← История

История · id 23708

البداية والنهاية - ط السعادة

ابن كثير

Полный текст (4 918 стр.). Показаны 491–530 · переход к 496.

стр. 491

الآخر ما من نبي إلا وقد أنذر أمته الدجال فالله أعلم. وقال البخاري حدثنا محمد بن بشار حدثنا محمد بن جعفر حدثنا شعبة عن فرات قال سمعت أبا حازم قال قاعدت أبا هريرة خمس سنين فسمعته يحدث عن النبي ﷺ قال (كانت بنو إسرائيل تسوسهم الأنبياء كلما هلك نبي خلفه نبي وانه لا نبي بعدي وسيكون خلفاء فيكثرون قالوا فما تأمرنا يا رسول الله قال فوا ببيعة الأول فالأول أعطوهم حقهم فان الله سائلهم عما استرعاهم. وكذا رواه مسلم عن بندار ومن وجه آخر عن فرات به نحوه. وقال البخاري حدثنا عمرو بن حفص حدثنا أبى حدثني الأعمش حدثني شقيق قال قال عبد الله هو ابن مسعود كأنى انظر إلى رسول الله ﷺ يحكى نبيا من الأنبياء ضربه قومه فأدموه وهو يمسح الدم عن وجهه ويقول اللهمّ اغفر لقومي فإنهم لا يعلمون رواه مسلم من حديث الأعمش به نحوه وقال الامام أحمد حدثنا عبد الرزاق أنبأنا معمر عن زيد بن أسلم عن رجل عن أبى سعيد الخدريّ قال وضع رجل يده اليمنى على النبي ﷺ فقال والله ما أطيق أن أضع يدي عليك من شدة حمّاك فقال النبي ﷺ (إنا معشر الأنبياء يضاعف لنا البلاء كما يضاعف لنا الأجر ان كان النبي من الأنبياء ليبتلى بالقمل حتى يقتله وان كان النبي من الأنبياء ليبتلى بالفقر حتى يأخذ العباء فيجوبها وان كانوا ليفرحون بالبلاء كما يفرحون بالرخاء) هكذا رواه الامام أحمد من طريق زيد بن أسلم عن رجل عن أبى سعيد وقد رواه ابن ماجة عن دحيم عن ابن أبى فديك عن هشام بن سعد عن زيد بن أسلم عن عطاء بن يسار عن أبى سعيد فذكره. وقال الامام أحمد حدثنا وكيع حدثنا سفيان بن عاصم بن أبى النجود عن مصعب بن سعد عن أبيه قال قلت يا رسول الله أي الناس أشد بلاء قال الأنبياء. ثم الصالحون. ثم الأمثل فالأمثل من الناس يبتلى الرجل على حسب دينه فان كان في دينه صلابة زيد في بلائه وان كان في دينه رقة خفف عليه ولا يزال البلاء بالعبد حتى يمشى على الأرض وما عليه خطيئة ورواه الترمذي والنسائي وابن ماجة من حديث عاصم بن أبى النجود. وقال الترمذي حسن صحيح وتقدم في الحديث (نحن معشر الأنبياء أولاد علات ديننا واحد وأمهاتنا شتى) والمعنى أن شرائعهم وان اختلفت في الفروع ونسخ بعضها بعضا حتى انتهى الجميع إلى ما شرع الله لمحمد ﷺ وعليهم أجمعين الا أن كل نبي بعثه الله فإنما دينه الإسلام وهو التوحيد أن يعبد الله وحده لا شريك له كما قال الله تعالى ﴿وَما أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلاّ نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لا إِلهَ إِلاّ أَنَا فَاعْبُدُونِ﴾ وقال تعالى ﴿وَسْئَلْ مَنْ أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رُسُلِنا أَجَعَلْنا مِنْ دُونِ الرَّحْمنِ آلِهَةً يُعْبَدُونَ﴾ وقال تعالى ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولاً أَنِ اُعْبُدُوا اللهَ وَاِجْتَنِبُوا الطّاغُوتَ فَمِنْهُمْ مَنْ هَدَى اللهُ وَمِنْهُمْ مَنْ حَقَّتْ عَلَيْهِ الضَّلالَةُ﴾ الآية. فأولاد العلات أن يكون الأب واحدا والأمهات متفرقات فالأب بمنزلة الدين وهو التوحيد والأمهات بمنزلة الشرائع في اختلاف أحكامها كما قال تعالى ﴿لِكُلٍّ﴾

стр. 492

جَعَلْنا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهاجاً وقال ﴿لِكُلِّ أُمَّةٍ جَعَلْنا مَنْسَكاً هُمْ ناسِكُوهُ﴾ وقال ﴿وَلِكُلٍّ وِجْهَةٌ هُوَ مُوَلِّيها﴾ على أحد القولين في تفسيرها. والمقصود أن الشرائع وان تنوعت في أوقاتها إلا أن الجميع آمرة بعبادة الله وحده لا شريك له وهو دين الإسلام الّذي شرعه الله لجميع الأنبياء وهو الدين الّذي لا يقبل الله غيره يوم القيامة كما قال تعالى ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلامِ دِيناً فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخاسِرِينَ﴾ وقال تعالى ﴿وَمَنْ يَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ إِبْراهِيمَ إِلاّ مَنْ سَفِهَ نَفْسَهُ وَلَقَدِ اِصْطَفَيْناهُ فِي الدُّنْيا وَإِنَّهُ فِي الْآخِرَةِ لَمِنَ الصّالِحِينَ * إِذْ قالَ لَهُ رَبُّهُ أَسْلِمْ قالَ أَسْلَمْتُ لِرَبِّ الْعالَمِينَ * وَوَصّى بِها إِبْراهِيمُ بَنِيهِ وَيَعْقُوبُ يا بَنِيَّ إِنَّ اللهَ اِصْطَفى لَكُمُ الدِّينَ فَلا تَمُوتُنَّ إِلاّ وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ وقال تعالى ﴿إِنّا أَنْزَلْنَا التَّوْراةَ فِيها هُدىً وَنُورٌ يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُوا لِلَّذِينَ هادُوا﴾ الآية. فدين الإسلام هو عبادة الله وحده لا شريك له وهو الإخلاص له وحده دون ما سواه والإحسان أن يكون على الوجه المشروع في ذلك الوقت المأمور به ولهذا لا يقبل الله من أحد عملا بعد أن بعث محمدا ﷺ على ما شرعه له كما قال تعالى ﴿قُلْ يا أَيُّهَا النّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعاً﴾ وقال تعالى ﴿وَأُوحِيَ إِلَيَّ هذَا الْقُرْآنُ لِأُنْذِرَكُمْ بِهِ وَمَنْ بَلَغَ﴾ وقال تعالى ﴿وَمَنْ يَكْفُرْ بِهِ مِنَ الْأَحْزابِ فَالنّارُ مَوْعِدُهُ﴾. وقال رسول الله ﷺ (بعثت إلى الأحمر والأسود). قيل أراد العرب والعجم. وقيل الانس والجن وقال ﷺ (والّذي نفسي بيده لو أصبح فيكم موسى ثم اتبعتموه وتركتموني لضللتم) والأحاديث في هذا كثيرة جدا * والمقصود أن اخوة العلات أن يكونوا من أب واحد وأمهاتهم شتى مأخوذ من شرب العلل بعد النهل * وأما اخوة الاخياف فعكس هذا أن تكون أمهم واحدة من آباء شتى. وإخوة الأعيان فهم الاشقاء من أب واحد وأم واحدة والله أعلم. وفي الحديث الآخر نحن معاشر الأنبياء لا نورث ما تركنا فهو صدقة وهذا من خصائص الأنبياء انهم لا يورثون وما ذاك إلا لان الدنيا أحقر عندهم من أن تكون مخلفة عنهم ولان توكلهم على الله في ذراريهم أعظم وأشد وآكد من أن يحتاجوا معه إلى أن يتركوا لورثتهم من بعدهم ما لا يستأثرون به عن الناس بل يكون جميع ما تركوه صدقة لفقراء الناس ومحاويجهم وذو خلتهم. وسنذكر جميع ما يختص بالأنبياء ﵈ مع خصائص نبينا ﷺ وعليهم أجمعين في أول كتاب النكاح من كتاب الأحكام الكبير حيث ذكره الأئمة من المصنفين اقتداء بالإمام أبى عبد الله الشافعيّ رحمة الله عليه وعليهم أجمعين. وقال الامام أحمد حدثنا أبو معاوية عن الأعمش عن زيد بن وهب عن عبد الرحمن أن عبد رب الكعبة قال انتهيت إلى عبد الله بن عمرو وهو جالس في ظل الكعبة فسمعته يقول بينا نحن مع رسول الله ﷺ في سفر إذ نزل منزلا فمنا من يضرب خباءه ومنا من هو في جشره ومنا من ينتضل إذ نادى مناديه الصلاة جامعة قال فاجتمعنا قال فقام رسول الله ﷺ فخطبنا فقال (إنه لم يكن نبي قبلي إلا دل

стр. 493

أمته على خير ما يعلمه لهم وحذرهم ما يعلمه شرا لهم وان أمتكم هذه جعلت عافيتها في أولها وان آخرها سيصيبها بلاء شديد وأمور ينكرونها تجيء فتن يريق بعضها بعضا تجيء الفتنة فيقول المؤمن هذه مهلكتى. ثم تنكشف. ثم تجيء الفتنة فيقول المؤمن هذه. ثم تنكشف فمن سره منكم أن يزحزح عن النار وأن يدخل الجنة فلتدركه موتته وهو مؤمن بالله واليوم الآخر وليأت إلى الناس الّذي يحب أن يؤتى اليه ومن بايع إماما فأعطاه صفقة يده وثمرة قلبه فليطعه ما استطاع فان جاء آخر ينازعه فاضربوا عنق الآخر. قال فأدخلت رأسي من بين الناس فقلت أنشدك بالله أنت سمعت هذا من رسول الله ﷺ قال فأشار بيده إلى أذنيه وقال سمعته أذناى ووعاه قلبي قال فقلت هذا ابن عمك يعنى معاوية يأمرنا أن نأكل أموالنا بيننا بالباطل وأن نقتل أنفسنا وقد قال الله تعالى ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَأْكُلُوا أَمْوالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْباطِلِ﴾ قال فجمع يديه فوضعهما على جبهته ثم نكس هنيهة. ثم رفع رأسه فقال أطعه في طاعة الله واعصه في معصية الله) ورواه أحمد أيضا عن وكيع عن الأعمش به وقال فيه أيها الناس انه لم يكن نبي قبلي إلا كان حقا عليه أن يدل أمته على ما يعلمه خيرا لهم وينذره ما يعلمه شرا لهم وذكر تمامه بنحوه. وهكذا رواه مسلم وأبو داود والنسائي وابن ماجة من طرق عن الأعمش به ورواه مسلم أيضا من حديث الشعبي عن عبد الرحمن بن عبد رب الكعبة عن عبد الله بن عمر عن النبي ﷺ بنحوه (١) (هذه العبارة بالنسخة الحلبية أثبتناها كما هي) آخر الجزء الثامن من خط المصنف رحمه الله تعالى يتلوه إن شاء الله تعالى كتاب أخبار العرب وكان الفراغ من تتمة هذا المجلد في سابع عشر شوال سنة سهر ربعره؟؟ من الهجرة النبويّة على صاحبها أفضل الصلاة والسلام بدمشق المحروسة على يد أفقر عباد الله وأحوجهم إلى رحمته وعفوه وغفرانه ولطفه وكرمه إسماعيل الدرعى الشافعيّ الأنصاري غفر الله تعالى له وختم له بخير ولأحبابه ولإخوانه ولمشايخه ولجميع المسلمين والصلاة والسلام على محمد خير خلقه وآله وصحبه وسلم تسليما كثيرا الى يوم الدين

стр. 494

ذكر أخبار العرب قيل إن جميع العرب ينتسبون الى إسماعيل بن إبراهيم ﵉ والتحية والاكرام * والصحيح المشهور أن العرب العاربة قبل إسماعيل وقد قدمنا أن العرب العاربة منهم عاد وثمود وطسم وجديس وأميم وجرهم والعماليق وأمم آخرون لا يعلمهم الا الله كانوا قبل الخليل ﵊ وفي زمانه أيضا. فاما العرب المستعربة وهم عرب الحجاز فمن ذرية إسماعيل بن إبراهيم ﵉. وأما عرب اليمن وهم حمير فالمشهور أنهم من قحطان واسمه مهزم قاله ابن ماكولا وذكروا أنهم كانوا اربعة اخوة قحطان وقاحط ومقحط وفالغ وقحطان بن هود. وقيل هو هود. وقيل هود اخوه وقيل من ذريته وقيل ان قحطان من سلالة إسماعيل حكاه ابن إسحاق وغيره فقال بعضهم هو قحطان بن تيمن بن قيذر بن إسماعيل. وقيل غير ذلك في نسبه الى إسماعيل والله أعلم. وقد ترجم البخاري في صحيحه على ذلك فقال (باب نسبة اليمن الى إسماعيل ﵇ حدثنا مسدد حدثنا يحيى عن يزيد بن ابى عبيد حدثنا سلمة ﵁ قال خرج رسول الله ﷺ على قوم من أسلم يتناضلون بالسيوف فقال ارموا بنى إسماعيل وأنا مع بنى فلان لأحد الفريقين فأمسكوا بأيديهم فقال ما لكم قالوا وكيف نرمي وأنت مع بنى فلان فقال ارموا وأنا معكم كلكم. انفرد به البخاري وفي بعض ألفاظه ارموا بنى إسماعيل فان أباكم كان راميا ارموا وأنا مع ابن الأدرع فأمسك القوم فقال ارموا وأنا معكم كلكم * قال البخاري وأسلم بن أفصى بن حارثة بن عمرو بن عامر من خزاعة يعنى وخزاعة فرقة ممن كان تمزق من قبائل سبإ حين أرسل الله عليهم سيل العرم كما سيأتي بيانه وكانت الأوس والخزرج منهم وقد قال لهم ﵊ ارموا بنى إسماعيل فدل على أنهم من سلالته وتأوله آخرون على أن المراد بذلك جنس العرب لكنه تأويل بعيد إذ هو خلاف الظاهر بلا دليل لكن الجمهور على أن العرب القحطانية من عرب اليمن وغيرهم ليسوا من سلالة إسماعيل وعندهم أن جميع العرب ينقسمون الى قسمين قحطانية وعدنانية فالقحطانية شعبان سبإ وحضرموت والعدنانية شعبان أيضا ربيعة ومضرابنا نزار بن معد بن عدنان والشعب الخامس وهم قضاعة مختلف فيهم فقيل إنهم عدنانيون قال ابن عبد البر وعليه الأكثرون ويروى هذا عن ابن عباس وابن عمر وجبير بن مطعم وهو اختيار الزبير بن بكار وعمه مصعب الزبيري وابن هشام وقد ورد في حديث قضاعة بن معدر ولكنه لا يصح قاله ابن عبد البر وغيره ويقال إنهم لن يزالوا في جاهليتهم وصدر من الإسلام ينتسبون إلى عدنان فلما كان في زمن خالد بن يزيد بن معاوية وكانوا أخواله انتسبوا إلى قحطان فقال في ذلك أعشى بن ثعلبة في قصيدة له:

стр. 495

أبلغ قضاعة في القرطاس إنهم … لولا خلائف آل الله ما عتقوا قالت قضاعة إنا من ذوى يمن … والله يعلم ما بروا وما صدقوا قد ادعوا والدا ما نال أمهم … قد يعلمون ولكن ذلك الفرق وقد ذكر أبو عمرو السهيليّ أيضا من شعر العرب ما فيه إبداع في تفسير قضاعة في انتسابهم إلى اليمن والله أعلم والقول الثاني أنهم من قحطان وهو قول ابن إسحاق والكلبي وطائفة من أهل النسب. قال ابن إسحاق وهو قضاعة بن مالك بن حمير بن سبإ بن يشجب بن يعرب بن قحطان وقد قال بعض شعرائهم وهو عمرو بن مرة صحابى له حديثان: يا أيها الداعي ادعنا وابشر … وكن قضاعيا ولا تنزّر نحن بنو الشيخ الهجان الأزهر … قضاعة بن مالك بن حمير النسب المعروف غير المنكر … في الحجر المنقوش تحت المنبر قال بعض أهل النسب هو قضاعة بن مالك بن عمر بن مرة بن زيد بن حمير وقال ابن لهيعة عن معروف بن سويد عن أبى عشابة (١) محمد بن موسى عن عقبة بن عامر قال قلت يا رسول الله أما نحن من معد قال لا قلت فممن نحن قال أنتم قضاعة بن مالك بن حمير قال أبو عمر بن عبد البر ولا يختلفون أن جهينة بن زيد بن أسود بن أسلم بن عمران بن إلحاف بن قضاعة قبيلة عقبة بن عامر الجهنيّ فعلى هذا قضاعة في اليمن في حمير بن سبإ وقد جمع بعضهم بين هذين القولين بما ذكره الزبير بن بكار وغيره من أن قضاعة امرأة من جرهم تزوجها مالك بن حمير فولدت له قضاعة ثم خلف عليها معد بن عدنان وابنها صغير وزعم بعضهم أنه كان حملا فنسب إلى زوج أمه كما كانت عادة كثير منهم ينسبون الرجل إلى زوج أمه والله أعلم * وقال محمد بن سلام البصري النسابة: العرب ثلاثة جراثيم العدنانية والقحطانية وقضاعة. قيل له فأيهما أكثر العدنانية أو القحطانية فقال ما شاءت قضاعة أن تيامنت فالقحطانية أكثر وان تعددت فالعدنانية أكثر وهذا يدل على أنهم يتلومون في نسبهم فان صح حديث ابن لهيعة المقدم فهو دليل على أنهم من القحطانية والله أعلم. وقد قال الله تعالى ﴿يا أَيُّهَا النّاسُ إِنّا خَلَقْناكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثى وَجَعَلْناكُمْ شُعُوباً وَقَبائِلَ لِتَعارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللهِ أَتْقاكُمْ﴾ قال علماء النسب يقال شعوب. ثم قبائل ثم عمائر. ثم بطون. ثم أفخاذ. ثم فصائل. ثم عشائر. والعشيرة أقرب الناس إلى الرجل وليس بعدها شيء. ولنبدأ أولا بذكر

стр. 496

القحطانية ثم نذكر بعدهم عرب الحجاز وهم العدنانية وما كان من أمر الجاهلية ليكون ذلك متصلا بسيرة رسول الله ﷺ إن شاء الله تعالى وبه الثقة * وقد قال البخاري (باب ذكر قحطان) حدثنا عبد العزيز بن عبد الله حدثنا سليمان بن بلال عن ثور بن زيد عن أبى المغيث عن أبى هريرة عن النبي ﷺ قال لا تقوم الساعة حتى يخرج رجل من قحطان يسوق الناس بعصاه وكذا رواه مسلم عن قتيبة عن الدراوَرْديّ عن ثور بن زيد به * قال السهيليّ وقحطان أول من قيل له أبيت اللعن وأول من قيل له أنعم صباحا. وقال الامام أحمد حدثنا أبو المغيرة عن جرير حدثني راشد بن سعد المقرئي عن أبى حي عن ذي فجر أن رسول الله ﷺ قال (كان هذا الأمر في حمير فنزعه الله منهم فجعله في قريش (و س ى ع و د ا ل ى هـ م) قال عبد الله كان هذا في كتاب أبى وحيث حدثنا به تكلم به على الاستواء يعنى وسيعود اليهم. قصة سبا قال الله تعالى ﴿لَقَدْ كانَ لِسَبَإٍ فِي مَسْكَنِهِمْ آيَةٌ جَنَّتانِ عَنْ يَمِينٍ وَشِمالٍ كُلُوا مِنْ رِزْقِ رَبِّكُمْ وَاُشْكُرُوا لَهُ بَلْدَةٌ طَيِّبَةٌ وَرَبٌّ غَفُورٌ * فَأَعْرَضُوا فَأَرْسَلْنا عَلَيْهِمْ سَيْلَ الْعَرِمِ وَبَدَّلْناهُمْ بِجَنَّتَيْهِمْ جَنَّتَيْنِ ذَواتَيْ أُكُلٍ خَمْطٍ وَأَثْلٍ وَشَيْءٍ مِنْ سِدْرٍ قَلِيلٍ * ذلِكَ جَزَيْناهُمْ بِما كَفَرُوا وَهَلْ نُجازِي إِلاَّ الْكَفُورَ * وَجَعَلْنا بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ الْقُرَى الَّتِي بارَكْنا فِيها قُرىً ظاهِرَةً وَقَدَّرْنا فِيهَا السَّيْرَ سِيرُوا فِيها لَيالِيَ وَأَيّاماً آمِنِينَ * فَقالُوا رَبَّنا باعِدْ بَيْنَ أَسْفارِنا وَظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ فَجَعَلْناهُمْ أَحادِيثَ وَمَزَّقْناهُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِكُلِّ صَبّارٍ شَكُورٍ﴾ قال علماء النسب منهم محمد بن إسحاق اسم سبإ عبد شمس بن يشجب بن يعرب بن قحطان قالوا وكان أول من سبى من العرب فسمى سبأ لذلك وكان يقال له الرائش لأنه كان يعطى الناس الأموال من متاعه. قال السهيليّ ويقال إنه أول من تتوج وذكر بعضهم أنه كان مسلما وكان له شعر بشر فيه بوجود رسول الله ﷺ فمن ذلك قوله سيملك بعدنا ملكا عظيما … نبي لا يرخص في الحرام ويملك بعده منهم ملوك … يدينون العباد بغير ذام ويملك بعدهم منا ملوك … يصير الملك فينا باقتسام ويملك بعد قحطان نبي … تقى جبينه خير الأنام يسمى أحمدا يا ليت أنى … أعمر بعد مبعثه بعام فأعضده وأحبوه بنصري … بكل مدجج وبكل رام متى يظهر فكونوا ناصريه … ومن يلقاه يبلغه سلامي

стр. 497

حكاه ابن دحية في كتابه التنوير في مولد البشير النذير وقال الامام احمد حدثنا أبو عبد الرحمن حدثنا ابن لهيعة عن عبد الله بن دعلة سمعت عبد الله بن العباس يقول إن رجلا سأل النبي ﷺ عن سبإ ما هو أرجل أم امرأة أم أرض قال بل هو رجل ولد عشرة فسكن اليمن منهم ستة وبالشام منهم أربعة. فأما اليمانيون فمذحج وكندة والأزد والأشعريون وأنمار وحمير. وأما الشامية فلخم وجذام وعاملة وغسان وقد ذكرنا في التفسير أن فروة بن مسيك الغطيفى هو السائل عن ذلك كما استقصينا طرق هذا الحديث وألفاظه هناك ولله الحمد. والمقصود أن سبأ يجمع هذه القبائل كلها وقد كان فيهم التبابعة بأرض اليمن واحدهم تبع وكان لملوكهم تيجان يلبسونها وقت الحكم كما كانت الأكاسرة ملوك الفرس يفعلون ذلك وكانت العرب تسمى كل من ملك اليمن مع الشحر وحضر موت تبعا كما يسمون من ملك الشام مع الجزيرة قيصر ومن ملك الفرس كسرى ومن ملك مصر فرعون ومن ملك الحبشة النجاشي ومن ملك الهند بطليموس وقد كان من جملة ملوك حمير بأرض اليمن بلقيس وقد قدمنا قصتها مع سليمان ﵇ وقد كانوا في غبطة عظيمة وأرزاق دارة وثمار وزروع كثيرة وكانوا مع ذلك على الاستقامة والسداد وطريق الرشاد فلما بدلوا نعمة الله كفرا أحلوا قومهم دار البوار. قال محمد بن إسحاق عن وهب بن منبه أرسل الله اليهم ثلاثة عشر نبيا وزعم السدي أنه أرسل إليهم اثنى عشر ألف نبي فالله أعلم. والمقصود أنهم لما عدلوا عن الهدى إلى الضلال وسجدوا للشمس من دون الله وكان ذلك في زمان بلقيس وقبلها أيضا واستمر ذلك فيهم حتى أرسل الله عليهم سيل العرم كما قال تعالى ﴿فَأَعْرَضُوا فَأَرْسَلْنا عَلَيْهِمْ سَيْلَ الْعَرِمِ وَبَدَّلْناهُمْ بِجَنَّتَيْهِمْ جَنَّتَيْنِ ذَواتَيْ أُكُلٍ خَمْطٍ وَأَثْلٍ وَشَيْءٍ مِنْ سِدْرٍ قَلِيلٍ * ذلِكَ جَزَيْناهُمْ بِما كَفَرُوا وَهَلْ نُجازِي إِلاَّ الْكَفُورَ﴾ ذكر غير واحد من علماء السلف والخلف من المفسرين وغيرهم أن سد مأرب كان صنعته ان المياه تجرى من بين جبلين فعمدوا في قديم الزمان فسدوا ما بينهما ببناء محكم جدا حتى ارتفع الماء فحكم على اعالى الجبلين وغرسوا فيهما البساتين والأشجار المثمرة الأنيقة وزرعوا الزروع الكثيرة ويقال كان أول من بناه سبأ بن يعرب وسلط اليه سبعين واديا يفد اليه وجعل له ثلاثين فرضة يخرج منها الماء ومات ولم يكمل بناؤه فكملته حمير بعده وكان اتساعه فرسخا في فرسخ وكانوا في غبطة عظيمة وعيش رغيد وأيام طيبة حتى ذكر قتادة وغيره أن المرأة كانت تمر بالمكتل على رأسها فتمتلى من الثمار ما يتساقط فيه من نضجه وكثرته وذكروا أنه لم يكن في بلادهم شيء من البراغيث ولا الدواب المؤذية لصحة هوائهم وطيب فنائهم كما قال تعالى ﴿لَقَدْ كانَ لِسَبَإٍ فِي مَسْكَنِهِمْ آيَةٌ جَنَّتانِ عَنْ يَمِينٍ وَشِمالٍ كُلُوا مِنْ رِزْقِ رَبِّكُمْ وَاُشْكُرُوا لَهُ بَلْدَةٌ طَيِّبَةٌ وَرَبٌّ غَفُورٌ﴾ وكما قال تعالى ﴿وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِنْ كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذابِي لَشَدِيدٌ﴾

стр. 498

فلما عبدوا غير الله وبطروا نعمته وسألوا بعد تقارب ما بين قراهم وطيب ما بينها من البساتين وأمن الطرقات سألوا أن يباعد بين أسفارهم وأن يكون سفرهم في مشاق وتعب وطلبوا أن يبدلوا بالخير شرا كما سأل بنو إسرائيل بدل المن والسلوى البقول والقثاء والفوم والعدس والبصل فسلبوا تلك النعمة العظيمة والحسنة العميمة بتخريب البلاد والشنات على وجوه العباد كما قال تعالى ﴿فَأَعْرَضُوا فَأَرْسَلْنا عَلَيْهِمْ سَيْلَ الْعَرِمِ﴾ قال غير واحد أرسل الله على أصل السد الفار وهو الجرذ ويقال الخلد فلما فطنوا لذلك أرصدوا عندها السنانير فلم تغن شيئا إذ قد حم القدر ولم ينفع الحذر كلا لا وزر فلما نحكم في أصله الفساد سقط وانهار فسلك الماء القرار فقطعت تلك الجداول والأنهار وانقطعت تلك الثمار ومادت تلك الزروع والأشجار وتبدلوا بعدها برديء الأشجار والأثمار كما قال العزيز الجبار ﴿وَبَدَّلْناهُمْ بِجَنَّتَيْهِمْ جَنَّتَيْنِ ذَواتَيْ أُكُلٍ خَمْطٍ وَأَثْلٍ﴾ قال ابن عباس ومجاهد وغير واحد هو الأراك وثمره البرير وأثل وهو الطرفاء. وقيل يشبهه وهو حطب لا ثمر له ﴿وَشَيْءٍ مِنْ سِدْرٍ قَلِيلٍ﴾ وذلك لأنه لما كان يثمر النبق كان قليلا مع أنه ذو شوك كثير وثمره بالنسبة اليه كما يقال في المثل لحم جمل غث على رأس جبل وعر لا سهل فيرتقى ولا سمين فينتقى ولهذا قال تعالى ﴿ذلِكَ جَزَيْناهُمْ بِما كَفَرُوا وَهَلْ نُجازِي إِلاَّ الْكَفُورَ﴾ أي إنما نعاقب هذه العقوبة الشديدة من كفر بنا وكذب رسلنا وخالف أمرنا وانتهك محارمنا وقال تعالى ﴿فَجَعَلْناهُمْ أَحادِيثَ وَمَزَّقْناهُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ﴾ وذلك أنهم لما هلكت أموالهم وخربت بلادهم احتاجوا أن يرتحلوا منها وينتقلوا عنها فتفرقوا في غور البلاد ونجدها أيدي سبإ شذر مذر فنزلت طوائف منهم الحجاز ومنهم خزاعة نزلوا ظاهر مكة وكان من أمرهم ما سنذكره ومنهم المدينة المنورة اليوم فكانوا أول من سكنها ثم نزلت عندهم ثلاث قبائل من اليهود بنو قينقاع وبنو قريظة وبنو النضير فخالفوا الأوس والخزرج وأقاموا عندهم وكان من أمرهم ما سنذكره ونزلت طائفة أخرى منهم الشام وهم الذين تنصروا فيما بعد وهم غسان وعاملة وبهراء ولخم وجذام وتنوخ وتغلب وغيرهم وسنذكرهم عند ذكر فتوح الشام في زمن الشيخين ﵄ قال محمد بن إسحاق حدثني أبو عبيدة قال قال الأعشى بن قيس بن ثعلبة وهو ميمون بن قيس. وفي ذاك للمؤتسى أسوة … ومأرم عفى عليها العرم رخام بنته لهم حمير … إذا جاء مواره لم يرم فأروى الزرع وأعنابها … على سعة ماءهم إذ قسم فصاروا أيادي لا يقدرون … على شرب طفل إذا ما فطم وقد ذكر محمد بن إسحاق في كتاب السيرة أن أول من خرج من اليمن قبل سيل العرم عمرو بن عامر اللخمي ولخم هو ابن عدي بن الحارث بن مرة بن أزد بن زيد بن مهسع بن عمرو بن عريب بن يشجب

стр. 499

ابن زيد بن كهلان بن سبإ. ويقال لخم بن عدي بن عمرو بن سبإ قاله ابن هشام. قال ابن إسحاق وكان سبب خروجه من اليمن فيما حدثني أبو زيد الأنصاري أنه رأى جرذا يحفر في سد مأرب الّذي كان يحبس عليهم الماء فيصرفونه حيث شاءوا من أرضهم فعلم أنه لا بقاء للسد على ذلك فاعتزم على النقلة عن اليمن فكاد قومه فأمر أصغر ولده إذا أغلظ عليه ولطمه أن يقوم إليه فيلطمه ففعل ابنه ما أمره به فقال عمرو لا أقيم ببلد لطم وجهي فيه أصغر ولدى وعرض أمواله فقال أشراف من أشراف اليمن اغتنموا غضبة عمرو فاشتروا منه أمواله وانتقل في ولده وولد ولده وقالت الأزد لا نتخلف عن عمرو بن عامر فباعوا أموالهم وخرجوا معه فساروا حتى نزلوا بلاد عك مجتازين يرتادون البلدان فحاربتهم عك فكانت حربهم سجالا ففي ذلك قال عباس بن مرداس. وعك بن عدنان الذين تلعبوا … بغسان حتى طردوا كل مطرد قال فارتحلوا عنهم فتفرقوا في البلاد فنزل آل جفنة بن عمرو بن عامر الشام ونزل الأوس والخزرج يثرب ونزلت خزاعة مرا ونزلت أزد السراة السراة ونزلت أزد عمان عمان ثم أرسل الله تعالى على السد السيل فهدمه وفي ذلك أنزل الله هذه الآيات وقد روى عن السدي قريب من هذا وعن محمد بن إسحاق في روايته أن عمرو بن عامر كان كاهنا وقال غيره كانت امرأته طريفة بنت الخير الحميرية كاهنة فأخبرت بقرب هلاك بلادهم وكأنهم رأوا شاهد ذلك في الفأر الّذي سلط على سدهم ففعلوا ما فعلوا والله أعلم. وقد ذكرت قصته مطولة عن عكرمة فيما رواه ابن أبى حاتم في التفسير. فصل وليس جميع سبإ خرجوا من اليمن لما أصيبوا بسيل العرم بل أقام أكثرهم بها وذهب أهل مأرب الذين كان لهم السد فتفرقوا في البلاد وهو مقتضى الحديث المتقدم عن ابن عباس أن جميع قبائل سبإ لم يخرجوا من اليمن بل انما تشاءم منهم أربعة وبقي باليمن ستة وهم مذحج وكندة وأنمار والأشعريون وأنمار هو أبو خثعم وبجيلة وحمير فهؤلاء ست قبائل من سبإ أقاموا باليمن واستمر فيهم الملك والتبابعة حتى سلبهم ذلك ملك الحبشة بالجيش الّذي بعثه صحبة أميريه أبرهة وارياط نحوا من سبعين سنة ثم استرجعه سيف ابن ذي يزن الحميري وكان ذلك قبل مولد رسول الله ﷺ بقليل كما سنذكره مفصلا قريبا ان شاء الله تعالى وبه الثقة وعليه التكلان * ثم أرسل رسول الله ﷺ إلى أهل اليمن عليا وخالد بن الوليد ثم أبا موسى الأشعري ومعاذ بن جبل وكانوا يدعون الى الله تعالى ويبينون لهم الحجج ثم تغلب على اليمن الأسود العنسيّ واخرج نواب رسول الله ﷺ منها فلما قتل الأسود استقرت اليد الإسلامية عليها في أيام أبى بكر الصديق ﵁ كما سنبين ذلك بعد البعثة ان شاء الله تعالى

стр. 500

قصة ربيعة بن نصر بن أبى حارثة بن عمرو بن عامر المتقدم ذكره اللخمي كذا ذكره ابن إسحاق وقال السهيليّ ونساب اليمن تقول نصر بن ربيعة ابن نصر بن الحارث بن نمارة بن لخم وقال الزبير بن بكار ربيعة بن نصر بن مالك بن شعوذ بن مالك بن عجم بن عمرو بن نمارة بن لخم ولخم أخو جذام وسمى لخما لانه لخم أخاه أي لطمه فعضه الآخر في يده فجذمها فسمى جذاما وكان ربيعة أحد ملوك حمير التبابعة وخبره مع شق وسطيح الكاهنين وإنذارهما بوجود رسول الله ﷺ أما سطيح فاسمه ربيع بن ربيعة بن مسعود بن مازن بن ذئب بن عدي بن مازن غسان وأما شق فهو ابن صعب بن يشكر بن رهم بن أفرك بن قيس بن عبقر بن أنمار بن نزار ومنهم من يقول أنمار بن أراش بن لحيان بن عمرو بن الغوث بن نابت بن مالك بن زبد بن كهلان بن سبإ ويقال إن سطيحا كان لا أعضاء له وانما كان مثل السطيحة ووجهه في صدره وكان إذا غضب انتفخ وجلس وكان شق نصف إنسان ويقال ان خالد بن عبد الله بن القسري كان سلالته وذكر السهيليّ أنهما ولدا في يوم واحد وكان ذلك يوم ماتت طريفة بنت الخير الحميرية ويقال انها تفلت في فم كل منهما فورث الكهانة عنها وهي امرأة عمرو بن عامر المتقدم ذكره والله أعلم * قال محمد بن إسحاق وكان ربيعة بن نصر ملك اليمن بين أضعاف ملوك التبابعة فرأى رؤيا هائلة هالته وفظع بها فلم يدع كاهنا ولا ساحرا ولا عائفا ولا منجما من أهل مملكته إلا جمعه إليه فقال لهم إني قد رأيت رؤيا هالتني وفظعت بها فأخبروني بها وبتأويلها فقالوا اقصصها علينا نخبرك بتأويلها فقال انى ان أخبرتكم بها لم أطمئن الى خبركم بتأويلها لانه لا يعرف تأويلها الا من عرفها قبل أن أخبره بها فقال له رجل منهم فان كان الملك يريد هذا فليبعث الى شق وسطيح فإنه ليس أحد أعلم منهما فهما يخبر انه بما سأل عنه فبعث اليهما فقدم اليه سطيح قبل شق فقال له إني قد رأيت رؤيا هالتني وفظعت بها فأخبرني بها فإنك ان أصبتها أصبت تأويلها فقال أفعل. رأيت حممة خرجت من ظلمة. فوقعت بأرض تهمة. فأكلت منها كل ذات جمجمة. فقال له الملك ما اخطأت منها شيئا يا سطيح فما عندك في تأويلها قال أحلف بما بين الحرتين من حنش لتهبطن أرضكم الحبش. فليملكن ما بين أبين الى جرش فقال له الملك يا سطيح ان هذا لنا لغائظ موجع فمتى هو كائن أفي زماني أم بعده فقال لا وأبيك بل بعده بحين. أكثر من ستين أو سبعين. يمضين من السنين قال أفيدوم ذلك من سلطانهم أم ينقطع قال بل ينقطع لبضع وسبعين من السنين ثم يقتلون ويخرجون منها هاربين قال ومن يلي ذلك من قتلهم وإخراجهم قال يليهم أرم ذي يزن. يخرج عليهم من عدن. فلا يترك منهم أحدا باليمن. قال أفيدوم ذلك من سلطانه أم ينقطع قال بل ينقطع قال ومن يقطعه قال نبي زكى. يأتيه الوحي من قبل العلى قال وممن هذا النبي قال رجل من ولد غالب بن فهر بن مالك بن النضر. يكون الملك في قومه الى آخر الدهر. قال وهل

стр. 501

للدهر من آخر قال نعم يوم يجمع فيه الأولون والآخرون. يسعد فيه المحسنون ويشقى فيه المسيئون. قال أحق ما تخبرني قال نعم. والشفق والغسق والفلق إذا اتسق إن ما أنبأتك به لحق. قال ثم قدم عليه شق فقال له كقوله لسطيح وكتمه ما قال سطيح لينظر أيتفقان أم يختلفان قال نعم رأيت حممة خرجت من ظلمة. فوقعت بين روضة وأكمة. فأكلت منها كل ذات نسمة. فلما قال له ذلك عرف أنهما قد اتفقا وأن قولهما واحد إلا ان سطيحا قال وقعت بأرض تهمة فأكلت منها كل ذات جمجمة. وقال شق وقعت بين روضة وأكمة فأكلت منها كل ذات نسمة فقال له الملك ما أخطأت يا شق منها شيئا فما عندك في تأويلها فقال أحلف بما بين الحرتين من إنسان. لينزلن أرضكم السودان فليغلبن على كل طفلة البنان وليملكن ما بين أين الى نجران فقال له الملك وأبيك يا شق إن هذا لنا لغائظ موجع فمتى هو كائن أفي زماني أم بعده قال لا بل بعده بزمان. ثم يستنقذكم منهم عظيم ذو شان. ويذيقهم أشد الهوان. قال ومن هذا العظيم الشان قال غلام ليس بدني ولا مدن يخرج عليهم من بيت ذي يزن. قال أفيدوم سلطانه أم ينقطع قال بل ينقطع برسول مرسل يأتى بالحق والعدل من أهل الدين والفضل يكون الملك في قومه الى يوم الفصل قال وما يوم الفصل قال يوم يجزى فيه الولات يدعى فيه من السماء بدعوات تسمع منها الحياء والأموات ويجمع الناس فيه للميقات يكون فيه لمن اتقى الفوز والخيرات. قال أحق ما تقول قال أي ورب السماء والأرض. وما بينهما من رفع وخفض. ان ما أنبأتك به لحق ما فيه أمض. قال ابن إسحاق فوقع في نفس ربيعة بن نصر ما قالا فجهز بنيه وأهل بيته الى العراق وكتب لهم الى ملك من ملوك فارس يقال له سابور بن خرزاذ فأسكنهم الحيرة قال ابن إسحاق فمن بقية ولد ربيعة بن نصر النعمان بن المنذر بن النعمان بن المنذر بن عمرو بن عدي بن ربيعة بن نصر يعنى الّذي كان نائبا على الحيرة لملوك الاكاسرة وكانت العرب تفد اليه وتمتدحه وهذا الّذي قاله محمد بن إسحاق من أن النعمان بن المنذر من سلالة ربيعة بن نصر قاله أكثر الناس. وقد روى ابن إسحاق ان أمير المؤمنين عمر بن الخطاب لما جيء بسيف النعمان بن المنذر سأل جبير بن مطعم عنه ممن كان فقال من أشلاء قنص بن معد بن عدنان قال ابن إسحاق فالله أعلم أي ذلك كان قصة تبع أبى كرب تبان أسعد ملك اليمن مع أهل المدينة (وكيف أراد غزو البيت الحرام ثم شرفه وعظمه وكساه الحلل فكان أول من كساه) قال ابن إسحاق فلما هلك ربيعة بن نصر رجع ملك اليمن كله الى حسان بن تبان أسعد أبى كرب وتبان أسعد تبع الآخر ابن كلكيكرب بن زيد وزيد تبع الأول بن عمرو ذي الإذعار بن أبرهة ذي المنار بن الرائش بن عدي بن صيفي بن سبإ الأصغر بن كعب كهف الظلم بن زيد بن سهل بن عمرو بن قس بن معاوية بن جشم بن عبد شمس بن وائل بن الغوث بن قطن بن عريب بن زهير

стр. 502

ابن أنس بن الهميسع بن العربحج والعربحج هو حمير بن سبإ الأكبر بن يعرب بن يشجب بن قحطان. قال عبد الملك بن هشام سبأ بن يشجب بن يعرب بن قحطان. قال ابن إسحاق وتبان أسعد أبو كرب هو الّذي قدم المدينة وساق الحبرين من اليهود الى اليمن وعمر البيت الحرام وكساه وكان ملكه قبل ملك ربيعة بن نصر وكان قد جعل طريقه حين رجع من غزوة بلاد المشرق على المدينة وكان قد مر بها في بدأته فلم يهج أهلها وخلف بين أظهرهم ابنا له فقتل غيلة فقدمها وهو مجمع لإخرابها واستئصال أهلها وقطع نخلها فجمع له هذا الحي من الأنصار ورئيسهم عمرو بن طلحة أخو بنى النجار ثم أحد بنى عمرو بن مبذول واسم مبذول عامر بن مالك بن النجار واسم النجار تيم الله بن ثعلبة بن عمرو بن الخزرج بن حارثة بن ثعلبة عمرو بن عامر وقال ابن هشام عمرو بن طلحة هو عمرو بن معاوية بن عمرو بن عامر بن مالك بن النجار وطلة امه وهي بنت عامر بن زريق الخزرجية. قال ابن إسحاق وقد كان رجل من بنى عدي بن النجار يقال له أحمر عدا على رجل من أصحاب تبع وجده يجد عذقا له فضربه بمنجله فقتله وقال انما التمر لمن أبره فزاد ذلك تبعا حنقا عليهم فاقتتلوا فتزعم الأنصار انهم كانوا يقاتلونه بالنهار ويقرونه بالليل فيعجبه ذلك منهم ويقول والله ان قومنا لكرام وحكى ابن إسحاق عن الأنصار ان تبعا انما كان حنقه على اليهود انهم منعوهم منه. قال السهيليّ ويقال انه انما جاء لنصرة الأنصار أبناء عمه على اليهود الذين نزلوا عندهم في المدينة على شروط فلم يفوا بها واستطالوا عليهم والله أعلم. قال ابن إسحاق فبينا تبع على ذلك من قتالهم إذ جاءه حبران من أحبار اليهود من بنى قريظة عالمان راسخان حين سمعا بما يريد من إهلاك المدينة وأهلها فقالوا له أيها الملك لا تفعل فإنك إن أبيت إلا ما تريد حيل بينك وبينها ولم نأمن عليك جل العقوبة فقال لهما ولم ذلك قالا هي مهاجر نبي يخرج من هذا الحرم من قريش في اخر الزمان تكون داره وقراره فتناهى ورأى أن لهما علما وأعجبه ما سمع منهما فانصرف عن المدينة وأتبعهما على دينهما. قال ابن إسحاق وكان تبع وقومه أصحاب أوثان يعبدونها فتوجه إلى مكة وهي طريقه الى اليمن حتى إذا كان بين عسفان وأمج أتاه نفر من هذيل ابن مدركة بن الياس بن مضر بن بزار بن معد بن عدنان فقالوا له أيها الملك ألا ندلك على بيت مال داثرا غفلته الملوك قبلك فيه اللؤلؤ والزبرجد والياقوت والذهب والفضة قال بلى قالوا بيت بمكة يعبده أهله ويصلون عنده وانما أراد الهذليون هلاكه بذلك لما عرفوا من هلاك من أراده من الملوك وبغى عنده فلما أجمع لما قالوا أرسل إلى الحبرين فسألهما عن ذلك فقالا له ما أراد القوم إلا هلاكك وهلاك جندك ما نعلم بيتا لله اتخذه في الأرض لنفسه غيره ولئن فعلت ما دعوك اليه لتهلكن وليهلكن من معك جميعا قال

стр. 503

فماذا تأمراننى أن أصنع إذا انا قدمت عليه قالا تصنع عنده ما يصنع أهله تطوف به وتعظمه وتكرمه وتحلق رأسك عنده وتذلل له حتى تخرج من عنده قال فما يمنعكما أنتما من ذلك قالا أما والله إنه لبيت أبينا إبراهيم ﵇ وانه لكما أخبرناك ولكن أهله حالوا بيننا وبينه بالأوثان التي نصبوها حوله وبالدماء التي يهريقون عنده وهم نجس أهل شرك أو كما قالا له فعرف نصحهما وصدق حديثهما وقرب النفر من هذيل فقطع أيديهم وأرجلهم ثم مضى حتى قدم مكة فطاف بالبيت ونحر عنده وحلق رأسه وأقام بمكة ستة أيام فيما يذكرون ينحر بها للناس ويطعم أهلها ويسقيهم العسل وأرى في المنام أن يكسوا البيت فكساء الخصف ثم أرى في المنام ان يكسوه أحسن من ذلك فكساء المعافر ثم أرى أن يكسوء أحسن من ذلك فكساء الملاء والوصائل وكان تبع فيما يزعمون أول من كسا البيت وأوصى به ولاته من جرهم وأمرهم بتطهيره وأن لا يقربوه دما ولا ميتة ولا مئلاة وهي المحايض وجعل له بابا ومفتاحا ففي ذلك قالت سبيعة بنت الأحب تذكر ابنها خالد بن عبد مناف بن كعب بن سعد بن تيم بن مرة بن كعب بن لؤيّ بن غالب وتنهاه عن البغي بمكة وتذكر له ما كان من أمر تبع فيها. ابني لا تظلم بمكة … لا الصغير ولا الكبير واحفظ محارمها بني … ولا يغرنك الغرور ابني من يظلم بمكة … يلق أطراف الشرور أبنى يضرب وجهه … ويلج بخديه السعير أبنى قد جربتها … فوجدت ظالمها يبور الله آمنها وما … بنيت بعرصتها قصور والله آمن طيرها … والعصم تامن في ثبير ولقد غزاها تبع … فكسا بنيتها الحبير وأذل ربى ملكه … فيها فأوفى بالنذور يمشى اليها حافيا … بفنائها ألفا بعير ويظل يطعم أهلها … لحم المهارى والجزور يسقيهم العسل المصفى … والرحيض من الشعير والفيل أهلك جيشه … يرمون فيها بالصخور والملك في أقصى البلاد … وفي الأعاجم والخزور فاسمع إذا حدثت وأفهم … كيف عاقبة الأمور قال ابن إسحاق ثم خرج تبع متوجها الى اليمن بمن معه من الجنود وبالحبرين حتى إذا دخل اليمن

стр. 504

دعا قومه الى الدخول فيما دخل فيه فأبوا عليه حتى يحاكموه الى النار التي كانت باليمن قال ابن إسحاق حدثني أبو مالك بن ثعلبة بن أبى مالك القرظي قال سمعت إبراهيم بن محمد بن طلحة بن عبيد الله يحدث أن تبعا لما دنا من اليمن ليدخلها حالت حمير بينه وبين ذلك وقالوا لا تدخلها علينا وقد فارقت ديننا فدعاهم الى دينه وقال انه خير من دينكم قالوا تحاكمنا الى النار قال نعم قال وكانت باليمن فيما يزعم أهل اليمن نار تحكم بينهم فيما يختلفون فيه تأخذ الظالم ولا تضر المظلوم فخرج قومه بأوثانهم وما يتقربون به في دينهم وخرج الحبران بمصاحفهما في أعناقهما متقلديها حتى قعدوا للنار عند مخرجها الّذي تخرج منه فخرجت النار اليهم فلما أقلبت نحوهم حادوا عنها وهابوها فزجرهم من حضرهم من الناس وأمروهم بالصبر لها فصبروا حتى غشيتهم فأكلت الأوثان وما قربوا معها ومن حمل ذلك من رجال حمير وخرج الحبران بمصاحفهما في أعناقهما تعرق جباههما ولم تضرهما فاصفقت عند ذلك حمير على دينهما فمن هنالك كان أصل اليهودية باليمن. قال ابن إسحاق وقد حدثني محدث أن الحبرين ومن خرج من حمير انما اتبعوا النار ليردوها وقالوا من ردها فهو أولى بالحق فدنا منها رجال حمير بأوثانهم ليردوها فدنت منهم لتأكلهم فحادوا عنها ولم يستطيعوا ردها فدنا منها الحبران بعد ذلك وجعلا يتلوان التوراة وهي تنقص عنهما حتى رداها لي مخرجها الّذي خرجت منه فأصفقت عند ذلك حمير على دينهما والله أعلم أي ذلك كان. قال ابن إسحاق وكان رئام بيتا لهم يعظمونه وينحرون عنده ويكلمون فيه إذ كانوا على شركهم فقال الحبران لتبع انما هو شيطان يفتنهم بذلك فخل بيننا وبينه قال فشأنكما به فاستخرجا منه فيما يزعم أهل اليمن كلبا أسود فذبحاه ثم هدما ذلك البيت فبقاياه اليوم كما ذكر لي بها آثار الدماء التي كانت تهراق عليه وقد ذكرنا في التفسير الحديث الّذي ورد عن النبي ﷺ (لا تسبوا تبعا فإنه قد كان أسلم) قال السهيليّ وروى معمر عن همام بن منبه عن أبى هريرة أن رسول الله ﷺ قال (لا تسبوا أسعد الحميري فإنه أول من كسى الكعبة). قال السهيليّ وقد قال تبع حين أخبره الحبران عن رسول الله ﷺ شعرا شهدت على احمد انه … رسول من الله بارى النسم فلو مد عمري الى عمره … لكنت وزيرا له وابن عم وجاهدت بالسيف أعداءه … وفرجت عن صدره كل هم قال ولم يزل هذا الشعر تتوارثه الأنصار ويحفظونه بينهم وكان عند أبى أيوب الأنصاري ﵁ وأرضاه * قال السهيليّ وذكر ابن أبى الدنيا في كتاب القبور أن قبرا حفر بصنعاء فوجد فيه امرأتان معهما لوح من فضة مكتوب بالذهب وفيه هذا قبر لميس وحبي ابنتي تبع ماتا وهما تشهد ان

стр. 505

لا إله إلا الله وحده لا شريك له وعلى ذلك مات الصالحون قبلهما. ثم صار الملك فيما بعد الى حسان بن تبان أسعد وهو أخو اليمامة الزرقاء التي صلبت على باب مدينة جو فسميت من يومئذ اليمامة. قال ابن إسحاق فلما ملك ابنه حسان بن أبى كرب تبان أسعد سار بأهل اليمن يريد أن يطاء بهم أرض العرب وأرض الأعاجم حتى إذا كانوا ببعض أرض العراق كرهت حمير وقبائل اليمن السير معه وأرادوا الرجعة الى بلادهم وأهليهم فكلموا أخا له يقال له عمرو وكان معه في جيشه فقالوا له أقتل أخاك حسان ونملكك علينا وترجع بنا الى بلادنا فأجابهم فاجتمعوا على ذلك إلا ذا رعين الحميري فإنه نهى عمرا عن ذلك فلم يقبل منه فكتب ذو رعين رقعة فيها هذان البيتان: ألا من يشترى سهرا بنوم … سعيد من يبيت قرير عين فاما حمير غدرت وخانت … فمعذرة الآله لذي رعين ثم استودعها عمرا. فلما قتل عمرو أخاه حسان ورجع الى اليمن منع منه النوم وسلط عليه السهر فسأل الأطباء والحذاق من الكهان والعرافين عما به فقيل له انه والله ما قتل رجل أخاه قط أو ذا رحم بغيا إلا ذهب نومه وسلط عليه السهر فعند ذلك جعل يقتل كل من أمره بقتل أخيه فلما خلص إلى ذي رعين قال له إن لي عندك براءة قال وما هي قال الكتاب الّذي دفعته إليك فأخرجه فإذا فيه البيتان فتركه ورأى أنه قد نصحه وهلك عمرو فمرج أمر حمير عند ذلك وتفرقوا وثوب لخنيعة (١) ذي شناتر على ملك اليمن وقد ملكها سبعا وعشرين سنة. قال ابن إسحاق فوثب عليهم رجل من حمير لم يكن من بيوت الملك يقال له لخنيعة ينوف ذو شناتر فقتل خيارهم وعبث ببيوت أهل المملكة منهم وكان مع ذلك امرأ فاسقا يعمل عمل قوم لوط فكان يرسل الى الغلام من أبناء الملوك فيقع عليه في مشربة له قد صنعها لذلك لئلا يملك بعد ذلك ثم يطلع من شربته تلك الى حرسه ومن حضر من جنده قد أخذ مسواكا فجعله في فيه ليعلمهم أنه قد فرغ منه حتى بعث إلى زرعة ذي نواس بن تبان أسعد أخى حسان وكان صبيا صغيرا حين قتل أخوه حسان ثم شب غلاما جميلا وسيما ذا هيئة وعقل فلما أتاه رسوله عرف ما يريد منه فأخذ سكينا جديدا لطيفا فخبأه بين قدميه ونعله ثم أتاه فلما خلا معه وثب اليه فواثبه ذو نواس فوجأه حتى قتله ثم حز رأسه فوضعه في الكوة التي كان يشرف منها ووضع مسواكه في فيه ثم خرج على الناس فقالوا له ذا نواس أرطب أم يباس فقال سل نحماس استرطبان ذو نواس استرطبان لا باس (٢) فنظروا الى الكوة

стр. 506

فإذا رأس لخنيعة مقطوع فخرجوا في أثر ذي نواس حتى أدركوه فقالوا ما ينبغي أن يملكنا غيرك إذ أرحتنا من هذا الخبيث فملكوه عليهم واجتمعت عليه حمير وقبائل اليمن فكان آخر ملوك حمير وتسمى يوسف فأقام في ملكه زمانا، وبنجران بقايا من أهل دين عيسى بن مريم ﵇ على الإنجيل أهل فضل واستقامة من أهل دينهم لهم رأس يقال له عبد الله بن الثامر. ثم ذكر ابن إسحاق سبب دخول أهل نجران في دين النصارى وان ذلك كان على يدي رجل يقال له فيميون كان من عباد النصارى بأطراف الشام وكان مجاب الدعوة وصحبه رجل يقال له صالح فكان يتعبدان يوم الأحد ويعمل فيميون بقية الجمعة في البناء وكان يدعوا للمرضى والزمنى وأهل العاهات فيشفون ثم استأسره وصاحبه بعض الاعراب فباعوهما بنجران فكان الّذي اشترى فيميون يراه إذا قام في مصلاه بالبيت الّذي هو فيه في الليل يمتلى عليه البيت نورا فأعجبه ذلك من أمره وكان أهل نجران يعبدون نخلة طويلة يعلقون عليها حلى نسائهم ويعكفون عندها فقال فيميون لسيده أرأيت ان دعوت الله على هذه الشجرة فهلكت أتعلمون أن الّذي أنتم عليه باطل. قال نعم فجمع له أهل نجران وقام فيميون الى مصلاه فدعا الله عليها فأرسل الله عليها قاصفا فجعفها من أصلها ورماها الى الأرض فاتبعه أهل نجران على دين النصرانية وحملهم على شريعة الإنجيل حتى حدثت فيهم الاحداث التي دخلت على أهل دينهم بكل أرض فمن هنالك كانت النصرانية بنجران من أرض العرب ثم ذكر ابن إسحاق قصة عبد الله بن الثامر حين تنصر على يدي فيميون وكيف قتله وأصحابه ذو نواس وخد لهم الأخدود وقال ابن هشام وهو الحفر المستطيل في الأرض مثل الخندق وأجج فيه النار وحرقهم بها وقتل آخرين حتى قتل قريبا من عشرين ألفا كما قدمنا ذلك مبسوطا في أخبار بنى إسرائيل وكما هو مستقصى في تفسير سورة ﴿وَالسَّماءِ ذاتِ الْبُرُوجِ﴾ من كتابنا التفسير ولله الحمد. ذكر خروج الملك باليمن من حمير وصيرورته الى الحبشة السودان كما أخبر بذلك شق وسطيح الكاهنان وذلك انه لم ينج من أهل نجران إلا رجل واحد يقال

стр. 507

له دوس ذو ثعلبان على فرس له، فسلك الرمل فأعجزهم فمضى على وجهه ذلك حتى أنى قيصر ملك الروم فاستنصره على ذي نواس وجنوده وأخبره بما بلغ منهم، وذلك لأنه نصراني على دينهم. فقال له بعدت بلادك منا ولكن سأكتب لك الى ملك الحبشة فإنه على هذا الدين وهو أقرب الى بلادك. فكتب اليه يأمره بنصره والطلب بثأره. فقدم دوس على النجاشي بكتاب قيصر فبعث معه سبعين ألفا من الحبشة وامر عليهم رجلا منهم يقال له ارياط ومعه في جنده ابرهة الاشرم فركب ارياط البحر حتى نزل بساحل اليمن ومعه دوس وسار اليه ذو نواس في حمير ومن أطاعه من قبائل اليمن. فلما التقوا انهزم ذو نواس وأصحابه فلما رأى ذو نواس ما نزل به وبقومه وجه فرسه في البحر ثم ضربه فدخل فيه فخاض به ضحضاح البحر حتى افضى به الى غمره فادخله فيها فكان آخر العهد به ودخل ارياط اليمن وملكها وقد ذكر ابن إسحاق هاهنا اشعارا للعرب فيما وقع من هذه الكائنة الغريبة وفيها فصاحة وحلاوة وبلاغة وطلاوة ولكن تركنا إيرادها خشية الاطالة وخوف الملالة وبالله المستعان ذكر خروج ابرهة الاشرم على ارياط واختلافهما واقتتالهما وصيرورة ملك اليمن الى ابرهة بعد قتله ارياط قال ابن إسحاق فأقام ارياط بأرض اليمن سنين في سلطانه ذلك ثم نازعة ابرهة حتى تفرقت الحبشة عليهما. فانحاز الى كل منهما طائفة ثم سار أحدهما الى الآخر. فلما تقارب الناس أرسل أبرهة الى ارياط انك لن تصنع بان تلقى الحبشة بعضها ببعض حتى تفنيها شيئا شيئا، فابرز لي وابرز لك فأينا أصاب صاحبه انصرف إليه جنده، فأرسل إليه ارياط أنصفت فخرج إليه أبرهة وكان رجلا قصيرا لحيما وكان ذا دين في النصرانية وخرج إليه أرياط وكان رجلا جميلا عظيما طويلا وفي يده حربة له. وخلف أبرهة غلام يقال له عتودة يمنع ظهره. فرفع أرياط الحربة فضرب أبرهة يريد يافوخه. فوقعت الحربة على جبهة أبرهة فشرمت حاجبه وعينه وأنفه وشفته فبذلك سمى أبرهة الأشرم. وحمل عتودة على أرياط من خلف أبرهة فقتله وانصرف جند أرياط إلى أبرهة. فاجتمعت عليه الحبشة باليمن وودى أبرهة أرياط. فلما بلغ ذلك النجاشي ملك الحبشة الّذي بعثهم إلى اليمن غضب غضبا شديدا على أبرهة وقال عدا على أميرى فقتله بغير أمرى ثم حلف لا يدع أبرهة حتى يطأ بلاده ويجز ناصيته فحلق أبرهة رأسه وملأ جرابا من تراب اليمن ثم بعث به الى النجاشي ثم كتب اليه: أيها الملك إنما كان ارياط عبدك وأنا عبدك فاختلفنا في أمرك وكل طاعته لك إلا أنى كنت أقوى على أمر الحبشة واضبط لها وأسوس منه. وقد حلقت رأسي كله حين بلغني قسم الملك وبعثت إليه بجراب تراب من أرضى ليضعه تحت قدمه فيبر قسمه في. فلما انتهى ذلك الى النجاشي رضى عنه وكتب إليه أن أثبت بأرض اليمن حتى يأتيك أمرى فأقام أبرهة باليمن

стр. 508

ذكر سبب قصد أبرهة بالفيل مكة ليخرب الكعبة فأهلكه الله عاجلا غير آجل كما قال الله تعالى ﴿أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِأَصْحابِ الْفِيلِ * أَلَمْ يَجْعَلْ كَيْدَهُمْ فِي تَضْلِيلٍ * وَأَرْسَلَ عَلَيْهِمْ طَيْراً أَبابِيلَ * تَرْمِيهِمْ بِحِجارَةٍ مِنْ سِجِّيلٍ * فَجَعَلَهُمْ كَعَصْفٍ مَأْكُولٍ﴾ قيل أول من ذلل الفيلة أفريدون بن أثفيان الّذي قتل الضحاك قاله الطبري وهو أول من اتخذ للخيل السرج. وأما أول من سخر الخيل وركبها فطهمورث وهو الملك الثالث من ملوك الدنيا ويقال إن أول من ركبها إسماعيل بن إبراهيم ﵉ ويحتمل أنه أول من ركبها من العرب والله تعالى أعلم ويقال إن الفيل مع عظمة خلقه يفرق من الهر. وقد احتال بعض أمراء الحروب في قتال الهنود بإحضار سنانير الى حومة الوغى فنفرت الفيلة قال ابن إسحاق ثم إن أبرهة بنى القليس بصنعاء كنيسة لم ير مثلها في زمانها بشيء من الأرض وكتب الى النجاشي إني قد بنيت لك كنيسة لم يبن مثلها لملك كان قبلك ولست بمنته حتى أصرف اليها حج العرب فذكر السهيليّ أن أبرهة استذل أهل اليمن في بناء هذه الكنيسة الخسيسة وسخرهم فيها أنواعا من السخر. وكان من تأخر عن العمل حتى تطلع الشمس يقطع يده لا محالة. وجعل ينقل اليها من قصر بلقيس رخاما وأحجارا وأمتعة عظيمة وركب فيها صلبانا من ذهب وفضة. وجعل فيها منابر من عاج وابنوس وجعل ارتفاعها عظيما جدا واتساعها باهرا فلما هلك بعد ذلك أبرهة وتفرقت الحبشة كان من يتعرض لاخذ شيء من بنائها وأمتعتها اصابته الجن بسوء. وذلك لأنها كانت مبنية على اسم صنمين - كعيب وامرأته - وكان طول كل منهما ستون ذراعا. فتركها أهل اليمن على حالها. فلم تزل كذلك الى زمن السفاح أول خلفاء بنى العباس فبعث إليها جماعة من أهل العزم والحزم والعلم فنقضوها حجرا حجرا ودرست آثارها إلى يومنا هذا قال ابن إسحاق فلما تحدثت العرب بكتاب أبرهة الى النجاشي غضب رجل من النسأة من كنانة الذين ينسئون شهر الحرام الى الحل بمكة أيام الموسم كما قررنا ذلك عند قوله ﴿إِنَّمَا النَّسِيءُ زِيادَةٌ فِي الْكُفْرِ﴾ الآية) قال ابن إسحاق فخرج الكناني حتى أتى القليس فقعد فيه أي أحدث حيث لا يراه أحد ثم خرج فلحق بأرضه فأخبر أبرهة بذلك. فقال من صنع هذا. فقيل له صنعه رجل من أهل هذا البيت الّذي تحجه العرب بمكة لما سمع بقولك أنك تريد أن تصرف حج العرب إلى بيتك هذا فغضب فجاء فقعد فيها أي أنه ليس لذلك بأهل. فغضب أبرهة عند ذلك وحلف ليسيرن الى البيت حتى يهدمه. ثم أمر الحبشة

стр. 509

فتهيأت وتجهزت. ثم سار وخرج معه بالفيل وسمعت بذلك العرب فاعظموه وفظعوا به ورأوا جهاده حقا عليهم حين سمعوا بانه يريد هدم الكعبة بيت الله الحرام. فخرج إليه رجل كان من أشراف أهل اليمن وملوكهم يقال له ذو نفر. فدعا قومه ومن اجابه من سائر العرب الى حرب أبرهة وجهاده عن بيت الله الحرام وما يريده من هدمه وإخرابه. فأجابه من أجابه الى ذلك. ثم عرض له فقاتله. فهزم ذو نفر وأصحابه وأخذ له ذو نفر فأتى به أسيرا. فلما أراد قتله قال له ذو نفر يا أيها الملك لا تقتلني فإنه عسى أن يكون بقائي معك خيرا لك من القتل. فتركه من القتل وحبسه عنده في وثاق وكان أبرهة رجلا حليما ثم مضى أبرهة على وجهه ذلك يريد ما خرج له حتى إذا كان بأرض خثعم عرض له نفيل بن حبيب الخثعميّ في قبيلتي خثعم وهما شهران وناهس ومن تبعه من قبائل العرب فقاتله فهزمه أبرهة وأخذ له نفيل أسيرا فأتى به فلما هم بقتله قال له نفيل أيها الملك لا تقتلني فأنى دليلك بأرض العرب وهاتان يداي لك على قبيلتي خثعم - شهران وناهس - بالسمع والطاعة. فخلى سبيله وخرج به معه يدله. حتى إذا مر بالطائف خرج اليه مسعود بن معتب بن مالك بن كعب بن عمرو بن سعد بن عوف بن ثقيف في رجال ثقيف فقالوا له أيها الملك إنما نحن عبيدك سامعون لك مطيعون ليس عندنا لك خلاف. وليس بيتنا هذا البيت الّذي تريد - يعنون اللات - إنما تريد البيت الّذي بمكة ونحن نبعث معك من يدلك عليه فتجاوز عنهم قال ابن إسحاق واللات بيت لهم بالطائف كانوا يعظمونه نحو تعظيم الكعبة. قال فبعثوا معه أبارعال يدله على الطريق الى مكة فخرج أبرهة ومعه ابو رغال حتى أنزله بالمغمس. فلما أنزله به مات أبو رغال هنالك فرجمت قبره العرب فهو القبر الّذي يرجم الناس بالمغمس وقد تقدم في قصة ثمود أن أبا رغال كان رجلا منهم وكان يمتنع بالحرم فلما خرج منه أصابه حجر فقتله وان رسول الله ﷺ قال لأصحابه «وآية ذلك أنه دفن معه غصنان من ذهب» فحفروا فوجدوهما قال وهو أبو ثقيف قلت والجمع بين هذا وبين ما ذكر ابن إسحاق أن أبارغال هذا المتأخر وافق اسمه اسم جده الأعلى ورجمه الناس كما رجموا قبر الأول أيضا والله أعلم. وقد قال جرير: إذا مات الفرزدق فارجموه … كرجمكم لقبر أبى رغال الظاهر أنه الثاني قال ابن إسحاق فلما نزل أبرهة بالمغمس بعث رجلا من الحبشة يقال له الأسود بن مفصود على خيل له حتى انتهى الى مكة. فساق اليه أموال تهامة من قريش وغيرهم. وأصاب فيها مائتي بعير لعبد المطلب ابن هاشم - وهو يومئذ كبير قريش وسيدها - فهمت قريش وكنانة وهذيل ومن كان بذلك الحرم بقتاله. ثم عرفوا أنه لا طاقة لهم به فتركوا ذلك. وبعث أبرهة حناطة الحميري الى مكة وقال له سل عن سيد أهل هذا البلد وشريفهم، ثم قل له ان الملك يقول إني لم آت لحربكم إنما جئت لهدم هذا البيت فان لم تعرضوا

стр. 510

لنا دونه بحرب فلا حاجة لي بدمائكم، فان هو لم يرد حربي فائتنى به فلما دخل حناطة مكة سأل عن سيد قريش وشريفها فقيل له عبد المطلب بن هاشم. فجاءه فقال له ما أمره به أبرهة. فقال له عبد المطلب والله ما نريد حربه وما لنا بذلك من طاقة هذا بيت الله الحرام وبيت خليله إبراهيم ﵇ أو كما قال - فان يمنعه منه فهو حرمه وبيته وان يخل بينه وبينه فو الله ما عندنا دفع عنه. فقال له حناطة فانطلق معى اليه فإنه قد أمرنى أن آتيه بك. فانطلق معه عبد المطلب ومعه بعض بنيه حتى أتى العسكر فسأل عن ذي نفر وكان له صديقا - حتى دخل عليه وهو في محبسه فقال له يا ذا نفر هل عندك من غناء فيما نزل بنا؟ فقال له ذو نفر وما غناء رجل أسير بيدي ملك ينتظر أن يقتله غدوا أو عشيا؟ ما عندي غناء في شيء مما نزل بك إلا أن أنيسا سائس الفيل صديق لي. فسأرسل اليه وأوصيه بك وأعظم عليه حقك واسأله أن يستأذن لك على الملك فتكلمه بما بدا لك ويشفع لك عنده بخير ان قدر على ذلك. فقال حسبي. فبعث ذو نفر الى أنيس فقال له ان عبد المطلب سيد قريش وصاحب عين مكة يطعم الناس بالسهل والوحوش في رءوس الجبال وقد أصاب له الملك مائتي بعير فاستأذن له عليه وأنفعه عنده بما استطعت. قال افعل. فكلم أنيس أبرهة فقال له أيها الملك هذا سيد قريش ببابك يستأذن عليك وهو صاحب عين مكة وهو الّذي يطعم الناس بالسهل والوحوش في رءوس الجبال فائذن له عليك فليكلمك في حاجته فاذن له أبرهة قال وكان عبد المطلب أوسم الناس وأعظمهم وأجملهم فلما رآه أبرهة أجله وأكرمه عن أن يجلسه تحته وكره أن تراه الحبشة يجلسه معه على سرير ملكه. فنزل أبرهة عن سريره فجلس على بساطه وأجلسه معه عليه إلى جانبه ثم قال لترجمانه قل له حاجتك؟ فقال له ذلك الترجمان فقال حاجتي أن يرد على الملك مائتي بعير أصابها لي فلما قال له ذلك قال أبرهة لترجمانه قل له لقد كنت أعجبتنى حين رأيتك ثم قد زهدت فيك حين كلمتنى. أتكلمني في مائتي بعير أصبتها لك وتترك بيتا هو دينك ودين آبائك قد جئت لأهدمه لا تكلمني فيه؟ فقال له عبد المطلب إني أنا رب الإبل وإن للبيت ربا سيمنعه. فقال ما كان ليمتنع منى. قال أنت وذاك. فرد على عبد المطلب إبله. قال ابن إسحاق ويقال إنه كان قد دخل مع عبد المطلب على أبرهة يعمر بن نفاثة بن عدي بن الديل ابن بكر بن عبد مناة بن كنانة سيد بنى بكر وخويلد بن وائلة سيد هذيل فعرضوا على ابرهة ثلث أموال تهامة على أن يرجع عنهم ولا يهدم البيت فأبى عليهم ذلك فالله أعلم أكان ذلك أم لا. فلما انصرفوا عنه انصرف عبد المطلب الى قريش فأخبرهم الخبر وأمرهم بالخروج من مكة والتحرز في رءوس الجبال. ثم قام عبد المطلب فاخذ بحلقة باب الكعبة وقام معه نفر من قريش يدعون الله ويستنصرونه على أبرهة وجنده. وقال عبد المطلب - وهو آخذ بحلقة باب الكعبة -: لا هم إن العبد يمنع … رحله فامنع رحالك

стр. 511

لا يغلبن صليبهم … ومحالهم غدوا محالك ان كنت تاركهم و … قبلتنا فامر ما بدا لك قال ابن هشام هذا ما صح له منها. وقال ابن إسحاق ثم أرسل عبد المطلب حلقة باب الكعبة وانطلق هو ومن معه من قريش إلى شعف الجبال يتحرزون فيها ينتظرون ما أبرهة فاعل. فلما أصبح أبرهة تهيأ لدخول مكة وهيأ فيله وعبى جيشه، وكان اسم الفيل محمودا. فلما وجهوا الفيل إلى مكة أقبل نفيل ابن حبيب حتى قام الى جنب الفيل ثم أخذ بأذنه فقال أبرك محمود وارجع راشدا من حيث أتيت. فإنك في بلد الله الحرام وأرسل اذنه. فبرك الفيل قال السهيليّ أي سقط الى الأرض وليس من شأن الفيلة أن تبرك وقد قيل إن منها ما يبرك كالبعير فالله أعلم وخرج نفيل بن حبيب يشتد حتى أصعد في الجبل. وضربوا الفيل ليقوم فأبى فضربوا رأسه بالطبرزين ليقوم فأبى فادخلوا محاجن لهم في مراقة فبزغوه بها ليقوم فأبى فوجهوه راجعا الى اليمن فقام يهرول. ووجهوه الى الشام ففعل مثل ذلك ووجهوه إلى المشرق ففعل مثل ذلك. ووجهوه إلى مكة فبرك. وأرسل الله عليهم طيرا من البحر أمثال الخطاطيف والبلسان (١) مع كل طائر منها ثلاثة أحجار يحملها حجر في منقاره وحجران في رجليه أمثال الحمص والعدس لا تصيب منهم أحدا إلا هلك وليس كلهم أصابت وخرجوا هاربين يبتدرون الطريق التي منها جاءوا. ويسألون عن نفيل بن حبيب ليدلهم على الطريق إلى اليمن فقال نفيل في ذلك: ألا حييت عنا ياردينا … نعمناكم مع الإصباح عينا ردينة لو رأيت فلا تريه … لدى جنب المحصب ما رأينا إذا لعذرتنى وحمدت أمرى … ولم تاسى على ما فات بينا حمدت الله إذ أبصرت طيرا … وخفت حجارة تلقى علينا وكل القوم يسأل عن نفيل … كأن على للحبشان دينا قال ابن إسحاق فخرجوا يتساقطون بكل طريق ويهلكون بكل مهلك على كل منهل. وأصيب أبرهة في جسده وخرجوا به معهم يسقط انملة انملة كلما سقطت انملة اتبعتها منه مدة تمت قيحا ودما حتى قدموا به صنعاء وهو مثل فرخ الطائر. فما مات حتى انصدع صدره عن قلبه فيما يزعمون. قال ابن إسحاق حدثني يعقوب بن عتبة أنه حدث أن أول ما رئيت الحصبة والجدري بأرض العرب ذلك العام، وأنه أول ما رئي بها مرائر الشجر الحرمل والحنظل والعشر ذلك العام قال ابن إسحاق فلما بعث الله محمدا ﷺ كان مما يعدد الله على قريش من نعمته عليهم وفضله

стр. 512

ما رد عنهم من أمر الحبشة لبقاء أمرهم ومدتهم فقال تعالى ﴿أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِأَصْحابِ الْفِيلِ * أَلَمْ يَجْعَلْ كَيْدَهُمْ فِي تَضْلِيلٍ * وَأَرْسَلَ عَلَيْهِمْ طَيْراً أَبابِيلَ * تَرْمِيهِمْ بِحِجارَةٍ مِنْ سِجِّيلٍ * فَجَعَلَهُمْ كَعَصْفٍ مَأْكُولٍ﴾ ثم شرع ابن إسحاق وابن هشام يتكلمان على تفسير هذه السورة والتي بعدها وقد بسطنا القول في ذلك في كتابنا التفسير بما فيه كفاية إن شاء الله تعالى وله الحمد والمنة قال ابن هشام الأبابيل الجماعات ولم تتكلم لها العرب بواحد علمناه. قال وأما السجيل فأخبرني يونس النحويّ وأبو عبيدة انه عند العرب الشديد الصلب. قال وزعم بعض المفسرين انهما كلمتان بالفارسية جعلتهما العرب كلمة واحدة وانها سنج وجل (١) فالسنج الحجر والجل الطين. يقول الحجارة من هذين الجنسين الحجر والطين. قال والعصف ورق الزرع الّذي لم يقصب. وقال الكسائي سمعت بعض النحويين يقول واحد الأبابيل أبيل وقال كثيرون من السلف الأبابيل الفرق من الطير التي يتبع بعضها بعضا من هاهنا وهاهنا. وعن ابن عباس كان لها خراطيم كخراطيم الطير وأكف كاكف الكلاب وعن عكرمة كانت رءوسها كرءوس السباع خرجت عليهم من البحر وكانت خضرا. وقال عبيد بن عمير كانت سودا بحرية في مناقيرها واكفها الحجارة. وعن ابن عباس كانت أشكالها كعنقاء مغرب وعن ابن عباس كان أصغر حجر منها كرأس الإنسان ومنها ما هو كالإبل. وهكذا ذكره يونس بن بكير عن ابن إسحاق. وقيل كانت صغارا والله أعلم. وقال ابن أبى حاتم حدثنا أبو زرعة حدثنا محمد بن عبد الله بن أبى شيبة حدثنا أبو معاوية عن الأعمش عن أبى سفيان عن عبيد بن عمير قال لما أراد الله أن يهلك أصحاب الفيل بعث عليهم طيرا أنشئت من البحر أمثال الخطاطيف كل طير منها يحمل ثلاثة أحجار حجرين في رجليه وحجرا في منقاره قال فجاءت حتى صفت على رءوسهم. ثم صاحت وألقت ما في رجليها ومناقيرها. فما يقع حجر على رأس رجل الا خرج من دبره. ولا يقع على شيء من جسده الا خرج من الجانب الآخر. وبعث الله ريحا شديدة فضربت الحجارة فزادتها شدة فأهلكوا جميعا وقد تقدم أن ابن إسحاق قال وليس كلهم اصابته الحجارة يعنى بل رجع منهم راجعون إلى اليمن حتى أخبروا أهلهم بما حل بقومهم من النكال وذكروا أن ابرهة رجع وهو يتساقط أنملة أنملة فلما وصل إلى اليمن انصدع صدره فمات لعنه الله. وروى ابن إسحاق قال حدثني عبد الله بن أبى بكر عن سمرة عن عائشة قالت لقد رأيت قائد الفيل وسائسه بمكة أعميين مقعدين يستطعمان. وتقدم أن سائس الفيل كان اسمه أنيسا فاما قائده فلم يسم والله أعلم. وذكر النقاش في تفسيره أن السيل احتمل جثثهم فألقاها في البحر. قال السهيليّ وكانت قصة الفيل

стр. 513

أول المحرم من سنة ست وثمانين وثمانمائة (١) من تاريخ ذي القرنين. قلت وفي عامها ولد رسول الله ﷺ على المشهور. وقيل كان قبل مولده بسنين كما سنذكر إن شاء الله تعالى وبه الثقة. ثم ذكر ابن إسحاق ما قالته العرب من الأشعار في هذه الكائنة العظيمة التي نصر الله فيها بيته الحرام الّذي يريد أن يشرفه ويعظمه ويطهره ويوقره ببعثة محمد ﷺ وما يشرع له من الدين القويم الّذي أحد أركانه الصلاة بل عماد دينه وسيجعل قبلته إلى هذه الكعبة المطهرة ولم يكن ما فعله بأصحاب الفيل نصرة لقريش إذ ذاك على النصارى الذين هم الحبشة: فان الحبشة إذ ذاك كانوا أقرب لها من مشركي قريش وإنما كان النصر للبيت الحرام وإرهاصا وتوطئة لبعثة محمد ﷺ . فمن ذلك ما قاله عبد الله بن الزبعري السهمي تنكلوا (٢) عن بطن مكة انها … كانت قديما لا يرام حريمها لم تخلق الشعرى ليالي حرمت … إذ لا عزيز من الأنام يرومها سائل أمير الحبش عنها ما رأى … فلسوف ينبى الجاهلين عليمها ستون ألفا لم يؤبوا أرضهم … بل لم يعش بعد الإياب سقيمها كانت بها عاد وجرهم قبلهم … والله من فوق العباد يقيمها ومن ذلك قول أبى قيس بن الاسلت الأنصاري المدني: ومن صنعه يوم فيل الحبوش … إذ كلما بعثوه رزم محاجنهم تحت أقرابه … وقد شرموا أنفه فانخرم وقد جعلوا سوطه مغولا … إذا يمموه قفاه كلم فولى وأدبر أدراجه … وقد باء بالظلم من كان ثم فأرسل من فوقهم حاصبا … فلفهم مثل لف القزم تحض على الصبر أحبارهم … وقد ثأجوا كثؤاج الغنم ومن ذلك قول أبى الصلت ربيعة بن أبى ربيعة وهب بن علاج الثقفي قال ابن هشام ويروى لامية ابن أبى الصلت: إن آيات ربنا ثاقبات … ما يمارى فيهن الا الكفور خلق الليل والنهار فكل … مستبين حسابه مقدور

стр. 514

ثم يجلو النهار رب رحيم … بمهاة شعاعها منشور حبس الفيل بالمغمس حتى … صار يحبو كأنه معقور لازما حلقة الجران كما قد … من صخر كبكب محدور حوله من ملوك كندة أبطال … ملاويث في الحروب صقور خلفوه ثم ابذعروا جميعا … كلهم عظم ساقه مكسور كل دين يوم القيامة عند الله … إلا دين الحنيفة بور ومن ذلك قول أبى قيس بن الاسلت أيضا: فقوموا فصلوا ربكم وتمسحوا … بأركان هذا البيت بين الاخاشب فعندكم منه بلاء مصدق … غداة أبى يكسوم هادي الكتائب كتيبته بالسهل تمشى ورجله … على القاذفات في رءوس المناقب فلما أتاكم نصر ذي العرش ردهم … جنود المليك بين ساف وحاصب فولوا سراعا هاربين ولم يؤب … إلى أهله ملحبش غير عصائب ومن ذلك قول عبيد الله بن قيس الرقيات في عظمة البيت وحمايته بهلاك من أراده بسوء: كاده الاشرم الّذي جاء بالفيل … فولى وجيشه مهزوم واستهلت عليهم الطير بالجندل … حتى كأنه مرجوم ذاك من يغزه من الناس ير … جع وهو فل من الجيوش ذميم قال ابن إسحاق وغيره فلما هلك ابرهة ملك الحبشة بعده ابنه يكسوم. ثم من بعده أخوه مسروق ابن ابرهة وهو آخر ملوكهم. وهو الّذي انتزع سيف بن ذي يزن الحميري الملك من يده بالجيش الذين قدم بهم من عند كسرى أنوشروان كما سيأتي بيانه وكانت قصة الفيل في المحرم سنة ست وثمانين وثمانمائة من تاريخ ذي القرنين وهو الثاني إسكندر ابن فلبس المقدوني الّذي يؤرخ له الروم ولما هلك ابرهة وابناه وزال ملك الحبشة عن اليمن هجر القليس الّذي كان بناه ابرهة وأراد صرف حج العرب اليه لجهله وقلة عقله. وأصبح يبابا لا أنيس به. وكان قد بناه على صنمين وهما كعيب وامرأته وكانا من خشب طول كل منهما ستون ذراعا في السماء وكانا مصحوبين من الجان ولهذا كان لا يتعرض أحد إلى أخذ شيء من بناء القليس وأمتعته الا أصابوه بسوء. فلم يزل كذلك الى أيام السفاح أول خلفاء بنى العباس فذكر له أمره وما فيه من الأمتعة والرخام الّذي كان ابرهة نقله اليه من صرح بلقيس الّذي كان باليمن فبعث اليه من خربه حجرا حجرا وأخذ جميع ما فيه من الأمتعة والحواصل هكذا ذكره السهيليّ والله أعلم.

стр. 515

ذكر خروج الملك عن الحبشة ورجوعه الى سيف ابن ذي يزن الحميري كما أخبر بذلك الكاهنان لربيعة بن نصر اللخمي قال محمد بن إسحاق ﵀: فلما هلك ابرهة ملك الحبشة يكسوم بن ابرهة وبه كان يكنى فلما هلك يكسوم ملك اليمن من الحبشة أخوه مسروق بن أبرهة. قال: فلما طال البلاء على أهل اليمن خرج سيف بن ذي يزن الحميري وهو سيف بن ذي يزن بن ذي أصبح بن مالك بن زيد بن سهل بن عمرو ابن قيس بن معاوية بن جشم بن عبد شمس بن وائل بن الغوث بن قطن بن عريب بن زهير بن أيمن ابن الهميسع بن العرنجج، وهو حمير بن سبإ - وكان سيف يكنى أبا مرة - حتى قدم على قيصر ملك الروم فشكى اليه ما هو فيه وسأله أن يخرجهم عنه ويليهم هو ويخرج اليهم من شاء من الروم فيكون له ملك اليمن فلم يشكه. فخرج حتى أتى النعمان بن المنذر وهو عامل كسرى على الحيرة وما يليها من أرض العراق، فشكا اليه أمر الحبشة فقال له النعمان إن لي على كسرى وفادة في كل عام فأقم عندي حتى يكون ذلك ففعل ثم خرج معه فأدخله على كسرى وكان كسرى يجلس في ايوان مجلسه الّذي فيه تاجه وكان تاجه مثل القنقل (١) العظيم فيما يزعمون يضرب فيه الياقوت والزبرجد واللؤلؤ بالذهب والفضة معلقا بسلسلة من ذهب في رأس طاقة في مجلسه ذلك، وكانت عنقه لا تحمل تاجه إنما يستر عليه بالثياب حتى يجلس في مجلسه ذلك ثم يدخل رأسه في تاجه فإذا استوى في مجلسه كشف عنه الثياب فلا يراه أحد لم يره قبل ذلك الأبرك هيبة له. فلما دخل عليه طأطأ رأسه فقال الملك: إن هذا الأحمق يدخل عليّ من هذا الباب الطويل ثم يطأطئ رأسه. فقيل ذلك لسيف فقال إنما فعلت هذا لهمى لأنه يضيق عنه كل شيء. ثم قال: أيها الملك غلبتنا على بلادنا الاغربة. قال كسرى أي الاغربة الحبشة أم السند قال بل الحبشة فجئتك لتنصرنى ويكون ملك بلادي لك فقال له كسرى بعدت بلادك مع قلة خيرها فلم أكن لأورط جيشا من فارس بأرض العرب لا حاجة لي بذلك، ثم أجازه بعشرة آلاف درهم واف وكساه كسوة حسنة فلما قبض ذلك منه سيف خرج فجعل ينثر تلك الورق للناس، فبلغ ذلك الملك فقال إن لهذا لشأنا ثم بعث اليه فقال عمدت إلى حباء الملك تنثره للناس قال وما أصنع بحباك ما جبال أرضى التي جئت منها الا ذهب وفضة يرغبه فيها، فجمع كسرى مرازبته فقال لهم ما ترون في أمر هذا الرجل وما جاء له. فقال قائل: أيها الملك إن في سجونك رجالا قد حبستهم للقتل فلو أنك بعثتهم معه فان يهلكوا كان ذلك الّذي أردت بهم وإن ظفروا كان ملكا أزددته، فبعث معه كسرى من كان في

стр. 516

سجونه وكانوا ثمانمائة رجل واستعمل عليهم وهرز وكان ذا سن فيهم وأفضلهم حسبا وبيتا فخرجوا في ثمان سفائن فغرقت سفينتان ووصل إلى ساحل عدن ست سفائن فجمع سيف إلى وهرز من استطاع من قومه وقال له رجلي ورجلك حتى نموت جميعا أو نظفر جميعا فقال له وهرز أنصفت وخرج اليه مسروق ابن أبرهة ملك اليمن وجمع اليه جنده فأرسل اليهم وهرز ابنا له ليقاتلهم فيختبر قتالهم، فقتل ابن وهرز فزاده ذلك حنقا عليهم فلما تواقف الناس على مصافهم. قال: وهرز أرونى ملكهم فقالوا له أترى رجلا على الفيل عاقدا تاجه على رأسه بين عينيه ياقوتة حمراء. قال: نعم. قالوا ذلك ملكهم فقال اتركوه قال فوقفوا طويلا ثم قال علام هو؟ قالوا قد تحول على الفرس. قال اتركوه فتركوه طويلا ثم قال علام هو؟ قالوا على البغلة قال وهرز: بنت الحمار ذل وذل ملكه، إني سأرميه فان رأيتم أصحابه لم يتحركوا فأثبتوا حتى أوذنكم فانى قد أخطأت الرجل وإن رأيتم القوم قد استداروا به ولاثوا فقد أصبت الرجل فاحملوا عليهم. ثم وتر قوسه وكانت فيما يزعمون لا يوترها غيره من شدتها وأمر بحاجبيه فعصبا له ثم رماه فصك الياقوتة التي بين عينيه وتغلغلت النشابة في رأسه حتى خرجت من قفاه، ونكس عن دابته واستدارت الحبشة ولاثت به، وحملت عليهم الفرس فانهزموا فقتلوا وهربوا في كل وجه، وأقبل وهرز ليدخل صنعاء حتى إذا أتى بابها قال لا تدخل رايتي منكسة أبدا اهدموا هذا الباب فهدم، ثم دخلها ناصبا رايته فقال سيف بن ذي يزن الحميري: يظن الناس بالملكين … أنهما قد التأما ومن يسمع بلأمهما … فان الخطب قد فقما قتلنا القيل مسروقا … وروينا الكثيب دما وإن القيل قيل الناس … وهرز مقسم قسما يذوق مشعشعا حتى … نفيء السبي والنعما ووفدت العرب من الحجاز وغيرها على سيف يهنئونه بعود الملك اليه وامتدحوه. فكان من جملة من وفد قريش وفيهم عبد المطلب بن هاشم، فبشره سيف برسول الله ﷺ وأخبره بما يعلم من أمره وسيأتي ذلك مفصلا في باب البشارات به ﵊. قال ابن إسحاق: وقال أبو الصلت بن أبى ربيعة الثقفي قال ابن هشام ويروى لامية بن أبى الصلت: ليطلب الوتر أمثال ابن ذي يزن … ريّم في البحر للأعداء أحوالا يمم قيصرا لما حان رحلته … فلم يجد عنده بعض الّذي سالا ثم انثنى نحو كسرى بعد عاشرة … من السنين يهين النفس والمالا حتى أتى ببني الأحرار يحملهم … إنك عمري لقد أسرعت قلقالا

стр. 517

لله درهم من عصبة خرجوا … ما إن أرى لهم في الناس أمثالا غلبا مرازبة بيضا أساورة … أسدا تربب في الغيضات أشبالا يرمون عن سدف كأنها غبط … بزمخر يعجل المرمى اعجالا أرسلت أسدا على سود الكلاب فقد … أضحى شريدهم في الأرض فلاّلا فاشرب هنيئا عليك التاج مرتفقا … في رأس غمدان دارا منك محلالا واشرب هنيئا فقد شالت نعامتهم … وأسبل اليوم في برديك إسبالا تلك المكارم لا قعبان من لبن … شيبا بماء فعادا بعد أبوالا يقال - إن غمدان - قصر باليمن بناه يعرب بن قحطان وملكه بعده واحتله وائلة بن حمير بن سبإ ويقال كان ارتفاعه عشرين طبقة فالله أعلم. قال ابن إسحاق: وقال عدي بن زيد الحميري وكان أحد بنى تميم: ما بعد صنعاء كان يعمرها … ولاة ملك جزل مواهبها رفعها من بنى لذي قزع … المزن وتندى مسكا محاربها محفوفة بالجبال دون عرى … الكائد ما يرتقى غواربها يأنس فيها صوت النهام إذا … جاوبها بالعشي قاصبها ساقت اليها الأسباب جند بنى … الأحرار فرسانها مواكبها وفوزت بالبغال توسق بالحتف … وتسعى بها توالبها حتى يراها الأقوال من طرف المنقل … مخضرة كتائبها يوم ينادون آل بربر و … اليكسوم لا يفلحن هاربها فكان يوما باقي الحديث و … زالت أمة ثابت مراتبها وبدل الهيج بالزرافة والأيام … خون جم عجائبها بعد بنى تبع نخاورة … قد اطمأنت بها مرازبها قال ابن هشام: وهذا الّذي عنى سطيح بقوله يليه ارم ذي يزن يخرج عليهم من عدن، فلا يترك منهم أحدا باليمن. والّذي عنى شق بقوله: غلام ليس بدني ولا مدن يخرج من بيت ذي يزن. قال ابن إسحاق: وأقام وهرز والفرس باليمن فمن بقية ذلك الجيش من الفرس الأبناء الذين باليمن اليوم. وكان ملك الحبشة باليمن فيما بين أن دخلها ارياط إلى أن قتلت الفرس مسروق بن أبرهة وأخرجت الحبشة اثنتين وسبعين سنة توارث ذلك منهم أربعة: أرياط ثم أبرهة ثم يكسوم بن أبرهة ثم مسروق ابن أبرهة.

стр. 518

ذكر ما آل اليه امر الفرس باليمن قال ابن هشام: ثم مات وهرز فامر كسرى ابنه المرزبان بن وهرز على اليمن ثم مات المرزبان فامر كسرى ابنه التينجان ثم مات فامر ابن التينجان، ثم عزله عن اليمن وامر عليها باذان وفي زمنه بعث رسول الله ﷺ . قال ابن هشام فبلغني عن الزهري انه قال كتب كسرى الى باذان إنه بلغني أن رجلا من قريش خرج بمكة يزعم أنه نبي فسر اليه فاستتبه فان تاب والا فابعث إلى برأسه، فبعث باذان بكتاب كسرى إلى رسول الله ﷺ فكتب اليه رسول الله ﷺ ان الله قد وعدني أن يقتل كسرى في يوم كذا وكذا من شهر كذا، فلما أتى باذان الكتاب وقف لينتظر وقال ان كان نبيا فسيكون ما قال فقتل الله كسرى في اليوم الّذي قال رسول الله ﷺ . قال ابن هشام: على يدي ابنه شيرويه. قلت: وقال بعضهم بنوه تمالئوا على قتله، وكسرى هذا هو أبرويز بن هرمز بن أنوشروان بن قباز، وهو الّذي غلب الروم في قوله تعالى: ﴿الم * غُلِبَتِ الرُّومُ * فِي أَدْنَى الْأَرْضِ﴾ كما سيأتي بيانه. قال: السهيليّ وكان قتله ليلة الثلاثاء لعشر خلون من جمادى الأولى سنة تسع من الهجرة. وكان والله أعلم لما كتب اليه رسول الله ﷺ يدعوه إلى الإسلام فغضب ومزق كتابه، كتب الى نائبة باليمن يقول له ما قال. وفي بعض الروايات أن رسول الله ﷺ قال لرسول باذان إن ربى قد قتل الليلة ربك فكان كما قال رسول الله ﷺ قتل تلك الليلة بعينها، قتله بنوه لظلمه بعد عدله بعد ما خلعوه وولوا ابنه شيرويه فلم يعش بعد قتله أباه إلا ستة أشهر أو دونها. وفي هذا يقول خالد بن حق الشيباني: وكسرى إذ تقسمه بنوه … بأسياف كما اقتسم اللحام تمخضت المنون له بيوم … ألا ولكل حاملة تمام قال الزهري: فلما بلغ ذلك باذان بعث بإسلامه وإسلام من معه من الفرس الى رسول الله ﷺ فقالت الرسل: الى من نحن يا رسول الله. قال أنتم منا وإلينا أهل البيت. قال: الزهري ومن ثم قال رسول الله ﷺ سلمان منا أهل البيت. قلت والظاهر أن هذا كان بعد ما هاجر رسول الله ﷺ إلى المدينة ولهذا بعث الأمراء الى اليمن لتعليم الناس الخير ودعوتهم الى الله ، فبعث أولا خالد بن الوليد وعلى بن أبى طالب، ثم اتبعهما أبا موسى الأشعري ومعاذ بن جبل. ودانت اليمن وأهلها للإسلام ومات باذان فقام بعده ولده شهر بن باذان، وهو الّذي قتله الأسود العنسيّ حين تنبأ وأخذ زوجته كما سيأتي بيانه واجلى عن اليمن نواب رسول الله ﷺ فلما قتل الأسود عادت اليد الإسلامية عليها. وقال ابن هشام: وهذا هو الّذي عنى به سطيح بقوله. نبي زكى يأتيه الوحي من قبل العلى. والّذي عنى شق بقوله بل ينقطع برسول مرسل، يأتى بالحق والعدل، بين أهل الدين والفضل، يكون الملك في قومه

стр. 519

الى يوم الفصل. قال ابن إسحاق: وكان في حجر باليمن فيما يزعمون كتاب بالزبور كتب بالزمان الأول: لمن ملك ذمار الحمير الأخيار، لمن ملك ذمار للحبشة الأشرار. لمن ملك ذمار لفارس الأحرار، لمن ملك ذمار لقريش التجار. وقد نظم بعض الشعراء هذا المعنى فيما ذكره المسعودي: حين شدت ذمار قيل لمن أنت … فقالت لحمير الأخيار ثم سيلت من بعد ذاك فقالت … أنا للحبش أخبث الأشرار ثم قالوا من بعد ذاك لمن أنت … فقالت لفارس الأحرار ثم قالوا من بعد ذاك لمن أنت … فقالت الى قريش التجار ويقال إن هذا الكلام الّذي ذكره محمد بن إسحاق، وجد مكتوبا عند قبر هود ﵇ حين كشفت الريح عن قبره بأرض اليمن وذلك قبل زمن بلقيس بيسير في أيام مالك بن ذي المنار أخى عمرو ذي الإذعار بن ذي المنار ويقال كان مكتوبا على قبر هود أيضا وهو من كلامه ﵇ حكاه السهيليّ والله أعلم. قصة الساطرون صاحب الحضر وقد ذكر قصته هاهنا عبد الملك بن هشام لأجل ما قاله بعض علماء النسب: ان النعمان بن المنذر الّذي تقدم ذكره في ورود سيف بن ذي يزن عليه وسؤاله في مساعدته في رد ملك اليمن اليه إنه من سلالة الساطرون صاحب الحضر وقد قدمنا عن ابن إسحاق ان النعمان بن المنذر من ذرية ربيعة بن نصر وانه روى عن جبير بن مطعم انه من أشلاء قيصر بن معد بن عدنان فهذه ثلاثة أقوال في نسبه فاستطرد ابن هشام في ذكر صاحب الحضر. والحضر حصن عظيم بناه هذا الملك وهو الساطرون على حافة الفرات وهو منيف مرتفع البناء، واسع الرحبة والفناء، دوره بقدر مدينة عظيمة وهو في غاية الأحكام والبهاء والحسن والسناء، واليه يجبى ما حوله من الأقطار والارجاء. واسم الساطرون الضيزن ابن معاوية بن عبيد بن أجرم من بنى سليح بن حلوان بن الحاف بن قضاعة كذا نسبه ابن الكلبي. وقال: غيره كان من الجرامقة وكان أحد ملوك الطوائف وكان يقدمهم إذا اجتمعوا لحرب عدو من غيرهم وكان حصنه بين دجلة والفرات. قال ابن هشام: وكان كسرى سابور ذو الأكتاف غزا الساطرون ملك الحضر وقال غير ابن هشام: انما الّذي غزا صاحب الحضر سابور بن أردشير بن بابك أول ملوك بنى ساسان أذل ملوك الطوائف ورد الملك الى الأكاسرة. واما سابور ذو الأكتاف بن هرمز فبعد ذلك بدهر طويل والله

стр. 520

أعلم ذكره السهيليّ. قال ابن هشام: فحصره سنتين وقال غيره أربع سنين، وذلك لأنه كان أغار على بلاد سابور في غيبته بأرض العراق فأشرفت بنت الساطرون وكان اسمها النضيرة فنظرت الى سابور وعليه ثياب ديباج وعلى رأسه تاج من ذهب مكال بالزبرجد والياقوت واللؤلؤ وكان جميلا، فدست اليه أتتزوجني ان فتحت لك باب الحضر. فقال: نعم! فلما أمسى ساطرون شرب حتى سكر وكان لا يبيت الا سكران فأخذت مفاتيح باب الحضر من تحت رأسه وبعثت بها مع مولى لها ففتح الباب ويقال بل دلتهم على نهر يدخل منه الماء متسع فولجوا منه الى الحضر، ويقال بل دلتهم على طلسم كان في الحضر وكان في علمهم أنه لا يفتح حتى تؤخذ حمامة ورقاء وتخضب رجلاها بحيض جارية بكر زرقاء ثم ترسل فإذا وقعت على سور الحضر سقط ذلك الطلسم فيفتح الباب ففعل ذلك فانفتح الباب، فدخل سابور فقتل ساطرون واستباح الحضر وخربه وسار بها معه فتزوجها فبينا هي نائمة على فراشها ليلا إذ جعلت تململ لا تنام فدعا لها بالشمع ففتش فراشها فوجد عليه ورقة آس. فقال لها سابور أهذا الّذي أسهرك! قالت نعم؟ قال فما كان أبوك يصنع بك قالت: كان يفرش لي الديباج ويلبسنى الحرير ويطعمنى المخ ويسقيني الخمر. قال: أفكان جزاء أبيك ما صنعت به. أنت الى بذلك أسرع، فربطت قرون رأسها بذنب فرس ثم ركض الفرس حتى قتلها ففيه يقول أعشى بن قيس بن ثعلبة: ألم تر للحضر إذ أهله … بنعمى وهل خالد من نعم (١) أقام به شاهبور الجنود … حولين تضرب فيه القدم فلما دعا ربه دعوة … أناب اليه فلم ينتقم فهل زاده ربه قوة … ومثل مجاوره لم يقم وكان دعا قومه دعوة … هلموا إلى أمركم قد صرم فموتوا كراما بأسيافكم … أرى الموت يجشمه من جشم وقال عدي بن زيد في ذلك: والحضر صابت عليه داهية … من فوقه أيد مناكبها ربية لم توق والدها … لحينها إذ أضاع راقبها إذ غبقته صهباء صافية … والخمر وهل يهيم شاربها فأسلمت أهلها بليلتها … تظن أن الرئيس خاطبها

стр. 521

فكان حظ العروس إذ جشر … الصبح دماء تجرى سبائبها وخرب الحضر واستبيح وقد … أحرق في خدرها مشاجبها وقال عدي بن زيد أيضا: أيها الشامت المعير بالدهر … أأنت المبرأ الموفور أم لديك العهد الوثيق من الا … يام بل أنت جاهل مغرور من رأيت المنون خلدن أم … من ذا عليه من أن يضام خفير اين كسرى كسرى الملوك … أنوشروان أم أين قبله سابور وبنو الأصفر الكرام ملوك … الروم لم يبق منهم مذكور وأخو الحضر إذ بناه وإذ دجلة … تجبى اليه والخابور شاده مرمرا وجلله كلسا … فللطير في ذراه وكور لم يهبه ريب المنون فبان … الملك عنه فبابه مهجور وتذكر رب الخورنق إذ … أشرف يوما وللهدى تفكير سره ماله وكثرة ما يملك … والبحر معرضا والسدير فارعوى قلبه وقال وما غبطة … حي الى الممات يصير ثم اضحوا كأنهم ورق جف … فألوت به الصبا والدبور قلت: ورب الخورنق الّذي ذكره في شعره رجل من الملوك المتقدمين وعظه بعض علماء زمانه في أمره الّذي كان قد أسرف فيه وعتا وتمرد فيه واتبع نفسه هواها ولم يراقب فيها مولاها فوعظه بمن سلف قبله من الملوك والدول وكيف بادوا ولم يبق منهم أحد وأنه ما صار اليه عن غيره الا وهو منتقل عنه إلى من بعده، فأخذته موعظته وبلغت منه كل مبلغ فارعوى لنفسه، وفكر في يومه وأمسه، وخاف من ضيق رمسه. فتاب وأناب ونزع عما كان فيه وترك الملك ولبس ذي الفقراء وساح في الفلوات وحظي بالخلوات وخرج عما كان الناس فيه من اتباع الشهوات وعصيان رب السموات وقد ذكر قصته مبسوطة الشيخ الامام موفق بن قدامة المقدسي ﵀ في كتاب التوابين وكذلك أوردها باسناد متين الحافظ أبو القاسم السهيليّ في كتاب الروض الأنف المرتب أحسن ترتيب وأوضح تبيين. خبر ملوك الطوائف وأما صاحب الحضر وهو ساطرون فقد تقدم أنه كان مقدما على سائر ملوك الطوائف وكان من زمن إسكندر بن فيلبس المقدوني اليوناني وذلك لانه لما غلب على ملك الفرس دارا بن دارا وأذل

стр. 522

مملكته وخرب بلاده واستباح بيضة قومه ونهب حواصله ومزق شمل الفرس شذر مذر عزم أن لا يجتمع لهم بعد ذلك شمل ولا يلتئم لهم أمر فجعل يقر كل ملك على طائفة من الناس في إقليم من أقاليم الأرض ما بين عربها وأعاجمها فاستمر كل ملك منهم يحمى حوزته ويحفظ حصته ويستغل محلته فإذا هلك قام ولده من بعده أو أحد قومه فاستمر الأمر كذلك قريبا من خمسمائة سنة حتى كان ازدشير بن بابك من بنى ساسان بن بهمن بن أسفنديار بن يشتاسب بن لهراسب فأعاد ملكهم إلى ما كان عليه ورجعت الممالك برمتها اليه وأزال ممالك مملوك الطوائف ولم يبق منهم تالد ولا طارف وكان تأخر عليه حصار صاحب الحضر الّذي كان أكبرهم وأشدهم وأعظمهم إذ كان رئيسهم ومقدمهم فلما مات أزدشير تصدى له ولده سابور فحاصره حتى أخذه كما تقدم والله أعلم. باب ذكر بنى إسماعيل وهم عرب الحجاز وما كان من أمور الجاهلية الى زمان البعثة تقدم ذكر إسماعيل نفسه ﵇ مع ذكر الأنبياء وكيف كان من أمره حين احتمله أبوه إبراهيم الخليل ﵊ مع أمه هاجر فاسكنها بوادي مكة بين جبال فاران حيث لا أنيس به ولا حسيس وكان إسماعيل رضيعا ثم ذهب وتركهما هنالك عن أمر الله له بذلك ليس عند أمه سوى جراب فيه تمر ووكاء فيه ماء فلما نفد ذلك أنبع الله لهاجر زمزم التي هي طعام طعم وشفاء سقم كما تقدم بيانه في حديث ابن عباس الطويل الّذي رواه البخاري ﵀. ثم نزلت جرهم وهم طائفة من العرب العاربة من أمم العرب الأقدمين عند هاجر بمكة على أن ليس لهم في الماء شيء إلا ما يشربون منه وينتفعون به فاستأنست هاجر بهم وجعل الخليل ﵇ يطالع أمرهم في كل حين يقال انه كان يركب البراق من بلاد بيت المقدس في ذهابه وإيابه ثم لما ترعرع الغلام وشب وبلغ مع أبيه السعي كانت قصة الذبح كما تقدم بيان أن الذبيح هو إسماعيل على الصحيح ثم لما كبر تزوج من جرهم امرأة ثم فارقها وتزوج غيرها وتزوج بالسيدة بنت مضاض بن عمرو الجرهميّ وجاءته بالبنين الاثني عشر كما تقدم ذكرهم وهم: نابت وقيذر. ومنشا. ومسمع. وماشى. ودما. وأذر. ويطور. ونيشى. وطيما. وقيذما (١) هكذا ذكره محمد

стр. 523

ابن إسحاق وغيره عن كتب أهل الكتاب وله ابنة واحدة اسمها نسمة وهي التي زوجها من ابن أخيه العيصو بن إسحاق بن إبراهيم فولد له منها الروم وفارس والاشبان أيضا في أحد القولين. ثم جميع عرب الحجاز على اختلاف قبائلهم يرجعون في أنسابهم الى ولديه نابت وقيذر، وكان الرئيس بعده والقائم بالأمور الحاكم في مكة والناظر في أمر البيت وزمزم نابت بن إسماعيل وهو ابن أخت الجرهميين، ثم تغلبت جرهم على البيت طمعا في بنى أختهم فحكموا بمكة وما والاها عوضا عن بنى إسماعيل مدة طويلة فكان أول من صار اليه أمر البيت بعد نابت مضاص بن عمرو بن سعد بن الرقيب ابن عيبر (١) بن نبت بن جرهم، وجرهم بن قحطان ويقال جرهم بن يقطن بن عيبر بن شالخ بن ارفخشذ ابن سام بن نوح الجرهميّ. وكان نازلا بأعلى مكة بقعيقعان وكان السميدع سيد قطوراء نازلا بقومه في أسفل مكة وكل منهما يعشر من مر به مجتازا الى مكة. ثم وقع بين جرهم وقطوراء فاقتتلوا فقتل السميدع واستوثق الأمر لمضاض وهو الحاكم بمكة والبيت لا ينازعه في ذلك ولد إسماعيل مع كثرتهم وشرفهم وانتثارهم بمكة وبغيرها وذلك لخؤولتهم له ولعظمة البيت الحرام. ثم صار الملك بعده الى ابنه الحارث ثم الى عمرو بن الحارث ثم بغت جرهم بمكة وأكثرت فيها الفساد وألحدوا بالمسجد الحرام حتى ذكر أن رجلا منهم يقال له إساف بن بغى وامرأة يقال لها نائلة بنت وائل اجتمعا في الكعبة فكان منه اليها الفاحشة فمسخهما الله حجرين فنصبهما الناس قريبا من البيت ليعتبروا بهما فلما طال المطال بعد ذلك بمدد عبدا من دون الله في زمن خزاعة كما سيأتي بيانه في موضعه. فكانا صنمين منصوبين يقال لهما إساف ونائلة. فلما أكثرت جرهم البغي بالبلد الحرام تمالأت عليهم خزاعة الذين كانوا نزلوا حول الحرم وكانوا من ذرية عمرو بن عامر الّذي خرج من اليمن لأجل ما توقع من سيل العرم كما تقدم. وقيل ان خزاعة من بنى إسماعيل فالله أعلم. والمقصود أنهم اجتمعوا لحربهم وآذنوهم بالحرب واقتتلوا واعتزل بنو إسماعيل كلا الفريقين فغلبت خزاعة وهم بنو بكر بن عبد مناة وغبشان واجلوهم عن البيت فعمد عمرو بن الحارث بن مضاض الجرهميّ وهو سيدهم الى غزالى الكعبة وهما من ذهب وحجر الركن وهو الحجر الأسود والى سيوف محلاة وأشياء اخر فدفنها في زمزم وعلم زمزم وارتحل بقومه فرجعوا الى اليمن. وفي ذلك يقول عمرو بن الحارث ابن مضاض: وقائلة والدمع سكب مبادر … وقد شرقت بالدمع منها المحاجر كأن لم يكن بين الحجون الى الصفا … أنيس ولم يسمر بمكة سامر فقلت لها والقلب منى كأنما … يلجلجه بين الجناحين طائر

стр. 524

بلى نحن كنا أهلها فازالنا … صروف الليالي والجدود العواثر وكنا ولاة البيت من بعد نابت … نطوف بذاك البيت والخير ظاهر ونحن ولينا البيت من بعد نابت … بعز فما يحظى لدينا المكاثر ملكنا فعززنا فأعظم بملكنا … فليس لحي غيرنا ثم فاخر ألم تنكحوا من خير شخص علمته … فأبناؤه منا ونحن الأصاهر فان تنثني الدنيا علينا بحالها … فان لها حالا وفيها التشاجر فأخرجنا منها المليك بقدرة … كذلك يا للناس تجرى المقادر أقول إذا نام الخلي ولم أنم … إذا العرش لا يبعد سهيل وعامر وبدلت منها أو جهالا أحبها … قبائل منها حمير ويحابر وصرنا أحاديثا وكنا بغبطة … بذلك عضتنا السنون الغوابر فسحت دموع العين تبكى لبلدة … بها حرم أمن وفيها المشاعر وتبكى لبيت ليس يؤذى حمامه … يظل به أمنا وفيه العصافر وفيه وحوش لا ترام انيسة … إذا خرجت منه فليست تغادر قال ابن إسحاق: وقال عمرو بن الحارث بن مضاض أيضا يذكر بنى بكر وغبشان الذين خلفوا بعدهم بمكة: يا أيها الناس سيروا إن قصاركم … ان تصبحوا ذات يوم لا تسيرونا حثوا المطي وأرخوا من أزمتها … قبل الممات وقضوا ما تقضونا كنا أناسا كما كنتم فغيرنا … دهر فأنتم كما صرنا تصيرونا قال ابن هشام: هذا ما صح له منها وحدثني بعض أهل العلم بالشعر أن هذه الأبيات أول شعر قيل في العرب وأنها وجدت مكتوبة في حجر باليمن ولم يسم قائلها وذكر السهيليّ لهذه الأبيات إخوة وحكى عندها حكاية معجبة وإنشادات معربة. قال: وزاد أبو الوليد الأزرقي في كتابه فضائل مكة على هذه الأبيات المذكورة المنسوبة الى عمرو بن الحارث بن مضاض: قد مال دهر علينا ثم أهلكنا … بالبغي فينا وبز الناس ناسونا واستخبروا في صنيع الناس قبلكم … كما استبان طريق عنده الهونا كنا زمانا ملوك الناس قبلكم … بمسكن في حرام الله مسكونا

стр. 525

قصة خزاعة وخبر عمرو بن لحي وعبادة الأصنام بأرض العرب قال ابن إسحاق: ثم أن غبشان من خزاعة وليت البيت دون بنى بكر بن عبد مناة، وكان الّذي يليه منهم عمرو بن الحارث الغبشانى وقريش إذ ذاك حلول وصرم وبيوتات متفرقون في قومهم من بنى كنانة. قالوا: وإنما سميت خزاعة خزاعة لأنهم تخزعوا من ولد عمرو بن عامر حين أقبلوا من اليمن يريدون الشام فنزلوا بمر الظهران فأقاموا به. قال عون بن أيوب الأنصاري ثم الخزرجي في ذلك: فلما هبطنا بطن مر تخزعت … خزاعة منا في حلول كراكر حمت كل واد من تهامة واحتمت … بصم القنا والمرهفات البواتر وقال أبو المطهر إسماعيل بن رافع الأنصاري الأوسي: فلما هبطنا بطن مكة أحمدت … خزاعة دار الآكل المتحامل فحلت أكاريسا وشتت قنابلا … على كل حي بين نجد وساحل نفوا جرهما عن بطن مكة واحتبوا … بعز خزاعيّ شديد الكواهل فوليت خزاعة البيت يتوارثون ذلك كابرا عن كابر حتى كان آخرهم حليل بن حبشية بن سلول ابن كعب بن عمرو بن ربيعة الخزاعي الّذي تزوج قصي بن كلاب ابنته حبي فولدت له بنيه الأربعة عبد الدار وعبد مناف وعبد العزى وعبدا، ثم صار أمر البيت اليه كما سيأتي بيانه وتفصيله في موضعه إن شاء الله تعالى وبه الثقة. واستمرت خزاعة على ولاية البيت نحوا من ثلاثمائة سنة وقيل خمسمائة سنة والله أعلم. وكانوا سوس (١) في ولايتهم وذلك لأن في زمانهم كان أول عبادة الأوثان بالحجاز وذلك بسبب رئيسهم عمرو بن لحي لعنه الله فإنه أول من دعاهم إلى ذلك وكان ذا مال جزيل جدا. يقال: انه فقأ أعين عشرين بعيرا وذلك عبارة عن أنه ملك عشرين ألف بعير وكان من عادة العرب أن من ملك ألف بعير فقأ عين واحد منها لانه يدفع بذلك العين عنها. وممن ذكر ذلك الأزرقي وذكر السهيليّ: أنه ربما ذبح أيام الحجيج عشرة آلاف بدنة وكسى عشرة آلاف حلة في كل سنة يطعم العرب ويحيس لهم الحيس بالسمن والعسل ويلت لهم السويق. قالوا: وكان قوله وفعله فيهم كالشرع المتبع لشرفه فيهم ومحلته عندهم وكرمه عليهم. قال ابن هشام: حدثني بعض أهل العلم أن عمرو بن لحي خرج من مكة إلى الشام في بعض أموره

стр. 526

فلما قدم مآب من أرض البلقاء وبها يومئذ العماليق وهم ولد عملاق ويقال ولد عمليق بن لاوذ بن سام ابن نوح رآهم يعبدون الأصنام فقال لهم ما هذه الأصنام التي أراكم تعبدون؟ قالوا له: هذه أصنام نعبدها فنستمطرها فتمطرنا ونستنصرها فتنصرنا. فقال: لهم ألا تعطوني منها صنما فاسير به الى أرض العرب فيعبدونه. فأعطوه صنما يقال له هبل فقدم به مكة فنصبه وأمر الناس بعبادته وتعظيمه. قال ابن إسحاق: ويزعمون أن أول ما كانت عبادة الحجارة في بنى إسماعيل ﵇ أنه كان لا يظعن من مكة ظاعن منهم حين ضاقت عليهم والتمسوا الفسح في البلاد الا حمل معه حجرا من حجارة الحرم تعظيما للحرم، فحيث ما نزلوا وضعوه فطافوا به كطوافهم بالكعبة حتى سلخ ذلك بهم إلى أن كانوا يعبدون ما استحسنوا من الحجارة وأعجبهم حتى خلفت الخلوف ونسوا ما كانوا عليه. وفي الصحيح عن أبى رجاء العطاردي. قال: كنا في الجاهلية إذا لم نجد حجرا جمعنا حثية من التراب وجئنا بالشاة فحلبناها عليه ثم طفنا بها. قال ابن إسحاق: واستبدلوا بدين إبراهيم وإسماعيل ﵉ غيره فعبدوا الأوثان وصاروا إلى ما كانت عليه الأمم قبلهم من الضلالات وفيهم على ذلك بقايا من عهد إبراهيم ﵇ يتمسكون بها من تعظيم البيت والطواف به والحج والعمرة والوقوف على عرفات والمزدلفة وهدى البدن والإهلال بالحج والعمرة مع إدخالهم فيه ما ليس منه. فكانت كنانة وقريش إذا هلوا قالوا: لبيك اللهمّ لبيك. لبيك لا شريك لك، الا شريكا هو لك، تملكه وما ملك. فيوحدونه بالتلبية ثم يدخلون معه أصنامهم ويجعلون ملكها بيده. يقول الله تعالى لمحمد ﷺ : ﴿وَما يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللهِ إِلاّ وَهُمْ مُشْرِكُونَ﴾ أي ما يوحدونني لمعرفة حقي الا جعلوا معى شريكا من خلقي. وقد ذكر السهيليّ وغيره: أن أول من لبى هذه التلبية عمرو بن لحي وأن إبليس تبدي له في صورة شيخ فجعل يلقنه ذلك فيسمع منه ويقول كما يقول واتبعه العرب في ذلك. وثبت في الصحيح أن رسول الله ﷺ كان إذا سمعهم يقولون لبيك لا شريك لك يقول: قد قد أي حسب حسب. وقد قال البخاري ثنا إسحاق بن إبراهيم حدثنا يحيى بن آدم ثنا إسرائيل عن أبى حفص عن أبى هريرة عن النبي ﷺ . قال: إن أول من سيب السوائب وعبد الأصنام، أبو خزاعة عمرو ابن عامر وإني رأيته يجر أمعاءه في النار. تفرد به احمد من هذا الوجه. وهذا يقتضي أن عمرو بن لحي هو أبو خزاعة الّذي تنسب اليه القبيلة بكمالها كما زعمه بعضهم من أهل النسب فيما حكاه ابن إسحاق وغيره ولو تركنا مجرد هذا لكان ظاهرا في ذلك بل كالنص ولكن قد جاء ما يخالفه من بعض الوجوه فقال البخاري وقال أبو اليمان: أخبرنا شعيب عن الزهري. قال سمعت سعيد بن المسيب قال: البحيرة التي يمنع درها للطواغيت فلا يحلبها أحد من الناس - والسائبة - التي كانوا يسيبونها لآلهتهم لا يحمل عليها

стр. 527

شيء. قال وقال أبو هريرة. قال النبي ﷺ : رأيت عمرو بن عامر الخزاعي يجر قصبه في النار. كان أول من سيب السوائب. وهكذا رواه البخاري أيضا ومسلم من حديث صالح بن كيسان عن الزهري عن سعيد عن أبى هريرة به. ثم قال البخاري ورواه ابن الهاد عن الزهري قال الحاكم أراد البخاري رواه ابن الهاد عن عبد الوهاب بن بخت عن الزهري كذا قال. وقد رواه احمد عن عمرو بن سلمة الخزاعي عن الليث بن سعد عن يزيد بن الهاد عن الزهري عن سعيد عن أبى هريرة سمعت رسول الله ﷺ يقول: رأيت عمرو بن عامر يجر قصبه في النار، وكان أول من سيب السوائب وبحر البحيرة. ولم يذكر بينهما عبد الوهاب بن بخت كما قال الحاكم فالله أعلم. وقال أحمد أيضا حدثنا عبد الرازق حدثنا معمر عن الزهري عن أبى هريرة قال قال رسول الله ﷺ رأيت عمرو بن عامر الخزاعي يجر قصبه في النار، وهو أول من سيب السوائب. وهذا منقطع من هذا الوجه. والصحيح الزهري عن سعيد عنه كما تقدم وقوله في هذا الحديث والّذي قبله الخزاعي يدل على أنه ليس والد القبيلة بل منتسب اليها مع ما وقع في الرواية من قوله أبو خزاعة تصحيف من الراويّ من أخو خزاعة أو أنه كان يكنى بابي خزاعة ولا يكون ذلك من باب الاخبار بأنه أبو خزاعة كلهم والله أعلم وقال محمد بن إسحاق: حدثني محمد بن إبراهيم بن الحارث التيمي أن أبا صالح السمان حدثه انه سمع أبا هريرة يقول سمعت رسول الله ﷺ يقول: لأكثم بن الجون الخزاعي يا أكثم رأيت عمرو بن لحي ابن قمعة بن خندف يجر قصبة في النار فما رأيت رجلا أشبه برجل منك به ولا بك منه. فقال أكثم: عسى أن يضرني شبهه يا رسول الله قال: لا انك مؤمن وهو كافر، انه كان أول من غير دين إسماعيل فنصب الأوثان وبحر البحيرة وسيب السائبة ووصل الوصيلة وحمى الحامى. ليس في الكتب من هذا الوجه وقد رواه ابن جرير عن هناد بن عبدة عن محمد بن عمرو عن أبى سلمة عن أبى هريرة عن النبي ﷺ بنحوه أو مثله وليس في الكتب أيضا. وقال البخاري حدثني محمد بن أبى يعقوب أبو عبد الله الكرماني حدثنا حسان بن إبراهيم حدثنا يونس عن الزهري عن عروة عن عائشة قالت قال رسول الله ﷺ رأيت جهنم يحطم بعضها بعضا ورأيت عمرا يجر قصبه وهو أول من سيب السوائب. تفرد به البخاري. وروى الطبراني من طريق صالح عن ابن عباس مرفوعا في ذلك. والمقصود أن عمرو بن لحي لعنه الله كان قد ابتدع لهم أشياء في الدين غير بها دين الخليل فاتبعه العرب في ذلك فضلوا بذلك ضلالا بعيدا بينا فظيعا شنيعا وقد أنكر الله تعالى عليهم في كتابه العزيز في غير ما آية منه فقال تعالى: ﴿وَلا تَقُولُوا لِما تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هذا حَلالٌ وَهذا حَرامٌ لِتَفْتَرُوا عَلَى اللهِ الْكَذِبَ﴾ الآية. وقال تعالى: ﴿ما جَعَلَ اللهُ مِنْ بَحِيرَةٍ وَلا سائِبَةٍ وَلا وَصِيلَةٍ وَلا حامٍ وَلكِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يَفْتَرُونَ عَلَى اللهِ الْكَذِبَ وَأَكْثَرُهُمْ لا يَعْقِلُونَ﴾ وقد تكلمنا على هذا كله مبسوطا وبينا اختلاف السلف في تفسير ذلك فمن أراده فليأخذه

стр. 528

من ثم ولله الحمد والمنة. وقال تعالى: ﴿وَيَجْعَلُونَ لِما لا يَعْلَمُونَ نَصِيباً مِمّا رَزَقْناهُمْ تَاللهِ لَتُسْئَلُنَّ عَمّا كُنْتُمْ تَفْتَرُونَ﴾. وقال تعالى: ﴿وَجَعَلُوا لِلّهِ مِمّا ذَرَأَ مِنَ الْحَرْثِ وَالْأَنْعامِ نَصِيباً فَقالُوا هذا لِلّهِ بِزَعْمِهِمْ وَهذا لِشُرَكائِنا فَما كانَ لِشُرَكائِهِمْ فَلا يَصِلُ إِلَى اللهِ وَما كانَ لِلّهِ فَهُوَ يَصِلُ إِلى شُرَكائِهِمْ ساءَ ما يَحْكُمُونَ * وَكَذلِكَ زَيَّنَ لِكَثِيرٍ مِنَ الْمُشْرِكِينَ قَتْلَ أَوْلادِهِمْ شُرَكاؤُهُمْ لِيُرْدُوهُمْ وَلِيَلْبِسُوا عَلَيْهِمْ دِينَهُمْ وَلَوْ شاءَ اللهُ ما فَعَلُوهُ فَذَرْهُمْ وَما يَفْتَرُونَ﴾ ﴿وَقالُوا هذِهِ أَنْعامٌ وَحَرْثٌ حِجْرٌ لا يَطْعَمُها إِلاّ مَنْ نَشاءُ بِزَعْمِهِمْ وَأَنْعامٌ حُرِّمَتْ ظُهُورُها وَأَنْعامٌ لا يَذْكُرُونَ اِسْمَ اللهِ عَلَيْهَا اِفْتِراءً عَلَيْهِ سَيَجْزِيهِمْ بِما كانُوا يَفْتَرُونَ﴾. ﴿وَقالُوا ما فِي بُطُونِ هذِهِ الْأَنْعامِ خالِصَةٌ لِذُكُورِنا وَمُحَرَّمٌ عَلى أَزْواجِنا وَإِنْ يَكُنْ مَيْتَةً فَهُمْ فِيهِ شُرَكاءُ سَيَجْزِيهِمْ وَصْفَهُمْ إِنَّهُ حَكِيمٌ عَلِيمٌ * قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ قَتَلُوا أَوْلادَهُمْ سَفَهاً بِغَيْرِ عِلْمٍ وَحَرَّمُوا ما رَزَقَهُمُ اللهُ اِفْتِراءً عَلَى اللهِ قَدْ ضَلُّوا وَما كانُوا مُهْتَدِينَ﴾. وقال البخاري في صحيحه. باب جهل العرب حدثنا أبو النعمان حدثنا أبو عوانة عن أبى بشر عن سعيد بن جبير عن ابن عباس قال إذا سرك أن تعلم جهل العرب فاقرأ ما فوق الثلاثين ومائة في سورة الأنعام ﴿قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ قَتَلُوا أَوْلادَهُمْ سَفَهاً بِغَيْرِ عِلْمٍ وَحَرَّمُوا ما رَزَقَهُمُ اللهُ اِفْتِراءً عَلَى اللهِ قَدْ ضَلُّوا وَما كانُوا مُهْتَدِينَ﴾ وقد ذكرنا تفسير هذه الآية وما كانوا ابتدعوه من الشرائع الباطلة الفاسدة التي ظنها كبيرهم عمرو بن لحي قبحه الله مصلحة ورحمة بالدواب والبهائم وهو كاذب مفتر في ذلك ومع هذا الجهل والضلال اتبعه هؤلاء الجهلة الطغام فيه بل قد تابعوه فيما هو أطم من ذلك وأعظم بكثير وهو عبادة الأوثان مع الله وبدلوا ما كان الله بعث به إبراهيم خليله من الدين القويم والصراط المستقيم من توحيد عبادة الله وحده لا شريك له وتحريم الشرك وغيروا شعائر الحج ومعالم الدين بغير علم ولا برهان ولا دليل صحيح ولا ضعيف واتبعوا في ذلك من كان قبلهم من الأمم المشركين وشابهوا قوم نوح وكانوا أول من أشرك بالله وعبد الأصنام ولهذا بعث الله اليهم نوحا وكان أول رسول بعث ينهى عن عبادة الأصنام كما تقدم بيانه في قصة نوح ﴿وَقالُوا لا تَذَرُنَّ آلِهَتَكُمْ وَلا تَذَرُنَّ وَدًّا وَلا سُواعاً وَلا يَغُوثَ وَيَعُوقَ وَنَسْراً * وَقَدْ أَضَلُّوا كَثِيراً﴾ الآية قال ابن عباس كان هؤلاء قوما صالحين في قوم نوح فلما ماتوا عكفوا على قبورهم فلما طال عليهم الأمد عبدوهم وقد بينا كيفية ما كان من أمرهم في عبادتهم بما أغنى عن إعادته هاهنا. قال ابن إسحاق وغيره: ثم صارت هذه الأصنام في العرب بعد تبديلهم دين إسماعيل فكان ود لبني كلب بن مرة بن تغلب بن حلوان بن عمران بن الحاف بن قضاعة. وكان منصوبا بدومة الجندل

стр. 529

وكان سواع لبني هذيل بن الياس بن مدركة بن مضر. وكان منصوبا بمكان يقال له رهاط. وكان يغوث لبني أنعم من طيِّئ ولأهل جرش من مذحج وكان منصوبا بجرش. وكان يعوق منصوبا بأرض همدان من اليمن لبني خيوان بطن من همدان. وكان نسر منصوبا بأرض حمير لقبيلة يقال لهم ذو الكلاع. قال ابن إسحاق: وكان لخولان بأرضهم صنم يقال له عم أنس يقسمون له من أنعامهم وحروثهم قسما بينه وبين الله فيما يزعمون فما دخل في حق عم أنس من حق الله الّذي قسموه له تركوه له وما دخل في حق الله من حق عم أنس ردوه عليه وفيهم أنزل الله ﴿وَجَعَلُوا لِلّهِ مِمّا ذَرَأَ مِنَ الْحَرْثِ وَالْأَنْعامِ نَصِيباً﴾ قال: وكان لبني ملكان بن كنانة بن خزيمة بن مدركة صنم يقال له سعد صخرة بفلاة من أرضهم طويلة فاقبل رجل منهم بابل له مؤبلة ليقفها عليه التماس بزكته فيما يزعم فلما رأته الإبل وكانت مرعية لا تركب وكان الصنم يهراق عليه الدماء نفرت منه فذهبت في كل وجه وغضب ربها وأخذ حجرا فرماه به ثم قال لا بارك الله فيك نفرت على ابلى ثم خرج في طلبها فلما اجتمعت له قال: أتينا الى سعد ليجمع شملنا … فشتتنا سعد فلا نحن من سعد وهل سعد الا صخرة بتنوفة … من الأرض لا يدعو لغى ولا رشد قال ابن إسحاق: وكان في دوس صنم لعمرو بن حممة الدوسيّ. قال وكانت قريش قد اتخذت صنما على بئر في جوف الكعبة يقال له هبل وقد تقدم فيما ذكره ابن هشام انه أول صنم نصبه عمرو بن لحي لعنه الله. قال ابن إسحاق: واتخذوا إسافا ونائلة على موضع زمزم ينحرون عندهما ثم ذكر أنهما كانا رجلا وامرأة فوقع عليها في الكعبة فمسخهما الله حجرين. ثم قال: حدثني عبد الله بن أبى بكر بن محمد بن عمرو بن حزم عن عمرة أنها قالت سمعت عائشة تقول: ما زلنا نسمع أن اسافا ونائلة كانا رجلا وامرأة من جرهم أحدثا في الكعبة فمسخهما الله حجرين والله أعلم. وقد قيل إن الله لم يمهلهما حتى فجرا فيها بل مسخهما قبل ذلك فعند ذلك نصبا عند الصفا والمروة فلما كان عمرو بن لحي نقلهما فوضعهما على زمزم وطاف الناس بهما وفي ذلك يقول أبو طالب: وحيث ينيخ الأشعرون ركابهم … بمفضى السيول من إساف ونائل وقد ذكر الواقدي: أن رسول الله ﷺ لما أمر بكسر نائلة يوم الفتح خرجت منها سوداء شمطاء تخمش وجهها وتدعو بالويل والثبور. وقد ذكر السهيليّ: أن أجا وسلمى وهما جبلان بأرض الحجاز انما سميا باسم رجل اسمه أجا بن عبد الحي فجر بسلمى بنت حام فصلبا في هذين الجبلين فعرفا بهما قال: وكان بين أجا وسلمى صنم لطى يقال له قلس. قال ابن إسحاق: واتخذ أهل كل دار في دارهم صنما يعبدونه فإذا أراد الرجل منهم سفرا تمسح به

стр. 530

حين يركب فكان ذلك آخر ما يصنع حين يتوجه الى سفره. وإذا قدم من سفره تمسح به فكان ذلك أول ما يبدأ به قبل ان يدخل على أهله. قال فلما بعث الله محمدا ﷺ بالتوحيد قالت قريش ﴿أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلهاً واحِداً إِنَّ هذا لَشَيْءٌ عُجابٌ﴾. قال ابن إسحاق: وقد كانت العرب اتخذت مع الكعبة طواغيت وهي بيوت تعظمها كتعظيم الكعبة لها سدنة وحجاب، وتهدى لها كما تهدى للكعبة وتطوف بها كطوافها بها وتنحر عندها. وهي مع ذلك تعرف فضل الكعبة عليها لأنها بناء إبراهيم الخليل ﵇ ومسجده. وكانت لقريش وبنى كنانة العزى بنخلة وكانت سدنتها وحجابها بنى شيبان من سليم حلفاء بنى هاشم وقد خربها خالد بن الوليد زمن الفتح كما سيأتي. قال: وكانت اللات لثقيف بالطائف وكانت سدنتها وحجابها بنى معتب من ثقيف وخربها أبو سفيان والمغيرة بن شعبة بعد مجيء أهل الطائف كما سيأتي. قال: وكانت مناة للأوس والخزرج ومن دان بدينهم من أهل المدينة على ساحل البحر من ناحية المشلل بقديد وقد خربها أبو سفيان أيضا وقيل على بن أبى طالب كما سيأتي. قال: وكان ذو الخلصة لدوس وخثعم وبجيلة ومن كان ببلادهم من العرب بتبالة وكان يقال له الكعبة اليمانية، ولبيت مكة الكعبة الشامية وقد خربه جرير بن عبد الله البجلي كما سيأتي قال. وكان قلس لطى ومن يليها بجبلي طى بين اجا وسلمى، وهما جبلان مشهوران كما تقدم. قال: وكان رآم بيتا لحمير وأهل اليمن كما تقدم ذكره في قصة تبع أحد ملوك حمير وقصة الحبرين حين خرباه وقتلا منه كلبا أسود. قال: وكانت رضاء بيتا لبني ربيعة بن كعب بن سعد ابن زيد مناة بن تميم ولها يقول المستوغر واسمه كعب بن ربيعة بن كعب: ولقد شددت على رضاء شدة … فتركتها قفرا بقاع اسحما وأعان عبد الله في مكروهها … وبمثل عبد الله أغشى المحرما ويقال إن المستوغر هذا عاش ثلاثمائة سنة وثلاثين سنة وكان أطول مضر كلها عمرا وهو الّذي يقول: ولقد سئمت من الحياة وطولها … وعمرت من عدد السنين مئينا مائة حدتها بعدها مائتان لي … وازددت من عدد الشهور سنينا هل ما بقي الا كما قد فاتنا … يوم يمر وليلة تحدونا قال ابن هشام: ويروى هذه الأبيات لزهير بن جناب بن هبل. قال السهيليّ: ومن المعمرين الذين جازوا المائتين والثلاثمائة زهير هذا وعبيد بن شربة ودغفل بن حنظلة النسابة والربيع بن ضبع الفزاري وذو الأصبع العدوانيّ ونصر بن دهمان بن أشجع بن ريث بن غطفان، وكان قد اسود شعره بعد ابيضاضه وتقوم ظهره بعد اعوجاجه. وقال: وكان ذو الكعبات لبكر وتغلب بن وائل وأياد بسنداد وله يقول أعشى بن قيس بن ثعلبة:
следующие страницы →