فلما قدم مآب من أرض البلقاء وبها يومئذ العماليق وهم ولد عملاق ويقال ولد عمليق بن لاوذ بن سام ابن نوح رآهم يعبدون الأصنام فقال لهم ما هذه الأصنام التي أراكم تعبدون؟ قالوا له: هذه أصنام نعبدها فنستمطرها فتمطرنا ونستنصرها فتنصرنا. فقال: لهم ألا تعطوني منها صنما فاسير به الى أرض العرب فيعبدونه. فأعطوه صنما يقال له هبل فقدم به مكة فنصبه وأمر الناس بعبادته وتعظيمه.
قال ابن إسحاق: ويزعمون أن أول ما كانت عبادة الحجارة في بنى إسماعيل ﵇ أنه كان لا يظعن من مكة ظاعن منهم حين ضاقت عليهم والتمسوا الفسح في البلاد الا حمل معه حجرا من حجارة الحرم تعظيما للحرم، فحيث ما نزلوا وضعوه فطافوا به كطوافهم بالكعبة حتى سلخ ذلك بهم إلى أن كانوا يعبدون ما استحسنوا من الحجارة وأعجبهم حتى خلفت الخلوف ونسوا ما كانوا عليه.
وفي الصحيح عن أبى رجاء العطاردي. قال: كنا في الجاهلية إذا لم نجد حجرا جمعنا حثية من التراب وجئنا بالشاة فحلبناها عليه ثم طفنا بها.
قال ابن إسحاق: واستبدلوا بدين إبراهيم وإسماعيل ﵉ غيره فعبدوا الأوثان وصاروا إلى ما كانت عليه الأمم قبلهم من الضلالات وفيهم على ذلك بقايا من عهد إبراهيم ﵇ يتمسكون بها من تعظيم البيت والطواف به والحج والعمرة والوقوف على عرفات والمزدلفة وهدى البدن والإهلال بالحج والعمرة مع إدخالهم فيه ما ليس منه. فكانت كنانة وقريش إذا هلوا قالوا: لبيك اللهمّ لبيك.
لبيك لا شريك لك، الا شريكا هو لك، تملكه وما ملك. فيوحدونه بالتلبية ثم يدخلون معه أصنامهم ويجعلون ملكها بيده. يقول الله تعالى لمحمد ﷺ : ﴿وَما يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللهِ إِلاّ وَهُمْ مُشْرِكُونَ﴾ أي ما يوحدونني لمعرفة حقي الا جعلوا معى شريكا من خلقي.
وقد ذكر السهيليّ وغيره: أن أول من لبى هذه التلبية عمرو بن لحي وأن إبليس تبدي له في صورة شيخ فجعل يلقنه ذلك فيسمع منه ويقول كما يقول واتبعه العرب في ذلك.
وثبت
في الصحيح أن رسول الله ﷺ كان إذا سمعهم يقولون لبيك لا شريك لك يقول: قد قد أي حسب حسب. وقد
قال البخاري ثنا إسحاق بن إبراهيم حدثنا يحيى بن آدم ثنا إسرائيل عن أبى حفص عن أبى هريرة عن النبي ﷺ . قال: إن أول من سيب السوائب وعبد الأصنام، أبو خزاعة عمرو ابن عامر وإني رأيته يجر أمعاءه في النار. تفرد به احمد من هذا الوجه. وهذا يقتضي أن عمرو بن لحي هو أبو خزاعة الّذي تنسب اليه القبيلة بكمالها كما زعمه بعضهم من أهل النسب فيما حكاه ابن إسحاق وغيره ولو تركنا مجرد هذا لكان ظاهرا في ذلك بل كالنص ولكن قد جاء ما يخالفه من بعض الوجوه فقال البخاري وقال أبو اليمان: أخبرنا شعيب عن الزهري. قال سمعت سعيد بن المسيب قال: البحيرة التي يمنع درها للطواغيت فلا يحلبها أحد من الناس - والسائبة - التي كانوا يسيبونها لآلهتهم لا يحمل عليها
стр. 527
شيء.
قال وقال أبو هريرة. قال النبي ﷺ : رأيت عمرو بن عامر الخزاعي يجر قصبه في النار. كان أول من سيب السوائب. وهكذا رواه البخاري أيضا ومسلم من حديث صالح بن كيسان عن الزهري عن سعيد عن أبى هريرة به. ثم قال البخاري ورواه ابن الهاد عن الزهري قال الحاكم أراد البخاري رواه ابن الهاد عن عبد الوهاب بن بخت عن الزهري كذا قال.
وقد
رواه احمد عن عمرو بن سلمة الخزاعي عن الليث بن سعد عن يزيد بن الهاد عن الزهري عن سعيد عن أبى هريرة سمعت رسول الله ﷺ يقول: رأيت عمرو بن عامر يجر قصبه في النار، وكان أول من سيب السوائب وبحر البحيرة. ولم يذكر بينهما عبد الوهاب بن بخت كما قال الحاكم فالله أعلم.
وقال أحمد أيضا حدثنا عبد الرازق حدثنا معمر عن الزهري عن أبى هريرة قال قال رسول الله ﷺ رأيت عمرو بن عامر الخزاعي يجر قصبه في النار، وهو أول من سيب السوائب. وهذا منقطع من هذا الوجه. والصحيح الزهري عن سعيد عنه كما تقدم وقوله في هذا الحديث والّذي قبله الخزاعي يدل على أنه ليس والد القبيلة بل منتسب اليها مع ما وقع في الرواية من قوله أبو خزاعة تصحيف من الراويّ من أخو خزاعة أو أنه كان يكنى بابي خزاعة ولا يكون ذلك من باب الاخبار بأنه أبو خزاعة كلهم والله أعلم
وقال محمد بن إسحاق: حدثني محمد بن إبراهيم بن الحارث التيمي أن أبا صالح السمان حدثه انه سمع أبا هريرة يقول سمعت رسول الله ﷺ يقول: لأكثم بن الجون الخزاعي يا أكثم رأيت عمرو بن لحي ابن قمعة بن خندف يجر قصبة في النار فما رأيت رجلا أشبه برجل منك به ولا بك منه. فقال أكثم: عسى أن يضرني شبهه يا رسول الله قال: لا انك مؤمن وهو كافر، انه كان أول من غير دين إسماعيل فنصب الأوثان وبحر البحيرة وسيب السائبة ووصل الوصيلة وحمى الحامى. ليس في الكتب من هذا الوجه وقد رواه ابن جرير عن هناد بن عبدة عن محمد بن عمرو عن أبى سلمة عن أبى هريرة عن النبي ﷺ بنحوه أو مثله وليس في الكتب أيضا.
وقال البخاري حدثني محمد بن أبى يعقوب أبو عبد الله الكرماني حدثنا حسان بن إبراهيم حدثنا يونس عن الزهري عن عروة عن عائشة قالت قال رسول الله ﷺ رأيت جهنم يحطم بعضها بعضا ورأيت عمرا يجر قصبه وهو أول من سيب السوائب. تفرد به البخاري.
وروى الطبراني من طريق صالح عن ابن عباس مرفوعا في ذلك. والمقصود أن عمرو بن لحي لعنه الله كان قد ابتدع لهم أشياء في الدين غير بها دين الخليل فاتبعه العرب في ذلك فضلوا بذلك ضلالا بعيدا بينا فظيعا شنيعا وقد أنكر الله تعالى عليهم في كتابه العزيز في غير ما آية منه فقال تعالى: ﴿وَلا تَقُولُوا لِما تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هذا حَلالٌ وَهذا حَرامٌ لِتَفْتَرُوا عَلَى اللهِ الْكَذِبَ﴾ الآية. وقال تعالى: ﴿ما جَعَلَ اللهُ مِنْ بَحِيرَةٍ وَلا سائِبَةٍ وَلا وَصِيلَةٍ وَلا حامٍ وَلكِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يَفْتَرُونَ عَلَى اللهِ الْكَذِبَ وَأَكْثَرُهُمْ لا يَعْقِلُونَ﴾ وقد تكلمنا على هذا كله مبسوطا وبينا اختلاف السلف في تفسير ذلك فمن أراده فليأخذه
стр. 528
من ثم ولله الحمد والمنة. وقال تعالى: ﴿وَيَجْعَلُونَ لِما لا يَعْلَمُونَ نَصِيباً مِمّا رَزَقْناهُمْ تَاللهِ لَتُسْئَلُنَّ عَمّا كُنْتُمْ تَفْتَرُونَ﴾. وقال تعالى: ﴿وَجَعَلُوا لِلّهِ مِمّا ذَرَأَ مِنَ الْحَرْثِ وَالْأَنْعامِ نَصِيباً فَقالُوا هذا لِلّهِ بِزَعْمِهِمْ وَهذا لِشُرَكائِنا فَما كانَ لِشُرَكائِهِمْ فَلا يَصِلُ إِلَى اللهِ وَما كانَ لِلّهِ فَهُوَ يَصِلُ إِلى شُرَكائِهِمْ ساءَ ما يَحْكُمُونَ * وَكَذلِكَ زَيَّنَ لِكَثِيرٍ مِنَ الْمُشْرِكِينَ قَتْلَ أَوْلادِهِمْ شُرَكاؤُهُمْ لِيُرْدُوهُمْ وَلِيَلْبِسُوا عَلَيْهِمْ دِينَهُمْ وَلَوْ شاءَ اللهُ ما فَعَلُوهُ فَذَرْهُمْ وَما يَفْتَرُونَ﴾ ﴿وَقالُوا هذِهِ أَنْعامٌ وَحَرْثٌ حِجْرٌ لا يَطْعَمُها إِلاّ مَنْ نَشاءُ بِزَعْمِهِمْ وَأَنْعامٌ حُرِّمَتْ ظُهُورُها وَأَنْعامٌ لا يَذْكُرُونَ اِسْمَ اللهِ عَلَيْهَا اِفْتِراءً عَلَيْهِ سَيَجْزِيهِمْ بِما كانُوا يَفْتَرُونَ﴾. ﴿وَقالُوا ما فِي بُطُونِ هذِهِ الْأَنْعامِ خالِصَةٌ لِذُكُورِنا وَمُحَرَّمٌ عَلى أَزْواجِنا وَإِنْ يَكُنْ مَيْتَةً فَهُمْ فِيهِ شُرَكاءُ سَيَجْزِيهِمْ وَصْفَهُمْ إِنَّهُ حَكِيمٌ عَلِيمٌ * قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ قَتَلُوا أَوْلادَهُمْ سَفَهاً بِغَيْرِ عِلْمٍ وَحَرَّمُوا ما رَزَقَهُمُ اللهُ اِفْتِراءً عَلَى اللهِ قَدْ ضَلُّوا وَما كانُوا مُهْتَدِينَ﴾.
وقال البخاري في صحيحه.
باب جهل العرب
حدثنا أبو النعمان حدثنا أبو عوانة عن أبى بشر عن سعيد بن جبير عن ابن عباس قال إذا سرك أن تعلم جهل العرب فاقرأ ما فوق الثلاثين ومائة في سورة الأنعام ﴿قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ قَتَلُوا أَوْلادَهُمْ سَفَهاً بِغَيْرِ عِلْمٍ وَحَرَّمُوا ما رَزَقَهُمُ اللهُ اِفْتِراءً عَلَى اللهِ قَدْ ضَلُّوا وَما كانُوا مُهْتَدِينَ﴾ وقد ذكرنا تفسير هذه الآية وما كانوا ابتدعوه من الشرائع الباطلة الفاسدة التي ظنها كبيرهم عمرو بن لحي قبحه الله مصلحة ورحمة بالدواب والبهائم وهو كاذب مفتر في ذلك ومع هذا الجهل والضلال اتبعه هؤلاء الجهلة الطغام فيه بل قد تابعوه فيما هو أطم من ذلك وأعظم بكثير وهو عبادة الأوثان مع الله وبدلوا ما كان الله بعث به إبراهيم خليله من الدين القويم والصراط المستقيم من توحيد عبادة الله وحده لا شريك له وتحريم الشرك وغيروا شعائر الحج ومعالم الدين بغير علم ولا برهان ولا دليل صحيح ولا ضعيف واتبعوا في ذلك من كان قبلهم من الأمم المشركين وشابهوا قوم نوح وكانوا أول من أشرك بالله وعبد الأصنام ولهذا بعث الله اليهم نوحا وكان أول رسول بعث ينهى عن عبادة الأصنام كما تقدم بيانه في قصة نوح ﴿وَقالُوا لا تَذَرُنَّ آلِهَتَكُمْ وَلا تَذَرُنَّ وَدًّا وَلا سُواعاً وَلا يَغُوثَ وَيَعُوقَ وَنَسْراً * وَقَدْ أَضَلُّوا كَثِيراً﴾ الآية قال ابن عباس كان هؤلاء قوما صالحين في قوم نوح فلما ماتوا عكفوا على قبورهم فلما طال عليهم الأمد عبدوهم وقد بينا كيفية ما كان من أمرهم في عبادتهم بما أغنى عن إعادته هاهنا.
قال ابن إسحاق وغيره: ثم صارت هذه الأصنام في العرب بعد تبديلهم دين إسماعيل فكان ود لبني كلب بن مرة بن تغلب بن حلوان بن عمران بن الحاف بن قضاعة. وكان منصوبا بدومة الجندل
стр. 529
وكان سواع لبني هذيل بن الياس بن مدركة بن مضر. وكان منصوبا بمكان يقال له رهاط. وكان يغوث لبني أنعم من طيِّئ ولأهل جرش من مذحج وكان منصوبا بجرش. وكان يعوق منصوبا بأرض همدان من اليمن لبني خيوان بطن من همدان. وكان نسر منصوبا بأرض حمير لقبيلة يقال لهم ذو الكلاع.
قال ابن إسحاق: وكان لخولان بأرضهم صنم يقال له عم أنس يقسمون له من أنعامهم وحروثهم قسما بينه وبين الله فيما يزعمون فما دخل في حق عم أنس من حق الله الّذي قسموه له تركوه له وما دخل في حق الله من حق عم أنس ردوه عليه وفيهم أنزل الله ﴿وَجَعَلُوا لِلّهِ مِمّا ذَرَأَ مِنَ الْحَرْثِ وَالْأَنْعامِ نَصِيباً﴾ قال: وكان لبني ملكان بن كنانة بن خزيمة بن مدركة صنم يقال له سعد صخرة بفلاة من أرضهم طويلة فاقبل رجل منهم بابل له مؤبلة ليقفها عليه التماس بزكته فيما يزعم فلما رأته الإبل وكانت مرعية لا تركب وكان الصنم يهراق عليه الدماء نفرت منه فذهبت في كل وجه وغضب ربها وأخذ حجرا فرماه به ثم قال لا بارك الله فيك نفرت على ابلى ثم خرج في طلبها فلما اجتمعت له قال:
أتينا الى سعد ليجمع شملنا … فشتتنا سعد فلا نحن من سعد
وهل سعد الا صخرة بتنوفة … من الأرض لا يدعو لغى ولا رشد
قال ابن إسحاق: وكان في دوس صنم لعمرو بن حممة الدوسيّ. قال وكانت قريش قد اتخذت صنما على بئر في جوف الكعبة يقال له هبل وقد تقدم فيما ذكره ابن هشام انه أول صنم نصبه عمرو بن لحي لعنه الله.
قال ابن إسحاق: واتخذوا إسافا ونائلة على موضع زمزم ينحرون عندهما ثم ذكر أنهما كانا رجلا وامرأة فوقع عليها في الكعبة فمسخهما الله حجرين. ثم قال: حدثني عبد الله بن أبى بكر بن محمد بن عمرو بن حزم عن عمرة أنها قالت سمعت عائشة تقول: ما زلنا نسمع أن اسافا ونائلة كانا رجلا وامرأة من جرهم أحدثا في الكعبة فمسخهما الله حجرين والله أعلم. وقد قيل إن الله لم يمهلهما حتى فجرا فيها بل مسخهما قبل ذلك فعند ذلك نصبا عند الصفا والمروة فلما كان عمرو بن لحي نقلهما فوضعهما على زمزم وطاف الناس بهما وفي ذلك يقول أبو طالب:
وحيث ينيخ الأشعرون ركابهم … بمفضى السيول من إساف ونائل
وقد ذكر الواقدي: أن رسول الله ﷺ لما أمر بكسر نائلة يوم الفتح خرجت منها سوداء شمطاء تخمش وجهها وتدعو بالويل والثبور. وقد ذكر السهيليّ: أن أجا وسلمى وهما جبلان بأرض الحجاز انما سميا باسم رجل اسمه أجا بن عبد الحي فجر بسلمى بنت حام فصلبا في هذين الجبلين فعرفا بهما قال: وكان بين أجا وسلمى صنم لطى يقال له قلس.
قال ابن إسحاق: واتخذ أهل كل دار في دارهم صنما يعبدونه فإذا أراد الرجل منهم سفرا تمسح به
стр. 530
حين يركب فكان ذلك آخر ما يصنع حين يتوجه الى سفره. وإذا قدم من سفره تمسح به فكان ذلك أول ما يبدأ به قبل ان يدخل على أهله. قال فلما بعث الله محمدا ﷺ بالتوحيد قالت قريش ﴿أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلهاً واحِداً إِنَّ هذا لَشَيْءٌ عُجابٌ﴾.
قال ابن إسحاق: وقد كانت العرب اتخذت مع الكعبة طواغيت وهي بيوت تعظمها كتعظيم الكعبة لها سدنة وحجاب، وتهدى لها كما تهدى للكعبة وتطوف بها كطوافها بها وتنحر عندها. وهي مع ذلك تعرف فضل الكعبة عليها لأنها بناء إبراهيم الخليل ﵇ ومسجده. وكانت لقريش وبنى كنانة العزى بنخلة وكانت سدنتها وحجابها بنى شيبان من سليم حلفاء بنى هاشم وقد خربها خالد بن الوليد زمن الفتح كما سيأتي. قال: وكانت اللات لثقيف بالطائف وكانت سدنتها وحجابها بنى معتب من ثقيف وخربها أبو سفيان والمغيرة بن شعبة بعد مجيء أهل الطائف كما سيأتي. قال: وكانت مناة للأوس والخزرج ومن دان بدينهم من أهل المدينة على ساحل البحر من ناحية المشلل بقديد وقد خربها أبو سفيان أيضا وقيل على بن أبى طالب كما سيأتي. قال: وكان ذو الخلصة لدوس وخثعم وبجيلة ومن كان ببلادهم من العرب بتبالة وكان يقال له الكعبة اليمانية، ولبيت مكة الكعبة الشامية وقد خربه جرير بن عبد الله البجلي كما سيأتي قال. وكان قلس لطى ومن يليها بجبلي طى بين اجا وسلمى، وهما جبلان مشهوران كما تقدم. قال: وكان رآم بيتا لحمير وأهل اليمن كما تقدم ذكره في قصة تبع أحد ملوك حمير وقصة الحبرين حين خرباه وقتلا منه كلبا أسود. قال: وكانت رضاء بيتا لبني ربيعة بن كعب بن سعد ابن زيد مناة بن تميم ولها يقول المستوغر واسمه كعب بن ربيعة بن كعب:
ولقد شددت على رضاء شدة … فتركتها قفرا بقاع اسحما
وأعان عبد الله في مكروهها … وبمثل عبد الله أغشى المحرما
ويقال إن المستوغر هذا عاش ثلاثمائة سنة وثلاثين سنة وكان أطول مضر كلها عمرا وهو الّذي يقول:
ولقد سئمت من الحياة وطولها … وعمرت من عدد السنين مئينا
مائة حدتها بعدها مائتان لي … وازددت من عدد الشهور سنينا
هل ما بقي الا كما قد فاتنا … يوم يمر وليلة تحدونا
قال ابن هشام: ويروى هذه الأبيات لزهير بن جناب بن هبل. قال السهيليّ: ومن المعمرين الذين جازوا المائتين والثلاثمائة زهير هذا وعبيد بن شربة ودغفل بن حنظلة النسابة والربيع بن ضبع الفزاري وذو الأصبع العدوانيّ ونصر بن دهمان بن أشجع بن ريث بن غطفان، وكان قد اسود شعره بعد ابيضاضه وتقوم ظهره بعد اعوجاجه. وقال: وكان ذو الكعبات لبكر وتغلب بن وائل وأياد بسنداد وله يقول أعشى بن قيس بن ثعلبة:
стр. 531
بين الخورنق والسدير وبارق … والبيت ذو الشرفات من سنداد
وأول هذه القصيدة:
ولقد علمت وأن تطاول بى المدى … أن السبيل سبيل ذي الأعواد
ماذا أؤمل بعد آل محرق … تركوا منازلهم وبعد إياد
نزلوا بأنقرة يسيل عليهم … ماء الفرات يجيء من أطواد
أرض الخورنق والسدير وبارق … والبيت ذو الكعبات من سنداد
جرت الرياح على محل ديارهم … فكأنما كانوا على ميعاد
وارى النعيم وكلما يلهى به … يوما يصير الى بلى ونفاد
قال السهيليّ: الخورنق قصر بناه النعمان الا كبر لسابور ليكون ولده فيه عنده، وبناه رجل يقال له سنمار في عشرين سنة ولم ير بناء أعجب منه فخشي النعمان أن يبنى لغيره مثله فألقاه من أعلاه فقتله ففي ذلك يقول الشاعر:
جزانى جزاه الله شر جزائه … جزاء سنمار وما كان ذا ذنب
سوى رضفه البنيان عشرين حجة … يعد عليه بالقرامد والسكب
فلما انتهى البنيان يوما تمامه … وآض كمثل الطود والباذخ الصعب
رمى بسنمار على حق رأسه … وذاك لعمر الله من أقبح الخطب
قال السهيليّ: أنشده الجاحظ في كتاب الحيوان والسنمار من أسماء القمر والمقصود أن هذه البيوت كلها هدمت. لما جاء الإسلام جهز رسول الله ﷺ إلى كل بيت من هذه سرايا تخربه وإلى تلك الأصنام من كسرها حتى لم يبق للكعبة ما يضاهيها وعبد الله وحده لا شريك له كما سيأتي بيانه وتفصيله في مواضعه إن شاء الله تعالى وبه الثقة.
خبر عدنان جد عرب الحجاز وهو الّذي ينتهى اليه نسب النبي ﷺ
لا خلاف أن عدنان من سلالة إسماعيل بن إبراهيم الخليل ﵉ واختلفوا في عدة الآباء بينه وبين إسماعيل على أقوال كثيرة فأكثر ما قيل أربعون أبا وهو الموجود عند أهل الكتاب أخذوه من كتاب رخيا كاتب أرميا بن حلقيا على ما سنذكره وقيل بينهما ثلاثون وقيل عشرون وقيل خمسة عشر وقيل عشرة وقيل تسعة وقيل سبعة وقيل إن أقل ما قيل في ذلك أربعة لما رواه موسى بن يعقوب عن عبد الله بن وهب بن زمعة الزمعى عن عمته عن أم سلمة عن النبي ﷺ أنه قال معد بن عدنان
стр. 532
ابن أدد بن زند بن اليرى بن اعراق الثرى. قالت: أم سلمة فزند هو الهميسع واليرى هو نابت واعراق الثرى هو إسماعيل لأنه ابن إبراهيم وإبراهيم لم تأكله النار كما أن النار لا تأكل الثرى قال الدارقطنيّ لا نعرف زندا الا في هذا الحديث وزند بن الجون وهو أبو دلامة الشاعر قال الحافظ أبو القاسم السهيليّ وغيره من الأئمة: مدة ما بين عدنان إلى زمن إسماعيل أكثر من أن يكون بينهما أربعة آباء أو عشرة أو عشرون وذلك أن معد بن عدنان كان عمره زمن نصر ثنتى عشرة سنة. وقد ذكر أبو جعفر الطبري وغيره أن الله تعالى أوحى في ذلك الزمان إلى أرمياء بن حلقيا أن اذهب إلى نصر فأعلمه أنى قد سلطته على العرب وأمر الله أرميا أن يحمل معه معد بن عدنان على البراق كي لا تصيبه النقمة فيهم فانى مستخرج من صلبه نبيا كريما أختم به الرسل ففعل أرميا ذلك واحتمل معدا على البراق إلى أرض الشام فنشأ مع بنى إسرائيل ممن بقي منهم بعد خراب بيت المقدس وتزوج هناك امرأة اسمها معانة بنت جوشن من بنى دب بن جرهم قبل أن يرجع إلى بلاده ثم عاد بعد أن هدأت الفتن وتمحضت جزيرة العرب وكان رخيا كاتب أرمياء قد كتب نسبه في كتاب عنده ليكون في خزانة أرمياء فيحفظ نسب معد كذلك والله أعلم. ولهذا كره مالك ﵀ رفع النسب إلى ما بعد عدنان.
قال السهيليّ: وإنما تكلمنا في رفع هذه الأنساب على مذهب من يرى ذلك ولم يكرهه كابن إسحاق والبخاري والزبير بن بكار والطبري وغيرهم من العلماء، وأما مالك ﵀ فقد سئل عن الرجل يرفع نسبه إلى ادم فكره ذلك، وقال له من أين له علم ذلك فقيل له فإلى إسماعيل فأنكر ذلك أيضا وقال ومن يخبره به وكره أيضا أن يرفع في نسب الأنبياء مثل أن يقال إبراهيم بن فلان بن فلان هكذا ذكره المعيطي في كتابه.
قال: وقول مالك هذا نحو مما روى عن عروة بن الزبير أنه قال ما وجدنا أحدا يعرف ما بين عدنان وإسماعيل، وعن ابن عباس أنه قال بين عدنان وإسماعيل ثلاثون أبا لا يعرفون وروى عن ابن عباس أيضا أنه كان إذا بلغ عدنان يقول كذب النسابون مرتين أو ثلاثا والأصح عن ابن مسعود مثله. وقال عمر بن الخطاب انما تنسب الى عدنان، وقال أبو عمر بن عبد البر في كتابه الانباه في معرفة قبائل الرواة روى ابن لهيعة عن أبى الأسود أنه سمع عروة بن الزبير يقول ما وجدنا أحدا يعرف ما وراء عدنان ولا ما وراء قحطان الا تخرصا،. وقال أبو الأسود: سمعت أبا بكر بن سليمان بن أبى خيثمة وكان من أعلم قريش بأشعارهم وأنسابهم يقول ما وجدنا أحدا يعرف ما وراء معد بن عدنان في شعر شاعر ولا علم عالم قال أبو عمر: وكان قوم من السلف منهم عبد الله بن مسعود وعمرو بن ميمون الأزدي ومحمد بن كعب القرظي إذا تلوا ﴿وَالَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ لا يَعْلَمُهُمْ إِلاَّ اللهُ﴾ قالوا كذب النسابون.
стр. 533
قال أبو عمر ﵀: والمعنى عندنا في هذا غير ما ذهبوا والمراد أن من ادعى إحصاء بنى آدم فإنهم لا يعلمهم الا الله الّذي خلقهم وأما أنساب العرب فان أهل العلم بأيامها وأنسابها قد وعوا وحفظوا جماهيرها وأمهات قبائلها واختلفوا في بعض فروع ذلك.
قال أبو عمر: والّذي عليه أئمة هذا الشأن في نسب عدنان قالوا عدنان بن أدد بن مقوم بن ناحور ابن تيرح بن يعرب بن يشجب بن نابت بن إسماعيل بن إبراهيم الخليل ﵉ وهكذا ذكره محمد بن إسحاق بن يسار في السيرة.
قال ابن هشام: ويقال عدنان بن أد يعنى عدنان بن أد بن أدد ثم ساق أبو عمر بقية النسب إلى آدم كما قدمناه في قصة الخليل ﵇. وأما الأنساب إلى عدنان من سائر قبائل العرب فمحفوظة شهيرة جدا لا يتمارى فيها اثنان والنسب النبوي اليه أظهر وأوضح من فلق الصبح وقد ورد حديث مرفوع بالنص عليه كما سنورده في موضعه بعد الكلام على قبائل العرب وذكر أنسابها وانتظامها في سلك النسب الشريف والأصل المنيف إن شاء الله تعالى وبه الثقة وعليه التكلان ولا حول ولا قوة الا بالله العزيز الحكيم. وما أحسن ما نظم النسب النبوي الامام أبو العباس عبد الله بن محمد الناشئ في قصيدته المشهورة المنسوبة اليه وهي قوله:
مدحت رسول الله أبغى بمدحه … وفور حظوظى من كريم المآرب
مدحت امرأ فاق (١) المديح موحدا … بأوصافه عن مبعد ومقارب
نبيا تسامى في المشارق نوره … فلاحت هواديه لأهل المغارب
أتتنا به الأنباء قبل مجيئه … وشاعت به الاخبار في كل جانب
وأصبحت الكهان تهتف باسمه … وتنفى به رجم الظنون الكواذب
وأنطقت الأصنام نطقا تبرأت … الى الله فيه من مقال الاكاذب
وقالت لأهل الكفر قولا مبينا … أتاكم نبي من لؤيّ بن غالب
ورام استراق السمع جن فزيلت … مقاعدهم منها رجوم الكواكب
هدانا الى ما لم نكن نهتدي له … لطول العمى من واضحات المذاهب
وجاء بآيات تبين أنها … دلائل جبار مثيب معاقب
فمنها انشقاق البدر حين تعممت … شعوب الضيا منه رءوس الاخاشب
ومنها نبوع الماء بين بنانه … وقد عدم الورّاد قرب المشارب
فروى به جما غفيرا وأسهلت … باعناقه طوعا أكف المذانب
стр. 534
وبئر طغت بالماء من مس سهمه … ومن قبل لم تسمح بمذقة شارب
وضرع مراه فاستدر ولم يكن … به درة تصغى الى كف حالب
ونطق فصيح من ذراع مبينة … لكيد عدو للعداوة ناصب
وإخباره بالأمر من قبل كونه … وعند بواديه بما في العواقب
ومن تلكم الآيات وحي أتى به … قريب المآتى مستجم العجائب
تقاصرت الأفكار عنه فلم يطع … بليغا ولم يخطر على قلب خاطب
حوى كل علم واحتوى كل حكمة … وفات مرام المستمر الموارب
أتانا به لا عن روية مرتئ … ولا صحف مستمل ولا وصف كاتب
يواتيه طورا في إجابة سائل … وإفتاء مستفت ووعظ مخاطب
وإتيان برهان وفرض شرائع … وقص أحاديث ونص مآرب
وتصريف أمثال وتثبيت حجة … وتعريف ذي جحد وتوقيف كاذب
وفي مجمع النادي وفي حومة الوغى … وعند حدوث المعضلات الغرائب
فيأتى على ما شئت من طرقاته … قويم المعاني مستدر الضرائب
يصدق منه البعض بعضا كأنما … يلاحظ معناه بعين المراقب
وعجز الورى عن ان يجئوا بمثل ما … وصفناه معلوم بطول التجارب
تأبى بعبد الله أكرم والد … تبلج منه عن كريم المناسب
وشيبة ذي الحمد الّذي فخرت به … قريش على أهل العلى والمناصب
ومن كان يستسقى الغمام بوجهه … ويصدر عن آرائه في النوائب
وهاشم الباني مشيد افتخاره … بغر المساعي وامتنان المواهب
وعبد مناف وهو علّم قومه … اشتطاط الأماني واحتكام الرغائب
وإن قصيا من كريم غراسه … لفي منهل لم يدن من كف قاضب
به جمع الله القبائل بعد ما … تقسمها نهب الأكف السوالب
وحل كلاب من ذرى المجد معقلا … تقاصر عنه كل دان وغائب
ومرة لم يحلل مريرة عزمه … سفاه سفيه أو محوبة حائب
وكعب علا عن طالب المجد كعبه … فنال بأدنى السعي أعلا المراتب
وألوى لؤيّ بالعداة فطوعت … له همم الشم الأنوف الأغالب
وفي غالب بأس أبى البأس دونهم … يدافع عنهم كل قرن مغالب
стр. 535
وكانت لفهر في قريش خطابة … يعوذ بها عند اشتجار المخاطب
وما زال منهم مالك خير مالك … وأكرم مصحوب وأكرم صاحب
وللنضر طول يقصر الطرف دونه … بحيث التقى ضوء النجوم الثواقب
لعمري لقد أبدى كنانة قبله … محاسن تأبى إن تطوع لغالب
ومن قبله أبقى خزيمة حمده … تليد تراث عن حميد الأقارب
ومدركة لم يدرك الناس مثله … أعف وأعلى عن دني المكاسب
والياس كان اليأس منه مقارنا … لأعدائه قبل اعتداد الكتائب
وفي مضر يستجمع الفخر كله … إذا اعتركت يوما زحوف المقانب
وحل نزار من رياسة أهله … محلا تسامى عن عيون الرواقب
وكان معد عدة لوليه … إذا خاف من كيد العدو المحارب
وما زال عدنان إذا عد فضله … توحد فيه عن قرين وصاحب
وأد تأدى الفضل منه بغاية … وأرث حواه عن قروم اشايب
وفي أدد حلم تزين بالحجا … إذا الحلم أزهاه قطوب الحواجب
وما زال يستعلى هميسع بالعلى … ويتبع آمال البعيد المراغب
ونبت بنته دوحت العز وابتنى … معاقلة في مشمخر الأهاضب
وحيزت لقيذار سماحة حاتم … وحكمة لقمان وهمة حاجب
هموا نسل إسماعيل صادق وعده … فما بعده في الفخر مسعى لذاهب
وكان خليل الله أكرم من عنت … له الأرض من ماش عليها وراكب
وتارح ما زالت له أريحية … تبين منه عن حميد المضارب
وناحور نحار العدي حفظت له … مآثر لما يحصها عد حاسب
وأشرع في الهيجاء ضيغم غابة … يقد الطلي بالمرهفات القواضب
وأرغو ناب في الحروب محكم … ضنين على نفس المشح المغالب
وما فالغ في فضله تلو قومه … ولا عابر من دونهم في المراتب
وشالخ وارفخشذ وسام سمت بهم … سجايا حمتهم كل زار وعائب
وما زال نوح عند ذي العرش فاضلا … يعدده في المصطفين الأطائب
ولمك أبوه كان في الروع رائعا … جريئا على نفس الكمي المضارب
ومن قبل لمك لم يزل متوشلخ … يذود العدي بالذائدات الشوازب
стр. 536
وكانت لإدريس النبي منازل … من الله لم تقرن بهمة راغب
ويارد بحر عند آل سراته … أبى الخزايا مستدق المآرب
وكانت لمهلائيل فهم فضائل … مهذبة من فاحشات المثالب
وقينان من قبل اقتنى مجد قومه … وفاد بشأو الفضل وخد الركائب
وكان أنوش ناش للمجد نفسه … ونزهها عن مرديات المطالب
وما زال شيث بالفضائل فاضلا … شريفا بريئا من ذميم المعايب
وكلهم من نور آدم اقبسوا … وعن عوده أجنوا ثمار المناقب
وكان رسول الله أكرم منجب … جرى في ظهور الطيبين المناجب
مقابلة آباؤه أمهاته … مبرأة من فاضحات المثالب
عليه سلام الله في كل شارق … الاح لنا ضوءا وفي كل غارب
هكذا أورد القصيدة الشيخ أبو عمر بن عبد البر وشيخنا الحافظ أبو الحجاج المزي في تهذيبه من شعر الأستاذ أبى العباس عبد الله بن محمد الناشي المعروف بابن شرشير أصله من الأنبار ورد بغداد ثم ارتحل الى مصر فأقام بها حتى مات سنة ثلاث وتسعين ومائتين وكان متكلما معتزليا يحكى عنه الشيخ أبو الحسن الأشعري في كتابه المقالات فيما يحكى عن المعتزلة وكان شاعرا مطبقا حتى أن من جملة اقتداره على الشعر كان يعاكس الشعراء في المعاني فينظم في مخالفتهم ويبتكر ما لا يطيقونه من المعاني البديعة والألفاظ البليغة حتى نسبه بعضهم إلى التهوس والاختلاط وذكر الخطيب البغدادي أن له قصيدة على قافية واحدة قريبا من أربعة آلاف بيت ذكرها الناجم وأرخ وفاته كما ذكرنا قلت: وهذه القصيدة تدل على فضيلته وبراعته وفصاحته وبلاغته وعلمه وفهمه وحفظه وحسن لفظه واطلاعه واضطلاعه واقتداره على نظم هذا النسب الشريف في سلك شعره وغوصه على هذه المعاني التي هي جواهر نفيسة من قاموس بحرة فرحمه الله وأثابه وأحسن مصيره وإيابه.
ذكر أصول أنساب قبائل عرب الحجاز الى عدنان
وذلك لأن عدنان ولد له ولدان معد وعك. قال السهيليّ: ولعدنان أيضا ابن اسمه الحارث وآخر يقال له المذهب. قال وقد ذكر أيضا في بنيه الضحاك. وقيل إن الضحاك ابن لمعد لا ابن عدنان.
قال وقيل إن عدن الّذي تعرف به مدينة عدن وكذلك أبين كانا ابنين لعدنان حكاه الطبري فتزوج عك في الأشعريين وسكن في بلادهم من اليمن فصارت لغتهم واحدة فزعم بعض أهل اليمن أنهم منهم فيقولون عك بن عدنان بن عبد الله بن الأزد بن يغوث ويقال عك بن عدنان بن الذيب بن عبد الله
стр. 537
ابن الأسد ويقال الريث بدل الذيب والصحيح ما ذكرنا من أنهم من عدنان. قال عباس بن مرداس
وعك بن عدنان الذين تلعبوا … بغسان حتى طردوا كل مطرد
وأما معد فولد له أربعة نزار وقضاعة وقنص وإياد وكان قضاعة بكرة وبه كان يكنى وقد قدمنا الخلاف في قضاعة ولكن هذا هو الصحيح عند ابن إسحاق وغيره والله أعلم.
وأما قنص فيقال انهم هلكوا ولم يبق لهم بقية إلا أن النعمان بن المنذر الّذي كان نائبا لكسرى على الحيرة كان من سلالته على قول طائفة من السلف وقيل بل كان من حمير كما تقدم والله أعلم.
وأما نزار فولد له ربيعة ومضر وأنمار قال ابن هشام واياد بن نزار كما قال الشاعر:
وفتو حسن أوجههم … من اياد بن نزار بن معد
قال واياد ومضر شقيقان أمهما سودة بنت عك بن عدنان وأم ربيعة وأنمار شقيقة بنت عك بن عدنان. ويقال جمعة بنت عك بن عدنان: قال ابن إسحاق فاما أنمار فهو والد خثعم وبجيلة قبيلة جرير ابن عبد الله البجلي قال وقد تيامنت فلحقت باليمن. قال ابن هشام: وأهل اليمن يقولون أنمار بن أراش ابن لحيان بن عمرو بن الغوث بن نبت بن مالك بن زيد بن كهلان بن سبإ قلت والحديث المتقدم في ذكر سبإ يدل على هذا والله أعلم.
قالوا: وكان مضر أول من حدا وذلك لأنه كان حسن الصوت فسقط يوما عن بعيره فوثبت يده فجعل يقول وا يدياه وا يدياه فاعنقت الإبل لذلك. قال ابن إسحاق: فولد مضر بن نزار رجلين الياس وعيلان وولد لإلياس مدركة وطابخة وقمعة وأمهم خندف بنت عمران بن الحاف بن قضاعة قال ابن إسحاق وكان اسم مدركة عامرا واسم طابخة عمرا ولكن اصطاد صيدا فبينا هما يطبخانه إذ نفرت الإبل فذهب عامر في طلبها حتى أدركها وجلس الآخر يطبخ فلما راحا على أبيهما ذكرا له ذلك فقال لعامر أنت مدركة وقال لعمرو أنت طابخة قال وأما قمعة فيزعم نساب مضر ان خزاعة من ولد عمرو ابن لحي بن قمعة بن الياس قلت والأظهر أنه منهم لا والدهم وأنهم من حمير كما تقدم والله أعلم.
قال ابن إسحاق: فولد مدركة خزيمة وهذيل وأمهما امرأة من قضاعة وولد خزيمة كنانة وأسدا وأسدة والهون وزاد أبو جعفر الطبري (١) في أبناء كنانة على هؤلاء الأربعة عامرا والحارث والنضير
стр. 538
وغنما وسعدا وعوفا وجرولا والحدال وغزوان. قال وولد كنانة النضر ومالكا وعبد مناة وملكان
الكلام على قريش نسبا واشتقاقا وفضلا وهم بنو النضر بن كنانة
قال ابن إسحاق: وأم النضر برة بنت مرّ بن أد بن طابخة وسائر بنيه لامرأة أخرى وخالفه ابن هشام فجعل برة بنت مرأم النضر ومالك وملكان. وأم عبد مناة هالة بنت سويد بن الغطريف من من أزد شنوءة. قال ابن هشام: النضر هو قريش فمن كان من ولده فهو قرشي ومن لم يكن من ولده فليس بقرشيّ. وقال ويقال فهر بن مالك هو قريش فمن كان من ولده فهو قرشي ومن لم يكن من ولده فليس بقرشيّ. وهذان القولان قد حكاهما غير واحد من أئمة النسب كالشيخ أبى عمر بن عبد البر والزبير بن بكار ومصعب وغير واحد. قال أبو عبيد وابن عبد البر: والّذي عليه الأكثرون أنه النضر بن كنانة لحديث الأسعد بن قيس قلت وهو الّذي نص عليه هشام بن محمد بن السائب الكلبي وأبو عبيدة معمر بن المثنى وهو جادة مذهب الشافعيّ ﵁. ثم اختار أبو عمر أنه فهر بن مالك واحتج بانه ليس أحد اليوم ممن ينتسب إلى قريش إلا وهو يرجع في نسبه إلى فهر بن مالك ثم حكى اختيار هذا القول عن الزبير بن بكار ومصعب الزبيري وعلى بن كيسان قال واليهم المرجع في هذا الشان وقد قال الزبير بن بكار وقد أجمع نساب قريش وغيرهم أن قريشا إنما تفرقت من فهر بن مالك والّذي عليه من أدركت من نساب قريش أن ولد فهر بن مالك قرشي وان من جاوز فهر بن مالك بنسبه فليس من قريش ثم نصر هذا القول نصرا عزيزا وتحامى له بأنه ونحوه أعلم بأنساب قومهم وأحفظ لما آثرهم وقد
روى البخاري من حديث كليب بن وائل قال قلت لربيبة النبي ﷺ يعنى زينب في حديث ذكره أخبرينى عن النبي ﷺ أكان من مضر قالت فممن كان إلا من مضر من بنى النضر بن كنانة.
وقال الطبراني ثنا إبراهيم بن نائلة الأصبهاني حدثنا إسماعيل بن عمرو البجلي ثنا الحسن بن صالح عن أبيه عن الجشيش (١) الكندي قال جاء قوم من كندة إلى رسول الله ﷺ فقالوا أنت منا وادعوه فقال لا، نحن بنو النضر بن كنانة لا نقف أمنا ولا ننتفى من أبينا.
وقال الامام أبو عثمان سعيد بن يحيى بن سعيد ثنا أبى ثنا الكلبي عن أبى صالح عن ابن عباس
стр. 539
قال جاء رجل من كندة يقال له الجشيش الى النبي ﷺ فقال يا رسول الله إنا نزعم ان عبد مناف منا فاعرض عنه ثم عاد فقال مثل ذلك ثم أعرض عنه ثم عاد فقال مثل ذلك فقال النبي ﷺ نحن بنو النضر بن كنانة لا نقف أمنا ولا ننتفى من أبينا فقال الأشعث ألا كنت سكت من المرة الاولى فأبطل ذلك قولهم على لسان نبيه ﷺ وهذا غريب أيضا من هذا الوجه والكلبي ضعيف والله أعلم.
وقد
قال الامام احمد حدثنا بهز وعفان قالا ثنا حماد بن سلمة. قال ثنى عقيل بن أبى طلحة وقال عفان عقيل بن طلحة السلمي عن مسلم بن الهيصم عن الأشعث بن قيس أنه قال أتيت رسول الله ﷺ في وفد كندة. قال عفان - لا يرونى أفضلهم قال فقلت يا رسول الله إنا نزعم أنكم منا قال فقال رسول الله ﷺ نحن بنو النضر بن كنانة لا نقف أمنا ولا ننتفى من أبينا. قال فقال الأشعث بن قيس فو الله لا أسمع أحدا نفى قريشا من النضر بن كنانة إلا جلدته الحد. وهكذا رواه ابن ماجة من طرق عن حماد ابن سلمة به وهذا إسناد جيد قوى وهو فيصل في هذه المسألة فلا التفات الى قول من خالفه والله أعلم ولله الحمد والمنة. وقد قال جرير بن عطية التميمي يمدح هشام بن عبد الملك بن مروان:
فما الأم التي ولدت قريشا … بمقرفة النجار ولا عقيم
وما قرم بأنجب من أبيكم … ولا خال بأكرم من تميم
قال ابن هشام: يعنى أم النضر بن كنانة وهي برة بنت مرّ أخت تميم بن مر.
وأما اشتقاق قريش فقيل من التقرش وهو التجمع بعد التفرق وذلك في زمن قصي بن كلاب فإنهم كانوا متفرقين فجمعهم بالحرم كما سيأتي بيانه وقد قال حذافة بن غانم العدوي:
أبوكم قصي كان يدعى مجمّعا … به جمع الله القبائل من فهر
وقال بعضهم: كان قصي يقال له قريش قيل من التجمع والتقرش التجمع كما قال أبو خلدة اليشكري:
اخوة قرشوا الذنوب علينا … في حديث من دهرنا وقديم
وقيل سميت قريش من التقرش وهو التكسب والتجارة حكاه ابن هشام ﵀. وقال الجوهري القرش الكسب والجمع وقد قرش يقرش قال الفراء وبه سميت قريش وهي قبيلة وأبوهم النضر بن كنانة فكل من كان من ولده فهو قرشي دون ولد كنانة فما فوقه. وقيل من التفتيش قال هشام بن الكلبي كان النضر بن كنانة تسمى قريشا لأنه كان يقرش عن خلة الناس وحاجتهم فيسدها بماله والتقريش هو التفتيش وكان بنوه يقرشون أهل الموسم عن الحاجة فيرفدونهم بما يبلغهم بلادهم فسموا بذلك من فعلهم وقرشهم قريشا وقد قال الحارث بن حازة في بيان أن التقرش التفتيش:
أيها الناطق المقرّش عنا … عند عمرو فهل له إبقاء
حكى ذلك الزبير بن بكار وقيل قريش تصغير قرش وهو دابة في البحر قال بعض الشعراء:
стр. 540
وقريش هي التي تسكن البحر … بها سميت قريش قريشا
قال البيهقي: أخبرنا أبو نصر بن قتادة أنا أبو الحسن على بن عيسى الماليني حدثنا محمد بن الحسن بن الخليل النسوي أن أبا كريب حدثهم حدثنا وكيع بن الجراح عن هشام بن عروة عن أبيه عن أبى ركانة العامري أن معاوية قال لابن عباس فلم سميت قريش قريشا؟ فقال لدابة تكون في البحر تكون أعظم دوابه فيقال لها القرش لا تمر بشيء من الغث والسمين إلا أكلته. قال فأنشدنى في ذلك شيئا فأنشده شعر الجمحيّ إذ يقول:
وقريش هي التي تسكن البحر … بها سميت قريش قريشا
تأكل الغث والسمين ولا … تتركنّ لذي الجناحين ريشا
هكذا في البلاد حىّ قريش … يأكلون البلاد أكلا كميشا
ولهم آخر الزمان نبي … يكثر القتل فيهم والخموشا
وقيل سموا بقريش بن الحارث بن يخلد بن النضر بن كنانة وكان دليل بنى النضر وصاحب ميرتهم فكانت العرب تقول قد جاءت عير قريش قالوا وابن بدر بن قريش هو الّذي حفر البئر المنسوبة اليه التي كانت عندها الوقعة العظمى يوم الفرقان يوم التقى الجمعان والله أعلم.
ويقال في النسبة إلى قريش قرشي وقريشي قال الجوهري وهو القياس. قال الشاعر:
لكل قريشي عليه مهابة … سريع إلى داعي الندا والتكرم
قال فإذا أردت بقريش الحي صرفته وإن أردت القبيلة منعته قال الشاعر في ترك الصرف:
وكفى قريش المعضلات وسادها (١)
وقد
روى مسلم في صحيحه من حديث أبى عمر والأوزاعي قال حدثني شداد أبو عمار حدثني واثلة ابن الأسقع قال قال رسول الله ﷺ : «إن الله اصطفى كنانة من ولد إسماعيل واصطفى قريشا من كنانة واصطفى هاشما من قريش واصطفاني من بنى هاشم». قال أبو عمر بن عبد البر يقال بنو عبد المطلب فصيلة رسول الله ﷺ وبنو هاشم فخذه وبنو عبد مناف بطنه وقريش عمارته وبنو كنانة قبيلته ومضر شعبه صلوات الله وسلامه عليه دائما إلى يوم الدين.
ثم قال ابن إسحاق: فولد النضر بن كنانة مالكا ومخلدا قال ابن هشام والصلت وأمهم جميعا بنت سعد بن الظرب العدوانيّ. قال كثير بن عبد الرحمن وهو كثير عزّة أحد بنى مليح بن عمرو من خزاعة:
стр. 541
أليس أبى بالصلت أم ليس اخوتى … لكل هجان من بنى النضر أزهرا
رأيت ثياب الغصب مختلط السدي … بنا وبهم والحضرميّ المخصرا
فان لم تكونوا من بنى النضر فاتركوا … أراكا بأذناب الفوائج أخضرا
قال ابن هشام: وبنو مليح بن عمرو يعزون إلى الصلت بن النضر.
قال ابن إسحاق: فولد مالك بن النضر فهر بن مالك وأمه جندلة بنت الحارث بن مضاض الأصغر وولد فهر غالبا ومحاربا والحارث وأسدا وأمهم ليلى بنت سعد بن هذيل بن مدركة.
قال ابن هشام: وأختهم لأبيهم جندلة بنت فهر. قال ابن إسحاق: فولد غالب بن فهر لؤيّ بن غالب وتيم بن غالب وهم الذين يقال لهم بنو الأدرم وأمهما سلمى بنت عمرو الخزاعي. قال ابن هشام وقيس بن غالب وأمه سلمى بنت كعب بن عمرو الخزاعي وهي أم لوى قال ابن إسحاق فولد لؤيّ بن غالب أربعة نفر كعبا وعامرا وسامة وعوفا. قال ابن هشام ويقال والحارث وهم جشم بن الحارث في هزان من ربيعة وسعد بن لؤيّ وهما بنانة في شيبان بن ثعلبة وبنانة حاضنة لهم وخزيمة بن لؤيّ وهم عائذة في شيبان بن ثعلبة.
ثم ذكر ابن إسحاق خبر سامة بن لؤيّ وأنه خرج الى عمان فكان بها وذلك لشنآن كان بينه وبين أخيه عامر فأخافه عامر فخرج عنه هاربا الى عمان وأنه مات بها غريبا وذلك أنه كان يرعى (١) ناقته فعلقت حية بمشفرها فوقعت لشقها ثم نهشت الحية سامة حتى قتلته فيقال إنه كتب بإصبعه على الأرض:
عين فابكى لسامة بن لؤيّ … علقت ما بسامة العلاّقه
لا أرى مثل سامة بن لؤيّ … يوم حلّوا به قتيلا لناقه
بلغا عامرا وكعبا رسولا … أن نفسي اليهما مشتاقه
إن تكن في عمان داري فانى … غالبي خرجت من غير فاقة
رب كأس هرقت يا ابن لؤيّ … حذر الموت لم تكن مهراقه
رمت دفع الحتوف يا بن لؤيّ … ما لمن رام ذاك بالحتف طاقة
وخروس السري تركت رزيا … بعد جد وحدة ورشاقه
قال ابن هشام: وبلغني أن بعض ولده أتى رسول الله ﷺ فانتسب الى سامة بن لؤيّ فقال له رسول الله ﷺ : «الشاعر فقال له بعض أصحابه كأنك يا رسول الله أردت قوله»؟
ربّ كأس هرقت يا بن لؤيّ … حذر الموت لم تكن مهراقه
стр. 542
فقال أجل: وذكر السهيليّ عن بعضهم أنه لم يعقب. وقال الزبير ولد أسامة بن لؤيّ غالبا والنبيت والحارث قالوا وكانت له ذرية بالعراق يبغضون عليا ومنهم على بن الجعد كان يشتم أباه لكونه سماه عليا ومن بنى سامة بن لؤيّ محمد بن عرعرة بن اليزيد شيخ البخاري.
وقال ابن إسحاق: وأما عوف بن لؤيّ فإنه خرج فيما يزعمون في ركب من قريش حتى إذا كان بأرض غطفان بن سعد بن قيس بن عيلان أبطئ به فانطلق من كان معه من قومه فأتاه ثعلبة بن سعد وهو أخوه في نسب بنى ذبيان فحبسه وزوجه والتاطه وآخاه فشاع نسبه في ذبيان وثعلبة فيما يزعمون.
قال ابن إسحاق: وحدثني محمد بن جعفر بن الزبير أو محمد بن عبد الرحمن بن عبد الله بن الحصين أن عمر بن الخطاب قال لو كنت مدعيا حيا من العرب أو ملحقهم بنا لادعيت بنى مرة بن عوف إنا لنعرف منهم الأشباه مع ما نعرف من موقع ذلك الرجل حيث وقع يعنى عوف بن لؤيّ.
قال ابن إسحاق: وحدثني من لا أتهم أن عمر بن الخطاب قال لرجال منهم من بنى مرة إن شئتم أن ترجعوا الى نسبكم فارجعوا اليه. قال ابن إسحاق: وكان القوم أشرافا في غطفان هم سادتهم وقادتهم قوم لهم صيت في غطفان وقيس كلها فأقاموا على نسبهم قالوا وكانوا يقولون إذا ذكر لهم نسبهم ما ننكره وما نجحده وإنه لأحب النسب إلينا ثم ذكر أشعارهم في انتمائهم الى لؤيّ قال ابن إسحاق: وفيهم كان البسل وهو تحريم ثمانية أشهر لهم من كل سنة من بين العرب وكانت العرب تعرف لهم ذلك ويأمنونهم فيها ويؤمنونهم أيضا قلت: وكانت ربيعة ومضر إنما يحرمون أربعة أشهر من السنة وهي ذو القعدة وذو الحجة والمحرم واختلفت ربيعة ومضر في الرابع وهو رجب فقالت: مضر هو الّذي بين جمادى وشعبان وقالت ربيعة هو الّذي بين شعبان وشوال وقد ثبت
في الصحيحين عن أبى بكرة أن رسول الله ﷺ قال في خطبة حجة الوداع: «إن الزمان قد استدار كهيئته يوم خلق السموات والأرض السنة اثنا عشر شهرا منها أربعة حرم ثلاث متواليات ذو القعدة وذو الحجة والمحرم ورجب مضر الّذي بين جمادى وشعبان» فنص على ترجيح قول مضر لا ربيعة وقد قال الله «إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللهِ اِثْنا عَشَرَ شَهْراً فِي كِتابِ اللهِ يَوْمَ خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ مِنْها أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ» فهذا رد على بنى عوف بن لؤيّ في جعلهم الأشهر الحرم ثمانية فزادوا على حكم الله وأدخلوا فيه ما ليس منه وقوله في الحديث ثلاث متواليات رد على أهل النسيء الذين كانوا يؤخرون تحريم المحرم الى صفر. وقوله فيه ورجب مضر رد على ربيعة. قال ابن إسحاق: فولد كعب بن لؤيّ ثلاثة، مرة، وعديا، وهصيصا وولد مرة، ثلاثة أيضا كلاب بن مرة، وتيم بن مرة، ويقظة بن مرة من أمهات ثلاث. قال وولد كلاب رجلين قصي بن كلاب وزهرة بن كلاب وأمهما فاطمة بنت سعد بن سيل أحد الجدرة من جعثمة الأسد من اليمن حلفاء بنى الديل بن بكر بن عبد مناة بن كنانة وفي أبيها يقول الشاعر:
стр. 543
ما نرى في الناس شخصا واحدا … من علمناه كسعد بن سيل
فارسا أضبط فيه عسرة … وإذا ما واقف القرن نزل
فارسا يستدرج الخيل كما … استدرج الحر القطامي الحجل
قال السهيليّ: سيل اسمه خير بن جمالة وهو أول من طليت (١) له السيوف بالذهب والفضة.
قال ابن إسحاق: وانما سموا الجدرة لأن عامر بن عمرو بن خزيمة بن جعثمة تزوج بنت الحارث بن مضاض الجرهميّ وكانت جرهم إذ ذاك ولاة البيت فبنى للكعبة جدارا فسمى عامر بذلك الجادر فقيل لولده الجدرة لذلك.
خبر قصي بن كلاب وما كان من أمره في ارتجاعه ولاية البيت الى قريش وانتزاعه ذلك من خزاعة واجتماع قريش الى الحرم الّذي جعله الله أمنا للعباد بعد تفرقها في البلاد وتمزقها في الجبال والمهاد
وذلك أنه لما مات أبوه كلاب تزوج أمه ربيعة بن حرام من عذرة وخرج بها وبه الى بلاده ثم قدم قصي مكة وهو شاب فتزوج حبي ابنة رئيس خزاعة حليل بن حبشية (٢). فاما خزاعة فزعم أن حليلا أوصى الى قصي بولاية البيت لما رأى من كثرة نسله من ابنته وقال أنت أحق بذلك منى. قال
стр. 544
ابن إسحاق: ولم نسمع ذلك إلا منهم وأما غيرهم فإنهم يزعمون أنه استغاث بإخوته من أمه وكان رئيسهم رزاح بن ربيعة وإخوته وبنى كنانة وقضاعة ومن حول مكة من قريش وغيرهم فاجلاهم عن البيت واستقل هو بولاية البيت لأن اجازة الحجيج كانت الى صوفة وهم بنو الغوث بن مر بن أد بن طابخة بن الياس بن مضر فكان الناس لا يرمون الجمار حتى يرموا ولا ينفرون من منى حتى ينفروا فلم يزل كذلك فيهم حتى انقرضوا فورثهم ذلك بالقعدد بنو سعد بن زيد مناة بن تميم فكان أولهم صفوان بن الحارث ابن شجنة بن عطارد بن عوف بن كعب بن سعد بن زيد مناة بن تميم وكان ذلك في بيته حتى قام على آخرهم الإسلام وهو كرب بن صفوان. وكانت الاجازة من المزدلفة في عدوان حتى قام الإسلام على آخرهم وهو أبو سيارة عميلة بن الأعزل وقيل اسمه العاص واسم الأعزل خالد وكان يجيز بالناس على أتان له عوراء مكث يدفع عليها في الموقف أربعين سنة وهو أول من جعل الدية مائة وأول من كان يقول أشرق ثبير كيما نغير حكاه السهيليّ.
وكان عامر بن الظرب العدوانيّ لا يكون بين العرب نائرة الا تحاكموا اليه فيرضون بما يقضى به فتحاكموا اليه مرة في ميراث خنثى فبات ليلته ساهرا يتروى ماذا يحكم به فرأته جارية له كانت ترعى عليه غنمه اسمها سخيلة فقالت له مالك لا ابالك الليلة ساهرا؟ فذكر لها ما هو مفكر فيه وقال لعلها يكون عندها في ذلك شيء فقالت اتبع القضاء المبال فقال فرجتها والله يا سخيلة وحكم بذلك.
قال السهيليّ: وهذا الحكم من باب الاستدلال بالأمارات والعلامات وله أصل في الشرع قال الله تعالى ﴿وَجاؤُ عَلى قَمِيصِهِ بِدَمٍ كَذِبٍ﴾ حيث لا أثر لأنياب الذئب فيه وقال تعالى ﴿إِنْ كانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِنْ قُبُلٍ فَصَدَقَتْ وَهُوَ مِنَ الْكاذِبِينَ * وَإِنْ كانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِنْ دُبُرٍ فَكَذَبَتْ وَهُوَ مِنَ الصّادِقِينَ﴾. وفي الحديث انظروها فان جاءت به أورق جعدا جماليا فهو للذي رميت به. قال ابن إسحاق: وكان النسيء في بنى فقيم بن عدي بن عامر بن ثعلبة بن الحارث بن مالك بن كنانة بن خزيمة بن مدركة بن الياس بن مضر. قال ابن إسحاق: وكان أول من نسأ الشهور على العرب القلمّس وهو حذيفة بن عبد بن فقيم ابن عدي ثم قام بعده ابنه عباد ثم قلع بن عباد ثم أمية بن قلع ثم عوف بن أمية ثم كان آخرهم أبو ثمامة جنادة بن عوف بن قلع بن عباد بن حذيفة وهو القلمس فعلى أبى ثمامة قام الإسلام وكانت العرب إذا فرغت من حجها اجتمعت اليه فخطبهم فحرم الأشهر الحرم فإذا أراد أن يحل منها شيئا أحل المحرم وجعل مكانه صفرا ليواطئوا عدة ما حرم الله فيقول: (اللهمّ إني أحللت أحد الصفرين الصفر الأول وانسأت الآخر للعام المقبل) فتتبعه العرب في ذلك ففي ذلك يقول عمير بن قيس أحد بنى فراس بن غنم ابن مالك بن كنانة ويعرف عمير بن قيس هذا بجدل الطعان:
لقد علمت معد أن قومي … كرام الناس أن لهم كراما
стр. 545
فأي الناس فاتونا بوتر … وأي الناس لم نعلك لجاما
ألسنا الناسئين على معد … شهور الحل نجعلها حراما
وكان قصي في قومه سيدا رئيسا مطاعا معظما والمقصود أنه جمع قريشا من متفرقات مواضعهم من جزيرة العرب واستعان بمن أطاعه من أحياء العرب على حرب خزاعة واجلائهم عن البيت وتسليمه الى قصي فكان بينهم قتال كثيرة ودماء غزيرة ثم تداعوا الى التحكيم فتحاكموا الى يعمر بن عوف بن كعب ابن عامر بن ليث بن بكر بن عبد مناة بن كنانة فحكم بان قصيا أولى بالبيت من خزاعة وان كل دم أصابه قصي من خزاعة وبنى بكر موضوع بشدخه تحت قدميه وأن ما أصابته خزاعة وبنو بكر من قريش وكنانة وقضاعة ففيه الدية مؤداة وأن يخلى بين قصي وبين مكة والكعبة فسمى يعمر يومئذ الشداخ.
قال ابن إسحاق: فولى قصي البيت وأمر مكة وجمع قومه من منازلهم الى مكة وتملك على قومه وأهل مكة فملكوه الا أنه أقر العرب على ما كانوا عليه لانه يرى ذلك دينا في نفسه لا ينبغي تغييره فأقر آل صفوان وعدوان والنسأة ومرة بن عوف على ما كانوا عليه حتى جاء الإسلام فهدم الله به ذلك كله قال فكان قصي أول بنى كعب أصاب ملكا أطاع له به قومه وكانت اليه الحجابة والسقاية والرفادة والندوة واللواء فحاز شرف مكة كله وقطع مكة رباعا بين قومه فانزل كل قوم من قريش منازلهم من مكة.
قلت: فرجع الحق الى نصابه، ورد شارد العدل بعد إيابه، واستقرت بقريش الدار، وقضت من خزاعة المراد والأوطار، وتسلمت بيتهم العتيق القديم لكن بما أحدثت خزاعة من عبادة الأوثان ونصبها إياها حول الكعبة ونحرهم لها وتضرعهم عندها واستنصارهم بها وطلبهم الرزق منها وأنزل قصي قبائل قريش أباطح مكة وأنزل طائفة منهم ظواهرها فكان يقال قريش البطاح وقريش الظواهر فكانت لقصي بن كلاب جميع الرئاسة من حجابة البيت وسدانته واللواء وبنى دارا لازاحة الظلمات وفصل الخصومات سماها دار الندوة إذا أعضلت قضية اجتمع الرؤساء من كل قبيلة فاشتوروا فيها وفصلوها ولا يعقد عقد لواء ولا عقد نكاح الا بها ولا تبلغ جارية أن تدرع فتدرع الا بها وكان باب هذه الدار الى المسجد الحرام ثم صارت هذه الدار فيما بعد الى حكيم بن حزام بعد بنى عبد الدار فباعها في زمن معاوية بمائة ألف درهم فلامه على بيعها معاوية، وقال بعت شرف قومك بمائة ألف؟ فقال انما الشرف اليوم بالتقوى والله لقد ابتعتها في الجاهلية بزق خمر وها أنا قد بعتها بمائة ألف وأشهدكم أن ثمنها صدقة في سبيل الله فأينا المغبون ذكره الدارقطنيّ في أسماء رجال الموطأ وكانت اليه سقاية الحجيج فلا يشربون الا من ماء حياضه وكانت زمزم إذ ذاك مطموسة من زمن جرهم قد تناسوا أمرها من تقادم عهدها ولا يهتدون الى موضعها قال الواقدي: وكان قصي أول من أحدث وقيد النار بالمزدلفة ليهتدى اليها من يأتى من عرفات والرفادة وهي إطعام الحجيج أيام الموسم الى أن يخرجوا راجعين الى بلادهم.
стр. 546
قال ابن إسحاق: وذلك أن قصيا فرضه عليهم فقال لهم يا معشر قريش إنكم جيران الله وأهل مكة وأهل الحرم وأن الحجاج ضيف الله وزوار بيته وهم أحق بالضيافة فاجعلوا لهم طعاما وشرابا أيام الحج حتى يصدروا عنكم ففعلوا فكانوا يخرجون لذلك في كل عام من أموالهم خرجا فيدفعونه اليه فيصنعه طعاما للناس أيام منى فجرى ذلك من أمره في الجاهلية حتى قام الإسلام ثم جرى في الإسلام الى يومك هذا فهو الطعام الّذي يصنعه السلطان كل عام بمنى للناس حتى ينقضي الحج.
قلت: ثم انقطع هذا بعد ابن إسحاق ثم أمر بإخراج طائفة من بيت المال فيصرف في حمل زاد وماء لأبناء السبيل القاصدين الى الحج وهذا صنيع حسن من وجوه يطول ذكرها ولكن الواجب أن يكون ذلك من خالص بيت المال من أحل ما فيه والاولى أن يكون من جوالى الذمة لانهم لا يحجون البيت العتيق وقد جاء في الحديث * من استطاع الحج فلم يحج فليمت إن شاء يهوديا أو نصرانيا.
وقال قائلهم في مدح قصي وشرفه في قومه:
قصي لعمري كان يدعى مجمعا … به جمع الله القبائل من فهر
هموا ملئوا البطحاء مجدا وسؤددا … وهم طردوا عنا غواة بنى بكر
قال ابن إسحاق: ولما فرغ قصي من حربه انصرف أخوه رزاح بن ربيعة الى بلاده بمن معه واخوته من أبيه الثلاثة وهم حن ومحمود وجلهمة. قال رزاح في اجابته قصيا:
ولما أتى من قصي رسول … فقال الرسول أجيبوا الخليلا
نهضنا اليه نقود الجياد … ونطرح عنا الملول الثقيلا
نسير بها الليل حتى الصبا … ح ونكمى النهار لئلا نزولا
فهنّ سراع كورد القطا … يجبن بنا من قصي رسولا
جمعنا من السر من اشمذين (١) … ومن كل حي جمعنا قبيلا
فيا لك حلبة ما ليلة … تزيد على الالف سيبا رسيلا
فلما مررن على عسجر … وأسهلن من مستناخ سبيلا
وجاوزن بالركن من ورقان … وجاوزن بالعرج حيا حلولا
مررن على الحلي ما ذقنه … وعالجن من مر ليلا طويلا
ندنى من العوذ أفلاءها … ارادة أن يسترقن الصهيلا
فلما انتهينا الى مكة … أبحنا الرجال قبيلا قبيلا
نعاورهم ثم حد السيوف … وفي كل أوب خلسنا العقولا
стр. 547
نخبزهم (١) بصلاب النسور … خبز القوى العزيز الذليلا
قتلنا خزاعة في دارها … وبكرا قتلنا وجيلا فجيلا
نفيناهم من بلاد المليك … كما لا يحلون أرضا سهولا
فأصبح سيبهم في الحديد … ومن كل حي شفينا الغليلا
قال ابن إسحاق: فلما رجع رزاح الى بلاده نشره الله ونشر حنا، فهما قبيلا عذرة الى اليوم.
قال ابن إسحاق: وقال قصي بن كلاب في ذلك:
أنا ابن العاصمين بنى لؤيّ … بمكة منزلي وبها ربيت
الى البطحاء قد علمت معد … ومروتها رضيت بها رضيت
فلست لغالب أن لم تأثل … بها أولاد قيذر والنبيت
رزاح ناصري وبه أسامى … فلست أخاف ضيما ما حييت
وقد ذكر الأموي عن الاشرم عن أبى عبيدة عن محمد بن حفص: أن رزاحا انما قدم بعد ما نفى قصي خزاعة والله أعلم.
فصل
ثم لما كبر قصي فوض أمر هذه الوظائف التي كانت اليه من رئاسات قريش وشرفها من الرفادة والسقاية والحجابة واللواء والندوة الى ابنه عبد الدار وكان أكبر ولده. وانما خصصه بها كلها لأن بقية إخوته عبد مناف وعبد الشمس وعبدا كانوا قد شرفوا في زمن أبيهم وبلغوا في قوتهم شرفا كبيرا فأحب قصي أن يلحق بهم عبد الدار في السؤدد فخصصه بذلك فكان إخوته لا ينازعونه في ذلك فلما انقرضوا تشاجر أبناؤهم في ذلك وقالوا انما خصص قصي عبد الدار بذلك ليلحقه بإخوته فنحن نستحق ما كان آباؤنا يستحقونه وقال بنو عبد الدار هذا أمر جعله لنا قصي فنحن أحق به واختلفوا اختلافا كثيرا وانقسمت بطون قريش فرقتين ففرقة بايعت عبد الدار وحالفتهم وفرقة بايعت بنى عبد مناف وحالفوهم على ذلك ووضعوا أيديهم عند الحلف في جفنة فيها طيب ثم لما قاموا مسحوا أيديهم بأركان الكعبة فسموا حلف المطيبين. وكان منهم من قبائل قريش بنو أسد بن عبد العزى بن قصي وبنو زهرة وبنو تيم وبنو الحارث بن فهر وكان مع بنى عبد الدار بنو مخزوم وبنو سهم وبنو جمح وبنو عدي واعتزلت بنو عامر ابن لؤيّ ومحارب بن فهر الجميع فلم يكونوا مع واحد منهما ثم اصطلحوا واتفقوا على أن تكون الرفادة والسقاية لبني عبد مناف وان تستقر الحجابة واللواء والندوة في بنى عبد الدار فانبرم الأمر على ذلك واستمر.
стр. 548
وحكى الأموي عن الاشرم عن أبى عبيدة قال: وزعم قوم من خزاعة أن قصيا لما تزوج حبي بنت حليل ونقل حليل عن ولاية البيت جعلها الى ابنته حبي واستناب عنها أبا غبشان سليم بن عمرو بن لؤيّ ابن ملكان بن قصي بن حارثة بن عمرو بن عامر فاشترى قصي ولاية البيت منه بزق خمر وقعود فكان يقال (أخسر من صفقة أبى غبشان) ولما رأت خزاعة ذلك اشتدوا على قصي فاستنصر أخاه فقدم بمن معه وكان ما كان ثم فوض قصي هذه الجهات التي كانت اليه من السدانة والحجابة واللواء والندوة والرفادة والسقاية الى ابنه عبد الدار كما سيأتي تفصيله وإيضاحه وأقر الاجازة من مزدلفة في بنى عدوان وأقر النسيء في فقيم وأقر الاجازة وهو النفر في صوفة كما تقدم بيان ذلك كله مما كان بأيديهم قبل ذلك.
قال ابن إسحاق: فولد قصي أربعة نفر وامرأتين عبد مناف وعبد الدار وعبد العزى وعبدا وتخمر وبرة، وأمهم كلهم حبي بنت حليل بن حبشية بن سلول بن كعب بن عمرو الخزاعي وهو آخر من ولى البيت من خزاعة ومن يده أخذ البيت قصي بن كلاب. قال ابن هشام: فولد عبد مناف بن قصي أربعة نفر هاشما وعبد شمس والمطلب وأمهم عاتكة بنت مرة بن هلال ونوفل بن عبد مناف وأمه واقدة بنت عمرو المازنية. قال ابن هشام: وولد لعبد مناف أيضا أبو عمرو وتماضر وقلابة وحية وريطة وأم الاخثم وأم سفيان قال ابن هشام: وولد هاشم بن عبد مناف أربعة نفر وخمس نسوة عبد المطلب وأسدا وأبا صيفي ونضلة والشفا وخالدة وضعيفة ورقية وحية فأم عبد المطلب ورقية سلمى بنت عمرو بن زيد بن لبيد بن خداش ابن عامر بن غنم بن عدي بن النجار من المدينة وذكر أمهات الباقين قال وولد عبد المطلب عشرة نفر وست نسوة وهم العباس وحمزة وعبد الله وأبو طالب واسمه عبد مناف لا عمران والزبير والحارث وكان بكر أبيه وبه كان يكنى وجحل ومنهم من يقول حجل وكان يلقب بالغيداق لكثرة خيره والمقوم وضرار وأبو لهب واسمه عبد العزى وصفية وأم حكيم البيضاء وعاتكة وأميمة وأروى وبرة وذكر أمهاتهم الى أن قال وأم عبد الله وأبى طالب والزبير وجميع النساء إلا صفية فاطمة بنت عمرو بن عائذ بن عمران ابن مخزوم بن يقظة بن مرة بن كعب بن لؤيّ بن غالب بن فهر بن مالك بن النضر بن كنانة بن خزيمة بن مدركة بن إلياس بن مضر بن نزار بن معد بن عدنان قال فولد عبد الله محمدا رسول الله ﷺ سيد ولد آدم وأمه آمنة بنت وهب بن عبد مناف بن زهرة بن كلاب بن مرة بن كعب بن لؤيّ ثم ذكر أمهاتها فأغرق إلى أن قال فهو أشرف ولد آدم حسبا وأفضلهم نسبا من قبل أبيه وأمه صلوات الله وسلامه عليه دائما إلى يوم الدين. وقد تقدم
حديث الأوزاعي عن شداد أبى عمار عن واثلة بن الأسقع قال قال رسول الله ﷺ إن الله اصطفى كنانة من ولد إسماعيل واصطفى قريشا من كنانة واصطفى هاشما من قريش واصطفاني من بنى هاشم رواه مسلم وسيأتي بيان مولده الكريم وما ورد فيه من الاخبار والآثار وسنورد عند
стр. 549
سرد النسب الشريف فوائد اخر ليست هاهنا ان شاء الله تعالى وبه الثقة وعليه التكلان.
ذكر جمل من الأحداث الواقعة في زمن الجاهلية
قد تقدم ما كان من أخذ جرهم ولاية البيت من بنى إسماعيل طمعوا فيهم لأنهم أبناء بناتهم وما كان من توثب خزاعة على جرهم وانتزاعهم ولاية البيت منهم ثم ما كان من رجوع ذلك الى قصي وبنيه واستمرار ذلك في أيديهم إلى أن بعث الله رسوله ﷺ فأقر تلك الوظائف على ما كانت عليه.
باب ذكر جماعة مشهورين كانوا في الجاهلية
خبر خالد بن سنان العبسيّ
الّذي كان في زمن الفترة وقد زعم بعضهم أنه كان كان نبيا والله أعلم قال الحافظ أبو القاسم الطبراني: حدثنا أحمد بن زهير التستري حدثنا يحيى بن المعلى بن منصور الرازيّ حدثنا محمد بن الصلت حدثنا قيس بن الربيع عن سالم الأفطس عن سعيد بن جبير عن ابن عباس. قال: جاءت بنت خالد بن سنان إلى النبي ﷺ فبسط لها ثوبه وقال بنت نبي ضيعه قومه. وقد رواه الحافظ أبو بكر البزار عن يحيى بن المعلى بن منصور عن محمد بن الصلت عن قيس عن سالم عن سعيد عن ابن عباس. قال ذكر خالد بن سنان عند رسول الله ﷺ فقال ذاك نبي ضيعه قومه. ثم قال ولا نعرفه مرفوعا إلا من هذا الوجه وكان قيس بن الربيع ثقة في نفسه إلا أنه كان رديء الحفظ وكان له ابن يدخل في أحاديثه ما ليس منها والله أعلم.
قال البزار: وقد رواه الثوري عن سالم الأفطس عن سعيد بن جبير مرسلا وقال الحافظ أبو يعلى الموصلي: حدثنا المعلى بن مهدي الموصلي قال حدثنا أبو عوانة عن أبى يونس عن عكرمة عن ابن عباس أن رجلا من عبس يقال له خالد بن سنان قال لقومه: إني أطفئ عنكم نار الحرتين فقال له رجل من قومه (١) والله يا خالد ما قلت لنا قط إلا حقا فما شأنك وشأن نار الحرتين تزعم أنك تطفئها فخرج خالد ومعه أناس من (٢) قومه فيهم عمارة بن زياد فأتوها فإذا هي تخرج من شق جبل فخط لهم خالد خطة فأجلسهم فيها فقال إن أبطأت عليكم فلا تدعوني باسمي فخرجت كأنها خيل شقر يتبع بعضها بعضا فاستقبلها خالد فجعل يضربها بعصاه وهو يقول: بدا بدا بدا كل هدى زعم ابن راعية المعزى أتى لا أخرج منها وثيابي بيدي حتى دخل معها الشق فأبطأ عليهم فقال لهم عمارة بن زياد والله إن صاحبكم لو كان حيا لقد خرج إليكم بعد قالوا فادعوه باسمه. قال فقالوا إنه قد نهانا أن ندعوه باسمه فدعوه باسمه فخرج وهو آخذ برأسه فقال ألم أنهكم أن تدعوني باسمي فقد والله قتلتموني فادفنوني فإذا مرت بكم الحمر فيها حمار أبتر فانبشوني فإنكم تجدوني حيا فدفنوه فمرت بهم الحمر فيها حمار أبتر فقلنا أنبشوه فإنه أمرنا
стр. 550
أن ننبشه فقال لهم عمارة لا تنبشوه لا والله لا تحدث مضر أنا ننبش موتانا وقد كان قال لهم خالد إن في عكن امرأته لوحين فان أشكل عليكم أمر فانظروا فيهما فإنكم ستجدون ما تسألون عنه قال ولا يمسهما حائض فلما رجعوا إلى امرأته سألوها عنهما فأخرجتهما اليهم وهي حائض فذهب ما كان فيهما من علم.
قال أبو يونس: قال سماك بن حرب سئل عنه النبي ﷺ فقال: ذاك نبي إضاعة قومه قال: أبو يونس: قال سماك بن حرب إن ابن خالد بن سنان أتى النبي ﷺ فقال: مرحبا بابن أخى فهذا السياق موقوف على ابن عباس وليس فيه أنه كان نبيا والمرسلات التي فيها أنه نبي لا يحتج بها هاهنا والأشبه أنه كان رجلا صالحا له أحوال وكرامات فإنه إن كان في زمن الفترة فقد ثبت
في صحيح البخاري عن رسول الله ﷺ أنه قال: إن أولى الناس بعيسى بن مريم أنا لأنه ليس بيني وبينه نبي. وان كان قبلها فلا يمكن أن يكون نبيا لأن الله تعالى قال ﴿لِتُنْذِرَ قَوْماً ما أَتاهُمْ مِنْ نَذِيرٍ مِنْ قَبْلِكَ﴾ وقد قال غير واحد من العلماء إن الله تعالى لم يبعث بعد إسماعيل نبيا في العرب إلا محمدا ﷺ خاتم الأنبياء الّذي دعا به إبراهيم الخليل باني الكعبة المكرمة التي جعلها الله قبلة لأهل الأرض شرعا وبشرت به الأنبياء لقومهم حتى كان آخر من بشر به عيسى بن مريم ﵇ وبهذا المسلك بعينه يردّ ما ذكره السهيليّ وغيره من إرسال نبي من العرب يقال له شعيب بن ذي مهذم بن شعيب بن صفوان صاحب مدين وبعث الى العرب أيضا حنظلة بن صفوان فكذبوهما فسلط الله على العرب بخت نصّر فنال منهم من القتل والسبي نحو ما نال من بنى إسرائيل وذلك في زمن معد بن عدنان والظاهر أن هؤلاء كانوا قوما صالحين يدعون إلى الخير والله أعلم. وقد تقدم ذكر عمرو بن لحي بن قمعة بن خندف في أخبار خزاعة بعد جرهم.
ذكر حاتم الطائي أحد أجواد الجاهلية
وهو حاتم بن عبد الله بن سعد بن الحشرج بن امرئ القيس بن عدي بن أحزم بن أبى أحزم (١) واسمه هرومة بن ربيعة بن جرول بن ثعل بن عمرو بن الغوث بن طيِّئ أبو سفّانة الطائي والدعدى بن حاتم الصحابي كان جوادا ممدحا في الجاهلية وكذلك كان ابنه في الإسلام وكانت لحاتم مآثر وأمور عجيبة واخبار مستغربة في كرمه يطول ذكرها ولكن لم يكن يقصد بها وجه الله والدار الآخرة وانما كان قصده السمعة والذكر
قال الحافظ أبو بكر البزار في مسندة حدثنا محمد بن معمر حدثنا عبيد بن واقد القيسي حدثنا أبو نصر هو الناجي عن عبد الله بن دينار عن ابن عمر قال ذكر حاتم عند النبي ﷺ فقال ذاك أراد أمرا فأدركه (حديث غريب) قال الدارقطنيّ تفرد به عبيد بن واقد عن أبى نصر الناجي ويقال إن اسمه حماد قال ابن عساكر: وقد فرق أبو أحمد الحاكم بين أبى نصر الناجي وبين أبى نصر حماد ولم يسم الناجي
стр. 551
ووقع في بعض روايات الحافظ ابن عساكر عن أبى نصر شيبة الناجي والله أعلم.
وقال الامام أحمد حدثنا يزيد بن إسماعيل حدثنا سفيان عن سماك بن حرب عن مري بن قطري عن عدي بن حاتم قال قلت لرسول الله ﷺ : ان أبى كان يصل الرحم ويفعل ويفعل فهل له في ذلك يعنى من أجر قال ان أباك طلب شيئا فأصابه. وهكذا رواه أبو يعلى عن القواريري عن غندر عن شعبة عن سماك به. وقال: ان أباك أراد أمرا فأدركه يعنى الذكر وهكذا رواه أبو القاسم البغوي عن على بن الجعد عن شعبة به سواء وقد ثبت في الصحيح في الثلاثة الذين تسعر بهم جهنم منهم الرجل الّذي ينفق ليقال إنه كريم فيكون جزاؤه أن يقال ذلك في الدنيا وكذا في العالم والمجاهد
وفي الحديث الآخر في الصحيح أنهم سألوا رسول الله ﷺ عن عبد الله بن جدعان بن عمرو بن كعب بن سعد بن تيم بن مرة فقالوا له كان يقرى الضيف ويعتق ويتصدق فهل ينفعه ذلك فقال انه لم يقل يوما من الدهر رب اغفر لي خطيئتي يوم الدين هذا وقد كان من الأجواد المشهورين أيضا المطعمين في السنين الممحلة والأوقات المرملة.
وقال الحافظ أبو بكر البيهقي أنبأنا أبو عبد الله الحافظ حدثني أبو بكر محمد بن عبد الله بن يوسف العماني حدثنا أبو سعيد عبيد بن كثير بن عبد الواحد الكوفي حدثنا ضرار بن صرد حدثنا عاصم بن حميد عن أبى حمزة الثمالي عن عبد الرحمن بن جندب عن كميل بن زياد النخعي قال قال على بن أبى طالب: يا سبحان الله ما أزهد كثيرا من الناس في خير عجبا لرجل يجيئه أخوه المسلم في حاجة فلا يرى نفسه للخير أهلا فلو كان لا يرجو ثوابا ولا يخشى عقابا لكان ينبغي له أن يسارع في مكارم الأخلاق فإنها تدل على سبيل النجاح. فقام اليه رجل وقال: فداك أبى وأمى يا أمير المؤمنين أسمعته من رسول الله ﷺ . قال نعم! وما هو خير منه لما
أتى بسبايا طيِّئ وقعت جارية حمراء لعساء ذلفاء عيطاء شماء الأنف معتدلة القامة والهامة درماء الكعبين خدلجة الساقين لفاء الفخذين خميصة الخصرين ضامرة الكشحين مصقولة المتنين. قال فلما رأيتها أعجبت بها وقلت لأطلبن الى رسول الله ﷺ فيجعلها في فيئي فلما تكلمت أنسيت جمالها لما رأيت من فصاحتها فقالت يا محمد ان رأيت أن تخلى عنى ولا تشمت بى أحياء العرب فانى ابنة سيد قومي وان أبى كان يحمى الذمار ويفك العاني ويشبع الجائع ويكسو العاري ويقرى الضيف ويطعم الطعام ويفشي السلام ولم يرد طالب حاجة قط وأنا ابنة حاتم طيِّئ. فقال النبي ﷺ : يا جارية هذه صفة المؤمنين حقا لو كان أبوك مؤمنا لترحمنا عليه خلوا عنها فان أباها كان يحب مكارم الأخلاق والله تعالى يحب مكارم الأخلاق. فقام أبو بردة بن نيار فقال يا رسول الله، والله يحب مكارم الأخلاق؟ فقال رسول الله ﷺ والّذي نفسي بيده لا يدخل الجنة أحد إلا بحسن الخلق.
وقال أبو بكر بن أبى الدنيا: حدثني عمر بن بكر عن أبى عبد الرحمن الطائي - هو القاسم بن عدي - عن عثمان عن عركى بن حليس الطائي عن أبيه عن جده وكان أخا عدي بن حاتم لامه قال قيل لنوار امرأة
стр. 552
حاتم حدثينا عن حاتم قالت كل أمره كان عجبا أصابتنا سنة حصت كل شيء فاقشعرت لها الأرض واغبرت لها السماء وضنت المراضع على أولادها وراحت الإبل حدبا حدابير ما تبض بقطرة وحلقت المال وأنا لفي ليلة صنّبر بعيدة ما بين الطرفين إذ تضاغى الأصبية من الجوع عبد الله وعدي وسفانة فو الله إن وجدنا شيئا نعللهم به فقام الى أحد الصبيان فحمله وقمت الى الصبية فعللتها فو الله إن سكتا الا بعد هدأة من الليل ثم عدنا الى الصبى الآخر فعللناه حتى سكت وما كاد ثم افترشنا قطيفة لنا شامية ذات خمل فاضجعنا الصبيان عليها ونمت أنا وهو في حجرة والصبيان بيننا ثم اقبل عليّ يعللنى لأنام وعرفت ما يريد فتناومت فقال ما لك أنمت فسكت فقال ما أراها إلا قد نامت وما بي نوم فلما أدلهم الليل وتهورت النجوم وهدأت الأصوات وسكنت الرجل إذ جانب البيت قد رفع فقال من هذا؟ فولى حتى قلت إذا قد اسحرنا أو كدنا عاد فقال من هذا؟ قالت جارتك فلانة يا أبا عدي ما وجدت على أحد معولا غيرك أتيتك من عند اصبية يتعاوون عواء الذئاب من الجوع قال أعجليهم على قالت النوار فوثبت فقلت ماذا صنعت أضطجع والله لقد تضاغى أصبيتك فما وجدت ما تعللهم فكيف بهذه وبولدها فقال اسكتي فو الله لأشبعنك ان شاء الله قالت فأقبلت تحمل اثنين وتمشى جنبتيها أربعة كأنها نعامة حولها رئالها فقام الى فرسه فوجأ بحربته في لبته ثم قدح زنده وأورى ناره ثم جاء بمدية فكشط عن جلده ثم دفع المدية الى المرأة ثم قال دونك ثم قال ابعثي صبيانك فبعثتهم ثم قال سوءة أتأكلون شيئا دون أهل الصرم فجعل يطوف فيهم حتى هبوا وأقبلوا عليه والتفع في ثوبه ثم اضطجع ناحية ينظر إلينا والله ما ذاق مزعة وانه لأحوجهم اليه فأصبحنا وما على الأرض منه الأعظم وحافر.
وقال الدارقطنيّ: حدثني القاضي أبو عبد الله المحاملي حدثنا عبد الله بن أبى سعد وحدثنا عثيم بن ثوابة بن حاتم الطائي عن أبيه عن جده قال قالت امرأة حاتم لحاتم يا أبا سفانة اشتهى ان آكل أنا وأنت طعاما وحدنا ليس عليه أحد فأمرها فحولت خيمتها من الجماعة على فرسخ وأمر بالطعام فهيّئ وهي مرخاة ستورها عليه وعليها فلما قارب نضج الطعام كشف عن رأسه ثم قال:
فلا تطبخى قدري وسترك دونها … على اذن ما تطبخين حرام
ولكن بهذاك اليفاع فاوقدى … بجزل إذا أوقدت لا بضرام
قال ثم كشف الستور وقدم الطعام ودعي الناس فأكل وأكلوا فقالت ما أتممت لي ما قلت فأجابها فانى لا تطاوعني نفسي ونفسي أكرم على من أن يثنى على هذا وقد سبق لي السخاء ثم أنشأ يقول:
أمارس نفسي البخل حتى أعزها … واترك نفس الجود ما استثيرها
ولا تشتكينى جارتى غير أنها … إذا غاب عنها بعلها لا أزورها
سيبلغها خيرى ويرجع بعلها … إليها ولم تقصر عليها ستورها
стр. 553
ومن شعر حاتم:
إذا ما بت اشرب فوق رى … لسكر في الشراب فلا رويت
إذا ما بت أختل عرس جاري … ليخفينى الظلام فلا خفيت
أأفضح جارتى وأخون جاري … فلا والله أفعل ما حييت
ومن شعره أيضا:
ما ضر جارا لي أجاوره … أن لا يكون لبابة ستر
أغضى إذا ما جارتى برزت … حتى يوارى جارتى الخدر
ومن شعر حاتم أيضا:
وما من شيمتي شتم ابن عمى … وما أنا مخلف من يرتجينى
وكلمة حاسد من غير جرم … سمعت وقلت مري فانقذينى
وعابوها عليّ فلم تعبنى … ولم يعرق لها يوما جبيني
وذي وجهين يلقاني طليقا … وليس إذا تغيب يأتسينى
ظفرت بعيبه فكففت عنه … محافظة على حسبي وديني
ومن شعره:
سلى البائس المقرور يا أم مالك … إذا ما أتانى بين ناري ومجزرى
أأبسط وجهي إنه أول القرى … وابذل معروفى له دون منكري
وقال أيضا:
وانك ان أعطيت بطنك سؤله … وفرجك نالا منتهى الذم أجمعا
وقال القاضي أبو الفرج المعافى بن زكريا الجريريّ حدثنا الحسين بن القاسم الكوكبي حدثنا أبو العباس المبرد أخبرنى الثوري عن أبى عبيدة. قال لما بلغ حاتم طيِّئ قول المتلمس:
قليل المال تصلحه فيبقى … ولا يبقى الكثير على الفساد
وحفظ المال خير من فناه … وعسف في البلاد بغير زاد
قال ما له قطع الله لسانه حمل الناس على البخل فهلا قال:
فلا الجود يفنى المال قبل فنائه … ولا البخل في مال الشحيح يزيد
فلا تلتمس مالا بعيش مقتر … لكل غد رزق يعود جديد
ألم تر أن المال غاد ورائح … وان الّذي يعطيك غير بعيد
قال القاضي أبو الفرج ولقد أحسن في قوله: وان الّذي يعطيك غير بعيد. ولو كان مسلما لرجى
стр. 554
له الخير في معاده وقد قال الله في كتابه: ﴿وَسْئَلُوا اللهَ مِنْ فَضْلِهِ﴾. وقال تعالى: ﴿وَإِذا سَأَلَكَ عِبادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدّاعِ إِذا دَعانِ﴾. وعن الوضاح بن معبد الطائي قال: وفد حاتم الطائي على النعمان ابن المنذر فأكرمه وأدناه ثم زوده عند انصرافه جملين ذهبا وورقا غير ما أعطاه من طرائف بلده فرحل، فلما أشرف على أهله تلقته أعاريب طيِّئ. فقالت: يا حاتم أتيت من عند الملك وأتينا من عند أهالينا بالفقر فقال: حاتم هلم فخذوا ما بين يدي فتوزعوه فوثبوا الى ما بين يديه من حباء النعمان فاقتسموه. فخرجت الى حاتم طريفة جاريته فقالت له اتّق الله وأبق على نفسك، فما يدع هؤلاء دينارا ولا درهما ولا شاة ولا بعيرا. فأنشأ يقول:
قالت طريفة ما تبقى دراهمنا … وما بنا سرف فيها ولا خرق
إن يفن ما عندنا فالله يرزقنا … ممن سوانا ولسنا نحن نرتزق
ما يألف الدرهم الكاري خرقتنا … الا يمر عليها ثم ينطلق
إنا إذا اجتمعت يوما دراهمنا … ظلت الى سبل المعروف تستبق
وقال أبو بكر بن عياش: قيل لحاتم هل في العرب أجود منك. فقال: كل العرب أجود منى ثم انشأ يحدث. قال: نزلت على غلام من العرب يتيم ذات ليلة وكانت له مائة من الغنم فذبح لي شاة منها وأتاني بها فلما قرب الى دماغها قلت: ما أطيب هذا الدماغ قال فذهب فلم يزل يأتينى منه حتى قلت قد اكتفيت، فلما أصبحت إذا هو قد ذبح المائة شاة وبقي لا شيء له؟ فقيل فما صنعت به فقال: ومتى أبلغ شكره ولو صنعت به كل شيء. قال: على كل حال فقال أعطيته مائة ناقة من خيار ابلى. وقال محمد بن جعفر الخرائطى في كتاب مكارم الأخلاق حدثنا العباس بن الفضل الربعي حدثنا إسحاق بن إبراهيم حدثني حماد الراوية ومشيخة من مشيخة طيِّئ. قالوا: كانت عنترة (١) بنت عفيف بن عمرو بن امرئ القيس أم حاتم طيِّئ لا تمسك شيئا سخاء وجودا، وكان اخوتها يمنعونها فتأبى وكانت امرأة موسرة فحبسوها في بيت سنة يطعمونها قوتها لعلها تكف عما تصنع. ثم أخرجوها بعد سنة وقد ظنوا أنها قد تركت ذلك الخلق فدفعوا اليها صرمة من مالها وقالوا استمتعى بها، فأتتها امرأة من هوازن وكانت تغشاها فسألتها فقالت: دونك هذه الصرمة فقد والله مسنى من الجوع ما آليت ان لا أمنع سائلا ثم أنشأت تقول:
لعمري لقد ما عضنى الجوع عضة … فآليت ان لا أمنع الدهر جائعا
فقولا لهذا اللائمى اليوم أعفنى … وان أنت لم تفعل فعض الاصابعا
فماذا عساكم ان تقولوا لاختكم … سوى عذلكم أو عذل من كان مانعا
وماذا ترون اليوم إلا طبيعة … فكيف بتركى يا ابن أمي الطبائعا
стр. 555
وقال الهيثم بن عدي عن ملحان بن عركى بن عدي بن حاتم عن أبيه عن جده. قال: شهدت حاتما يكيد بنفسه فقال لي أي بنى إني أعهد من نفسي ثلاث خصال والله ما خاتلت جارة لريبة [؟] قط، ولا أوتمنت على أمانة إلا أديتها، ولا أوتي أحد من قبلي بسوء وقال أبو بكر الخرائطى: حدثنا على بن حرب حدثنا عبد الرحمن بن يحيى العدوي حدثنا هشام بن محمد بن السائب الكلبي عن أبى مسكين - يعنى جعفر بن المحرر بن الوليد - عن المحرر مولى أبى هريرة قال: مر نفر من عبد القيس بقبر حاتم طيِّئ فنزلوا قريبا منه فقام اليه بعضهم يقال له أبو الخيبري فجعل يركض قبره برجله. ويقول: يا أبا جعد أقرنا فقال له بعض أصحابه: ما تخاطب من رمة وقد بليت وأجنهم الليل فناموا فقام صاحب القول فزعا يقول يا قوم عليكم بمطيكم فان حاتما أتانى في النوم وانشدنى شعرا وقد حفظته يقول:
أبا الخيبري وأنت امرؤ … ظلوم العشيرة شتّامها
أتيت بصحبك تبغي القرى … لدى حفرة قد صدت هامها
أتبغي لي الذنب عند المبيت … وحولك طيِّئ وانعامها
وإنا لنشبع أضيافنا … وتأتى المطي فنعتامها
قال وإذا ناقة صاحب القول تكوس عقيرا فنحروها وقاموا يشتوون ويأكلون. وقالوا والله لقد أضافنا حاتم حيا وميتا. قال: وأصبح القوم واردفوا صاحبهم وساروا فإذا رجل ينوه بهم راكبا جملا ويقود آخر. فقال: أيكم أبو الخيبري قال أنا قال إن حاتما أتانى في النوم فأخبرني أنه قرى أصحابك ناقتك وأمرني أن أجملك وهذا بعير فخذه ودفعه اليه.
ذكر شيء من أخبار عبد الله بن جدعان
هو عبد الله بن جدعان بن عمرو بن كعب بن سعد بن تيم بن مرة سيد بنى تيم وهو ابن عم والد أبى بكر الصديق ﵁. وكان من الكرماء الأجواد في الجاهلية المطعمين للمسنتين وكان في بدء امره فقيرا مملقا وكان شريرا يكثر من الجنايات حتى أبغضه قومه وعشيرته وأهله وقبيلته وأبغضوه حتى أبوه فخرج ذات يوم في شعاب مكة حائرا بائرا فرأى شقا في جبل فظن أن يكون به شيئا يؤذى فقصده لعله يموت فيستريح مما هو فيه فلما اقترب منه إذا ثعبان يخرج اليه ويتب عليه فجعل يحيد عنه ويثب فلا يعنى شيئا فلما دنا منه إذا هو من ذهب وله عينان هما ياقوتتان فكسره وأخذه ودخل الغار فإذا فيه قبور لرجال من ملوك جرهم ومنهم الحارث بن مضاض الّذي طالت غيبته فلا يدرى أين ذهب ووجد عند رءوسهم لوحا من ذهب فيه تاريخ وفاتهم ومدد ولايتهم وإذا عندهم من الجواهر واللآلئ والذهب والفضة شيء كثير فاخذ منه حاجته ثم خرج وعلم باب الغار ثم انصرف الى قومه فأعطاهم حتى أحبوه وسادهم وجعل يطعم الناس وكلما قل ما في يده ذهب الى ذلك الغار فاخذ حاجته ثم رجع فممن ذكر هذا
стр. 556
عبد الملك بن هشام في كتاب التيجان وذكره أحمد بن عمار في كتاب رى العاطش وانس الواحش وكانت له جفنة يأكل منها الراكب على بعيره ووقع فيها صغير فغرق
وذكر ابن قتيبة وغيره أن رسول الله ﷺ قال لقد كنت استظل بظل جفنة عبد الله بن جدعان صكة عمى أي وقت الظهيرة.
وفي حديث مقتل أبى جهل أن رسول الله ﷺ قال لأصحابه تطلبوه بين القتلى وتعرفوه بشجة في ركبته فانى تزاحمت أنا وهو على مأدبة لابن جدعان فدفعته فسقط على ركبته فانهشمت فاثرها باق في ركبته فوجدوه كذلك. وذكروا أنه كان يطعم التمر والسويق ويسقى اللبن حتى سمع قول أمية بن أبى الصلت:
ولقد رأيت الفاعلين وفعلهم … فرأيت أكرمهم بنى الديان
البر يلبك بالشهاد طعامهم … لا ما يعللنا بنو جدعان
فأرسل ابن جدعان الى الشام ألفي بعير تحمل البر والشهد والسمن وجعل مناديا ينادى كل ليلة على ظهر الكعبة أن هلموا الى جفنة ابن جدعان. فقال أمية في ذلك:
له داع بمكة مشمعل … وآخر فوق كعبتها ينادى
الى ردح من الشيزى ملاء … لباب البر يلبك بالشهاد
ومع هذا كله فقد ثبت
في الصحيح لمسلم أن عائشة قالت: يا رسول الله ان ابن جدعان كان يطعم الطعام ويقرى الضيف فهل ينفعه ذلك يوم القيامة. فقال: لا إنه لم يقل يوما رب اغفر لي خطيئتي يوم الدين.
ذكر امرئ القيس بن حجر الكندي صاحب احدى المعلقات
وهي أفخرهن واشهرهن التي أولها:
قفا نبك من ذكرى حبيب ومنزل
قال الامام أحمد: حدثنا هشام حدثنا أبو الجهم عن الزهري عن أبى سلمة عن أبى هريرة قال قال رسول الله ﷺ : أمرؤ القيس صاحب لواء الشعراء الى النار وقد روى هذا الحديث عن هشام جماعة كشيرون منهم بشر بن الحكم، والحسن بن عرفة، وعبد الله بن هارون أمير المؤمنين المأمون أخو الأمين ويحيى بن معين، وأخرجه ابن عدي من طريق عبد الرزاق عن الزهري به وهذا منقطع ورديء من وجه آخر عن أبى هريرة ولا يصح من غير هذا الوجه.
وقال الحافظ ابن عساكر: هو امرؤ القيس بن حجر بن الحارث بن عمرو بن حجر آكل المرار بن عمرو بن معاوية بن الحارث بن يعرب بن ثور بن مرتع بن معاوية بن كندة. أبو يزيد ويقال أبو وهب
стр. 557
ويقال أبو الحارث الكندي. كان باعمال دمشق وقد ذكر مواضع منها في شعره فمن ذلك قوله:
قفا نبك من ذكرى حبيب ومنزل … بسقط اللوى بين الدخول فحومل
فتوضح فالمقراة لم يعف رسمها … لما نسجتها من جنوب وشمأل
قال وهذه مواضع معروفة بحوران. ثم
روى من طريق هشام بن محمد بن السائب الكلبي حدثني فروة بن سعيد بن عفيف بن معديكرب عن أبيه عن جده. قال: بينا نحن عند رسول الله ﷺ إذ أقبل وفد من اليمن فقالوا يا رسول الله لقد أحيانا الله ببيتين من شعر امرئ القيس. قال: وكيف ذاك؟ قالوا أقبلنا نريدك حتى إذا كنا ببعض الطريق اخطأنا الطريق فمكثنا ثلاثا لا نقدر على الماء فتفرقنا الى أصول طلح وسمر ليموت كل رجل منا في ظل شجرة فبينا نحن بآخر رمق إذا راكب يوضع على بعير فلما رآه بعضنا قال والراكب يسمع:
ولما رأت أن الشريعة همّها … وان البياض من فرائصها دامى
تيمّمت العين التي عند ضارج … يفيء عليها الظل عرمضها طامي
فقال الراكب: ومن يقول هذا الشعر وقد رأى ما بنا من الجهد؟ قال قلنا امرؤ القيس بن حجر قال والله ما كذب هذا ضارج عندكم فنظرنا فإذا بيننا وبين الماء نحو من خمسين ذراعا فحبونا اليه على الركب فإذا هو كما قال امرؤ القيس عليه العرمض يفيء عليه الظل فقال رسول الله ﷺ : «ذاك رجل مذكور في الدنيا منسي في الآخرة، شريف في الدنيا خامل في الآخرة، بيده لواء الشعراء يقودهم الى النار».
وذكر الكلبي: أن امرأ القيس أقبل براياته يريد قتال بنى أسد حين قتلوا أباه فمر بتبالة وبها ذو الخلصة وهو صنم وكانت العرب تستقسم عنده فاستقسم فخرج القدح الناهي ثم الثانية ثم الثالثة كذلك فكسر القداح وضرب بها وجه ذي الخلصة وقال عضضت بإير أبيك لو كان أبوك المقتول لما عوقتنى.
ثم أغار على بنى أسد فقتلهم قتلا ذريعا قال ابن الكلبي: فلم يستقسم عند ذي الخلصة حتى جاء الإسلام وذكر بعضهم أنه امتدح قيصر ملك الروم يستنجده في بعض الحروب ويسترفده فلم يجد ما يؤمله عنده فهجاه بعد ذلك فيقال إنه سقاه سما فقتله فالجأه الموت الى جنب قبر امرأة عند جبل يقال له عسيب فكتب هنالك:
أجارتنا إن المزار قريب … وإني مقيم ما اقام عسيب
أجارتنا إنا غريبان هاهنا … وكل غريب للغريب نسيب
وذكروا أن المعلقات السبع كانت معلقة بالكعبة، وذلك أن العرب كانوا إذا عمل أحدهم قصيدة عرضها على قريش فان أجازوها علقوها على الكعبة تعظيما لشأنها فاجتمع من ذلك هذه المعلقات السبع فالأولى لامرئ القيس بن حجر الكندي كما تقدم وأولها:
стр. 558
قفا نبك من ذكرى حبيب ومنزل … بسقط اللوى بين الدخول فحومل
والثانية للنابغة الذبيانيّ: واسمه زياد بن معاوية ويقال زياد بن عمرو بن معاوية بن ضباب بن جابر ابن يربوع بن غيظ بن مرة بن عوف بن سعد بن ذبيان بن بغيض وأولها:
يا دار مية بالعلياء فالسند … أقوت وطال عليها سالف الأبد
والثالثة لزهير بن أبى سلمى ربيعة بن رياح المزني وأولها:
أمن أمّ أوفى دمنة لم تكلم … بحومانة الدّراج فالمتثلّم
والرابعة لطرفة بن العبد بن سفيان بن سعد بن مالك بن ضبيعة بن قيس بن ثعلبة بن عكابة بن صعب بن على بن بكر بن وائل وأولها:
لخولة أطلال ببرقة ثهمد … تلوح كباقي الوشم في ظاهر اليد
والخامسة لعنترة بن شداد بن معاوية بن قراد بن مخزوم بن ربيعة بن مالك بن غالب بن قطيعة ابن عبس العبسيّ وأولها:
هل غادر الشعراء من متردّم … أم هل عرفت الدار بعد توهم
والسادسة لعلقمة بن عبدة بن النعمان بن قيس أحد بنى تميم وأولها:
طحا بك قلب في الحسان طروب … بعيد الشباب عصر حان مشيب
والسابعة - ومنهم من لا يثبتها في المعلقات وهو قول الأصمعي وغيره - وهي للبيد بن ربيعة بن مالك بن جعفر بن كلاب بن ربيعة بن عامر بن صعصعة بن معاوية بن بكر بن هوازن بن منصور بن عكرمة بن خصفة بن قيس بن عيلان بن مضر وأولها:
عفت الديار محلّها فمقامها … بمنى تأبد غولها فرجامها
فاما القصيدة التي لا يعرف قائلها فيما ذكره أبو عبيدة والأصمعي والمبرد وغيرهم فهي قوله:
هل بالطلول لسائل رد … أم هل لها بتكلم عهد
وهي مطولة وفيها معاني حسنة كثيرة.
ذكر شيء من أخبار أمية بن أبى الصلت الثقفي كان من شعراء الجاهلية وقد أدرك زمن الإسلام
قال الحافظ ابن عساكر: هو أمية بن أبى الصلت عبد الله بن أبى ربيعة بن عوف بن عقدة بن عزة ابن عوف بن ثقيف بن منبه بن بكر بن هوازن أبو عثمان ويقال أبو الحكم الثقفي شاعر جاهلى قدم
стр. 559
دمشق قبل الإسلام وقيل انه كان مستقيما (١) وانه كان في أول أمره على الايمان ثم زاغ عنه وانه هو الّذي أراده الله تعالى بقوله ﴿وَاُتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِي آتَيْناهُ آياتِنا فَانْسَلَخَ مِنْها فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطانُ فَكانَ مِنَ الْغاوِينَ﴾.
قال الزبير بن بكار: فولدت رقية بنت عبد شمس بن عبد مناف أمية الشاعر ابن أبى الصلت واسم أبى الصلت ربيعة بن وهب بن علاج بن أبى سلمة بن ثقيف وقال غيره كان أبوه من الشعراء المشهورين بالطائف وكان أمية أشعرهم.
وقال عبد الرزاق قال الثوري: أخبرنى حبيب بن أبى ثابت أن عبد الله بن عمرو قال في قوله تعالى ﴿وَاُتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِي آتَيْناهُ آياتِنا فَانْسَلَخَ مِنْها فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطانُ فَكانَ مِنَ الْغاوِينَ﴾ هو أمية بن أبى الصلت وكذا رواه أبو بكر بن مردويه عن أبى بكر الشافعيّ عن معاذ بن المثنى عن مسدد عن أبى عوانة عن عبد الملك بن عمير عن نافع بن عاصم بن مسعود. قال: انى لفي حلقة فيها عبد الله بن عمرو فقرأ رجل من القوم الآية التي في الأعراف ﴿وَاُتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِي آتَيْناهُ آياتِنا فَانْسَلَخَ مِنْها﴾ فقال هل تدرون من هو؟ فقال بعضهم. هو صيفي بن الراهب. وقال آخر: بل هو بلعم رجل من بنى إسرائيل فقال لا! قال فمن؟ قال هو أمية بن أبى الصلت وهكذا قال أبو صالح والكلبي وحكاه قتادة عن بعضهم. وقال الطبراني: حدثنا على بن عبد العزيز حدثنا عبد الله بن شبيب الربعي حدثنا محمد بن مسلمة بن هشام المخزومي حدثنا إسماعيل ابن الطريح بن إسماعيل الثقفي حدثني أبى عن أبيه عن مروان بن الحكم عن معاوية بن أبى سفيان عن أبيه.
قال: خرجت أنا وأمية بن أبى الصلت الثقفي تجارا الى الشام فكلما نزلنا منزلا أخذ أمية سفرا له يقرؤه علينا فكنا كذلك حتى نزلنا قرية من قرى النصارى فجاءوه واكرموه واهدوا له وذهب معهم الى بيوتهم ثم رجع في وسط النهار فطرح ثوبيه وأخذ ثوبين له أسودين فلبسهما وقال لي هل لك يا أبا سفيان في عالم من علماء النصارى اليه يتناهى علم الكتاب تسأله. قلت: لا إرب لي فيه والله لئن حدثني بما أحب لا أثق به ولئن حدثني بما أكره لأجدن منه. قال فذهب وخالفه شيخ من النصارى فدخل على فقال ما يمنعك أن تذهب الى هذا الشيخ قلت لست على دينه قال وإن فإنك تسمع منه عجبا وتراه. ثم قال لي أثقفي أنت قلت لا ولكن قرشي؟ قال فما يمنعك من الشيخ فو الله انه ليحبكم ويوصى بكم. قال فخرج من عندنا ومكث أمية عندهم حتى جاءيا بعد هدأة من الليل فطرح ثوبيه ثم انجدل على فراشه فو الله ما نام ولا قام حتى أصبح كئيبا حزينا ساقطا غبوقه على صبوحه ما يكلمنا ولا نكلمه. ثم قال: ألا ترحل. قلت وهل بك من رحيل؟ قال نعم! فرحلنا فسرنا بذلك ليلتين ثم قال في الليلة الثالثة الا تحدث يا أبا سفيان قلت وهل بك من حديث والله ما رأيت (٢) مثل الّذي رجعت به من عند صاحبك قال أما ان ذلك لشيء لست فيه انما ذلك لشيء
стр. 560
وجلت منه من منقلبي قلت وهل لك من منقلب. قال: أي والله لأموتن ثم لأحيين قال قلت هل أنت قابل أمانتى قال على ماذا قلت على أنك لا تبعث ولا تحاسب قال فضحك ثم قال: بلى! والله يا أبا سفيان لنبعثن ثم لنحاسبن وليدخلن فريق الجنة وفريق النار. قلت: ففي أيهما أنت أخبرك صاحبك قال لا علم لصاحبي بذلك لا فىّ ولا في نفسه قال فكنا في ذلك ليلتين يعجب منى وأضحك منه حتى قدمنا غوطة دمشق فبعنا متاعنا وأقمنا بها شهرين فارتحلنا حتى نزلنا قرية من قرى النصارى فلما رأوه جاءوه واهدوا له وذهب معهم الى بيعتهم (١) فما جاء الا بعد منتصف النهار فلبس ثوبيه وذهب اليهم حتى جاء بعد هدأة من الليل فطرح ثوبيه ورمى بنفسه على فراشه فو الله ما نام ولا قام وأصبح حزينا كئيبا لا يكلمنا ولا نكلمه. ثم قال: الا ترحل قلت بلى ان شئت فرحلنا كذلك من بثه وحزنه ليالي (٢). ثم قال لي:
يا أبا سفيان هل لك في المسير لنتقدم أصحابنا قلت هل لك فيه قال نعم! فسرنا حتى برزنا من أصحابنا ساعة ثم قال: هيا صخر. فقلت: ما تشاء؟ قال حدثني عن عتبة بن ربيعة أيجتنب المظالم والمحارم قلت: إي والله قال: ويصل الرحم ويأمر بصلتها. قلت إي والله! قال وكريم الطرفين وسط في العشيرة قلت نعم! قال فهل تعلم قرشيا أشرف منه؟ قلت لا والله لا أعلم قال أمحوج هو قلت لا بل هو ذو مال كثير قال وكم أتى عليه من السن فقلت قد زاد على المائة قال فالشرف والسن والمال أزرين به قلت ولم ذاك يزرى به لا والله بل يزيده خيرا قال هو ذاك. هل لك في المبيت قلت لي فيه قال فاضطجعنا حتى مر الثقل قال فسرنا حتى نزلنا في المنزل وبتنا به ثم ارتحلنا منه فلما كان الليل قال لي يا أبا سفيان قلت ما تشاء قال هل لك في مثل البارحة قلت هل لك فيه قال: نعم فسرنا على ناقتين بختيتين حتى إذا برزنا قال: هيا صخر، هيه عن عتبة بن ربيعة قال قلت هيها فيه قال أيجتنب المحارم والمظالم ويصل الرحم ويأمر بصلتها قلت إي والله انه ليفعل قال وذو مال قلت وذو مال قال أتعلم قرشيا أسود منه قلت: لا والله ما أعلم؟ قال كم أتى له من السن قلت قد زاد على المائة قال فان السن والشرف والمال أزرين به قلت كلا والله ما ازرى به ذلك وأنت قائل شيئا فقله. قال لا تذكر حديثي يأتى منه ما هو آت ثم قال فان الّذي رأيت أصابنى أنى جئت هذا العالم فسألته عن أشياء ثم قلت أخبرنى عن هذا النبي الّذي ينتظر قال هو رجل من العرب قلت قد علمت أنه من العرب فمن أي العرب هو قال من أهل بيت تحجه العرب قلت وفينا بيت تحجه العرب قال هو من إخوانكم من قريش فأصابني والله شيء ما أصابني مثله قط وخرج من يدي فوز الدنيا والآخرة وكنت أرجو ان أكون إياه قلت فإذا كان ما كان فصفه لي قال رجل شاب حين دخل في الكهولة. بدوّ أمره يجتنب المظالم والمحارم ويصل الرحم ويأمر بصلتها وهو محوج كريم الطرفين متوسط في العشيرة أكثر جنده من الملائكة قلت وما آية ذلك قال قد رجفت الشام منذ هلك عيسى بن مريم ﵇ ثمانين رجفة كلها
стр. 561
فيها مصيبة وبقيت رجفة عامة فيها مصائب. قال أبو سفيان: فقلت هذا والله الباطل لئن بعث الله رسولا لا يأخذه إلا مسنا شريفا. قال أمية: والّذي حلفت به ان هذا لهكذا يا أبا سفيان تقول إن قول النصراني حق. هل لك في المبيت؟ قلت نعم لي فيه قال فبتنا حتى جاءنا الثقل ثم خرجنا حتى إذا كان بيننا وبين مكة مرحلتان ليلتان (١) أدركنا راكب من خلفنا فسألناه فإذا هو يقول أصابت أهل الشام بعدكم رجفة دمرت أهلها وأصابتهم فيها مصائب عظيمة. قال أبو سفيان فاقبل على أمية فقال كيف ترى قول النصراني يا أبا سفيان قلت أرى وأظن والله ان ما حدثك به صاحبك حق قال أبو سفيان فقدمنا مكة فقضيت ما كان معى ثم انطلقت حتى جئت اليمن تاجرا فكنت بها خمسة أشهر ثم قدمت مكة فبينا انا في منزلي جاءني الناس يسلمون عليّ ويسألون عن بضائعهم حتى جاءني محمد بن عبد الله وهند عندي تلاعب صبيانها فسلم عليّ ورحب بى وسألني عن سفري ومقامي ولم يسألنى عن بضاعته ثم قام. فقلت: لهند والله ان هذا ليعجنى ما من أحد من قريش له معى بضاعة الا وقد سألني عنها وما سألني هذا عن بضاعته. فقالت لي هند: أو ما علمت شأنه فقلت وأنا فزع ما شأنه قالت يزعم أنه رسول الله فوقذتنى وتذكرت قول النصراني فرجفت حتى قالت لي هند مالك؟ فانتبهت فقلت إن هذا لهو الباطل لهو أعقل من أن يقول هذا قالت بلى والله انه ليقولن ذلك ويدعو اليه وان له لصحابة على دينه قلت هذا هو الباطل قال وخرجت فبينا انا أطوف بالبيت إذ بى قد لقيته فقلت له ان بضاعتك قد بلغت كذا وكذا وكان فيها خير فأرسل من يأخذها ولست آخذ منك فيها ما آخذ من قومي فأبى على. وقال اذن لا آخذها قلت فأرسل فخذها وانا آخذ منك مثل ما آخذ من قومي فأرسل الى بضاعته فأخذها وأخذت منه ما كنت آخذ من غيره.
قال أبو سفيان: فلم أنشب أن خرجت الى اليمن ثم قدمت الطائف فنزلت على أمية بن أبى الصلت فقال لي يا أبا سفيان ما تشاء هل تذكر قول النصراني فقلت أذكره وقد كان فقال: ومن؟ قلت محمد بن عبد الله قال ابن عبد المطلب قلت ابن عبد المطلب ثم قصصت عليه خبر هند قال فالله يعلم؟ وأخذ يتصبب عرقا. ثم قال: والله يا أبا سفيان لعله. إن صفته لهى ولئن ظهر وأنا حي لأطلبن من الله في نصره عذرا قال: ومضيت الى اليمن فلم أنشب ان جاءني هنالك استهلاله وأقبلت حتى نزلت على أمية ابن أبى الصلت بالطائف فقلت يا أبا عثمان قد كان من أمر الرجل ما قد بلغك وسمعته فقال قد كان لعمري قلت فأين أنت منه يا أبا عثمان فقال والله ما كنت لأومن برسول من غير ثقيف ابدا قال أبو سفيان وأقبلت الى مكة فو الله ما أنا ببعيد حتى جئت مكة فوجدت أصحابه يضربون ويحقرون قال أبو سفيان فجعلت أقول فأين جنده من الملائكة قال فدخلني ما يدخل الناس من النفاسة وقد رواه الحافظ البيهقي في كتاب الدلائل من حديث إسماعيل بن طريح به ولكن سياق الطبراني الّذي أوردناه أتم وأطول والله أعلم.
стр. 562
وقال الطبراني: حدثنا بكر بن احمد بن نفيل حدثنا عبد الله بن شبيب حدثنا يعقوب بن محمد الزهري حدثنا مجاشع بن عمرو الأسدي حدثنا ليث بن سعد عن أبى الأسود محمد بن عبد الرحمن عن عروة بن الزبير عن معاوية بن أبى سفيان عن ابى سفيان بن حرب أن أمية بن أبى الصلت كان بغزة أو بايلياء فلما قفلنا قال لي أمية يا أبا سفيان هل لك ان تتقدم على الرفقة فنتحدث قلت نعم! قال ففعلنا فقال لي يا أبا سفيان إيه عن عتبة بن ربيعة قلت: كريم الطرفين ويجتنب المحارم والمظالم قلت نعم قال وشريف مسن قلت وشريف مسن قال السن والشرف ازريابه فقلت له كذبت ما ازداد سنا الا ازداد شرفا قال يا أبا سفيان انها كلمة ما سمعت أحدا يقولها لي منذ تبصرت فلا تعجل عليّ حتى أخبرك قال قلت هات قال انى كنت أجد في كتبي نبيا يبعث من حرتنا هذه فكنت أظن بل كنت لا أشك انى أنا هو فلما دارست أهل العلم إذا هو من بنى عبد مناف فنظرت في بنى عبد مناف فلم أجد أحدا يصلح لهذا الأمر غير عتبة بن ربيعة فلما أخبرتنى بسنه عرفت انه ليس به حين جاوز الأربعين ولم يوح اليه قال ابو سفيان فضرب الدهر ضربه فأوحى الى رسول الله ﷺ وخرجت في ركب من قريش أريد اليمن في تجارة فمررت بامية فقلت له كالمستهزئ به يا أمية قد خرج النبي الّذي كنت تنعته قال أما انه حق فاتبعه قلت ما يمنعك من اتباعه قال ما يمنعني إلا الاستحياء من نساء ثقيف إني كنت احدثهن أنى هو ثم يريننى تابعا لغلام من بنى عبد مناف ثم قال أمية كأنى بك يا ابا سفيان قد خالفته ثم قد ربطت كما يربط الجدي حتى يؤتى بك اليه فيحكم فيك بما يريد.
وقال عبد الرازق: أخبرنا معمر عن الكلبي قال بينا أمية راقد ومعه ابنتان له إذ فزعت إحداهما فصاحت عليه فقال لها ما شأنك قالت رأيت نسرين كشطا سقف البيت فنزل أحدهما إليك فشق بطنك والآخر واقف على ظهر البيت فناداه فقال أوعى قال نعم قال ازكى قال لا فقال ذاك خير أريد بأبيكما فلم يفعله وقد روى من وجه آخر بسياق آخر
فقال إسحاق بن بشر عن محمد بن إسحاق عن الزهري عن سعيد بن المسيب وعثمان بن عبد الرحمن عن الزهري عن سعيد بن المسيب قال قدمت الفارعة أخت أمية بن أبى الصلت على رسول الله ﷺ بعد فتح مكة (١) وكانت ذات لب وعقل وجمال وكان رسول الله ﷺ بها معجبا فقال لها ذات يوم يا فارعة هل تحفظين من شعر أخيك شيئا فقالت نعم واعجب من ذلك ما قد رأيت قالت كان أخى في سفر فلما انصرف بدأنى فدخل علي فرقد على سريري وأنا أحلق أديما في يدي إذ أقبل طائران أبيضان أو كالطيرين أبيضين فوقع على الكوة أحدهما ودخل الآخر فوقع عليه فشق الواقع عليه ما بين قصه الى عانته ثم ادخل يده في جوفه فاخرج قلبه فوضعه في كفه ثم شمه فقال له الطائر الآخر أوعى قال وعى قال ازكى قال أبى ثم رد القلب الى مكانه فالتأم الجرح أسرع من طرفة عين ثم ذهبا فلما رأيت ذلك
стр. 563
دنوت منه فحركته فقلت هل تجد شيئا. قال: لا إلا توهينا في جسدي - وقد كنت ارتعبت مما رأيت - فقال ما لي أراك مرتاعة. قالت فأخبرته الخبر فقال خير أريد بى ثم صرف عنى ثم انشأ يقول:
باتت همومي تسرى طوارقها … أكف عيني والدمع سابقها
مما أتانى من اليقين ولم … أوت براة يقص ناطقها (١)
أم من تلظى عليه واقدة النار … محيط بهم سرادقها
أم أسكن الجنة التي وعد … الأبرار مصفوفة نمارقها
لا يستوي المنزلان ثم ولا … الأعمال لا تستوي طرائقها
هما فريقان فرقة تدخل الجنة … حفت بهم حدائقها
وفرقة منهم قد ادخلت النار … فساءتهم مرافقها
تعاهدت هذه القلوب إذا … همت بخير عاقت عوائقها
وصدها للشقاء عن طلب … الجنة دنيا الله ماحقها
عبد دعا نفسه فعاتبها … يعلم ان البصير رامقها
ما رغّب النفس في الحياة وان … تحيا قليلا فالموت لاحقها
يوشك من فر من منيته … يوما على غرة يوافقها
ان لم تمت غبطة تمت هرما … للموت كأس والمرء ذائقها
قال ثم انصرف الى رحله فلم يلبث الا يسيرا حتى طعن في حيارته (١) فأتاني الخبر فانصرفت اليه فوجدته منعوشا قد سجى عليه فدنوت منه فشهق شهقة وشق بصره ونظر نحو السقف ورفع صوته. وقال: لبيكما لبيكما ها أنا ذا لديكما، لا ذو مال فيفدينى ولا ذو أهل فتحمينى. ثم أغمي عليه إذ شهق شهقة فقلت قد هلك الرجل. فشق بصره نحو السقف فرفع صوته. فقال: لبيكما لبيكما ها أنا ذا لديكما، لا ذو براءة فأعتذر، ولا ذو عشيرة فأنتصر. ثم أغمى عليه إذ شهق شهقة وشق بصره ونظر نحو السقف. فقال:
لبيكما لبيكما ها أنا ذا لديكما، بالنعم محفود وبالذنب محصود، ثم أغمى عليه إذ شهق شهقة. فقال: لبيكما لبيكما ها أنا ذا لديكما
إن تغفر اللهمّ تغفر جما … وأي عبد لك لا ألمّا
ثم أغمى عليه إذ شهق شهقة فقال:
كل عيش وان تطاول دهرا … صائر مرة (٢) الى أن يزولا
ليتني كنت قبل ما قد بدا لي … في قلال الجبال أرعى الوعولا
стр. 564
قالت: ثم مات. فقال رسول الله ﷺ : يا فارعة إن مثل أخيك كمثل الّذي آتاه الله آياته فانسلخ منها. الآية وقد تكلم الخطابي على غريب هذا الحديث.
وروى الحافظ ابن عساكر عن الزهري انه قال قال أمية ابن أبى الصلت:
الا رسول لنا منا يخبرنا … ما بعد غايتنا من رأس مجرانا (١)
قال ثم خرج أمية بن أبى الصلت الى البحرين وتنبأ رسول الله ﷺ واقام أمية بالبحرين ثماني سنين ثم قدم الطائف فقال لهم: ما يقول محمد بن عبد الله قالوا يزعم أنه نبي هو الّذي كنت تتمنى. قال:
فخرج حتى قدم عليه مكة فلقيه. فقال: يا ابن عبد المطلب ما هذا الّذي تقول قال أقول: إني رسول الله وان لا إله إلا هو. قال: انى أريد أن أكلمك فعدني غدا قال فموعدك غدا قال فتحب ان آتيك وحدي أو في جماعة من أصحابى وتأتينى وحدك أو في جماعة من أصحابك فقال رسول الله ﷺ أي ذلك شئت قال فانى آتيك في جماعة فأت في جماعة قال فلما كان الغد غدا أمية في جماعة من قريش قال وغدا رسول الله ﷺ معه نفر من أصحابه حتى جلسوا في ظل الكعبة. قال: فبدأ أمية فخطب ثم سجع ثم أنشد الشعر حتى إذا فرغ الشعر قال أجبنى يا ابن عبد المطلب. فقال رسول الله ﷺ : ﴿بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ * يس * وَالْقُرْآنِ الْحَكِيمِ﴾ حتى إذا فرغ منها وثب أمية يجر رجليه قال فتبعته قريش يقولون ما تقول يا أمية قال اشهد انه على الحق. فقالوا: هل تتبعه قال حتى انظر في أمره قال ثم خرج أمية الى الشام وقدم رسول الله ﷺ المدينة فلما قتل أهل بدر قدم أمية من الشام حتى نزل بدرا ثم ترحل يريد رسول الله ﷺ فقال قائل: يا أبا الصلت ما تريد؟ قال أريد محمدا قال وما تصنع؟ قال أو من به والقى اليه مقاليد هذا الأمر قال: أتدري من في القليب؟ قال لا قال: فيه عتبة بن ربيعة، وشيبة بن ربيعة، وهما ابنا خالك - وأمه ربيعة بنت عبد شمس - قال فجدع أذنى ناقته وقطع ذنبها ثم وقف على القليب يقول:
ماذا ببدر فالعقنقل … من مرازبة جحاجح
القصيدة إلى آخرها كما سيأتي ذكرها بتمامها في قصة بدر ان شاء الله. ثم رجع الى مكة والطائف وترك الإسلام. ثم ذكر قصة الطيرين وقصة وفاته كما تقدم وانشد شعره عند الوفاة:
كل عيش وان تطاول دهرا … صائر مرة الى أن يزولا
ليتني كنت قبل ما قد بدا لي … في قلال الجبال أرعى الوعولا
فاجعل الموت نصب عينيك واحذر … غولة الدهر ان للدهر غولا
نائلا ظفرها القساور والصد … عان والطفل في المنار الشكيلا
وبغاث النياف واليعفر النافر … والعوهج البرام الضئيلا
стр. 565
فقوله: القساور جمع قسورة وهو الأسد. والصدعان ثيران الوحش واحدها صدع. والطفل الشكل من حمرة العين، والبغاث الرخم، والنياف الجبال، واليعفر الظبي، والعوهج ولد النعامة. يعنى أن الموت لا ينجو منه الوحوش في البراري ولا الرخم الساكنة في رءوس الجبال ولا يترك صغيرا لصغره ولا كبيرا لكبره. وقد تكلم الخطابي وغيره على غريب هذه الأحاديث. وقد ذكر السهيليّ في كتابه التعريف والأعلام: أن أمية بن أبى الصلت أول من قال باسمك اللهمّ، وذكر عند ذلك قصة غريبة وهو أنهم خرجوا في جماعة من قريش في سفر فيهم حرب بن أمية والد أبى سفيان قال فمروا في مسيرهم بحية فقتلوها فلما امسوا جاءتهم امرأة من الجان فعاتبتهم في قتل تلك الحية ومعها قضيب فضربت به الأرض ضربة نفرت الإبل عن آخرها فذهبت وشردت كل مذهب وقاموا فلم يزالوا في طلبها حتى ردوها فلما اجتمعوا جاءتهم أيضا فضربت الأرض بقضيبها فنفرت الإبل فذهبوا في طلبها فلما أعياهم ذلك قالوا والله هل عندك لما نحن فيه من مخرج فقال لا والله ولكن سأنظر في ذلك قال فساروا في تلك المحلة لعلهم يجدون أحدا يسألونه عما قد حل بهم من العناء إذا نار تلوح على بعد فجاءوها فإذا شيخ على باب خيمة يوقد نارا وإذا هو من الجان في غاية الضآلة والدمامة فسلموا عليه فسألهم عماهم فيه فقال إذا جاءتكم فقل باسمك اللهمّ فإنها تهرب فلما اجتمعوا وجاءتهم الثالثة أو الرابعة قال في وجهها أمية باسمك اللهمّ فشردت ولم يقر لها قرار لكن عدت الجن على حرب بن أمية فقتلوه بتلك الحية فقبره أصحابه هنالك حيث لا جار ولا دار ففي ذلك يقول الجان:
وقبر حرب بمكان قفر … وليس قرب قبر حرب قبر
وذكر بعضهم: انه كان يتفرس في بعض الأحيان في لغات الحيوانات فكان يمر في السفر على الطير فيقول لأصحابه: إن هذا يقول كذا وكذا فيقولون لا نعلم صدق ما يقول حتى مروا على قطيع غنم قد انقطعت منه شاة ومعها ولدها فالتفتت اليه فثغت كأنها تستحثه. فقال: أتدرون ما تقول له قالوا لا قال انها تقول أسرع بنا لا يجيء الذئب فيأكلك كما أكل الذئب أخاك عام أول فأسرعوا حتى سألوا الراعي هل أكل له الذئب عام أول حملا بتلك البقعة فقال نعم. قال: ومر يوما على بعير عليه امرأة راكبة وهو يرفع رأسه اليها ويرغو. فقال: انه يقول لها انك رحلتينى وفي الحداجة مخيط فانزلوا تلك المرأة وحلوا ذلك الرحل فإذا فيه مخيط كما قال وذكر ابن السكيت: ان أمية بن أبى الصلت بينما هو يشرب يوما إذ نعب غراب. فقال: له بفيك التراب مرتين. فقيل له ما يقول؟ فقال: انه يقول إنك تشرب هذا الكأس الّذي في يدك ثم تموت. ثم نعب الغراب فقال انه يقول وآية ذلك أنى أنزل على هذه المزبلة فآكل منها فيعلق عظم في حلقي فأموت.
ثم نزل الغراب على تلك المزبلة فأكل شيئا فعلق في حلقه عظم فمات. فقال: أمية أما هذا فقد صدق في