قد أرسل إلى الإخشيد محمد بن طغج صاحب مصر والبلاد الشامية أن يأتيه، فأقبل إليه في المنتصف من المحرم من هذه السنة، وخضع للخليفة غاية الخضوع، وكان يقوم بين يديه كما تقوم الغلمان، ويمشى والخليفة راكب، ثم عرض عليه أن يصير معه إلى الديار المصرية أو يقوم ببلاد الشام، وليته فعل، بل أبى عليه، فأشار عليه بالمقام مكانه بالموصل، ولا يذهب إلى تورون، وحذره من مكر تورون وخديعته، فلم يقبل ذلك، وكذلك أشار عليه وزيره أبو حسين بن مقلة فلم يسمع. وأهدى ابن طغج للخليفة هدايا كثيرة فاخرة، وكذلك أهدى إلى الأمراء والوزير، ثم رجع إلى بلاده، واجتاز بحلب فانحاز عنها صاحبها أبو عبد الله بن سعيد بن حمدان. وكان ابن مقاتل بها، فأرسله إلى مصر نائبا عنه حتى يعود إليها. وأما الخليفة فإنه ركب من الرقة في الدجلة إلى بغداد وأرسل إلى تورون فاستوثق منه ما كان حلف له من الأيمان فأكدها وقررها، فلما قرب من بغداد خرج إليه تورون ومعه العساكر، فلما رأى الخليفة قبل الأرض بين يديه وأظهر له أنه قد وفى له بما كان حلف له عليه وأنزله في منظرته، ثم جاء فاحتاط على من مع الخليفة من الكبراء، وأمر بسمل عيني الخليفة فسملت عيناه، فصاح صيحة عظيمة سمعها الحريم فضجت الأصوات بالبكاء، فأمر تورون بضرب الدبادب حتى لا تسمع أصوات الحريم، ثم انحدر من فوره إلى بغداد فبايع المستكفي. فكانت خلافة المتقى ثلاثة سنين وخمسة أشهر وعشرين يوما، وقيل وأحد عشر شهرا. وستأتي ترجمته عند ذكر وفاته.
خلافة المستكفي بالله أبى القاسم عبد الله بن المكتفي بن المعتضد
لما رجع تورون إلى بغداد وقد سمل عيني المتقى استدعى بالمستكفي فبايعه ولقب بالمستكفي بالله واسمه عبد الله، وذلك في العشر الأواخر من صفر من هذا السنة، وجلس تورون بين يديه وخلع عليه المستكفي، وكان المستكفي مليح الشكل ربعة حسن الجسم والوجه، أبيض اللون مشربا حمرة أقنى الأنف خفيف العارضين، وكان عمره يوم بويع بالخلافة إحدى وأربعين سنة. وأحضر المتقى بين يديه وبايعه وأخذ منه البردة والقضيب، واستوزر أبا الفرج محمد بن على السامري، ولم يكن إليه من الأمر شيء، وإنما الّذي يتولى الأمور ابن شيرزاد، وحبس المتقى بالسجن. وطلب المستكفي أبا القاسم الفضل بن المقتدر، وهو الّذي ولى الخلافة بعد ذلك، ولقب المطيع لله، فاختفى منه ولم يظهر مدة خلافة المستكفي، فأمر المستكفي بهدم داره التي عند دجلة.
وفيها مات القائم الفاطمي وتولى ولده المنصور إسماعيل فكتم موت أبيه مدة حتى اتفق أمره ثم أظهره، والصحيح أن القائم مات في التي بعدها. وقد حاربهم أبو يزيد الخارجي فيها، وأخذ منهم مدنا كبارا وكسروه مرارا، متعددة، ثم يبرز إليهم ويجمع الرجال ويقاتلهم، فانتدب المنصور هذا لقتاله بنفسه وجرت بينهم حروب يطول ذكرها، وقد بسطها ابن الأثير في كامله. وقد انهزم في
стр. 3747
بعض الأحيان جيش المنصور ولم يبق إلا في عشرين نفسا. فقاتل بنفسه قتالا عظيما، فهزم أبا يزيد بعد ما كاد يقتله، وثبت المنصور ثباتا عظيما، فعظم في أعين الناس وزادت حرمته وهيبته، واستنقذ بلاد القيروان منه، وما زال يحاربه حتى ظفر به المنصور وقتله. ولما جيء برأسه سجد شكر الله. وكان أبو يزيد هذا قبيح الشكل أعرج قصيرا خارجيا شديدا يكفر أهل الملة.
وفي ذي الحجة منها قتل أبو الحسين البريدي وصلب ثم أحرق، وذلك أنه قدم بغداد يستنجد بتورون وأبى جعفر بن شيرزاد على ابن أخيه، فوعدوه النصر، ثم شرع يفسد ما بين تورون وابن شيرزاد، فعلم بذلك ابن شير زاد فأمر بسجنه وضربه، ثم أفتاه بعض الفقهاء بإباحة دمه، فأمر بقتله وصلبه ثم أحرقه، وانقضت أيام البريدية، وزالت دولتهم. وفيها أمر المستكفي بإخراج القاهر الّذي كان خليفة وأنزله دار ابن طاهر، وقد افتقر القاهر حتى لم يبق له شيء من اللباس سوى قطعة عباءة يلتف بها، وفي رجله قبقاب من خشب. وفيها اشتد البرد والحر. وفيها ركب معز الدولة في رجب منها إلى واسط فبلغ خبره إلى تورون فركب هو المستكفي، فلما سمع بهما رجع إلى بلاده وتسلمها الخليفة وضمنها أبو القاسم بن أبى عبد الله، ثم رجع تورون والخليفة إلى بغداد في شوال منها. وفيها ركب سيف الدولة على بن أبى الهيجاء عبد الله بن حمدان إلى حلب فتسلمها من يأنس المؤنسي، ثم سار إلى حمص ليأخذها فجاءته جيوش الإخشيد محمد بن طغج مع مولاه كافور فاقتتلوا بقنسرين، فلم يظفر أحد منهما بصاحبه، ورجع سيف الدولة إلى الجزيرة، ثم عاد إلى حلب فاستقر ملكه بها، فقصدته الروم في جحافل عظيمة، فالتقى معهم فظفر بهم فقتل منهم خلقا كثيرا.
ثم دخلت سنة أربع وثلاثين وثلاثمائة
في المحرم زاد الخليفة في لقبه إمام الحق، وكتب ذلك على السكة المتعامل بها، ودعا له الخطباء على المنابر أيام الجمع. وفي المحرم منها مات تورون التركي في داره ببغداد، وكانت إمارته سنتين وأربعة أشهر وعشرة أيام. وكان ابن شيرزاد كاتبه، وكان غائبا بهيت لتخليص المال، فلما بلغه موته أراد أن يعقد البيعة لناصر الدولة بن حمدان فاضطربت الأجناد وعقدوا الرئاسة عليهم لابن شيرزاد فحضر ونزل بباب حرب مستهل صفر، وخرج إليه الأجناد كلهم وحلفوا له وحلف الخليفة والقضاة والأعيان، ودخل على الخليفة فخاطبه بأمير الأمراء، وزاد في أرزاق الجند وبعث إلى ناصر الدولة يطالبه بالخراج، فبعث إليه بخمسمائة ألف درهم وبطعام يفرقه في الناس، وأمر ونهى وعزل وولى، وقطع ووصل. وفرح بنفسه ثلاثة أشهر وعشرين يوما. ثم جاءت الأخبار بأن معز الدولة بن بويه قد أقبل في الجيوش قاصدا بغداد، فاختفى ابن شيرزاد والخليفة أيضا، وخرج إليه الأتراك قاصدين الموصل ليكونوا مع ناصر الدولة بن حمدان.
стр. 3748
ذكر أول دولة بنى بويه وحكمهم ببغداد
أقبل معز الدولة أحمد بن الحسن بن بويه في جحافل عظيمة من الجيوش قاصدا بغداد، فلما اقترب منها بعث إليه الخليفة المستكفي بالله الهدايا والانزالات، وقال للرسول: أخبره أنى مسرور به، وأنى إنما اختفيت من شر الأتراك الذين انصرفوا إلى الموصل، وبعث إليه بالخلع والتحف، ودخل معز الدولة بغداد في جمادى الأولى من هذه السنة، فنزل بباب الشماسية، ودخل من الغد إلى الخليفة فبايعه، ودخل عليه المستكفي ولقبه بمعز الدولة، ولقب أخاه أبا الحسن بعماد الدولة، وأخاه أبا على الحسن بركن الدولة، وكتب ألقابهم على الدراهم والدنانير. ونزل معز الدولة بدار مؤنس الخادم، ونزل أصحابه من الديلم بدور الناس، فلقى الناس منهم ضائقة شديدة، وأمن معز الدولة ابن شيرزاد، فلما ظهر استكتبه على الخراج، ورتب للخليفة بسبب نفقاته خمسة آلاف درهم في كل يوم، واستقرت الأمور على هذا النظام والله أعلم.
ذكر القبض على الخليفة المستكفي بالله وخلعه
لما كان اليوم الثاني والعشرين من جمادى الآخرة حضر معز الدولة إلى الحضرة فجلس على سرير بين يدي الخليفة، وجاء رجلان من الديلم فمدا أيديهما إلى الخليفة فأنزلاه عن كرسيه، وسحباه فتحربت عمامته في حلقه، ونهض معز الدولة واضطربت دار الخلافة حتى خلص إلى الحريم، وتفاقم الحال، وسيق الخليفة ماشيا إلى دار معز الدولة فاعتقل بها، وأحضر أبو القاسم الفضل بن المقتدر فبويع بالخلافة وسملت عينا المستكفي وأودع السجن فلم يزل به مسجونا حتى كانت وفاته في سنة ثمان وثلاثين وثلاثمائة كما يأتى ذكر ترجمته هناك.
خلافة المطيع لله
لما قدم معز الدولة بغداد وقبض على المستكفي وسمل عينيه استدعى بأبي القاسم الفضل بن المقتدر بالله، وقد كان مختفيا من المستكفي وهو يحث على طلبه ويجتهد، فلم يقدر عليه، ويقال إنه اجتمع بمعز الدولة سرا فحرضه على المستكفي حتى كان من أمره ما كان، ثم أحضره وبويع له بالخلافة ولقب بالمطيع لله، وبايعه الأمراء والأعيان والعامة، وضعف أمر الخلافة جدا حتى لم يبق للخليفة أمر ولا نهى ولا وزير أيضا، وإنما يكون له كاتب على أقطاعه، وإنما الدولة ومورد المملكة ومصدرها راجع إلى معز الدولة، وذلك لأن بنى بويه ومن معهم من الديلم كان فيهم تعسف شديد، وكانوا يرون أن بنى العباس قد غصبوا الأمر من العلويين، حتى عزم معز الدولة على تحويل الخلافة إلى العلويين واستشار أصحابه فكلهم أشار عليه بذلك، إلا رجلا واحدا من أصحابه، كان سديد الرأى فيهم، فقال لا أرى لك ذلك. قال: ولم ذاك؟ قال: لأن هذا خليفة ترى أنت وأصحابك أنه غير صحيح الامارة
стр. 3749
حتى لو أمرت بقتله قتله أصحابك، ولو وليت رجلا من العلويين اعتقدت أنت وأصحابك ولايته صحيحة فلو أمرت بقتله لم تطع بذلك، ولو أمر بقتلك لقتلك أصحابك. فلما فهم ذلك صرفه عن رأيه الأول وترك ما كان عزم عليه للدنيا لا لله .
ثم نشبت الحرب بين ناصر الدولة بن حمدان وبين معز الدولة بن بويه، فركب ناصر الدولة بعد ما خرج معز الدولة والخليفة إلى عكبرا فدخل بغداد فأخذ الجانب الشرقي ثم الغربي، وضعف أمر معز الدولة والديلم الذين كانوا معه، ثم مكر به معز الدولة وخدعه حتى استظهر عليه وانتصر أصحابه فنهبوا بغداد وما قدروا عليه من أموال التجار وغيرهم. وكان قيمة ما أخذ أصحاب معز الدولة من الناس عشرة آلاف ألف دينار، ثم وقع الصلح بين ناصر الدولة ومعز الدولة، ورجع ابن حمدان إلى بلده الموصل، واستقر أمر معز الدولة ببغداد، ثم شرع في استعمال السعاة ليبلغ أخاه ركن الدولة أخباره، فغوى الناس في ذلك وعلموا أبناءهم سعاة، حتى أن من الناس من كان يقطع نيفا وثلاثين فرسخا في يوم واحد. وأعجبه المصارعون والملاكمون. وغيرهم من أرباب هذه الصناعات التي لا ينتفع بها إلا كل قليل العقل فاسد المروءة، وتعلموا السباحة ونحوها، وكانت تضرب الطبول بين يديه ويتصارع الرجال والكوسان تدق حول سور المكان الّذي هو فيه، وكل ذلك رعونة وقلة عقل وسخافة منه.
ثم احتاج إلى صرف أموال في أرزاق الجند فأقطعهم البلاد عوضا عن أرزاقهم، فأدى ذلك إلى خراب البلاد وترك عمارتها إلا الأراضي التي بأيدي أصحاب الجاهات.
وفي هذه السنة وقع غلاء شديد ببغداد حتى أكلوا الميتة والسنانير والكلاب، وكان من الناس من يسرق الأولاد فيشويهم ويأكلهم. وكثر الوباء في الناس حتى كان لا يدفن أحد أحدا، بل يتركون على الطرقات فيأكل كثيرا منهم الكلاب، وبيعت الدور والعقار بالخبز، وانتجع الناس إلى البصرة فكان منهم من مات في الطريق ومنهم من وصل إليها بعد مدة مديدة.
وفيها كانت وفاة القائم بأمر الله أبى القاسم محمد بن عبد الله المهدي، وولى الأمر من بعده ولده المنصور إسماعيل، وكان حازم الرأى شديدا شجاعا كما ذكرنا ذلك في السنة الماضية، وكانت وفاته في شوال من هذه السنة على الصحيح.
وفيها توفى الإخشيد محمد بن طغج صاحب الديار المصرية والبلاد الشامية، كانت وفاته بدمشق وله من العمر بضع وستون سنة، وأقيم ولده أبو القاسم أبو جور - وكان صغيرا - وأقيم كافور الإخشيد أتابكه، وكان يدبر الممالك بالبلاد كلها، واستحوذ على الأمور كلها وسار إلى مصر فقصد سيف الدولة بن حمدان دمشق فأخذها من أصحاب الإخشيد، ففرح بها فرحا شديدا، واجتمع بمحمد ابن محمد بن نصر الفارابيّ التركي الفيلسوف بها. وركب سيف الدولة يوما مع الشريف العقيلي في
стр. 3750
بعض نواحي دمشق، فنظر سيف الدولة إلى الغوطة فأعجبته وقال: ينبغي أن يكون هذا كله لديوان السلطان - كأنه يعرض بأخذها من ملاكها - فأوغر ذلك صدر العقيلي وأوعاه إلى أهل دمشق، فكتبوا إلى كافور الإخشيدي يستنجدونه، فأقبل إليهم في جيوش كثيرة كثيفة، فأجلى عنهم سيف الدولة وطرده عن حلب أيضا واستناب عليها ثم كر راجعا إلى دمشق فاستناب عليها بدرا الإخشيدي - ويعرف ببدير - فلما صار كافور إلى الديار المصرية رجع سيف الدولة إلى حلب فأخذها كما كانت أولا له، ولم يبق له في دمشق شيء يطمع فيه. وكافور هذا الّذي هجاء المتنبي ومدحه أيضا.
وممن توفى فيها من الأعيان.
الخرقى [عمر بن الحسين]
صاحب المختصر في الفقه على مذهب الامام أحمد، وقد شرحه القاضي أبو يعلى بن الفراء والشيخ موفق الدين بن قدامة المقدسي، وقد كان الخرقى هذا من سادات الفقهاء والعباد، كثير الفضائل والعبادة، خرج من بغداد مهاجرا لما كثر بها الشر والسب للصحابة، وأودع كتبه في بغداد فاحترقت الدار التي كانت فيها الكتب، وعدمت مصنفاته، وقصد دمشق فأقام بها حتى مات في هذه السنة، وقبره بباب الصغير يزار قريبا من قبور الشهداء. وذكر في مختصره هذا في الحج: ويأتى الحجر الأسود ويقبله إن كان هناك، وإنما قال ذلك لأن تصنيفه لهذا الكتاب كان والحجر الأسود قد أخذته القرامطة وهو في أيديهم في سنة سبع عشرة وثلاثمائة كما تقدم ذلك، ولم يرد إلى مكانه إلا سنة سبع وثلاثين كما سيأتي بيانه في موضعه. قال الخطيب البغدادي: قال لي القاضي أبو يعلى: كانت للخرقى مصنفات كثيرة وتخريجات على المذهب لم تظهر لأنه خرج من مدينته لما ظهر بها سب الصحابة وأودع كتبه فاحترقت الدار التي هي فيها فاحترقت الكتب ولم تكن قد انتشرت لبعده عن البلد.
ثم روى الخطيب من طريقه عن أبى الفضل عبد السميع عن الفتح بن شخرف عن الخرقى قال:
رأيت أمير المؤمنين على بن أبى طالب في المنام فقال لي: ما أحسن تواضع الأغنياء للفقراء!! قال:
قلت زدني يا أمير المؤمنين. قال: وأحسن من ذلك تيه الفقراء على الأغنياء. قال ورفع له كفه فإذا فيها مكتوب:
قد كنت ميتا فصرت حيا … وعن قريب تعود ميتا
فابن بدار البقاء بيتا … ودع بدار الفناء بيتا
قال ابن بطة: مات الخرقى بدمشق سنة أربع وثلاثين وثلاثمائة وزرت قبره ﵀.
محمد بن عيسى
أبو عبد الله بن موسى الفقيه الحنفي أحد أئمة العراقيين في زمانه، وقد ولى القضاء ببغداد
стр. 3751
للمتقى ثم للمستكفى، وكان ثقة فاضلا، كبست اللصوص داره يظنون أنه ذو مال، فضربه بعضهم ضربة أثخنته، فألقى نفسه من شدة الفزع إلى الأرض فمات ﵀ في ربيع الأول من هذه السنة.
محمد بن محمد بن عبد الله
أبو الفضل السلمي الوزير الفقيه المحدث الشاعر سمع الكثير وجمع وصنف وكان يصوم الاثنين والخميس، ولا يدع صلاة الليل والتصنيف، وكان يسأل الله تعالى الشهادة كثيرا. فولى الوزارة للسلطان فقصده الأجناد فطالبوه بأرزاقهم، واجتمع منهم ببابه خلق كثير، فاستدعى بحلاق فحلق رأسه وتنور وتطيب ولبس كفنه وقام يصلى، فدخلوا عليه فقتلوه وهو ساجد، ﵀، في ربيع الآخر من هذه السنة.
الإخشيد محمد بن عبد الله بن طغج
أبو بكر الملقب بالاخشيد ومعناه ملك الملوك، لقبه بذلك الراضي لأنه كان ملك فرغانة، وكل من ملكها كان يسمى الإخشيد، كما أن من ملك اشروسية يسمى الأفشين. ومن ملك خوارزم يسمى خوارزم شاه، ومن ملك جرجان يسمى صوك، ومن ملك أذربيجان يسمى أصبهند، ومن ملك طبرستان يسمى أرسلان. قاله ابن الجوزي في منتظمه. قال السهيليّ: وكانت العرب تسمى من ملك الشام مع الجزيرة كافرا قيصر، ومن ملك فارس كسرى، ومن ملك اليمن تبع، ومن ملك الحبشة النجاشي، ومن ملك الهند بطلميوس، ومن ملك مصر فرعون. ومن ملك الاسكندرية المقوقس.
وذكر غير ذلك. توفى بدمشق ونقل إلى بيت المقدس فدفن هناك ﵀.
أبو بكر الشبلي
أحد مشايخ الصوفية، اختلفوا في اسمه على أقوال فقيل دلف بن جعفر، ويقال دلف بن جحدر، وقيل جعفر بن يونس، أصله من قرية يقال لها شبلة من بلاد اشروسية من خراسان، وولد بسامراء، وكان أبوه حاجب الحجاب للموفق، وكان خاله نائب الاسكندرية، وكانت توبة الشبلي على يدي خير النساج، سمعه يعظ فوقع في قلبه كلامه فتاب من فوره، ثم صحب الفقراء والمشايخ، ثم صار من أئمة القوم. قال الجنيد: الشبلي تاج هؤلاء. وقال الخطيب: أخبرنا أبو الحسن على بن محمود الزوزنى قال: سمعت على بن المثنى التميمي يقول: دخلت يوما على الشبلي في داره وهو يهيج ويقول:
على بعدك لا يصبر … من عادته القرب
ولا يقوى على هجرك … من تيمه الحب
فإن لم ترك العين … فقد يبصرك القلب
وقد ذكر له أحوال وكرامات، وقد ذكرنا أنه كان ممن اشتبه عليه أمر الحلاج فيما نسب إليه من الأقوال من غير تأمل لما فيها، مما كان الحلاج يحاوله من الإلحاد والاتحاد، ولما حضرته الوفاة
стр. 3752
قال لخادمه: قد كان على درهم مظلمة فتصدقت عن صاحبه بألوف، ومع هذا ما على قلبي شغل أعظم منه. ثم أمره بأن يوضئه فوضأه وترك تخليل لحيته، فرفع الشبلي يده - وقد كان اعتقل لسانه - فجعل يخلل لحيته. وذكره ابن خلكان في الوفيات، وحكى عنه أنه دخل يوما على الجنيد فوقف بين يديه وصفق بيديه وأنشد:
عودوني الوصال والوصل عذب … ورموني بالصد والصد صعب
زعموا حين أعتبوا أن جرمي … فرط حبي لهم وما ذاك ذنب
لا وحق الخضوع عند التلاقي … ما جزاء من يحب إلا يحب
وذكر عنه قال: رأيت مجنونا على باب جامع الرصافة يوم جمعة عريانا وهو يقول: أنا مجنون الله فقلت: ألا تستتر وتدخل إلى الجامع فتصلي الجمعة. فقال:
يقولون زرنا واقض واجب حقنا … وقد أسقطت حالي حقوقهم عنى
إذا أبصروا حالي ولم يأنفوا لها … ولم يأنفوا منى أنفت لهم منى
وذكر الخطيب في تاريخه عنه أنه أنشد لنفسه فقال:
مضت الشبيبة والحبيبة فانبرى … دمعان في الأجفان يزدحمان
ما أنصفتنى الحادثات رمينني … بمودعين وليس لي قلبان
كانت وفاته ﵀ ليلة الجمعة لليلتين بقيتا من هذه السنة، وله سبع وثمانون سنة، ودفن في مقبرة الخيزران ببغداد والله أعلم.
ثم دخلت سنة خمس وثلاثين وثلاثمائة
في هذه السنة استقر أمر الخليفة المطيع لله في دار الخلافة واصطلح معز الدولة بن بويه وناصر الدولة بن حمدان على ذلك، ثم حارب ناصر الدولة تكين التركي فاقتتلا مرات متعددة، ثم ظفر ناصر الدولة بتكين فسمل بين يديه، واستقر أمره بالموصل والجزيرة، واستحوذ ركن الدولة على الري وانتزعها من الخراسانية، واتسعت مملكة بنى بويه جدا، فإنه صار بأيديهم أعمال الري والجبل وأصبهان وفارس والأهواز والعراق، ويحمل إليهم ضمان الموصل وديار ربيعة من الجزيرة وغيرها ثم اقتتل جيش معز الدولة وجيش أبى القاسم البريدي فهزم أصحاب البريدي وأسر من أعيانهم جماعة كثيرة. وفيها وقع الفداء بين الروم والمسلمين على يد نصر المستملي أمير الثغور لسيف الدولة بن حمدان، فكان عدة الأسارى نحوا من ألفين وخمسمائة مسلم ولله الحمد والمنة.
وممن توفى فيها من الأعيان.
الحسن بن حمويه بن الحسين
القاضي الأستراباذيّ. روى الكثير وحدث، وكان له مجلس للاملاء، وحكم ببلده مدة طويلة،
стр. 3753
وكان من المجتهدين في العبادة المجتهدين بالأسحار، ويضرب به المثل في ظرفه وفكاهته. وقد مات فجأة على صدر جاريته عند إنزاله.
عبد الرحمن بن أحمد بن عبد الله
أبو عبد الله الختّليّ، سمع ابن أبى الدنيا وغيره، وحدث عنه الدار قطنى وغيره، وكان ثقة نبيلا حافظا، حدث من حفظه بخمسين ألف حديث.
عبد السلام بن رغبان بن عبد السلام بن حبيب بن عبد الله بن رغبان بن زيد بن تميم أبو محمد الكلبي الملقب بديك الجن الشاعر الماجن الشيعي. ويقال: إنه من موالي بنى تميم، له أشعار قوية.
خمارية وغير خمارية، وقد استجاد أبو نواس شعره في الخماريات.
على بن عيسى بن داود بن الجراح
أبو الحسن الوزير للمقتدر والقاهر، ولد سنة خمس وأربعين ومائتين وسمع الكثير، وعنه الطبراني وغيره، وكان ثقة نبيلا فاضلا عفيفا، كثير التلاوة والصيام والصلاة، يحب أهل العلم ويكثر مجالستهم، أصله من الفرس، وكان من أكبر القائمين على الحلاج. وروى عنه أنه قال: كسبت سبعمائة ألف دينار أنفقت منها في وجوه الخير ستمائة ألف وثمانين ألفا، ولما دخل مكة حين نفى من بغداد طاف بالبيت وبالصفا والمروة في حر شديد، ثم جاء إلى منزله فألقى نفسه وقال: أشتهى على الله شربة ثلج. فقال له بعض أصحابه: هذا لا يتهيأ هاهنا. فقال: أعرف ولكن سيأتي به الله إذا شاء، وأصبر إلى المساء. فلما كان في أثناء النهار جاءت سحابة فأمطرت وسقط منها برد شديد كثير فجمع له صاحبه من ذلك البرد شيئا كثيرا وخبأه له، وكان الوزير صائما، فلما أمسى جاء به، فلما جاء المسجد أقبل إليه صاحبه بأنواع الأشربة وكلها بثلج، فجعل الوزير يسقيه لمن حواليه من الصوفية والمجاورين، ولم يشرب هو منه شيئا. فلما رجع إلى المنزل جئته بشيء من ذلك الشراب كنا خبأناه له وأقسمت عليه ليشربنه فشربه بعد جهد جهيد، وقال أشتهى لو كنت تمنيت المغفرة. ﵀ وغفر له. ومن شعره قوله:
فمن كان عنى سائلا بشماتة … لما نابني أو شامتا غير سائل
فقد أبرزت منى الخطوب ابن حرة … صبورا على أهوال تلك الزلازل
وقد روى أبو القاسم على بن الحسن التنوخي عن أبيه عن جماعة أن عطارا من أهل الكرخ كان مشهورا بالسنة، ركبة ستمائة دينار دينا فأغلق دكانه وانكسر عن كسبه ولزم منزله، وأقبل على الدعاء والتضرع والصلاة ليالي كثيرة، فلما كان في بعض تلك الليالي رأى رسول الله ﷺ في المنام وهو يقول له: اذهب إلى على بن عيسى الوزير فقد أمرته لك بأربعمائة دينار. فلما أصبح الرجل قصد
стр. 3754
باب الوزير فلم يعرفه أحد، فجلس لعل أحدا يستأذن له على الوزير حتى طال عليه المجلس وهم بالانصراف، ثم إنه قال لبعض الحجبة قل للوزير: إني رجل رأيت رسول الله ﷺ في المنام وأنا أريد أن أقصه على الوزير. فقال له الحاجب: وأنت صاحب الرؤيا؟ إن الوزير قد أنفذ في طلبك رسلا متعددة. ثم دخل الحجاب فأخبروا الوزير فقال: أدخله على سريعا. فدخل عليه فأقبل عليه الوزير يستعلم عن حاله واسمه وصفته ومنزله، فذكر ذلك له، فقال له الوزير: إني رأيت رسول الله ﷺ وهو يأمرني بإعطائك أربعمائة دينار، فأصبحت لا أدرى من أسأل عنك، ولا أعرفك ولا أعرف أين أنت، وقد أرسلت في طلبك إلى الآن عدة رسل فجزاك الله خيرا عن قصدك إياي. ثم أمر الوزير بإحضار ألف دينار فقال: هذه أربعمائة دينار لأمر رسول الله ﷺ وستمائة هبة من عندي.
فقال الرجل: لا والله لا أزيد على ما أمرنى به رسول الله ﷺ ، فانى أرجو الخير والبركة فيه. ثم أخذ منها أربعمائة دينار، فقال الوزير: هذا هو الصدق واليقين. فخرج ومعه الأربعمائة دينار فعرض على أرباب الديون أموالهم فقالوا: نحن نصبر عليك ثلاث سنين، وافتح بهذا الذهب دكانك ودم على كسبك. فأبى إلا أن يعطيهم من أموالهم الثلث، فدفع إليهم مائتي دينار، وفتح حانوته بالمائتى دينار الباقية، فما حال عليه الحول حتى ربح ألف دينار. ولعلى بن عيسى الوزير أخبار كثيرة صالحة. كانت وفاته في هذه السنة عن تسعين سنة. ويقال في التي قبلها والله أعلم.
محمد بن إسماعيل
ابن إسحاق بن بحر أبو عبد الله الفارسي الفقيه الشافعيّ، كان ثقة ثبتا فاضلا، سمع أبا زرعة الدمشقيّ وغيره، وعنه الدار قطنى وغيره وآخر من حدث عنه أبو عمر بن مهدي، توفى في شوال من هذه السنة.
هارون بن محمد
ابن هارون بن على بن موسى بن عمرو بن جابر بن يزيد بن جابر بن عامر بن أسيد بن تميم بن صبح بن ذهل بن مالك بن سعيد بن حبنة أبو جعفر، والد القاضي أبى عبد الله الحسن بن هارون.
كان أسلافه ملوك عمان في قديم الزمان، وجده يزيد بن جابر أدرك الإسلام فأسلم وحسن إسلامه، وكان هارون هذا أول من انتقل من أهله من عمان فنزل بغداد وحدث بها، وروى عن أبيه، وكان فاضلا متضلعا من كل فن، وكانت داره مجمع العلماء في سائر الأيام، ونفقاته دارة عليهم، وكان له منزلة عالية، ومهابة ببغداد، وقد أثنى عليه الدار قطنى ثناء كثيرا، وقال: كان مبرزا في النحو واللغة والشعر، ومعاني القرآن، وعلم الكلام.
قال ابن الأثير: وفيها توفى أبو بكر محمد بن عبد الله بن العباس بن صول الصولي، وكان عالما بفنون الآداب والأخبار، وإنما ذكره ابن الجوزي في التي بعدها كما سيأتي.
стр. 3755
أبو العباس بن القاضي أحمد بن أبى أحمد الطبري
الفقيه الشافعيّ، تلميذ ابن سريج، له كتاب التلخيص وكتاب المفتاح، وهو مختصر شرحه أبو عبد الله الحسين، وأبو عبد الله السنجى أيضا، وكان أبوه يقص على الناس الأخبار والآثار، وأما هو فتولى قضاء طرسوس وكان يعظ الناس أيضا، فحصل له مرة خشوع فسقط مغشيا عليه فمات في هذه السنة
ثم دخلت سنة ست وثلاثين وثلاثمائة
فيها خرج معز الدولة والخليفة المطيع لله من بغداد إلى البصرة فاستنقذاها من يد أبى القاسم بن البريدي، وهرب هو وأكثر أصحابه، واستولى معز الدولة على البصرة وبعث يتهدد القرامطة ويتوعدهم بأخذ بلادهم، وزاد في إقطاع الخليفة ضياعا تعمل في كل سنة مائتي ألف دينار، ثم سار معز الدولة لتلقى أخيه عماد الدولة بالأهواز فقبل الأرض بين يدي أخيه وقام بين يديه مقاما طويلا فأمره بالجلوس فلم يفعل. ثم عاد إلى بغداد صحبة الخليفة فتمهدت الأمور جيدا. وفي هذه السنة استحوذ ركن الدولة على بلاد طبرستان وجرجان من يد وشمكير أخى مرداويج ملك الديلم، فذهب وشمكير إلى خراسان يستنجد بصاحبها كما سيأتي.
وممن توفى فيها من الأعيان.
أبو الحسين بن المنادي
أحمد بن جعفر بن محمد بن عبيد الله بن يزيد، سمع جده وعباسا الدوري ومحمد بن إسحاق الصاغاني.
وكان ثقة أمينا حجة صادقا، صنف كثيرا وجمع علوما جمة، ولم يسمع الناس منها إلا اليسير، وذلك لشراسة أخلاقه. وآخر من روى عنه محمد بن فارس اللغوي، ونقل ابن الجوزي عن أبى يوسف القدسي أنه قال: صنف أبو الحسين بن المنادي في علوم القرآن أربعمائة كتاب، ونيفا وأربعين كتابا ولا يوجد في كلامه حشو، بل هو نقى الكلام جمع بين الرواية والدراية. وقال ابن الجوزي: ومن وقف على مصنفاته علم فضله واطلاعه ووقف على فوائد لا توجد في غيره كتبه. توفى في محرم من هذه السنة عن ثمانين سنة.
الصولي محمد بن عبد الله بن العباس
ابن محمد بن صول أبو بكر الصولي، كان أحد العلماء بفنون الأدب وحسن المعرفة بأخبار الملوك، وأيام الخلفاء ومآثر الأشراف وطبقات الشعراء. روى عن أبى داود السجستاني والمبرد وثعلب وأبى العيناء وغيرهم. وكان واسع الرواية جيد الحفظ حاذقا بتصنيف الكتب. وله كتب كثيرة هائلة، ونادم جماعة من الخلفاء، وحظي عندهم، وكان جده صول وأهله ملوكا بجرجان، ثم كان أولاده من كبار الكتاب، وكان الصولي هذا جيد الاعتقاد حسن الطريقة، وله شعر حسن، وقد روى عنه الدار قطنى وغيره من الحفاظ ومن شعره قوله:
أحببت من أجله من كان يشبهه … وكل شيء من المعشوق معشوق
стр. 3756
حتى حكيت بجسمي ماء مقلته … كأن سقيم من عينيه مسروق
خرج الصولي من بغداد إلى البصرة لحاجة لحقته فمات بها في هذه السنة.
وفيها كانت وفاة ابنة الشيخ أبى الزاهد المكيّ، وكانت من العابدات الناسكات المقيمات بمكة، وكانت تقتات من كسب أبيها من عمل الخوص، في كل سنة ثلاثين درهما يرسلها إليها، فاتفق أنه أرسلها مرة مع بعض أصحابه فزاد عليها ذلك الرجل عشرين درهما - يريد بذلك برها وزيادة في نفقتها - فلما اختبرتها قالت: هل وضعت في هذه الدراهم شيئا من مالك؟ أصدقني بحق الّذي حججت له.
فقال: نعم عشرين درهما. فقالت: ارجع بها لا حاجة لي فيها، ولولا أنك قصدت الخير لدعوت الله عليك، فإنك قد أجعتنى عامي هذا، ولم يبق لي رزق إلا من المزابل إلى قابل. فقال: خذي منها الثلاثين التي أرسل بها أبوك إليك ودعي العشرين. فقالت: لا، إنها قد اختلطت بمالك ولا أدرى ما هو. قال الرجل: فرجعت بها إلى أبيها فأبى أن يقبلها وقال: شققت يا هذا على وضيقت عليها، ولكن اذهب فتصدق بها.
ثم دخلت سنة سبع وثلاثين وثلاثمائة
فيها ركب معز الدولة من بغداد إلى الموصل فانهزم منه ناصر الدولة إلى نصيبين، فتملك معز الدولة ابن بويه الموصل في رمضان فعسف أهلها وأخذ أموالهم، وكثر الدعاء عليه. ثم عزم على أخذ البلاد كلها من ناصر الدولة بن حمدان، فجاء خبر من أخيه ركن الدولة يستنجده على من قبله من الخراسانية، فاحتاج إلى مصالحة ناصر الدولة على أن يحمل ما تحت يده من بلاد الجزيرة والشام في كل سنة ثمانية آلاف ألف درهم، وأن يخطب له ولأخويه عماد الدولة وركن الدولة على منابر بلاده كلها ففعل.
وعاد معز الدولة إلى بغداد وبعث إلى أخيه بجيش هائل، وأخذ له عهد الخليفة بولاية خراسان. وفيها دخل سيف الدولة بن حمدان صاحب حلب إلى بلاد الروم، فلقيه جمع كثيف من الروم فاقتتلوا قتالا شديدا فانهزم سيف الدولة وأخذت الروم ما كان معهم، وأوقعوا بأهل طرسوس بأسا شديدا، ف ﴿إِنّا لِلّهِ وَإِنّا إِلَيْهِ راجِعُونَ﴾. قال ابن الجوزي: وفي رمضان انتهت زيادة دجلة أحد وعشرين ذراعا وثلثا
وممن توفى فيها من الأعيان
عبد الله بن محمد بن حمدويه
ابن نعيم بن الحكم أبو محمد البيع، وهو والد الحاكم أبى عبد الله النيسابورىّ، أذن ثلاثا وستين سنة وغزا اثنتين وعشرين غزوة، وأنفق على العلماء مائة ألف، وكان يقوم الليل كثيرا، وكان كثير الصدقة، أدرك عبد الله بن أحمد بن حنبل ومسلم بن الحجاج، وروى عن ابن خزيمة وغيره، وتوفى عن ثلاث وتسعين سنة.
قدامة الكاتب المشهور
هو قدامة بن جعفر بن قدامة أبو الفرج الكاتب، له مصنف في الخراج وصناعة الكتابة، وبه
стр. 3757
يقتدى علماء هذا الشأن، وقد سأل ثعلبا عن أشياء.
محمد بن على بن عمر أبو على المذكر الواعظ بنيسابور، كان كثير التدليس عن المشايخ الذين لم يلقهم. توفى في هذه السنة عن مائة وسبع سنين سامحه الله.
محمد بن مطهر بن عبد الله
أبو المنجا الفقيه الفرضيّ المالكي، له كتاب في الفقه على مذهب مالك، وله مصنفات في الفرائض قليلة النظير، وكان أديبا إماما فاضلا صادقا، ﵀.
ثم دخلت سنة ثمان وثلاثين وثلاثمائة
في ربيع الأول منها وقعت فتنة بين الشيعة وأهل السنة، ونهبت الكرخ. وفي جمادى الآخرة تقلد أبو السائب عتبة بن عبيد الله الهمدانيّ قضاء القضاة. وفيها خرج رجل يقال له عمران بن شاهين كان قد استوجب بعض العقوبات فهرب من السلطان إلى ناحية البطائح، وكان يقتات مما يصيده من السمك والطيور، والتف عليه خلق من الصيادين وقطاع الطريق، فقويت شوكته واستعمله أبو القاسم بن البريدي على بعض تلك النواحي، وأرسل إليه معز الدولة بن بويه جيشا مع وزيره أبى جعفر بن بويه الضميري، فهزم ذلك الصياد الوزير، واستحوذ على ما معه من الأموال، فقويت شوكة ذلك الصياد، ودهم الوزير وفاة عماد الدولة بن بويه وهو.
أبو الحسن على بن بويه
وهو أكبر أولاد بويه وأول من تملك منهم، وكان عاقلا حاذقا حميد السيرة رئيسا في نفسه. كان أول ظهوره في سنة ثنتين وعشرين وثلاثمائة كما ذكرنا. فلما كان في هذا العام قويت عليه الأسقام وتواترت عليه الآلام فأحس من نفسه بالهلاك، ولم يفاده ولا دفع عنه أمر الله ما هو فيه من الأموال والملك وكثرة الرجال والأموال، ولا رد عنه جيشه من الديالم والأتراك والأعجام، مع كثرة العدد والعدد، بل تخلوا عنه أحوج ما كان إليهم، فسبحان الله الملك القادر القاهر العلام. ولم يكن له ولد ذكر، فأرسل إلى أخيه ركن الدولة يستدعيه إليه وولده عضد الدولة، ليجعله ولى عهده من بعده، فلما قدم عليه فرح به فرحا شديدا، وخرج بنفسه في جميع جيشه يتلقاه، فلما دخل به إلى دار المملكة أجلسه على السرير وقام بين يديه كأحد الأمراء، ليرفع من شأنه عند أمرائه ووزرائه وأعوانه. ثم عقد له البيعة على ما يملكه من البلدان والأموال، وتدبير المملكة والرجال. وفيهم من بعض رءوس الأمراء كراهة لذلك، فشرع في القبض عليهم وقتل من شاء منهم وسجن آخرين، حتى تمهدت الأمور لعضد الدولة. ثم كانت وفاة عماد الدولة بشيراز في هذه السنة، عن سبع وخمسين سنة، وكانت مدة ملكه ست عشرة سنة، وكان من خيار الملوك في زمانه، وكان ممن حاز قصب
стр. 3758
السبق دون أقرانه، وكان هو أمير الأمراء، وبذلك كان يكاتبه الخلفاء، ولكن أخوه معز الدولة كان ينوب عنه في العراق والسواد. ولما مات عماد الدولة اشتغل الوزير أبو جعفر الضميري عن محاربة عمران بن شاهين الصياد - وكان قد كتب إليه معز الدولة أن يسير إلى شيراز ويضبط أمرها - فقوى أمر عمران بعد ضعفه، وكان من أمره ما سيأتي في موضعه.
وممن توفى فيها من الأعيان
أبو جعفر النحاس النحويّ.
أحمد بن محمد إسماعيل بن يونس
أبو جعفر المرادي المصري النحويّ، المعروف بالنحاس، اللغوي المفسر الأديب، له مصنفات كثيرة في التفسير وغيره، وقد سمع الحديث ولقي أصحاب المبرد، وكانت وفاته في ذي الحجة من هذه السنة. قال ابن خلكان: لخمس خلون منها يوم السبت. وكان سبب وفاته أنه جلس عند المقياس يقطع شيئا من العروض فظنه بعض العامة يسحر النيل فرفسه برجله فسقط فغرق، ولم يدر أين ذهب. وقد كان أخذ النحو عن على بن سليمان الأحوص وأبى بكر الأنباري وأبى إسحاق الزجاج ونفطويه وغيرهم، وله مصنفات كثيرة مفيدة، منها تفسير القرآن والناسخ والمنسوخ، وشرح أبيات سيبويه، ولم يصنف مثله، وشرح المعلقات والدواوين العشرة، وغير ذلك. وروى الحديث عن النسائي وكان بخيلا جدا، وانتفع الناس به. وفيها كانت وفاة الخليفة.
المستكفي بالله
عبد الله بن على المكتفي بالله، وقد ولى الخلافة سنة وأربعة أشهر ويومين، ثم خلع وسملت عيناه كما تقدم ذكره. توفى في هذه السنة وهو معتقل في داره، وله من العمر ست وأربعون سنة وشهران.
على بن ممشاد بن سحنون بن نصر
أبو المعدل، محدث عصره بنيسابور، رحل إلى البلدان وسمع الكثير وحدث وصنف مسندا أربعمائة جزء، وله غير ذلك مع شدة الإتقان والحفظ، وكثرة العبادة والصيانة والخشية لله قال بعضهم: صحبته في السفر والحضر فما أعلم أن الملائكة كتبت عليه خطيئة. وله تفسير في مائتي جزء ونيف، دخل الحمام من غير مرض فتوفى فيه فجأة، وذلك يوم الجمعة الرابع عشر من شوال من هذه السنة ﵀.
على بن محمد بن أحمد بن الحسن
أبو الحسن الواعظ البغدادي، ارتحل إلى مصر فأقام بها حتى عرف بالمصري، سمع الكثير وروى عنه الدار قطنى وغيره، وكان له مجلس وعظ يحضر فيه الرجال والنساء وكان يتكلم وهو مبرقع لئلا يرى النساء حسن وجهه، وقد حضر مجلسه أبو بكر النقاش مستخفيا فلما سمع كلامه قام قائما وشهر نفسه وقال له: القصص بعدك حرام. قال الخطيب: كان ثقة أمينا عارفا، جمع حديث الليث وابن لهيعة وله كتب كثيرة في الزهد. توفى في ذي القعدة منها، وله سبع وثمانون سنة والله أعلم.
стр. 3759
ثم دخلت سنة تسع وثلاثين وثلاثمائة
في هذه السنة المباركة في ذي القعدة منها رد الحجر الأسود المكيّ إلى مكانه في البيت، وقد كان القرامطة أخذوه في سنة سبع عشرة وثلاثمائة كما تقدم، وكان ملكهم إذا ذاك أبو طاهر سليمان بن أبى سعيد الحسين الجنابي، ولما وقع هذا أعظم المسلمون ذلك، وقد بذل لهم الأمير بجكم التركي خمسين ألف دينار على أن يردوه إلى موضعه فلم يفعلوا، وقالوا: نحن أخذناه بأمر فلا نرده إلا بأمر من أخذناه بأمره. فلما كان في هذا العام حملوه إلى الكوفة وعلقوه على الأسطوانة السابعة من جامعها ليراه الناس، وكتب أخو أبى طاهر كتابا فيه: إنا أخذنا هذا الحجر بأمر وقد رددناه بأمر من أمرنا بأخذه ليتم حج الناس ومناسكهم. ثم أرسلوه إلى مكة بغير شيء على قعود، فوصل في ذي القعدة من هذه السنة ولله الحمد والمنة، وكان مدة مغايبته عنده ثنتين وعشرين سنة، ففرح المسلمون لذلك فرحا شديدا. وقد ذكر غير واحد أن القرامطة لما أخذوه حملوه على عدة جمال فعطبت تحته واعترى أسنمتها القرح، ولما ردوه حمله قعود واحد ولم يصبه أذى.
وفيها دخل سيف الدولة بن حمدان بجيش عظيم نحو من ثلاثين ألفا إلى بلاد الروم فوغل فيها وفتح حصونا وقتل خلقا وأسر أمما وغنم شيئا كثيرا ثم رجع، فأخذت عليه الروم الدرب الّذي يخرج منه فقتلوا عامة من معه وأسروا بقيتهم واستردوا ما كان أخذه، ونجا سيف الدولة في نفر يسير من أصحابه. وفيها مات الوزير أبو جعفر الضميري فاستوزر معز الدولة مكانه أبا محمد الحسين بن محمد المهلبي في جمادى الأولى. فاستفحل أمر عمران بن شاهين الصياد وتفاقم الأمر به، فبعث إليه معز الدولة جيشا بعد جيش، كل ذلك يهزمهم مرة بعد مرة، ثم عدل معز الدولة إلى مصالحته واستعماله له على بعض تلك النواحي، ثم كان من أمره ما سنذكره إن شاء الله تعالى.
وممن توفى فيها من الأعيان.
الحسن بن داود بن باب شاذ
أبو الحسن المصري قدم بغداد. كان من أفاضل الناس وعلمائهم، بمذهب أبى حنيفة، مبسوط الذكاء قوى الفهم، كتب الحديث، وكان ثقة. مات ببغداد في هذه السنة ودفن بمقبرة الشونيزية ولم يبلغ من العمر أربعين سنة.
محمد القاهر بالله أمير المؤمنين
ابن المعتضد بالله، ولى الخلافة سنة وستة أشهر وسبعة أيام، وكان بطاشا سريع الانتقام، فخاف منه وزيره أبو على بن مقلة فاستتر منه فشرع في العمل عليه عند الأتراك، فخلعوه وسملوا عينيه وأودع دار الخلافة برهة من الدهر، ثم أخرج في سنة ثلاث وثلاثين إلى دار ابن طاهر، وقد نالته فاقة وحاجة شديدة، وسأل في بعض الأيام. ثم كانت وفاته في هذا العام، وله ثنتان وخمسون سنة، ودفن إلى
стр. 3760
جانب أبيه المعتضد.
محمد بن عبد الله بن أحمد
أبو عبد الله الصفار الأصبهاني محدث عصره بخراسان، سمع الكثير وحدث عن ابن أبى الدنيا ببعض كتبه، وكان مجاب الدعوة، ومكث لا يرفع رأسه إلى السماء نيفا وأربعين سنة، وكان يقول:
اسمى محمد واسم أبى عبد الله واسم أمى آمنة، يفرح بهذه الموافقة في الاسم واسم الأب واسم الأم، لأن النبي ﷺ كان اسمه محمد، واسم أبيه عبد الله، وأمه اسمها آمنه.
أبو نصر الفارابيّ
التركي الفيلسوف، وكان من أعلم الناس بالموسيقى، بحيث كان يتوسل به وبصناعته إلى الناس في الحاضرين من المستمعين إن شاء حرك ما يبكى أو يضحك أو ينوم. وكان حاذقا في الفلسفة، ومن كتبه تفقه ابن سينا، وكان يقول بالمعاد الروحانيّ لا الجثمانى، ويخصص بالمعاد الأرواح العالمة لا الجاهلة، وله مذاهب في ذلك يخالف المسلمين والفلاسفة من سلفه الأقدمين، فعليه إن كان مات على ذلك لعنة رب العالمين. مات بدمشق فيما قاله ابن الأثير في كامله، ولم أر الحافظ ابن عساكر ذكره في تاريخه لنتنه وقباحته فالله أعلم.
ثم دخلت سنة أربعين وثلاثمائة
فيها قصد صاحب عمان البصرة ليأخذها في مراكب كثيرة، وجاء لنصره أبو يعقوب الهجريّ فمانعه الوزير أبو محمد المهلبي وصده عنها، وأسر جماعة من أصحابه وسبى سبيا كثيرا من مراكبه فساقها معه في دجلة، ودخل بها إلى بغداد في أبهة عظيمة ولله الحمد. وفيها رفع إلى الوزير أبى محمد المهلبي رجل من أصحاب أبى جعفر بن أبى العز الّذي كان قتل على الزندقة كما قتل الحلاج، فكان هذا الرجل يدعى ما كان يدعيه ابن أبى العز، وقد اتبعه جماعة من الجهلة من أهل بغداد، وصدقوه في دعواه الربوبية، وأن أرواح الأنبياء والصديقين تنتقل إليهم. ووجد في منزله كتب تدل على ذلك. فلما تحقق أنه هالك ادعى أنه شيعي ليحضر عند معز الدولة بن بويه. وقد كان معز الدولة بن بويه يحب الرافضة قبحه الله. فلما اشتهر عنه ذلك لم يتمكن الوزير منه خوفا على نفسه من معز الدولة، وأن تقوم عليه الشيعة، ﴿إِنّا لِلّهِ وَإِنّا إِلَيْهِ راجِعُونَ﴾. ولكنه احتاط على شيء من أموالهم، فكان يسميها أموال الزنادقة. قال ابن الجوزي: وفي رمضان منها وقعت فتنة عظيمة بسبب المذهب.
وممن توفى فيها من الأعيان أشهب بن عبد العزيز بن أبى داود بن إبراهيم أبو عمر العامري - نسبة إلى عامر بن لؤيّ - كان أحد الفقهاء المشهورين.
توفى في شعبان منها.
أبو الحسن الكرخي
أحد أئمة الحنفية المشهورين، ولد سنة ستين ومائتين وسكن بغداد ودرس فقه أبى حنيفة
стр. 3761
وانتهت إليه رئاسة أصحابه في البلاد، وكان متعبدا كثير الصلاة والصوم، صبورا على الفقر، عزوفا عما في أيدي الناس، وكان مع ذلك رأسا في الاعتزال، وقد سمع الحديث من إسماعيل بن إسحاق القاضي، وروى عنه حيوة وابن شاهين. وأصابه الفالج في آخر عمره، فاجتمع عنده بعض أصحابه واشتوروا فيما بينهم أن يكتبوا إلى سيف الدولة بن حمدان ليساعده بشيء يستعين به في مرضه، فلما علم بذلك رفع رأسه إلى السماء وقال: اللهمّ لا تجعل رزقي إلا من حيث عودتني. فمات عقب ذلك قبل أن يصل إليه ما أرسل به سيف الدولة، وهو عشرة آلاف درهم. فتصدقوا بها بعد وفاته في شعبان من هذه السنة عن ثمانين سنة، وصلى عليه أبو تمام الحسن بن محمد الزينبي، وكان صاحبه، ودفن في درب أبى زيد على نهو الواسطيين.
محمد بن صالح بن يزيد
أبو جعفر الوراق سمع الكثير، وكان يفهم ويحفظ، وكان ثقة زاهدا لا يأكل إلا من كسب يده ولا يقطع صلاة الليل. وقال بعضهم: صحبته سنين كثيرة فما رأيته فعل إلا ما يرضى الله .
ولا قال إلا ما يسأل عنه، وكان يقوم أكثر الليل.
وفيها كانت وفاة منصور بن قرابكين صاحب الجيوش الخراسانية من جهة الأمير نوح الساماني من مرض حصل له، وقيل لأنه أدمن شرب الخمر أياما متتابعة فهلك بسبب ذلك، فأقيم بعده في الجيوش أبو على المحتاج الزجاجي، مصنف الجمل.
وهو أبو القاسم عبد الرحمن بن إسحاق النحويّ اللغوي البغدادي الأصل. ثم الدمشقيّ، مصنف الجمل في النحو، وهو كتاب نافع، كثير الفائدة، صنفه بمكة، وكان يطوف بعد كل باب منه ويدعو الله تعالى أن ينفع به. أخذ النحو أولا عن محمد بن العباس اليزيدي، وأبى بكر بن دريد، وابن الأنباري. توفى في رجب سنة سبع، وقيل سنة تسع وثلاثين، وقيل سنة أربعين. توفى في دمشق وقيل بطبرية. وقد شرح كتابه الجمل بشروح كثيرة من أحسنها وأجمعها ما وضعه ابن عصفور والله أعلم.
ثم دخلت سنة إحدى وأربعين وثلاثمائة
فيها ملكت الروم سروج وقتلوا أهلها وحرقوا مساجدها. قال ابن الأثير: وفيها قصد موسى بن وجيه صاحب عمان البصرة فمنعه منها المهلبي كما تقدم. وفيها نقم معز الدولة على وزيره فضربه مائة وخمسين سوطا ولم يعزله بل رسم عليه. وفيها اختصم المصريون والعراقيون بمكة فخطبوا لصاحب مصر، ثم غلبهم العراقيون فخطبوا لركن الدولة بن بويه.
وفيها كانت وفاة
المنصور الفاطمي
وهو أبو طاهر بن إسماعيل بن القائم بأمر الله أبى القاسم محمد بن عبيد الله المهدي صاحب المغرب
стр. 3762
وله من العمر تسع وثلاثون سنة، وكانت خلافته سبع سنين وستة عشر يوما، وكان عاقلا شجاعا فاتكا قهر أبا يزيد الخارجي الّذي كان لا يطاق شجاعة وإقداما وصبرا، وكان فصيحا بليغا، يرتجل الخطبة على البديهة في الساعة الراهنة. وكان سبب موته ضعف الحرارة الغريزية كما أورده ابن الأثير في كامله، فاختلف عليه الأطباء، وقد عهد بالأمر إلى المعز الفاطمي وهو باني القاهرة المعزية كما سيأتي بيانه واسمه، وكان عمره إذا ذاك أربعا وعشرين سنة، وكان شجاعا عاقلا أيضا حازم الرأى، أطاعه من البربر وأهل تلك النواحي خلق كثير، وبعث مولاه جوهر القائد فبنى له القاهرة المتاخمة لمصر، واتخذ له فيها دار الملك، وهما القصران اللذان هناك - اللذان يقال لهما بين القصرين اليوم - وذلك في سنة أربع وستين وثلاثمائة كما سيأتي. وممن توفى فيها من الأعيان
إسماعيل بن محمد بن إسماعيل بن صالح
أبو على الصفار أحد المحدثين، لقي المبرد واشتهر بصحبته، وكان مولده في سنة سبع وأربعين ومائتين، وسمع الحسن بن عرفة وعباسا الدوري وغيرهما، وروى عنه جماعة منهم الدار قطنى. وقال صام أربعة وثمانين رمضانا، وقد كانت وفاته في هذه السنة عن أربع وتسعين سنة رحمه الله تعالى
أحمد بن محمد بن زياد
ابن يونس بن درهم أبو سعيد بن الأعرابي، سكن مكة وصار شيخ الحرم، وصحب الجنيد بن محمد والنوري وغيرهما، وأسند الحديث وصنف كتبا للصوفية.
إسماعيل بن القائم
بن المهدي الملقب بالمنصور العبيدي الّذي يزعم أنه فاطمي، صاحب بلاد المغرب. وهو والد المعز باني القاهرة، وهو باني المنصورية ببلاد المغرب. قال أبو جعفر المروزي: خرجت معه لما كسر أبا يزيد الخارجي، فبينما أنا أسير معه إذ سقط رحمه فنزلت فناولته إياه وذهبت أفاكهه بقول الشاعر:
فألقت عصاها واستقر بها النوى … كما قر عينا بالإياب المسافر
فقال: هلا قلت كما قال الله تعالى (فألقى موسى عصاه ﴿فَإِذا هِيَ تَلْقَفُ ما يَأْفِكُونَ * فَوَقَعَ الْحَقُّ وَبَطَلَ ما كانُوا يَعْمَلُونَ * فَغُلِبُوا هُنالِكَ وَاِنْقَلَبُوا صاغِرِينَ﴾ قال فقلت له: أنت ابن بنت رسول الله ﷺ قلت ببعض ما علمت، وأنا قلت بما بلغ به أكثر علمي. قال ابن خلكان: وهذا كما جرى لعبد الملك ابن مروان حين أمر الحجاج أن يبنى بابا ببيت المقدس ويكتب عليه اسمه، فبنى له بابا وبنى لنفسه بابا آخر، فوقعت صاعقة على باب عبد الملك فأحرقته، فكتب إلى الحجاج بالعراق يسأله عما أهمه من ذلك يقول: ما أنا وأنت إلا كما قال الله تعالى ﴿وَاُتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ اِبْنَيْ آدَمَ بِالْحَقِّ إِذْ قَرَّبا قُرْباناً فَتُقُبِّلَ مِنْ أَحَدِهِما وَلَمْ يُتَقَبَّلْ مِنَ الْآخَرِ قالَ لَأَقْتُلَنَّكَ﴾ فرضى عنه الخليفة بذلك. توفى المنصور في هذه السنة من برد شديد والله أعلم.
стр. 3763
ثم دخلت سنة اثنتين وأربعين وثلاثمائة
فيها دخل سيف الدولة بن حمدان صاحب حلب إلى بلاد الروم فقتل منهم خلقا كثيرا وأسر آخرين، وغنم أموالا جزيلة، ورجع سالما غانما. وفيها اختلف الحجيج بمكة ووقعت حروب بين أصحاب بن طغج وأصحاب معز الدولة، فغلبهم العراقيون وخطبوا لمعز الدولة، ثم بعد انقضاء الحج اختلفوا أيضا فغلبهم العراقيون أيضا وجرت حروب كثيرة بين الخراسانية والسامانية اتقصاها ابن الأثير في كامله.
وممن توفى فيها من الأعيان
على بن محمد بن أبى الفهم
أبو القاسم التنوخي جد القاضي أبى القاسم التنوخي شيخ الخطيب البغدادي، ولد بأنطاكية، وقدم بغداد فتفقه بها على مذهب أبى حنيفة، وكان يعرف الكلام على طريقة المعتزلة، ويعرف النجوم ويقول الشعر، ولى القضاء بالأهواز وغيرها، وقد سمع الحديث من البغوي وغيره، وكان فهما ذكيا حفظ وهو ابن خمس عشر سنة قصيدة دعبل الشاعر في ليلة واحدة، وهي ستمائة بيت، وعرضها على أبيه صبيحتها فقام إليه وضمه وقبل بين عينيه وقال: يا بنى لا تخبر بهذا أحدا لئلا تصيبك العين. وذكر ابن خلكان أنه كان نديما للوزير المهلبي، ووفد على سيف الدولة بن حمدان فأكرمه وأحسن إليه، وأورد له من شعره القفصي حسنة فمن ذلك قوله في الخمر:
وراح من الشمس مخلوقة … بدت لك في قدح من نهار
هواء، ولكنه جامد … وماء، ولكنه جار
كأن المدير له باليمين …، إذا مال للفيء أو بالنهار
تدرع ثوبا من الياسمين … له يردكم من الجلنار
محمد بن إبراهيم
ابن الحسين بن الحسن بن عبد الخلاق أبو الفرج البغدادي الفقيه الشافعيّ يعرف بابن سكره سكن مصر وحدث بها وسمع منه أبو الفتح بن مسرور، وذكر أن فيه لينا.
محمد بن موسى بن يعقوب
بن المأمون بن الرشيد هارون أبو بكر، ولى إمرة مكة في سنة ثمان وستين ومائتين، وقدم مصر فحدث بها عن على بن عبد العزيز البغوي بموطأ مالك. وكان ثقة مأمونا توفى بمصر في ذي الحجة منها.
ثم دخلت سنة ثلاث وأربعين وثلاثمائة
فيها كانت وقعة بين سيف الدولة بن حمدان وبين الدمستق، فقتل خلقا من أصحاب الدمستق وأسر آخرين في جماعة من رؤساء بطارقته، وكان في جملة من قتل قسطنطين بن الدمستق، وذلك
стр. 3764
في ربيع الأول من هذه السنة، ثم جمع الدمستق خلقا كثيرا فالتقوا مع سيف الدولة في شعبان منها، فجرت بينهم حروب عظيمة وقتال شديد، فكانت الدائرة للمسلمين وخذل الله الكافرين، فقتل منهم خلق كثير، وأسر جماعة من الرؤساء، وكان منهم صهر الدمستق وابن بنته أيضا. وفيها حصل للناس أمراض كثيرة وحمى وأوجاع في الحلق. وفيها مات الأمير الحميد بن نوح بن نصر الساماني صاحب خراسان وما وراء النهر، وقام بالأمر من بعده ولده عبد الملك.
وممن توفى فيها من الأعيان
الحسن بن أحمد
أبو على الكاتب المصري، صحب أبا على الروذبارى، وغيره، وكان عثمان المغربي يعظم أمره ويقول: أبو على الكاتب من السالكين إلى الله. ومن كلامه الّذي حكاه عنه أبو عبد الرحمن السلمي قوله: روائح نسيم المحبة تفوح من المحبين وإن كتموها، ويظهر عليهم دلائلها وإن أخفوها، وتبدو عليهم وإن ستروها. وأنشد:
إذا ما استسرت أنفس الناس ذكره … تبين فيهم وان لم يتكلموا
تطيبهم أنفاسهم فتذيعها … وهل سر مسك أودع الريح يكتم؟
على بن محمد بن عقبة بن همام
أبو الحسن الشيباني الكوفي، قدم بغداد فحدث بها عن جماعة وروى عنه الدار قطنى. وكان ثقة عدلا كثير التلاوة فقيها، مكث يشهد على الحكام ثلاثا وسبعين سنة، مقبولا عندهم، وأذن في مسجد حمزة الزيات نيفا وسبعين سنة، وكذلك أبوه من قبله.
محمد بن على بن أحمد بن العباس
الكرخي الأديب، كان عالما زاهدا ورعا، يختم القرآن كل يوم ويديم الصيام، سمع الحديث من عبدان وأقرانه.
أبو الخير التيناني
العابد الزاهد، أصله من العرب، كان مقيما بقرية يقال لها تينان من عمل أنطاكية، ويعرف بالأقطع لأنه كان مقطوع اليد، كان قد عاهد الله عهدا ثم نكثه، فاتفق له أنه مسك مع جماعة من اللصوص في الصحراء وهو هناك سائح يتعبد، فأخذ معهم فقطعت يده معهم، وكانت له أحوال وكرامات، وكان ينسج الخوص بيده الواحدة. دخل عليه بعض الناس فشاهد منه ذلك فأخذ منه العهد أن لا يخبر به أحدا ما دام حياء، فوفى له بذلك.
ثم دخلت سنة أربع وأربعين وثلاثمائة
قال ابن الجوزي: فيها شمل الناس ببغداد وواسط وأصبهان والأهواز داء مركب من دم وصفراء ووباء، مات بسبب ذلك خلق كثير، بحيث كان يموت في كل يوم قريب من ألف نفس،
стр. 3765
وجاء فيها جراد عظيم أكل الخضروات والأشجار والثمار. وفي المحرم منها عقد معز الدولة لابنه أبى منصور بختيار الأمر من بعده بإمرة الأمراء. وفيها خرج رجل من أذربيجان ادعى أنه يعلم الغيب، وكان يحرم اللحم وما يخرج من الحيوانات، فأضافه مرة رجل فجاءه بطعام كشكية بشحم فأكله، فقال له الرجل بحضرة من معه: إنك تدعى أنك تعلم الغيب وهذا طعام فيه شحم وأنت تحرمه فلم لا علمته؟ فتفرق عنه الناس. وفيها جرت حروب كثيرة بين المعز الفاطمي وبين صاحب الأندلس عبد الرحمن الناصر الأموي، استقصاها ابن الأثير.
وممن توفى فيها من الأعيان
عثمان بن أحمد
ابن عبد الله بن يزيد أبو عمرو الدقاق، المعروف بابن السماك، روى عن حنبل بن إسحاق وغيره، وعنه الدار قطنى وغيره، وكان ثقة ثبتا، كتب المصنفات الكثيرة بخطه، توفى في ربيع الأول منها ودفن بمقبرة باب التبن، وحضر جنازته خمسون ألفا.
محمد بن أحمد بن محمد بن أحمد
أبو جعفر القاضي السمناني، ولد سنة إحدى وستين ومائتين، وسكن بغداد وحدث بها، وكان ثقة عالما فاضلا سخيا حسن الكلام، عراقي المذهب، وكانت داره مجمع العلماء، ثم ولى قضاء الموصل وتوفى بها في هذه السنة في ربيع الأول منها.
محمد بن أحمد بن بطة بن إسحاق الأصبهاني
أبو عبد الله سكن نيسابور ثم عاد إلى أصبهان. وليس هذا بعبد الله بن بطة العكبريّ، هذا متقدم عليه، هذا شيخ الطبراني وابن بطة الثاني يروى عن الطبراني، وهذا بضم الباء من بطة، وابن بطة الثاني وهو الفقيه الحنبلي بفتحها. وقد كان جد هذا، وهو ابن بطة بن إسحاق أبو سعيد، من المحدثين أيضا. ذكره ابن الجوزي في منتظمه.
محمد بن محمد بن يوسف بن الحجاج
أبو النضر الفقيه الطوسي، كان عالما ثقة عابدا. يصوم النهار ويقوم الليل، ويتصدق بالفاضل من قوته، ويأمر بالمعروف وينهى عن المنكر، وقد رحل في طلب الحديث إلى الأقاليم النائية والبلدان المتباعدة، وكان قد جزأ الليل ثلاثة أجزاء، فثلث للنوم، وثلث للتصنيف، وثلث للقراءة.
وقد رآه بعضهم في النوم بعد وفاته فقال له: وصلت إلى ما طلبت؟ فقال: إي والله نحن عند رسول الله ﷺ وقد عرضت مصنفاتي في الحديث عليه فقبلها.
أبو بكر بن الحداد
الفقيه الشافعيّ، هو محمد بن أحمد بن محمد أبو بكر بن الحداد أحد أئمة الشافعية، روى عن
стр. 3766
النسائي، وقال: رضيت به حجة بيني وبين الله . وقد كان ابن الحداد فقيها فروعيا، ومحدثا ونحويا وفصيحا في العبارة دقيق النظر في الفروع، له كتاب في ذلك غريب الشكل، وقد ولى القضاء بمصر نيابة عن أبى عبيد بن حربويه. ذكرناه في طبقات الشافعية.
أبو يعقوب الأذرعي
إسحاق بن إبراهيم بن هاشم بن يعقوب النهدي، قال ابن عساكر: من أهل أذرعات - مدينة بالبلقاء - أحد الثقات من عباد الله الصالحين. رحل وحدث عنه جماعة من أجل أهل دمشق وعبادها وعلمائها، وقد روى عنه ابن عساكر القفصي تدل على صلاحه وخرق العادة له، فمن ذلك قال: إني سألت الله أن يقبض بصرى فعميت، فلما استضررت بالطهارة سألت الله عوده فرده على.
توفى بدمشق في هذه السنة - سنة أربع وخمسين - وصححه ابن عساكر وقد نيف على التسعين.
ثم دخلت سنة خمس وأربعين وثلاثمائة
وفيها عصى الروزبهان على معز الدولة وانحاز إلى الأهواز ولحق به عامة من كان مع المهلبي الّذي كان يحاربه، فلما بلغ ذلك معز الدولة لم يصدقه لأنه كان قد أحسن إليه ورفع من قدره بعد الضعة والخمول، ثم تبين له أن ذلك حق، فخرج لقتاله وتبعه الخليفة المطيع لله خوفا من ناصر الدولة بن حمدان فإنه قد بلغه أنه جهز جيشا مع ولده أبى المرجّى جاير إلى بغداد ليأخذها، فأرسل معز الدولة حاجبه سبكتكين إلى بغداد، وصمد معز الدولة إلى الروزبهان فاقتتلوا قتالا شديدا، وهزمه معز الدولة وفرق أصحابه وأخذه أسيرا إلى بغداد فسجنه، ثم أخرجه ليلا وغرقه، لأن الديلم أرادوا إخراجه من السجن قهرا. وانطوى ذكر روزبهان وإخوته، وكان قد اشتعل اشتعال النار. وحظيت الأتراك عند معز الدولة وانحطت رتبة الديلم عنده، لأنه ظهر له خيانتهم في أمر الروزبهان وإخوته.
وفيها دخل سيف الدولة إلى بلاد الروم فقتل وسبى ورجع إلى حلب، فحميت الروم فجمعوا وأقبلوا إلى ميافارقين فقتلوا وسبوا وحرقوا ورجعوا، وركبوا في البحر إلى طرسوس فقتلوا من أهلها ألفا وثمانمائة، وسبوا وحرقوا قرى كثيرة. وفيها زلزلت همذان زلزالا شديدا تهدمت البيوت وانشق قصر شيرين بصاعقة، ومات تحت الهدم خلق كثير لا يحصون كثرة، ووقعت فتنة عظيمة بين أهل أصبهان وأهل قم بسبب سب الصحابة من أهل قم، فثاروا عليهم أهل أصبهان وقتلوا منهم خلقا كثيرا، ونهبوا أموال التجار، فغضب ركن الدولة لأهل قم، لأنه كان شيعيا، فصادر أهل أصبهان بأموال كثيرة.
وفيها توفى من الأعيان
غلام ثعلب
محمد بن عبد الواحد بن أبى هاشم أبو عمرو الزاهد غلام ثعلب، روى عن الكديمي وموسى بن
стр. 3767
سهل الوشاء وغيرهما، روى عنه جماعة، وآخر من حدث عنه أبو على بن شاذان وكان كثير العلم والزهد حافظا مطيقا يملى من حفظه شيئا كثيرا، ضابطا لما يحفظه. ولكثرة إغرابه اتهمه بعض الرواة ورماه بالكذب، وقد اتفق له مع القاضي أبى عمر حكاية - وكان يؤدب ولده - فإنه أملى من حفظه ثلاثين مسألة بشواهدها وأدلتها من لغة العرب، واستشهد على بعضها ببيتين غريبين جدا، فعرضهما القاضي أبو عمر على ابن دريد وابن الأنباري وابن مقسم، فلم يعرفوا منهما شيئا. حتى قال ابن دريد:
هذا ما وضعه أبو عمرو من عنده، فلما جاء أبو عمرو ذكر له القاضي ما قال ابن دريد عنه، فطلب أبو عمرو أن يحضر له من كتبه دواوين العرب. فلم يزل أبو عمرو يعمد إلى كل مسألة ويأتيه بشاهد بعد شاهد حتى خرج من الثلاثين مسألة ثم قال: وأما البيتان فان ثعلبا أنشدناهما وأنت حاضر فكتبتهما في دفترك الفلاني، فطلب القاضي دفتره فإذا هما فيه، فلما بلغ ذلك ابن دريد كف لسانه عن أبى عمرو الزاهد فلم يذكره حتى مات. توفى أبو عمر وهذا يوم الأحد ودفن يوم الاثنين الثالث عشر من ذي القعدة، ودفن في الصفة المقابلة لقبر معروف الكرخي ببغداد ﵀.
محمد بن على بن أحمد بن رستم
أبو بكر المادرائى الكاتب، ولد في سنة خمس وخمسين ومائتين بالعراق، ثم صار إلى مصر هو وأخوه أحمد مع أبيهما، وكان على الخراج لخمارويه بن أحمد بن طولون، ثم صار هذا الرجل من رؤساء الناس وأكابرهم، سمع الحديث من أحمد بن عبد الجبار وطبقته. وقد روى الخطيب عنه أنه قال كان ببابي شيخ كبير من الكتاب قد تعطل عن وظيفته، فرأيت والدي في المنام وهو يقول: يا بنى أما تتقى الله؟ أنت مشغول بلذاتك والناس ببابك يهلكون من العرى والجوع، هذا فلان قد تقطع سراويله ولا يقدر على إبداله، فلا تهمل أمره. فاستيقظت مذعورا وأنا ناوله الإحسان، ثم نمت فأنسيت المنام، فبينا أنا أسير إلى دار الملك، فإذا بذلك الرجل الّذي ذكره على دابة ضعيفة، فلما رآني أراد أن يترجل لي فبدا لي فخذه وقد لبس الخف بلا سراويل، فلما رأيت ذلك ذكرت المنام فاستدعيت به وأطلقت له ألف دينار وثياب، ورتبت له على وظيفته مائتي دينار كل شهر، ووعدته بخير في الآجل أيضا
أحمد بن محمد بن إسماعيل
ابن إبراهيم طباطبا بن إسماعيل بن إبراهيم بن حسن بن حسن بن على بن أبى طالب، الشريف الحسنى الرسي - قبيلة من الأشراف - أبو القاسم المصري الشاعر - كان نقيب الطالبيين بمصر ومن شعره قوله:
قالت لطيف خيال زارني ومضى … بالله صفه، ولا تنقص ولا تزد
فقلت: أبصرته لو مات من ظمأ … وقال: قف لا ترد الماء لم يرد
стр. 3768
قالت: صدقت، وفاء الحب عادته … يا برد ذاك الّذي قالت على كبدي
توفى ليلة الثلاثاء لخمس بقين من هذه السنة.
ثم دخلت سنة ست وأربعين وثلاثمائة
فيها وقعت فتنة بين أهل الكرخ وأهل السنة بسبب السب، فقتل من الفريقين خلق كثير.
وفيها نقص البحر المالح ثمانين ذراعا. ويقال باعا. فبدت به جبال وجزائر وأماكن لم تكن ترى قبل ذلك. وفيها كان بالعراق وبلاد الري والجبل وقم ونحوها زلازل كثيرة مستمرة نحو أربعين يوما، تسكن ثم تعود، فتهدمت بسبب ذلك أبنية كثيرة وغارت مياه كثيرة، ومات خلق كثير. وفيها تجهز معز الدولة بن بويه لقتال ناصر الدولة بن حمدان بالموصل، فراسله ناصر الدولة والتزم له بأموال يحملها إليه كل سنة، فسكت عنه، ثم إنه مع ما اشترط على نفسه لم يرجع عنه معز الدولة، بل قصده في السنة الآتية كما سيأتي بيانه. وفي تشرين منها كثرت في الناس أو رام في حلوقهم ومناخرهم، وكثر فيهم موت الفجأة، حتى إن لصا نقب دارا ليدخلها فمات وهو في النقب. ولبس القاضي خلعة القضاء ليخرج للحكم فلبس إحدى خفيه فمات قبل أن يلبس الأخرى.
وممن توفى فيها من الأعيان
أحمد بن عبد الله بن الحسين
أبو هريرة العذري، المستملي على المشايخ، كتب عن أبى مسلم الكجي وغيره، وكان ثقة توفى في ربيع الأول منها
الحسن بن خلف بن شاذان
أبو على الواسطي روى عن إسحاق الأزرق ويزيد بن هارون وغيرهما، وروى عنه البخاري في صحيحه. توفى في هذه السنة. هكذا رأيت ابن الجوزي ذكر هذه الترجمة في هذه السنة في منتظمه والله أعلم
أبو العباس الأصم
محمد بن يعقوب بن يوسف بن معقل بن سنان بن عبد الله الأموي مولاهم أبو العباس الأصم مولده في سنة سبع وأربعين ومائتين، رأى الذهلي ولم يسمع منه، ورحل به أبوه إلى أصبهان ومكة ومصر والشام والجزيرة وبغداد وغيرها من البلاد، فسمع الكثير بها عن الجم الغفير، ثم رجع إلى خراسان وهو ابن ثلاثين سنة، وقد صار محدثا كبيرا، ثم طرأ عليه الصمم فاستحكم حتى كان لا يسمع نهيق الحمار، وكان مؤذنا في مسجده ثلاثين سنة، وحدث ستا وسبعين سنة، فألحق الأحفاد بالأجداد وكان ثقة صادقا ضابطا لما سمعه ويسمعه، كف بصره قبل موته بشهر، وكان يحدث من حفظه بأربع عشر حديثا، وسبع حكايات ومات وقد بقي له سنة من المائة.
ثم دخلت سنة سبع وأربعين وثلاثمائة
فيها كانت زلزلة ببغداد في شهر نيسان وفي غيرها من البلاد الشرقية فمات بسببها خلق كثير،
стр. 3769
وخربت دور كثيرة، وظهر في آخر نيسان وشهر أيار جراد كثير أتلف الغلات الصيفية والثمار. ودخلت الروم آمد، وميّافارقين، فقتلوا ألفا وخمسمائة إنسان، وأخذوا مدينة سمساط وأخربوها. وفي المحرم منها ركب معز الدولة إلى الموصل فأخذها من يد ناصر الدولة، وهرب ناصر الدولة إلى نصيبين، ثم إلى ميافارقين، فلحقه معز الدولة فصار إلى حلب إلى عند أخيه سيف الدولة، ثم أرسل سيف الدولة إلى معز الدولة في المصالحة بينه وبين أخيه، فوقع الصلح على أن يحمل ناصر الدولة في كل سنة ألفى ألف وتسعمائة ألف، ورجع معز الدولة إلى بغداد بعد انعقاد الصلح، وقد امتلأت البلاد رفضا وسبا للصحابة من بنى بويه وبنى حمدان والفاطميين، وكل ملوك البلاد مصرا وشاما وعراقا وخراسان وغير ذلك من البلاد، كانوا رفضا، وكذلك الحجاز وغيره، وغالب بلاد المغرب، فكثر السب والتكفير منهم للصحابة.
وفيها بعث المعز الفاطمي مولاه أبا الحسن جوهر القائد في جيوش معه ومعه زيري بن هناد الصنهاجى ففتحوا بلادا كثيرة من أقصى بلاد المغرب، حتى انتهوا إلى البحر المحيط، فأمر جوهر بأن يصطاد له منه سمك، فأرسل به في قلال الماء إلى المعز الفاطمي، وحظي عنده جوهر وعظم شأنه حتى صار بمنزلة الوزير.
وممن توفى فيها من الأعيان.
الزبير بن عبد الرحمن
ابن محمد بن زكريا بن صالح بن إبراهيم. أبو عبد الله الأستراباذيّ، رحل وسمع الحديث وطوف الأقاليم، سمع الحسن بن سفيان وابن خزيمة وأبا يعلى وخلقا، وكان حافظا متقنا صدوقا، صنف الشروح والأبواب.
أبو سعيد بن يونس
صاحب تاريخ مصر. هو عبد الرحمن بن يونس بن عبد الأعلى الصدفي المصري المؤرخ، كان حافظا مكثرا خبيرا بأيام الناس وتواريخهم، له تاريخ مفيد جدا لأهل مصر ومن ورد إليها. وله ولد يقال له أبو الحسن على، كان منجما له زيج مفيد يرجع إليه أصحاب هذا الفن، كما يرجع أصحاب الحديث إلى أقوال أبيه وما يؤرخه وينقله ويحكيه، ولد الصدفي سنة إحدى وثمانين ومائتين وتوفى في هذه السنة يوم الاثنين السادس والعشرين من جمادى الآخرة في القاهرة.
ابن درستويه النحويّ
عبد الله بن جعفر بن درستويه بن المرزبان أبو محمد الفارسي النحويّ، سكن بغداد وسمع عباسا الدوري وابن قتيبة والمبرد، وسمع منه الدار قطنى وغيره من الحفاظ، وأثنى عليه غير واحد، منهم أبو عبد الله بن مندة، توفى في صفر منها، وذكر له ابن خلكان مصنفات كثيرة مفيدة، فيما يتعلق باللغة والنحو وغيره.
محمد بن الحسن
ابن عبد الله بن على بن محمد بن عبد الملك بن أبى الشوارب، أبو الحسن القرشي الأموي قاضى
стр. 3770
بغداد، كان حسن الأخلاق طلابة للحديث، ومع هذا كان ينسب إلى أخذ الرشوة في الأحكام والولايات ﵀.
محمد بن على
أبو عبد الله الهاشمي الخاطب الدمشقيّ. وأظنه الّذي تنسب إليه حارة الخاطب من نواحي باب الصغير، كان خطيب دمشق في أيام الإخشيد، وكان شابا حسن الوجه مليح الشكل، كامل الخلق.
توفى يوم الجمعة السابع والعشرين من ربيع الأول من هذه السنة، وحضر جنازته نائب السلطنة وخلق كثير لا يحصون كثرة، هكذا أرخه ابن عساكر، ودفن بباب الصغير.
ثم دخلت سنة ثمان وأربعين وثلاثمائة
فيها كانت فتنة بين الرافضة وأهل السنة قتل فيها خلق كثير، ووقع حريق بباب الطاق، وغرق في دجلة خلق كثير من حجاج الموصل، نحو من ستمائة نفس. وفيها دخلت الروم طرسوس والرها وقتلوا وسبوا، وأخذوا الأموال ورجعوا. وفيها قلت الأمطار وغلت الأسعار واستسقى الناس فلم يسقوا، وظهر جراد عظيم في أذار فأكل ما نبت من الخضراوات، فاشتد الأمر جدا على الخلق فما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن. وفيها عاد معز الدولة إلى بغداد من الموصل وزوج ابنته من ابن أخيه مؤيد الدولة بن معز الدولة، وسيرها معه إلى بغداد.
وممن توفى فيها من الأعيان
إبراهيم بن شيبان القرميسيني
شيخ الصوفية بالجبل، صحب أبا عبد الله المغربي. ومن جيد كلامه قوله: إذا سكن الخوف القلب أحرق مواضع الشهوات منه، وطرد عنه الرغبة في الدنيا.
أبو بكر النجاد
أحمد بن سليمان بن الحسن بن إسرائيل بن يونس، أبو بكر النجاد الفقيه، أحد أئمة الحنابلة ولد سنة ثلاث وخمسين ومائتين، سمع عبد الله بن أحمد وأبا داود، والباغندي وابن أبى الدنيا وخلقا كثيرا، وكان يطلب الحديث ماشيا حافيا، وقد جمع المسند وصنف في السنن كتابا كبيرا، وكان له يجامع المنصور حلقتان، واحدة للفقه وأخرى لا ملاء الحديث، وحدث عنه الدار قطنى وابن رزقويه وابن شاهين وأبو بكر بن مالك القطيعي وغيرهم، وكان يصوم الدهر ويفطر كل ليلة على رغيف ويعزل منه لقمة، فإذا كانت ليلة الجمعة أكل اللقم وتصدق بالرغيف صحيحا. توفى ليلة الجمعة لعشرين من ذي الحجة عن خمس وتسعين سنة ودفن قريبا من قبر بشر الحافى ﵀.
جعفر بن محمد بن نصير بن القاسم
أبو محمد الخواص المعروف بالخلدي، سمع الكثير وحدث كثيرا، وحج ستين حجة، وكان ثقة صدوقا دينا.
стр. 3771
محمد بن إبراهيم بن يوسف بن محمد
أبو عمر الزجاج النيسابورىّ، صحب أبا عثمان والجنيد والنوري والخواص وغيرهم، وأقام بمكة وكان شيخ الصوفية بها، وحج ستين حجة، ويقال إنه مكث أربعين سنة لم يتغوط ولم يبل إلا خارج الحرم بمكة
محمد بن جعفر بن محمد بن فضالة
ابن يزيد بن عبد الملك أبو بكر الأدمي، صاحب الألحان، كان حسن الصوت بتلاوة القرآن وربما سمع صوته من بعد في الليل، وحج مرة مع أبى القاسم البغوي، فلما كانوا بالمدينة دخلوا المسجد النبوي فوجدوا شيخا أعمى يقص على الناس أخبارا موضوعة مكذوبة، فقال البغوي: ينبغي الإنكار عليه، فقال له بعض أصحابه: إنك لست ببغداد يعرفك الناس إذا أنكرت عليه، ومن يعرفك هنا قليل والجمع كثير، ولكن نرى أن تأمر أبا بكر الأدمي فيقرأ، فأمره فاستفتح فقرأ فلم يتم الاستعاذة حتى انجفل الناس عن ذلك الأعمى وتركوه وجاءوا إلى أبى بكر ولم يبق عند الضرير أحد، فأخذ الأعمى بيد قائده وقال له: اذهب بنا فهكذا تزول النعم. توفى يوم الأربعاء لليلتين بقيتا من ربيع الأول من هذه السنة، عن ثمان وثمانين سنة، وقد رآه بعضهم في المنام فقال له: ما فعل الله بك؟ قال: وقفني بين يديه وقاسيت شدائد وأهوالا. فقلت له: فتلك القراءة الحسنة وذلك الصوت الحسن وتلك المواقف؟ فقال: ما كان شيء أضر على من ذلك، لأنها كانت للدنيا. فقلت: إلى أي شيء انتهى أمرك؟ فقال: قال الله آليت على نفسي أن لا أعذب أبناء الثمانين.
أبو محمد عبد الله بن أحمد بن على
ابن الحسن بن إبراهيم بن طباطبا بن إسماعيل بن إبراهيم بن الحسن بن الحسن بن على بن أبى طالب الهاشمي المصري، كان من ساداتها وكبرائها، لا تزال الحلوى تعقد بداره، ولا يزال رجل يكسر اللوز بسببها، وللناس عليه رواتب من الحلوى، فمنهم من يهدى إليه كل يوم، ومنهم في الجمعة، ومنهم في الشهر. وكان لكافور الإخشيد عليه في كل يوم جامان ورغيف من الحلوى، ولما قدم المعز الفاطمي إلى القاهرة وتلقاه سأله: إلى من ينتسب مولانا من أهل البيت؟ فقال: الجواب إلى أهل البلد، فلما دخل القصر جمع الأشراف وسل نصف سيفه وقال هذا نسبي، ثم نثر عليهم الذهب وقال: هذا حسبي. فقالوا: سمعنا وأطعنا. والصحيح أن القائل للمعز هذا الكلام ابن هذا (١) أو شريف آخر فالله أعلم. فان وفاة هذا كانت في هذا العام عن ثنتين وستين سنة، والمعز إنما قدم مصر في سنة ثنتين وستين وثلاثمائة كما سيأتي.
ثم دخلت سنة تسع وأربعين وثلاثمائة
فيها ظهر رجل بأذربيجان من أولاد عيسى بن المكتفي بالله فلقب بالمستجير بالله ودعا إلى الرضا
стр. 3772
من آل محمد، وذلك لفساد دولة المرزبان في ذلك الزمان، فاقتتلوا قتالا شديدا ثم انهزم أصحاب المستجير وأخذ أسيرا فمات، واضمحل أمره. وفيها دخل سيف الدولة بن حمدان بلاد الروم فقتل من أهلها خلقا كثيرا، وفتح حصونا وأحرق بلدانا كثيرة، وسبى وغنم وكر راجعا، فأخذت الروم عليه فمنعوه من الرجوع ووضعوا السيف في أصحابه فما نجا هو في ثلاثمائة فارس إلا بعد جهد جهيد.
وفيها كانت فتنة عظيمة ببغداد بين الرافضة وأهل السنة قتل فيها خلق كثير، وفي آخرها توفى أنوجور بن الإخشيد صاحب مصر، فأقام بالأمر بعده أخوه على. وفيها مات أبو القاسم عبد الله بن أبى عبد الله البريدي الّذي كان صاحب الأهواز وواسط. وفيها رجع حجيج مصر من مكة فنزلوا واديا فجاءهم سيل فأخذهم فألقاهم في البحر عن آخرهم. وفيها أسلم من الترك مائتا ألف خركاه فسموا ترك إيمان، ثم خفف اللفظ بذلك، فقيل تركمان:
وممن توفى فيها من الأعيان.
جعفر بن حرب الكاتب
كانت له نعمة وثروة عظيمة تقارب أبهة الوزارة، فاجتاز يوما وهو راكب في موكب له عظيم، فسمع رجلا يقرأ ﴿أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللهِ وَما نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ﴾ فصاح: اللهمّ بلى، وكررها دفعات ثم بكى ثم نزل عن دابته ونزع ثيابه وطرحها ودخل دجلة فاستتر بالماء ولم يخرج منه حتى فرق جميع أمواله في المظالم التي كانت عليه، وردها إلى أهلها، وتصدق بالباقي ولم يبق له شيء بالكلية، فاجتاز به رجل فتصدق عليه بئوبين فلبسهما وخرج فانقطع إلى العلم والعبادة حتى مات ﵀:
أبو على الحافظ
ابن على بن يزيد بن داود أبو على الحافظ النيسابورىّ، أحد أئمة الحفاظ المتقنين المصنفين. قال الدار قطنى: كان إماما مهذبا، وكان ابن عقدة لا يتواضع لأحد كتواضعه له. توفى في جمادى الآخرة عن اثنتين وخمسين سنة.
حسان بن محمد بن أحمد بن مروان
أبو الوليد القرشي الشافعيّ إمام أهل الحديث بخراسان في زمانه، وأزهدهم وأعبدهم، أخذ الفقه عن ابن سريج وسمع الحديث من الحسن بن سفيان وغيره، وله التصانيف المفيدة، وقد ذكرنا ترجمته في الشافعيين. كانت وفاته ليلة الجمعة لخمس مضين من ربيع الأول من هذه السنة، عن ثنتين وسبعين سنة.
حمد بن إبراهيم بن الخطاب
أبو سليمان الخطابي، سمع الكثير وصنف التصانيف الحسان، منها المعالم شرح فيها سنن أبى داود، والأعلام شرح فيه البخاري، وغريب الحديث. وله فهم مليح وعلم غزير ومعرفة باللغة والمعاني والفقه. ومن أشعاره قوله:
стр. 3773
ما دمت حيا فدار الناس كلهم … فإنما أنت في دار المداراة
من يدر داري ومن لم يدر سوف يرى … عما قليل نديما للندامات
هكذا ترجمه أبو الفرج ابن الجوزي حرفا بحرف.
عبد الواحد بن عمر بن محمد
ابن أبى هاشم. كان من أعلم الناس بحروف القراءات، وله في ذلك مصنفات، وكان من الأمناء الثقات، روى عن ابن مجاهد وأبى بكر بن أبى داود، وعنه أبو الحسن الحماني، توفى في شوال منها، ودفن بمقبرة الخيزران.
أبو أحمد العسال
الحافظ محمد بن أحمد بن إبراهيم بن سليمان بن محمد أبو أحمد العسال الأصبهاني أحد الأئمة الحفاظ وأكابر العلماء، سمع الحديث وحدث به، قال ابن مندة: كتبت عن ألف شيخ لم أر أفهم ولا أتقن من أبى أحمد العسال. توفى في رمضان منها ﵀. والله سبحانه أعلم.
ثم دخلت سنة خمسين وثلاثمائة
في المحرم منها مرض معز الدولة بن بويه بانحصار البول فقلق من ذلك وجمع بين صاحبه سبكتكين ووزيره المهلبي، وأصلح بينهما ووصاهما بولده بختيار خيرا، ثم عوفي من ذلك فعزم على الرحيل إلى الأهواز لاعتقاده أن ما أصابه من هذه العلة بسبب هواء بغداد ومائها، فأشاروا عليه بالمقام بها، وأن يبنى بها دارا في أعلاها حيث الهواء أرق والماء أصفى، فبنى له دارا غرم عليه ثلاثة عشر ألف ألف درهم، فاحتاج لذلك أن يصادر بعض أصحابه، ويقال أنفق عليها ألفى ألف دينار، ومات وهو يبنى فيها ولم يسكنها، وقد خرب القفصي كثيرة من معالم الخلفاء ببغداد في بنائها، وكان مما خرب المعشوق من سرمن رأى، وقلع الأبواب الحديد التي على مدينة المنصور والرصافة وقصورها، وحولها إلى داره هذه، لا تمت فرحته بها، فإنه كان رافضيا خبيثا.
وفيها مات القاضي أبو السائب عتبة بن عبد الله وقبضت أملاكه، وولى بعده القضاء أبو عبد الله الحسين بن أبى الشوارب، وضمن أن يؤدى في كل سنة إلى معز الدولة مائتي ألف درهم، فخلع عليه معز الدولة وسار ومعه الدبابات والبوقات إلى منزله، وهو أول من ضمن القضاء ورشى عليه والله أعلم. ولم يأذن له الخليفة المطيع لله في الحضور عنده ولا في حضور الموكب من أجل ذلك غضبا عليه، ثم ضمن معز الدولة الشرطة وضمن الحسبة أيضا.
وفيها سار قفل من أنطاكية يريدون طرسوس، وفيهم نائب أنطاكية، فثار عليهم الفرنج فأخذوهم عن بكرة أبيهم، فلم يفلت منهم سوى النائب جريحا في مواضع من بدنه. وفيها دخل نجا غلام سيف الدولة بلاد الروم فقتل وسبى وغنم ورجع سالما.
стр. 3774
وفيها توفى
الأمير. نوح بن عبد الملك الساماني
صاحب خراسان وغزنة وما وراء النهر، سقط عن فرسه فمات، فقام بالأمر من بعده أخوه منصور بن نوح الساماني.
وفيها توفى.
الناصر لدين الله عبد الرحمن الأموي
صاحب الأندلس، وكانت خلافته خمسين سنة وستة أشهر، وله من العمر يوم مات ثلاث وسبعون سنة، وترك أحد عشر ولدا، كان أبيض حسن الوجه عظيم الجسم طويل الظهر قصير الساقين، وهو أول من تلقب بأمير المؤمنين من أولاد الأمويين الداخلين إلى المغرب، وذلك حين بلغه ضعف الخلفاء بالعراق، وتغلب الفاطميين، فتلقب قبل موته بثلاث وعشرين سنة. ولما توفى قام بالأمر من بعده ولده الحكم وتلقب بالمنتصر، وكان الناصر شافعيّ المذهب ناسكا شاعرا، ولا يعرف في الخلفاء أطول مدة منه، فإنه أقام خليفة خمسين سنة، إلا الفاطمي المستنصر بن الحاكم الفاطمي صاحب مصر، فإنه مكث ستين سنة كما سيأتي ذلك. وممن توفى فيها من الأعيان:
أبو سهل بن زياد القطان
أحمد بن محمد بن عبد الله بن زياد أبو سهل القطان. كان ثقة حافظا كثير التلاوة للقرآن، حسن الانتزاع للمعاني من القرآن، فمن ذلك أنه استدل على تكفير المعتزلة بقوله تعالى ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَكُونُوا كَالَّذِينَ كَفَرُوا وَقالُوا لِإِخْوانِهِمْ إِذا ضَرَبُوا فِي الْأَرْضِ أَوْ كانُوا غُزًّى لَوْ كانُوا عِنْدَنا ما ماتُوا وَما قُتِلُوا﴾.
إسماعيل بن على بن إسماعيل بن بيان أبو محمد الحطبى
سمع الحديث من ابن أبى أسامة وعبد الله بن أحمد والكوكبي وغيرهم، وعنه الدار قطنى وغيره، وكان ثقة حافظا فاضلا نبيلا عارفا بأيام الناس، وله تاريخ مرتب على السنين، وكان أديبا لبيبا عاقلا صدوقا، توفى في جمادى الآخرة من هذه السنة، عن إحدى وثمانين سنة.
أحمد بن محمد بن سعيد
ابن عبيد الله بن أحمد بن سعيد بن أبى مريم أبو بكر القرشي الوراق، ويعرف بابن فطيس، وكان حسن الكتابة مشهورا بها، وكان يكتب الحديث لابن جوصا، ترجمه ابن عساكر وأرخ وفاته بثاني شوال من هذه السنة.
تمام بن محمد بن عباس
ابن عبد المطلب أبو بكر الهاشمي العباسي، حدث عن عبد الله بن أحمد وعنه ابن رزقويه توفى في هذه السنة عن إحدى وثمانين سنة.
الحسين بن القاسم
أبو على الطبري الفقيه الشافعيّ، أحد الأئمة المحررين في الخلاف، وهو أول من صنف فيه،
стр. 3775
وله الإيضاح في المذهب، وكتاب في الجدل، وفي أصول الفقه وغير ذلك من المصنفات، وقد ذكرناه في الطبقات.
عبد الله بن إسماعيل بن إبراهيم
ابن عيسى بن جعفر بن أبى جعفر المنصور الهاشمي الامام، ويعرف بابن بويه، ولد سنة ثلاث وستين ومائتين، روى عن ابن أبى الدنيا وغيره، وعنه ابن رزقويه، وكان خطيبا بجامع المنصور مدة طويلة، وقد خطب فيه سنة ثلاثين وثلاثمائة وقبلها تمام سنة، ثم خطب فيه الواثق سنة ثلاثين ومائتين وهما في النسب إلى المنصور سواء. توفى في صفر منها.
عتبة بن عبد الله
بن موسى بن عبد الله أبو السائب القاضي الهمذانيّ الشافعيّ، كان فاضلا بارعا، ولى القضاء، وكان فيه تخليط في الأمور، وقد رآه بعضهم بعد موته فقال: ما فعل الله بك؟ قال: غفر لي وأمر بى إلى الجنة على ما كان منى من التخليط، وقال لي: إني كتبت على نفسي أن لا أعذب أبناء الثمانين. وهذا الرجل أول من ولى قضاء القضاة ببغداد من الشافعية والله أعلم.
محمد بن أحمد بن حيان
أبو بكر الدهقان، بغدادي، سكن بخارى وحدث بها عن يحيى بن أبى طالب، والحسن بن مكرم وغيرهما، وتوفى عن سبع وثمانين سنة.
أبو على الخازن
توفى في شعبان منها فوجد في داره من الدفائن وعند الناس من الودائع ما يقارب أربعمائة ألف دينار. والله أعلم.
ثم دخلت سنة إحدى وخمسين وثلاثمائة
فيها كان دخول الروم إلى حلب صحبة الدمستق ملك الروم لعنه الله، في مائتي ألف مقاتل، وكان سبب ذلك أنه ورد إليها بغتة فنهض إليه سيف الدولة بن حمدان بمن حضر عنده من المقاتلة، فلم يقو به لكثرة جنوده، وقتل من أصحاب سيف الدولة خلقا كثيرا، وكان سيف الدولة قليل الصبر ففر منهزما في نفر يسير من أصحابه، فأول ما استفتح به الدمستق قبحه الله أن استحوذ على دار سيف الدولة، وكانت ظاهر حلب، فأخذ ما فيها من الأموال العظيمة والحواصل الكثيرة، والعدد وآلات الحرب، أخذ من ذلك ما لا يحصى كثرة، وأخذ ما فيها من النساء والولدان وغيرهم، ثم حاصر سور حلب فقاتل أهل البلد دونه قتالا عظيما، وقتلوا خلقا كثيرا من الروم، وثلمت الروم بسور حلب ثلمة عظيمة، فوقف فيها الروم فحمل المسلمون عليهم فأزاحوهم عنها، فلما جن الليل جد المسلمون في إعادتها فما أصبح الصباح إلا وهي كما كانت، وحفظوا السور حفظا عظيما، ثم بلغ المسلمون أن الشرط والبلاحية قد عاثوا في داخل البلد ينهبون البيوت، فرجع الناس إلى منازلهم يمنعونها منهم قبحهم الله، فإنهم أهل شر وفساد، فلما فعلوا ذلك غلبت الروم على السور فعلوه ودخلوا البلد يقتلون من لقوة، فقتلوا من المسلمين خلقا كثيرا وانتهبوا الأموال وأخذوا الأولاد والنساء. وخلصوا من كان
стр. 3776
بأيدي المسلمين من أسارى الروم، وكانوا ألفا وأربعمائة، فأخذ الأسارى السيوف وقاتلوا المسلمين، وكانوا أضر على المسلمين من قومهم، وأسروا نحوا من بضعة عشر ألفا ما بين صبي وصبية، ومن النساء شيئا كثيرا، ومن الرجال الشباب ألفين، وخربوا المساجد وأحرقوها، وصبوا في جباب الزيت الماء حتى فاض الزيت على وجه الأرض، وأهلكوا كل شيء قدروا عليه، وكل شيء لا يقدرون على حمله أحرقوه، وأقاموا في البلد تسعة أيام يفعلون فيها الأفاعيل الفاسدة العظيمة، كل ذلك بسبب فعل البلاحية والشرط في البلد قاتلهم الله. وكذلك حاكمهم ابن حمدان كان رافضيا يحب الشيعة ويبغض أهل السنة، فاجتمع على أهل حلب عدة مصائب، ثم عزم الدمستق على الرحيل عنهم خوفا من سيف الدولة، فقال له ابن أخيه: أين تذهب وتدع القلعة وأموال الناس غالبها فيها ونساؤهم؟ فقال له الدمستق: إنا قد بلغنا فوق ما كنا نأمل، وإن بها مقاتلة ورجالا غزاة، فقال له لا بدّ لنا منها، فقال له: اذهب إليها، فصعد إليها في جيش ليحاصرها فرموه بحجر فقتلوه في الساعة الراهنة من بين الجيش كله، فغضب عند ذلك الدمستق وأمر بإحضار من في يديه من أسارى المسلمين، وكانوا قريبا من ألفين، فضربت أعناقهم بين يديه لعنه الله، ثم كر راجعا. وقد دخلوا عين زربة قبل ذلك في المحرم من هذه السنة، فأستأمنه أهلها فأمنهم وأمر بأن يدخلوا كلهم المسجد ومن بقي في منزله قتل، فصاروا إلى المسجد كلهم ثم قال: لا يبقين أحد من أهلها اليوم إلا ذهب حيث شاء، ومن تأخر قتل، فازدحموا في خروجهم من المسجد فمات كثير منهم، وخرجوا على وجوههم لا يدرون أين يذهبون، فمات في الطرقات منهم خلق كثير. ثم هدم الجامع وكسر المنبر وقطع من حول البلد أربعين ألف نخلة، وهدم سور البلد والمنازل المشار إليها، وفتح حولها أربعة وخمسين حصنا بعضها بالسيف وبعضها بالأمان، وقتل الملعون خلقا كثيرا، وكان في جملة من أسر أبو فراس بن سعيد بن حمدان تائب منبج من جهة سيف الدولة، وكان شاعرا مطيقا، له ديوان شعر حسن، وكان مدة مقامه بعين زربة إحدى وعشرين يوما، ثم سار إلى قيسرية فلقيه أربعة آلاف من أهل طرسوس مع نائبها ابن الزيات، فقتل أكثرهم وأدركه صوم النصارى فاشتغل به حتى فرغ منه، ثم هجم على حلب بغتة، وكان من أمره ما ذكرناه. وفيها كتبت العامة من الروافض على أبواب المساجد لعنة معاوية بن أبى سفيان ﵁، وكتبوا أيضا: ولعن الله من غصب فاطمة حقها، وكانوا يلعنون أبا بكر ومن أخرج العباس من الشورى، يعنون عمر، ومن نفى أبا ذر - يعنون عثمان - رضى الله عن الصحابة، وعلى من لعنهم لعنة الله، ولعنوا من منع من دفن الحسن عند جده يعنون مروان بن الحكم، ولما بلغ ذلك جميعه معز الدولة لم ينكره ولم يغيره، ثم بلغه أن أهل السنة محوا ذلك وكتبوا عوضه لعن الله الظالمين لآل محمد من الأولين والآخرين، والتصريح
стр. 3777
باسم معاوية في اللعن، فأمر بكتب ذلك، قبحه الله وقبح شيعته من الروافض، لا جرم أن هؤلاء لا ينصرون، وكذلك سيف الدولة بن حمدان بحلب فيه تشيع وميل إلى الروافض، لا جرم أن الله لا ينصر أمثال هؤلاء، بل يديل عليهم أعداءهم لمتابعتهم أهواءهم، وتقليدهم سادتهم وكبراءهم وآباءهم وتركهم أنبياءهم وعلماءهم، ولهذا لما ملك الفاطميون بلاد مصر والشام، وكان فيهم الرفض وغيره، استحوذ الفرنج على سواحل الشام وبلاد الشام كلها، حتى بيت المقدس، ولم يبق مع المسلمين سوى حلب وحمص وحماة ودمشق وبعض أعمالها، وجميع السواحل وغيرها مع الفرنج، والنواقيس النصرانية والطقوص الانجيلية تضرب في شواهق الحصون والقلاع، وتكفر في أماكن الايمان من المساجد وغيرها من شريف البقاع، والناس معهم في حصر عظيم، وضيق من الدين، وأهل هذه المدن التي في يد المسلمين في خوف شديد في ليلهم ونهارهم من الفرنج ف ﴿إِنّا لِلّهِ وَإِنّا إِلَيْهِ راجِعُونَ﴾ وكل ذلك من بعض عقوبات المعاصي والذنوب، وإظهار سب خير الخلق بعد الأنبياء.
وفيها وقعت فتنة عظيمة بين أهل البصرة بسبب السب أيضا، قتل فيها خلق كثير وجم غفير.
وفيها أعاد سيف الدولة بن حمدان بناء عين زربة، وبعث مولاه نجا فدخل بلاد الروم، فقتل منها خلقا كثيرا وسبى جما غفيرا، وغنم وسلم. وبعث حاجبه مع جيش طرسوس فدخلوا بلاد الروم فغنموا وسبوا ورجعوا سالمين. وفيها فتح المعز الفاطمي حصن طبرسين من بلاد المغرب - وكان من أحصن بلاد الفرنج - فتحه قسرا بعد محاصرة سبعة أشهر ونصف، وقصد الفرنج جزيرة إقريطش فاستنجد أهلها المعز، فأرسل إليهم جيشا فانتصروا على الفرنج ولله الحمد والمنة.
وممن توفى فيها من الأعيان
الحسن بن محمد بن هارون
المهلبي الوزير لمعز الدولة بن بويه، مكث وزيرا له ثلاث عشرة سنة، وكان فيه حلم وكرم وأناة، حكى أبو إسحاق الصابي قال: كنت يوما عنده وقد جيء بدواة قد صنعت له ومرفع قد حليا له بحلية كثيرة، فقال أبو محمد الفضل بن عبد الله الشيرازي - سرا بيني وبينه -: ما كان أحوجنى إليها لأبيعها وأنتفع بها، قلت: وأي شيء ينتفع الوزير بها؟ فقال: تدخل في خزانتها، فسمعها الوزير - وكان مصغ لنا ولا نشعر - فلما أمسى بعث بالدواة إلى أبى محمد الشيرازي ومرفعها وعشرة ثياب وخمسة آلاف درهم، واصطنع له غيرها. فاجتمعنا يوما آخر عنده وهو يوقع من تلك الدواة الجديدة، فنظر إلينا فقال: من يريدها منكما؟ قال: فاستحيينا وعلمنا أنه قد سمع كلامنا ذلك اليوم، وقلنا يمنع الله الوزير بها ويبقيه ليهب لنا مثلها. توفى المهلبي في هذه السنة عن أربع وستين سنة.
دعلج بن أحمد بن دعلج بن عبد الرحمن
أبو محمد السجستاني المعدل، سمع بخراسان وحلوان وبغداد والبصرة والكوفة ومكة، وكان من
стр. 3778
ذوى اليسار والمشهورين بالبر والإفضال، وله صدقات جارية، وأوقاف دارة دائرة على أهل الحديث ببغداد وسجستان، كانت له دار عظيمة ببغداد، وكان يقول: ليس في الدنيا مثل بغداد، ولا في بغداد مثل القطيعة، ولا في القطيعة مثل دار أبى خلف، ولا في دار أبى خلف مثل داري. وصنف الدار قطنى له مسندا. وكان إذا شك في حديث طرحه جملة، وكان الدار قطنى يقول: ليس في مشايخنا أثبت منه، وقد أنفق في ذوى العلم والحاجات أموالا جزيلة كثيرة جدا، اقترض منه بعض التجار عشرة آلاف دينار فاتجر بها، فربح في مدة ثلاث سنين ثلاثين ألف دينار، فعزل منها عشرة آلاف دينار وجاءه بها فأضافه دعلج ضيافة حسنة، فلما فرغ من شأنها قال له: ما شأنك؟ قال له: هذه العشرة آلاف دينار التي تفضلت بها، قد أحضرت فقال: يا سبحان الله إني لم أعطكها لتردها فصل بها الأهل. فقال إني قد ربحت بها ثلاثين ألف دينار فهذه منها. فقال له دعلج: اذهب بارك الله لك، فقال له: كيف يتسع مالك لهذا؟ ومن أين أفدت هذا المال؟ قال: إني كنت في حداثة سنى أطلب الحديث، فجاءني رجل تاجر من أهل البحر فدفع إلى ألف ألف درهم، وقال: اتجر في هذه، فما كان من ربح فبيني وبينك، وما كان من خسارة فعلى دونك، وعليك عهد الله وميثاقه إن وجدت ذا حاجة أو خلة الا سددتها من مالي هذا دون مالك، ثم جاءني فقال: إني أريد الركوب في البحر فان هلكت فالمال في يدك على ما شرطت عليك. فهو في يدي على ما قال. ثم قال لي: لا تخبر بها أحدا مدة حياتي. فلم أخبر به أحدا حتى مات. توفى في جمادى الآخرة من هذه السنة عن أربع أو خمس وتسعين سنة. ﵀.
عبد الباقي بن قانع
ابن مرزوق أبو الحسن الأموي مولاهم، سمع الحارث بن أسامة، وعنه الدار قطنى وغيره، وكان ثقة أمينا حافظا، ولكنه تغير في آخر عمره. قال الدار قطنى: كان يخطئ ويصر على الخطأ، توفى في شوال منها
أبو بكر النقاش المفسر
محمد بن الحسن بن محمد بن زياد بن هارون بن جعفر، أبو بكر النقاش المفسر المقرئ، مولى أبى دجانة سماك بن خرشة، أصله من الموصل، كان عالما بالتفسير وبالقراءات، وسمع الكثير في بلدان شتى عن خلق من المشايخ، وحدث عنه أبو بكر بن مجاهد والخلدى وابن شاهين وابن رزقويه وخلق، وآخر من حدث عنه ابن شاذان، وتفرد بأشياء منكرة، وقد وثقه الدار قطنى على كثير من خطئه ثم رجع عن ذلك، وصرح بعضهم بتكذيبه والله أعلم. وله كتاب التفسير الّذي سماه شفاء الصدور وقال بعضهم: بل هو سقام الصدور، وقد كان رجلا صالحا في نفسه عابدا ناسكا، حكى من حضره وهو يجود بنفسه وهو يدعو بدعاء ثم رفع صوته يقول ﴿لِمِثْلِ هذا فَلْيَعْمَلِ الْعامِلُونَ﴾ يرددها ثلاث
стр. 3779
مرات ثم خرجت روحه ﵀. توفى يوم الثلاثاء الثاني من شوال منها ودفن بداره بدار القطن.
محمد بن سعيد أبو بكر الحربي الزاهد، ويعرف بابن الضرير، كان ثقة صالحا عابدا. ومن كلامه:
دافعت الشهوات حتى صارت شهوتي المدافعة.
ثم دخلت سنة ثنتين وخمسين وثلاثمائة
في عاشر المحرم من هذه السنة أمر معز الدولة بن بويه قبحه الله أن تغلق الأسواق وأن يلبس النساء المسوح من الشعر وأن يخرجن في الأسواق حاسرات عن وجوههن، ناشرات شعورهن يلطمن وجوههن ينحن على الحسين بن على بن أبى طالب، ولم يمكن أهل السنة منع ذلك لكثرة الشيعة وظهورهم، وكون السلطان معهم. وفي عشر ذي الحجة منها أمر معز الدولة بن بويه بإظهار الزينة في بغداد وأن تفتح الأسواق بالليل كما في الأعياد، وأن تضرب الدبادب والبوقات، وأن تشعل النيران في أبواب الأمراء وعند الشرط، فرحا بعيد الغدير - غدير خم - فكان وقتا عجيبا مشهودا، وبدعة شنيعة ظاهرة منكرة. وفيها أغارت الروم على الرها، فقتلوا وأسروا ورجعوا موقرين، ثم ثارت الروم بملكهم فقتلوه وولوا غيره، ومات الدمستق أيضا ملك الأرمن واسمه النقفور، وهو الّذي أخذ حلب وعمل فيها ما عمل، وولوا غيره.
ترجمة النقفور ملك الأرمن واسمه الدمستق
الّذي توفى في سنة ثنتين - وقيل خمس وقيل ست - وخمسين وثلاثمائة لا ﵀.
كان هذا الملعون من أغلظ الملوك قلبا، وأشدهم كفرا، وأقواهم بأسا، وأحدهم شوكة، وأكثرهم قتلا وقتالا للمسلمين في زمانه، استحوذ في أيامه لعنه الله على كثير من السواحل، وأكثرها انتزعها من أيدي المسلمين قسرا، واستمرت في يده قهرا، وأضيفت إلى مملكة الروم قدرا. وذلك لتقصير أهل ذلك الزمان، وظهور البدع الشنيعة فيهم وكثرة العصيان من الخاص والعام منهم، وفشو البدع فيهم، وكثرة الرفض والتشيع منهم، وقهر أهل السنة بينهم، فلهذا أديل عليهم أعداء الإسلام، فانتزعوا ما بأيديهم من البلاد مع الخوف الشديد ونكد العيش والفرار من بلاد إلى بلاد، فلا يبيتون ليلة إلا في خوف من قوارع الأعداء وطوارق الشرور المترادفة، فالله المستعان. وقد ورد حلب في مائتي ألف مقاتل بغتة في سنة إحدى وخمسين، وجال فيها جولة. ففر من بين يديه صاحبها سيف الدولة ففتحها اللعين عنوة، وقتل من أهلها من الرجال والنساء ما لا يعلمه إلا الله، وخرب دار سيف الدولة التي كانت ظاهر حلب، وأخذ أموالها وحواصلها وعددها وبدد شملها، وفرق عددها، واستفحل أمر الملعون بها ف ﴿إِنّا لِلّهِ وَإِنّا إِلَيْهِ راجِعُونَ﴾. وبالغ في الاجتهاد في قتال الإسلام وأهله، وجد في التشمير فالحكم لله العلى الكبير. وقد كان لعنه الله لا يدخل في بلد إلا قتل
стр. 3780
المقاتلة وبقية الرجال، وسبى النساء والأطفال، وجعل جامعها اصطبلا لخيوله، وكسر منبرها، واستنكث مئذنتها بخيلة ورجله وطبوله. ولم يزل ذلك من دأبه وديدنه حتى سلط الله عليه زوجته فقتلته بجواريها في وسط مسكنه. وأرواح الله منه الإسلام وأهله، وأزاح عنهم قيام ذلك الغمام ومزق شمله، فلله النعمة والإفضال، وله الحمد على كل حال. واتفق في سنة وفاته موت صاحب القسطنطينية.
فتكاملت المسرات وحلصت الأمنية، فالحمد لله الّذي بنعمته تتم الصالحات وتذهب السيئات، وبرحمته تغفر الزلات.
والمقصود أن هذا اللعين - أعنى النقفور الملقب بالدمستق ملك الأرمن - كان قد أرسل قصيدة إلى الخليفة المطيع لله، نظمها له بعض كتابه ممن كان قد خذله الله وأذله، وختم على سمعه وقلبه وجعل على بصره غشاوة وصرفه عن الإسلام وأصله. يفتخر فيها بهذا اللعين، ويتعرض لسب الإسلام والمسلمين، ويتوعد فيها أهل حوزة الإسلام بأنه سيملكها كلها حتى الحرمين الشريفين، عما قريب من الأعوام، وهو أقل وأذل وأخس وأضل من الأنعام، ويزعم أنه ينتصر لدين المسيح ﵇ ابن البتول. وربما يعرض فيها بجناب الرسول عليه من ربه التحية والاكرام، ودوام الصلاة مدى الأيام. ولم يبلغني عن أحد من أهل ذلك العصر أنه رد عليه جوابه، إما لأنها لم تشتهر، وإما لأنه أقل من أن يردوا خطابه لأنه كالمعاند الجاحد. ونفس ناظمها تدل على أنه شيطان مارد.
وقد انتخى للجواب عنها بعد ذلك أبو محمد بن حزم الظاهري: فأفاد وأجاد، وأجاب عن كل فصل باطل بالصواب والسداد، قبّل الله بالرحمة ثراه. وجعل الجنة متقلبه ومثواه.
وها أنا أذكر القصيدة الأرمنية المخذولة الملعونة، وأتبعها بالفريدة الإسلامية المنصورة الميمونة قال المرتد الكافر الأرمني على لسان ملكه لعنهما الله وأهل ملتهم أجمعين أكتعين أبتعين أبصعين آمين يا رب العالمين. ومن خط ابن عساكر كتبتها، وقد نقلوها من كتاب صلة الصلة للفرغانى:
من الملك الطهر المسيحي مالك … إلى خلف الأملاك من آل هاشم
إلى الملك الفضل المطيع أخى العلا … ومن يرتجى للمعضلات العظائم
أما سمعت أذناك ما أنا صانع … ولكن دهاك الوهن عن فعل حازم
فان تك عما قد تقلدت نائما … فانى عما همني غير نائم
ثغوركم لم يبق فيها - لوهنكم … وضعفكم - إلا رسوم المعالم
فتحنا الثغور الأرمنية كلها … بفتيان صدق كالليوث الضراغم
ونحن صلبنا الخيل تعلك لجمها … وتبلغ منها قضمها للشكائم
إلى كل ثغر بالجزيرة آهل … إلى جند قنسرينكم فالعواصم
стр. 3781
ملطية مع سميساط من بعد كركر … وفي البحر أضعاف الفتوح التواخم
وبالحدث الحمراء جالت عساكري … وكيسوم بعد الجعفري للمعالم
وكم قد ذللنا من أعزة أهلها … فصاروا لنا من بين عبد وخادم
وسد سروج إذ خربنا بجمعنا … لنا رتبة تعلو على كل قائم
وأهل الرها لاذوا بنا وتحزبوا … بمنديل مولى علا عن وصف آدمي
وصبح رأس العين منا بطارق … ببيض غزوناها بضرب الجماجم
ودارا وميافارقين وأزرنا … أذقناهم بالخيل طعم العلاقم
واقريطش قد جازت إليها مراكبى … على ظهر بحر مزبد متلاطم
فحزمهم أسرى وسيقت نساؤهم … ذوات الشعور المسبلات النواعم
هناك فتحنا عين زربة عنوة … نعم وأبدنا كل طاغ وظالم
إلى حلب حتى استبحنا حريمها … وهدم منها سورها كل هادم
أخذنا النسا ثم البنات نسوقهم … وصبيانهم مثل المماليك خادم
وقد فر عنها سيف دولة دينكم … وناصركم منا على رغم راغم
وملنا على طرسوس ميلة حازم … أذقنا لمن فيها لحز الحلاقم
فكم ذات عز حرة علوية … منعمة الأطراف ريا المعاصم
سبينا فسقنا خاضعات حواسرا … بغير مهور، لا ولا حكم حاكم
وكم من قتيل قد تركنا مجندلا … يصب دما بين اللها واللهازم
وكم وقعة في الدرب أفنت كماتكم … وسقناهم قسرا كسوق البهائم
وملنا على أرياحكم وحريمها … مدوخة تحت العجاج السواهم
فأهوت أعاليها وبدل رسمها … من الأنس وحشا بعد بيض نواعم
إذا صاح فيها البوم جاوبه الصدى … وأتبعه في الربع نوح الحمائم
وإنطاك لم تبعد على وإنني … سأفتحها يوما بهتك المحارم
ومسكن آبائي دمشق فاننى … سأرجع فيها ملكنا تحت خاتمي
ومصر سأفتحها بسيفي عنوة … وآخذ أموالا بها وبهائمى
وأجزى كافورا بما يستحقه … بمشط ومقراض وقص محاجم
ألا شمروا يا أهل حمدان شمروا … أتتكم جيوش الروم مثل الغمائم
فان تهربوا تنجوا كراما وتسلموا … من الملك الصادي بقتل المسالم
стр. 3782
كذاك نصيبين وموصلها إلى … جزيرة آبائي وملك الأقادم
سأفتح سامرا وكوثا وعكبرا … وتكريتها مع ماردين العواصم
وأقتل أهليها الرجال بأسرها … وأغنم أموالا بها وحرائم
ألا شمروا يا أهل بغداد ويلكم … فكلكم مستضعف غير رائم
رضيتم بحكم الديلميّ ورفضه … فصرتم عبيدا للعبيد الديالم
ويا قاطني الرملات ويلكم ارجعوا … إلى أرض صنعا راعيين البهائم
وعودوا إلى أرض الحجاز أذلة … وخلوا بلاد الروم أهل المكارم
سألقى جيوشا نحو بغداد سائرا … إلى باب طاق حيث دار القماقم
وأحرق أعلاها وأهدم سورها … وأسبى ذراريها على رغم راغم
وأحرز أموالا بها وأسرة … وأقتل من فيها بسيف النقائم
وأسرى بجيشى نحو الأهواز مسرعا … لاحراز ديباج وخز السواسم
وأشعلها نهبا وأهدم قصورها … وأسبى ذراريها كفعل الأقادم
ومنها إلى شيراز والري فاعلموا … خراسان قصرى والجيوش بحارم
إلى شاس بلخ بعدها وخواتها … وفرغانة مع مروها والمخازم
وسابور أهدمها وأهدم حصونها … وأوردها يوما كيوم السمائم
وكرمان لا أنسى سجستان كلها … وكابلها النائى وملك الأعاجم
أسير بجندي نحو بصرتها التي … لها بحر عجاج رائع متلازم
إلى واسط وسط العراق وكوفة … كما كان يوما جندنا ذو العزائم
وأخرج منها نحو مكة مسرعا … أجر جيوشا كالليالى السواجم
فأملكها دهرا عزيزا مسلما … أقيم بها للحق كرسي عالم
وأحوى نجدا كلها وتهامها … وسرا واتهام مذحج وقحاطم
وأغزو يمانا كلها وزبيدها … وصنعاءها مع صعدة والتهائم
فأتركها أيضا خرابا بلاقعا … خلاء من الأهلين أهل نعائم
واحوى أموال اليمانين كلها … وما جمع القرماط يوم محارم
أعود إلى القدس التي شرفت بنا … بعزمكين ثابت الأصل قائم
وأعلو سريري للسجود معظما … وتبقى ملوك الأرض مثل الخوادم
هنالك تخلو الأرض من كل مسلم … لكل نقى الدين أغلف زاعم
стр. 3783
نصرنا عليكم حين جارت ولاتكم … وأعلنتموا بالمنكرات العظائم
قضاتكم باعوا القضاء بدينهم … كبيع ابن يعقوب ببخس الدراهم
عدو لكم بالزور يشهد ظاهرا … وبالإفك والبرطيل مع كل قائم
سأفتح أرض الله شرقا ومغربا … وأنشر دينا للصليب بصارمى
فعيسى علا فوق السموات عرشه … يفوز الّذي والاه يوم التخاصم
وصاحبكم بالترب أودى به الثرى … فصار رفاتا بين تلك الرمائم
تناولتم أصحابه بعد موته … بسب وقذف وانتهاك المحارم
هذا آخرها لعن الله ناظمها وأسكنه النار، يوم لا تنفع الظالمين معذرتهم ولهم اللعنة ولهم سوء الدار يوم يدعو ناظمها ثبورا ويصلى نارا سعيرا، يوم يعض الظالم على يديه، يقول يا ليتني اتخذت مع الرسول سبيلا، يا ويلتا ليتني لم أتخذ فلانا خليلا، لقد أضلنى عن الذكر بعد إذ جاءني وكان الشيطان للإنسان خذولا. إن كان مات كافرا وهذا جوابها لأبى محمد بن حزم الفقيه الظاهري الأندلسى قالها ارتجالا حين بلغته هذه الملعونة غضبا لله ولرسوله ولدينه كما ذكر ذلك من رآه، فرحمه الله وأكرم مثواه وغفر له خطاياه.
من المحتمى لله رب العوالم … ودين رسول الله من آل هاشم
محمد الهادي إلى الله بالتقى … وبالرشد والإسلام أفضل قائم
عليه من الله السلام مرددا … إلى أن يوافي الحشر كل العوالم
إلى قائل بالإفك جهلا وضلة … عن النقفور المفترى في الأعاجم
دعوت إماما ليس من أمرائه … بكفيه إلا كالرسوم الطواسم
دهته الدواهي في خلافته كما … دهت قبله الأملاك دهم الدواهم
ولا عجب من نكبة أو ملمة … تصيب الكريم الجدود الأكارم
ولو أنه في حال ماضى جدوده … لجرعتم منه سموم الاراقم
عسى عطفة لله في أهل دينه … تجدد منه دارسات المعالم
فخرتم بما لو كان فيكم حقيقة … لكان بفضل الله أحكم حاكم
إذن لاعترتكم خجلة عند ذكره … وأخرس منكم كل فاه مخاصم
سلبناكم كرا ففزتم بغرة … من الكر أفعال الضعاف العزائم
فطرتم سرورا عند ذاك ونشوة … كفعل المهين الناقص المتعالم
وما ذاك إلا في تضاعيف عقله … عريقا وصرف الدهر جم الملاحم
стр. 3784
ولما تنازعنا الأمور تخاذلا … ودانت لأهل الجهل دولة ظالم
وقد شعلت فينا الخلائف فتنة … لعبدانهم مع تركهم والدلائم
بكفر أياديهم وجحد حقوقهم … بمن رفعوه من حضيض البهائم
وثبتم على أطرافنا عند ذاكم … وثوب لصوص عند غفلة نائم
ألم تنتزع منكم بأعظم قوة … جميع بلاد الشام ضربة لازم
ومصرا وأرض القيروان بأسرها … وأندلسا قسرا بضرب الجماجم
ألم ننتزع منكم على ضعف حالنا … صقلّيّة في بحرها المتلاطم
مشاهد تقديساتكم وبيوتها … لنا وبأيدينا على رغم راغم
أما بيت لحم والقمامة بعدها … بأيدي رجال المسلمين الأعاظم
وسركيسكم في أرض اسكندرية … وكرسيكم في القدس في أدرثاكم
ضممناكم قسرا برغم انوفكم … وكرسي قسطنطينية في المعادم
ولا بد من عود الجميع بأسره … إلينا بعز قاهر متعاظم
أليس يزيد حل وسط دياركم … على باب قسطنطينية بالصوارم
ومسلمة قد داسها بعد ذاكم … يجيش تهام قد دوى بالضراغم
وأخدمكم بالذل مسجدنا الّذي … بنى فيكم في عصره المتقادم
إلى جنب قصر الملك من دار ملككم … ألا هذه حق صرامة صارم
وأدى لهارون الرشيد مليككم … رفادة مغلوب وجزية غارم
سلبناكم مصرا شهود بقوة … حبانا بها الرحمن أرحم راحم
إلى بيت يعقوب وأرباب دومة … إلى لجة البحر المحيط المحارم
فهل سرتم في أرضنا قط جمعة … أبى لله ذاكم يا بقايا الهزائم
فما لكم إلا الأماني وحدها … بضائع نوكى تلك أحلام نائم
رويدا بعد نحو الخلافة نورها … وسفر مغير وجوه الهواشم
وحينئذ تدرون كيف قراركم … إذا صدمتكم خيل جيش مصادم
على سالف العادات منا ومنكم … ليالي بهم في عداد الغنائم
سبيتم سبايا يحصر العد دونها … وسبيكم فينا كقطر الغمائم
فلو رام بخلق عدها رام معجزا … وأنى بتعداد لرش الحمائم
بأبنا بنى حمدان وكافور صلتم … أراذل أنجاس قصار المعاصم
стр. 3785
دعىّ وحجام سطوتم عليهما … وما قدر مصّاص دماء المحاجم
فهلا على دميانة قبل ذاك أو … على محل أربا رماة الضراغم
ليالي قادكم كما اقتادكم … أقيال جرجان بحز الحلاقم
وساقوا على رسل بنات ملوككم … سبايا كما سيقت ظباء الصرائم
ولكن سلوا عنا هرقلا ومن خلى … لكم من ملوك مكرمين قماقم
يخبركم عنا التنوخ وقيصر … وكم قد سبينا من نساء كرائم
وعما فتحنا من منيع بلادكم … وعما أقمنا فيكم من مآتم
ودع كل نذل مفتر لا تعده … إماما ولا الدعوى له بالتقادم
فهيهات سامرا وتكريت منكم … إلى جبل تلكم أمانى هائم
منى يتمناها الضعيف ودونها … نظائرها … وحز الغلاصم
تريدون بغداد سوقا جديدة … مسيرة شهر للفنيق القواصم
محلة أهل الزهد والعلم والتقى … ومنزلة يختارها كل عالم
دعوا الرملة الصهباء عنكم فدونها … من المسلمين الغر كل مقاوم
ودون دمشق جمع جيش كأنه … سحائب طير ينتحى بالقوادم
وضرب يلقى الكفر كل مذلة … كما ضرب السكى بيض الدراهم
ومن دون أكناف الحجاز وجحافل … كقطر الغيوم الهلائلات السواحم
بها من بنى عدنان كل سميدع … ومن حي قحطان كرام العمائم
ولو قد لقيتم من قضاعة كبة … لقيتم ضراما في يبيس الهشائم
إذا أصبحوكم ذكروكم بما خلى … لهم معكم من صادق متلاحم
زمان يقودون الصوافن نحوكم … فجئتم ضمانا أنكم في الغنائم
سيأتيكم منهم قريبا عصائب … تنسيكم تذكار أخذ العواصم
وأموالكم حل لهم ودماؤكم … بها يشتفى حر الصدور الحوائم
وأرضيكم حقا سيقتسمونها … كما فعلوا دهرا بعدل المقاسم
ولو طرقتكم من خراسان عصبة … وشيراز والري الملاح القوائم
لما كان منكم عند ذلك غير ما … عهدنا لكم: ذل وعض الاباهم
فقد طالما زاروكم في دياركم … مسيرة عام بالخيول الصوادم
فأما سجستان وكرمان بالأولى … وكابل حلوان بلاد المراهم