدت له أمرا أمتع ما يكون به أشغل ما يكون عنه. ثم التفت إلى المهدي فقال: يا ابن أخى! إذا حلف أبوك وحلف عمك فلأن يحنث أبوك أيسر من أن يحنث عمك، لأن أباك أقدر على الكفارة من عمك. ثم قال المنصور: يا أبا عثمان هل من حاجة؟ قال: نعم! قال: وما هي؟ قال: لا تبعث إلى حتى آتيك. ولا تعطني حتى أسألك. فقال المنصور: إذا والله لا نلتقي. فقال عمرو: عن حاجتي سألتني. فودعه وانصرف. فلما ولى أمده بصره وهو يقول: كلكم يمشى رويد … كلكم يطلب صيد … غير عمرو بن عبيد ويقال إن عمرو بن عبيد أنشد المنصور قصيدة في موعظته إياه وهي قوله: يا أيهذا الّذي قد غره الأمل … ودون ما يأمل التنغيص والأجل ألا ترى أنما الدنيا وزينتها … كمنزل الركب حلوا نمت ارتحلوا حتوفها رصد وعيشها نكد … وصفوها كدر وملكها دول تظل تقرع بالروعات ساكنها … فما يسوغ له لين ولا جذل كأنه للمنايا والردى غرض … تظل فيه بنات الدهر تنتقل تديره ما تدور به دوائرها … منها المصيب ومنها المخطئ الزلل والنفس هاربة والموت يطلبها … وكل عسرة رجل عندها جلل والمرء يسعى بما يسعى لوارثه … والقبر وارث ما يسعى له الرجل

стр. 3308

وقال ابن دريد عن الرياشي عن محمد بن سلام قال: رأت جارية للمنصور ثوبه مرقوعا فقالت: خليفة وقميص مرقوع؟ فقال: ويحك أما سمعت ما قال ابن هرمة قد يدرك الشرف الفتى ورداؤه … خلق وبعض قميصه مرقوع وقال بعض الزهاد للمنصور: اذكر ليلة تبيت في القبر لم تبت قبلها ليلة مثلها، واذكر ليلة تمخض عن يوم القيامة لا ليلة بعدها فأفحم المنصور قوله فأمر له بمال. فقال: لو احتجت إلى مالك ما وعظتك. ومن شعره لما عزم على قتل أبى مسلم: إذا كنت ذا رأى فكن ذا عزيمة … فان فساد الرأى أن يترددا ولا تمهل الأعداء يوما لغدرة … وبادرهم أن يملكوا مثلها غدا ولما قتله ورآه طريحا بين يديه قال: قد اكتنفتك خلات ثلاث … جلبن عليك محتوم الحمام خلافك وامتناعك من يميني … وقودك للجماهير العظام ومن شعره أيضا: المرء يأمل أن يعيش … وطول عمر قد يضره تبلى بشاشته ويبقى … بعد حلو العيش مره وتخونه الأيام حتى … لا يرى شيئا يسره كم شامت بى إن هلكت … وقائل لله دره قالوا: وكان المنصور في أول النهار يتصدى للأمر بالمعروف والنهى عن المنكر والولايات والعزل والنظر في مصالح العامة، فإذا صلى الظهر دخل منزله واستراح إلى العصر، فإذا صلاها جلس لأهل بيته ونظر في مصالحهم الخاصة، فإذا صلى العشاء نظر في الكتب والرسائل الواردة من الآفاق، وجلس عنده من يسامره إلى ثلث الليل، ثم يقوم إلى أهله فينام في فراشه إلى الثلث الآخر، فيقوم إلى وضوئه وصلاته حتى يتفجر الصباح، ثم يخرج فيصلي بالناس، ثم يدخل فيجلس في إيوانه. وقد ولى بعض العمال على بلد فبلغه أنه قد تصدى للصيد وأعد لذلك كلابا وبزاة، فكتب إليه ثكلتك أمك وعشيرتك، ويحك إنا إنما استكفيناك واستعملناك على أمور المسلمين، ولم نستكفك أمور الوحوش في البراري، فسلم ما تلى من عملنا إلى فلان والحق بأهلك ملوما مدحورا. وأتى يومى بخارجى قد هزم جيوش المنصور غير مرة فلما وقف بين يديه قال له المنصور: ويحك يا ابن الفاعلة! مثلك يهزم الجيوش؟ فقال الخارجي: ويلك سوأة لك بيني وبينك أمس السيف والقتل واليوم القذف والسب، وما يؤمنك أن أرد عليك وقد يئست من الحياة فما أستقبلها أبدا.

стр. 3309

قال فاستحيى منه المنصور وأطلقه. فما رأى له وجها إلى الحول [وقال لابنه لما ولاه العهد: يا بنى ائتدم النعمة بالشكر، والقدرة بالعفو، والنصر بالتواضع، والتألف بالطاعة، ولا تنس نصيبك من الدنيا ونصيبك من رحمة الله] (١) وقال أيضا: يا بنى ليس العاقل من يحتال للأمر الّذي وقع فيه حتى يخرج منه، ولكن العاقل الّذي يحتال للأمر الّذي غشيه حتى لا يقع فيه. وقال المنصور: يا بنى لا تجلس مجلسا إلا وعندك من أهل الحديث من يحدثك، فان الزهري قال: علم الحديث ذكر لا يحبه إلا ذكران الرجال، ولا يكرهه إلا مؤنثوهم، وصدق أخو زهرة. وقد كان المنصور في شبيبته يطلب العلم من مظانه والحديث والفقه فنال جانبا جيدا وطرفا صالحا، وقد قيل له يوما: يا أمير المؤمنين هل بقي شيء من اللذات لم تنله؟ قال: شيء واحد، قالوا: وما هو؟ قال: قول المحدث للشيخ من ذكرت رحمك الله. فاجتمع وزراؤه وكتابه وجلسوا حوله وقالوا: ليمل علينا أمير المؤمنين شيئا من الحديث، فقال: لستم بهم، إنما هو الدنسة ثيابهم، المشققة أرجلهم، الطويلة شعورهم، رواد الآفاق وقطاع المسافات، تارة بالعراق وتارة بالحجاز، وتارة بالشام، وتارة باليمن. فهؤلاء نقلة الحديث. وقال يوما لابنه المهدي: كم عندك من دابة؟ فقال لا أدرى. فقال: هذا هو التقصير، فأنت لأمر الخلافة أشد تضييعا فاتق الله يا بنى. وقالت خالصة إحدى حظيات المهدي: دخلت يوما على المنصور وهو يشتكي ضرسه ويداه على صدغيه فقال لي: كم عندك من المال يا خالصة؟ فقلت ألف درهم. فقال: ضعى يدك على رأسي واحلفى، فقلت: عندي عشرة آلاف دينار. قال: اذهبي فاحمليها إلى قالت: فذهبت حتى دخلت على سيدي المهدي وهو مع زوجته الخيزران فشكوت ذلك إليه فوكزني برجله وقال: ويحك! إنه ليس به وجع ولكنى سألته بالأمس مالا فتمارض، وإنه لا يسعك إلا ما أمرك به. فذهبت إليه خالصة ومعها عشرة آلاف دينار، فاستدعى بالمهديّ فقال له: تشكو الحاجة وهذا كله عند خالصة؟ وقال المنصور لخازنة: إذا علمت بمجيء المهدي فائتنى بخلقان الثياب قبل أن يجيء، فجاء بها فوضعها بين يديه ودخل المهدي والمنصور يقلبها، فجعل المهدي يضحك، فقال: يا بنى من ليس له خلق ليس له جديد، وقد حضر الشتاء فنحتاج نعين العيال والولد. فقال المهدي: عليّ كسوة أمير المؤمنين وعياله، فقال: دونك فافعل. وذكر ابن جرير عن الهيثم أن المنصور أطلق في يوم واحد لبعض أعمامه ألف ألف درهم. وفي هذا اليوم فرق في بيته عشرة آلاف درهم، ولا يعلم خليفة فرق مثل هذا في يوم واحد. وقرأ بعض القراء عند المنصور ﴿الَّذِينَ يَبْخَلُونَ وَيَأْمُرُونَ النّاسَ بِالْبُخْلِ﴾ فقال: والله لولا أن المال حصن

стр. 3310

للسلطان ودعامة للدين والدنيا وعزّهما ما بتّ ليلة واحدة وأنا أحرز منه دينارا ولا درهما لما أجد لبذل المال من اللذة، ولما أعلم في إعطائه من جزيل المثوبة. وقرأ عنده قارئ آخر ﴿وَلا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلى عُنُقِكَ وَلا تَبْسُطْها كُلَّ الْبَسْطِ﴾ الآية. فقال: ما أحسن ما أدبنا ربنا . وقال المنصور: سمعت أبى يقول سمعت على بن عبد الله يقول: سادة أهل الدنيا في الدنيا الأسخياء، وسادة أهل الآخرة في الآخرة الأتقياء. ولما عزم المنصور على الحج في هذه السنة دعا ولده المهدي فأوصاه في خاصة نفسه وبأهل بيته وبسائر المسلمين خيرا، وعلمه كيف تفعل الأشياء وتسد الثغور، وأوصاه بوصايا يطول بسطها وحرج عليه أن لا يفتح شيئا من خزائن المسلمين حتى يتحقق وفاته فان بها من الأموال ما يكفى المسلمين لو لم يجب إليهم من الخراج درهم عشر سنين، وعهد إليه أن يقضى ما عليه من الدين وهو ثلاثمائة ألف دينار، فإنه لم ير قضاءها من بيت المال. فامتثل المهدي ذلك كله. وأحرم المنصور بحج وعمرة من الرصافة وساق بدنه وقال: يا بنى إني ولدت في ذي الحجة وقد وقع لي أن أموت في ذي الحجة، وهذا الّذي جرأنى على الحج عامي هذا. وودعه وسار واعتراه مرض الموت في أثناء الطريق فما دخل مكة إلا وهو ثقيل جدا، فلما كان بآخر منزل نزله دون مكة إذا في صدر منزله مكتوب: ﴿بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ﴾. أبا جعفر حانت وفاتك وانقضت … سنوك وأمر الله لا بد واقع أبا جعفر هل كاهن أو منجم … لك اليوم من كرب المنية مانع فدعا بالحجبة فأقرأهم ذلك فلم يروا شيئا فعرف أن أجله قد نعى إليه. قالوا: ورأى المنصور في منامه ويقال بل هتف به هاتف وهو يقول: - أما ورب السكون والحرك … إن المنايا كثيرة الشرك عليك يا نفس إن أسأت وإن … أحسنت يا نفس كان ذاك لك ما اختلف الليل والنهار ولا … دارت نجوم السماء في الفلك إلا بنقل السلطان عن ملك … إذا انقضى ملكه إلى ملك حتى يصير إنه إلى ملك … ما عزّ سلطانه بمشترك ذاك بديع السماء والأرض والمرسي … الجبال المسخر الفلك فقال المنصور: هذا أوان حضور أجلى وانقضاء عمري. وكان قد رأى قبل ذلك في قصره الخلد الّذي بناه وتأنق فيه مناما أفزعه فقال للربيع: ويحك يا ربيع! لقد رأيت مناما هالني، رأيت قائلا وقف في باب هذا القصر وهو يقول:

стр. 3311

كأنى بهذا القصر قد باد أهله … وأوحش منه أهله ومنازله وصار رئيس القصر من بعد بهجة … إلى جدث يبنى عليه جنادله فما أقام في الخلد إلا أقل من سنة حتى مرض في طريق الحج، ودخل مكة مدنفا ثقيلا. وكانت وفاته ليلة السبت لست وقيل لسبع مضين من ذي الحجة، وكان آخر ما تكلم به أن قال: اللهمّ بارك لي في لقائك. وقيل: إنه قال يا رب إن كنت عصيتك في أمور كثيرة فقد أطعتك في أحب الأشياء إليك شهادة أن لا إله إلا الله مخلصا. ثم مات. وكان نقش خاتمه: الله ثقة عبد الله وبه يؤمن. وكان عمره يوم وفاته ثلاثا وستين سنة على المشهور، منها ثنتان وعشرون سنة خليفة. ودفن بباب المعلاة ﵀. قال ابن جرير: ومما رثى به قول سلم الخاسر الشاعر: عجبا للذي نعى الناعيان … كيف فاهت بموته الشفتان ملك أن عدا على الدهر يوما … أصبح الدهر ساقطا للجران ليت كفا حثت عليه ترابا … لم تعد في يمينها ببنان حين دانت له البلاد على العسف … وأغضى من خوفه الثقلان أين رب الزوراء قد قلدته … الملك عشرين حجة واثنتان إنما المرء كالزناد إذا مات … أخذته قوادح النيران ليس يثنى هواه زجر ولا يقدح … في حبله ذوو الأذهان قلدته أعنة الملك حتى … قاد أعداءه بغير عنان يكسر الطرف دونه وترى الأيدي … من خوفه على الأذقان ضم أطراف ملكه ثم أضحى … خلف أقصاهم ودون الداني هاشمي التشمير لا يحمل الثقل … على غارب الشرود الهدان ذو أناة ينسى لها الخائف الخوف … وعزم يلوى بكل جنان ذهبت دونه النفوس حذارا … غير أن الأرواح في الأبدان وقد دفن عند باب المعلاة بمكة ولا يعرف قبره لأنه أعمى قبره، فان الربيع الحاجب حفر مائة قبر ودفنه في غيره لئلا يعرف. ذكر أولاد المنصور محمد المهدي وهو ولى عهده، وجعفر الأكبر مات في حياته، وأمهما أروى بنت منصور. وعيسى، ويعقوب، وسليمان، وأمهم فاطمة بنت محمد من ولد طلحة بن عبيد الله. وجعفر الأصغر من أم ولد كردية، وصالح المسكين من أم ولد رومية - يقال لها قالى الفراشة - والقاسم من أم

стр. 3312

ولد أيضا. والعالية من امرأة من بنى أمية. ذكر خلافة المهدي بن المنصور لما مات أبوه بمكة لست أو لسبع مضين من ذي الحجة من سنة ثمان وخمسين ومائة أخذت البيعة للمهدي من رءوس بنى هاشم والقواد الذين هم مع المنصور في الحج قبل دفنه، وبعث الربيع الحاجب بالبيعة مع البرد إلى المهدي وهو ببغداد، فدخل عليه البريد بذلك يوم الثلاثاء النصف من ذي الحجة، فسلم عليه بالخلافة وأعطاه الكتب بالبيعة، وبايعه أهل بغداد، ونفذت بيعته إلى سائر الآفاق. وذكر ابن جرير أن المنصور قبل موته بيوم تحامل وتساند واستدعى بالأمراء فجدد البيعة لابنه المهدي، فتسارعوا إلى ذلك وتبادروا إليه. وحج بالناس في هذه السنة إبراهيم بن يحيى بن محمد ابن على بن عبد الله بن عباس عن وصية عمه المنصور، وهو الّذي صلى عليه، وقيل إن الّذي صلى على المنصور عيسى بن موسى ولى العهد من بعد المهدي، والصحيح الأول، لأنه كان نائب مكة والطائف، وعلى إمرة المدينة عبد الصمد بن على، وعلى الكوفة عمرو بن زهير الضبيّ أخو المسيب ابن زهير أمير الشرطة للخليفة - وعلى خراسان حميد بن قحطبة، وعلى خراج البصرة وأرضها عمارة ابن حمزة، وعلى صلاتها وقضائها عبد الله بن الحسن العنبري، وعلى أحداثها سعيد بن دعلج. قال الواقدي: وأصاب الناس في هذه السنة وباب شديد فتوفى فيه خلق كثير وجم غفير، منهم أفلج بن حميد، وحيوة بن شريح، ومعاوية بن صالح بمكة، وزفر بن الهذيل بن قيس بن سليم ثم ساق نسبه إلى معد بن عدنان، يقال له التميمي العنبري الكوفي الفقيه الحنفي، أقدم أصحاب أبى حنيفة وفاة، وأكثرهم استعمالا للقياس، وكان عابدا، واشتغل أولا بعلم الحديث ثم غلب عليه الفقه والقياس. ولد سنة ست عشرة ومائة، وتوفى سنة ثمان وخمسين ومائة عن ثنتين وأربعين سنة ﵀ وإيانا. ثم دخلت سنة تسع وخمسين ومائة استهلت هذه السنة وخليفة الناس أبو عبد الله محمد بن المنصور المهدي، فبعث في أولها العباس ابن محمد إلى بلاد الروم في جيش كثيف، وركب معهم مشيعا لهم، فساروا إليها فافتتحوا مدينة عظيمة الروم، وغنموا غنائم كثيرة ورجعوا سالمين لم يفقد منهم أحد. وفيها توفى حميد بن قحطبة نائب خراسان، فولى المهدي مكانه أبا عون عبد الملك بن يزيد، وولى حمزة بن مالك سجستان، وولى جبريل بن يحيى سمرقند وفيها بنى المهدي مسجد الرصافة وخندقها. وفيها جهز جيشا كثيفا إلى بلاد الهند فوصلوا إليها في السنة الآتية، وكان من أمرهم ما سنذكره. وفيها توفى نائب السند معبد بن الخليل فولى المهدي مكانه روح بن حاتم بمشورة وزيره أبى عبد الله. وفيها أطلق المهدي من كان في السجون إلا من كان محبوسا على دم، أو من سعى في الأرض فسادا، أو من كان عنده

стр. 3313

حق لأحد. وكان في جملة من أخرج من المطبق يعقوب بن داود مولى بنى سليم، والحسن بن إبراهيم ابن عبد الله بن حسين، وأمر بصيرورة حسن هذا إلى نصير الخادم ليحترز عليه، وكان الحسن قد عزم على الهرب من السجن قبل خروجه منه، فلما خرج يعقوب بن داود ناصح الخليفة بما كان عزم عليه فنقله من السجن وأودعه عند نصير الخادم ليحتاط عليه، وحظي يعقوب بن داود عند المهدي جدا حتى صار يدخل عليه في الليل بلا استئذان، وجعله على أمور كثيرة، وأطلق له مائة ألف درهم. وما زال عنده كذلك حتى تمكن المهدي من الحسن بن إبراهيم فسقطت منزلة يعقوب عنده. وقد عزل المهدي نوابا كثيرة عن البلاد وولى بدلهم. وفي هذه السنة تزوج المهدي بابنة عمه أم عبد الله بنت صالح بن على، وأعتق جاريته الخيزران وتزوجها أيضا، وهي أم الرشيد. وفيها وقع حريق عظيم في السفن التي في دجلة بغداد. ولما ولى المهدي سأل عيسى بن موسى - وكان ولى العهد من بعده - أن يخلع نفسه من الأمر فامتنع على المهدي، وسأل المهدي أن يقيم بأرض الكوفة في ضيعة له فأذن له، وكان قد استقر على إمرة الكوفة روح بن حاتم، فكتب إلى المهدي: إن عيسى بن موسى لا يأتى الجمعة ولا الجماعة مع الناس إلى شهرين من السنة، وإنه إذا جاء يدخل بدوابه إلى داخل باب المسجد فتروث دوابه حيث يصلى الناس. فكتب إليه المهدي أن يعمل خشبا على أفواه السكك حتى لا يصل الناس إلى المسجد إلا مشاة. فعلم بذلك عيسى بن موسى فاشترى قبل الجمعة دار المختار بن أبى عبيدة من ورثته - وكانت ملاصقة للمسجد - وكان يأتى إليها من يوم الخميس، فإذا كان يوم الجمعة ركب حمارا إلى باب المسجد فنزل إلى هناك وشهد الصلاة مع الناس وأقام بالكلية بالكوفة بأهله، ثم ألح المهدي عليه في أن يخلع نفسه وتوعده إن لم يفعل، ووعده إن فعل فأجابه إلى ذلك فأعطاه أقطاعا عظيمة، وأعطاه من المال عشرة آلاف ألف، وقيل عشرين ألف ألف، وبايع المهدي لولديه من بعده موسى الهادي، ثم هارون الرشيد كما سيأتي. وحج بالناس يزيد بن منصور خال المهدي، وكان نائبا على اليمن فولاه الموسم واستقدمه عليه شوقا إليه، وغالب نواب البلاد عزلهم المهدي، غير أن إفريقية مع يزيد بن حاتم، وعلى مصر محمد ابن سليمان أبو ضمرة، وعلى خراسان أبو عون، وعلى السند بسطام بن عمرو، وعلى الأهواز وفارس عمارة بن حمزة، وعلى اليمن رجاء بن روح، وعلى اليمامة بشر بن المنذر، وعلى الجزيرة الفضل بن صالح، وعلى المدينة عبيد الله بن صفوان الجمحيّ، وعلى مكة والطائف إبراهيم بن يحيى، وعلى أحداث الكوفة إسحاق بن الصباح الكندي، وعلى خراجها ثابت بن موسى، وعلى قضائها شريك بن عبد الله النخعي، وعلى أحداث البصرة عمارة بن حمزة وعلى صلاتها عبد الملك بن أيوب بن ظبيان النميري، وعلى قضائها عبيد الله بن الحسن العنبري.

стр. 3314

وفيها توفى عبد العزيز بن أبى روّاد، وعكرمة بن عمار، ومالك بن مغول، ومحمد بن عبد الرحمن ابن أبى ذيب المدني: نظير مالك بن أنس في الفقه، وربما أنكر على مالك أشياء ترك الأخذ فيها ببعض الأحاديث، كان يراها مالك من إجماع أهل المدينة وغير ذلك من المسائل. ثم دخلت سنة ستين ومائة فيها خرج رجل بخراسان على المهدي منكرا عليه أحواله وسيرته وما يتعاطاه، يقال له يوسف البرم، والتف عليه خلق كثير، وتفاقم الأمر وعظم الخطب به، فتوجه إليه يزيد بن مزيد فلقيه فاقتتلا قتالا شديدا حتى تنازلا وتعانقا، فأسر يزيد بن مزيد يوسف هذا، وأسر جماعة من أصحابه فبعثهم إلى المهدي فأدخلوا عليه، وقد حملوا على جمال محولة وجوههم إلى ناحية أذناب الإبل، فأمر الخليفة هرثمة أن يقطع يدي يوسف ورجليه ثم تضرب عنقه وأعناق من معه وصلبهم على جسر دجلة الأكبر مما يلي عسكر المهدي وأطفأ الله ثائرتهم وكفى شرهم. ذكر البيعة لموسى الهادي ذكرنا أن المهدي ألحّ على عيسى بن موسى أن يخلع نفسه وهو مع كل ذلك يمتنع وهو مقيم بالكوفة، فبعث إليه المهدي أحد القواد الكبار وهو أبو هريرة محمد بن فروخ في ألف من أصحابه لإحضاره إليه، وأمر كل واحد منهم أن يحمل طبلا، فإذا واجهوا الكوفة عند إضاءة الفجر ضرب كل واحد منهم على طبله، ففعلوا ذلك فارتجت الكوفة، وخاف عيسى بن موسى، فلما انتهوا إليه دعوه إلى حضرة الخليفة فأظهر أنه يشتكي، فلم يقبلوا ذلك منه بل أخذوه معهم فدخلوا به على الخليفة في يوم الخميس لثلاث خلون من المحرم من هذه السنة، فاجتمع عليه وجوه بنى هاشم والقضاة والأعيان وسألوه في ذلك وهو يمتنع، ثم لم يزل الناس به بالرغبة والرهبة حتى أجاب في يوم الجمعة لأربع مضين من المحرم بعد العصر. وبويع لولدي المهدي موسى وهارون الرشيد صباحة يوم الخميس لثلاث بقين من المحرم وجلس المهدي في قبة عظيمة في إيوان الخلافة، ودخل الأمراء فبايعوا ثم نهض فصعد المنبر وجلس ابنه موسى الهادي تحته، وقام عيسى بن موسى على أول درجة، وخطب المهدي فأعلم الناس بما وقع من خلع عيسى بن موسى نفسه وأنه قد حلل الناس من الايمان التي له في أعناقهم وجعل ذلك إلى موسى الهادي. فصدق عيسى بن موسى ذلك وبايع المهدي على ذلك. ثم نهض الناس فبايعوا الخليفة على حسب مراتبهم وأسنانهم، وكتب على عيسى بن موسى مكتوبا مؤكدا بالايمان البالغة من الطلاق والعتاق، وأشهد عليه جماعة الأمراء والوزراء والأعيان بنى هاشم وغيرهم وأعطاه ما ذكرنا من الأموال وغيرها. وفيها دخل عبد الملك بن شهاب المسمعي مدينة باربد (١) من الهند في جحفل كبير فحاصروها

стр. 3315

ونصبوا عليها المجانيق، ورموها بالنفط فاحرقوا منها طائفة، وهلك بشر كثير من أهلها، وفتحوها عنوة وأرادوا الانصراف فلم يمكنهم ذلك لاعتلاء البحر، فأقاموا هنالك فأصابهم داء في أفواههم يقال له حمام قرّ فمات منهم ألف نفس منهم الربيع بن صبيح، فلما أمكنهم المسير ركبوا في البحر فهاجت عليهم ريح فغرق طائفة أيضا، ووصل بقيتهم إلى البصرة ومعهم سبى كثير، فيهم بنت ملكهم. وفيها حكم المهدي بالحاق ولد أبى بكرة الثقفي إلى ولاء رسول الله ﷺ وقطع نسبهم من ثقيف، وكتب بذلك كتابا إلى والى البصرة. وقطع نسبه من زياد ومن نسب نافع ففي ذلك يقول بعض الشعراء وهو خالد النجار: - إن زيادا ونافعا وأبا … بكرة عندي من أعجب العجب ذا قرشي كما يقول وذا … مولى وهذا بزعمه عربي وقد ذكر ابن جرير أن نائب البصرة لم ينفذ ذلك. وفي هذه السنة حج بالناس المهدي واستخلف على بغداد ابنه موسى الهادي، واستصحب معه ابنه هارون الرشيد وخلقا من الأمراء، منهم يعقوب بن داود على منزلته ومكانته، وكان الحسن ابن إبراهيم قد هرب من الخادم فلحق بأرض الحجاز، فاستأمن له يعقوب بن داود فأحسن المهدي صلته وأجزل جائزته، وفرق المهدي في أهل مكة مالا كثيرا جدا، كان قد قدم معه بثلاثين ألف ألف درهم ومائة ألف ثوب، وجاء من مصر ثلاثمائة ألف دينار ومن اليمن مائتا ألف دينار، فأعطاها كلها في أهل مكة والمدينة. وشكت الحجبة إلى المهدي أنهم يخافون على الكعبة أن تنهدم من كثرة ما عليها من الكساوى، فأمر بتجريدها، فلما انتهوا إلى كساوى هشام بن عبد الملك وجدها من ديباج ثخين جدا، فأمر بإزالتها وبقيت كساوى الخلفاء قبله وبعده، فلما جردها طلاها بالخلوق وكساها كسوة حسنة جدا، ويقال إنه استفتى مالكا في إعادة الكعبة إلى ما كانت عليه من بناية ابن الزبير، فقال مالك: دعها فانى أخشى أن يتخذها الملوك ملعبة. فتركها على ما هي. وحمل له محمد بن سليمان نائب البصرة الثلج إلى مكة، وكان أول خليفة حمل له الثلج إليها. ولما دخل المدينة وسع المسجد النبوي، وكان فيه مقصورة فأزالها وأراد أن ينقص من المنبر ما كان زاده معاوية بن أبى سفيان فقال له مالك: إنه يخشى أن ينكسر خشبة العتيق إذا زعزع، فتركه. وتزوج من المدينة رقية بنت عمرو العثمانية، وانتخب من أهلها خمسمائة من أعيانها ليكونوا حوله حرسا بالعراق وأنصارا وأجرى عليهم أرزاقا غير أعطياتهم وأقطعهم أقطاعا معروفة بهم. وفيها توفى الربيع بن صبيح، وسفيان بن حسين، أحد أصحاب الزهري، وشعبة بن الحجاج بن الورد العتكيّ الأزدي أبو بسطام الواسطي، ثم انتقل إلى البصرة. رأى شعبة الحسن وابن سيرين،

стр. 3316

وروى عن أمم من التابعين، وحدث عنه خلق من مشايخه وأقرانه وأئمة الإسلام. وهو شيخ المحدثين الملقب فيهم بأمير المؤمنين قاله الثوري. وقال يحيى بن معين: هو إمام المتقين، وكان في غاية الزهد والورع والتقشف والحفظ وحسن الطريقة. وقال الشافعيّ: لولاه ما عرف الحديث بالعراق. وقال الامام أحمد: كان أمة وحده في هذا الشأن، ولم يكن في زمانه مثله. وقال محمد بن سعد: كان ثقة مأمونا حجة صاحب حديث. وقال وكيع: إني لأرجو أن يرفع الله لشعبة في الجنة درجات بذبه عن حديث رسول الله ﷺ . وقال صالح بن محمد بن حرزة: كان شعبة أول من تكلم في الرجال وتبعه يحيى القطان ثم أحمد وابن معين. وقال ابن مهدي: ما رأيت أعقل من مالك، ولا أشد تقشفا من شعبة، ولا أنصح للأمة من ابن المبارك، ولا أحفظ للحديث من الثوري. وقال مسلم بن إبراهيم: ما دخلت على شعبة في وقت صلاة الا ورأيته يصلى، وكان أبا للفقراء وأما لهم. وقال النضر ابن شميل: ما رأيت أرحم بمسكين منه، كان إذا رأى مسكينا لا يزال ينظر إليه حتى يغيب عنه. وقال غيره: ما رأيت أعبد منه لقد عبد الله حتى لصق جلده بعظمه. وقال يحيى القطان: ما رأيت أرق للمسكين منه، كان يدخل المسكين في منزله فيعطيه ما أمكنه. قال محمد بن سعد وغيره: مات في أول سنة ستين ومائة في البصرة عن ثمان وسبعين سنة. ثم دخلت سنة إحدى وستين ومائة فيها غزا الصائفة ثمامة بن الوليد فنزل دابق، وجاشت الروم عليه فلم يتمكن المسلمون من الدخول إليها بسبب ذلك. وفيها أمر المهدي بحفر الركايا وعمل المصانع وبناء القصور في طريق مكة وولى يقطين بن موسى على ذلك، فلم يزل يعمل في ذلك إلى سنة إحدى وسبعين ومائة، مقدار عشر سنين، حتى صارت طريق الحجاز من العراق من أرفق الطرقات وآمنها وأطيبها. وفيها وسع المهدي جامع البصرة من قبلته وغربة. وفيها كتب إلى الآفاق أن لا تبقى مقصورة في مسجد جماعة، وأن تقصر المنابر إلى مقدار منبر رسول الله ﷺ ، ففعل ذلك في المدائن كلها. وفيها اتضعت منزلة أبى عبيد الله وزير المهدي وظهرت عنده خيانته فضم إليه المهدي من يشرف عليه، وكان ممن ضم إليه إسماعيل بن علية، ثم أبعده وأقصاه وأخرجه من معسكره. وفيها ولى القضاء عافية بن يزيد الأزدي وكان يحكم هو وابن علاثة في عسكر المهدي بالرصافة. وفيها خرج رجل يقال له المقنع بخراسان في قرية في قرى مرو، وكان يقول بالتناسخ واتبعه على ذلك خلق كثير، فجهز إليه المهدي عدة من أمرائه وأنفذ إليه جيوشا كثيرة، منهم معاذ بن مسلم أمير خراسان، وكان من أمره وأمرهم ما سنذكره. وحج بالناس فيها موسى الهادي بن المهدي. وفيها توفى إسرائيل بن يونس بن إسحاق السبيعي

стр. 3317

وزائدة بن قدامة وسفيان بن سعيد بن مسروق الثوري أحد أئمة الإسلام وعبادهم والمقتدى به أبو عبد الله الكوفي. روى عن غير واحد من التابعين وروى عنه خلق من الأئمة وغيرهم، قال شعبة وأبو عاصم وسفيان بن عيينة ويحيى بن معين وغير واحد: هو أمير المؤمنين في الحديث. وقال ابن المبارك: كتبت عن ألف شيخ ومائة شيخ هو أفضلهم. وقال أيوب: ما رأيت كوفيا أفضله عليه. وقال يونس بن عبيد: ما رأيت أفضل منه. وقال عبد الله: ما رأيت أفقه من الثوري. وقال شعبة: ساد الناس بالورع والعلم. وقال: أصحاب المذاهب ثلاثة: ابن عباس في زمانه والشعبي في زمانه، والثوري في زمانه. وقال الامام أحمد: لا يتقدمه في قلبي أحد. ثم قال: تدري من الامام؟ الامام سفيان الثوري. وقال عبد الرزاق: سمعت الثوري يقول: ما استودعت قلبي شيئا قط فخانني حتى إني لأمرّ بالحائك يتغنى فأسد أذنى مخافة أن أحفظ ما يقول. وقال: لأن أترك عشرة آلاف دينار يحاسبني الله عليها أحب إلى من أن أحتاج إلى الناس. قال محمد بن سعد: أجمعوا أنه توفى بالبصرة سنة إحدى وستين ومائة، وكان عمره يوم مات أربعا وستين سنة، ورآه بعضهم في المنام يطير في الجنة من نخلة إلى نخلة، ومن شجرة إلى شجرة، وهو يقرأ ﴿الْحَمْدُ لِلّهِ الَّذِي صَدَقَنا وَعْدَهُ﴾ الآية. وقال: إذا ترأس الرجل سريعا أخر بكثير من العلم. وممن توفى فيها: أبو دلامة زيد بن الجون الشاعر الماجن، أحد الظرفاء، أصله من الكوفة وأقام ببغداد وحظي عند المنصور لأنه كان يضحكه وينشده الأشعار ويمدحه، حضر يوما جنازة امرأة المنصور - وكانت ابنة عمه - يقال لها حمادة بنت عيسى، وكان المنصور قد حزن عليها، فلما سووا عليها التراب وكان أبو دلامة حاضرا، فقال له المنصور: ويحك يا أبا دلامة، ما أعددت لهذا اليوم؟ فقال: ابنة عم أمير المؤمنين. فضحك المنصور حتى استلقى، ثم قال: ويحك فضحتنا. ودخل يوما على المهدي يهنئه بقدومه من سفره وأنشده: إني حلفت لئن رأيتك سالما … وبقرى العراق وأنت ذو وفر لتصلين على النبي محمد … ولتملأن دراهما حجري فقال المهدي: أما الأول فنعم، نصلي على النبي محمد ﷺ ، وأما الثاني فلا. فقال: يا أمير المؤمنين هما كلمتان فلا تفرق بينهما. فأمر أن يملأ حجره دراهم، ثم قال له: قم! فقال: ينخرق منها قميصي فأفرغت منه في أكياسها ثم قام فحملها وذهب. وذكر عنه ابن خلكان أنه مرض ابن له فداواه طبيب فلما عوفي قال له: ليس عندنا ما نعطيك، ولكن ادّع على فلان اليهودي بمبلغ ما تستحقه عندنا من أجرتك حتى أشهد أنا وولدى عليه بالمبلغ المذكور. قال: فذهب الطبيب إلى قاضى الكوفة محمد

стр. 3318

ابن عبد الرحمن بن أبى ليلى - وقيل ابن شبرمة - فادعى عليه عنده فأنكر اليهودي فشهد عليه أبو دلامة وابنه، فلم يستطع القاضي أن يرد شهادتهما وخاف من طلب التزكية فأعطى الطبيب المدعى المال من عنده وأطلق اليهودي. وجمع القاضي بين المصالح. توفى أبو دلامة في هذه السنة، وقيل إنه أدرك خلافة الرشيد سنة سبعين فالله أعلم. ثم دخلت سنة ثنتين وستين ومائة فيها خرج عبد السلام بن هاشم اليشكري بأرض قنسرين واتبعه خلق كثير، وقويت شوكته فقاتله جماعة من الأمراء فلم يقدروا عليه، وجهز إليه المهدي جيوشا وأنفق فيهم أموالا فهزمهم مرات ثم آل الأمر به أن قتل بعد ذلك. وفيها غزا الصائفة الحسن بن قحطبة في ثمانين ألفا من المرتزقة سوى المتطوعة، فدمر الروم وحرق بلدانا كثيرة، وخرب أماكن وأسر خلقا من الذراري. وكذلك غزا يزيد بن أبى أسيد السلمي بلاد الروم من باب قاليقلا فغنم وسلم وسبى خلقا كثيرا. وفيها خرجت طائفة بجرجان فلبسوا الحمرة مع رجل يقال له عبد القهار، فغزاه عمرو بن العلاء من طبرستان فقهر عبد القهار وقتله وأصحابه. وفيها أجرى المهدي الأرزاق في سائر الأقاليم والآفاق على المجذّمين والمحبوسين، وهذه مثوبة عظيمة ومكرمة جسيمة. وفيها حج بالناس إبراهيم بن جعفر بن المنصور. وفيها توفى من الأعيان: إبراهيم بن أدهم أحد مشاهير العباد وأكابر الزهاد. كانت له همة عالية في ذلك ﵀. فهو إبراهيم بن أدهم بن منصور بن يزيد بن عامر بن إسحاق التميمي، ويقال له العجليّ، أصله من بلخ ثم سكن الشام ودخل دمشق، وروى الحديث عن أبيه والأعمش ومحمد بن زياد صاحب أبى هريرة وأبى إسحاق السبيعي وخلق. وحدث عنه خلق منهم بقية والثوري وأبو إسحاق الفزاري ومحمد بن حميد. وحكى عنه الأوزاعي. وروى ابن عساكر من طريق عبد الله بن عبد الرحمن الجزري عن إبراهيم بن أدهم عن محمد بن زياد عن أبى هريرة. قال: «دخلت على رسول الله ﷺ وهو يصلى جالسا فقلت: يا رسول الله إنك تصلى جالسا فما أصابك؟ قال: الجوع يا أبا هريرة. قال: فبكيت فقال: لا تبك فان شدة يوم القيامة لا تصيب الجائع إذا احتسب في دار الدنيا». ومن طريق بقية عن إبراهيم بن أدهم حدثني أبو إسحاق الهمدانيّ عن عمارة بن غزية عن أبى هريرة. قال قال رسول الله ﷺ : «إن الفتنة تجيء فتنسف العباد نسفا، وينجو العالم منها بعلمه». قال النسائي: إبراهيم بن أدهم ثقة مأمون أحد الزهاد. وذكر أبو نعيم وغيره أنه كان ابن ملك من ملوك خراسان، وكان قد حبب إليه الصيد، قال: فخرجت مرة فأثرت ثعلبا فهتف بى هاتف

стр. 3319

من قربوس سرجي: ما لهذا خلقت، ولا بهذا أمرت. قال: فوقفت وقلت: انتهيت انتهيت، جاءني نذير من رب العالمين. فرجعت إلى أهلي فخليت عن فرسي وجئت إلى بعض رعاة أبى فأخذت منه جبة وكساء ثم ألقيت ثيابي إليه، ثم أقبلت إلى العراق فعملت بها أياما فلم يصف لي بها الحلالى، فسألت بعض المشايخ عن الحلال فأرشدنى إلى بلاد الشام فأتيت طرسوس فعملت بها أياما انظر البساتين وأحصد الحصاد، وكان يقول: ما تهنيت بالعيش إلا في بلاد الشام. أفر بديني من شاهق إلى شاهق ومن جبل إلى جبل، فمن يراني يقول هو موسوس. ثم دخل البادية ودخل مكة وصحب الثوري والفضيل بن عياض ودخل الشام ومات بها، وكان لا يأكل إلا من عمل يديه مثل الحصاد وعمل الفاعل وحفظ البساتين وغير ذلك. وما روى عنه أنه وجد رجلا في البادية فعلمه اسم الله الأعظم فكان يدعو به حتى رأى الخضر فقال له: إنما علمك أخى داود اسم الله الأعظم، ذكره القشيري وابن عساكر عنه باسناد لا يصح. وفيه أنه قال له: إن إلياس علمك اسم الله الأعظم. وقال إبراهيم: أطب مطعمك ولا عليك أن لا تقوم الليل ولا تصوم النهار. وذكر أبو نعيم عنه أنه كان أكثر دعائه اللهمّ انقلني من ذل معصيتك إلى عز طاعتك. وقيل له إن اللحم قد غلا فقال: ارخصوه أي لا تشتروه فإنه يرخص. وقال بعضهم: هتف به الهاتف من فوقه يا إبراهيم ما هذا العبث ﴿أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّما خَلَقْناكُمْ عَبَثاً وَأَنَّكُمْ إِلَيْنا لا تُرْجَعُونَ﴾ اتّق الله وعليك بالزاد ليوم القيامة. فنزل عن دابته ورفض الدنيا وأخذ في عمل الآخرة. وروى ابن عساكر باسناد فيه نظر في ابتداء أمره قال: بينما أنا يوما في منظرة لي ببلخ، وإذا شيخ حسن الهيئة حسن اللحية قد استظل بظلها فأخذ بمجامع قلبي، فأمرت غلاما فدعاه فدخل فعرضت عليه الطعام فأبى فقلت: من أين أقبلت؟ قال: من وراء النهر. قلت: أين تريد؟ قال الحج. قلت في هذا الوقت؟ - وقد كان أول يوم من ذي الحجة أو ثانيه - فقال: يفعل الله ما يشاء. فقلت: الصحبة. قال: إن أحببت ذلك فموعدك الليل، فلما كان الليل جاءني فقال: قم بسم الله فأخذت ثياب سفري وسرنا نمشي كأنما الأرض تجذب من تحتنا، ونحن نمر على البلدان ونقول: هذه فلانة هذه فلانة، فإذا كان الصباح فارقنى ويقول: موعدك الليل، فإذا كان الليل جاءني ففعلنا مثل ذلك. فانتهينا إلى مدينة النبي ﷺ ثم سرنا إلى مكة فجئناها ليلا فقضينا الحج مع الناس ثم رجعنا إلى الشام فزرنا بيت المقدس وقال: إني عازم على المقام بالشام، ثم رجعت أنا إلى بلدي بلخ كسائر الضعفاء حتى رجعنا إليها ولم أسأله عن اسمه، فكان ذلك أول أمرى. [وروى من وجه آخر فيه نظر. وقال أبو حاتم الرازيّ عن أبى نعيم عن سفيان الثوري قال: كان إبراهيم بن أدهم يشبه إبراهيم الخليل، ولو كان في الصحابة كان رجلا فاضلا له سرائر وما رأيته]

стр. 3320

[يظهر تسبيحا ولا شيئا ولا أكل مع أحد طعاما إلا كان آخر من يرفع يديه.] (١) وقال عبد الله بن المبارك: كان إبراهيم رجلا فاضلا له سرائر ومعاملات بينه وبين الله وما رأيته يظهر تسبيحا ولا شيئا من عمله، ولا أكل مع أحد طعاما إلا كان آخر من يرفع يده. وقال بشر بن الحارث الحافى: أربعة رفعهم الله بطيب المطعم، إبراهيم بن أدهم، وسليمان بن الخواص ووهيب بن الورد، ويوسف بن أسباط. وروى ابن عساكر من طريق معاوية بن حفص قال: إنما سمع إبراهيم بن أدهم حديثا واحدا فأخذ به فساد أهل زمانه. قال: حدثنا منصور عن ربعي بن خراش قال: جاء رجل إلى رسول الله ﷺ فقال: يا رسول الله دلني على عمل يحبني الله عليه ويحبني الناس قال: «إذا أردت أن يحبك الله فابغض الدنيا، وإذا أردت أن يحبك الناس فما كان عندك من فضولها فانبذه إليهم» وقال ابن أبى الدنيا: حدثنا أبو الربيع عن إدريس قال: جلس إبراهيم إلى بعض العلماء فجعلوا يتذاكرون الحديث وإبراهيم ساكت، ثم قال: حدثنا منصور ثم سكت فلم ينطق بحرف حتى قام من ذلك المجلس: فعاتبه بعض أصحابه في ذلك! فقال. إني لأخشى مضرة ذلك المجلس في قلبي إلى اليوم. وقال رشدين بن سعد: مر إبراهيم بن أدهم بالأوزاعي وحوله حلقة فقال: لو أن هذه الحلقة على أبى هريرة لعجز عنهم. فقام الأوزاعي وتركهم. وقال إبراهيم بن بشار قيل لابن أدهم: لم تركت الحديث؟ فقال: إني مشغول عنه بثلاث، بالشكر على النعم، وبالاستغفار من الذنوب، وبالاستعداد للموت، ثم صاح وغشي عليه فسمعوا هاتفا يقول: لا تدخلوا بيني وبين أوليائي. وقال أبو حنيفة يوما لإبراهيم بن أدهم: قد رزقت من العبادة شيئا صالحا فليكن العلم من بالك فإنه رأس العبادة وقوام الدين. فقال له إبراهيم: وأنت فليكن العبادة والعمل بالعلم من بالك وإلا هلكت. وقال إبراهيم: ماذا أنعم الله على الفقراء لا يسألهم يوم القيامة عن زكاة ولا عن حج ولا عن جهاد ولا عن صلة رحم، وإنما يسأل ويحاسب هؤلاء المساكين الأغنياء. وقال شقيق بن إبراهيم: لقيت ابن أدهم بالشام وقد كنت رأيته بالعراق وبين يديه ثلاثون شاكريا. فقلت له: تركت ملك خراسان، وخرجت من نعمتك؟ فقال: اسكت ما تهنيت بالعيش إلا هاهنا، أفر بديني من شاهق إلى شاهق، فمن يراني يقول هو موسوس أو حمال أو ملاح، ثم قال: بلغني أنه يؤتى بالفقير يوم القيامة فيوقف بين يدي الله فيقول له: يا عبدي مالك لم تحج؟ فيقول: يا رب لم تعطني شيئا أحج به. فيقول الله: صدق عبدي اذهبوا به إلى الجنة. وقال أقمت بالشام أربعا وعشرين سنة لم أقم بها لجهاد ولا رباط إنما نزلتها لأشبع من خبز حلال. وقال: الحزن حزنان حزن لك وحزن عليك، فحزنك على الآخرة لك، وحزنك على الدنيا وزينتها عليك. وقال: الزهد ثلاثة، واجب،

стр. 3321

ومستحب، وزهد سلامة، فأما الواجب فالزهد في الحرام، والزهد عن الشهوات الحلال مستحب، والزهد عن الشبهات سلامة. وكان هو وأصحابه يمنعون أنفسهم الحمام والماء البارد والحذاء ولا يجعلون في ملحهم أبزارا، وكان إذا جلس على سفرة فيها طعام طيب رمى بطيبها إلى أصحابه وأكل هو الخبز والزيتون. وقال قلة الحرص والطمع تورث الصدق والورع، وكثرة الحرص والطمع تورث الغم والجزع. وقال له رجل: هذه جبة أحب أن تقبلها منى. فقال: إن كنت غنيا قبلتها، وإن كنت فقيرا لم أقبلها. قال: أنا غنى. قال: كم عندك؟ قال ألفان. قال: تود أن تكون أربعة آلاف؟ قال: نعم، قال فأنت فقير، لا أقبلها منك. وقيل له: لو تزوجت؟ فقال: لو أمكننى أن أطلق نفسي لطلقتها. ومكث بمكة خمسة عشر يوما لا شيء له ولم يكن له زاد سوى الرمل بالماء، وصلى بوضوء واحد خمس عشرة صلاة، وأكل يوما على حافة الشريعة كسيرات مبلولة بالماء وضعها بين يديه أبو يوسف الغسوليّ، فأكل منها ثم قام فشرب من الشريعة ثم [جاء واستلقى على قفاه وقال: يا أبا يوسف لو علم الملوك وأبناء الملوك ما نحن فيه من النعيم لجالدونا بالسيوف أيام الحياة على ما نحن فيه من لذيذ العيش. فقال له أبو يوسف: طلب القوم الراحة والنعيم فأخطئوا الطريق المستقيم. فتبسم إبراهيم وقال: من أين لك هذا الكلام؟ وبينما هو بالمصيصة في جماعة من أصحابه إذ جاءه راكب فقال: أيكم إبراهيم بن أدهم؟ فأرشد إليه، فقال: يا سيدي أنا غلامك، وإن أباك قد مات وترك ما لا هو عند القاضي، وقد جئتك بعشرة آلاف درهم لتنفقها عليك إلى بلخ، وفرس وبغلة. فسكت إبراهيم طويلا ثم رفع رأسه فقال: إن كنت صادقا فالدراهم والفرس والبغلة لك، ولا تخبر به أحدا. ويقال: إنه ذهب بعد ذلك إلى بلخ وأخذ المال من الحاكم وجعله كله في سبيل الله. وكان معه بعض أصحابه فمكثوا شهرين لم يحصل لهم شيء يأكلونه، فقال له إبراهيم: ادخل إلى هذه الغيضة - وكان ذلك في يوم شات - قال: فدخلت فوجدت شجرة عليها خوخ كثير فملأت منه جرابى ثم خرجت، فقال: ما معك؟ قلت: خوخ. فقال: يا ضعيف اليقين! لو صبرت لوجدت رطبا جنيا، كما رزقت مريم بنت عمران. وشكا إليه بعض أصحابه الجوع فصلى ركعتين فإذا حوله دنانير كثيرة فقال لصاحبه: خذ منها دينارا، فأخذه واشترى لهم به طعاما. وذكروا أنه كان يعمل بالفاعل ثم يذهب فيشترى البيض والزبدة وتارة الشواء والجوذبان والخبيص فيطعمه أصحابه وهو صائم، فإذا أفطر يأكل من رديء الطعام ويحرم نفسه المطعم الطيب ليبر به الناس تأليفا لهم وتحببا وتوددا إليهم. وأضاف الأوزاعي إبراهيم بن أدهم فقصر إبراهيم في الأكل فقال: مالك قصرت؟ فقال: لأنك قصرت في الطعام. ثم عمل إبراهيم طعاما كثيرا ودعا الأوزاعي فقال الأوزاعي: أما تخاف.

стр. 3322

أن يكون سرفا؟ فقال: لا! إنما السرف ما كان في معصية الله، فأما ما أنفقه الرجل على إخوانه فهو من الدين. وذكروا أنه حصد مرة بعشرين دينارا، فجلس مرة عند حجام هو وصاحب له ليحلق رءوسهم ويحجمهم، فكأنه تبرم بهم واشتغل عنهم بغيرهم، فتأذى صاحبه من ذلك ثم أقبل عليهم الحجام فقال: ماذا تريدون؟ قال إبراهيم: أريد أن تحلق رأسي وتحجمنى، ففعل ذلك فأعطاه إبراهيم العشرين دينارا، وقال: أردت أن لا تحقر بعدها فقيرا أبدا. وقال مضاء بن عيسى: ما فاق إبراهيم أصحابه بصوم ولا صلاة ولكن بالصدق والسخاء. [وكان إبراهيم يقول: فروا من الناس كفراركم من الأسد الضاري، ولا تخلفوا عن الجمعة والجماعة. وكان إذا سافر مع أحد من أصحابه يحدثه إبراهيم، وكان إذا حضر في مجلس فكأنما على رءوسهم الطير هيبة له وإجلالا. وربما تسامر هو وسفيان الثوري في الليلة الشاتية إلى الصباح، وكان الثوري يتحرز معه في الكلام. ورأى رجلا قيل له: هذا قاتل خالك، فذهب إليه فسلم عليه وأهدى له وقال: بلغني أن الرجل لا يبلغ درجة اليقين حتى يأمنه عدوه. وقال له رجل: طوبى لك أفنيت عمرك في العبادة وتركت الدنيا والزوجات. فقال: ألك عيال؟ قال: نعم. فقال: لروعة الرجل بعياله - يعنى في بعض الأحيان من الفاقة - أفضل من عبادة كذا وكذا سنة. ورآه الأوزاعي ببيروت وعلى عنقه حزمة حطب فقال: يا أبا إسحاق إن إخوانك يكفونك هذا. فقال له: اسكت يا أبا عمرو! فقد بلغني أنه إذا وقف الرجل موقف مذلة في طلب الحلال وجبت له الجنة. وخرج ابن أدهم من بيت المقدس فمر بطريق فأخذته المسلحة في الطريق فقالوا: أنت عبد؟ قال: نعم. قالوا: آبق؟ قال نعم. فسجنوه. فبلغ أهل بيت المقدس خبره فجاءوا برمتهم إلى نائب طبرية فقالوا: علام سجنت. فقال: سل المسلحة، قالوا: أنت عبد؟ قلت نعم وأنا عبد الله. قالوا: آبق؟ قلت نعم وأنا عبد آبق من ذنوبي. فخلى سبيله. وذكروا أنه مرمع رفقة فإذا الأسد على الطريق فتقدم إليه إبراهيم بن أدهم فقال له: يا قسورة إن كنت أمرت فينا بشيء فامض لما أمرت به وإلا فعودك على بدئك. قالوا: فولى السبع ذاهبا يضرب بذنبه، ثم أقبل علينا إبراهيم فقال: قولوا: اللهمّ راعنا بعينك التي لا تنام، واكنفنا بكنفك الّذي لا يرام، وارحمنا بقدرتك علينا، ولا نهلك وأنت رجاؤنا يا الله، يا الله، يا الله. قال خلف بن تميم: فما زلت أقولها منذ سمعتها فما عرض لي لص ولا غيره. وقد روى لهذا شواهد من وجوه أخر. وروى أنه كان يصلى ذات ليلة فجاءه.] (١) أسد

стр. 3323

ثلاثة فتقدم إليه أحدهم فشم ثيابه ثم ذهب فربض قريبا منه، وجاء الثاني ففعل مثل ذلك، وجاء الثالث ففعل مثل ذلك، واستمر إبراهيم في صلاته، فلما كان وقت السحر قال لهم: إن كنتم أمرتم بشيء فهلموا، وإلا فانصرفوا فانصرفوا. وصعد مرة جبلا بمكة ومعه جماعة فقال لهم: لو أن وليا من أولياء الله قال لجبل زل لزال. فتحرك الجبل تحته فوكزه برجله وقال: اسكن فإنما ضربتك مثلا لأصحابى. وكان الجبل أبا قبيس. وركب مرة سفينة فأخذهم الموج من كل مكان فلف إبراهيم رأسه بكسائه واضطجع وعج أصحاب السفينة بالضجيج والدعاء، وأيقظوه وقالوا: ألا ترى ما نحن فيه من الشدة؟ فقال: ليس هذه شدة، وإنما الشدة الحاجة إلى الناس. ثم قال: اللهمّ أريتنا قدرتك فأرنا عفوك. فصار البحر كأنه قدح زيت. وكان قد طالبه صاحب السفينة بأجرة حمله دينارين وألح عليه، فقال له: اذهب معى حتى أعطيك ديناريك، فأتى به إلى جزيرة في البحر فتوضأ إبراهيم وصلى ركعتين ودعا وإذا ما حوله قد مليء دنانير، فقال له: خذ حقك ولا تزد ولا تذكر هذا لأحد. وقال حذيفة المرعشي: أويت أنا وإبراهيم إلى مسجد خراب بالكوفة، وكان قد مضى علينا أيام لم نأكل فيها شيئا، فقال لي: كأنك جائع. قلت: نعم. فأخذ رقعة فكتب فيها بسم الله الرحمن الرحيم أنت المقصود إليه بكل حال، المشار إليه بكل معنى، أنا حامد أنا ذاكر أنا شاكر … أنا جائع أنا حاسر أنا عاري هي ستة وأنا الضمين لنصفها … فكن الضمين لنصفها يا بارى مدحى لغيرك وهج نار خضتها … فأجر عبيدك من دخول النار ثم قال لي: اخرج بهذه الرقعة ولا تعلق قلبك بغير الله ، وادفع هذه الرقعة لأول رجل تلقاه. فخرجت فإذا رجل على بغلة فدفعتها إليه فلما قرأها بكى ودفع إلى ستمائة دينار وانصرف، فسألت رجلا من هذا الّذي على البغلة؟ فقالوا: هو رجل نصراني. فجئت إبراهيم فأخبرته فقال: الآن يجيء فيسلم. فما كان غير قريب حتى جاء فأكب على رأس إبراهيم وأسلم. وكان إبراهيم يقول: دارنا أمامنا وحياتنا بعد وفاتنا. فاما إلى الجنة وإما إلى النار. مثل لبصرك حضور ملك الموت وأعوانه لقبض روحك وانظر كيف تكون حينئذ، ومثل له هول المضجع ومساءلة منكر ونكير وانظر كيف تكون. ومثل له القيامة وأهوالها وأفزاعها والعرض والحساب، وانظر كيف تكون. ثم صرخ صرخة خر مغشيا عليه. ونظر إلى رجل من أصحابه يضحك فقال له: لا تطمع فيما لا يكون، ولا تنس ما يكون. فقيل له: كيف هذا يا أبا إسحاق؟ فقال: لا تطمع في البقاء والموت يطلبك، فكيف يضحك من يموت ولا يدرى أين يذهب به إلى جنة أم إلى نار؟ ولا تنس ما يكون الموت يأتيك صباحا أو مساء. ثم قال: أوّه أوّه! ثم خرّ مغشيا عليه. وكان يقول: ما لنا نشكو فقرنا إلى

стр. 3324

مثلنا ولا نسأل كشفه من ربنا. ثم يقول: ثكلت عبدا أمه أحب الدنيا ونسي ما في خزائن مولاه وقال: إذا كنت بالليل نائما وبالنهار هائما وفي المعاصي دائما فكيف ترضى من هو بأمورك قائما. ورآه بعض أصحابه وهو بمسجد بيروت وهو يبكى ويضرب بيديه على رأسه، فقال: ما يبكيك؟ فقال: ذكرت يوما تتقلب فيه القلوب والأبصار. وقال: إنك كلما أمعنت النظر في مرآة التوبة بان لك قبح شين المعصية. وكتب إلى الثوري: من عرف ما يطلب هان عليه ما يبذل، ومن أطلق بصره طال أسفه، ومن أطلق أمله ساء عمله، ومن أطلق لسانه قتل نفسه. وسأله بعض الولاة من أين معيشتك؟ فأنشأ يقول: نرقّع دنيانا بتمزيق ديننا … فلا ديننا يبقى ولا ما نرقع وكان كثيرا ما يتمثل بهذه الأبيات. لما توعد الدنيا به من شرورها … يكون بكاء الطفل ساعة يوضع وإلا فما يبكيه منها وإنها … لأروح مما كان فيه وأوسع إذا أبصر الدنيا استهل كأنما … يرى ما سيلقى من أذاها ويسمع وكان يتمثل أيضا: رأيت الذنوب نميت القلوب … ويورثها الذل إدمانها وترك الذنوب حياة القلوب … وخير لنفسك عصيانها وما أفسد الدين إلا ملوك … وأحبار سوء ورهبانها وباعوا النفوس فلم يربحوا … ولم يغل بالبيع أثمانها لقد رتع القوم في جيفة … تبين لذي اللب أنتانها وقال: إنما يتم الورع بتسوية كل الخلق في قلبك، والاشتغال عن عيوبهم بذنبك، وعليك باللفظ الجميل من قلب ذليل لرب جليل، فكر في ذنبك وتب إلى ربك ينبت الورع في قلبك، واقطع الطمع إلى من ربك. وقال: ليس من أعلام الحب أن تحب ما يبغضه حبيبك، ذمّ مولانا الدنيا فمدحناها، وأبغضها فأحببناها، وزهدنا فيها فآثرناها ورغبنا في طلبها، ووعدكم خراب الدنيا فحصنتموها، ونهاكم عن طلبها فطلبتموها، وأنذركم الكنوز فكنزتموها، دعتكم إلى هذه الغرارة دواعيها، فأجبتم مسرعين مناديا، خدعتكم بغرورها، ومنتكم فانقدتم خاضعين لأمانيها تتمرغون في زهراتها وزخارفها، وتتنعمون في لذاتها وتتقلبون في شهواتها، وتتلوثون بتبعاتها، تنبشون بمخالف الحرص عن خزائنها، وتحفرون بمعاول الطمع في معادنها. وشكى إليه رجل كثرة عياله فقال: ابعث إليّ منهم من لا رزقه على الله. فسكت الرجل. وقال: مررت في بعض جبال فإذا حجر مكتوب عليه بالعربية:

стр. 3325

كل حىّ وإن بقي … فمن العيش يستقى فاعمل اليوم واجتهد … واحذر الموت يا شقي قال: فبينا أنا واقف أقرأ وأبكى، وإذا برجل أشعر أغبر عليه مدرعة من شعر فسلم وقال: مم تبكى؟ فقلت: من هذا. فأخذ بيدي ومضى غير بعيد فإذا بصخرة عظيمة مثل المحراب فقال اقرأ وابك ولا تقصر. وقام هو يصلى فإذا في أعلاه نقش بين عربي: لا تبغين جاها وجاهك ساقط … عند المليك وكن لجاهك مصلحا وفي الجانب الآخرة نقش بين عربي: من لم يثق بالقضاء والقدر … لاقى هموما كثيرة الضرر وفي الجانب الأيسر منه نقش بين عربي: ما أزين التقى وما أقبح الخنا … وكل مأخوذ بما جنا … وعند الله الجزا وفي أسفل المحراب فوق الأرض بذراع أو أكثر: انما الفوز والغنى … في تقى الله والعمل (١) قال: فلما فرغت من القراءة التفت فإذا ليس الرجل هناك، فما أدرى انصرف أم حجب عنى. وقال: أثقل الأعمال في الميزان أثقلها على الأبدان، ومن وفي العمل وفي له الأجر، ومن لم يعمل رحل من الدنيا إلى الآخرة بلا قليل ولا كثير. وقال: كل سلطان لا يكون عادلا فهو واللص بمنزلة واحدة، وكل عالم لا يكون ورعا فهو والذئب بمنزلة واحدة، وكل من خدم سوى الله فهو والكلب بمنزلة واحدة. وقال: ما ينبغي لمن ذل الله في طاعته أن يذل لغير الله في مجاعته، فكيف بمن هو يتقلب في نعم الله وكفايته؟ وقال: أعربنا في كلامنا فلم نلحن، ولحنا في أعمالنا فلم نعرب. وقال: كنا إذا رأينا الشاب يتكلم في المجلس أيسنا من خيره. وقال: جانبوا الناس ولا تنقطعوا عن جمعة ولا جماعة. وقال الحافظ أبو بكر الخطيب: أخبرنا القاضي أبو محمد الحسن بن الحسن بن محمد بن زامين الأسترابادي قال: أنبأ عبد الله بن محمد الحميدي الشيرازي أنبأ القاضي أحمد بن خرزاد الأهوازي حدثني على بن محمد القصري حدثني أحمد بن محمد الحلبي سمعت سريا السقطي يقول سمعت بشر ابن الحارث الحافى يقول: قال إبراهيم بن أدهم: وقفت على راهب فأشرف على فقلت له: عظني فأنشأ يقول: خذ عن الناس جانبا … كن بعدوك راهبا

стр. 3326

إن دهرا أظلنى … قد أرانى العجائبا قلب الناس كيف شئت … تجدهم عقاربا قال بشر فقلت لإبراهيم: هذه موعظة الراهب لك، فعظني أنت. فأنشأ يقول: توحش من الاخوان لا تبغ مونسا … ولا تتخذ خلا ولا تبغ صاحبا وكن سامرى الفعل من نسل آدم … وكن أوحديا ما قدرت مجانبا فقد فسد الاخوان والحب والاخا … فلست ترى إلا مذوقا وكاذبا فقلت ولولا أن يقال مدهده … وتنكر حالاتي لقد صرت راهبا قال سرى: فقلت لبشر: هذه موعظة إبراهيم لك فعظني أنت، فقال: عليك بالخمول ولزوم بيتك. فقلت بلغني عن الحسن أنه قال: لولا الليل وملاقاة الاخوان ما باليت متى مت. فأنشأ بشر يقول: يا من يسر برؤية الاخوان … مهلا أمنت مكايد الشيطان خلت القلوب من المعاد وذكره … وتشاغلوا بالحرص والخسران صارت مجالس من ترى وحديثهم … في هتك مستور وموت جنان قال الحلبي فقلت لسرى: هذه موعظة بشر فعظني أنت. فقال: عليك بالاخمال فقلت أحب ذاك، فأنشأ يقول: يا من يروم بزعمه إخمالا … إن كان حقا فاستعد خصالا ترك المجالس والتذاكر يا أخى … واجعل خروجك للصلاة خيالا بل كن بها حيا كأنك ميت … ملا يرتجى منه القريب وصالا قال على بن محمد القصري: قلت للحلبى هذه موعظة سرى لك فعظني أنت. فقال: يا أخى أحب الأعمال إلى الله ما صعد إليه من قلب زاهد من الدنيا، فازهد في الدنيا يحبك الله. ثم أنشأ يقول: أنت في دار شتات … فتأهب لشتاتك واجعل الدنيا كيوم … صمته عن شهواتك واجعل الفطر إذا … ما صمته يوم وفاتك قال ابن خرزاد فقلت لعلى: هذه موعظة الحلبي لك فعظني أنت. فقال لي: احفظ وقتك واسخ بنفسك لله ، وانزع قيمة الأشياء من قلبك يصفو لك بذلك سرك ويذكو به ذكرك. ثم أنشدنى. حياتك أنفاس تعد فكلما … مضى نفس منها انتقصت به جزءا فتصبح في نقص وتمسى بمثله … ومالك معقول تحس به رزءا يميتك ما يحييك في كل ساعة … ويحدوك حاد ما يزيد بك الهزءا

стр. 3327

قال أبو محمد قلت لأحمد: هذه موعظة على لك فعظني. فقال: يا أخى عليك بلزوم الطاعة وإياك أن تفارق باب القناعة، وأصلح مثواك، ولا تؤثر هواك، ولا تبع آخرتك بدنياك، واشتغل بما يعنيك بترك ما لا يعنيك. ثم أنشدنى: - ندمت على ما كان منى ندامة … ومن يتبع ما تشتهي النفس يندم فخافوا لكيما تأمنوا بعد موتكم … ستلقون ربا عادلا ليس يظلم فليس لمغرور بدنياه زاجر … سيندم إن زلت به النعل فاعلموا قال ابن زامين فقلت لأبى محمد: هذه موعظة أحمد لك فعظني أنت. فقال: اعلم رحمك الله أن الله ينزل العبيد حيث نزلت قلوبهم بهمومها، فانظر أين ينزل قلبك، واعلم أن الله سبحانه يقرب من القلوب على حسب ما تقرب منه، وتقرب منه على حسب ما قرب إليها. فانظر من القريب من قلبك. وأنشدنى. قلوب رجال في الحجاب نزول … وأرواحهم فيما هناك حلول تروح نعيم الأنس في عز قربه … بافراد توحيد الجليل تحول لهم بفناء القرب من محض بره … عوائد بذل خطبهن جليل قال الخطيب: فقلت لابن زامين: هذه موعظة الحميدي لك فعظني أنت. فقال: اتّق الله وثق به ولا تتهمه فان اختياره لك خير من اختيارك لنفسك وأنشدنى: اتخذ الله صاحبا … ودع الناس جانبا جرب الناس كيف شئت … تجدهم عقاربا قال أبو الفرج غيث الصوري: فقلت للخطيب: هذه موعظة ابن زامين لك فعظني أنت. فقال: احذر نفسك التي هي أعدى أعدائك أن تتابعها على هواها، فذاك أعضل دائك، واستشرف الخوف من الله تعالى بخلافها، وكرر على قلبك ذكر نعوتها وأوصافها، فإنها الأمارة بالسوء والفحشاء، والموردة من أطاعها موارد العطب والبلاء، واعمد في جميع أمورك إلى تحرى الصدق، ولا تتبع الهوى فيضلك عن سبيل الله. وقد ضمن الله لمن خالف هواه أن يجعل جنة الخلد قراره ومأواه ثم أنشد لنفسه: إن كنت تبغي الرشاد محضا … في أمر دنياك والمعاد فخالف النفس في هواها … إن الهوى جامع الفساد قال ابن عساكر: المحفوظ أن إبراهيم بن أدهم توفى سنة ثنتين وستين ومائة. وقال غيره: إحدى وستين وقيل سنة ثلاث. والصحيح ما قاله ابن عساكر والله أعلم. وذكروا أنه توفى في جزيرة من

стр. 3328

جزائر بحر الروم وهو مرابط، وأنه ذهب إلى الخلاء ليلة مات نحوا من عشرين مرة، وفي كل مرة يجدد الوضوء بعد هذا، وكان به البطن، فلما كانت غشية الموت قال: أوتروا لي قوسى، فأوتروه فقبض عليه فمات وهو قابض عليه يريد الرمي به إلى العدو ﵀ وأكرم مثواه. وقد قال أبو سعيد بن الأعرابي: حدثنا محمد بن على بن يزيد الصائغ قال سمعت الشافعيّ يقول: كان سفيان معجبا به: [أجاعتهم الدنيا فخافوا ولم يزل … كذلك ذو التقوى عن العيش ملجما أخو طيِّئ داود منهم ومسعر … ومنهم وهيب والعريب ابن أدهما وفي ابن سعيد قدوة البر والنهى … وفي الوارث الفاروق صدقا مقدما وحسبك منهم بالفضيل مع ابنه … ويوسف ان لم يأل أن يتسلما أولئك أصحابى وأهل مودتي … فصلى عليهم ذو الجلال وسلما فما ضر ذا التقوى نصال أسنة … وما زال ذو التقوى أعز وأكرما وما زالت التقوى تريك على الفتى … إذا محّض التقوى من العز ميسما وروى البخاري في كتاب الأدب عن إبراهيم بن أدهم وأخرج الترمذي في جامعه حدثنا معلقا في المسح على الخفين. والله سبحانه أعلم.] (١) وفيها توفى أبو سليمان داود بن نصير الطائي الكوفي الفقيه الزاهد، أخذ الفقه عن أبى حنيفة. قال سفيان بن عيينة: ثم ترك داود الفقه وأقبل على العبادة ودفن كتبه. قال عبد الله بن المبارك: وهل الأمر إلا ما كان عليه داود الطائي. وقال ابن معين: كان ثقة، وفد على المهدي ببغداد ثم عاد إلى الكوفة. ذكره الخطيب البغدادي. وقال: مات في سنة ستين ومائة، وقيل في سنة ست وخمسين ومائة. وقد ذكر شيخنا الذهبي في تاريخه أنه توفى في هذه السنة - أعنى سنة ثنتين وستين ومائة - فالله أعلم. ثم دخلت سنة ثلاث وستين ومائة فيها حصر المقنع الزنديق الّذي كان قد نبغ بخراسان وقال بالتناسخ، واتبعه على جهالته وضلالته خلق من الطغام وسفهاء الأنام، والسفلة من العوام، فلما كان في هذا العام لجأ إلى قلعة كش فحاصره سعيد الحريثى فألح عليه في الحصار، فلما أحس بالغلبة تحسى سما وسم نساءه فماتوا جميعا، عليهم لعائن الله. ودخل الجيش الإسلامي قلعته فاحتزوا رأسه وبعثوا به إلى المهدي، وكان المهدي بحلب. قال ابن خلكان: كان اسم المقنع عطاء، وقيل حكيم، والأول أشهر. وكان أولا قصارا ثم ادعى الربوبية، مع أنه كان أعور قبيح المنظر، وكان يتخذ له وجها من ذهب، وتابعه على جهالته خلق

стр. 3329

كثير، وكان يرى الناس قمرا يرى من مسيرة شهرين ثم يغيب، فعظم اعتقادهم له ومنعوه بالسلاح، وكان يزعم لعنه الله وتعالى عما يقولون علوا كبيرا أن الله ظهر في صورة آدم، ولهذا سجدت له الملائكة، ثم في نوح، ثم في الأنبياء واحدا واحدا، ثم تحول إلى أبى مسلم الخراساني، ثم تحول إليه. ولما حاصره المسلمون في قلعته التي كان جددها بناحية كش مما وراء النهر ويقال لها سنام، تحسى هو ونساؤه سما فماتوا واستحوذ المسلمون على حواصله وأمواله. وفيها جهز المهدي البعوث من خراسان وغيرها من البلاد لغزو الروم، وأمرّ على الجميع ولده هارون الرشيد، وخرج من بغداد مشيعا له، فسار معه مراحل واستخلف على بغداد ولده موسى الهادي، وكان في هذا الجيش الحسين بن قحطبة والربيع الحاجب وخالد بن برمك - وهو مثل الوزير للرشيد ولى العهد - ويحيى بن خالد - وهو كاتبه وإليه النفقات - وما زال المهدي مع ولده مشيعا له حتى بلغ الرشيد إلى بلاد الروم، وارتاد هناك المدينة المسماة بالمهدية في بلاد الروم، ثم رجع إلى الشام وزار بيت المقدس، فسار الرشيد إلى بلاد الروم في جحافل عظيمة، وفتح الله عليهم فتوحات كثيرة، وغنموا أموالا جزيلة جدا، وكان لخالد بن برمك في ذلك أثر جميل لم يكن لغيره، وبعثوا بالبشارة مع سليمان بن برمك إلى المهدي فأكرمه المهدي وأجزل عطاءه. وفيها عزل المهدي عمه عبد الصمد بن على عن الجزيرة وولى عليها زفر بن عاصم الهلالي، ثم عزله وولى عبد الله بن صالح بن على. وفيها ولى المهدي ولده هارون الرشيد بلاد المغرب وأذربيجان وأرمينية، وجعل على رسائله يحيى بن خالد بن برمك، وولى وعزل جماعة من النواب. وحج بالناس فيها على بن المهدي. وفيها توفى إبراهيم بن طهمان، وحريز بن عثمان الحمصي الرحبيّ، وموسى بن على اللخمي المصري وشعيب بن أبى حمزة، وعيسى بن على بن عبد الله بن عباس عم السفاح، وإليه ينسب قصر عيسى، ونهر عيسى ببغداد، قال يحيى بن معين: كان له مذهب جميل، وكان معتزلا للسلطان. توفى في هذه السنة عن ثمان وسبعين سنة. وهمام بن يحيى، ويحيى بن أبى أيوب المصري، وعبيدة بنت أبى كلاب العابدة، بكت من خشية الله أربعين سنة حتى عميت. وكانت تقول: أشتهى الموت فانى أخشى أن أجنى على نفسي جناية تكون سبب هلاكي يوم القيامة. ثم دخلت سنة أربع وستين ومائة فيها غزا عبد الكبير بن عبد الحميد بن عبد الرحمن بن زيد بن الخطاب بلاد الروم، فأقبل إليه ميخائيل البطريق في نحو من تسعين ألفا، فيهم طازاذ الأرمني البطريق ففشل عنه عبد الكبير ومنع المسلمين من القتال وانصرف راجعا - فأراد المهدي ضرب عنقه فكلم فيه فحبسه في المطبق.

стр. 3330

وفي يوم الأربعاء في أواخر ذي القعدة أسس المهدي قصرا من لبن بعيساباذ، ثم عزم على الذهاب إلى الحج فأصابه حمى فرجع من أثناء الطريق، فعطش الناس في الرجعة حتى كاد بعضهم يهلك، فغضب المهدي على يقطين صاحب المصانع، وبعث من حيث رجع المهلب بن صالح بن أبى جعفر ليحج بالناس فحج بهم عامئذ. وفيها توفى شيبان بن عبد الرحمن النحويّ، وعبد العزيز بن أبى سلمة الماجشون، ومبارك بن فضالة صاحب الحسن البصري. ثم دخلت سنة خمس وستين ومائة فيها جهز المهدي ولده الرشيد لغزو الصائفة، وأنفذ معه من الجيوش خمسة وتسعين ألفا وسبعمائة وثلاثة وتسعين رجلا، وكان معه من النفقة مائة ألف دينار، وأربعة وتسعون ألف دينار، وأربعمائة وخمسون دينارا، ومن الفضة إحدى وعشرون ألف ألف وأربعمائة ألف، وأربعة عشر ألفا وثمانمائة درهم. قاله ابن جرير. فبلغ بجنوده خليج البحر الّذي على القسطنطينية، وصاحب الرم يومئذ أغسطة امرأة أليون، ومعها ابنها في حجرها من الملك الّذي توفى عنها، فطلبت الصلح من الرشيد على أن تدفع له سبعين ألف دينار في كل سنة، فقبل ذلك منها، وذلك بعد ما قتل من الروم في الوقائع أربعة وخمسين ألفا وأسر من الذراري خمسة آلاف رأس وستمائة وأربعة وأربعين رأسا، وقتل من الأسرى ألفى قتيل صبرا، وغنم من الدواب أدواتها عشرين ألف فرس، وذبح من البقر والغنم مائة ألف رأس. وبيع البرذون بدرهم والبغل بأقل من عشرة دراهم، والدرع بأقل من درهم وعشرون سيفا بدرهم. فقال في ذلك مروان بن أبى حفصة: أطفت بقسطنطينية الروم مسندا … إليها القنا حتى اكتسى الذل سورها وما رمتها حتى أتتك ملوكها … بجزيتها والحرب تغلي قدورها وحج بالناس صالح بن أبى جعفر المنصور، وفيها توفى سليمان بن المغيرة، وعبد الله بن العلاء ابن دبر، وعبد الرحمن بن نائب بن ثوبان. ووهب بن خالد. ثم دخلت سنة ست وستين ومائة في المحرم منها قدم الرشيد من بلاد الروم فدخل بغداد في أبهة عظيمة ومعه الروم يحملون الجزية من الذهب وغيره. وفيها أخذ المهدي البيعة لولده هارون من بعد موسى الهادي، ولقب بالرشيد. وفيها سخط المهدي على يعقوب بن داود وكان قد حظي عنده حتى استوزره وارتفعت منزلته في الوزارة حتى فوض إليه جميع أمر الخلافة، وفي ذلك يقول بشار بن برد: - بنى أمية هبوا طال نومكم … إن الخليفة يعقوب بن داود ضاعت خلافتكم يا قوم فاطلبوا … خليفة الله بين الخمر (١) والعود
следующие страницы →