بِرُوحِ الْقُدُسِ تُكَلِّمُ النّاسَ فِي الْمَهْدِ وَكَهْلاً وَإِذْ عَلَّمْتُكَ الْكِتابَ وَالْحِكْمَةَ وَالتَّوْراةَ وَالْإِنْجِيلَ وَإِذْ تَخْلُقُ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ بِإِذْنِي فَتَنْفُخُ فِيها فَتَكُونُ طَيْراً بِإِذْنِي وَتُبْرِئُ الْأَكْمَهَ وَالْأَبْرَصَ بِإِذْنِي وَإِذْ تُخْرِجُ الْمَوْتى بِإِذْنِي وَإِذْ كَفَفْتُ بَنِي إِسْرائِيلَ عَنْكَ إِذْ جِئْتَهُمْ بِالْبَيِّناتِ فَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ إِنْ هذا إِلاّ سِحْرٌ مُبِينٌ * وَإِذْ أَوْحَيْتُ إِلَى الْحَوارِيِّينَ أَنْ آمِنُوا بِي وَبِرَسُولِي قالُوا آمَنّا وَاِشْهَدْ بِأَنَّنا مُسْلِمُونَ يذكره تعالى بنعمته عليه وإحسانه اليه في خلقه إياه من غير أب بل من أم بلا ذكر وجعله له آية للناس ودلالة على كمال قدرته تعالى ثم إرساله بعد هذا كله ﴿وَعَلى والِدَتِكَ﴾ في اصطفائها واختيارها لهذه النعمة العظيمة واقامة البرهان على براءتها مما نسبها اليه الجاهلون ولهذا قال ﴿إِذْ أَيَّدْتُكَ بِرُوحِ الْقُدُسِ﴾ وهو جبريل بإلقاء روحه الى أمه وقرنه معه في حال رسالته ومدافعته عنه لمن كفر به ﴿تُكَلِّمُ النّاسَ فِي الْمَهْدِ وَكَهْلاً﴾ أي تدعو الناس الى الله في حال صغرك في مهدك وفي كهولتك ﴿وَإِذْ عَلَّمْتُكَ الْكِتابَ وَالْحِكْمَةَ﴾ أي الخط والفهم نص عليه بعض السلف ﴿وَالتَّوْراةَ وَالْإِنْجِيلَ﴾ وقوله ﴿وَإِذْ تَخْلُقُ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ بِإِذْنِي﴾ أي تصوره وتشكله من الطين على هيئته عن أمر الله له بذلك ﴿فَتَنْفُخُ فِيها فَتَكُونُ طَيْراً بِإِذْنِي﴾ أي بأمري يؤكد تعال بذكر الاذن له في ذلك لرفع التوهم وقوله ﴿وَتُبْرِئُ الْأَكْمَهَ﴾ قال بعض السلف وهو الّذي يولد أعمى ولا سبيل لأحد من الحكماء الى مداواته ﴿وَالْأَبْرَصَ﴾ هو الّذي لا طب فيه بل قد مرض بالبرص وصار داؤه عضالا ﴿وَإِذْ تُخْرِجُ الْمَوْتى﴾ أي من قبورهم أحياء بإذني وقد تقدم ما فيه دلالة على وقوع ذلك مرارا متعددة مما فيه كفاية. وقوله ﴿وَإِذْ كَفَفْتُ بَنِي إِسْرائِيلَ عَنْكَ إِذْ جِئْتَهُمْ بِالْبَيِّناتِ فَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ إِنْ هذا إِلاّ سِحْرٌ مُبِينٌ﴾ وذلك حين أرادوا صلبه فرفعه الله اليه وأنقذه من بين أظهرهم صيانة لجنابة الكريم عن الأذى وسلامة له من الردى وقوله ﴿وَإِذْ أَوْحَيْتُ إِلَى الْحَوارِيِّينَ أَنْ آمِنُوا بِي وَبِرَسُولِي قالُوا آمَنّا وَاِشْهَدْ بِأَنَّنا مُسْلِمُونَ﴾ قيل المراد بهذا الوحي وحي الهام أي أرشدهم الله اليه ودلهم عليه كما قال ﴿وَأَوْحى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ﴾ ﴿وَأَوْحَيْنا إِلى أُمِّ مُوسى أَنْ أَرْضِعِيهِ فَإِذا خِفْتِ عَلَيْهِ فَأَلْقِيهِ فِي الْيَمِّ﴾ وقيل المراد وحي بواسطة الرسول وتوفيق في قلوبهم لقبول الحق ولهذا استجابوا قائلين ﴿آمَنّا وَاِشْهَدْ بِأَنَّنا مُسْلِمُونَ﴾ وهذا من جملة نعم الله على عبده ورسوله عيسى بن مريم أن جعل له أنصارا وأعوانا ينصرونه ويدعون معه الى عبادة الله وحده لا شريك له كما قال تعالى لعبده محمد ﷺ ﴿هُوَ الَّذِي أَيَّدَكَ بِنَصْرِهِ وَبِالْمُؤْمِنِينَ * وَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ لَوْ أَنْفَقْتَ ما فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً ما أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وَلكِنَّ اللهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ إِنَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ وقال تعالى ﴿وَيُعَلِّمُهُ الْكِتابَ وَالْحِكْمَةَ وَالتَّوْراةَ وَالْإِنْجِيلَ * وَرَسُولاً إِلى بَنِي إِسْرائِيلَ أَنِّي قَدْ جِئْتُكُمْ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ أَنِّي أَخْلُقُ لَكُمْ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ فَأَنْفُخُ فِيهِ فَيَكُونُ طَيْراً بِإِذْنِ اللهِ وَأُبْرِئُ الْأَكْمَهَ وَالْأَبْرَصَ وَأُحْيِ الْمَوْتى بِإِذْنِ اللهِ وَأُنَبِّئُكُمْ بِما تَأْكُلُونَ وَما تَدَّخِرُونَ فِي بُيُوتِكُمْ إِنَّ فِي﴾
стр. 422
ذلِكَ لَآيَةً لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ * وَمُصَدِّقاً لِما بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْراةِ وَلِأُحِلَّ لَكُمْ بَعْضَ الَّذِي حُرِّمَ عَلَيْكُمْ وَجِئْتُكُمْ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ فَاتَّقُوا اللهَ وَأَطِيعُونِ * إِنَّ اللهَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ هذا صِراطٌ مُسْتَقِيمٌ * فَلَمّا أَحَسَّ عِيسى مِنْهُمُ الْكُفْرَ قالَ مَنْ أَنْصارِي إِلَى اللهِ قالَ الْحَوارِيُّونَ نَحْنُ أَنْصارُ اللهِ آمَنّا بِاللهِ وَاِشْهَدْ بِأَنّا مُسْلِمُونَ * رَبَّنا آمَنّا بِما أَنْزَلْتَ وَاِتَّبَعْنَا الرَّسُولَ فَاكْتُبْنا مَعَ الشّاهِدِينَ * وَمَكَرُوا وَمَكَرَ اللهُ وَاللهُ خَيْرُ الْماكِرِينَ.
كانت معجزة كل نبي في زمانه بما يناسب أهل ذلك الزمان فذكروا أن موسى ﵇ كانت معجزته مما يناسب أهل زمانه وكانوا سحرة أذكياء فبعث بآيات بهرت الابصار وخضعت لها الرقاب ولما كان السحرة خبيرين بفنون السحر وما ينتهى اليه وعاينوا ما عاينوا من الأمر الباهر الهائل الّذي لا يمكن صدوره الا عمن أيده الله وأجرى الخارق على يديه تصديقا له أسلموا سراعا ولم يتلعثموا وهكذا عيسى ابن مريم بعث في زمن الطبائعية الحكماء فأرسل بمعجزات لا يستطيعونها ولا يهتدون اليها وانى لحكيم إبراء الأكمه الّذي هو أسوأ حالا من الأعمى والأبرص والمجذوم ومن به مرض مزمن وكيف يتوصل أحد من الخلق الى ان يقيم الميت من قبره هذا مما يعلم كل أحد معجزة دالة على صدق من قامت به وعلى قدرة من أرسله وهكذا محمد ﷺ وعليهم أجمعين بعث في زمن الفصحاء البلغاء فانزل الله عليه القرآن العظيم الّذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه تنزيل من حكيم حميد فلفظه معجز تحدى به الانس والجن أن يأتوا بمثله أو بعشر سور من مثله أو بسورة وقطع عليهم بأنهم لا يقدرون لا في الحال ولا في الاستقبال فان لم يفعلوا ولن يفعلوا وما ذاك الا لانه كلام الخالق والله تعالى لا يشبهه شيء لا في ذاته ولا في صفاته ولا في أفعاله.
والمقصود ان عيسى ﵇ لما أقام عليهم الحجج والبراهين استمر أكثرهم على كفرهم وضلالهم وعنادهم وطغيانهم فانتدب له من بينهم طائفة صالحة فكانوا له أنصارا وأعوانا قاموا بمتابعته ونصرته ومناصحته وذلك حين هم به بنو إسرائيل ووشوا به الى بعض ملوك ذلك الزمان فعزموا على قتله وصلبه فأنقذه الله منهم ورفعه اليه من بين أظهرهم والقى شبهه على أحد أصحابه فأخذوه فقتلوه وصلبوه وهم يعتقدونه عيسى وهم في ذلك غالطون وللحق مكابرون وسلم لهم كثير من النصارى ما ادعوه وكلا الفريقين في ذلك مخطئون قال تعالى ﴿وَمَكَرُوا وَمَكَرَ اللهُ وَاللهُ خَيْرُ الْماكِرِينَ﴾ وقال تعالى ﴿وَإِذْ قالَ عِيسَى اِبْنُ مَرْيَمَ يا بَنِي إِسْرائِيلَ إِنِّي رَسُولُ اللهِ إِلَيْكُمْ مُصَدِّقاً لِما بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْراةِ وَمُبَشِّراً بِرَسُولٍ يَأْتِي مِنْ بَعْدِي اِسْمُهُ أَحْمَدُ فَلَمّا جاءَهُمْ بِالْبَيِّناتِ قالُوا هذا سِحْرٌ مُبِينٌ * وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ اِفْتَرى عَلَى اللهِ الْكَذِبَ وَهُوَ يُدْعى إِلَى الْإِسْلامِ وَاللهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظّالِمِينَ * يُرِيدُونَ لِيُطْفِؤُا نُورَ اللهِ بِأَفْواهِهِمْ وَاللهُ مُتِمُّ نُورِهِ وَلَوْ كَرِهَ الْكافِرُونَ﴾ الى أن قال بعد ذاك ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا أَنْصارَ اللهِ كَما قالَ عِيسَى اِبْنُ مَرْيَمَ لِلْحَوارِيِّينَ مَنْ أَنْصارِي إِلَى اللهِ قالَ الْحَوارِيُّونَ نَحْنُ أَنْصارُ اللهِ فَآمَنَتْ طائِفَةٌ مِنْ بَنِي إِسْرائِيلَ وَكَفَرَتْ طائِفَةٌ فَأَيَّدْنَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلى عَدُوِّهِمْ﴾
стр. 423
فَأَصْبَحُوا ظاهِرِينَ فعيسى ﵇ هو خاتم أنبياء بنى إسرائيل وقد قام فيهم خطيبا فبشرهم بخاتم الأنبياء الآتي بعده ونوه باسمه وذكر لهم صفته ليعرفوه ويتابعوه إذا شاهدوه اقامة للحجة عليهم وإحسانا من الله اليهم كما قال تعالى ﴿الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوباً عِنْدَهُمْ فِي التَّوْراةِ وَالْإِنْجِيلِ يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّباتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبائِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالْأَغْلالَ الَّتِي كانَتْ عَلَيْهِمْ فَالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاِتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنْزِلَ مَعَهُ أُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ قال محمد بن إسحاق حدثني ثور بن يزيد عن خالد بن معدان عن أصحاب رسول الله ﷺ انهم قالوا يا رسول الله أخبرنا عن نفسك قال دعوة أبى إبراهيم وبشرى عيسى ورأت أمى حين حملت بى كأنه خرج منها نور أضاءت له قصور بصرى من أرض الشام. وقد روى عن العرباض بن سارية وأبى امامة عن النبي ﷺ نحو هذا وفيه دعوة أبى إبراهيم وبشرى عيسى وذلك ان إبراهيم لما بنى الكعبة قال ﴿رَبَّنا وَاِبْعَثْ فِيهِمْ رَسُولاً مِنْهُمْ﴾ الآية ولما انتهت النبوة في بنى إسرائيل الى عيسى قام فيهم خطيبا فأخبرهم أن النبوة قد انقطعت عنهم وانها بعده في النبي العربيّ الأمي خاتم الأنبياء على الإطلاق احمد وهو محمد ابن عبد الله بن عبد المطلب بن هاشم الّذي هو من سلالة إسماعيل بن إبراهيم الخليل ﵈ قال الله تعالى ﴿فَلَمّا جاءَهُمْ بِالْبَيِّناتِ قالُوا هذا سِحْرٌ مُبِينٌ﴾ يحتمل عود الضمير الى عيسى ﵇ ويحتمل عوده الى محمد ﷺ ثم حرض تعالى عباده المؤمنين على نصرة الإسلام واهله ونصرة نبيه ومؤازرته ومعاونته على اقامة الدين ونشر الدعوة فقال ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا أَنْصارَ اللهِ كَما قالَ عِيسَى اِبْنُ مَرْيَمَ لِلْحَوارِيِّينَ مَنْ أَنْصارِي إِلَى اللهِ﴾ أي من يساعدني في الدعوة الى الله ﴿قالَ الْحَوارِيُّونَ نَحْنُ أَنْصارُ اللهِ﴾ وكان ذلك في قرية يقال لها الناصرة فسموا بذلك النصارى قال الله تعالى ﴿فَآمَنَتْ طائِفَةٌ مِنْ بَنِي إِسْرائِيلَ وَكَفَرَتْ طائِفَةٌ﴾ يعنى لما دعا عيسى بنى إسرائيل وغيرهم الى الله تعالى منهم من آمن ومنهم من كفر وكان ممن آمن به أهل انطاكية بكمالهم فيما ذكره غير واحد من أهل السير والتواريخ والتفسير بعث اليهم رسلا ثلاثة أحدهم شمعون الصفا فآمنوا واستجابوا وليس هؤلاء هم المذكورون في سورة يس لما تقدم تقريره في قصة أصحاب القرية وكفر آخرون من بنى إسرائيل وهم جمهور اليهود فايد الله من آمن به على من كفر فيما بعد وأصبحوا ظاهرين عليهم قاهرين لهم كما قال تعالى ﴿إِذْ قالَ اللهُ يا عِيسى إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرافِعُكَ إِلَيَّ وَمُطَهِّرُكَ مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا وَجاعِلُ الَّذِينَ اِتَّبَعُوكَ فَوْقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ﴾ الآية فكل من كان اليه أقرب كان عاليا فمن دونه ولما كان قول المسلمين فيه هو الحق الّذي لا شك فيه من أنه عبد الله ورسوله كانوا ظاهرين على النصارى الذين غلوا فيه واطروه وأنزلوه فوق ما أنزله الله به ولما كان النصارى أقرب في الجملة مما ذهب اليه اليهود عليهم لعائن الله كان النصارى قاهرين لليهود في أزمان الفترة الى زمن الإسلام وأهله.
стр. 424
ذكر خبر المائدة
قال الله تعالى ﴿إِذْ قالَ الْحَوارِيُّونَ يا عِيسَى اِبْنَ مَرْيَمَ هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ أَنْ يُنَزِّلَ عَلَيْنا مائِدَةً مِنَ السَّماءِ قالَ اِتَّقُوا اللهَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ * قالُوا نُرِيدُ أَنْ نَأْكُلَ مِنْها وَتَطْمَئِنَّ قُلُوبُنا وَنَعْلَمَ أَنْ قَدْ صَدَقْتَنا وَنَكُونَ عَلَيْها مِنَ الشّاهِدِينَ * قالَ عِيسَى اِبْنُ مَرْيَمَ اللهُمَّ رَبَّنا أَنْزِلْ عَلَيْنا مائِدَةً مِنَ السَّماءِ تَكُونُ لَنا عِيداً لِأَوَّلِنا وَآخِرِنا وَآيَةً مِنْكَ وَاُرْزُقْنا وَأَنْتَ خَيْرُ الرّازِقِينَ * قالَ اللهُ إِنِّي مُنَزِّلُها عَلَيْكُمْ فَمَنْ يَكْفُرْ بَعْدُ مِنْكُمْ فَإِنِّي أُعَذِّبُهُ عَذاباً لا أُعَذِّبُهُ أَحَداً مِنَ الْعالَمِينَ﴾ قد ذكرنا في التفسير الآثار الواردة في نزول المائدة عن ابن عباس وسلمان الفارسي وعمار بن ياسر وغيرهم من السلف ومضمون ذلك أن عيسى ﵇ امر الحواريين بصيام ثلاثين يوما فلما أتموها سألوا من عيسى إنزال مائدة من السماء عليهم ليأكلوا منها وتطمئن بذلك قلوبهم ان الله قد تقبل صيامهم وأجابهم الى طلبتهم وتكون لهم عيدا يفطرون عليها يوم فطرهم وتكون كافية لأولهم وآخرهم لغنيهم وفقيرهم فوعظهم عيسى في ذلك وخاف عليهم أن لا يقوموا بشكرها ولا يؤدوا حق شروطها فأبوا عليه الا أن يسأل لهم ذلك من ربه فلما لم يقلعوا عن ذلك قام الى مصلاه ولبس مسحا من شعر وصف بين قدميه وأطرق رأسه وأسبل عينيه بالبكاء وتضرع الى الله في الدعاء والسؤال أن يجابوا الى ما طلبوا فانزل الله تعالى المائدة من السماء والناس ينظرون اليها تنحدر بين غمامتين وجعلت تدنو قليلا قليلا وكلما دنت سأل عيسى ربه أن يجعلها رحمة لا نقمة وان يجعلها بركة وسلامة فلم تزل تدنو حتى استقرت بين يدي عيسى ﵇ وهي مغطاة بمنديل فقام عيسى يكشف عنها وهو يقول (بسم الله خير الرازقين) فإذا عليها سبعة من الحيتان وسبعة أرغفة. ويقال وخل. ويقال ورمان وثمار ولها رائحة عظيمة جدا قال الله لها كوني فكانت ثم أمرهم بالأكل منها فقالوا لا نأكل حتى تأكل فقال إنكم الذين ابتدأ تم السؤال لها فأبوا أن يأكلوا منها ابتداء فامر الفقراء والمحاويج والمرضى والزمنى وكانوا قريبا من ألف وثلاثمائة فأكلوا منها فبرأ كل من به عاهة أو آفة أو مرض مزمن فندم الناس على ترك الاكل منها لما رأوا من إصلاح حال أولئك. ثم قيل إنها كانت تنزل كل يوم مرة فيأكل الناس منها يأكل آخرهم كما يأكل أولهم حتى قيل إنها كان يأكل منها نحو سبعة آلاف. ثم كانت تنزل يوما بعد يوم كما كانت ناقة صالح يشربون لبنها يوما بعد يوم. ثم أمر الله عيسى أن يقصرها على الفقراء أو المحاويج دون الأغنياء فشق ذلك على كثير من الناس وتكلم منافقوهم في ذلك فرفعت بالكلية ومسخ الذين تكلموا في ذلك خنازير.
وقد
روى ابن ابى حاتم وابن جرير جميعا حدثنا الحسن بن قزعة الباهلي حدثنا سفيان بن حبيب حدثنا سعيد بن أبى عروبة عن قتادة عن خلاس عن عمار بن ياسر عن النبي ﷺ قال نزلت المائدة من السماء خبز ولحم وأمروا أن لا يخونوا ولا يدخروا ولا يرفعوا لغد فخانوا وادخروا ورفعوا فمسخوا قردة
стр. 425
وخنازير ثم رواه ابن جرير عن بندار عن ابن أبى عدي عن سعيد عن قتادة عن خلاس عن عمار موقوفا وهذا أصح وكذا رواه من طريق سماك عن رجل من بنى عجل عن عمار موقوفا وهو الصواب والله أعلم. وخلاص عن عمار منقطع فلو صح هذا الحديث مرفوعا لكان فيصلا في هذه القصة فان العلماء اختلفوا في المائدة هل نزلت أم لا فالجمهور أنها نزلت كما دلت عليه هذه الآثار كما هو المفهوم من ظاهر سياق القرآن ولا سيما قوله ﴿إِنِّي مُنَزِّلُها عَلَيْكُمْ﴾ كما قرره ابن جرير والله أعلم. وقد روى ابن جرير باسناد صحيح الى مجاهد والى الحسن بن أبى الحسن البصري أنهما قالا لم تنزل وانهم أبوا نزولها حين قال ﴿فَمَنْ يَكْفُرْ بَعْدُ مِنْكُمْ فَإِنِّي أُعَذِّبُهُ عَذاباً لا أُعَذِّبُهُ أَحَداً مِنَ الْعالَمِينَ﴾. ولهذا قيل ان النصارى لا يعرفون خبر المائدة وليس مذكورا في كتابهم مع أن خبرها مما يتوفر الدواعي على نقله والله أعلم. وقد تقصينا الكلام على ذلك في التفسير فليكتب من هناك * ومن أراد مراجعته فلينظره من ثم ولله الحمد والمنة
فصل
قال أبو بكر بن أبى الدنيا حدثنا رجل سقط اسمه حدثنا حجاج بن محمد حدثنا أبو هلال محمد بن سليمان عن بكر بن عبد الله المزني قال فقد الحواريون نبيهم عيسى فقيل لهم توجه نحو البحر فانطلقوا يطلبونه فلما انتهوا الى البحر إذا هو يمشى على الماء يرفعه الموج مرة ويضعه أخرى وعليه كساء مرتد بنصفه ومؤتزر بنصفه حتى انتهى اليهم فقال له بعضهم قال أبو هلال ظنت أنه من أفاضلهم ألا أجيء إليك يا نبي الله قال بلى قال فوضع احدى رجليه على الماء ثم ذهب ليضع الأخرى فقال أوه غرقت يا نبي الله فقال أرنى يدك يا قصير الايمان لو أن لابن آدم من اليقين قدر شعيرة مشى على الماء. ورواه أبو سعيد ابن الأعرابي عن إبراهيم بن أبى الجحيم عن سليمان بن حرب عن أبى هلال عن بكر بنحوه. ثم قال ابن أبى الدنيا حدثنا محمد بن على بن الحسن بن سفيان حدثنا إبراهيم بن الأشعث عن الفضيل بن عياض قال قيل لعيسى بن مريم يا عيسى بأي شيء تمشى على الماء قال بالايمان واليقين. قالوا فانا آمنا كما آمنت وأيقنا كما أيقنت قال فامشوا إذا قال فمشوا معه في الموج فغرقوا فقال لهم عيسى ما لكم فقالوا خفنا الموج قال ألا خفتم رب الموج قال فأخرجهم ثم ضرب بيده الى الأرض فقبض بها ثم بسطها فإذا في احدى يديه ذهب وفي الأخرى مدر أو حصى فقال أيهما أحلى في قلوبكم قالوا هذا الذهب قال فإنهما عندي سواء وقدمنا في قصة يحيى بن زكريا عن بعض السلف أن عيسى ﵇ كان يلبس الشعر ويأكل من ورق الشجر ولا يأوى الى منزل ولا أهل ولا مال ولا يدخر شيئا لغد. قال بعضهم كان يأكل من غزل أمه صلوات الله وسلامه عليه.
وروى ابن عساكر عن الشعبي أنه قال كان عيسى ﵇ إذا ذكر عنده الساعة صاح ويقول لا ينبغي لابن مريم أن تذكر عنده الساعة ويسكت وعن عبد الملك ابن سعيد بن بحر أن عيسى كان
стр. 426
إذا سمع الموعظة صرخ صراخ الثكلى. وقال عبد الرزاق أنبأنا معمر حدثنا جعفر بن بلقان أن عيسى كان يقول (اللهمّ إني أصبحت لا أستطيع دفع ما اكره ولا أملك نفع ما أرجو وأصبح الأمر بيد غيري وأصبحت مرتهنا بعملي فلا فقير أفقر منى اللهمّ لا تشمت بى عدوى ولا تسؤ بى صديقي ولا تجعل مصيبتي في ديني ولا تسلط على من لا يرحمني). وقال الفضيل بن عياض عن يونس بن عبيد كان عيسى يقول لا نصيب حقيقة الايمان حتى لا نبالى من أكل الدنيا. قال الفضيل وكان عيسى يقول فكرت في الخلق فوجدت من لم يخلق أغبط عندي ممن خلق. وقال إسحاق بن بشر عن هشام ابن حسان عن الحسن قال إن عيسى رأس الزاهدين يوم القيامة. قال وان الفرارين بذنوبهم يحشرون يوم القيامة مع عيسى قال وبينما عيسى يوما نائم على حجر قد توسده وقد وجد لذة النوم إذ مر به إبليس فقال (يا عيسى ألست تزعم أنك لا تريد شيئا من عرض الدنيا فهذا الحجر من عرض الدنيا فقال فأخذ الحجر ورمى به اليه وقال هذا لك مع الدنيا. وقال معتمر بن سليمان خرج عيسى على أصحابه وعليه جبة صوف وكساء وتبان حافيا باكيا شعثا مصفر اللون من الجوع يابس الشفتين من العطش فقال السلام عليكم يا بنى إسرائيل أنا الّذي أنزلت الدنيا منزلتها باذن الله ولا عجب ولا فخر أتدرون أين بيتي قالوا أين بيتك يا روح الله قال بيتي المساجد وطيبي الماء وإدامي الجوع وسراجي القمر بالليل وصلاتي في الشتاء مشارق الشمس وريحاني بقول الأرض ولباسي الصون وشعاري خوف رب العزة وجلسائي الزمنى والمساكين أصبح وليس لي شيء وأمسى وليس لي شيء وأنا طيب النفس غير مكترث فمن أغنى منى وأربح رواه بن عساكر (١)
وروى في ترجمة محمد بن الوليد بن ابان بن حبان أبى الحسن العقيلي المصري حدثنا هانئ بن المتوكل الإسكندراني عن حيوة بن شريح حدثني الوليد ابن أبى الوليد عن سفى بن نافع عن ابى هريرة عن النبي ﷺ قال أوحى الله تعالى إلى عيسى أن يا عيسى انتقل من مكان الى مكان لئلا تعرف فتؤذى فو عزتي وجلالي لأزوجنك ألف حوراء ولأولمن عليك أربعمائة عام. وهذا حديث غريب رفعه وقد يكون موقوفا من رواية سفى بن نافع عن كعب الأحبار أو غيره من الإسرائيليين والله أعلم. وقال عبد الله بن المبارك عن سفيان بن عيينة عن خلف بن حوشب قال قال عيسى للحواريين كما ترك لكم الملوك الحكمة فكذلك فاتركوا لهم الدنيا. وقال قتادة قال عيسى ﵇ سلوني فانى لين القلب وانى صغير عند نفسي وقال إسماعيل بن عياش عن عبد الله بن دينار عن ابن عمر قال قال عيسى للحواريين كلوا خبز الشعير واشربوا الماء القراح واخرجوا من الدنيا سالمين آمنين بحق ما أقول لكم أن حلاوة الدنيا مرارة الآخرة وأن مرارة الدنيا حلاوة الآخرة وأن عباد الله ليسوا بالمتنعمين بحق ما أقول لكم ان شركم عالم يؤثر هواه على علمه يود أن الناس كلهم مثله.
стр. 427
وروى نحوه عن أبى هريرة وقال أبو مصعب عن مالك أنه بلغه أن عيسى كان يقول (يا بنى إسرائيل عليكم بالماء القراح والبقل البرير وخبز الشعير وإياكم وخبز البر فإنكم لن تقوموا بشكره) وقال ابن وهب عن سليمان بن بلال عن يحيى بن سعيد قال كان عيسى يقول اعبروا الدنيا ولا تعمروها وكان يقول حب الدنيا رأس كل خطيئة والنظر يزرع في القلب الشهوة * وحكى وهيب بن الورد مثله وزاد ورب شهوة أورثت أهلها حزنا طويلا وعن عيسى ﵇ (يا ابن آدم الضعيف اتّق الله حيث ما كنت وكن في الدنيا ضيفا واتخذ المساجد بيتا وعلم عينك البكاء وجسدك الصبر وقلبك التفكر ولا تهتم برزق غد فإنها خطيئة) وعنه ﵇ أنه قال كما أنه: لا يستطيع أحدكم أن يتخذ على موج البحر دارا فلا يتخذ الدنيا قرارا وفي هذا يقول سابق البربري *
لكم بيوت بمستن السيوف وهل … يبنى على الماء بيت أسه مدر
وقال سفيان الثوري قال عيسى بن مريم (لا يستقيم حب الدنيا وحب الآخرة في قلب مؤمن كما لا يستقيم الماء والنار في إناء). وقال إبراهيم الحربي عن داود بن رشيد عن أبى عبد الله الصوفي قال قال عيسى (طالب الدنيا مثل شارب ماء البحر كلما ازداد شربا ازداد عطشا حتى يقتله) وعن عيسى ﵇ (ان الشيطان مع الدنيا وفكره من المال وتزينه مع الهوى واستمكانه عند الشهوات) وقال الأعمش عن خيثمة كان عيسى يضع الطعام لأصحابه ويقوم عليهم ويقول هكذا فاصنعوا بالقرى وبه قالت امرأة لعيسى ﵇ طوبى لحجر حملك ولثدى أرضعك. فقال: طوبى لمن قرأ كتاب الله واتبعه.
وعنه طوبى لمن بكى من ذكر خطيئته وحفظ لسانه ووسعه بيته. وعنه طوبى لعين نامت ولم تحدث نفسها بالمعصية وانتبهت إلى غير اثم * وعن مالك بن دينار قال مر عيسى وأصحابه بجيفة فقالوا ما أنتن ريحها فقال ما أبيض أسنانها لينها هم عن الغيبة. وقال أبو بكر بن أبى الدنيا حدثنا الحسين بن عبد الرحمن عن زكريا بن عدي قال قال عيسى بن مريم يا معشر الحواريين ارضوا بدني الدنيا مع سلامة الدين كما رضى أهل الدنيا بدني الدين مع سلامة الدنيا. قال زكريا وفي ذلك يقول الشاعر.
أرى رجالا بأدنى الدين قد قنعوا … ولا أراهم رضوا في العيش بالدون
فاستغن بالدين عن دنيا الملوك كما … استغنى الملوك بدنياهم عن الدين
وقال أبو مصعب عن مالك قال عيسى بن مريم ﵇ (لا تكثروا الحديث بغير ذكر الله فتقسو قلوبكم فان القلب القاسي بعيد من الله ولكن لا تعلمون. ولا تنظروا في ذنوب العباد كأنكم أرباب وانظروا فيها كأنكم عبيد فإنما الناس رجلان معافى ومبتلى فارحموا أهل البلاء واحمدوا الله على العافية) وقال الثوري سمعت أبى يقول عن إبراهيم التيمي قال قال عيسى لأصحابه (بحق أقول لكم من طلب الفردوس فخبز الشعير والنوم في المزابل مع الكلاب كثير). وقال
стр. 428
مالك بن دينار قال عيسى إن أكل الشعير مع الرماد والنوم على المزابل مع الكلاب لقليل في طلب الفردوس. وقال عبد الله بن المبارك أنبأنا سفيان عن منصور عن سالم بن أبى الجعد قال قال عيسى عملوا لله ولا تعملوا لبطونكم انظروا إلى هذه الطير تغدو وتروح لا تحرث ولا تحصد والله يرزقها فان قلتم نحن أعظم بطونا من الطير فانظروا إلى هذه الأباقير من الوحوش والحمر فإنها تغدو وتروح لا تحرث ولا تحصد والله يرزقها. وقال صفوان بن عمرو عن شريح بن عبد الله عن يزيد بن ميسرة قال قال الحواريون للمسيح يا مسيح الله انظر إلى مسجد الله ما أحسنه قال آمين آمين بحق ما أقول لكم لا يترك الله من هذا المسجد حجرا قائما إلا أهلكه بذنوب أهله ان الله لا يصنع بالذهب ولا بالفضة ولا بهذه الأحجار التي تعجبكم شيئا ان أحب إلى الله منها القلوب الصالحة وبها يعمر الله الأرض وبها يخرب الله الأرض إذا كانت على غير ذلك.
وقال الحافظ أبو القاسم بن عساكر في تاريخه أخبرنا أبو منصور أحمد ابن محمد الصوفي أخبرتنا عائشة بنت الحسن بن إبراهيم الوركانية قالت حدثنا أبو محمد عبد الله بن عمر بن عبد الله بن الهشيم إملاء حدثنا الوليد بن ابان إملاء حدثنا أحمد بن جعفر الرازيّ حدثنا سهيل بن إبراهيم الحنظليّ حدثنا عبد الوهاب بن عبد العزيز عن المعتمر عن ليث عن مجاهد عن ابن عباس عن النبي ﷺ قال مر عيسى ﵇ على مدينة خربة فأعجبه البنيان فقال أي رب مر هذه المدينة أن تجيبني فأوحى الله الى المدينة أيتها المدينة الخربة جاوبى عيسى قال فنادت المدينة عيسى حبيبي وما تريد منى قال ما فعل أشجارك وما فعل أنهارك وما فعل قصورك وأين سكانك؟ قالت حبيبي جاء وعد ربك الحق فيبست أشجارى ونشفت أنهارى وخربت قصوري ومات سكانى. قال فأين أموالهم فقالت جمعوها من الحلال والحرام موضوعة في بطني. لله ميراث السموات والأرض. قال فنادى عيسى ﵇ (فعجبت من ثلاث أناس طالب الدنيا والموت يطلبه وباني القصور والقبر منزله ومن يضحك ملء فيه والنار أمامه ابن آدم لا بالكثير تشبع ولا بالقليل تقنع تجمع مالك لمن لا يحمدك وتقدم على رب لا يعذرك إنما أنت عبد بطنك وشهوتك وانما تملأ بطنك إذا دخلت قبرك وأنت يا ابن آدم ترى حشد مالك في ميزان غيرك) هذا حديث غريب جدا وفيه موعظة حسنة فكتبناه لذلك.
وقال سفيان الثوري عن أبيه عن إبراهيم التيمي قال قال عيسى ﵇ يا معشر الحواريين اجعلوا كنوزكم في السماء فان قلب الرجل حيث كنزه وقال ثور بن يزيد عن عبد العزيز بن ظبيان قال قال عيسى بن مريم من تعلم وعلم وعمل دعي عظيما في ملكوت السماء. وقال أبو كريب روى أن عيسى ﵇ قال لا خير في علم لا يعبر معك الوادي ويعبر بك النادي. وروى ابن عساكر باسناد غريب عن ابن عباس مرفوعا أن عيسى قام في بنى إسرائيل فقال (يا معشر الحواريين لا تحدثوا بالحكم غير أهلها فتظلموها ولا تمنعوها أهلها فتظلموهم والأمور ثلاثة. أمر تبين رشده فاتبعوه وأمر تبين غيه
стр. 429
فاجتنبوه وأمر اختلف عليكم فيه فردوا علمه إلى الله . وقال عبد الرزاق أنبأنا معمر عن رجل عن عكرمة قال قال عيسى (لا تطرحوا اللؤلؤ إلى الخنزير فان الخنزير لا يصنع باللؤلؤ شيئا ولا تعطوا الحكمة من لا يريدها فان الحكمة خير من اللؤلؤ ومن لا يريدها شر من الخنزير). وكذا حكى وهب وغيره عنه وعنه أنه قال لأصحابه (أنتم ملح الأرض فإذا فسدتم فلا دواء لكم وان فيكم خصلتين من الجهل الضحك من غير عجب والصبحة من غير سهر) وعنه أنه قيل له من أشد الناس فتنة قال زلة العالم فان العالم إذا زل يزل بزلته عالم كثير. وعنه أنه قال (يا علماء السوء جعلتم الدنيا على رءوسكم والاخرة تحت أقدامكم قولكم شفاء وعملكم دواء مثلكم مثل شجرة الدفلي تعجب من رآها وتقتل من أكلها) وقال وهب قال عيسى (يا علماء السوء جلستم على أبواب الجنة فلا تدخلوها ولا تدعون المساكين يدخلونها إن شر الناس عند الله عالم يطلب الدنيا بعلمه. وقال مكحول (التقى يحبى وعيسى فصافحه عيسى وهو يضحك فقال له يحيى يا ابن خالة ما لي أراك ضاحكا كأنك قد أمنت) فقال له عيسى (ما لي أراك عابسا كأنك قد يئست) فأوحى الله اليهما (ان أحبكما الى أبشكما بصاحبه) وقال وهب بن منبه وقف عيسى هو وأصحابه على قبر وصاحبه يدلى فيه فجعلوا يذكرون القبر وضيقته فقال (قد كنتم فيما هو أضيق منه من أرحام أمهاتكم فإذا أحبّ الله أن يوسع وسع) وقال أبو عمر الضرير بلغني أن عيسى كان إذا ذكر الموت يقطر جلده دما. والآثار في مثل هذا كثيرة جدا. وقد أورد الحافظ بن عساكر منها طرفا صالحا اقتصرنا منها على هذا القدر والله الموفق للصواب *
ذكر رفع عيسى ﵇ الى السماء
في حفظ الرب وبيان كذب اليهود والنصارى في دعوى الصلب قال الله تعالى ﴿وَمَكَرُوا وَمَكَرَ اللهُ وَاللهُ خَيْرُ الْماكِرِينَ * إِذْ قالَ اللهُ يا عِيسى إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرافِعُكَ إِلَيَّ وَمُطَهِّرُكَ مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا وَجاعِلُ الَّذِينَ اِتَّبَعُوكَ فَوْقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأَحْكُمُ بَيْنَكُمْ فِيما كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ﴾ وقال تعالى ﴿فَبِما نَقْضِهِمْ مِيثاقَهُمْ وَكُفْرِهِمْ بِآياتِ اللهِ وَقَتْلِهِمُ الْأَنْبِياءَ بِغَيْرِ حَقٍّ وَقَوْلِهِمْ قُلُوبُنا غُلْفٌ بَلْ طَبَعَ اللهُ عَلَيْها بِكُفْرِهِمْ فَلا يُؤْمِنُونَ إِلاّ قَلِيلاً * وَبِكُفْرِهِمْ وَقَوْلِهِمْ عَلى مَرْيَمَ بُهْتاناً عَظِيماً * وَقَوْلِهِمْ إِنّا قَتَلْنَا الْمَسِيحَ عِيسَى اِبْنَ مَرْيَمَ رَسُولَ اللهِ وَما قَتَلُوهُ وَما صَلَبُوهُ وَلكِنْ شُبِّهَ لَهُمْ وَإِنَّ الَّذِينَ اِخْتَلَفُوا فِيهِ لَفِي شَكٍّ مِنْهُ ما لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِلاَّ اِتِّباعَ الظَّنِّ وَما قَتَلُوهُ يَقِيناً * بَلْ رَفَعَهُ اللهُ إِلَيْهِ وَكانَ اللهُ عَزِيزاً حَكِيماً * وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ إِلاّ لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ وَيَوْمَ الْقِيامَةِ يَكُونُ عَلَيْهِمْ شَهِيداً﴾ فأخبر تعالى أنه رفعه الى السماء بعد ما توفاه بالنوم على الصحيح المقطوع به وخلصه ممن كان أراد أذيته من اليهود الذين وشوا به الى بعض الملوك الكفرة في ذلك الزمان *
стр. 430
قال الحسن البصري ومحمد بن إسحاق كان اسمه داود بن نورا فأمر بقتله وصلبه فحصروه في دار ببيت المقدس وذلك عشية الجمعة ليلة السبت فلما حان وقت دخولهم ألقى شبهه على بعض أصحابه الحاضرين عنده ورفع عيسى من روزنة ذلك البيت الى السماء وأهل البيت ينظرون ودخل الشرط فوجدوا ذلك الشاب الّذي ألقى عليه شبهه فأخذوه ظانين أنه عيسى فصلبوه ووضعوا الشوك على رأسه اهانة له وسلم لليهود عامة النصارى الذين لم يشاهدوا ما كان من أمر عيسى انه صلب وضلوا بسبب ذلك ضلالا مبينا كثيرا فاحشا بعيدا وأخبر تعالى بقوله ﴿وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ إِلاّ لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ﴾ اى بعد نزوله الى الأرض في آخر الزمان قبل قيام الساعة فإنه ينزل ويقتل الخنزير ويكسر الصليب ويضع الجزية ولا يقبل إلا الإسلام كما بينا ذلك بما ورد فيه من الأحاديث عند تفسير هذه الآية الكريمة من سورة النساء وكما سنورد ذلك مستقصى في كتاب الفتن والملاحم عند أخبار المسيح الدجال فنذكر ما ورد في نزول المسيح المهدي ﵇ من ذي الجلال لقتل المسيح الدجال الكذاب الداعي الى الضلال وهذا ذكر ما ورد في الآثار في صفة رفعه الى السماء * قال ابن ابى حاتم حدثنا أحمد بن سنان حدثنا أبو معاوية عن الأعمش عن المنهال بن عمرو عن سعيد بن جبير عن ابن عباس قال لما أراد الله ان يرفع عيسى الى السماء خرج على أصحابه وفي البيت اثنا عشر رجلا منهم من الحواريين يعنى فخرج عليهم من عين في البيت ورأسه يقطر ماء فقال ان منكم من يكفر بى اثنى عشرة مرة بعد أن آمن بى ثم قال أيكم يلقى عليه شبهي فيقتل مكاني فيكون معى في درجتي فقام شاب من أحدثهم سنا فقال له اجلس ثم أعاد عليهم فقام الشاب فقال اجلس. ثم أعاد عليهم فقام الشاب فقال أنا فقال أنت هو ذاك فالقى عليه شبه عيسى ورفع عيسى من روزنة في البيت الى السماء. قال وجاء الطلب من اليهود فأخذوا الشبه فقتلوه ثم صلبوه فكفر به بعضهم اثنى عشرة مرة بعد ان آمن به وافترقوا ثلاث فرق فقالت طائفة كان الله فينا ما شاء ثم صعد الى السماء وهؤلاء اليعقوبية وقالت فرقة كان فينا ابن الله ما شاء ثم رفعه الله اليه وهؤلاء النسطورية وقالت فرقة كان فينا عبد الله ورسوله ما شاء ثم رفعه الله اليه وهؤلاء المسلمون فتظاهرت الكافرتان على المسلمة فقتلوها فلم يزل الإسلام طامسا حتى بعث الله محمدا ﷺ . قال ابن عباس وذلك قوله تعالى ﴿فَأَيَّدْنَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلى عَدُوِّهِمْ فَأَصْبَحُوا ظاهِرِينَ﴾. وهذا اسناد صحيح الى ابن عباس على شرط مسلم ورواه النسائي عن ابى كريب عن ابى معاوية به نحوه ورواه ابن جرير عن مسلم بن جنادة عن ابى معاوية وهكذا ذكر غير واحد من السلف وممن ذكر ذلك مطولا محمد بن إسحاق بن بشار قال وجعل عيسى ﵇ يدعو الله أن يؤخر اجله يعنى ليبلغ الرسالة ويكمل الدعوة ويكثر الناس الدخول في دين الله قيل وكان عنده من الحواريين اثنى عشر رجلا بطرس ويعقوب بن زبدا ويحنس أخو يعقوب واندراوس وفليبس وابرثلما ومتى وتوماس ويعقوب بن
стр. 431
حلقيا وتداوس وفتاتيا ويودس كريايوطا وهذا هو الّذي دل اليهود على عيسى * قال ابن إسحاق وكان فيهم رجل اخر اسمه سرجس كتمته النصارى وهو الّذي القى شبه المسيح عليه فصلب عنه قال وبعض النصارى يزعم ان الّذي صلب عن المسيح والقى عليه شبهه هو يودس بن كريا يوطأ والله اعلم.
وقال الضحاك عن ابن عباس استخلف عيسى شمعون وقتلت اليهود يودس الّذي القى عليه الشبه وقال احمد بن مروان حدثنا محمد بن الجهم قال سمعت الفراء يقول في قوله ﴿وَمَكَرُوا وَمَكَرَ اللهُ وَاللهُ خَيْرُ الْماكِرِينَ﴾ قال ان عيسى غاب عن خالته زمانا فأتاها فقام رأس الجالوت اليهودي فضرب على عيسى حتى اجتمعوا على باب داره فكسروا الباب ودخل رأس جالوت ليأخذ عيسى فطمس الله عينيه عن عيسى ثم خرج الى أصحابه فقال لم أره ومعه سيف مسلول فقالوا أنت عيسى وألقى الله شبه عيسى عليه فأخذوه فقتلوه وصلبوه فقال جل ذكره ﴿وَما قَتَلُوهُ وَما صَلَبُوهُ وَلكِنْ شُبِّهَ لَهُمْ﴾ وقال ابن جرير حدثنا ابن حميد حدثنا يعقوب القمي عن هارون بن عنترة عن وهب بن منبه قال أتى عيسى ومعه سبعة عشر من الحواريين في بيت فأحاطوا بهم فلما دخلوا عليهم صورهم الله كلهم على صورة عيسى فقالوا لهم سحرتمونا لتبرزن إلينا عيسى أو لنقتلنكم جميعا فقال عيسى لأصحابه من يشترى منكم نفسه اليوم بالجنة فقال رجل أنا فخرج اليهم فقال أنا عيسى وقد صوره الله على صورة عيسى فأخذوه فقتلوه وصلبوه فمن ثم شبه لهم وظنوا أنهم قد قتلوا عيسى فظنت النصارى مثل ذلك انه عيسى ورفع الله عيسى من يومه ذلك قال ابن جرير وحدثنا المثنى حدثنا إسحاق حدثنا إسماعيل بن عبد الكريم حدثني عبد الصمد بن معقل أنه سمع وهبا يقول ان عيسى بن مريم لما أعلمه الله أنه خارج من الدنيا جزع من الموت وشق عليه فدعا الحواريين وصنع لهم طعاما فقال احضرونى الليلة فان لي إليكم حاجة فلما اجتمعوا اليه من الليل عشاهم وقام يخدمهم فلما فرغوا من الطعام أخذ يغسل أيديهم ويوضئهم بيده ويمسح أيديهم بثيابه فتعاظموا ذلك وتكارهوه فقال ألا من رد على شيئا الليلة مما أصنع فليس منى ولا أنا منه فأقروه حتى إذا فرغ من ذلك قال أما ما صنعت بكم الليلة مما خدمتكم على الطعام وغسلت أيديكم بيدي فليكن لكم بى أسوة فإنكم ترون أنى خيركم فلا يتعظم بعضكم على بعض وليبذل بعضكم لبعض نفسه كما بذلت نفسي لكم وأما حاجتي التي استعنتكم عليها فتدعون الله وتجتهدون في الدعاء ان يؤخر أجلى فلما نصبوا أنفسهم للدعاء وأرادوا أن يجتهدوا أخذهم النوم حتى لم يستطيعوا دعاء فجعل يوقظهم ويقول سبحان الله أما تصبرون لي ليلة واحدة تعينوني فيها فقالوا والله ما ندري ما لنا والله لقد كنا نسمر فنكثر السمر وما نطيق الليلة سمرا وما نريد دعاء الا حيل بيننا وبينه فقال يذهب بالراعي وتتفرق الغنم وجعل يأتى بكلام نحو هذا ينعى به نفسه. ثم قال الحق ليكفرن بى أحدكم قبل أن يصيح الديك ثلاث مرات وليبيعنى أحدكم بدراهم يسيرة وليأكلن ثمني فخرجوا وتفرقوا وكانت اليهود تطلبه فأخذوا شمعون أحد الحواريين فقالوا هذا من
стр. 432
أصحابه فجحد وقال ما أنا بصاحبه فتركوه. ثم أخذه آخرون فجحد كذلك ثم سمع صوت ديك فبكى وأحزنه. فلما أصبح أتى أحد الحواريين إلى اليهود فقال ما تجعلون لي إن دللتكم على المسيح فجعلوا له ثلاثين درهما فأخذها ودلهم عليه وكان شبه عليهم قبل ذلك فأخذوه واستوثقوا منه وربطوه بالحبل وجعلوا يقودونه ويقولون أنت كنت تحيى الموتى وتنتهر الشيطان وتبرئ المجنون أفلا تنجى نفسك من هذا الحبل ويبصقون عليه ويلقون عليه الشوك حتى أتوا به الخشبة التي أرادوا أن يصلبوه عليها فرفعه الله اليه وصلبوا ما شبه لهم فمكث سبعا. ثم إن أمه والمرأة التي كان يداويها عيسى فأبرأها الله من الجنون جاءتا تبكيان حيث كان المصلوب فجاءهما عيسى فقال على م تبكيان قالتا عليك فقال إني قد رفعني الله اليه ولم يصبني إلا خير وان هذا شيء شبه لهم فأمرا الحواريين أن يلقوني إلى مكان كذا وكذا فلقوه الى ذلك المكان أحد عشر وفقد الّذي كان باعه ودل عليه اليهود فسأل عنه أصحابه فقالوا إنه ندم على ما صنع فاختنق وقتل نفسه فقال لو تاب لتاب الله عليه * ثم سألهم عن غلام يتبعهم يقال له يحيى فقال هو معكم فانطلقوا فإنه سيصبح كل إنسان منكم يحدث بلغة قوم فلينذرهم وليدعهم * وهذا اسناد غريب عجيب وهو أصح مما ذكره النصارى من أن المسيح جاء إلى مريم وهي جالسة تبكى عند جذعة فأراها مكان المسامير من جسده وأخبرها أن روحه رفعت وأن جسده صلب وهذا بهت وكذب واختلاق وتحريف وتبديل وزيادة باطلة في الإنجيل على خلاف الحق ومقتضى النقل.
وحكى الحافظ بن عساكر من طريق يحيى بن حبيب فيما بلغه أن مريم سألت من بيت الملك بعد ما صلب المصلوب بسبعة أيام وهي تحسب أنه ابنها أن ينزل جسده فأجابهم الى ذلك ودفن هنالك فقالت مريم لأم يحيى ألا تذهبين بنا نزور قبر المسيح فذهبتا فلما دنتا من القبر قالت مريم لأم يحيى ألا تستترين فقالت وممن أستتر فقالت من هذا الرجل الّذي هو عند القبر فقالت أم يحيى انى لا أرى أحدا فرجت مريم أن يكون جبريل وكانت قد بعد عهدها به فاستوقفت أم يحيى وذهبت نحو القبر فلما دنت من القبر قال لها جبريل وعرفته يا مريم أين تريدين فقالت أزور قبر المسيح فأسلم عليه وأحدث عهدا به فقال يا مريم ان هذا ليس المسيح إن الله قد رفع المسيح وطهره من الذين كفروا ولكن هذا الفتى الّذي القى شبهه عليه وصلب وقتل مكانه. وعلامة ذلك أن أهله قد فقدوه فلا يدرون ما فعل به فهم يبكون عليه فإذا كان يوم كذا وكذا فأت غيضة كذا وكذا فإنك تلقين المسيح قال فرجعت الى أختها وصعد جبريل فأخبرتها عن جبرئيل وما قال لها من أمر الغيضة. فلما كان ذلك اليوم ذهبت فوجدت عيسى في الغيضة فلما رآها أسرع اليها وأكب عليها فقبل رأسها وجعل يدعو لها كما كان يفعل وقال يا امه إن القوم لم يقتلوني ولكن الله رفعني اليه وأذن لي في لقائك والموت يأتيك قريبا فاصبرى واذكري الله كثيرا ثم صعد عيسى فلم تلقه إلا تلك المرة حتى ماتت. قال وبلغني أن مريم بقيت بعد
стр. 433
عيسى خمس سنين وماتت ولها ثلاث وخمسون سنة ﵂ وأرضاها.
وقال الحسن البصري كان عمر عيسى ﵇ يوم رفع أربعا وثلاثين سنة وفي الحديث (إن أهل الجنة يدخلونها جردا مردا مكحلين أبناء ثلاث وثلاثين). وفي الحديث الآخر على ميلاد عيسى وحسن يوسف وكذا قال حماد بن سلمة عن على بن زيد عن سعيد بن المسيب أنه قال رفع عيسى وهو ابن ثلاث وثلاثين سنة * فأما الحديث الّذي
رواه الحاكم في مستدركه ويعقوب بن سفيان الفسوي في تاريخه عن سعيد بن أبى مريم عن نافع بن يزيد عن عمارة بن غزية عن محمد بن عبد الله بن عمرو بن عثمان أن أمه فاطمة بنت الحسين حدثته أن عائشة كانت تقول أخبرتنى فاطمة أن رسول الله ﷺ أخبرها أنه لم يكن نبي كان بعده نبي إلا عاش الّذي بعده نصف عمر الّذي كان قبله وأنه أخبرنى أن عيسى بن مريم عاش عشرين ومائة سنة فلا أرانى إلا ذاهب على رأس ستين * هذا لفظ الفسوي فهو حديث غريب.
قال الحافظ بن عساكر والصحيح أن عيسى لم يبلغ هذا العمر وإنما أراد به مدة مقامه في أمته كما
روى سفيان بن عيينة عن عمرو بن دينار عن يحيى بن جعدة قال قالت فاطمة قال لي رسول الله ﷺ أن عيسى بن مريم مكث في بنى إسرائيل أربعين سنة وهذا منقطع. وقال جرير والثوري عن الأعمش أن إبراهيم مكث عيسى في قومه أربعين عاما
ويروى عن أمير المؤمنين على أن عيسى ﵇ رفع عليلة الثاني والعشرين من رمضان وتلك الليلة في مثلها توفى على بعد طعنه بخمسة أيام وقد روى الضحاك عن ابن عباس أن عيسى لما رفع الى السماء جاءته سحابة فدنت منه حتى جلس عليها وجاءته مريم فودعته وبكت ثم رفع وهي تنظر والقى اليها عيسى بردا له وقال هذا علامة ما بيني وبينك يوم القيامة والقى عمامته على شمعون وجعلت أمه تودعه بإصبعها تشير بها اليه حتى غاب عنها وكانت تحبه حبا شديدا لأنه توفر عليها حبه من جهتي الوالدين إذ لا أب له وكانت لا تفارقه سفرا ولا حضرا. قال بعض الشعراء
وكنت أرى كالموت من بين ساعة … فكيف ببين كان موعده الحشر
وذكر إسحاق بن بشر عن مجاهد بن جبير أن اليهود لما صلبوا ذلك الرجل الّذي شبه لهم وهم يحسبونه المسيح وسلم لهم أكثر النصارى بجهلهم ذلك تسلطوا على أصحابه بالقتل والضرب والحبس فبلغ أمرهم الى صاحب الروم وهو ملك دمشق في ذلك الزمان فقيل له إن اليهود قد تسلطوا على أصحاب رجل كان يذكر لهم أنه رسول الله وكان يحيى الموتى ويبرئ الأكمه والأبرص ويفعل العجائب فعدوا عليه فقتلوه وأهانوا أصحابه وحبسوهم فبعث فجيء بهم وفيهم يحيى بن زكريا وشمعون وجماعة فسألهم عن أمر المسيح فأخبروه عنه فبايعهم في دينهم وأعلى كلمتهم وظهر الحق على اليهود وعلت كلمة النصارى عليهم وبعث الى المصلوب فوضع عن جذعه وجيء بالجذع الّذي صلب عليه ذلك الرجل فعظمه
стр. 434
فمن ثم عظمت النصارى الصليب ومن هاهنا دخل دين النصرانية في الروم وفي هذا نظر من وجوه.
أحدها ان يحيى بن زكريا نبي لا يقر على أن المصلوب عيسى فإنه معصوم يعلم ما وقع على جهة الحق.
الثاني أن الروم لم يدخلوا في دين المسيح إلا بعد ثلاثمائة سنة وذلك في زمان قسطنطين بن قسطن باني المدينة المنسوبة اليه على ما سنذكره. الثالث أن اليهود لما صلبوا ذلك الرجل ثم القوه بخشبته جعلوا مكانه مطرحا للقمامة والنجاسة وجيف الميتات والقاذورات فلم يزل كذلك حتى كان في زمان قسطنطين المذكور فعمدت أمه هيلانة الحرانية الفندقانية فاستخرجته من هنالك معتقدة أنه المسيح ووجدوا الخشبة التي صلب عليها المصلوب فذكروا أنه ما مسها ذو عاهة الا عوفي فالله أعلم أكان هذا أم لا وهل كان هذا لان ذلك الرجل الّذي بذل نفسه كان رجلا صالحا أو كان هذا محنة وفتنة لأمة النصارى في ذلك اليوم حتى عظموا تلك الخشبة وغشوها بالذهب واللآلئ ومن ثم اتخذوا الصلبانات وتبركوا بشكلها وقبلوها. وأمرت أم الملك هيلانة فازيلت تلك القمامة وبنى مكانها كنيسة هائلة مزخرفة بأنواع الزينة فهي هذه المشهورة اليوم ببلد بيت المقدس التي يقال لها القمامة باعتبار ما كان عندها ويسمونها القيامة يعنون التي يقوم جسد المسيح منها. ثم أمرت هيلانة بأن توضع قمامة البلد وكناسته وقاذوراته على الصخرة التي هي قبلة اليهود فلم يزل كذلك حتى فتح عمر بن الخطاب بيت المقدس فكنس عنها القمامة بردائه وطهرها من الأخباث والأنجاس ولم يضع المسجد وراءها ولكن أمامها حيث صلى رسول الله ﷺ ليلة الاسراء بالأنبياء وهو الأقصى.
ذكر صفة عيسى ﵇ وشمائله وفضائله
قال الله تعالى ﴿مَا الْمَسِيحُ اِبْنُ مَرْيَمَ إِلاّ رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ وَأُمُّهُ صِدِّيقَةٌ﴾ قيل سمى المسيح لمسحه الأرض وهو سياحته فيها وفراره بدينه من الفتن في ذلك الزمان لشدة تكذيب اليهود له وافترائهم عليه وعلى أمه ﵉. وقيل لانه كان ممسوح القدمين. وقال تعالى ﴿ثُمَّ قَفَّيْنا عَلى آثارِهِمْ بِرُسُلِنا وَقَفَّيْنا بِعِيسَى اِبْنِ مَرْيَمَ وَآتَيْناهُ الْإِنْجِيلَ﴾ فيه هدى ونور وقال تعالى ﴿وَآتَيْنا عِيسَى اِبْنَ مَرْيَمَ الْبَيِّناتِ وَأَيَّدْناهُ بِرُوحِ الْقُدُسِ﴾ والآيات في ذلك كثيرة جدا وقد تقدم ما ثبت في الصحيحين (ما من مولود إلا والشيطان يطعن في خاصرته حين يولد فيستهل صارخا إلا مريم وابنها ذهب يطعن فطعن في الحجاب) وتقدم
حديث عمير بن هانئ عن جنادة عن عبادة عن رسول الله ﷺ أنه قال (من شهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأن محمدا عبده ورسوله وأن عيسى عبد الله ورسوله وكلمته التي ألقاها الى مريم وروح منه والجنة حق والنار حق أدخله الله الجنة على ما كان من العمل) رواه البخاري (وهذا لفظه ومسلم)
стр. 435
وروى البخاري ومسلم من حديث الشعبي عن أبى بردة بن أبى موسى عن أبيه قال قال رسول الله ﷺ (إذا أدب الرجل أمته فأحسن تأديبها وعلمها فأحسن تعليمها ثم أعتقها فتزوجها كان له أجران وإذا آمن بعيسى بن مريم ثم آمن بى فله أجران والعبد إذا اتقى ربه وأطاع مواليه فله أجران) هذا لفظ البخاري.
وقال البخاري حدثنا إبراهيم بن موسى أنبأنا هشام عن معمر (ح) وحدثني محمود حدثنا عبد الرزاق أنبأنا معمر عن الزهري أخبرنى سعيد بن المسيب عن أبى هريرة قال قال النبي ﷺ (ليلة أسرى بى لقيت موسى قال فنعته فإذا رجل حسبته قال مضطرب رجل الرأس كأنه من رجال شنوءة قال ولقيت عيسى فنعته النبي ﷺ فقال ربعة أحمر كأنما خرج من ديماس يعنى الحمام ورأيت إبراهيم وأنا أشبه ولده به الحديث) وقد تقدم في قصتي إبراهيم وموسى ثم
قال حدثنا محمد بن كثير أنبأنا إسرائيل عن عثمان بن المغيرة عن مجاهد عن بن عمر قال قال النبي ﷺ (رأيت عيسى وموسى وإبراهيم. فأما عيسى فاحمر جعد عريض الصدر. وأما موسى فآدم جسيم سبط كأنه من رجال الزط تفرد به البخاري.
وحدثنا إبراهيم بن المنذر حدثنا أبو ضمرة حدثنا موسى بن عقبة عن نافع قال قال عبد الله بن عمر ذكر النبي ﷺ يوما بين ظهراني الناس المسيح الدجال فقال ان الله ليس بأعور إلا أن المسيح الدجال أعور العين اليمنى كأن عينه عنبة طافية وأرانى الليلة عند الكعبة في المنام فإذا رجل آدم كأحسن ما يرى من آدم الرجال تضرب لمته بين منكبيه رجل الشعر يقطر رأسه ماء واضعا يديه على منكبى رجلين وهو يطوف بالبيت فقلت من هذا فقالوا المسيح بن مريم. ثم رأيت رجلا وراءه جعد قطط أعور عين اليمنى كاشبه من رأيت بابن قطن واضعا يده على منكبى رجل يطوف بالبيت فقلت من هذا فقالوا المسيح الدجال.
ورواه مسلم من حديث موسى بن عقبة. ثم قال البخاري تابعه عبد الله بن نافع ثم ساقه من طريق الزهري عن سالم بن عمر قال الزهري وابن قطن رجل من خزاعة هلك في الجاهلية. فبين صلوات الله وسلامه عليه صفة المسيحين مسيح المهدي ومسيح الضلالة ليعرف هذا إذا نزل فيؤمن به المؤمنون ويعرف الآخر فيحذره الموحدون.
وقال البخاري حدثنا عبد الله بن محمد حدثنا عبد الرزاق أنبأنا معمر عن همام بن منبه عن أبى هريرة عن النبي ﷺ قال (رأى عيسى بن مريم رجلا يسرق فقال له أسرقت قال كلا والّذي لا إله إلا هو فقال عيسى آمنت بالله وكذبت عينيي) وكذا رواه محمد بن رافع عن عبد الرزاق
وقال أحمد حدثنا عفان حدثنا حماد بن سلمة عن حميد الطويل عن الحسن وغيره عن أبى هريرة قال ولا أعلمه إلا عن النبي ﷺ قال (رأى عيسى رجلا يسرق فقال يا فلان أسرقت فقال لا والله ما سرقت فقال آمنت بالله وكذبت بصرى). وهذا يدل على سجية طاهرة حيث قدم حلف ذلك الرجل فظن أن أحدا لا يحلف بعظمة الله كاذبا على ما شاهده منه عيانا فقبل عذره ورجع على نفسه فقال آمنت بالله أي صدقتك وكذبت بصرى لأجل حلفك.
وقال البخاري حدثنا محمد بن يوسف حدثنا سفيان عن
стр. 436
المغيرة بن النعمان عن سعيد بن جبير عن ابن عباس قال قال رسول الله ﷺ (تحشرون حفاة عراة غرلا. ثم قرأ ﴿كَما بَدَأْنا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ وَعْداً عَلَيْنا إِنّا كُنّا فاعِلِينَ﴾ فأول الخلق يكسى إبراهيم ثم يؤخذ برجال من أصحابى ذات اليمين وذات الشمال فأقول أصحابى فيقال انهم لن يزالوا مرتدين على أعقابهم منذ فارقتهم فأقول كما قال العبد الصالح عيسى بن مريم ﴿وَكُنْتُ عَلَيْهِمْ شَهِيداً ما دُمْتُ فِيهِمْ فَلَمّا تَوَفَّيْتَنِي كُنْتَ أَنْتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ وَأَنْتَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ * * إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبادُكَ. وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ تفرد به دون مسلم من هذا الوجه.
وقال أيضا حدثنا عبد الله بن الزبير الحميدي حدثنا سفيان سمعت الزهري يقول أخبرنى عبد الله بن عبد الله عن ابن عباس سمع عمر يقول على المنبر سمعت رسول الله ﷺ يقول (لا تطرونى كما أطرت النصارى عيسى بن مريم فإنما أنا عبد فقولوا عبد الله ورسوله *
وقال البخاري حدثنا إبراهيم حدثنا جرير بن حازم عن محمد بن سيرين عن أبى هريرة عن النبي ﷺ قال (لم يتكلم في المهد إلا ثلاثة عيسى وكان في بنى إسرائيل رجل يقال له جريج يصلى إذ جاءته أمه فدعته فقال أجيبها أو أصلى فقالت اللهمّ لا تمته حتى تريه وجوه المومسات وكان جريج في صومعة فعرضت له امرأة وكلمته فأبى فأتت راعيا فأمكنته من نفسها فولدت غلاما فقيل لها ممن قالت من جريج فأتوه وكسروا صومعته فأنزلوه وسبوه فتوضأ وصلّى ثم أتى الغلام فقال من أبوك يا غلام قال فلان الراعي قالوا أنبنى صومعتك من ذهب قال لا إلا من طين. وكانت امرأة ترضع ابنا لها في بنى إسرائيل فمر بها رجل راكب ذو شارة فقالت اللهمّ اجعل ابني مثله فترك ثديها وأقبل على الراكب فقال اللهمّ لا تجعلني مثله. ثم أقبل على ثديها يمصه. قال أبو هريرة كأنى انظر إلى النبي ﷺ يمص إصبعه ثم مر بأمة فقاتل اللهمّ لا تجعل ابني مثل هذه فترك ثديها فقال. اللهمّ اجعلني مثلها فقالت لم ذلك فقال الراكب جبار من الجبابرة وهذه الأمة يقولون سرقت وزنت ولم تفعل *
وقال البخاري حدثنا أبو اليمان حدثنا شعيب عن الزهري أخبرنى أبو سلمة أن أبا هريرة قال سمعت رسول الله ﷺ يقول (أنا أولى الناس بابن مريم والأنبياء أولاد علات ليس بيني وبينه نبي تفرد به البخاري من هذا الوجه. ورواه ابن حبان في صحيحه من حديث أبى داود الحفرى (١) عن الثوري عن أبى الزناد عن أبى سلمة عن أبى هريرة
وقال أحمد حدثنا وكيع حدثنا سفيان هو الثوري عن أبى الزناد عن الأعرج عن أبى هريرة قال قال رسول الله ﷺ (أنا أولى الناس بعيسى ﵇ والأنبياء اخوة أولاد علات وليس بيني وبين عيسى نبي. وهذا إسناد صحيح على شرطهما ولم يخرجوه من هذا الوجه وأخرجه أحمد عن عبد الرزاق عن معمر عن همام عن أبى هريرة عن النبي ﷺ بنحوه وأخرجه ابن حبان من حديث عبد الرزاق نحوه.
وقال أحمد
стр. 437
حدثنا يحيى عن ابن أبى عروبة حدثنا قتادة عن عبد الرحمن بن آدم عن أبى هريرة عن النبي ﷺ قال (الأنبياء اخوة لعلات. ودينهم واحد وأمهاتهم شتى. وأنا أولى الناس بعيسى بن مريم لأنه لم يكن بيني وبينه نبي وإنه نازل فإذا رأيتموه فاعرفوه فإنه رجل مربوع الى الحمرة والبياض سبط كان رأسه يقطر وان لم يصبه بلل بين مخصرتين فيكسر الصليب ويقتل الخنزير ويضع الجزية ويعطل الملل حتى يهلك في زمانه كلها غير الإسلام ويهلك الله في زمانه المسيح الدجال الكذاب وتقع الأمنة في الأرض حتى ترتع الإبل مع الأسد جميعا والنمور مع البقر والذئاب مع الغنم ويلعب الصبيان والغلمان بالحيات لا يضر بعضهم بعضا فيمكث ما شاء الله أن يمكث ثم يتوفى فيصلي عليه المسلمون ويدفنونه. ثم رواه احمد عن عفان عن همام عن قتادة عن عبد الرحمن عن أبى هريرة فذكر نحوه وقال فيمكث أربعين سنة. ثم يتوفى ويصلى عليه المسلمون. ورواه أبو داود عن هدبة بن خالد عن همام بن يحيى به نحوه.
وروى هشام بن عروة عن صالح مولى أبى هريرة عنه أن رسول الله ﷺ قال (فيمكث في الأرض أربعين سنة. وسيأتي بيان نزوله ﵇ في آخر الزمان في كتاب الملاحم كما بسطنا ذلك أيضا في التفسير عند قوله تعالى في سورة النساء ﴿وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ إِلاّ لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ وَيَوْمَ الْقِيامَةِ يَكُونُ عَلَيْهِمْ شَهِيداً﴾ وقوله ﴿وَإِنَّهُ لَعِلْمٌ لِلسّاعَةِ﴾ الآية) وانه ينزل على المنارة البيضاء بدمشق وقد أقيمت صلاة الصبح فيقول له امام المسلمين تقدم يا روح الله فصل فيقول لا بعضكم على بعض أمراء مكرمة الله هذه الأمة. وفي رواية فيقول له عيسى انما أقيمت الصلاة لك فيصلي خلفه. ثم يركب ومعه المسلمون في طلب المسيح الدجال فيلحقه عند باب لد فيقتله بيده الكريمة. وذكرنا أنه قوى الرجاء حين بنيت هذه المنارة الشرقية بدمشق التي هي من حجارة بيض وقد بنيت أيضا من اموال النصارى حين حرقوا التي هدمت وما حولها فينزل عليها عيسى ابن مريم ﵇ فيقتل الخنزير ويكسر الصليب ولا يقبل من أحد إلا الإسلام وأنه يحج من فج الروحاء حاجا أو معتمرا أو لثنتيهما ويقيم أربعين سنة ثم يموت فيدفن فيما قيل في الحجرة النبويّة عند رسول الله ﷺ وصاحبيه. وقد ورد في ذلك حديث ذكره ابن عساكر في آخر ترجمة المسيح ﵇ في كتابه عن عائشة مرفوعا أنه يدفن مع رسول الله ﷺ وأبى بكر وعمر في الحجرة النبويّة ولكن لا يصح اسناده وقال أبو عيسى الترمذي حدثنا زيد بن اخزم الطائي حدثنا أبو قتيبة مسلم بن قتيبة حدثني أبو مودود المدني حدثنا عثمان بن الضحاك عن محمد بن يوسف بن عبد الله بن سلام عن أبيه عن جده قال مكتوب في التوراة صفة محمد وعيسى بن مريم ﵈ يدفن معه. قال أبو مودود وقد بقي من البيت موضع قبر. ثم قال الترمذي هذا حديث حسن كذا قال. والصواب الضحاك بن عثمان المدني. وقال البخاري هذا الحديث لا يصح عندي ولا يتابع عليه وروى البخاري عن يحيى بن حماد عن أبى عوانة عن عاصم الأحول عن أبى عثمان النهدي عن سلمان قال الفترة ما بين عيسى ومحمد ﷺ ستمائة سنة وعن قتادة خمسمائة
стр. 438
وستون سنة. وقيل خمسمائة وأربعون سنة وعن الضحاك أربعمائة وبضع وثلاثون سنة. والمشهور ستمائة سنة * ومنهم من يقول ستمائة وعشرون سنة بالقمرية لتكون ستمائة بالشمسية والله أعلم *
وقال ابن حبان في صحيحه (ذكر المدة التي بقيت فيها أمة عيسى على هديه) حدثنا أبو يعلى حدثنا أبو همام حدثنا الوليد بن مسلم عن الهيثم بن حميد عن الوضين بن عطاء عن نصر بن علقمة عن جبير بن نفير عن أبى الدرداء قال قال رسول الله ﷺ (لقد قبض الله داود من بين أصحابه فما فتنوا ولا بدلوا ولقد مكث أصحاب المسيح على سنته وهديه مائتي سنة). وهذا حديث غريب جدا وان صححه ابن حبان. وذكر ابن جرير عن محمد بن إسحاق أن عيسى ﵇ قبل أن يرفع وصى الحواريين بان يدعو الناس إلى عبادة الله وحده لا شريك له وعين كل واحد منهم إلى طائفة من الناس في إقليم من الأقاليم من الشام والمشرق وبلاد المغرب فذكروا أنه أصبح كل إنسان منهم يتكلم بلغة الذين أرسله المسيح اليهم. وذكر غير واحد أن الإنجيل نقله عنه أربعة لوقا ومتى ومرقس ويوحنا وبين هذه الأناجيل الأربعة تفاوت كثير بالنسبة الى كل نسخة ونسخة وزيادات كثيرة ونقص بالنسبة إلى الأخرى وهؤلاء الأربعة منهم اثنان ممن أدرك المسيح ورآه وهما متى ويوحنا ومنهم اثنين من أصحاب أصحابه (١) وهما مرقس ولوقا وكان ممن آمن بالمسيح وصدقه من أهل دمشق رجل يقال له ضينا وكان مختفيا في مغارة داخل الباب الشرقي قريبا من الكنيسة المصلبة خوفا من بولس اليهودي وكان ظالما غاشما مبغضا للمسيح ولما جاء به. وكان قد حلق رأس ابن أخيه حين آمن بالمسيح وطاف به في البلد * ثم رجمه حتى مات ﵀ * ولما سمع بولص أن المسيح ﵇ قد توجه نحو دمشق جهز بغاله وخرج ليقتله فتلقاه عند كوكبا فلما واجه أصحاب المسيح جاء اليه ملك فضرب وجهه بطرف جناحه فأعماه. فلما رأى ذلك وقع
стр. 439
في نفسه تصديق المسيح فجاء اليه واعتذر مما صنع وآمن به فقبل منه وسأله أن يمسح عينيه ليرد الله عليه بصره فقال اذهب الى ضينا عندك بدمشق في طرف السوق المستطيل من المشرق فهو يدعو لك فجاء اليه فدعا فرد عليه بصره وحسن ايمان بولص بالمسيح ﵇ أنه عبد الله ورسوله وبنيت له كنيسة باسمه فهي كنيسة بولص المشهورة بدمشق من زمن فتحها الصحابة ﵃ حتى خربت في الزمان الّذي سنورده إن شاء الله تعالى.
فصل
اختلف أصحاب المسيح ﵇ بعد رفعه الى السماء فيه على أقوال كما قاله ابن عباس وغيره من أئمة السلف كما أوردناه عند قوله ﴿فَأَيَّدْنَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلى عَدُوِّهِمْ فَأَصْبَحُوا ظاهِرِينَ﴾ قال ابن عباس وغيره قال قائلون منهم كان فينا عبد الله ورسوله فرفع الى السماء وقال آخرون هو الله وقال آخرون هو اين الله فالأول هو الحق والقولان الآخران كفر عظيم كما قال ﴿فَاخْتَلَفَ الْأَحْزابُ مِنْ بَيْنِهِمْ فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ مَشْهَدِ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ وقد اختلفوا في نقل الأناجيل على أربعة أقاويل ما بين زيادة ونقصان وتحريف وتبديل ثم بعد المسيح بثلاثمائة سنة حدثت فيه الطامة العظمى والبلية الكبرى. اختلف البتاركة الأربعة وجميع الأساقفة والقساوسة والشمامسة والرهابين في المسيح على أقوال متعددة لا تنحصر ولا تنضبط واجتمعوا وتحاكموا إلى الملك قسطنطين باني القسطنطينة وهم المجمع الأول فصار الملك إلى قول أكثر فرقة اتفقت على قول من تلك المقالات فسموا الملائكة ودحض من عداهم وأبعدهم وتفردت الفرقة التابعة لعبد الله بن اديوس الّذي ثبت على أن عيسى عبد من عباد الله ورسول من رسله فسكنوا البراري والبوادي وبنوا الصوامع والديارات والقلايات وقنعوا بالعيش الزهيد ولم يخالطوا أولئك الملل والنحل وبنت الملائكة الكنائس الهائلة عمدوا إلى ما كان من بناء اليونان فحولوا محاريبها الى الشرق وقد كانت إلى الشمال الى الجدي *
بيان بناء بيت لحم والقمامة
وبنى الملك قسطنطين بيت لحم على محل مولد المسيح وبنت أمه هيلانة القمامة يعنى على قبر المصلوب وهم يسلمون لليهود أنه المسيح. وقد كفرت هؤلاء وهؤلاء ووضعوا القوانين والأحكام. ومنها مخالف للعتيقة التي هي التوراة وأحلوا أشياء هي حرام بنص التوراة ومن ذلك الخنزير وصلوا إلى الشرق ولم يكن المسيح صلّى إلا الى صخرة بيت المقدس وكذلك جميع الأنبياء بعد موسى. ومحمد خاتم النبيين صلى اليها بعد هجرته الى المدينة ستة عشر أو سبعة عشر شهرا ثم حول الى الكعبة التي بناها إبراهيم الخليل. وصوروا الكنائس ولم تكن مصورة قبل ذلك ووضعوا العقيدة التي يحفظها أطفالهم ونساؤهم
стр. 440
ورجالهم التي يسمونها بالأمانة وهي في الحقيقة أكبر الكفر والخيانة وجميع الملكية والنسطورية أصحاب نسطورس أهل المجمع الثاني واليعقوبية أصحاب يعقوب البرادعي أصحاب المجمع الثالث يعتقدون هذه العقيدة ويختلفون في تفسيرها وها أنا أحكيها وحاكى الكفر ليس بكافر لابث على ما فيها ركة الألفاظ وكثرة الكفر والخبال المفضي بصاحبه الى النار ذات الشواظ فيقولون نؤمن بإله واحد ضابط الكل خالق السموات والأرض كل ما يرى وكل ما لا يرى وبرب واحد يسوع المسيح بن الله الوحيد المولود من الأب قبل الدهور نور من نور إله حق من إله حق مولود غير مخلوق مساو للأب في الجوهر الّذي كان به كل شيء من أجلنا نحن البشر ومن أجل خلاصنا نزل من السماء وتجسد من روح القدس ومن مريم العذراء وتانس وصلب على عهد ملاطس النبطي وتالم وقبر وقام في اليوم الثالث كما في الكتب وصعد إلى السماء وجلس عن يمين الأب وأيضا فسيأتي بجسده ليدبر الاحياء والأموات الّذي لافناء لملكه وروح القدس الرب المحيي المنبثق من الأب مع الأب والابن مسجود له وبمجد الناطق في الأنبياء كنسبة واحدة جامعة مقدسة يهولية واعترف بمعمودية واحدة لمغفرة الخطايا وأنه حي قيامة الموتى وحياة الدهر العتيد كونه آمين.
كتاب أخبار الماضين
من بنى إسرائيل وغيرهم الى آخر زمن الفترة سوى أيام العرب وجاهليتهم فانا سنورد ذلك بعد فراغنا من هذا الفصل إن شاء الله تعالى قال الله تعالى ﴿كَذلِكَ نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْباءِ ما قَدْ سَبَقَ وَقَدْ آتَيْناكَ مِنْ لَدُنّا ذِكْراً﴾. وقال ﴿نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ بِما أَوْحَيْنا إِلَيْكَ هذَا الْقُرْآنَ وَإِنْ كُنْتَ مِنْ قَبْلِهِ لَمِنَ الْغافِلِينَ﴾.
خبر ذي القرنين
قال الله تعالى ﴿وَيَسْئَلُونَكَ عَنْ ذِي الْقَرْنَيْنِ قُلْ سَأَتْلُوا عَلَيْكُمْ مِنْهُ ذِكْراً * إِنّا مَكَّنّا لَهُ فِي الْأَرْضِ وَآتَيْناهُ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ سَبَباً * فَأَتْبَعَ سَبَباً * حَتّى إِذا بَلَغَ مَغْرِبَ الشَّمْسِ وَجَدَها تَغْرُبُ فِي عَيْنٍ حَمِئَةٍ وَوَجَدَ عِنْدَها قَوْماً. قُلْنا يا ذَا الْقَرْنَيْنِ إِمّا أَنْ تُعَذِّبَ وَإِمّا أَنْ تَتَّخِذَ فِيهِمْ حُسْناً * قالَ أَمّا مَنْ ظَلَمَ فَسَوْفَ نُعَذِّبُهُ ثُمَّ يُرَدُّ إِلى رَبِّهِ فَيُعَذِّبُهُ عَذاباً نُكْراً * وَأَمّا مَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صالِحاً فَلَهُ جَزاءً الْحُسْنى وَسَنَقُولُ لَهُ مِنْ أَمْرِنا يُسْراً * ثُمَّ أَتْبَعَ سَبَباً * حَتّى إِذا بَلَغَ مَطْلِعَ الشَّمْسِ وَجَدَها تَطْلُعُ عَلى قَوْمٍ لَمْ نَجْعَلْ لَهُمْ مِنْ دُونِها سِتْراً * كَذلِكَ وَقَدْ أَحَطْنا بِما لَدَيْهِ خُبْراً * ثُمَّ أَتْبَعَ سَبَباً * حَتّى إِذا بَلَغَ بَيْنَ السَّدَّيْنِ وَجَدَ مِنْ دُونِهِما قَوْماً لا يَكادُونَ يَفْقَهُونَ قَوْلاً﴾.
﴿* قالُوا يا ذَا الْقَرْنَيْنِ إِنَّ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ مُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ فَهَلْ نَجْعَلُ لَكَ خَرْجاً عَلى أَنْ تَجْعَلَ بَيْنَنا وَبَيْنَهُمْ سَدًّا * قالَ ما مَكَّنِّي فِيهِ رَبِّي خَيْرٌ فَأَعِينُونِي بِقُوَّةٍ أَجْعَلْ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ رَدْماً * آتُونِي زُبَرَ الْحَدِيدِ حَتّى إِذا ساوى﴾
стр. 441
بَيْنَ الصَّدَفَيْنِ قالَ اُنْفُخُوا حَتّى إِذا جَعَلَهُ ناراً قالَ آتُونِي أُفْرِغْ عَلَيْهِ قِطْراً * فَمَا اِسْطاعُوا أَنْ يَظْهَرُوهُ وَمَا اِسْتَطاعُوا لَهُ نَقْباً * قالَ هذا رَحْمَةٌ مِنْ رَبِّي فَإِذا جاءَ وَعْدُ رَبِّي جَعَلَهُ دَكّاءَ وَكانَ وَعْدُ رَبِّي حَقًّا. ذكر الله تعالى ذا القرنين هذا وأثنى عليه بالعدل وانه بلغ المشارق والمغارب وملك الأقاليم وقهر أهلها وسار فيهم بالمعدلة التامة والسلطان المؤيد المظفر المنصور القاهر المقسط. والصحيح أنه كان ملكا من الملوك العادلين وقيل كان نبيا. وقيل رسولا. وأغرب من قال ملكا من الملائكة. وقد حكى هذا عن أمير المؤمنين عمر بن الخطاب فإنه سمع رجلا يقول لآخر يا ذا القرنين فقال مه ما كفاكم أن تتسموا بأسماء الأنبياء حتى تسميتم بأسماء الملائكة ذكره السهيليّ. وقد روى وكيع عن إسرائيل عن جابر عن مجاهد عن عبد الله ابن عمرو قال كان ذو القرنين نبيا.
وروى الحافظ بن عساكر من حديث أبى محمد بن أبى نصر عن أبى إسحاق بن إبراهيم بن محمد بن أبى ذؤيب حدثنا محمد بن حماد أنبأنا عبد الرزاق عن معمر عن ابن أبى ذؤيب عن المقبري عن أبى هريرة قال قال رسول الله ﷺ (لا أدرى أتبع كان لعينا أم لا ولا أدرى الحدود كفارات لأهلها أم لا ولا أدرى ذو القرنين كان نبيا أم لا). وهذا غريب من هذا الوجه. وقال إسحاق بن بشر عن عثمان بن الساج عن خصيف عن عكرمة عن ابن عباس قال كان ذو القرنين ملكا صالحا رضى الله عمله وأثنى عليه في كتابه وكان منصورا وكان الخضر وزيره. وذكر أن الخضر ﵇ كان على مقدمة جيشه وكان عنده بمنزلة المشاور الّذي هو من الملك بمنزلة الوزير في إصلاح الناس اليوم. وقد ذكر الأزرقي وغيره أن ذا القرنين أسلم على يدي إبراهيم الخليل وطاف معه بالكعبة المكرمة هو وإسماعيل ﵇ (١) وروى عن عبيد بن عمير وابنه عبد الله وغيرهما أن ذا القرنين حج ماشيا وأن إبراهيم لما سمع بقدومه تلقاه ودعا له ورضاه وأن الله سخر لذي القرنين السحاب يحمله حيث أراد والله أعلم * واختلفوا في السبب الّذي سمى به ذا القرنين فقيل لانه كان له في رأسه شبه القرنين. قال وهب بن منبه كان له قرنان من نحاس في رأسه وهذا ضعيف وقال بعض أهل الكتاب لانه ملك فارس والروم وقيل لأنه بلغ قرني الشمس غربا وشرقا. وملك ما بينهما من الأرض وهذا أشبه من غيره وهو قول الزهري وقال (٢) الحسن البصري كانت له غديرتان من شعر يطافيهما (٣) فسمى ذا القرنين وقال إسحاق ابن بشر عن عبد الله بن زياد بن سمعان عن عمر بن شعيب عن أبيه عن جده أنه قال دعا ملكا جبارا إلى الله فضربه على قرنه فكسره ورضه. ثم دعاه فدق قرنه الثاني فكسره فسمى ذا القرنين وروى الثوري عن حبيب بن أبى ثابت عن أبى الطفيل عن على بن أبى طالب أنه سئل عن ذي القرنين فقال
стр. 442
كان عبدا ناصح الله فناصحه دعا قومه إلى الله فضربوه على قرنه فمات فأحياه الله فدعا قومه الى الله فضربوه على قرنه الآخر فمات فسمى ذا القرنين. وهكذا رواه شعبة القاسم بن أبى بزة عن أبى الطفيل عن على به * وفي بعض الروايات عن أبى الطفيل عن على قال لم يكن نبيا ولا رسولا ولا ملكا ولكن كان عبدا صالحا.
وقد اختلف في اسمه فروى الزبير بن بكار عن ابن عباس كان اسمه عبد الله بن الضحاك بن معد وقيل مصعب بن عبد الله بن قنان بن منصور بن عبد الله بن الأزد بن عون (١) بن نبت بن مالك بن زيد بن كهلان بن سبا بن قحطان.
وقد جاء في حديث أنه كان من حمير وأمه رومية وأنه كان يقال له ابن الفيلسوف لعقله. وقد أنشد بعض الحميريين (٢) في ذلك شعرا يفتخر بكونه أحد أجداده فقال:
قد كان ذو القرنين جدي (٣) مسلما … ملكا تدين له الملوك وتحشد (٤)
стр. 443
بلغ المشارق والمغارب يبتغى … أسباب امر من حكيم مرشد
فرأى مغيب الشمس عند غروبها … في عين ذي خلب وثأط حرمد
من بعده بلقيس كانت عمتي … ملكتهم حتى أتاها الهدهد
قال السهيليّ وقيل كان اسمه مرزبان بن مرزبة. ذكره ابن هشام (١) وذكر في موضع آخر أن اسمه الصعب بن ذي مرائد وهو أول التبابعة وهو الّذي حكم لإبراهيم في بئر السبع. وقيل إنه أفريدون ابن أسفيان الّذي قتل الضحاك وفي خطبة قس يا معشر اياد بن الصعب ذو القرنين ملك الخافقين وأذل الثقلين وعمر الفين. ثم كان ذلك كلحظة عين ثم انشد ابن هشام للأعشى.
والصعب ذو القرنين أصبح ثاويا … بالحنو في جدث اشم مقيما
وذكر الدارقطنيّ وابن ماكولا أن اسمه هرمس (٢) ويقال هرويس بن قيطون بن رومي بن لنطى ابن كشلوخين بن يونان بن يافث بن نوح فالله أعلم. وقال إسحاق بن بشر عن سعيد بن بشير عن قتادة قال إسكندر هو ذو القرنين وأبوه أول القياصرة وكان من ولد سام بن نوح ﵇. فاما ذو القرنين الثاني فهو إسكندر بن فيلبس بن مصريم بن هرمس بن ميطون بن رومي بن لنطى بن يونان بن يافث ابن يونة بن شرخون بن رومة بن شرفط بن توفيل بن رومي بن الأصفر بن يقز بن العيص بن إسحاق ابن إبراهيم الخليل كذا نسبه الحافظ ابن عساكر في تاريخه. المقدوني اليوناني المصري باني اسكندرية الّذي يؤرخ بأيامه الروم وكان متأخرا عن الأول بدهر طويل كان هذا قبل المسيح بنحو من ثلاثمائة سنة وكان ارطاطاليس الفيلسوف وزيره وهو الّذي قتل دارا بن دارا وأذل ملوك الفرس وأوطأ أرضهم.
стр. 444
وانما نبهنا عليه لان كثيرا من الناس يعتقد أنهما واحد وان المذكور في القرآن هو الّذي كان ارطاطاليس وزيره فيقع بسبب ذلك خطأ كبير وفساد عريض طويل كثير فان الأول كان عبدا مؤمنا صالحا وملكا عادلا وكان وزيره الخضر وقد كان نبيا على ما قررناه قبل هذا. وأما الثاني فكان مشركا وكان وزيره فيلسوفا وقد كان بين زمانيهما أزيد من ألفي سنة. فأين هذا من هذا لا يستويان ولا يشتبهان إلا على غبي لا يعرف حقائق الأمور * فقوله تعالى ﴿وَيَسْئَلُونَكَ عَنْ ذِي الْقَرْنَيْنِ﴾ كان سببه أن قريشا سألوا اليهود عن شيء يمتحنون به علم رسول الله ﷺ فقالوا لهم سلوه عن رجل طواف في الأرض وعن فتية خرجوا لا يدرى ما فعلوا فأنزل الله تعالى قصة أصحاب الكهف وقصة ذي القرنين. ولهذا قال ﴿قُلْ سَأَتْلُوا عَلَيْكُمْ مِنْهُ ذِكْراً﴾ أي من خبره وشأنه ﴿ذِكْراً﴾ أي خبرا نافعا كافيا في تعريف امره وشرح حاله فقال ﴿إِنّا مَكَّنّا لَهُ فِي الْأَرْضِ وَآتَيْناهُ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ سَبَباً﴾ أي وسعنا مملكته في البلاد وأعطيناه من آلات المملكة ما يستعين به على تحصيل ما يحاوله من المهمات العظيمة والمقاصد الجسيمة.
قال قتيبة عن أبى عوانة عن سماك عن حبيب بن حماد قال كنت عند على بن أبى طالب وسأله رجل عن ذي القرنين كيف بلغ المشرق والمغرب فقال له (سخر له السحاب ومدت له الأسباب وبسط له في النور) وقال أزيدك فسكت الرجل وسكت على ﵁. وعن أبى إسحاق السبيعي عن عمرو بن عبد الله الوادعي سمعت معاوية يقول: ملك الأرض أربعة. سليمان بن داود النبي ﵉. وذو القرنين ورجل من أهل حلوان. ورجل آخر. فقيل له الخضر قال لا * وقال الزبير بن بكار حدثني إبراهيم بن المنذر عن محمد بن الضحاك عن أبيه عن سفيان الثوري قال بلغني أنه ملك الأرض كلها أربعة (مؤمنان وكافران سليمان النبي وذو القرنين ونمرود وبخت نصّر) وهكذا قال سعيد بن بشير سواء وقال إسحاق بن بشر عن سعيد بن أبى عروبة عن قتادة عن الحسن قال (كان ذو القرنين ملك بعد النمرود وكان من قصته أنه كان رجلا مسلما صالحا أتى المشرق والمغرب مد الله له في الأجل ونصره حتى قهر البلاد واحتوى على الأموال وفتح المدائن وقتل الرجال وجال في البلاد والقلاع فسار حتى أتى المشرق والمغرب فذلك قول الله ﴿وَيَسْئَلُونَكَ عَنْ ذِي الْقَرْنَيْنِ قُلْ سَأَتْلُوا عَلَيْكُمْ مِنْهُ ذِكْراً﴾ أي خبرا ﴿إِنّا مَكَّنّا لَهُ فِي الْأَرْضِ وَآتَيْناهُ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ سَبَباً﴾ أي علما بطلب أسباب المنازل * قال إسحاق وزعم مقاتل أنه كان يفتح المدائن ويجمع الكنوز فمن اتبعه على دينه وتابعه عليه وإلا قتله. وقال ابن عباس ومجاهد وسعيد بن جبير وعكرمة وعبيد بن يعلى والسدي وقتادة والضحاك ﴿وَآتَيْناهُ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ سَبَباً﴾ يعنى علما وقال قتادة ومطر الوراق معالم الأرض ومنازلها واعلامها وآثارها وقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم يعنى تعليم الالسنة كان لا يغزو قوما إلا حدثهم بلغتهم والصحيح أنه يعم كل سبب يتوصل به الى نيل مقصوده في المملكة وغيرها فإنه كان يأخذ من كل إقليم من الأمتعة
стр. 445
والمطاعم والزاد ما يكفيه ويعينه على أهل الإقليم الآخر * وذكر بعض أهل الكتاب أنه مكث الفا وستمائة سنة يجوب الأرض ويدعو أهلها الى عبادة الله وحده لا شريك له وفي كل هذه المدة نظر والله أعلم. وقد روى البيهقي وابن عساكر حديثا متعلقا بقوله ﴿وَآتَيْناهُ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ سَبَباً﴾ مطولا جدا وهو منكر جدا. وفي اسناده محمد بن يونس الكديمي وهو متهم فلهذا لم نكتبه لسقوطه عندنا والله أعلم وقوله ﴿فَأَتْبَعَ سَبَباً﴾ أي طريقا ﴿حَتّى إِذا بَلَغَ مَغْرِبَ الشَّمْسِ﴾ يعنى من الأرض انتهى الى حيث لا يمكن أحدا أن يجاوزه ووقف على حافة البحر المحيط الغربي الّذي يقال له أوقيانوس الّذي فيه الجزائر المسماة بالخالدات التي هي مبدأ الاطوال على أحد قولي أرباب الهيئة والثاني من ساحل هذا البحر كما قدمنا. وعنده شاهد مغيب الشمس فيما رآه بالنسبة الى مشاهدته (تغرب في عين حمئة) والمراد بها البحر في نظره فان من كان في البحر أو على ساحله يرى الشمس كأنها تطلع من البحر وتغرب فيه ولهذا قال ﴿وَجَدَها﴾ أي في نظره ولم يقل فإذا هي تغرب في عين حمئة أي ذات حمأة. قال كعب الأحبار وهو الطين الأسود. وقرأه بعضهم حامية. فقيل يرجع إلى الأول. وقيل من الحرارة وذلك من شدة المقابلة لوهج ضوء الشمس وشعاعها. وقد
روى الامام احمد عن يزيد بن هارون عن العوام بن حوشب حدثني مولى لعبد الله بن عمرو عن عبد الله. قال نظر رسول الله ﷺ إلى الشمس حين غابت فقال (في نار الله الحامية لولا ما يزعها من أمر الله لأحرقت ما على الأرض) فيه غرابة وفيه رجل مبهم لم يسم ورفعه فيه نظر وقد يكون موقوفا من كلام عبد الله بن عمرو فإنه أصاب يوم اليرموك زاملتين من كتب المتقدمين فكان يحدث منها والله أعلم * ومن زعم من القصاص أن ذا القرنين جاوز مغرب الشمس وصار يمشى بجيوشه في ظلمات مددا طويلة فقد اخطئوا بعد النجعة. وقال ما يخالف العقل والنقل.
بيان طلب ذي القرنين عين الحياة
وقد ذكر ابن عساكر من طريق وكيع عن أبيه عن معتمر بن سليمان عن أبى جعفر الباقر عن أبيه زين العابدين خبرا مطولا جدا فيه أن ذا القرنين كان له صاحب من الملائكة يقال له رناقيل فسأله ذو القرنين هل تعلم في الأرض عينا يقال لها عين الحياة فذكر له صفة مكانها فذهب ذو القرنين في طلبها وجعل الخضر على مقدمته فانتهى الخضر اليها في واد في أرض الظلمات فشرب منها ولم يهتد ذو القرنين اليها. وذكر اجتماع ذي القرنين ببعض الملائكة في قصر هناك وأنه أعطاه حجرا فلما رجع إلى جيشه سأل العلماء عنه فوضعوه في كفة ميزان وجعلوا في مقابلته ألف حجر مثله فوزنها حتى سأل الخضر فوضع قباله حجرا وجعل عليه حفنة من تراب فرجح به. وقال هذا مثل ابن آدم لا يشبع حتى يوارى
стр. 446
بالتراب فسجد له العلماء تكريما له وإعظاما والله أعلم * ثم ذكر تعالى أنه حكم في أهل تلك الناحية ﴿قُلْنا يا ذَا الْقَرْنَيْنِ إِمّا أَنْ تُعَذِّبَ وَإِمّا أَنْ تَتَّخِذَ فِيهِمْ حُسْناً * قالَ أَمّا مَنْ ظَلَمَ فَسَوْفَ نُعَذِّبُهُ ثُمَّ يُرَدُّ إِلى رَبِّهِ فَيُعَذِّبُهُ عَذاباً نُكْراً﴾ أي فيجتمع عليه عذاب الدنيا والآخرة وبدأ بعذاب الدنيا لانه أزجر عند الكافر ﴿وَأَمّا مَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صالِحاً فَلَهُ جَزاءً الْحُسْنى وَسَنَقُولُ لَهُ مِنْ أَمْرِنا يُسْراً﴾ فبدأ بالأهم وهو ثواب الآخرة وعطف عليه الإحسان منه اليه وهذا هو العدل والعلم والايمان قال الله تعالى ﴿ثُمَّ أَتْبَعَ سَبَباً﴾ أي سلك طريقا راجعا من المغرب الى المشرق فيقال إنه رجع في ثنتى عشر سنة ﴿حَتّى إِذا بَلَغَ مَطْلِعَ الشَّمْسِ وَجَدَها تَطْلُعُ عَلى قَوْمٍ لَمْ نَجْعَلْ لَهُمْ مِنْ دُونِها سِتْراً﴾ أي ليس لهم بيوت ولا أكنان يستترون بها من حر الشمس. قال كثير من العلماء ولكن كانوا يأوون إذا اشتد عليهم الحر الى أسراب قد اتخذوها في الأرض شبه القبور قال الله تعالى ﴿كَذلِكَ وَقَدْ أَحَطْنا بِما لَدَيْهِ خُبْراً﴾ أي ونحن نعلم ما هو عليه ونحفظه ونكلؤه بحراستنا في مسيره ذلك كله من مغارب الأرض الى مشارقها.
وقد روى عن عبيد بن عمير وابنه عبد الله وغيرهما من السلف أن ذا القرنين حج ماشيا فلما سمع إبراهيم الخليل بقدومه تلقاه فلما اجتمعا دعا له الخليل ووصاه بوصايا ويقال انه جيء بفرس ليركبها فقال لا أركب في بلد فيه الخليل فسخر الله له السحاب وبشره إبراهيم بذلك فكانت تحمله إذا أراد. وقوله تعالى ﴿ثُمَّ أَتْبَعَ سَبَباً * حَتّى إِذا بَلَغَ بَيْنَ السَّدَّيْنِ وَجَدَ مِنْ دُونِهِما قَوْماً لا يَكادُونَ يَفْقَهُونَ قَوْلاً﴾ يعنى غشما. يقال انهم هم الترك أبناء عم يأجوج ومأجوج فذكروا له أن هاتين القبيلتين قد تعدوا عليهم وأفسدوا في بلادهم وقطعوا السبل عليهم وبذلوا له حملا وهو الخراج على أن يقيم بينهم وبينهم حاجزا يمنعهم من الوصول اليهم فامتنع من أخذ الخراج اكتفاء بما أعطاه الله من الأموال الجزيلة (قال ما مكنى فيه ربى خير) ثم طلب منهم أن يجمعوا له رجالا وآلات ليبنى بينهم وبينهم سدا وهو الردم بين الجبلين وكانوا لا يستطيعون الخروج اليهم إلا من بينهما وبقية ذلك بحار مغرقة وجبال شاهقة فبناه كما قال تعالى من الحديد والقطر وهو النحاس المذاب. وقيل الرصاص والصحيح الأول فجعل بدل اللبن حديدا وبدل الطين نحاسا ولهذا قال تعالى ﴿فَمَا اِسْطاعُوا أَنْ يَظْهَرُوهُ﴾ أي يعلوا عليه بسلالم ولا غيرها ﴿وَمَا اِسْتَطاعُوا لَهُ نَقْباً﴾ أي بمعاول ولا فؤس ولا غيرها فقابل الأسهل بالاسهل والأشد بالأشد ﴿قالَ هذا رَحْمَةٌ مِنْ رَبِّي﴾ أي قدر الله وجوده ليكون رحمة منه بعباده أن يمنع بسببه عدوان هؤلاء القوم على من جاورهم في تلك المحلة ﴿فَإِذا جاءَ وَعْدُ رَبِّي﴾ أي الوقت الّذي قدر خروجهم على الناس في آخر الزمان ﴿جَعَلَهُ دَكّاءَ﴾ أي مساويا للأرض ولا بد من كون هذا ولهذا قال ﴿وَكانَ وَعْدُ رَبِّي حَقًّا﴾ كما قال تعالى ﴿حَتّى إِذا فُتِحَتْ يَأْجُوجُ وَمَأْجُوجُ وَهُمْ مِنْ كُلِّ حَدَبٍ يَنْسِلُونَ * وَاِقْتَرَبَ الْوَعْدُ الْحَقُّ﴾ الآية ولذا قال هاهنا ﴿وَتَرَكْنا بَعْضَهُمْ يَوْمَئِذٍ يَمُوجُ فِي بَعْضٍ﴾ يعنى يوم فتح السد على الصحيح ﴿وَنُفِخَ فِي﴾
стр. 447
الصُّورِ فَجَمَعْناهُمْ جَمْعاً) وقد أوردنا الأحاديث المروية في خروج يأجوج ومأجوج في التفسير وسنوردها ان شاء الله في كتاب الفتن والملاحم من كتابنا هذا إذا انتهينا اليه بحول الله وقوته وحسن توفيقه ومعونته وهدايته.
قال أبو داود الطيالسي عن الثوري بلغنا أن أول من صافح ذو القرنين. وروى عن كعب الأحبار انه قال لمعاوية إن ذا القرنين لما حضرته الوفاة أوصى أمه إذا هو مات أن تصنع طعاما وتجمع نساء أهل المدينة وتضعه بين أيديهن وتأذن لهن فيه إلا من كانت ثكلى فلا تأكل منه شيئا فلما فعلت ذلك لم تضع واحدة منهن يدها فيه فقالت لهن سبحان الله كلكن ثكلى فقلن أي والله ما منا إلا من اثكلت فكان ذلك تسلية لأمه. وذكر إسحاق بن بشر عن عبد الله بن زياد عن بعض أهل الكتاب وصية ذي القرنين وموعظة أمه موعظة بليغة طويلة فيها حكم وأمور نافعة وأنه مات وعمره ثلاثة آلاف سنة وهذا غريب.
قال ابن عساكر وبلغني من وجه آخر أنه عاش ستا وثلاثين سنة. وقيل كان عمره ثنتين وثلاثين سنة. وكان بعد داود بسبعمائة سنة وأربعين سنة. وكان بعد آدم بخمسة آلاف ومائة واحدى وثمانين سنة. وكان ملكه ست عشرة سنة. وهذا الّذي ذكره انما ينطبق على إسكندر الثاني لا الأول وقد خلط في أول الترجمة وآخرها بينهما والصواب التفرقة كما ذكرنا اقتداء بجماعة من الحفاظ والله أعلم * وممن جعلهما واحدا الامام عبد الملك بن هشام راوي السيرة وقد أنكر ذلك عليه الحافظ أبو القاسم السهيليّ ﵀ إنكارا بليغا ورد قوله ردا شنيعا وفرق بينهما تفريقا جيدا كما قدمنا قال ولعل جماعة من الملوك المتقدمين تسموا بذي القرنين تشبها بالأول والله أعلم *
ذكر أمتى يأجوج ومأجوج
وصفاتهم وما ورد من أخبارهم وصفة السد هم من ذرية آدم بلا خلاف نعلمه ثم الدليل على ذلك ما ثبت
في الصحيحين من طريق الأعمش عن أبى صالح عن أبى سعيد قال قال رسول الله ﷺ يقول الله تعالى يوم القيامة يا آدم قم فابعث بعث النار من ذريتك فيقول يا رب وما بعث النار فيقول من كل ألف تسعمائة وتسعة وتسعون إلى النار وواحد إلى الجنة فحينئذ يشيب الصغير ﴿وَتَضَعُ كُلُّ ذاتِ حَمْلٍ حَمْلَها وَتَرَى النّاسَ سُكارى وَما هُمْ بِسُكارى وَلكِنَّ عَذابَ اللهِ شَدِيدٌ﴾ * قالوا يا رسول الله أينا ذلك الواحد فقال رسول الله ﷺ (ابشروا فان منكم واحدا ومن يأجوج ومأجوج ألفا. وفي رواية فقال ابشروا فان فيكم أمتين ما كانتا في شيء إلا كثرتاه أي غلبتاه كثرة وهذا يدل على كثرتهم وانهم أضعاف الناس مرارا عديدة. ثم هم من ذرية نوح لان
стр. 448
الله تعالى أخبر أنه استجاب لعبده نوح في دعائه على أهل الأرض بقوله ﴿رَبِّ لا تَذَرْ عَلَى الْأَرْضِ مِنَ الْكافِرِينَ دَيّاراً﴾ وقال تعالى ﴿فَأَنْجَيْناهُ وَأَصْحابَ السَّفِينَةِ﴾ وقال ﴿وَجَعَلْنا ذُرِّيَّتَهُ هُمُ الْباقِينَ﴾ وتقدم في الحديث المروي في المسند والسنن أن نوحا ولد له ثلاثة وهم سام وحام ويافث فسام أبو العرب وحام أبو السودان ويافث أبو الترك فيأجوج ومأجوج طائفة من الترك وهم مغل المغول وهم أشد بأسا وأكثر فسادا من هؤلاء ونسبتهم اليهم كنسبة هؤلاء إلى غيرهم. وقد قيل إن الترك إنما سموا بذلك حين بنى ذو القرنين السد والجأ يأجوج ومأجوج إلى ما وراءه فبقيت منهم طائفة لم يكن عندهم كفسادهم فتركوا من ورائه * فلهذا قيل لهم الترك.
ومن زعم أن يأجوج ومأجوج خلقوا من نطفة آدم حين احتلم فاختلطت بتراب فخلقوا من ذلك وانهم ليسوا من حواء فهو قول حكاه الشيخ أبو زكريا النواوى في شرح مسلم وغيره وضعفوه وهو جدير بذلك إذ لا دليل عليه بل هو مخالف لما ذكرناه من أن جميع الناس اليوم من ذرية نوح بنص القرآن * وهكذا من زعم أنهم على أشكال مختلفة وأطوال متباينة جدا. فمنهم من هو كالنخلة السحوق.
ومنهم من هو غاية في القصر. ومنهم من يفترش أذنا من أذنيه ويتغطى بالأخرى فكل هذه أقوال بلا دليل ورجم بالغيب بغير برهان. والصحيح أنهم من بنى آدم وعلى اشكالهم وصفاتهم. وقد
قال النبي ﷺ (إن الله خلق آدم وطوله ستون ذراعا) ثم لم يزل الخلق ينقص حتى الآن. وهذا فيصل في هذا الباب وغيره. وما قيل من أن أحدهم لا يموت حتى يرى من ذريته ألفا فان صح في خبر قلنا به والا فلا نرده إذ يحتمله العقل والنقل أيضا قد يرشد اليه والله أعلم. بل قد ورد حديث مصرح بذلك ان صح
قال الطبراني حدثنا عبد الله بن محمد بن العباس الأصبهاني حدثنا أبو مسعود احمد بن الفرات حدثنا أبو داود الطيالسي حدثنا المغيرة عن مسلم عن أبى إسحاق عن وهب بن جابر عن عبد الله بن عمرو عن النبي ﷺ قال (ان يأجوج ومأجوج من ولد آدم ولو أرسلوا لأفسدوا على الناس معايشهم ولن يموت منهم رجل إلا ترك من ذريته الفا فصاعدا. وان من ورائهم ثلاث أمم (تاويل وتاريس ومنسك). وهو حديث غريب جدا واسناده ضعيف. وفيه نكارة شديدة * وأما الحديث الّذي ذكره بن جرير في تاريخه أن رسول الله ﷺ ذهب اليهم ليلة الاسراء فدعاهم إلى الله فامتنعوا من اجابته ومتابعته وأنه دعا تلك الأمم التي هناك (تاريس وتاويل ومنسك) فأجابوه فهو حديث موضوع اختلقه أبو نعيم عمرو بن الصبح أحد الكذابين الكبار الذين اعترفوا بوضع الحديث والله أعلم.
فان قيل فكيف دل الحديث المتفق عليه أنهم فداء المؤمنين يوم القيامة وأنهم في النار ولم يبعث اليهم رسل. وقد قال الله تعالى ﴿وَما كُنّا مُعَذِّبِينَ حَتّى نَبْعَثَ رَسُولاً﴾ فالجواب أنهم لا يعذبون إلا بعد قيام الحجة عليهم والاعذار اليهم كما قال تعالى ﴿وَما كُنّا مُعَذِّبِينَ حَتّى نَبْعَثَ رَسُولاً﴾ فان كانوا في زمن
стр. 449
الّذي قبل بعث محمد ﷺ قد أتتهم رسل منهم فقد قامت على أولئك الحجة وان لم يكن قد بعث الله اليهم رسلا فهم في حكم أهل الفترة. ومن لم تبلغه الدعوة وقد دل
الحديث المروي من طرق عن جماعة من الصحابة عن رسول الله ﷺ (ان من كان كذلك يمتحن في عرصات القيامة فمن أجاب الداعي دخل الجنة ومن أبى دخل النار) وقد أوردنا الحديث بطرقه وألفاظه وكلام الائمة عليه عند قوله ﴿وَما كُنّا مُعَذِّبِينَ حَتّى نَبْعَثَ رَسُولاً﴾ وقد حكاه الشيخ أبو الحسن الأشعري إجماعا عن أهل السنة والجماعة وامتحانهم لا يقتضي نجاتهم ولا ينافي الأخبار عنهم بأنهم من أهل النار لأن الله يطلع رسوله ﷺ على ما يشاء من أمر الغيب وقد اطلعه على أن هؤلاء من أهل الشقاء وأن سجاياهم تأبى قبول الحق والانقياد له فهم لا يجيبون الداعي الى يوم القيامة فيعلم من هذا أنهم كانوا أشد تكذيبا للحق في الدنيا لو بلغهم فيها لأن في عرصات القيامة ينقاد خلق ممن كان مكذبا في الدنيا فإيقاع الايمان هناك لما يشاهد من الأهوال أولى وأحرى منه في الدنيا والله أعلم. كما قال تعالى ﴿وَلَوْ تَرى إِذِ الْمُجْرِمُونَ ناكِسُوا رُؤُسِهِمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ رَبَّنا أَبْصَرْنا وَسَمِعْنا فَارْجِعْنا نَعْمَلْ صالِحاً إِنّا مُوقِنُونَ﴾ وقال تعالى ﴿أَسْمِعْ بِهِمْ وَأَبْصِرْ يَوْمَ يَأْتُونَنا﴾ * وأما الحديث الّذي فيه أن رسول الله ﷺ دعاهم ليلة الاسراء فلم يجيبوا فإنه حديث منكر بل موضوع وضعه عمرو بن الصبح.
وأما السد فقد تقدم أن ذا القرنين بناه من الحديد والنحاس وساوى به الجبال الصم الشامخات الطوال فلا يعرف على وجه الأرض بناء أجل منه ولا أنفع للخلق منه في أمر دنياهم.
قال البخاري وقال رجل للنّبيّ ﷺ رأيت السد قال وكيف رأيته قال مثل البرد المحبر فقال رأيته هكذا. ذكره البخاري معلقا بصيغة الجزم ولم أره مسندا من وجه متصل أرتضيه غير أن
ابن جرير رواه في تفسيره مرسلا فقال حدثنا بشر حدثنا يزيد حدثنا سعيد عن قتادة قال ذكر لنا أن رجلا قال (يا رسول الله قد رأيت سد يأجوج ومأجوج قال انعته لي قال كالبرد المحبر طريقة سوداء وطريقة حمراء قال قد رأيته.
وقد ذكر أن الخليفة الواثق بعث رسلا من جهته وكتب لهم كتبا إلى الملوك يوصلونهم من بلاد إلى بلاد حتى ينهوا إلى السد فيكشفوا عن خبره وينظروا كيف بناه ذو القرنين على أي صفة فلما رجعوا أخبروا عن صفته وأن فيه بابا عظيما وعليه أقفال وأنه بناء محكم شاهق منيف جدا وأن بقية اللبن الحديد والآلات في برج هناك وذكروا أنه لا يزال هناك حرس لتلك الملوك المتاخمة لتلك البلاد ومحلته في شرقى الأرض في جهة الشمال في زاوية الأرض الشرقية الشمالية ويقال ان بلادهم متسعة جدا وانهم يقتاتون بأصناف من المعايش من حراثة وزراعة واصطياد من البر ومن البحر وهم أمم وخلق لا يعلم عددهم إلا الّذي خلقهم.
فان قيل فما الجمع بين قوله تعالى ﴿فَمَا اِسْطاعُوا أَنْ يَظْهَرُوهُ وَمَا اِسْتَطاعُوا لَهُ نَقْباً﴾ وبين الحديث الّذي
رواه البخاري ومسلم عن زينب بنت جحش أم المؤمنين ﵂ قالت استيقظ رسول الله ﷺ
стр. 450
من نوم محمرا وجهه وهو يقول (لا إله إلا الله ويل للعرب من شر قد اقترب فتح اليوم من ردم يأجوج ومأجوج مثل هذه وحلق تسعين) قلت يا رسول الله أنهلك وفينا الصالحون قال نعم إذا كثر الخبث.
وأخرجاه في الصحيحين من حديث وهيب عن ابن طاوس عن أبيه عن أبى هريرة قال قال رسول الله ﷺ (فتح اليوم من ردم يأجوج ومأجوج مثل هذا وعقد تسعين). فالجواب أما على قول من ذهب الى أن هذا اشارة إلى فتح أبواب الشر والفتن وان هذا استعارة محضة وضرب مثل فلا إشكال. واما على قول من جعل ذلك اخبارا عن امر محسوس كما هو الظاهر المتبادر فلا إشكال أيضا لان قوله ﴿فَمَا اِسْطاعُوا أَنْ يَظْهَرُوهُ وَمَا اِسْتَطاعُوا لَهُ نَقْباً﴾ أي في ذلك الزمان لأن هذه صيغة خبر ماض فلا ينفى وقوعه فيما يستقبل باذن الله لهم في ذلك قدرا وتسليطهم عليه بالتدريج قليلا قليلا حتى يتم الأجل وينقضي الأمر المقدور فيخرجون كما قال الله تعالى ﴿وَهُمْ مِنْ كُلِّ حَدَبٍ يَنْسِلُونَ﴾ ولكن الحديث الآخر أشكل من هذا وهو ما
رواه الامام أحمد في مسندة قائلا حدثنا روح حدثنا سعيد بن أبى عروبة عن قتادة حدثنا أبو رافع عن أبى هريرة عن رسول الله ﷺ قال (ان يأجوج ومأجوج ليحفرون السد كل يوم حتى إذا كادوا يرون شعاع الشمس قال الّذي عليهم ارجعوا فستحفرونه غدا فيعودون اليه كأشد ما كان حتى إذا بلغت مدتهم وأراد الله أن يبعثهم على الناس حفروا حتى إذا كادوا يرون شعاع الشمس قال الّذي عليهم ارجعوا فستحفرون غدا إن شاء الله ويستثنى فيعودون اليه وهو كهيئة يوم تركوه فيحفرونه ويخرجون على الناس فيستقون المياه وتتحصن الناس في حصونهم فيرمون بسهامهم الى السماء فترجع وعليها كهيئة الدم فيقولون قهرنا أهل الأرض وعلونا أهل السماء فيبعث الله عليهم نغفا في اقفائهم فيقتلهم بها. قال رسول الله ﷺ (والّذي نفس محمد بيده إن دواب الأرض لتسمن وتشكر شكرا من لحومهم ودمائهم ورواه احمد أيضا عن حسن بن موسى عن سفيان عن قتادة به وهكذا رواه ابن ماجة من حديث سعيد عن قتادة الا أنه قال حديث أبو رافع ورواه الترمذي من حديث أبى عوانة عن قتادة به. ثم قال غريب لا نعرفه إلا من هذا الوجه فقد أخبر في هذا الحديث أنهم كل يوم يلحسونه حتى يكادوا ينذرون شعاع الشمس من ورائه لرقته فان لم يكن رفع هذا الحديث محفوظا وانما هو مأخوذ عن كعب الأحبار كما قاله بعضهم فقد استرحنا من المؤنة وان كان محفوظا فيكون محمولا على أن ضيعهم هذا يكون في آخر الزمان عند اقتراب خروجهم كما هو المروي عن كعب الأحبار أو يكون المراد بقوله ﴿وَمَا اِسْتَطاعُوا لَهُ نَقْباً﴾ أي نافذا منه فلا ينفى أن يلحسوه ولا ينفذوه والله أعلم وعلى هذا فيمكن الجمع بين هذا وبين ما في الصحيحين عن أبى هريرة فتح اليوم من ردم يأجوج ومأجوج مثل هذه وعقد تسعين أي فتح فتحا نافذا فيه والله أعلم *
стр. 451
قصة أصحاب الكهف
قال الله تعالى ﴿أَمْ حَسِبْتَ أَنَّ أَصْحابَ الْكَهْفِ وَالرَّقِيمِ كانُوا مِنْ آياتِنا عَجَباً * إِذْ أَوَى الْفِتْيَةُ إِلَى الْكَهْفِ فَقالُوا رَبَّنا آتِنا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً وَهَيِّئْ لَنا مِنْ أَمْرِنا رَشَداً * فَضَرَبْنا عَلَى آذانِهِمْ فِي الْكَهْفِ سِنِينَ عَدَداً * ثُمَّ بَعَثْناهُمْ لِنَعْلَمَ أَيُّ الْحِزْبَيْنِ أَحْصى لِما لَبِثُوا أَمَداً * نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ نَبَأَهُمْ بِالْحَقِّ إِنَّهُمْ فِتْيَةٌ آمَنُوا بِرَبِّهِمْ وَزِدْناهُمْ هُدىً * وَرَبَطْنا عَلى قُلُوبِهِمْ إِذْ قامُوا فَقالُوا رَبُّنا رَبُّ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ لَنْ نَدْعُوَا مِنْ دُونِهِ إِلهاً لَقَدْ قُلْنا إِذاً شَطَطاً * هؤُلاءِ قَوْمُنَا اِتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ آلِهَةً لَوْلا يَأْتُونَ عَلَيْهِمْ بِسُلْطانٍ بَيِّنٍ فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ اِفْتَرى عَلَى اللهِ كَذِباً * وَإِذِ اِعْتَزَلْتُمُوهُمْ وَما يَعْبُدُونَ إِلاَّ اللهَ فَأْوُوا إِلَى الْكَهْفِ يَنْشُرْ لَكُمْ رَبُّكُمْ مِنْ رَحْمَتِهِ وَيُهَيِّئْ لَكُمْ مِنْ أَمْرِكُمْ مِرْفَقاً * وَتَرَى الشَّمْسَ إِذا طَلَعَتْ تَزاوَرُ عَنْ كَهْفِهِمْ ذاتَ الْيَمِينِ وَإِذا غَرَبَتْ تَقْرِضُهُمْ ذاتَ الشِّمالِ وَهُمْ فِي فَجْوَةٍ مِنْهُ ذلِكَ مِنْ آياتِ اللهِ مَنْ يَهْدِ اللهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِ وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ وَلِيًّا مُرْشِداً * وَتَحْسَبُهُمْ أَيْقاظاً وَهُمْ رُقُودٌ وَنُقَلِّبُهُمْ ذاتَ الْيَمِينِ وَذاتَ الشِّمالِ وَكَلْبُهُمْ باسِطٌ ذِراعَيْهِ بِالْوَصِيدِ لَوِ اِطَّلَعْتَ عَلَيْهِمْ لَوَلَّيْتَ مِنْهُمْ فِراراً وَلَمُلِئْتَ مِنْهُمْ رُعْباً * وَكَذلِكَ بَعَثْناهُمْ لِيَتَساءَلُوا بَيْنَهُمْ قالَ قائِلٌ مِنْهُمْ كَمْ لَبِثْتُمْ قالُوا لَبِثْنا يَوْماً أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ. قالُوا رَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِما لَبِثْتُمْ فَابْعَثُوا أَحَدَكُمْ بِوَرِقِكُمْ هذِهِ إِلَى الْمَدِينَةِ فَلْيَنْظُرْ أَيُّها أَزْكى طَعاماً فَلْيَأْتِكُمْ بِرِزْقٍ مِنْهُ وَلْيَتَلَطَّفْ وَلا يُشْعِرَنَّ بِكُمْ أَحَداً * إِنَّهُمْ إِنْ يَظْهَرُوا عَلَيْكُمْ يَرْجُمُوكُمْ أَوْ يُعِيدُوكُمْ فِي مِلَّتِهِمْ وَلَنْ تُفْلِحُوا إِذاً أَبَداً * وَكَذلِكَ أَعْثَرْنا عَلَيْهِمْ لِيَعْلَمُوا أَنَّ وَعْدَ اللهِ حَقٌّ وَأَنَّ السّاعَةَ لا رَيْبَ فِيها إِذْ يَتَنازَعُونَ بَيْنَهُمْ أَمْرَهُمْ فَقالُوا اِبْنُوا عَلَيْهِمْ بُنْياناً رَبُّهُمْ أَعْلَمُ بِهِمْ قالَ الَّذِينَ غَلَبُوا عَلى أَمْرِهِمْ لَنَتَّخِذَنَّ عَلَيْهِمْ مَسْجِداً * سَيَقُولُونَ ثَلاثَةٌ رابِعُهُمْ كَلْبُهُمْ وَيَقُولُونَ خَمْسَةٌ سادِسُهُمْ كَلْبُهُمْ رَجْماً بِالْغَيْبِ. وَيَقُولُونَ سَبْعَةٌ وَثامِنُهُمْ كَلْبُهُمْ. قُلْ رَبِّي أَعْلَمُ بِعِدَّتِهِمْ ما يَعْلَمُهُمْ إِلاّ قَلِيلٌ فَلا تُمارِ فِيهِمْ إِلاّ مِراءً ظاهِراً وَلا تَسْتَفْتِ فِيهِمْ مِنْهُمْ أَحَداً * وَلا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فاعِلٌ ذلِكَ غَداً * إِلاّ أَنْ يَشاءَ اللهُ وَاُذْكُرْ رَبَّكَ إِذا نَسِيتَ وَقُلْ عَسى أَنْ يَهْدِيَنِ رَبِّي لِأَقْرَبَ مِنْ هذا رَشَداً * وَلَبِثُوا فِي كَهْفِهِمْ ثَلاثَ مِائَةٍ سِنِينَ وَاِزْدَادُوا تِسْعاً * قُلِ اللهُ أَعْلَمُ بِما لَبِثُوا لَهُ غَيْبُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ أَبْصِرْ بِهِ وَأَسْمِعْ ما لَهُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلا يُشْرِكُ فِي حُكْمِهِ أَحَداً﴾ كان سبب نزول قصة أصحاب الكهف وخبر ذي القرنين ما ذكره محمد بن إسحاق في السيرة وغيره ان قريشا بعثوا الى اليهود يسألونهم عن أشياء يمتحنون بها رسول الله ﷺ ويسألونه عنها ليختبروا ما يجيب به فيها فقالوا سلوه عن أقوام ذهبوا في الدهر فلا يدرى ما صنعوا وعن رجل طواف في الأرض وعن الروح فأنزل الله تعالى ﴿وَيَسْئَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ﴾. ﴿وَيَسْئَلُونَكَ عَنْ ذِي الْقَرْنَيْنِ﴾ وقال هاهنا ﴿أَمْ حَسِبْتَ أَنَّ أَصْحابَ الْكَهْفِ وَالرَّقِيمِ كانُوا مِنْ آياتِنا عَجَباً﴾ أي ليسوا بعجب عظيم بالنسبة الى ما أطلعناك عليه من الاخبار العظيمة والآيات الباهرة والعجائب الغريبة. والكهف هو الغار في الجبل. قال شعيب الجبائي
стр. 452
واسم كهفهم حيزم وأما الرقيم فعن ابن عباس أنه قال لا أدرى ما المراد به. وقيل هو الكتاب المرقوم فيه أسماؤهم وما جرى لهم كتب من بعدهم اختاره ابن جرير وغيره. وقيل هو اسم الجبل الّذي فيه كهفهم.
قال ابن عباس وشعيب الجبائي واسمه بناجلوس. وقيل هو اسم واد عند كهفهم وقيل اسم قرية هنالك والله أعلم.
قال شعيب الجبائي واسم كلبهم حمران واعتناء اليهود بأمرهم ومعرفة خبرهم يدل على أن زمانهم متقدم على ما ذكره بعض المفسرين انهم كانوا بعد المسيح وانهم كانوا نصارى. والظاهر من السياق أن قومهم كانوا مشركين يعبدون الأصنام. قال كثير من المفسرين والمؤرخين وغيرهم كانوا في زمن ملك يقال له دقيانوس وكانوا من أبناء الأكابر. وقيل من أبناء الملوك واتفق اجتماعهم في يوم عيد لقومهم فرأوا ما يتعاطاه قومهم من السجود للأصنام والتعظيم للأوثان فنظروا بعين البصيرة وكشف الله عن قلوبهم حجاب الغفلة والهمهم رشدهم فعلموا أن قومهم ليسوا على شيء فخرجوا عن دينهم وانتموا الى عبادة الله وحده لا شريك له. ويقال إن كل واحد منهم لما أوقع الله في نفسه ما هداه اليه من التوحيد انحاز عن الناس واتفق اجتماع هؤلاء الفتية في مكان واحد كما صح في البخاري (الأرواح جنود مجندة فما تعارف منها ائتلف وما تناكر منها اختلف) فكل منهم سأل الآخر عن امره وعن شأنه فأخبره ما هو عليه واتفقوا على الانحياز عن قومهم والتبري منهم والخروج من بين أظهرهم والفرار بدينهم منهم وهو المشروع حال الفتن وظهور الشرور. قال الله تعالى ﴿نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ نَبَأَهُمْ بِالْحَقِّ إِنَّهُمْ فِتْيَةٌ آمَنُوا بِرَبِّهِمْ وَزِدْناهُمْ هُدىً * وَرَبَطْنا عَلى قُلُوبِهِمْ إِذْ قامُوا فَقالُوا رَبُّنا رَبُّ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ لَنْ نَدْعُوَا مِنْ دُونِهِ إِلهاً لَقَدْ قُلْنا إِذاً شَطَطاً * هؤُلاءِ قَوْمُنَا اِتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ آلِهَةً لَوْلا يَأْتُونَ عَلَيْهِمْ بِسُلْطانٍ بَيِّنٍ﴾ أي بدليل ظاهر على ما ذهبوا اليه وصاروا من الأمر عليه ﴿فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ اِفْتَرى عَلَى اللهِ كَذِباً * وَإِذِ اِعْتَزَلْتُمُوهُمْ وَما يَعْبُدُونَ إِلاَّ اللهَ﴾ أي وإذ فارقتموهم في دينهم وتبرأتم مما يعبدون من دون الله وذلك لانهم كانوا يشركون مع الله كما قال الخليل ﴿إِنَّنِي بَراءٌ مِمّا تَعْبُدُونَ * إِلاَّ الَّذِي فَطَرَنِي فَإِنَّهُ سَيَهْدِينِ﴾ وهكذا هؤلاء الفتية قال بعضهم إذ قد فارقتم قومكم في دينهم فاعتزلوهم بأبدانكم لتسلموا منهم أن يوصلوا إليكم شرا ﴿فَأْوُوا إِلَى الْكَهْفِ يَنْشُرْ لَكُمْ رَبُّكُمْ مِنْ رَحْمَتِهِ وَيُهَيِّئْ لَكُمْ مِنْ أَمْرِكُمْ مِرْفَقاً﴾ أي يسبل عليكم ستره وتكونوا تحت حفظه وكنفه ويجعل عاقبة أمركم الى خير كما جاء في الحديث (اللهمّ أحسن عاقبتنا في الأمور كلها وأجرنا من خزي الدنيا ومن عذاب الآخرة). ثم ذكر تعالى صفة الغار الّذي آووا اليه وان بابه موجه الى نحو الشمال وأعماقه الى جهة القبلة وذلك أنفع الأماكن أن يكون المكان قبليا وبابه نحو الشمال فقال ﴿وَتَرَى الشَّمْسَ إِذا طَلَعَتْ تَزاوَرُ﴾ وقرئ تزوّر ﴿عَنْ كَهْفِهِمْ ذاتَ الْيَمِينِ وَإِذا غَرَبَتْ تَقْرِضُهُمْ ذاتَ الشِّمالِ﴾ فأخبر ان الشمس يعنى في زمن الصيف وأشباهه تشرق أول طلوعها في الغار في جانبه الغربي ثم تشرع في
стр. 453
الخروج منه قليلا قليلا وهو ازورارها ذات اليمين فترتفع في جو السماء وتتقلص عن باب الغار ثم إذا تضيفت للغروب تشرع في الدخول فيه من جهته الشرقية قليلا قليلا الى حين الغروب كما هو المشاهد بمثل هذا المكان والحكمة في دخول الشمس اليه في بعض الأحيان أن لا يفسد هواؤه ﴿وَهُمْ فِي فَجْوَةٍ مِنْهُ ذلِكَ مِنْ آياتِ اللهِ﴾ أي بقاؤهم على هذه الصفة دهرا طويلا من السنين لا يأكلون ولا يشربون ولا تتغذى أجسادهم في هذه المدة الطويلة من آيات الله وبرهان قدرته العظيمة ﴿مَنْ يَهْدِ اللهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِ وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ وَلِيًّا مُرْشِداً * وَتَحْسَبُهُمْ أَيْقاظاً وَهُمْ رُقُودٌ﴾ قال بعضهم لان أعينهم مفتوحة لئلا تفسد بطول الغمض ﴿وَنُقَلِّبُهُمْ ذاتَ الْيَمِينِ وَذاتَ الشِّمالِ﴾ قيل في كل عام يتحولون مرة من جنب الى جنب ويحتمل أكثر من ذلك فالله أعلم ﴿وَكَلْبُهُمْ باسِطٌ ذِراعَيْهِ بِالْوَصِيدِ﴾ قال شعيب الجبائي اسم كلبهم حمران وقال غيره الوصيد اسكفة الباب. والمراد أن كلبهم الّذي كان معهم وصحبهم حال انفرادهم من قومهم لزمهم ولم يدخل معهم في الكهف بل ربض على بابه ووضع يديه على الوصيد وهذا من جملة أدبه ومن جملة ما أكرموا به فان الملائكة لا تدخل بيتا فيه كلب ولما كانت التبعية مؤثرة حتى كان في كلب هؤلاء صار باقيا معهم ببقائهم لأن من أحب قوما سعد بهم فإذا كان هذا في حق كلب فما ظنك بمن تبع أهل الخير وهو أهل للإكرام. وقد ذكر كثير من القصاص والمفسرين لهذا الكلب نبأ وخبرا طويلا أكثره متلقى من الإسرائيليات وكثير منها كذب ومما لا فائدة فيه كاختلافهم في اسمه ولونه.
واما اختلاف العلماء في محلة هذا الكهف فقال كثيرون هو بأرض ايلة. وقيل بأرض نينوى. وقيل بالبلقاء وقيل ببلاد الروم وهو أشبه والله أعلم. ولما ذكر الله تعالى ما هو الانفع من خبرهم والأهم من أمرهم ووصف حالهم حتى كأن السامع راء والمخبر مشاهد لصفة كهفهم وكيفيتهم في ذلك الكهف وتقلبهم من جنب الى جنب وان كلبهم باسط ذراعيه بالوصيد. قال ﴿لَوِ اِطَّلَعْتَ عَلَيْهِمْ لَوَلَّيْتَ مِنْهُمْ فِراراً وَلَمُلِئْتَ مِنْهُمْ رُعْباً﴾ أي لما عليهم من المهابة والجلالة في أمرهم الّذي صاروا اليه ولعل الخطاب هاهنا لجنس الإنسان المخاطب لا بخصوصية الرسول ﷺ كقوله ﴿فَما يُكَذِّبُكَ بَعْدُ بِالدِّينِ﴾ أي أيها الإنسان وذلك لان طبيعة البشرية تفر من رؤية الأشياء المهيبة غالبا ولهذا قال ﴿لَوِ اِطَّلَعْتَ عَلَيْهِمْ لَوَلَّيْتَ مِنْهُمْ فِراراً وَلَمُلِئْتَ مِنْهُمْ رُعْباً﴾ ودل على أن الخبر ليس كالمعاينة كما جاء في الحديث لان الخبر قد حصل ولم يحصل الفرار ولا الرعب. ثم ذكر تعالى انه بعثهم من رقدتهم بعد نومهم بثلاثمائة سنة وتسع سنين فلما استيقظوا قال بعضهم لبعض ﴿كَمْ لَبِثْتُمْ قالُوا لَبِثْنا يَوْماً أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ قالُوا رَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِما لَبِثْتُمْ فَابْعَثُوا أَحَدَكُمْ بِوَرِقِكُمْ هذِهِ إِلَى الْمَدِينَةِ﴾ أي بدراهمكم هذه يعنى التي معهم الى المدينة ويقال كان اسمها دفسوس ﴿فَلْيَنْظُرْ أَيُّها أَزْكى طَعاماً﴾ أي أطيب مالا ﴿فَلْيَأْتِكُمْ بِرِزْقٍ مِنْهُ﴾ أي بطعام تأكلونه وهذا من زهدهم
стр. 454
وورعهم ﴿وَلْيَتَلَطَّفْ﴾ أي في دخوله اليها ﴿وَلا يُشْعِرَنَّ بِكُمْ أَحَداً * إِنَّهُمْ إِنْ يَظْهَرُوا عَلَيْكُمْ يَرْجُمُوكُمْ أَوْ يُعِيدُوكُمْ فِي مِلَّتِهِمْ وَلَنْ تُفْلِحُوا إِذاً أَبَداً﴾ أي ان عدتم في ملتهم بعد إذ أنقذكم الله منها وهذا كله لظنهم انهم رقدوا يوما أو بعض يوم أو أكثر من ذلك ولم يحسبوا انهم قد رقدوا أزيد من ثلاثمائة سنة وقد تبدلت الدول أطوارا عديدة وتغيرت البلاد ومن عليها وذهب أولئك القرن الذين كانوا فيهم وجاء غيرهم وذهبوا وجاء غيرهم ولهذا لما خرج أحدهم وهو تيذوسيس (١) فيما قيل وجاء الى المدينة متنكرا لئلا يعرفه أحد من قومه فيما يحسبه تنكرت له البلاد واستنكره من يراه من أهلها واستغربوا شكله وصفته ودراهمه فيقال انهم حملوه الى متوليهم وخافوا من أمره أن يكون جاسوسا أو تكون له صولة يخشون من مضرتها فيقال انه هرب منهم ويقال بل أخبرهم خبره ومن معه وما كان من أمرهم فانطلقوا معه ليريهم مكانهم فلما قربوا من الكهف دخل الى إخوانه فأخبرهم حقيقة أمرهم ومقدار ما رقدوا فعلموا أن هذا أمر قدره الله فيقال انهم استمروا راقدين ويقال بل ماتوا بعد ذلك.
وأما أهل البلدة فيقال انهم لم يهتدوا الى موضعهم من الغار وعمى الله عليهم أمرهم ويقال لم يستطيعوا دخوله حسا (٢) ويقال مهابة لهم.
واختلفوا في أمرهم فقائلون يقولون ﴿اِبْنُوا عَلَيْهِمْ بُنْياناً﴾ أي سدوا عليهم باب الكهف لئلا يخرجوا أو لئلا يصل اليهم ما يؤذيهم وآخرون وهم الغالبون على أمرهم قالوا ﴿لَنَتَّخِذَنَّ عَلَيْهِمْ مَسْجِداً﴾ أي معبدا يكون مباركا لمجاورته هؤلاء الصالحين. وهذا كان شائعا فيمن كان قبلنا فاما في شرعنا فقد ثبت
في الصحيحين عن رسول الله ﷺ أنه قال (لعن الله اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد) يخذر ما فعلوا وأما قوله ﴿وَكَذلِكَ أَعْثَرْنا عَلَيْهِمْ لِيَعْلَمُوا أَنَّ وَعْدَ اللهِ حَقٌّ وَأَنَّ السّاعَةَ لا رَيْبَ فِيها﴾ فمعنى أعثرنا أطلعنا على أمرهم الناس. قال كثير من المفسرين ليعلم الناس أن المعاد حق وان الساعة لا ريب فيها إذا علموا أن هؤلاء القوم رقدوا أزيد من ثلاثمائة سنة ثم قاموا كما كانوا من غير تغير منهم فان من أبقاهم كما هم قادر على اعادة الأبدان وان أكلتها الديدان وعلى إحياء الأموات وان صارت أجسامهم وعظامهم رفاتا وهذا مما لا يشك فيه المؤمنون ﴿إِنَّما أَمْرُهُ إِذا أَرادَ شَيْئاً أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾. هذا ويحتمل عود الضمير في قوله ليعلموا الى أصحاب الكهف إذ علمهم بذلك من أنفسهم ابلغ من علم غيرهم بهم ويحتمل أن يعود على الجميع والله أعلم. ثم قال تعالى ﴿سَيَقُولُونَ ثَلاثَةٌ رابِعُهُمْ كَلْبُهُمْ وَيَقُولُونَ خَمْسَةٌ سادِسُهُمْ كَلْبُهُمْ رَجْماً بِالْغَيْبِ وَيَقُولُونَ سَبْعَةٌ وَثامِنُهُمْ كَلْبُهُمْ﴾ فذكر اختلاف الناس في كميتهم فحكى ثلاثة أقوال وضعف الأولين وقرر الثالث فدل على انه الحق إذ لو قيل غير ذلك لحكاه ولو لم يكن هذا الثالث هو الصحيح
стр. 455
لوهاه فدل على ما قلناه ولما كان النزاع في مثل هذا لا طائل تحته ولا جدوى عنده أرشد نبيه ﷺ الى الأدب في مثل هذا الحال إذا اختلف الناس فيه أن يقول الله أعلم. ولهذا قال ﴿قُلْ رَبِّي أَعْلَمُ بِعِدَّتِهِمْ﴾ وقوله ﴿ما يَعْلَمُهُمْ إِلاّ قَلِيلٌ﴾ أي من الناس فلا تمار فيهم إلا مراء ظاهرا) أي سهلا ولا تتكلف اعمال الجدال في مثل هذا الحال ولا تستفت في أمرهم أحدا من الرجال ولهذا أبهم تعالى عدتهم في أول القصة فقال ﴿إِنَّهُمْ فِتْيَةٌ آمَنُوا بِرَبِّهِمْ﴾ ولو كان في تعين عدتهم كبير فائدة لذكرها عالم الغيب والشهادة وقوله تعالى ﴿وَلا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فاعِلٌ ذلِكَ غَداً * إِلاّ أَنْ يَشاءَ اللهُ وَاُذْكُرْ رَبَّكَ إِذا نَسِيتَ وَقُلْ عَسى أَنْ يَهْدِيَنِ رَبِّي لِأَقْرَبَ مِنْ هذا رَشَداً﴾ أدب عظيم أرشده الله تعالى اليه وحث خلقه عليه وهو ما إذا قال أحدهم انى سأفعل في المستقبل كذا فيشرع له ان يقول ان شاء الله ليكون ذلك تحقيقا لعزمه لان العبد لا يعلم ما في غد ولا يدرى أهذا الّذي عزم عليه مقدر أم لا وليس هذا الاستثناء تعليقا وانما هو الحقيقي ولهذا قال ابن عباس يصح الى سنة ولكن قد يكون في بعض المحال لهذا ولهذا كما تقدم في قصة سليمان ﵇ حين قال لأطوفن الليلة على سبعين امرأة تلد كل واحدة منهن غلاما يقاتل في سبيل الله فقيل له قل ان شاء الله فلم يقل فطاف فلم تلد منهن إلا امرأة واحدة نصف إنسان
قال رسول الله ﷺ والّذي نفسي بيده لو قال ان شاء الله لم يحنث وكان دركا لحاجته. وقوله ﴿وَاُذْكُرْ رَبَّكَ إِذا نَسِيتَ﴾ وذلك لان النسيان قد يكون من الشيطان فذكر الله يطرده عن القلب فيذكر ما كان قد نسيه. وقوله ﴿وَقُلْ عَسى أَنْ يَهْدِيَنِ رَبِّي لِأَقْرَبَ مِنْ هذا رَشَداً﴾ أي إذا اشتبه أمر وأشكل حال والتبس أقوال الناس في شيء فارغب إلى الله ييسره لك ويسهله عليك ثم قال ﴿وَلَبِثُوا فِي كَهْفِهِمْ ثَلاثَ مِائَةٍ سِنِينَ وَاِزْدَادُوا تِسْعاً﴾. لما كان في الاخبار بطول مدة لبثهم فائدة عظيمة ذكرها تعالى وهذه التسع المزيدة بالقمرية وهي لتكميل ثلاثمائة شمسية فان كل مائة قمرية تنقص عن الشمسية ثلاث سنين ﴿قُلِ اللهُ أَعْلَمُ بِما لَبِثُوا﴾ أي إذا سئلت عن مثل هذا وليس عندك في ذلك نقل فرد الأمر في ذلك الى الله ﴿لَهُ غَيْبُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ﴾ أي هو العالم بالغيب فلا يطلع عليه إلا من شاء من خلقه ﴿أَبْصِرْ بِهِ وَأَسْمِعْ﴾ يعنى أنه يضع الأشياء في محالها لعلمه التام بخلقه وبما يستحقونه ثم قال ﴿ما لَهُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلا يُشْرِكُ فِي حُكْمِهِ أَحَداً﴾ أي ربك المنفرد بالملك والمنصرف وحده لا شريك له.
قصة الرجلين المؤمن والكافر
قال الله تعالى في سورة الكهف بعد قصة أهل الكهف ﴿وَاِضْرِبْ لَهُمْ مَثَلاً رَجُلَيْنِ جَعَلْنا لِأَحَدِهِما جَنَّتَيْنِ مِنْ أَعْنابٍ وَحَفَفْناهُما بِنَخْلٍ وَجَعَلْنا بَيْنَهُما زَرْعاً * كِلْتَا الْجَنَّتَيْنِ آتَتْ أُكُلَها وَلَمْ تَظْلِمْ مِنْهُ شَيْئاً وَفَجَّرْنا خِلالَهُما نَهَراً * وَكانَ لَهُ ثَمَرٌ فَقالَ لِصاحِبِهِ وَهُوَ يُحاوِرُهُ أَنَا أَكْثَرُ مِنْكَ مالاً وَأَعَزُّ نَفَراً * وَدَخَلَ جَنَّتَهُ﴾
стр. 456
وَهُوَ ظالِمٌ لِنَفْسِهِ قالَ ما أَظُنُّ أَنْ تَبِيدَ هذِهِ أَبَداً * وَما أَظُنُّ السّاعَةَ قائِمَةً وَلَئِنْ رُدِدْتُ إِلى رَبِّي لَأَجِدَنَّ خَيْراً مِنْها مُنْقَلَباً) إلى قوله ﴿هُنالِكَ الْوَلايَةُ لِلّهِ الْحَقِّ هُوَ خَيْرٌ ثَواباً وَخَيْرٌ عُقْباً﴾. قال بعض الناس هذا مثل مضروب ولا يلزم أن يكون واقعا والجمهور أنه أمر قد وقع وقوله ﴿وَاِضْرِبْ لَهُمْ مَثَلاً﴾ يعنى لكفار قريش في عدم اجتماعهم بالضعفاء والفقراء وازدرائهم بهم وافتخارهم عليهم كما قال تعالى ﴿وَاِضْرِبْ لَهُمْ مَثَلاً أَصْحابَ الْقَرْيَةِ إِذْ جاءَهَا الْمُرْسَلُونَ﴾ كما قدمنا الكلام على قصتهم قبل قصة موسى ﵇ والمشهور أن هذين كانا رجلين مصطحبين وكان أحدهما مؤمنا والآخر كافرا ويقال إنه كان لكل منهما مال فأنفق المؤمن ماله في طاعة الله ومرضاته ابتغاء وجهه * وأما الكافر فإنه اتخذ له بساتين وهما الجنتان المذكورتان في الآية على الصفة والنعت المذكور. فيهما أعناب ونخيل تحف تلك الأعناب والزروع في ذلك والأنهار سارحة هاهنا وهاهنا للسقي والتنزه وقد استوثقت فيهما الثمار واضطربت فيهما الأنهار وابتهجت الزروع والثمار وافتخر مالكهما على صاحبه المؤمن الفقير قائلا له ﴿أَنَا أَكْثَرُ مِنْكَ مالاً وَأَعَزُّ نَفَراً﴾ أي أوسع جنانا. ومراده انه خير منه ومعناه ماذا أغنى عنك إنفاقك ما كنت تملكه في الوجه الّذي صرفته فيه كان الأولى بك أن تفعل كما فعلت لتكون مثلي فافتخر على صاحبه ﴿وَدَخَلَ جَنَّتَهُ وَهُوَ ظالِمٌ لِنَفْسِهِ﴾ أي وهو على غير طريقة مرضية قال ﴿ما أَظُنُّ أَنْ تَبِيدَ هذِهِ أَبَداً﴾ وذلك لما رأى من اتساع أرضها وكثرة مائها وحسن نبات أشجارها ولو قد بادت كل واحدة من هذه الأشجار لاستخلف مكانها أحسن منها وزروعها دارّة لكثرة مياهها. ثم قال ﴿وَما أَظُنُّ السّاعَةَ قائِمَةً﴾ فوثق بزهرة الحياة الدنيا الفانية وكذب بوجود الآخرة الباقية الدائمة. ثم قال ﴿وَلَئِنْ رُدِدْتُ إِلى رَبِّي لَأَجِدَنَّ خَيْراً مِنْها مُنْقَلَباً﴾ أي ولئن كان ثم آخرة ومعاد فلأجدن هناك خيرا من هذا وذلك لانه اغتر بدنياه واعتقد أن الله لم يعطه ذلك فيها إلا لحبه له وحظوته عنده كما قال العاص بن وائل فيما قص الله من خبره وخبر خباب بن الأرت في قوله ﴿أَفَرَأَيْتَ الَّذِي كَفَرَ بِآياتِنا﴾ وقال ﴿لَأُوتَيَنَّ مالاً وَوَلَداً * أَطَّلَعَ الْغَيْبَ أَمِ اِتَّخَذَ عِنْدَ الرَّحْمنِ عَهْداً﴾ وقال تعالى اخبارا عن الإنسان إذا أنعم الله عليه ﴿لَيَقُولَنَّ هذا لِي وَما أَظُنُّ السّاعَةَ قائِمَةً وَلَئِنْ رُجِعْتُ إِلى رَبِّي إِنَّ لِي عِنْدَهُ لَلْحُسْنى﴾ قال الله تعالى ﴿فَلَنُنَبِّئَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِما عَمِلُوا وَلَنُذِيقَنَّهُمْ مِنْ عَذابٍ غَلِيظٍ﴾ وقال قارون ﴿إِنَّما أُوتِيتُهُ عَلى عِلْمٍ عِنْدِي﴾ أي لعلم الله بى أنى أستحقه قال الله تعالى ﴿أَوَلَمْ يَعْلَمْ أَنَّ اللهَ قَدْ أَهْلَكَ مِنْ قَبْلِهِ مِنَ الْقُرُونِ مَنْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُ قُوَّةً وَأَكْثَرُ جَمْعاً وَلا يُسْئَلُ عَنْ ذُنُوبِهِمُ الْمُجْرِمُونَ﴾ وقد قدمنا الكلام على قصته في أثناء قصة موسى. وقال تعالى ﴿وَما أَمْوالُكُمْ وَلا أَوْلادُكُمْ بِالَّتِي تُقَرِّبُكُمْ عِنْدَنا زُلْفى إِلاّ مَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صالِحاً فَأُولئِكَ لَهُمْ جَزاءُ الضِّعْفِ بِما عَمِلُوا وَهُمْ فِي الْغُرُفاتِ آمِنُونَ﴾. وقال تعالى ﴿أَيَحْسَبُونَ أَنَّما نُمِدُّهُمْ بِهِ مِنْ مالٍ وَبَنِينَ * نُسارِعُ لَهُمْ فِي الْخَيْراتِ بَلْ لا يَشْعُرُونَ﴾. ولما اغتر هذا الجاهل بما خول به في الدنيا فجحد الآخرة وادعى أنها ان وجدت ليجدن عند ربه خيرا مما هو فيه وسمعه صاحبه يقول ذلك قال له
стр. 457
﴿وَهُوَ يُحاوِرُهُ﴾ أي يجادله ﴿أَكَفَرْتَ بِالَّذِي خَلَقَكَ مِنْ تُرابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ سَوّاكَ رَجُلاً﴾ أي أجحدت المعاد وأنت تعلم أن الله خلقك من تراب. ثم من نطفة ثم صورك أطوارا حتى صرت رجلا سويا سميعا بصيرا تعلم وتبطش وتفهم فكيف أنكرت المعاد والله قادر على البداءة ﴿لكِنَّا هُوَ اللهُ رَبِّي﴾ أي لكن أنا أقول بخلاف ما قلت وأعتقد خلاف معتقدك ﴿هُوَ اللهُ رَبِّي وَلا أُشْرِكُ بِرَبِّي أَحَداً﴾ أي لا أعبد سواه واعتقد أنه يبعث الأجساد بعد فنائها ويعيد الأموات ويجمع العظام الرفات وأعلم أن الله لا شريك له في خلقه ولا في ملكه ولا إله غيره ثم أرشده إلى ما كان الاولى به أن يسلكه عند دخول جنته فقال ﴿وَلَوْلا إِذْ دَخَلْتَ جَنَّتَكَ قُلْتَ ما شاءَ اللهُ لا قُوَّةَ إِلاّ بِاللهِ﴾ ولهذا يستحب لكل من أعجبه شيء من ماله أو أهله أو حاله أن يقول كذلك وقد ورد فيه حديث مرفوع في صحته نظر *
قال أبو يعلى الموصلي حدثنا جراح بن مخلد حدثنا عمرو بن يوسف حدثنا عيسى بن عون حدثنا عبد الملك بن زرارة عن أنس قال قال رسول الله ﷺ (ما أنعم الله على عبد نعمة من أهل أو مال أو ولد فيقول ما شاء الله لا قوة إلا بالله) فيرى فيه أنه (١) دون الموت وكان يتأول هذه الآية ﴿وَلَوْلا إِذْ دَخَلْتَ جَنَّتَكَ قُلْتَ ما شاءَ اللهُ لا قُوَّةَ إِلاّ بِاللهِ﴾ قال الحافظ أبو الفتح الأزدي عيسى بن عون عن عبد الملك بن زرارة عن أنس لا يصح ثم قال المؤمن للكافر ﴿فَعَسى رَبِّي أَنْ يُؤْتِيَنِ خَيْراً مِنْ جَنَّتِكَ﴾ أي في الدار الآخرة ﴿وَيُرْسِلَ عَلَيْها حُسْباناً مِنَ السَّماءِ﴾ قال ابن عباس والضحاك وقتادة أي عذابا من السماء. والظاهر أنه المطر المزعج الباهر الّذي يقتلع زروعها وأشجارها ﴿فَتُصْبِحَ صَعِيداً زَلَقاً﴾ وهو التراب الأملس الّذي لا نبات فيه ﴿أَوْ يُصْبِحَ ماؤُها غَوْراً﴾ وهو ضد المعين السارح ﴿فَلَنْ تَسْتَطِيعَ لَهُ طَلَباً﴾ يعنى فلا تقدر على استرجاعه قال الله تعالى ﴿وَأُحِيطَ بِثَمَرِهِ﴾ أي جاءه أمر أحاط بجميع حواصله وخرب جنته ودمرها ﴿فَأَصْبَحَ يُقَلِّبُ كَفَّيْهِ عَلى ما أَنْفَقَ فِيها وَهِيَ خاوِيَةٌ عَلى عُرُوشِها﴾ أي خربت بالكلية فلا عودة لها وذلك ضد ما كان عليه أمل حيث قال ﴿ما أَظُنُّ أَنْ تَبِيدَ هذِهِ أَبَداً﴾ وندم على ما كان سلف منه من القول (الّذي كفر بسببه بالله العظيم فهو ﴿يَقُولُ يا لَيْتَنِي لَمْ أُشْرِكْ بِرَبِّي أَحَداً﴾). قال الله تعالى ﴿وَلَمْ تَكُنْ لَهُ فِئَةٌ يَنْصُرُونَهُ مِنْ دُونِ اللهِ وَما كانَ مُنْتَصِراً * هُنالِكَ﴾ أي لم يكن أحد يتدارك ما فرط من أمره وما كان له قدرة في نفسه على شيء من ذلك كما قال تعالى ﴿فَما لَهُ مِنْ قُوَّةٍ وَلا ناصِرٍ﴾ وقوله ﴿الْوَلايَةُ لِلّهِ الْحَقِّ﴾ ومنهم من يبتدئ بقوله ﴿هُنالِكَ الْوَلايَةُ لِلّهِ الْحَقِّ﴾ وهو حسن أيضا لقوله ﴿الْمُلْكُ يَوْمَئِذٍ الْحَقُّ لِلرَّحْمنِ وَكانَ يَوْماً عَلَى الْكافِرِينَ عَسِيراً﴾ فالحكم الّذي لا يرد ولا يمانع ولا يغالب في تلك الحال وفي كل حال لله الحق. ومنهم من رفع الحق جعله صفة للولاية وهما متلازمتان وقوله ﴿هُوَ خَيْرٌ ثَواباً وَخَيْرٌ عُقْباً﴾ أي معاملته خير لصاحبها ثوابا وهو الجزاء وخير عقبا وهو العاقبة في الدنيا والآخرة. وهذه القصة تضمنت انه لا ينبغي لأحد أن يركن إلى الحياة الدنيا ولا يغتر
стр. 458
بها ولا يثق بها بل يجعل طاعة الله والتوكل عليه في كل حال نصب عينيه. وليكن بما في يد الله أوثق منه بما في يديه. وفيها أن من قدم شيئا على طاعة الله والإنفاق في سبيله عذب به وربما سلب منه معاملة له بنقيض قصده. وفيها أن الواجب قبول نصيحة الأخ المشفق وان مخالفته وبال ودمار على من رد النصيحة الصحيحة. وفيها أن الندامة لا تنفع إذا حان القدر ونفذ الأمر الحتم وبالله المستعان وعليه التكلان *
قصة أصحاب الجنة
قال الله تعالى ﴿إِنّا بَلَوْناهُمْ كَما بَلَوْنا أَصْحابَ الْجَنَّةِ إِذْ أَقْسَمُوا لَيَصْرِمُنَّها مُصْبِحِينَ * وَلا يَسْتَثْنُونَ * فَطافَ عَلَيْها طائِفٌ مِنْ رَبِّكَ وَهُمْ نائِمُونَ * فَأَصْبَحَتْ كَالصَّرِيمِ * فَتَنادَوْا مُصْبِحِينَ * أَنِ اُغْدُوا عَلى حَرْثِكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صارِمِينَ * فَانْطَلَقُوا وَهُمْ يَتَخافَتُونَ * أَنْ لا يَدْخُلَنَّهَا الْيَوْمَ عَلَيْكُمْ مِسْكِينٌ * وَغَدَوْا عَلى حَرْدٍ قادِرِينَ﴾.
﴿* فَلَمّا رَأَوْها قالُوا إِنّا لَضَالُّونَ * بَلْ نَحْنُ مَحْرُومُونَ * قالَ أَوْسَطُهُمْ أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ لَوْلا تُسَبِّحُونَ * قالُوا سُبْحانَ رَبِّنا إِنّا كُنّا ظالِمِينَ * فَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلى بَعْضٍ يَتَلاوَمُونَ * قالُوا يا وَيْلَنا إِنّا كُنّا طاغِينَ * عَسى رَبُّنا أَنْ يُبْدِلَنا خَيْراً مِنْها إِنّا إِلى رَبِّنا راغِبُونَ * كَذلِكَ الْعَذابُ وَلَعَذابُ الْآخِرَةِ أَكْبَرُ لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ﴾.
وهذا مثل ضربه الله لكفار قريش فيما أنعم به عليهم من إرسال الرسول العظيم الكريم اليهم فقابلوه بالتكذيب والمخالفة كما قال تعالى ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ بَدَّلُوا نِعْمَتَ اللهِ كُفْراً وَأَحَلُّوا قَوْمَهُمْ دارَ الْبَوارِ * جَهَنَّمَ يَصْلَوْنَها وَبِئْسَ الْقَرارُ﴾. قال ابن عباس هم كفار قريش فضرب تعالى لهم مثلا بأصحاب الجنة المشتملة على أنواع الزروع والثمار التي قد انتهت واستحقت أن تجد وهو الصرام ولهذا قال ﴿إِذْ أَقْسَمُوا﴾ فيما بينهم ﴿لَيَصْرِمُنَّها﴾ أي ليجدنها وهو الاستغلال ﴿مُصْبِحِينَ﴾ أي وقت الصبح حيث لا يراهم فقير ولا محتاج فيعطوه شيئا فحلفوا على ذلك ولم يستثنوا في يمينهم فعجزهم الله وسلط عليها الآفة التي أحرقتها وهي السفعة التي اجتاحتها ولم تبق بها شيئا ينتفع به ولهذا قال ﴿فَطافَ عَلَيْها طائِفٌ مِنْ رَبِّكَ وَهُمْ نائِمُونَ * فَأَصْبَحَتْ كَالصَّرِيمِ﴾ أي كالليل الأسود المنصرم من الضياء وهذه معاملة بنقيض المقصود ﴿فَتَنادَوْا مُصْبِحِينَ﴾ أي فاستيقظوا من نومهم فنادى بعضهم بعضا قائلين ﴿اُغْدُوا عَلى حَرْثِكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صارِمِينَ﴾ أي باكروا إلى بستانكم فاصرموه قبل أن يرتفع النهار ويكثر السؤال ﴿فَانْطَلَقُوا وَهُمْ يَتَخافَتُونَ﴾ أي يتحدثون فيما بينهم خفية قائلين ﴿لا يَدْخُلَنَّهَا الْيَوْمَ عَلَيْكُمْ مِسْكِينٌ﴾ أي اتفقوا على هذا واشتوروا عليه ﴿وَغَدَوْا عَلى حَرْدٍ قادِرِينَ﴾ أي انطلقوا مجدين في ذلك قادرين عليه مضمرين على هذه النية الفاسدة. وقال عكرمة والشعبي ﴿وَغَدَوْا عَلى حَرْدٍ﴾ أي غضب على المساكين وأبعد السدي في قوله أن اسم حرثهم حرد ﴿فَلَمّا رَأَوْها﴾ أي وصلوا اليها ونظروا ما حل بها وما قد صارت اليه من الصفة المنكرة بعد تلك النضرة والحسن والبهجة فانقلبت بسبب النية الفاسدة فعند ذلك ﴿قالُوا إِنّا لَضَالُّونَ﴾ أي قد نهينا عنها وسلكنا غير طريقها ثم قالوا ﴿بَلْ نَحْنُ مَحْرُومُونَ﴾ أي بل عوقبنا بسبب سوء قصدنا وحرمنا بركة حرثنا ﴿قالَ أَوْسَطُهُمْ﴾. قال ابن عباس
стр. 459
ومجاهد وغير واحد هو أعدلهم وخيرهم ﴿أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ لَوْلا تُسَبِّحُونَ﴾ قيل تستثنون قاله مجاهد والسدي وابن جرير وقيل تقولون خيرا بدل ما قلتم من الشر ﴿قالُوا سُبْحانَ رَبِّنا إِنّا كُنّا ظالِمِينَ * فَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلى بَعْضٍ يَتَلاوَمُونَ * قالُوا يا وَيْلَنا إِنّا كُنّا طاغِينَ﴾. فندموا حيث لا ينفع الندم واعترفوا بالذنب بعد العقوبة وذلك حيث لا ينجع وقد قيل ان هؤلاء كانوا إخوة وقد ورثوا هذه الجنة من أبيهم وكان يتصدق منها كثيرا فلما صار أمرها اليهم استهجنوا أمر أبيهم وأرادوا استغلالها من غير أن يعطوا الفقراء شيئا فعاقبهم الله أشد العقوبة ولهذا أمر الله تعالى بالصدقة من الثمار وحث على ذلك يوم الجداد كما قال تعالى ﴿كُلُوا مِنْ ثَمَرِهِ إِذا أَثْمَرَ وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصادِهِ﴾ ثم قيل كانوا من أهل اليمن من قرية يقال لها ضروان. وقيل من أهل الحبشة والله أعلم قال الله تعالى ﴿كَذلِكَ الْعَذابُ﴾ أي هكذا نعذب من خالف أمرنا ولم يعطف على المحاويج من خلقنا ﴿وَلَعَذابُ الْآخِرَةِ أَكْبَرُ﴾ أي أعظم وأحكم من عذاب الدنيا ﴿لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ﴾. وقصة هؤلاء شبيه بقوله تعالى ﴿ضَرَبَ اللهُ مَثَلاً قَرْيَةً كانَتْ آمِنَةً مُطْمَئِنَّةً يَأْتِيها رِزْقُها رَغَداً مِنْ كُلِّ مَكانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللهِ فَأَذاقَهَا اللهُ لِباسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ بِما كانُوا يَصْنَعُونَ * وَلَقَدْ جاءَهُمْ رَسُولٌ مِنْهُمْ فَكَذَّبُوهُ فَأَخَذَهُمُ الْعَذابُ وَهُمْ ظالِمُونَ﴾ قيل هذا مثل مضروب لأهل مكة وقيل هم أهل مكة أنفسهم ضربهم مثلا لأنفسهم ولا ينافي ذلك والله أعلم انتهى
قصة أصحاب ايلة الذين اعتدوا في سبتهم
قال الله تعالى في سورة الأعراف ﴿وَسْئَلْهُمْ عَنِ الْقَرْيَةِ الَّتِي كانَتْ حاضِرَةَ الْبَحْرِ إِذْ يَعْدُونَ فِي السَّبْتِ إِذْ تَأْتِيهِمْ حِيتانُهُمْ يَوْمَ سَبْتِهِمْ شُرَّعاً وَيَوْمَ لا يَسْبِتُونَ لا تَأْتِيهِمْ كَذلِكَ نَبْلُوهُمْ بِما كانُوا يَفْسُقُونَ * وَإِذْ قالَتْ أُمَّةٌ مِنْهُمْ لِمَ تَعِظُونَ قَوْماً اللهُ مُهْلِكُهُمْ أَوْ مُعَذِّبُهُمْ عَذاباً شَدِيداً قالُوا مَعْذِرَةً إِلى رَبِّكُمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ * فَلَمّا نَسُوا ما ذُكِّرُوا بِهِ أَنْجَيْنَا الَّذِينَ يَنْهَوْنَ عَنِ السُّوءِ وَأَخَذْنَا الَّذِينَ ظَلَمُوا بِعَذابٍ بَئِيسٍ بِما كانُوا يَفْسُقُونَ﴾.
﴿* فَلَمّا عَتَوْا عَنْ ما نُهُوا عَنْهُ قُلْنا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً خاسِئِينَ﴾ وقال تعالى في سورة البقرة ﴿وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ الَّذِينَ اِعْتَدَوْا مِنْكُمْ فِي السَّبْتِ فَقُلْنا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً خاسِئِينَ * فَجَعَلْناها نَكالاً لِما بَيْنَ يَدَيْها وَما خَلْفَها وَمَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ﴾ وقال تعالى في سورة النساء ﴿أَوْ نَلْعَنَهُمْ كَما لَعَنّا أَصْحابَ السَّبْتِ وَكانَ أَمْرُ اللهِ مَفْعُولاً﴾. قال ابن عباس ومجاهد وعكرمة وقتادة والسدي وغيرهم هم أهل ايلة. زاد ابن عباس بين مدين والطور. قالوا وكانوا متمسكين بدين التوراة في تحريم السبت في ذلك الزمان فكانت الحيتان قد الفت منهم السكينة في مثل هذا اليوم وذلك أنه كان يحرم عليهم الاصطياد فيه وكذلك جميع الصنائع والتجارات والمكاسب فكانت الحيتان في مثل يوم السبت يكثر غشيانها لمحلتهم من البحر فتأتى من هاهنا وهاهنا ظاهرة آمنة مسترسلة فلا يهيجونها ولا يذعرونها ﴿وَيَوْمَ لا يَسْبِتُونَ لا تَأْتِيهِمْ﴾ وذلك لأنهم كانوا يصطادونها فيما عدا السبت
стр. 460
قال الله تعالى ﴿كَذلِكَ نَبْلُوهُمْ﴾ أي نختبرهم بكثرة الحيتان في يوم السبت ﴿بِما كانُوا يَفْسُقُونَ﴾ أي بسبب فسقهم المتقدم فلما رأوا ذلك احتالوا على اصطيادها في يوم السبت بأن نصبوا الحبال والشباك والشصوص وحفروا الحفر التي يجرى معها الماء الى مصانع قد أعدوها إذا دخلها السمك لا يستطيع أن يخرج منها ففعلوا ذلك في يوم الجمعة فإذا جاءت الحيتان مسترسلة يوم السبت علقت بهذه المصايد فإذا خرج سبتهم أخذوها فغضب الله عليهم ولعنهم لما احتالوا على خلاف أمره وانتهكوا محارمه بالحيل التي هي ظاهرة للناظر وهي في الباطن مخالفة محضة فلما فعل ذلك طائفة منهم افترق الذين لم يفعلوا فرقتين. فرقة أنكروا عليهم صنيعهم هذا واحتيالهم على مخالفة الله وشرعه في ذلك الزمان. وفرقة أخرى لم يفعلوا ولم ينهوا بل أنكروا على الذين نهوا وقالوا ﴿لِمَ تَعِظُونَ قَوْماً اللهُ مُهْلِكُهُمْ أَوْ مُعَذِّبُهُمْ عَذاباً شَدِيداً﴾ يقولون ما الفائدة في نهيكم هؤلاء وقد استحقوا العقوبة لا محالة فأجابتهم الطائفة المنكرة بان قالوا ﴿مَعْذِرَةً إِلى رَبِّكُمْ﴾ أي فيما أمرنا به من الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر فنقوم به خوفا من عذابه ﴿وَلَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ﴾ أي ولعل هؤلاء يتركون ما هم عليه من هذا الصنيع فيقيهم الله عذابه ويعفو عنهم إذا هم رجعوا واستمعوا. قال الله تعالى ﴿فَلَمّا نَسُوا ما ذُكِّرُوا بِهِ﴾ أي لم يلتفتوا الى من نهاهم عن هذا الصنيع الشنيع الفظيع ﴿أَنْجَيْنَا الَّذِينَ يَنْهَوْنَ عَنِ السُّوءِ﴾ وهم الفرقة الآمرة بالمعروف والناهية عن المنكر ﴿وَأَخَذْنَا الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾ وهم المرتكبون الفاحشة ﴿بِعَذابٍ بَئِيسٍ﴾ وهو الشديد المؤلم الموجع ﴿بِما كانُوا يَفْسُقُونَ﴾. ثم فسر العذاب الّذي أصابهم بقوله ﴿فَلَمّا عَتَوْا عَنْ ما نُهُوا عَنْهُ قُلْنا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً خاسِئِينَ﴾. وسنذكر ما ورد من الآيات في ذلك.
والمقصود هنا أن الله أخبر أنه أهلك الظالمين ونجى المؤمنين المنكرين وسكت عن الساكتين. وقد اختلف فيهم العلماء على قولين فقيل إنهم من الناجين وقيل إنهم من الهالكين والصحيح الأول عند المحققين وهو الّذي رجع اليه ابن عباس أمام المفسرين وذلك عن مناظرة مولاه عكرمة فكساه من أجل ذلك حلة سنية تكرمة. قلت وانما لم يذكروا مع الناجين لأنهم وان كرهوا ببواطنهم تلك الفاحشة إلا أنهم كان ينبغي لهم أن يحملوا ظواهرهم بالعمل المأمور به من الإنكار القولى الّذي هو أوسط المراتب الثلاث التي أعلاها الإنكار باليد ذات البنان وبعدها الإنكار القولى باللسان وثالثها الإنكار بالجنان فلما لم يذكروا نجوا مع الناجين إذ لم يفعلوا الفاحشة بل أنكروها. وقد روى عبد الرزاق عن ابن جريج عن رجل عن عكرمة عن ابن عباس وحكى مالك عن ابن رومان وشيبان عن قتادة وعطاء الخراساني ما مضمونه أن الذين ارتكبوا هذا الصنع اعتزلهم بقية أهل البلد ونهاهم من نهاهم منهم فلم يقبلوا فكانوا يبيتون وحدهم ويغلقون بينهم وبينهم أبوابا حاجزا لما كانوا يترقبون من هلاكهم فأصبحوا ذات يوم وأبواب ناحيتهم مغلقة لم يفتحوها وارتفع النهار واشتد الضحاء فأمر بقية أهل البلد رجلا أن يصعد على سلالم ويشرف عليهم من فوقهم فلما أشرف عليهم إذا هم قردة لها أذناب يتعاوون ويتعادون ففتحوا عليهم الأبواب