وخلقا، وعنه الدار قطنى وغيره. وكان ثقة صدوقا، جوادا ممدحا، اتفق في أيامه أن رجلا من أهل العلم كانت له جارية يحبها حبا شديدا، فركبته ديون اقتضت بيع تلك الجارية في الدين، فلما أن قبض ثمنها ندم ندامة شديدة على فراقها، وبقي متحيرا في أمره، ثم باعها الّذي اشتراها فوصلت إلى ابن أبى حامد هذا، وهو صاحب بيت المال، فتشفع صاحبها الأول - الّذي باعها في الدين - ببعض أصحاب ابن أبى حامد في أن يردها إليه بثمنها، وذكر له أنه يحبها، وأنه من أهل العلم، وإنما باعها في دين ركبه لم يجد له وفاء. فلما قال له ذلك لم يكن عند ابن أبى حامد شعور بما ذكر له من أمر الجارية، وذلك أن امرأته كانت اشترتها له ولم تعلمه بعد بأمرها حتى تحل من استبرائها، وكان ذلك اليوم آخر الاستبراء، فألبستها الحلي والمصاغ وصنعتها له وهيأتها، حتى صارت كأنها فلقة قمر، وكانت حسناء، فحين شفع صاحبه فيها وذكر أمرها بهت لعدم علمه بها. ثم دخل على أهله يستكشف خبرها من امرأته، فإذا بها قد هيئت له، فلما رآها على تلك الصفة فرح فرحا شديدا إذ وجدها كذلك من أجل سيدها الأول، الّذي تشفع فيه صاحبه. فأخرجها معه وهو يظهر السرور، وامرأته تظن أنه إنما أخذها ليطأها، فأتى بها إلى ذلك الرجل بحليها وزينتها، فقال له: هذه جاريتك؟ فلما رآها على تلك الصفة في ذلك الحلي والزينة مع الحسن الباهر اضطرب كلامه واختلط في عقله مما رأى من حسن منظرها وهيئتها. فقال: نعم. فقال: خذها بارك الله لك فيها. ففرح الفتى بها فرحا شديدا. وقال سيدي تأمر بمن يحمل ثمنها إليك؟ فقال: لا حاجة لنا بثمنها، وأنت في حل منه أنفقه عليك وعليها، فانى أخشى أن تفتقر فتبيعها لمن لا يردها عليك. فقال: يا سيدي وهذا الحلي والمصاغ الّذي عليها؟ فقال: هذا شيء وهبناه لها لا نرجع فيه ولا يعود إلينا أبدا، فدعا له واشتد فرحه بها جدا وأخذها وذهب. فلما أراد أن يودع ابن أبى حامد قال ابن أبى حامد للجارية:
أيما أحب إليك نحن أو سيدك هذا؟ فقالت: أما أنتم فقد أحسنتم إلى وأعنتمونى فجزاكم الله خيرا، وأما سيدي هذا فلو أني ملكت منه ما ملك منى لم أبعه بالأموال الجزيلة ولا فرطت فيه أبدا. فاستحسن الحاضرون كلامها وأعجبهم ذلك من قولها، مع صغر سنها.
شغب أم أمير المؤمنين المقتدر بالله الملقبة بالسيدة
كان دخلها من أملاكها في كل سنة ألف ألف دينار، فكانت تتصدق بأكثر ذلك على الحجيج في أشربة وأزواد وأطباء يكونون معهم، وفي تسهيل الطرقات والموارد. وكانت في غاية الحشمة والرئاسة ونفوذ الكلمة أيام ولدها، فلما قتل كانت مريضة فزادها قتله مرضا إلى مرضها، ولما استقر أمر القاهر في الخلافة وهو ابن زوجها المعتضد وأخو ابنها المقتدر، وقد كانت حضنته حين توفيت أمه وخلصته من ابنها لما أخذت البيعة بالخلافة له ثم رجع ابنها إلى الخلافة، فشفعت في القاهر وأخذته إلى عندها،
стр. 3712
فكانت تكرمه وتشترى له الجواري، فلما قتل ابنها وتولى مكانه طلبها وهي مريضة فعاقبها عقوبة عظيمة جدا، حتى كان يعلقها برجليها ورأسها منكوس، فربما بالت فيسيل البول على وجهها، ليقررها على الأموال فلم يجد لها شيئا سوى ثيابها ومصاغها وحليها في صناديقها. قيمة ذلك مائة ألف دينار، وثلاثون ألف دينار، وكان لها غير ذلك أملاك أمر ببيعها وأتى بالشهود ليشهدوا عليها بالتوكيل في بيعها، فامتنع الشهود من الشهادة حتى ينظروا إليها ويحلوها، فرفع الستر بإذن الخليفة.
فقالوا لها: أنت شغب جارية المعتضد أم جعفر المقتدر؟ فبكت بكاء طويلا ثم قالت: نعم، فكتبوا حليتها عجوز سمراء اللون دقيقة الجبين. وبكى الشهود وتفكروا كيف يتقلب الزمان بأهله، وتنقل الحدثان وأن الدنيا دار بلاء لا يفي مرجوها بمخوفها، ولا يسلم طلوعها من كسوفها، من ركن إليها أحرقته بنارها. ولم يذكر القاهر شيئا من إحسانها إليه رحمها الله وعفا عنها. توفيت في جمادى الأولى من هذه السنة، ودفنت بالرصافة.
عبد السلام بن محمد
ابن عبد الوهاب بن سلام بن خالد بن حمران بن أبان، مولى عثمان بن عفان، وهو أبو هاشم ابن أبى على الجبائي المتكلم ابن المتكلم، المعتزلي بن المعتزلي، وإليه تنسب الطائفة الهاشمية من المعتزلة، وله مصنفات في الاعتزال كما لأبيه من قبله، مولده سنة سبع وأربعين ومائتين، توفى في شعبان منها. قال ابن خلكان: وكان له ابن يقال له أبو على، دخل يوما على الصاحب بن عباد فأكرمه واحترمه وسأله عن شيء من المسائل فقال: لا أعرف نصف العلم. فقال: صدقت وسبقك أبوك إلى الجهل بالنصف الآخر.
أحمد بن الحسن بن دريد بن عتاهية
أبو بكر بن دريد الأزدي اللغوي النحويّ الشاعر صاحب المقصورة، ولد بالبصرة في سنة ثلاث وعشرين ومائتين، وتنقل في البلاد لطلب العلم والأدب، وكان أبوه من ذوى اليسار، وقدم بغداد وقد أسن فأقام بها إلى أن توفى في هذه السنة. روى عن عبد الرحمن بن أخى الأصمعي، وأبى حاتم والرياشي. وعنه أبو سعيد السيرافي، وأبو بكر بن شاذان، وأبو عبيد الله بن المرزبان وغيرهم. ويقال كان أعلم من شعر من العلماء. وقد كان متهتكا في الشراب منهمكا فيه. قال أبو منصور الأزهري:
دخلت عليه فوجدته سكران فلم أعد إليه. وسئل عنه الدار قطنى فقال: تكلموا فيه. وقال ابن شاهين: كنا ندخل عليه فنستحى مما نراه من العيدان المعلقة وآلات اللهو والشراب المصفى وقد جاوز التسعين وقارب المائة. توفى يوم الأربعاء لثنتى عشرة بقيت من شعبان. وفي هذا اليوم توفى أبو هاشم ابن أبى على الجبائي المعتزلي، فصلى عليهما معا، ودفنا في مقبرة الخيزران. فقال الناس: مات
стр. 3713
اليوم عالم اللغة، وعالم الكلام. وكان ذلك يوما مطيرا. ومن مصنفات ابن دريد الجمهرة في اللغة نحو عشر مجلدات. وكتاب المطر، والمقصورة، والقصيدة الأخرى في المقصور والممدود، وغير ذلك.
سامحه الله.
ثم دخلت سنة ثنتين وعشرين وثلاثمائة
فيها قصد ملك الروم ملطية في خمسين ألفا فحاصرهم ثم أعطاهم الأمان حتى تمكن منهم، فقتل منهم خلقا كثيرا وأسر ما لا يحصون كثرة، ف ﴿إِنّا لِلّهِ وَإِنّا إِلَيْهِ راجِعُونَ﴾. وفيها وردت الأخبار أن مرداويج قد تسلم أصبهان وانتزعها من على بن بويه، وأن على بن بويه توجه إلى أرّجان فأخذها، وقد أرسل ابن بويه إلى الخليفة بالطاعة والمعونة، وإن أمكن أن يقبل العتبة الشريفة ويحضر بين يدي الخليفة إن رسم، ويذهب إلى شيراز فيكون مع ابن ياقوت. ثم اتفق الحال بعد ذلك أن صار إلى شيراز وأخذها من نائبها ابن ياقوت بعد قتال عظيم، ظفر فيه ابن بويه بابن ياقوت وأصحابه، فقتل منهم خلقا وأسر جماعة، فلما تمكن أطلقهم وأحسن إليهم وخلع عليهم، وعدل في الناس. وكانت معه أموال كثيرة قد استفادها من أصبهان والكرخ وهمذان وغيرها. وكان كريما جوادا معطيا للجيوش الذين قد التفوا عليه، ثم إنه أملق في بعض الأحيان وهو بشيراز، وطالبه الجند بأرزاقهم وخاف أن ينحل نظام أمره وملكه، فاستلقى على قفاه يوما مفكرا في أمره، وإذا حية قد خرجت من شق في سقف المكان الّذي هو فيه ودخلت في آخر، فأمر بنزع تلك السقوف فوجد هناك مكانا فيه شيء كثير من الذهب، نحو من خمسمائة ألف دينار. فأنفق في جيشه ما أراد، وبقي عنده شيء كثير. وركب ذات يوم يتفرج في جوانب البلد وينظر إلى ما بنته الأوائل، ويتعظ بمن كان فيه قبله، فانخسفت الأرض من تحت قوائم فرسه، فأمر فحفر هنالك فوجد من الأموال شيئا كثيرا أيضا.
واستعمل عند رجل خياط قماشا ليلبسه فاستبطأه فأمر بإحضاره، فلما وقف بين يديه تهدده - وكان الخياط أصم لا يسمع جيدا فقال: والله أيها الملك ما لابن ياقوت عندي سوى اثنا عشر صندوقا لا أدرى ما فيها. فأمر بإحضارها فإذا فيها أموال عظيمة تقارب ثلاثمائة ألف دينار، واطلع على ودائع كانت ليعقوب بن الليث، فيها من الأموال ما لا يحد ولا يوصف كثرة، فقوى أمره وعظم سلطانه جدا. وهذا كله من الأمور المقدرة لما يريد الله بهم من السعادة الدنيوية، بعد الجوع والقلة ﴿وَرَبُّكَ يَخْلُقُ ما يَشاءُ وَيَخْتارُ﴾ وكتب إلى الراضي وزيره ابن مقلة أن يقاطع على ما قبله من البلاد على ألف ألف في كل سنة، فأجابه الراضي إلى ذلك، وبعث إليه بالخلع واللواء وأبهة الملك. وفيها قتل القاهر أميرين كبيرين، وهما إسحاق بن إسماعيل النوبختيّ، وهو الّذي كان قد أشار على الأمراء بخلافة القاهر. وأبا السرايا بن حمدان أصغر ولد أبيه، وكان في نفس القاهر منهما بسبب أنهما زايداه من قبل أن يلي الخلافة في جاريتين مغنيتين. فاستدعاهما إلى المسامرة فتطيبا وحضرا، فأمر بإلقائهما في
стр. 3714
جب هنالك فتضرعا إليه فلم يرحمهما، بل ألقيا فيها وطم عليهما.
ذكر خلع القاهر وسمل عينيه وعذابه
وكان سبب ذلك أن الوزير على بن مقلة كان قد هرب حين قبض على مؤنس كما تقدم، فاختفى في داره، وكان يراسل الجند ويكاتبهم ويغريهم بالقاهر، ويخوفهم سطوته وإقدامه وسرعة بطشه، ويخبرهم بأن القاهر قد أعد لأكابر الأمراء أماكن في دار الخلافة يسجنهم فيها، ومهالك يلقيهم فيها، كما فعل بفلان وفلان. فهيجهم ذلك على القبض على القاهر، فاجتمعوا وأجمعوا رأيهم على مناجزته في هذه الساعة، فركبوا مع الأمير المعروف بسيما، وقصدوا دار الخلافة فأحاطوا بها، ثم هجموا عليه من سائر أبوابها وهو مخمور، فاختفى في سطح حمام فظهروا عليه فقبضوا عليه وحبسوه في مكان طريف اليشكري، وأخرجوا طريفا من السجن، وخرج الوزير الخصيبى مستترا في زي امرأة، فذهب.
واضطربت بغداد ونهبت، وذلك يوم السبت لثلاث خلون من جمادى الأولى فيها، في الشهر الّذي ماتت فيه شغب. فلم يكن بين موتها والقبض عليه وسمل عينيه وعذابه بأنواع العقوبات إلا مقدار سنة واحدة، وانتقم الله منه. ثم أمروا بإحضاره، فلما حضر سملوا عينيه حتى سالتا على خديه، وارتكب منه أمر عظيم لم يسمع مثله في الإسلام، ثم أرسلوه. وكان تارة يحبس وتارة يخلى سبيله.
وقد تأخر موته إلى سنة ثلاث وثلاثين وثلاثمائة. وافتقر حتى قام يوما بجامع المنصور فسأل الناس فأعطاه رجل خمسمائة دينار. ويقال إنما أراد بسؤاله التشنيع عليهم. وسنذكر ترجمته إذا ذكرنا وفاته
خلافة الراضي بالله أبى العباس محمد بن المقتدر بالله
لما خلعت الجند القاهر وسملوا عينيه أحضروا أبا العباس محمد بن المقتدر بالله فبايعوه بالخلافة ولقبوه الراضي بالله. وقد أشار أبو بكر الصولي بأن يلقب بالمرضى بالله فلم يقبلوا. وذلك يوم الأربعاء لست خلون من جمادى الأولى منها. وجاءوا بالقاهر وهو أعمى قد سملت عيناه فأوقف بين يديه فسلم عليه بالخلافة وسلمها إليه، فقام الراضي باعبائها، وكان من خيار الخلفاء على ما سنذكره. وأمر بإحضار أبى على بن مقلة فولاه الوزارة، وجعل على بن عيسى ناظرا معه، وأطلق كل من كان في حبس القاهر، واستدعى عيسى طبيب القاهر فصادره بمائتي ألف دينار، وتسلم منه الوديعة التي كان القاهر أودعه إياها، وكانت جملة مستكثرة من الذهب والفضة والجواهر النفيسة. وفيها عظم أمر مرداويج بأصبهان وتحدث الناس أنه يريد أخذ بغداد، وأنه ممالئ لصاحب البحرين أمير القرامطة، وقد اتفقا على رد الدولة من العرب إلى العجم، وأساء السيرة في رعيته، لا سيما في خواصه. فتمالئوا عليه فقتلوه، وكان القائم بأعباء قتله أخص مماليكه وهو يحكم بيض الله وجهه، ويحكم هذا هو الّذي استنقذ الحجر الأسود من أيدي القرامطة حتى ردوه، اشتراه منهم بخمسين ألف دينار. ولما قتل الأمير يحكم مرداويج
стр. 3715
عظم أمر على بن بويه، وارتفع قدره بين الناس، وسيأتي ما آل إليه حاله. ولما خلع القاهر، وولى الراضي، طمع هارون بن عريب في الخلافة، لكونه ابن خال المقتدر، وكان نائبا على ماه والكوفة والدينور وماسبذان، فدعا إلى نفسه واتبعه خلق كثير من الجند والأمراء، وجبى الأموال واستفحل أمره، وقويت شوكته، وقصد بغداد فخرج إليه محمد بن ياقوت رأس الحجبة بجميع جند بغداد، فاقتتلوا فخرج في بعض الأيام هارون بن عريب يتقصد لعله يعمل حيلة في أسر محمد بن ياقوت فتقنطر به فرسه فألقاه في نهر، فضربه غلامه حتى قتله وأخذ رأسه حتى جاء به إلى محمد بن ياقوت، وانهزم أصحابه ورجع ابن ياقوت فدخل بغداد ورأس هارون بن عريب يحمل على رمح ففرح الناس بذلك، وكان يوما مشهودا.
وفيها ظهر ببغداد رجل يعرف بأبي جعفر محمد بن على الشلمغاني، ويقال له ابن العرافة، فذكروا عنه أنه يدعى ما كان يدعيه الحلاج من الآلهية، وكانوا قد قبضوا عليه في دولة المقتدر عند حامد بن العباس، واتهم بأنه يقول بالتناسخ فأنكر ذلك. ولما كانت هذه المرة أحضره الراضي وادعى عليه بما كان ذكر عنه فأنكر ثم أقر بأشياء، فأفتى قوم أن دمه حلال إلا أن يتوب من هذه المقالة، فأبى أن يتوب، فضرب ثمانين سوطا، ثم ضربت عنقه وألحق بالحلاج، وقتل معه صاحبه ابن أبى عون لعنه الله. وكان هذا اللعين من جملة من اتبعه وصدقه فيما يزعمه من الكفر. وقد بسط ابن الأثير في كامله مذهب هؤلاء الكفرة بسطا جيدا، وشبه مذهبهم بمذهب النصيرية. وادعى رجل آخر ببلاد الشاش النبوة وأظهر المخاريق وأشياء كثيرة من الحيل، فجاءته الجيوش فقاتلوه، وانطفأ أمره.
وفاة المهدي صاحب إفريقية
وفيها كان موت المهدي صاحب إفريقية أول خلفاء الفاطميين الأدعياء الكذبة، وهو أبو محمد عبيد الله المدعى أنه علوي، وتلقب بالمهديّ، وبنى المهدية ومات بها عن ثلاث وستين سنة، وكانت ولايته - منذ دخل رفادة وادعى الإمامة - أربعا وعشرين سنة وشهرا وعشرين يوما. وقد كان شهما شجاعا، ظفر بجماعة ممن خالفه وناوأه وقاتله وعاداه فلما مات قام بأمر الخلافة من بعده ولده أبو القاسم الملقب بالخليفة القائم بأمر الله. وحين توفى أبوه كتم موته سنة حتى دبر ما أراده من الأمور، ثم أظهر ذلك وعزاه الناس فيه. وقد كان كأبيه شهما شجاعا: فتح البلاد وأرسل السرايا إلى بلاد الروم، ورام أخذ الديار المصرية فلم يتفق له ذلك، وإنما أخذ الديار المصرية ابن ابنه المعز الفاطمي باني القاهرة المعزية كما سنذكره إن شاء الله.
قال ابن خلكان في الوفيات: وقد اختلف في نسب المهدي هذا اختلافا كثيرا جدا، فقال صاحب تاريخ القيروان: وهو عبيد الله بن الحسن بن محمد بن على بن موسى بن جعفر بن محمد بن على
стр. 3716
ابن الحسين بن على بن أبى طالب. وقال غيره: هو عبيد الله بن التقى وهو الحسين بن الوفي بن أحمد بن الرضى، وهو عبد الله هذا، وهو ابن محمد بن إسماعيل بن جعفر الصادق. وقيل غير ذلك في نسبه. قال ابن خلكان: والمحققون ينكرون دعواه في النسب. قلت: قد كتب غير واحد من الأئمة منهم الشيخ أبو حامد الأسفراييني والقاضي الباقلاني، والقدوري، أن هؤلاء أدعياء ليس لهم نسب صحيح فيما يزعمونه، وأن والد عبيد الله المهدي هذا كان يهوديا صباغا بسلمية، وقيل كان اسمه سعد، وإنما لقب بعبيد الله زوج أمه الحسين بن أحمد بن محمد بن عبد الله بن ميمون القداح، وسمى القداح لأنه كان كحالا يقدح العيون. وكان الّذي وطأ له الأمر بتلك البلاد أبو عبد الله الشيعي كما قدمنا ذلك، ثم استدعاه فلما قدم عليه من بلاد المشرق وقع في يد صاحب سجلماسة فسجنه، فلم يزل الشيعي يحتال له حتى استنقذه من يده وسلم إليه الأمر، ثم ندم الشيعي على تسليمه الأمر وأراد قتله، ففطن عبيد الله لما أراد به، فأرسل إلى الشيعي من قتله وقتل أخاه معه. ويقال إن الشيعي لما دخل السجن الّذي قد حبس فيه عبيد الله هذا وجد صاحب سجلماسة قد قتله، ووجد في السجن رجلا مجهولا محبوسا فأخرجه إلى الناس، لأنه كان قد أخبر الناس أن المهدي كان محبوسا في سجلماسة وأنه إنما يقاتل عليه، فقال للناس: هذا هو المهدي - وكان قد أوصاه أن لا يتكلم إلا بما يأمره به وإلا قتله - فراج أمره. فهذه قصته. وهؤلاء من سلالته والله أعلم. وكان مولد المهدي هذا في سنة ستين ومائتين، وقيل قبلها، وقيل بعدها، بسلمية، وقيل بالكوفة والله أعلم. وأول ما دعى له على منابر رفادة والقيروان يوم الجمعة لسبع بقين من ربيع الآخر سنة تسع وتسعين ومائتين، بعد رجوعه من سجلماسة، وكان ظهوره بها في ذي الحجة من السنة الماضية - سنة ست وتسعين ومائتين - فلما ظهر زالت دولة بنى العباس عن تلك الناحية من هذا الحين إلى أن ملك القاصد في سنة سبع وستين وخمسمائة. توفى بالمدينة المهدية التي بناها في أيامه للنصف من ربيع الأول منها، وقد جاوز الستين على المشهور، وسيفصل الله بين الآمر والمأمور يوم البعث والنشور.
وفيها توفى من الأعيان
أحمد بن عبد الله بن مسلم بن قتيبة الدينَوَريّ قاضى مصر. حدث عن أبيه بكتبه المشهورة، وتوفى وهو قاض بالديار المصرية في ربيع الأول منها.
محمد بن أحمد بن القاسم أبو على الروذبارى
وقيل اسمه أحمد بن محمد، ويقال الحسين بن الهمام، والصحيح الأول. أصله من بغداد وسكن مصر، وكان من أبناء الرؤساء والوزراء والكتبة، وصحب الجنيد وسمع الحديث وحفظ منه كثيرا، وتفقه بإبراهيم الحربي. وأخذ النحو عن ثعلب، وكان كثير الصدقة والبر للفقراء، وكان إذا أعطى الفقير شيئا جعله في كفه تحت يد الفقير، ثم يتناوله الفقير، يريد أن لا تكون يد الفقير تحت يده.
стр. 3717
[قال أبو نعيم: سئل أبو على الروذبارى عمن يسمع الملاهي ويقول إنه وصل إلى منزلة لا يؤثر فيه اختلاف الأحوال. فقال: نعم وصل، ولكن إلى سقر. وقال: الإشارة الابانة، لما تضمنه الوجد من المشار إليه لا غير، وفي الحقيقة أن الإشارة تصححها العلل، والعلل بعيدة من غير الحقائق. وقال:
من الاغترار أن تسيء فيحسن إليك، فتترك الانابة والتوبة توهما أنك تسامح في الهفوات، وترى أن ذلك من بسط الحق لك. وقال تشوقت القلوب إلى مشاهدة ذات الحق فألقيت إليها الأسامي، فركنت إليها مشغوفة بها عن الذات إلى أوان التجلي، فذلك قوله ﴿وَلِلّهِ الْأَسْماءُ الْحُسْنى فَادْعُوهُ بِها﴾ فوقفوا معها عن إدراك الحقائق، فأظهر الأسامي وأبداها للخلق، لتسكين شوق المحبين إليه، وتأنيس قلوب العارفين به. وقال: لا رضى لمن لا يصبر، ولا كمال لمن لا يشكر. وبالله وصل العارفون إلى محبته وشكروه على نعمته. وقال: إن المشتاقين إلى الله يجدون حلاوة الشوق عند ورود المكاشف لهم عن روح الوصال إلى قربه أحلى من الشهد. وقال: من رزق ثلاثة أشياء فقد سلم من الآفات: بطن جائع معه قلب قانع، وفقر دائم معه زهد حاضر، وصبر كامل معه قناعة دائمة. وقال: في اكتساب الدنيا مذلة النفوس، وفي اكتساب الآخرة عزها، فيا عجبا لمن يختار المذلة في طلب ما يفنى على العز في طلب ما يبقى] (١) ومن شعره
لو مضى الكل منى لم يكن عجبا … وإنما عجبي في البعض كيف بقي
أدرك بقية روح منك قد تلفت … قبل الفراق فهذا آخر الرمق
محمد بن إسماعيل
المعروف بخير النساج أبو الحسن الصوفي، من كبار المشايخ ذوى الأحوال الصالحة، والكرامات المشهورة. أدرك سريا السقطي وغيره من مشايخ القوم، وعاش مائة وعشرين سنة. ولما حضرته الوفاة نظر إلى زاوية البيت فقال: قف رحمك الله، فإنك عبد مأمور وأنا عبد مأمور، وما أمرت به لا يفوت وما أمرت به يفوت. ثم قام وتوضأ وصلى وتمدد ومات ﵀. وقد رآه بعضهم في المنام فقال له:
ما فعل الله بك؟ فقال استرحنا من دنيا كم الوخيمة.
ثم دخلت سنة ثلاث وعشرين وثلاثمائة
فيها أحضر ابن شنبوذ المقري فأنكر عليه جماعة من الفقهاء والقراء حروفا انفرد بها فاعترف ببعضها وأنكر بعضها، فاستتيب من ذلك واستكتب خطه بالرجوع عما نقم عليه، وضرب سبع درر بإشارة الوزير أبى على بن مقلة، ونفى إلى البصرة. فدعا على الوزير أن تقطع يده ويشتت شمله، فكان ذلك عما قريب. وفي جمادى الآخرة نادى ابن الحرسي صاحب الشرطة في الجانبين من بغداد
стр. 3718
أن لا يجتمع أثنان من أصحاب أبى محمد البربهاري الواعظ الحنبلي. وحبس من أصحابه جماعة، واستتر ابن البربهاري فلم يظهر مدة. قال ابن الجوزي في المنتظم: وفي شهر أيار تكاثفت الغيوم واشتد الحر جدا، فلما كان آخر يوم منه - وهو الخامس والعشرين من جمادى الآخرة منها - هاجت ريح شديدة جدا وأظلمت الأرض واسودت إلى بعد العصر، ثم خفت ثم عادت إلى بعد عشاء الآخرة.
وفيها استبطأ الأجناد أرزاقهم فقصدوا دار الوزير أبى على بن مقلة فنقبوها وأخذوا ما فيها ووقع حريق عظيم في طريق الموازين، فاحترق للناس شيء كثير، فعوض عليهم الراضي بعض ما كان ذهب لهم. وفي رمضان اجتمع جماعة من الأمراء على بيعة جعفر بن المكتفي، فظهر الوزير على أمرهم فحبس جعفرا ونهبت داره، وحبس جماعة ممن كان بايعه، وانطفأت ناره. وخرج الحجاج في غفارة الأمير لؤلؤ فاعترضهم أبو طاهر القرمطى فقتل أكثرهم ورجع من انهزم منهم إلى بغداد، وبطل الحج في هذه السنة من طريق العراق. قال ابن الجوزي: وفيها تساقطت كواكب كثيرة ببغداد والكوفة على صورة لم ير مثلها، ولا ما يقاربها، وغلا السعر في هذه السنة حتى بيع الكر من الحنطة بمائة وعشرين دينارا. وفيها على الصحيح كان مقتل مرداويج بن زياد الديلميّ، وكان قبحه الله سيء السيرة والسريرة، يزعم أن روح سليمان بن داود حلّت فيه، وله سرير من ذهب يجلس عليه والأتراك بين يديه، ويزعم أنهم الجن الذين سخروا لسليمان بن داود، وكان يسيء المعاملة لجنده ويحتقرهم غاية الاحتقار، فما زال ذلك دأبه حتى أمكنهم الله منه فقتلوه شر قتلة في حمام، وكان الّذي مالأ على قتله غلامه بحكم التركي، وكان ركن الدولة بن بويه رهينة عنده فأطلق لما قتل، فذهب إلى أخيه عماد الدولة، وذهبت طائفة من الأتراك معه إلى أخيه، والتفت طائفة منهم على بجكم فسار بهم إلى بغداد باذن الخليفة له في ذلك، ثم صرفوا إلى البصرة فكانوا بها. وأما الديلم فإنهم بعثوا إلى أخى مرداويج وهو وشمكير، فلما قدم عليهم تلقوه إلى أثناء الطريق حفاة مشاة فملكوه عليهم لئلا يذهب ملكهم، فانتدب إلى محاربته الملك السعيد نصر بن أحمد الساماني نائب خراسان وما وراء النهر، وما والاها من تلك البلاد والأقاليم، فانتزع منه بلدانا هائلة. وفيها بعث القائم بأمر الله الفاطمي جيشا من إفريقية في البحر إلى ناحية الفرنج فافتتحوا مدينة جنوة وغنموا غنائم كثيرة وثروة. ورجعوا سالمين غانمين. وفيها بعث عماد الدولة إلى أصبهان فاستولى عليها وعلى بلاد الجبل واتسعت مملكته جدا. وفيها كان غلاء شديد بخراسان، ووقع بها فناء كثير، بحيث كان بهمهم أمر دفن الموتى. وفيها قتل ناصر الدولة أبو الحسن بن حمدان نائب الموصل عمه أبا العلاء سعيد بن حمدان لأنه أراد أن ينتزعها منه، فبعث إليه الخليفة وزيره أبا على بن مقلة في جيوش، فهرب منه ناصر الدولة، فلما طال مقام ابن مقلة بالموصل ولم يقدر على ناصر الدولة رجع إلى بغداد، فاستقرت
стр. 3719
يد ناصر الدولة على الموصل. وبعث به إلى الخليفة أن يضمنه تلك الناحية، فأجيب إلى ذلك، واستمر الحال على ما كان. وخرج الحجيج فلقيهم القرمطى فقاتلهم وظفر بهم فسألوه الأمان فأمنهم على أن يرجعوا بغداد فرجعوا، وتعطل الحج عامهم ذلك أيضا.
وفيها توفى من الأعيان
نفطويه النحويّ
واسمه إبراهيم بن محمد بن عرفة بن سليمان بن المغيرة بن حبيب بن المهلب بن أبى صفرة الأزدي أبو عبد الله العتكيّ المعروف بنفطويه النحويّ. له مصنفات فيه، وقد سمع الحديث وروى عن المشايخ وحدث عنه الثقات، وكان صدوقا، وله أشعار حسنة. وروى الخطيب عن نفطويه أنه مر على بقال فقال له: أيها الشيخ كيف الطريق إلى درب الرآسين - يعنى درب الرواسين - فالتفت البقال إلى جاره فقال له: قبح الله غلامي أبطأ على بالسلق، ولو كان عندي لصفعت هذا بحزمة منه.
فانصرف عنه نفطويه ولم يرد عليه. توفى نفطويه في شهر صفر من هذه السنة عن ثلاث وثمانين سنة وصلى عليه البربهاري رئيس الحنابلة، ودفن بمقابر دار الكوفة. ومما أنشده أبو على القالي في الأمالي له:
قلبي أرق عليه من خديكا … وفؤادي أوهى من قوى جفنيكا
لم ترق لمن يعذب نفسه … ظلما ويعطفه هواه عليكا
قال ابن خلكان: وفي نفطويه يقول أبو محمد عبد الله بن زيد بن على بن الحسين الواسطي المتكلم المشهور صاحب الإمامة وإعجاز القرآن وغير ذلك من الكتب * من سره أن لا يرى فاسقا فليجتهد أن لا يرى نفطويه * أحرقه الله بنصف اسمه، وصير الباقي صراخا عليه * قال الثعالبي: إنما سمى نفطويه لدمامته. وقال ابن خالويه: لا يعرف من اسمه إبراهيم وكنيته أبو عبد الله سواه.
عبد الله بن عبد الصمد بن المهتدي بالله الهاشمي العباسي
حدث عن بشار بن نصر الحلبي وغيره. وعنه الدار قطنى وغيره، وكان ثقة فاضلا فقيها شافعيا.
عبد الملك بن محمد بن عدي أبو نعيم الأستراباذيّ المحدث الفقيه الشافعيّ أيضا، توفى عن ثلاث وثمانين سنة.
على بن الفضل بن طاهر بن نصر بن محمد أبو الحسن البلخي، كان من الجوالين في طلب الحديث، وكان ثقة حافظا، سمع أبا هاشم الرازيّ وغيره. وعنه الدار قطنى وغيره.
محمد بن أحمد بن أسد أبو بكر الحافظ، ويعرف بابن البستنبان، سمع الزبير بن بكار وغيره، وعنه الدار قطنى وغيره. جاوز الثمانين.
ثم دخلت سنة أربع وعشرين وثلاثمائة
فيها جاءت الجند فأحدقوا بدار الخلافة وقالوا: ليخرج إلينا الخليفة الراضي بنفسه فيصلي بالناس.
стр. 3720
فخرج فصلى بهم وخطبهم. وقبض الغلمان على الوزير ابن مقلة وسألوا من الخليفة أن يستوزر غيره فرد الخيرة إليهم، فاختاروا على بن عيسى فلم يقبل، وأشار بأخيه عبد الرحمن بن عيسى فاستوزره، وأحرقت دار ابن مقلة، وسلم هو إلى عبد الرحمن بن عيسى فضرب ضربا عنيفا، وأخذ خطبه بألف ألف دينار، ثم عجز عبد الرحمن بن عيسى فعزل بعد خمسين يوما وقلد الوزارة أبو جعفر بن القاسم الكرخي، فصادر على بن عيسى بمائة ألف دينار، وصادر أخاه عبد الرحمن بن عيسى بسبعين ألف دينار، ثم عزل بعد ثلاثة أشهر ونصف، وقلد سليمان بن الحسين، ثم عزل بأبي الفتح الفضل بن جعفر بن الفرات، وذلك في السنة الآتية. وأحرقت داره كما أحرقت دار ابن مقلة في يوم أحرقت تلك فيه، وسنة بينهما واحدة. وهذا كله من تخبيط الأتراك والغلمان. ولما أحرقت دار ابن مقلة في هذه السنة كتب بعض الناس على بعض جدرانها:
أحسنت ظنك بالأيام إذ حسنت … ولم تخف يوما يأتى به القدر
وسالمتك الليالي فاغتررت بها … وعند صفو الليالي يحدث الكدر
وفيها ضعف أمر الخلافة جدا، وبعث الراضي إلى محمد بن رائق - وكان بواسط - يدعوه إليه ليوليه إمرة الأمراء ببغداد، وأمر الخراج والمغل في جميع البلاد والدواوين، وأمر أن يخطب له على جميع المنابر، وأنفذ إليه بالخلع. فقدم ابن رائق إلى بغداد على ذلك كله، ومعه الأمير بجكم التركي غلام مرداويج، وهو الّذي ساعد على قتل مرداويج. واستحوذ ابن رائق على أموال العراق بكماله، ونقل أموال بيت المال إلى داره، ولم يبق للوزير تصرف في شيء بالكلية، وهي أمر الخلافة جدا، واستقل نواب الأطراف بالتصرف فيها، ولم يبق للخليفة حكم في غير بغداد ومعاملاتها. ومع هذا ليس له مع ابن رائق نفوذ في شيء، ولا تفرد بشيء، ولا كلمة تطاع، وإنما يحمل إليه ابن رائق ما يحتاج إليه من الأموال والنفقات وغيرها. وهكذا صار أمر من جاء بعده من أمراء الأكابر، كانوا لا يرفعون رأسا بالخليفة، وأما بقية الأطراف فالبصرة مع ابن رائق هذا، يولى فيها من شاء. وخوزستان إلى أبى عبد الله البريدي، وقد غلب ابن ياقوت على ما كان بيده في هذه السنة من مملكة تستر وغيرها واستحوذ على حواصلها وأموالها. وأمر فارس إلى عماد الدولة بن بويه ينازعه في ذلك وشمكير أخو مرداويج وكرمان بيد أبى على محمد بن إلياس بن اليسع. وبلاد الموصل والجزيرة وديار بكر ومضر وربيعة مع بنى حمدان. ومصر والشام في يد محمد بن طغج. وبلاد إفريقية والمغرب في يد القائم بأمر الله ابن المهدي الفاطمي، وقد تلقب بأمير المؤمنين. والأندلس في يد عبد الرحمن بن محمد، الملقب بالناصر الأموي. وخراسان وما وراء النهر في يد السعيد نصر بن أحمد الساماني. وطبرستان وجرجان في يد الديلم. والبحرين واليمامة وهجر في يد أبى طاهر سليمان بن أبى سعيد الجنابي القرمطى. وفيها وقع
стр. 3721
ببغداد غلاء عظيم وفناء كثير بحيث عدم الخبز منها خمسة أيام، ومات من أهلها خلق كثير، وأكثر ذلك كان في الضعفاء، وكان الموتى يلقون في الطريق ليس لهم من يقوم بهم، ويحمل على الجنازة الواحدة الرجلان من الموتى، وربما يوضع بينهم صبي، وربما حفرت الحفرة الواحدة فتوسع حتى يوضع فيها جماعة. ومات من أهل أصبهان نحو من مائتي ألف إنسان. وفيها وقع حريق بعمان أحرق فيه من السودان ألف، ومن البيضان خلق كثير، وكان جملة ما أحرق فيه أربعمائة حمل كافور. وعزل الخليفة أحمد بن كيغلغ عن نيابة الشام. وأضاف ذلك إلى ابن طغج نائب الديار المصرية. وفيها ولد عضد الدولة أبو شجاع فنا خسرو بن ركن الدولة بن بويه بأصبهان.
وفيها توفى من الأعيان.
ابن مجاهد المقري
أبو بكر أحمد بن موسى بن العباس بن مجاهد المقري، أحد أئمة هذا الشأن. حدث عن خلق كثير، وروى عنه الدار قطنى وغيره، وكان ثقة مأمونا، سكن الجانب الشرقي من بغداد، وكان ثعلب يقول: ما بقي في عصرنا أحد أعلم بكتاب الله منه. توفى يوم الأربعاء وأخرج يوم الخميس لعشر بقين من شعبان من هذه السنة. وقد رآه بعضهم في المنام وهو يقرأ فقال له: أما مت؟ فقال: بلى ولكن كنت أدعو الله عقب كل ختمة أن أكون ممن يقرأ في قبره، فأنا ممن يقرأ في قبره. ﵀.
جحظة الشاعر البرمكي
أحمد بن جعفر بن موسى بن يحيى بن خالد بن برمك البرمكي، أبو الحسن النديم المعروف بجحظة الشاعر الماهر الأديب الأخباري، ذو الفنون في العلوم والنوادر الحاضرة، وكان جيد الغناء. ومن شعره:
قد نادت الدنيا على نفسها … ولو كان في العالم من يسمع
كم آمل خيبت آماله … وجامع بددت ما يجمع
وكتب له بعض الملوك رقعة على صير في بمال أطلقه له فلم يحصل له، فكتب إلى الملك يذكر له ذلك.
إذا كانت صلاتكم رقاعا … تخطّط بالأنامل والأكف
فلا تجد الرقاع على نفعا … فذا خطى فخذه بألف ألف
ومن شعره يهجو صديقا له ويذمه على شدة شحه وبخلة وحرصه فقال:
لنا صاحب من أبرع الناس في البخل … يسمى بفضل، وهو ليس بذي فضل
دعاني كما يدعو الصديق صديقه … فجئت كما يأتى إلى مثله مثلي
فلما جلسنا للغداء رأيته … يرى أنما من بعض أعضائه أكلى
فيغتاظ أحيانا ويشتم عبده … فأعلم أن الغيظ والشتم من أجلى
أمدّ يدي سرا لآكل لقمة … فيلحظنى شزرا فأعبث بالبقل
стр. 3722
إلى أن جنت كفى على جناية … وذلك أن الجوع أعد منى عقلي
فأهوت يميني نحو رجل دجاجة … فجرت رجلها كما جرت يدي رجلي
ومن قوى شعره قوله
رحلتم فكم من أنة بعد حنة … مبينة للناس حزني عليكم
وقد كنت أعتقت الجفون من البكا … فقد ردها في الرق شوقي إليكم
وقد أورد له ابن خلكان من شعره الرائق قوله:
فقلت لها: بخلت عليّ يقظى … فجودي في المنام لمستهام
فقالت لي: وصرت تنام أيضا … وتطمع أن أزورك في المنام؟
قال: وإنما لقبه بجحظة عبد الله بن المعتز، وذلك لسوء منظره بمآقيه. قال بعض من هجاء:
ببيت جحظه تسعين جحوظة … من فيل شطرنج ومن سرطان
وارحمتا لمنادميه تحملوا … ألم العيون للذة الآذان
توفى سنة ست وعشرين وقيل أربع وعشرين وثلاثمائة بواسط.
ابن المغلس الفقيه الظاهري
المشهور. له المصنفات المفيدة في مذهبه. أخذ الفقه عن أبى بكر بن داود. وروى عن عبد الله ابن أحمد بن حنبل، وعلى بن داود القنطري، وأبى قلابة الرياشي، وآخرين. وكان ثقة فقيها فاضلا وهو الّذي نشر علم داود في تلك البلاد. توفى بالسكتة.
أبو بكر بن زياد
النيسابورىّ عبد الله بن محمد بن زياد بن واصل بن ميمون، أبو بكر الفقيه الشافعيّ النيسابورىّ مولى أبان بن عثمان، رحل إلى العراق والشام ومصر، وسكن بغداد. حدث عن محمد بن يحيى الذهلي وعباس الدوري، وخلق. وعنه الدار قطنى وغير واحد من الحفاظ. قال الدار قطنى: لم ير في مشايخنا أحفظ منه للأسانيد والمتون. وكان أفقه المشايخ، جالس المزني والربيع. وقال عبد الله بن بطة: كنا نحضر مجلس ابن زياد وكان يحرز من يحضره من أصحاب المحابر ثلاثين ألفا. وقال الخطيب: أخبرنا أبو سعد الماليني أنبأ يوسف بن عمر بن مسرور سمعت أبا بكر بن زياد النيسابورىّ يقول: أعرف من قام الليل أربعين سنة لم ينم إلا جائيا، ويتقوت كل يوم خمس حبات، ويصلى صلاة الغد بطهارة العشاء، ثم يقول: أنا هو كنت أفعل هذا كله قبل أن أعرف أم عبد الرحمن - يعنى أم ولده - أيش أقول لمن زوجني. ثم قال في إثر هذا: ما أراد إلا الخير. توفى في هذه السنة عن ست وثمانين سنة.
стр. 3723
عفان بن سليمان
ابن أيوب أبو الحسن التاجر، أقام بمصر وأوقف بها أوقافا دارة على أهل الحديث، وعلى سلالة العشرة ﵃. وكان تاجرا موسعا عليه في الدنيا، مقبول الشهادة عند الحكام، توفى في شعبان منها
أبو الحسن الأشعري
قدم بغداد وأخذ الحديث عن زكريا بن يحيى الساجي وتفقه بابن سريج. وقد ذكرنا ترجمته في طبقات الشافعية. وذكر ابن خلكان أنه كان يجلس في حلقة الشيخ أبى إسحاق المروزي، وقد كان الأشعري معتزليا فتاب منه بالبصرة فوق المنبر، ثم أظهر فضائح المعتزلة وقبائحهم، وله من الكتب: الموجز وغيره، وحكى عن ابن حزم أنه قال: للأشعري خمسة وخمسون تصنيفا. وذكر أن مغله كان في كل سنة سبعة عشر ألف درهم، وأنه كان من أكثر الناس دعابة، وأنه ولد سنة سبعين ومائتين، وقيل سنة ستين ومائتين، ومات في هذه السنة، وقيل في سنة ثلاثين، وقيل في سنة بضع وثلاثين وثلاثمائة فالله أعلم.
محمد بن الفضل
بن عبد الله، أبو ذر التميمي، كان رئيس جرجان، سمع الكثير، وتفقه بمذهب الشافعيّ، وكانت داره مجمع العلماء، وله إفضال كثير على طلبة العلم من أهل زمانه. هارون بن المقتدر أخو الخليفة الراضي، توفى في ربيع الأول منها، فحزن عليه أخوه الراضي وأمر بنفي بختيشوع ابن يحيى المتطبب إلى الأنبار، لأنه اتهم في علاجه، ثم شفعت فيه أم الراضي فرده.
ثم دخلت سنة خمس وعشرين وثلاثمائة
في المحرم منها خرج الخليفة الراضي وأمير الأمراء محمد بن رائق من بغداد قاصدين واسط لقتال أبى عبد الله البريدي نائب الأهواز، الّذي قد تجبر بها ومنع الخراج، فلما سار ابن رائق إلى واسط خرج الحجون فقاتلوه فسلط عليهم بجكم فطحنهم، ورجع فلّهم إلى بغداد فتلقاهم لؤلؤ أمير الشرطة فاحتاط على أكثرهم ونهبت دورهم، ولم يبق لهم رأس يرتفع، وقطعت أرزاقهم من بيت المال بالكلية. وبعث الخليفة وابن رائق إلى أبى عبد الله البريدي يتهددانه فأجاب إلى حمل كل سنة ثلاثمائة ألف وستين ألف دينار يقوم بها، تحمل كل سنة على حدته، وأنه يجهز جيشا إلى قتال عضد الدولة بن بويه. فلما رجع الخليفة إلى بغداد لم يحمل شيئا ولم يبعث أحدا. ثم بعث ابن رائق بجكم وبدرا الحسيني لقتال البريدي، فجرت بينهم حروب وخطوب، وأمور يطول ذكرها. ثم لجأ البريدي إلى عماد الدولة واستجار به، واستحوذ بجكم على بلاد الأهواز، وجعل إليه ابن رائق خراجها، وكان بجكم هذا شجاعا فاتكا. وفي ربيع الأول خلع الخليفة على بجكم وعقد له الامارة ببغداد، وولاه نيابة المشرق إلى خراسان.
وفيها توفى من الأعيان
أبو حامد بن الشرقي.
стр. 3724
أحمد بن محمد بن الحسن
أبو حامد الشرقي، مولده سنة أربعين ومائتين، وكان حافظا كبير القدر كثير الحفظ، كثير الحج. رحل إلى الأمصار وجاب الأقطار، وسمع من الكبار، نظر إليه ابن خزيمة يوما فقال: حياة أبى حامد تحول بين الناس وبين الكذب على رسول الله ﷺ .
عبد الله بن محمد بن سفيان أبو الحسن الخزاز النحويّ، حدث عن المبرد وثعلب، وكان ثقة. له مصنفات في علوم القرآن غزيرة الفوائد. محمد بن إسحاق بن يحيى أبو الطيب النحويّ، قال أبو ألوفا له مصفات مليحة في الأخبار، وقد حدث عن الحارث بن أبى المبرد وأسامة وثعلب وغيرهم - محمد ابن هارون أبو بكر العسكري الفقيه على مذهب أبى ثور، روى عن الحسن بن عرفة وعباس الدوري وعن الدار قطنى والآجري وغيرهما. والله أعلم
ثم دخلت سنة ست وعشرين وثلاثمائة
فيها ورد كتاب من ملك الروم إلى الراضي مكتوب بالرومية والتفسير بالعربية، فالرومى بالذهب والعربيّ بالفضة، وحاصله طلب الهدنة بينه وبينه، ووجه مع الكتاب بهدايا وألطاف كثيرة فاخرة، فأجابه الخليفة إلى ذلك، وفودى من المسلمين ستة آلاف أسير، ما بين ذكر وأنثى على نهر البدندون.
وفيها ارتحل الوزير أبو الفتح بن الفرات من بغداد إلى الشام، وترك الوزارة فوليها أبو على بن مقلة وكانت ولايته ضعيفة جدا، ليس له من الأمر شيء مع ابن رائق، وطلب من ابن رائق أن يفرغ له عن أملاكه فجعل يماطله، فكتب إلى بجكم يطمعه في بغداد، وأن يكون عوضا عن ابن رائق. وكتب ابن مقلة أيضا إلى الخليفة يطلب منه أن يسلم إليه ابن رائق وابن مقاتل، ويضمنهم بألفي دينار، فبلغ ذلك ابن رائق فأخذه فقطع يده، وقال: هذا أفسد في الأرض. ثم جعل يحسّن للراضى أن يستوزره وأن قطع يده لا يمنعه من الكتابة، وأنه يشد القلم على يده اليمنى المقطوعة فيكتب بها، ثم بلغ ابن رائق أنه قد كتب إلى بجكم بما تقدم، وأنه يدعو عليه. فأخذه فقطع لسانه وسجنه في مكان ضيق، وليس عنده من يخدمه، فكان يستقى الماء بنفسه يتناول الدلو بيده اليسرى ثم يمسكه بفيه ثم يجذب باليسرى ثم يمسك بفيه إلى أن يستقى، ولقي شدة وعناء، ومات في محبسه هذا وحيدا فدفن فيه. ثم سأل أهله نقله فدفن في داره، ثم نقل منها إلى غيرها، فاتفق له أشياء غريبة: منها أنه وزر ثلاث مرات، وعزل ثلاث مرات، وولى لثلاثة من الخلفاء، ودفن ثلاث مرات، وسافر ثلاث سفرات، ومرتين منفيا ومرة إلى الموصل كما تقدم. وفيها دخل بجكم بغداد فقلده الراضي إمرة الأمراء مكان ابن رائق، وقد كان بجكم هذا من غلمان أبى على العارض وزير ماكان بن كالى الديلميّ. فاستوهبه ما كان من الوزير فوهبه له، ثم فارق ما كان ولحق بمرداويج، وكان في جملة من قتله
стр. 3725
في الحمام كما تقدم. فلما ولاه الخليفة إمرة الأمراء أسكن في دار مؤنس الخادم، وعظم أمره جدا وانفصل ابن رائق وكانت أيامه سنة وعشرة أشهر وستة عشر يوما. وفيها بعث عماد الدولة بن بويه أخاه معز الدولة فأخذ الأهواز لأبى عبد الله البريدي، وانتزعها من يد بجكم وأعادها إليه. وفيها استولى لشكرى أحد أمراء وشمكير الديلميّ على بلاد أذربيجان وانتزعها من رستم بن إبراهيم الكردي، أحد أصحاب ابن أبى الساج، بعد قتال طويل. وفيها اضطرب أمر القرامطة جدا وقتل بعضهم بعضا، وانكفوا بسبب ذلك عن التعرض للفساد في الأرض، ولزموا بلدهم هجر لا يرومون منه انتقالا إلى غيره، ولله الحمد والمنة.
وفيها توفى أحمد بن زياد بن عبد الرحمن الأندلسى، كان أبوه من أصحاب مالك، وهذا الرجل هو أول من أدخل فقه مالك إلى الأندلس وقد عرض عليه القضاء بها فلم يقبل.
ثم دخلت سنة سبع وعشرين وثلاثمائة
في المحرم منها خرج الراضي أمير المؤمنين إلى الموصل لمحاربة ناصر الدولة الحسن بن عبد الله بن حمدان نائبها، وبين يديه بجكم أمير الأمراء، وقاضى القضاة أبو الحسين عمر بن محمد بن يوسف، وقد استخلف على بغداد ولده القاضي أبا نصر يوسف بن عمر، في منصب القضاء، عن امر الخليفة بذلك. وكان فاضلا عالما، ولما انتهى بجكم إلى الموصل واقع الحسن بن عبد الله بن حمدان فهزم بجكم ابن حمدان، وقرر الخليفة الموصل والجزيرة، وولى فيها. وأما محمد بن رائق فإنه اغتنم غيبة الخليفة عن بغداد واستجاش بألف من القرامطة وجاء بهم فدخل بغداد فأكثر فيها الفساد، غير أنه لم يتعرض لدار الخلافة، ثم بعث إلى الخليفة يطلب منه المصالحة والعفو عما جنى، فأجابه إلى ذلك، وبعث إليه قاضى القضاة أبا الحسين عمر بن يوسف، وترحل ابن رائق عن بغداد ودخلها الخليفة في جمادى الأولى، ففرح المسلمون بذلك. ونزل عند غروب الشمس أول ليلة من شهر أذار في جمادى الأولى مطر عظيم، وبرد كبار، كل واحدة نحو أوقيتين، واستمر فسقط بسببه دور كثيرة من بغداد.
وظهر جراد كثير في هذه السنة وكان الحج من جهة درب العراق قد تعطل من سنة سبع عشرة وثلاثمائة إلى هذه السنة، فشفع في الناس الشريف أبو على محمد بن يحيى العلويّ عند القرامطة، وكانوا يحبونه لشجاعته وكرمه، في أن يمكنهم من الحج، وأن يكون لهم على كل جمل خمسة دنانير، وعلى المحمل سبعة دنانير، فاتفقوا معه على ذلك، فخرج الناس في هذه السنة إلى الحج على هذا الشرط، وكان في جملة من خرج الشيخ أبو على بن أبى هريرة أحد أئمة الشافعية فلما اجتاز بهم طالبوه بالخفارة فثنى رأس راحلته ورجع وقال: ما رجعت شحا ولكن سقط عنى الوجوب بطلب هذه الخفارة. وفيها وقعت فتنة بالأندلس وذلك أن عبد الرحمن الأموي صاحب الأندلس الملقب
стр. 3726
بالناصر لدين الله، قتل وزيره أحمد فغضب له أخوه أمية بن إسحاق - وكان نائبا على مدينة شنترين - فارتد ودخل بلاد النصارى واجتمع بملكهم ردمير ودلهم على عورات المسلمين، فسار إليهم في جيش كثيف من الجلالقة فخرج إليهم عبد الرحمن فأوقع بهم بأسا شديدا، وقتل من الجلالقة خلقا كثيرا، ثم كر الفرنج على المسلمين فقتلوا منهم خلقا كثيرا قريبا ممن قتلوا منهم، ثم والى المسلمون الغارات على بلاد الجلالقة فقتلوا منهم أمما لا يحصون كثرة، ثم ندم أمية بن إسحاق على ما صنع، وطلب الأمان من عبد الرحمن فبعث إليه بالأمان، فلما قدم عليه قبله واحترمه.
وفيها توفى من الأعيان
الحسن بن القاسم بن جعفر بن رحيم
أبو على الدمشقيّ، من أبناء المحدثين كان أخباريا له في ذلك مصنفات، وقد حدث عن العباس بن الوليد البيروتي وغيره. توفى بمصر في محرم هذه السنة. وقد أناف على الثمانين سنة.
الحسين بن القاسم بن جعفر بن محمد بن خالد بن بشر أبو على الكوكبي الكاتب، صاحب الأخبار والآداب، روى عن أحمد بن أبى خيثمة وأبى العيناء وابن أبى الدنيا. روى عنه الدار قطنى وغيره.
عثمان بن الخطاب
ابن عبد الله أبو عمر والبلوى، المغربي الأشج، ويعرف بأبي الدنيا. قدم هذا الرجل بغداد بعد الثلاثمائة، وزعم أنه ولد أول خلافة أبى بكر الصديق ﵁، ببلاد المغرب، وأنه وفد هو وأبوه على على بن أبى طالب ﵁، فأصابهم في الطريق عطش فذهب يرتاد لأبيه ماء فرأى عينا فشرب منها واغتسل، ثم جاء لأبيه ليسقيه فوجده قد مات، وقدم هو على على بن أبى طالب فأراد أن يقبل ركبته فصدمه الركاب فشج رأسه، فكان يعرف بالأشج. وقد زعم صدقه في هذا الّذي زعمه طائفة من الناس، ورووا عنه نسخة فيها أحاديث من روايته عن على، وممن صدقه في ذلك الحافظ محمد بن أحمد بن المفيد، ورواها عنه، ولكن كان المفيد متهما بالتشيع، فسمح له بذلك لانتسابه إلى على، وأما جمهور المحدثين قديما وحديثا فكذبوه في ذلك، وردوا عليه كذبه، ونصوا على أن النسخة التي رواها موضوعة. ومنهم أبو طاهر أحمد بن محمد السلفي، وأشياخنا الذين أدركناهم: جهبذ الوقت شيخ الإسلام أبو العباس ابن تيمية، والجهبذ أبو الحجاج المزي، والحافظ مؤرخ الإسلام أبو عبد الله الذهبي، وقد حررت ذلك في كتابي التكميل ولله الحمد والمنة.
قال المفيد: بلغني أن الأشج هذا مات سنة سبع وعشرين وثلاثمائة، وهو راجع إلى بلده والله أعلم.
محمد بن جعفر بن محمد بن سهل
أبو بكر الخرائطى، صاحب المصنفات، أصله من أهل سرمن رأى، وسكن الشام وحدث بها عن الحسن بن عرفة وغيره.
стр. 3727
وممن توفى فيها الحافظ الكبير ابن الحافظ الكبير أبو محمد
عبد الرحمن
ابن أبى حاتم محمد ابن إدريس الرازيّ صاحب كتاب الجرح والتعديل، وهو من أجل الكتب المصنفة في هذا الشأن، وله التفسير الحافل الّذي اشتمل على النقل الكامل، الّذي يربو فيه على تفسير ابن جرير الطبري وغيره من المفسرين، إلى زماننا، وله كتاب العلل المصنفة المرتبة على أبواب الفقه، وغير ذلك من المصنفات النافعة، وكان من العبادة والزهادة والورع والحفظ والكرامات الكثيرة المشهورة على جانب كبير، ﵀. وقد صلى مرة فلما سلم قال له رجل من بعض من صلى معه: لقد أطلت بنا، ولقد سبحت في سجودي سبعين مرة. فقال عبد الرحمن: لكنى والله ما سبحت إلا ثلاثا، وقد انهدم سور بلد في بعض بلاد الثغور فقال عبد الرحمن بن أبى حاتم للناس: أما تبنوه؟ وقد حثهم على عمارته. فرأى عندهم تأخرا. فقال: من يبنيه وأضمن له على الله الجنة؟ فقام رجل من التجار فقال: اكتب لي خطك بهذا الضمان وهذه ألف دينار لعمارته. فكتب له رقعة بذلك، فعمر ذلك السور ثم اتفق موت ذلك الرجل التاجر عما قريب، فلما حضر الناس جنازته طارت من كفنه رقعة فإذا هي التي كان كتبها له ابن أبى حاتم وإذا في ظهرها مكتوب: قد أمضينا لك هذا الضمان ولا تعد إلى ذلك. والله سبحانه أعلم.
ثم دخلت سنة ثمان وعشرين وثلاثمائة
قال ابن الجوزي في منتظمه: في غرة المحرم منها ظهرت في الجو حمرة شديدة في ناحية الشمال والمغرب، وفيها أعمدة بيض عظيمة كثيرة العدد. وفيها وصل الخبر بأن ركن الدولة أبا على الحسن ابن بويه وصل إلى واسط فركب الخليفة وبجكم إلى حربه فخاف فانصرف راجعا إلى الأهواز ورجعا إلى بغداد. وفيها ملك ركن الدولة بن بويه مدينة أصبهان، أخذها من وشمكير أخى مرداويج، لقلة جيشه في هذا الحين. وفي شعبان منها زادت دجلة زيادة عظيمة وانتشرت في الجانب الغربي، وسقطت دور كثيرة، وانبثق بثق من نواحي الأنبار فغرق قرى كثيرة، وهلك بسببه حيوان وسباع كثيرة في البرية. وفيها تزوج بجكم بسارة بنت عبد الله البريدي. ومحمد بن أحمد بن يعقوب الوزير يومئذ ببغداد، ثم صرف عن الوزارة بسليمان بن الحسن، وضمن البريدي بلاد واسط وأعمالها بستمائة ألف دينار.
وفيها توفى قاضى القضاة أبو الحسن عمر بن محمد بن يوسف، وتولى مكانه ولده أبو نصر يوسف ابن عمر بن محمد بن يوسف وخلع عليه الخليفة الراضي يوم الخميس لخمس بقين من شعبان منها. ولما خرج أبو عبد الله البريدي إلى واسط كتب إلى بجكم يحثه على الخروج إلى الجبل ليفتحها ويساعده هو على أخذ الأهواز من يد عماد الدولة بن بويه، وإنما كان مقصوده أن يبعده عن بغداد ليأخذها
стр. 3728
منه. فلما انفصل بجكم بالجنود بلغه ما يريده البريدي من المكيدة به، فرجع سريعا إلى بغداد، وركب في جيش كثيف إليه وأخذ الطرق عليه من كل جانب، لئلا يشعر به إلا وهو عليه. فاتفق أن بجكما كان راكبا في زورق وعنده كاتب له إذ سقطت حمامة في ذنبها كتاب فأخذه بجكم فقرأه فإذا فيه كتاب من هذا الكاتب إلى أصحاب البريدي يعلمهم بخبر بجكم، فقال له بجكم: ويحك هذا خطك؟ قال: نعم! ولم يقدر أن ينكر، فأمر بقتله فقتل وألقى في دجلة. ولما شعر البريدي بقدوم بجكم هرب إلى البصرة ولم يقم بها أيضا بل هرب منها إلى غيرها. واستولى بجكم على بلاد واسط، وتسلط الديلم على جيشه الذين خلفهم بالجبل ففروا سراعا إلى بغداد. وفيها استولى محمد بن رائق على بلاد الشام فدخل حمص أولا فأخذها، ثم جاء إلى دمشق وعليها بدر بن عبد الله الإخشيد المعروف ببدر الإخشيد وهو محمد بن طغج، فأخرجه ابن رائق من دمشق قهرا واستولى عليها. ثم ركب ابن رائق في جيش إلى الرملة فأخذها، ثم إلى عريش مصر فأراد دخولها فلقيه محمد بن طغج الإخشيد فاقتتلا هناك فهزمه ابن رائق واشتغل أصحابه بالنهب ونزلوا بخيام المصريين، فكر عليهم المصريون فقتلوهم قتلا عظيما، وهرب ابن رائق في سبعين رجلا من أصحابه، فدخل دمشق في أسوإ حال وشرها، وأرسل له ابن طغج أخاه نصر بن طغج في جيش فاقتتلوا عند اللجون في رابع ذي الحجة، فهزم ابن رائق المصريين وقتل أخو الإخشيد فيمن قتل، فغسله ابن رائق وكفنه وبعث به إلى أخيه بمصر وأرسل معه ولده وكتب إليه يحلف أنه ما أراد قتله، ولقد شق عليه، وهذا ولدى فاقتد منه. فأكرم الإخشيد ولد محمد بن رائق، واصطلحا على أن تكون الرملة وما بعدها إلى ديار مصر للإخشيد، ويحمل إليه الإخشيد في كل سنة مائة ألف دينار وأربعين ألف دينار، وما بعد الرملة إلى جهة دمشق تكون لابن رائق.
وفيها توفى من الأعيان.
أبو محمد جعفر المرتعش
أحد مشايخ الصوفية، كذا ذكره الخطيب. وقال أبو عبد الرحمن السلمي: اسمه عبد الله بن محمد أبو محمد النيسابورىّ، كان من ذوى الأموال فتخلى منها وصحب الجنيد وأبا حفص وأبا عثمان، وأقام ببغداد حتى صار شيخ الصوفية، فكان يقال عجائب بغداد إشارات الشبلي، ونكت المرتعش، وحكايات جعفر الخواص. سمعت أبا جعفر الصائغ يقول قال المرتعش: من ظن أن أفعاله تنجيه من النار أو تبلغه الرضوان فقد جعل لنفسه وفعله خطرا، ومن اعتمد على فضل الله بلغه الله أقصى منازل الرضوان. وقيل للمرتعش: إن فلانا يمشى على الماء. فقال إن مخالفة الهوى أعظم من المشي على الماء، والطيران في الهواء. ولما حضرته الوفاة بمسجد الشونيزية حسبوا ما عليه من الدين فإذا عليه سبعة عشر درهما، فقال: بيعوا خريقاتى هذه واقضوا بها ديني، وأرجو من الله تعالى أن يرزقني
стр. 3729
كفنا. وقد سألت الله ثلاثا: أن يميتني فقيرا، وأن يجعل وفاتي في هذا المسجد فانى صحبت فيه أقواما، وأن يجعل عندي من آنس به وأحبه. ثم أغمض عينيه ومات.
أبو سعيد الاصطخرى الحسن بن أحمد
ابن يزيد بن عيسى بن الفضل بن يسار، أبو سعيد الاصطخرى أحد أئمة الشافعية، كان زاهدا ناسكا عابدا، ولى القضاء بقم، ثم حسبة بغداد، فكان يدور بها ويصلى على بغلته، وهو دائر بين الأزقة، وكان متقللا جدا. وقد ذكرنا ترجمته في طبقات الشافعية، وله كتاب القضاء لم يصنف مثله في بابه، توفى وقد قارب التسعين ﵀.
على بن محمد أبو الحسن المزين الصغير
أحد مشايخ الصوفية، أصله من بغداد، وصحب الجنيد وسهلا التستري، وجاور بمكة حتى توفى في هذه السنة، وكان يحكى عن نفسه قال: وردت بئرا في أرض تبوك فلما دنوت منها زلقت فسقطت في البئر، وليس أحد يراني. فلما كنت في أسفله إذا فيه مصطبة فتعلقت بها وقلت: إن مت لم أفسد على الناس الماء وسكنت نفسي وطابت للموت، فبينا أنا كذلك إذا أفعى قد تدلت عليّ فلفت على ذنبها ثم رفعتني حتى أخرجتنى إلى وجه الأرض، وانسابت فلم أدر أين ذهبت، ولا من أين جاءت. وفي مشايخ الصوفية آخر يقال له أبو جعفر المزين الكبير، جاور بمكة ومات بها أيضا، وكان من العباد. روى الخطيب عن على بن أبى على إبراهيم بن محمد الطبري عن جعفر الخلدى قال:
ودعت في بعض حجاتى المزين الكبير فقلت له: زودني. فقال لي: إذا فقدت شيئا فقل يا جامع الناس ليوم لا ريب فيه، إن الله لا يخلف الميعاد، اجمع بيني وبين كذا، فان الله يجمع بينك وبين ذلك الشيء. قال: وجئت إلى الكتاني فودعته وسألته أن يزودنى، فأعطانى خاتما على فصه نقش فقال: إذا اغتممت فانظر إلى فص هذا الخاتم يزول غمك. قال: فكنت لا أدعو بذلك الدعاء إلا استجيب لي، ولا انظر في ذلك الفص إلا زال غمي، فبينا أنا ذات يوم في سمرية إذ هبت ريح شديدة، فأخرجت الخاتم لأنظر إليه فلم أدر كيف ذهب، فجعلت أدعو بذلك الدعاء يومى أجمع أن يجمع على الخاتم، فلما رجعت إلى المنزل فتشت المتاع الّذي في المنزل فإذا الخاتم في بعض ثيابي التي كانت بالمنزل.
صاحب كتاب العقد الفريد. أحمد بن عبد ربه
ابن حبيب بن جرير بن سالم أبو عمر القرطبي، مولى هشام بن عبد الرحمن بن معاوية بن هشام ابن عبد الملك بن مروان بن الحكم الأموي. كان من الفضلاء المكثرين، والعلماء بأخبار الأولين والمتأخرين، وكتابه العقد يدل على فضائل جمة، وعلوم كثيرة مهمة، ويدل كثير من كلامه
стр. 3730
على تشيع فيه، وميل إلى الحط على بنى أمية. وهذا عجيب منه، لأنه أحد مواليهم وكان الأولى به أن يكون ممن يواليهم لا ممن يعاديهم. قال ابن خلكان: وله ديوان شعر حسن، ثم أورد منه أشعارا في التغزل في المردان والنسوان أيضا. ولد في رمضان سنة ست وأربعين ومائتين، وتوفى بقرطبة يوم الأحد ثامن عشر جمادى الأولى من هذه السنة.
عمر بن أبى عمر محمد بن يوسف بن يعقوب
ابن حماد بن زيد بن درهم، أبو الحسين الأزدي الفقيه المالكي القاضي، ناب عن أبيه وعمره عشرون سنة، وكان حافظا للقرآن والحديث والفقه على مذهب مالك، والفرائض. والحساب واللغة والنحو والشعر. وصنف مسندا فرزق قوة الفهم وجودة القريحة، وشرف الأخلاق، وله الشعر الرائق الحسن، وكان مشكور السيرة في القضاء، عدلا ثقة إماما. قال الخطيب: أخبرنا أبو الطيب الطبرسي سمعت المعافى بن زكريا الجريريّ يقول: كنا نجلس في حضرة القاضي أبى الحسين فجئنا يوما ننتظره على العادة فجلسنا عند بابه، وإذا أعرابى جالس كأن له حاجة، إذ وقع غراب على نخلة في الدار، فصرخ ثم طار. فقال الأعرابي: إن هذا الغراب يخبر أن صاحب هذه الدار يموت بعد سبعة أيام. قال فزبرناه فقام وانصرف، ثم خرج الاذن من القاضي أن هلموا، فدخلنا فوجدناه متغير اللون مغتما، فقلنا له: ما الخبر، فقال: إني رأيت البارحة في المنام شخصا يقول:
منازل آل حماد بن زيد … على أهليك والنعم السلام
وقد ضاق لذلك صدري. قال: فدعونا له وانصرفنا. فلما كان اليوم السابع من ذلك اليوم دفن ليوم الخميس لسبع عشرة مضت من شعبان من هذه السنة وله من العمر تسع وثلاثون سنة، وصلى عليه ابنه أبو نصر وولى بعده القضاء. قال الصولي: بلغ القاضي أبو الحسين من العلم مبلغا عظيما مع حداثة سنه، وحين توفى كان الخليفة الراضي يبكى عليه ويحرضنا ويقول: كنت أضيق بالشيء ذرعا فيوسعه على، ثم يقول: والله لا بقيت بعده. فتوفى الراضي بعده في نصف ربيع الأول من هذه السنة الآتية رحمهما الله. وكان الراضي أيضا حدث السن.
ابن شنبوذ المقري
محمد بن أحمد بن أيوب بن الصلت أبو الحسن المقري المعروف بابن شنبوذ. روى عن أبى مسلم الكجي، وبشر بن موسى وخلق، واختار حروفا في القراءات أنكرت عليه، وصنف أبو بكر الأنباري كتابا في الرد عليه، وقد ذكرنا فيما تقدم كيف أنه عقد له مجلس في دار الوزير ابن مقلة، وأنه ضرب حتى رجع عن كثير منها، وكانت قراءات شاذة أنكرها عليه قراء أهل عصره. توفى في صفر منها، وقد دعا على الوزير ابن مقلة حين أمر بضربه فلم يفلح ابن مقلة بعدها، بل عوقب بأنواع من العقوبات،
стр. 3731
وقطعت يده ولسانه، وحبس حتى مات في هذه السنة التي مات فيها ابن شنبوذ. وهذه ترجمة ابن مقلة الوزير أحد الكتاب المشاهير وهو.
محمد بن على بن الحسن بن عبد الله
أبو على المعروف بابن مقلة الوزير. وقد كان في أول عمره ضعيف الحال، قليل المال، ثم آل به الحال إلى أن ولى الوزارة لثلاثة من الخلفاء: المقتدر، والقاهر، والراضي. وعزل ثلاث مرات، وقطعت يده ولسانه في آخر عمره، وحبس فكان يستقى الماء بيده اليسرى وأسنانه، وكان مع ذلك يكتب بيده اليمنى مع قطعها، كما كان يكتب بها وهي صحيحة. وقد كان خطه من أقوى الخطوط، كما هو مشهور عنه. وقد بنى له دارا في زمان وزارته وجمع عند بنيانها خلقا من المنجمين، فاتفقوا على وضع أساسها في الوقت الفلاني، فأسس جدرانها بين العشاءين كما أشار به المنجمون. فما لبث بعد استتمامها إلا يسيرا حتى خربت وصارت كوما، كما ذكرنا ذلك، وذكرنا ما كتبوا على جدرانها.
وقد كان له بستان كبير جدا، عدة اجربة - أي فدادين - وكان على جميعه شبكة من إبريسم، وفيه أنواع الطيور من القماري والهزار والببغ والبلابل والطواويس وغير ذلك شيء كثير، وفي أرضه من الغزلان وبقر الوحش والنعام وغير ذلك شيء كثير أيضا. ثم صار هذا كله عما قريب بعد النضرة والبهجة والبهاء إلى الهلاك والبوار والفناء والزوال. وهذه سنة الله في المغترين الجاهلين الراكنين إلى دار الفناء والغرور. وقد أنشد فيه بعض الشعراء حين بنى داره وبستانه وما اتسع فيه من متاع الدنيا:
قل لابن مقلة: لا تكن عجلا … واصبر، فإنك في أضغاث أحلام
تبنى بأحجر دور الناس مجتهدا … دارا ستهدم قنصا بعد أيام
ما زلت تختار سعد المشترى لها … فكم نحوس به من نحس بهرام
إن القران وبطليموس ما اجتمعا … في حال نقض ولا في حال إبرام
فعزل ابن مقلة عن وزارة بغداد وخربت داره وانقلعت أشجاره وقطعت يده، ثم قطع لسانه وصودر بألف ألف دينار، ثم سجن وحده ليس معه من يخدمه مع الكبر والضعف والضرورة وانعدام بعض أعضائه، حتى كان يستقى الماء بنفسه من بئر عميق، فكان يدلى الحبل بيده اليسرى ويمسكه بفيه. وقاسي جهدا جهيدا بعد ما ذاق عيشا رغيدا. ومن شعره في يده:
ما سئمت الحياة، لكن توثقت للحياة … بأيمانهم، فبانت يميني
بعت ديني لهم بدنياي حتى … حرموني دنياهم بعد ديني
ولقد حفظت ما استطعت بجهدي … حفظ أرواحهم، فما حفظوني
стр. 3732
ليس بعد اليمين لذة عيش … يا حياتي بانت يميني فبيني
وكان يبكى على يده كثيرا ويقول: كتبت بها القرآن مرتين، وخدمت بها ثلاثة من الخلفاء تقطع كما تقطع أيدي اللصوص ثم ينشد:
إذا ما مات بعضك فابك بعضا … فان البعض من بعض قريب
وقد مات عفا الله عنه في محبسه هذا ودفن في دار السلطان، ثم سأل ولده أبو الحسين أن يحول إلى عنده فأجيب فنبشوه ودفنه ولده عنده في داره. ثم سألت زوجته المعروفة بالدينارية أن يدفن في دارها فأجيبت إلى ذلك فنبش ودفن عندها. فهذه ثلاث مرات. توفى وله من العمر ست وخمسون سنة.
أبو بكر ابن الأنباري
محمد بن القاسم بن محمد بن بشار بن الحسن بن بيان بن سماعة بن فروة بن قطن بن دعامة أبو بكر الأنباري، صاحب كتاب الوقف والابتداء، وغيره من الكتب النافعة، والمصنفات الكثيرة. كان من بحور العلم في اللغة والعربية والتفسير والحديث، وغير ذلك. سمع الكديمي وإسماعيل القاضي وثعلبا وغيرهم، وكان ثقة صدوقا أديبا، دينا فاضلا من أهل السنة. كان من أعلم الناس بالنحو والأدب، وأكثرهم حفظا له، وكان له من المحافيظ مجلدات كثيرة، أحمال جمال وكان لا يأكل إلا النقالى ولا يشرب ماء إلا قريب العصر، مراعاة لذهنه وحفظه، ويقال: إنه كان يحفظ مائة وعشرين تفسيرا، وحفظ تعبير الرؤيا في ليلة، وكان يحفظ في كل جمعة عشرة آلاف ورقة، وكانت وفاته ليلة عيد النحر من هذه السنة.
أم عيسى بنت إبراهيم الحربي، كانت عالمة فاضلة، تفتي في الفقه. توفيت في رجب ودفنت إلى جانب أبيها رحمه الله تعالى.
ثم دخلت سنة تسع وعشرين وثلاثمائة
في المنتصف من ربيع الأول كانت وفاة الخليفة الراضي بالله أمير المؤمنين أبى العباس أحمد بن المقتدر بالله جعفر بن المعتضد بالله أحمد بن الموفق بن المتوكل بن المعتصم بن الرشيد العباسي، استخلف بعد عمه القاهر لست خلون من جمادى الأولى سنة ثنتين وعشرين وثلاثمائة. وأمه أم ولد رومية تسمى ظلوم، كان مولده في رجب سنة سبع وتسعين ومائتين، وكانت خلافته ست سنين وعشرة أشهر وعشرة أيام، وعمره يوم مات إحدى وثلاثين سنة وعشرة أشهر. وكان أسمر رقيق السمرة ذرى اللون أسود الشعر سبطه، قصير القامة، نحيف الجسم، في وجهه طول، وفي مقدم لحيته تمام، وفي شعرها رقة. هكذا وصفه من شاهده. قال الخطيب البغدادي: كان للراضى فضائل كثيرة، وختم الخلفاء في أمور عدة: منها أنه كان آخر خليفة له شعر، وآخرهم انفرد بتدبير الجيوش والأموال، وآخر خليفة
стр. 3733
خطب على المنبر يوم الجمعة، وآخر خليفة جالس الجلساء ووصل إليه الندماء. وآخر خليفة كانت نفقته وجوائزه وعطاياه وجراياته وخزائنه ومطابخه ومجالسه وخدمه وأصحابه وأموره كلها تجرى على ترتيب المتقدمين من الخلفاء. وقال غيره: كان فصيحا بليغا كريما جوادا ممدحا، ومن جيد كلامه الّذي سمعه منه محمد بن يحيى الصولي: لله أقوام هم مفاتيح الخير، وأقوام هم مفاتيح الشر، فمن أراد الله به خيرا قصده أهل الخير وجعله الوسيلة إلينا فنقضى حاجته وهو الشريك في الثواب والأجر والشكر.
ومن أراد الله به شرا عدل به إلى غيرنا وهو الشريك في الوزر والإثم والله المستعان على كل حال.
ومن ألطف الاعتذارات ما كتب به الراضي إلى أخيه المتقى وهما في المكتب - وكان المتقى قد اعتدى على الراضي والراضي هو الكبير منهما - فكتب: بسم الله الرحمن الرحيم، أنا معترف لك بالعبودية فرضا، وأنت معترف لي بالأخوة فضلا، والعبد يذنب والمولى يعفو. وقد قال الشاعر:
يا ذا الّذي يغضب من غير شي … اعتب فعتباك حبيب إلى
أنت على أنك لي ظالم … أعز خلق الله طرا على
قال فجاء إليه أخوه المتقى فأكب عليه يقبل يديه وتعانقا واصطلحا. ومن لطيف شعره قوله فيما ذكره ابن الأثير في كامله:
يصفر وجهي إذا تأمله … طرفي ويحمر وجهه خجلا
حتى كأن الّذي بوجنته … من دم جسمي إليه قد نقلا
قال: ومما رثى به أباه المقتدر:
ولو أن حيا كان قبرا لميت … لصيرت أحشائى لأعظمه قبرا
ولو أن عمري كان طوع مشيئتى … وساعدني المقدور قاسمته العمرا
بنفسي ثرى ضاجعت في تربة البلى … لقد ضم منك الغيث والليث والبدرا
ومما أنشده له ابن الجوزي في منتظمه:
لا تكثرن لومى على الاسراف … ربح المحامد متجر الأشراف
أحوى لما يأتي المكارم سابقا … وأشيد ما قد أسست أسلافى
إني من القوم الذين أكفهم … معتادة الاملاق والإتلاف
ومن شعره الّذي رواه الخطيب عنه من طريق أبى بكر محمد بن يحيى الصولي النديم قوله:
كل صفو إلى كدر … كل أمن إلى حذر
ومصير الشباب للموت … فيه أو الكبر
در در المشيب من … واعظ ينذر البشر
стр. 3734
أيها الآمل الّذي … تاه في لجة الغرر
أين من كان قبلنا … درس العين والأثر
سيرد المعاد من … عمره كله خطر
رب إني ادخرت … عندك أرجوك مدخر
رب إني مؤمن بما … بين الوحي في السور
واعترافي بترك نفعي … وإيثاري الضرر
رب فاغفر لى الخطيئة …، يا خير من غفر
وقد كانت وفاته بعلة الاستسقاء في ليلة السادس عشر من ربيع الأول منها. وكان قد أرسل إلى بجكم وهو بواسط أن يعهد إلى ولده الأصغر أبى الفضل، فلم يتفق له ذلك، وبايع الناس أخاه المتقى لله إبراهيم بن المقتدر، وكان أمر الله قدرا مقدورا.
ذكر خلافة المتقى بالله أبى إسحاق إبراهيم بن المقتدر
لما مات أخوه الراضي اجتمع القضاة والأعيان بدار بجكم واشتوروا فيمن يولون عليهم، فاتفق رأيهم كلهم على المتقى، فأحضروه في دار الخلافة وأرادوا بيعته فصلى ركعتين صلاة الاستخارة وهو على الأرض، ثم صعد إلى الكرسي بعد الصلاة، ثم صعد إلى السرير وبايعه الناس يوم الأربعاء لعشر بقين من ربيع الأول منها، فلم يغير على أحد شيئا، ولا غدر بأحد حتى ولا على سريته لم يغيرها ولم يتسر عليها. وكان كاسمه المتقى بالله كثير الصيام والصلاة والتعبد. وقال: لا أريد جليسا ولا مسامرا، حسبي المصحف نديما، لا أريد نديما غيره. فانقطع عنه الجلساء والسمار والشعراء والوزراء والتفوا على الأمير بجكم، وكان يجالسهم ويحادثونه ويتناشدون وعنده الأشعار، وكان بجكم لا يفهم كثير شيء مما يقولون لعجمته، وكان في جملتهم سنان بن ثابت الصابي المتطبب، وكان بجكم يشكو إليه قوة النفس الغضبية فيه، وكان سنان يهذب من أخلاقه ويسكن جأشه، ويروض نفسه حتى يسكن عن بعض ما كان يتعاطاه من سفك الدماء، وكان المتقى بالله حسن الوجه معتدل الخلق قصير الأنف أبيض مشربا حمرة، وفي شعره شقرة، وجعودة، كث اللحية، أشهل العينين، أبى النفس. لم يشرب خمرا ولا نبيذا قط، فالتقى فيه الاسم والفعل ولله الحمد. ولما استقر المتقى في الخلافة أنفذ الرسول والخلع إلى بجكم وهو بواسط، ونفذت المكاتبات إلى الآفاق بولايته.
وفيها تحارب أبو عبد الله البريدي وبجكم بناحية الأهواز، فقتل بجكم في الحرب واستظهر البريدي عليه وقوى أمره، فاحتاط الخليفة على حواصل بجكم، وكان في جملة ما أخذ من أمواله ألف ألف دينار، ومائة ألف دينار. وكانت أيام بجكم على بغداد سنتين وثمانية أشهر وتسعة أيام. ثم إن
стр. 3735
البريدي حدثته نفسه ببغداد، فأنفق المتقى أموالا جزيلة في الجند ليمنعوه من ذلك، فركب بنفسه، فخرج لأثناء الطريق ليمنعه من دخول بغداد، فخالفه البريدي ودخل بغداد في ثانى رمضان، ونزل بالشفيع، فلما تحقق المتقى ذلك بعث إليه يهنئه وأرسل إليه بالأطعمة، وخوطب بالوزير ولم يخاطبه بإمرة الأمراء. فأرسل البريدي يطلب من المتقى خمسمائة ألف دينار، فامتنع الخليفة من ذلك فبعث إليه يتهدده ويتوعده ويذكره ما حل بالمعز والمستعين والمهتدي والقاهر. واختلفت الرسل بينهم، ثم كان آخر ذلك أن بعث الخليفة إليه بذلك قهرا، ولم يتفق اجتماع الخليفة والبريدي ببغداد حتى خرج منها البريدي إلى واسط، وذلك أنه ثارت عليه الديالمة والتفوا على كبيرهم كورتكين، وراموا حريق دار البريدي، ونفرت عن البريدي طائفة من جيشه، يقال لهم البجكمية، لأنه لما قبض المال من الخليفة لم يعطهم منه شيئا، وكانت من البجكمية طائفة أخرى قد اختلفت معه أيضا وهم والديالمة قد صاروا حزبين. والتفوا مع الديالمة فانهزم البريدي من بغداد يوم سلخ رمضان، واستولى كورتكين على الأمور ببغداد، ودخل إلى المتقى فقلده إمرة الأمراء، وخلع عليه، واستدعى المتقى على بن عيسى وأخاه عبد الرحمن ففوض إلى عبد الرحمن تدبير الأمور من غير تسمية بوزارة، ثم قبض كورتكين على رئيس الأتراك بكبك غلام بجكم وغرقه. ثم تظلمت العامة من الديلم، لأنهم كانوا يأخذون منهم دورهم، فشكوا ذلك إلى كورتكين فلم يشكهم، فمنعت العامة الخطباء أن يصلوا في الجوامع، واقتتل الديلم والعامة، فقتل من الفريقين خلق كثير وجم غفير. وكان الخليفة قد كتب إلى أبى بكر محمد بن رائق صاحب الشام يستدعيه إليه ليخلصه من الديلم ومن البريدي، فركب إلى بغداد في العشرين من رمضان ومعه جيش عظيم، وقد صار إليه من الأتراك البجكمية خلق كثير، وحين وصل إلى الموصل حاد عن طريقه ناصر الدولة بن حمدان، فتراسلا ثم اصطلحا، وحمل ابن حمدان مائة ألف دينار، فلما اقترب ابن رائق من بغداد خرج كورتكين في جيشه ليقاتله، فدخل ابن رائق بغداد من غربيها ورجع كورتكين بجيشه فدخل من شرقيها، ثم تصافوا ببغداد للقتال وساعدت العامة ابن رائق على كورتكين فانهزم الديلم وقتل منهم خلق كثير، وهرب كورتكين فاختفى، واستقر أمر ابن رائق وخلع عليه الخليفة وركب هو وإياه في دجلة فظفر ابن رائق بكورتكين فأودعه السجن الّذي في دار الخلافة.
قال ابن الجوزي: وفي يوم الجمعة ثانى عشر جمادى الأولى حضر الناس لصلاة الجمعة يجامع براثى، وقد كان المقتدر أحرق هذا الجامع لأنه كبسه فوجد فيه جماعة من الشيعة يجتمعون فيه للسب والشتم، فلم يزل خرابا حتى عمره بجكم في أيام الراضي، ثم أمر المتقى بوضع منبر فيه كان عليه اسم الرشيد وصلى فيه الناس الجمعة. قال: فلم يزل تقام فيه إلى ما بعد سنة خمسين وأربعمائة. قال: وفي جمادى الآخرة
стр. 3736
في ليلة سابعة كانت ليلة برد ورعد وبرق، فسقطت القبة الخضراء من قصر المنصور، وقد كانت هذه القبة تاج بغداد ومأثرة من مآثر بنى العباس عظيمة، بنيت أول ملكهم، وكان بين بنيانها وسقوطها مائة وسبعة وثمانون سنة. قال: وخرج عن الناس التشرينان والكانونان منها ولم يمطروا فيها بشيء سوى مطرة واحدة لم ينبل منها التراب، فغلت الأسعار ببغداد حتى بيع الكر بمائة وثلاثين دينارا.
ووقع الفناء في الناس حتى كان الجماعة يدفنون في القبر الواحد، من غير غسل ولا صلاة، وبيع العقار والإناث بأرخص الأسعار، حتى كان يشترى بالدرهم ما يساوى الدينار في غير تلك الأيام ورأت امرأة رسول الله ﷺ في منامها وهو يأمرها بخروج الناس إلى الصحراء لصلاة الاستسقاء، فأمر الخليفة بامتثال ذلك فصلى الناس واستسقوا فجاءت الأمطار فزادت الفرات شيئا لم ير مثله، وغرقت العباسية، ودخل الماء الشوارع ببغداد، فسقطت القنطرة العتيقة والجديدة، وقطعت الأكراد الطريق على قافلة من خراسان، فأخذوا منهم ما قيمته ثلاثة آلاف دينار، وكان أكثر ذلك من أموال بجكم التركي. وخرج الناس للحج ثم رجعوا من أثناء الطريق بسبب رجل من العلويين قد خرج بالمدينة النبويّة، ودعا إلى نفسه وخرج عن الطاعة.
وفيها توفى من الأعيان
أحمد بن إبراهيم
ابن تزمرد الفقيه أحد أصحاب ابن سريج. خرج من الحمام إلى خارجة فسقط عليه الحمام فمات من فوره
بجكم التركي
أمير الأمراء ببغداد، قبل بنى بويه. كان عاقلا يفهم بالعربية ولا يتكلم بها. يقول أخاف أن أخطئ والخطأ من الرئيس قبيح. وكان مع ذلك يحب العلم وأهله، وكان كثير الأموال والصدقات، ابتدأ يعمل مارستان ببغداد فلم يتم، فجدده عضد الدولة ابن بويه، وكان بجكم يقول: العدل ربح السلطان في الدنيا والآخرة. وكان يدفن أموالا كثيرة في الصحراء، فلما مات لم يدر أين هي، وكان ندماء الراضي قد التفوا على بجكم وهو بواسط، وكان قد ضمنها بثمانمائة ألف دينار من الخليفة، وكانوا يسامرونه كالخليفة، وكان لا يفهم أكثر ما يقولون، وراض له مزاجه الطيب سنان بن ثابت الصابي حتى لان خلقه وحسنت سيرته، وقلت سطوته، ولكن لم يعمر إلا قليلا بعد ذلك. ودخل عليه مرة رجل فوعظه فأبكاه فأمر له بمائة ألف درهم، فلحقه بها الرسول فقال بجكم لجلسائه: ما أظنه يقبلها ولا يريدها، وما يصنع هذا بالدنيا؟ هذا رجل مشغول بالعبادة، ماذا يصنع بالدراهم؟ فما كان بأسرع من أن رجع الغلام وليس معه شيء، فقال بجكم: قبلها؟ قال: نعم! فقال بجكم: كلنا صيادون ولكن الشباك مختلفة. توفى لسبع بقين من رجب من هذه السنة. وسبب موته أنه خرج يتصيد فلقى طائفة من الأكراد فاستهان بهم فقاتلوه فضربه رجل منهم فقتله. وكانت إمرته على بغداد سنتين وثمانية
стр. 3737
أشهر وتسعة أيام. وخلف من الأموال والحواصل ما ينيف على ألفى ألف دينار، أخذها المتقى لله كلها.
أبو محمد البربهاري
العالم الزاهد الفقيه الحنبلي الواعظ، صاحب المروزي وسهلا التستري، وتنزه عن ميراث أبيه، - وكان سبعين ألفا - لأمر كرهه. وكان شديدا على أهل البدع والمعاصي، وكان كبير القدر تعظمه الخاصة والعامة، وقد عطس يوما وهو يعظ فشتمه الحاضرون، ثم شمته من سمعهم حتى شمته أهل بغداد، فانتهت الضجة إلى دار الخلافة، فغار الخليفة من ذلك وتكلم فيه جماعة من أرباب الدولة، فطلب فاختفى عند أخت بوران شهرا، ثم أخذه القيام - داء - فمات عندها، فأمرت خادمها فصلى عليه، فامتلأت الدار رجالا عليهم ثياب بياض. ودفنته عندها ثم أوصت إذا ماتت أن تدفن عنده. وكان عمره يوم مات ستا وتسعين سنة ﵀.
يوسف بن يعقوب بن إسحاق بن البهلول
أبو بكر الأزرق - لأنه كان أزرق العينين - التنوخي الكاتب، سمع جده والزبير بن بكار، والحسين بن عرفة وغيرهم، وكان خشن العيش كثير الصدقة. فيقال إنه تصدق بمائة ألف دينار، وكان أمارا بالمعروف نهاء عن المنكر، روى عنه الدار قطنى وغيره من الحفاظ، وكان ثقة عدلا.
توفى في ذي الحجة منها عن ثنتين وتسعين سنة رحمه الله تعالى.
ثم دخلت سنة ثلاثين وثلاثمائة
قال ابن الجوزي: في المحرم منها ظهر كوكب بذنب رأسه إلى المغرب وذنبه إلى المشرق، وكان عظيما جدا، وذنبه منتشر، وبقي ثلاثة عشر يوما إلى أن اضمحل. قال: وفي نصف ربيع الأول بلغ الكر من الحنطة مائتي دينار، وأكل الضعفاء الميتة، ودام الغلاء وكثر الموت، وتقطعت السبل وشغل الناس بالمرض والفقر، وتركوا دفن الموتى، وشغلوا عن الملاهي واللعب. قال: ثم جاء مطر كأفواه القرب، وبلغت زيادة دجلة عشرين ذراعا وثلثا. وذكر ابن الأثير في الكامل أن محمد بن رائق وقع بينه وبين البريدي وحشة لأجل أن البريدي منع خراج واسط، فركب إليه ابن رائق ليتسلم ما عنده من المال، فوقعت مصالحة ورجع ابن رائق إلى بغداد، فطالبه الجند بأرزاقهم، وضاق عليه حاله، وتحيز جماعة من الأتراك عنه إلى البريدي فضعف جانب ابن رائق وكاتب البريدي بالوزارة ببغداد، ثم قطع اسم الوزارة عنه، فاشتد حنق البريدي عليه، وعزم على أخذ بغداد، فبعث أخاه أبا الحسين في جيش إلى بغداد، فتحصن ابن رائق مع الخليفة بدار الخلافة ونصبت فيها المجانيق والعرادات - العرادة شيء أصغر من المنجنيق - على دجلة أيضا. فاضطربت أهل بغداد ونهب الناس بعضهم بعضا ليلا ونهارا، وجاء أبو الحسين أخو أبى عبد الله البريدي بمن معه فقاتلهم الناس
стр. 3738
في البر وفي دجلة، وتفاقم الحال جدا، مع ما الناس فيه من الغلاء والوباء والفناء. ف ﴿إِنّا لِلّهِ وَإِنّا إِلَيْهِ راجِعُونَ﴾. ثم إن الخليفة وابن رائق انهزما في جمادى الآخرة - ومع الخليفة ابنه منصور - في عشرين فارسا، فقصدوا نحو الموصل، واستحوذ أبو الحسين على دار الخلافة وقتل من وجد فيها من الحاشية، ونهبوها حتى وصل النهب إلى الحريم، ولم يتعرضوا للقاهر وهو إذ ذاك أعمى مكفوفا، وأخرجوا كورتكين من الحبس، فبعثه أبو الحسين إلى البريدي، فكان آخر العهد به، ونهبوا بغداد جهارا علانية، ونزل أبو الحسين بدار مؤنس الخادم التي كان يسكنها ابن رائق، وكانوا يكبسون الدور ويأخذون ما فيها من الأموال، فكثر الجور وغلت الأسعار جدا، وضرب أبو الحسين المكس على الحنطة والشعير، وذاق أهل بغداد لباس الجوع والخوف بما كانوا يصنعون. وكان معه طائفة كبيرة من القرامطة فأفسدوا في البلد فسادا عظيما، ووقع بينهم وبين الأتراك حروب طويلة شديدة، فغلبهم الترك وأخرجوهم من بغداد، فوقعت الحرب بين العامة والديلم جند أبى الحسين. وفي شعبان منها اشتد الحال أيضا ونهبت المساكن وكبس أهلها ليلا ونهارا، وخرج جند البريدي فنهبوا الغلات من القرى والحيوانات، وجرى ظلم لم يسمع بمثله. قال ابن الأثير: وإنما ذكرنا هذا ليعلم الظلمة أن أخبارهم الشنيعة تنقل وتبقى بعدهم على وجه الأرض وفي الكتب، ليذكروا بها ويذموا ويعابوا، ذلك لهم خزي في الدنيا وأمرهم إلى الله لعلهم أن يتركوا الظلم لهذا إن لم يتركوه لله. وقد كان الخليفة أرسل وهو ببغداد إلى ناصر الدولة بن حمدان نائب الموصل يستمده ويستحثه على البريدي، فأرسل ناصر الدولة أخاه سيف الدولة عليا في جيش كثيف، فلما كان بتكريت إذا الخليفة وابن رائق قد هربا فرجع معهما سيف الدولة إلى أخيه، وخدم سيف الدولة الخليفة خدمة كثيرة. ولما صلوا إلى الموصل خرج عنها ناصر الدولة فنزل شرقها، وأرسل التحف والضيافات، ولم يجئ إلى الخليفة خوفا من الغائلة من جهة ابن رائق، فأرسل الخليفة ولده أبا منصور ومعه ابن رائق للسلام على ناصر الدولة، فصارا إليه فأمر ناصر الدولة أن ينثر الذهب والفضة على رأس ولد الخليفة، وجلسا عنده ساعة، ثم قاما ورجعا، فركب ابن الخليفة وأراد ابن رائق أن يركب معه، فقال له ناصر الدولة: اجلس اليوم عندي حتى نفكر فيما نصنع في أمرنا هذا، فاعتذر إليه بابن الخليفة واستراب بالأمر وخشي، فقبض ابن حمدان بكمه فجبذه ابن رائق منه فانقطع كمه، وركب سريعا فسقط عن فرسه فأمر ناصر الدولة بقتله فقتل، وذلك يوم الاثنين لسبع بقين من رجب منها. فأرسل الخليفة إلى ابن حمدان فاستحضره وخلع عليه ولقبه ناصر الدولة يومئذ، وجعله أمير الأمراء، وخلع على أخيه أبى الحسن ولقبه سيف الدولة يومئذ، ولما قتل ابن رائق وبلغ خبر مقتله إلى صاحب مصر الإخشيد محمد بن طغج ركب إلى دمشق فتسلمها من محمد بن يزداد نائب ابن رائق ولم ينتطح فيها عنزان. ولما بلغ خبر مقتله إلى بغداد فارق
стр. 3739
أكثر الأتراك أبا الحسين البريدي لسوء سيرته، وقبح سريرته قبحه الله، وقصدوا الخليفة وابن حمدان فتقوى بهم، وركب هو والخليفة إلى بغداد، فلما اقتربوا منها هرب عنها أبو الحسين أخو البريدي فدخلها المتقى ومعه بنو حمدان في جيوش كثيرة، وذلك في شوال منها، ففرح المسلمون فرحا شديدا.
وبعث الخليفة إلى أهله - وقد كان أخرجهم إلى سامرا - فردهم، وتراجع أعيان الناس إلى بغداد بعد ما كانوا قد ترحلوا عنها. ورد الخليفة أبا إسحاق الفزاري إلى الوزارة وولى توزون شرطة جانبي بغداد، وبعث ناصر الدولة أخاه سيف الدولة في جيش وراء أبى الحسين أخى البريدي، فلحقه عند المدائن فاقتتلوا قتالا شديدا في أيام نحسات، ثم كان آخر الأمر أن انهزم أبو الحسين إلى أخيه البريدي بواسط، وقد ركب ناصر الدولة بنفسه فنزل المدائن قوة لأخيه. وقد انهزم سيف الدولة مرة من أخى البريدي فرده أخوه وزاده جيشا حتى كسر البريدي، وأسر جماعة من أعيان أصحابه، وقتل منهم خلقا كثيرا. ثم أرسل أخاه سيف الدولة إلى واسط لقتال أبى عبد الله البريدي، فانهزم منه البريدي وأخوه إلى البصرة وتسلم سيف الدولة واسطا، وسيأتي ما كان من خبره في السنة الآتية مع البريدي.
وأما ناصر الدولة فإنه عاد إلى بغداد فدخلها في ثالث عشر ذي الحجة وبين يديه الأسارى على الجمال، ففرح المسلمون واطمأنوا ونظر في المصالح العامة وأصلح معيار الدينار. وذلك أنه وجده قد غير عما كان عليه، فضرب دنانير سماها الا بريزية، فكانت تباع كل دينار بثلاثة عشر درهما، وإنما كان يباع ما قبلها بعشرة. وعزل الخليفة بدرا الخرشنى عن الحجابة وولاها سلامة الطولونى، وجعل بدرا على طريق الفرات، فسار إلى الإخشيد فأكرمه واستنابه على دمشق فمات بها. وفيها وصلت الروم إلى قريب حلب فقتلوا خلقا وأسروا نحوا من خمسة عشر ألفا، ف ﴿إِنّا لِلّهِ وَإِنّا إِلَيْهِ راجِعُونَ﴾. وفيها دخل نائب طرسوس إلى بلاد الروم فقتل وسبى وغنم وسلم وأسر من بطارقتهم المشهورين منهم وغيرهم خلقا كثيرا ولله الحمد.
وفيها توفى من الأعيان.
إسحاق بن محمد بن يعقوب النهرجورى
أحد مشايخ الصوفية، صحب الجنيد بن محمد وغيره، من أئمة الصوفية، وجاور بمكة حتى مات بها. ومن كلامه الحسن: مفاوز الدنيا تقطع بالأقدام، ومفاوز الآخرة تقطع بالقلوب.
الحسين بن إسماعيل بن محمد بن إسماعيل بن سعيد بن أبان
أبو عبد الله الضبيّ القاضي المحاملي الفقيه الشافعيّ المحدث، سمع الكثير وأدرك خلقا من أصحاب ابن عيينة، نحوا من سبعين رجلا. وروى عن جماعة من الأئمة، وعنه الدار قطنى وخلق، وكان يحضر مجلسه نحو من عشرة آلاف. وكان صدوقا دينا فقيها محدثا، ولى قضاء الكوفة ستين سنة،
стр. 3740
وأضيف إليه قضاء فارس وأعمالها، ثم استعفى من ذلك كله ولزم منزله، واقتصر على إسماع الحديث وسماعه. توفى في ربيع الآخر من هذه السنة عن خمس وتسعين سنة. وقد تناظر هو وبعض الشيعة بحضرة بعض الأكابر فجعل الشيعي يذكر مواقف على يوم بدر وأحد والخندق وخيبر وحنين وشجاعته. ثم قال للمحاملى: أتعرفها؟ قال: نعم، ولكن أتعرف أنت أين كان الصديق يوم بدر؟ كان مع رسول الله ﷺ في العريش بمنزلة الرئيس الّذي يحامى عنه، وعلى ﵁ في المبارزة، ولو فرض أنه انهزم أو قتل لم يخزل الجيش بسببه. فأفحم الشيعي. وقال المحاملي وقد قدمه الذين رووا لنا الصلاة والزكاة والوضوء بعد رسول الله ﷺ فقدموه عليه حيث لا مال له ولا عبيد ولا عشيرة وقد كان أبو بكر يمنع عن رسول الله ﷺ ويجاحف عنه، وإنما قدموه لعلمهم أنه خيرهم. فأفحمه أيضا.
على بن محمد بن سهل
أبو الحسن الصائغ، أحد الزهاد العباد أصحاب الكرامات. روى عن ممشاد الدينَوَريّ أنه شاهد أبا الحسن هذا يصلى في الصحراء في شدة الحر ونسر قد نشر عليه جناحه يظله من الحر.
قال ابن الأثير: وفيها توفى أبو الحسن على بن إسماعيل الأشعري المتكلم المشهور، وكان مولده سنة ستين ومائتين، وهو من ولد أبى موسى الأشعري. قلت: الصحيح أن الأشعري توفى سنة أربع وعشرين ومائتين كما تقدم ذكره هناك. قال: وفيها توفى محمد بن يوسف بن النضر الهروي الفقيه الشافعيّ، وكان مولده سنة تسع وعشرين ومائتين، أخذ عن الربيع بن سليمان صاحب الشافعيّ.
قلت: وقد توفى فيها أبو حامد بن بلال. وزكريا بن أحمد البلخي. وعبد الغافر بن سلامة الحافظ، ومحمد بن رائق الأمير ببغداد. وفيها توفى الشيخ:
أبو صالح مفلح الحنبلي
واقف مسجد أبى صالح ظاهر باب شرقى من دمشق، وكانت له كرامات وأحوال ومقامات، واسمه مفلح بن عبد الله أبو صالح المتعبد، الّذي ينسب إليه المسجد خارج باب شرقى من دمشق، صحب الشيخ أبا بكر بن سعيد حمدونة الدمشقيّ، وتأدب به، وروى عنه الموحد بن إسحاق بن البري، وأبو الحسن على بن العجة قيم المسجد، وأبو بكر بن داود الدينَوَريّ الدقى. روى الحافظ ابن عساكر من طريق الدقى عن الشيخ أبى صالح. قال: كنت أطوف بجبل لكام أطلب العباد فمررت برجل وهو جالس على صخرة مطرق رأسه فقلت له: ما تصنع هاهنا؟ فقال: انظر وأرعى. فقلت له: لا أرى بين يديك شيئا تنظر إليه ولا ترعاه إلا هذه العصاة والحجارة. فقال: بل انظر خواطر قلبي وأرعى أوامر ربى، وبالذي أطلعك على إلا صرفت بصرك عنى. فقلت له: نعم ولكن عظني بشيء أنتفع به حتى أمضى عنك. فقال: من لزم الباب أثبت في الخدم، ومن أكثر ذكر الموت أكثر الندم
стр. 3741
ومن استغنى بالله أمن العدم، ثم تركني ومضى. وقال أبو صالح: مكثت ستة أيام أو سبعة لم آكل ولم أشرب، ولحقني عطش عظيم، فجئت إلى النهر الّذي وراء المسجد فجلست انظر إلى الماء، فتذكرت قوله تعالى ﴿وَكانَ عَرْشُهُ عَلَى الْماءِ﴾ فذهب عنى العطش، فمكثت تمام العشرة أيام. وقال: مكثت أربعين يوما لم أشرب، ثم شربت، وأخذ رجل فضلتى ثم ذهب إلى امرأته فقال: اشربى فضل رجل قد مكث أربعين يوما لم يشرب الماء. قال أبو صالح: ولم يكن اطلع على ذلك أحد إلا الله . ومن كلام أبى صالح: الدنيا حرام على القلوب حلال على النفوس، لأن كل شيء يحل لك أن تنظر بعين رأسك إليه يحرم عليك أن تنظر بعين قلبك إليه. وكان يقول: البدن لباس القلب والقلب لباس الفؤاد، والفؤاد لباس الضمير، والضمير لباس السر، والسر لباس المعرفة به. ولأبى صالح مناقب كثيرة ﵀. توفى في جمادى الأولى من هذه السنة والله سبحانه أعلم.
نم دخلت سنة إحدى وثلاثين وثلاثمائة
فيها دخل سيف الدولة إلى واسط وقد انهزم عنها البريدي وأخوه أبو الحسين، ثم اختلف الترك على سيف الدولة، فهرب منها قاصدا بغداد، وبلغ أخاه أمير الأمراء خبره فخرج من بغداد إلى الموصل، فنهبت داره. وكانت دولته على بغداد ثلاثة عشر شهرا وخمسة أيام. وجاء أخوه سيف الدولة بعد خروجه منها فنزل بباب حرب، فطلب من الخليفة أن يمده بمال يتقوى به على حرب تورون، فبعث إليه بأربعمائة ألف درهم، ففرقها بأصحابه. وحين سمع بقدوم تورون خرج من بغداد ودخلها تورون في الخامس والعشرين من رمضان، فخلع عليه الخليفة وجعله أمير الأمراء واستقر أمره ببغداد. وعند ذلك رجع البريدي إلى واسط وأخرج من كان بها من أصحاب تورون وكان في أسر تورون غلام سيف الدولة، يقال له ثمال، فأرسله إلى مولاه ليخبره حاله ويرفع أمره عند آل حمدان. وفيها كانت زلزلة عظيمة ببلاد نسا، سقط منها عمارات كثيرة، وهلك بسببها خلق كثير. قال ابن الجوزي: وكان ببغداد في أيلول وتشرين حر شديد يأخذ بالأنفاس. وفي صفر منها ورد الخبر بورود الروم إلى أرزن وميافارقين وأنهم سبوا.
وفي ربيع الآخر منها عقد أبو منصور إسحاق بن الخليفة المتقى عقده على علوية بنت ناصر الدولة بن حمدان، على صداق مائة ألف دينار وألف ألف درهم، وولى العقد على الجارية المذكورة أبو عبد الله محمد بن أبى موسى الهاشمي، ولم يحضر ناصر الدولة، وضرب ناصر الدولة سكة ضرب فيها ناصر الدولة عبد آل محمد.
قال ابن الجوزي: وفيها غلت الأسعار حتى أكل الناس الكلاب ووقع البلاء في الناس، ووافى من الجراد شيء كثير جدا، حتى بيع منه كل خمسين رطلا بالدرهم، فارتفق الناس به في
стр. 3742
الغلاء. وفيها ورد كتاب ملك الروم إلى الخليفة يطلب فيه منديلا بكنيسة الرها كان المسيح قد مسح بها وجهه فصارت صورة وجهه فيه، وأنه متى وصل هذا المنديل يبعث من الأسارى خلقا كثيرا. فأحضر الخليفة العلماء فاستشارهم في ذلك، فمن قائل نحن أحق بعيسى منهم، وفي بعثه إليهم غضاضة على المسلمين ووهن في الدين. فقال على بن عيسى الوزير: يا أمير المؤمنين إنقاذ أسارى المسلمين من أيدي الكفار خير وأنفع للناس من بقاء ذلك المنديل بتلك الكنيسة. فأمر الخليفة بإرسال ذلك المنديل إليهم وتخليص أسرى المسلمين من أيديهم. قال الصولي: وفيها وصل الخبر بأن القرمطى ولد له مولود فأهدى إليه أبو عبد الله البريدي هدايا كثيرة، منها مهد من ذهب مرصع بالجوهر، وجلاله منسوج بالذهب محلى باليواقيت، وغير ذلك. وفيها كثر الرفض ببغداد فنودي بها من ذكر أحدا من الصحابة بسوء فقد برئت منه الذمة. وبعث الخليفة إلى عماد الدولة ابن بويه خلعا فقبلها ولبسها بحضرة القضاة والأعيان. وفيها كانت وفاة السعيد نصر بن أحمد بن إسماعيل الساماني صاحب خراسان وما وراء النهر، وقد مرض قبل موته بالسل سنة وشهرا، واتخذ في داره بيتا سماه بيت العبادة، فكان يلبس ثيابا نظافا ويمشى إليه حافيا ويصلى فيه، ويتضرع ويكثر الصلاة. وكان يجتنب المنكرات والآثام إلى أن مات ﵀، فقام بالأمر من بعده ولده نوح بن نصر الساماني، ولقب بالأمير الحميد. وقتل محمد بن أحمد النسفي، وكان قد طعن فيه عنده وصلبه.
وفيها توفى من الأعيان
ثابت بن سنان بن قرة الصابي
أبو سعيد الطبيب، أسلم على يد القاهر بالله ولم يسلم ولده ولا أحد من أهل بيته، وقد كان مقدما في الطب وفي علوم أخر كثيرة. توفى في ذي القعدة منها بعلة الذرب ولم تغن عنه صناعته شيئا، حتى جاءه الموت. وما أحسن ما قال بعض الشعراء في ذلك:
قل للذي صنع الدواء بكفه … أترد مقدورا [عليك قد] جرى
مات المداوي والمداوى والّذي … صنع الدواء بكفه ومن اشترى
وذكر ابن الجوزي في المنتظم وفاة الأشعري فيها وتكلم فيه وحط عليه كما جرت عادة الحنابلة يتكلمون في الأشعرية قديما وحديثا. وذكر أنه ولد سنة ستين ومائتين، وتوفى في هذه السنة، وأنه صحب الجبائي أربعين سنة ثم رجع عنه، وتوفى ببغداد ودفن بمشرعة السرواني.
محمد بن أحمد بن يعقوب بن شيبة
ابن الصلت السدوسي مولاهم أبو بكر، سمع جده وعباسا الدوري وغيرهما، وعنه أبو بكر بن مهدي وكان ثقة. روى الخطيب أن والد محمد هذا حين ولد أخذ طالع مولده المنجمون فحسبوا عمره وقالوا:
إنه يعيش كذا وكذا. فأرصد أبوه له جبا فكان يلقى فيه عن كل يوم من عمره الّذي أخبروه به
стр. 3743
دينارا، فلما امتلأ أرصد له جبا آخر كذلك، ثم آخر كذلك، فكان يضع فيها في كل يوم ثلاثة دنانير على عدد أيام عمر ولده. ومع هذا ما أفاده ذلك شيئا، بل افتقر هذا الولد حتى صار يستعطى من الناس، وكان يحضر مجلس السماع عليه عباءة بلا إزار، فكان يتصدق عليه أهل المجلس بشيء يقوم بأوده. والسعيد من أسعده الله .
محمد بن مخلد بن جعفر
أبو عمر الدوري العطار، كان يسكن الدور - وهي محلة بطرف بغداد - سمع الحسن بن عرفة والزبير بن بكار ومسلم بن الحجاج وغيرهم، وعنه الدار قطنى وجماعة، وكان ثقة فهما واسع الرواية مشكور الديانة مشهورا بالعبادة. توفى في جمادى الأولى منها، وقد استكمل سبعا وسبعين سنة وثمانية أشهر وإحدى وعشرين يوما. المجنون البغدادي روى ابن الجوزي من طريق أبى بكر الشبلي قال:
رأيت مجنونا عند جامع الرصافة وهو عريان وهو يقول: أنا مجنون الله، أنا مجنون الله. فقلت له: مالك ألا تستتر وتدخل الجامع وتصلى؟ فأنشأ يقول:
يقولون زرنا واقض واجب حقنا … وقد أسقطت حالي حقوقهم عنى
إذا هم رأوا حالي ولم يأنفوا لها … ولم يأنفوا منها أنفت لهم منى
ثم دخلت سنة ثنتين وثلاثين وثلاثمائة
فيها خرج المتقى أمير المؤمنين من بغداد إلى الموصل مغاضبا لتورون، وهو إذ ذاك بواسط، وقد زوج ابنته من أبى عبد الله البريدي، وصارا يدا واحدة على الخليفة. وأرسل ابن شير زاد في ثلاثمائة إلى بغداد فأفسد فيها وقطع ووصل، واستقل بالأمر من غير مراجعة المتقى. فغضب المتقى وخرج منها مغاضبا له بأهله وأولاده ووزيره ومن اتبعه من الأمراء، قاصدا الموصل إلى بنى حمدان، فتلقاه سيف الدولة إلى تكريت، ثم جاءه ناصر الدولة وهو بتكريت أيضا، وحين خرج المتقى من بغداد أكثر ابن شيرزاد فيها الفساد، وظلم أهلها وصادرهم، وأرسل يعلم تورون، فأقبل مسرعا نحو تكريت فتواقع هو وسيف الدولة فهزم تورون سيف الدولة وأخذ معسكره ومعسكر أخيه ناصر الدولة ثم كر إليه سيف الدولة فهزمه تورون أيضا، وانهزم المتقى وناصر الدولة وسيف الدولة من الموصل إلى نصيبين وجاء تورون فدخل الموصل وأرسل إلى الخليفة يطلب رضاه، فأرسل الخليفة يقول: لا سبيل إلى ذلك إلا أن تصالح بنى حمدان، فاصطلحوا، وضمن ناصر الدولة بلاد الموصل بثلاثة آلاف ألف وستمائة ألف، ورجع تورون إلى بغداد وأقام الخليفة عند بنى حمدان. وفي غيبة تورون هذه عن واسط أقبل إليها معز الدولة بن بويه في خلق من الديلم كثيرين، فانحدر تورون مسرعا إلى واسط فاقتتل مع معز الدولة بضعة عشر يوما، وكان آخر الأمر أن انهزم معز الدولة ونهبت حواصله، وقتل
стр. 3744
من جيشه خلق كثير، وأسر جماعة من أشراف أصحابه. ثم عاود تورون ما كان يعتريه من مرض الصرع فشغل بنفسه فرجع إلى بغداد.
وفيها قتل أبو عبد الله البريدي أخاه أبا يوسف، وكان سبب ذلك أن البريدي قلّ ما في يده من الأموال، فكان يستقرض من أخيه أبى يوسف فيقرضه القليل، ثم يشنع عليه ويذم تصرفه بمال الجند، إلى أن مال الجند إلى أبى يوسف وأعرض غالبهم عن البريدي، فخشي أن يبايعوه فأرسل إليه طائفة من غلمانه فقتلوه غيلة، ثم انتقل إلى داره وأخذ جميع حواصله وأمواله، فكان قيمة ما أخذ منه من الأموال ما يقارب ثلاثمائة ألف ألف دينار. ولم يمتع بعده إلا ثمانية أشهر مرض فيها مرضا شديدا بالحمى الحادة، حتى كانت وفاته في شوال من هذه السنة، فقام مقامه أخوه أبو الحسين قبحه الله فأساء السيرة في أصحابه، فثاروا عليه فلجأ إلى القرامطة قبحهم الله فاستجار بهم فقام بالأمر من بعده أبو القاسم بن أبى عبد الله البريدي في بلاد واسط والبصرة وتلك النواحي ومن الأهواز وغيرها.
وأما الخليفة المتقى لله فإنه لما أقام عند أولاد حمدان بالموصل ظهر له منهم تضجر، وأنهم يرغبون في مفارقته. فكتب إلى تورون في الصلح فاجتمع تورون مع القضاة والأعيان وقرءوا كتاب الخليفة وقابله بالسمع والطاعة، وحلف له ووضع خطه بالإقرار له ولمن معه بالإكرام والاحترام، فكان من الخليفة ودخوله إلى بغداد ما سيأتي في السنة الآتية.
وفيها أقبلت طائفة من الروس في البحر إلى نواحي أذربيجان فقصدوا بردعة فحاصروها، فلما ظفروا بأهلها قتلوهم عن آخرهم، وغنموا أموالهم وسبوا من استحسنوا من نسائهم، ثم مالوا إلى المراغة، فوجدوا بها ثمارا كثيرة، فأكلوا منها فأصابهم وباء شديد فمات أكثرهم، وكان إذا مات أحدهم دفنوا معه ثيابه وسلاحه، فأخذه المسلمون وأقبل إليهم المرزبان بن محمد فقتل منهم. وفي ربيع الأول منها جاء الدمستق ملك الروم إلى رأس العين في ثمانين ألفا فدخلها ونهب ما فيها وقتل وسبي منهم نحوا من خمسة عشر ألفا، وأقام بها ثلاثة أيام، فقصدته الأعراب من كل وجه فقاتلوه قتالا عظيما حتى انجلى عنها. وفي جمادى الأولى منها غلت الأسعار ببغداد جدا وكثرت الأمطار حتى تهدم البناء، ومات كثير من الناس تحت الهدم، وتعطلت أكثر الحمامات والمساجد من قلة الناس ونقصت قيمة العقار حتى بيع منه بالدرهم ما كان يساوى الدينار، وخلت الدور. وكان الدلالون يعطون من يسكنها أجرة ليحفظها من الداخلين إليها ليخربوها. وكثرت الكبسات من اللصوص بالليل، حتى كان الناس يتحارسون بالبوقات والطبول، وكثرت الفتن من كل جهة ف ﴿إِنّا لِلّهِ وَإِنّا إِلَيْهِ راجِعُونَ﴾، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا.
وفي رمضان منها كانت وفاة أبى طاهر سليمان بن أبى سعيد الحسن الجنابي الهجريّ القرمطى.
стр. 3745
رئيس القرامطة، قبحه الله، وهذا هو الّذي قتل الحجيج حول الكعبة وفي جوفها، وسلبها كسوتها وأخذ بابها وحليتها، واقتلع الحجر الأسود من موضعه وأخذه معه إلى بلده هجر، فمكث عنده من سنة تسع عشرة وثلاثمائة ثم مات قبحه الله وهو عندهم لم يردوه إلى سنة تسع وثلاثين وثلاثمائة كما سيأتي.
ولما مات هذا القرمطى قام بالأمر من بعده إخوته الثلاثة، وهم أبو العباس الفضل، وأبو القاسم سعيد، وأبو يعقوب يوسف بنو أبى سعيد الجنابي، وكان أبو العباس ضعيف البدن مقبلا على قراءة الكتب، وكان أبو يعقوب مقبلا على اللهو واللعب، ومع هذا كانت كلمة الثلاثة واحدة لا يختلفون في شيء، وكان لهم سبعة من الوزراء متفقون أيضا.
وفي شوال منها توفى أبو عبد الله البريدي فاستراح المسلمون من هذا كما استراحوا من الآخر.
وفيها توفى من الأعيان
أبو العباس بن عقدة الحافظ.
أحمد بن محمد بن سعيد بن عبد الرحمن
أبو العباس الكوفي المعروف بابن عقدة، لقبوه، بذلك من أجل تعقيده في التصريف والنحو، وكان أيضا عقدة في الورع والنسك، وكان من الحفاظ الكبار، سمع الحديث الكثير ورحل فسمع من خلائق من المشايخ، وسمع منه الطبراني والدار قطنى وابن الجعابيّ وابن عدي وابن المظفر وابن شاهين. قال الدار قطنى: أجمع أهل الكوفة على أنه لم ير من زمن ابن مسعود إلى زمان ابن عقدة أحفظ منه، ويقال إنه كان يحفظ نحوا من ستمائة ألف حديث، منها ثلاثمائة ألف في فضائل أهل البيت، بما فيها من الصحاح والضعاف، وكانت كتبه ستمائة حمل جمل، وكان ينسب مع هذا كله إلى التشيع والمغالاة. قال الدار قطنى: كان رجل سوء. ونسبه ابن عدي إلى أنه كان يعمل النسخ لأشياخ ويأمرهم بروايتها. قال الخطيب: حدثني على بن محمد بن نصر قال سمعت حمزة بن يوسف سمعت أبا عمر بن حيويه يقول: كان ابن عقدة يجلس في جامع براثى معدن الرفض يملى مثالب الصحابة - أو قال الشيخين - فتركت حديثه لا أحدث عنه بشيء. قلت: وقد حررت الكلام فيه في كتابنا التكميل بما فيه كفاية، توفى في ذي القعدة منها.
أحمد بن عامر بن بشر بن حامد المروروذي
نسبة إلى مروالروذ، والروذ اسم للنهر، وهو الفقيه الشافعيّ تلميذ أبى إسحاق المروذي - نسبة إلى مروذ الشاهجان، وهي أعظم من تلك البلاد، له شرح مختصر المزني، وله كتاب الجامع في المذهب، وصنف في أصول الفقه، وكان إماما لا يشق غباره. توفى في هذه السنة ﵀.
ثم دخلت سنة ثلاث وثلاثين وثلاثمائة
فيها رجع الخليفة المتقى إلى بغداد وخلع من الخلافة وسملت عيناه، وكان - وهو مقيم بالموصل -
стр. 3746
قد أرسل إلى الإخشيد محمد بن طغج صاحب مصر والبلاد الشامية أن يأتيه، فأقبل إليه في المنتصف من المحرم من هذه السنة، وخضع للخليفة غاية الخضوع، وكان يقوم بين يديه كما تقوم الغلمان، ويمشى والخليفة راكب، ثم عرض عليه أن يصير معه إلى الديار المصرية أو يقوم ببلاد الشام، وليته فعل، بل أبى عليه، فأشار عليه بالمقام مكانه بالموصل، ولا يذهب إلى تورون، وحذره من مكر تورون وخديعته، فلم يقبل ذلك، وكذلك أشار عليه وزيره أبو حسين بن مقلة فلم يسمع. وأهدى ابن طغج للخليفة هدايا كثيرة فاخرة، وكذلك أهدى إلى الأمراء والوزير، ثم رجع إلى بلاده، واجتاز بحلب فانحاز عنها صاحبها أبو عبد الله بن سعيد بن حمدان. وكان ابن مقاتل بها، فأرسله إلى مصر نائبا عنه حتى يعود إليها. وأما الخليفة فإنه ركب من الرقة في الدجلة إلى بغداد وأرسل إلى تورون فاستوثق منه ما كان حلف له من الأيمان فأكدها وقررها، فلما قرب من بغداد خرج إليه تورون ومعه العساكر، فلما رأى الخليفة قبل الأرض بين يديه وأظهر له أنه قد وفى له بما كان حلف له عليه وأنزله في منظرته، ثم جاء فاحتاط على من مع الخليفة من الكبراء، وأمر بسمل عيني الخليفة فسملت عيناه، فصاح صيحة عظيمة سمعها الحريم فضجت الأصوات بالبكاء، فأمر تورون بضرب الدبادب حتى لا تسمع أصوات الحريم، ثم انحدر من فوره إلى بغداد فبايع المستكفي. فكانت خلافة المتقى ثلاثة سنين وخمسة أشهر وعشرين يوما، وقيل وأحد عشر شهرا. وستأتي ترجمته عند ذكر وفاته.
خلافة المستكفي بالله أبى القاسم عبد الله بن المكتفي بن المعتضد
لما رجع تورون إلى بغداد وقد سمل عيني المتقى استدعى بالمستكفي فبايعه ولقب بالمستكفي بالله واسمه عبد الله، وذلك في العشر الأواخر من صفر من هذا السنة، وجلس تورون بين يديه وخلع عليه المستكفي، وكان المستكفي مليح الشكل ربعة حسن الجسم والوجه، أبيض اللون مشربا حمرة أقنى الأنف خفيف العارضين، وكان عمره يوم بويع بالخلافة إحدى وأربعين سنة. وأحضر المتقى بين يديه وبايعه وأخذ منه البردة والقضيب، واستوزر أبا الفرج محمد بن على السامري، ولم يكن إليه من الأمر شيء، وإنما الّذي يتولى الأمور ابن شيرزاد، وحبس المتقى بالسجن. وطلب المستكفي أبا القاسم الفضل بن المقتدر، وهو الّذي ولى الخلافة بعد ذلك، ولقب المطيع لله، فاختفى منه ولم يظهر مدة خلافة المستكفي، فأمر المستكفي بهدم داره التي عند دجلة.
وفيها مات القائم الفاطمي وتولى ولده المنصور إسماعيل فكتم موت أبيه مدة حتى اتفق أمره ثم أظهره، والصحيح أن القائم مات في التي بعدها. وقد حاربهم أبو يزيد الخارجي فيها، وأخذ منهم مدنا كبارا وكسروه مرارا، متعددة، ثم يبرز إليهم ويجمع الرجال ويقاتلهم، فانتدب المنصور هذا لقتاله بنفسه وجرت بينهم حروب يطول ذكرها، وقد بسطها ابن الأثير في كامله. وقد انهزم في
стр. 3747
بعض الأحيان جيش المنصور ولم يبق إلا في عشرين نفسا. فقاتل بنفسه قتالا عظيما، فهزم أبا يزيد بعد ما كاد يقتله، وثبت المنصور ثباتا عظيما، فعظم في أعين الناس وزادت حرمته وهيبته، واستنقذ بلاد القيروان منه، وما زال يحاربه حتى ظفر به المنصور وقتله. ولما جيء برأسه سجد شكر الله. وكان أبو يزيد هذا قبيح الشكل أعرج قصيرا خارجيا شديدا يكفر أهل الملة.
وفي ذي الحجة منها قتل أبو الحسين البريدي وصلب ثم أحرق، وذلك أنه قدم بغداد يستنجد بتورون وأبى جعفر بن شيرزاد على ابن أخيه، فوعدوه النصر، ثم شرع يفسد ما بين تورون وابن شيرزاد، فعلم بذلك ابن شير زاد فأمر بسجنه وضربه، ثم أفتاه بعض الفقهاء بإباحة دمه، فأمر بقتله وصلبه ثم أحرقه، وانقضت أيام البريدية، وزالت دولتهم. وفيها أمر المستكفي بإخراج القاهر الّذي كان خليفة وأنزله دار ابن طاهر، وقد افتقر القاهر حتى لم يبق له شيء من اللباس سوى قطعة عباءة يلتف بها، وفي رجله قبقاب من خشب. وفيها اشتد البرد والحر. وفيها ركب معز الدولة في رجب منها إلى واسط فبلغ خبره إلى تورون فركب هو المستكفي، فلما سمع بهما رجع إلى بلاده وتسلمها الخليفة وضمنها أبو القاسم بن أبى عبد الله، ثم رجع تورون والخليفة إلى بغداد في شوال منها. وفيها ركب سيف الدولة على بن أبى الهيجاء عبد الله بن حمدان إلى حلب فتسلمها من يأنس المؤنسي، ثم سار إلى حمص ليأخذها فجاءته جيوش الإخشيد محمد بن طغج مع مولاه كافور فاقتتلوا بقنسرين، فلم يظفر أحد منهما بصاحبه، ورجع سيف الدولة إلى الجزيرة، ثم عاد إلى حلب فاستقر ملكه بها، فقصدته الروم في جحافل عظيمة، فالتقى معهم فظفر بهم فقتل منهم خلقا كثيرا.
ثم دخلت سنة أربع وثلاثين وثلاثمائة
في المحرم زاد الخليفة في لقبه إمام الحق، وكتب ذلك على السكة المتعامل بها، ودعا له الخطباء على المنابر أيام الجمع. وفي المحرم منها مات تورون التركي في داره ببغداد، وكانت إمارته سنتين وأربعة أشهر وعشرة أيام. وكان ابن شيرزاد كاتبه، وكان غائبا بهيت لتخليص المال، فلما بلغه موته أراد أن يعقد البيعة لناصر الدولة بن حمدان فاضطربت الأجناد وعقدوا الرئاسة عليهم لابن شيرزاد فحضر ونزل بباب حرب مستهل صفر، وخرج إليه الأجناد كلهم وحلفوا له وحلف الخليفة والقضاة والأعيان، ودخل على الخليفة فخاطبه بأمير الأمراء، وزاد في أرزاق الجند وبعث إلى ناصر الدولة يطالبه بالخراج، فبعث إليه بخمسمائة ألف درهم وبطعام يفرقه في الناس، وأمر ونهى وعزل وولى، وقطع ووصل. وفرح بنفسه ثلاثة أشهر وعشرين يوما. ثم جاءت الأخبار بأن معز الدولة بن بويه قد أقبل في الجيوش قاصدا بغداد، فاختفى ابن شيرزاد والخليفة أيضا، وخرج إليه الأتراك قاصدين الموصل ليكونوا مع ناصر الدولة بن حمدان.
стр. 3748
ذكر أول دولة بنى بويه وحكمهم ببغداد
أقبل معز الدولة أحمد بن الحسن بن بويه في جحافل عظيمة من الجيوش قاصدا بغداد، فلما اقترب منها بعث إليه الخليفة المستكفي بالله الهدايا والانزالات، وقال للرسول: أخبره أنى مسرور به، وأنى إنما اختفيت من شر الأتراك الذين انصرفوا إلى الموصل، وبعث إليه بالخلع والتحف، ودخل معز الدولة بغداد في جمادى الأولى من هذه السنة، فنزل بباب الشماسية، ودخل من الغد إلى الخليفة فبايعه، ودخل عليه المستكفي ولقبه بمعز الدولة، ولقب أخاه أبا الحسن بعماد الدولة، وأخاه أبا على الحسن بركن الدولة، وكتب ألقابهم على الدراهم والدنانير. ونزل معز الدولة بدار مؤنس الخادم، ونزل أصحابه من الديلم بدور الناس، فلقى الناس منهم ضائقة شديدة، وأمن معز الدولة ابن شيرزاد، فلما ظهر استكتبه على الخراج، ورتب للخليفة بسبب نفقاته خمسة آلاف درهم في كل يوم، واستقرت الأمور على هذا النظام والله أعلم.
ذكر القبض على الخليفة المستكفي بالله وخلعه
لما كان اليوم الثاني والعشرين من جمادى الآخرة حضر معز الدولة إلى الحضرة فجلس على سرير بين يدي الخليفة، وجاء رجلان من الديلم فمدا أيديهما إلى الخليفة فأنزلاه عن كرسيه، وسحباه فتحربت عمامته في حلقه، ونهض معز الدولة واضطربت دار الخلافة حتى خلص إلى الحريم، وتفاقم الحال، وسيق الخليفة ماشيا إلى دار معز الدولة فاعتقل بها، وأحضر أبو القاسم الفضل بن المقتدر فبويع بالخلافة وسملت عينا المستكفي وأودع السجن فلم يزل به مسجونا حتى كانت وفاته في سنة ثمان وثلاثين وثلاثمائة كما يأتى ذكر ترجمته هناك.
خلافة المطيع لله
لما قدم معز الدولة بغداد وقبض على المستكفي وسمل عينيه استدعى بأبي القاسم الفضل بن المقتدر بالله، وقد كان مختفيا من المستكفي وهو يحث على طلبه ويجتهد، فلم يقدر عليه، ويقال إنه اجتمع بمعز الدولة سرا فحرضه على المستكفي حتى كان من أمره ما كان، ثم أحضره وبويع له بالخلافة ولقب بالمطيع لله، وبايعه الأمراء والأعيان والعامة، وضعف أمر الخلافة جدا حتى لم يبق للخليفة أمر ولا نهى ولا وزير أيضا، وإنما يكون له كاتب على أقطاعه، وإنما الدولة ومورد المملكة ومصدرها راجع إلى معز الدولة، وذلك لأن بنى بويه ومن معهم من الديلم كان فيهم تعسف شديد، وكانوا يرون أن بنى العباس قد غصبوا الأمر من العلويين، حتى عزم معز الدولة على تحويل الخلافة إلى العلويين واستشار أصحابه فكلهم أشار عليه بذلك، إلا رجلا واحدا من أصحابه، كان سديد الرأى فيهم، فقال لا أرى لك ذلك. قال: ولم ذاك؟ قال: لأن هذا خليفة ترى أنت وأصحابك أنه غير صحيح الامارة
стр. 3749
حتى لو أمرت بقتله قتله أصحابك، ولو وليت رجلا من العلويين اعتقدت أنت وأصحابك ولايته صحيحة فلو أمرت بقتله لم تطع بذلك، ولو أمر بقتلك لقتلك أصحابك. فلما فهم ذلك صرفه عن رأيه الأول وترك ما كان عزم عليه للدنيا لا لله .
ثم نشبت الحرب بين ناصر الدولة بن حمدان وبين معز الدولة بن بويه، فركب ناصر الدولة بعد ما خرج معز الدولة والخليفة إلى عكبرا فدخل بغداد فأخذ الجانب الشرقي ثم الغربي، وضعف أمر معز الدولة والديلم الذين كانوا معه، ثم مكر به معز الدولة وخدعه حتى استظهر عليه وانتصر أصحابه فنهبوا بغداد وما قدروا عليه من أموال التجار وغيرهم. وكان قيمة ما أخذ أصحاب معز الدولة من الناس عشرة آلاف ألف دينار، ثم وقع الصلح بين ناصر الدولة ومعز الدولة، ورجع ابن حمدان إلى بلده الموصل، واستقر أمر معز الدولة ببغداد، ثم شرع في استعمال السعاة ليبلغ أخاه ركن الدولة أخباره، فغوى الناس في ذلك وعلموا أبناءهم سعاة، حتى أن من الناس من كان يقطع نيفا وثلاثين فرسخا في يوم واحد. وأعجبه المصارعون والملاكمون. وغيرهم من أرباب هذه الصناعات التي لا ينتفع بها إلا كل قليل العقل فاسد المروءة، وتعلموا السباحة ونحوها، وكانت تضرب الطبول بين يديه ويتصارع الرجال والكوسان تدق حول سور المكان الّذي هو فيه، وكل ذلك رعونة وقلة عقل وسخافة منه.
ثم احتاج إلى صرف أموال في أرزاق الجند فأقطعهم البلاد عوضا عن أرزاقهم، فأدى ذلك إلى خراب البلاد وترك عمارتها إلا الأراضي التي بأيدي أصحاب الجاهات.
وفي هذه السنة وقع غلاء شديد ببغداد حتى أكلوا الميتة والسنانير والكلاب، وكان من الناس من يسرق الأولاد فيشويهم ويأكلهم. وكثر الوباء في الناس حتى كان لا يدفن أحد أحدا، بل يتركون على الطرقات فيأكل كثيرا منهم الكلاب، وبيعت الدور والعقار بالخبز، وانتجع الناس إلى البصرة فكان منهم من مات في الطريق ومنهم من وصل إليها بعد مدة مديدة.
وفيها كانت وفاة القائم بأمر الله أبى القاسم محمد بن عبد الله المهدي، وولى الأمر من بعده ولده المنصور إسماعيل، وكان حازم الرأى شديدا شجاعا كما ذكرنا ذلك في السنة الماضية، وكانت وفاته في شوال من هذه السنة على الصحيح.
وفيها توفى الإخشيد محمد بن طغج صاحب الديار المصرية والبلاد الشامية، كانت وفاته بدمشق وله من العمر بضع وستون سنة، وأقيم ولده أبو القاسم أبو جور - وكان صغيرا - وأقيم كافور الإخشيد أتابكه، وكان يدبر الممالك بالبلاد كلها، واستحوذ على الأمور كلها وسار إلى مصر فقصد سيف الدولة بن حمدان دمشق فأخذها من أصحاب الإخشيد، ففرح بها فرحا شديدا، واجتمع بمحمد ابن محمد بن نصر الفارابيّ التركي الفيلسوف بها. وركب سيف الدولة يوما مع الشريف العقيلي في
стр. 3750
بعض نواحي دمشق، فنظر سيف الدولة إلى الغوطة فأعجبته وقال: ينبغي أن يكون هذا كله لديوان السلطان - كأنه يعرض بأخذها من ملاكها - فأوغر ذلك صدر العقيلي وأوعاه إلى أهل دمشق، فكتبوا إلى كافور الإخشيدي يستنجدونه، فأقبل إليهم في جيوش كثيرة كثيفة، فأجلى عنهم سيف الدولة وطرده عن حلب أيضا واستناب عليها ثم كر راجعا إلى دمشق فاستناب عليها بدرا الإخشيدي - ويعرف ببدير - فلما صار كافور إلى الديار المصرية رجع سيف الدولة إلى حلب فأخذها كما كانت أولا له، ولم يبق له في دمشق شيء يطمع فيه. وكافور هذا الّذي هجاء المتنبي ومدحه أيضا.
وممن توفى فيها من الأعيان.
الخرقى [عمر بن الحسين]
صاحب المختصر في الفقه على مذهب الامام أحمد، وقد شرحه القاضي أبو يعلى بن الفراء والشيخ موفق الدين بن قدامة المقدسي، وقد كان الخرقى هذا من سادات الفقهاء والعباد، كثير الفضائل والعبادة، خرج من بغداد مهاجرا لما كثر بها الشر والسب للصحابة، وأودع كتبه في بغداد فاحترقت الدار التي كانت فيها الكتب، وعدمت مصنفاته، وقصد دمشق فأقام بها حتى مات في هذه السنة، وقبره بباب الصغير يزار قريبا من قبور الشهداء. وذكر في مختصره هذا في الحج: ويأتى الحجر الأسود ويقبله إن كان هناك، وإنما قال ذلك لأن تصنيفه لهذا الكتاب كان والحجر الأسود قد أخذته القرامطة وهو في أيديهم في سنة سبع عشرة وثلاثمائة كما تقدم ذلك، ولم يرد إلى مكانه إلا سنة سبع وثلاثين كما سيأتي بيانه في موضعه. قال الخطيب البغدادي: قال لي القاضي أبو يعلى: كانت للخرقى مصنفات كثيرة وتخريجات على المذهب لم تظهر لأنه خرج من مدينته لما ظهر بها سب الصحابة وأودع كتبه فاحترقت الدار التي هي فيها فاحترقت الكتب ولم تكن قد انتشرت لبعده عن البلد.
ثم روى الخطيب من طريقه عن أبى الفضل عبد السميع عن الفتح بن شخرف عن الخرقى قال:
رأيت أمير المؤمنين على بن أبى طالب في المنام فقال لي: ما أحسن تواضع الأغنياء للفقراء!! قال:
قلت زدني يا أمير المؤمنين. قال: وأحسن من ذلك تيه الفقراء على الأغنياء. قال ورفع له كفه فإذا فيها مكتوب:
قد كنت ميتا فصرت حيا … وعن قريب تعود ميتا
فابن بدار البقاء بيتا … ودع بدار الفناء بيتا
قال ابن بطة: مات الخرقى بدمشق سنة أربع وثلاثين وثلاثمائة وزرت قبره ﵀.
محمد بن عيسى
أبو عبد الله بن موسى الفقيه الحنفي أحد أئمة العراقيين في زمانه، وقد ولى القضاء ببغداد