← История

История · id 23708

البداية والنهاية - ط السعادة

ابن كثير

Полный текст (4 918 стр.). Показаны 456–495 · переход к 461.

стр. 456

وَهُوَ ظالِمٌ لِنَفْسِهِ قالَ ما أَظُنُّ أَنْ تَبِيدَ هذِهِ أَبَداً * وَما أَظُنُّ السّاعَةَ قائِمَةً وَلَئِنْ رُدِدْتُ إِلى رَبِّي لَأَجِدَنَّ خَيْراً مِنْها مُنْقَلَباً) إلى قوله ﴿هُنالِكَ الْوَلايَةُ لِلّهِ الْحَقِّ هُوَ خَيْرٌ ثَواباً وَخَيْرٌ عُقْباً﴾. قال بعض الناس هذا مثل مضروب ولا يلزم أن يكون واقعا والجمهور أنه أمر قد وقع وقوله ﴿وَاِضْرِبْ لَهُمْ مَثَلاً﴾ يعنى لكفار قريش في عدم اجتماعهم بالضعفاء والفقراء وازدرائهم بهم وافتخارهم عليهم كما قال تعالى ﴿وَاِضْرِبْ لَهُمْ مَثَلاً أَصْحابَ الْقَرْيَةِ إِذْ جاءَهَا الْمُرْسَلُونَ﴾ كما قدمنا الكلام على قصتهم قبل قصة موسى ﵇ والمشهور أن هذين كانا رجلين مصطحبين وكان أحدهما مؤمنا والآخر كافرا ويقال إنه كان لكل منهما مال فأنفق المؤمن ماله في طاعة الله ومرضاته ابتغاء وجهه * وأما الكافر فإنه اتخذ له بساتين وهما الجنتان المذكورتان في الآية على الصفة والنعت المذكور. فيهما أعناب ونخيل تحف تلك الأعناب والزروع في ذلك والأنهار سارحة هاهنا وهاهنا للسقي والتنزه وقد استوثقت فيهما الثمار واضطربت فيهما الأنهار وابتهجت الزروع والثمار وافتخر مالكهما على صاحبه المؤمن الفقير قائلا له ﴿أَنَا أَكْثَرُ مِنْكَ مالاً وَأَعَزُّ نَفَراً﴾ أي أوسع جنانا. ومراده انه خير منه ومعناه ماذا أغنى عنك إنفاقك ما كنت تملكه في الوجه الّذي صرفته فيه كان الأولى بك أن تفعل كما فعلت لتكون مثلي فافتخر على صاحبه ﴿وَدَخَلَ جَنَّتَهُ وَهُوَ ظالِمٌ لِنَفْسِهِ﴾ أي وهو على غير طريقة مرضية قال ﴿ما أَظُنُّ أَنْ تَبِيدَ هذِهِ أَبَداً﴾ وذلك لما رأى من اتساع أرضها وكثرة مائها وحسن نبات أشجارها ولو قد بادت كل واحدة من هذه الأشجار لاستخلف مكانها أحسن منها وزروعها دارّة لكثرة مياهها. ثم قال ﴿وَما أَظُنُّ السّاعَةَ قائِمَةً﴾ فوثق بزهرة الحياة الدنيا الفانية وكذب بوجود الآخرة الباقية الدائمة. ثم قال ﴿وَلَئِنْ رُدِدْتُ إِلى رَبِّي لَأَجِدَنَّ خَيْراً مِنْها مُنْقَلَباً﴾ أي ولئن كان ثم آخرة ومعاد فلأجدن هناك خيرا من هذا وذلك لانه اغتر بدنياه واعتقد أن الله لم يعطه ذلك فيها إلا لحبه له وحظوته عنده كما قال العاص بن وائل فيما قص الله من خبره وخبر خباب بن الأرت في قوله ﴿أَفَرَأَيْتَ الَّذِي كَفَرَ بِآياتِنا﴾ وقال ﴿لَأُوتَيَنَّ مالاً وَوَلَداً * أَطَّلَعَ الْغَيْبَ أَمِ اِتَّخَذَ عِنْدَ الرَّحْمنِ عَهْداً﴾ وقال تعالى اخبارا عن الإنسان إذا أنعم الله عليه ﴿لَيَقُولَنَّ هذا لِي وَما أَظُنُّ السّاعَةَ قائِمَةً وَلَئِنْ رُجِعْتُ إِلى رَبِّي إِنَّ لِي عِنْدَهُ لَلْحُسْنى﴾ قال الله تعالى ﴿فَلَنُنَبِّئَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِما عَمِلُوا وَلَنُذِيقَنَّهُمْ مِنْ عَذابٍ غَلِيظٍ﴾ وقال قارون ﴿إِنَّما أُوتِيتُهُ عَلى عِلْمٍ عِنْدِي﴾ أي لعلم الله بى أنى أستحقه قال الله تعالى ﴿أَوَلَمْ يَعْلَمْ أَنَّ اللهَ قَدْ أَهْلَكَ مِنْ قَبْلِهِ مِنَ الْقُرُونِ مَنْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُ قُوَّةً وَأَكْثَرُ جَمْعاً وَلا يُسْئَلُ عَنْ ذُنُوبِهِمُ الْمُجْرِمُونَ﴾ وقد قدمنا الكلام على قصته في أثناء قصة موسى. وقال تعالى ﴿وَما أَمْوالُكُمْ وَلا أَوْلادُكُمْ بِالَّتِي تُقَرِّبُكُمْ عِنْدَنا زُلْفى إِلاّ مَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صالِحاً فَأُولئِكَ لَهُمْ جَزاءُ الضِّعْفِ بِما عَمِلُوا وَهُمْ فِي الْغُرُفاتِ آمِنُونَ﴾. وقال تعالى ﴿أَيَحْسَبُونَ أَنَّما نُمِدُّهُمْ بِهِ مِنْ مالٍ وَبَنِينَ * نُسارِعُ لَهُمْ فِي الْخَيْراتِ بَلْ لا يَشْعُرُونَ﴾. ولما اغتر هذا الجاهل بما خول به في الدنيا فجحد الآخرة وادعى أنها ان وجدت ليجدن عند ربه خيرا مما هو فيه وسمعه صاحبه يقول ذلك قال له

стр. 457

﴿وَهُوَ يُحاوِرُهُ﴾ أي يجادله ﴿أَكَفَرْتَ بِالَّذِي خَلَقَكَ مِنْ تُرابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ سَوّاكَ رَجُلاً﴾ أي أجحدت المعاد وأنت تعلم أن الله خلقك من تراب. ثم من نطفة ثم صورك أطوارا حتى صرت رجلا سويا سميعا بصيرا تعلم وتبطش وتفهم فكيف أنكرت المعاد والله قادر على البداءة ﴿لكِنَّا هُوَ اللهُ رَبِّي﴾ أي لكن أنا أقول بخلاف ما قلت وأعتقد خلاف معتقدك ﴿هُوَ اللهُ رَبِّي وَلا أُشْرِكُ بِرَبِّي أَحَداً﴾ أي لا أعبد سواه واعتقد أنه يبعث الأجساد بعد فنائها ويعيد الأموات ويجمع العظام الرفات وأعلم أن الله لا شريك له في خلقه ولا في ملكه ولا إله غيره ثم أرشده إلى ما كان الاولى به أن يسلكه عند دخول جنته فقال ﴿وَلَوْلا إِذْ دَخَلْتَ جَنَّتَكَ قُلْتَ ما شاءَ اللهُ لا قُوَّةَ إِلاّ بِاللهِ﴾ ولهذا يستحب لكل من أعجبه شيء من ماله أو أهله أو حاله أن يقول كذلك وقد ورد فيه حديث مرفوع في صحته نظر * قال أبو يعلى الموصلي حدثنا جراح بن مخلد حدثنا عمرو بن يوسف حدثنا عيسى بن عون حدثنا عبد الملك بن زرارة عن أنس قال قال رسول الله ﷺ (ما أنعم الله على عبد نعمة من أهل أو مال أو ولد فيقول ما شاء الله لا قوة إلا بالله) فيرى فيه أنه (١) دون الموت وكان يتأول هذه الآية ﴿وَلَوْلا إِذْ دَخَلْتَ جَنَّتَكَ قُلْتَ ما شاءَ اللهُ لا قُوَّةَ إِلاّ بِاللهِ﴾ قال الحافظ أبو الفتح الأزدي عيسى بن عون عن عبد الملك بن زرارة عن أنس لا يصح ثم قال المؤمن للكافر ﴿فَعَسى رَبِّي أَنْ يُؤْتِيَنِ خَيْراً مِنْ جَنَّتِكَ﴾ أي في الدار الآخرة ﴿وَيُرْسِلَ عَلَيْها حُسْباناً مِنَ السَّماءِ﴾ قال ابن عباس والضحاك وقتادة أي عذابا من السماء. والظاهر أنه المطر المزعج الباهر الّذي يقتلع زروعها وأشجارها ﴿فَتُصْبِحَ صَعِيداً زَلَقاً﴾ وهو التراب الأملس الّذي لا نبات فيه ﴿أَوْ يُصْبِحَ ماؤُها غَوْراً﴾ وهو ضد المعين السارح ﴿فَلَنْ تَسْتَطِيعَ لَهُ طَلَباً﴾ يعنى فلا تقدر على استرجاعه قال الله تعالى ﴿وَأُحِيطَ بِثَمَرِهِ﴾ أي جاءه أمر أحاط بجميع حواصله وخرب جنته ودمرها ﴿فَأَصْبَحَ يُقَلِّبُ كَفَّيْهِ عَلى ما أَنْفَقَ فِيها وَهِيَ خاوِيَةٌ عَلى عُرُوشِها﴾ أي خربت بالكلية فلا عودة لها وذلك ضد ما كان عليه أمل حيث قال ﴿ما أَظُنُّ أَنْ تَبِيدَ هذِهِ أَبَداً﴾ وندم على ما كان سلف منه من القول (الّذي كفر بسببه بالله العظيم فهو ﴿يَقُولُ يا لَيْتَنِي لَمْ أُشْرِكْ بِرَبِّي أَحَداً﴾). قال الله تعالى ﴿وَلَمْ تَكُنْ لَهُ فِئَةٌ يَنْصُرُونَهُ مِنْ دُونِ اللهِ وَما كانَ مُنْتَصِراً * هُنالِكَ﴾ أي لم يكن أحد يتدارك ما فرط من أمره وما كان له قدرة في نفسه على شيء من ذلك كما قال تعالى ﴿فَما لَهُ مِنْ قُوَّةٍ وَلا ناصِرٍ﴾ وقوله ﴿الْوَلايَةُ لِلّهِ الْحَقِّ﴾ ومنهم من يبتدئ بقوله ﴿هُنالِكَ الْوَلايَةُ لِلّهِ الْحَقِّ﴾ وهو حسن أيضا لقوله ﴿الْمُلْكُ يَوْمَئِذٍ الْحَقُّ لِلرَّحْمنِ وَكانَ يَوْماً عَلَى الْكافِرِينَ عَسِيراً﴾ فالحكم الّذي لا يرد ولا يمانع ولا يغالب في تلك الحال وفي كل حال لله الحق. ومنهم من رفع الحق جعله صفة للولاية وهما متلازمتان وقوله ﴿هُوَ خَيْرٌ ثَواباً وَخَيْرٌ عُقْباً﴾ أي معاملته خير لصاحبها ثوابا وهو الجزاء وخير عقبا وهو العاقبة في الدنيا والآخرة. وهذه القصة تضمنت انه لا ينبغي لأحد أن يركن إلى الحياة الدنيا ولا يغتر

стр. 458

بها ولا يثق بها بل يجعل طاعة الله والتوكل عليه في كل حال نصب عينيه. وليكن بما في يد الله أوثق منه بما في يديه. وفيها أن من قدم شيئا على طاعة الله والإنفاق في سبيله عذب به وربما سلب منه معاملة له بنقيض قصده. وفيها أن الواجب قبول نصيحة الأخ المشفق وان مخالفته وبال ودمار على من رد النصيحة الصحيحة. وفيها أن الندامة لا تنفع إذا حان القدر ونفذ الأمر الحتم وبالله المستعان وعليه التكلان * قصة أصحاب الجنة قال الله تعالى ﴿إِنّا بَلَوْناهُمْ كَما بَلَوْنا أَصْحابَ الْجَنَّةِ إِذْ أَقْسَمُوا لَيَصْرِمُنَّها مُصْبِحِينَ * وَلا يَسْتَثْنُونَ * فَطافَ عَلَيْها طائِفٌ مِنْ رَبِّكَ وَهُمْ نائِمُونَ * فَأَصْبَحَتْ كَالصَّرِيمِ * فَتَنادَوْا مُصْبِحِينَ * أَنِ اُغْدُوا عَلى حَرْثِكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صارِمِينَ * فَانْطَلَقُوا وَهُمْ يَتَخافَتُونَ * أَنْ لا يَدْخُلَنَّهَا الْيَوْمَ عَلَيْكُمْ مِسْكِينٌ * وَغَدَوْا عَلى حَرْدٍ قادِرِينَ﴾. ﴿* فَلَمّا رَأَوْها قالُوا إِنّا لَضَالُّونَ * بَلْ نَحْنُ مَحْرُومُونَ * قالَ أَوْسَطُهُمْ أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ لَوْلا تُسَبِّحُونَ * قالُوا سُبْحانَ رَبِّنا إِنّا كُنّا ظالِمِينَ * فَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلى بَعْضٍ يَتَلاوَمُونَ * قالُوا يا وَيْلَنا إِنّا كُنّا طاغِينَ * عَسى رَبُّنا أَنْ يُبْدِلَنا خَيْراً مِنْها إِنّا إِلى رَبِّنا راغِبُونَ * كَذلِكَ الْعَذابُ وَلَعَذابُ الْآخِرَةِ أَكْبَرُ لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ﴾. وهذا مثل ضربه الله لكفار قريش فيما أنعم به عليهم من إرسال الرسول العظيم الكريم اليهم فقابلوه بالتكذيب والمخالفة كما قال تعالى ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ بَدَّلُوا نِعْمَتَ اللهِ كُفْراً وَأَحَلُّوا قَوْمَهُمْ دارَ الْبَوارِ * جَهَنَّمَ يَصْلَوْنَها وَبِئْسَ الْقَرارُ﴾. قال ابن عباس هم كفار قريش فضرب تعالى لهم مثلا بأصحاب الجنة المشتملة على أنواع الزروع والثمار التي قد انتهت واستحقت أن تجد وهو الصرام ولهذا قال ﴿إِذْ أَقْسَمُوا﴾ فيما بينهم ﴿لَيَصْرِمُنَّها﴾ أي ليجدنها وهو الاستغلال ﴿مُصْبِحِينَ﴾ أي وقت الصبح حيث لا يراهم فقير ولا محتاج فيعطوه شيئا فحلفوا على ذلك ولم يستثنوا في يمينهم فعجزهم الله وسلط عليها الآفة التي أحرقتها وهي السفعة التي اجتاحتها ولم تبق بها شيئا ينتفع به ولهذا قال ﴿فَطافَ عَلَيْها طائِفٌ مِنْ رَبِّكَ وَهُمْ نائِمُونَ * فَأَصْبَحَتْ كَالصَّرِيمِ﴾ أي كالليل الأسود المنصرم من الضياء وهذه معاملة بنقيض المقصود ﴿فَتَنادَوْا مُصْبِحِينَ﴾ أي فاستيقظوا من نومهم فنادى بعضهم بعضا قائلين ﴿اُغْدُوا عَلى حَرْثِكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صارِمِينَ﴾ أي باكروا إلى بستانكم فاصرموه قبل أن يرتفع النهار ويكثر السؤال ﴿فَانْطَلَقُوا وَهُمْ يَتَخافَتُونَ﴾ أي يتحدثون فيما بينهم خفية قائلين ﴿لا يَدْخُلَنَّهَا الْيَوْمَ عَلَيْكُمْ مِسْكِينٌ﴾ أي اتفقوا على هذا واشتوروا عليه ﴿وَغَدَوْا عَلى حَرْدٍ قادِرِينَ﴾ أي انطلقوا مجدين في ذلك قادرين عليه مضمرين على هذه النية الفاسدة. وقال عكرمة والشعبي ﴿وَغَدَوْا عَلى حَرْدٍ﴾ أي غضب على المساكين وأبعد السدي في قوله أن اسم حرثهم حرد ﴿فَلَمّا رَأَوْها﴾ أي وصلوا اليها ونظروا ما حل بها وما قد صارت اليه من الصفة المنكرة بعد تلك النضرة والحسن والبهجة فانقلبت بسبب النية الفاسدة فعند ذلك ﴿قالُوا إِنّا لَضَالُّونَ﴾ أي قد نهينا عنها وسلكنا غير طريقها ثم قالوا ﴿بَلْ نَحْنُ مَحْرُومُونَ﴾ أي بل عوقبنا بسبب سوء قصدنا وحرمنا بركة حرثنا ﴿قالَ أَوْسَطُهُمْ﴾. قال ابن عباس

стр. 459

ومجاهد وغير واحد هو أعدلهم وخيرهم ﴿أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ لَوْلا تُسَبِّحُونَ﴾ قيل تستثنون قاله مجاهد والسدي وابن جرير وقيل تقولون خيرا بدل ما قلتم من الشر ﴿قالُوا سُبْحانَ رَبِّنا إِنّا كُنّا ظالِمِينَ * فَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلى بَعْضٍ يَتَلاوَمُونَ * قالُوا يا وَيْلَنا إِنّا كُنّا طاغِينَ﴾. فندموا حيث لا ينفع الندم واعترفوا بالذنب بعد العقوبة وذلك حيث لا ينجع وقد قيل ان هؤلاء كانوا إخوة وقد ورثوا هذه الجنة من أبيهم وكان يتصدق منها كثيرا فلما صار أمرها اليهم استهجنوا أمر أبيهم وأرادوا استغلالها من غير أن يعطوا الفقراء شيئا فعاقبهم الله أشد العقوبة ولهذا أمر الله تعالى بالصدقة من الثمار وحث على ذلك يوم الجداد كما قال تعالى ﴿كُلُوا مِنْ ثَمَرِهِ إِذا أَثْمَرَ وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصادِهِ﴾ ثم قيل كانوا من أهل اليمن من قرية يقال لها ضروان. وقيل من أهل الحبشة والله أعلم قال الله تعالى ﴿كَذلِكَ الْعَذابُ﴾ أي هكذا نعذب من خالف أمرنا ولم يعطف على المحاويج من خلقنا ﴿وَلَعَذابُ الْآخِرَةِ أَكْبَرُ﴾ أي أعظم وأحكم من عذاب الدنيا ﴿لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ﴾. وقصة هؤلاء شبيه بقوله تعالى ﴿ضَرَبَ اللهُ مَثَلاً قَرْيَةً كانَتْ آمِنَةً مُطْمَئِنَّةً يَأْتِيها رِزْقُها رَغَداً مِنْ كُلِّ مَكانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللهِ فَأَذاقَهَا اللهُ لِباسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ بِما كانُوا يَصْنَعُونَ * وَلَقَدْ جاءَهُمْ رَسُولٌ مِنْهُمْ فَكَذَّبُوهُ فَأَخَذَهُمُ الْعَذابُ وَهُمْ ظالِمُونَ﴾ قيل هذا مثل مضروب لأهل مكة وقيل هم أهل مكة أنفسهم ضربهم مثلا لأنفسهم ولا ينافي ذلك والله أعلم انتهى قصة أصحاب ايلة الذين اعتدوا في سبتهم قال الله تعالى في سورة الأعراف ﴿وَسْئَلْهُمْ عَنِ الْقَرْيَةِ الَّتِي كانَتْ حاضِرَةَ الْبَحْرِ إِذْ يَعْدُونَ فِي السَّبْتِ إِذْ تَأْتِيهِمْ حِيتانُهُمْ يَوْمَ سَبْتِهِمْ شُرَّعاً وَيَوْمَ لا يَسْبِتُونَ لا تَأْتِيهِمْ كَذلِكَ نَبْلُوهُمْ بِما كانُوا يَفْسُقُونَ * وَإِذْ قالَتْ أُمَّةٌ مِنْهُمْ لِمَ تَعِظُونَ قَوْماً اللهُ مُهْلِكُهُمْ أَوْ مُعَذِّبُهُمْ عَذاباً شَدِيداً قالُوا مَعْذِرَةً إِلى رَبِّكُمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ * فَلَمّا نَسُوا ما ذُكِّرُوا بِهِ أَنْجَيْنَا الَّذِينَ يَنْهَوْنَ عَنِ السُّوءِ وَأَخَذْنَا الَّذِينَ ظَلَمُوا بِعَذابٍ بَئِيسٍ بِما كانُوا يَفْسُقُونَ﴾. ﴿* فَلَمّا عَتَوْا عَنْ ما نُهُوا عَنْهُ قُلْنا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً خاسِئِينَ﴾ وقال تعالى في سورة البقرة ﴿وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ الَّذِينَ اِعْتَدَوْا مِنْكُمْ فِي السَّبْتِ فَقُلْنا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً خاسِئِينَ * فَجَعَلْناها نَكالاً لِما بَيْنَ يَدَيْها وَما خَلْفَها وَمَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ﴾ وقال تعالى في سورة النساء ﴿أَوْ نَلْعَنَهُمْ كَما لَعَنّا أَصْحابَ السَّبْتِ وَكانَ أَمْرُ اللهِ مَفْعُولاً﴾. قال ابن عباس ومجاهد وعكرمة وقتادة والسدي وغيرهم هم أهل ايلة. زاد ابن عباس بين مدين والطور. قالوا وكانوا متمسكين بدين التوراة في تحريم السبت في ذلك الزمان فكانت الحيتان قد الفت منهم السكينة في مثل هذا اليوم وذلك أنه كان يحرم عليهم الاصطياد فيه وكذلك جميع الصنائع والتجارات والمكاسب فكانت الحيتان في مثل يوم السبت يكثر غشيانها لمحلتهم من البحر فتأتى من هاهنا وهاهنا ظاهرة آمنة مسترسلة فلا يهيجونها ولا يذعرونها ﴿وَيَوْمَ لا يَسْبِتُونَ لا تَأْتِيهِمْ﴾ وذلك لأنهم كانوا يصطادونها فيما عدا السبت

стр. 460

قال الله تعالى ﴿كَذلِكَ نَبْلُوهُمْ﴾ أي نختبرهم بكثرة الحيتان في يوم السبت ﴿بِما كانُوا يَفْسُقُونَ﴾ أي بسبب فسقهم المتقدم فلما رأوا ذلك احتالوا على اصطيادها في يوم السبت بأن نصبوا الحبال والشباك والشصوص وحفروا الحفر التي يجرى معها الماء الى مصانع قد أعدوها إذا دخلها السمك لا يستطيع أن يخرج منها ففعلوا ذلك في يوم الجمعة فإذا جاءت الحيتان مسترسلة يوم السبت علقت بهذه المصايد فإذا خرج سبتهم أخذوها فغضب الله عليهم ولعنهم لما احتالوا على خلاف أمره وانتهكوا محارمه بالحيل التي هي ظاهرة للناظر وهي في الباطن مخالفة محضة فلما فعل ذلك طائفة منهم افترق الذين لم يفعلوا فرقتين. فرقة أنكروا عليهم صنيعهم هذا واحتيالهم على مخالفة الله وشرعه في ذلك الزمان. وفرقة أخرى لم يفعلوا ولم ينهوا بل أنكروا على الذين نهوا وقالوا ﴿لِمَ تَعِظُونَ قَوْماً اللهُ مُهْلِكُهُمْ أَوْ مُعَذِّبُهُمْ عَذاباً شَدِيداً﴾ يقولون ما الفائدة في نهيكم هؤلاء وقد استحقوا العقوبة لا محالة فأجابتهم الطائفة المنكرة بان قالوا ﴿مَعْذِرَةً إِلى رَبِّكُمْ﴾ أي فيما أمرنا به من الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر فنقوم به خوفا من عذابه ﴿وَلَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ﴾ أي ولعل هؤلاء يتركون ما هم عليه من هذا الصنيع فيقيهم الله عذابه ويعفو عنهم إذا هم رجعوا واستمعوا. قال الله تعالى ﴿فَلَمّا نَسُوا ما ذُكِّرُوا بِهِ﴾ أي لم يلتفتوا الى من نهاهم عن هذا الصنيع الشنيع الفظيع ﴿أَنْجَيْنَا الَّذِينَ يَنْهَوْنَ عَنِ السُّوءِ﴾ وهم الفرقة الآمرة بالمعروف والناهية عن المنكر ﴿وَأَخَذْنَا الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾ وهم المرتكبون الفاحشة ﴿بِعَذابٍ بَئِيسٍ﴾ وهو الشديد المؤلم الموجع ﴿بِما كانُوا يَفْسُقُونَ﴾. ثم فسر العذاب الّذي أصابهم بقوله ﴿فَلَمّا عَتَوْا عَنْ ما نُهُوا عَنْهُ قُلْنا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً خاسِئِينَ﴾. وسنذكر ما ورد من الآيات في ذلك. والمقصود هنا أن الله أخبر أنه أهلك الظالمين ونجى المؤمنين المنكرين وسكت عن الساكتين. وقد اختلف فيهم العلماء على قولين فقيل إنهم من الناجين وقيل إنهم من الهالكين والصحيح الأول عند المحققين وهو الّذي رجع اليه ابن عباس أمام المفسرين وذلك عن مناظرة مولاه عكرمة فكساه من أجل ذلك حلة سنية تكرمة. قلت وانما لم يذكروا مع الناجين لأنهم وان كرهوا ببواطنهم تلك الفاحشة إلا أنهم كان ينبغي لهم أن يحملوا ظواهرهم بالعمل المأمور به من الإنكار القولى الّذي هو أوسط المراتب الثلاث التي أعلاها الإنكار باليد ذات البنان وبعدها الإنكار القولى باللسان وثالثها الإنكار بالجنان فلما لم يذكروا نجوا مع الناجين إذ لم يفعلوا الفاحشة بل أنكروها. وقد روى عبد الرزاق عن ابن جريج عن رجل عن عكرمة عن ابن عباس وحكى مالك عن ابن رومان وشيبان عن قتادة وعطاء الخراساني ما مضمونه أن الذين ارتكبوا هذا الصنع اعتزلهم بقية أهل البلد ونهاهم من نهاهم منهم فلم يقبلوا فكانوا يبيتون وحدهم ويغلقون بينهم وبينهم أبوابا حاجزا لما كانوا يترقبون من هلاكهم فأصبحوا ذات يوم وأبواب ناحيتهم مغلقة لم يفتحوها وارتفع النهار واشتد الضحاء فأمر بقية أهل البلد رجلا أن يصعد على سلالم ويشرف عليهم من فوقهم فلما أشرف عليهم إذا هم قردة لها أذناب يتعاوون ويتعادون ففتحوا عليهم الأبواب

стр. 461

فجعلت القردة تعرف قراباتهم ولا يعرفهم قراباتهم فجعلوا يلوذون بهم ويقول لهم الناهون ألم ننهكم عن صنيعكم فتشير القردة برءوسها أن نعم. ثم بكى عبد الله بن عباس وقال إنا لنرى منكرات كثيرة ولا ننكرها ولا نقول فيها شيئا. وقال العوفيّ عن ابن عباس صار شباب القرية قردة وشيوخها خنازير. وروى ابن أبى حاتم من طريق مجاهد عن ابن عباس أنهم لم يعيشوا إلا فواقا ثم هلكوا ما كان لهم نسل وقال الضحاك عن ابن عباس أنه لم يعش مسخ قط فوق ثلاثة أيام ولم يأكل هؤلاء ولم يشربوا ولم ينسلوا وقد استقصينا الآثار في ذلك في تفسير سورة البقرة والأعراف. ولله الحمد والمنة. وقد روى ابن أبى حاتم وابن جرير من طريق ابن أبى نجيح عن مجاهد أنه قال مسخت قلوبهم ولم يمسخوا قردة وخنازير وانما هو مثل ضربه الله ﴿كَمَثَلِ الْحِمارِ يَحْمِلُ أَسْفاراً﴾ وهذا صحيح اليه وغريب منه جدا ومخالف لظاهر القرآن ولما نص عليه غير واحد من السلف والخلف والله أعلم * (قصة أصحاب القرية) ﴿إِذْ جاءَهَا الْمُرْسَلُونَ﴾ تقدم ذكرها قبل قصة موسى ﵇ (قصة سبإ) سيأتي ذكرها في أيام العرب إن شاء الله تعالى وبه الثقة (قصة قارون وقصة بلعام) تقدمتا في قصة موسى وهكذا (قصة الخضر) و (قصة فرعون والسحرة) كلها في ضمن قصة موسى و (قصة البقرة) تقدمت في قصة موسى وقصة ﴿الَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيارِهِمْ وَهُمْ أُلُوفٌ حَذَرَ الْمَوْتِ﴾ في قصة حزقيل وقصة (الملأ من بنى إسرائيل من بعد موسى) في قصة شمويل وقصة (الّذي مرّ على قرية) في قصة عزير * قصة لقمان قال تعالى ﴿وَلَقَدْ آتَيْنا لُقْمانَ الْحِكْمَةَ أَنِ اُشْكُرْ لِلّهِ وَمَنْ يَشْكُرْ فَإِنَّما يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللهَ غَنِيٌّ حَمِيدٌ * وَإِذْ قالَ لُقْمانُ لاِبْنِهِ وَهُوَ يَعِظُهُ يا بُنَيَّ لا تُشْرِكْ بِاللهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ * وَوَصَّيْنَا الْإِنْسانَ بِوالِدَيْهِ حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْناً عَلى وَهْنٍ وَفِصالُهُ فِي عامَيْنِ أَنِ اُشْكُرْ لِي وَلِوالِدَيْكَ إِلَيَّ الْمَصِيرُ * وَإِنْ جاهَداكَ عَلى أَنْ تُشْرِكَ بِي ما لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلا تُطِعْهُما وَصاحِبْهُما فِي الدُّنْيا مَعْرُوفاً وَاِتَّبِعْ سَبِيلَ مَنْ أَنابَ إِلَيَّ ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأُنَبِّئُكُمْ بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ * يا بُنَيَّ إِنَّها إِنْ تَكُ مِثْقالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ فَتَكُنْ فِي صَخْرَةٍ أَوْ فِي السَّماواتِ أَوْ فِي الْأَرْضِ يَأْتِ بِهَا اللهُ إِنَّ اللهَ لَطِيفٌ خَبِيرٌ * يا بُنَيَّ أَقِمِ الصَّلاةَ وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَاِنْهَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَاِصْبِرْ عَلى ما أَصابَكَ إِنَّ ذلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ * وَلا تُصَعِّرْ خَدَّكَ لِلنّاسِ وَلا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحاً إِنَّ اللهَ لا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتالٍ فَخُورٍ * وَاِقْصِدْ فِي مَشْيِكَ وَاُغْضُضْ مِنْ صَوْتِكَ إِنَّ أَنْكَرَ الْأَصْواتِ لَصَوْتُ الْحَمِيرِ﴾. هو لقمان بن عنقاء بن سدون. ويقال لقمان بن ثاران حكاه السهيليّ عن ابن جرير والقتيبي. قال السهيليّ وكان نوبيا من أهل أيلة. قلت وكان رجلا صالحا ذا عبادة وعبارة وحكمة عظيمة ويقال كان قاضيا في زمن داود ﵇ فالله أعلم. وقال سفيان الثوري عن الأشعث عن عكرمة عن ابن عباس قال كان

стр. 462

عبدا حبشيا نجارا. وقال قتادة عن عبد الله بن الزبير قلت لجابر بن عبد الله ما انتهى إليكم في شأن لقمان قال كان قصيرا أفطس من النوبة. وقال يحيى بن سعيد الأنصاري عن سعيد بن المسيب قال كان لقمان من سودان مصر ذو مشافر أعطاه الله الحكمة ومنعه النبوة. وقال الأوزاعي حدثني عبد الرحمن بن حرملة قال جاء اسود إلى سعيد بن المسيب يسأله فقال له سعيد لا تحزن من أجل انك اسود فإنه كان من أخير الناس ثلاثة من السودان بلال ومهجع مولى عمر ولقمان الحكيم كان أسود نوبيا ذا مشافر. وقال الأعمش عن مجاهد كان لقمان عبدا أسود عظيم الشفتين مشقق القدمين وفي رواية مصفح القدمين. وقال عمر بن قيس كان عبدا اسود غليظ الشفتين مصفح القدمين فأتاه رجل وهو في مجلس أناس يحدثهم فقال له ألست الّذي كنت ترعى معى الغنم في مكان كذا وكذا قال نعم قال فما بلغ بك ما أرى قال صدق الحديث والصمت عما لا يعنيني رواه ابن جرير عن ابن حميد عن الحكم عنه وقال ابن أبى حاتم حدثنا أبو زرعة حدثنا صفوان حدثنا الوليد حدثنا عبد الرحمن ابن أبى يزيد بن جابر قال إن الله رفع لقمان الحكيم لحكمته فرآه رجل كان يعرفه قبل ذلك فقال ألست عبد بن فلان الّذي كنت ترعى غنمي بالأمس قال بلى قال فما بلغ بك ما أرى قال قدر الله وأداء الأمانة وصدق الحديث وترك ما لا يعنيني وقال ابن وهب أخبرنى عبد الله بن عياش الفتيانى عن عمر مولى عفرة قال وقف رجل على لقمان الحكيم فقال أنت لقمان أنت عبد بنى النحاس قال نعم قال فأنت راعى الغنم الأسود قال أما سوادي فظاهر فما الّذي يعجبك من أمرى قال وطء الناس بساطك وغشيهم بابك ورضاهم بقولك قال يا ابن أخي إن صنعت ما أقول لك كنت كذلك قال ما هو قال لقمان غضى بصرى وكفى لساني وعفة مطمعي وحفظي فرجي وقيامي بعدتى ووفائي بعهدي وتكرمتي ضيفي وحفظي جاري وتركي ما لا يعنيني فذاك الّذي صيرني كما ترى. وقال ابن أبى حاتم حدثنا أبى حدثنا ابن فضيل حدثنا عمرو بن واقد عن عبدة ابن رباح عن ربيعة عن أبى الدرداء أنه قال يوما وذكر لقمان الحكيم فقال ما أوتى عن أهل ولا مال ولا حسب ولا خصال ولكنه كان رجلا ضمضامة (١) سكيتا طويل التفكر عميق النظر لم ينم نهارا قط ولم يره أحد يبزق ولا يتنحنح ولا يبول ولا يتغوط ولا يغتسل ولا يعبث ولا يضحك وكان لا يعيد منطقا نطقه إلا أن يقول حكمة يستعيدها إياه أحد وكان قد تزوج وولد له أولاد فماتوا فلم يبك عليهم وكان يغشى السلطان ويأتى الحكام لينظر ويتفكر ويعتبر فبذلك أوتى ما أوتى * ومنهم من زعم أنه عرضت عليه النبوة فخاف أن لا يقوم باعبائها فاختار الحكمة لأنها أسهل عليه وفي هذا نظر والله أعلم. وهذا مروى عن قتادة كما سنذكره. وروى ابن أبى حاتم وابن جرير من طريق وكيع عن إسرائيل عن جابر الجعفي عن عكرمة أنه قال كان لقمان نبيا وهذا ضعيف لحال الجعفي.

стр. 463

والمشهور عن الجمهور أنه كان حكيما وليا ولم يكن نبيا وقد ذكره الله تعالى في القرآن فاثنى عليه وحكى من كلامه فيما وعظ به ولده الّذي هو أحب الخلق اليه وهو أشفق الناس عليه فكان من أول ما وعظ به أن قال ﴿يا بُنَيَّ لا تُشْرِكْ بِاللهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾. فنهاه عنه وحذره منه. وقد قال البخاري حدثنا قتيبة حدثنا جرير عن الأعمش عن إبراهيم عن علقمة عن عبد الله قال لما نزلت ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمانَهُمْ بِظُلْمٍ﴾ شق ذلك على أصحاب رسول الله ﷺ وقالوا أينا لم يلبس إيمانه بظلم فقال رسول الله ﷺ إنه ليس بذاك ألم تسمع الى قول لقمان ﴿يا بُنَيَّ لا تُشْرِكْ بِاللهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ رواه مسلم من حديث سليمان بن مهران الأعمش به ثم اعترض تعالى بالوصية بالوالدين وبيان حقهما على الولد وتأكده وأمر بالإحسان اليهما حتى ولو كانا مشركين ولكن لا يطاعان على الدخول في دينهما الى أن قال مخبرا عن لقمان فيما وعظ به ولده ﴿يا بُنَيَّ إِنَّها إِنْ تَكُ مِثْقالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ فَتَكُنْ فِي صَخْرَةٍ أَوْ فِي السَّماواتِ أَوْ فِي الْأَرْضِ يَأْتِ بِهَا اللهُ إِنَّ اللهَ لَطِيفٌ خَبِيرٌ﴾ ينهاه عن ظلم الناس ولو بحبة خردل فان الله يسأل عنها ويحضرها حوزة الحساب ويضعها في الميزان كما قال تعالى ﴿إِنَّ اللهَ لا يَظْلِمُ مِثْقالَ ذَرَّةٍ﴾ وقال تعالى ﴿وَنَضَعُ الْمَوازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيامَةِ فَلا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئاً وَإِنْ كانَ مِثْقالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنا بِها وَكَفى بِنا حاسِبِينَ﴾ وأخبره أن هذا الظلم لو كان في الحقارة كالخردلة ولو كان في جوف صخرة صماء لا باب لها ولا كوة أو لو كانت ساقطة في شيء من ظلمات الأرض أو السموات في اتساعهما وامتداد أرجائهما لعلم الله مكانها ﴿إِنَّ اللهَ لَطِيفٌ خَبِيرٌ﴾ أي علمه دقيق فلا يخفى عليه الذر مما تراءى للنواظر أو توارى كما قال تعالى ﴿وَما تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلاّ يَعْلَمُها وَلا حَبَّةٍ فِي ظُلُماتِ الْأَرْضِ وَلا رَطْبٍ وَلا يابِسٍ إِلاّ فِي كِتابٍ مُبِينٍ﴾ وقال ﴿وَما مِنْ غائِبَةٍ فِي السَّماءِ وَالْأَرْضِ إِلاّ فِي كِتابٍ مُبِينٍ﴾ وقال ﴿عالِمِ الْغَيْبِ لا يَعْزُبُ عَنْهُ مِثْقالُ ذَرَّةٍ فِي السَّماواتِ وَلا فِي الْأَرْضِ وَلا أَصْغَرُ مِنْ ذلِكَ وَلا أَكْبَرُ إِلاّ فِي كِتابٍ مُبِينٍ﴾ وقد زعم السدي في خبره عن الصحابة أن المراد بهذه الصخرة الصخرة التي تحت الأرضين السبع وهكذا حكى عن عطية العوفيّ وأبى مالك والثوري والمنهال بن عمر وغيرهم وفي صحة هذا القول من أصله نظر. ثم ان في هذا هو المراد نظر آخر فان هذه الآية نكرة غير معرفة فلو كان المراد بها ما قالوه لقال فتكن في الصخرة وانما المراد فتكن في صخرة أي صخرة كانت كما قال الامام احمد حدثنا حسن بن موسى حدثنا ابن لهيعة حدثنا دراج عن أبى الهيثم عن أبي سعيد الخدريّ عن رسول الله ﷺ قال لو أن أحدكم يعمل في صخرة صماء ليس لها باب ولا كوة لخرج عمله للناس كائنا ما كان ثم قال ﴿يا بُنَيَّ أَقِمِ الصَّلاةَ﴾ أي أدها بجميع واجباتها من حدودها وأوقاتها وركوعها وسجودها وطمأنينتها وخشوعها وما شرع فيها واجتنب ما ينهى عنه فيها. ثم قال ﴿وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَاِنْهَ عَنِ الْمُنْكَرِ﴾ أي بجهدك وطاقتك أي ان استطعت باليد فباليد والا فبلسانك فان لم تستطع فبقلبك ثم أمره بالصبر فقال ﴿وَاِصْبِرْ عَلى ما أَصابَكَ﴾ وذلك ان

стр. 464

الآمر بالمعروف والناهي عن المنكر في مظنة أن يعادى وينال منه ولكن له العاقبة ولهذا أمره بالصبر على ذلك ومعلوم أن عاقبة الصبر الفرج وقوله ﴿إِنَّ ذلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ﴾ التي لا بد منها ولا محيد عنها. وقوله ﴿وَلا تُصَعِّرْ خَدَّكَ لِلنّاسِ﴾ قال ابن عباس ومجاهد وعكرمة وسعيد بن جبير والضحاك ويزيد بن الأصم وأبو الجوزاء وغير واحد معناه لا تتكبر على الناس وتميل خدك حال كلامك لهم وكلامهم لك على وجه التكبر عليهم والازدراء لهم. قال أهل اللغة وأصل الصعر داء يأخذ الإبل في أعناقها فتلتوى رءوسها فشبه به الرجل المتكبر الّذي يميل وجهه إذا كلم الناس أو كلموه على وجه التعظم عليهم قال أبو طالب في شعره وكنا قديما لا نقر ظلامة … إذا ما ثنوا صعر الخدود نقيمها وقال عمرو بن حيي التغلبي وكنا إذا الجبار صعر خده … أقمنا له من ميله فتقوما وقوله ﴿وَلا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحاً إِنَّ اللهَ لا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتالٍ فَخُورٍ﴾ ينهاه عن التبختر في المشية على وجه العظمة والفخر على الناس كما قال تعالى ﴿وَلا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحاً إِنَّكَ لَنْ تَخْرِقَ الْأَرْضَ وَلَنْ تَبْلُغَ الْجِبالَ طُولاً﴾. يعنى لست بسرعة مشيك تقطع البلاد في مشيتك هذه ولست بدقك الأرض برجلك تخرق الأرض بوطئك عليها ولست بتشامخك وتعاظمك وترفعك تبلغ الجبال طولا فاتئد على نفسك فلست تعدو قدرك. وقد ثبت في الحديث بينما رجل يمشى في برديه يتبختر فيهما إذ خسف الله به الأرض فهو يتجلل فيها الى يوم القيامة وفي الحديث الآخر (إياك وإسبال الازار فإنها من المخيلة لا يحبها الله) كما قال في هذه الآية ﴿إِنَّ اللهَ لا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتالٍ فَخُورٍ﴾ ولما نهاه عن الاختيال في المشي أمره بالقصد فيه فإنه لا بد له أن يمشى فنهاه عن الشر وأمره بالخير فقال واقصد في مشيك أي لا تتباطأ مفرطا ولا تسرع اسراعا مفرطا ولكن بين ذلك قواما كما قال تعالى ﴿وَعِبادُ الرَّحْمنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْناً وَإِذا خاطَبَهُمُ الْجاهِلُونَ قالُوا سَلاماً﴾ ثم قال ﴿وَاُغْضُضْ مِنْ صَوْتِكَ﴾ يعنى إذا تكلمت لا تتكلف رفع صوتك فان أرفع الأصوات وأنكرها صوت الحمير. وقد ثبت في الصحيحين الأمر بالاستعاذة عند سماع صوت الحمير بالليل فإنها رأت شيطانا ولهذا نهى عن رفع الصوت حيث لا حاجة اليه ولا سيما عند العطاس فيستحب خفض الصوت وتخمير الوجه كما ثبت به الحديث من صنيع رسول الله ﷺ فاما رفع الصوت بالأذان وعند الدعاء الى الفئة للقتال وعند الإهلاك ونحو ذلك فذلك مشروع فهذا مما قصه الله تعالى عن لقمان ﵇ في القرآن من الحكم والوصايا النافعة الجامعة للخير المانعة من الشر وقد وردت آثار كثيرة في أخباره ومواعظه وقد كان له كتاب يؤثر عنه يسمى بحكمة لقمان ونحن نذكر من ذلك ما تيسر إن شاء الله تعالى. قال الامام أحمد حدثنا على بن إسحاق أنبأنا ابن المبارك أنبأنا سفيان أخبرنى نهيك بن يجمع الضبيّ

стр. 465

عن قزعة عن ابن عمر قال أخبرنا رسول الله ﷺ قال إن لقمان الحكيم كان يقول إن الله إذا استودع شيئا حفظه وقال ابن أبى حاتم حدثنا أبو سعيد الأشج حدثنا عيسى بن يونس عن الأوزاعي عن موسى ابن سليمان عن القاسم بن مخيمرة أن رسول الله ﷺ قال قال لقمان لابنه وهو يعظه يا بنى إياك والتقنع فإنه مخونة بالليل مذمة بالنهار وقال أيضا حدثنا أبى حدثنا عمرو بن عمارة حدثنا ضمرة حدثنا السري بن يحيى قال لقمان لابنه (يا بنى إن الحكمة أجلست المساكين مجالس الملوك) وحدثنا أبى حدثنا عبدة بن سليمان أنبأنا ابن المبارك أنبأنا عبد الرحمن المسعودي عن عون بن عبد الله قال قال لقمان لابنه يا بنى إذا أتيت نادى قوم فادمهم بسهم الإسلام يعنى السلام ثم اجلس بناحيتهم فلا تنطق حتى تراهم قد نطقوا فان أفاضوا في ذكر الله فاجل سهمك معهم وان أفاضوا في غير ذلك فحول عنهم الى غيرهم وحدثنا أبى حدثنا عمرو بن عثمان حدثنا ضمرة عن حفص بن عمر قال وضع لقمان جرابا من خردل الى جانبه وجعل يعظ ابنه وعظة ويخرج خردلة حتى نفد الخردل فقال يا بنى لقد وعظتك موعظة لو وعظها جبل تفطر قال فتفطر ابنه. وقال أبو القاسم الطبراني حدثنا يحيى بن عبد الباقي المصيصي حدثنا أحمد بن عبد الرحمن الحراني حدثنا عثمان ابن عبد الرحمن الطرائفى عن ابن سفيان المقدسي عن خليفة بن سلام عن عطاء بن أبى رباح عن ابن عباس قال قال رسول الله ﷺ (اتخذوا السودان فان ثلاثة منهم من أهل الجنة لقمان الحكيم والنجاشي وبلال المؤذن قال الطبراني يعنى الحبشي وهذا حديث غريب منكر وقد ذكر له الامام أحمد في كتاب الزاهد ترجمة ذكر فيها فوائد مهمة جمة فقال حدثنا وكيع حدثنا سفيان عن رجل عن مجاهد ﴿وَلَقَدْ آتَيْنا لُقْمانَ الْحِكْمَةَ﴾ قال الفقه والاصابة في غير نبوة. وكذا روى عن وهب بن منبه وحدثنا وكيع حدثنا سفيان عن أشعث عن عكرمة عن ابن عباس قال كان لقمان عبدا حبشيا وحدثنا اسود حدثنا حماد عن على بن يزيد عن سعيد بن المسيب أن لقمان كان خياطا وحدثنا سيار حدثنا جعفر حدثنا مالك يعنى بن دينار قال قال لقمان لابنه يا بنى اتخذ طاعة الله تجارة تأتك الأرباح من غير بضاعة. وحدثنا يزيد حدثنا أبو الأشهب عن محمد بن واسع قال كان لقمان يقول لابنه يا بنى اتّق الله ولا ترى الناس أنك تخشى الله ليكرموك بذلك وقلبك فاجر وحدثنا يزيد بن هارون ووكيع قالا حدثنا أبو الأشهب عن خالد الربعي قال كان لقمان عبدا حبشيا نجارا فقال له سيده اذبح لي شاة فذبح له شاة فقال ائتني بأطيب مضغتين فيها فأتاه باللسان والقلب فقال اما كان فيها شيء أطيب من هذين قال لا قال فسكت عنه ما سكت ثم قال له اذبح لي شاة فذبح له شاة فقال له وألق أخبثها مضغتين فرمى باللسان والقلب فقال أمرتك أن تأتينى بأطيبها مضغتين فأتيتني باللسان والقلب وأمرتك أن تلقى أخبثها مضغتين فألقيت اللسان والقلب فقال له إنه ليس شيء أطبب منهما إذا طابا ولا أخبث منهما إذا خبثا. وحدثنا داود بن رشيد حدثنا ابن المبارك حدثنا معمر عن أبى عثمان رجل من أهل البصرة يقال له الجعد أبو عثمان قال قال لقمان لابنه لا ترغب في ود الجاهل

стр. 466

فيرى أنك ترضى عمله ولا تهاون بمقت الحكيم فيزهده فيك. وحدثنا داود بن أسيد حدثنا إسماعيل ابن عياش عن ضمضم ابن زرعة عن شريح بن عبيد الحضرميّ عن عبد الله بن زيد قال قال لقمان ألا أن يد الله على أفواه الحكماء لا يتكلم أحدهم إلا ما هيأ الله له. وحدثنا عبد الرزاق سمعت بن جريج قال كنت أقنع رأسي بالليل فقال لي عمر أما علمت أن لقمان قال القناع بالنهار مذلة معذرة أو قال معجزة بالليل فلم تقنع رأسك بالليل قال قلت له إن لقمان لم يكن عليه دين. وحدثني حسن بن الجنيد حدثنا سفيان قال لقمان لابنه يا بنى ما ندمت على السكوت قط وان كان الكلام من فضة فالسكوت من ذهب. وحدثنا عبد الصمد ووكيع قالا حدثنا أبو الأشهب عن قتادة أن لقمان قال لابنه يا بنى اعتزل الشر يعتزلك فإن الشر للشر خلق. وحدثنا أبو معاوية حدثنا هشام بن عروة عن أبيه قال مكتوب في الحكمة يا بنى إياك والرغب فان الرغب كل الرغب يبعد القريب من القريب ويزيل الحكم كما يزيل الطرب. يا بنى إياك وشدة الغضب فان شدة الغضب ممحقة لفؤاد الحكيم. قال الامام أحمد حدثنا عبد الرحمن بن مهدي حدثنا نافع بن عمر عن ابن أبى مليكة عن عبيد بن عمير قال قال لقمان لابنه وهو يعظه (يا بنى اختر المجالس على عينك فإذا رأيت المجلس يذكر فيه الله فاجلس معهم فإنك إن تك عالما ينفعك علمك وإن تك غبيا يعلموك وان يطلع الله عليهم برحمة تصيبك معهم. يا بنى لا تجلس في المجلس الّذي لا يذكر الله فيه فإنك إن تك عالما لا ينفعك علمك وان تك غبيا يزيدوك غبيا وان يطلع الله إليهم بعد ذلك بسخط يصيبك معهم يا بنى لا تغبطوا أمراء رحب الذراعين يسفك دماء المؤمنين فان له عند الله قاتلا لا يموت. وحدثنا أبو معاوية حدثنا هشام بن عروة عن أبيه قال مكتوب في الحكمة (بنى لتكن كلمتك طيبة وليكن وجهك بسطا تكن أحب إلى الناس ممن يعطيهم العطاء) وقال مكتوب في الحكمة أو في التوراة (الرّفق رأس الحكمة) وقال مكتوب في التوراة كما ترحمون ترحمون وقال مكتوب في الحكمة (كما تزرعون تحصدون) وقال مكتوب في الحكمة أحب خليلك وخليل أبيك. وحدثنا عبد الرزاق عن معمر عن أيوب عن أبى قلابة قال (قيل للقمان أي الناس أصبر قال صبر لا يتبعه أذى. قيل فأى الناس أعلم قال من ازداد من علم الناس إلى علمه. قيل فأى الناس خير قال الغنى. قيل الغنى من المال قال لا ولكن الغنى الّذي إذا التمس عنده خير وجد والا أغنى نفسه عن الناس. وحدثنا سفيان هو ابن عيينة قال قيل للقمان أي الناس شر قال الّذي لا يبالي أن يراه الناس مسيئا. وحدثنا أبو الصمد عن مالك بن دينار قال وجدت في بعض الحكمة يبدد الله عظام الذين يتكلمون بأهواء الناس ووجدت فيها لا خير لك في أن تعلم ما لم تعلم ولما تعمل بما قد علمت فان مثل ذلك مثل رجل احتطب حطبا فحزم حزمة ثم ذهب يحملها فعجز عنها فضم إليه أخرى. وقال عبد الله بن أحمد حدثنا الحكم بن أبى زهير وهو الحكم بن موسى حدثنا الفرج بن فضالة عن أبى سعيد قال قال لقمان لابنه

стр. 467

(يا بنى لا يأكل طعامك إلا الأتقياء وشاور في أمرك العلماء. وهذا مجموع ما ذكره الامام أحمد في هذه المواضع وقد قدمنا من الآثار كثيرا لم يروها كما أنه ذكر أشياء ليست عندنا والله أعلم. وقال ابن أبى حاتم حدثنا أبى حدثنا العباس بن الوليد حدثنا زيد بن يحيى بن عبيد الخزاعي حدثنا سعيد بن بشير عن قتادة قال خير الله لقمان الحكيم بين النبوة والحكمة فاختار الحكمة على النبوة قال فأتاه جبريل وهو نائم فدر عليه الحكمة قال فأصبح ينطق بها. قال سعد سمعت قتادة يقول قيل للقمان كيف اخترت الحكمة على النبوة وقد خيرك ربك فقال إنه لو أرسل إلى بالنّبوّة عزمة لرجوت فيه الفوز منه ولكنت أرجو أن أقوم بها ولكن خيرنى فخفت أن أضعف عن النبوة فكانت الحكمة أحب إلى. وهذا فيه نظر لأن سعيد بن بشير عن قتادة قد تكلموا فيه والّذي رواه سعيد بن أبى عروبة عن قتادة في قوله ﴿وَلَقَدْ آتَيْنا لُقْمانَ الْحِكْمَةَ﴾ قال يعنى الفقه والإسلام ولم يكن نبيا ولم يوح اليه. وهكذا نص على هذا غير واحد من السلف منهم مجاهد وسعيد بن المسيب وابن عباس والله أعلم * قصة أصحاب الأخدود قال الله تعالى ﴿وَالسَّماءِ ذاتِ الْبُرُوجِ * وَالْيَوْمِ الْمَوْعُودِ * وَشاهِدٍ وَمَشْهُودٍ * قُتِلَ أَصْحابُ الْأُخْدُودِ * النّارِ ذاتِ الْوَقُودِ * إِذْ هُمْ عَلَيْها قُعُودٌ * وَهُمْ عَلى ما يَفْعَلُونَ بِالْمُؤْمِنِينَ شُهُودٌ * وَما نَقَمُوا مِنْهُمْ إِلاّ أَنْ يُؤْمِنُوا بِاللهِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ * الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَاللهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ * إِنَّ الَّذِينَ فَتَنُوا الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِناتِ ثُمَّ لَمْ يَتُوبُوا فَلَهُمْ عَذابُ جَهَنَّمَ وَلَهُمْ عَذابُ الْحَرِيقِ﴾. قد تكلمنا على ذلك مستقصى في تفسير هذه السورة ولله الحمد. وقد زعم محمد بن إسحاق أنهم كانوا بعد مبعث المسيح وخالفه غيره فزعموا أنهم كانوا قبله. وقد ذكر غير واحد أن هذا الصنيع مكرر في العالم مرارا في حق المؤمنين من الجبارين الكافرين ولكن هؤلاء المذكورون في القرآن قد ورد فيهم حديث مرفوع واثر أورده ابن إسحاق وهما متعارضان وها نحن نوردهما لتقف عليهما. قال الامام أحمد حدثنا حماد بن سلمة عن ثابت عن عبد الرحمن بن أبى ليلى عن صهيب أن رسول الله ﷺ قال كان ملك فيمن كان قبلكم وكان له ساحر فلما كبر الساحر قال للملك انى قد كبرت سنى وحضر أجلى فادفع إلى غلاما فلأعلمه السحر فدفع إليه غلاما فكان يعلمه السحر وكان بين الملك وبين الساحر راهب فأتى الغلام على الراهب فسمع من كلامه فأعجبه نحوه وكلامه وكان إذا أتى الساحر ضربه وقال ما حبسك وإذا أتى أهله ضربوه وقالوا ما حبسك فشكا ذلك إلى الراهب فقال إذا أراد الساحر أن يضربك فقل حبسني أهلي وإذا أراد أهلك أن يضربوك فقل حبسني الساحر قال فبينا هو ذات يوم إذ أتى على دابة فظيعة عظيمة قد حبست الناس فلا يستطيعون أن يجوزوا فقال اليوم أعلم أمر الساحر أحب إلى الله أم أمر الراهب قال فأخذ حجرا فقال اللهمّ إن كان أمر الراهب

стр. 468

أحب إليك وأرضى من أمر الساحر فاقتل هذه الدابة حتى يجوز الناس ورماها فقتلها ومضى فأخبر الراهب بذلك فقال أي بنى أنت أفضل منى وانك ستبتلى فان ابتليت فلا تدل على فكان الغلام يبرئ الأكمه والأبرص وسائر الأدواء ويشفيهم الله على يديه وكان جليس للملك فعمى فسمع به فأتاه بهدايا كثيرة فقال اشفني ولك ما هاهنا اجمع فقال ما أنا أشفى أحدا إنما يشفى الله فان آمنت به ودعوت الله شفاك فآمن فدعا الله فشفاه. ثم أتى الملك فجلس منه نحو ما كان يجلس فقال له الملك يا فلان من رد عليك بصرك فقال ربى قال أنا قال لا ربى وربك الله قال ولك رب غيري قال نعم ربى وربك الله فلم يزل يعذبه حتى دل على الغلام فأتى به فقال أي بنى بلغ من سحرك أن تبرئ الأكمه والأبرص وهذه الأدواء قال ما أشفى أنا أحدا انما يشفى الله قال أنا قال لا قال أولك رب غيري قال ربى وربك الله قال فأخذه أيضا بالعذاب ولم يزل به حتى دل على الراهب فأتى الراهب فقال ارجع عن دينك فأبى فوضع المنشار في مفرق رأسه حتى وقع شقاه وقال للأعمى ارجع عن دينك فأبى فوضع المنشار في مفرق رأسه حتى وقع شقاه وقال للغلام ارجع عن دينك فأبى فبعث به مع نفر الى جبل كذا وكذا وقال إذا بلغتم ذروته فان رجع عن دينه والا فدهدهوه فذهبوا به فلما علوا الجبل قال اللهمّ اكفنيهم بما شئت فرجف بهم الجبل فدهدهوا أجمعون وجاء الغلام يتلمس حتى دخل على الملك فقال ما فعل أصحابك فقال كفانيهم الله فبعث به مع نفر في قرقرة فقال إذا لججتم البحر فان رجع عن دينه والا فاغرقوه في البحر فلججوا به البحر فقال الغلام (اللهمّ اكفنيهم بما شئت فغرقوا أجمعون وجاء الغلام حتى دخل على الملك فقال ما فعل أصحابك فقال كفانيهم الله. ثم قال للملك انك لست بقاتلي حتى تفعل ما آمرك به فان أنت فعلت ما آمرك به قتلتني والا فإنك لا تستطيع قتلى قال وما هو قال تجمع الناس في صعيد واحد ثم تصلبني على جذع وتأخذ سهما من كنانتي. ثم قل بسم الله رب الغلام فإنك إذا فعلت ذلك قتلتني ففعل ووضع السهم في كبد القوس ثم رماه وقال بسم الله رب الغلام فوقع السهم في صدغه فوضع الغلام يده على موضع السهم ومات فقال الناس آمنا برب الغلام آمنا برب الغلام فقيل للملك أرأيت ما كنت تحذر فقد والله نزل بك قد آمن الناس كلهم فامر بأفواه السكك فحفر فيها الأخاديد وأضرمت فيها النيران وقال من رجع عن دينه فدعوه والا فأقحموه فيها وقال فكانوا يتعادون فيها ويتواقعون فجاءت امرأة بابن لها ترضعه فكأنها تقاعست أن تقع في النار فقال الصبى اصبري يا أماه فإنك على الحق كذا رواه الامام احمد ورواه مسلم والنسائي من حديث حماد بن سلمة زاد النسائي وحماد بن زيد كلاهما عن ثابت به ورواه الترمذي من طريق عبد الرزاق عن معمر عن ثابت باسناده نحوه وجرد إيراده كما بسطنا ذلك في التفسير وقد أورد محمد ابن إسحاق هذه القصة على وجه آخر فقال حدثني يزيد بن زياد عن محمد بن كعب وحدثني أيضا بعض أهل نجران عن أهلها أن أهل نجران كانوا أهل شرك يعبدون الأوثان وكان في

стр. 469

قرية من قراها قريبا من نجران (ونجران هي القرية العظمى التي اليها جماع أهل تلك البلاد) ساحر يعلم غلمان أهل نجران السحر فلما نزلها فيمون ولم يسموه لي بالاسم الّذي سماه ابن منبه قالوا رجل نزلها فابتنى خيمة بين نجران وبين تلك القرية التي فيها الساحر وجعل أهل نجران يرسلون غلمانهم الى ذلك الساحر يعلمهم السحر فبعث التامر ابنه عبد الله بن التامر مع غلمان أهل نجران فكان إذا مر بصاحب الخيمة أعجبه ما يرى من عبادته وصلاته فجعل يجلس اليه ويسمع منه حتى أسلم فوحد الله وعبده وجعل يسأله عن شرائع الإسلام حتى إذا فقه فيه جعل يسأله عن الاسم الأعظم وكان يعلمه فكتمه إياه وقال له يا ابن أخى انك لن تحمله أخشى ضعفك عنه والتامر لا يظن الا أن ابنه عبد الله يختلف الى الساحر كما يختلف الغلمان فلما رأى عبد الله أن صاحبه قد ضن به عنه وتخوف ضعفه فيه عمد الى قداح فجمعها ثم لم يبق لله اسما يعلمه الا كتبه في قدح لكل اسم قدح حتى إذا أحصاها أو قد نارا ثم جعل يقذفها قدحا قدحا حتى إذا مر بالاسم الأعظم قذف فيها بقدحه فوثب القدح حتى خرج منها لم تضره شيئا فأخذه ثم أتى به صاحبه فأخبره أنه قد علم الاسم الأعظم الّذي قد كتمه فقال وما هو قال كذا وكذا قال وكيف علمته فأخبره بما صنع قال أي ابن أخى قد أصبته فأمسك على نفسك وما أظن أن تفعل فجعل عبد الله بن التامر إذا دخل نجران لم يلق أحدا به ضر الا قال يا عبد الله أتوحد الله وتدخل في ديني وأدعو الله لك فيعافيك عما أنت فيه من البلاء ودعا له فعوفي حتى رفع شأنه الى ملك نجران فدعاه فقال أفسدت عليّ أهل قريتي وخالفت ديني ودين آبائي لأمثلن بك قال لا تقدر على ذلك فجعل يرسل به الى الجبل الطويل فيطرح على رأسه فيقع الى الأرض ما به بأس وجعل يبعث به الى مياه بنجران بحور لا يلقى فيها شيء الا هلك فيلقى به فيها فيخرج ليس به بأس فلما غلبه قال له عبد الله بن التامر والله لا تقدر على قتلى حتى توحد الله فتؤمن بما آمنت به فإنك ان فعلت سلطت عليّ فقتلتني قال فوحد الله ذلك الملك وشهد شهادة عبد الله بن التامر ثم ضربه بعصا في يده فشجه شجة غير كبيرة فقتله وهلك الملك مكانه واستجمع أهل نجران على دين عبد الله بن التامر وكان على ما جاء به عيسى بن مريم من الإنجيل وحكمه ثم أصابهم ما أصاب أهل دينهم من الأحزاب فمن هنالك كان أصل دين النصرانية بنجران قال ابن إسحاق فهذا حديث محمد بن كعب وبعض أهل نجران عن عبد الله بن التامر فالله أعلم أي ذلك كان قال فسار اليهم ذو نواس بجنده فدعاهم الى اليهودية وخيرهم بين ذلك أو القتل فاختاروا القتل فخدوا الأخدود وحرق بالنار وقتل بالسيف ومثل بهم فقتل منهم قريبا من عشرين الفا ففي ذي نواس وجنده أنزل الله على رسوله ﴿قُتِلَ أَصْحابُ الْأُخْدُودِ * النّارِ ذاتِ الْوَقُودِ﴾ الآيات) وهذا يقتضي أن هذه القصة غير ما وقع في سياق مسلم وقد زعم بعضهم أن الأخدود وقع في العالم كثيرا كما قال ابن أبى حاتم. حدثنا أبى حدثنا أبو اليمان أنبأنا صفوان عن عبد الرحمن ابن جبير قال كانت الأخدود في اليمن زمان تبع وفي القسطنطينة زمان قسطنطين حين صرف النصارى

стр. 470

قبلتهم عن دين المسيح والتوحيد واتخذ أتونا والقى فيه النصارى الذين كانوا على دين المسيح والتوحيد وفي العراق في أرض بابل في زمان بخت نصّر حين صنع الصنم وأمر الناس فسجدوا له فامتنع دانيال وصاحباه عزريا ومشايل فأوقد لهم أتونا والقى فيها الحطب والنار ثم ألقاهما فيه فجعلها الله عليهم بردا وسلاما وأنقذهم منها والقى فيها الذين بغوا عليه وهم تسعة رهط فاكلتهم النار وقال أسباط عن السدي في قوله ﴿قُتِلَ أَصْحابُ الْأُخْدُودِ﴾ قال كان الأخدود ثلاثة خد بالشام وخد بالعراق وخد باليمن رواه بن أبى حاتم. وقد استقصيت ذكر أصحاب الأخدود والكلام على تفسيرها في سورة البروج ولله الحمد والمنة * باب بيان الاذن في الرواية والتحديث عن أخبار بنى إسرائيل قال الامام أحمد حدثنا عبد الصمد حدثنا همام حدثنا زيد عن عطاء بن يسار عن أبى سعيد الخدريّ عن النبي ﷺ قال قال (حدثوا عنى ولا تكذبوا عليّ ومن كذب عليّ متعمدا فليتبوَّأ مقعده من النار وحدثوا عن بنى إسرائيل ولا حرج). وقال أيضا حدثنا عفان حدثنا همام أنبأنا زيد بن أسلم عن عطاء ابن يسار عن أبى سعيد الخدريّ عن النبي ﷺ قال قال (لا تكتبوا عنى شيئا غير القرآن فمن كتب عنى شيئا غير القرآن فليمحه وقال حدثوا عن بنى إسرائيل ولا حرج حدثوا عنى ولا تكذبوا عليّ قال ومن كذب عليّ قال همام احسبه قال متعمدا فليتبوَّأ مقعده من النار) وهكذا رواه مسلم والنسائي من حديث همام ورواه أبو عوانة الأسفراييني عن أبى داود السجستاني عن هدبة عن همام عن زيد بن أسلم به ثم قال قال أبو داود اخطأ فيه همام وهو من قول أبى سعيد كذا قال وقد رواه الترمذي عن سفيان عن وكيع عن سفيان بن عيينة عن زيد بن أسلم ببعضه مرفوعا فالله أعلم قال الامام أحمد حدثنا الوليد بن مسلم أنبأنا الأوزاعي حدثنا حسان بن عطية حدثني أبو كبشة السلولي أن عبد الله بن عمرو بن العاص حدثه أنه سمع رسول الله ﷺ يعنى يقول بلغوا عنى ولو آية وحدثوا عن بنى إسرائيل ولا حرج ومن كذب على متعمدا فليتبوَّأ مقعده من النار. ورواه أحمد أيضا عن عبد الله بن نمير وعبد الرزاق كلاهما عن الأوزاعي به وهكذا رواه البخاري عن أبى عاصم النبيل عن الأوزاعي به وكذا رواه الترمذي عن بندار عن أبى عاصم ثم رواه عن محمد بن يحيى الذهلي عن محمد بن يوسف العرياني عن عبد الرحمن بن ثابت بن ثوبان عن حسان بن عطية وقال حسن صحيح وقال أبو بكر البزار حدثنا محمد بن المثنى أبو موسى حدثنا هشام بن معاوية حدثنا أبى عن قتادة عن أبى حسان عن عبد الله بن عمرو قال كان نبي الله ﷺ يحدثنا عامة ليلة عن بنى إسرائيل حتى نصبح ما نقوم فيها الا لمعظم صلاة ورواه ابو داود عن محمد بن مثنى ثم قال البزار حدثنا محمد بن مثنى حدثنا عفان حدثنا ابو هلال عن قتادة عن ابى حسان عن عمران بن حسين قال كان رسول الله ﷺ يحدثنا

стр. 471

عامة ليله عن بنى إسرائيل لا يقوم الا لمعظم صلات قال البزار وهشام احفظ من أبى هلال يعنى أن الصواب عن عبد الله بن عمرو لا عن عمران بن حصين والله أعلم. وقال الامام أحمد حدثنا يحيى هو القطان عن محمد بن عمرو حدثنا أبو سلمة عن أبى هريرة عن النبي ﷺ قال حدثوا عن بنى إسرائيل ولا حرج اسناد صحيح ولم يخرجوه. وقال الحافظ أبو يعلى حدثنا أبو خيثمة حدثنا وكيع حدثنا ربيع بن سعد الجعفي عن عبد الرحمن ابن سابط عن جابر قال قال رسول الله ﷺ حدثوا عن بنى إسرائيل فإنه قد كان فيهم الأعاجيب ثم أنشأ يحدث ﷺ قال خرجت طائفة من بنى إسرائيل حتى أتوا مقبرة من مقابرهم فقالوا لو صلينا ركعتين ودعونا الله فيخرج لنا رجلا قد مات نسائله يحدثنا عن الموت ففعلوا فبينما هم كذلك إذ أطلع رجل رأسه من قبر من تلك القبور بين عينيه أثر السجود فقال يا هؤلاء ما أردتم الىّ فقدمت منذ مائة عام فما سكنت عنى حرارة الموت حتى الآن فادعوا الله أن يعيدني كما كنت وهذا حديث غريب إذا تقرر جواز الرواية عنهم فهو محمول على ما يمكن أن يكون صحيحا فاما ما يعلم أو يظن بطلانه لمخالفته الحق الّذي بأيدينا عن المعصوم فذاك متروك مردود لا يعرج عليه ثم مع هذا كله لا يلزم من جواز روايته أن تعتقد صحته لما رواه البخاري قائلا حدثنا محمد بن يسار حدثنا عثمان بن عمر حدثنا على بن المبارك عن يحيى بن أبى كثير عن أبى سلمة عن أبى هريرة قال كان أهل الكتاب يقرءون التوراة بالعبرانية ويفسرونها بالعربية لأهل الإسلام فقال رسول الله ﷺ (لا تصدقوا أهل الكتاب ولا تكذبوهم وقولوا آمنا بالله وما أنزل إلينا وما أنزل إليكم ﴿وَإِلهُنا وَإِلهُكُمْ واحِدٌ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ﴾ تفرد به البخاري من هذا الوجه. وروى الامام أحمد من طريق الزهري عن أبى نملة الأنصاري عن أبيه أنه كان جالسا عند رسول الله ﷺ فقال إذا جاء رجل من اليهود فقال يا محمد هل تتكلم هذه الجنازة فقال رسول الله ﷺ الله أعلم فقال اليهودي أنا أشهد أنها تتكلم فقال رسول الله ﷺ (إذا حدثكم أهل الكتاب فلا تصدقوهم ولا تكذبوهم وقولوا آمنا بالله وكتبه ورسله فان كان حقا لم تكذبوهم وان كان باطلا لم تصدقوهم) تفرد به أحمد وقال الامام أحمد حدثنا شريح بن النعمان حدثنا هشيم أنبأنا مجالد عن الشعبي عن جابر بن عبد الله أن عمر بن الخطاب أتى النبي ﷺ بكتاب أصابه من بعض أهل الكتاب فقرأه على النبي ﷺ قال فغضب وقال أمتهوكون فيها يا ابن الخطاب والّذي نفسي به لقد جئتكم به بيضاء نقية لا تسألوهم عن شيء فيخبروكم بحق فتكذبوا به أو بباطل فتصدقوا به والّذي نفسي به لو أن موسى كان حيا ما وسعه الا أن يتبعني. تفرد به أحمد واسناده على شرط مسلم فهذه الأحاديث دليل على أنهم قد بدلوا ما بأيديهم من الكتب السماوية وحرفوها وأولوها ووضعوها على غير مواضعها ولا سيما ما يبدونه من المعربات التي لم يحيطوا بها علما وهي بلغتهم فكيف يعبرون عنها بغيرها ولأجل هذا وقع في تعريبهم خطأ كبير ووهم كثير مع ما لهم من المقاصد الفاسدة والآراء الباردة وهذا يتحققه من نظر في

стр. 472

كتبهم التي بأيديهم وتأمل ما فيها من سوء التعبير وقبيح التبديل والتغيير وبالله المستعان وهو نعم المولى ونعم النصير. وهذه التوراة التي يبدونها ويخفون منها كثيرا فيما ذكروه فيها تحريف وتبديل وتغيير وسوء تعبير يعلم من نظر فيها وتأمل ما قالوه وما أبدوه وما أخفوه وكيف يسوغون عبارة فاسدة البناء والتركيب باطلة من حيث معناها وألفاظها. وهذا كعب الأحبار من أجود من ينقل عنهم وقد أسلم في زمن عمر وكان ينقل شيئا عن أهل الكتاب فكان عمر ﵁ يستحس بعض ما ينقله لما يصدقه من الحق وتأليفا لقلبه فتوسع كثير من الناس في أخذ ما عنده وبالغ أيضا هو في نقل تلك الأشياء التي كثير منها ما يساوى مداده. ومنها ما هو باطل لا محالة. ومنها ما هو صحيح لما يشهد له الحق الّذي بأيدينا. وقد قال البخاري وقال أبو اليمان حدثنا شعيب عن الزهري أخبرنى حميد بن عبد الرحمن أنه سمع معاوية يحدث رهطا من قريش بالمدينة. وذكر كعب الأحبار فقال ان كان من اصدق هؤلاء المحدثين الذين يحدثون عن أهل الكتاب وان كنا مع ذلك لنبلو عليه الكذب يعنى من غير قصد منه. وروى البخاري من حديث الزهري عن عبيد الله بن عبد الله عن ابن عباس أنه قال. كيف يسألون أهل الكتاب عن شيء وكتابكم الّذي أنزل الله على رسوله أحدث الكتب بالله تقرءونه محضا لم يشب وقد حدثكم أن أهل الكتاب بدلوا كتاب الله وغيروه وكتبوا بأيديهم الكتاب وقالوا هو من عند الله ليشتروا به ثمنا قليلا الا ينهاكم ما جاءكم من العلم عن مسألتهم لا والله ما رأينا منهم رجلا يسألكم عن الّذي أنزل عليكم وروى ابن جرير عن عبد الله بن مسعود أنه قال لا تسألوا أهل الكتاب عن شيء فإنهم لن يهدوكم وقد ضلوا إما أن تكذبوا بحق أو تصدقوا بباطل والله أعلم * قصة جريج أحد عباد بنى إسرائيل قال الامام أحمد حدثنا وهب بن جرير حدثني أبى سمعت محمد بن سيرين يحدث عن أبى هريرة قال قال رسول الله ﷺ لم يتكلم في المهد الا ثلاثة عيسى بن مريم قال وكان في بنى إسرائيل رجل عابد يقال له جريج فابتنى صومعة وتعبد فيها قال فذكر بنو إسرائيل عبادة جريج فقالت بغى منهم لئن شئتم لأفتننه فقالوا قد شئنا ذاك قال فاتته فتعرضت له فلم يلتفت اليها فامكنت نفسها من راع كان يؤوى غنمه الى أصل صومعة جريج فحملت فولدت غلاما فقالوا ممن قالت من جريج فاتوه فاستنزلوه فشتموه وضربوه وهدموا صومعته فقال ما شأنكم قالوا انك زنيت بهذه البغي فولدت غلاما فقال وأين هو قالوا هو هذا قال فقام فصلى ودعا ثم انصرف الى الغلام فطعنه بإصبعه فقال بالله يا غلام من أبوك فقال انا ابن الراعي فوثبوا الى جريج فجعلوا يقبلونه وقالوا نبنى صومعتك من ذهب قال لا حاجة لي في ذلك ابنوها من طين كما كانت قال وبينما امرأة في حجرها ابن لها ترضعه إذ مر بها راكب ذو شارة فقالت

стр. 473

اللهمّ اجعل ابني مثل هذا قال فترك ثديها وأقبل على الراكب فقال اللهمّ لا تجعلني مثله قال ثم عاد الى ثديها فمصه. قال أبو هريرة فكأني انظر إلى رسول الله ﷺ يحكى صنيع الصبى ووضع إصبعه في فيه يمصها. ثم مرت بأمة تضرب فقالت اللهمّ لا تجعل ابني مثلها قال فترك ثديها وأقبل على الأمة فقال اللهمّ اجعلني مثلها قال فذاك حين تراجعا الحديث فقالت خلفي مر الراكب ذو الشارة فقلت اللهمّ اجعل ابني مثله فقلت اللهمّ لا تجعلني مثله ومررت بهذه الأمة فقلت اللهمّ لا تجعل ابني مثلها فقلت اللهمّ اجعلني مثلها فقال يا أمتاه ان الراكب ذو الشارة جبار من الجبابرة وان هذه الأمة يقولون زنت ولم تزن وسرقت ولم تسرق وهي تقول حسبي الله وهكذا رواه البخاري في أحاديث الأنبياء وفي المظالم عن مسلم بن إبراهيم ومسلم في كتاب الأدب عن زهير بن حرب عن يزيد بن هارون كلاهما عن جرير بن حازم به طريق أخرى وسياق آخر. قال الامام أحمد حدثنا يحيى بن سعيد حدثنا سليمان بن المغيرة حدثنا حميد بن هلال عن أبى رافع عن أبى هريرة عن النبي ﷺ قال كان جريج يتعبد في صومعته قال فأتته أمه فقالت يا جريج أنا أمك وكلمني قال وكان أبو هريرة يصف كيف كان رسول الله ﷺ وضع يده على حاجبه الأيمن قال وصادفته يصلى قال يا رب أمى وصلاتي فاختار صلاته فرجعت ثم أتته فصادفته يصلى فقالت يا جريج أنا أمك فكلمني فقال يا رب أمى وصلاتي فاختار صلاته فقالت اللهمّ هذا جريج وانه ابني وانى كلمته فأبى أن يكلمني اللهمّ فلا تمته حتى تريه المومسات. ولو دعت عليه أن يفتتن لافتتن قال وكان راع يأوى إلى ديره فخرجت امرأة فوقع عليها الراعي فولدت غلاما فقيل ممن هذا فقالت هو من صاحب الدير فأقبلوا بفئوسهم ومساحيهم وأقبلوا إلى الدير فنادوه فلم يكلمهم فأقبلوا يهدمون ديره فنزل اليهم فقالوا سل هذه المرأة قال أراه تبسم قال ثم مسح رأس الصبى فقال من أبوك قال راعى الضأن قالوا يا جريج نبنى ما هدمنا من ديرك بالذهب والفضة قال لا ولكن اعيدوه كما كان ففعلوا ورواه مسلم في الاستيذان عن شيبان بن فروخ عن سليمان بن المغيرة به. سياق آخر قال الامام أحمد حدثنا عفان حدثنا حماد أنبأنا ثابت عن أبى رافع عن أبى هريرة أن رسول الله ﷺ قال (كان في بنى إسرائيل رجل يقال له جريج كان يتعبد في صومعته فأتته أمه ذات يوم فنادته فقالت أي جريج أي بنى أشرف على أكلمك أنا أمك أشرف على فقال أي ربى صلاتي وأمى فأقبل على صلاته ثم عادت فنادته مرارا فقالت أي جريج أي بنى أشرف على فقال أي رب صلاتي وأمي فأقبل على صلاته فقالت اللهمّ لا تمته حتى تريه المومسة وكانت راعية ترعى غنما لأهلها ثم تأوى إلى ظل صومعته فأصابت فاحشة فحملت فأخذت. وكان من زنى منهم قتل فقالوا ممن قالت من جريج صاحب الصومعة فجاءوا بالفئوس والمرور فقالوا أي جريج اى مرائى انزل فأبى وأقبل على صلاته يصلى فأخذوا في هدم صومعته

стр. 474

فلما رأى ذلك نزل فجعلوا في عنقه وعنقها حبلا فجعلوا يطوفون بهما في الناس فوضع إصبعه على بطنها فقال اى غلام من أبوك فقال أبى فلان راعى الضأن فقبلوه وقالوا إن شئت بنينا لك صومعتك من ذهب وفضة قال أعيدوها كما كانت وهذا سياق غريب واسناده على شرط مسلم ولم يخرجه أحد من أصحاب الكتب من هذا الوجه. فهؤلاء ثلاثة تكلموا في المهد عيسى بن مريم ﵇ وقد تقدم الكلام على قصته وصاحب جريج بن البغي من الراعي كما سمعت واسمه يابوس كما ورد مصرحا به في صحيح البخاري والثالث ابن المرأة التي كانت ترضعه فتمنت له أن يكون كصاحب الشارة الحسنة فتمنى أن يكون كتلك الأمة المتهومة بما هي بريئة منه وهي تقول حسبي الله ونعم الوكيل كما تقدم في رواية محمد بن سيرين عن أبى هريرة مرفوعا. وقد رواه الامام أحمد عن هوذة عن عوف الأعرابي عن خلاس عن أبى هريرة عن النبي ﷺ بقصة هذا الغلام الرضيع وهو اسناد حسن. وقال البخاري حدثنا أبو اليمان حدثنا شعيب حدثنا أبو الزناد عن عبد الرحمن الأعرج حدثه أنه سمع أبا هريرة أنه سمع رسول الله ﷺ قال بينما امرأة ترضع ابنها إذ مر بها راكب وهي ترضعه فقالت اللهمّ لا تمت ابني حتى يكون مثل هذا فقال اللهمّ لا تجعلني مثله ثم رجع في الثدي ومر بامرأة تجر ويلعب بها فقالت اللهمّ لا تجعل ابني مثل هذه فقال اللهمّ اجعلني مثلها فقال أما الراكب فإنه كافر. واما المرأة فإنهم يقولون إنها تزني وتقول حسبي الله ويقولون تسرق وتقول حسبي الله. وقد ورد في من تكلم في المهد أيضا شاهد يوسف كما تقدم وابن ماشطة آل فرعون والله أعلم * قصه برصيصا وهي عكس قضية جريج فان جريجا عصم وذلك فتن. قال ابن جرير حدثني يحيى بن إبراهيم المسعودي أنبأنا أبى عن أبيه عن جده عن الأعمش عن عمارة عن عبد الرحمن بن يزيد عن عبد الله بن مسعود في هذه الآية ﴿كَمَثَلِ الشَّيْطانِ إِذْ قالَ لِلْإِنْسانِ اُكْفُرْ فَلَمّا كَفَرَ قالَ إِنِّي بَرِيءٌ مِنْكَ إِنِّي أَخافُ اللهَ رَبَّ الْعالَمِينَ * فَكانَ عاقِبَتَهُما أَنَّهُما فِي النّارِ خالِدَيْنِ فِيها وَذلِكَ جَزاءُ الظّالِمِينَ﴾. قال ابن مسعود وكانت امرأة ترعى الغنم وكان لها اخوة أربعة وكانت تأوى بالليل إلى صومعة راهب قال فنزل الراهب ففجر بها فحملت فأتاه الشيطان فقال له اقتلها ثم ادفنها فإنك رجل تصدق ويسمع قولك فقتلها ثم دفنها قال فأتى الشيطان اخوتها في المنام فقال لهم ان الراهب صاحب الصومعة فجر بأختكم فلما أحبلها قتلها ثم دفنها في مكان كذا وكذا. فلما أصبحوا قال رجل منهم والله لقد رأيت البارحة رؤيا ما أدرى أقصها عليكم أم أترك قالوا لا بل قصها علينا قال فقصها فقال الآخر وأنا والله لقد رأيت ذلك فقال الآخر وأنا والله لقد رأيت

стр. 475

ذلك قالوا فو الله ما هذا إلا لشيء فانطلقوا فاستعدوا ملكهم على ذلك الراهب فأتوه فأنزلوه. ثم انطلقوا به فأتاه الشيطان فقال انى أنا أوقعتك في هذا ولن ينجيك منه غيري فاسجد لي سجدة واحدة وانجيك مما أوقعتك فيه قال فسجد له فلما أتوا به ملكهم تبرأ منه وأخذ فقتل. وهكذا روى عن ابن عباس وطاوس ومقاتل ابن حيان نحو ذلك وقد روى عن أمير المؤمنين على بن أبى طالب ﵁ بسياق آخر فقال ابن جرير حدثنا خلاد بن أسلم حدثنا النضر بن شميل أنبأنا شعبة عن أبى إسحاق سمعت عبد الله بن نهيك سمعت عليا يقول ان راهبا تعبد ستين سنة وان الشيطان أراده فأعياه فعمد الى امرأة فأجنها ولها اخوة فقال لإخوتها عليكم بهذا القس فيداويها قال فجاءوا بها اليه فداواها وكانت عنده فبينما هو يوما عندها إذ أعجبته فأتاها فحملت فعمد اليها فقتلها فجاء إخوتها فقال الشيطان للراهب انا صاحبك انك اعييتنى انا صنعت هذا بك فأطعني أنجك مما صنعت بك اسجد لي سجدة فسجد له قال انى بريء منك إني أخاف الله رب العالمين فذلك قوله ﴿كَمَثَلِ الشَّيْطانِ إِذْ قالَ لِلْإِنْسانِ اُكْفُرْ فَلَمّا كَفَرَ قالَ إِنِّي بَرِيءٌ مِنْكَ إِنِّي أَخافُ اللهَ رَبَّ الْعالَمِينَ﴾ قصة الثلاثة الذين آووا الى الغار فانطبق عليهم فتوسلوا الى الله تعالى بصالح اعمالهم ففرج عنهم. قال الامام البخاري حدثنا إسماعيل بن خليل أخبرنا على بن مسهر عن عبيد الله بن عمر عن نافع عن ابن عمر أن رسول الله ﷺ قال بينما ثلاثة نفر ممن كان قبلكم يمشون إذ أصابهم مطر فآووا الى غار فانطبق عليهم فقال بعضهم لبعض انه والله يا هؤلاء لا ينجيكم الا الصدق فليدع كل رجل منكم بما يعلم انه قد صدق فيه فقال واحدا منهم (اللهمّ ان كنت تعلم أنه كان لي أجير عمل لي على فرق من أزر فذهب وتركه وانى عمدت الى ذلك الفرق فزرعته فصار من أمره انى اشتريت منه بقرا وانه أتاني يطلب اجره فقلت اعمد الى تلك البقر فسقها فقال لي إنما لي عندك فرق من أرز فقلت له اعمد الى تلك البقر فإنها من ذلك الفرق فساقها فان كنت تعلم انى فعلت ذلك من خشيتك ففرج عنا) فانساخت عنهم الصخرة * فقال الأخر (اللهمّ ان كنت تعلم كان لي أبوان شيخان كبيران وكنت آتيهما كل ليلة بلبن غنم لي فأبطأت عنهما ليلة فجئت وقد رقدا وأهلي وعيالي يتضاغون من الجوع وكنت لا اسقيهم حتى يشرب أبواي فكرهت أن أوقظهما وكرهت ان ادعهما فيستكنا لشربتهما فلم أزل انتظر حتى طلع الفجر فان كنت تعلم أنى فعلت ذلك من خشيتك ففرج عنا فانساخت عنهم الصخرة حتى نظروا الى السماء * فقال الآخر اللهمّ ان كنت تعلم أنه كانت لي ابنة عم من أحبّ الناس الى وانى راودتها عن نفسها فأبت الا أن آتيها بمائة دينار فطلبتها حتى قدرت فأتيتها بها فدفعتها اليها فأمكنتني من نفسها فلما قعدت بين رجليها قالت اتّق الله ولا تفض الخاتم الا بحقه فقمت وتركت المائة دينار فان كنت

стр. 476

تعلم انى فعلت ذلك من خشيتك ففرج عنا ففرج الله عنهم فخرجوا، رواه مسلم عن سويد بن سعيد عن على بن مسهر به وقد رواه الامام احمد منفردا به عن مروان بن معاوية عن عمرو بن حمزة بن عبد الله بن عمر عن سالم عن أبيه عن النبي ﷺ بنحوه. ورواه الامام احمد من حديث وهب بن منبه عن النعمان بن بشير عن النبي ﷺ بنحو من هذا السياق وفيه زيادات ورواه البزار من طريق ابى إسحاق عن رجل من بجيلة عن النعمان بن بشير مرفوعا مثله ورواه البزار في مسندة من حديث ابى حنش عن على بن أبى طالب عن النبي ﷺ بنحوه خبر الثلاثة الأعمى والأبرص والأقرع روى البخاري ومسلم من غير وجه عن همام بن يحيى عن إسحاق بن عبد الله بن أبى طلحة حدثني عبد الرحمن بن ابى عمرة ان أبا هريرة حدثه أنه سمع رسول الله ﷺ يقول ان ثلاثة في بنى إسرائيل أبرص وأعمى وأقرع بدا لله ان يبتليهم فبعث الله اليهم ملكا فأتى الأبرص فقال له أي شيء أحب إليك فقال لون حسن وجلد حسن قد قذرنى الناس قال فمسحه فذهب عنه فاعطى لونا حسنا وجلدا حسنا. فقال اى المال أحب إليك قال الإبل أو قال البقر (هو شك في ذلك ان الأبرص والأقرع قال أحدهما الإبل وقال الأخر البقر) فاعطى ناقة عشراء فقال يبارك لك فيها. قال وأتى الأقرع فقال له أي المال أحب إليك قال شعر حسن ويذهب عنى هذا قد فذرني الناس فمسحه فذهب واعطى شعرا حسنا قال فأي المال أحبّ إليك قال البقر فأعطاه بقرة حاملا وقال يبارك لك فيها قال وأتى الأعمى فقال أي شيء أحب إليك قال يرد الله الى بصرى فأبصر به الناس قال فمسحه فرد الله اليه بصره قال فأى المال أحب إليك قال الغنم فأعطاه شاة والدا فانتج هذان وولد هذا فكان لهذا واد من الإبل ولهذا واد من البقر ولهذا واد من الغنم ثم انه أتى الأبرص في صورته وهيئته فقال رجل مسكين تقطعت بى الحبال في سفري فلا بلاغ اليوم الا بالله ثم بك أسألك بالذي أعطاك اللون الحسن والجلد الحسن والمال بعيرا أتبلغ عليه في سفري فقال له ان الحقوق كثيرة فقال له كأنى أعرفك ألم تكن أبرص يقذرك الناس فقيرا فأعطاك الله فقال لقد ورثت لكابر عن كابر فقال ان كنت كاذبا فصيرك الله الى ما كنت وأتى الأقرع في صورته وهيئته فقال له مثل ما قال لهذا فرد عليه مثل ما رد عليه هذا فقال ان كنت كاذبا فصيرك الله الى ما كنت وأتى الأعمى في صورته فقال رجل مسكين وابن سبيل وتقطعت بى الحبال في سفري فلا بلاغ اليوم الا بالله ثم بك اسألك بالذي رد عليك بصرك شاة أتبلغ بها في سفري فقال قد كنت أعمى فرد الله الى بصرى وفقيرا فقد أغنانى فخذ ما شئت فو الله لا أجهدك اليوم بشيء أخذته لله فقال أمسك مالك فإنما ابتليتم فقد رضى الله عنك وسخط على صاحبيك هذا لفظ البخاري في أحاديث بنى إسرائيل

стр. 477

حديث الّذي استلف من صاحبه ألف دينار فأداها قال الامام احمد حدثنا يونس بن محمد حدثنا ليث عن جعفر بن ربيعة عن عبد الرحمن بن هرمز عن أبى هريرة عن رسول الله ﷺ انه ذكر أن رجلا من بنى إسرائيل سأل بعض بنى إسرائيل أن يسلفه ألف دينار فقال ائتني بشهداء اشهدهم قال ﴿كَفى بِاللهِ شَهِيداً﴾ قال ائتني بكفيل قال كفى بالله كفيلا قال صدقت فدفعها اليه الى أجل مسمى فخرج في البحر فقضى حاجته ثم التمس مركبا يقدم عليه للأجل الّذي اجله فلم يجد مركبا فاخذ خشبة فنقرها وادخل فيها ألف دينار وصحيفة معها الى صاحبها ثم زجج موضعها ثم أتى بها البحر ثم قال اللهمّ انك قد علمت انى استسلفت فلانا ألف دينار فسألني كفيلا فقلت كفى بالله كفيلا فرضى بذلك وسألني شهيدا فقلت ﴿كَفى بِاللهِ شَهِيداً﴾ فرضى بذلك وانى قد جهدت ان أجد مركبا أبعث اليه بالذي أعطانى فلم أجد مركبا وانى استودعتكها فرمى بها في البحر حتى ولجت فيه ثم انصرف وهو في ذلك يطلب مركبا الى بلده فخرج الرجل الّذي كان أسلفه ينظر لعل مركبا يجيئه بماله فإذا بالخشبة التي فيها المال فأخذها لأهله حطبا فلما كسرها وجد المال والصحيفة ثم قدم الرجل الّذي كان تسلف منه فأتاه بألف دينار وقال والله ما زلت جاهدا في طلب مركب لآتيك بمالك فما وجدت مركبا قبل الّذي أتيت فيه قال هل كنت بعثت الى بشيء قال ألم أخبرك انى لم أجد مركبا قبل هذا الّذي جئت فيه قال فان الله ادى عنك الّذي بعثت به في الخشبة فانصرف بالفك راشدا. هكذا رواه الامام احمد مسندا وقد علقه البخاري في غير موضع من صحيحه بصيغة الجزم عن الليث بن سعد وأسنده في بعضها عن عبد الله بن صالح كاتب الليث عنه والعجب من الحافظ ابى بكر البزار كيف رواه في مسندة عن الحسن بن مدرك عن يحيى بن حماد عن أبى عوانة عن عمر بن سلمة عن أبيه عن أبى هريرة عن النبي ﷺ بنحوه ثم قال لا يروى الا من هذا الوجه بهذا الاسناد قصة أخرى شبيهة بهذه القصة في الصدق والأمانة قال البخاري حدثنا إسحاق بن نصر أخبرنا عبد الرزاق عن معمر عن همام بن منبه عن ابى هريرة قال قال رسول الله ﷺ اشترى رجل من رجل عقارا له فوجد الرجل الّذي اشترى العقار في عقاره جرة فيها ذهب فقال له الّذي اشترى العقار خذ ذهبك منى انما اشتريت منك الأرض ولم ابتع منك الذهب وقال الّذي له الأرض انما بعتك الأرض وما فيها فتحاكما الى رجل فقال الّذي تحاكما اليه ألكما ولد قال أحدهما لي غلام وقال الآخر لي جارية قال انكحوا الغلام الجارية وأنفقوا على أنفسهما منه وتصدقا هكذا روى البخاري هذا الحديث في اخبار بنى إسرائيل وأخرجه مسلم عن محمد بن رافع عن عبد الرزاق به وقد

стр. 478

روى ان هذه القصة وقعت في زمن ذي القرنين. وقد كان قبل بنى إسرائيل بدهور متطاولة والله أعلم قال إسحاق بن بشر في كتابه المبتدإ عن سعيد بن ابى عروبة عن قتادة عن الحسن ان ذا القرنين كان يتفقد أمور ملوكه وعماله بنفسه وكان لا يطلع على أحد منهم خيانة الا أنكر ذلك عليه وكان لا يقبل ذلك حتى يطلع هو بنفسه. قال فبينما هو يسير متنكرا في بعض المدائن فجلس الى قاض من قضاتهم أياما لا يختلف اليه أحد في خصومة فلما أن طال ذلك بذي القرنين ولم يطلع على شيء من أمر ذلك القاضي وهم بالانصراف إذا هو برجلين قد اختصما اليه فادعى أحدهما فقال أيها القاضي انى اشتريت من هذا دارا عمرتها ووجدت فيها كنزا وانى دعوته الى أخذه فأبى على فقال له القاضي ما تقول قال ما دفنت وما علمت به فليس هو لي ولا أقبضه منه قال المدعى أيها القاضي مر من يقبضه فتضعه حيث أحببت فقال القاضي تفر من الشر وتدخلني فيه ما أنصفتنى وما أظن هذا في قضاء الملك فقال القاضي هل لكما امرا نصف مما دعوتماني اليه قالا نعم قال للمدعى ألك ابن قال نعم وقال للآخر ألك ابنة قال نعم قال اذهبا فزوج ابنتك من ابن هذا وجهزهما من هذا المال وادفعا فضل ما بقي اليهما يعيشان به فتكونا مليا بخيره وشره فعجب ذو القرنين حين سمع ذلك ثم قال للقاضي ما ظننت ان في الأرض أحدا يفعل مثل هذا أو قاض يقضى بمثل هذا فقال القاضي وهو لا يعرفه وهل أحد يفعل غير هذا قال ذو القرنين نعم قال القاضي فهل يمطرون في بلادهم فعجب ذو القرنين من ذلك وقال بمثل هذا قامت السموات والأرض قصة أخرى قال البخاري حدثنا محمد بن بشار حدثنا محمد بن أبى عدي عن شعبة عن قتادة عن ابى الصديق الناجي عن ابى سعيد الخدريّ عن النبي ﷺ قال كان في بنى إسرائيل رجل قتل تسعة وتسعين إنسانا ثم خرج يسأل فأتى راهبا فسأله فقال هل من توبة قال لا فقتله فجعل يسأل فقال له رجل ائت قرية كذا وكذا فأدركه الموت فناء يصدره نحوها فاختصمت فيه ملائكة الرحمة وملائكة العذاب فأوحى الله الى هذه ان تقربي واوحى الى هذه ان تباعدى وقال قيسوا ما بينهما فوجد الى هذه أقرب بشبر فغفر له هكذا رواه هاهنا مختصرا وقد رواه مسلم عن بندار به ومن حديث شعبة ومن وجه آخر عن قتادة به مطولا حديث اخر قال البخاري حدثنا على بن عبد الله حدثنا سفيان حدثنا ابو الزناد عن الأعرج عن ابى سلمة عن أبى هريرة قال صلّى رسول الله ﷺ صلاة الصبح ثم اقبل على الناس فقال بينما رجل يسوق بقرة إذ ركبها فضربها فقالت إنا لم نخلق لهذا إنما خلقنا للحرث فقال الناس سبحان الله بقرة تكلم فقال فانى أو من بهذا أنا وأبو بكر وعمر وما هما ثم (قال) وبينما رجل في غنمه إذ عدا الذئب فذهب منها بشاة فطلب

стр. 479

حتى كأنه استنقذها منه فقال له الذئب (١) هذا استنقذتها منى فمن لها يوم السبع يوم لا راعى لها غيري فقال الناس سبحان الله ذئب يتكلم قال فانى أو من بهذا أنا وأبو بكر وعمر وما هما ثم (قال) وحدثنا على قال حدثنا سفيان عن مسعر عن سعد بن إبراهيم عن أبى سلمة عن أبى هريرة عن النبي ﷺ بمثله. وقد أسنده البخاري في المزارعة عن على بن المديني ومسلم عن محمد بن عباد كلاهما عن سفيان بن عيينة وأخرجاه من طريق شعبة كلاهما عن مسعر به. وقال الترمذي حسن صحيح وأخرج مسلم الطريق الأول من حديث سفيان بن عيينة وسفيان الثوري كلاهما عن أبى الزناد. (حديث آخر) قال البخاري حدثنا عبد العزيز بن عبد الله حدثنا إبراهيم عن سعد عن أبيه عن أبى سلمة عن أبى هريرة عن النبي ﷺ قال (إنه كان فيما مضى قبلكم من الأمم محدثون وإنه ان كان في أمتى هذه منهم فإنه عمر بن الخطاب) لم يخرجه مسلم من هذا الوجه وقد روى عن إبراهيم بن سعد عن أبى سلمة عن عائشة ﵂. (حديث آخر) قال البخاري حدثنا عبد الله بن مسلمة عن مالك عن ابن شهاب عن حميد بن عبد الرحمن أنه سمع معاوية بن أبى سفيان عام حج على المنبر فتناول قصة من شعر كانت في يدي حرسىّ فقال يا أهل المدينة أين علماؤكم سمعت رسول الله ﷺ ينهى عن مثل هذه ويقول إنما هلكت بنو إسرائيل حين اتخذها نساؤهم. وهكذا رواه مسلم وأبو داود من حديث مالك وكذا رواه معمر ويونس وسفيان بن عيينة عن الزهري بنحوه وقال الترمذي حديث صحيح. وقال البخاري حدثنا آدم حدثنا شعبة حدثنا عمرو بن مرة قال سمعت سعيد بن المسيب قال قدم معاوية بن أبى سفيان المدينة آخر قدمة قدمها فخطبنا فأخرج من كمه كبة شعر وقال ما كنت أرى أحدا يفعل هذا غير اليهود ان النبي ﷺ سماه الزور يعنى الوصال في الشعر تابعه غندر عن شعبة والعجب أن مسلما رواه من غير وجه عن غندر عن شعبة ومن حديث قتادة عن سعيد بن المسيب به. (حديث آخر) قال البخاري حدثنا سعيد بن تليد حدثنا ابن وهب قال أخبرنى جرير بن حازم عن أيوب عن محمد بن سيرين عن أبى هريرة قال قال رسول الله ﷺ بينما كلب يطيف بركية كاد يقتله العطش إذ رأته بغى من بغايا بنى إسرائيل فنزعت موقها فسقته فغفر لها به. ورواه مسلم عن أبى الطاهر بن السرح عن ابن وهب به. (حديث آخر) قال البخاري حدثنا عبد الله بن أسماء حدثنا جويرية عن نافع عن عبد الله بن عمر أن رسول الله ﷺ قال عذبت امرأة في هرة سجنتها حتى ماتت فدخلت فيها النار فلا هي أطعمتها ولا سقتها إذ حبستها ولا هي تركتها تأكل من خشاش الأرض. وكذا رواه مسلم عن عبد الله بن محمد بن أسماء به.

стр. 480

(حديث آخر) قال الامام أحمد حدثنا عثمان بن عمر حدثنا المستمر بن الريان حدثنا أبو نضرة عن أبى سعيد أن رسول الله ﷺ قال كان في بنى إسرائيل امرأة قصيرة فصنعت رجلين من خشب فكانت تمشى بين امرأتين قصيرتين واتخذت خاتما من ذهب وحشت تحت فصه أطيب الطيب والمسك فكانت إذا مرت بالمجلس حركته فنفح ريحه رواه مسلم من حديث المستمر وخليد بن جعفر كلاهما عن أبى نضرة عن أبى سعيد مرفوعا قريبا منه وقال الترمذي حديث صحيح. (حديث آخر) قال البخاري حدثنا آدم حدثنا شعبة عن منصور سمعت ربعي بن حراش يحدث عن ابن مسعود قال قال النبي ﷺ إن مما أدرك الناس من كلام النبوة الأولى (إذا لم تستح فاصنع ما شئت) تفرد به البخاري دون مسلم وقد رواه بعضهم عن ربعي بن حراش عن حذيفة مرفوعا وموقوفا أيضا والله أعلم. (حديث آخر) قال الامام أحمد حدثنا هاشم بن القسم حدثنا عبد الحميد يعنى بن بهرام حدثنا شهر بن حوشب قال قال أبو هريرة قال قال رسول الله بينما رجل وامرأة له في السلف الخالي لا يقدران على شيء فجاء الرجل من سفره فدخل على امرأته جائعا قد أصابته سغبة شديدة فقال لامرأته عندك شيء قالت نعم ابشر أتاك رزق الله فاستحثها فقال ويحك ابتغى ان كان عندك شيء قالت نعم هنيئة نرجو رحمة الله حتى إذا طال عليه المطال قال ويحك قومي فابتغى ان كان عندك شيء فأتينى به فانى قد بلغت الجهد وجهدت فقالت نعم الآن ينضج التنور فلا تعجل فلما أن سكت عنها ساعة وتحينت أيضا أن يقول لها قالت من عند نفسها لو قمت فنظرت الى تنورى فقامت فوجدت تنورها ملآن من جنوب الغنم ورحاها تطحن فقامت إلى الرحى فنفضتها واستخرجت ما في تنورها من جنوب الغنم قال أبو هريرة فو الّذي نفس أبى القاسم بيده عن قول محمد ﷺ لو أخذت ما في رحيبها ولم تنفضها لطحنت إلى يوم القيامة. وقال أحمد حدثنا أبو عامر حدثنا أبو بكر عن هشام عن محمد عن أبى هريرة قال دخل رجل على أهله فلما رأى ما بهم من الحاجة خرج إلى البرية فلما رأت امرأته ما لقي قامت الى الرحى فوضعتها والى التنور فسجرته ثم قالت اللهمّ ارزقنا فنظرت فإذا الجفنة قد امتلأت قال وذهبت الى التنور فوجدته ممتلئا قال فرجع الزوج قال أصبتم بعد شيئا قالت امرأته نعم من ربنا فرفعتها إلى الرحى ثم قامت فذكر ذلك للنّبيّ ﷺ قال (اما أنه لو لم ترفعها لم تزل تدور إلى يوم القيامة) قال شهدت النبي ﷺ وهو يقول (والله لأن يأتى أحدكم بحزمة حطب ثم يحمله فيبيعه فيستعفف منه خير له من أن يأتى رجلا فيسأله. قصة الملكين التائبين قال الامام أحمد حدثنا يزيد بن هارون حدثنا المسعودي عن سماك بن حرب عن عبد الرحمن بن عبد الله بن مسعود عن أبيه قال بينما رجل فيمن كان قبلكم كان في مملكته ففكر فعلم أن ذلك منقطع عنه

стр. 481

وأن ما هو فيه قد شغله عن عبادة ربه فانساب ذات ليلة من قصره وأصبح في مملكة غيره وأتى ساحل البحر فكان به يضرب اللبن بالآجر فيأكل ويتصدق بالفضل ولم يزل كذلك حتى رقى أمره إلى ملكهم فأرسل اليه فأبى أن يأتيه فركب اليه الملك فلما رآه ولى هاربا فركض في أثره فلم يدركه فناداه يا عبد الله انه ليس عليك منى بأس فقام حتى أدركه فقال له من أنت رحمك الله فقال أنا فلان بن فلان صاحب مملكة كذا وكذا ففكرت في أمرى فعلمت انما أنا فيه منقطع وأنه قد شغلني عن عبادة ربى فتركته وجئت هاهنا أعبد ربى فقال له ما أنت بأحوج لما صنعت منى قال فنزل عن دابته فسيبها وتبعه فكانا جميعا يعبدان الله فدعوا الله أن يميتهما جميعا فماتا. قال عبد الله فلو كنت برملية مصر لأريتكم قبورهما بالنعت الّذي نعت لنا رسول الله ﷺ . (حديث آخر) قال البخاري حدثنا أبو الوليد حدثنا أبو عوانة عن قتادة عن عقبة بن عبد الغافر عن أبى سعيد عن النبي ﷺ إن رجلا كان قبلكم رغسه الله مالا فقال لبنيه لما حضر أي أب كنت لكم قالوا خير أب قال فانى لم أعمل خيرا قط فإذا مت فاحرقونى ثم اسحقونى ثم اذرونى في يوم عاصف ففعلوا فجمعه الله فقال ما حملك فقال مخافتك فتلقاه برحمته ورواه في مواضع أخر ومسلم من طرق عن قتادة به. ثم رواه البخاري ومسلم من حديث ربعي بن حراش عن حذيفة عن النبي ﷺ بنحوه ومن حديث الزهري عن حميد بن عبد الرحمن عن أبى هريرة عن النبي ﷺ بنحوه. (حديث آخر) قال البخاري حدثنا عبد العزيز بن عبد الله حدثنا إبراهيم بن سعد عن ابن شهاب عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة عن أبى هريرة عن النبي ﷺ قال كان رجل يداين الناس فكان يقول لفتاه إذا أتيت معسرا فتجاوز عنه لعل الله أن يتجاوز عنا قال فلقى الله فتجاوز عنه وقد رواه في مواضع أخر ومسلم من طريق الزهري به. (حديث آخر) قال البخاري حدثنا عبد العزيز بن عبد الله حدثني مالك عن محمد بن المنكدر عن أبى النضر مولى عمر بن عبيد الله عن عامر بن سعد بن أبى وقاص عن أبيه أنه سمعه يسأل أسامة بن زيد ماذا سمعت من رسول الله ﷺ في الطاعون قال أسامة قال رسول الله ﷺ الطاعون رجس أرسل على طائفة من بنى إسرائيل وعلى من كان قبلكم فإذا سمعتم به بأرض فلا تقدموا عليه وإذا وقع بأرض وأنتم فيها فلا تخرجوا فرارا منه. قال أبو النضر لا يخرجكم الا فرارا منه ورواه مسلم من حديث مالك ومن طرق أخر عن عامر بن سعد بن حدثنا موسى بن إسماعيل حدثنا داود بن أبى الفرات حدثنا عبد الله بن بريدة عن يحيى بن يعمر عن عائشة قالت سألت رسول الله ﷺ عن الطاعون أخبرنى أنه عذاب يبعثه الله على من يشاء من عباده وأن الله جعله رحمة للمؤمنين ليس من أحد يقع الطاعون فيمكث في بلده صابرا محتسبا يعلم أنه لن يصيبه إلا ما كتب الله له إلا كان له مثل أجر شهيد تفرد به البخاري عن مسلم من هذا الوجه.

стр. 482

(حديث آخر) قال البخاري حدثنا قتيبة حدثنا ليث عن ابن شهاب عن عروة عن عائشة أن قريشا أهمهم شأن المخزومية التي سرقت فقالوا من يكلم فيها رسول الله ﷺ فقالوا ومن يجترئ عليه إلا أسامة بن زيد حب رسول الله ﷺ فكلمه أسامة فقال أتشفع في حد من حدود الله ثم قام فخطب ثم قال إنما هلك الذين من قبلكم أنهم كانوا إذا سرق فيهم الشريف تركوه وإذا سرق فيهم الضعيف أقاموا عليه الحد. وايم الله لو أن فاطمة بنت محمد سرقت لقطعت يدها وأخرجه بقية الجماعة من طرق عن الليث بن سعد به. (حديث آخر) وقال البخاري حدثنا آدم حدثنا شعبة حدثنا عبد الملك بن ميسرة سمعت النزال بن سبرة الهلالي عن ابن مسعود قال سمعت رجلا قرأ وسمعت رسول الله ﷺ يقرأ خلافها فجئت به إلى رسول الله ﷺ فأخبرته فعرفت في وجهه الكراهية وقال كلاكما محسن ولا تختلفوا فان من كان قبلكم اختلفوا فهلكوا. تفرد به البخاري دون مسلم. (حديث آخر) قال البخاري حدثنا عبد العزيز بن عبد الله حدثنا إبراهيم عن صالح عن ابن شهاب قال قال أبو سلمة بن عبد الرحمن إن أبا هريرة قال إن رسول الله ﷺ قال إن اليهود والنصارى لا يصبغون فخالفوهم تفرد به دون مسلم وفي سنن أبى داود صلوا في نعالكم خالفوا اليهود. (حديث آخر) قال البخاري حدثنا على بن عبد الله حدثنا سفيان عن عمرو عن طاووس عن ابن عباس سمعت عمر يقول قاتل الله فلانا ألم يعلم أن رسول الله ﷺ قال لعن الله اليهود حرمت عليهم الشحوم فجملوها. فباعوها رواه مسلم من حديث ابن عيينة. ومن حديث عمرو بن دينار به ثم قال البخاري تابعه جابر وأبو هريرة عن النبي ﷺ ولهذا الحديث طرق كثيرة وسيأتي في باب الحيل من كتاب الأحكام إن شاء الله وبه الثقة. (حديث آخر) قال البخاري حدثنا عمران بن ميسرة حدثنا عبد الوارث حدثنا خالد عن أبى قلابة عن أنس بن مالك قال ذكروا النار والناقوس فذكروا اليهود والنصارى فأمر بلال أن يشفع الأذان وأن يوتر الاقامة وأخرجه بقية الجماعة من حديث أبى قلابة عبد الله بن زيد الجرمي به. والمقصود من هذا مخالفة أهل الكتاب في جميع شعارهم فان رسول الله ﷺ لما قدم المدينة كان المسلمون يتحينون وقت الصلاة بغير دعوة اليها. ثم أمر من ينادى فيهم وقت الصلاة (الصلاة جامعة) ثم أرادوا أن يدعوا اليها بشيء يعرفه الناس فقال قائلون نضرب بالناقوس وقال آخر نوري نارا فكرهوا ذلك لمشابهة أهل الكتاب فأرى عبد الله بن زيد بن عبد ربه الأنصاري في منامه الأذان فقصها على رسول الله ﷺ فأمر بلالا فنادى كما هو مبسوط في موضعه من باب الأذان في كتاب الأحكام. (حديث آخر) قال البخاري حدثنا بشر بن محمد أنبأنا عبد الله أنبأنا معمر ويونس عن

стр. 483

الزهري أخبرنى عبيد الله بن عبد الله أن عائشة وابن عباس قالا لما نزل برسول الله ﷺ طفق يطرح خميصة على وجهه فإذا اغتم كشفها عن وجهه فقال وهو كذلك لعنة الله على اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد يحذر ما صنعوا وهكذا رواه في غير موضع ومسلم من طرق عن الزهري به. (حديث آخر) قال البخاري حدثنا سعيد بن أبى مريم حدثنا أبو غسان قال حدثني زيد بن أسلم عن عطاء بن يسار عن أبى سعيد أن النبي ﷺ قال لتتبعن سنن من قبلكم شبرا بشبر وذراعا بذراع حتى لو سلكوا جحر ضب لسلكتموه فقلنا يا رسول الله اليهود والنصارى قال النبي ﷺ فمن. وهكذا رواه مسلم من حديث زيد بن أسلم به. والمقصود من هذا الاخبار عما يقع من الأقوال والأفعال المنهي عنها شرعا مما يشابه أهل الكتاب قبلنا أن الله ورسوله ينهيان عن مشابهتهم في أقوالهم وأفعالهم حتى ولو كان قصد المؤمن خيرا لكنه تشبّه ففعله في الظاهر فعلهم وكما نهى عن الصلاة عند طلوع الشمس وعند غروبها لئلا تشابه المشركين الذين يسجدون للشمس حينئذ وإن كان المؤمن لا يخطر بباله شيء من ذلك بالكلية وهكذا قوله تعالى. ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقُولُوا راعِنا وَقُولُوا اُنْظُرْنا وَاِسْمَعُوا وَلِلْكافِرِينَ عَذابٌ أَلِيمٌ﴾. فكان الكفار يقولون للنّبيّ ﷺ في كلامهم معه ﴿راعِنا﴾ أي انظر إلينا ببصرك واسمع كلامنا ويقصدون بقولهم راعنا من الرعونة فنهى المؤمنين أن يقولوا ذلك وان كان لا يخطر ببال أحد منهم هذا أبدا. فقد روى الامام أحمد والترمذي من حديث عبد الله بن عمر عن النبي ﷺ أنه قال بعثت بالسيف بين يدي الساعة حتى يعبد الله وحده لا شريك له وجعل رزقي تحت ظل رمحي وجعل الذلة والصغار على من خالف أمرى ومن تشبه بقوم فهو منهم فليس للمسلم أن يتشبه بهم لا في أعيادهم ولا مواسمهم ولا في عباداتهم لأن الله تعالى شرف هذه الأمة بخاتم الأنبياء الّذي شرع له الدين العظيم القويم الشامل الكامل الّذي لو كان موسى بن عمران الّذي أنزلت عليه التوراة وعيسى بن مريم الّذي أنزل عليه الإنجيل حين لم يكن لهما شرع متبع بل لو كانا موجودين بل وكل الأنبياء لما ساغ لواحد منهم أن يكون على غير هذه الشريعة المطهرة المشرفة المكرمة المعظمة فإذا كان الله تعالى قد منّ علينا بأن جعلنا من أتباع محمد ﷺ فكيف يليق بنا أن نتشبه بقوم قد ضلوا من قبل وأضلوا كثيرا وضلوا عن سواء السبيل قد بدلوا دينهم وحرفوه وأولوه حتى صار كأنه غير ما شرع لهم أولا. ثم هو بعد ذلك كله منسوخ والتمسك بالمنسوخ حرام لا يقبل الله منه قليلا ولا كثيرا ولا فرق بينه وبين الّذي لم يشرع بالكلية ﴿وَاللهُ يَهْدِي مَنْ يَشاءُ إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾. (حديث آخر) قال البخاري حدثنا قتيبة حدثنا الليث عن نافع عن ابن عمر عن رسول الله ﷺ قال انما أجلكم في أجل من خلا من قبلكم من الأمم كما بين صلاة العصر إلى مغرب الشمس

стр. 484

وإنما مثلكم ومثل اليهود والنصارى كرجل استعمل عمالا فقال من يعمل لي إلى نصف النهار على قيراط قيراط فعملت اليهود إلى نصف النهار على قيراط قيراط ثم قال من يعمل لي من نصف النهار إلى صلاة العصر على قيراط قيراط فعملت النصارى من نصف النهار إلى صلاة العصر على قيراط قيراط ثم قال من يعمل لي من صلاة العصر إلى مغرب الشمس على قيراطين قيراطين الا فأنتم الذين تعملون من صلاة العصر الى المغرب على قيراطين قيراطين الا لكم الأجر مرتين فغضب اليهود والنصارى فقالوا نحن أكثر عملا وأقل عطاء قال الله تعالى (هل ظلمتكم من حقكم شيئا فقالوا لا قال فإنه فضلي أوتيه من أشاء) وهذا الحديث فيه دليل على أن مدة هذه الأمة قصيرة بالنسبة إلى ما مضى من مدد الأمم قبلها لقوله إنما أجلكم في أجل من خلا من الأمم قبلكم كما بين صلاة العصر إلى مغرب الشمس فالماضى لا يعلمه إلا الله كما أن الآتي لا يعلمه إلا هو ولكنه قصير بالنسبة إلى ما سبق ولا اطلاع لأحد على تحديد ما بقي إلا الله كما قال الله تعالى ﴿لا يُجَلِّيها لِوَقْتِها إِلاّ هُوَ﴾ وقال ﴿يَسْئَلُونَكَ عَنِ السّاعَةِ أَيّانَ مُرْساها * فِيمَ أَنْتَ مِنْ ذِكْراها * إِلى رَبِّكَ مُنْتَهاها﴾. وما تذكره بعض الناس من الحديث المشهور عند العامة من أنه ﵇ لا يؤلف تحت الأرض فليس له أصل في كتب الحديث وورد فيه حديث أن الدنيا جمعة من جمع الآخرة وفي صحته نظر. والمراد من هذا التشبيه بالعمال تفاوت أجورهم وأن ذلك ليس منوطا بكثرة العمل وقلته بل بأمور أخر معتبرة عند الله تعالى وكم من عمل قليل أجدى ما لا يجديه العمل الكثير هذه ليلة القدر العمل فيها أفضل من عبادة ألف شهر سواها وهؤلاء أصحاب محمد ﷺ أنفقوا في أوقات لو أنفق غيرهم من الذهب مثل أحد ما بلغ من أحدهم ولا نصيفه من تمر وهذا رسول الله ﷺ بعثه الله على رأس أربعين سنة من عمره وقبضه وهو ابن ثلاث وستين على المشهور وقد برز في هذه المدة التي هي ثلاث وعشرون سنة في العلوم النافعة والأعمال الصالحة على سائر الأنبياء قبله حتى على نوح الّذي لبث في قومه ألف سنة إلا خمسين عاما يدعوهم إلى عبادة الله وحده لا شريك له ويعمل بطاعة الله ليلا ونهارا صباحا ومساء صلوات الله وسلامه عليه وعلى سائر الأنبياء أجمعين فهذه الأمة انما شرفت وتضاعف ثوابها ببركة سيادة نبيها وشرفه وعظمته كما قال الله تعالى ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اِتَّقُوا اللهَ وَآمِنُوا بِرَسُولِهِ يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ مِنْ رَحْمَتِهِ وَيَجْعَلْ لَكُمْ نُوراً تَمْشُونَ بِهِ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ * لِئَلاّ يَعْلَمَ أَهْلُ الْكِتابِ أَلاّ يَقْدِرُونَ عَلى شَيْءٍ مِنْ فَضْلِ اللهِ وَأَنَّ الْفَضْلَ بِيَدِ اللهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشاءُ وَاللهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ﴾ * فصل وأخبار بنى إسرائيل كثيرة جدا في الكتاب والسند النبويّة ولو ذهبنا نتقصى ذلك لطال الكتاب ولكن ذكرنا ما ذكره الامام أبو عبد الله البخاري في هذا الكتاب ففيه مقنع وكفاية وهو تذكرة وأنموذج

стр. 485

لهذا الباب والله أعلم * وأما الاخبار الإسرائيلية فيما يذكره كثير من المفسرين والمؤرخين فكثيرة جدا ومنها ما هو صحيح موافق لما وقع وكثير منها بل أكثرها مما يذكره القصاص مكذوب مفترى وضعه زنادقتهم وضلالهم وهي ثلاثة أقسام منها ما هو صحيح لموافقته ما قصه الله في كتابه أو أخبر به رسول الله ﷺ ومنها ما هو معلوم البطلان لمخالفته كتاب الله وسنة رسوله ومنها ما يحتمل الصدق والكذب فهذا الّذي أمرنا بالتوقف فيه فلا نصدقه ولا نكذبه كما ثبت في الصحيح إذا حدثكم أهل الكتاب فلا تصدقوهم ولا تكذبوهم وقولوا آمنا بالذي أنزل إلينا وانزل إليكم. وتجوز روايته مع هذا الحديث المتقدم (وحدثوا عن بنى إسرائيل ولا حرج) ذكر تحريف أهل الكتاب وتبديلهم أديانهم أما اليهود فقد أنزل الله عليهم التوراة على يدي موسى بن عمران ﵇ وكانت كما قال الله تعالى ﴿ثُمَّ آتَيْنا مُوسَى الْكِتابَ تَماماً عَلَى الَّذِي أَحْسَنَ وَتَفْصِيلاً لِكُلِّ شَيْءٍ﴾ وقال تعالى ﴿قُلْ مَنْ أَنْزَلَ الْكِتابَ الَّذِي جاءَ بِهِ مُوسى نُوراً وَهُدىً لِلنّاسِ تَجْعَلُونَهُ قَراطِيسَ تُبْدُونَها وَتُخْفُونَ كَثِيراً﴾ وقال تعالى ﴿وَلَقَدْ آتَيْنا مُوسى وَهارُونَ الْفُرْقانَ وَضِياءً وَذِكْراً لِلْمُتَّقِينَ﴾ وقال تعالى ﴿وَآتَيْناهُمَا الْكِتابَ الْمُسْتَبِينَ * وَهَدَيْناهُمَا الصِّراطَ الْمُسْتَقِيمَ﴾ وقال تعالى ﴿إِنّا أَنْزَلْنَا التَّوْراةَ فِيها هُدىً وَنُورٌ يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُوا لِلَّذِينَ هادُوا وَالرَّبّانِيُّونَ وَالْأَحْبارُ بِمَا اُسْتُحْفِظُوا مِنْ كِتابِ اللهِ وَكانُوا عَلَيْهِ شُهَداءَ فَلا تَخْشَوُا النّاسَ وَاِخْشَوْنِ وَلا تَشْتَرُوا بِآياتِي ثَمَناً قَلِيلاً. وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِما أَنْزَلَ اللهُ فَأُولئِكَ هُمُ الْكافِرُونَ﴾ فكانوا يحكمون بها وهم متمسكون بها برهة من الزمان ثم شرعوا في تحريفها وتبديلها وتغييرها وتأويلها وإبداء ما ليس منها كما قال الله تعالى ﴿وَإِنَّ مِنْهُمْ لَفَرِيقاً يَلْوُونَ أَلْسِنَتَهُمْ بِالْكِتابِ لِتَحْسَبُوهُ مِنَ الْكِتابِ وَما هُوَ مِنَ الْكِتابِ وَيَقُولُونَ هُوَ مِنْ عِنْدِ اللهِ وَما هُوَ مِنْ عِنْدِ اللهِ وَيَقُولُونَ عَلَى اللهِ الْكَذِبَ وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ فأخبر تعالى أنهم يفسرونها ويتأولونها ويضعونها على غير مواضعها وهذا مالا خلاف فيه بين العلماء وهو انهم يتصرفون في معانيها ويحملونها على غير المراد كما بدلوا حكم الرجم بالجلد والتحميم مع بقاء لفظ الرجم فيها وكما أنهم كانوا إذا سرق فيهم الشريف تركوه وإذا سرق فيهم الضعيف أقاموا عليه الحد مع أنهم مأمورون بإقامة الحد والقطع على الشريف والوضيع. فأما تبديل ألفاظها فقال قائلون بأنها جميعها بدلت وقال آخرون لم تبدل واحتجوا بقوله تعالى ﴿وَكَيْفَ يُحَكِّمُونَكَ وَعِنْدَهُمُ التَّوْراةُ فِيها حُكْمُ اللهِ﴾ وقوله ﴿الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوباً عِنْدَهُمْ فِي التَّوْراةِ وَالْإِنْجِيلِ يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّباتِ﴾ الآية) وبقوله ﴿قُلْ فَأْتُوا بِالتَّوْراةِ فَاتْلُوها إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ وبقصة الرجم فإنهم كما ثبت في الصحيحين عن ابن عمر وفي صحيح مسلم عن البراء بن عازب وجابر بن عبد الله وفي السنن عن أبى هريرة

стр. 486

وغيره لما تحاكوا إلى رسول الله ﷺ في قصة اليهودي واليهودية الذين زنيا فقال لهم ما تجدون في التوراة في شان الرجم فقالوا نفضحهم ويجلدون فأمرهم رسول الله ﷺ بإحضار التوراة فلما جاءوا بها وجعلوا يقرءونها ويكتمون آية الرجم التي فيها ووضع عبد الله بن صوريا يده على آية الرجم وقرأ ما قبلها وما بعدها فقال له رسول الله ﷺ ارفع يدك يا أعور فرفع يده فإذا فيها آية الرجم فأمر رسول الله ﷺ برجمهما وقال (اللهمّ إني أول من أحيا أمرك إذ أماتوه) وعند أبى داود أنهم لما جاءوا بها نزع الوسادة من تحته فوضعها تحتها وقال أمنت بك وبمن أنزلك وذكر بعضهم انه قام لها ولم أقف على اسناده والله أعلم. وهذا كله يشكل على ما يقوله كثير من المتكلمين وغيرهم ان التوراة انقطع تواترها في زمن بخت نصّر ولم يبق من يحفظها الا العزير ثم العزير ان كان نبيا فهو معصوم والتواتر الى المعصوم يكفى اللهمّ الا أن يقال انها لم تتواتر اليه لكن بعده زكريا ويحيى وعيسى وكلهم كانوا متمسكين بالتوراة فلو لم تكن صحيحة معمولا بها لما اعتمدوا عليها وهم أنبياء معصومون. ثم قد قال الله تعالى فيما انزل على رسوله محمد خاتم الأنبياء صلوات الله وسلامه عليه وعلى جميع الأنبياء منكرا على اليهود في قصدهم الفاسد إذ عدلوا عما يعتقدون صحته عندهم وانهم مأمورون به حتما الى التحاكم الى رسول الله ﷺ وهم يعاندون ما جاء به لكن لما كان في زعمهم ما قد يوافقهم على ما ابتدعوه من الجلد والتحميم المصادم لما امر الله به حتما وقالوا ان حكم لكم بالجلد والتحميم فاقبلوه وتكونون قد اعتذرتم بحكم نبي لكم عند الله يوم القيمة وان لم يحكم لكم بهذا بل بالرجم فاحذروا ان تقبلوا منه فأنكر الله تعالى عليهم في هذا القصد الفاسد الّذي انما حملهم عليه الغرض الفاسد وموافقة الهوى لا الدين الحق فقال ﴿وَكَيْفَ يُحَكِّمُونَكَ وَعِنْدَهُمُ التَّوْراةُ فِيها حُكْمُ اللهِ ثُمَّ يَتَوَلَّوْنَ مِنْ بَعْدِ ذلِكَ وَما أُولئِكَ بِالْمُؤْمِنِينَ * إِنّا أَنْزَلْنَا التَّوْراةَ فِيها هُدىً وَنُورٌ يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُوا لِلَّذِينَ هادُوا وَالرَّبّانِيُّونَ وَالْأَحْبارُ بِمَا اُسْتُحْفِظُوا مِنْ كِتابِ اللهِ﴾ الآية) ولهذا حكم بالرجم قال اللهمّ انى أول من أحيى أمرك إذ أماتوه وسألهم ما حملهم على هذا ولم تركوا امر الله الّذي بأيديهم فقالوا ان الزنا قد كثر في اشرافنا ولم يمكنا ان نقيمه عليهم وكنا نرجم من زنى من ضعفائنا فقلنا تعالوا الى أمر نصف نفعله مع الشريف والوضيع فاصطلحنا على الجلد والتحميم فهذا من جملة تحريفهم وتبديلهم وتغييرهم وتأويلهم الباطل وهذا انما فعلوه في المعاني مع بقاء لفظ الرجم في كتابهم كما دل عليه الحديث المتفق عليه فلهذا قال من قال هذا من الناس انه لم يقع تبديلهم الا في المعاني وان الألفاظ باقية وهي حجة عليهم إذ لو أقاموا ما في كتابهم جميعه لقادهم ذلك الى اتباع الحق ومتابعة الرسول محمد ﷺ كما قال الله تعالى ﴿الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوباً عِنْدَهُمْ فِي التَّوْراةِ وَالْإِنْجِيلِ يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّباتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبائِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالْأَغْلالَ الَّتِي كانَتْ عَلَيْهِمْ﴾ الآية وقال تعالى ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ أَقامُوا التَّوْراةَ وَالْإِنْجِيلَ وَما أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ مِنْ رَبِّهِمْ لَأَكَلُوا مِنْ فَوْقِهِمْ وَمِنْ﴾

стр. 487

تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ مِنْهُمْ أُمَّةٌ مُقْتَصِدَةٌ الآية وقال تعالى ﴿قُلْ يا أَهْلَ الْكِتابِ لَسْتُمْ عَلى شَيْءٍ حَتّى تُقِيمُوا التَّوْراةَ وَالْإِنْجِيلَ وَما أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ الآية وهذا المذهب وهو القول بأن التبديل إنما وقع في معانيها لا في ألفاظها حكاه البخاري عن ابن عباس في آخر كتابه الصحيح وقرر عليه ولم يرده وحكاه العلامة فخر الدين الرازيّ في تفسيره عن أكثر المتكلمين. ليس للجنب لمس التوراة وذهب فقهاء الحنفية إلى أنه لا يجوز للجنب مس التوراة وهو محدث وحكاه الحناطى في فتاويه عن بعض أصحاب الشافعيّ وهو غريب جدا. وذهب آخرون من العلماء إلى التوسط في هذين القولين منهم شيخنا الامام العلامة أبو العباس بن تيمية ﵀ فقال أما من ذهب إلى أنها كلها مبدلة من أولها إلى آخرها ولم يبق منها حرف إلا بدلوه فهذا بعيد وكذا من قال لم يبدل شيء منها بالكلية بعيد أيضا والحق أنه دخلها تبديل وتغيير وتصرفوا في بعض ألفاظها بالزيادة والنقص كما تصرفوا في معانيها وهذا معلوم عند التأمل ولبسطه موضع آخر والله أعلم كما في قوله في قصة الذبيح اذبح ابنك وحيدك وفي نسخة بكرك إسحاق فلفظة إسحاق مقحمة مزيدة بلا مرية لأن الوحيد وهو البكر إسماعيل لأنه ولد قبل إسحاق بأربع عشر سنة فكيف يكون الوحيد البكر إسحاق. وانما حملهم على ذلك حسد العرب أن يكون إسماعيل غير الذبيح فأرادوا أن يذهبوا بهذه الفضيلة لهم فزادوا ذلك في كتاب الله افتراء على الله وعلى رسوله ﷺ وقد اغتر بهذه الزيادة خلق كثير من السلف والخلف ووافقوهم على أن الذبيح إسحاق والصحيح الذبيح إسماعيل كما قدمنا والله أعلم وهكذا في توراة السامرة في العشر الكلمات زيادة الأمر بالتوجه إلى الطور في الصلاة وليس ذلك في سائر نسخ اليهود والنصارى. وهكذا يوجد في الزبور المأثور عن داود ﵇ مختلفا كثيرا وفيه أشياء مزيدة ملحقة فيه وليست منه والله أعلم * قلت وأما ما بأيديهم من التوراة المعربة فلا يشك عاقل في تبديلها وتحريف كثير من ألفاظها وتغيير القصص والألفاظ والزيادات والنقص البين الواضح وفيها من الكذب البين والخطأ الفاحش شيء كثير جدا فأما ما يتلونه بلسانهم ويكتبونه بأقلامهم فلا اطلاع لنا عليه والمظنون بهم أنهم كذبة خونة يكثرون الفرية على الله ورسله وكتبه. وأما النصارى فأناجيلهم الأربعة من طريق مرقس ولوقا ومتى ويوحنا أشد اختلافا وأكثر زيادة ونقصا وأفحش تفاوتا من التوراة وقد خالفوا أحكام التوراة والإنجيل في غير ما شيء قد شرعوه لأنفسهم فمن ذلك صلاتهم إلى الشرق وليست منصوصا عليها ولا مأمورا بها في شيء من الأناجيل الأربعة وهكذا تصويرهم كنائسهم وتركهم الختان ونقلهم صيامهم إلى زمن الربيع وزيادته إلى خمسين يوما وأكلهم

стр. 488

الخنزير ووضعهم الأمانة الكبيرة وإنما هي الخيانة الحقيرة والرهبانية وهي ترك التزويج لمن أراد التعبد وتحريمه عليه وكتبهم القوانين التي وضعتها لهم الأساقفة الثلاثمائة والثمانية عشر فكل هذه الأشياء ابتدعوها ووضعوها في أيام قسطنطين بن قسطن باني القسطنطينية وكان زمنه بعد المسيح بثلاثمائة سنة وكان أبوه أحد ملوك الروم وتزوج أمه هيلانة في بعض أسفاره للصيد من بلاد حران وكانت نصرانية على دين الرهابين المتقدمين فلما ولد لها منه قسطنطين المذكور تعلم الفلسفة وبهر فيها وصار فيه ميل بعض الشيء إلى النصرانية التي أمه عليها فعظم القائمين بها بعض الشيء وهو على اعتقاد الفلاسفة فلما مات أبوه واستقل هو في المملكة سار في رعيته سيرة عادلة فأحبه الناس وساد فيهم وغلب على ملك الشام بأسره مع الجزيرة وعظم شأنه وكان أول القياصرة * ثم اتفق اختلاف في زمانه بين النصارى ومنازعة بين بترك الاسكندرية اكصندروس وبين رجل من علمائهم يقال له عبد الله بن أريوس فذهب اكصندروس إلى أن عيسى بن الله تعالى الله عن قوله وذهب ابن أريوس الى أن عيسى عبد الله ورسوله واتبعه على هذا طائفة من النصارى واتفق الأكثرون الأخسرون على قول بتركهم ومنع ابن أريوس من دخول الكنيسة هو وأصحابه فذهب يستعدى على اكصندروس وأصحابه الى ملك قسطنطين فسأله الملك عن مقالته فعرض عليه عبد الله بن أريوس ما يقول في المسيح من أنه عبد الله ورسوله واحتج على ذلك فحال اليه وجنح إلى قوله فقال له قائلون فينبغي أن تبعث إلى خصمه فتسمع كلامه فأمر الملك بإحضاره وطلب من سائر الأقاليم كل أسقف وكل من عنده في دين النصرانية وجمع البتاركة الأربعة من القدس وانطاكية ورومية والاسكندرية فيقال إنهم اجتمعوا في مدة سنة وشهرين ما يزيد على ألفي أسقف فجمعهم في مجلس واحد وهو المجمع الأول من مجامعهم الثلاثة المشهورة وهم مختلفون اختلافا متباينا منتشرا جدا. فمنهم الشرذمة على المقالة التي لا يوافقهم أحد من الباقين عليها فهؤلاء خمسون على مقالة. وهؤلاء ثمانون على مقالة أخرى. وهؤلاء عشرة على مقالة وأربعون على أخرى ومائة على مقالة ومائتان على مقالة وطائفة على مقالة ابن أريوس وجماعة على مقالة أخرى فلما تفاقم أمرهم وانتشر اختلافهم حار فيهم الملك قسطنطين مع أنه سيئ الظن بما عدا دين الصابئين من اسلافه اليونانيين فعمد إلى أكثر جماعة منهم على مقالة من مقالاتهم فوجدهم ثلاثمائة وثمانية عشر أسقفا قد اجتمعوا على مقالة اكصندروس ولم يجد طائفة بلغت عدتهم فقال هؤلاء أولى بنصر قولهم لأنهم أكثر الفرق فاجتمع بهم خصوصا ووضع سيفه وخاتمه اليهم وقال انى رأيتكم أكثر الفرق قد اجتمعتم على مقالتكم هذه فانا انصرها واذهب اليها فسجدوا له وطلب منهم أن يضعوا له كتابا في الأحكام وأن تكون الصلاة إلى الشرق لأنها مطلع الكواكب النيرة وأن يصوروا في كنائسهم صورا لها جثث فصالحوه على أن تكون في الحيطان فلما توافقوا على ذلك أخذ في نصرهم وإظهار كلمتهم واقامة مقالتهم وابعاد من خالفهم وتضعيف رأيه وقوله فظهر أصحابه

стр. 489

بجاهه على مخالفيهم وانتصروا عليهم وأمر ببناء الكنائس على دينهم وهم الملكية نسبة إلى دين الملك فبنى في أيام قسطنطين بالشام وغيرها في المدائن والقرى أزيد من اثنتي عشر ألف كنيسة واعتنى الملك ببناء بيت لحم يعنى على مكان مولد المسيح وبنت أمه هيلانة قمامة بيت المقدس على مكان المصلوب الّذي زعمت اليهود والنصارى بجهلهم وقلة علمهم أنه المسيح ﵊ ويقال إنه قتل من أعداء أولئك وخدّ لهم الأخاديد في الأرض وأجج فيها النار وأحرقهم بها كما ذكرناه في سورة البروج وعظم دين النصرانية وظهر أمره جدا بسبب الملك قسطنطين وقد أفسده عليهم فسادا لا إصلاح له ولا نجاح معه ولا فلاح عنده وكثرت أعيادهم بسبب عظمائهم وكثرت كنائسهم على أسماء عبادهم وتفاقم كفرهم وغلظت مصيبتهم وتخلد ضلالهم وعظم وبالهم ولم يهد الله قلوبهم ولا أصلح بالهم بل صرف قلوبهم عن الحق وامال عن الاستقامة ثم اجتمعوا بعد ذلك مجمعين في قضية النسطورية واليعقوبية وكل فرقة من هؤلاء تكفر الأخرى وتعتقد تخليدهم في نار جهنم ولا يرى مجامعتهم في المعابد والكنائس وكلهم يقول بالأقانيم الثلاثة أقنوم الأب وأقنوم الابن وأقنوم الكلمة ولكن بينهم اختلاف في الحلول والاتحاد فيما بين اللاهوت والناسوت هل تدرعه أو حل فيه أو اتحد به واختلافهم في ذلك شديد وكفرهم بسببه غليظ وكلهم على الباطل إلا من قال من الاريوسية أصحاب عبد الله بن أريوس إن المسيح عبد الله ورسوله وابن أمته وكلمته ألقاها إلى مريم وروح منه كما يقول المسلمون فيه سواء ولكن لما استقر أمر الاريوسية على هذه المقالة تسلط عليهم الفرق الثلاثة بالابعاد والطرد حتى قلوا فلا يعرف اليوم منهم أحد فيما يعلم والله أعلم. كتاب الجامع لأخبار الأنبياء المتقدمين قال الله تعالى ﴿تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنا بَعْضَهُمْ عَلى بَعْضٍ مِنْهُمْ مَنْ كَلَّمَ اللهُ وَرَفَعَ بَعْضَهُمْ دَرَجاتٍ وَآتَيْنا عِيسَى اِبْنَ مَرْيَمَ الْبَيِّناتِ وَأَيَّدْناهُ بِرُوحِ الْقُدُسِ﴾ الآية وقال تعالى ﴿إِنّا أَوْحَيْنا إِلَيْكَ كَما أَوْحَيْنا إِلى نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَوْحَيْنا إِلى إِبْراهِيمَ وَإِسْماعِيلَ وَإِسْحاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْباطِ وَعِيسى وَأَيُّوبَ وَيُونُسَ وَهارُونَ وَسُلَيْمانَ وَآتَيْنا داوُدَ زَبُوراً * وَرُسُلاً قَدْ قَصَصْناهُمْ عَلَيْكَ مِنْ قَبْلُ وَرُسُلاً لَمْ نَقْصُصْهُمْ عَلَيْكَ وَكَلَّمَ اللهُ مُوسى تَكْلِيماً * رُسُلاً مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ لِئَلاّ يَكُونَ لِلنّاسِ عَلَى اللهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ وَكانَ اللهُ عَزِيزاً حَكِيماً﴾. وقد روى ابن حبان في صحيحه وابن مردويه في تفسيره وغيرهما من طريق إبراهيم بن هشام عن يحيى بن محمد الغساني الشامي وقد تكلموا فيه حدثني أبى عن جدي عن أبى إدريس عن أبى ذر قال (قلت يا رسول الله كم الأنبياء قال مائة ألف وأربعة وعشرون الفا قلت يا رسول الله كم الرسل منهم قال ثلاثمائة وثلاثة عشر جم غفير قلت يا رسول الله من كان أولهم قال آدم قلت يا رسول الله

стр. 490

نبي مرسل قال نعم خلقه الله بيده ونفخ فيه من روحه ثم سواه قبلا ثم قال يا أبا ذر أربعة سريانيون آدم وشيث ونوح وخنوخ وهو إدريس وهو أول من خط بالقلم وأربعة من العرب هود وصالح وشعيب ونبيك يا أبا ذر وأول نبي من بنى إسرائيل موسى وآخرهم عيسى وأول النبيين آدم وآخرهم نبيك). وقد أورد هذا الحديث أبو الفرج بن الجوزي في الموضوعات وقد رواه ابن أبى حاتم من وجه آخر فقال حدثنا محمد بن عوف حدثنا أبو المغيرة حدثنا معان بن رفاعة عن على بن زيد عن القاسم عن أبى امامة قال قلت يا رسول الله كم الأنبياء (قال مائة ألف وأربعة وعشرون الفا الرسل من ذلك ثلاثمائة وخمسة عشر جما غفيرا). وهذا أيضا من هذا الوجه ضعيف فيه ثلاثة من الضعفاء معان وشيخه وشيخ شيخه وقد قال الحافظ أبو يعلى الموصلي حدثنا أحمد بن إسحاق أبو عبد الله الجوهري البصري حدثنا مكي بن إبراهيم حدثنا موسى بن عبيدة اليزيدي عن يزيد الرقاشيّ عن أنس بن مالك قال قال رسول الله ﷺ (بعث الله ثمانية آلاف نبي أربعة آلاف إلى بنى إسرائيل وأربعة آلاف إلى سائر الناس) موسى وشيخه ضعيفان أيضا وقال أبو يعلى أيضا حدثنا أبو الربيع حدثنا محمد بن ثابت العبديّ حدثنا معبد بن خالد الأنصاري عن يزيد الرقاشيّ عن أنس بن مالك قال قال رسول الله ﷺ (كان فيمن خلا من إخواني من الأنبياء ثمانية آلاف نبي ثم كان عيسى ثم كنت أنا. يزيد الرقاشيّ ضعيف. وقد رواه الحافظ أبو بكر الإسماعيلي عن محمد بن عثمان بن أبى شيبة حدثنا أحمد بن طارق حدثنا مسلم بن خالد حدثنا زياد بن سعد عن محمد بن المنكدر عن صفوان بن سليم عن أنس بن مالك قال قال رسول الله ﷺ (بعثت على أثر ثمانية آلاف نبي منهم أربعة آلاف من بنى إسرائيل وهذا اسناد لا بأس به لكنى لا أعرف حال أحمد بن طارق هذا والله أعلم. (حديث آخر) قال عبد الله بن الامام أحمد وجدت في كتاب أبى بخطه حدثني عبد المتعالي ابن عبد الوهاب حدثنا يحيى بن سعيد الأموي حدثنا مجالد عن أبى الوداك قال قال أبو سعيد هل تقر الخوارج بالدجال قال قلت لا فقال قال رسول الله ﷺ (إني خاتم ألف نبي أو أكثر وما بعث الله نبيا يتبع إلا وحذر أمته منه وانى قد بين لي فيه ما لم يبين لأحد منهم وأنه أعور وأن ربكم ليس بأعور وعينه اليمنى عوراء جاحظة لا تخفى كأنها نخامة في حائط مجصص وعينه اليسرى كأنها كوكب دري معه من كل لسان ومعه صورة الجنة خضراء يجرى فيها الماء وصورة النار سوداء تدخن) وهذا حديث غريب وقد روى عن جابر بن عبد الله فقال الحافظ أبو بكر البزار حدثنا عمرو بن على حدثنا يحيى بن سعيد حدثنا مجالد عن الشعبي عن جابر قال قال رسول الله ﷺ (إني لخاتم ألف نبي أو أكثر وانه ليس منهم بنى إلا وقد أنذر قومه الدجال وانه قد تبين لي فيه ما لم يتبين لأحد منهم وانه أعور وان ربكم ليس بأعور. وهذا اسناد حسن وهو محمول على ذكر عدد من أنذر قومه الدجال من الأنبياء لكن في الحديث

стр. 491

الآخر ما من نبي إلا وقد أنذر أمته الدجال فالله أعلم. وقال البخاري حدثنا محمد بن بشار حدثنا محمد بن جعفر حدثنا شعبة عن فرات قال سمعت أبا حازم قال قاعدت أبا هريرة خمس سنين فسمعته يحدث عن النبي ﷺ قال (كانت بنو إسرائيل تسوسهم الأنبياء كلما هلك نبي خلفه نبي وانه لا نبي بعدي وسيكون خلفاء فيكثرون قالوا فما تأمرنا يا رسول الله قال فوا ببيعة الأول فالأول أعطوهم حقهم فان الله سائلهم عما استرعاهم. وكذا رواه مسلم عن بندار ومن وجه آخر عن فرات به نحوه. وقال البخاري حدثنا عمرو بن حفص حدثنا أبى حدثني الأعمش حدثني شقيق قال قال عبد الله هو ابن مسعود كأنى انظر إلى رسول الله ﷺ يحكى نبيا من الأنبياء ضربه قومه فأدموه وهو يمسح الدم عن وجهه ويقول اللهمّ اغفر لقومي فإنهم لا يعلمون رواه مسلم من حديث الأعمش به نحوه وقال الامام أحمد حدثنا عبد الرزاق أنبأنا معمر عن زيد بن أسلم عن رجل عن أبى سعيد الخدريّ قال وضع رجل يده اليمنى على النبي ﷺ فقال والله ما أطيق أن أضع يدي عليك من شدة حمّاك فقال النبي ﷺ (إنا معشر الأنبياء يضاعف لنا البلاء كما يضاعف لنا الأجر ان كان النبي من الأنبياء ليبتلى بالقمل حتى يقتله وان كان النبي من الأنبياء ليبتلى بالفقر حتى يأخذ العباء فيجوبها وان كانوا ليفرحون بالبلاء كما يفرحون بالرخاء) هكذا رواه الامام أحمد من طريق زيد بن أسلم عن رجل عن أبى سعيد وقد رواه ابن ماجة عن دحيم عن ابن أبى فديك عن هشام بن سعد عن زيد بن أسلم عن عطاء بن يسار عن أبى سعيد فذكره. وقال الامام أحمد حدثنا وكيع حدثنا سفيان بن عاصم بن أبى النجود عن مصعب بن سعد عن أبيه قال قلت يا رسول الله أي الناس أشد بلاء قال الأنبياء. ثم الصالحون. ثم الأمثل فالأمثل من الناس يبتلى الرجل على حسب دينه فان كان في دينه صلابة زيد في بلائه وان كان في دينه رقة خفف عليه ولا يزال البلاء بالعبد حتى يمشى على الأرض وما عليه خطيئة ورواه الترمذي والنسائي وابن ماجة من حديث عاصم بن أبى النجود. وقال الترمذي حسن صحيح وتقدم في الحديث (نحن معشر الأنبياء أولاد علات ديننا واحد وأمهاتنا شتى) والمعنى أن شرائعهم وان اختلفت في الفروع ونسخ بعضها بعضا حتى انتهى الجميع إلى ما شرع الله لمحمد ﷺ وعليهم أجمعين الا أن كل نبي بعثه الله فإنما دينه الإسلام وهو التوحيد أن يعبد الله وحده لا شريك له كما قال الله تعالى ﴿وَما أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلاّ نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لا إِلهَ إِلاّ أَنَا فَاعْبُدُونِ﴾ وقال تعالى ﴿وَسْئَلْ مَنْ أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رُسُلِنا أَجَعَلْنا مِنْ دُونِ الرَّحْمنِ آلِهَةً يُعْبَدُونَ﴾ وقال تعالى ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولاً أَنِ اُعْبُدُوا اللهَ وَاِجْتَنِبُوا الطّاغُوتَ فَمِنْهُمْ مَنْ هَدَى اللهُ وَمِنْهُمْ مَنْ حَقَّتْ عَلَيْهِ الضَّلالَةُ﴾ الآية. فأولاد العلات أن يكون الأب واحدا والأمهات متفرقات فالأب بمنزلة الدين وهو التوحيد والأمهات بمنزلة الشرائع في اختلاف أحكامها كما قال تعالى ﴿لِكُلٍّ﴾

стр. 492

جَعَلْنا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهاجاً وقال ﴿لِكُلِّ أُمَّةٍ جَعَلْنا مَنْسَكاً هُمْ ناسِكُوهُ﴾ وقال ﴿وَلِكُلٍّ وِجْهَةٌ هُوَ مُوَلِّيها﴾ على أحد القولين في تفسيرها. والمقصود أن الشرائع وان تنوعت في أوقاتها إلا أن الجميع آمرة بعبادة الله وحده لا شريك له وهو دين الإسلام الّذي شرعه الله لجميع الأنبياء وهو الدين الّذي لا يقبل الله غيره يوم القيامة كما قال تعالى ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلامِ دِيناً فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخاسِرِينَ﴾ وقال تعالى ﴿وَمَنْ يَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ إِبْراهِيمَ إِلاّ مَنْ سَفِهَ نَفْسَهُ وَلَقَدِ اِصْطَفَيْناهُ فِي الدُّنْيا وَإِنَّهُ فِي الْآخِرَةِ لَمِنَ الصّالِحِينَ * إِذْ قالَ لَهُ رَبُّهُ أَسْلِمْ قالَ أَسْلَمْتُ لِرَبِّ الْعالَمِينَ * وَوَصّى بِها إِبْراهِيمُ بَنِيهِ وَيَعْقُوبُ يا بَنِيَّ إِنَّ اللهَ اِصْطَفى لَكُمُ الدِّينَ فَلا تَمُوتُنَّ إِلاّ وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ وقال تعالى ﴿إِنّا أَنْزَلْنَا التَّوْراةَ فِيها هُدىً وَنُورٌ يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُوا لِلَّذِينَ هادُوا﴾ الآية. فدين الإسلام هو عبادة الله وحده لا شريك له وهو الإخلاص له وحده دون ما سواه والإحسان أن يكون على الوجه المشروع في ذلك الوقت المأمور به ولهذا لا يقبل الله من أحد عملا بعد أن بعث محمدا ﷺ على ما شرعه له كما قال تعالى ﴿قُلْ يا أَيُّهَا النّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعاً﴾ وقال تعالى ﴿وَأُوحِيَ إِلَيَّ هذَا الْقُرْآنُ لِأُنْذِرَكُمْ بِهِ وَمَنْ بَلَغَ﴾ وقال تعالى ﴿وَمَنْ يَكْفُرْ بِهِ مِنَ الْأَحْزابِ فَالنّارُ مَوْعِدُهُ﴾. وقال رسول الله ﷺ (بعثت إلى الأحمر والأسود). قيل أراد العرب والعجم. وقيل الانس والجن وقال ﷺ (والّذي نفسي بيده لو أصبح فيكم موسى ثم اتبعتموه وتركتموني لضللتم) والأحاديث في هذا كثيرة جدا * والمقصود أن اخوة العلات أن يكونوا من أب واحد وأمهاتهم شتى مأخوذ من شرب العلل بعد النهل * وأما اخوة الاخياف فعكس هذا أن تكون أمهم واحدة من آباء شتى. وإخوة الأعيان فهم الاشقاء من أب واحد وأم واحدة والله أعلم. وفي الحديث الآخر نحن معاشر الأنبياء لا نورث ما تركنا فهو صدقة وهذا من خصائص الأنبياء انهم لا يورثون وما ذاك إلا لان الدنيا أحقر عندهم من أن تكون مخلفة عنهم ولان توكلهم على الله في ذراريهم أعظم وأشد وآكد من أن يحتاجوا معه إلى أن يتركوا لورثتهم من بعدهم ما لا يستأثرون به عن الناس بل يكون جميع ما تركوه صدقة لفقراء الناس ومحاويجهم وذو خلتهم. وسنذكر جميع ما يختص بالأنبياء ﵈ مع خصائص نبينا ﷺ وعليهم أجمعين في أول كتاب النكاح من كتاب الأحكام الكبير حيث ذكره الأئمة من المصنفين اقتداء بالإمام أبى عبد الله الشافعيّ رحمة الله عليه وعليهم أجمعين. وقال الامام أحمد حدثنا أبو معاوية عن الأعمش عن زيد بن وهب عن عبد الرحمن أن عبد رب الكعبة قال انتهيت إلى عبد الله بن عمرو وهو جالس في ظل الكعبة فسمعته يقول بينا نحن مع رسول الله ﷺ في سفر إذ نزل منزلا فمنا من يضرب خباءه ومنا من هو في جشره ومنا من ينتضل إذ نادى مناديه الصلاة جامعة قال فاجتمعنا قال فقام رسول الله ﷺ فخطبنا فقال (إنه لم يكن نبي قبلي إلا دل

стр. 493

أمته على خير ما يعلمه لهم وحذرهم ما يعلمه شرا لهم وان أمتكم هذه جعلت عافيتها في أولها وان آخرها سيصيبها بلاء شديد وأمور ينكرونها تجيء فتن يريق بعضها بعضا تجيء الفتنة فيقول المؤمن هذه مهلكتى. ثم تنكشف. ثم تجيء الفتنة فيقول المؤمن هذه. ثم تنكشف فمن سره منكم أن يزحزح عن النار وأن يدخل الجنة فلتدركه موتته وهو مؤمن بالله واليوم الآخر وليأت إلى الناس الّذي يحب أن يؤتى اليه ومن بايع إماما فأعطاه صفقة يده وثمرة قلبه فليطعه ما استطاع فان جاء آخر ينازعه فاضربوا عنق الآخر. قال فأدخلت رأسي من بين الناس فقلت أنشدك بالله أنت سمعت هذا من رسول الله ﷺ قال فأشار بيده إلى أذنيه وقال سمعته أذناى ووعاه قلبي قال فقلت هذا ابن عمك يعنى معاوية يأمرنا أن نأكل أموالنا بيننا بالباطل وأن نقتل أنفسنا وقد قال الله تعالى ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَأْكُلُوا أَمْوالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْباطِلِ﴾ قال فجمع يديه فوضعهما على جبهته ثم نكس هنيهة. ثم رفع رأسه فقال أطعه في طاعة الله واعصه في معصية الله) ورواه أحمد أيضا عن وكيع عن الأعمش به وقال فيه أيها الناس انه لم يكن نبي قبلي إلا كان حقا عليه أن يدل أمته على ما يعلمه خيرا لهم وينذره ما يعلمه شرا لهم وذكر تمامه بنحوه. وهكذا رواه مسلم وأبو داود والنسائي وابن ماجة من طرق عن الأعمش به ورواه مسلم أيضا من حديث الشعبي عن عبد الرحمن بن عبد رب الكعبة عن عبد الله بن عمر عن النبي ﷺ بنحوه (١) (هذه العبارة بالنسخة الحلبية أثبتناها كما هي) آخر الجزء الثامن من خط المصنف رحمه الله تعالى يتلوه إن شاء الله تعالى كتاب أخبار العرب وكان الفراغ من تتمة هذا المجلد في سابع عشر شوال سنة سهر ربعره؟؟ من الهجرة النبويّة على صاحبها أفضل الصلاة والسلام بدمشق المحروسة على يد أفقر عباد الله وأحوجهم إلى رحمته وعفوه وغفرانه ولطفه وكرمه إسماعيل الدرعى الشافعيّ الأنصاري غفر الله تعالى له وختم له بخير ولأحبابه ولإخوانه ولمشايخه ولجميع المسلمين والصلاة والسلام على محمد خير خلقه وآله وصحبه وسلم تسليما كثيرا الى يوم الدين

стр. 494

ذكر أخبار العرب قيل إن جميع العرب ينتسبون الى إسماعيل بن إبراهيم ﵉ والتحية والاكرام * والصحيح المشهور أن العرب العاربة قبل إسماعيل وقد قدمنا أن العرب العاربة منهم عاد وثمود وطسم وجديس وأميم وجرهم والعماليق وأمم آخرون لا يعلمهم الا الله كانوا قبل الخليل ﵊ وفي زمانه أيضا. فاما العرب المستعربة وهم عرب الحجاز فمن ذرية إسماعيل بن إبراهيم ﵉. وأما عرب اليمن وهم حمير فالمشهور أنهم من قحطان واسمه مهزم قاله ابن ماكولا وذكروا أنهم كانوا اربعة اخوة قحطان وقاحط ومقحط وفالغ وقحطان بن هود. وقيل هو هود. وقيل هود اخوه وقيل من ذريته وقيل ان قحطان من سلالة إسماعيل حكاه ابن إسحاق وغيره فقال بعضهم هو قحطان بن تيمن بن قيذر بن إسماعيل. وقيل غير ذلك في نسبه الى إسماعيل والله أعلم. وقد ترجم البخاري في صحيحه على ذلك فقال (باب نسبة اليمن الى إسماعيل ﵇ حدثنا مسدد حدثنا يحيى عن يزيد بن ابى عبيد حدثنا سلمة ﵁ قال خرج رسول الله ﷺ على قوم من أسلم يتناضلون بالسيوف فقال ارموا بنى إسماعيل وأنا مع بنى فلان لأحد الفريقين فأمسكوا بأيديهم فقال ما لكم قالوا وكيف نرمي وأنت مع بنى فلان فقال ارموا وأنا معكم كلكم. انفرد به البخاري وفي بعض ألفاظه ارموا بنى إسماعيل فان أباكم كان راميا ارموا وأنا مع ابن الأدرع فأمسك القوم فقال ارموا وأنا معكم كلكم * قال البخاري وأسلم بن أفصى بن حارثة بن عمرو بن عامر من خزاعة يعنى وخزاعة فرقة ممن كان تمزق من قبائل سبإ حين أرسل الله عليهم سيل العرم كما سيأتي بيانه وكانت الأوس والخزرج منهم وقد قال لهم ﵊ ارموا بنى إسماعيل فدل على أنهم من سلالته وتأوله آخرون على أن المراد بذلك جنس العرب لكنه تأويل بعيد إذ هو خلاف الظاهر بلا دليل لكن الجمهور على أن العرب القحطانية من عرب اليمن وغيرهم ليسوا من سلالة إسماعيل وعندهم أن جميع العرب ينقسمون الى قسمين قحطانية وعدنانية فالقحطانية شعبان سبإ وحضرموت والعدنانية شعبان أيضا ربيعة ومضرابنا نزار بن معد بن عدنان والشعب الخامس وهم قضاعة مختلف فيهم فقيل إنهم عدنانيون قال ابن عبد البر وعليه الأكثرون ويروى هذا عن ابن عباس وابن عمر وجبير بن مطعم وهو اختيار الزبير بن بكار وعمه مصعب الزبيري وابن هشام وقد ورد في حديث قضاعة بن معدر ولكنه لا يصح قاله ابن عبد البر وغيره ويقال إنهم لن يزالوا في جاهليتهم وصدر من الإسلام ينتسبون إلى عدنان فلما كان في زمن خالد بن يزيد بن معاوية وكانوا أخواله انتسبوا إلى قحطان فقال في ذلك أعشى بن ثعلبة في قصيدة له:

стр. 495

أبلغ قضاعة في القرطاس إنهم … لولا خلائف آل الله ما عتقوا قالت قضاعة إنا من ذوى يمن … والله يعلم ما بروا وما صدقوا قد ادعوا والدا ما نال أمهم … قد يعلمون ولكن ذلك الفرق وقد ذكر أبو عمرو السهيليّ أيضا من شعر العرب ما فيه إبداع في تفسير قضاعة في انتسابهم إلى اليمن والله أعلم والقول الثاني أنهم من قحطان وهو قول ابن إسحاق والكلبي وطائفة من أهل النسب. قال ابن إسحاق وهو قضاعة بن مالك بن حمير بن سبإ بن يشجب بن يعرب بن قحطان وقد قال بعض شعرائهم وهو عمرو بن مرة صحابى له حديثان: يا أيها الداعي ادعنا وابشر … وكن قضاعيا ولا تنزّر نحن بنو الشيخ الهجان الأزهر … قضاعة بن مالك بن حمير النسب المعروف غير المنكر … في الحجر المنقوش تحت المنبر قال بعض أهل النسب هو قضاعة بن مالك بن عمر بن مرة بن زيد بن حمير وقال ابن لهيعة عن معروف بن سويد عن أبى عشابة (١) محمد بن موسى عن عقبة بن عامر قال قلت يا رسول الله أما نحن من معد قال لا قلت فممن نحن قال أنتم قضاعة بن مالك بن حمير قال أبو عمر بن عبد البر ولا يختلفون أن جهينة بن زيد بن أسود بن أسلم بن عمران بن إلحاف بن قضاعة قبيلة عقبة بن عامر الجهنيّ فعلى هذا قضاعة في اليمن في حمير بن سبإ وقد جمع بعضهم بين هذين القولين بما ذكره الزبير بن بكار وغيره من أن قضاعة امرأة من جرهم تزوجها مالك بن حمير فولدت له قضاعة ثم خلف عليها معد بن عدنان وابنها صغير وزعم بعضهم أنه كان حملا فنسب إلى زوج أمه كما كانت عادة كثير منهم ينسبون الرجل إلى زوج أمه والله أعلم * وقال محمد بن سلام البصري النسابة: العرب ثلاثة جراثيم العدنانية والقحطانية وقضاعة. قيل له فأيهما أكثر العدنانية أو القحطانية فقال ما شاءت قضاعة أن تيامنت فالقحطانية أكثر وان تعددت فالعدنانية أكثر وهذا يدل على أنهم يتلومون في نسبهم فان صح حديث ابن لهيعة المقدم فهو دليل على أنهم من القحطانية والله أعلم. وقد قال الله تعالى ﴿يا أَيُّهَا النّاسُ إِنّا خَلَقْناكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثى وَجَعَلْناكُمْ شُعُوباً وَقَبائِلَ لِتَعارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللهِ أَتْقاكُمْ﴾ قال علماء النسب يقال شعوب. ثم قبائل ثم عمائر. ثم بطون. ثم أفخاذ. ثم فصائل. ثم عشائر. والعشيرة أقرب الناس إلى الرجل وليس بعدها شيء. ولنبدأ أولا بذكر
следующие страницы →