طاعته فطلبه فكبس منزله فأخذه فأقر أنه من أصحاب الحلاج، ووجد في منزله أشياء بخط الحلاج مكتوبة بماء الذهب في ورق الحرير مجلدة بأفخر الجلود. ووجد عنده سفطا فيه من رجيع الحلاج وعذرته وبوله وأشياء من آثاره، وبقية خبز من زاده. فطلب الوزير من المقتدر أن يتكلم في أمر الحلاج ففوض أمره إليه، فاستدعى بجماعة من أصحاب الحلاج فتهددهم فاعترفوا له أنه قد صح عندهم أنه إله مع الله، وأنه يحيى الموتى، وأنهم كاشفوا الحلاج بذلك ورموه به في وجهه، فجحد ذلك وكذبهم وقال: أعوذ بالله أن أدعى الربوبية أو النبوة، وإنما أنا رجل أعبد الله وأكثر له الصوم والصلاة وفعل الخير، لا أعرف غير ذلك. وجعل لا يزيد على الشهادتين والتوحيد، ويكثر أن يقول:
سبحانك لا إله إلا أنت عملت سوءا وظلمت نفسي فاغفر لي إنه لا يغفر الذنوب إلا أنت. وكانت عليه مدرعة سوداء وفي رجليه ثلاثة عشر قيدا، والمدرعة واصلة إلى ركبتيه، والقيود واصلة إلى ركبتيه أيضا، وكان مع ذلك يصلى في كل يوم وليلة ألف ركعة.
وكان قبل احتياط الوزير حامد بن العباس عليه في حجرة من دار نصر القشوري الحاجب، مأذونا لمن يدخل إليه، وكان يسمى نفسه تارة بالحسين بن منصور، وتارة محمد بن أحمد الفارسي، وكان نصر الحاجب هذا قد افتتن به وظن أنه رجل صالح، وكان قد أدخله على المقتدر بالله فرقاه من وجع حصل له فاتفق زواله عنه، وكذلك وقع لوالدة المقتدر السيدة رقاها فزالت عنها، فنفق سوقه وحظي في دار السلطان. فلما انتشر الكلام فيه سلم إلى الوزير حامد بن العباس فحبسه في قيود كثيرة في رجليه، وجمع له الفقهاء فأجمعوا على كفره وزندقته، وأنه ساحر ممخرق. ورجع عنه رجلان صالحان ممن كان اتبعه أحدهما أبو على هارون بن عبد العزيز الأوارجي، والآخر يقال له الدباس، فذكروا من فضائحه وما كان يدعو الناس إليه من الكذب والفجور والمخرقة والسحر شيئا كثيرا، وكذلك أحضرت زوجة ابنه سليمان فذكرت عنه فضائح كثيرة. من ذلك أنه أراد أن يغشاها وهي نائمة فانتبهت فقال: قومي إلى الصلاة، وإنما كان يريد أن يطأها. وأمر ابنتها بالسجود له فقالت: أو يسجد بشر لبشر؟ فقال: نعم إله في السماء وإله في الأرض. ثم أمرها أن تأخذ من تحت بارية هنالك ما أرادت، فوجدت تحتها دنانير كثيرة مبدورة. ولما كان معتقلا في دار حامد بن العباس الوزير دخل عليه بعض الغلمان ومعه طبق فيه طعام ليأكل منه، فوجده قد ملأ البيت من سقفه إلى أرضه، فذعر ذلك الغلام وفزع فزعا شديدا، وألقى ما كان في يده من ذلك الطبق والطعام، ورجع محموما فمرض عدة أيام.
ولما كان آخر مجلس من مجالسه أحضر القاضي أبو عمر محمد بن يوسف وجيء بالحلاج وقد أحضر له كتاب من دور بعض أصحابه وفيه: من أراد الحج ولم يتيسر له فليبن في داره بيتا لا يناله شيء من
стр. 3677
النجاسة ولا يمكن أحدا من دخوله، فإذا كان في أيام الحج فليصم ثلاثة أيام وليطف به كما يطاف بالكعبة ثم يفعل في داره ما يفعله الحجيج بمكة، ثم يستدعى بثلاثين يتيما فيطعمهم من طعامه، ويتولى خدمتهم بنفسه، ثم يكسوهم قميصا قميصا، ويعطى كل واحد منهم سبعة دراهم - أو قال ثلاثة، دراهم - فإذا فعل ذلك قام له مقام الحج. وإن من صام ثلاثة أيام لا يفطر إلا في اليوم الرابع على ورقات هندبا أجزأه ذلك عن صيام رمضان. ومن صلى في ليلة ركعتين من أول الليل إلى آخره أجزأه ذلك عن الصلاة بعد ذلك. وأن من جاور بمقابر الشهداء وبمقابر قريش عشرة أيام يصلى ويدعو ويصوم ثم لا يفطر إلا على شيء من خبز الشعير والملح الجريش أغناه ذلك عن العبادة في بقية عمره. فقال له القاضي أبو عمر: من أين لك هذا؟ فقال: من كتاب الإخلاص للحسن البصري. فقال له: كذبت يا حلال الدم، وقد سمعنا كتاب الإخلاص للحسن بمكة ليس فيه شيء من هذا. فأقبل الوزير على القاضي فقال له: قد قلت يا حلال الدم فاكتب ذلك في هذه الورقة، وألح عليه وقدم له الدواة فكتب ذلك في تلك الورقة، وكتب من حضر خطوطهم فيها وأنفذها الوزير إلى المقتدر، وجعل الحلاج يقول لهم: ظهري حمى ودمي حرام، وما يحل لكم أن تتأولوا على ما يبيحه، واعتقادي الإسلام، ومذهبي السنة، وتفضيل أبو بكر وعمر وعثمان وعلى وطلحة والزبير وسعد وسعيد وعبد الرحمن ابن عوف وأبى عبيدة بن الجراح، ولى كتب في السنة موجودة في الوارقين فالله الله في دمي. فلا يلتفتون إليه ولا إلى شيء مما يقول. وجعل يكرر ذلك وهم يكتبون خطوطهم بما كان من الأمر، ورد الحلاج [إلى محبسه وتأخر جواب المقتدر ثلاثة أيام حتى ساء ظن الوزير حامد بن العباس، فكتب إلى الخليفة يقول له: إن أمر الحلاج] (١) قد اشتهر ولم يختلف فيه اثنان وقد افتتن كثير من الناس به. فجاء الجواب بأن يسلم إلى محمد بن عبد الصمد صاحب الشرطة. وليضر به ألف سوط، فان مات وإلا ضربت عنقه. ففرح الوزير بذلك وطلب صاحب الشرطة فسلمه إليه وبعث معه طائفة من غلمانه يصلونه معه إلى محل الشرطة من الجانب الغربي خوفا من أن يستنقذ من أيديهم. وذلك بعد عشاء الآخرة في ليلة الثلاثاء لست بقين من ذي القعدة من هذه السنة، وهو راكب على بغل عليه إكاف وحوله جماعة من أعوان السياسة. على مثل شكله، فاستقر منزله بدار الشرطة في هذه الليلة، فذكر أنه بات يصلى تلك الليلة ويدعو دعاء كثيرا. قال أبو عبد الرحمن السلمي: سمعت أبا بكر الشاشي يقول قال أبو الحديد - يعنى المصري -: لما كانت الليلة التي قتل في صبيحتها الحلاج قام يصلى من الليل فصلى ما شاء الله، فلما كان آخر الليل قام قائما فتغطى بكسائه ومد يده نحو القبلة فتكلم بكلام جائز الحفظ، فكان مما حفظت منه قوله: نحن شواهدك فلو دلتنا عزتك لتبدّى ما شئت من شأنك
стр. 3678
ومشيئتك، وأنت الّذي في السماء إله وفي الأرض إله، تتجلى لما تشاء مثل تجليك في مشيئتك كأحسن الصورة، والصورة فيها الروح الناطقة بالعلم والبيان والقدرة، ثم إني أو عزت إلى شاهدك لأني في ذاتك الهوى كيف أنت إذا مثلت بذاتى عند حلول لذاتي، ودعوت إلى ذاتي بذاتى، وأبديت حقائق علومى ومعجزاتي، صاعدا في معارجي إلى عروش أزلياتى عند التولي عن برياتي، إني احتضرت وقتلت وصلبت وأحرقت واحتملت سافيات الذاريات. ولججت في الجاريات، وأن ذرة من ينجوج مكان هالوك متجلياتى، لأعظم من الراسيات. ثم أنشأ يقول:
أنعى إليك نفوسا طاح شاهدها … فيما ورا الحيث بل في شاهد القدم
أنعى إليك قلوبا طالما هطلت … سحائب الوحي فيها أبحر الحكم
أنعى إليك لسان الحق منك ومن … أودى وتذكاره في الوهم كالعدم
أنعى إليك بيانا يستكين له … أقوال كل فصيح مقول فهم
أنعى إليك إشارات العقول معا … لم يبق منهن إلا دارس العلم
أنعى وحبك أخلاقا لطائفة … كانت مطاياهم من مكمد الكظم
مضى الجميع فلا عين ولا أثر … مضى عاد وفقدان الأولى إرم
وخلفوا معشرا يحذون لبستهم … أعمى من البهم بل أعمى من النعم
قالوا: ولما أخرج الحلاج من المنزل الّذي بات فيه ليذهب به إلى القتل أنشد:
طلبت المستقر بكل أرض … فلم أر لي بأرض مستقرا
وذقت من الزمان وذاق منى … وجدت مذاقه حلوا ومرا
أطعت مطامعى فاستعبدتنى … ولو أنى قنعت لعشت حرا
وقيل: إنه قالها حين قدم إلى الجذع ليصلب، والمشهور الأول. فلما أخرجوه للصلب مشى إليه وهو يتبختر في مشيته وفي رجليه ثلاثة عشر قيدا وجعل ينشد ويتمايل:
نديمى غير منسوب * إلى شيء من الحيف … سقاني مثل ما يشر * ب فعل الضيف بالضيف
فلما دارت الكأس * دعا بالنطع والسيف … كذا من يشرب الراح * مع التنين في الصيف
ثم قال: ﴿يَسْتَعْجِلُ بِهَا الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِها وَالَّذِينَ آمَنُوا مُشْفِقُونَ مِنْها وَيَعْلَمُونَ أَنَّهَا الْحَقُّ﴾ ثم لم ينطق بعد ذلك حتى فعل به ما فعل. قالوا: ثم قدم فضرب ألف سوط ثم قطعت يداه ورجلاه وهو في ذلك كله ساكت ما نطق بكلمة، ولم يتغير لونه، ويقال إنه جعل يقول مع كل سوط أحد أحد.
قال أبو عبد الرحمن: سمعت عبد الله بن على يقول سمعت عيسى القصار يقول: آخر كلمة تكلم بها الحلاج حين قتل أن قال: حسب الواحد إفراد الواحد له. فما سمع بهذه الكلمة أحد من المشايخ إلا
стр. 3679
رق له، واستحسن هذا الكلام منه. وقال السلمي: سمعت أبا بكر المحاملي يقول سمعت أبا الفاتك البغدادي - وكان صاحب الحلاج - قال: رأيت في النوم بعد ثلاث من قتل الحلاج كأنى واقف بين يدي ربى وأنا أقول: يا رب ما فعل الحسين بن منصور؟ فقال: كاشفته بمعنى فدعا الخلق إلى نفسه فأنزلت به ما رأيت. ومنهم من قال: بل جزع عند القتل جزعا شديدا وبكى بكاء كثيرا فالله أعلم.
وقال الخطيب: ثنا عبد الله بن أحمد بن عثمان الصير في قال قال لنا أبو عمر بن حيويه: لما أخرج الحسين بن منصور الحلاج ليقتل مضيت في جملة الناس، ولم أزل أزاحم حتى رأيته فدنوت منه فقال: لأصحابه: لا يهولنكم هذا الأمر، فانى عائد إليكم بعد ثلاثين يوما. ثم قتل فما عاد. وذكر الخطيب أنه قال وهو يضرب لمحمد بن عبد الصمد والى الشرطة: أدع بى إليك فان عندي نصيحة تعدل فتح القسطنطينية، فقال له: قد قيل لي إنك ستقول مثل هذا، وليس إلى رفع الضرب عنك سبيل. ثم قطعت يداه ورجلاه وحز رأسه وأحرقت جثته وألقى رمادها في دجلة، ونصب الرأس يومين ببغداد على الجسر، ثم حمل إلى خراسان وطيف به في تلك النواحي، وجعل أصحابه يعدون أنفسهم برجوعه إليهم بعد ثلاثين يوما. وزعم بعضهم أنه رأى الحلاج من آخر ذلك اليوم وهو راكب على حمار في طريق النهروان فقال: لعلك من هؤلاء النفر الذين ظنوا أنى أنا هو المضروب المقتول، إني لست به، وإنما ألقى شبهي على رجل ففعل به ما رأيتم. وكانوا بجهلهم يقولون: إنما قتل عدو من أعداء الحلاج. فذكر هذا لبعض علماء ذلك الزمان فقال: إن كان هذا الرأى صادقا فقد تبدي له شيطان على صورة الحلاج ليضل الناس به. كما ضلت فرقة النصارى بالمصلوب.
قال الخطيب: واتفق له أن دجلة زادت في هذا العام زيادة كثيرة. فقال: إنما زادت لأن رماد جثة الحلاج خالطها. وللعوام في مثل هذا وأشباهه ضروب من الهذيانات قديما وحديثا. ونودي ببغداد أن لا تشترى كتب الحلاج ولا تباع. وكان قتله يوم الثلاثاء لست بقين من ذي العقدة من سنة تسع وثلاثمائة ببغداد. وقد ذكره ابن خلكان في الوفيات وحكى اختلاف الناس فيه، ونقل عن الغزالي أنه ذكره في مشكاة الأنوار وتأول كلامه وحمله على ما يليق. ثم نقل ابن خلكان عن إمام الحرمين أنه كان يذمه ويقول إنه اتفق هو والجنابي وابن المقفع على إفساد عقائد الناس، وتفرقوا في البلاد فكان الجنابي في هجر والبحرين، وابن المقفع ببلاد الترك، ودخل الحلاج العراق، فحكم صاحباه عليه بالهلكة لعدم انخداع أهل العراق بالباطل. قال ابن خلكان وهذا لا ينتظم فان ابن المقفع كان قبل الحلاج بدهر في أيام السفاح والمنصور، ومات سنة خمس وأربعين ومائتين أو قبلها.
ولعل إمام الحرمين أراد ابن المقفع الخراساني الّذي ادعى الربوبية وأوتى العمر واسمه عطاء، وقد قتل
стр. 3680
نفسه بالسم في سنة ثلاث وستين ومائة، ولا يمكن اجتماعه مع الحلاج أيضا، وإن أردنا تصحيح كلام إمام الحرمين فنذكر ثلاثة قد اجتمعوا في وقت واحد على إضلال الناس وإفساد العقائد كما ذكر، فيكون المراد بذلك الحلاج وهو الحسين بن منصور الّذي ذكره، وابن السمعاني - يعنى أبا جعفر محمد ابن على - وأبو طاهر سليمان بن أبى سعيد الحسن بن بهرام الجنابي القرمطى الّذي قتل الحجاج وأخذ الحجر الأسود وطم زمزم ونهب أستار الكعبة، فهولاء يمكن اجتماعهم في وقت واحد كما ذكرنا ذلك مبسوطا، وذكره ابن خلكان ملخصا.
وفيها توفى من الأعيان.
أبو العباس بن عطاء أحد أئمة الصوفية
وهو أحمد بن محمد بن عطاء الأدمي. حدث عن يوسف بن موسى القطان، والمفضل بن زياد وغيرهما، وقد كان موافقا للحلاج في بعض اعتقاده على ضلاله، وكان أبو العباس هذا يقرأ في كل يوم ختمة، فإذا كان شهر رمضان قرأ في كل يوم وليلة ثلاث ختمات، وكان له ختمة يتدبرها ويتدبر معاني القرآن فيها. فمكث فيها سبعة عشرة سنة ومات ولم يختمها، وهذا الرجل ممن كان اشتبه عليه أمر الحلاج وأظهر موافقته فعاقبه الوزير حامد بن العباس بالضرب البليغ على شدقيه، وأمر بنزع خفيه وضربه بهما على رأسه حتى سال الدم من منخريه، ومات بعد سبعة أيام من ذلك، وكان قد دعا على الوزير بأن تقطع يداه ورجلاه ويقتل شر قتلة. فمات الوزير بعد مدة كذلك.
وفيها توفى أبو إسحاق إبراهيم بن هارون الطبيب الحراني. وأبو محمد عبد الله بن حمدون النديم.
ثم دخلت سنة عشر وثلاثمائة
فيها أطلق يوسف بن أبى الساج من الضيق، وكان معتقلا، وردت إليه أمواله وأعيد إلى عمله وأضيف إليه بلدان أخرى، ووظف عليه في كل سنة خمسمائة ألف دينار يحملها إلى الحضرة فبعث حينئذ إلى مؤنس الخادم يطلب منه أبا بكر بن الأدمي القارئ، وكان قد قرأ بين يديه حين اعتقل في سنة إحدى وستين ومائتين ﴿وَكَذلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذا أَخَذَ الْقُرى وَهِيَ ظالِمَةٌ﴾ فخاف القارئ من سطوته واستعفى من مؤنس الخادم فقال له مؤنس: اذهب وأنا شريكك في الجائزة. فلما دخل عليه قرأ بين يديه ﴿وَقالَ الْمَلِكُ اِئْتُونِي بِهِ أَسْتَخْلِصْهُ لِنَفْسِي﴾ فقال: بل أحب أن تقرأ ذلك العشر الّذي قرأته عند سجني وإشهاري ﴿وَكَذلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذا أَخَذَ الْقُرى وَهِيَ ظالِمَةٌ﴾ فان ذلك كان سبب توبتي ورجوعي إلى الله ، وكان ذلك على يديك. ثم أمر له بمال جزيل وأحسن إليه. وفيها مرض على بن عيسى الوزير فجاءه هارون بن المقتدر ليعوده ويبلغه سلام أبيه عليه، فبسط له الطريق، فلما اقترب من داره تحامل وخرج إليه فبلغه سلام الخليفة، وجاء مؤنس الخادم معه، ثم جاء الخبر بأن الخليفة قد عزم على عيادته فاستعفى من مؤنس الخادم، ثم ركب على جهد عظيم حتى سلم على الخليفة
стр. 3681
لئلا يكلفه الركوب إليه. وفيها قبض على القهرمانة أم موسى ومن ينسب إليها، وكان حاصل ما حمل إلى بيت المال من جهتها ألف ألف دينار. وفي يوم الخميس منها لعشر بقين من ربيع الآخر ولى المقتدر منصب القضاء أبا الحسين عمر بن الحسين بن على الشيباني المعروف بابن الأشناني - وكان من حفاظ الحديث وفقهاء الناس - ولكنه عزل بعد ثلاثة أيام، وكان قبل ذلك محتسبا ببغداد.
وفيها عزل محمد بن عبد الصمد عن شرطة بغداد ووليها نازوك وخلع عليه. وفيها في جمادى الآخرة منها ظهر كوكب له ذنب طوله ذراعان في برج السنبلة. وفي شعبان منها وصلت هدايا نائب مصر وهو الحسين بن المارداني، وفي جملتها بغلة معها فلوها، وغلام يصل لسانه إلى طرف أنفه. وفيها قرئت الكتب على المنابر بما كان من الفتوح على المسلمين ببلاد الروم. وفيها ورد الخبر بأنه انشق بأرض واسط فلوع في الأرض في سبعة عشر موضعا أكبرها طوله ألف ذراع، وأقلها مائتا ذراع، وأنه غرق من أمهات القرى ألف وثلاثمائة قرية. وحج بالناس إسحاق بن عبد الملك الهاشمي.
وممن توفى فيها من الأعيان
أبو بشر الدولابي
محمد بن أحمد بن حماد أبو سعيد أبو بشر الدولابي، مولى الأنصار، ويعرف بالوراق، أحد الأئمة من حفاظ الحديث، وله تصانيف حسنة في التاريخ وغير ذلك، وروى عن جماعة كثيرة.
قال ابن يونس: كان يصعق، توفى وهو قاصد الحج بين مكة والمدينة بالعرج في ذي القعدة. وفيها توفى
أبو جعفر بن جرير الطبري
محمد بن جرير بن يزيد بن كثير بن غالب الامام أبو جعفر الطبري، كان مولده في سنة أربع وعشرين ومائتين، وكان أسمر أعين مليح الوجه مديد القامة فصيح اللسان، روى الكثير عن الجم الغفير، ورحل إلى الآفاق في طلب الحديث، وصنف التاريخ الحافل، وله التفسير الكامل الّذي لا يوجد له نظير، وغيرهما من المصنفات النافعة في الأصول والفروع. ومن أحسن ذلك تهذيب الآثار ولو كمل لما احتيج معه إلى شيء، ولكان فيه الكفاية لكنه لم يتمه. وقد روى عنه أنه مكث أربعين سنة يكتب في كل يوم أربعين ورقة. قال الخطيب البغدادي: استوطن ابن جرير بغداد وأقام بها إلى حين وفاته، وكان من أكابر أئمة العلماء، ويحكم بقوله ويرجع إلى معرفته وفضله، وكان قد جمع من العلوم ما لم يشاركه فيه أحد من أهل عصره، وكان حافظا لكتاب الله، عارفا بالقراءات كلها، بصيرا بالمعاني، فقيها في الأحكام، عالما بالسنن وطرقها، وصحيحها وسقيمها، وناسخها ومنسوخها، عارفا بأقوال الصحابة والتابعين ومن بعدهم، عارفا بأيام الناس وأخبارهم. وله الكتاب المشهور في تاريخ الأمم والملوك، وكتاب في التفسير لم يصنف أحد مثله. وكتاب سماه تهذيب الآثار لم أر سواه في معناه، إلا أنه لم يتمه. وله في أصول الفقه وفروعه كتب كثيرة واختيارات،
стр. 3682
وتفرد بمسائل حفظت عنه. قال الخطيب: وبلغني عن الشيخ أبى حامد أحمد بن أبى طاهر الفقيه الأسفراييني أنه قال: لو سافر رجل إلى الصين حتى ينظر في كتاب تفسير ابن جرير الطبري لم يكن ذلك كثيرا، أو كما قال. وروى الخطيب عن إمام الأئمة أبى بكر بن خزيمة أنه طالع تفسير محمد بن جرير في سنين من أوله إلى آخره، ثم قال: ما أعلم على أديم الأرض أعلم من ابن جرير، ولقد ظلمته الحنابلة. وقال محمد لرجل رحل إلى بغداد يكتب الحديث عن المشايخ - ولم يتفق له سماع من ابن جرير لأن الحنابلة كانوا يمنعون أن يجتمع به أحد - فقال ابن خزيمة: لو كتبت عنه لكان خيرا لك من كل من كتبت عنه. قلت: وكان من العبادة والزهادة والورع والقيام في الحق لا تأخذه في ذلك لومة لائم، وكان حسن الصوت بالقراءة مع المعرفة التامة بالقراءات على أحسن الصفات، وكان من كبار الصالحين، وهو أحد المحدثين الّذي اجتمعوا في مصر في أيام ابن طولون، وهم محمد بن إسحاق بن خزيمة إمام الأئمة، ومحمد بن نصر المروزي، ومحمد بن هارون الروياني، ومحمد بن جرير الطبري هذا. وقد ذكرناهم في ترجمة محمد بن نصر المروزي، وكان الّذي قام فصلى هو محمد بن إسحاق بن خزيمة، وقيل محمد بن نصر، فرزقهم الله. وقد أراد الخليفة المقتدر في بعض الأيام أن يكتب كتاب وقف تكون شروطه متفقا عليها بين العلماء، فقيل له: لا يقدر على استحضار ذلك إلا محمد بن جرير الطبري، فطلب منه ذلك فكتب له، فاستدعاه الخليفة إليه وقرب منزلته عنده. وقال له: سل حاجتك، فقال: لا حاجة لي. فقال لا بد أن تسألنى حاجة أو شيئا. فقال: أسأل من أمير المؤمنين أن يتقدم أمره إلى الشرطة حتى يمنعوا السؤال يوم الجمعة أن يدخلوا إلى مقصورة الجامع. فأمر الخليفة بذلك. وكان ينفق على نفسه من مغل قرية تركها له أبوه بطبرستان. ومن شعره:
إذا أعسرت لم يعلم رفيقي … وأستغنى فيستغني صديقي
حيائى حافظ لي ماء وجهي … ورفقي في مطالبتى رفيقي
ولو أتى سمحت ببذل وجهي … لكنت إلى الغنى سهل الطريق
ومن شعره أيضا
خلقان لا أرى طريقهما … بطر الغنى ومذلة الفقر
فإذا غنيت فلا تكن بطرا … وإذا افتقرت فته على الدهر
وقد كانت وفاته وقت المغرب عشية يوم الأحد ليومين بقيا من شوال من سنة عشر وثلاثمائة.
وقد جاوز الثمانين بخمس سنين أو ست سنين، وفي شعر رأسه ولحيته سواد كثير، ودفن في داره لأن بعض عوام الحنابلة ورعاعهم منعوا من دفنه نهارا ونسبوه إلى الرفض، ومن الجهلة من رماه بالإلحاد، وحاشاه من ذلك كله. بل كان أحد أئمة الإسلام علما وعملا بكتاب الله وسنة رسوله، وإنما تقلدوا ذلك عن أبى بكر محمد بن داود الفقيه الظاهري، حيث كان يتكلم فيه ويرميه بالعظائم
стр. 3683
وبالرفض. ولما توفى اجتمع الناس من سائر أقطار بغداد وصلوا عليه بداره ودفن بها، ومكث الناس يترددون إلى قبره شهورا يصلون عليه، وقد رأيت له كتابا جمع فيه أحاديث غدير خم في مجلدين ضخمين، وكتابا جمع فيه طريق حديث الطير. ونسب إليه أنه كان يقول بجواز مسح القدمين في الوضوء وأنه لا يوجب غسلهما، وقد اشتهر عنه هذا. فمن العلماء من يزعم أن ابن جرير اثنان أحدهما شيعي وإليه ينسب ذلك، وينزهون أبا جعفر هذا عن هذه الصفات. والّذي عول عليه كلامه في التفسير أنه يوجب غسل القدمين ويوجب مع الغسل دلكهما، ولكنه عبر عن الدلك بالمسح، فلم يفهم كثير من الناس مراده، ومن فهم مراده نقلوا عنه أنه يوجب الغسل والمسح وهو الدلك والله أعلم. وقد رثاه جماعة من أهل العلم منهم ابن الأعرابي حيث يقول:
حدث مفظع وخطب جليل … دق عن مثله اصطبار الصبور
قام ناعي العلوم اجمع لما … قام ناعي محمد بن جرير
فهوت أنجم لها زاهرات … مؤذنات رسومها بالدثور
وتغشى ضياها النير الإشراق … ثوب الدّجنّة الديجور
وغدا روضها الأنيق هشيما … ثم عادت سهولها كالوعور
يا أبا جعفر مضيت حميدا … غير وان في الجد والتشمير
بين أجر على اجتهادك موفور … وسعي إلى التقى مشكور
مستحقا به الخلود لدى جنة … عدن في غبطة وسرور
ولأبى بكر بن دريد ﵀ فيه مرثاة طويلة، وقد أوردها الخطيب البغدادي بتمامها والله سبحانه أعلم
ثم دخلت سنة إحدى عشرة وثلاثمائة
فيها دخل أبو طاهر سليمان بن أبى سعيد الجنابي أمير القرامطة في ألف وسبعمائة فارس إلى البصرة ليلا، نصب السلالم الشعر في سورها فدخلها قهرا وفتحوا أبوابها وقتلوا من لقوة من أهلها، وهرب أكثر الناس فألقوا أنفسهم في الماء فغرق كثير منهم، ومكث بها سبعة عشر يوما يقتل ويأسر من نسائها وذراريها، ويأخذ ما يختار من أموالها. ثم عاد إلى بلده هجر، كلما بعث إليه الخليفة جندا من قبله فرّ هاربا وترك البلد خاويا، ﴿إِنّا لِلّهِ وَإِنّا إِلَيْهِ راجِعُونَ﴾. وفيها عزل المقتدر عن الوزارة حامد بن العباس وعلى بن عيسى وردها إلى أبى الحسن بن الفرات مرة ثالثة، وسلم إليه حامدا وعلى بن عيسى، فأما حامد فان المحسن بن الوزير ضمنه من المقتدر بخمسمائة ألف ألف دينار، فتسلمه فعاقبه بأنواع العقوبات، وأخذ منه أموالا جزيلة لا تحصى ولا تعد كثرة، ثم أرسله مع موكلين عليه إلى واسط ليحتاطوا على أمواله وحواصله هناك، وأمرهم أن يسقوه سما في الطريق فسقوه ذلك في بيض مشوى
стр. 3684
كان قد طلبه منهم، فمات في رمضان من هذه السنة. وأما على بن عيسى فإنه صودر بثلاثمائة ألف دينار وصودر قوم آخرون من كتابه، فكان جملة ما أخذ من هؤلاء مع ما كان صودرت به القهرمانة من الذهب شيئا كثيرا جدا آلاف ألف من الدنانير، وغير ذلك من الأثاث والأملاك والدواب والآنية من الذهب والفضة. وأشار الوزير ابن الفرات على الخليفة المقتدر بالله أن يبعد عنه مؤنس الخادم إلى الشام - وكان قد قدم من بلاد الروم من الجهاد، وقد فتح شيئا كثيرا من حصون الروم وبلدانهم، وغنم مغانم كثيرة جدا - فأجابه إلى ذلك، فسأل مؤنس الخليفة أن ينظره إلى سلخ شهر رمضان، وكان مؤنس قد أعلم الخليفة بما يعتمده ابن الوزير من تعذيب الناس ومصادرتهم بالأموال، فأمر الخليفة مؤنسا بالخروج إلى الشام. وفيها كثر الجراد وأفسد كثيرا من الغلات. وفي رمضان منها أمر الخليفة برد ما فضل من المواريث على ذوى الأرحام. وفي رمضان أحرق بالنار على باب العامة مائتين وأربعة أعدال من كتب الزنادقة، منها ما كان صنفه الحلاج وغيره، فسقط منها ذهب كثير كانت محلاة به. وفيها اتخذ أبو الحسن ابن الفرات الوزير مرستانا في درب الفضل وكان ينفق عليه من ماله في كل شهر مائتي دينار
وفيها توفى من الأعيان.
الخلال أحمد بن محمد بن هاون
أبو بكر الخلال، صاحب الكتاب الجامع لعلوم الامام أحمد، ولم يصنف في مذهب الامام أحمد مثل هذا الكتاب، وقد سمع الخلال الحديث من الحسن بن عرفة وسعدان بن نصر وغيرهما. توفى يوم الجمعة قبل الصلاة ليومين مضتا من هذه السنة.
أبو محمد الجريريّ
أحد أئمة الصوفية أحمد بن محمد بن الحسين أبو محمد الجريريّ أحد كبار الصوفية، صحب سريا السقطي، وكان الجنيد يكرمه ويحترمه. ولما حضرت الجنيد الوفاة أوصى أن يجالس الجريريّ، وقد اشتبه على الجريريّ هذا شأن الحلاج فكان ممن أجمل القول فيه، على أن الجريريّ هذا مذكور بالصلاح والديانة وحسن الأدب.
الزجاج صاحب معاني القرآن
إبراهيم بن السري بن سهل أبو إسحاق الزجاج، كان فاضلا دينا حسن الاعتقاد، وله المصنفات الحسنة، منها كتاب معاني القرآن وغيره من المصنفات العديدة المفيدة، وقد كان أول أمره يخرط الزجاج فأحب علم النحو فذهب إلى المبرد، وكان يعطى المبرد كل يوم درهما، ثم استغنى الزجاج وكثر ماله ولم يقطع عن المبرد ذلك الدرهم حتى مات، وقد كان الزجاج مؤدبا للقاسم بن عبيد الله. فلما ولى الوزارة كان الناس يأتونه بالرقاع ليقدمها إلى الوزير، فحصل له بسبب ذلك ما يزيد على أربعين
стр. 3685
ألف دينار. توفى في جمادى الأولى منها. وعنه أخذ أبو على الفارسي النحويّ، وابن القاسم عبد الرحمن ابن إسحاق الزجاجي، نسب إليه لأخذه عنه، وهو صاحب كتاب الجمل في النحو.
بدر مولى المعتضد
وهو بدر الحمامي ويقال له بدر الكبير، كان في آخر وقت على نيابة فارس، ثم وليها من بعده ولده محمد.
حامد بن العباس
الوزير استوزره المقتدر في سنة ست وثلاثمائة، وكان كثير المال والغلمان، كثير النفقات كريما سخيا، كثير المروءة. له حكايات تدل على بذله وإعطائه الأموال الجزيلة، ومع هذا كان قد جمع شيئا كثيرا، وجد له في مطمورة ألوف من الذهب، كان كل يوم إذا دخلها ألقى فيها ألف دينار، فلما امتلأت طمها، فلما صودر دل عليها فاستخرجوا منها مالا كثيرا جدا، ومن أكبر مناقبه أنه كان من السعاة في قتل الحسين الحلاج كما ذكرنا ذلك. توفى الوزير حامد بن العباس في رمضان منها مسموما.
وفيها توفى عمر بن محمد بحتر البحتري صاحب الصحيح.
ابن خزيمة
محمد بن إسحاق بن خزيمة بن المغيرة بن صالح بن بكر السلمي، مولى محسن بن مزاحم الامام أبو بكر بن خزيمة الملقب بإمام الأئمة، كان بحرا من بحور العلم، طاف البلاد ورحل إلى الآفاق في الحديث وطلب العلم، فكتب الكثير وصنف وجمع، وكتابه الصحيح من أنفع الكتب وأجلها، وهو من المجتهدين في دين الإسلام، حكى الشيخ أبو إسحاق الشيرازي في طبقات الشافعية عنه أنه قال: ما قلدت أحدا منذ بلغت ستة عشر سنة، وقد ذكرنا له ترجمة مطولة في كتابنا طبقات الشافعية.
وهو أحد المحمدين الذين أرملوا بمصر ثم رزقهم الله ببركة صلاته. وقد ذكرنا نحو ذلك في ترجمة الحسن بن سفيان. وفيها توفى محمد بن زكريا الطبيب صاحب المصنف الكبير في الطب.
ثم دخلت سنة ثنتى عشرة وثلاثمائة
في المحرم منها اعترض القرمطى أبو طاهر الحسين بن أبى سعيد الجنابي لعنه الله، ولعن أباه.
للحجيج وهم راجعون من بيت الله الحرام، قد أدوا فرض الله عليهم، فقطع عليهم الطريق فقاتلوه دفعا عن أموالهم وأنفسهم وحريمهم، فقتل منهم خلقا كثيرا لا يعلمهم إلا الله، وأسر من نسائهم وأبنائهم ما اختاره، واصطفى من أموالهم ما أراد، فكان مبلغ ما أخذه من الأموال ما يقاوم ألف ألف دينار، ومن الأمتعة والمتاجر نحو ذلك، وترك بقية الناس بعد ما أخذ جمالهم وزادهم وأموالهم ونساءهم وأبناءهم على بعد الديار في تلك الفيافي والبرية بلا ماء ولا زاد ولا محمل. وقد جاحف عن الناس نائب الكوفة أبو الهيجاء عبد الله بن حمدان فهزمه وأسره. ﴿إِنّا لِلّهِ وَإِنّا إِلَيْهِ راجِعُونَ﴾. وكان عدة من مع
стр. 3686
القرمطى ثمانمائة مقاتل، وعمره إذ ذاك سبع عشرة سنة قصمه الله. ولما انتهى خبرهم إلى بغداد قام نساؤهم وأهاليهم في النياحة ونشرن شعورهن ولطمن خدودهن، وانضاف إليهن نساء الذين نكبوا على يد الوزير وابنه، وكان ببغداد يوم مشهود بسبب ذلك في غاية البشاعة والشناعة، فسأل الخليفة عن الخبر فذكروا له أنهم نسوة الحجيج ومعهن نساء الذين صادرهم ابن الفرات، وجاءت على يد الحاجب نصر بن القشوري على الوزير فقال: يا أمير المؤمنين إنما استولى هذا القرمطى على ما استولى عليه بسبب إبعادك مؤنس الخادم المظفر، فطمع هؤلاء في الأطراف، وما أشار عليك بابعاده إلا ابن الفرات، فبعث الخليفة إلى ابن الفرات يقول له: إن الناس يتكلمون فيك لنصحك إياي، وأرسل يطيب قلبه، فركب هو وولده إلى الخليفة فدخلا عليه فأكرمهما وطيب قلوبهما، فخرجا من عنده فنالهما أذى كثير من نصر الحاجب وغيره من كبار الأمراء، وجلس الوزير في دسته فحكم بين الناس كعادته، وبات ليلته تلك مفكرا في أمره، وأصبح كذلك وهو ينشد:
فأصبح لا يدرى وإن كان حازما … أقدامه خير له أم داره؟
ثم جاءه في ذلك اليوم أميران من جهة الخليفة فدخلا عليه داره إلى بين حريمه وأخرجوه مكشوفا رأسه وهو في غاية الذل والصغار، والإهانة والعار، فأركبوه في حراقة إلى الجانب الآخر. وفهم الناس ذلك فرجموا ابن الفرات بالآجر، وتعطلت الجوامع وخربت العامة المحاريب، ولم يصل الناس الجمعة فيها، وأخذ خط الوزير بألفي ألف دينار، وأخذ خط ابنه بثلاثة آلاف ألف دينار، وسلما إلى نازوك أمير الشرطة، فاعتقلا حينا حتى خلصت منهما الأموال، ثم أرسل الخليفة خلف مؤنس الخادم، فلما قدم سلمهما إليه فأهانهما غاية الإهانة بالضرب والتقريع له ولولده المجرم الّذي ليس بمحسن، ثم قتلا بعد ذلك. واستوزر عبد الله بن محمد بن عبد الله بن محمد بن يحيى بن خاقان أبو القاسم، وذلك في تاسع ربيع الأول منها. ولما دخل مؤنس بغداد دخل في تجمل عظيم وشفع عند ابن خاقان في أن يرسل إلى على بن عيسى - وكان قد صار إلى صنعاء اليمن مطرودا - فعاد إلى مكة وبعث إليه الوزير أن ينظر في أمر الشام ومصر، وأمر الخليفة مؤنس الخادم بأن يسير إلى الكوفة لقتال القرامطة، وأنفق على خروجه ألف ألف دينار، وأطلق القرمطى من كان أسره من الحجيج، وكانوا ألفى رجل وخمسمائة امرأة، وأطلق أبا الهيجاء نائب الكوفة معهم أيضا، وكتب إلى الخليفة يسأل منه البصرة والأهواز فلم يجب إلى ذلك، وركب المظفر مؤنس في جحافل إلى بلاد الكوفة فسكن أمرها، ثم انحدر منها إلى واسط واستناب على الكوفة يا قوت الخادم، فتمهدت الأمور وانصلحت. وفي هذه السنة ظهر رجل بين الكوفة وبغداد فادعى أنه محمد بن إسماعيل بن محمد بن محمد بن الحسين بن على بن أبى طالب، وصدقه على ذلك طائفة من الأعراب والطغام، والتفوا عليه
стр. 3687
وقويت شوكته في شوال، فأرسل إليه الوزير جيشا فقاتلوه فهزموه وقتلوا خلقا من أصحابه، وتفرق بقيتهم. وهذا المدعى المذكور هو رئيس الإسماعيلية وهو أولهم. وظفر نازوك صاحب الشرطة بثلاثة من أصحاب الحلاج: وهم حيدرة، والشعراني، وابن منصور، فطالبهم بالرجوع عن اعتقادهم فيه فلم يرجعوا، فضرب رقابهم وصلبهم في الجانب الشرقي. ولم يحج في هذه السنة أحد من أهل العراق لكثرة خوف الناس من القرامطة.
وفيها توفى من الأعيان
إبراهيم بن خميس
أبو إسحاق الواعظ الزاهد. كان يعظ الناس، فمن جملة كلامه الحسن قوله: يضحك القضاء من الحذر، ويضحك الأجل من الأمل، ويضحك التقدير من التدبير، وتضحك القسمة من الجهد والعناء.
على بن محمد بن الفرات الوزير
ولاه المقتدر الوزارة ثم عزله ثم ولاه ثم عزله ثم ولاه ثم عزله ثم ولاه ثم عزله ثم ولاه ثم قتله في هذه السنة، وقتل ولده، وكان ذا مال جزيل: ملك عشرة آلاف ألف دينار، وكان يدخل له من ضياعه كل سنة ألف ألف دينار، وكان ينفق على خمسة آلاف من العباد والعلماء، تجرى عليهم نفقات في كل شهر ما فيه كفايتهم، وكان له معرفة بالوزارة والحساب، يقال إنه نظر يوما في ألف كتاب، ووقع على ألف رقعة، فتعجب من حضره من ذلك، وكانت فيه مروءة وكرم وحسن سيرة في ولاياته، غير هذه المرة فإنه ظلم وغشم وصادر الناس وأخذ أموالهم، فأخذه الله أخذ القرى وهي ظالمة، أخذ عزيز مقتدر. وقد كان ذا كرم وسعة في النفقة، ذاكر عنده ذات ليلة أهل الحديث والصوفية وأهل الأدب فأطلق من ماله لكل طائفة عشرين ألفا. وكتب رجل على لسانه إلى نائب مصر كتابا فيه وصية به منه إليه، فلما دفع المكتوب إلى نائب مصر استراب منه وقال: ما هذا خط الوزير، وأرسل به إلى الوزير، فلما وقف عليه عرف أنه كذب وزور، فاستشار الحاضرين عنده فيما يفعل بالذي زور عليه، فقال بعضهم: تقطع يديه. وقال آخر تقطع إبهاميه، وقال آخر يضرب ضربا مبرحا. فقال الوزير: أو خير من ذلك كله؟ ثم أخذ الكتاب وكتب عليه: نعم هذا خطى وهو من أخص أصحابى، فلا تتركن من الخير شيئا مما تقدر عليه إلا أوصلته إليه. فلما عاد الكتاب أحسن نائب مصر إلى ذلك الرجل إحسانا بالغا، ووصله بنحو من عشرين ألف دينار. واستدعى ابن الفرات يوما ببعض الكتاب فقال له: ويحك إن نيتي فيك سيئة، وإني في كل وقت أريد أن أقبض عليك وأصادرك، فأراك في المنام تمنعني برغيف، وقد رأيتك في المنام من ليال، وإني أريد القبض عليك، فجعلت تمتنع منى، فأمرت جندي أن يقاتلوك، فجعلوا كلما ضربوك بشيء من سهام وغيرها تتقى الضرب برغيف في يدك، فلا يصل إليك شيء، فأعلمني ما قصة هذا الرغيف.
стр. 3688
فقال: أيها الوزير إن أمى منذ كنت صغيرا كل ليلة تضع تحت وسادتي رغيفا، فإذا أصبحت تصدقت به عنى، فلم يزل كذلك دأبها حتى ماتت. فلما ماتت فعلت أنا ذلك مع نفسي، فكل ليلة أضع تحت وسادتي رغيفا ثم أصبح فأتصدق به. فعجب الوزير من ذلك وقال: والله لا ينالك منى بعد اليوم سوء أبدا، ولقد حسنت نيتي فيك، وقد أحببتك. وقد أطال ابن خلكان ترجمته فذكر بعض ما أوردناه في ترجمته.
محمد بن محمد بن سليمان بن الحارث بن عبد الرحمن
أبو بكر الأزدي الواسطي، المعروف بالباغندي، سمع محمد بن عبد الله بن نمير، وابن أبى شيبة وشيبان بن فروخ، وعلى بن المديني، وخلقا من أهل الشام ومصر والكوفة والبصرة وبغداد، ورحل إلى الأمصار البعيدة، وعنى بهذا الشأن، واشتغل فيه فأفرط، حتى قيل إنه ربما سرد بعض الأحاديث بأسانيدها في الصلاة والنوم وهو لا يشعر، فكانوا يسبحون به حتى يتذكر أنه في الصلاة، وكان يقول: أنا أجيب في ثلاثمائة ألف مسألة من الحديث لا أتجاوزه إلى غيره. وقد رأى رسول الله ﷺ في منامه فقال له: يا رسول الله أيما أثبت في الأحاديث منصور أو الأعمش؟ فقال له: منصور.
وقد كان يعاب بالتدليس حتى قال الدار قطنى: هو كثير التدليس، يحدث بما لم يسمع، وربما سرق بعض الأحاديث والله أعلم.
ثم دخلت سنة ثلاث عشرة وثلاثمائة
قال ابن الجوزي: في ليلة بقيت من المحرم انقض كوكب من ناحية الجنوب إلى الشمال قبل مغيب الشمس، فأضاءت الدنيا منه وسمع له صوت كصوت الرعد الشديد. وفي صفر منها بلغ الخليفة أن جماعة من الرافضة يجتمعون في مسجد براثى فينالون من الصحابة ولا يصلون الجمعة، ويكاتبون القرامطة ويدعون إلى محمد بن إسماعيل الّذي ظهر بين الكوفة وبغداد، ويدعون أنه المهدي، ويتبرءون من المقتدر وممن تبعه. فأمر بالاحتياط عليهم واستفتى العلماء بالمسجد فأفتوا بأنه مسجد ضرار، فضرب من قدر عليه منهم الضرب المبرح، ونودي عليهم. وأمر بهدم ذلك المسجد المذكور فهدم، هدمه نازوك، وأمر الوزير الخاقانيّ فجعل مكانه مقبرة فدفن فيها جماعة من الموالي. وخرج الناس للحج في ذي القعدة فاعترضهم أبو طاهر سليمان بن أبى سعيد الجنابي القرمطى، فرجع أكثر الناس إلى بلدانهم، ويقال إن بعضهم سأل منه الأمان ليذهبوا فأمنهم. وقد قاتله جند الخليفة فلم يفد ذلك شيئا لتمرده وشدة بأسه، فانزعج أهل بغداد من ذلك، وترحل أهل الجانب الغربي إلى الجانب الشرقي خوفا منهم، ودخل القرمطى إلى الكوفة فأقام بها شهرا يأخذ من أموالها ونسائها ما يختار. قال ابن الجوزي: وكثر الرطب في هذه السنة ببغداد حتى بيع كل ثمانية أرطال بحبة، وعمل
стр. 3689
منه تمر وحمل إلى البصرة. وعزل المقتدر وزيره الخاقانيّ بعد أن ولاه سنة وستة أشهر ويومين، وولى مكانه أبا القاسم أحمد بن عبيد الله بن أحمد بن الخطيب الخصيبى، لأجل مال بذله من جهة زوجة للحسن بن الفرات، وكان ذلك المال سبعمائة ألف دينار فأمر الخصيبى على بن عيسى على أن يكون مشرفا على ديار مصر وبلاد الشام، وهو مقيم بمكة يسير إلى تلك البلاد في بعض الأوقات فيعمل ما ينبغي ثم يرجع إلى مكة.
وفيها توفى من الأعيان:
على بن عبد الحميد بن عبد الله بن سليمان
أبو الحسن الغضائري، سمع القواريري وعباسا العنبري، وكان من العباد الثقات. قال: جئت يوما إلى السري السقطي فدققت عليه بابه فخرج إلى ووضع يده على عضادتي الباب وهو يقول:
اللهمّ اشغل من شغلني عنك بك. قال: فنالتنى بركة هذه الدعوة فحججت على قدمي من حلب إلى مكة أربعين حجة ذاهبا وآئبا.
أبو العباس السراج الحافظ
محمد بن إسحاق بن إبراهيم بن مهران بن عبد الله الثقفي مولاهم، أبو العباس السراج، أحد الأئمة الثقات الحفاظ، مولده سنة ثمان عشرة ومائتين، سمع قتيبة وإسحاق بن راهويه وخلقا كثيرا من أهل خراسان وبغداد والكوفة والبصرة والحجاز، وقد حدث عنه البخاري، ومسلم، وهما أكبر منه وأقدم ميلادا ووفاة، وله مصنفات كثيرة نافعة جدا، وكان يعد من مجابي الدعوة. وقد رأى في منامه كأنه يرقى في سلم فصعد فيه تسعا وتسعين درجة، فما أولها على أحد إلا قال له: تعيش تسعا وتسعين سنة، فكان كذلك. وقد ولد له ابنه أبو عمر وعمره ثلاث وثمانون سنة. قال الحاكم:
فسمعت أبا عمر ويقول: كنت إذا دخلت المسجد على أبى والناس عنده يقول لهم: هذا عملته في ليلة ولى من العمر ثلاث وثمانون سنة.
ثم دخلت سنة أربع عشرة وثلاثمائة
فيها كتب ملك الروم، وهو الدمشق لعنه الله، إلى أهل السواحل أن يحملوا إليه الخراج، فأبوا عليه فركب إليهم في جنوده في أول هذه السنة، فعاث في الأرض فسادا، ودخل ملطية فقتل من أهلها خلقا وأسر وأقام بها ستة عشر يوما، وجاء أهلها إلى بغداد يستنجدون الخليفة عليه. ووقع في بغداد حريق في مكانين، مات فيهما خلق كثير، وأحرق في أحدهما ألف دار ودكان، وجاءت الكتب بموت الدمستق ملك النصارى فقرئت الكتب على المنابر. وجاءت الكتب من مكة أنهم في غاية الانزعاج بسبب اقتراب القرامطة إليهم وقصدهم إياهم، فرحلوا منها إلى الطائف وتلك النواحي. وفيها هبت ريح عظيمة بنصيبين اقتلعت أشجارا كثيرة وهدمت البيوت. قال ابن
стр. 3690
الجوزي: وفي يوم الأحد لثمان مضين من شوال منها - وهو سابع كانون الأول - سقط ببغداد ثلج عظيم جدا حصل بسببه برد شديد، بحيث أتلف كثيرا من النخيل والأشجار، وجمدت الأدهان حتى الأشربة، وماء الورد والخل والخلجان الكبار، ودجلة. وعقد بعض مشايخ الحديث مجلسا للتحديث على متن دجلة من فوق الجمد، وكتب هنالك، ثم انكسر البرد بمطر وقع فأزال ذلك كله ولله الحمد. وفيها قدم الحجاج من خراسان إلى بغداد فاعتذر إليهم مؤنس الخادم بأن القرامطة قد قصدوا مكة، فرجعوا ولم يتهيأ الحج في هذه السنة من ناحية العراق بالكلية. وفي ذي القعدة عزل الخليفة وزيره أبا العباس الخصيبى بعد سنة وشهرين، وأمر بالقبض عليه وحبسه، وذلك لاهماله أمر الوزارة والنظر في المصالح، وذلك لاشتغاله بالخمر في كل ليلة فيصبح مخمورا لا تمييز له، وقد وكل الأمور إلى نوابه فخانوا وعملوا مصالحهم، وولى أبا القاسم عبيد الله بن محمد الكلوذاني نيابة عن على بن عيسى، حتى يقدم، ثم أرسل في طلب على بن عيسى وهو بدمشق، فقدم بغداد في أبهة عظيمة، فنظر في المصالح الخاصة والعامة، ورد الأمور إلى السداد، وتمهدت الأمور.
واستدعى بالخصيبى فتهدده ولامه وناقشه على ما كان يعتمده ويفعله في خاصة نفسه من معاصي الله ، وفي الأمور العامة، وذلك بحضرة القضاة والأعيان. ثم رده إلى السجن. وفيها أخذ نصر ابن أحمد الساماني الملقب بالسعيد بلاد الري وسكنها إلى سنة ست عشرة وثلاثمائة. وفيها غزت الصائفة من طرسوس بلاد الروم فغنموا وسلموا. ولم يحج ركب العراق خوفا من القرامطة.
وفيها توفى من الأعيان سعد النوبي صاحب باب النوبي من دار الخلافة ببغداد في صفر، وأقيم أخوه مكانه في حفظ هذا الباب الّذي صار ينسب بعد إليه. ومحمد بن محمد الباهلي. ومحمد بن عمر ابن لبابة القرمطى. ونصر بن القاسم الفرائضى الحنفي أبو الليث، سمع القواريري وكان ثقة عالما بالفرائض على مذهب أبى حنيفة، مقربا جليلا.
ثم دخلت سنة خمس عشرة وثلاثمائة
في صفر منها كان قدوم على بن عيسى الوزير من دمشق، وقد تلقاه الناس إلى أثناء الطريق، فمنهم من لقيه إلى الأنبار، ومنهم دون ذلك. وحين دخل إلى الخليفة خاطبه الخليفة فأحسن مخاطبته ثم انصرف إلى منزله، فبعث الخليفة وراءه بالفرش والقماش وعشرين ألف دينار، واستدعاه من الغد فخلع عليه فأنشد وهو في الخلعة:
ما الناس إلا مع الدنيا وصاحبها … فكيف ما انقلبت به انقلبوا
يعظمون أخا الدنيا فان وثبت … يوما عليه بما لا يشتهي وثبوا
وفيها جاءت الكتب بأن الروم دخلوا شميساط وأخذوا جميع ما فيها، ونصبوا فيها خيمة الملك
стр. 3691
وضربوا الناقوس في الجامع بها، فأمر الخليفة مؤنس الخادم بالتجهيز إليهم، وخلع عليه خلعة سنية.
ثم جاءت الكتب بأن المسلمين وثبوا على الروم فقتلوا منهم خلقا كثيرا جدا فلله الحمد والمنة. ولما تجهز مؤنس للمسير جاءه بعض الخدم فأعلمه أن الخليفة يريد أن يقبض عليه إذا دخل لوداعه، وقد حضرت له ريبة في دار الخلافة مغطاة ليقع فيها، فأحجم عن الذهاب. وجاءت الأمراء إليه من كل جانب ليكونوا معه على الخليفة، فبعث إليه الخليفة رقعة فيها خطه يحلف له أن هذا الأمر الّذي بلغه ليس بصحيح. فطابت نفسه وركب إلى دار الخلافة في غلمانه، فلما دخل على الخليفة خاطبه مخاطبة عظيمة. وحلف أنه طيب القلب عليه، وله عنده الصفاء الّذي يعرفه. ثم خرج من بين يديه معظما مكرما وركب العباس بن الخليفة والوزير ونصر الحاجب في خدمته لتوديعه، وكبر الأمراء بين يديه مثل الحجبة، وكان خروجه يوما مشهودا، قاصدا بلاد الثغور لقتال الروم. وفي جمادى الأولى منها قبض على رجل خناق قد قتل خلقا من النساء، وكان يدعى لهن أنه يعرف العطف والتنجيم، فقصده النساء لذلك فإذا انفرد بالمرأة قام إليها ففعل معها الفاحشة وخنقها بوتو وأعانته امرأته وحفر لها في داره فدفنها، فإذا امتلأت تلك الدار من القتلى انتقل إلى دار أخرى. ولما ظهر عليه وجد في داره التي هو فيها أخيرا سبع عشرة امرأة قد خنقهن، ثم تتبعت الدور التي سكنها فوجدوه قد قتل شيئا كثيرا من النساء، فضرب ألف سوط ثم خنق حتى مات. وفيها كان ظهور الديلم قبحهم الله ببلاد الري، وكان فيهم ملك غلب على أمرهم يقال له مرداويح، يجلس على سرير من ذهب وبين يديه سرير من فضة، ويقول: أنا سليمان بن داود. وقد سار في أهل الري وقزوين وأصبهان سيرة قبيحة جدا، فكان يقتل النساء والصبيان في المهد، ويأخذ أموال الناس، وهو في غاية الجبروت والشدة والجرأة على محارم الله ، فقتلته الأتراك وأراح الله المسلمين من شره.
وفيها كانت بين يوسف بن أبى الساج وبين أبى طاهر القرمطى عند الكوفة موقعة فسبقه إليها أبو طاهر فحال بينه وبينها، فكتب إليه يوسف بن أبى الساج: اسمع وأطمع وإلا فاستعد للقتال يوم السبت تاسع شوال منها، فكتب إليه: هلم. فسار إليه، فلما تراءى الجمعان استقل يوسف جيش القرمطى، وكان مع يوسف بن أبى الساج عشرون ألفا، ومع القرمطى ألف فارس وخمسمائة رجل. فقال يوسف: وما قيمة هؤلاء الكلاب؟ وأمر الكاتب أن يكتب بالفتح إلى الخليفة قبل اللقاء، فلما اقتتلوا ثبت القرامطة ثباتا عظيما، ونزل القرمطى فحرّض أصحابه وحمل بهم حملة صادقة، فهزموا جند الخليفة، وأسروا يوسف ابن أبى الساج أمير الجيش، وقتلوا خلقا كثيرا من جند الخليفة، واستحوذوا على الكوفة، وجاءت الأخبار بذلك إلى بغداد، وشاع بين الناس أن القرامطة يريدون أخذ بغداد، فانزعج الناس لذلك وظنوا صدقه، فاجتمع الوزير بالخليفة وقال: يا أمير المؤمنين إن الأموال إنما تدخر لتكون عونا على
стр. 3692
قتال أعداء الله، وإن هذا الأمر لم يقع أمر بعد زمن الصحابة أفظع منه، قد قطع هذا الكافر طريق الحج على الناس، وفتك في المسلمين مرة بعد مرة، وإن بيت المال ليس فيه شيء، فاتق الله يا أمير المؤمنين وخاطب السيدة - يعنى أمه - لعل أن يكون عندها شيء ادخرته لشدة، فهذا وقته. فدخل على أمه فكانت هي التي ابتدأته بذلك، وبذلت له خمسمائة ألف دينار، وكان في بيت المال مثلها، فسلمها الخليفة إلى الوزير ليصرفها في تجهيز الجيوش لقتال القرامطة، فجهز جيشا أربعين ألف مقاتل مع أمير يقال له بلبق، فسار نحوهم، فلما سمعوا به أخذوا عليه الطرقات، فأراد دخول بغداد فلم يمكنه، ثم التقوا معه فلم يلبث بلبق وجيشه أن انهزم، ف ﴿إِنّا لِلّهِ وَإِنّا إِلَيْهِ راجِعُونَ﴾. وكان يوسف بن أبى الساج معهم مقيدا في خيمة فجعل ينظر إلى محل الوقعة، فلما رجع القرمطى قال: أردت أن تهرب؟ فأمر به فضربت عنقه. ورجع القرمطى من ناحية بغداد إلى الأنبار. ثم انصرف إلى هيت فأكثر أهل بغداد الصدقة، وكذلك الخليفة وأمه والوزير شكرا لله على صرفه عنهم. وفيها بعث المهدي المدعى أنه فاطمي ببلاد المغرب ولده أبا القاسم في جيش إلى بلاد منها، فانهزم جيشه وقتل من أصحابه خلق كثير. وفيها اختط المهدي المذكور مدينته المحمدية. وفيها حاصر عبد الرحمن بن الداخل إلى بلاد المغرب الأموي مدينة طليطلة، وكانوا مسلمين، لكنهم نقضوا عهده ففتحها قهرا وقتل خلقا من أهلها.
وفيها توفى من الأعيان:
ابن الجصاص الجوهري
واسمه الحسين بن عبد الله بن الجصاص الجوهري أبو عبد الله البغدادي، كان ذا مال عظيم وثروة واسعة، وكان أصل نعمته من بيت أحمد بن طولون، كان قد جعله جوهر يا له يسوق له ما يقع من نفائس الجواهر بمصر، فاكتسب بسبب ذلك أموالا جزيلة جدا. قال ابن الجصاص: كنت يوما بباب ابن طولون إذ خرجت القهرمانة وبيدها عقد فيه مائة حبة من الجوهر، تساوى كل واحدة ألفى دينار. قالت: أريد أن تأخذ هذا فتخرطه حتى يكون أصغر من هذا الحجم. فان هذا نافر عما يريدونه.
فأخذته منها وذهبت به إلى منزلي وجعلت جواهر أصغر منه تساوى أقل من عشر قيمة تلك بكثير، فدفعتها إليها وفزت أنا بذلك الّذي جاءت به، وأرادت خرطه وإتلافه. فكانت قيمته مائتي ألف دينار. واتفق أنه صودر في أيام المقتدر مصادرة عظيمة، أخذ منه فيها ما يقاوم ستة عشر ألف ألف دينار، وبقي معه من الأموال شيء كثير جدا. قال بعض التجار: دخلت عليه فوجدته يتردد في منزله كأنه مجنون، فقلت له: مالك هكذا؟ فقال: ويحك، أخذ منى كذا وكذا فأنا أحسن أن روحي ستخرج، فعذرته ثم أخذت في تسليته فقلت له: إن دورك وبساتينك وضياعك الباقية تساوى سبعمائة ألف دينار، وأصدقني كم بقي عندك من الجواهر والمتاع؟ فإذا شيء يساوى ثلاثمائة ألف دينار
стр. 3693
غير ما بقي عنده من الذهب والفضة المصكوكة. فقلت له: إن هذا أمر لا يشاركك فيه أحد من النجار ببغداد، مع مالك من الوجاهة عند الدولة والناس. قال: فسرى عنه وتسلى عما فات وأكل - وكان له ثلاثة أيام لم يأكل شيئا - ولما خلص في مصادرة المقتدر بشفاعة أمه السيدة فيه حكى عن نفسه قال:
نظرت في دار الخلافة إلى مائة خيشه، فيها متاع رث مما حمل إلى من مصر، وهو عندهم في دار مضيعة وكان لي في حمل منها ألف دينار موضوعة في مصر لا يشعر بها أحد، فاستوهبت ذلك من أم المقتدر فكلمت في ذلك ولدها فأطلقه إلى فتسلمته فإذا الذهب لم ينقص منه شيء وقد كان ابن الجصاص مع ذلك مغفلا شديد التغفل في كلامه وأفعاله، وقد ذكر عنه أشياء تدل على ذلك، وقيل إنه إنما كان يظهر ذلك قصدا ليقال إنه مغفل، وقيل إنه كان يقول ذلك على سبيل البسط والدعابة والله سبحانه أعلم.
وفيها توفى عبد الله بن محمد القزويني.
و على بن سليمان بن المفضل
أبو الحسن الأخفش، روى عن المبرد وثعلب واليزيدي وغيرهم، وعنه الروياني والمعافى وغيرهما.
وكان ثقة في نقله، فقيرا في ذات يده، توصل إلى أبى على بن مقلة حتى كلم فيه الوزير على بن عيسى في أن يرتب له شيئا فلم يجبه إلى ذلك، وضاق به الحال حتى كان يأكل اللفت النيء فمات فجأة من كثرة أكله في شعبان منها. وهذا هو الأخفش الصغير، والأوسط وهو سعيد بن مسعدة تلميذ سيبويه. وأما الكبير فهو أبو الخطاب عبد الحميد بن عبد المجيد، من أهل هجر، وهو شيخ سيبويه وأبى عبيد وغيرهما. وقيل إن أبا بكر محمد بن السري السراج النحويّ صاحب الأصول في النحو فيها مات. قاله ابن الأثير. ومحمد بن المسيب الأرغياني.
ثم دخلت سنة ست عشرة وثلاثمائة
فيها عاث أبو طاهر سليمان بن أبى سعيد الجنابي القرمطى في الأرض فسادا، حاصر الرحبة فدخلها قهرا وقتل من أهلها خلقا، وطلب منه أهل قرقيسيا الأمان فأمنهم، وبعث سراياه إلى ما حولها من الأعراب فقتل منهم خلقا، حتى صار الناس إذا سمعوا بذكره يهربون من سماع اسمه، وقدر على الاعراب إمارة يحملونها إلى هجر في كل سنة، عن كل رأس ديناران. وعاث في نواحي الموصل فسادا، وفي سنجار ونواحيها، وخرب تلك الديار وقتل وسلب ونهب. فقصده مؤنس الخادم فلم يتواجها بل رجع إلى بلده هجر فابتنى بها دارا سماها دار الهجرة، ودعا إلى المهدي الّذي ببلاد المغرب بمدينة المهدية. وتفاهم أمره وكثرت أتباعه فصاروا يكبسون القرية من أرض السواد فيقتلون أهلها وينهبون أموالها، ورام في نفسه دخول الكوفة وأخذها فلم يطق ذلك. ولما رأى الوزير على
стр. 3694
ابن عيسى ما يفعله هذا القرمطى في بلاد الإسلام، وليس له دافع استعفى من الوزارة لضعف الخليفة وجيشه عنه، وعزل نفسه منها، فسعى فيها على بن مقلة الكاتب المشهور، فوليها بسفارة نصر الحاجب والى عبد الله البريدي - بالباء الموحدة - من البريد، ويقال اليزيدي لخدمة جده يزيد بن منصور الجهيرى. ثم جهز الخليفة جيشا كثيفا مع مؤنس الخادم فاقتتلوا مع القرامطة فقتلوا من القرامطة خلقا كثيرا، وأسروا منهم طائفة كثيرة من أشرافهم، ودخل بهم مؤنس الخادم بغداد ومعه أعلام من أعلامهم منكسة مكتوب عليها ﴿وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اُسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ﴾ الآية. ففرح الناس بذلك فرحا شديدا، وطابت أنفس البغاددة، وانكسر القرامطة الذين كانوا قد نشئوا وفشوا بأرض العراق، وفوّض القرامطة أمرهم إلى رجل يقال له حريث بن مسعود، ودعوا إلى المهدي الّذي ظهر ببلاد المغرب جد الفاطميين، وهم أدعياء كذبة، كما قد ذكر ذلك غير واحد من العلماء.
كما سيأتي تفصيله وبيانه في موضعه. وفيها وقعت وحشة بين مؤنس الخادم والمقتدر، وسبب ذلك أن نازوكا أمير الشرطة وقع بينه وبين هارون بن عريب - وهو ابن خال المقتدر - فانتصر هارون على نازوك وشاع بين العامة أن هارون سيصير أمير الأمراء. فبلغ ذلك مؤنس الخادم وهو بالرقة فأسرع الأوبة إلى بغداد، واجتمع بالخليفة فتصالحا، ثم إن الخليفة نقل هارون إلى دار الخلافة فقويت الوحشة بينهما، وانضم إلى مؤنس جماعة من الأمراء وترددت الرسل بينهما، وانقضت هذه السنة والأمر كذلك. وهذا كله من ضعف الأمور واضطرابها وكثرة الفتن وانتشارها.
وفيها كان مقتل الحسين بن القاسم الداعي العلويّ صاحب الري على يد صاحب الديلم وسلطانهم مرداويح المجرم قبحه الله.
وفيها توفى من الأعيان
بنان بن محمد بن حمدان بن سعيد
أبو الحسن الزاهد، ويعرف بالحمال، وكانت له كرامات كثيرة، وله منزلة كبيرة عند الناس، وكان لا يقبل من السلطان شيئا، وقد أنكر يوما على ابن طولون شيئا من المنكرات وأمره بالمعروف، فأمر به فألقى بين يدي الأسد، فكان الأسد يشمه ويحجم عنه، فأمر برفعه من بين يديه وعظمه الناس جدا، وسأله بعض الناس عن حاله حين كان بين يدي الأسد فقال له: لم يكن على بأس. قد كنت أفكر في سؤر السباع واختلاف العلماء فيه هل هو طاهر أم نجس. قالوا: وجاءه رجل فقال له:
إن لي على رجل مائة دينار، وقد ذهبت الوثيقة، وأنا أخشى أن ينكر الرجل، فأسألك أن تدعو لي بأن يرد الله على الوثيقة. فقال بنان: إني رجل قد كبرت سنى ورق عظمي، وأنا أحب الحلواء، فاذهب فاشتر لي منها رطلا وأتنى به حتى أدعو لك. فذهب الرجل فاشترى الرطل ثم جاء به إليه ففتح الورقة التي فيها الحلواء فإذا هي حجته بالمائة دينار. فقال له: أهذه حجتك؟ قال: نعم. قال: خذ
стр. 3695
حجتك وخذ الحلواء فأطعمها صبيانك. ولما توفى خرج أهل مصر في جنازته تعظيما له وإكراما لشأنه.
وفيها توفى محمد بن عقيل البلخي. وأبو بكر بن أبى داود السجستاني الحافظ بن الحافظ. وأبو عوانة يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم الأسفراييني، صاحب الصحيح المستخرج على مسلم، وقد كان من الحفاظ المكثرين، والأئمة المشهورين. ونصر الحاجب، كان من خيار الأمراء، دينار عاقلا، أنفق من ماله في حرب القرامطة مائة ألف دينار. وخرج بنفسه محتسبا فمات في أثناء الطريق في هذه السنة. وكان حاجبا للخليفة المقتدر.
ثم دخلت سنة سبع عشرة وثلاثمائة
فيها كان خلع المقتدر وتولية القاهر محمد بن المعتضد بالله: في المحرم منها اشتدت الوحشة بين مؤنس الخادم والمقتدر بالله، وتفاهم الحال وآل إلى أن اجتمعوا على خلع المقتدر وتولية القاهر محمد ابن المعتضد، فبايعوه بالخلافة وسلموا عليه بها، ولقبوه القاهر بالله. وذلك ليلة السبت النصف من المحرم، وقلد على بن مقلة وزارته، ونهبت دار المقتدر، وأخذوا منها شيئا كثيرا جدا، وأخذوا لأم المقتدر خمسمائة ألف دينار - وكانت قد دفنتها في قبر في تربتها - فحملت إلى بيت المال، وأخرج المقتدر وأمه وخالته وخواصه وجواريه من دار الخلافة، ذلك بعد محاصرة دار الخلافة، وهرب من كان بها من الحجبة والخدم، وولى نازوك الحجوبة مضافا إلى ما بيده من الشرطة، وألزم المقتدر بأن كتب على نفسه كتابا بالخلع من الخلافة وأشهد على نفسه بذلك جماعة من الأمراء والأعيان، وسلم الكتاب إلى القاضي أبى عمر محمد بن يوسف، فقال لولده الحسين: احتفظ بهذا الكتاب فلا يرينه أحد من خلق الله. ولما أعيد المقتدر إلى الخلافة بعد يومين رده إليه، فشكره على ذلك جدا وولاه قضاء القضاة. فلما كان يوم الأحد السادس عشر من المحرم جلس القاهر بالله في منصب الخلافة، وجلس بين يديه الوزير أبو على بن مقلة، وكتب إلى العمال بالآفاق يخبرهم بولاية القاهر بالخلافة عوضا عن المقتدر، وأطلق على بن عيسى من السجن، وزاد في أقطاع جماعة من الأمراء الذين قاموا بنصره، منهم أبو الهيجاء بن حمدان. فلما كان يوم الاثنين جاء الجند وطلبوا أرزاقهم وشغبوا، وبادروا إلى نازوك فقتلوه، وكان مخمورا، ثم صلبوه. وهرب الوزير ابن مقلة، وهرب الحجاب ونادوا يا مقتدر يا منصور، ولم يكن مؤنس يومئذ حاضرا، وجاء الجند إلى باب مؤنس يطالبونه بالمقتدر، فأغلق بابه دونهم وجاحف دونه خدمه. فلما رأى مؤنس أنه لا بد من تسليم المقتدر إليهم أمره بالخروج، فخاف المقتدر أن يكون حيلة عليه، ثم تجاسر فخرج فحمله الرجال على أعناقهم حتى أدخلوه دار الخلافة، فسأل عن أخيه القاهر وأبى الهيجاء بن حمدان ليكتب لهما أمانا، فما كان عن قريب حتى جاءه خادم ومعه رأس أبى الهيجاء قد احترز رأسه وأخرجه من بين كتفيه، ثم
стр. 3696
استدعى بأخيه القاهر فأجلسه بين يديه واستدعاء إليه، وقبّل بين عينيه، وقال: يا أخى أنت لا ذنب لك، وقد علمت أنك مكره مقهور. والقاهر يقول: الله الله! نفسي يا أمير المؤمنين. فقال: وحق رسول الله ﷺ لا جرى عليك منى سوء أبدا. وعاد ابن مقلة فكتب إلى الآفاق يعلمهم بعود المقتدر إلى الخلافة، وتراجعت الأمور إلى حالها الأول، وحمل رأس نازوك وأبى الهيجاء ونودي عليهما: هذا رأس من عصى مولاه. وهرب أبو السرايا بن حمدان إلى الموصل، وكان ابن نفيس من أشد الناس على المقتدر، فلما عاد إلى الخلافة خرج من بغداد متنكرا فدخل الموصل، ثم صار إلى أرمينية، ثم لحق بالقسطنطينية فتنصر بها مع أهلها وأما مؤنس فإنه لم يكن في الباطن على المقتدر، وإنما وافق جماعة الأمراء مكرها، ولهذا لما كان المقتدر في داره لم ينله منه ضيم، بل كان يطيب قلبه، ولو شاء لقتله لما طلب من داره. فلهذا لما عاد المقتدر إلى الخلافة رجع إلى دار مؤنس فبات بها عنده، لثقته به. وقرر أبا على بن مقلة على الوزارة، وولى محمد بن يوسف قضاء القضاة، وجعل محمدا أخاه - وهو القاهر - عند والدته بصفة محبوس عندها، فكانت تحسن إليه غاية الإحسان، وتشترى له السراري وتكرمه غاية الاكرام.
ذكر أخذ القرامطة الحجر الأسود إلى بلادهم، وما كان منهم إلى الحجيج
فيها خرج ركب العراق وأميرهم منصور الديلميّ فوصلوا إلى مكة سالمين، وتوافت الركوب هناك من كل مكان وجانب وفج، فما شعروا إلا بالقرمطي قد خرج عليهم في جماعته يوم التروية، فانتهب أموالهم واستباح قتالهم، فقتل في رحاب مكة وشعابها وفي المسجد الحرام وفي جوف الكعبة من الحجاج خلقا كثيرا، وجلس أميرهم أبو طاهر لعنه الله على باب الكعبة، والرجال تصرع حوله، والسيوف تعمل في الناس في المسجد الحرام في الشهر الحرام في يوم التروية، الّذي هو من أشرف الأيام، وهو يقول: أنا الله وبالله، أنا أنا أخلق الخلق وأفنيهم أنا. فكان الناس يفرون منهم فيتعلقون بأستار الكعبة فلا يجدي ذلك عنهم شيئا. بل يقتلون وهم كذلك، ويطوفون فيقتلون في الطواف، وقد كان بعض أهل الحديث يومئذ يطوف، فلما قضى طوافه أخذته السيوف، فلما وجب أنشد وهو كذلك.
ترى المحبين صرعى في ديارهم … كفتية الكهف لا يدرون كم لبثوا
فلما قضى القرمطى لعنه الله أمره وفعل ما فعل بالحجيج من الأفاعيل القبيحة، أمر أن تدفن القتلى في بئر زمزم، ودفن كثيرا منهم في أماكنهم من الحرم، وفي المسجد الحرام. ويا حبذا تلك القتلة وتلك الضجعة، وذلك المدفن والمكان، ومع هذا لم يغسلوا ولم يكفنوا ولم يصل عليهم لأنهم محرمون شهداء في نفس الأمر. وهدم قبة زمزم وأمر بقلع باب الكعبة ونزع كسوتها عنها، وشققها بين
стр. 3697
أصحابه، وأمر رجلا أن يصعد إلى ميزاب الكعبة فيقتلعه، فسقط على أم رأسه فمات إلى النار فعند ذلك انكف الخبيث عن الميزاب، ثم أمر بأن يقلع الحجر الأسود، فجاءه رجل فضربه بمثقّل في يده وقال: أين الطير الأبابيل، أين الحجارة من سجيل؟ ثم قلع الحجر الأسود وأخذوه حين راحوا معهم إلى بلادهم، فمكث عندهم ثنتين وعشرين سنة حتى ردوه، كما سنذكره في سنة تسع وثلاثين وثلاثمائة ف ﴿إِنّا لِلّهِ وَإِنّا إِلَيْهِ راجِعُونَ﴾.
ولما رجع القرمطى إلى بلاده ومعه الحجر الأسود وتبعه أمير مكة هو وأهل بيته وجنده وسأله وتشفع إليه أن يرد الحجر الأسود ليوضع في مكانه، وبذل له جميع ما عنده من الأموال فلم يلتفت إليه، فقاتله أمير مكة فقتله القرمطى وقتل أكثر أهل بيته، وأهل مكة وجنده، واستمر ذاهبا إلى بلاده ومعه الحجر وأموال الحجيج. وقد ألحد هذا للعين في المسجد الحرام إلحادا لم يسبقه إليه أحد ولا يلحقه فيه، وسيجازيه على ذلك الّذي لا يعذب عذابه أحد، ولا يوثق وثاقه أحد. وإنما حمل هؤلاء على هذا الصنيع أنهم كفار زنادقة، وقد كانوا ممالئين للفاطميين الذين نبغوا في هذه السنة ببلاد إفريقية من أرض المغرب، ويلقب أميرهم بالمهديّ، وهو أبو محمد عبيد الله بن ميمون القداح. وقد كان صباغا بسلمية، وكان يهوديا فادعى أنه أسلم ثم سافر من سلمية فدخل بلاد إفريقية، فادعى أنه شريف فاطمي، فصدقه على ذلك طائفة كثيرة من البربر وغيرهم من الجهلة، وصارت له دولة، فملك مدينة سجلماسة، ثم ابتنى مدينة وسماها المهدية، وكان قرار ملكه بها، وكان هؤلاء القرامطة يراسلونه ويدعون إليه، ويترامون عليه، ويقال إنهم إنما كانوا يفعلون ذلك سياسة ودولة لا حقيقة له.
وذكر ابن الأثير أن المهدي هذا كتب إلى أبى طاهر يلومه على ما فعل بمكة حيث سلط الناس على الكلام فيهم، وانكشفت أسرارهم التي كانوا يبطنونها بما ظهر من صنيعهم هذا القبيح، وأمره برد ما أخذه منها، وعوده إليها. فكتب إليه بالسمع والطاعة، وأنه قد قبل ما أشار إليه من ذلك.
وقد أسر بعض أهل الحديث في أيدي القرامطة، فمكث في أيديهم مدة، ثم فرج الله عنه، وكان يحكى عنهم عجائب من قلة عقولهم وعدم دينهم، وأن الّذي أسره كان يستخدمه في أشق الخدمة وأشدها وكان يعربد عليه إذا سكر. فقال لي ذات ليلة وهو سكران: ما تقول في محمدكم؟ فقلت: لا أدرى.
فقال: كان سائسا. ثم قال: ما تقول في أبى بكر؟ فقلت: لا أدرى. فقال: كان ضعيفا مهينا. وكان عمر فظا غليظا. وكان عثمان جاهلا أحمق. وكان على ممخرقا ليس كان عنده أحد يعلمه ما ادعى أنه في صدره من العلم، أما كان يمكنه أن يعلم هذا كلمة وهذا كلمة؟. ثم قال: هذا كله مخرقة. فلما كان من الغد قال: لا تخبر بهذا الّذي قلت لك أحدا. ذكره ابن الجوزي في منتظمه.
وروى عن بعضهم أنه قال: كنت في المسجد الحرام يوم التروية في مكان الطواف، فحمل على
стр. 3698
رجل كان إلى جانبي فقتله القرمطى، ثم قال: يا حمير، - ورفع صوته بذلك - أليس قلتم في بيتكم هذا ﴿وَمَنْ دَخَلَهُ كانَ آمِناً﴾ فأين الأمن؟ قال: فقلت له: اسمع جوابك. قال نعم قلت إنما أراد الله:
فأمنوه. قال فثنى رأس فرسه وانصرف. وقد سأل بعضهم هاهنا سؤالا. فقال: قد أحل الله سبحانه بأصحاب الفيل - وكانوا نصارى - ما ذكره في كتابه، ولم يفعلوا بمكة شيئا مما فعله هؤلاء، ومعلوم أن القرامطة شر من اليهود والنصارى والمجوس، بل ومن عبدة الأصنام، وأنهم فعلوا بمكة ما لم يفعله أحد، فهلا عوجلوا بالعذاب والعقوبة، كما عوجل أصحاب الفيل؟ وقد أجيب عن ذلك بأن أصحاب الفيل إنما عوقبوا إظهارا لشرف البيت، ولما يراد به من التشريف العظيم بإرسال النبي الكريم، من البلد الّذي فيه البيت الحرام، فلما أرادوا إهانة هذه البقعة التي يراد تشريفها وإرسال الرسول منها أهلكهم سريعا عاجلا، ولم يكن شرائع مقررة تدل على فضله، فلو دخلوه وأخربوه لأنكرت القلوب فضله. وأما هؤلاء القرامطة فإنما فعلوا ما فعلوا بعد تقرير الشرائع وتمهيد القواعد، والعلم بالضرورة من دين الله بشرف مكة والكعبة، وكل مؤمن يعلم أن هؤلاء قد ألحدوا في الحرم إلحادا بالغا عظيما، وأنهم من أعظم الملحدين الكافرين، بما تبين من كتاب الله وسنة رسوله، فلهذا لم يحتج الحال إلى معاجلتهم بالعقوبة، بل أخرهم الرب تعالى ليوم تشخص فيه الأبصار، والله سبحانه يمهل ويملى ويستدرج ثم يأخذ أخذ عزيز مقتدر، كما
قال النبي ﷺ : «إن الله ليملى للظالم حتى إذا أخذه لم يفلته» ثم قرأ قوله تعالى ﴿وَلا تَحْسَبَنَّ اللهَ غافِلاً عَمّا يَعْمَلُ الظّالِمُونَ إِنَّما يُؤَخِّرُهُمْ لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الْأَبْصارُ﴾ وقال ﴿لا يَغُرَّنَّكَ تَقَلُّبُ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي الْبِلادِ * مَتاعٌ قَلِيلٌ ثُمَّ مَأْواهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمِهادُ﴾ وقال: ﴿نُمَتِّعُهُمْ قَلِيلاً ثُمَّ نَضْطَرُّهُمْ إِلى عَذابٍ غَلِيظٍ﴾ وقال: ﴿مَتاعٌ فِي الدُّنْيا ثُمَّ إِلَيْنا مَرْجِعُهُمْ ثُمَّ نُذِيقُهُمُ الْعَذابَ الشَّدِيدَ بِما كانُوا يَكْفُرُونَ﴾.
وفيها وقعت فتنة ببغداد بين أصحاب أبى بكر المروذي الحنبلي، وبين طائفة من العامة، اختلفوا في تفسير قوله تعالى ﴿عَسى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقاماً مَحْمُوداً﴾ فقالت الحنابلة: يجلسه معه على العرش. وقال الآخرون: المراد بذلك الشفاعة العظمى، فاقتتلوا بسبب ذلك وقتل بينهم قتلى، ف ﴿إِنّا لِلّهِ وَإِنّا إِلَيْهِ راجِعُونَ﴾. وقد ثبت في صحيح البخاري أن المراد بذلك مقام الشفاعة العظمى، وهي الشفاعة في فصل القضاء بين العباد، وهو المقام الّذي يرغب إليه فيه الخلق كلهم، حتى إبراهيم، ويغبطه به الأولون والآخرون. وفيها وقعت فتنة بالموصل بين العامة فيما يتعلق بأمر المعاش، وانتشرت وكثر أهل الشر فيها واستظهروا، وجرت بينهم شرور ثم سكنت. وفيها وقعت فتنة ببلاد خراسان بين بنى ساسان وأميرهم نصر بن أحمد الملقب بسعيد، وخرج في شعبان خارجىّ بالموصل. وخرج آخر بالبواريج، فقاتلهم أهل تلك الناحية حتى سكن شرهم وتفرق أصحابهم. وفيها التقى مفلح
стр. 3699
الساجي وملك الروم الدمستق، فهزمه مفلح وطرد وراءه إلى أرض الروم، وقتل منهم خلقا كثيرا.
وفيها هبت ريح شديدة ببغداد تحمل رمادا أحمر يشبه رمل أرض الحجاز. فامتلأت منه البيوت.
وفيها توفى من الأعيان:
أحمد بن الحسن بن الفرج بن سفيان أبو بكر النحويّ، كان عالما بمذهب الكوفيين وله فيه تصانيف.
أحمد بن مهدي بن رميم
العابد الزاهد أنفق في طلب العلم ثلاثمائة ألف درهم، ومكث أربعين سنة لا يأوى إلى فراش.
وقد روى الحافظ أبو نعيم عنه أنه جاءته امرأة ذات ليلة فقالت له: إني قد امتحنت بمحنة وأكرهت على الزنا وأنا حبلى منه، وقد تسترت بك وزعمت أنك زوجي، وأن هذا الحمل منك، فاسترني سترك الله ولا تفضحني. فسكت عنها، فلما وضعت جاءني أهل المحلة وإمام مسجدهم يهنئوننى بالولد، فأظهرت البشر وبعثت فاشتريت بدينارين شيئا حلوا وأطعمتهم، وكنت أوجه إليها مع إمام المسجد في كل شهر دينارين صفة نفقة للمولود، وأقول: أقرئها منى السلام فإنه قد سبق منى ما فرق بيني وبينها.
فمكثت كذلك سنتين، ثم مات الولد فجاءوني يعزونني فيه، فأظهرت الحزن عليه، ثم جاءتني أمه بالدنانير التي كنت أرسل بها إليها نفقة الولد، قد جمعتها في صرة عندها، فقالت لي: سترك الله وجزاك خيرا، وهذه الدنانير التي كنت ترسل بها. فقلت: إني كنت أرسل بها صلة للولد وقد مات وأنت ترثينه فهي لك، فافعلي بها ما شئت فدعت وانصرفت.
بدر بن الهيثم
ابن خلف بن خالد بن راشد بن الضحاك بن النعمان بن محرق بن النعمان بن المنذر، أبو القاسم البلخي القاضي الكوفي. نزل بغداد وحدث بها عن أبى كريب وغيره، وكان سماعه للحديث بعد ما جاوز أربعين سنة، وكان ثقة نبيلا، عاش مائة سنة وسبع عشرة سنة. توفى في شوال منها بالكوفة.
عبد الله بن محمد بن عبد العزيز
ابن المرزبان بن سابور بن شاهنشاه أبو القاسم البغوي، ويعرف بابن بنت منيع، ولد سنة ثلاث عشرة، وقيل أربعة عشرة ومائتين. ورأى أبا عبيد القاسم بن سلام، ولم يسمع منه، وسمع من أحمد بن حنبل، وعلى بن المديني، ويحيى بن معين، وعلى بن الجعد، وخلف بن هشام البزار، وخلق كثير، وكان معه جزء فيه سماعه من ابن معين فأخذه موسى بن هارون الحافظ فرماه في دجلة، وقال: يريد أن يجمع بين الثلاثة؟ وقد تفرد عن سبع وثمانين شيخا، وكان ثقة حافظا ضابطا، روى عن الحفاظ وله مصنفات. وقال موسى بن هارون الحافظ: كان ابن بنت منيع ثقة صدوقا، فقيل له: إن هاهنا ناسا يتكلمون فيه. فقال: يحسدونه، ابن بنت منيع لا يقول إلا الحق. وقال ابن أبى
стр. 3700
حاتم وغيره: أحاديثه تدخل في الصحيح. وقال الدار قطنى: كان البغوي قل ما يتكلم على الحديث، فإذا تكلم كان كلامه كالمسمار في الساج. وقد ذكره ابن عدي في كامله فتكلم فيه، وقال:
حدث بأشياء أنكرت عليه. وكان معه طرف من معرفة الحديث والتصانيف، وقد انتدب ابن الجوزي للرد على ابن عدي في هذا الكلام، وذكر أنه توفى ليلة عيد الفطر منها، وقد استكمل مائة سنة وثلاث سنين وشهورا، وهو مع ذلك صحيح السمع والبصر والأسنان، يطأ الإماء. توفى ببغداد ودفن بمقبرة باب التبن. ﵀ وأكرم مثواه.
محمد بن أبى الحسين بن محمد بن عثمان
الشهيد الحافظ أبو الفضل الهروي، يعرف بابن أبى سعد، قدم بغداد وحدث بها عن محمد بن عبد الله الأنصاري. وحدث عنه ابن المظفر الحافظ، وكان من الثقات الأثبات الحفاظ المتقنين، له مناقشات على بضعة عشر حديثا من صحيح مسلم، قتلته القرامطة يوم التروية بمكة في هذه السنة في جملة من قتلوا، ﵀ وأكرم مثواه.
الكعبي المتكلم
هو أبو القاسم عبد الله بن أحمد بن محمود البلخي الكعبي المتكلم، نسبة إلى بنى كعب، وهو أحد مشايخ المعتزلة، وتنسب إليه الطائفة الكعبية منهم. قال ابن خلكان: كان من كبار المتكلمين، وله اختيارات في علم الكلام. من ذلك أنه كان يزعم أن أفعال الله تقع بلا اختيار منه ولا مشيئة. قلت: وقد خالف الكعبي نص القرآن في غير ما موضع. قال تعالى ﴿وَرَبُّكَ يَخْلُقُ ما يَشاءُ وَيَخْتارُ﴾ وقال ﴿وَلَوْ شاءَ رَبُّكَ ما فَعَلُوهُ﴾ ﴿وَلَوْ شِئْنا لَآتَيْنا كُلَّ نَفْسٍ هُداها﴾ ﴿وَإِذا أَرَدْنا أَنْ نُهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنا مُتْرَفِيها﴾ الآية. وغيرها مما هو معلوم بالضرورة وصريح العقل والنقل.
ثم دخلت سنة ثمان عشرة وثلاثمائة
فيها عزل الخليفة المقتدر وزيره أبا على بن مقلة، وكانت مدة وزارته سنتين وأربعة أشهر وثلاثة أيام، واستوزر مكانه سليمان بن الحسن بن مخلد، وجعل على بن عيسى ناظرا معه. وفي جمادى الأولى منها أحرقت دار أبى على بن مقلة، وكان قد أنفق عليها مائة ألف دينار، فانتهب الناس أخشابها وما وجدوا فيها من حديد ورصاص وغيره، وصادره الخليفة بمائتي ألف دينار. وفيها طرد الخليفة الرجالة الذين كانوا بدار الخلافة عن بغداد، وذلك أنه لما ردّ المقتدر إلى الخلافة شرعوا ينفسون بكلام كثير عليه، ويقولون: من أعان ظالما سلطه الله عليه. ومن أصعد الحمار على السطح لم يقدر أن ينزله. فأمر بإخراجهم ونفيهم عن بغداد، ومن أقام منهم عوقب. فأحرقت دور كثيرة من قراباتهم، واحترق بعض نسائهم وأولادهم، فخرجوا منها في غاية الإهانة، فنزلوا واسط وتغلبوا عليها وأخرجوا
стр. 3701
عاملها منها، فركب إليهم، مؤنس الخادم فأوقع بهم بأسا شديدا، وقتل منهم خلقا كثيرا، فلم يقم لهم بعد ذلك قائمة. وفي ربيع الأول منها عزل الخليفة ناصر الدولة بن حمدان عن الموصل، وولى عليها عميه سعيدا ونصرا ابنا حمدان. وولاه ديار ربيعة: نصيبين وسنجار والخابور ورأس العين، ومعها ميافارقين وازرن، ضمن ذلك من الخليفة بمال يحمله إليه في كل سنة. وفي جمادى الأولى منها خرج رجل ببلاد البواريج يقال له صالح بن محمود، فاجتمع عليه جماعة من بنى مالك، ثم سار إلى سنجار فحاصرها فدخلها وأخذ شيئا كثيرا من أموالها، وخطب بها خطبة ووعظ فيها وذكر، فكان في جملة ما قال: نتولى الشيخين، ونتبرأ من الحسين، ولا نرى المسح على الخفين. ثم سار فعاث في الأرض فسادا فانتدب له نصر بن حمدان فقاتله فأسره ومعه ابنان له. فحمل إلى بغداد فدخلها وقد اشتهر شهرة فظيعة. وخرج آخر ببلاد الموصل فاتبعه ألف رجل، فحاصر أهل نصيبين فخرجوا إليه فاقتتلوا معه، فقتل منهم مائة وأسر ألفا، ثم باعهم نفوسهم وصادر أهلها بأربعمائة ألف درهم، فانتدب إليه ناصر الدولة فقاتله فظفر به وأسره وأرسله إلى بغداد أيضا. وفيها خلع الخليفة على ابنه هارون وركب معه الوزير والجيش، وأعطاه نيابة فارس وكرمان وسجستان ومكرمات، وخلع على ابنه أبى العباس الراضي وجعله نائب بلاد المغرب ومصر والشام، وجعل مؤنس الخادم يسد عنه أمورها.
وحج بالناس فيها عبد السميع بن أيوب بن عبد العزيز الهاشمي. وخرج الحجيج بغفارة بدرقة حتى يسلموا في الدرب في الذهاب والإياب من القرامطة.
وفيها توفى من الأعيان
أحمد بن إسحاق
ابن البهلول بن حسان بن أبى سنان أبو جعفر التنوخي القاضي الحنفي، العدل الثقة، الرضى.
وكان فقيها نبيلا، سمع الحديث الكثير، وروى عن أبى كريب حديثا واحدا، وكان عالما بالنحو، فصيح العبارة، جيد الشعر، محمودا في الأحكام. اتفق أن السيدة أم المقتدر وقفت وقفا وجعل هذا عنده نسخة به في سلة الحكم، ثم أرادت أن تنقض ذلك الوقف فطلبت هذا الحاكم وأن يحضر معه كتاب الوقف لتأخذه منه فتعدمه، فلما حضر من وراء الستارة فهم المقصود فقال لها: لا يمكن هذا، لأني خازن المسلمين، فاما أن تعزلونى عن القضاء وتولوا هذا غيري، وإما أن تتركوا هذا الّذي تريدون أن تفعلوه، فلا سبيل إليه وأنا حاكم. فشكته إلى ولدها المقتدر فشفع عنده المقتدر بذلك، فذكر له صورة الحال. فرجع إلى أمه فقال لها: إن هذا الرجل ممن يرغب فيه ولا يزهد فيه، ولا سبيل إلى عزله ولا التلاعب به. فرضيت عنه وبعثت تشكره على ما صنع من ذلك. فقال:
من قدم أمر الله على أمر العباد كفاه الله شرهم، ورزقه خيرهم. وقد كانت وفاته في هذه السنة.
وقد جاوز الثمانين.
стр. 3702
يحيى بن محمد بن صاعد
أبو محمد مولى أبى جعفر المنصور، رحل في طلب الحديث، وكتب وسمع وحفظ، وكان من كبار الحفاظ، وشيوخ الرواية، وكتب عنه جماعة من الأكابر، وله تصانيف تدل على حفظه وفقهه وفهمه.
توفى بالكوفة وله سبعون سنة.
الحسن بن على بن أحمد بن بشار بن زياد
المعروف بابن العلاف الضرير النهرواني، الشاعر المشهور، وكان أحد سمار المعتضد. وله مرثاة طنانة في هرّ له، قتله جيرانه لأنه أكل أفراخ حمامهم من أبراجهم. وفيها آداب ورقة، ويقال إنه أراد بها ابن المعتز لكنه لم يتجاسر أن ينسبها إليه من الخليفة المقتدر، لأنه هو الّذي قتله. وأولها:
يا هرّ فارقتنا ولم تعد … وكنت عندي بمنزلة الولد
وهي خمس وستون بيتا.
ثم دخلت سنة تسع عشرة وثلاثمائة
في المحرم منها دخل الحجيج بغداد، وقد خرج مؤنس الخادم إلى الحج فيها في جيش كثيف، خوفا من القرامطة، ففرح المسلمون بذلك وزينت بغداد يومئذ وضربت الخيام والقباب لمؤنس الخادم، وقد بلغ مؤنسا في أثناء الطريق أن القرامطة أمامه، فعدل بالناس عن الجادة، وأخذ بهم في شعاب وأودية أياما فشاهد الناس في تلك الأماكن عجائب، ورأوا غرائب وعظاما في غاية الضخامة، وشاهدوا ناسا قد مسخوا حجارة. ورأى بعضهم امرأة واقفة على تنور تخبز فيه قد مسخت حجرا، والتنور قد صار حجرا. وحمل مؤنس من ذلك شيئا كثيرا إلى الخليفة ليصدق ما يخبر به من ذلك.
ذكر ذلك ابن الجوزي في منتظمه. فيقال إنهم من قوم عاد أو من قوم شعيب أو من ثمود فالله أعلم.
وفيها عزل المقتدر وزيره سليمان بن الحسن بعد سنة وشهرين وتسعة أيام، واستوزر مكانه أبا القاسم عبيد الله بن محمد الكلوذاني، ثم عزله بعد شهرين وثلاثة أيام، واستوزر الحسين بن القاسم ثم عزله أيضا. وفيها وقعت وحشة بين الخليفة ومؤنس، بسبب أن الخليفة ولى الحسبة لرجل اسمه محمد بن ياقوت، وكان أميرا على الشرطة، فقال مؤنس: إن الحسبة لا يتولاها إلا القضاة والعدول وهذا لا يصلح لها. ولم يزل بالخليفة حتى عزل محمد بن ياقوت عن الحسبة والشرطة أيضا، وانصلح، الحال بينهما. ثم تجددت الوحشة بينهما في ذي الحجة من هذه السنة، وما زالت تتزايد حتى آل الحال إلى قتل المقتدر بالله كما سنذكره. وفيها أوقع ثمل متولى طرسوس بالروم وقعة عظيمة، قتل منهم خلقا كثيرا وأسر نحوا من ثلاثة آلاف، وغنم من الذهب والفضة والديباج شيئا كثيرا جدا، ثم أوقع بهم مرة ثانية كذلك. وكتب ابن الديراني الأرمني إلى الروم يحثهم على الدخول إلى بلاد
стр. 3703
الإسلام ووعدهم النصر منه والاعانة، فدخلوا في جحافل عظيمة كثيرة جدا، وانضاف إليهم الأرمني فركب إليهم مفلح غلام يوسف بن أبى الساج وهو يومئذ نائب أذربيجان واتبعه خلق كثير من المتطوعة، فقصد أولا بلاد ابن الديراني فقتل من الأرمن نحوا من مائة ألف، وأسر خلقا كثيرا، وغنم أموالا جزيلة، وتحصن ابن الديراني في قلعة له هناك، وكاتب الروم فوصلوا إلى شميشاط فحاصروها، فبعث أهلها يستصرخون سعيد بن حمدان نائب الموصل، فسار إليهم مسرعا، فوجد الروم قد كادوا يفتحونها، فلما علموا بقدومه رحلوا عنها واجتازوا بملطية فنهبوها، ورجعوا خاسئين إلى بلادهم ومعهم ابن نفيس المتنصر، وقد كان من أهل بغداد. وركب ابن حمدان في آثار القوم فدخل بلادهم فقتل خلقا كثيرا منهم وأسر وغنم أشياء كثيرة. قال ابن الأثير: وفي شوال من هذه السنة جاء سيل عظيم إلى تكريت ارتفع في أسواقها أربعة عشر شبرا، وغرق بسببه أربعمائة دار، وخلق لا يعلمهم إلا الله، حتى كان المسلمون والنصارى يدفنون جميعا، لا يعرف هذا من هذا. قال: وفيها هاجت بالموصل ريح محمرة ثم اسودت حتى كان الإنسان لا يبصر صاحبه نهارا، وظن الناس أنها القيامة ثم انجلى ذلك بمطر أرسله الله عليهم.
وفيها توفى من الأعيان
الحسين بن عبد الرحمن أبو عبد الله الأنطاكي قاضى ثغور الشام، يعرف بابن الصابوني، وكان ثقة نبيلا قدم بغداد وحدث بها.
على بن الحسين بن حرب بن عيسى أبو عبيد بن حربويه
تولى القضاء بمصر مدة طويلة جدا، وكان ثقة عالما من خيار القضاة وأعدلهم، تفقه على مذهب أبى ثور، وقد ذكرناه في طبقات الشافعية، وقد استعفى عن القضاء فعزل عنه في سنة إحدى عشرة وثلاثمائة، ورجع إلى بغداد فأقام بها إلى أن مات في هذه السنة، في صفر منها، وصلى عليه أبو سعيد الإصطخري، ودفن بداره. قال الدار قطنى: حدث عنه أبو عبد الرحمن النسائي في الصحيح، ولعله مات قبله بعشرين سنة. وذكر من جلالته وفضله ﵀.
محمد بن الفضل بن العباس أبو عبد الله البلخي الزاهد. حكى عنه أنه مكث أربعين سنة لم يخط فيها خطوة في هوى نفسه، ولا نظر في شيء فاستحسنه حياء من الله ، وأنه مكث ثلاثين سنة لم يمل على ملكيه قبيحا.
محمد بن سعد أبو الحسين الوراق
صاحب أبى عثمان النيسابورىّ، وكان فقيها يتكلم على المعاملات. ومن جيد كلامه قوله: من غض بصره عن محرم أورثه الله بذلك حكمة على لسانه يهتدى بها سامعوه، ومن غض نفسه عن شبهة نور الله قلبه نورا يهتدى به إلى طرق مرضاة الله.
стр. 3704
يحيى بن عبد الله بن موسى أبو زكريا الفارسي، كتب بمصر عن الربيع بن سليمان، وكان ثقة عدلا صدوقا عند الحكام.
ثم دخلت سنة عشرين وثلاثمائة من الهجرة
فيها كان مقتل المقتدر بالله الخليفة، وكان سبب ذلك أن مؤنسا الخادم خرج من بغداد في المحرم منها مغاضبا الخليفة في مماليكه وحشمه، متوجها نحو الموصل، ورد من أثناء الطريق مولاه يسرى إلى المقتدر ليستعلم له أمره، وبعث معه رسالة يخاطب بها أمير المؤمنين ويعاتبه في أشياء. فلما وصل أمر الوزير - وهو الحسين بن القاسم وكان من أكبر أعداء مؤنس - بأن يؤديها فامتنع من أدائها إلا إلى الخليفة، فأحضره بين يديه وأمره بأن يقولها للوزير فامتنع، وقال: ما أمرنى بهذا صاحبي.
فشتمه الوزير وشتم صاحبه مؤنسا، وأمر بضربه ومصادرته بثلاثمائة الف دينار، وأخذ خطبه بها، وأمر بنهب داره، ثم أمر الوزير بالقبض على أقطاع مؤنس وأملاكه وأملاك من معه. فحصل من ذلك مال عظيم، وارتفع أمر الوزير عند المقتدر، ولقبه عميد الدولة، وضرب اسمه على الدراهم والدنانير، وتمكن من الأمور جدا، فعزل وولى، وقطع ووصل أياما يسيره، وفرح بنفسه حينا قليلا. وأرسل الى هارون بن عريب في الحال، وإلى محمد بن ياقوت يستحضرهما إلى الحضرة عوضا عن مؤنس، فصمم المظفر مؤنس في سيره فدخل الموصل، وجعل يقول لأمراء الأعراب: إن الخليفة قد ولاني الموصل وديار ربيعة. فالتف عليه منهم خلق كثير، وجعل ينفق فيهم الأموال الجزيلة وله إليهم قبل ذلك أيادي سابغة. وقد كتب الوزير إلى آل حمدان - وهم ولاة الموصل وتلك النواحي - يأمرهم بمحاربته، فركبوا إليه في ثلاثين ألفا، وواجههم مؤنس في ثمانمائة من ممالكيه وخدمه فهزمهم ولم يقتل منهم سوى رجل واحد، يقال له داود، وكان من أشجعهم، وقد كان مؤنس رباه وهو صغير. ودخل مؤنس الموصل فقصدته العساكر من كل جانب يدخلون في طاعته، لإحسانه إليهم قبل ذلك. من بغداد والشام ومصر والأعراب، حتى صار في حجافل من الجنود. وأما الوزير المذكور فإنه ظهرت خيانته وعجزه فعزله المقتدر في ربيع الآخر منها، وولى مكانه الفضل بن جعفر بن محمد بن الفرات، وكان آخر وزراء المقتدر. وأقام مؤنس بالموصل تسعة أشهر، ثم ركب في الجيوش في شوال قاصدا بغداد ليطالب المقتدر بأرزاق الأجناد وإنصافهم، فسار - وقد بعث بين يديه الطلائع - حتى جاء فنزل بباب الشماسية ببغداد، وقابله عنده ابن ياقوت وهارون بن عريب عن كره منه. وأشير على الخليفة أن يستدين من والدته مالا ينفقه في الأجناد، فقال: لم يبق عندها شيء، وعزم، الخليفة على الهرب إلى واسط، وأن يترك بغداد إلى مؤنس حتى يتراجع أمر الناس ثم يعود إليها. فرده عن ذلك ابن ياقوت وأشار بمواجهته لمؤنس وأصحابه، فإنهم متى رأوا الخليفة هربوا كلهم إليه وتركوا
стр. 3705
مؤنسا. فركب وهو كاره وبين يديه الفقهاء ومعهم المصاحف المنشورة، وعليه البردة والناس حوله، فوقف على تل عال بعيد من المعركة ونودي في الناس: من جاء برأس فله خمسة دنانير، ومن جاء بأسير فله عشرة دنانير. ثم بعث إليه أمراؤه يعزمون عليه أن يتقدم فامتنع من التقدم إلى محل المعركة، ثم ألحوا عليه فجاء بعد تمنع شديد، فما وصل إليهم حتى انهزموا وفروا راجعين، ولم يلتفتوا إليه ولا عطفوا عليه، فكان أول من لقيه من أمراء مؤنس على بن بليق، فلما رآه ترجل وقبل الأرض بين يديه وقال: لعن الله من أشار عليك بالخروج في هذا اليوم. ثم وكل به قوما من المغاربة البرير، فلما تركهم وإياه شهروا عليه السلاح، فقال لهم: ويلكم أنا الخليفة. فقالوا: قد عرفناك يا سفلة، إنما أنت خليفة إبليس، تنادى في جيشك من جاء برأس فله خمسة دنانير؟ وضربه أحدهم بسيفه على عاتقه فسقط إلى الأرض، وذبحه آخر وتركوا جثته، وقد سلبوه كل شيء كان عليه، حتى سراويله، وبقي مكشوف العورة مجندلا على الأرض، حتى جاء رجل فغطى عورته بحشيش ثم دفنه في موضعه وعفا أثره، وأخذت المغاربة رأس المقتدر على خشبة قد رفعوها وهم يلعنونه، فلما انتهوا به إلى مؤنس - ولم يكن حاضرا الوقعة - فحين نظر إليه لطم رأس نفسه ووجهه وقال: ويلكم، والله لم آمركم بهذا، لعنكم الله، والله لنقتلن كلنا. ثم ركب ووقف عند دار الخلافة حتى لا تنهب، وهرب عبد الواحد بن المقتدر وهارون بن عريب، وأبناء رائق، إلى المدائن، وكان فعل مؤنس هذا سببا لطمع ملوك الأطراف في الخلفاء، وضعف أمر الخلافة جدا، مع ما كان المقتدر يعتمده في التبذير والتفريط في الأموال، وطاعة النساء، وعزل الوزراء، حتى قيل إن جملة ما صرفه في الوجوه الفاسدة ما يقارب ثمانين ألف ألف دينار.
وهذه ترجمة المقتدر بالله
هو جعفر بن أحمد المعتضد بالله أحمد بن أبى أحمد الموفق بن جعفر المتوكل على الله بن محمد المعتصم بن هارون الرشيد، يكنى أبا الفضل، أمير المؤمنين العباسي، مولده في ليلة الجمعة لثمان بقين من رمضان سنة ثنتين وثمانين ومائتين، وأمه أم ولد اسمها شغب، ولقبت في خلافة ولدها بالسيدة.
بويع له بالخلافة بعد أخيه المكتفي يوم الأحد لأربع عشرة مضت من ذي القعدة، سنة خمس وتسعين ومائتين، وهو يومئذ ابن ثلاث عشرة سنة وشهر وأيام. ولهذا أراد الجند خلعه في ربيع الأول من سنة ست وتسعين محتجين بصغره وعدم بلوغه، وتولية عبد الله بن المعتز، فلم يتم ذلك، وانتقض الأمر في ثانى يوم كما ذكرنا. ثم خلعوه في المحرم من سنة سبع عشرة وثلاثمائة وولوا أخاه محمدا القاهر كما تقدم، فلم يتم ذلك سوى يومين، ثم رجع إلى الخلافة كما ذكرنا. وقد كان المقتدر ربعة من الرجال حسن الوجه والعينين، بعيد ما بين المنكبين، حسن الشعر، مدور الوجه، مشربا بحمرة، حسن الخلق، قد شاب رأسه وعارضاه، وقد كان معطاء جوادا، وله عقل جيد، وفهم وافر، وذهن صحيح،
стр. 3706
وقد كان كثير التحجب والتوسع في النفقات، وزاد في رسوم الخلافة وأمور الرئاسة، وما زاد شيء إلا نقص. كان في داره إحدى عشر ألف خادم خصى، غير الصقالبة وأبناء فارس والروم والسودان، وكان له دار يقال لها دار الشجرة، بها من الإناث والأمتعة شيء كثير جدا، كما ذكرنا ذلك في سنة خمس حين قدم رسول ملك الروم. وقد ركب المقتدر يوما في حراقة وجعل يستعجل الطعام فأبطئوا به فقال للملاح: ويحك هل عندك شيء آكل؟ قال: نعم، فأتاه بشيء من لحم الجدي وخبز حسن وملوحا وغير ذلك. فأعجبه ثم استدعاه فقال: هل عندك شيء من الحلواء، فانى لا أحسن بالشبع حتى آكل شيئا من الحلواء. فقال: يا أمير المؤمنين إن حلواءنا التمر والكسب. فقال هذا شيء لا أطيقه. ثم جيء بطعام فأكل منه وأوتى بالحلواءات فأكل وأطعم الملاحين، وأمر أن يعمل كل يوم في الحراقة بمائتي درهم، حتى إذا اتفق ركوبه فيها أكل منها، وإن لم يتفق ركوبه كانت للملاح. وكان الملاح يأخذ ذلك في كل يوم عدة سنين متعددة، ولم يتفق ركوبه مرة أخرى أبدا.
وقد أراد بعض خواصه أن يطهر ولده فعمل أشياء هائلة ثم طلب من أم الخليفة أن يعار القرية التي عملت في طهور المقتدر من فضة ليراها الناس في هذا المهم، فتلطفت أم المقتدر عند ولدها حتى أطلقها له بالكلية، وكانت صفة قرية من القرى كلها من فضة، بيوتها وأعاليقها وأبقارها وجمالها، ودوابها وطيورها، وخيولها، وزروعها وثمارها وأشجارها، وأنهارها وما يتبع ذلك مما يكون في القرى، الجميع من فضة مصور، وأمر بنقل سماطه إلى دار هذا الرجل، وأن لا يكلف شيء من المطاعم سوى سمك طرى، فاشترى الرجل بثلاثمائة دينار سمكا طريا، وكان جملة ما أنفق الرجل على سماط المقتدر ألفا وخمسمائة دينار، والجميع من عند المقتدر، وكان كثير الصدقة والإحسان إلى أهل الحرمين وأرباب الوظائف، وكان كثير التنفل بالصلاة والصوم والعبادة، ولكنه كان موثرا لشهواته، مطيعا لخصاياه كثير العزل والولاية والتلون. وما زال ذلك دأبه حتى كان هلاكه على يدي [غلمان] مؤنس الخادم، فقتل عند باب الشماسية لليلتين بقيتا من شوال من هذه السنة - أعنى سنة ثلاثمائة وعشرين - وله من العمر ثمان وثلاثون سنة، وكانت مدة خلافته أربعا وعشرين سنة وإحدى عشر شهرا وأربعة عشر يوما، كان أكثر مدة ممن تقدمه من الخلفاء.
خلافة القاهر
لما قتل المقتدر بالله عزم مؤنس على تولية أبى العباس بن المقتدر بعد أبيه ليطيب قلب أم المقتدر، فعدل عن ذلك جمهور من حضر من الأمراء فقال أبو يعقوب إسحاق بن إسماعيل النوبختيّ:
بعد التعب والنكد نبايع لخليفة صبي له أم وخالات يطيعهن ويشاورهن؟ ثم أحضروا محمد بن المعتضد - وهو أخو المقتدر - فبايعه القضاة والأمراء والوزراء، ولقبوه بالقاهر بالله، وذلك في سحر
стр. 3707
يوم الخميس لليلتين بقينا من شوال منها، واستوزر أبا على بن مقلة، ثم أبا جعفر محمد بن القاسم بن عبد الله، ثم أبا العباس، ثم الخصيبى. وشرع القاهر في مصادرة أصحاب المقتدر وتتبع أولاده، واستدعى بأم المقتدر وهي مريضة بالاستسقاء، وقد تزايد بها الوجع من شدة جزعها على ولدها حين بلغها قتله، وكيف بقي مكشوف العورة. فبقيت أياما لا تأكل شيئا، ثم وعظها النساء حتى أكلت شيئا يسيرا من الخبز والملح، ومع هذا كله استدعى بها القاهر فقررها على أموالها فذكرت له ما يكون للنساء من الحلي والمصاغ والثياب، ولم تقر بشيء من الأموال والجواهر، وقالت له: لو كان عندي من هذا شيء ما سلمت ولدى. فأمر بضربها وعلقت برجليها ومسها بعذاب شديد من العقوبة، فأشهدت على نفسها ببيع أملاكها، فأخذه الجند مما يحاسبون به من أرزاقهم. وأرادها على بيع أوقافها فامتنعت من ذلك وأبت أشد الإباء. ثم استدعى القاهر بجماعة من أولاد المقتدر منهم أبو العباس وهارون والعباس وعلى والفضل وإبراهيم، فأمر بمصادرتهم وحبسهم، وسلمهم إلى حاجبه على بن بليق، وتمكن الوزير على بن مقلة فعزل وولى، وأخذ وأعطى أياما، ومنع البريدي من عمالتهم.
وفيها توفى من الأعيان.
أحمد بن عمير بن جوصا
أبو الحسن الدمشقيّ أحد المحدثين الحفاظ، والرواة الأيقاظ. وإبراهيم بن محمد بن على بن بطحاء ابن على بن مقلة أبو إسحاق التميمي المحتسب ببغداد، روى عن عباس الدوري وعلى بن حرب وغيرهما، وكان ثقة فاضلا. مر يوما على باب القاضي أبى عمر محمد بن يوسف والخصوم عكوف على بابه والشمس قد ارتفعت عليهم، فبعث حاجبه إليه يقول له: إما أن تخرج فتفصل بين الخصوم، وإما أن تبعث فتعتذر إليهم إن كان لك عذر حتى يعودوا إليك بعد هذا الوقت.
أبو على بن خيران
الفقيه الشافعيّ، أحد أئمة المذهب، واسمه الحسين بن صالح بن خيران الفقيه الكبير الورع.
عرض عليه منصب القضاء فلم يقبل، فختم عليه الوزير على بن عيسى على بابه ستة عشر يوما، حتى لم يجد أهله ماء إلا من بيوت الجيران، وهو مع ذلك يمتنع عليهم، ولم يل لهم شيئا. فقال الوزير:
إنما أردنا أن نعلم الناس أن ببلدنا وفي مملكتنا من عرض عليه قضاء قضاة الدنيا في المشارق والمغارب فلم يقبل. وقد كانت وفاته في ذي الحجة منها، وقد ذكرنا ترجمته في طبقات الشافعية بما فيه كفاية.
عبد الملك بن محمد بن عدي الفقيه الأستراباذيّ، أحد أئمة المسلمين والحفاظ المحدثين وقد ذكرناه أيضا في طبقات الشافعية.
القاضي أبو عمر المالكي محمد بن يوسف
ابن إسماعيل بن حماد بن زيد، أبو عمر القاضي ببغداد ومعاملاتها في سائر البلاد، كان من أئمة
стр. 3708
الإسلام علما ومعرفة، وفصاحة وبلاغة، وعقلا ورياسة، بحيث كان يضرب بعقله المثل. وقد روى الكثير عن المشايخ، وحدث عنه الدار قطنى وغيره من الحفاظ، وحمل الناس عنه علما كثيرا من الفقه والحديث، وقد جمع قضاء القضاة في سنة سبع عشرة وثلاثمائة. وله مصنفات كثيرة. وجمع مسندا حافلا، وكان إذا جلس للحديث جلس أبو القاسم البغوي عن يمينه وهو قريب من سن أبيه، وجلس عن يساره أيضا ابن صاعد، وبين يديه أبو بكر النيسابورىّ، وسائر الحفاظ حول سريره من كل جانب. قالوا: ولم ينتقد عليه حكم من أحكامه أخطأ فيه قط. قلت: وكان من أكبر صواب أحكامه وأصوبها قتله الحسين بن منصور الحلاج في سنة تسع وثلاثمائة كما تقدم. وكان القاضي أبو عمر هذا جميل الأخلاق، حسن المعاشرة، اجتمع عنده يوما أصحابه فجيء بثوب فاخر ليشتريه بنحو من خمسين دينارا، فاستحسنه الحاضرون، فدعا بالقلانسى وأمره أن يقطع ذلك الثوب قلانس بعدد الحاضرين. وله مناقب ومحاسن جمة رحمه الله تعالى. توفى في رمضان منها عن ثمان وسبعين سنة، وقد رآه بعضهم في المنام فقال له: ما فعل بك ربك؟ فقال: غفر لى بدعوة الرجل الصالح إبراهيم الحربي.
ثم دخلت سنة إحدى وعشرين وثلاثمائة
في صفر منها أحضر القاهر رجلا كان يقطع الطريق فضرب بين يديه ألف سوط، ثم ضربت عنقه وقطع أيدي أصحابه وأرجلهم. وفيها أمر القاهر بإبطال الخمر والمغاني والقيان، وأمر ببيع الجواري المغنيات بسوق النخس، على أنهن سواذج. قال ابن الأثير: وإنما فعل ذلك لأنه كان محبا للغناء فأراد أن يشتريهن برخص الأثمان. نعوذ بالله من هذه الأخلاق. وفيها أشاعت العامة بينهم بأن الحاجب على بن بليق يريد أن يلعن معاوية على المنابر. فلما بلغ الحاجب ذلك بعث إلى رئيس الحنابلة البربهاري أبى محمد الواعظ ليقابله على ذلك، فهرب واختفى، فأمر بجماعة من أصحابه فنفوا إلى البصرة. وفيها عظم الخليفة وزيره على بن مقلة وخاطبه بالاحترام والاكرام. ثم إن الوزير ومؤنسا الخادم وعلى بن بليق وجماعة من الأمراء اشتوروا فيما بينهم على خلع القاهر وتولية أبى أحمد المكتفي، وبايعوه سرا فيما بينهم، وضيقوا على القاهر بالله في رزقه، وعلى من يجتمع به. وأرادوا القبض عليه سريعا. فبلغ ذلك القاهر - بلغه طريف اليشكري - فسعى في القبض عليهم، فوقع في مخالبه الأمير المظفر مؤنس الخادم، فأمر بحبسه قبل أن يراه والاحتياط على دوره وأملاكه - وكانت فيه عجلة وجرأة وطيش وهوج وخرق شديد - وجعل في منزلته - أمير الأمراء ورياسة الجيش - طريفا اليشكري، وقد كان أحد الأعداء لمؤنس الخادم قبل ذلك. وقبض على بليق، واختفى ولده على بن بليق، وهرب الوزير بن مقلة فاستوزر مكانه أبا جعفر محمد بن القاسم بن عبيد الله، في مستهل شعبان، وخلع عليه وأمر بتحريق دار ابن مقلة، ووقع النهب ببغداد، وهاجت الفتنة، وأمر
стр. 3709
القاهر بأن يجعل أبو أحمد المكتفي بين حائطين ويسد عليه بالآجر والكلس، وهو حي، فمات.
وأرسل منادى على المختفين: إن من أخفاهم قتل وخربت داره. فوقع بعلي بن بليق فذبح بين يديه كما تذبح الشاة، فأخذ رأسه في طست ودخل به القاهر على أبيه بليق بنفسه، فوضع رأس ابنه بين يديه، فلما رآه بكى وأخذ يقبله ويترشفه، فأمر بذبحه أيضا فذبح، ثم أخذ الرأسين في طستين فدخل بهما على مؤنس الخام، فلما رآهما تشهد ولعن قاتلهما، فقال القاهر: جروا برجل الكلب، فأخذ فذبح أيضا وأخذ رأسه فوضع في طست وطيف بالرءوس في بغداد، ونودي عليهم: هذا جزاء من يخون الامام ويسعى في الدولة فسادا. ثم أعيدت الرءوس إلى خزائن السلاح. وفي ذي القعدة منها قبض القاهر على الوزير أبى جعفر محمد بن القاسم وسجنه، وكان مريضا بالقولنج، فبقي ثمانية عشر يوما ومات وكانت وزارته ثلاثة أشهر واثنى عشر يوما. واستوزر مكانه أبا العباس أحمد بن عبد الله بن سليمان الخصيبى، ثم قبض على طريف اليشكري الّذي تعاون على مؤنس وابن بليق وسجنه، ولهذا قيل:
من أعان ظالما سلطه الله عليه. فلم يزل اليشكري في الحبس حتى خلع القاهر. وفيها جاء الخبر بموت العامل بديار مصر، وأن ابنه محمدا قد قام مقامه فيها، وسارت الخلع إليه من القاهر بتنفيذ الولاية واستقراره.
ذكر ابتداء أمر بنى بويه وظهور دولتهم في هذه السنة
وهم ثلاثة إخوة: عماد الدولة أبو الحسن على، وركن الدولة أبو على الحسن، ومعز الدولة أبو الحسين أحمد أولاد أبى شجاع بويه بن قباخسرو بن تمام بن كوهى بن شيرزيل الأصغر بن شيركيده ابن شيرزيل الأكبر بن شيران شاه بن شيرويه بن سيسان شاه بن سيس بن فيروز بن شيرزيل بن سيسان بن بهرام جور الملك بن يزد جرد الملك بن سابور الملك بن سابورذى الأكتاف الفارسي.
كذا نسبهم الأمير أبو نصر بن ماكولا في كتابه. وإنما قيل لهم الديالمة لأنهم جاوروا الديلم، وكانوا بين أظهرهم مدة، وقد كان أبوهم أبو شجاع بويه فقيرا مدقعا، يصطاد السمك ويحتطب بنوه الحطب على رءوسهم، وقد ماتت امرأته وخلفت له هؤلاء الأولاد الثلاثة، فحزن عليها وعليهم، فبينما هو يوما عند بعض أصحابه وهو شهريار بن رستم الديلميّ، إذ مر منجم فاستدعاه فقال له: إني رأيت مناما غريبا أحب أن تفسره لي: رأيت كأنى أبول فخرج من ذكرى نار عظيمة حتى كادت تبلغ عنان السماء ثم انفرقت ثلاث شعب ثم انتشرت كل شعبة حتى صارت شعبا كثيرة، فأضاءت الدنيا بتلك النار، ورأيت البلاد والعباد قد خضعت لهذه النار. فقال له المنجم: هذا منام عظيم لا أفسره لك إلا بمال جزيل. فقال: والله لا شيء عندي أعطيك، ولا أملك إلا فرسي هذه. فقال: هذا يدل على أنه يملك من صلبك ثلاثة ملوك، ثم يكون من سلالة كل واحد منهم ملوك عدة. فقال له: ويحك أتسخر بي؟ وأمر بنيه فصفعوه ثم أعطاه عشرة دراهم. فقال لهم المنجم: اذكروا هذا إذا قدمت عليكم
стр. 3710
وأنتم ملوك، وخرج وتركهم. وهذا من أعجب الأشياء، وذلك أن هؤلاء الإخوة الثلاثة كانوا عند ملك يقال له «ماكان بن كاني» في بلاد طبرستان، فتسلط عليه مرداويح فضعف ما كان، فتشاوروا في مفارقته حتى يكون من أمره ما يكون، فخرجوا عنه ومعهم جماعة من الأمراء، فصاروا إلى مرادويح فأكرمهم واستعملهم على الأعمال في البلدان، فأعطى عماد الدولة على بويه نيابة الكرخ، فأحسن فيها السيرة والتف عليه الناس وأحبوه، فحسده مرداويح وبعث إليه بعزله عنها، ويستدعيه إليه فامتنع من القدوم عليه، وصار إلى أصبهان فحاربه نائبها فهزمه عماد الدولة هزيمة منكرة، واستولى على أصبهان. وإنما كان معه سبعمائة فارس، فقهر بها عشرة آلاف فارس، وعظم في أعين الناس.
فلما بلغ ذلك مرداويح قلق منه، فأرسل إليه جيشا فأخرجوه من أصبهان، فقصد أذربيجان فأخذها من نائبها وحصل له من الأموال شيء كثير جدا، ثم أخذ بلدانا كثيرة، واشتهر أمره وبعد صيته وحسنت سيرته. فقصده الناس محبة وتعظيما، فاجتمع إليه من الجند خلق كثير وجم غفير، فلم يزل يترقى في مراقى الدنيا حتى آل به وبأخويه الحال إلى أن ملكوا بغداد من أيدي الخلفاء العباسيين، وصار لهم فيها القطع والوصل، والولاية والعزل، وإليهم تجبى الأموال، ويرجع إليهم في سائر الأمور والأحوال، على ما سنذكر ذلك مبسوطا والله المستعان:
وفيها توفى من الأعيان
أحمد بن محمد بن سلامة
ابن سلمة بن عبد الملك أبو جعفر الطحاوي، نسبة إلى قرية بصعيد مصر، الفقيه الحنفي صاحب المصنفات المفيدة، والفوائد الغزيرة: وهو أحد الثقات الأثبات، والحفاظ الجهابذة، وطحا بلدة بدريا مصر. وهو ابن أخت المزني. توفى في مستهل ذي القعدة منها عن ثنتين وثمانين سنة وذكر أبو سعيد السمعاني أنه ولد في سنة تسع وعشرين ومائتين، فعلى هذا يكون قد جاوز التسعين والله أعلم. وذكر ابن خلكان في الوفيات أن سبب انتقاله إلى مذهب أبى حنيفة ورجوعه عن مذهب خاله المزني، أن خاله قال له يوما: والله لا يجيء منك شيء. فغضب وتركه واشتغل على أبى جعفر بن أبى عمران الحنفي، حتى يرع وفاق أهل زمانه، وصنف كتبا كثيرة. منها أحكام القرآن، واختلاف العلماء. ومعاني الآثار، والتاريخ الكبير. وله في الشروط كتاب، وكان بارعا فيها. وقد كتب للقاضي أبى عبد الله محمد بن عبد الله وعدله القاضي أبو عبيد بن حربويه، وكان يقول: رحم الله المزني، لو كان حيا لكفر عن يمينه. توفى في مستهل ذي القعدة كما تقدم. ودفن بالقرافة وقبره مشهور بها ﵀. وقد ترجمه ابن عساكر وذكر أنه قد قدم دمشق سنة ثمان وستين ومائتين، وأخذ الفقه عن قاضيها أبى حازم.
أحمد بن محمد بن موسى بن النضر
ابن حكيم بن على بن زربى أبو بكر المعروف بابن أبى حامد صاحب بيت المال. سمع عباسا الدوري
стр. 3711
وخلقا، وعنه الدار قطنى وغيره. وكان ثقة صدوقا، جوادا ممدحا، اتفق في أيامه أن رجلا من أهل العلم كانت له جارية يحبها حبا شديدا، فركبته ديون اقتضت بيع تلك الجارية في الدين، فلما أن قبض ثمنها ندم ندامة شديدة على فراقها، وبقي متحيرا في أمره، ثم باعها الّذي اشتراها فوصلت إلى ابن أبى حامد هذا، وهو صاحب بيت المال، فتشفع صاحبها الأول - الّذي باعها في الدين - ببعض أصحاب ابن أبى حامد في أن يردها إليه بثمنها، وذكر له أنه يحبها، وأنه من أهل العلم، وإنما باعها في دين ركبه لم يجد له وفاء. فلما قال له ذلك لم يكن عند ابن أبى حامد شعور بما ذكر له من أمر الجارية، وذلك أن امرأته كانت اشترتها له ولم تعلمه بعد بأمرها حتى تحل من استبرائها، وكان ذلك اليوم آخر الاستبراء، فألبستها الحلي والمصاغ وصنعتها له وهيأتها، حتى صارت كأنها فلقة قمر، وكانت حسناء، فحين شفع صاحبه فيها وذكر أمرها بهت لعدم علمه بها. ثم دخل على أهله يستكشف خبرها من امرأته، فإذا بها قد هيئت له، فلما رآها على تلك الصفة فرح فرحا شديدا إذ وجدها كذلك من أجل سيدها الأول، الّذي تشفع فيه صاحبه. فأخرجها معه وهو يظهر السرور، وامرأته تظن أنه إنما أخذها ليطأها، فأتى بها إلى ذلك الرجل بحليها وزينتها، فقال له: هذه جاريتك؟ فلما رآها على تلك الصفة في ذلك الحلي والزينة مع الحسن الباهر اضطرب كلامه واختلط في عقله مما رأى من حسن منظرها وهيئتها. فقال: نعم. فقال: خذها بارك الله لك فيها. ففرح الفتى بها فرحا شديدا. وقال سيدي تأمر بمن يحمل ثمنها إليك؟ فقال: لا حاجة لنا بثمنها، وأنت في حل منه أنفقه عليك وعليها، فانى أخشى أن تفتقر فتبيعها لمن لا يردها عليك. فقال: يا سيدي وهذا الحلي والمصاغ الّذي عليها؟ فقال: هذا شيء وهبناه لها لا نرجع فيه ولا يعود إلينا أبدا، فدعا له واشتد فرحه بها جدا وأخذها وذهب. فلما أراد أن يودع ابن أبى حامد قال ابن أبى حامد للجارية:
أيما أحب إليك نحن أو سيدك هذا؟ فقالت: أما أنتم فقد أحسنتم إلى وأعنتمونى فجزاكم الله خيرا، وأما سيدي هذا فلو أني ملكت منه ما ملك منى لم أبعه بالأموال الجزيلة ولا فرطت فيه أبدا. فاستحسن الحاضرون كلامها وأعجبهم ذلك من قولها، مع صغر سنها.
شغب أم أمير المؤمنين المقتدر بالله الملقبة بالسيدة
كان دخلها من أملاكها في كل سنة ألف ألف دينار، فكانت تتصدق بأكثر ذلك على الحجيج في أشربة وأزواد وأطباء يكونون معهم، وفي تسهيل الطرقات والموارد. وكانت في غاية الحشمة والرئاسة ونفوذ الكلمة أيام ولدها، فلما قتل كانت مريضة فزادها قتله مرضا إلى مرضها، ولما استقر أمر القاهر في الخلافة وهو ابن زوجها المعتضد وأخو ابنها المقتدر، وقد كانت حضنته حين توفيت أمه وخلصته من ابنها لما أخذت البيعة بالخلافة له ثم رجع ابنها إلى الخلافة، فشفعت في القاهر وأخذته إلى عندها،
стр. 3712
فكانت تكرمه وتشترى له الجواري، فلما قتل ابنها وتولى مكانه طلبها وهي مريضة فعاقبها عقوبة عظيمة جدا، حتى كان يعلقها برجليها ورأسها منكوس، فربما بالت فيسيل البول على وجهها، ليقررها على الأموال فلم يجد لها شيئا سوى ثيابها ومصاغها وحليها في صناديقها. قيمة ذلك مائة ألف دينار، وثلاثون ألف دينار، وكان لها غير ذلك أملاك أمر ببيعها وأتى بالشهود ليشهدوا عليها بالتوكيل في بيعها، فامتنع الشهود من الشهادة حتى ينظروا إليها ويحلوها، فرفع الستر بإذن الخليفة.
فقالوا لها: أنت شغب جارية المعتضد أم جعفر المقتدر؟ فبكت بكاء طويلا ثم قالت: نعم، فكتبوا حليتها عجوز سمراء اللون دقيقة الجبين. وبكى الشهود وتفكروا كيف يتقلب الزمان بأهله، وتنقل الحدثان وأن الدنيا دار بلاء لا يفي مرجوها بمخوفها، ولا يسلم طلوعها من كسوفها، من ركن إليها أحرقته بنارها. ولم يذكر القاهر شيئا من إحسانها إليه رحمها الله وعفا عنها. توفيت في جمادى الأولى من هذه السنة، ودفنت بالرصافة.
عبد السلام بن محمد
ابن عبد الوهاب بن سلام بن خالد بن حمران بن أبان، مولى عثمان بن عفان، وهو أبو هاشم ابن أبى على الجبائي المتكلم ابن المتكلم، المعتزلي بن المعتزلي، وإليه تنسب الطائفة الهاشمية من المعتزلة، وله مصنفات في الاعتزال كما لأبيه من قبله، مولده سنة سبع وأربعين ومائتين، توفى في شعبان منها. قال ابن خلكان: وكان له ابن يقال له أبو على، دخل يوما على الصاحب بن عباد فأكرمه واحترمه وسأله عن شيء من المسائل فقال: لا أعرف نصف العلم. فقال: صدقت وسبقك أبوك إلى الجهل بالنصف الآخر.
أحمد بن الحسن بن دريد بن عتاهية
أبو بكر بن دريد الأزدي اللغوي النحويّ الشاعر صاحب المقصورة، ولد بالبصرة في سنة ثلاث وعشرين ومائتين، وتنقل في البلاد لطلب العلم والأدب، وكان أبوه من ذوى اليسار، وقدم بغداد وقد أسن فأقام بها إلى أن توفى في هذه السنة. روى عن عبد الرحمن بن أخى الأصمعي، وأبى حاتم والرياشي. وعنه أبو سعيد السيرافي، وأبو بكر بن شاذان، وأبو عبيد الله بن المرزبان وغيرهم. ويقال كان أعلم من شعر من العلماء. وقد كان متهتكا في الشراب منهمكا فيه. قال أبو منصور الأزهري:
دخلت عليه فوجدته سكران فلم أعد إليه. وسئل عنه الدار قطنى فقال: تكلموا فيه. وقال ابن شاهين: كنا ندخل عليه فنستحى مما نراه من العيدان المعلقة وآلات اللهو والشراب المصفى وقد جاوز التسعين وقارب المائة. توفى يوم الأربعاء لثنتى عشرة بقيت من شعبان. وفي هذا اليوم توفى أبو هاشم ابن أبى على الجبائي المعتزلي، فصلى عليهما معا، ودفنا في مقبرة الخيزران. فقال الناس: مات
стр. 3713
اليوم عالم اللغة، وعالم الكلام. وكان ذلك يوما مطيرا. ومن مصنفات ابن دريد الجمهرة في اللغة نحو عشر مجلدات. وكتاب المطر، والمقصورة، والقصيدة الأخرى في المقصور والممدود، وغير ذلك.
سامحه الله.
ثم دخلت سنة ثنتين وعشرين وثلاثمائة
فيها قصد ملك الروم ملطية في خمسين ألفا فحاصرهم ثم أعطاهم الأمان حتى تمكن منهم، فقتل منهم خلقا كثيرا وأسر ما لا يحصون كثرة، ف ﴿إِنّا لِلّهِ وَإِنّا إِلَيْهِ راجِعُونَ﴾. وفيها وردت الأخبار أن مرداويج قد تسلم أصبهان وانتزعها من على بن بويه، وأن على بن بويه توجه إلى أرّجان فأخذها، وقد أرسل ابن بويه إلى الخليفة بالطاعة والمعونة، وإن أمكن أن يقبل العتبة الشريفة ويحضر بين يدي الخليفة إن رسم، ويذهب إلى شيراز فيكون مع ابن ياقوت. ثم اتفق الحال بعد ذلك أن صار إلى شيراز وأخذها من نائبها ابن ياقوت بعد قتال عظيم، ظفر فيه ابن بويه بابن ياقوت وأصحابه، فقتل منهم خلقا وأسر جماعة، فلما تمكن أطلقهم وأحسن إليهم وخلع عليهم، وعدل في الناس. وكانت معه أموال كثيرة قد استفادها من أصبهان والكرخ وهمذان وغيرها. وكان كريما جوادا معطيا للجيوش الذين قد التفوا عليه، ثم إنه أملق في بعض الأحيان وهو بشيراز، وطالبه الجند بأرزاقهم وخاف أن ينحل نظام أمره وملكه، فاستلقى على قفاه يوما مفكرا في أمره، وإذا حية قد خرجت من شق في سقف المكان الّذي هو فيه ودخلت في آخر، فأمر بنزع تلك السقوف فوجد هناك مكانا فيه شيء كثير من الذهب، نحو من خمسمائة ألف دينار. فأنفق في جيشه ما أراد، وبقي عنده شيء كثير. وركب ذات يوم يتفرج في جوانب البلد وينظر إلى ما بنته الأوائل، ويتعظ بمن كان فيه قبله، فانخسفت الأرض من تحت قوائم فرسه، فأمر فحفر هنالك فوجد من الأموال شيئا كثيرا أيضا.
واستعمل عند رجل خياط قماشا ليلبسه فاستبطأه فأمر بإحضاره، فلما وقف بين يديه تهدده - وكان الخياط أصم لا يسمع جيدا فقال: والله أيها الملك ما لابن ياقوت عندي سوى اثنا عشر صندوقا لا أدرى ما فيها. فأمر بإحضارها فإذا فيها أموال عظيمة تقارب ثلاثمائة ألف دينار، واطلع على ودائع كانت ليعقوب بن الليث، فيها من الأموال ما لا يحد ولا يوصف كثرة، فقوى أمره وعظم سلطانه جدا. وهذا كله من الأمور المقدرة لما يريد الله بهم من السعادة الدنيوية، بعد الجوع والقلة ﴿وَرَبُّكَ يَخْلُقُ ما يَشاءُ وَيَخْتارُ﴾ وكتب إلى الراضي وزيره ابن مقلة أن يقاطع على ما قبله من البلاد على ألف ألف في كل سنة، فأجابه الراضي إلى ذلك، وبعث إليه بالخلع واللواء وأبهة الملك. وفيها قتل القاهر أميرين كبيرين، وهما إسحاق بن إسماعيل النوبختيّ، وهو الّذي كان قد أشار على الأمراء بخلافة القاهر. وأبا السرايا بن حمدان أصغر ولد أبيه، وكان في نفس القاهر منهما بسبب أنهما زايداه من قبل أن يلي الخلافة في جاريتين مغنيتين. فاستدعاهما إلى المسامرة فتطيبا وحضرا، فأمر بإلقائهما في
стр. 3714
جب هنالك فتضرعا إليه فلم يرحمهما، بل ألقيا فيها وطم عليهما.
ذكر خلع القاهر وسمل عينيه وعذابه
وكان سبب ذلك أن الوزير على بن مقلة كان قد هرب حين قبض على مؤنس كما تقدم، فاختفى في داره، وكان يراسل الجند ويكاتبهم ويغريهم بالقاهر، ويخوفهم سطوته وإقدامه وسرعة بطشه، ويخبرهم بأن القاهر قد أعد لأكابر الأمراء أماكن في دار الخلافة يسجنهم فيها، ومهالك يلقيهم فيها، كما فعل بفلان وفلان. فهيجهم ذلك على القبض على القاهر، فاجتمعوا وأجمعوا رأيهم على مناجزته في هذه الساعة، فركبوا مع الأمير المعروف بسيما، وقصدوا دار الخلافة فأحاطوا بها، ثم هجموا عليه من سائر أبوابها وهو مخمور، فاختفى في سطح حمام فظهروا عليه فقبضوا عليه وحبسوه في مكان طريف اليشكري، وأخرجوا طريفا من السجن، وخرج الوزير الخصيبى مستترا في زي امرأة، فذهب.
واضطربت بغداد ونهبت، وذلك يوم السبت لثلاث خلون من جمادى الأولى فيها، في الشهر الّذي ماتت فيه شغب. فلم يكن بين موتها والقبض عليه وسمل عينيه وعذابه بأنواع العقوبات إلا مقدار سنة واحدة، وانتقم الله منه. ثم أمروا بإحضاره، فلما حضر سملوا عينيه حتى سالتا على خديه، وارتكب منه أمر عظيم لم يسمع مثله في الإسلام، ثم أرسلوه. وكان تارة يحبس وتارة يخلى سبيله.
وقد تأخر موته إلى سنة ثلاث وثلاثين وثلاثمائة. وافتقر حتى قام يوما بجامع المنصور فسأل الناس فأعطاه رجل خمسمائة دينار. ويقال إنما أراد بسؤاله التشنيع عليهم. وسنذكر ترجمته إذا ذكرنا وفاته
خلافة الراضي بالله أبى العباس محمد بن المقتدر بالله
لما خلعت الجند القاهر وسملوا عينيه أحضروا أبا العباس محمد بن المقتدر بالله فبايعوه بالخلافة ولقبوه الراضي بالله. وقد أشار أبو بكر الصولي بأن يلقب بالمرضى بالله فلم يقبلوا. وذلك يوم الأربعاء لست خلون من جمادى الأولى منها. وجاءوا بالقاهر وهو أعمى قد سملت عيناه فأوقف بين يديه فسلم عليه بالخلافة وسلمها إليه، فقام الراضي باعبائها، وكان من خيار الخلفاء على ما سنذكره. وأمر بإحضار أبى على بن مقلة فولاه الوزارة، وجعل على بن عيسى ناظرا معه، وأطلق كل من كان في حبس القاهر، واستدعى عيسى طبيب القاهر فصادره بمائتي ألف دينار، وتسلم منه الوديعة التي كان القاهر أودعه إياها، وكانت جملة مستكثرة من الذهب والفضة والجواهر النفيسة. وفيها عظم أمر مرداويج بأصبهان وتحدث الناس أنه يريد أخذ بغداد، وأنه ممالئ لصاحب البحرين أمير القرامطة، وقد اتفقا على رد الدولة من العرب إلى العجم، وأساء السيرة في رعيته، لا سيما في خواصه. فتمالئوا عليه فقتلوه، وكان القائم بأعباء قتله أخص مماليكه وهو يحكم بيض الله وجهه، ويحكم هذا هو الّذي استنقذ الحجر الأسود من أيدي القرامطة حتى ردوه، اشتراه منهم بخمسين ألف دينار. ولما قتل الأمير يحكم مرداويج
стр. 3715
عظم أمر على بن بويه، وارتفع قدره بين الناس، وسيأتي ما آل إليه حاله. ولما خلع القاهر، وولى الراضي، طمع هارون بن عريب في الخلافة، لكونه ابن خال المقتدر، وكان نائبا على ماه والكوفة والدينور وماسبذان، فدعا إلى نفسه واتبعه خلق كثير من الجند والأمراء، وجبى الأموال واستفحل أمره، وقويت شوكته، وقصد بغداد فخرج إليه محمد بن ياقوت رأس الحجبة بجميع جند بغداد، فاقتتلوا فخرج في بعض الأيام هارون بن عريب يتقصد لعله يعمل حيلة في أسر محمد بن ياقوت فتقنطر به فرسه فألقاه في نهر، فضربه غلامه حتى قتله وأخذ رأسه حتى جاء به إلى محمد بن ياقوت، وانهزم أصحابه ورجع ابن ياقوت فدخل بغداد ورأس هارون بن عريب يحمل على رمح ففرح الناس بذلك، وكان يوما مشهودا.
وفيها ظهر ببغداد رجل يعرف بأبي جعفر محمد بن على الشلمغاني، ويقال له ابن العرافة، فذكروا عنه أنه يدعى ما كان يدعيه الحلاج من الآلهية، وكانوا قد قبضوا عليه في دولة المقتدر عند حامد بن العباس، واتهم بأنه يقول بالتناسخ فأنكر ذلك. ولما كانت هذه المرة أحضره الراضي وادعى عليه بما كان ذكر عنه فأنكر ثم أقر بأشياء، فأفتى قوم أن دمه حلال إلا أن يتوب من هذه المقالة، فأبى أن يتوب، فضرب ثمانين سوطا، ثم ضربت عنقه وألحق بالحلاج، وقتل معه صاحبه ابن أبى عون لعنه الله. وكان هذا اللعين من جملة من اتبعه وصدقه فيما يزعمه من الكفر. وقد بسط ابن الأثير في كامله مذهب هؤلاء الكفرة بسطا جيدا، وشبه مذهبهم بمذهب النصيرية. وادعى رجل آخر ببلاد الشاش النبوة وأظهر المخاريق وأشياء كثيرة من الحيل، فجاءته الجيوش فقاتلوه، وانطفأ أمره.
وفاة المهدي صاحب إفريقية
وفيها كان موت المهدي صاحب إفريقية أول خلفاء الفاطميين الأدعياء الكذبة، وهو أبو محمد عبيد الله المدعى أنه علوي، وتلقب بالمهديّ، وبنى المهدية ومات بها عن ثلاث وستين سنة، وكانت ولايته - منذ دخل رفادة وادعى الإمامة - أربعا وعشرين سنة وشهرا وعشرين يوما. وقد كان شهما شجاعا، ظفر بجماعة ممن خالفه وناوأه وقاتله وعاداه فلما مات قام بأمر الخلافة من بعده ولده أبو القاسم الملقب بالخليفة القائم بأمر الله. وحين توفى أبوه كتم موته سنة حتى دبر ما أراده من الأمور، ثم أظهر ذلك وعزاه الناس فيه. وقد كان كأبيه شهما شجاعا: فتح البلاد وأرسل السرايا إلى بلاد الروم، ورام أخذ الديار المصرية فلم يتفق له ذلك، وإنما أخذ الديار المصرية ابن ابنه المعز الفاطمي باني القاهرة المعزية كما سنذكره إن شاء الله.
قال ابن خلكان في الوفيات: وقد اختلف في نسب المهدي هذا اختلافا كثيرا جدا، فقال صاحب تاريخ القيروان: وهو عبيد الله بن الحسن بن محمد بن على بن موسى بن جعفر بن محمد بن على