← История

История · id 23708

البداية والنهاية - ط السعادة

ابن كثير

Полный текст (4 918 стр.). Показаны 386–425 · переход к 391.

стр. 386

ويقال فيه زكريا بالمد وبالقصر ويقال زكري أيضا. والمقصود ان الله تعالى أمر رسوله ﷺ أن يقص على الناس خبر زكريا ﵇ وما كان من أمره حين وهبه الله ولدا على الكبر وكانت امرأته عاقرا في حال شبيبتها وقد أسنت أيضا حتى لا ييئس أحد من فضل الله ورحمته ولا يقنط من فضله تعالى وتقدس فقال تعالى ﴿ذِكْرُ رَحْمَتِ رَبِّكَ عَبْدَهُ زَكَرِيّا * إِذْ نادى رَبَّهُ نِداءً خَفِيًّا﴾. قال قتادة عند تفسيرها ان الله يعلم القلب النقي ويسمع الصوت الخفى. وقال بعض السلف قام من الليل فنادى ربه مناداة أسرها عمن كان حاضرا عنده مخافته فقال (يا رب يا رب يا رب فقال الله لبيك لبيك لبيك) ﴿قالَ رَبِّ إِنِّي وَهَنَ الْعَظْمُ مِنِّي﴾ أي ضعف وخار من الكبر ﴿وَاِشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْباً﴾ استعارة من اشتعال النار في الحطب أي غلب على سواد الشعر شيبة كما قال ابن دريد في مقصورته. أما ترى رأسي حاكى لونه … طرة صبح تحت أذيال الدجا واشتعل المبيض في مسودة … مثل اشتعال النار في جمر الغضا وآض عود اللهو يبسا ذاويا … من بعد ما قد كان مجاج الثرى يذكر ان الضعف قد استحوذ عليه باطنا وظاهرا وهكذا قال زكريا ﵇ ﴿إِنِّي وَهَنَ الْعَظْمُ مِنِّي وَاِشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْباً﴾ وقوله ﴿لَمْ أَكُنْ بِدُعائِكَ رَبِّ شَقِيًّا﴾ أي ما عودتني فيما اسألك الا الاجابة وكان الباعث له على هذه المسألة انه لما كفل مريم بنت عمران بن ماثان وكان كلما دخل عليها محرابها وجد عندها فاكهة في غير أوانها ولا في أوانها وهذه من كرامات الأولياء فعلم أن الرازق للشيء في غير أوانه قادر على أن يرزقه ولدا وان كان قد طعن في سنه ﴿هُنالِكَ دَعا زَكَرِيّا رَبَّهُ قالَ رَبِّ هَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ ذُرِّيَّةً طَيِّبَةً إِنَّكَ سَمِيعُ الدُّعاءِ﴾ وقوله ﴿وَإِنِّي خِفْتُ الْمَوالِيَ مِنْ وَرائِي وَكانَتِ اِمْرَأَتِي عاقِراً﴾ قيل المراد بالموالي العصبة وكأنه خاف من تصرفهم بعده في بنى إسرائيل بما لا يوافق شرع الله وطاعته فسال وجود ولد من صلبه يكون برا تقيا مرضيا ولهذا قال ﴿فَهَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ﴾ أي من عندك بحولك وقوتك ﴿وَلِيًّا * يَرِثُنِي﴾ أي في النبوة والحكم في بنى إسرائيل ﴿وَيَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ وَاِجْعَلْهُ رَبِّ رَضِيًّا﴾ يعنى كما كان آباؤه واسلافه من ذرية يعقوب أنبياء فاجعله مثلهم في الكرامة التي أكرمتهم بها من النبوة والوحي وليس المراد هاهنا وراثة المال كما زعم ذلك من زعمه من الشيعة ووافقهم ابن جرير هاهنا وحكاه عن ابى صالح من السلف لوجوه. أحدها ما قدمنا عند قوله تعالى ﴿وَوَرِثَ سُلَيْمانُ داوُدَ﴾ أي في النبوة والملك كما ذكرنا في الحديث المتفق عليه بين العلماء المروي في الصحاح والمسانيد والسنن وغيرها من طرق عن جماعة من الصحابة ان رسول الله ﷺ قال لا نورث ما تركنا فهو صدقة فهذا نص على أن رسول الله ﷺ لا يورث ولهذا منع الصديق ان يصرف ما كان يختص به في حياته الى أحد من وراثه الذين لولا هذا

стр. 387

النص لصرف اليهم وهم ابنته فاطمة وأزواجه التسع وعمه العباس ﵃ واحتج عليهم الصديق في منعه إياهم بهذا الحديث وقد وافقه على روايته عن رسول الله ﷺ عمر بن الخطاب وعثمان بن عفان وعلى بن أبى طالب والعباس بن عبد المطلب وعبد الرحمن بن عوف وطلحة والزبير وأبو هريرة وآخرون ﵃. الثاني ان الترمذي رواه بلفظ يعم سائر الأنبياء نحن معاشر الأنبياء لا نورث وصححه. الثالث ان الدنيا كانت احقر عند الأنبياء من أن يكنزوا لها أو يلتفتوا اليها أو يهمهم أمرها حتى يسألوا الأولاد ليحوزوها بعدهم فان من لا يصل الى قريب من منازلهم في الزهادة لا يهتم بهذا المقدار أن يسأل ولدا يكون وارثا له فيها. الرابع أن زكريا ﵇ كان نجارا يعمل بيده ويأكل من كسبها كما كان داود ﵇ يأكل من كسب يده والغالب ولا سيما من مثل حال الأنبياء أنه لا يجهد نفسه في العمل اجهادا يستفضل منه ما لا يكون ذخيرة له يخلفه من بعده وهذا أمر بين واضح لكل من تأمله وتدبره وتفهم ان شاء الله. قال الامام أحمد حدثنا يزيد يعنى ابن هارون أنبأنا حماد بن سلمة عن ثابت عن أبى رافع عن أبى هريرة أن رسول الله ﷺ قال كان زكريا نجارا. وهكذا رواه مسلم وابن ماجة من غير وجه عن حماد بن سلمة به. وقوله ﴿يا زَكَرِيّا إِنّا نُبَشِّرُكَ بِغُلامٍ اِسْمُهُ يَحْيى لَمْ نَجْعَلْ لَهُ مِنْ قَبْلُ سَمِيًّا﴾. وهذا مفسر بقوله ﴿فَنادَتْهُ الْمَلائِكَةُ وَهُوَ قائِمٌ يُصَلِّي فِي الْمِحْرابِ أَنَّ اللهَ يُبَشِّرُكَ بِيَحْيى مُصَدِّقاً بِكَلِمَةٍ مِنَ اللهِ وَسَيِّداً وَحَصُوراً وَنَبِيًّا مِنَ الصّالِحِينَ﴾ فلما بشر بالولد وتحقق البشارة شرع يستعلم على وجه التعجب وجود الولد والحالة هذه له ﴿قالَ رَبِّ أَنّى يَكُونُ لِي غُلامٌ وَكانَتِ اِمْرَأَتِي عاقِراً وَقَدْ بَلَغْتُ مِنَ الْكِبَرِ عِتِيًّا﴾ أي كيف يوجد ولد من شيخ كبير قيل كان عمره إذ ذاك سبعا وسبعين سنة والأشبه والله أعلم أنه كان أسن من ذلك ﴿وَكانَتِ اِمْرَأَتِي عاقِراً﴾ يعنى وقد كانت امرأتي في حال شبيبتها عاقرا لا تلد والله أعلم. كما قال الخليل ﴿أَبَشَّرْتُمُونِي عَلى أَنْ مَسَّنِيَ الْكِبَرُ فَبِمَ تُبَشِّرُونَ﴾ وقالت سارة ﴿يا وَيْلَتى أَأَلِدُ وَأَنَا عَجُوزٌ وَهذا بَعْلِي شَيْخاً إِنَّ هذا لَشَيْءٌ عَجِيبٌ * قالُوا أَتَعْجَبِينَ مِنْ أَمْرِ اللهِ رَحْمَتُ اللهِ وَبَرَكاتُهُ عَلَيْكُمْ أَهْلَ الْبَيْتِ إِنَّهُ حَمِيدٌ مَجِيدٌ﴾ وهكذا أجيب زكريا ﵇ قال له الملك الّذي يوحى اليه بأمر ربه ﴿كَذلِكَ قالَ رَبُّكَ هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ﴾ أي هذا سهل يسير عليه ﴿وَقَدْ خَلَقْتُكَ مِنْ قَبْلُ وَلَمْ تَكُ شَيْئاً﴾ أي قدرته أوجدتك بعد ان لم تكن شيئا مذكورا أفلا يوجد منك ولدا وان كنت شيخا. وقال تعالى ﴿فَاسْتَجَبْنا لَهُ وَوَهَبْنا لَهُ يَحْيى وَأَصْلَحْنا لَهُ زَوْجَهُ إِنَّهُمْ كانُوا يُسارِعُونَ فِي الْخَيْراتِ وَيَدْعُونَنا رَغَباً وَرَهَباً وَكانُوا لَنا خاشِعِينَ﴾ ومعنى إصلاح زوجته انها كانت لا تحيض فحاضت. وقيل كان في لسانها شيء أي بذاءة ﴿قالَ رَبِّ اِجْعَلْ لِي آيَةً﴾ أي علامة على وقت تعلق منى المرأة بهذا الولد المبشر به ﴿قالَ آيَتُكَ أَلاّ تُكَلِّمَ النّاسَ ثَلاثَ لَيالٍ سَوِيًّا﴾ يقول علامة ذلك أن يعتريك سكت لا تنطق معه ثلاثة أيام الا رمزا وأنت في ذلك سوى الخلق صحيح المزاج معتدل البنية وأمر

стр. 388

بكثرة الذكر في هذه الحال بالقلب واستحضار ذلك بفؤاده بالعشي والأبكار فلما بشر بهذه البشارة خرج مسرورا بها على قومه من محرابه ﴿فَأَوْحى إِلَيْهِمْ أَنْ سَبِّحُوا بُكْرَةً وَعَشِيًّا﴾ * والوحي هاهنا هو الأمر الخفى اما بكتابه كما قاله مجاهد والسدي أو اشارة كما قاله مجاهد أيضا ووهب وقتادة. قال مجاهد وعكرمة ووهب والسدي وقتادة اعتقل لسانه من غير مرض. وقال ابن زيد كان يقرأ ويسبح ولكن لا يستطيع كلام أحد. وقوله ﴿يا يَحْيى خُذِ الْكِتابَ بِقُوَّةٍ وَآتَيْناهُ الْحُكْمَ صَبِيًّا﴾، يخبر تعالى عن وجود الولد وفق البشارة الإلهية لأبيه زكريا ﵇ وأن الله علمه الكتاب والحكمة وهو صغير في حال صباه * قال عبد الله بن المبارك قال معمر قال الصبيان ليحيى بن زكريا اذهب بنا نلعب فقال ما للعب خلقنا قال وذلك قوله ﴿وَآتَيْناهُ الْحُكْمَ صَبِيًّا﴾ وأما قوله ﴿وَحَناناً مِنْ لَدُنّا﴾ فروى ابن جرير عن عمرو بن دينار عن عكرمة عن ابن عباس أنه قال لا أدرى ما الحنان. وعن ابن عباس ومجاهد وعكرمة وقتادة والضحاك ﴿وَحَناناً مِنْ لَدُنّا﴾ أي رحمة من عندنا رحمنا بها زكريا فوهبنا له هذا الولد * وعن عكرمة ﴿وَحَناناً﴾ أي محبة عليه ويحتمل أن يكون ذلك صفة لتحنن يحيى على الناس ولا سيما على أبويه وهو محبتهما والشفقة عليهما وبره بهما. وأما الزكاة فهو طهارة الخلق وسلامته من النقائص والرذائل. والتقوى طاعة الله بامتثال أوامره وترك زواجره، ثم ذكر بره بوالديه وطاعته لهما أمرا ونهيا وترك عقوقهما قولا وفعلا فقال ﴿وَبَرًّا بِوالِدَيْهِ وَلَمْ يَكُنْ جَبّاراً عَصِيًّا﴾ ثم قال ﴿وَسَلامٌ عَلَيْهِ يَوْمَ وُلِدَ وَيَوْمَ يَمُوتُ وَيَوْمَ يُبْعَثُ حَيًّا﴾ هذه الأوقات الثلاثة أشد ما تكون على الإنسان فإنه ينتقل في كل منها من عالم إلى عالم آخر فيفقد الأول بعد ما كان ألفه وعرفه ويصير إلى الآخر ولا يدرى ما بين يديه ولهذا يستهل صارخا إذا خرج من بين الأحشاء وفارق لينها وضمها وينتقل إلى هذه الدار ليكابد همومها وغمها وكذلك إذا فارق هذه الدار وانتقل إلى عالم البرزخ بينها وبين دار القرار وصار بعد الدور والقصور إلى عرصة الأموات سكان القبور وانتظر هناك النفخة في الصور ليوم البعث والنشور فمن مسرور ومحبور ومن محزون ومثبور وما بين جبير وكسير وفريق في الجنة وفريق في السعير. ولقد أحسن بعض الشعراء حيث يقول: ولدتك أمك باكيا مستصرخا … والناس حولك يضحكون سرورا فاحرص لنفسك أن تكون إذا بكوا … في يوم موتك ضاحكا مسرورا ولما كانت هذه المواطن الثلاثة اشق ما تكون على ابن آدم سلم الله على يحيى في كل موطن منها فقال (وسلام عليه يوم ولد ويوم يموت ويوم يبعث حيا) وقال سعيد ابن أبى عروبة عن قتادة أن الحسن قال إن يحيى وعيسى التقيا فقال له عيسى استغفر لي أنت خير منى فقال له الآخر استغفر لي أنت خير منى فقال له عيسى أنت خير منى سلمت على نفسي وسلم الله عليك فعرف والله فضلهما، وأما قوله في الآية الأخرى ﴿وَسَيِّداً وَحَصُوراً وَنَبِيًّا مِنَ الصّالِحِينَ﴾ فقيل المراد بالحصور الّذي لا يأتى النساء

стр. 389

وقيل غير ذلك وهو أشبه لقوله ﴿هَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ ذُرِّيَّةً طَيِّبَةً﴾ وقد قال الامام احمد حدثنا عفان حدثنا حماد أنبأنا على بن زيد عن يوسف بن مهران عن ابن عباس أن رسول الله ﷺ قال ما من أحد من ولد آدم إلا وقد أخطأ أو هم بخطيئة ليس يحيى بن زكريا وما ينبغي لأحد يقول أنا خير من يونس بن متى. على بن زيد بن جدعان تكلم فيه غير واحد من الأئمة وهو منكر الحديث وقد رواه ابن خزيمة والدارقطنيّ من طريق أبى عاصم العبادانى عن على بن زيد بن جدعان به مطولا ثم قال ابن خزيمة وليس على شرطنا. وقال ابن وهب حدثني ابن لهيعة عن عقيل عن ابن شهاب قال خرج رسول الله ﷺ على أصحابه يوما وهم يتذاكرون فضل الأنبياء فقال قائل (موسى كليم الله وقال قائل عيسى روح الله وكلمته وقال قائل إبراهيم خليل الله فقال اين الشهيد اين الشهيد يلبس الوبر ويأكل الشجر مخافة الذنب قال ابن وهب يريد يحيى بن زكريا. وقد رواه محمد ابن إسحاق وهو مدلس عن يحيى بن سعيد الأنصاري عن سعيد بن المسيب حدثني ابن العاص أنه سمع رسول الله ﷺ يقول كل ابن آدم ياتى يوم القيامة وله ذنب الا ما كان من يحيى بن زكريا. فهذا من رواية ابن إسحاق وهو من المدلسين وقد عنعن هاهنا. ثم قال عبد الرزاق عن معمر عن قتادة عن سعيد بن المسيب مرسلا. ثم رأيت ابن عساكر ساقه من طريق أبى أسامة عن يحيى بن سعيد الأنصاري ثم قد رواه ابن عساكر من طريق إبراهيم بن يعقوب الجوزجاني خطيب دمشق حدثنا محمد بن الأصبهاني حدثنا أبو خالد الأحمر عن يحيى ابن سعيد عن سعيد بن المسيب عن عبد الله بن عمرو قال ما أحدا لا يلقى الله بذنب الا يحيى بن زكريا. ثم تلا ﴿وَسَيِّداً وَحَصُوراً﴾ ثم رفع شيئا من الأرض فقال ما كان معه الا مثل هذا. ثم ذبح ذبحا وهذا موقوف من هذه الطريق وكونه موقوفا أصح من رفعه والله أعلم. وأورده ابن عساكر من طرق عن معمر من ذلك ما أورده من حديث إسحاق بن بشر وهو ضعيف عن عثمان بن سباح عن ثور بن يزيد عن خالد ابن معدان عن معاذ عن النبي ﷺ بنحوه. وروى من طريق أبى داود الطيالسي وغيره عن الحكم بن عبد الرحمن بن أبى نعيم عن أبيه عن أبى سعيد قال قال رسول ﷺ الحسن والحسين سيدا شباب أهل الجنة الا ابني الخالة يحيى وعيسى ﵉. وقال أبو نعيم الحافظ الأصبهاني حدثنا إسحاق بن احمد حدثنا إبراهيم بن يوسف حدثنا احمد بن أبى الحواري سمعت أبا سليمان يقول خرج عيسى بن مريم ويحيى ابن زكريا يتماشيان فصدم يحيى امرأة فقال له عيسى يا ابن خالة لقد أصبت اليوم خطيئة ما أظن أنه يغفر لك ابدا قال وما هي يا ابن خالة قال امرأة صدمتها. قال والله ما شعرت بها. قال سبحان الله بدنك معى فأين روحك قال معلق بالعرش ولو أن قلبي اطمئنّ الى جبريل لظننت أنى ما عرفت الله طرفة عين. فيه غرابة وهو من الإسرائيليات * وقال إسرائيل عن ابى حصين عن خيثمة قال كان عيسى بن مريم ويحيى بن زكريا ابني خالة وكان عيسى يلبس الصوف وكان يحيى يلبس الوبر ولم يكن لواحد منهما دينار ولا درهم ولا

стр. 390

عبد ولا أمة ولا مأوى يأويان اليه اين ما جنهما الليل أويا فلما أرادا أن يتفرقا قال له يحبى أوصني قال لا تغضب قال لا أستطيع الا أن اغضب قال لا تقتن مالا قال أما هذه فعسى. وقد اختلفت الرواية عن وهب بن منبه هل مات زكريا ﵇ موتا أو قتل قتلا على روايتين فروى عبد المنعم بن إدريس بن سنان عن أبيه عن وهب بن منبه أنه قال هرب من قومه فدخل شجرة فجاءوا فوضعوا المنشار عليهما فلما وصل المنشار الى أضلاعه أن فأوحى الله اليه لئن لم يسكن أنينك لأقلبن الأرض ومن عليها فسكن أنينه حتى قطع باثنتين. وقد روى هذا في حديث مرفوع سنورده بعد ان شاء الله * وروى إسحاق بن بشر عن إدريس بن سنان عن وهب أنه قال الّذي انصدعت له الشجرة هو شعيا فأما زكريا فمات موتا فالله أعلم. وقال الامام احمد حدثنا عفان أنبأنا أبو خلف موسى بن خلف وكان يعد من البدلاء حدثنا يحيى بن أبى كثير عن زيد بن سلام عن جده ممطور عن الحارث الأشعري أن النبي ﷺ قال ان الله أمر يحيى بن زكريا بخمس كلمات أن يعمل بهن وان يأمر بنى إسرائيل أن يعملوا بهن وكاد أن يبطئ فقال له عيسى ﵇ إنك قد أمرت بخمس كلمات أن تعمل بهن وتأمر بنى إسرائيل أن يعملوا بهن. فاما أن تبلغهن وإما أن ابلغهن فقال يا أخى إني أخشى إن سبقتني أن أعذب أو يخسف بى قال فجمع يحيى بنى إسرائيل في بيت المقدس حتى امتلأ المسجد فقعد على الشرف فحمد الله واثنى عليه ثم قال إن الله أمرنى بخمس كلمات أن أعمل بهن وآمركم ان تعملوا بهن. وأولهن أن تعبدوا الله لا تشركوا به شيئا فان مثل ذلك مثل من اشترى عبدا من خالص ماله بورق أو ذهب فجعل يعمل ويؤدى غلته الى غير سيده فأيكم يسره أن يكون عبده كذلك وأن الله خلقكم ورزقكم فاعبدوه ولا تشركوا به شيئا وأمركم بالصلاة فان الله ينصب وجهه قبل عبده ما لم يلتفت فإذا صليتم فلا تلتفتوا * وأمركم بالصيام فان مثل ذلك كمثل رجل معه صرة من مسك في عصابة كلهم يجد ريح المسك وان خلوف فم الصائم أطيب عند الله من ريح المسك * وأمركم بالصدقة فان مثل ذلك كمثل رجل اسره العدو فشدوا يده الى عنقه وقدموه ليضربوا عنقه فقال هل لكم أن أفتدي نفسي منكم فجعل يفتدى نفسه منهم بالقليل والكثير حتى فك نفسه * وآمركم بذكر الله كثيرا فان مثل ذلك كمثل رجل طلبه العدو سراعا في اثره فأتي حصنا حصينا فتحصن فيه وأن العبد أحصن ما يكون من الشيطان إذا كان في ذكر الله قال وقال رسول ﷺ وأنا آمركم بخمس الله أمرني بهن بالجماعة والسمع والطاعة والهجرة والجهاد في سبيل الله فان من خرج عن الجماعة قيد شبر فقد خلع ربق الإسلام من عنقه الا أن يرجع ومن دعا بدعوى الجاهلية فهو من حثا جهنم قال يا رسول الله وان صام وصلّى قال وان صام وصلّى وزعم أنه مسلم ادعوا المسلمين بأسمائهم بما سماهم الله المسلمين المؤمنين عباد الله . وهكذا رواه أبو يعلى عن هدبة بن خالد عن ابان بن يزيد عن يحيى بن أبى كثير به. وكذلك رواه

стр. 391

الترمذي من حديث أبى داود الطيالسي وموسى بن إسماعيل كلاهما عن ابان بن يزيد العطار به * ورواه ابن ماجة عن هشام بن عمار عن محمد بن شعيب بن سابور عن معاوية بن سلام عن أخيه زيد بن سلام عن أبى سلام عن الحارث الأشعري به. ورواه الحاكم من طريق مروان بن محمد الطاطري عن معاوية بن سلام عن أخيه به. ثم قال تفرد به مروان الطاطري عن معاوية بن سلام. قلت وليس كما قال ورواه الطبراني عن محمد بن عبدة عن أبى نوبة الربيع بن يافع عن معاوية بن سلام عن أبى سلام عن الحارث الأشعري فذكر نحوه فسقط ذكر زيد بن سلام عن أبى سلام عن الحارث الأشعري فذكر نحو هذه الرواية ثم روى الحافظ بن عساكر من طريق عبد الله بن أبى جعفر الرازيّ عن أبيه عن الربيع بن انس قال ذكر لنا عن أصحاب رسول الله ﷺ فيما سمعوا من علماء بنى إسرائيل أن يحيى بن زكريا أرسل بخمس كلمات وذكر نحو ما تقدم. وقد ذكروا ان يحيى ﵇ كان كثير الانفراد من الناس انما كان يأنس الى البراري ويأكل من ورق الأشجار ويرد ماء الأنهار ويتغذى بالجراد في بعض الأحيان ويقول من أنعم منك يا يحيى * وروى ابن عساكر أن أبويه خرجا في تطلبه فوجداه عند بحيرة الأردن فلما اجتمعا به أبكاهما بكاء شديدا لما هو فيه من العبادة والخوف من الله . وقال ابن وهب عن مالك عن حميد بن قيس عن مجاهد قال كان طعام يحيى بن زكريا العشب وانه كان ليبكى من خشية الله حتى لو كان القار على عينيه لخرقه وقال محمد بن يحيى الذهلي حدثنا أبو صالح حدثنا الليث حدثني عقيل عن ابن شهاب قال جلست يوما الى أبى إدريس الخولانيّ وهو يقص فقال الا أخبركم بمن كان أطيب الناس طعاما فلما رأى الناس قد نظروا اليه قال إن يحيى بن زكريا كان أطيب الناس طعاما انما كان يأكل مع الوحش كراهة أن يخالط الناس في معايشهم * وقال ابن المبارك عن وهيب بن الورد قال فقد زكريا ابنه يحيى ثلاثة أيام فخرج يلتمسه في البرية فإذا هو قد احتفر قبرا وأقام فيه يبكى على نفسه فقال يا بنى أنا أطلبك من ثلاثة أيام وأنت في قبر قد احتفرته قائم تبكى فيه فقال يا أبت الست أنت أخبرتنى أن بين الجنة والنار مفازة لا يقطع الا بدموع البكاءين فقال له ابك يا بنى فبكيا جميعا. وهكذا حكاه وهب بن منبه ومجاهد بنحوه وروى ابن عساكر عنه أنه قال إن أهل الجنة لا ينامون للذة ما هم فيه من النعيم فكذا ينبغي للصديقين أن لا يناموا لما في قلوبهم من نعيم المحبة لله * ثم قال كم بين النعيمين وكم بينهما وذكروا أنه كان كثير البكاء حتى أثر البكاء في خديه من كثرة دموعه * بيان سبب قتل يحيى ﵇ وذكروا في قتله أسبابا من أشهرها أن بعض ملوك ذلك الزمان بدمشق كان يريد أن يتزوج ببعض محارمه أو من لا يحل له تزويجها فنهاه يحيى ﵇ عن ذلك فبقي في نفسها منه. فلما كان بينها وبين الملك

стр. 392

ما يحب منها استوهبت منه دم يحيى فوهبه لها فبعث اليه من قتله وجاء برأسه ودمه في طشت الى عندها فيقال انها هلكت من فورها وساعتها وقيل بل أحبته امرأة ذلك الملك وراسلته فأبى عليها فلما يئست منه تحيلت في أن استوهبته من الملك فتمنع عليها الملك ثم أجابها الى ذلك فبعث من قتله وأحضر اليها رأسه ودمه في طشت. وقد ورد معناه في حديث رواه إسحاق بن بشر في كتابه المبتدإ حيث قال أنبأنا يعقوب الكوفي عن عمرو بن ميمون عن أبيه عن ابن عباس أن رسول الله ﷺ ليلة أسرى به رأى زكريا في السماء فسلم عليه وقال له يا أبا يحيى خبرني عن قتلك كيف كان ولم قتلك بنو إسرائيل. قال يا محمد أخبرك أن يحيى كان خير أهل زمانه وكان أجملهم وأصبحهم وجها وكان كما قال الله تعالى ﴿سَيِّداً وَحَصُوراً﴾ وكان لا يحتاج الى النساء فهوته امرأة ملك بنى إسرائيل وكانت بغية فأرسلت اليه وعصمه الله وامتنع يحيى وأبى عليها فأجمعت على قتل يحيى ولهم عيد يجتمعون في كل عام وكانت سنة الملك أن يوعد ولا يخلف ولا يكذب. قال فخرج الملك الى العيد فقامت امرأته فشيعته وكان بها معجبا ولم تكن تفعله فيما مضى فلما أن شيعته قال الملك سليني فما سألتني شيئا الا أعطيتك قالت أريد دم يحيى بن زكريا قال لها سليني غيره قالت هو ذاك قال هو لك قال فبعثت جلاوزتها الى يحيى وهو في محرابه يصلى وأنا الى جانبه أصلى قال فذبح في طشت وحمل رأسه ودمه اليها. قال فقال رسول الله ﷺ فما بلغ من صبرك قال ما انفتلت من صلاتي قال فلما حمل رأسه اليها فوضع بين يديها فلما أمسوا خسف الله بالملك وأهل بيته وحشمه فلما أصبحوا قالت بنو إسرائيل قد غضب إله زكريا لزكريا فتعالوا حتى نغضب لملكنا فنقتل زكريا قال فخرجوا في طلبى ليقتلوني وجاءني النذير فهربت منهم وإبليس أمامهم يدلهم على فلما تخوفت أن لا أعجزهم عرضت لي شجرة فنادتنى وقالت الى الى وانصدعت لي ودخلت فيها. قال وجاء إبليس حتى أخذ بطرف ردائي والتأمت الشجرة وبقي طرف ردائي خارجا من الشجرة وجاءت بنو إسرائيل فقال إبليس أما رأيتموه دخل هذه الشجرة هذا طرف ردائه دخلها بسحره فقالوا نحرق هذه الشجرة فقال إبليس شقوه بالمنشار شقا. قال فشققت مع الشجرة بالمنشار قال له النبي ﷺ هل وجدت له مسا أو وجعا قال لا انما وجدت ذلك الشجرة التي جعل الله روحي فيها. هذا سياق غريب جدا وحديث عجيب ورفعه منكر وفيه ما ينكر على كل حال ولم ير في شيء من أحاديث الاسراء ذكر زكريا ﵇ الا في هذا الحديث وانما المحفوظ في بعض ألفاظ الصحيح في حديث الاسراء فمررت بابني الخالة يحيى وعيسى وهما ابنا الخالة على قول الجمهور كما هو ظاهر الحديث فان أم يحيى أشياع بنت عمران أخت مريم بنت عمران. وقيل بل أشياع وهي امرأة زكريا أم يحيى هي أخت حنة امرأة عمران أم مريم فيكون يحيى ابن خالة مريم فالله أعلم * ثم اختلف في مقتل يحيى بن زكريا هل كان في المسجد الأقصى أم بغيره على قولين فقال الثوري

стр. 393

عن الأعمش عن شمر بن عطية قال قتل على الصخرة التي ببيت المقدس سبعون نبيا منهم يحيى بن زكريا ﵇ وقال أبو عبيدة القاسم بن سلام حدثنا عبد الله بن صالح عن الليث عن يحيى بن سعيد عن سعيد بن المسيب قال قدم بخت نصّر دمشق فإذا هو بدم يحيى بن زكريا يغلي فسأل عنه فأخبروه فقتل على دمه سبعين الفا فسكن. وهذا اسناد صحيح الى سعيد بن المسيب وهو يقتضي أنه قتل بدمشق وان قصة بخت نصّر كانت بعد المسيح كما قاله عطاء والحسن البصري فالله أعلم. وروى الحافظ ابن عساكر من طريق الوليد ابن مسلم عن زيد بن واقد قال رأيت رأس يحيى ابن زكريا حين أرادوا بناء مسجد دمشق أخرج من تحت ركن من أركان القبلة الّذي يلي المحراب مما يلي الشرق فكانت البشرة والشعر على حاله لم يتغير وفي رواية كأنما قتل الساعة. وذكر في بناء مسجد دمشق أنه جعل تحت العمود المعروف بعمود السكاسكه فالله أعلم (١). وقد روى الحافظ ابن عساكر في المستقصى في فضائل الأقصى من طريق العباس بن صبح عن مروان عن سعيد بن عبد العزيز عن قاسم مولى معاوية قال كان ملك هذه المدينة يعنى دمشق هداد ابن هدار وكان قد زوجه ابنه بابنة أخيه أريل ملكة صيدا وقد كان من جملة أملاكها سوق الملوك بدمشق وهو الصاغة العتيقة قال وكان قد حلف بطلاقها ثلاثا. ثم انه أراد مراجعتها فاستفتي يحيى بن زكريا فقال لا تحل لك حتى تنكح زوجا غيرك فحقدت عليه وسألت من الملك رأس يحيى بن زكريا وذلك بإشارة أمها فأبى عليها ثم أجابها الى ذلك وبعث اليه وهو قائم يصلى بمسجد حيرون من أتاه برأسه في صينية فجعل الرأس يقول له لا تحل له لا تحل له حتى تنكح زوجا غيره فأخذت المرأة الطبق فحملته على رأسها وأتت به أمها وهو يقول كذلك فلما تمثلت بين يدي أمها خسف بها الى قدميها ثم الى حقويها وجعلت أمها تولول والجواري يصرخن ويلطمن وجوههن ثم خسف بها الى منكبيها فأمرت أمها السياف أن يضرب عنقها لتتسلى برأسها ففعل فلفظت الأرض جثتها عند ذلك ووقعوا في الذل والفناء ولم يزل دم يحيى يفور حتى قدم نصر فقتل عليه خمسة وسبعين الفا * قال سعيد بن عبد العزيز وهي دم كل نبي ولم يزل يفور حتى وقف عنده أرميا ﵇ فقال أيها الدم أفنيت بنى إسرائيل فأسكن باذن الله فسكن فرفع السيف وهرب من هرب من أهل دمشق الى بيت المقدس فتبعهم اليها فقتل خلقا كثيرا لا يحصون كثرة وسبى منهم ثم رجع عنهم.

стр. 394

قصة عيسى بن مريم عبد الله ورسوله وابن أمته عليه من الله أفضل الصلاة والسلام قال الله تعالى في سورة آل عمران التي أنزل صدرها وهو ثلاث وثمانون آية منها في الرد على النصارى عليهم لعائن الله الذين زعموا ان لله ولدا تعالى الله عما يقولون علوا كبيرا. وكان قد قدم وفد نجران منهم على رسول الله ﷺ فجعلوا يذكرون ما هم عليه من الباطل من التثليث في الأقانيم ويدعون بزعمهم ان الله ثالث ثلاثة وهم الذات المقدسة وعيسى ومريم على اختلاف فرقهم فانزل الله صدر هذه السورة بين فيها ان عيسى عبد من عباد الله خلقه وصوره في الرحم كما صور غيره من المخلوقات وانه خلقه من غير أب كما خلق آدم من غير أب ولا أم وقال له كن فكان . وبين أصل ميلاد أمه مريم وكيف كان من أمرها وكيف حملت بولدها عيسى وكذلك بسط ذلك في سورة مريم كما سنتكلم على ذلك كله بعون الله وحسن توفيقه وهدايته فقال تعالى وهو اصدق القائلين ﴿إِنَّ اللهَ اِصْطَفى آدَمَ وَنُوحاً وَآلَ إِبْراهِيمَ وَآلَ عِمْرانَ عَلَى الْعالَمِينَ * ذُرِّيَّةً بَعْضُها مِنْ بَعْضٍ وَاللهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ * إِذْ قالَتِ اِمْرَأَتُ عِمْرانَ رَبِّ إِنِّي نَذَرْتُ لَكَ ما فِي بَطْنِي مُحَرَّراً فَتَقَبَّلْ مِنِّي إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ * فَلَمّا وَضَعَتْها قالَتْ رَبِّ إِنِّي وَضَعْتُها أُنْثى وَاللهُ أَعْلَمُ بِما وَضَعَتْ وَلَيْسَ الذَّكَرُ كَالْأُنْثى وَإِنِّي سَمَّيْتُها مَرْيَمَ وَإِنِّي أُعِيذُها بِكَ وَذُرِّيَّتَها مِنَ الشَّيْطانِ الرَّجِيمِ * فَتَقَبَّلَها رَبُّها بِقَبُولٍ حَسَنٍ وَأَنْبَتَها نَباتاً حَسَناً وَكَفَّلَها زَكَرِيّا كُلَّما دَخَلَ عَلَيْها زَكَرِيَّا الْمِحْرابَ وَجَدَ عِنْدَها رِزْقاً قالَ يا مَرْيَمُ أَنّى لَكِ هذا قالَتْ هُوَ مِنْ عِنْدِ اللهِ إِنَّ اللهَ يَرْزُقُ مَنْ يَشاءُ بِغَيْرِ حِسابٍ﴾ يذكر تعالى انه اصطفى آدم ﵇ والخلص من ذريته المتبعين شرعه الملازمين طاعته ثم خصص فقال وآل إبراهيم فدخل فيهم بنو إسماعيل وبنو إسحاق. ثم ذكر فضل هذا البيت الطاهر الطيب وهم آل عمران والمراد بعمران هذا والد مريم ﵍ وقال محمد ابن إسحاق وهو عمران بن باشم بن أمون ابن ميشا بن حزقيا بن احريق بن موثم بن عزازيا بن امصيا بن ياوش بن احريهو بن يازم بن يهفاشاط بن ايشا بن أيان بن رحبعام بن سليمان بن داود * وقال ابو القاسم بن عساكر مريم بنت عمران بن ماثان بن العازر بن اليود بن اخنر بن صادوق بن عيازوز بن الياقيم بن ايبود بن زريابيل بن شالتال بن يوحينا بن برشا بن امون بن ميشا بن حزقا بن أحاز بن موثام بن عزريا بن يورام بن يوشافاط ابن ايشا بن ايبا بن رحبعام ابن سليمان بن داود ﵇ وفيه مخالفة كما ذكره محمد بن إسحاق ولا خلاف انها من سلالة داود ﵇ وكان أبوها عمران صاحب صلاة بنى إسرائيل في زمانه وكانت أمها وهي حنة بنت فاقود بن قبيل من العابدات وكان زكريا نبي ذلك الزمان زوج أخت مريم أشياع في قول الجمهور وقيل زوج خالتها أشياع فالله أعلم وقد ذكر محمد بن إسحاق وغيره ان أم مريم كانت لا تحبل فرأت يوما طائرا يزق فرخا له فاشتهت

стр. 395

الولد فنذرت لله ان حملت لتجعلن ولدها محررا أي حبيسا في خدمة بيت المقدس قالوا فحاضت من فورها فلما طهرت واقعها بعلها فحملت بمريم ﵍ ﴿فَلَمّا وَضَعَتْها قالَتْ رَبِّ إِنِّي وَضَعْتُها أُنْثى وَاللهُ أَعْلَمُ بِما وَضَعَتْ﴾ وقرى بضم التاء ﴿وَلَيْسَ الذَّكَرُ كَالْأُنْثى﴾ أي في خدمة بيت المقدس وكانوا في ذلك الزمان ينذرون لبيت المقدس خداما من أولادهم. وقولها ﴿وَإِنِّي سَمَّيْتُها مَرْيَمَ﴾ استدل به على تسمية المولود يوم يولد وكما ثبت في الصحيحين عن أنس في ذهابه بأخيه الى رسول الله ﷺ فحنك أخاه وسماه عبد الله. وجاء في حديث الحسن عن سمرة مرفوعا «كل غلام رهينة بعقيقته تذبح عنه يوم سابعه ويسمى ويحلق رأسه» رواه احمد وأهل السنن وصححه الترمذي وجاء في بعض ألفاظه ويدمي بدل ويسمى وصححه بعضهم والله أعلم. وقولها ﴿وَإِنِّي أُعِيذُها بِكَ وَذُرِّيَّتَها مِنَ الشَّيْطانِ الرَّجِيمِ﴾ قد استجيب لها في هذا كما تقبل منها نذرها فقال الامام احمد حدثنا عبد الرزاق حدثنا معمر عن الزهري عن ابن المسيب عن أبى هريرة أن النبي ﷺ قال (ما من مولود إلا والشيطان يمسه حين يولد فيستهل صارخا من مس الشيطان إياه إلا مريم وابنها) ثم يقول أبو هريرة واقرءوا ان شئتم ﴿وَإِنِّي أُعِيذُها بِكَ وَذُرِّيَّتَها مِنَ الشَّيْطانِ الرَّجِيمِ﴾ أخرجاه من حديث عبد الرزاق ورواه ابن جرير عن احمد بن الفرج عن بقية عن عبد الله بن الزبيدي عن الزهري عن أبى سلمة عن أبى هريرة عن النبي ﷺ بنحوه. وقال احمد أيضا حدثنا إسماعيل بن عمر حدثنا ابن أبى ذؤيب عن عجلان مولى المشمعل عن أبى هريرة عن النبي ﷺ قال (كل مولود من بنى آدم يمسه الشيطان بإصبعه إلا مريم بنت عمران وابنها عيسى). تفرد به من هذا الوجه ورواه مسلم عن أبى الطاهر عن ابن وهب عن عمر بن الحارث عن أبى يونس عن أبى هريرة عن النبي ﷺ بنحوه. وقال احمد حدثنا هشيم حدثنا حفص بن ميسرة عن العلاء عن أبيه عن أبى هريرة أن النبي ﷺ قال (كل إنسان تلده أمه يلكزه الشيطان في حضينه إلا ما كان من مريم وابنها ألم تر إلى الصبى حين يسقط كيف يصرخ قالوا بلى يا رسول الله قال ذلك حين يلكزه الشيطان بحضينه وهذا على شرط مسلم ولم يخرجه من هذا الوجه ورواه قيس عن الأعمش عن أبى صالح عن أبى هريرة قال قال رسول الله ﷺ (ما من مولود إلا وقد عصره الشيطان عصرة أو عصرتين إلا عيسى بن مريم ومريم) ثم قرأ رسول الله ﷺ ﴿وَإِنِّي أُعِيذُها بِكَ وَذُرِّيَّتَها مِنَ الشَّيْطانِ الرَّجِيمِ﴾ وكذا رواه محمد بن إسحاق عن يزيد بن عبد الله بن قسيط عن أبى هريرة عن النبي ﷺ بأصل الحديث. وقال الامام احمد حدثنا عبد الملك حدثنا المغيرة هو ابن عبد الله الحزامي عن ابى الزناد عن الأعرج عن أبى هريرة عن النبي ﷺ قال (كل بنى آدم يطعن الشيطان في جنبه حين يولد إلا عيسى بن مريم ذهب يطعن فطعن في الحجاب). وهذا على شرط الصحيحين ولم يخرجوه من هذا الوجه. وقوله ﴿فَتَقَبَّلَها رَبُّها بِقَبُولٍ حَسَنٍ وَأَنْبَتَها نَباتاً حَسَناً وَكَفَّلَها زَكَرِيّا﴾ ذكر كثير من المفسرين أن أمها حين وضعتها لفتها في خروقها ثم خرجت بها

стр. 396

الى المسجد فسلمتها الى العباد الذين هم مقيمون به وكانت ابنة امامهم وصاحب صلاتهم فتنازعوا فيها. والظاهر انها انما سلمتها اليهم بعد رضاعها وكفالة مثلها في صغرها. ثم لما دفعتها اليهم تنازعوا في أيهم يكفلها وكان زكريا نبيهم في ذلك الزمان وقد أراد أن يستبد بها دونهم من أجل أن زوجته أختها أو خالتها على القولين فشاحوه في ذلك وطلبوا أن يقترع معهم فساعدته المقادير فخرجت قرعته غالبة لهم وذلك أن الخالة بمنزلة الأم. قال الله تعالى ﴿وَكَفَّلَها زَكَرِيّا﴾ أي بسبب غلبه لهم في القرعة كما قال تعالى ﴿ذلِكَ مِنْ أَنْباءِ الْغَيْبِ نُوحِيهِ إِلَيْكَ وَما كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يُلْقُونَ أَقْلامَهُمْ أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمَ وَما كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يَخْتَصِمُونَ﴾. قالوا وذلك أن كلا منهم ألقى قلمه معروفا به ثم حملوها ووضعوها في موضع وأمروا غلاما لم يبلغ الحنث فاخرج واحدا منها وظهر قلم زكريا ﵇ فطلبوا أن يقترعوا مرة ثانية وأن يكون ذلك بان يلقوا أقلامهم في النهر فأيهم جرى قلمه على خلاف جريه في الماء فهو الغالب ففعلوا فكان قلم زكريا هو الّذي جرى على خلاف جرية الماء وسارت أقلامهم مع الماء ثم طلبوا منه أن يقترعوا ثالثة فأيهم جرى قلمه مع الماء ويكون بقية الأقلام قد انعكس سيرها صعدا فهو الغالب ففعلوا فكان زكريا هو الغالب لهم فكفلها إذ كان أحق بها شرعا وقدرا لوجوه عديدة. قال الله تعالى ﴿كُلَّما دَخَلَ عَلَيْها زَكَرِيَّا الْمِحْرابَ وَجَدَ عِنْدَها رِزْقاً قالَ يا مَرْيَمُ أَنّى لَكِ هذا قالَتْ هُوَ مِنْ عِنْدِ اللهِ إِنَّ اللهَ يَرْزُقُ مَنْ يَشاءُ بِغَيْرِ حِسابٍ﴾ قال المفسرون اتخذ لها زكريا مكانا شريفا من المسجد لا يدخله سواها فكانت تعبد الله فيه وتقوم بما يجب عليها من سدانة البيت إذا جاءت نوبتها وتقوم بالعبادة ليلها ونهارها حتى صارت يضرب بها المثل بعبادتها في بنى إسرائيل واشتهرت بما ظهر عليها من الأحوال الكريمة والصفات الشريفة حتى انه كان نبي الله زكريا كلما دخل عليها موضع عبادتها يجد عندها رزقا غريبا في غير أوانه فكان يجد عندها فاكهة الصيف في الشتاء وفاكهة الشتاء في الصيف فيسألها ﴿أَنّى لَكِ هذا﴾ فتقول ﴿هُوَ مِنْ عِنْدِ اللهِ﴾ أي رزق رزقنيه الله إن الله يرزق من يشاء بغير حساب فعند ذلك وهنالك طمع زكريا في وجود ولد من صلبه وان كان قد أسن وكبر ﴿قالَ رَبِّ هَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ ذُرِّيَّةً طَيِّبَةً إِنَّكَ سَمِيعُ الدُّعاءِ﴾. قال بعضهم قال يا من يرزق مريم الثمر في غير أوانه هب لي ولدا وان كان في غير أوانه فكان من خبره وقضيته ما قدمنا ذكره في قصته. ﴿إِذْ قالَتِ الْمَلائِكَةُ يا مَرْيَمُ إِنَّ اللهَ اِصْطَفاكِ وَطَهَّرَكِ وَاِصْطَفاكِ عَلى نِساءِ الْعالَمِينَ * يا مَرْيَمُ اُقْنُتِي لِرَبِّكِ وَاُسْجُدِي وَاِرْكَعِي مَعَ الرّاكِعِينَ * ذلِكَ مِنْ أَنْباءِ الْغَيْبِ نُوحِيهِ إِلَيْكَ وَما كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يُلْقُونَ أَقْلامَهُمْ أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمَ وَما كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يَخْتَصِمُونَ * إِذْ قالَتِ الْمَلائِكَةُ يا مَرْيَمُ إِنَّ اللهَ يُبَشِّرُكِ بِكَلِمَةٍ مِنْهُ اِسْمُهُ الْمَسِيحُ عِيسَى اِبْنُ مَرْيَمَ وَجِيهاً فِي الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ وَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ * وَيُكَلِّمُ النّاسَ فِي الْمَهْدِ وَكَهْلاً وَمِنَ الصّالِحِينَ * قالَتْ رَبِّ أَنّى يَكُونُ لِي وَلَدٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ قالَ كَذلِكِ اللهُ يَخْلُقُ ما يَشاءُ إِذا قَضى أَمْراً فَإِنَّما يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ * وَيُعَلِّمُهُ الْكِتابَ وَالْحِكْمَةَ وَالتَّوْراةَ وَالْإِنْجِيلَ * وَرَسُولاً إِلى بَنِي إِسْرائِيلَ أَنِّي قَدْ﴾

стр. 397

جِئْتُكُمْ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ أَنِّي أَخْلُقُ لَكُمْ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ فَأَنْفُخُ فِيهِ فَيَكُونُ طَيْراً بِإِذْنِ اللهِ وَأُبْرِئُ الْأَكْمَهَ وَالْأَبْرَصَ وَأُحْيِ الْمَوْتى بِإِذْنِ اللهِ وَأُنَبِّئُكُمْ بِما تَأْكُلُونَ وَما تَدَّخِرُونَ فِي بُيُوتِكُمْ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ * وَمُصَدِّقاً لِما بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْراةِ وَلِأُحِلَّ لَكُمْ بَعْضَ الَّذِي حُرِّمَ عَلَيْكُمْ وَجِئْتُكُمْ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ فَاتَّقُوا اللهَ وَأَطِيعُونِ * إِنَّ اللهَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ هذا صِراطٌ مُسْتَقِيمٌ يذكر تعالى أن الملائكة بشرت مريم باصطفاء الله لها من بين سائر نساء عالمي زمانها بأن اختارها لإيجاد ولد منها من غير أب وبشرت بان يكون نبيا شريفا ﴿يُكَلِّمُ النّاسَ فِي الْمَهْدِ﴾ أي في صغره يدعوهم الى عبادة الله وحده لا شريك له وكذلك في حال كهوليته فدل على أنه يبلغ الكهولة ويدعو الى الله فيها وأمرت بكثرة العبادة والقنوت والسجود والركوع لتكون أهلا لهذه الكرامة ولتقوم بشكر هذه النعمة فيقال إنها كانت تقوم في الصلاة حتى تفطرت قدماها ﵂ ورحمها ورحم أمها وأباها فقول الملائكة ﴿يا مَرْيَمُ إِنَّ اللهَ اِصْطَفاكِ﴾ أي اختارك واجتباك ﴿وَطَهَّرَكِ﴾ أي من الأخلاق الرذيلة وأعطاك الصفات الجميلة ﴿وَاِصْطَفاكِ عَلى نِساءِ الْعالَمِينَ﴾. يحتمل أن يكون المراد عالمي زمانها كقوله لموسى انى اصطفيتك على الناس وكقوله عن بنى إسرائيل ﴿وَلَقَدِ اِخْتَرْناهُمْ عَلى عِلْمٍ عَلَى الْعالَمِينَ﴾ ومعلوم أن إبراهيم ﵇ أفضل من موسى وان محمدا ﷺ أفضل منهما وكذلك هذه الأمة أفضل من سائر الأمم قبلها وأكثر عددا وأفضل علما وازكى عملا من بنى إسرائيل وغيرهم. ويحتمل أن يكون قوله ﴿وَاِصْطَفاكِ عَلى نِساءِ الْعالَمِينَ﴾ محفوظ العموم فتكون أفضل نساء الدنيا ممن كان قبلها ووجد بعدها لأنها إن كانت نبية على قول من يقول بنبوتها ونبوة سارة أم إسحاق ونبوة أم موسى محتجا بكلام الملائكة والوحي الى أم موسى كما يزعم ذلك ابن حزم وغيره فلا يمتنع على هذا أن يكون مريم أفضل من سارة وأم موسى لعموم قوله ﴿وَاِصْطَفاكِ عَلى نِساءِ الْعالَمِينَ﴾ إذ لم يعارضه غيره والله أعلم * وأما قول الجمهور كما قد حكاه أبو الحسن الأشعري وغيره عن أهل السنة والجماعة من أن النبوة مختصة بالرجال وليس في النساء نبية فيكون أعلى مقامات مريم كما قال الله تعالى ﴿مَا الْمَسِيحُ اِبْنُ مَرْيَمَ إِلاّ رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ وَأُمُّهُ صِدِّيقَةٌ﴾ فعلى هذا لا يمتنع أن تكون أفضل الصديقات المشهورات ممن كان قبلها وممن يكون بعدها والله أعلم. وقد جاء ذكرها مقرونا مع آسية بنت مزاحم وخديجة بنت خويلد وفاطمة بنت محمد ﵅ وأرضاهن. وقد روى الامام احمد والبخاري ومسلم والترمذي والنسائي من طرق عديدة عن هشام بن عروة عن أبيه عن عبد الله بن جعفر عن على بن أبى طالب ﵁ قال قال رسول الله ﷺ خير نسائها مريم بنت عمران وخير نسائها خديجة بنت خويلد. وقال الامام احمد حدثنا عبد الرزاق أنبأنا معمر عن قتادة عن انس قال قال رسول الله ﷺ (حسبك من نساء العالمين بأربع مريم بنت عمران وآسية

стр. 398

امرأة فرعون وخديجة بنت خويلد وفاطمة بنت محمد) ورواه الترمذي عن ابى بكر بن زنجويه عن عبد الرزاق به وصححه ورواه ابن مردويه من طريق عبد الله بن ابى جعفر الرازيّ وابن عساكر من طريق تميم بن زياد كلاهما عن أبى جعفر الرازيّ عن ثابت عن أنس قال قال رسول الله ﷺ خير نساء العالمين اربع (مريم بنت عمران وآسية امرأة فرعون وخديجة بنت خويلد وفاطمة بنت محمد رسول الله) وقال الامام احمد حدثنا عبد الرزاق حدثنا معمر عن الزهري عن ابن المسيب قال كان أبو هريرة يحدث أن النبي ﷺ قال خير نساء ركبن الإبل صالح نساء قريش أحناه على ولد في صغره وأرعاه لزوج في ذات يده قال أبو هريرة ولم تركب مريم بعيرا قط. وقد رواه مسلم في صحيحه عن محمد بن رافع وعبد بن حميد كلاهما عن عبد الرزاق به. وقال احمد حدثنا زيد بن الحباب حدثني موسى بن على سمعت أبى يقول سمعت أبا هريرة يقول قال رسول الله ﷺ خير نساء ركبن الإبل نساء قريش أحناه على ولد في صغره وأرأفه بزوج على قلة ذات يده قال أبو هريرة وقد علم رسول الله ﷺ أن ابنة عمران لم تركب الإبل تفرد به وهو على شرط الصحيح * ولهذا الحديث طرق اخر عن أبى هريرة * وقال أبو يعلى الموصلي حدثنا زهير حدثنا يونس بن محمد حدثنا داود بن ابى الفرات عن علباء بن احمر عن عكرمة عن ابن عباس قال خط رسول الله ﷺ في الأرض أربع خطوط فقال أتدرون ما هذا قالوا الله ورسوله اعلم فقال رسول الله ﷺ أفضل نساء أهل الجنة خديجة بنت خويلد وفاطمة بنت محمد ومريم بنت عمران وآسية بنت مزاحم امرأة فرعون ورواه النسائي من طرق عن داود أبى هند. وقد رواه ابن عساكر من طريق أبى بكر عبد الله بن أبى داود سليمان بن الأشعث حدثنا يحيى بن حاتم العسكري نبأنا بشر بن مهران بن حمدان حدثنا محمد بن دينار عن داود بن ابى هند عن الشعبي عن جابر بن عبد الله قال قال رسول الله ﷺ حسبك منهن أربع سيدات نساء العالمين فاطمة بنت محمد وخديجة بنت خويلد وآسية بنت مزاحم ومريم بنت عمران. وقال أبو القاسم البغوي حدثنا وهب بن منبه حدثنا خالد بن عبد الله الواسطي عن محمد بن عمرو عن أبى سلمة عن عائشة انها قالت لفاطمة أرأيت حين أكببت على رسول الله ﷺ فبكيت ثم ضحكت قالت أخبرني انه ميت من وجعه هذا فبكيت ثم أكببت عليه فأخبرني انى أسرع أهله لحوقا به وانى سيدة نساء أهل الجنة إلا مريم بنت عمران فضحكت وأصل هذا الحديث في الصحيح. وهذا اسناد على شرط مسلم وفيه انهما أفضل الأربع المذكورات. وهكذا الحديث الّذي رواه الامام احمد حدثنا عثمان بن محمد حدثنا جرير عن يزيد هو ابن ابى زياد عن عبد الرحمن بن أبى نعيم عن ابى سعيد قال قال رسول الله ﷺ فاطمة سيدة نساء أهل الجنة الا ما كان من مريم بنت عمران اسناد حسن وصححه الترمذي ولم يخرجوه وقد روى نحوه من حديث على بن أبى طالب ولكن في اسناده ضعف * والمقصود أن هذا يدل على ان مريم وفاطمة أفضل هذه الأربع. ثم يحتمل الاستثناء أن تكون مريم أفضل من فاطمة ويحتمل أن يكونا على السواء

стр. 399

في الفضيلة. لكن ورد حديث ان صح عين الاحتمال الأول فقال الحافظ أبو القاسم بن عساكر انبأنا ابو الحسن بن الفرا وابو غالب وأبو عبد الله ابنا البناء قالوا أنبأنا أبو جعفر بن المسلمة انبأنا أبو طاهر المخلص حدثنا احمد بن سليمان حدثنا الزبير هو بن بكار حدثنا محمد بن الحسن عن عبد العزيز بن محمد عن موسى بن عقبة عن كريب عن ابن عباس قال قال رسول الله ﷺ سيدة نساء أهل الجنة مريم بنت عمران ثم فاطمة ثم خديجة ثم آسية امرأة فرعون فان كان هذا اللفظ محفوظا بثم التي للترتيب فهو مبين لأحد الاحتمالين اللذين دل عليهما الاستثناء وتقدم على ما تقدم من الألفاظ التي وردت بواو العطف التي لا تقتضي الترتيب ولا تنفيه والله أعلم. وقد روى هذا الحديث أبو حاتم الرازيّ عن داود الجعفري عن عبد العزيز بن محمد وهو الدراوَرْديّ عن إبراهيم بن عقبة عن كريب عن ابن عباس مرفوعا فذكره بواو العطف لا بثم الترتيبية فخالفه اسنادا ومتنا فالله اعلم. فاما الحديث الّذي رواه ابن مردويه من حديث شعبة عن معاوية بن قرة عن أبيه قال قال رسول الله ﷺ كمل من الرجال كثير ولم يكمل من النساء الا ثلاث مريم بنت عمران وآسية امرأة فرعون وخديجة بنت خويلد وفضل عائشة على النساء كفضل الثريد على سائر الطعام. وهكذا الحديث الّذي رواه الجماعة الا أبا داود من طرق عن شعبة عن عمرو بن مرة عن مرة الهمدانيّ عن أبى موسى الأشعري قال قال رسول الله ﷺ كمل من الرجال كثير ولم يكمل من النساء الا آسية امرأة فرعون ومريم بنت عمران وإن فضل عائشة على النساء كفضل الثريد على سائر الطعام. فإنه حديث صحيح كما ترى اتفق الشيخان على إخراجه ولفظه يقتضي حصر الكمال في النساء في مريم وآسية ولعل المراد بذلك في زمانهما فان كلا منهما كفلت نبيا في حال صغره فآسية كفلت موسى الكليم ومريم كفلت ولدها عبد الله ورسوله فلا ينفى كمال غيرهما في هذه الأمة كخديجة وفاطمة فخديجة خدمت رسول الله ﷺ قبل البعثة خمسة عشر سنة وبعدها أزيد من عشر سنين وكانت له وزير صدق بنفسها ومالها ﵂ وأرضاها وأما فاطمة بنت رسول الله ﷺ فإنها خصت بمزيد فضيلة على أخواتها لأنها أصيبت برسول الله ﷺ وبقية أخواتها متن في حيات النبي ﷺ وأما عائشة فإنها كانت أحب أزواج رسول الله ﷺ اليه ولم يتزوج بكرا غيرها ولا يعرف في سائر النساء في هذه الأمة بل ولا في غيرها أعلم منها ولا أفهم وقد غار الله لها حين قال لها أهل الافك ما قالوا فانزل براءتها من فوق سبع سماوات وقد عمرت بعد رسول الله ﷺ قريبا من خمسين سنة تبلغ عنه القرآن والسنة وتفتي المسلمين وتصلح بين المختلفين وهي أشرف أمهات المؤمنين حتى خديجة بنت خويلد أم البنات والبنين في قول طائفة من العلماء السابقين واللاحقين والأحسن الوقف فيهما ﵄ وما ذاك الا لأن قوله ﷺ وفضل عائشة على النساء كفضل الثريد على سائر الطعام يحتمل أن يكون عاما بالنسبة الى المذكورات وغيرهن ويحتمل أن يكون عاما بالنسبة الى ما عدي المذكورات والله أعلم

стр. 400

والمقصود هاهنا ذكر ما يتعلق بمريم بنت عمران ﵍ فان الله طهرها واصطفاها على نساء عالمي زمانها ويجوز أن يكون تفضيلها على النساء مطلقا كما قدمنا. وقد ورد في حديث انها تكون من أزواج النبي ﷺ في الجنة هي وآسية بنت مزاحم. وقد ذكرنا في التفسير عن بعض السلف انه قال ذلك واستأنس بقوله ثيبات وأبكارا قال فالثيب آسية ومن الأبكار مريم بنت عمران. وقد ذكرناه في آخر سورة التحريم فالله أعلم. قال الطبراني حدثنا عبد الله بن ناجية حدثنا محمد بن سعد العوفيّ حدثنا أبى أنبأنا عمى الحسين حدثنا يونس بن نفيع عن سعد بن جنادة هو العوفيّ قال قال رسول الله ﷺ إن الله زوجني في الجنة مريم بنت عمران وامرأة فرعون وأخت موسى. وقال الحافظ أبو يعلى حدثنا إبراهيم بن عرعرة حدثنا عبد النور بن عبد الله حدثنا يونس بن شعيب عن أبى امامة قال قال رسول الله ﷺ أشعرت أن الله زوجني مريم بنت عمران وآسية بنت مزاحم وكلثم أخت موسى رواه ابن جعفر العقيلي من حديث عبد النور به وزاد فقلت هنيئا لك يا رسول الله. ثم قال العقيلي وليس بمحفوظ. وقال الزبير بن بكار حدثني محمد بن الحسن عن يعلى بن المغيرة عن ابن أبى داود قال دخل رسول الله ﷺ على خديجة وهي في مرضها الّذي توفيت فيه فقال لها بالكره منى ما أرى منك يا خديجة وقد يجعل الله في الكره خيرا كثيرا أما علمت أن الله قد زوجني معك في الجنة مريم بنت عمران وكلثم أخت موسى وآسية امرأة فرعون قالت وقد فعل الله بك ذلك يا رسول الله قال نعم قالت بالرفاء والبنين * وروى ابن عساكر من حديث محمد بن زكريا الغلابي حدثنا العباس بن بكار حدثنا أبو بكر الهزلى عن عكرمة عن ابن عباس أن رسول الله ﷺ دخل على خديجة وهي في مرض الموت فقال يا خديجة إذا لقيت ضرائرك فأقرئهن منى السلام قالت يا رسول الله وهل تزوجت قبلي قال لا ولكن الله زوجني مريم بنت عمران وآسية بنت مزاحم وكلثم أخت موسى وروى ابن عساكر من طريق سويد بن سعيد حدثنا محمد بن صالح بن عمر عن الضحاك ومجاهد عن ابن عمر قال نزل جبريل الى رسول الله ﷺ بما أرسل به وجلس يحدث رسول الله ﷺ إذ مرت خديجة فقال جبريل من هذه يا محمد قال هذه صديقة أمتى قال جبريل معى اليها رسالة من الرب يقرئها السلام ويبشرها ببيت في الجنة من قصب بعيد من اللهب لا نصب فيه ولا صخب قالت الله السلام ومنه السلام والسلام عليكما ورحمة الله وبركاته على رسول الله ما ذلك البيت الّذي من قصب قال لؤلؤة جوفاء بين بيت مريم بنت عمران وبيت آسية بنت مزاحم وهما من أزواجى يوم القيامة. وأصل السلام على خديجة من الله وبشارتها ببيت في الجنة من قصب لا صخب فيه ولا وصب في الصحيح ولكن هذا السياق بهذه الزيادات غريب جدا. وكل من هذه الأحاديث في أسانيدها نظر. وروى ابن عساكر من حديث أبى زرعة الدمشقيّ حدثنا عبد الله بن صالح

стр. 401

حدثني معاوية عن صفوان بن عمرو عن خالد بن معدان عن كعب الأحبار أن معاوية سأله عن الصخرة يعنى صخرة بيت المقدس فقال الصخرة على نخلة والنخلة على نهر من أنهار الجنة وتحت النخلة مريم بنت عمران وآسية بنت مزاحم ينظمان سموط أهل الجنة حتى تقوم الساعة. ثم رواه من طريق إسماعيل عن عياش عن ثعلبة بن مسلم عن مسعود عن عبد الرحمن عن خالد بن معدان عن عبادة بن الصامت عن النبي ﷺ بمثله وهذا منكر من هذا الوجه بل هو موضوع قد رواه أبو زرعة عن عبد الله بن صالح عن معاوية عن مسعود بن عبد الرحمان عن ابن عابد أن معاوية سأل كعبا عن صخرة بيت المقدس فذكره قال الحافظ بن عساكر وكونه من كلام كعب الأحبار أشبه. قلت وكلام كعب الأحبار هذا انما تلقاه من الإسرائيليات التي منها ما هو مكذوب مفتعل وضعه بعض زنادقتهم أو جهالهم وهذا منه والله أعلم * ذكر ميلاد العبد الرسول عيسى بن مريم البتول قال الله تعالى ﴿وَاُذْكُرْ فِي الْكِتابِ مَرْيَمَ إِذِ اِنْتَبَذَتْ مِنْ أَهْلِها مَكاناً شَرْقِيًّا * فَاتَّخَذَتْ مِنْ دُونِهِمْ حِجاباً فَأَرْسَلْنا إِلَيْها رُوحَنا فَتَمَثَّلَ لَها بَشَراً سَوِيًّا * قالَتْ إِنِّي أَعُوذُ بِالرَّحْمنِ مِنْكَ إِنْ كُنْتَ تَقِيًّا * قالَ إِنَّما أَنَا رَسُولُ رَبِّكِ لِأَهَبَ لَكِ غُلاماً زَكِيًّا * قالَتْ أَنّى يَكُونُ لِي غُلامٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ وَلَمْ أَكُ بَغِيًّا * قالَ كَذلِكِ قالَ رَبُّكِ هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ وَلِنَجْعَلَهُ آيَةً لِلنّاسِ وَرَحْمَةً مِنّا وَكانَ أَمْراً مَقْضِيًّا * فَحَمَلَتْهُ فَانْتَبَذَتْ بِهِ مَكاناً قَصِيًّا * فَأَجاءَهَا الْمَخاضُ إِلى جِذْعِ النَّخْلَةِ قالَتْ يا لَيْتَنِي مِتُّ قَبْلَ هذا وَكُنْتُ نَسْياً مَنْسِيًّا * فَناداها مِنْ تَحْتِها أَلاّ تَحْزَنِي قَدْ جَعَلَ رَبُّكِ تَحْتَكِ سَرِيًّا * وَهُزِّي إِلَيْكِ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ تُساقِطْ عَلَيْكِ رُطَباً جَنِيًّا * فَكُلِي وَاِشْرَبِي وَقَرِّي عَيْناً فَإِمّا تَرَيِنَّ مِنَ الْبَشَرِ أَحَداً فَقُولِي إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمنِ صَوْماً فَلَنْ أُكَلِّمَ الْيَوْمَ إِنْسِيًّا * فَأَتَتْ بِهِ قَوْمَها تَحْمِلُهُ قالُوا يا مَرْيَمُ لَقَدْ جِئْتِ شَيْئاً فَرِيًّا * يا أُخْتَ هارُونَ ما كانَ أَبُوكِ اِمْرَأَ سَوْءٍ وَما كانَتْ أُمُّكِ بَغِيًّا * فَأَشارَتْ إِلَيْهِ قالُوا كَيْفَ نُكَلِّمُ مَنْ كانَ فِي الْمَهْدِ صَبِيًّا * قالَ إِنِّي عَبْدُ اللهِ آتانِيَ الْكِتابَ وَجَعَلَنِي نَبِيًّا * وَجَعَلَنِي مُبارَكاً أَيْنَ ما كُنْتُ وَأَوْصانِي بِالصَّلاةِ وَالزَّكاةِ ما دُمْتُ حَيًّا * وَبَرًّا بِوالِدَتِي وَلَمْ يَجْعَلْنِي جَبّاراً شَقِيًّا * وَالسَّلامُ عَلَيَّ يَوْمَ وُلِدْتُ وَيَوْمَ أَمُوتُ وَيَوْمَ أُبْعَثُ حَيًّا * ذلِكَ عِيسَى اِبْنُ مَرْيَمَ قَوْلَ الْحَقِّ الَّذِي فِيهِ يَمْتَرُونَ * ما كانَ لِلّهِ أَنْ يَتَّخِذَ مِنْ وَلَدٍ سُبْحانَهُ إِذا قَضى أَمْراً فَإِنَّما يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ * وَإِنَّ اللهَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ هذا صِراطٌ مُسْتَقِيمٌ * فَاخْتَلَفَ الْأَحْزابُ مِنْ بَيْنِهِمْ فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ مَشْهَدِ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾. ذكر تعالى هذه القصة بعد قصة زكريا التي هي كالمقدمة لها والتوطئة قبلها كما ذكر في سورة آل عمران قرن بينهما في سياق واحد وكما قال في سورة الأنبياء ﴿وَزَكَرِيّا إِذْ نادى رَبَّهُ رَبِّ لا تَذَرْنِي فَرْداً وَأَنْتَ خَيْرُ الْوارِثِينَ * فَاسْتَجَبْنا لَهُ وَوَهَبْنا لَهُ يَحْيى وَأَصْلَحْنا لَهُ زَوْجَهُ إِنَّهُمْ كانُوا يُسارِعُونَ فِي الْخَيْراتِ وَيَدْعُونَنا رَغَباً وَرَهَباً وَكانُوا لَنا خاشِعِينَ * وَالَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَها فَنَفَخْنا فِيها مِنْ رُوحِنا وَجَعَلْناها وَاِبْنَها آيَةً لِلْعالَمِينَ﴾

стр. 402

وقد تقدم أن مريم لما جعلتها أمها محررة تخدم بيت المقدس وانه كفلها زوج أختها أو خالتها نبي ذلك الزمان زكريا ﵇ وانه اتخذ لها محرابا وهو المكان الشريف من المسجد لا يدخله أحد عليها سواه وانها لما بلغت اجتهدت في العبادة فلم يكن في ذلك الزمان نظيرها في فنون العبادات وظهر عليها من الأحوال ما غبطها به زكريا ﵇ وأنها خاطبتها الملائكة بالبشارة لها باصطفاء الله لها وبانه سيهب لها ولدا زكيا يكون نبيا كريما طاهرا مكرما مؤيدا بالمعجزات فتعجبت من وجود ولد من غير والد لأنها لا زوج لها ولا هي ممن تتزوج فأخبرتها الملائكة بان الله قادر على ما يشاء ﴿إِذا قَضى أَمْراً فَإِنَّما يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ فاستكانت لذلك وانابت وسلمت لأمر الله وعلمت أن هذا فيه محنة عظيمة لها فان الناس يتكلمون فيها بسببه لانهم لا يعلمون حقيقة الأمر وانما ينظرون الى ظاهر الحال من غير تدبر ولا تعقل وكانت انما تخرج من المسجد في زمن حيضها أو لحاجة ضرورية لا بد منها من استقاء ماء أو تحصيل غذاء فبينما هي يوما قد خرجت لبعض شئونها و ﴿اِنْتَبَذَتْ﴾ أي انفردت وحدها شرقى المسجد الأقصى إذ بعث الله اليها الروح الأمين جبريل ﵇ ﴿فَتَمَثَّلَ لَها بَشَراً سَوِيًّا﴾ فلما رأته ﴿قالَتْ إِنِّي أَعُوذُ بِالرَّحْمنِ مِنْكَ إِنْ كُنْتَ تَقِيًّا﴾. قال أبو العالية علمت أن التقى ذو نهية وهذا يرد قول من زعم انه كان في بنى إسرائيل رجل فاسق مشهور بالفسق اسمه تقى فان هذا قول باطل بلا دليل وهو من أسخف الأقوال ﴿قالَ إِنَّما أَنَا رَسُولُ رَبِّكِ﴾ أي خاطبها الملك قائلا انما أنا رسول ربك لست ببشر ولكنى ملك بعثني الله إليك ﴿لِأَهَبَ لَكِ غُلاماً زَكِيًّا﴾ أي ولدا زكيا ﴿قالَتْ أَنّى يَكُونُ لِي غُلامٌ﴾ أي كيف يكون لي غلام أو يوجد لي ولد ﴿وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ وَلَمْ أَكُ بَغِيًّا﴾ أي ولست ذات زوج وما أنا ممن يفعل الفاحشة ﴿قالَ كَذلِكَ قالَ رَبُّكَ هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ﴾ أي فأجابها الملك عن تعجبها من وجود ولد منها والحالة هذه قائلا ﴿كَذلِكَ قالَ رَبُّكَ﴾ أي وعد أنه سيخلق منك غلاما ولست بذات بعل ولا تكونين ممن تبغين ﴿هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ﴾ أي وهذا سهل عليه ويسير لديه فإنه على ما يشاء قدير. وقوله ﴿وَلِنَجْعَلَهُ آيَةً لِلنّاسِ﴾ أي ولنجعل خلقه والحالة هذه دليلا على كمال قدرتنا على أنواع الخلق فإنه تعالى خلق ادم من غير ذكر ولا أنثى وخلق حواء من ذكر بلا أنثى وخلق عيسى من أنثى بلا ذكر وخلق بقية الخلق من ذكر وأنثى. وقوله ﴿وَرَحْمَةً مِنّا﴾ أي نرحم به العباد بان يدعوهم الى الله في صغره وكبره في طفوليته وكهوليته بأن يفردوا الله بالعبادة وحده لا شريك له وينزهوه عن اتخاذ الصاحبة والأولاد والشركاء والنظراء والاضداد والأنداد. وقوله ﴿وَكانَ أَمْراً مَقْضِيًّا﴾. يحتمل أن يكون هذا من تمام كلام جبريل معها يعنى ان هذا أمر قد قضاه الله وحتمه وقدره وقرره وهذا معنى قول محمد بن إسحاق واختاره ابن جرير ولم يحك سواه والله أعلم. ويحتمل أن يكون قوله ﴿وَكانَ أَمْراً مَقْضِيًّا﴾ كناية عن نفخ جبريل فيها كما قال تعالى ﴿وَمَرْيَمَ اِبْنَتَ عِمْرانَ الَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَها فَنَفَخْنا فِيهِ مِنْ رُوحِنا﴾. فذكر غير واحد من السلف ان جبريل نفخ في جيب درعها فنزلت

стр. 403

النفخة الى فرجها فحملت من فورها كما تحمل المرأة عند جماع بعلها. ومن قال انه نفخ في فمها أو ان الّذي كان يخاطبها هو الروح الّذي ولج فيها من فمها فقوله خلاف ما يفهم من سياقات هذه القصة في محالها من القرآن فان هذا السياق يدل على أن الّذي أرسل اليها ملك من الملائكة وهو جبريل ﵇ وانه إنما نفخ فيها ولم يواجه الملك الفرج بل نفخ في جيبها فنزلت النفخة إلى فرجها فانسلكت فيه كما قال تعالى ﴿فَنَفَخْنا فِيهِ مِنْ رُوحِنا﴾ يدل على أن النفخة ولجت فيه لا في فمها كما روى عن أبى بن كعب ولا في صدرها كما رواه السدي باسناده عن بعض الصحابة ولهذا قال تعالى ﴿فَحَمَلَتْهُ﴾ أي حملت ولدها ﴿فَانْتَبَذَتْ بِهِ مَكاناً قَصِيًّا﴾ وذلك لأن مريم ﵍ لما حملت ضاقت به ذرعا وعلمت أن كثيرا من الناس سيكون منهم كلام في حقها فذكر غير واحد من السلف منهم وهب بن منبه انها لما ظهرت عليها مخايل الحمل كان أول من فطن لذلك رجل من عباد بنى إسرائيل يقال له يوسف بن يعقوب النجار وكان ابن خالها فجعل يتعجب من ذلك عجبا شديدا وذلك لما يعلم من ديانتها ونزاهتها وعبادتها وهو مع ذلك يراها حبلى وليس لها زوج فعرض لها ذات يوم في الكلام فقال يا مريم هل يكون زرع من غير بذر قالت نعم فمن خلق الزرع الأول. ثم قال فهل يكون شجر من غير ماء ولا مطر قالت نعم فمن خلق الشجر الأول ثم قال فهل يكون ولد من غير ذكر قالت نعم ان الله خلق آدم من غير ذكر ولا أنثى قال لها فأخبريني خبرك فقالت إن الله بشرنى ﴿بِكَلِمَةٍ مِنْهُ اِسْمُهُ الْمَسِيحُ عِيسَى اِبْنُ مَرْيَمَ وَجِيهاً فِي الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ وَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ * وَيُكَلِّمُ النّاسَ فِي الْمَهْدِ وَكَهْلاً وَمِنَ الصّالِحِينَ﴾ ويروى مثل هذا عن زكريا ﵇ أنه سألها فأجابته بمثل هذا والله أعلم * وذكر السدي باسناده عن الصحابة أن مريم دخلت يوما على أختها فقالت لها أختها أشعرت أنى حبلى فقالت مريم وشعرت أيضا أنى حبلى فاعتنقتها وقالت لها أم يحيى إني أرى ما في بطني يسجد لما في بطنك وذلك قوله ﴿مُصَدِّقاً بِكَلِمَةٍ مِنَ اللهِ﴾ ومعنى السجود هاهنا الخضوع والتعظيم كالسجود عند المواجهة للسلام كما كان في شرع من قبلنا وكما أمر الله الملائكة بالسجود لآدم * وقال أبو القاسم قال مالك بلغني أن عيسى بن مريم ويحيى بن زكريا ابنا خالة وكان حملهما جميعا معا فبلغني أن أم يحيى قالت لمريم انى أرى ما في بطني يسجد لما في بطنك قال مالك أرى ذلك لتفضيل عيسى ﵇ لأن الله تعالى جعله يحيى الموتى ويبرئ الأكمه والأبرص. رواه ابن أبى حاتم وروى عن مجاهد قال قالت مريم كنت إذا خلوت حدثني وكلمني وإذا كنت بين الناس سبح في بطني * ثم الظاهر أنها حملت به تسعة أشهر كما تحمل النساء ويضعن لميقات حملهن ووضعهن إذ لو كان خلاف ذلك لذكر. وعن ابن عباس وعكرمة أنها حملت به ثمانية أشهر وعن ابن عباس ما هو إلا أن حملت به فوضعته قال بعضهم حملت به تسع ساعات واستأنسوا لذلك بقوله ﴿فَحَمَلَتْهُ فَانْتَبَذَتْ بِهِ مَكاناً قَصِيًّا * فَأَجاءَهَا﴾

стр. 404

الْمَخاضُ إِلى جِذْعِ النَّخْلَةِ) والصحيح أن تعقيب كل شيء بحسبه لقوله ﴿فَتُصْبِحُ الْأَرْضُ مُخْضَرَّةً﴾ وكقوله ﴿ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةً فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظاماً فَكَسَوْنَا الْعِظامَ لَحْماً ثُمَّ أَنْشَأْناهُ خَلْقاً آخَرَ فَتَبارَكَ اللهُ أَحْسَنُ الْخالِقِينَ﴾ * ومعلوم أن بين كل حالين أربعين يوما كما ثبت في الحديث المتفق عليه. قال محمد بن إسحاق شاع واشتهر في بنى إسرائيل أنها حامل فما دخل على أهل بيت ما دخل على آل بيت زكريا. قال واتهمها بعض الزنادقة بيوسف الّذي كان يتعبد معها في المسجد وتوارت عنهم مريم واعتزلتهم وانتبذت مكانا قصيا وقوله ﴿فَأَجاءَهَا الْمَخاضُ إِلى جِذْعِ النَّخْلَةِ﴾ أي فالجأها واضطرها الطلق الى جذع النخلة وهو بنص الحديث الّذي رواه النسائي باسناد لا بأس به عن أنس مرفوعا والبيهقي باسناد وصححه عن شداد بن أوس مرفوعا أيضا ببيت لحم الّذي بنى عليه بعض ملوك الروم فيما بعد على ما سنذكره هذا البناء المشاهد الهائل ﴿قالَتْ يا لَيْتَنِي مِتُّ قَبْلَ هذا وَكُنْتُ نَسْياً مَنْسِيًّا﴾ فيه دليل على جواز تمنى الموت عند الفتن وذلك أنها علمت أن الناس يتهمونها ولا يصدقونها بل يكذبونها حين تأتيهم بغلام على يدها مع أنها قد كانت عندهم من العابدات الناسكات المجاورات في المسجد المنقطعات اليه المعتكفات فيه ومن بيت النبوة والديانة فحملت بسبب ذلك من الهم ما تمنت ان لو كانت ماتت قبل هذا الحال أو كانت ﴿نَسْياً مَنْسِيًّا﴾ أي لم تخلق بالكلية. وقوله ﴿فَناداها مِنْ تَحْتِها﴾ وقرئ من تحتها على الخفض وفي المضمر قولان أحدهما أنه جبريل قاله العوفيّ عن ابن عباس قال ولم يتكلم عيسى إلا بحضرة القوم وهكذا قال سعيد بن جبير وعمرو بن ميمون والضحاك والسدي وقتادة. وقال مجاهد والحسن وابن زيد وسعيد بن جبير في رواية هو ابنها عيسى واختاره ابن جرير. وقوله ﴿أَلاّ تَحْزَنِي قَدْ جَعَلَ رَبُّكِ تَحْتَكِ سَرِيًّا﴾ قيل النهر واليه ذهب الجمهور. وجاء فيه حديث رواه الطبراني لكنه ضعيف واختاره ابن جرير وهو الصحيح وعن الحسن والربيع بن أنس وابن أسلم وغيرهم أنه ابنها والصحيح الأول لقوله ﴿وَهُزِّي إِلَيْكِ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ تُساقِطْ عَلَيْكِ رُطَباً جَنِيًّا﴾ فذكر الطعام والشراب ولهذا قال ﴿فَكُلِي وَاِشْرَبِي وَقَرِّي عَيْناً﴾. ثم قيل كان جذع النخلة يابسا وقيل كانت نخلة مثمرة فالله أعلم. ويحتمل أنها كانت نخلة لكنها لم تكن مثمرة إذ ذاك لأن ميلاده كان في زمن الشتاء وليس ذاك وقت ثمر وقد يفهم ذلك من قوله تعالى على سبيل الامتنان ﴿تُساقِطْ عَلَيْكِ رُطَباً جَنِيًّا﴾. قال عمرو بن ميمون ليس شيء أجود للنفساء من التمر والرطب ثم تلا هذه الآية. وقال ابن أبى حاتم حدثنا على بن الحسين حدثنا شيبان حدثنا مسرور بن سعيد التميمي حدثنا عبد الرحمن بن عمرو الأنصاري عن عروة بن رويم عن على بن أبى طالب قال قال رسول الله ﷺ (أكرموا عمتكم النخلة فإنها خلقت من الطين الّذي خلق منه آدم وليس من الشجر شيء يلقح غيرها وقال رسول الله ﷺ (أطعموا نساءكم الولد الرطب فان لم يكن رطب فتمر وليس من الشجر شجرة أكرم على الله من شجرة نزلت تحتها

стр. 405

مريم بنت عمران. وكذا رواه أبو يعلى في مسندة عن شيبان بن فروخ عن مسروق بن سعيد وفي رواية مسرور بن سعد. والصحيح مسرور بن سعيد التميمي أورد له ابن عدي هذا الحديث عن الأوزاعي به ثم قال وهو منكر الحديث ولم اسمع بذكره إلا في هذا الحديث. وقال ابن حبان يروى عن الأوزاعي المناكير الكثيرة التي لا يجوز الاحتجاج بمن يرويها. وقوله ﴿فَإِمّا تَرَيِنَّ مِنَ الْبَشَرِ أَحَداً فَقُولِي إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمنِ صَوْماً فَلَنْ أُكَلِّمَ الْيَوْمَ إِنْسِيًّا﴾. وهذا من تمام كلام الّذي ناداها من تحتها قال ﴿فَكُلِي وَاِشْرَبِي وَقَرِّي عَيْناً فَإِمّا تَرَيِنَّ مِنَ الْبَشَرِ أَحَداً﴾ أي فان رأيت أحدا من الناس ﴿فَقُولِي﴾ له أي بلسان الحال والإشارة ﴿إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمنِ صَوْماً﴾ أي صمتا وكان من صومهم في شريعتهم ترك الكلام والطعام قاله قتادة والسدي وابن أسلم ويدل على ذلك قوله ﴿فَلَنْ أُكَلِّمَ الْيَوْمَ إِنْسِيًّا﴾ فأما في شريعتنا فيكره للصائم صمت يوم إلى الليل. وقوله تعالى ﴿فَأَتَتْ بِهِ قَوْمَها تَحْمِلُهُ قالُوا يا مَرْيَمُ لَقَدْ جِئْتِ شَيْئاً فَرِيًّا * يا أُخْتَ هارُونَ ما كانَ أَبُوكِ اِمْرَأَ سَوْءٍ وَما كانَتْ أُمُّكِ بَغِيًّا﴾ ذكر كثير من السلف ممن ينقل عن أهل الكتاب أنهم لما افتقدوها من بين أظهرهم ذهبوا في طلبها فمروا على محلتها والأنوار حولها فلما واجهوها وجدوا معها ولدها فقالوا لها ﴿يا مَرْيَمُ لَقَدْ جِئْتِ شَيْئاً فَرِيًّا﴾ أي امرا عظيما منكرا. وفي هذا الّذي قالوه نظر مع أنه كلام ينقض أوله آخره وذلك لأن ظاهر سياق القرآن العظيم يدل على أنها حملت بنفسها وأتت به قومها وهي تحمله * قال ابن عباس وذلك بعد ما تعلت من نفاسها بعد أربعين يوما * والمقصود أنهم لما رأوها تحمل معها ولدها ﴿قالُوا يا مَرْيَمُ لَقَدْ جِئْتِ شَيْئاً فَرِيًّا﴾ والفرية هي الفعلة المنكرة العظيمة من الفعال والمقال. ثم قالوا لها ﴿يا أُخْتَ هارُونَ﴾ قيل شبهوها بعابد من عباد زمانهم كانت تساميه في العبادة وكان اسمه هارون وقيل شبهوها برجل فاجر في زمانهم اسمه هارون. قاله سعيد بن جبير وقيل أرادوا بهرون أخا موسى شبهوها به في العبادة. واخطأ محمد بن كعب القرظي في زعمه أنها أخت موسى وهارون نسبا فان بينهما من الدهور الطويلة ما لا يخفى على أدنى من عنده من العلم ما يرده عن هذا القول الفظيع وكأنه غره أن في التوراة أن مريم أخت موسى وهارون ضربت بالدف يوم نجا الله موسى وقومه وأغرق فرعون وملأه فاعتقد أن هذه هي هذه وهذا في غاية البطلان والمخالفة للحديث الصحيح مع نص القرآن كما قررناه في التفسير مطولا ولله الحمد والمنة. وقد ورد الحديث الصحيح الدال على أنه قد كان لها أخ اسمه هارون وليس في ذكر قصة ولادتها وتحرير أمها لها ما يدل على أنها ليس لها أخ سواها والله أعلم. قال الامام أحمد حدثنا عبد الله بن إدريس سمعت أبى يذكره عن سماك عن علقمة ابن وائل عن المغيرة بن شعبة قال بعثني رسول الله ﷺ إلى نجران فقالوا أرأيت ما تقرءون ﴿يا أُخْتَ هارُونَ﴾ وموسى قبل عيسى بكذا وكذا قال فرجعت فذكرت ذلك لرسول الله ﷺ فقال (ألا أخبرتهم أنهم كانوا يسمون بالأنبياء والصالحين قبلهم) وكذا رواه مسلم والنسائي والترمذي من حديث

стр. 406

عبد الله بن إدريس وقال الترمذي حسن صحيح غريب لا نعرفه إلا من حديثه وفي رواية (ألا أخبرتهم أنهم كانوا يتسمون بأسماء صالحيهم وأنبيائهم) وذكر قتادة وغيره أنهم كانوا يكثرون من التسمية بهرون حتى قيل إنه حضر بعض جنائزهم بشر كثير منهم ممن يسمى بهرون أربعون ألفا فالله أعلم * والمقصود أنهم قالوا ﴿يا أُخْتَ هارُونَ﴾ ودل الحديث على أنها قد كان لها أخ نسبي اسمه هارون وكان مشهورا بالدين والصلاح والخير ولهذا قالوا ﴿ما كانَ أَبُوكِ اِمْرَأَ سَوْءٍ وَما كانَتْ أُمُّكِ بَغِيًّا﴾ أي لست من بيت هذا شيمتهم ولا سجيتهم لا أخوك ولا أمك ولا أبوك فاتهموها بالفاحشة العظمى ورموها بالداهية الدهياء فذكر ابن جرير في تأريخه أنهم اتهموا بها زكريا وأرادوا قتله ففر منهم فلحقوه وقد انشقت له الشجرة فدخلها وأمسك إبليس بطرف ردائه فنشروه فيها كما قدمنا، ومن المنافقين من اتهمها بابن خالها يوسف بن يعقوب النجار فلما ضاق الحال وانحصر المجال وامتنع المقال عظم التوكل على ذي الجلال ولم يبق إلا الإخلاص والاتكال ﴿فَأَشارَتْ إِلَيْهِ﴾ أي خاطبوه وكلموه فان جوابكم عليه وما تبغون من الكلام لديه. فعندها ﴿قالُوا﴾ من كان منهم جبارا شقيا ﴿كَيْفَ نُكَلِّمُ مَنْ كانَ فِي الْمَهْدِ صَبِيًّا﴾ أي كيف تحيلينا في الجواب على صبي صغير لا يعقل الخطاب وهو مع ذلك رضيع في مهده ولا يميز بين محض وزبده وما هذا منك إلا على سبيل التهكم بنا والاستهزاء والتنقص لنا والازدراء إذ لا تردين علينا قولا نطقيا بل تحيلين في الجواب على من كان في المهد صبيا فعندها ﴿قالَ إِنِّي عَبْدُ اللهِ آتانِيَ الْكِتابَ وَجَعَلَنِي نَبِيًّا * وَجَعَلَنِي مُبارَكاً أَيْنَ ما كُنْتُ وَأَوْصانِي بِالصَّلاةِ وَالزَّكاةِ ما دُمْتُ حَيًّا * وَبَرًّا بِوالِدَتِي وَلَمْ يَجْعَلْنِي جَبّاراً شَقِيًّا * وَالسَّلامُ عَلَيَّ يَوْمَ وُلِدْتُ وَيَوْمَ أَمُوتُ وَيَوْمَ أُبْعَثُ حَيًّا﴾. هذا أول كلام تفوه به عيسى بن مريم فكان أول ما تكلم به أن ﴿قالَ إِنِّي عَبْدُ اللهِ﴾ اعترف لربه تعالى بالعبودية وأن الله ربه فنزه جناب الله عن قول الظالمين في زعمهم انه ابن الله بل هو عبده ورسوله وابن أمته ثم برأ أمه مما نسبها اليه الجاهلون وقذفوها به ورموها بسببه بقوله ﴿آتانِيَ الْكِتابَ وَجَعَلَنِي نَبِيًّا﴾ فان الله لا يعطى النبوة من هو كما زعموا لعنهم الله وقبحهم كما قال تعالى ﴿وَبِكُفْرِهِمْ وَقَوْلِهِمْ عَلى مَرْيَمَ بُهْتاناً عَظِيماً﴾ وذلك أن طائفة من اليهود في ذلك الزمان قالوا إنها حملت به من زنا في زمن الحيض لعنهم الله فبرأها الله من ذلك وأخبر عنها أنها صديقة واتخذ ولدها نبيا مرسلا أحد أولى العزم الخمسة الكبار ولهذا قال ﴿وَجَعَلَنِي مُبارَكاً أَيْنَ ما كُنْتُ﴾ وذلك أنه حيث كان دعا إلى عبادة الله وحده لا شريك له ونزه جنابه عن النقص والعيب من اتخاذ الولد والصاحبة تعالى وتقدس ﴿وَأَوْصانِي بِالصَّلاةِ وَالزَّكاةِ ما دُمْتُ حَيًّا﴾ وهذه وظيفة العبيد في القيام بحق العزيز الحميد بالصلاة والإحسان إلى الخليقة بالزكاة وهي تشتمل على طهارة النفوس من الأخلاق الرذيلة وتطهير الأموال الجزيلة بالعطية للمحاويج على اختلاف الأصناف وقرى الأضياف والنفقات على الزوجات والأرقاء والقرابات وسائر وجوه الطاعات وأنواع القربات. ثم قال ﴿وَبَرًّا بِوالِدَتِي﴾

стр. 407

وَلَمْ يَجْعَلْنِي جَبّاراً شَقِيًّا أي وجعلني برا بوالدتي وذلك أنه تأكد حقها عليه لتمحض جهتها إذ لا والد له سواها فسبحان من خلق الخليقة وبرأها وأعطى كل نفس هداها. ﴿وَلَمْ يَجْعَلْنِي جَبّاراً شَقِيًّا﴾ أي لست بفظ ولا غليظ ولا يصدر منى قول ولا فعل ينافي أمر الله وطاعته * ﴿وَالسَّلامُ عَلَيَّ يَوْمَ وُلِدْتُ وَيَوْمَ أَمُوتُ وَيَوْمَ أُبْعَثُ حَيًّا﴾. وهذه الأماكن الثلاثة التي تقدم الكلام عليها في قصة يحيى بن زكريا ﵉. ثم لما ذكر تعالى قصته على الجلية وبين أمره ووضحه وشرحه قال ﴿ذلِكَ عِيسَى اِبْنُ مَرْيَمَ قَوْلَ الْحَقِّ الَّذِي فِيهِ يَمْتَرُونَ * ما كانَ لِلّهِ أَنْ يَتَّخِذَ مِنْ وَلَدٍ سُبْحانَهُ إِذا قَضى أَمْراً فَإِنَّما يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ كما قال تعالى بعد ذكر قصته وما كان من أمره في آل عمران ﴿ذلِكَ نَتْلُوهُ عَلَيْكَ مِنَ الْآياتِ وَالذِّكْرِ الْحَكِيمِ * إِنَّ مَثَلَ عِيسى عِنْدَ اللهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرابٍ ثُمَّ قالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ * الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَلا تَكُنْ مِنَ الْمُمْتَرِينَ * فَمَنْ حَاجَّكَ فِيهِ مِنْ بَعْدِ ما جاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ فَقُلْ تَعالَوْا نَدْعُ أَبْناءَنا وَأَبْناءَكُمْ وَنِساءَنا وَنِساءَكُمْ وَأَنْفُسَنا وَأَنْفُسَكُمْ ثُمَّ نَبْتَهِلْ فَنَجْعَلْ لَعْنَتَ اللهِ عَلَى الْكاذِبِينَ * إِنَّ هذا لَهُوَ الْقَصَصُ الْحَقُّ وَما مِنْ إِلهٍ إِلاَّ اللهُ وَإِنَّ اللهَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ * فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّ اللهَ عَلِيمٌ بِالْمُفْسِدِينَ﴾ * ولهذا لما قدم وفد نجران وكانوا ستين راكبا يرجع أمرهم إلى أربعة عشر منهم ويؤول أمر الجميع الى ثلاثة هم أشرافهم وساداتهم وهم العاقب والسيد وأبو حارثة بن علقمة فجعلوا يناظرون في أمر المسيح فأنزل الله صدر سورة آل عمران في ذلك وبين أمر المسيح وابتداء خلقه وخلق أمه من قبله وأمر رسوله بان يباهلهم ان لم يستجيبوا له ويتبعوه فلما رأوا عينيها وأذنيها نكصوا وامتنعوا عن المباهلة وعدلوا إلى المسالمة والموادعة وقال قائلهم وهو العاقب عبد المسيح يا معشر النصارى لقد علمتم أن محمدا لنبي مرسل ولقد جاءكم بالفصل من خبر صاحبكم ولقد علمتم أنه مالا عن قوم نبيا قط فبقي كبيرهم ولا نبت صغيرهم وانها للاستئصال منكم ان فعلتم فان كنتم قد أبيتم الا ألف دينكم والاقامة على ما أنتم عليه من القول في صاحبكم فوادعوا الرجل وانصرفوا الى بلادكم فطلبوا ذلك من رسول الله ﷺ وسألوه أن يضرب عليهم جزية وأن يبعث معهم رجلا أمينا فبعث معهم أبا عبيدة بن الجراح وقد بينا ذلك في تفسير آل عمران وسيأتي بسط هذه القضية في السيرة النبويّة إن شاء الله تعالى وبه الثقة * والمقصود أن الله تعالى بين أمر المسيح قال لرسوله ﴿ذلِكَ عِيسَى اِبْنُ مَرْيَمَ قَوْلَ الْحَقِّ الَّذِي فِيهِ يَمْتَرُونَ﴾ يعنى من أنه عبد مخلوق من امرأة من عباد الله ولهذا قال ﴿ما كانَ لِلّهِ أَنْ يَتَّخِذَ مِنْ وَلَدٍ سُبْحانَهُ إِذا قَضى أَمْراً فَإِنَّما يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ أي لا يعجزه شيء ولا يكترثه ولا يؤوده بل هو القدير الفعال لما يشاء ﴿إِنَّما أَمْرُهُ إِذا أَرادَ شَيْئاً أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ وقوله ﴿إِنَّ اللهَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ هذا صِراطٌ مُسْتَقِيمٌ﴾ هو من تمام كلام عيسى لهم في المهد أخبرهم أن الله ربه وربهم وإلهه وإلههم وأن هذا هو السراط المستقيم. قال الله تعالى ﴿فَاخْتَلَفَ الْأَحْزابُ مِنْ بَيْنِهِمْ فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ مَشْهَدِ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾

стр. 408

أي فاختلف أهل ذلك الزمان ومن بعدهم فيه فمن قائل من اليهود إنه ولد زنية واستمروا على كفرهم وعنادهم وقابلهم آخرون في الكفر فقالوا هو الله وقال آخرون هو ابن الله وقال المؤمنون هو عبد الله ورسوله وابن أمته وكلمته ألقاها إلى مريم، وروح منه وهؤلاء هم الناجون المثابون المؤيدون المنصورون ومن خالفهم في شيء من هذه القيود فهم الكافرون الضالون الجاهلون وقد توعدهم العلى العظيم الحكيم العليم بقوله ﴿فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ مَشْهَدِ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ قال البخاري حدثنا صدقة بن الفضل أنبأنا الوليد حدثنا الأوزاعي حدثني عمير بن هانئ حدثني جنادة بن أبى أمية عن عبادة بن الصامت عن النبي ﷺ قال (من شهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأن محمدا عبده ورسوله وأن عيسى عبد الله ورسوله وكلمته ألقاها الى مريم وروح منه والجنة حق والنار حق أدخله الله الجنة على ما كان من العمل) قال الوليد فحدثني عبد الرحمن بن يزيد بن جابر عن عمير عن جنادة وزاد من أبواب الجنة الثمانية أيها شاء. وقد رواه مسلم عن داود بن رشيد عن الوليد عن جابر به ومن طريق أخرى عن الأوزاعي به * باب بيان أن الله تعالى منزه عن الولد تعالى عما يقول الظالمون علوا كبيرا قال تعالى في آخر هذه السورة ﴿وَقالُوا اِتَّخَذَ الرَّحْمنُ وَلَداً * لَقَدْ جِئْتُمْ شَيْئاً إِدًّا﴾ أي شيئا عظيما ومنكرا من القول وزورا ﴿تَكادُ السَّماواتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ وَتَنْشَقُّ الْأَرْضُ وَتَخِرُّ الْجِبالُ هَدًّا * أَنْ دَعَوْا لِلرَّحْمنِ وَلَداً * وَما يَنْبَغِي لِلرَّحْمنِ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَداً * إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ إِلاّ آتِي الرَّحْمنِ عَبْداً * لَقَدْ أَحْصاهُمْ وَعَدَّهُمْ عَدًّا * وَكُلُّهُمْ آتِيهِ يَوْمَ الْقِيامَةِ فَرْداً﴾ فبين أنه تعالى لا ينبغي له الولد لانه خالق كل شيء ومالكه وكل شيء فقير اليه، خاضع دليل لديه وجميع سكان السموات والأرض عبيده وهو ربهم لا إله إلا هو ولا رب سواه كما قال تعالى ﴿وَجَعَلُوا لِلّهِ شُرَكاءَ الْجِنَّ وَخَلَقَهُمْ وَخَرَقُوا لَهُ بَنِينَ وَبَناتٍ بِغَيْرِ عِلْمٍ سُبْحانَهُ وَتَعالى عَمّا يَصِفُونَ * بَدِيعُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ أَنّى يَكُونُ لَهُ وَلَدٌ وَلَمْ تَكُنْ لَهُ صاحِبَةٌ وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ * ذلِكُمُ اللهُ رَبُّكُمْ لا إِلهَ إِلاّ هُوَ خالِقُ كُلِّ شَيْءٍ فَاعْبُدُوهُ وَهُوَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ * لا تُدْرِكُهُ الْأَبْصارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصارَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ﴾ * فبين أنه خالق كل شيء فكيف يكون له ولد والولد لا يكون إلا بين شيئين متناسبين والله تعالى لا نظير له ولا شبيه له ولا عديل له فلا صاحبة له فلا يكون له ولد كما قال تعالى ﴿قُلْ هُوَ اللهُ أَحَدٌ * اللهُ الصَّمَدُ * لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ * وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُواً أَحَدٌ﴾ تقرر أنه الأحد الّذي لا نظير له في ذاته ولا في صفاته ولا في أفعاله ﴿الصَّمَدُ﴾ وهو السيد الّذي كمل في علمه وحكمته ورحمته وجميع صفاته ﴿لَمْ يَلِدْ﴾ أي لم يوجد منه ولد

стр. 409

﴿وَلَمْ يُولَدْ﴾ أي ولم يتولد عن شيء قبله ﴿وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُواً أَحَدٌ﴾ أي وليس له عدل ولا مكافئ ولا مساو فقطع النظير المدانى الأعلى والمساوي فانتفى أن يكون له ولد إذ لا يكون الولد إلا متولدا بين شيئين متعادلين أو متقاربين تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا * وقال ﵎ وتقدس ﴿يا أَهْلَ الْكِتابِ لا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ وَلا تَقُولُوا عَلَى اللهِ إِلاَّ الْحَقَّ إِنَّمَا الْمَسِيحُ عِيسَى اِبْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ اللهِ وَكَلِمَتُهُ أَلْقاها إِلى مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِنْهُ فَآمِنُوا بِاللهِ وَرُسُلِهِ وَلا تَقُولُوا ثَلاثَةٌ اِنْتَهُوا خَيْراً لَكُمْ إِنَّمَا اللهُ إِلهٌ واحِدٌ سُبْحانَهُ أَنْ يَكُونَ لَهُ وَلَدٌ لَهُ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ وَكَفى بِاللهِ وَكِيلاً * لَنْ يَسْتَنْكِفَ الْمَسِيحُ أَنْ يَكُونَ عَبْداً لِلّهِ وَلا الْمَلائِكَةُ الْمُقَرَّبُونَ وَمَنْ يَسْتَنْكِفْ عَنْ عِبادَتِهِ وَيَسْتَكْبِرْ فَسَيَحْشُرُهُمْ إِلَيْهِ جَمِيعاً * فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصّالِحاتِ فَيُوَفِّيهِمْ أُجُورَهُمْ وَيَزِيدُهُمْ مِنْ فَضْلِهِ وَأَمَّا الَّذِينَ اِسْتَنْكَفُوا وَاِسْتَكْبَرُوا فَيُعَذِّبُهُمْ عَذاباً أَلِيماً وَلا يَجِدُونَ لَهُمْ مِنْ دُونِ اللهِ وَلِيًّا وَلا نَصِيراً﴾. ينهى تعالى أهل الكتاب ومن شابههم عن الغلو والإطراء في الدين وهو مجاوزة الحد فالنصارى لعنهم الله غلوا وأطروا المسيح حتى جاوزوا الحد فكان الواجب عليهم أن يعتقدوا أنه عبد الله ورسوله وابن أمته العذراء البتول التي أحصنت فرجها فبعث الله الملك جبريل اليها فنفخ فيها عن أمر الله نفخة حملت منها بولدها عيسى ﵇ والّذي اتصل بها من الملك هي الروح المضافة الى الله اضافة تشريف وتكريم وهي مخلوقة من مخلوقات الله تعالى كما يقال بيت الله وناقة الله وعبد الله وكذا روح الله أضيفت اليه تشريفا لها وتكريما. وسمى عيسى بها لانه كان بها من غير أب وهي الكلمة أيضا التي عنها خلق وبسببها وجد كما قال تعالى ﴿إِنَّ مَثَلَ عِيسى عِنْدَ اللهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرابٍ ثُمَّ قالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾. وقال تعالى ﴿وَقالُوا اِتَّخَذَ اللهُ وَلَداً سُبْحانَهُ بَلْ لَهُ ما فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ كُلٌّ لَهُ قانِتُونَ * بَدِيعُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَإِذا قَضى أَمْراً فَإِنَّما يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾. وقال تعالى ﴿وَقالَتِ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ اِبْنُ اللهِ وَقالَتِ النَّصارى الْمَسِيحُ اِبْنُ اللهِ ذلِكَ قَوْلُهُمْ بِأَفْواهِهِمْ يُضاهِؤُنَ قَوْلَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَبْلُ قاتَلَهُمُ اللهُ أَنّى يُؤْفَكُونَ﴾. فأخبر تعالى أن اليهود والنصارى عليهم لعائن الله كل من الفريقين ادعوا على الله شططا وزعموا أن له ولدا تعالى الله عما يقولون علوا كبيرا وأخبر أنهم ليس لهم مستند فيما زعموه ولا فيما ائتفكوه الا مجرد القول ومشابهة من سبقهم الى هذه المقالة الضالة تشابهت قلوبهم وذلك أن الفلاسفة عليهم لعنة الله زعموا أن العقل الأول صدر عن واجب الوجود الّذي يعبرون عنه بعلة العلل والمبدإ الأول وانه صدر عن العقل الأول عقل ثان ونفس وفلك ثم صدر عن الثاني كذلك حتى تناهت العقول الى عشرة والنفوس الى تسعة والأفلاك الى تسعة باعتبارات فاسدة ذكروها واختيارات باردة أوردوها ولبسط الكلام معهم وبيان جهلهم وقلة عقلهم موضع آخر. وهكذا طوائف من مشركي العرب زعموا لجهلهم أن الملائكة بنات الله وانه صاهر سروات الجن فتولد منهما الملائكة تعالى الله عما

стр. 410

يقولون وتنزه عما يشركون كما قال تعالى ﴿وَجَعَلُوا الْمَلائِكَةَ الَّذِينَ هُمْ عِبادُ الرَّحْمنِ إِناثاً أَشَهِدُوا خَلْقَهُمْ سَتُكْتَبُ شَهادَتُهُمْ وَيُسْئَلُونَ﴾ وقال تعالى ﴿فَاسْتَفْتِهِمْ أَلِرَبِّكَ الْبَناتُ وَلَهُمُ الْبَنُونَ * أَمْ خَلَقْنَا الْمَلائِكَةَ إِناثاً وَهُمْ شاهِدُونَ * أَلا إِنَّهُمْ مِنْ إِفْكِهِمْ لَيَقُولُونَ * وَلَدَ اللهُ وَإِنَّهُمْ لَكاذِبُونَ * أَصْطَفَى الْبَناتِ عَلَى الْبَنِينَ * ما لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ * أَفَلا تَذَكَّرُونَ * أَمْ لَكُمْ سُلْطانٌ مُبِينٌ * فَأْتُوا بِكِتابِكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ * وَجَعَلُوا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْجِنَّةِ نَسَباً وَلَقَدْ عَلِمَتِ الْجِنَّةُ إِنَّهُمْ لَمُحْضَرُونَ * سُبْحانَ اللهِ عَمّا يَصِفُونَ * إِلاّ عِبادَ اللهِ الْمُخْلَصِينَ﴾. وقال تعالى ﴿وَقالُوا اِتَّخَذَ الرَّحْمنُ وَلَداً سُبْحانَهُ بَلْ عِبادٌ مُكْرَمُونَ * لا يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ وَهُمْ بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ * يَعْلَمُ ما بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَما خَلْفَهُمْ وَلا يَشْفَعُونَ إِلاّ لِمَنِ اِرْتَضى وَهُمْ مِنْ خَشْيَتِهِ مُشْفِقُونَ * وَمَنْ يَقُلْ مِنْهُمْ إِنِّي إِلهٌ مِنْ دُونِهِ فَذلِكَ نَجْزِيهِ جَهَنَّمَ كَذلِكَ نَجْزِي الظّالِمِينَ﴾. وقال تعالى في أول سورة الكهف وهي مكية ﴿الْحَمْدُ لِلّهِ الَّذِي أَنْزَلَ عَلى عَبْدِهِ الْكِتابَ وَلَمْ يَجْعَلْ لَهُ عِوَجاً * قَيِّماً لِيُنْذِرَ بَأْساً شَدِيداً مِنْ لَدُنْهُ وَيُبَشِّرَ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصّالِحاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْراً حَسَناً * ماكِثِينَ فِيهِ أَبَداً * وَيُنْذِرَ الَّذِينَ قالُوا اِتَّخَذَ اللهُ وَلَداً * ما لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ وَلا لِآبائِهِمْ كَبُرَتْ كَلِمَةً تَخْرُجُ مِنْ أَفْواهِهِمْ إِنْ يَقُولُونَ إِلاّ كَذِباً﴾. وقال تعالى ﴿قالُوا اِتَّخَذَ اللهُ وَلَداً سُبْحانَهُ هُوَ الْغَنِيُّ لَهُ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ إِنْ عِنْدَكُمْ مِنْ سُلْطانٍ بِهذا أَتَقُولُونَ عَلَى اللهِ ما لا تَعْلَمُونَ * قُلْ إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللهِ الْكَذِبَ لا يُفْلِحُونَ * مَتاعٌ فِي الدُّنْيا ثُمَّ إِلَيْنا مَرْجِعُهُمْ ثُمَّ نُذِيقُهُمُ الْعَذابَ الشَّدِيدَ بِما كانُوا يَكْفُرُونَ﴾ فهذه الآيات المكيات الكريمات تشمل الرد على سائر فرق الكفرة من الفلاسفة ومشركي العرب واليهود والنصارى الذين ادعوا وزعموا بلا علم أن لله ولدا سبحانه وتعالى عما يقول الظالمون المعتدون علوا كبيرا. ولما كانت النصارى عليهم لعنة الله المتتابعة الى يوم القيامة من أشهر من قال بهذه المقالة ذكروا في القرآن كثيرا للرد عليهم وبيان تناقضهم وقلة علمهم وكثرة جهلهم وقد تنوعت أقوالهم في كفرهم وذلك أن الباطل كثير التشعب والاختلاف والتناقض وأما الحق فلا يختلف ولا يضطرب. قال الله تعالى ﴿وَلَوْ كانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اِخْتِلافاً كَثِيراً﴾. فدل على أن الحق يتحد ويتفق والباطل يختلف ويضطرب. فطائفة من ضلالهم وجهالهم زعموا أن المسيح هو الله تعالى وطائفة قالوا هو ابن الله عز الله وطائفة قالوا هو ثالث ثلاثة جل الله. قال الله تعالى في سورة المائدة ﴿لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قالُوا إِنَّ اللهَ هُوَ الْمَسِيحُ اِبْنُ مَرْيَمَ قُلْ فَمَنْ يَمْلِكُ مِنَ اللهِ شَيْئاً إِنْ أَرادَ أَنْ يُهْلِكَ الْمَسِيحَ اِبْنَ مَرْيَمَ وَأُمَّهُ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً وَلِلّهِ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَما بَيْنَهُما يَخْلُقُ ما يَشاءُ وَاللهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾. فأخبر تعالى عن كفرهم وجهلهم وبين أنه الخالق القادر على كل شيء المتصرف في كل شيء وانه رب كل شيء ومليكة وإلهه. وقال في أواخرها ﴿لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قالُوا إِنَّ اللهَ هُوَ الْمَسِيحُ اِبْنُ مَرْيَمَ وَقالَ الْمَسِيحُ يا بَنِي إِسْرائِيلَ اُعْبُدُوا اللهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْواهُ النّارُ وَما لِلظّالِمِينَ﴾

стр. 411

مِنْ أَنْصارٍ * لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قالُوا إِنَّ اللهَ ثالِثُ ثَلاثَةٍ وَما مِنْ إِلهٍ إِلاّ إِلهٌ واحِدٌ وَإِنْ لَمْ يَنْتَهُوا عَمّا يَقُولُونَ لَيَمَسَّنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ * أَفَلا يَتُوبُونَ إِلَى اللهِ وَيَسْتَغْفِرُونَهُ وَاللهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ * مَا الْمَسِيحُ اِبْنُ مَرْيَمَ إِلاّ رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ وَأُمُّهُ صِدِّيقَةٌ كانا يَأْكُلانِ الطَّعامَ اُنْظُرْ كَيْفَ نُبَيِّنُ لَهُمُ الْآياتِ ثُمَّ اُنْظُرْ أَنّى يُؤْفَكُونَ حكم تعالى بكفرهم شرعا وقدرا فأخبر أن هذا صدر منهم مع أن الرسول اليهم هو عيسى بن مريم قد بين لهم أنه عبد مربوب مخلوق مصور في الرحم داع الى عبادة الله وحده لا شريك له وتوعدهم على خلاف ذلك بالنار وعدم الفوز بدار القرار والخزي في الدار الاخرة والهوان والعار ولهذا قال ﴿إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْواهُ النّارُ وَما لِلظّالِمِينَ مِنْ أَنْصارٍ﴾ ثم قال ﴿لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قالُوا إِنَّ اللهَ ثالِثُ ثَلاثَةٍ وَما مِنْ إِلهٍ إِلاّ إِلهٌ واحِدٌ﴾ قال ابن جرير وغيره المراد بذلك قولهم بالأقانيم الثلاثة. أقنوم الأب وأقنوم الابن وأقنوم الكلمة المنبثقة من الأب الى الابن على اختلافهم في ذلك ما بين المليكية واليعقوبية والنسطورية عليهم لعائن الله كما سنبين كيفية اختلافهم في ذلك ومجامعهم الثلاثة في زمن قسطنطين بن قسطس وذلك بعد المسيح بثلاثمائة سنة وقبل البعثة المحمدية بثلاثمائة سنة ولهذا قال تعالى ﴿وَما مِنْ إِلهٍ إِلاّ إِلهٌ واحِدٌ﴾ أي وما من إله الا الله وحده لا شريك له ولا نظير له ولا كفؤ له ولا صاحبة له ولا ولد ثم توعدهم وتهددهم فقال ﴿وَإِنْ لَمْ يَنْتَهُوا عَمّا يَقُولُونَ لَيَمَسَّنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ﴾ ثم دعاهم برحمته ولطفه الى التوبة والاستغفار من هذه الأمور الكبار والعظائم التي توجب النار فقال ﴿أَفَلا يَتُوبُونَ إِلَى اللهِ وَيَسْتَغْفِرُونَهُ وَاللهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ ثم بين حال المسيح وامه وانه عبد رسول وأمه صديقة أي ليست بفاجرة كما يقوله اليهود لعنهم الله وفيه دليل على أنها ليست بنبية كما زعمه طائفة من علمائنا وقوله ﴿كانا يَأْكُلانِ الطَّعامَ﴾ كناية عن خروجه منهما كما يخرج من غيرهما اى ومن كان بهذه المثابة كيف يكون إلها تعالى الله عن قولهم وجهلهم علوا كبيرا * وقال السدي وغيره المراد بقوله لقد كفر الذين قالوا إن الله ثالث ثلاثة زعمهم في عيسى وأمه أنهما الالهان مع الله يعنى كما بين تعالى كفرهم في ذلك بقوله في آخر هذه السورة الكريمة ﴿وَإِذْ قالَ اللهُ يا عِيسَى اِبْنَ مَرْيَمَ أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنّاسِ اِتَّخِذُونِي وَأُمِّي إِلهَيْنِ مِنْ دُونِ اللهِ. قالَ سُبْحانَكَ ما يَكُونُ لِي أَنْ أَقُولَ ما لَيْسَ لِي بِحَقٍّ إِنْ كُنْتُ قُلْتُهُ فَقَدْ عَلِمْتَهُ تَعْلَمُ ما فِي نَفْسِي وَلا أَعْلَمُ ما فِي نَفْسِكَ إِنَّكَ أَنْتَ عَلاّمُ الْغُيُوبِ * ما قُلْتُ لَهُمْ إِلاّ ما أَمَرْتَنِي بِهِ أَنِ اُعْبُدُوا اللهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ وَكُنْتُ عَلَيْهِمْ شَهِيداً ما دُمْتُ فِيهِمْ فَلَمّا تَوَفَّيْتَنِي كُنْتَ أَنْتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ وَأَنْتَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ * إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبادُكَ وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾. يخبر تعالى أنه يسأل عيسى بن مريم يوم القيامة على سبيل الاكرام له والتقريع والتوبيخ لعابديه فمن كذب عليه وافترى وزعم أنه ابن الله أو أنه الله أو أنه شريكه تعالى الله عما يقولون فيسأله وهو يعلم أنه لم يقع منه ما يسأله عنه ولكن لتوبيخ من كذب عليه فيقول له ﴿أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنّاسِ اِتَّخِذُونِي وَأُمِّي إِلهَيْنِ مِنْ دُونِ اللهِ قالَ سُبْحانَكَ﴾ أي تعاليت أن يكون معك شريك

стр. 412

﴿ما يَكُونُ لِي أَنْ أَقُولَ ما لَيْسَ لِي بِحَقٍّ﴾ أي ليس هذا يستحقه أحد سواك و ﴿إِنْ كُنْتُ قُلْتُهُ فَقَدْ عَلِمْتَهُ تَعْلَمُ ما فِي نَفْسِي وَلا أَعْلَمُ ما فِي نَفْسِكَ إِنَّكَ أَنْتَ عَلاّمُ الْغُيُوبِ﴾. وهذا تأدب عظيم في الخطاب والجواب ﴿ما قُلْتُ لَهُمْ إِلاّ ما أَمَرْتَنِي بِهِ﴾ حين أرسلتنى اليهم وأنزلت على الكتاب الّذي كان يتلى عليهم ثم فسر ما قال لهم بقوله ﴿أَنِ اُعْبُدُوا اللهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ﴾ أي خالقي وخالقكم ورازقي ورازقكم ﴿وَكُنْتُ عَلَيْهِمْ شَهِيداً ما دُمْتُ فِيهِمْ فَلَمّا تَوَفَّيْتَنِي﴾ أي رفعتني إليك حين أرادوا قتلى وصلبى فرحمتني وخلصتني منهم وألقيت شبهي على أحدهم حتى انتقموا منه فلما كان ذلك ﴿كُنْتَ أَنْتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ وَأَنْتَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ﴾. ثم قال على وجه التفويض الى الرب والتبري من أهل النصرانية ﴿إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبادُكَ﴾ أي وهم يستحقون ذلك ﴿وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾. وهذا التفويض والاسناد الى المشيئة بالشرط لا يقتضي وقوع ذلك ولهذا قال ﴿فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ ولم يقل الغفور الرحيم وقد ذكرنا في التفسير ما رواه الامام احمد عن أبى ذر ان رسول الله ﷺ قام بهذه الآية الكريمة ليلة حتى أصبح ﴿إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبادُكَ وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ وقال إني سألت ربى الشفاعة لأمتي فأعطانيها وهي نائلة إن شاء الله تعالى لمن لا يشرك بالله شيئا. وقال ﴿وَما خَلَقْنَا السَّماءَ وَالْأَرْضَ وَما بَيْنَهُما لاعِبِينَ * لَوْ أَرَدْنا أَنْ نَتَّخِذَ لَهْواً لاتَّخَذْناهُ مِنْ لَدُنّا إِنْ كُنّا فاعِلِينَ * بَلْ نَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَى الْباطِلِ فَيَدْمَغُهُ فَإِذا هُوَ زاهِقٌ وَلَكُمُ الْوَيْلُ مِمّا تَصِفُونَ * وَلَهُ مَنْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَمَنْ عِنْدَهُ لا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبادَتِهِ وَلا يَسْتَحْسِرُونَ * يُسَبِّحُونَ اللَّيْلَ وَالنَّهارَ لا يَفْتُرُونَ﴾ وقال تعالى ﴿لَوْ أَرادَ اللهُ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَداً لاصْطَفى مِمّا يَخْلُقُ ما يَشاءُ سُبْحانَهُ هُوَ اللهُ الْواحِدُ الْقَهّارُ * خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ يُكَوِّرُ اللَّيْلَ عَلَى النَّهارِ وَيُكَوِّرُ النَّهارَ عَلَى اللَّيْلِ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي لِأَجَلٍ مُسَمًّى أَلا هُوَ الْعَزِيزُ الْغَفّارُ﴾. وقال تعالى ﴿قُلْ إِنْ كانَ لِلرَّحْمنِ وَلَدٌ فَأَنَا أَوَّلُ الْعابِدِينَ * سُبْحانَ رَبِّ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ رَبِّ الْعَرْشِ عَمّا يَصِفُونَ﴾ وقال تعالى ﴿وَقُلِ الْحَمْدُ لِلّهِ الَّذِي لَمْ يَتَّخِذْ وَلَداً وَلَمْ يَكُنْ لَهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ وَلِيٌّ مِنَ الذُّلِّ وَكَبِّرْهُ تَكْبِيراً﴾ وقال تعالى ﴿قُلْ هُوَ اللهُ أَحَدٌ * اللهُ الصَّمَدُ * لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ * وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُواً أَحَدٌ﴾ وثبت في الصحيح عن رسول الله ﷺ أنه قال يقول الله تعالى شتمني ابن آدم ولم يكن له ذلك يزعم أن لي ولدا وأنا الأحد الصمد الّذي لم ألد ولم أولد ولم يكن لي كفوا أحد وفي الصحيح أيضا عن رسول الله ﷺ أنه قال لا أحد أصبر على أذى سمعه من الله إنهم يجعلون له ولدا وهو يرزقهم ويعافيهم ولكن ثبت في الصحيح أيضا عن رسول الله ﷺ أنه قال ان الله ليملى للظالم حتى إذا أخذه لم يفلته) ثم قرأ ﴿وَكَذلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذا أَخَذَ الْقُرى وَهِيَ ظالِمَةٌ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ﴾ وهكذا قوله تعالى ﴿وَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ أَمْلَيْتُ لَها وَهِيَ ظالِمَةٌ ثُمَّ أَخَذْتُها وَإِلَيَّ الْمَصِيرُ﴾ وقال تعالى ﴿نُمَتِّعُهُمْ قَلِيلاً ثُمَّ نَضْطَرُّهُمْ إِلى عَذابٍ غَلِيظٍ﴾ وقال تعالى ﴿قُلْ إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللهِ الْكَذِبَ لا يُفْلِحُونَ﴾

стр. 413

* مَتاعٌ فِي الدُّنْيا ثُمَّ إِلَيْنا مَرْجِعُهُمْ ثُمَّ نُذِيقُهُمُ الْعَذابَ الشَّدِيدَ بِما كانُوا يَكْفُرُونَ وقال تعالى ﴿فَمَهِّلِ الْكافِرِينَ أَمْهِلْهُمْ رُوَيْداً﴾ * ذكر منشأ عيسى بن مريم ﵉ ومرباه في صغره وصباه وبيان بدء الوحي اليه من الله تعالى قد تقدم أنه ولد ببيت لحم قريبا من بيت المقدس وزعم وهب بن منبه أنه ولد بمصر وان مريم سافرت هي ويوسف بن يعقوب النجار وهي راكبة على حمار ليس بينهما وبين الاكاف شيء وهذا لا يصح والحديث الّذي تقدم ذكره دليل على أن مولده كان ببيت لحم كما ذكرنا ومهما عارضه فباطل وذكر وهب بن منبه أنه لما ولد خرت الأصنام يومئذ في مشارق الأرض ومغاربها وان الشياطين حارت في سبب ذلك حتى كشف لهم إبليس الكبير أمر عيسى فوجدوه في حجر أمه والملائكة محدقة به وانه ظهر نجم عظيم في السماء وأن ملك الفرس أشفق من ظهوره فسأل الكهنة عن ذلك فقالوا هذا لمولد عظيم في الأرض فبعث رسله ومعهم ذهب ومرولبان هدية الى عيسى فلما قدموا الشام سألهم ملكها عما أقدمهم فذكروا له ذلك فسأل عن ذلك الوقت فإذا قد ولد فيه عيسى بن مريم ببيت المقدس واشتهر أمره بسبب كلامه في المهد فأرسلهم اليه بما معهم وأرسل معهم من يعرفه له ليتوصل الى قتله إذا انصرفوا عنه فلما وصلوا الى مريم بالهدايا ورجعوا قيل لها ان رسل ملك الشام انما جاءوا ليقتلوا ولدك فاحتملته فذهبت به الى مصر فأقامت به حتى بلغ عمره اثنتي عشرة سنة وظهرت عليه كرامات ومعجزات في حال صغره * فذكر منها أن الدهقان الّذي نزلوا عنده افتقد مالا من داره وكانت داره لا يسكنها الا الفقراء والضعفاء والمحاويج فلم يدر من أخذ وعز ذلك على مريم ﵍ وشق على الناس وعلى رب المنزل وأعياهم أمرها فلما رأى عيسى ﵇ ذلك عمد الى رجل أعمى وآخر مقعد من جملة من هو منقطع اليه فقال للأعمى احمل هذا المقعد وانهض به فقال إني لا أستطيع ذلك فقال بلى كما فعلت أنت وهو حين أخذتما هذا المال من تلك الكوة من الدار فلما قال ذلك صدقاه فيما قال وأتيا بالمال فعظم عيسى في أعين الناس وهو صغير جدا ومن ذلك أن ابن الدهقان عمل ضيافة للناس بسبب طهور أولاده فلما اجتمع الناس وأطعمهم ثم أراد أن يسقيهم شرابا يعنى خمرا كما كانوا يصنعون في ذلك الزمان لم يجد في جراره شيئا فشق ذلك عليه فلما رأى عيسى ذلك منه قام فجعل يمر على تلك الجرار ويمر يده على أفواهها فلا يفعل بجرة منها ذلك إلا امتلأت شرابا من خيار الشراب * فتعجب الناس من ذلك جدا وعظموه وعرضوا عليه

стр. 414

وعلى أمه مالا جزيلا فلم يقبلاه وارتحلا قاصدين بيت المقدس والله أعلم * وقال إسحاق بن بشر أنبأنا عثمان بن ساج وغيره عن موسى بن وردان عن أبى نضرة عن أبى سعيد وعن مكحول عن أبى هريرة قال إن عيسى بن مريم أول ما أطلق الله لسانه بعد الكلام الّذي تكلم به وهو طفل فمجد الله تمجيدا لم تسمع الآذان بمثله لم يدع شمسا ولا قمرا ولا جبلا ولا نهرا ولا عينا إلا ذكره في تمجيده فقال (اللهمّ أنت القريب في علوك المتعال في دنوك الرفيع على كل شيء من خلقك. أنت الّذي خلقت سبعا في الهواء بكلماتك مستويات طباقا اجبن وهن دخان من فرقك فأتين طائعات لأمرك فيهن ملائكتك يسبحون قدسك لتقديسك وجعلت فيهن نورا على سواد الظلام وضياء من ضوء الشمس بالنهار وجعلت فيهن الرعد المسبح بالحمد فبعزتك يجلو ضوء ظلمتك وجعلت فيهن مصابيح يهتدى بهن في الظلمات الحيران فتباركت اللهمّ في مفطور سماواتك وفيما دحوت من أرضك دحوتها على الماء فسمكتها على تيار الموج الغامر فاذللتها إذلال التظاهر فذل لطاعتك صعبها واستحيى لأمرك أمرها وخضعت لعزتك أمواجا ففجرت فيها بعد البحور الأنهار ومن بعد الأنهار الجداول الصغار ومن بعد الجداول ينابيع العيون الغزار. ثم أخرجت منها الأنهار والأشجار والثمار ثم جعلت على ظهرها الجبال فوتدتها أوتادا على ظهر الماء فأطاعت أطوادها وجلمودها فتباركت اللهمّ فمن يبلغ بنعته نعتك أمن يبلغ بصفته صفتك تنشر السحاب وتفك الرقاب وتقضى الحق وأنت خير الفاصلين لا إله إلا أنت سبحانك أمرت أن نستغفرك من كل ذنب لا إله إلا أنت سبحانك سترت السموات عن الناس لا إله إلا أنت سبحانك انما يغشاك من عبادك الأكياس نشهد أنك لست بإله استحدثناك ولا رب يبيد ذكره ولا كان معك شركاء فندعوهم ونذكرك ولا أعانك على خلقنا أحد فنشك فيك نشهد أنك أحد صمد ﴿لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ * وَلَمْ يَكُنْ﴾ لك كفوا أحد وقال إسحاق بن بشر عن جويبر ومقاتل عن الضحاك عن ابن عباس إن عيسى بن مريم أمسك عن الكلام بعد أن كلمهم طفلا حتى بلغ ما يبلغ الغلمان ثم أنطقه الله بعد ذلك الحكمة والبيان فأكثر اليهود فيه وفي أمه من القول وكانوا يسمونه ابن البغية وذلك قوله تعالى ﴿وَبِكُفْرِهِمْ وَقَوْلِهِمْ عَلى مَرْيَمَ بُهْتاناً عَظِيماً﴾ قال فلما بلغ سبع سنين أسلمته أمه في الكتاب فجعل لا يعلمه المعلم شيئا الا بدره اليه فعلمه أبا جاد فقال عيسى ما أبو جاد فقال المعلم لا أدرى فقال عيسى كيف تعلمني ما لا تدري فقال المعلم إذا فعلمني فقال له عيسى فقم من مجلسك فقام فجلس عيسى مجلسه فقال سلني فقال المعلم ما أبو جاد فقال عيسى (الالف آلاء الله. والباء بهاء الله والجيم بهجة الله وجماله) فعجب المعلم من ذلك فكان أول من فسر أبا جاد. ثم ذكر أن عثمان سأل رسول الله ﷺ عن ذلك فأجابه على كل كلمة بحديث طويل موضوع

стр. 415

لا يسأل ولا يتمادى (١) وهكذا روى بن عدي من حديث إسماعيل بن عياش عن إسماعيل بن يحيى عن ابن أبى مليكة عمن حدثه عن ابن مسعود وعن مسعد بن كدام عن عطية عن أبى سعيد رفع الحديث في دخول عيسى الى الكتاب وتعليمه المعلم معنى حروف أبى جاد وهو مطول لا يفرح به * ثم قال ابن عدي وهذا الحديث باطل بهذا الاسناد لا يرويه غير إسماعيل وروى ابن لهيعة عن عبد الله بن هبيرة قال كان عبد الله بن عمر يقول (كان عيسى بن مريم وهو غلام يلعب مع الصبيان فكان يقول لأحدهم تريد أن أخبرك ما خبأت لك أمك فيقول نعم فيقول خبأت لك كذا وكذا فيذهب الغلام منهم الى أمه فيقول لها أطعمينى ما خبأت لي فتقول وأي شيء خبأت لك فيقول كذا وكذا فتقول له من أخبرك فيقول عيسى بن مريم فقالوا والله لئن تركتم هؤلاء الصبيان مع ابن مريم ليفسدنهم فجمعوهم في بيت وأغلقوا عليهم فخرج عيسى يلتمسهم فلم يجدهم فسمع ضوضاءهم في بيت فسأل عنهم فقالوا إنما هؤلاء قردة وخنازير فقال اللهمّ كذلك فكانوا كذلك رواه ابن عساكر. وقال إسحاق بن بشر عن جويبر ومقاتل عن الضحاك عن ابن عباس قال وكان عيسى يرى العجائب في صباه إلهاما من الله ففشا ذلك في اليهود وترعرع عيسى فهممت به بنو إسرائيل فخافت أمه عليه فأوحى الله الى أمه أن تنطلق به الى أرض مصر فذلك قوله تعالى ﴿وَجَعَلْنَا اِبْنَ مَرْيَمَ وَأُمَّهُ آيَةً وَآوَيْناهُما إِلى رَبْوَةٍ ذاتِ قَرارٍ وَمَعِينٍ﴾ * وقد اختلف السلف والمفسرون في المراد بهذه الربوة التي ذكر الله من صفتها أنها ذات قرار ومعين وهذه صفة غريبة الشكل وهي أنها ربوة وهو المكان المرتفع من الأرض الّذي أعلاه مستو يقر عليه وارتفاعه متسع ومع علوه فيه عيون الماء معين وهو الجاري السارح على وجه الأرض فقيل المراد المكان الّذي ولدت فيه المسيح وهو نخلة بيت المقدس ولهذا (ناداها ﴿مِنْ تَحْتِها أَلاّ تَحْزَنِي قَدْ جَعَلَ رَبُّكِ تَحْتَكِ سَرِيًّا﴾ وهو النهر الصغير في قول جمهور السلف * وعن ابن عباس باسناد جيد انها أنهار دمشق فلعله أراد تشبيه ذلك المكان بأنهار دمشق * وقيل ذلك بمصر كما زعمه من زعمه من أهل الكتاب ومن تلقاه عنهم والله أعلم. وقيل هي الرملة. وقال إسحاق بن بشر قال لنا إدريس عن جده وهب بن منبه قال إن عيسى لما بلغ ثلاث عشرة سنة أمر الله أن يرجع من بلاد مصر الى بيت إيليا قال فقدم عليه يوسف بن خال أمه فحملهما على حمار حتى جاء بهما إلى إيليا وأقام بها حتى أحدث الله له الإنجيل وعلمه التوراة وأعطاه احياء الموتى وإبراء الأسقام والعلم بالغيوب مما يدخرون في بيوتهم وتحدث الناس بقدومه وفزعوا لما كان يأتى من العجائب فجعلوا يعجبون منه فدعاهم الى الله ففشا فيهم أمره.

стр. 416

بيان نزول الكتب الأربعة ومواقيتها قال أبو زرعة الدمشقيّ حدثنا عبد الله بن صالح حدثني معاوية بن صالح عمن حدثه قال (أنزلت التوراة على موسى في ست ليال خلون من شهر رمضان * ونزل الزبور على داود في اثنتي عشر ليلة خلت من شهر رمضان. وذلك بعد التوراة بأربعمائة سنة واثنتين وثمانين سنة. وأنزل الإنجيل على عيسى بن مريم في ثمانية عشرة ليلة خلت من رمضان بعد الزبور بألف عام وخمسين عاما وأنزل الفرقان على محمد ﷺ في أربع وعشرين من شهر رمضان وقد ذكرنا في التفسير عند قوله ﴿شَهْرُ رَمَضانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ﴾ الأحاديث الواردة في ذلك وفيها أن الإنجيل أنزل على عيسى بن مريم ﵇ في ثماني عشرة ليلة خلت من شهر رمضان * وذكر بن جرير في تأريخه أنه أنزل عليه وهو ابن ثلاثين سنة ومكث حتى رفع الى السماء وهو ابن ثلاث وثلاثين سنة كما سيأتي بيانه ان شاء الله تعالى. وقال إسحاق بن بشر وأنبأنا سعيد بن أبى عروبة عن قتادة ومقاتل عن قتادة عن عبد الرحمن بن آدم عن أبى هريرة قال أوحى الله الى عيسى بن مريم (يا عيسى جدّ في أمرى ولا تهن واسمع وأطع يا ابن الطاهرة البكر البتول انك من غير فحل وأنا خلقتك آية للعالمين إياي فاعبد وعلى فتوكل خذ الكتاب بقوة فسر لأهل السريانية بلغ من بين يديك إني انا الحق الحي القائم الّذي لا أزول صدقوا النبي الأمي العربيّ صاحب الجمل والتاج (وهي العمامة) والمدرعة والنعلين والهرارة (وهي القضيب) الأنجل العينين الصلت الجبين الواضح الخدين الجعد الرأس الكث اللحية المقرون الحاجبين الأقنى الأنف المفلج الثنايا البادي العنفقة الّذي كأن عنقه إبريق فضة وكأن الذهب يجرى في تراقيه له شعرات من لبته الى سرته تجرى كالقضيب ليس على بطنه ولا على صدره شعر غيره شثن الكف والقدم إذا التفت التفت جميعا وإذا مشى كأنما يتقلع من صخر وينحدر من صبب عرقه في وجهه كاللؤلؤ وريح المسك تنفخ منه ولم ير قبله ولا بعده مثله، الحسن القامة الطيب الريح نكاح النساء ذا النسل القليل انما نسله من مباركة لها بيت يعنى في الجنة من قصب لا نصب فيه ولا صخب تكفله يا عيسى في آخر الزمان كما كفل زكريا أمك له منها فرخان مستشهدان وله عندي منزلة ليست لأحد من البشر. كلامه القرآن ودينه الإسلام وانا السلام طوبى لمن أدرك زمانه وشهد أيامه وسمع كلامه * بيان شجرة طوبى ما هي قال عيسى يا رب وما طوبى قال (غرس شجرة أنا غرستها بيدي فهي للجنان كلها أصلها من رضوان وماؤها من تسنيم وبردها برد الكافور وطعمها طعم الزنجبيل وريحها ريح المسك من شرب منه شربة لم

стр. 417

يظمأ بعدها أبدا) قال عيسى يا رب اسقني منها قال (حرام على النبيين أن يشربوا منها حتى يشرب ذلك النبي وحرام على الأمم أن يشربوا منها حتى يشرب منها أمة ذلك النبي) قال يا عيسى ارفعك إليّ قال رب ولم ترفعني قال (أرفعك ثم أهبطك في آخر الزمان لترى من أمة ذلك النبي العجائب ولتعينهم على قتال اللعين الدجال أهبطك في وقت صلاة ثم لا تصلى بهم لأنها مرحومة ولا نبي بعد نبيهم) وقال هشام بن عمار عن الوليد بن مسلم عن عبد الرحمن بن زيد عن أبيه أن عيسى قال يا رب انبئنى عن هذه الأمة المرحومة قال أمة أحمد هم علماء حكماء كأنهم أنبياء يرضون منى بالقليل من العطاء وأرضى منهم باليسير من العمل وأدخلهم الجنة بلا إله إلا الله. يا عيسى هم أكثر سكان الجنة لأنه لم تذل السن قوم قط بلا إله إلا الله كما ذلت ألسنتهم ولم تذل رقاب قوم قط بالسجود كما ذلت به رقابهم) رواه بن عساكر وروى بن عساكر من طريق عبد الله بن بديل العقيلي عن عبد الله بن عوسجة قال أوحى الله إلى عيسى ابن مريم (أنزلنى من نفسك كهمك واجعلني ذخرا لك في معادك وتقرب إلى بالنوافل أحبك ولا تول غيري فأخذلك اصبر على البلاء وارض بالقضاء وكن لمسرتى فيك فان مسرتي أن أطاع فلا أعصى وكن منى قريبا وأحى ذكرى بلسانك ولتكن مودتي في صدرك تيقظ من ساعات الغفلة واحكم في لطيف الفطنة وكن لي راغبا راهبا وأمت قلبك في الخشية لي وراع الليل لحق مسرتي وأظمئ نهارك ليوم الري عندي نافس في الخيرات جهدك واعترف بالخير حيث توجهت وقم في الخلائق بنصيحتى واحكم في عبادي بعدلي فقد أنزلت عليك شفاء وسواس الصدور من مرض النسيان وجلاء الابصار من غشاء الكلال ولا تكن حلسا كأنك مقبوض وأنت حي تنفس * يا عيسى بن مريم ما آمنت بى خليقة إلا خشعت ولا خشعت لي إلا رجت ثوابي فأشهدك أنها امنة من عقابي ما لم تغير أو تبدل سنتي * يا عيسى ابن مريم البكر البتول ابك على نفسك أيام الحياة بكاء من ودع الأهل وقلا الدنيا وترك اللذات لأهلها وارتفعت رغبته فيما عند إلهه وكن في ذلك تلين الكلام وتفشي السلام وكن يقظان إذا نامت عيون الأبرار حذار ما هو آت من أمر المعاد وزلازل شدائد الأهوال قبل أن لا ينفع أهل ولا مال واكحل عينك بملول الحزن إذا ضحك البطالون وكن في ذلك صابرا محتسبا وطوبى لك ان نالك ما وعدت الصابرين. رح من الدنيا بالله يوم بيوم وذق مذاقعة ما قد حرب منك أين طعمه وما لم يأتك كيف لذته فرح من الدنيا بالبلغة وليكفك منها الخشن الجشب قد رأيت الى ما يصير اعمل على حساب فإنك مسئول لو رأت عيناك ما أعددت لأوليائى الصالحين ذاب قلبك وزهقت نفسك * وقال أبو داود في كتاب القدر حدثنا محمد بن يحيى بن فارس حدثنا عبد الرزاق حدثنا معمر عن الزهري عن ابن طاووس عن أبيه قال لقي عيسى بن مريم إبليس فقال أما علمت أنه لن يصيبك إلا ما كتب لك قال إبليس فارق بذروة هذا الجبل فتردى منه فانظر هل تعيش أم لا فقال ابن طاووس

стр. 418

عن أبيه. فقال عيسى أما علمت أن الله قال (لا يجربنى عبدي فانى أفعل ما شئت) وقال الزهري إن العبد لا يبتلى ربه ولكن الله يبتلى عبده. قال أبو داود حدثنا أحمد بن عبدة أنبأنا سفيان عن عمرو عن طاووس قال أتى الشيطان عيسى بن مريم فقال أليس تزعم أنك صادق فأت هوة فألق نفسك قال ويلك أليس قال يا ابن آدم لا تسألنى هلاك نفسك فانى أفعل ما أشاء * وحدثنا أبو توبة الربيع بن نافع حدثنا حسين بن طلحة سمعت خالد بن يزيد قال تعبد الشيطان مع عيسى عشر سنين أو سنتين اقام يوما على شفير جبل فقال الشيطان أرأيت ان ألقيت نفسي هل يصيبني إلا ما كتب لي قال انى لست بالذي ابتلى ربى ولكن ربى إذا شاء ابتلاني وعرفه أنه الشيطان ففارقه. وقال أبو بكر بن أبى الدنيا حدثنا شريح بن يونس حدثنا على بن ثابت عن الخطاب بن القاسم عن أبى عثمان قال كان عيسى ﵇ يصلى على رأس جبل فأتاه إبليس فقال أنت الّذي تزعم أن كل شيء بقضاء وقدر قال نعم قال ألق نفسك من هذا الجبل وقل قدر على فقال يا لعين الله يختبر العباد وليس العباد يختبرون الله . وقال أبو بكر بن أبى الدنيا حدثنا الفضل بن موسى البصري حدثنا إبراهيم بن بشار سمعت سفيان بن عيينة يقول لقي عيسى بن مريم إبليس فقال له إبليس يا عيسى بن مريم الّذي بلغ من عظم ربوبيتك انك تكلمت في المهد صبيا. ولم يتكلم فيه أحد قبلك قال بل الربوبية للاله الّذي انطقنى ثم يميتني ثم يحينى قال فأنت الّذي بلغ من عظم ربوبيتك أنك تحيي الموتى قال بل الربوبية لله الّذي يحى ويميت من أحييت ثم يحييه قال والله إنك لإله في السماء وإله في الأرض قال فصكه جبريل صكة بجناحيه فما نبأها دون قرون الشمس ثم صكه اخرى بجناحيه فما نبأها دون العين الحامية ثم صكه اخرى فادخله بحار السابعة فاساخه وفي رواية فاسلكه فيها حتى وجد طعم الحمأة فخرج منها وهو يقول ما لقي أحد من أحد ما لقيت منك يا ابن مريم * وقد روى نحو هذا بأبسط منه من وجه آخر فقال الحافظ ابو بكر الخطيب أخبرني ابو الحسن بن رزقويه انبأنا ابو بكر احمد بن سبدى حدثنا ابو محمد الحسن بن على القطان حدثنا إسماعيل ابن عيسى العطار انبأنا على بن عاصم حدثني ابو سلمة سويد عن بعض أصحابه قال صلّى عيسى ببيت المقدس فانصرف فلما كان ببعض العقبة عرض له إبليس فاحتبسه فجعل يعرض عليه ويكلمه ويقول له انه لا ينبغي لك ان تكون عبدا فأكثر عليه وجعل عيسى يحرص على ان يتخلص منه فجعل لا يتخلص منه فقال له فيما يقول لا ينبغي لك يا عيسى ان تكون عبدا قال فاستغاث عيسى بربه فاقبل جبريل وميكائيل فلما رآهما إبليس كف فلما استقر معه على العقبة اكتنفا عيسى وضرب جبريل إبليس بجناحه فقذفه في بطن الوادي قال فعاد إبليس معه وعلم أنهما لم يؤمرا بغير ذلك فقال لعيسى قد أخبرتك انه لا ينبغي ان تكون عبدا ان غضبك ليس بغضب عبد وقد رأيت ما لقيت منك حين غضبت ولكن أدعوك لأمر هو لك آمر الشياطين فليطيعوك فلما رأى البشر أن الشياطين أطاعوك عبدوك اما انى لا أقول ان تكون

стр. 419

إلها ليس معه إله ولكن الله يكون إلها في السماء وتكون أنت إلها في الأرض فلما سمع عيسى ذلك منه استغاث بربه وصرخ صرخة شديدة فإذا إسرافيل قد هبط فنظر اليه جبريل وميكائيل فكف إبليس فلما استقر معهم ضرب إسرافيل إبليس بجناحه فصك به عين الشمس ثم ضربه ضربة أخرى فاقبل إبليس يهوى ومر عيسى وهو بمكانه فقال يا عيسى لقد لقيت فيك اليوم تعبا شديدا فرمى به في عين الشمس فوجد سبعة أملاك عند العين الحامية قال فغطوه فجعل كلما صرخ غطوه في تلك الحمأة قال والله ما عاد اليه بعد. قال وحدثنا إسماعيل العطار حدثنا أبو حذيفة قال واجتمع اليه شياطينه فقالوا سيدنا قد لقيت تعبا قال إن هذا عبد معصوم ليس لي عليه من سبيل وسأضل به بشرا كثيرا وأبث فيهم أهواء مختلفة واجعلهم شيعا ويجعلونه وأمه إلهين من دون الله قال وأنزل الله فيما أيد به عيسى وعصمه من إبليس قرآنا ناطقا بذكر نعمته على عيسى فقال ﴿يا عِيسَى اِبْنَ مَرْيَمَ اُذْكُرْ نِعْمَتِي عَلَيْكَ وَعَلى والِدَتِكَ إِذْ أَيَّدْتُكَ بِرُوحِ الْقُدُسِ﴾ يعنى إذ قويتك بروح القدس يعنى جبريل ﴿تُكَلِّمُ النّاسَ فِي الْمَهْدِ وَكَهْلاً وَإِذْ عَلَّمْتُكَ الْكِتابَ وَالْحِكْمَةَ وَالتَّوْراةَ وَالْإِنْجِيلَ وَإِذْ تَخْلُقُ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ﴾ الآية كلها وإذ جعلت المساكين لك بطانة وصحابة وأعوانا ترضى بهم وصحابة وأعوانا يرضون بك هاديا وقائدا الى الجنة فذلك فاعلم خلقان عظيمان من لقيني بهما فقد لقيني بأزكى الخلائق وأرضاها عندي وسيقول لك بنو إسرائيل صمنا فلم يتقبل صيامنا وصلينا فلم يقبل صلاتنا وتصدقنا فلم يقبل صدقاتنا وبكينا بمثل حنين الجمال فلم يرحم بكاؤنا فقل لهم ولم ذلك وما الّذي يمنعني إن ذات يدي قلت أو ليس خزائن السموات والأرض بيدي أنفق منها كيف أشاء وان البخل لا يعتريني أولست أجود من سأل وأوسع من اعطى أوان رحمتي ضاقت وانما يتراحم المتراحمون بفضل رحمتي ولولا أن هؤلاء القوم يا عيسى بن مريم عدوا أنفسهم بالحكمة التي تورث في قلوبهم ما استأثروا به الدنيا أثره على الآخرة لعرفوا من أين أوتوا وإذا لا يقنوا ان أنفسهم هي أعدى الأعداء لهم وكيف اقبل صيامهم وهم يتقوون عليه بالأطعمة الحرام وكيف أقبل صلاتهم وقلوبهم تركن الى الذين يحاربونى ويستحلون محارمي وكيف أقبل صدقاتهم وهم يغصبون الناس عليها فيأخذونها من غير حلها * يا عيسى انما أجزى عليها أهلها وكيف أرحم بكاءهم وأيديهم تقطر من دماء الأنبياء ازددت عليهم غضبا * يا عيسى وقضيت يوم خلقت السموات والأرض أنه من عبدني وقال فيكما بقولي أن أجعلهم جيرانك في الدار ورفقاءك في المنازل وشركاءك في الكرامة وقضيت يوم خلقت السموات والأرض أنه من اتخذك وأمك إلهين من دون الله أن أجعلهم في الدرك الأسفل من النار وقضيت يوم خلقت السموات والأرض أنى مثبت هذا الأمر على يدي عبدي محمد وأختم به الأنبياء والرسل ومولده بمكة ومهاجره بطيبة وملكه بالشام ليس بفظ ولا غليظ ولا سخاب في الأسواق ولا يزر بالفحش ولا قوال بالخنا أسدده لكل أمر جميل واهب له كل خلق كريم واجعل التقوى ضميره والحكم معقولة والوفاء طبيعته والعدل سيرته والحق شريعته والإسلام ملته اسمه أحمد أهدى به بعد

стр. 420

الضلالة وأعلم به بعد الجهالة واغنى به بعد العائلة وارفع به بعد الضيعة أهدى به وافتح به بين آذان صم وقلوب غلف وأهواء مختلفة متفرقة أجعل أمته خير أمة أخرجت للناس يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر إخلاصا لاسمى وتصديقا لما جاءت به الرسل الهمهم التسبيح والتقديس والتهليل في مساجدهم ومجالسهم وبيوتهم ومنقلبهم ومثواهم يصلون لي قياما وقعودا وركعا وسجودا ويقاتلون في سبيلي صفوفا وزحوفا قرباتهم دماؤهم وأناجيلهم في صدورهم وقربانهم في بطونهم رهبان بالليل ليوث في النهار ذلك فضلي أوتيه من أشاء وانا ذو الفضل العظيم. وسنذكر ما يصدق كثيرا من هذا السياق مما سنورده من سورتي المائدة والصف إن شاء الله وبه الثقة * وقد روى أبو حذيفة إسحاق بن بشر بأسانيده عن كعب الأحبار ووهب بن منبه وابن عباس وسلمان الفارسي دخل حديث بعضهم في بعض قالوا لما بعث عيسى بن مريم وجاءهم بالبينات جعل المنافقون والكافرون من بنى إسرائيل يعجبون منه ويستهزءون به فيقولون ما أكل فلان البارحة وما ادخر في منزله فيخبرهم فيزداد المؤمنون ايمانا والكافرون والمنافقون شكا وكفرانا وكان عيسى مع ذلك ليس له منزل يأوى اليه انما يسيح في الأرض ليس له قرار ولا موضع يعرف به فكان أول ما أحيا من الموتى أنه مر ذات يوم على امرأة قاعدة عند قبر وهي تبكى فقال لها مالك أيتها المرأة فقالت ماتت ابنة لي لم يكن لي ولد غيرها وانى عاهدت ربى أن لا أبرح من موضعي هذا حتى أذوق ما ذاقت من الموت أو يحييها الله لي فانظر اليها فقال لها عيسى أرأيت إن نظرت اليها أراجعة أنت قالت نعم قالوا فصلى ركعتين ثم جاء فجلس عند القبر فنادى يا فلانة قومي باذن الرحمن فاخرجى قال فتحرك القبر ثم نادى الثانية فانصدع القبر باذن الله ثم نادى الثالثة فخرجت وهي تنفض رأسها من التراب فقال لها عيسى ما أبطأ بك عنى فقالت لما جاءتني الصيحة الاولى بعث الله لي ملكا فركب خلقي ثم جاءتني الصيحة الثانية فرجع الى روحي ثم جاءتني الصيحة الثالثة فخفت أنها صيحة القيامة فشاب رأسي وحاجباى واشفار عيني من مخافة القيمة ثم أقبلت على أمها فقالت يا أماه ما حملك على ان أذوق كرب الموت مرتين يا أماه اصبري واحتسبي فلا حاجة لي في الدنيا يا روح الله وكلمته سل ربى أن يردني الى الآخرة وان يهون على كرب الموت فدعا ربه فقبضها اليه واستوت عليها الأرض فبلغ ذلك اليهود فازدادوا عليه غضبا وقدمنا في عقيب قصة نوح أن بنى إسرائيل سألوه أن يحيى لهم سام بن نوح فدعا الله وصلّى لله فأحياه الله لهم فحدثهم عن السفينة وأمرها ثم دعا فعاد ترابا. وقد روى السدي عن أبى صالح وأبى مالك عن ابن عباس في خبر ذكره وفيه أن ملكا من ملوك بنى إسرائيل مات وحمل على سريره فجاء عيسى ﵇ فدعا الله فأحياه الله فرأى الناس أمرا هائلا ومنظرا عجيبا قال الله تعالى وهو أصدق القائلين ﴿إِذْ قالَ اللهُ يا عِيسَى اِبْنَ مَرْيَمَ اُذْكُرْ نِعْمَتِي عَلَيْكَ وَعَلى والِدَتِكَ إِذْ أَيَّدْتُكَ﴾

стр. 421

بِرُوحِ الْقُدُسِ تُكَلِّمُ النّاسَ فِي الْمَهْدِ وَكَهْلاً وَإِذْ عَلَّمْتُكَ الْكِتابَ وَالْحِكْمَةَ وَالتَّوْراةَ وَالْإِنْجِيلَ وَإِذْ تَخْلُقُ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ بِإِذْنِي فَتَنْفُخُ فِيها فَتَكُونُ طَيْراً بِإِذْنِي وَتُبْرِئُ الْأَكْمَهَ وَالْأَبْرَصَ بِإِذْنِي وَإِذْ تُخْرِجُ الْمَوْتى بِإِذْنِي وَإِذْ كَفَفْتُ بَنِي إِسْرائِيلَ عَنْكَ إِذْ جِئْتَهُمْ بِالْبَيِّناتِ فَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ إِنْ هذا إِلاّ سِحْرٌ مُبِينٌ * وَإِذْ أَوْحَيْتُ إِلَى الْحَوارِيِّينَ أَنْ آمِنُوا بِي وَبِرَسُولِي قالُوا آمَنّا وَاِشْهَدْ بِأَنَّنا مُسْلِمُونَ يذكره تعالى بنعمته عليه وإحسانه اليه في خلقه إياه من غير أب بل من أم بلا ذكر وجعله له آية للناس ودلالة على كمال قدرته تعالى ثم إرساله بعد هذا كله ﴿وَعَلى والِدَتِكَ﴾ في اصطفائها واختيارها لهذه النعمة العظيمة واقامة البرهان على براءتها مما نسبها اليه الجاهلون ولهذا قال ﴿إِذْ أَيَّدْتُكَ بِرُوحِ الْقُدُسِ﴾ وهو جبريل بإلقاء روحه الى أمه وقرنه معه في حال رسالته ومدافعته عنه لمن كفر به ﴿تُكَلِّمُ النّاسَ فِي الْمَهْدِ وَكَهْلاً﴾ أي تدعو الناس الى الله في حال صغرك في مهدك وفي كهولتك ﴿وَإِذْ عَلَّمْتُكَ الْكِتابَ وَالْحِكْمَةَ﴾ أي الخط والفهم نص عليه بعض السلف ﴿وَالتَّوْراةَ وَالْإِنْجِيلَ﴾ وقوله ﴿وَإِذْ تَخْلُقُ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ بِإِذْنِي﴾ أي تصوره وتشكله من الطين على هيئته عن أمر الله له بذلك ﴿فَتَنْفُخُ فِيها فَتَكُونُ طَيْراً بِإِذْنِي﴾ أي بأمري يؤكد تعال بذكر الاذن له في ذلك لرفع التوهم وقوله ﴿وَتُبْرِئُ الْأَكْمَهَ﴾ قال بعض السلف وهو الّذي يولد أعمى ولا سبيل لأحد من الحكماء الى مداواته ﴿وَالْأَبْرَصَ﴾ هو الّذي لا طب فيه بل قد مرض بالبرص وصار داؤه عضالا ﴿وَإِذْ تُخْرِجُ الْمَوْتى﴾ أي من قبورهم أحياء بإذني وقد تقدم ما فيه دلالة على وقوع ذلك مرارا متعددة مما فيه كفاية. وقوله ﴿وَإِذْ كَفَفْتُ بَنِي إِسْرائِيلَ عَنْكَ إِذْ جِئْتَهُمْ بِالْبَيِّناتِ فَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ إِنْ هذا إِلاّ سِحْرٌ مُبِينٌ﴾ وذلك حين أرادوا صلبه فرفعه الله اليه وأنقذه من بين أظهرهم صيانة لجنابة الكريم عن الأذى وسلامة له من الردى وقوله ﴿وَإِذْ أَوْحَيْتُ إِلَى الْحَوارِيِّينَ أَنْ آمِنُوا بِي وَبِرَسُولِي قالُوا آمَنّا وَاِشْهَدْ بِأَنَّنا مُسْلِمُونَ﴾ قيل المراد بهذا الوحي وحي الهام أي أرشدهم الله اليه ودلهم عليه كما قال ﴿وَأَوْحى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ﴾ ﴿وَأَوْحَيْنا إِلى أُمِّ مُوسى أَنْ أَرْضِعِيهِ فَإِذا خِفْتِ عَلَيْهِ فَأَلْقِيهِ فِي الْيَمِّ﴾ وقيل المراد وحي بواسطة الرسول وتوفيق في قلوبهم لقبول الحق ولهذا استجابوا قائلين ﴿آمَنّا وَاِشْهَدْ بِأَنَّنا مُسْلِمُونَ﴾ وهذا من جملة نعم الله على عبده ورسوله عيسى بن مريم أن جعل له أنصارا وأعوانا ينصرونه ويدعون معه الى عبادة الله وحده لا شريك له كما قال تعالى لعبده محمد ﷺ ﴿هُوَ الَّذِي أَيَّدَكَ بِنَصْرِهِ وَبِالْمُؤْمِنِينَ * وَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ لَوْ أَنْفَقْتَ ما فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً ما أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وَلكِنَّ اللهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ إِنَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ وقال تعالى ﴿وَيُعَلِّمُهُ الْكِتابَ وَالْحِكْمَةَ وَالتَّوْراةَ وَالْإِنْجِيلَ * وَرَسُولاً إِلى بَنِي إِسْرائِيلَ أَنِّي قَدْ جِئْتُكُمْ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ أَنِّي أَخْلُقُ لَكُمْ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ فَأَنْفُخُ فِيهِ فَيَكُونُ طَيْراً بِإِذْنِ اللهِ وَأُبْرِئُ الْأَكْمَهَ وَالْأَبْرَصَ وَأُحْيِ الْمَوْتى بِإِذْنِ اللهِ وَأُنَبِّئُكُمْ بِما تَأْكُلُونَ وَما تَدَّخِرُونَ فِي بُيُوتِكُمْ إِنَّ فِي﴾

стр. 422

ذلِكَ لَآيَةً لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ * وَمُصَدِّقاً لِما بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْراةِ وَلِأُحِلَّ لَكُمْ بَعْضَ الَّذِي حُرِّمَ عَلَيْكُمْ وَجِئْتُكُمْ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ فَاتَّقُوا اللهَ وَأَطِيعُونِ * إِنَّ اللهَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ هذا صِراطٌ مُسْتَقِيمٌ * فَلَمّا أَحَسَّ عِيسى مِنْهُمُ الْكُفْرَ قالَ مَنْ أَنْصارِي إِلَى اللهِ قالَ الْحَوارِيُّونَ نَحْنُ أَنْصارُ اللهِ آمَنّا بِاللهِ وَاِشْهَدْ بِأَنّا مُسْلِمُونَ * رَبَّنا آمَنّا بِما أَنْزَلْتَ وَاِتَّبَعْنَا الرَّسُولَ فَاكْتُبْنا مَعَ الشّاهِدِينَ * وَمَكَرُوا وَمَكَرَ اللهُ وَاللهُ خَيْرُ الْماكِرِينَ. كانت معجزة كل نبي في زمانه بما يناسب أهل ذلك الزمان فذكروا أن موسى ﵇ كانت معجزته مما يناسب أهل زمانه وكانوا سحرة أذكياء فبعث بآيات بهرت الابصار وخضعت لها الرقاب ولما كان السحرة خبيرين بفنون السحر وما ينتهى اليه وعاينوا ما عاينوا من الأمر الباهر الهائل الّذي لا يمكن صدوره الا عمن أيده الله وأجرى الخارق على يديه تصديقا له أسلموا سراعا ولم يتلعثموا وهكذا عيسى ابن مريم بعث في زمن الطبائعية الحكماء فأرسل بمعجزات لا يستطيعونها ولا يهتدون اليها وانى لحكيم إبراء الأكمه الّذي هو أسوأ حالا من الأعمى والأبرص والمجذوم ومن به مرض مزمن وكيف يتوصل أحد من الخلق الى ان يقيم الميت من قبره هذا مما يعلم كل أحد معجزة دالة على صدق من قامت به وعلى قدرة من أرسله وهكذا محمد ﷺ وعليهم أجمعين بعث في زمن الفصحاء البلغاء فانزل الله عليه القرآن العظيم الّذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه تنزيل من حكيم حميد فلفظه معجز تحدى به الانس والجن أن يأتوا بمثله أو بعشر سور من مثله أو بسورة وقطع عليهم بأنهم لا يقدرون لا في الحال ولا في الاستقبال فان لم يفعلوا ولن يفعلوا وما ذاك الا لانه كلام الخالق والله تعالى لا يشبهه شيء لا في ذاته ولا في صفاته ولا في أفعاله. والمقصود ان عيسى ﵇ لما أقام عليهم الحجج والبراهين استمر أكثرهم على كفرهم وضلالهم وعنادهم وطغيانهم فانتدب له من بينهم طائفة صالحة فكانوا له أنصارا وأعوانا قاموا بمتابعته ونصرته ومناصحته وذلك حين هم به بنو إسرائيل ووشوا به الى بعض ملوك ذلك الزمان فعزموا على قتله وصلبه فأنقذه الله منهم ورفعه اليه من بين أظهرهم والقى شبهه على أحد أصحابه فأخذوه فقتلوه وصلبوه وهم يعتقدونه عيسى وهم في ذلك غالطون وللحق مكابرون وسلم لهم كثير من النصارى ما ادعوه وكلا الفريقين في ذلك مخطئون قال تعالى ﴿وَمَكَرُوا وَمَكَرَ اللهُ وَاللهُ خَيْرُ الْماكِرِينَ﴾ وقال تعالى ﴿وَإِذْ قالَ عِيسَى اِبْنُ مَرْيَمَ يا بَنِي إِسْرائِيلَ إِنِّي رَسُولُ اللهِ إِلَيْكُمْ مُصَدِّقاً لِما بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْراةِ وَمُبَشِّراً بِرَسُولٍ يَأْتِي مِنْ بَعْدِي اِسْمُهُ أَحْمَدُ فَلَمّا جاءَهُمْ بِالْبَيِّناتِ قالُوا هذا سِحْرٌ مُبِينٌ * وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ اِفْتَرى عَلَى اللهِ الْكَذِبَ وَهُوَ يُدْعى إِلَى الْإِسْلامِ وَاللهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظّالِمِينَ * يُرِيدُونَ لِيُطْفِؤُا نُورَ اللهِ بِأَفْواهِهِمْ وَاللهُ مُتِمُّ نُورِهِ وَلَوْ كَرِهَ الْكافِرُونَ﴾ الى أن قال بعد ذاك ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا أَنْصارَ اللهِ كَما قالَ عِيسَى اِبْنُ مَرْيَمَ لِلْحَوارِيِّينَ مَنْ أَنْصارِي إِلَى اللهِ قالَ الْحَوارِيُّونَ نَحْنُ أَنْصارُ اللهِ فَآمَنَتْ طائِفَةٌ مِنْ بَنِي إِسْرائِيلَ وَكَفَرَتْ طائِفَةٌ فَأَيَّدْنَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلى عَدُوِّهِمْ﴾

стр. 423

فَأَصْبَحُوا ظاهِرِينَ فعيسى ﵇ هو خاتم أنبياء بنى إسرائيل وقد قام فيهم خطيبا فبشرهم بخاتم الأنبياء الآتي بعده ونوه باسمه وذكر لهم صفته ليعرفوه ويتابعوه إذا شاهدوه اقامة للحجة عليهم وإحسانا من الله اليهم كما قال تعالى ﴿الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوباً عِنْدَهُمْ فِي التَّوْراةِ وَالْإِنْجِيلِ يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّباتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبائِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالْأَغْلالَ الَّتِي كانَتْ عَلَيْهِمْ فَالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاِتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنْزِلَ مَعَهُ أُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ قال محمد بن إسحاق حدثني ثور بن يزيد عن خالد بن معدان عن أصحاب رسول الله ﷺ انهم قالوا يا رسول الله أخبرنا عن نفسك قال دعوة أبى إبراهيم وبشرى عيسى ورأت أمى حين حملت بى كأنه خرج منها نور أضاءت له قصور بصرى من أرض الشام. وقد روى عن العرباض بن سارية وأبى امامة عن النبي ﷺ نحو هذا وفيه دعوة أبى إبراهيم وبشرى عيسى وذلك ان إبراهيم لما بنى الكعبة قال ﴿رَبَّنا وَاِبْعَثْ فِيهِمْ رَسُولاً مِنْهُمْ﴾ الآية ولما انتهت النبوة في بنى إسرائيل الى عيسى قام فيهم خطيبا فأخبرهم أن النبوة قد انقطعت عنهم وانها بعده في النبي العربيّ الأمي خاتم الأنبياء على الإطلاق احمد وهو محمد ابن عبد الله بن عبد المطلب بن هاشم الّذي هو من سلالة إسماعيل بن إبراهيم الخليل ﵈ قال الله تعالى ﴿فَلَمّا جاءَهُمْ بِالْبَيِّناتِ قالُوا هذا سِحْرٌ مُبِينٌ﴾ يحتمل عود الضمير الى عيسى ﵇ ويحتمل عوده الى محمد ﷺ ثم حرض تعالى عباده المؤمنين على نصرة الإسلام واهله ونصرة نبيه ومؤازرته ومعاونته على اقامة الدين ونشر الدعوة فقال ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا أَنْصارَ اللهِ كَما قالَ عِيسَى اِبْنُ مَرْيَمَ لِلْحَوارِيِّينَ مَنْ أَنْصارِي إِلَى اللهِ﴾ أي من يساعدني في الدعوة الى الله ﴿قالَ الْحَوارِيُّونَ نَحْنُ أَنْصارُ اللهِ﴾ وكان ذلك في قرية يقال لها الناصرة فسموا بذلك النصارى قال الله تعالى ﴿فَآمَنَتْ طائِفَةٌ مِنْ بَنِي إِسْرائِيلَ وَكَفَرَتْ طائِفَةٌ﴾ يعنى لما دعا عيسى بنى إسرائيل وغيرهم الى الله تعالى منهم من آمن ومنهم من كفر وكان ممن آمن به أهل انطاكية بكمالهم فيما ذكره غير واحد من أهل السير والتواريخ والتفسير بعث اليهم رسلا ثلاثة أحدهم شمعون الصفا فآمنوا واستجابوا وليس هؤلاء هم المذكورون في سورة يس لما تقدم تقريره في قصة أصحاب القرية وكفر آخرون من بنى إسرائيل وهم جمهور اليهود فايد الله من آمن به على من كفر فيما بعد وأصبحوا ظاهرين عليهم قاهرين لهم كما قال تعالى ﴿إِذْ قالَ اللهُ يا عِيسى إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرافِعُكَ إِلَيَّ وَمُطَهِّرُكَ مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا وَجاعِلُ الَّذِينَ اِتَّبَعُوكَ فَوْقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ﴾ الآية فكل من كان اليه أقرب كان عاليا فمن دونه ولما كان قول المسلمين فيه هو الحق الّذي لا شك فيه من أنه عبد الله ورسوله كانوا ظاهرين على النصارى الذين غلوا فيه واطروه وأنزلوه فوق ما أنزله الله به ولما كان النصارى أقرب في الجملة مما ذهب اليه اليهود عليهم لعائن الله كان النصارى قاهرين لليهود في أزمان الفترة الى زمن الإسلام وأهله.

стр. 424

ذكر خبر المائدة قال الله تعالى ﴿إِذْ قالَ الْحَوارِيُّونَ يا عِيسَى اِبْنَ مَرْيَمَ هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ أَنْ يُنَزِّلَ عَلَيْنا مائِدَةً مِنَ السَّماءِ قالَ اِتَّقُوا اللهَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ * قالُوا نُرِيدُ أَنْ نَأْكُلَ مِنْها وَتَطْمَئِنَّ قُلُوبُنا وَنَعْلَمَ أَنْ قَدْ صَدَقْتَنا وَنَكُونَ عَلَيْها مِنَ الشّاهِدِينَ * قالَ عِيسَى اِبْنُ مَرْيَمَ اللهُمَّ رَبَّنا أَنْزِلْ عَلَيْنا مائِدَةً مِنَ السَّماءِ تَكُونُ لَنا عِيداً لِأَوَّلِنا وَآخِرِنا وَآيَةً مِنْكَ وَاُرْزُقْنا وَأَنْتَ خَيْرُ الرّازِقِينَ * قالَ اللهُ إِنِّي مُنَزِّلُها عَلَيْكُمْ فَمَنْ يَكْفُرْ بَعْدُ مِنْكُمْ فَإِنِّي أُعَذِّبُهُ عَذاباً لا أُعَذِّبُهُ أَحَداً مِنَ الْعالَمِينَ﴾ قد ذكرنا في التفسير الآثار الواردة في نزول المائدة عن ابن عباس وسلمان الفارسي وعمار بن ياسر وغيرهم من السلف ومضمون ذلك أن عيسى ﵇ امر الحواريين بصيام ثلاثين يوما فلما أتموها سألوا من عيسى إنزال مائدة من السماء عليهم ليأكلوا منها وتطمئن بذلك قلوبهم ان الله قد تقبل صيامهم وأجابهم الى طلبتهم وتكون لهم عيدا يفطرون عليها يوم فطرهم وتكون كافية لأولهم وآخرهم لغنيهم وفقيرهم فوعظهم عيسى في ذلك وخاف عليهم أن لا يقوموا بشكرها ولا يؤدوا حق شروطها فأبوا عليه الا أن يسأل لهم ذلك من ربه فلما لم يقلعوا عن ذلك قام الى مصلاه ولبس مسحا من شعر وصف بين قدميه وأطرق رأسه وأسبل عينيه بالبكاء وتضرع الى الله في الدعاء والسؤال أن يجابوا الى ما طلبوا فانزل الله تعالى المائدة من السماء والناس ينظرون اليها تنحدر بين غمامتين وجعلت تدنو قليلا قليلا وكلما دنت سأل عيسى ربه أن يجعلها رحمة لا نقمة وان يجعلها بركة وسلامة فلم تزل تدنو حتى استقرت بين يدي عيسى ﵇ وهي مغطاة بمنديل فقام عيسى يكشف عنها وهو يقول (بسم الله خير الرازقين) فإذا عليها سبعة من الحيتان وسبعة أرغفة. ويقال وخل. ويقال ورمان وثمار ولها رائحة عظيمة جدا قال الله لها كوني فكانت ثم أمرهم بالأكل منها فقالوا لا نأكل حتى تأكل فقال إنكم الذين ابتدأ تم السؤال لها فأبوا أن يأكلوا منها ابتداء فامر الفقراء والمحاويج والمرضى والزمنى وكانوا قريبا من ألف وثلاثمائة فأكلوا منها فبرأ كل من به عاهة أو آفة أو مرض مزمن فندم الناس على ترك الاكل منها لما رأوا من إصلاح حال أولئك. ثم قيل إنها كانت تنزل كل يوم مرة فيأكل الناس منها يأكل آخرهم كما يأكل أولهم حتى قيل إنها كان يأكل منها نحو سبعة آلاف. ثم كانت تنزل يوما بعد يوم كما كانت ناقة صالح يشربون لبنها يوما بعد يوم. ثم أمر الله عيسى أن يقصرها على الفقراء أو المحاويج دون الأغنياء فشق ذلك على كثير من الناس وتكلم منافقوهم في ذلك فرفعت بالكلية ومسخ الذين تكلموا في ذلك خنازير. وقد روى ابن ابى حاتم وابن جرير جميعا حدثنا الحسن بن قزعة الباهلي حدثنا سفيان بن حبيب حدثنا سعيد بن أبى عروبة عن قتادة عن خلاس عن عمار بن ياسر عن النبي ﷺ قال نزلت المائدة من السماء خبز ولحم وأمروا أن لا يخونوا ولا يدخروا ولا يرفعوا لغد فخانوا وادخروا ورفعوا فمسخوا قردة

стр. 425

وخنازير ثم رواه ابن جرير عن بندار عن ابن أبى عدي عن سعيد عن قتادة عن خلاس عن عمار موقوفا وهذا أصح وكذا رواه من طريق سماك عن رجل من بنى عجل عن عمار موقوفا وهو الصواب والله أعلم. وخلاص عن عمار منقطع فلو صح هذا الحديث مرفوعا لكان فيصلا في هذه القصة فان العلماء اختلفوا في المائدة هل نزلت أم لا فالجمهور أنها نزلت كما دلت عليه هذه الآثار كما هو المفهوم من ظاهر سياق القرآن ولا سيما قوله ﴿إِنِّي مُنَزِّلُها عَلَيْكُمْ﴾ كما قرره ابن جرير والله أعلم. وقد روى ابن جرير باسناد صحيح الى مجاهد والى الحسن بن أبى الحسن البصري أنهما قالا لم تنزل وانهم أبوا نزولها حين قال ﴿فَمَنْ يَكْفُرْ بَعْدُ مِنْكُمْ فَإِنِّي أُعَذِّبُهُ عَذاباً لا أُعَذِّبُهُ أَحَداً مِنَ الْعالَمِينَ﴾. ولهذا قيل ان النصارى لا يعرفون خبر المائدة وليس مذكورا في كتابهم مع أن خبرها مما يتوفر الدواعي على نقله والله أعلم. وقد تقصينا الكلام على ذلك في التفسير فليكتب من هناك * ومن أراد مراجعته فلينظره من ثم ولله الحمد والمنة فصل قال أبو بكر بن أبى الدنيا حدثنا رجل سقط اسمه حدثنا حجاج بن محمد حدثنا أبو هلال محمد بن سليمان عن بكر بن عبد الله المزني قال فقد الحواريون نبيهم عيسى فقيل لهم توجه نحو البحر فانطلقوا يطلبونه فلما انتهوا الى البحر إذا هو يمشى على الماء يرفعه الموج مرة ويضعه أخرى وعليه كساء مرتد بنصفه ومؤتزر بنصفه حتى انتهى اليهم فقال له بعضهم قال أبو هلال ظنت أنه من أفاضلهم ألا أجيء إليك يا نبي الله قال بلى قال فوضع احدى رجليه على الماء ثم ذهب ليضع الأخرى فقال أوه غرقت يا نبي الله فقال أرنى يدك يا قصير الايمان لو أن لابن آدم من اليقين قدر شعيرة مشى على الماء. ورواه أبو سعيد ابن الأعرابي عن إبراهيم بن أبى الجحيم عن سليمان بن حرب عن أبى هلال عن بكر بنحوه. ثم قال ابن أبى الدنيا حدثنا محمد بن على بن الحسن بن سفيان حدثنا إبراهيم بن الأشعث عن الفضيل بن عياض قال قيل لعيسى بن مريم يا عيسى بأي شيء تمشى على الماء قال بالايمان واليقين. قالوا فانا آمنا كما آمنت وأيقنا كما أيقنت قال فامشوا إذا قال فمشوا معه في الموج فغرقوا فقال لهم عيسى ما لكم فقالوا خفنا الموج قال ألا خفتم رب الموج قال فأخرجهم ثم ضرب بيده الى الأرض فقبض بها ثم بسطها فإذا في احدى يديه ذهب وفي الأخرى مدر أو حصى فقال أيهما أحلى في قلوبكم قالوا هذا الذهب قال فإنهما عندي سواء وقدمنا في قصة يحيى بن زكريا عن بعض السلف أن عيسى ﵇ كان يلبس الشعر ويأكل من ورق الشجر ولا يأوى الى منزل ولا أهل ولا مال ولا يدخر شيئا لغد. قال بعضهم كان يأكل من غزل أمه صلوات الله وسلامه عليه. وروى ابن عساكر عن الشعبي أنه قال كان عيسى ﵇ إذا ذكر عنده الساعة صاح ويقول لا ينبغي لابن مريم أن تذكر عنده الساعة ويسكت وعن عبد الملك ابن سعيد بن بحر أن عيسى كان
следующие страницы →