← История

История · id 23708

البداية والنهاية - ط السعادة

ابن كثير

Полный текст (4 918 стр.). Показаны 561–600 · переход к 566.

стр. 561

فيها مصيبة وبقيت رجفة عامة فيها مصائب. قال أبو سفيان: فقلت هذا والله الباطل لئن بعث الله رسولا لا يأخذه إلا مسنا شريفا. قال أمية: والّذي حلفت به ان هذا لهكذا يا أبا سفيان تقول إن قول النصراني حق. هل لك في المبيت؟ قلت نعم لي فيه قال فبتنا حتى جاءنا الثقل ثم خرجنا حتى إذا كان بيننا وبين مكة مرحلتان ليلتان (١) أدركنا راكب من خلفنا فسألناه فإذا هو يقول أصابت أهل الشام بعدكم رجفة دمرت أهلها وأصابتهم فيها مصائب عظيمة. قال أبو سفيان فاقبل على أمية فقال كيف ترى قول النصراني يا أبا سفيان قلت أرى وأظن والله ان ما حدثك به صاحبك حق قال أبو سفيان فقدمنا مكة فقضيت ما كان معى ثم انطلقت حتى جئت اليمن تاجرا فكنت بها خمسة أشهر ثم قدمت مكة فبينا انا في منزلي جاءني الناس يسلمون عليّ ويسألون عن بضائعهم حتى جاءني محمد بن عبد الله وهند عندي تلاعب صبيانها فسلم عليّ ورحب بى وسألني عن سفري ومقامي ولم يسألنى عن بضاعته ثم قام. فقلت: لهند والله ان هذا ليعجنى ما من أحد من قريش له معى بضاعة الا وقد سألني عنها وما سألني هذا عن بضاعته. فقالت لي هند: أو ما علمت شأنه فقلت وأنا فزع ما شأنه قالت يزعم أنه رسول الله فوقذتنى وتذكرت قول النصراني فرجفت حتى قالت لي هند مالك؟ فانتبهت فقلت إن هذا لهو الباطل لهو أعقل من أن يقول هذا قالت بلى والله انه ليقولن ذلك ويدعو اليه وان له لصحابة على دينه قلت هذا هو الباطل قال وخرجت فبينا انا أطوف بالبيت إذ بى قد لقيته فقلت له ان بضاعتك قد بلغت كذا وكذا وكان فيها خير فأرسل من يأخذها ولست آخذ منك فيها ما آخذ من قومي فأبى على. وقال اذن لا آخذها قلت فأرسل فخذها وانا آخذ منك مثل ما آخذ من قومي فأرسل الى بضاعته فأخذها وأخذت منه ما كنت آخذ من غيره. قال أبو سفيان: فلم أنشب أن خرجت الى اليمن ثم قدمت الطائف فنزلت على أمية بن أبى الصلت فقال لي يا أبا سفيان ما تشاء هل تذكر قول النصراني فقلت أذكره وقد كان فقال: ومن؟ قلت محمد بن عبد الله قال ابن عبد المطلب قلت ابن عبد المطلب ثم قصصت عليه خبر هند قال فالله يعلم؟ وأخذ يتصبب عرقا. ثم قال: والله يا أبا سفيان لعله. إن صفته لهى ولئن ظهر وأنا حي لأطلبن من الله في نصره عذرا قال: ومضيت الى اليمن فلم أنشب ان جاءني هنالك استهلاله وأقبلت حتى نزلت على أمية ابن أبى الصلت بالطائف فقلت يا أبا عثمان قد كان من أمر الرجل ما قد بلغك وسمعته فقال قد كان لعمري قلت فأين أنت منه يا أبا عثمان فقال والله ما كنت لأومن برسول من غير ثقيف ابدا قال أبو سفيان وأقبلت الى مكة فو الله ما أنا ببعيد حتى جئت مكة فوجدت أصحابه يضربون ويحقرون قال أبو سفيان فجعلت أقول فأين جنده من الملائكة قال فدخلني ما يدخل الناس من النفاسة وقد رواه الحافظ البيهقي في كتاب الدلائل من حديث إسماعيل بن طريح به ولكن سياق الطبراني الّذي أوردناه أتم وأطول والله أعلم.

стр. 562

وقال الطبراني: حدثنا بكر بن احمد بن نفيل حدثنا عبد الله بن شبيب حدثنا يعقوب بن محمد الزهري حدثنا مجاشع بن عمرو الأسدي حدثنا ليث بن سعد عن أبى الأسود محمد بن عبد الرحمن عن عروة بن الزبير عن معاوية بن أبى سفيان عن ابى سفيان بن حرب أن أمية بن أبى الصلت كان بغزة أو بايلياء فلما قفلنا قال لي أمية يا أبا سفيان هل لك ان تتقدم على الرفقة فنتحدث قلت نعم! قال ففعلنا فقال لي يا أبا سفيان إيه عن عتبة بن ربيعة قلت: كريم الطرفين ويجتنب المحارم والمظالم قلت نعم قال وشريف مسن قلت وشريف مسن قال السن والشرف ازريابه فقلت له كذبت ما ازداد سنا الا ازداد شرفا قال يا أبا سفيان انها كلمة ما سمعت أحدا يقولها لي منذ تبصرت فلا تعجل عليّ حتى أخبرك قال قلت هات قال انى كنت أجد في كتبي نبيا يبعث من حرتنا هذه فكنت أظن بل كنت لا أشك انى أنا هو فلما دارست أهل العلم إذا هو من بنى عبد مناف فنظرت في بنى عبد مناف فلم أجد أحدا يصلح لهذا الأمر غير عتبة بن ربيعة فلما أخبرتنى بسنه عرفت انه ليس به حين جاوز الأربعين ولم يوح اليه قال ابو سفيان فضرب الدهر ضربه فأوحى الى رسول الله ﷺ وخرجت في ركب من قريش أريد اليمن في تجارة فمررت بامية فقلت له كالمستهزئ به يا أمية قد خرج النبي الّذي كنت تنعته قال أما انه حق فاتبعه قلت ما يمنعك من اتباعه قال ما يمنعني إلا الاستحياء من نساء ثقيف إني كنت احدثهن أنى هو ثم يريننى تابعا لغلام من بنى عبد مناف ثم قال أمية كأنى بك يا ابا سفيان قد خالفته ثم قد ربطت كما يربط الجدي حتى يؤتى بك اليه فيحكم فيك بما يريد. وقال عبد الرازق: أخبرنا معمر عن الكلبي قال بينا أمية راقد ومعه ابنتان له إذ فزعت إحداهما فصاحت عليه فقال لها ما شأنك قالت رأيت نسرين كشطا سقف البيت فنزل أحدهما إليك فشق بطنك والآخر واقف على ظهر البيت فناداه فقال أوعى قال نعم قال ازكى قال لا فقال ذاك خير أريد بأبيكما فلم يفعله وقد روى من وجه آخر بسياق آخر فقال إسحاق بن بشر عن محمد بن إسحاق عن الزهري عن سعيد بن المسيب وعثمان بن عبد الرحمن عن الزهري عن سعيد بن المسيب قال قدمت الفارعة أخت أمية بن أبى الصلت على رسول الله ﷺ بعد فتح مكة (١) وكانت ذات لب وعقل وجمال وكان رسول الله ﷺ بها معجبا فقال لها ذات يوم يا فارعة هل تحفظين من شعر أخيك شيئا فقالت نعم واعجب من ذلك ما قد رأيت قالت كان أخى في سفر فلما انصرف بدأنى فدخل علي فرقد على سريري وأنا أحلق أديما في يدي إذ أقبل طائران أبيضان أو كالطيرين أبيضين فوقع على الكوة أحدهما ودخل الآخر فوقع عليه فشق الواقع عليه ما بين قصه الى عانته ثم ادخل يده في جوفه فاخرج قلبه فوضعه في كفه ثم شمه فقال له الطائر الآخر أوعى قال وعى قال ازكى قال أبى ثم رد القلب الى مكانه فالتأم الجرح أسرع من طرفة عين ثم ذهبا فلما رأيت ذلك

стр. 563

دنوت منه فحركته فقلت هل تجد شيئا. قال: لا إلا توهينا في جسدي - وقد كنت ارتعبت مما رأيت - فقال ما لي أراك مرتاعة. قالت فأخبرته الخبر فقال خير أريد بى ثم صرف عنى ثم انشأ يقول: باتت همومي تسرى طوارقها … أكف عيني والدمع سابقها مما أتانى من اليقين ولم … أوت براة يقص ناطقها (١) أم من تلظى عليه واقدة النار … محيط بهم سرادقها أم أسكن الجنة التي وعد … الأبرار مصفوفة نمارقها لا يستوي المنزلان ثم ولا … الأعمال لا تستوي طرائقها هما فريقان فرقة تدخل الجنة … حفت بهم حدائقها وفرقة منهم قد ادخلت النار … فساءتهم مرافقها تعاهدت هذه القلوب إذا … همت بخير عاقت عوائقها وصدها للشقاء عن طلب … الجنة دنيا الله ماحقها عبد دعا نفسه فعاتبها … يعلم ان البصير رامقها ما رغّب النفس في الحياة وان … تحيا قليلا فالموت لاحقها يوشك من فر من منيته … يوما على غرة يوافقها ان لم تمت غبطة تمت هرما … للموت كأس والمرء ذائقها قال ثم انصرف الى رحله فلم يلبث الا يسيرا حتى طعن في حيارته (١) فأتاني الخبر فانصرفت اليه فوجدته منعوشا قد سجى عليه فدنوت منه فشهق شهقة وشق بصره ونظر نحو السقف ورفع صوته. وقال: لبيكما لبيكما ها أنا ذا لديكما، لا ذو مال فيفدينى ولا ذو أهل فتحمينى. ثم أغمي عليه إذ شهق شهقة فقلت قد هلك الرجل. فشق بصره نحو السقف فرفع صوته. فقال: لبيكما لبيكما ها أنا ذا لديكما، لا ذو براءة فأعتذر، ولا ذو عشيرة فأنتصر. ثم أغمى عليه إذ شهق شهقة وشق بصره ونظر نحو السقف. فقال: لبيكما لبيكما ها أنا ذا لديكما، بالنعم محفود وبالذنب محصود، ثم أغمى عليه إذ شهق شهقة. فقال: لبيكما لبيكما ها أنا ذا لديكما إن تغفر اللهمّ تغفر جما … وأي عبد لك لا ألمّا ثم أغمى عليه إذ شهق شهقة فقال: كل عيش وان تطاول دهرا … صائر مرة (٢) الى أن يزولا ليتني كنت قبل ما قد بدا لي … في قلال الجبال أرعى الوعولا

стр. 564

قالت: ثم مات. فقال رسول الله ﷺ : يا فارعة إن مثل أخيك كمثل الّذي آتاه الله آياته فانسلخ منها. الآية وقد تكلم الخطابي على غريب هذا الحديث. وروى الحافظ ابن عساكر عن الزهري انه قال قال أمية ابن أبى الصلت: الا رسول لنا منا يخبرنا … ما بعد غايتنا من رأس مجرانا (١) قال ثم خرج أمية بن أبى الصلت الى البحرين وتنبأ رسول الله ﷺ واقام أمية بالبحرين ثماني سنين ثم قدم الطائف فقال لهم: ما يقول محمد بن عبد الله قالوا يزعم أنه نبي هو الّذي كنت تتمنى. قال: فخرج حتى قدم عليه مكة فلقيه. فقال: يا ابن عبد المطلب ما هذا الّذي تقول قال أقول: إني رسول الله وان لا إله إلا هو. قال: انى أريد أن أكلمك فعدني غدا قال فموعدك غدا قال فتحب ان آتيك وحدي أو في جماعة من أصحابى وتأتينى وحدك أو في جماعة من أصحابك فقال رسول الله ﷺ أي ذلك شئت قال فانى آتيك في جماعة فأت في جماعة قال فلما كان الغد غدا أمية في جماعة من قريش قال وغدا رسول الله ﷺ معه نفر من أصحابه حتى جلسوا في ظل الكعبة. قال: فبدأ أمية فخطب ثم سجع ثم أنشد الشعر حتى إذا فرغ الشعر قال أجبنى يا ابن عبد المطلب. فقال رسول الله ﷺ : ﴿بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ * يس * وَالْقُرْآنِ الْحَكِيمِ﴾ حتى إذا فرغ منها وثب أمية يجر رجليه قال فتبعته قريش يقولون ما تقول يا أمية قال اشهد انه على الحق. فقالوا: هل تتبعه قال حتى انظر في أمره قال ثم خرج أمية الى الشام وقدم رسول الله ﷺ المدينة فلما قتل أهل بدر قدم أمية من الشام حتى نزل بدرا ثم ترحل يريد رسول الله ﷺ فقال قائل: يا أبا الصلت ما تريد؟ قال أريد محمدا قال وما تصنع؟ قال أو من به والقى اليه مقاليد هذا الأمر قال: أتدري من في القليب؟ قال لا قال: فيه عتبة بن ربيعة، وشيبة بن ربيعة، وهما ابنا خالك - وأمه ربيعة بنت عبد شمس - قال فجدع أذنى ناقته وقطع ذنبها ثم وقف على القليب يقول: ماذا ببدر فالعقنقل … من مرازبة جحاجح القصيدة إلى آخرها كما سيأتي ذكرها بتمامها في قصة بدر ان شاء الله. ثم رجع الى مكة والطائف وترك الإسلام. ثم ذكر قصة الطيرين وقصة وفاته كما تقدم وانشد شعره عند الوفاة: كل عيش وان تطاول دهرا … صائر مرة الى أن يزولا ليتني كنت قبل ما قد بدا لي … في قلال الجبال أرعى الوعولا فاجعل الموت نصب عينيك واحذر … غولة الدهر ان للدهر غولا نائلا ظفرها القساور والصد … عان والطفل في المنار الشكيلا وبغاث النياف واليعفر النافر … والعوهج البرام الضئيلا

стр. 565

فقوله: القساور جمع قسورة وهو الأسد. والصدعان ثيران الوحش واحدها صدع. والطفل الشكل من حمرة العين، والبغاث الرخم، والنياف الجبال، واليعفر الظبي، والعوهج ولد النعامة. يعنى أن الموت لا ينجو منه الوحوش في البراري ولا الرخم الساكنة في رءوس الجبال ولا يترك صغيرا لصغره ولا كبيرا لكبره. وقد تكلم الخطابي وغيره على غريب هذه الأحاديث. وقد ذكر السهيليّ في كتابه التعريف والأعلام: أن أمية بن أبى الصلت أول من قال باسمك اللهمّ، وذكر عند ذلك قصة غريبة وهو أنهم خرجوا في جماعة من قريش في سفر فيهم حرب بن أمية والد أبى سفيان قال فمروا في مسيرهم بحية فقتلوها فلما امسوا جاءتهم امرأة من الجان فعاتبتهم في قتل تلك الحية ومعها قضيب فضربت به الأرض ضربة نفرت الإبل عن آخرها فذهبت وشردت كل مذهب وقاموا فلم يزالوا في طلبها حتى ردوها فلما اجتمعوا جاءتهم أيضا فضربت الأرض بقضيبها فنفرت الإبل فذهبوا في طلبها فلما أعياهم ذلك قالوا والله هل عندك لما نحن فيه من مخرج فقال لا والله ولكن سأنظر في ذلك قال فساروا في تلك المحلة لعلهم يجدون أحدا يسألونه عما قد حل بهم من العناء إذا نار تلوح على بعد فجاءوها فإذا شيخ على باب خيمة يوقد نارا وإذا هو من الجان في غاية الضآلة والدمامة فسلموا عليه فسألهم عماهم فيه فقال إذا جاءتكم فقل باسمك اللهمّ فإنها تهرب فلما اجتمعوا وجاءتهم الثالثة أو الرابعة قال في وجهها أمية باسمك اللهمّ فشردت ولم يقر لها قرار لكن عدت الجن على حرب بن أمية فقتلوه بتلك الحية فقبره أصحابه هنالك حيث لا جار ولا دار ففي ذلك يقول الجان: وقبر حرب بمكان قفر … وليس قرب قبر حرب قبر وذكر بعضهم: انه كان يتفرس في بعض الأحيان في لغات الحيوانات فكان يمر في السفر على الطير فيقول لأصحابه: إن هذا يقول كذا وكذا فيقولون لا نعلم صدق ما يقول حتى مروا على قطيع غنم قد انقطعت منه شاة ومعها ولدها فالتفتت اليه فثغت كأنها تستحثه. فقال: أتدرون ما تقول له قالوا لا قال انها تقول أسرع بنا لا يجيء الذئب فيأكلك كما أكل الذئب أخاك عام أول فأسرعوا حتى سألوا الراعي هل أكل له الذئب عام أول حملا بتلك البقعة فقال نعم. قال: ومر يوما على بعير عليه امرأة راكبة وهو يرفع رأسه اليها ويرغو. فقال: انه يقول لها انك رحلتينى وفي الحداجة مخيط فانزلوا تلك المرأة وحلوا ذلك الرحل فإذا فيه مخيط كما قال وذكر ابن السكيت: ان أمية بن أبى الصلت بينما هو يشرب يوما إذ نعب غراب. فقال: له بفيك التراب مرتين. فقيل له ما يقول؟ فقال: انه يقول إنك تشرب هذا الكأس الّذي في يدك ثم تموت. ثم نعب الغراب فقال انه يقول وآية ذلك أنى أنزل على هذه المزبلة فآكل منها فيعلق عظم في حلقي فأموت. ثم نزل الغراب على تلك المزبلة فأكل شيئا فعلق في حلقه عظم فمات. فقال: أمية أما هذا فقد صدق في

стр. 566

نفسه ولكن سأنظر هل صدق في أم لا ثم شرب ذلك الكأس الّذي في يده ثم اتكأ فمات. وقد ثبت في الصحيح من حديث ابن مهدي عن الثوري عن عبد الملك بن عمير عن أبى سلمة عن أبى هريرة قال قال رسول الله ﷺ : إن أصدق كلمة قالها شاعر كلمة لبيد * ألا كل شيء ما خلا الله باطل * وكاد أمية بن أبى الصلت أن يسلم فقال الامام أحمد: حدثنا روح حدثنا زكريا بن إسحاق حدثنا إبراهيم بن ميسرة انه سمع عمرو بن الشريد يقول قال الشريد كنت ردفا لرسول الله ﷺ فقال لي: أمعك من شعر أمية بن أبى الصلت شيء؟ قلت نعم! قال فأنشدني فأنشدته بيتا فلم يزل يقول لي كلما أنشدته بيتا ايه حتى أنشدته مائة بيت قال ثم سكت النبي ﷺ وسكت وهكذا رواه مسلم من حديث سفيان بن عيينة عن أبى تميم بن ميسرة به. ومن غير وجه عن عمرو بن الشريد عن أبيه الشريد بن سويد الثقفي عن النبي ﷺ . وفي بعض الروايات فقال رسول الله ان كاد يسلم. وقال يحيى بن محمد بن صاعد حدثنا إبراهيم بن سعيد الجوهري حدثنا أبو أسامة حدثنا حاتم بن أبى صفرة عن سماك بن حرب عن عمرو بن نافع عن الشريد الهمدانيّ وأخواله ثقيف قال خرجنا مع رسول الله ﷺ في حجة الوداع فبينا أنا أمشى ذات يوم إذا وقع ناقة خلفي فإذا رسول الله ﷺ فقال الشريد فقلت نعم: قال الا أحملك قلت بلى وما من إعياء ولكنى أردت البركة في ركوبي مع رسول الله ﷺ فأناخ فحملني فقال: أمعك من شعر أمية بن أبى الصلت؟ قلت نعم! قال هات فأنشدته قال أظنه قال مائة بيت فقال عند الله علم أمية بن أبى الصلت ثم قال ابن صاعد هذا حديث غريب فاما الّذي يروى أن رسول الله ﷺ قال في أمية آمن شعره وكفر قلبه فلا أعرفه والله أعلم وقال الامام أحمد: حدثنا عبد الله بن محمد - هو أبو بكر بن أبى شيبة - حدثنا عبدة بن سليمان عن محمد بن إسحاق عن يعقوب بن عتبة عن عكرمة عن ابن عباس: أن رسول الله ﷺ صدق أمية في شيء من شعره قال: زحل وثور تحت رجل يمينه … والنسر للأخرى وليث مرصد والشمس تبدو كل آخر ليلة … حمراء يصبح لونها يتورد تأبى فما تطلع لنا في رسلها … إلا معذبة وإلا تجلد فقال رسول الله ﷺ صدق. وفي رواية أبى بكر الهذلي عن عكرمة عن ابن عباس انه قال: إن الشمس لا تطلع حتى ينخسها سبعون ألف ملك يقول لها اطلعى اطلعى فتقول لا أطلع على قوم يعبدونني من دون الله فإذا همت بالطلوع أتاها شيطان يريد أن يثبطها فتطلع بين قرنيه وتحرقه فإذا تضيفت للغروب عزمت لله فيأتيها شيطان يريد أن يثبطها عن السجود فتغرب من قرنيه وتحرقه. أورده ابن عساكر مطولا. ومن شعره في حملة العرش:

стр. 567

فمن حامل احدى قوائم عرشه … ولولا إله الخلق كلوا وأبلدوا قيام على الاقدام عانون تحته … فرائصهم من شدة الخوف ترعد رواه ابن عساكر وروى عن الأصمعي انه كان ينشد من شعر أمية: مجدوا الله فهو للمجد أهل … ربنا في السماء أمسى كبيرا بالبناء الأعلى الّذي سبق الناس … وسوى فوق السماء سريرا شرجعا (١) يناله بصر العين … ترى دونه الملائك صورا ثم يقول الأصمعي: الملائك جمع ملك والصور جمع أصور وهو المائل العنق وهؤلاء حملة العرش. ومن شعر أمية بن أبى الصلت يمدح عبد الله بن جدعان التيمي: أأذكر حاجتي أم قد كفاني … حياؤك إن شيمتك الحياء وعلمك بالحقوق وأنت فرع … لك الحسب المهذب والسناء كريم لا يغيره صباح … عن الخلق الجميل ولا مساء يبارى الريح مكرمة وجودا … إذا ما الكلب أحجره الشتاء وأرضك ارض مكرمة بنتها … بنو تيم وأنت لها سماء إذا أثنى عليك المرء يوما … كفاه من تعرضه الثناء وله فيه مدائح أخر. وقد كان عبد الله بن جدعان هذا من الكرماء الأجواد الممدحين المشهورين وكان له جفنة يأكل الراكب منها وهو على بعيره من عرض حافتها وكثرة طعامها، وكان يملأها لباب البر يلبك بالشهد والسمن، وكان يعتق الرقاب ويعين على النوائب وقد سألت عائشة النبي ﷺ أينفعه ذلك؟ فقال انه لم يقل يوما من الدهر (رب اغفر لي خطيئتي يوم الدين) ومن شعر أمية البديع: لا ينكثون الأرض عند سؤالهم … كتطلب العلات بالعيدان بل يسفرون وجوههم فترى لها … عند السؤال كأحسن الألوان وإذا المقل اقام وسط رحالهم … ردوه رب صواهل وقيان وإذا دعوتهم لكل ملمة … سدوا شعاع الشمس بالفرسان آخر ترجمة أمية بن أبى الصلت. بحيرا الراهب الّذي توسم في رسول الله ﷺ النبوة وهو مع عمه أبى طالب حين قدم الشام في تجار من أهل مكة وعمره إذ ذاك اثنى عشرة سنة فرأى الغمامة تظله من بينهم. فصنع لهم طعاما ضيافة واستدعاهم كما

стр. 568

سيأتي بيان ذلك في السيرة وقد روى الترمذي في ذلك حديثا بسطنا الكلام عليه هنالك وقد أورد له الحافظ ابن عساكر شواهد وسائغات في ترجمة بحيرا ولم يورد ما رواه الترمذي وهذا عجب وذكر ابن عساكر ان بحيرا كان يسكن قرية يقال لها الكفر (١) بينها وبين بصرى ستة أميال وهي التي يقال لها (دير بحيرا) قال ويقال: انه كان يسكن قرية يقال لها منفعة بالبلقاء وراء زيرا والله أعلم. ذكر قس بن ساعدة الأيادي قال الحافظ أبو بكر محمد بن جعفر بن سهل الخرائطى في كتاب هواتف الجان: حدثنا داود القنطري حدثنا عبد الله بن صالح حدثني أبو عبد الله المشرقي عن أبى الحارث الوراق عن ثور بن يزيد عن مورق العجليّ عن عبادة بن الصامت. قال: لما قدم وفد اياد على النبي ﷺ قال: يا معشر وفد اياد ما فعل قس بن ساعدة الأيادي. قالوا: هلك يا رسول الله. قال: لقد شهدته يوما بسوق عكاظ على جمل أحمر يتكلم بكلام معجب مونق لا أجدنى أحفظه. فقام اليه أعرابي من أقاصى القوم فقال: أنا أحفظه يا رسول الله. قال: فسر النبي ﷺ بذلك قال: فكان بسوق عكاظ على جمل أحمر وهو يقول: يا معشر الناس اجتمعوا فكل من فات فات، وكل شيء آت آت، ليل داج، وسماء ذات أبراج، وبحر عجاج، نجوم تزهر، وجبال مرسية، وأنهار مجرية، ان في السماء لخبرا، وان في الأرض لعبرا، ما لي أرى الناس يذهبون فلا يرجعون، أرضوا بالإقامة فأقاموا، أم تركوا فناموا. أقسم قس بالله قسما لا ريب فيه. ان لله دينا هو أرضى من دينكم هذا ثم أنشأ يقول: في الذاهبين الأولين … من القرون لنا بصائر لما رأيت مواردا … للموت ليس لها مصادر ورأيت قومي نحوها … يمضى الأصاغر والأكابر لا من مضى يأتى إليك … ولا من الباقين غابر أيقنت أنى لا محالة … حيث صار القوم صائر وهذا اسناد غريب من هذا الوجه وقد رواه الطبراني من وجه آخر فقال في كتابه المعجم الكبير: حدثنا محمد بن السري بن مهران بن الناقد البغدادي حدثنا محمد بن حسان السهمي حدثنا محمد بن الحجاج عن مجالد عن الشعبي عن ابن عباس. قال: قدم وفد عبد القيس على النبي ﷺ فقال: أيكم

стр. 569

يعرف القس بن ساعدة الأيادي. قالوا: كلنا يعرفه يا رسول الله. قال: فما فعل؟ قالوا هلك قال فما أنساه بعكاظ في الشهر الحرام وهو على جمل أحمر وهو يخطب الناس وهو يقول: يا أيها الناس اجتمعوا واستمعوا وعوا، من عاش مات، ومن مات فات، وكل ما هو آت آت. إن في السماء لخبرا، وإن في الأرض لعبرا، مهاد موضوع، وسقف مرفوع، ونجوم تمور، وبحار لا تغور. وأقسم قس قسما حقا لئن كان في الأمر رضى ليكون بعده سخط. ان لله لدينا هو أحب اليه من دينكم الّذي أنتم عليه. ما لي أرى الناس يذهبون ولا يرجعون. أرضوا بالمقام فأقاموا. أم تركوا فناموا. ثم قال رسول الله ﷺ أفيكم من يروى شعره؟ فأنشده بعضهم: في الذاهبين الأولين … من القرون لنا بصائر لما رأيت مواردا … للموت ليس لها مصادر ورأيت قومي نحوها … يسعى الأصاغر والأكابر لا يرجع الماضي إلي … ولا من الباقين غابر أيقنت أنى لا محالة … حيث صار القوم صائر وهكذا أورده الحافظ البيهقي في كتابه دلائل النبوة من طريق محمد بن حسان السلمي به. وهكذا رويناه في الجزء الّذي جمعه الأستاذ أبو محمد عبد الله بن جعفر بن درستويه في أخبار قس قال حدثنا عبد الكريم بن الهيثم الديرعاقولي عن سعيد بن شبيب عن محمد بن الحجاج عن إبراهيم الواسطي نزيل بغداد ويعرف بصاحب الفريسة. وقد كذبه يحيى بن معين وأبو حاتم الرازيّ والدارقطنيّ واتهمه غير واحد منهم ابن عدي بوضع الحديث وقد رواه البزار وأبو نعيم من حديث محمد بن الحجاج هذا ورواه ابن درستويه وأبو نعيم من طريق الكلبي عن أبى صالح عن ابن عباس وهذه الطريق أمثل من التي قبلها وفيه إن أبا بكر هو الّذي أورد القصة بكمالها نظمها ونثرها بين يدي رسول الله ﷺ : ورواه الحافظ أبو نعيم من حديث احمد بن موسى بن إسحاق الحطمى. حدثنا على بن الحسين بن محمد المخزومي حدثنا أبو حاتم السجستاني حدثنا وهب بن جرير عن محمد بن إسحاق عن الزهري عن سعيد بن المسيب عن ابن عباس. قال قدم وفد بكر بن وائل على رسول الله ﷺ فقال لهم: ما فعل حليف لكم يقال له قس بن ساعدة الأيادي وذكر القصة مطولة. وأخبرنا الشيخ المسند الرحلة احمد بن أبى طالب الحجار إجازة ان لم يكن سماعا قال أجاز لنا جعفر بن على الهمدانيّ قال أخبرنا الحافظ أبو طاهر احمد بن محمد بن احمد بن إبراهيم السلفي سماعا وقرأت على شيخنا الحافظ أبى عبد الله الذهبي أخبرنا أبو على الحسن بن على بن أبى بكر الخلال سماعا قال أنا جعفر بن على سماعا قال أنا السلفي سماعا أنا أبو عبد الله محمد بن احمد بن إبراهيم الرازيّ أنا أبو الفضل محمد بن احمد بن عيسى السعدي أنا أبو القاسم عبيد الله

стр. 570

ابن احمد بن على المقرئ حدثنا أبو محمد عبد الله بن جعفر بن درستويه النحويّ قال حدثنا إسماعيل بن إبراهيم بن احمد السعدي - قاضى فارس - حدثنا أبو داود سليمان بن سيف بن يحيى بن درهم الطائي من أهل حران حدثنا أبو عمرو سعيد بن يربع عن محمد بن إسحاق حدثني بعض أصحابنا من أهل العلم عن الحسن بن أبى الحسن البصري أنه قال: كان الجارود بن المعلى بن حنش بن معلى العبديّ نصرانيا حسن المعرفة بتفسير الكتب وتأويلها عالما بسير الفرس وأقاويلها بصيرا بالفلسفة والطب ظاهر الدهاء والأدب كامل الجمال ذا ثروة ومال وانه قدم على النبي ﷺ وافدا في رجال من عبد القيس ذوى آراء واسنان وفصاحة وبيان وحجج وبرهان فلما قدم على النبي ﷺ وقف بين يديه وأشار اليه وأنشأ يقول: يا بنى الهدى أتتك رجال … قطعت فدفدا وآلا فآلا وطوت نحوك الصحاصح تهوى … لا تعد الكلال فيك كلالا كل بهماء قصّر الطرف عنها … أرقلتها قلاصنا إرقالا وطوتها العتاق يجمح فيها … بكماة كانجم تتلألأ تبتغي دفع بأس يوم عظيم … هائل أوجع القلوب وهالا ومزادا لمحشر الخلق طرا … وفراقا لمن تمادى ضلالا نحو نور من الإله وبرهان … وبر ونعمة أن تنالا خصك الله يا ابن آمنة الخير … بها إذ أتت سجالا سجالا فاجعل الحظ منك يا حجة الله … جزيلا لا حظ خلف أحالا قال فأدناه النبي ﷺ وقرب مجلسه وقال له. يا جارود لقد تأخر الموعود بك وبقومك. فقال الجارود: فداك أبى وأمى أما من تأخر عنك فقد فاته حظه وتلك أعظم حوبة واغلظ عقوبة وما كنت فيمن رآك أو سمع بك فعداك واتبع سواك وانى الآن على دين قد علمت به قد جئتك وها أنا تاركه لدينك أفذلك مما يمحص الذنوب والمآثم والحوب؟ ويرضى الرب عن المربوب فقال له رسول الله ﷺ : أنا ضامن لك ذلك وأخلص الآن لله بالوحدانية ودع عنك دين النصرانية. فقال الجارود: فداك أبى وأمى مد يدك فانا اشهد ان لا إله إلا الله وحده لا شريك له واشهد انك محمد عبده ورسوله. قال: فأسلم وأسلم معه أناس من قومه فسر النبي ﷺ بإسلامهم، وأظهر من إكرامهم ما سروا به وابتهجوا به. ثم اقبل عليهم رسول الله ﷺ فقال: أفيكم من يعرف قس بن ساعدة الأيادي فقال الجارود فداك أبى وأمى كلنا نعرفه وانى من بينهم لعالم بخبره واقف على أمره كان قس يا رسول الله سبطا من أسباط العرب عمر ستمائة سنة تقفر منها خمسة أعمار في البراري والقفار يضج بالتسبيح على مثال المسيح لا يقره قرار ولا تكنه دار ولا يستمتع به جار. كان يلبس الامساح ويفوق السياح، ولا يفتر من رهبانيته يتحسى في سياحته بيض النعام

стр. 571

ويأنس بالهوام، ويستمتع بالظلام، يبصر فيعتبر، ويفكر فيختبر، فصار لذلك واحدا تضرب بحكمته الأمثال، وتكشف به الأهوال. أدرك رأس الحواريين سمعان، وهو أول رجل تأله من العرب ووحّد، وأقر وتعبد، وأيقن بالبعث والحساب، وحذر سوء المآب، وأمر بالعمل قبل الفوت، ووعظ بالموت وسلم بالقضا، على السخط والرضا، وزار القبور، وذكر النشور، وندب بالاشعار، وفكر في الأقدار، وأنبأ عن السماء والنماء، وذكر النجوم وكشف الماء، ووصف البحار، وعرف الآثار، وخطب راكبا، ووعظ دائبا، وحذر من الكرب، ومن شدة الغضب، ورسّل الرسائل، وذكر كل هائل، وأرغم في خطبه، وبين في كتبه، وخوف الدهر، وحذر الأزر، وعظم الأمر، وجنب الكفر، وشوق الى الحنيفية، ودعا الى اللاهوتية. وهو القائل في يوم عكاظ: شرق وغرب، ويتم وحزب، وسلم وحرب، ويابس ورطب، وأجاج وعذب، وشموس وأقمار، ورياح وأمطار، وليل ونهار، وأناث وذكور، وبرار وبحور، وحب ونبات، وآباء وأمهات، وجمع واشتات، وآيات في إثرها آيات، ونور وظلام، ويسر واعدام، ورب وأصنام، لقد ضل الأنام، نشوّ مولود، ووأد مفقود، وتربية محصود، وفقير وغنى، ومحسن ومسيء، تبا لأرباب الغفلة، ليصلحن العامل عمله، وليفقدن الآمل أمله، كلا بل هو إله واحد، ليس بمولود ولا والد، أعاد وأبدى، وأمات وأحيا، وخلق الذكر والأنثى، رب الآخرة والاولى. أما بعد: فيا معشر إياد، أين ثمود وعاد؟ وأين الآباء والأجداد؟ وأين العليل والعواد؟ كل له معاد يقسم قس برب العباد، وساطح المهاد، لتحشرن على الانفراد، في يوم التناد، إذا نفخ في الصور، ونقر في الناقور، وأشرقت الأرض، ووعظ الواعظ، فانتبذ القانط وأبصر اللاحظ، فويل لمن صدف عن الحق الأشهر، والنور الأزهر، والعرض الأكبر، في يوم الفصل، وميزان العدل، إذا حكم القدير، وشهد النذير، وبعد النصير، وظهر التقصير، ففريق في الجنة وفريق في السعير. وهو القائل: ذكر القلب من جواه ادكار … وليال خلالهنّ نهار وسجال هواطل من غمام … ثرن ماء وفي جواهنّ نار ضوءها يطمس العيون وأرعاد … شداد في الخافقين تطار وقصور مشيدة حوت الخير … واخرى خلت بهن قفار وجبال شوامخ راسيات … وبحار مياههن غزار ونجوم تلوح في ظلم الليل … نراها في كل يوم تدار ثم شمس يحثها قمر الليل … وكل متابع موّار وصغير وأشمط وكبير … كلهم في الصعيد يوما مزار وكبير مما يقصر عنه … حدسه الخاطر الّذي لا يحار

стр. 572

فالذي قد ذكرت دل على الله … نفوسا لها هدى واعتبار قال فقال رسول الله ﷺ : مهما نسيت فلست أنساه بسوق عكاظ، واقفا على جمل احمر يخطب الناس: اجتمعوا فاسمعوا، وإذا سمعتم فعوا، وإذا وعيتم فانتفعوا، وقولوا وإذا قلتم فاصدقوا، من عاش مات، ومن مات فات، وكل ما هو آت آت، مطر ونبات، واحياء وأموات، ليل داج، وسماء ذات أبراج، ونجوم تزهر، وبحار تزخر، وضوء وظلام، وليل وأيام، وبر وآثام، إن في السماء خبرا، وان في الأرض عبرا، يحار فيهن البصرا، مهاد موضوع، وسقف مرفوع، ونجوم تغور، وبحار لا تفور، ومنايا دوان، ودهر خوان، كحد النسطاس، ووزن القسطاس. اقسم قس قسما، لا كاذبا فيه ولا آثما، لئن كان في هذا الأمر رضى، ليكونن سخط. ثم قال: أيها الناس ان لله دينا هو أحب اليه من دينكم هذا الّذي أنتم عليه وهذا زمانه وأوانه. ثم قال ما لي أرى الناس يذهبون فلا يرجعون، ارضوا بالمقام فأقاموا؟ أم تركوا فناموا. والتفت رسول الله ﷺ : الى بعض أصحابه فقال: أيكم يروى شعره لنا؟ فقال أبو بكر الصديق: فداك أبى وأمى أنا شاهد له في ذلك اليوم حيث يقول: في الذاهبين الأولين … من القرون لنا بصائر لما رأيت مواردا … للموت ليس لها مصادر ورأيت قومي نحوها … يمضى الأصاغر والأكابر لا يرجع الماضي إليّ … ولا من الباقين غابر أيقنت أنى لا محالة … حيث صار القوم صائر قال: فقام الى رسول الله ﷺ شيخ من عبد القيس عظيم الهامة، طويل القامة، بعيد ما بين المنكبين فقال: فداك أبى وأمى وأنا رأيت من قس عجبا. فقال له رسول الله ﷺ : ما الّذي رأيت يا أخا بنى عبد القيس؟ فقال: خرجت في شبيبتى أربع بعيرا لي ندعنى أقفو أثره في تنائف قفاف ذات ضغابيس وعرصات جثجاث بين صدور جذعان، وغمير حوذان، ومهمه ظلمان، ورصيع ايهقان، فبينا أنا في تلك الفلوات أجول بسبسبها وارنق فدفدها إذا أنا بهضبة في نشزاتها أراك كباث مخضوضلة وأغصانها متهدلة كأن بريرها حب الفلفل وبواسق اقحوان، وإذا بعين خرارة وروضة مدهامة، وشجرة عارمة، وإذا أنا بقس بن ساعدة في أصل تلك الشجرة وبيده قضيب. فدنوت منه وقلت له: أنعم صباحا! فقال: وأنت فنعم صباحك! وقد وردت العين سباع كثيرة فكان كلما ذهب سبع منها يشرب من العين قبل صاحبه ضربه قس بالقضيب الّذي بيده. وقال: اصبر حتى يشرب الّذي قبلك فذعرت من ذلك ذعرا شدائدا، ونظر الى فقال لا تخف. وإذا بقبرين بينهما مسجد فقلت ما هذان؟ القبران؟ قال قبرا أخوين كانا يعبدان الله بهذا الموضع فانا مقيم بين قبريهما عبد الله حتى الحق بهما. فقلت له: أفلا تلحق بقومك فتكون معهم في خيرهم وتباينهم على

стр. 573

شرهم؟ فقال لي: ثكلتك أمك أو ما علمت أن ولد إسماعيل تركوا دين أبيهم واتبعوا الأضداد وعظموا الأنداد ثم أقبل على القبرين وانشأ يقول: خليلي هبّا طالما قد رقدتما … أجد كما لا تقضيان كراكما أرى النوم بين الجلد والعظم منكما … كأنّ الّذي يسقى العقار سقاكما أمن طول نوم لا تجيبان داعيا … كأن الّذي يسقى العقار سقاكما ألم تعلما أنى بنجران مفردا … وما لي فيه من حبيب سواكما مقيم على قبريكما لست بارحا … إياب الليالي أو يجيب صداكما أبكيكما طول الحياة وما الّذي … يرد على ذي لوعة أن بكا كما فلو جعلت نفس لنفس امرئ فدى … لجدت بنفسي أن تكون فداكما كأنكما والموت أقرب غاية … بروحي في قبريكما قد أتاكما قال فقال رسول الله ﷺ : رحم الله قسا أما إنه سيبعث يوم القيامة امة واحدة. وهذا الحديث غريب جدا من هذا الوجه وهو مرسل الا ان يكون الحسن سمعه من الجارود والله أعلم. وقد رواه البيهقي: والحافظ أبو القاسم ابن عساكر من وجه آخر من حديث محمد بن عيسى بن محمد ابن سعيد القرشي الاخبارى ثنا أبى ثنا على بن سليمان بن على عن على بن عبد الله عن عبد الله بن عباس ﵄. قال: قدم الجارود بن عبد الله (١) فذكر مثله أو نحوه مطولا بزيادات كثيرة في نظمه ونثره، وفيه ما ذكره عن الّذي ضل بعيره فذهب في طلبه قال فبت في واد لا آمن فيه حتفي، ولا أركن إلى غير سيفي، أرقب الكوكب، وأرمق الغيهب، حتى إذا الليل عسعس، وكاد الصبح أن يتنفس، هتف بى هاتف يقول: يا أيها الراقد في الليل الأجم … قد بعث الله نبيا في الحرم من هشام أهل الوفاء والكرم … يجلو دجيات الدياجي والبهم قال فأدرت طرفي فما رأيت له شخصا ولا سمعت له فحصا، قال فأنشأت أقول: يا ايها الهاتف في داجى الظلم … أهلا وسهلا بك من طيف ألم بيّن هداك الله في لحن الكلم … ماذا الّذي تدعو اليه يغتنم قال فإذا أنا بنحنحة وقائلا يقول: ظهر النور، وبطل الزور، وبعث الله محمدا بالحبور، صاحب النجيب الأحمر، والتاج والمغفر، والوجه الأزهر، والحاجب الأقمر، والطرف الأحور، صاحب قول شهادة أن لا إله الا الله وذلك محمد المبعوث إلى الأسود والأبيض أهل المدر والوبر ثم أنشأ يقول:

стр. 574

الحمد لله الّذي … لم يخلق الخلق عبث لم يخلنا يوما سدى … من بعد عيسى واكترث أرسل فينا أحمدا … خير نبي قد بعث صلى عليه الله ما … حج له ركب وحث وفيه من إنشاء قس بن ساعدة: يا ناعي الموت والملحود في جدث … عليهم من بقايا قولهم خرق دعهم فان لهم يوما يصاح بهم … فهم إذا انتبهوا من نومهم أرقوا حتى يعودوا بحال غير حالهم … خلقا جديدا كما من قبله خلقوا منهم عراة ومنهم في ثيابهم … منها الجديد ومنها المنهج الخلق ثم رواه البيهقي عن محمد بن عبد الله بن يوسف بن احمد الأصبهاني. حدثنا أبو بكر احمد بن سعيد ابن فرضخ الاخميمى بمكة ثنا القاسم بن عبد الله بن مهدي ثنا أبو عبيد الله سعيد بن عبد الرحمن المخزومي ثنا سفيان بن عيينة عن أبى حمزة الثمالي عن سعيد بن جبير عن ابن عباس. فذكر القصة وذكر الإنشاد قال فوجدوا عند رأسه صحيفة فيها: يا ناعي الموت والأموات في جدث … عليهم من بقايا نومهم خرق دعهم فان لهم يوما يصاح بهم … كما تنبه من نوماته الصعق منهم غراة وموتى في ثيابهم … منها الجديد ومنها الأزرق الخلق فقال رسول الله ﷺ : والّذي بعثني بالحق لقد آمن قس بالبعث. وأصله مشهور وهذه الطرق على ضعفها كالمتعاضدة على إثبات أصل القصة وقد تكلم أبو محمد بن درستويه على غريب ما وقع في هذا الحديث وأكثره ظاهر إن شاء الله تعالى وما كان فيه غرابة شديدة نبهنا عليه في الحواشي (١) وقال البيهقي: أنا أبو سعيد بن محمد بن احمد الشعيثى ثنا أبو عمرو بن أبى طاهر المحمدآباذي لفظا ثنا أبو لبابة محمد بن المهدي الاموردى (٢) ثنا أبى ثنا سعيد بن هبيرة ثنا المعتمر بن سليمان عن أبيه عن انس ابن مالك قال قدم وفد اياد على النبي ﷺ فقال: ما فعل قس بن ساعدة! قالوا هلك. قال أما إني سمعت منه كلاما أرى انى احفظه فقال بعض القوم نحن نحفظه يا رسول الله قال هاتوا: فقال قائلهم انى واقف بسوق عكاظ فقال: يا أيها الناس استمعوا واسمعوا وعوا، كل من عاش مات، وكل من مات فات، وكل ما هو آت آت، ليل داج، وسماء ذات أبراج، ونجوم تزهر، وبحار تزخر، وجبال مرسية وانهار مجرية إن في السماء لخبرا، وإن في الأرض لعبرا، أرى الناس يموتون ولا يرجعون ارضوا بالإقامة فأقاموا، أم تركوا فناموا، أقسم

стр. 575

قس قسما بالله لا آثم فيه، إن لله دينا هو أرضى مما أنتم عليه ثم أنشأ يقول: في الذاهبين الأولين … من القرون لنا بصائر لما رأيت مصارعا … للقوم ليس لها مصادر ورأيت قومي نحوها … يمضى الأكابر والأصاغر أيقنت انى لا محالة … حيث صار القوم صائر ثم ساقه البيهقي من طرق أخر قد نبهنا عليها فيما تقدم ثم قال بعد ذلك كله وقد روى هذا الحديث عن الكلبي عن أبى صالح عن ابن عباس بزيادة ونقصان. وروى من وجه آخر عن الحسن البصري منقطعا وروى مختصرا من حديث سعد بن أبى وقاص وأبى هريرة. قلت: وعبادة بن الصامت كما تقدم وعبد الله بن مسعود كما رواه ابو نعيم في كتاب الدلائل عن عبد الله بن محمد بن عثمان الواسطي عن أبى الوليد طريف بن عبيد الله مولى على بن أبى طالب بالموصل عن يحيى بن عبد الحميد الحماني عن أبى معاوية عن الأعمش عن أبى الضحى عن مسروق عن ابن مسعود فذكره. وروى أبو نعيم أيضا حديث عبادة المتقدم وسعد بن أبى وقاص. ثم قال البيهقي وإذا روى الحديث من أوجه أخر وان كان بعضها ضعيفا دل على أن للحديث أصلا والله أعلم. ذكر زيد بن عمرو بن نفيل ﵁ هو زيد بن عمرو بن نفيل بن عبد العزى بن رياح بن عبد الله بن قرظ بن رزاح بن عدي بن كعب بن لؤيّ القرشي العدوي. وكان الخطاب والد عمر بن الخطاب عمه وأخاه لأمه. وذلك لأن عمرو ابن نفيل كان قد خلف على امرأة أبيه بعد أبيه وكان لها من نفيل أخوه الخطاب قاله الزبير بن بكار ومحمد ابن إسحاق. وكان زيد بن عمرو قد ترك عبادة الأوثان وفارق دينهم وكان لا يأكل إلا ما ذبح على اسم الله وحده قال يونس بن بكير عن محمد بن إسحاق حدثني هشام بن عروة عن أبيه عن أسماء بنت ابى بكر قالت: لقد رأيت زيد بن عمرو بن نفيل مسندا ظهره الى الكعبة يقول يا معشر قريش والّذي نفس زيد بيده ما أصبح أحد منكم على دين إبراهيم غيري. ثم يقول: اللهمّ انى لو أعلم أحب الوجوه إليك عبدتك به ولكنى لا أعلم ثم يسجد على راحلته وكذا رواه أبو اسامة عن هشام به وزاد وكان يصلى الى الكعبة ويقول إلهي إله إبراهيم، وديني دين إبراهيم. وكان يحيى الموءودة ويقول للرجل إذا أراد ان يقتل ابنته لا تقتلها ادفعها الى اكفلها فإذا ترعرعت فان شئت فخذها وان شئت فادفعها. أخرجه النسائي من طريق أبى أسامة وعلقه البخاري فقال: وقال الليث كتب الى هشام بن عروة عن أبيه به وقال يونس ابن بكير عن محمد بن إسحاق: وقد كان نفر من قريش زيد بن عمرو بن نفيل وورقة بن نوفل بن أسد بن

стр. 576

عبد العزى وعثمان بن الحويرث بن أسد بن عبد العزى وعبد الله بن جحش بن رياب بن يعمر بن صبرة بن برة بن كبير بن غنم بن دودان بن أسعد بن أسد بن خزيمة. وأمه أميمة بنت عبد المطلب. وأخته زينب بنت جحش التي تزوجها رسول الله ﷺ بعد مولاه زيد بن حارثة كما سيأتي بيانه. حضروا قريشا عند وثن لهم كانوا يذبحون عنده لعيد من أعيادهم، فلما اجتمعوا خلا بعض أولئك النفر الى بعض وقالوا تصادقوا وليكتم بعضكم على بعض. فقال قائلهم تعلمن والله ما قومكم على شيء لقد أخطئوا دين إبراهيم وخالفوه ما وثن يعبد؟ لا يضر ولا ينفع فابتغوا لأنفسكم فخرجوا يطلبون ويسيرون في الأرض يلتمسون أهل كتاب من اليهود والنصارى والملل كلها. الحنيفية دين إبراهيم، فاما ورقة بن نوفل فتنصر واستحكم في النصرانية وابتغى الكتب من أهلها حتى علم علما كثيرا من أهل الكتاب ولم يكن فيهم أعدل امرا وأعدل ثباتا من زيد بن عمرو بن نفيل اعتزل الأوثان وفارق الأديان من اليهود والنصارى والملل كلها إلا دين الحنيفية دين إبراهيم يوحد الله ويخلع من دونه ولا يأكل ذبائح قومه فإذا هم بالفراق لما هم فيه. قال: وكان الخطاب قد آذاه أذى كثيرا حتى خرج منه إلى أعلى مكة ووكل به الخطاب شبابا من قريش وسفهاء من سفهائهم فقال لا تتركوه يدخل فكان لا يدخلها إلا سرا منهم فإذا علموا به أخرجوه وآذوه كراهية أن يفسد عليهم دينهم أو يتابعه أحد إلى ما هو عليه. وقال موسى بن عقبة سمعت من أرضى يحدث عن زيد بن عمرو بن نفيل كان يعيب على قريش ذبائحهم ويقول الشاة خلقها الله وأنزل لها من السماء ماء وأنبت لها من الأرض لم تذبحوها على غير اسم الله. إنكارا لذلك وإعظاما له؟ وقال يونس عن ابن إسحاق وقد كان زيد بن عمرو بن نفيل قد عزم على الخروج من مكة فضرب في الأرض يطلب الحنيفية دين إبراهيم وكانت امرأته صفية بنت الحضرميّ كلما أبصرته قد نهض للخروج وأراده آذنت الخطاب بن نفيل فخرج زيد إلى الشام يلتمس ويطلب في أهل الكتاب الأول دين إبراهيم ويسأل عنه ولم يزل في ذلك فيما يزعمون حتى أتى الموصل والجزيرة كلها ثم أقبل حتى أتى الشام فجال فيها حتى أتى راهبا ببيعة من أرض البلقاء كان ينتهى اليه علم النصرانية فيما يزعمون فسأله عن الحنيفية دين إبراهيم فقال له الراهب إنك لتسأل عن دين ما أنت بواجد من يحملك عليه اليوم، لقد درس من علمه وذهب من كان يعرفه، ولكنه قد أظل خروج نبي وهذا زمانه. وقد كان شام اليهودية والنصرانية فلم يرض شيئا منها فخرج سريعا حين قال له الراهب ما قال يريد مكة حتى إذا كان بأرض لخم عدوا عليه فقتلوه فقال ورقة يرثيه: رشدت وأنعمت ابن عمرو وإنما … تجنبت تنورا من النار حاميا بدينك ربا ليس رب كمثله … وتركك أوثان الطواغي كماهيا وقد تدرك الإنسان رحمة ربه … ولو كان تحت الأرض ستينا واديا (١)

стр. 577

وقال محمد بن عثمان بن أبى شيبة: حدثنا احمد بن طارق الوابشي ثنا عمرو بن عطية عن أبيه عن ابن عمر عن زيد بن عمرو بن نفيل أنه كان يتأله في الجاهلية فانطلق حتى أتى رجلا من اليهود فقال له أحب أن تدخلني معك في دينك. فقال له اليهودي لا أدخلك في ديني حتى تبوء بنصيبك من غضب الله. فقال من غضب الله أفر. فانطلق حتى أتى نصرانيا فقال له أحب أن تدخلني معك في دينك، فقال لست أدخلك في ديني حتى تبوء بنصيبك من الضلالة. فقال من الضلالة أفر. قال له النصراني فانى أدلك على دين ان تبعته اهتديت. قال أي دين؟ قال دين إبراهيم قال فقال اللهمّ إني أشهدك أنى على دين إبراهيم عليه أحيى وعليه أموت. قال فذكر شأنه للنّبيّ ﷺ فقال: هو أمة وحده يوم القيامة. وقد روى موسى بن عقبة عن سالم عن ابن عمر نحو هذا وقال محمد بن سعد حدثنا على بن محمد بن عبد الله بن سيف القرشي عن إسماعيل عن مجالد عن الشعبي عن عبد الرحمن بن زيد بن الخطاب قال قال زيد بن عمرو بن نفيل: شاممت اليهودية والنصرانية فكرهتهما فكنت بالشام وما والاها حتى أتيت راهبا في صومعة فذكرت له اغترابي عن قومي وكراهتي عبادة الأوثان واليهودية والنصرانية. فقال له: أراك تريد دين إبراهيم يا أخا أهل مكة انك لتطلب دينا ما يوجد اليوم (أحد يدين) به وهو دين أبيك إبراهيم كان حنيفا لم يكن يهوديا ولا نصرانيا كان يصلى ويسجد إلى هذا البيت الّذي ببلادك فالحق ببلدك فان الله يبعث من قومك في بلدك من يأتى بدين إبراهيم الحنيفية وهو أكرم الخلق على الله. وقال يونس عن ابن إسحاق حدثني بعض آل زيد بن عمرو بن نفيل: إن زيدا كان إذا دخل الكعبة قال لبيك حقا حقا، تعبدا ورقا، عذت بما عاذ به إبراهيم وهو قائم، إذ قال إلهي أنفي لك عان راغم، مهما تجشمنى فانى جاشم، البر أبغى لا انحال، ليس مهجر كمن قال. وقال أبو داود الطيالسي: حدثنا المسعودي عن نفيل بن هشام بن سعيد بن زيد بن عمرو ابن نفيل العدوي عن أبيه عن جده أن زيد بن عمرو وورقة بن نوفل خرجا يلتمسان الدين حتى انتهيا إلى راهب بالموصل، فقال لزيد بن عمرو من أين أقبلت يا صاحب البعير؟ فقال من بنية إبراهيم، فقال وما تلتمس قال ألتمس الدين قال ارجع فإنه يوشك أن يظهر في أرضك. قال فأما ورقة فتنصر وأما أنا فعزمت على النصرانية فلم يوافقني فرجع وهو يقول: لبيك حقا حقا … تعبدا ورقا -- البر أبغى لا أنحال … فهل مهجر كمن قال (١) آمنت بما آمن به إبراهيم وهو يقول: أنفي لك عان راغم، مهما تجشمنى فانى جاشم، ثم يخر فيسجد قال وجاء ابنه يعنى سعيد بن زيد أحد العشرة ﵁ فقال: يا رسول الله إن أبى كما رأيت وكما بلغك فاستغفر له، قال نعم فإنه يبعث يوم القيامة أمة واحدة. قال وأتى زيد بن عمرو بن زيد على رسول الله ﷺ ومعه زيد بن حارثة وهما يأكلان من سفرة لهما، فدعواه لطعامهما فقال زيد بن عمرو: يا ابن

стр. 578

أخى أنا لا آكل مما ذبح على النصب. وقال محمد بن سعد حدثنا محمد بن عمرو حدثني أبو بكر بن أبى سبرة عن موسى بن ميسرة عن ابن أبى مليكة عن حجر بن أبى أهاب. قال: رأيت زيد بن عمرو وأنا عند صنم بوانة بعد ما رجع من الشام وهو يراقب الشمس فإذا زالت استقبل الكعبة فصلى ركعة سجدتين ثم يقول هذه قبلة إبراهيم وإسماعيل لا أعبد حجرا ولا أصلى له ولا آكل ما ذبح له ولا استقسم الأزلام وانما أصلى لهذا البيت حتى أموت. وكان يحج فيقف بعرفة، وكان يلبى فيقول: لبيك لا شريك لك ولا ند لك ثم يدفع من عرفة ماشيا وهو يقول لبيك متعبدا مرقوقا. وقال الواقدي: حدثني على بن عيسى الحكمي عن أبيه عن عامر بن ربيعة قال سمعت زيد بن عمرو ابن نفيل يقول: أنا انتظر نبيا من ولد إسماعيل ثم من بنى عبد المطلب ولا أرانى أدركه وانا أومن به وأصدقه واشهد انه نبي فان طالت بك مدة فرأيته فأقرئه منى السلام وسأخبرك ما نعته حتى لا يخفى عليك قلت: هلم! قال: هو رجل ليس بالطويل ولا بالقصير ولا بكثير الشعر. لا بقليله وليست تفارق عينه حمرة وخاتم النبوة بين كتفيه واسمه أحمد وهذا البلد مولده ومبعثه ثم يخرجه قومه منها ويكرهون ما جاء به حتى يهاجر الى يثرب فيظهر أمره، فإياك أن تخدع عنه فانى طفت البلاد كلها أطلب دين إبراهيم فكان من اسأل من اليهود والنصارى والمجوس يقولون هذا الدين وراءك وينعتونه مثل ما نعته لك ويقولون لم يبق نبي غيره. قال عامر بن ربيعة: فلما أسلمت أخبرت رسول الله ﷺ قول زيد بن عمرو واقرائه منه السلام فرد عليه¬ السلام وترحم عليه وقال قد رأيته في الجنة يسحب ذيولا وقال البخاري في صحيحه: ذكر زيد بن عمرو بن نفيل. حدثنا محمد بن أبى بكر حدثنا فضيل بن سليمان حدثنا موسى بن عقبة حدثني سالم عن عبد الله بن عمر ان النبي ﷺ لقي زيد بن عمرو بن نفيل بأسفل بلدح قبل أن ينزل على النبي ﷺ الوحي فقدمت الى النبي ﷺ سفرة فأبى أن يأكل منها. ثم قال زيد إني لست آكل مما تذبحون على أنصابكم ولا آكل الا ما ذكر اسم الله عليه وان زيد بن عمرو يعيب على قريش ذبائحهم ويقول الشاة خلقها الله وانزل لها من السماء ماء وأنبت لها من الأرض ثم يذبحونها على غير اسم الله إنكارا لذلك وإعظاما له. قال موسى بن عقبة: وحدثني سالم بن عبد الله ولا أعلمه الا يحدث به عن ابن عمر أن زيد بن عمرو ابن نفيل خرج الى الشام يسأل عن الدين ويتبعه فلقى عالما من اليهود فسأله عن دينهم فقال انى لعلى أن أدين دينكم فأخبرني، فقال انك لا تكون على ديننا حتى تأخذ نصيبك من غضب الله قال زيد وما أفر الا من غضب الله تعالى ولا احمل من غضب الله شيئا ولا أستطيعه فهل تدلني على غيره؟ قال ما أعلمه الا أن تكون حنيفا قال زيد وما الحنيف؟ قال دين إبراهيم ﵇ لم يكن يهوديا ولا نصرانيا ولا يعبد إلا الله فخرج زيد فلق عالما من النصارى فذكر مثله فقال لن تكون على ديننا حتى تأخذ بنصيبك من

стр. 579

على غيره قال ما أعلمه الا أن تكون حنيفا قال وما الحنيف؟ قال دين إبراهيم لم يكن يهوديا ولا نصرانيا ولا يعبد إلا الله فلما رأى زيد قولهم في إبراهيم خرج فلما برز رفع يديه فقال اللهمّ إني أشهدك انى على دين إبراهيم. قال وقال الليث: كتب الى هشام بن عروة عن أبيه عن أسماء بنت أبى بكر قالت رأيت زيد بن عمرو بن نفيل قائما مسندا ظهره الى الكعبة يقول يا معشر قريش والله ما منكم على دين إبراهيم غيري وكان يحيى الموءودة يقول للرجل إذا أراد أن يقتل ابنته لا تقتلها أنا أكفيك مؤنتها فيأخذها فإذا ترعرعت قال لأبيها إن شئت دفعتها إليك وان شئت كفيتك مؤنتها انتهى ما ذكره البخاري وهذا الحديث الأخير قد أسنده الحافظ ابن عساكر من طريق أبى بكر بن أبى داود عن عيسى ابن حماد عن الليث عن هشام عن أبيه عن أسماء فذكر نحوه. وقال عبد الرحمن بن أبى الزناد عن هشام ابن عروة عن أبيه عن أسماء قالت سمعت زيد بن عمرو بن نفيل وهو مسند ظهره الى الكعبة يقول: يا معشر قريش إياكم والزنا فإنه يورث الفقر. وقد ساق ابن عساكر هاهنا أحاديث غريبة جدا وفي بعضها نكارة شديدة. ثم أورد من طرق متعددة عن رسول الله ﷺ انه قال: يبعث يوم القيامة أمة واحدة. فمن ذلك ما رواه محمد بن عثمان بن أبى شيبة حدثنا يوسف بن يعقوب الصفار حدثنا يحيى بن سعيد الأموي عن مجالد عن الشعبي عن جابر قال سئل رسول الله ﷺ عن زيد بن عمرو بن نفيل انه كان يستقبل القبلة في الجاهلية ويقول إلهي إله إبراهيم وديني دين إبراهيم ويسجد. فقال رسول الله ﷺ يحشر ذاك أمة وحده بيني وبين عيسى بن مريم. اسناده جيد حسن. وقال الواقدي: حدثني موسى بن شيبة عن خارجة ابن عبد الله بن كعب بن مالك قال سمعت سعيد بن المسيب يذكر زيد بن عمرو بن نفيل فقال توفى وقريش تبنى الكعبة قبل أن ينزل الوحي على رسول الله ﷺ بخمس سنين، ولقد نزل به وانه ليقول انا على دين إبراهيم فأسلم ابنه سعيد بن زيد واتبع رسول الله ﷺ وأتى عمر بن الخطاب وسعيد بن زيد رسول الله ﷺ فسألاه عن زيد بن عمرو بن نفيل فقال: غفر الله له ورحمه فإنه مات على دين إبراهيم قال فكان المسلمون بعد ذلك اليوم لا يذكره ذاكر منهم الا ترحم عليه واستغفر له، ثم يقول سعيد بن المسيب ﵀ وغفر له. وقال محمد بن سعد عن الواقدي حدثني زكريا بن يحيى السعدي عن أبيه قال مات زيد بن عمرو بن نفيل بمكة ودفن بأصل حراء، وقد تقدم انه مات بأرض البلقاء من الشام لما عدا عليه قوم من بنى لخم فقتلوه بمكان يقال له ميفعة والله أعلم. وقال الباغندي عن أبى سعيد الأشج عن أبى معاوية عن هشام عن أبيه عن عائشة قالت قال رسول الله ﷺ : دخلت الجنة فرأيت لزيد بن عمرو بن نفيل دوحتين. وهذا اسناد جيد وليس هو في شيء من الكتب. ومن شعر زيد بن عمرو بن نفيل ﵀ ما قدمناه في بدء الخلق من تلك القصيدة الى الله أهدى مدحتي وثنائيا … وقولا رضيّا لا ينى الدهر باقيا

стр. 580

الى الملك الأعلى الّذي ليس فوقه … إله ولا رب يكون مدانيا وقد قيل إنها لامية بن أبى الصلت والله أعلم. ومن شعره في التوحيد ما حكاه محمد بن إسحاق والزبير بن بكار وغيرهما: وأسلمت وجهي لمن أسلمت … له الأرض تحمل صخرا ثقالا دحاها فلما استوت شدها … سواء وأرسى عليها الجبالا وأسلمت وجهي لمن أسلمت … له المزن تحمل عذبا زلالا (١) إذا هي سيقت الى بلدة … أطاعت فصبت عليها سجالا وأسلمت وجهي لمن أسلمت … له الريح تصرف حالا فحالا وقال محمد بن إسحاق حدثني هشام بن عروة قال روى أبى أن زيد بن عمرو قال: أرب واحد أم ألف رب … أدين إذا تقسمت الأمور عزلت اللات والعزى جميعا … كذلك يفعل الجلد الصبور فلا العزى أدين ولا ابنتيها … ولا صنمي بنى عمرو أزور ولا غنما أدين وكان ربا … لنا في الدهر إذ حلمي يسير عجبت وفي الليالي معجبات … وفي الأيام يعرفها البصير بأنّ الله قد أفنى رجالا … كثيرا كان شأنهم الفجور وابقى آخرين ببر قوم … فيربل (٢) منهم الطفل الصغير وبينا المرء يعثر ثاب يوما … كما يتروح الغصن النضير ولكن اعبد الرحمن ربى … ليغفر ذنبي الرب الغفور فتقوى الله ربكم احفظوها … متى ما تحفظوها لا تبوروا ترى الأبرار دارهم جنان … وللكفار حامية سعير وخزي في الحياة وإن يموتوا … يلاقوا ما تضيق به الصدور هذا تمام ما ذكره محمد بن إسحاق من هذه القصيدة. وقد رواه أبو القاسم البغوي عن مصعب بن عبد الله عن الضحاك بن عثمان عن عبد الرحمن بن أبى الزناد قال قال هشام بن عروة عن أبيه عن أسماء بنت أبى بكر قالت قال زيد بن عمرو بن نفيل: عزلت الجن والجنّان عنى … كذلك يفعل الجلد الصبور فلا العزى أدين ولا ابنتيها … ولا صنمي بنى طسم أدير

стр. 581

ولا غنما أدين وكان ربا … لنا في الدهر إذ حلمي صغير أربا واحدا أم ألف رب … أدين إذا تقسمت الأمور ألم تعلم بأن الله أفنى … رجالا كان شأنهم الفجور وابقى آخرين ببر قوم … فيربو منهم الطفل الصغير وبينا المرء يعثر ثاب يوما … كما يتروح الغصن النضير قالت فقال ورقة بن نوفل: رشدت وأنعمت ابن عمرو وانما … تجنبت تنورا من النار حاميا لدينك ربا ليس ربا كمثله … وتركك جنان الجبال كما هيا أقول إذا أهبطت أرضا مخوفة … حنانيك لا تظهر على الأعاديا حنانيك ان الجن كانت رجاءهم … وأنت إلهي ربنا ورجائيا لتدركن المرء رحمة ربه … وان كان تحت الأرض سبعين واديا أدين لرب يستجيب ولا أرى … أدين لمن لا يسمع الدهر واعيا أقول إذا صليت في كل بيعة … تباركت قد أكثرت باسمك داعيا تقدم أن زيد بن عمرو بن نفيل خرج إلى الشام هو وورقة بن نوفل وعثمان بن الحويرث وعبيد الله ابن جحش فتنصروا إلا زيدا فإنه لم يدخل في شيء من الأديان بل بقي على فطرته من عبادة الله وحده لا شريك له متبعا ما أمكنه من دين إبراهيم على ما ذكرناه. وأما ورقة بن نوفل فسيأتي خبره في أول المبعث. وأما عثمان بن الحويرث فأقام بالشام حتى مات فيها عند قيصر. وله خبر عجيب ذكره الأموي ومختصره أنه لما قدم على قيصر فشكى اليه ما لقي من قومه كتب له إلى ابن جفنة ملك عرب الشام ليجهز معه جيشا لحرب قريش فعزم على ذلك فكبت اليه الاعراب تنهاه عن ذلك لما رأوا من عظمة مكة وكيف فعل الله بأصحاب الفيل، فكساه ابن جفنة قميصا مصبوغا مسموما فمات من سمه فرثاه زيد بن عمرو بن نفيل بشعر ذكره الأموي تركناه اختصارا وكانت وفاته قبل المبعث بثلاث سنين أو نحوها والله أعلم. ذكر شيء مما وقع من الحوادث في زمن الفترة فمن ذلك بنيان الكعبة وقد قيل: إن أول من بناه آدم وجاء في ذلك حديث مرفوع عن عبد الله ابن عمرو وفي سنده ابن لهيعة وهو ضعيف، وأقوى الأقوال أن أول من بناء الخليل ﵇. كما تقدم وكذلك رواه

стр. 582

سماك بن حرب عن خالد بن عرعرة عن على بن أبى طالب قال: ثم تهدم فبنته العمالقة ثم تهدم فبنته جرهم ثم تهدم فبنته قريش. قلت: سيأتي بناء قريش له وذلك قبل المبعث بخمس سنين وقيل بخمس عشرة سنة وقال الزهري كان رسول الله ﷺ قد بلغ الحلم. وسيأتي ذلك كله في موضعه إن شاء الله وبه الثقة ذكر كعب بن لؤيّ روى أبو نعيم من طريق محمد بن الحسن بن زبالة عن محمد بن طلحة التيمي عن محمد بن إبراهيم بن الحارث عن أبى سلمة. قال: كان كعب بن لؤيّ يجمع قومه يوم الجمعة وكانت قريش تسميه العروبة فيخطبهم فيقول: أما بعد فاسمعوا وتعلموا، وافهموا واعلموا، ليل ساج، ونهار ضاح، والأرض مهاد، والسماء بناء، والجبال أوتاد، والنجوم اعلام، والأولون كالآخرين، والأنثى والذكر [والروح وما يهيج الى بلى (١)] فصلوا أرحامكم، واحفظوا أصهاركم، وثمروا أموالكم. فهل رأيتم من هالك رجع؟ أو ميت نشر؟ الدار أمامكم، والظن غير ما تقولون، حرمكم زينوه وعظموه، وتمسكوا به فسيأتي له نبأ عظيم، وسيخرج منه نبي كريم، ثم يقول: نهار وليل كل يوم بحادث … سواء علينا ليلها ونهارها يؤوبان بالأحداث حتى تأوبا … وبالنعم الضافي علينا ستورها على غفلة يأتى النبي محمد … فيخبر أخبارا صدوق خبيرها ثم يقول: والله لو كنت فيها ذا سمع وبصر، ويد ورجل، لتنصبت فيها تنصب الجمل، ولأرقلت بها إرقال العجل. ثم يقول: يا ليتني شاهدا نجواء دعوته … حين العشيرة تبغي الحق خذلانا قال وكان بين موت كعب بن لؤيّ ومبعث رسول الله ﷺ خمسمائة عام وستون سنة. ذكر تجديد حفر زمزم على يدي عبد المطلب بن هاشم التي كان قد درس رسمها بعد طم جرهم لها الى زمانه قال محمد بن إسحاق: ثم إن عبد المطلب بينما هو نائم في الحجر وكان أول ما ابتدى به عبد المطلب من حفرها كما حدثني يزيد بن أبى حبيب المصري عن مرثد بن عبد الله المزني عن عبد الله بن رزين الغافقي أنه سمع على بن أبى طالب يحدث حديث زمزم حين أمر عبد المطلب بحفرها. قال قال عبد المطلب إني لنائم في الحجر إذ أتانى آت فقال لي احفر طيبة. قال قلت وما طيبة؟ قال ثم ذهب عنى قال فلما كان الغد رجعت إلى مضجعي فنمت فجاءني فقال احفر برة. قال قلت وما برة؟ قال ثم ذهب عنى فلما كان الغد

стр. 583

رجعت إلى مضجعي فنمت فجاءني فقال احفر المضنونة قال قلت وما المضنونة؟ قال ثم ذهب عنى فلما كان الغد رجعت إلى مضجعي فنمت فيه فجاءني فقال احفر زمزم. قال قلت وما زمزم؟ قال: لا تنزف أبدا ولا تزم، تسقى الحجيج الأعظم، وهي بين الفرث والدم، عند نقرة الغراب الأعصم، عند قرية النمل. قال: فلما بين لي شأنها ودل على موضعها وعرف أنه قد صدق غدا بمعوله ومعه ابنه الحارث بن عبد المطلب وليس له يومئذ ولد غيره فحفر فلما بدا لعبد المطلب الطمى كبر فعرفت قريش أنه قد أدرك حاجته. فقاموا اليه فقالوا: يا عبد المطلب انها بئر أبينا إسماعيل وإن لنا فيها حقا فأشركنا معك فيها. قال: ما أنا بفاعل إن هذا الأمر قد خصصت به دونكم وأعطيته من بينكم قالوا له فانصفنا فانا غير تاركيك حتى نخاصمك فيها. قال: فاجعلوا بيني وبينكم من شئتم أحاكمكم اليه قالوا كاهنة بنى سعد بن هذيم قال: نعم وكانت باشراف الشام فركب عبد المطلب ومعه نفر من بنى أمية وركب من كل قبيلة من قريش نفر فخرجوا والأرض إذ ذاك مفاوز حتى إذا كانوا ببعضها نفد ماء عبد المطلب وأصحابه فعطشوا حتى استيقنوا بالهلكة فاستسقوا من معهم فأبوا عليهم وقالوا إنا بمفازة وإنا نخشى على أنفسنا مثل ما أصابكم فقال عبد المطلب إني أرى أن يحفر كل رجل منكم حفرته لنفسه بما لكم الآن من القوة فكلما مات رجل دفعه أصحابه في حفرته ثم واروه حتى يكون آخرهم رجلا واحدا فضيعة رجل واحد أيسر من ضيعة ركب جميعه. فقالوا: نعما أمرت به فحفر كل رجل لنفسه حفرة ثم قعدوا ينتظرون الموت عطشى ثم إن عبد المطلب قال لأصحابه ألقينا بأيدينا هكذا للموت لا نضرب في الأرض لا نبتغى لأنفسنا لعجز فعسى أن يرزقنا ماء ببعض البلاد فارتحلوا حتى إذا بعث عبد المطلب راحلته انفجرت من تحت خفها عين ماء عذب فكبر عبد المطلب وكبر أصحابه ثم نزل فشرب وشرب أصحابه واستسقوا حتى ملئوا أسقيتهم ثم دعا قبائل قريش وهم ينظرون اليهم في جميع هذه الأحوال فقال هلموا إلى الماء فقد سقانا الله فجاءوا فشربوا واستقوا كلهم ثم قالوا قد والله قضى لك علينا والله ما نخاصمك في زمزم أبدا إن الّذي سقاك هذا الماء بهذه الفلاة هو الّذي سقاك زمزم فارجع إلى سقايتك راشدا فرجع ورجعوا معه ولم يصلوا إلى الكاهنة وخلوا بينه وبين زمزم قال ابن إسحاق فهذا ما بلغني عن على بن أبى طالب في زمزم قال ابن إسحاق وقد سمعت من يحدث عن عبد المطلب أنه قيل له حين أمر بحفر زمزم: ثم ادع بالماء الروي غير الكدر … يسقى حجيج الله في كل مبر ليس يخاف منه شيء ما عمر قال فخرج عبد المطلب حين قيل له ذلك إلى قريش فقال تعلموا أنى قد أمرت أن أحفر زمزم قالوا فهل بيّن لك أين هي؟ قال: لا! قالوا فارجع إلى مضجعك الّذي رأيت فيه ما رأيت فان يك حقا من الله

стр. 584

يبين لك وإن يك من الشيطان فلن يعود إليك فرجع ونام فأتى فقيل له: احفر زمزم. إنك إن حفرتها لن تندم. وهي تراث من أبيك الأعظم. لا تنزف أبدا ولا تزم. تسقى الحجيج الأعظم. مثل نعام جافل لم يقسم. ينذر فيها ناذر بمنعم. تكون ميراثا وعقدا محكم. ليست لبعض ما قد تعلم. وهي بين الفرث والدم. قال ابن إسحاق: فزعموا أن عبد المطلب حين قيل له ذلك قال وأين هي؟ قيل له عند قرية النمل حيث ينقر الغراب غدا. فالله أعلم أي ذلك كان. قال فغدا عبد المطلب ومعه ابنه الحارث وليس له يومئذ ولد غيره. زاد الأموي ومولاه أصرم فوجد قرية النمل ووجد الغراب ينقر عندها بين الوثنين أساف ونائلة اللذين كانت قريش تنحر عندهما فجاء بالمعول وقام ليحفر حيث أمر فقامت اليه قريش وقالت والله لا نتركنك تحفر بين وثنينا اللذين ننحر عندهما فقال عبد المطلب. لابنه الحارث: زد عنى حتى احفر فو الله لأمضين لما أمرت به فلما عرفوا أنه غير نازع خلوا بينه وبين الحفر وكفوا عنه فلم يحفر إلا يسيرا حتى بدا له الطمى فكبر وعرف أنه قد صدق فلما تمادى به الحفر وجد فيها غزالتين من ذهب اللتين كانت جرهم قد دفنتهم ووجد فيها أسيافا قلعية وأدرعا. فقالت له قريش: يا عبد المطلب لنا معك في هذا شرك وحق قال لا ولكن هلم إلى أمر نصف بيني وبينكم نضرب عليها بالقداح قالوا وكيف نصنع قال اجعل للكعبة قدحين ولي قدحين ولكم قدحين فمن خرج قدحاه على شيء كان له ومن تخلف قدحاه فلا شيء له. قالوا: أنصفت فجعل للكعبة قدحين أصفرين وله أسودين ولهم أبيضين ثم أعطوا القداح للذي يضرب عند هبل وهبل أكبر أصنامهم ولهذا قال أبو سفيان يوم أحد: أعل هبل. يعنى هذا الصنم. وقام عبد المطلب يدعو الله. وذكر يونس بن بكير عن محمد بن إسحاق أن عبد المطلب جعل يقول: اللهمّ أنت الملك المحمود … ربى أنت المبدئ المعيد وممسك الراسية الجلمود … من عندك الطارف والتليد إن شئت ألهمت كما ما تريد … لموضع الحلية والحديد فبين اليوم لما تريد … إني نذرت العاهد المعهود اجعله رب لي فلا أعود قال وضرب صاحب القداح فخرج الأصفران على الغزالين للكعبة، وخرج الأسودان على الأسياف والادراع لعبد المطلب، وتخلف قدحا قريش. فضرب عبد المطلب الأسياف بابا للكعبة، وضرب في الباب الغزالين من ذهب فكان أول ذهب حلية للكعبة فيما يزعمون. ثم ان عبد المطلب أقام سقاية زمزم للحاج وذكر ابن إسحاق وغيره أن مكة كان فيها أبيار كثيرة قبل ظهور زمزم في زمن عبد المطلب ثم عددها ابن إسحاق وسماها وذكر أماكنها من مكة وحافريها الى أن قال فعفت زمزم على البئار كلها

стр. 585

وانصرف الناس كلهم اليها لمكانها من المسجد الحرام ولفضلها على ما سواها من المياه ولأنها بئر إسماعيل ابن إبراهيم وافتخرت بها بنو عبد مناف على قريش كلها وعلى سائر العرب. وقد ثبت في صحيح مسلم في حديث إسلام أبى ذر أن رسول الله ﷺ قال في زمزم: انها لطعام طعم. وشفاء سقم. وقال الامام أحمد حدثنا عبد الله بن الوليد عن عبد الله بن المؤمل عن أبى الزبير عن جابر بن عبد الله قال قال رسول الله ﷺ : ماء زمزم لما شرب منه. وقد رواه ابن ماجة من حديث عبد الله بن المؤمل وقد تكلموا فيه ولفظه ماء زمزم لما شرب له. ورواه سويد بن سعيد عن عبد الله بن المبارك عن عبد الرحمن بن أبى الموالي عن محمد بن المنكدر عن جابر عن النبي ﷺ قال: ماء زمزم لما شرب له. ولكن سويد بن سعيد ضعيف والمحفوظ عن ابن المبارك عن عبد الله بن المؤمل كما تقدم وقد رواه الحاكم عن ابن عباس مرفوعا ماء زمزم لما شرب له وفيه نظر والله أعلم. وهكذا روى ابن ماجة أيضا والحاكم عن ابن عباس انه قال لرجل إذا شربت من زمزم فاستقبل الكعبة واذكر اسم الله وتنفس ثلاثا وتضلع منها فإذا فرغت فاحمد الله فان رسول الله ﷺ قال: إن آية ما بيننا وبين المنافقين لا يتضلعون من ماء زمزم. وقد ذكر عن عبد المطلب انه قال: اللهمّ انى لا أحلها لمغتسل وهي لشارب حل وبل. وقد ذكره بعض الفقهاء عن العباس بن عبد المطلب، والصحيح انه عن عبد المطلب نفسه فإنه هو الّذي جدد حفر زمزم كما قدمنا والله أعلم. وقد قال الأموي في مغازيه: حدثنا أبو عبيد أخبرنى يحيى بن سعيد عن عبد الرحمن بن حرملة سمعت سعيد بن المسيب يحدث أن عبد المطلب بن هاشم حين احتفر زمزم. قال: لا أحلها لمغتسل وهي لشارب حل وبل. وذلك انه جعل لها حوضين حوضا للشرب، وحوضا للوضوء. فعند ذلك قال: لا أحلها لمغتسل لينزه المسجد عن ان يغتسل فيه. قال أبو عبيد قال الأصمعي: قوله وبل اتباع قال أبو عبيد والاتباع لا يكون بواو العطف وانما هو كما قال معتمر بن سليمان ان بل بلغة حمير مباح ثم قال أبو عبيد حدثنا أبو بكر بن عياش عن عاصم بن أبى النجود انه سمع زرا انه سمع العباس يقول: لا أحلها لمغتسل وهي لشارب حل وبل. وحدثنا عبد الرحمن بن مهدي حدثنا سفيان عن عبد الرحمن بن علقمة انه سمع ابن عباس يقول ذلك وهذا صحيح اليهما، وكأنهما يقولان ذلك في أيامهما على سبيل التبليغ والأعلام بما اشترطه عبد المطلب عند حفره لها فلا ينافي ما تقدم والله أعلم. وقد كانت السقاية الى عبد المطلب أيام حياته ثم صارت الى ابنه أبى طالب مدة ثم اتفق انه املق في بعض السنين فاستدان من أخيه العباس عشرة آلاف الى الموسم الآخر وصرفها أبو طالب في الحجيج في عامه فيما يتعلق بالسقاية فلما كان العام المقبل لم يكن مع أبى طالب شيء فقال لأخيه العباس أسلفني أربعة عشر الفا أيضا الى العام المقبل أعطيك جميع مالك فقال له العباس: بشرط ان لم تعطني تترك السقاية لي اكفكها فقال: نعم فلما جاء العام الآخر لم يكن مع أبى طالب ما يعطى العباس فترك له السقاية فصارت اليه ثم من بعده صارت الى عبد الله ولده

стр. 586

ثم الى على بن عبد الله بن عباس ثم الى داود بن على ثم الى سليمان بن على ثم الى عيسى بن على ثم أخذها المنصور واستناب عليها مولاه أبا رزين ذكره الأموي. ذكر نذر عبد المطلب ذبح أحد ولده قال ابن إسحاق: وكان عبد المطلب فيما يزعمون نذر حين لقي من قريش ما لقي عند حفر زمزم لئن ولد له عشرة نفر ثم بلغوا معه حتى يمنعوه ليذبحن أحدهم لله عند الكعبة. فلما تكامل بنوه عشرة وعرف انهم سيمنعونه وهم. الحارث. والزبير. وحجل. وضرار. والمقوم. وأبو لهب. والعباس. وحمزة. وأبو طالب. وعبد الله. جمعهم ثم أخبرهم بنذره ودعاهم الى الوفاء لله بذلك فأطاعوه وقالوا كيف نصنع؟ قال ليأخذ كل رجل منكم قدحا ثم يكتب فيه اسمه ثم ائتوني ففعلوا ثم أتوه، فدخل بهم على هبل في جوف الكعبة وكانت تلك البئر هي التي يجمع فيها ما يهدى للكعبة، وكان عند هبل قداح سبعة وهي الأزلام التي يتحاكمون اليها إذا أعضل عليهم أمر من عقل أو نسب أوامر من الأمور جاءوه فاستقسموا بها فما أمرتهم به أو نهتهم عنه امتثلوه. والمقصود ان عبد المطلب لما جاء يستقسم بالقداح عند هبل خرج القدح على ابنه عبد الله وكان أصغر ولده وأحبهم اليه، فاخذ عبد المطلب بيد ابنه عبد الله وأخذ الشفرة ثم اقبل به الى إساف ونائلة ليذبحه فقامت اليه قريش من أنديتها فقالوا: ما تريد يا عبد المطلب؟ قال اذبحه فقالت له قريش وبنوه إخوة عبد الله والله لا تذبحه أبدا حتى تعذر فيه لئن فعلت هذا لا يزال الرجل يجيئ بابنه حتى يذبحه فما بقاء الناس على هذا. وذكر يونس بن بكير عن ابن إسحاق ان العباس هو الّذي اجتذب عبد الله من تحت رجل أبيه حين وضعها عليه ليذبحه فيقال انه شج وجهه شجا لم يزل في وجهه الى أن مات ثم أشارت قريش على عبد المطلب أن يذهب الى الحجاز فان بها عرافة لها تابع فيسألها عن ذلك ثم أنت على رأس أمرك ان امرتك بذبحه فاذبحه وان امرتك بأمر لك وله فيه مخرج قبلته فانطلقوا حتى أتوا المدينة فوجدوا العرافة وهي سجاح فيما ذكره يونس بن بكير عن ابن إسحاق بخيبر فركبوا حتى جاءوها فسألوها وقص عليها عبد المطلب خبره وخبر ابنه فقالت لهم ارجعوا عنى اليوم حتى يأتينى تابعي فأسأله فرجعوا من عندها فلما خرجوا قام عبد المطلب يدعو الله ثم غدوا عليها فقالت لهم قد جاءني الخبر، كم الدية فيكم؟ قالوا عشر من الإبل وكانت كذلك قالت فارجعوا الى بلادكم ثم قربوا صاحبكم وقربوا عشرا من الإبل ثم اضربوا عليها وعليه بالقداح فان خرجت على صاحبكم فزيدوا من الإبل حتى يرضى ربكم وان خرجت على الإبل فانحروها عنه فقد رضى ربكم ونجا صاحبكم فخرجوا حتى قدموا مكة فلما أجمعوا على ذلك الأمر قام عبد المطلب يدعو الله ثم قربوا عبد الله وعشرا من الإبل ثم ضربوا فخرج القدح على عبد الله فزادوا عشرا ثم ضربوا فخرج القدح على عبد الله فزادوا عشرا فلم

стр. 587

يزالوا يزيدون عشرا عشرا ويخرج القدح على عبد الله حتى بلغت الإبل مائة. ثم ضربوا فخرج القدح على الإبل فقالت عند ذلك قريش لعبد المطلب وهو قائم عند هبل يدعو الله قد انتهى رضى ربك يا عبد المطلب. فعندها زعموا انه قال لا حتى اضرب عليها بالقداح ثلاث مرات فضربوا ثلاثا ويقع القدح فيها على الإبل فنحرت ثم تركت لا يصد عنها إنسان ولا يمنع. قال ابن هشام ويقال ولا سبع. وقد روى انه لما بلغت الإبل مائة خرج على عبد الله أيضا فزادوا مائة أخرى حتى بلغت مائتين فخرج القدح على عبد الله فزادوا مائة أخرى فصارت الإبل ثلاثمائة. ثم ضربوا فخرج القدح على الإبل فنحرها عند ذلك عبد المطلب والصحيح الأول والله أعلم. وقد روى ابن جرير عن يونس بن عبد الأعلى عن ابن وهب عن يونس بن يزيد عن الزهري عن قبيصة بن ذؤيب أن ابن عباس سألته امرأة أنها نذرت ذبح ولدها عند الكعبة فأمرها بذبح مائة من الإبل وذكر لها هذه القصة عن عبد المطلب. وسألت عبد الله بن عمر فلم يفتها بشيء بل توقف. فبلغ ذلك مروان بن الحكم وهو أمير على المدينة فقال انهما لم يصيبا الفتيا ثم امر المرأة أن تعمل ما استطاعت من خير ونهاها عن ذبح ولدها ولم يأمرها بذبح الإبل، وأخذ الناس بقول مروان بذلك والله أعلم. ذكر تزويج عبد المطلب ابنه عبد الله من آمنة بنت وهب الزهرية قال ابن إسحاق: ثم انصرف عبد المطلب آخذا بيد ابنه عبد الله فمر به - فيما يزعمون - على امرأة من بنى أسد بن عبد العزى بن قصي وهي أم قتال أخت ورقة بن نوفل بن أسد بن عبد العزى بن قصي وهي عند الكعبة فنظرت إلى وجهه فقالت أين تذهب يا عبد الله؟ قال مع أبى قالت لك مثل الإبل التي نحرت عنك وقع على الآن. قال أنا مع أبى ولا أستطيع خلافه ولا فراقه. فخرج به عبد المطلب حتى أتى وهب بن عبد مناف بن زهرة بن كلاب بن مرة بن كعب بن لؤيّ بن غالب بن فهر وهو يومئذ سيد بنى زهرة سنا وشرفا فزوجه ابنته آمنة بنت وهب وهي يومئذ سيدة نساء قومها فزعموا أنه دخل عليها حين أملكها مكانه فوقع عليها فحملت منه برسول الله ﷺ ثم خرج من عندها فأتى المرأة التي عرضت عليه ما عرضت فقال لها مالك لا تعرضين على اليوم ما كنت عرضت بالأمس؟ قالت له فارقك النور الّذي كان معك بالأمس فليس لي بك حاجة. وكانت تسمع من أخيها ورقة بن نوفل - وكان قد تنصر واتبع الكتب - أنه كائن في هذه الأمة نبي فطمعت أن يكون منها فجعله الله تعالى في أشرف عنصر وأكرم محتد وأطيب أصل كما قال تعالى ﴿اللهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسالَتَهُ﴾ وسنذكر المولد مفصلا ومما قالت أم قتال بنت نوفل من الشعر تتأسف على ما فاتها من الأمر الّذي رامته وذلك فيما رواه

стр. 588

البيهقي من طريق يونس بن بكير عن محمد بن إسحاق ﵀: عليك بآل زهرة حيث كانوا … وآمنة التي حملت غلاما ترى المهدي حين نزا عليها … ونورا قد تقدمه إماما [إلى أن قالت]: فكل الخلق يرجوه جميعا … يسود الناس مهتديا إماما براه الله من نور صفاه … فأذهب نوره عنا الظلاما وذلك صنع ربك إذ حباه … إذا ما سار يوما أو أقاما فيهدى أهل مكة بعد كفر … ويفرض بعد ذلكم الصياما وقال أبو بكر محمد بن جعفر بن سهل الخرائطى: حدثنا على بن حرب حدثنا محمد بن عمارة القرشي حدثنا مسلم بن خالد الزنجي حدثنا ابن جريج عن عطاء بن أبى رباح عن ابن عباس قال: لما انطلق عبد المطلب بابنه عبد الله ليزوجه مر به على كاهنة من أهل تبالة متهودة قد قرأت الكتب، يقال لها فاطمة بنت مر الخثعمية فرأت نور النبوة في وجه عبد الله فقالت يا فتى هل لك أن تقع على الآن وأعطيك مائة من الإبل؟ فقال عبد الله: أما الحرام فالممات دونه … والحل لا حل فأستبينه فكيف بالأسر الّذي تبغينه … يحمى الكريم عرضه ودينه (١) ثم مضى مع أبيه فزوجه آمنة بنت وهب بن عبد مناف بن زهرة فأقام عندها ثلاثا. ثم إن نفسه دعته إلى ما دعته اليه الكاهنة فأتاها فقالت: ما صنعت بعدي؟ فأخبرها. فقالت والله ما أنا بصاحبة ريبة ولكنى رأيت في وجهك نورا فأردت أن يكون في. وأبى الله إلا أن يجعله حيث أراد. ثم أنشأت فاطمة تقول: إني رأيت مخيلة لمعت … فتلألأت بحناتم (٢) القطر فلمأتها نورا يضيء له … ما حوله كاضاءة البدر ورجوتها فخرا أبوء به … ما كل قادح زنده يورى لله ما زهرية سلبت … ثوبيك ما استلبت وما تدر وقالت فاطمة أيضا: بنى هاشم قد غادرت من أخيكم … أمينة إذ للباه يعتركان

стр. 589

كما غادر المصباح عند خموده … فتائل قد ميثت له بدهان وما كل ما يحوى الفتى من تلاده … بحزم ولا ما فاته لتوانى فأجمل إذا طالبت أمرا فإنه … سيكفيكه جدان يعتلجان سيكفيكه إما يد مقفلة … وإما يد مبسوطة ببنان (١) ولما حوت منه أمينة ما حوت … حوت منه فخرا ما لذلك ثان وروى الامام أبو نعيم الحافظ في كتاب دلائل النبوة من طريق يعقوب بن محمد الزهري عن عبد العزيز بن عمران عن عبد الله بن جعفر عن ابن عون عن المسور بن مخرمة عن ابن عباس قال إن عبد المطلب قدم اليمن في رحلة الشتاء فنزل على حبر من اليهود قال فقال لي رجل من أهل الديور - يعنى أهل الكتاب يا عبد المطلب أتأذن لي أن انظر إلى بعضك؟ قال نعم إذا لم يكن عورة. قال ففتح إحدى منخري فنظر فيه ثم نظر في الآخر فقال أشهد أن في إحدى يديك ملكا وفي الأخرى نبوة وإنا نجد ذلك في بنى زهرة فكيف ذلك؟ قلت لا أدرى قال هل لك من شاعة؟ قلت وما الشاعة؟ قال زوجة. قلت أما اليوم فلا قال فإذا رجعت فتزوج فيهم. فرجع عبد المطلب فتزوج هالة بنت وهب بن عبد مناف بن زهرة فولدت حمزة وصفية ثم تزوج عبد الله بن عبد المطلب آمنة بنت وهب فولدت رسول الله ﷺ فقالت قريش حين تزوج عبد الله بآمنة فلج أي فاز وغلب عبد الله على أبيه عبد المطلب.

стр. 590

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ كتاب سيرة رسول الله ﷺ (وذكر أيامه وغزواته وسراياه والوفود اليه وشمائله وفضائله ودلائله الدالة عليه) باب ذكر نسبه الشريف وطيب أصله المنيف قال الله تعالى: ﴿اللهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسالَتَهُ﴾ ولما سأل هرقل ملك الروم لأبي سفيان تلك الأسئلة عن صفاته ﵊ قال كيف نسبه فيكم؟ قال هو فينا ذو نسب قال كذلك الرسل تبعث في أنساب قومها يعنى في أكرمها أحسابا وأكثرها قبيلة صلوات الله عليهم أجمعين. فهو سيد ولد آدم وفخرهم في الدنيا والآخرة. أبو القاسم. وأبو إبراهيم. محمد. واحمد. والماحي الّذي يمحى به الكفر. والعاقب الّذي ما بعده نبي. والحاشر الّذي يحشر الناس على قدميه. والمقفى. ونبي الرحمة. ونبي التوبة. ونبي الملحمة. وخاتم النبيين. والفاتح. وطه. ويس. وعبد الله. قال البيهقي: وزاد بعض العلماء فقال سماه الله في القرآن رسولا. نبيا. أمينا. شاهدا. مبشرا. نذيرا، وداعيا الى الله باذنه وسراجا منيرا. ورءوفا رحيما. ومذكرا. وجعله رحمة ونعمة وهاديا. وسنورد الأحاديث المروية في أسمائه ﵊ في باب نعقده بعد فراغ السيرة. فإنه قد وردت أحاديث كثيرة في ذلك اعتنى بجمعها الحافظان الكبيران أبو بكر البيهقي وأبو القاسم بن عساكر وأفرد الناس في ذلك مؤلفات حتى رام بعضهم أن يجمع له ﵊ ألف اسم. واما الفقيه الكبير أبو بكر بن العربيّ المالكي شارح الترمذي بكتابه الّذي سماه الاحوذى فإنه ذكر من ذلك أربعة وستين اسما والله أعلم. وهو ابن عبد الله وكان أصغر ولد أبيه عبد المطلب وهو الذبيح الثاني المفدى بمائة من الإبل كما تقدم قال الزهري: وكان اجمل رجال قريش وهو أخو الحارث والزبير وحمزة وضرار وأبى طالب - واسمه عبد مناف - وأبى لهب - واسمه عبد العزى - والمقوم - واسمه عبد الكعبة - وقيل هما اثنان وحجل واسمه المغيرة والغيداق وهو كبير الجود - واسمه نوفل - ويقال إنه حجل. فهؤلاء أعمامه عليه الصلاة

стр. 591

والسلام. وعماته ست وهن أروى. وبرة. وأميمة. وصفية. وعاتكة. وأم حكيم - وهي البيضاء - وسنتكلم على كل منهم فيما بعد ان شاء الله تعالى. كلهم أولاد عبد المطلب - واسمه شيبة - يقال لشيبة كانت في رأسه ويقال له شيبة الحمد لجوده. وانما قيل له عبد المطلب لان أباه هاشما لما مر بالمدينة في تجارته الى الشام نزل على عمرو بن زيد بن لبيد بن حرام بن خداش بن خندف بن عدي بن النجار الخزرجي النجاري وكان سيد قومه فأعجبته ابنته سلمى فخطبها الى أبيها فزوجها منه واشترط عليه مقامها عنده وقيل بل اشترط عليه أن لا تلد إلا عنده بالمدينة فلما رجع من الشام بنى بها وأخذها معه الى مكة فلما خرج في تجارة أخذها معه وهي حبلى فتركها بالمدينة ودخل الشام فمات بغزة ووضعت سلمى ولدها فسمته شيبة فأقام عند أخواله بنى عدي بن النجار سبع سنين ثم جاء عمه المطلب بن عبد مناف فأخذه خفية من أمه فذهب به الى مكة. فلما رآه الناس ورأوه على الراحلة قالوا من هذا معك؟ فقال عبدي ثم جاءوا فهنئوه به وجعلوا يقولون له عبد المطلب لذلك فغلب عليه وساد في قريش سيادة عظيمة وذهب بشرفهم ورآستهم. فكان جماع أمرهم عليه وكانت اليه السقاية والرفادة بعد المطلب وهو الّذي جدد حفر زمزم بعد ما كانت مطمومة من عهد جرهم وهو أول من طلى الكعبة بذهب في أبوابها من تينك الغزالتين اللتين من ذهب وحدهما في زمزم مع تلك الأسياف القلعية قال ابن هشام: وعبد المطلب أخو أسد وفضلة وأبى صيفي وحية وخالدة ورقية والشفاء وضعيفة. كلهم أولاد هاشم واسمه عمرو وانما سمى هاشما لهشمه الثريد مع اللحم لقومه في سنى المحل كما قال مطرود بن كعب الخزاعي في قصيدته وقيل للزبعرى والد عبد الله: عمرو الّذي هشم الثريد لقومه … ورجال مكة مسنتون عجاف سنت اليه الرحلتان كلاهما … سفر الشتاء ورحلة الأصياف وذلك لانه أول من سن رحلتي الشتاء والصيف وكان أكبر ولد أبيه. وحكى ابن جرير انه كان تؤام أخيه عبد شمس وان هاشما خرج ورجله ملتصقة برأس عبد شمس فما تخلصت حتى سال بينهما دم فقال الناس بذلك يكون بين أولادهما حروب فكانت وقعة بنى العباس مع بنى أمية بن عبد شمس سنة ثلاث وثلاثين ومائة من الهجرة. وشقيقهم الثالث المطلب وكان المطلب أصغر ولد أبيه وأمهم عاتكة بنت مرة ابن هلال. ورابعهم نوفل من أم أخرى وهي واقدة بنت عمرو المازنية وكانوا قد سادوا قومهم بعد أبيهم وصارت اليهم الرئاسة وكان يقال لهم المجيرون وذلك لانهم أخذوا لقومهم قريش الأمان من ملوك الأقاليم ليدخلوا في التجارات الى بلادهم فكان هاشم قد أخذ أمانا من ملوك الشام والروم وغسان وأخذ لهم عبد شمس من النجاشي الأكبر ملك الحبشة، وأخذ لهم نوفل من الاكاسرة، وأخذ لهم المطلب أمانا من ملوك حمير. ولهم يقول الشاعر:

стр. 592

يا أيها الرجل المحول رحله … إلا نزلت بآل عبد مناف وكان الى هاشم السقاية والرفادة بعد أبيه، واليه والى أخيه المطلب نسب ذوى القربى، وقد كانوا شيئا واحدا في حالتي الجاهلية والإسلام لم يفترقوا، ودخلوا معهم في الشعب، وانخذل عنهم بنو عبد شمس ونوفل. ولهذا يقول أبو طالب في قصيدته: جزى الله عنا عبد شمس ونوفلا … عقوبة شر عاجلا غير آجل ولا يعرف بنو أب تباينوا في الوفاة مثلهم، فان هاشما مات بغزة من أرض الشام، وعبد شمس مات بمكة، ونوفل مات بسلامان من أرض العراق، ومات المطلب - وكان يقال له القمر لحسنه - بريمان من طريق اليمن. فهؤلاء الاخوة الأربعة المشاهير وهم هاشم، وعبد شمس، ونوفل، والمطلب. ولهم أخ خامس ليس بمشهور وهو أبو عمرو واسمه عبد، وأصل اسمه عبد قصي. فقال الناس عبد بن قصي درج ولا عقب له. قاله الزبير بن بكار وغيره. وأخوات ست وهن، تماضر، وحية، وريطة، وقلابة، وأم الاخثم، وأم سفيان. كل هؤلاء أولاد عبد مناف ومناف اسم صنم وأصل اسم عبد مناف المغيرة -. وكان قد رأس في زمن والده، وذهب به الشرف كل مذهب. وهو أخو عبد الدار الّذي كان أكبر ولد أبيه واليه أوصى بالمناصب كما تقدم. وعبد العزى وعبد وبرة وتخمر وأمهم كلهم حبي بنت حليل بن حبشي بن سلول بن كعب بن عمرو الخزاعي وأبوها آخر ملوك خزاعة وولاة البيت منهم، وكلهم أولاد قصي واسمه زيد. وانما سمى بذلك لأن أمه تزوجت بعد أبيه بربيعة بن حزام بن عذرة فسافر بها الى بلاده وابنها صغير فسمى قصيا لذلك. ثم عاد الى مكة وهو كبير ولم شعث قريش وجمعها من متفرقات البلاد، وأزاح يد خزاعة عن البيت، واجلاهم عن مكة ورجع الحق إلى نصابه وصار رئيس قريش على الإطلاق وكانت اليه الوفادة والسقاية - وهو سنها - والسدانة والحجابة واللواء وداره دار الندوة كما تقدم بسط ذلك كله - ولهذا قال الشاعر: قصي، لعمري كان يدعى مجمعا … به جمع الله القبائل من فهر وهو أخو زهرة كلاهما ابنا كلاب أخى تيم ويقظة أبى مخزوم ثلاثتهم أبناء مرة أخى عدي وهصيص وهم أبناء كعب وهو الّذي كان يخطب قومه كل جمعة ويبشرهم بمبعث رسول الله ﷺ وينشد في ذلك اشعارا كما قدمنا، وهو أخو عامر وسامة وخزيمة وسعد والحارث وعوف سبعتهم أبناء لؤيّ أخى تيم الأدرم وهما أبناء غالب أخى الحارث ومحارب ثلاثتهم أبناء فهر، وهو أخو الحارث وكلاهما ابن مالك. وهو أخو الصلت ويخلد، وهم بنو النضر الّذي اليه جماع قريش على الصحيح كما قدمنا الدليل عليه، وهو أخو مالك وملكان وعبد مناة وغيرهم كلهم أولاد كنانة أخى أسد واسدة والهون أولاد خزيمة، وهو أخو هذيل وهما ابنا مدركة - واسمه عمر وأخو طابخة واسمه عامر وقمعة ثلاثتهم أبناء الياس

стр. 593

وأخى الياس هو غيلان والد قيس كلها وهما ولدا مضر أخى ربيعة. ويقال لهما الصريحان من ولد إسماعيل وأخواهما أنمار واياد تيامنا، اربعتهم أبناء نزار أخى قضاعة - في قول طائفة ممن ذهب الى أن قضاعة حجازية عدنانية - وقد تقدم بيانه كلاهما أبناء معد بن عدنان. وهذا النسب بهذه الصفة لا خلاف فيه بين العلماء فجميع قبائل عرب الحجاز ينتهون الى هذا النسب ولهذا قال ابن عباس وغيره في قوله تعالى. ﴿قُلْ لا أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِلاَّ الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبى﴾ لم يكن بطن من بطون قريش الا ولرسول الله ﷺ نسب يتصل بهم. وصدق ابن عباس ﵁ فيما قال وأزيد مما قال، وذلك أن جميع قبائل العرب العدنانية تنتهي اليه بالآباء وكثير منهم بالأمهات أيضا كما ذكره محمد بن إسحاق وغيره في أمهاته وأمهات آبائه وأمهاتهم ما يطول ذكره. وقد حرره ابن إسحاق ﵀ والحافظ ابن عساكر وقد ذكرنا في ترجمة عدنان نسبه وما قيل فيه وانه من ولد إسماعيل لا محالة وان اختلف في كم بينهما أبا؟ على أقوال قد بسطناها فيما تقدم والله أعلم. وقد ذكرنا بقية النسب من عدنان الى آدم وأوردنا قصيدة أبى العباس الناشئ المتضمنة ذلك، كل ذلك في أخبار عرب الحجاز ولله الحمد. وقد تكلم الامام أبو جعفر بن جرير ﵀ في أول تاريخه على ذلك كلاما مبسوطا جيدا محررا نافعا. وقد ورد حديث في انتسابه ﵇ الى عدنان وهو على المنبر ولكن الله أعلم بصحته كما قال الحافظ أبو بكر البيهقي أنبأنا أبو الحسن على بن أحمد بن عمر بن حفص المقرئ - ببغداد - حدثنا أبو عيسى بكار بن احمد بن بكار حدثنا أبو جعفر احمد بن موسى بن سعد - إملاء سنة ست وتسعين ومائتين - حدثنا أبو جعفر محمد بن ابان القلانسي حدثنا أبو محمد عبد الله بن محمد بن ربيعة القدامى حدثنا مالك بن أنس عن الزهري عن أنس وعن أبى بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام. قال: بلغ النبي ﷺ أن رجالا من كندة يزعمون أنهم منه وانه منهم فقال «انما كان يقول ذلك العباس وأبو سفيان بن حرب فيأمنا بذلك. وإنا لن ننتفى من آبائنا، نحن بنو النضر بن كنانة: قال وخطب النبي ﷺ فقال «أنا محمد بن عبد الله بن عبد المطلب بن هاشم بن عبد مناف بن قصي بن كلاب بن مرة بن كعب بن لؤيّ بن غالب ابن فهر بن مالك بن النضر بن كنانة بن خزيمة بن مدركة بن الياس بن مضر بن نذار وما افترق الناس فرقتين إلا جعلني الله في خيرها فأخرجت من بين أبوي فلم يصبني شيء من عهر الجاهلية. وخرجت من نكاح ولم أخرج من سفاح من لدن آدم حتى انتهيت الى أبى وأمى، فانا خيركم نفسا، وخيركم أبا» وهذا حديث غريب جدا من حديث مالك. تفرد به القدامى وهو ضعيف. ولكن سنذكر له شواهد من وجوه أخر. فمن ذلك قوله «خرجت من نكاح لا من سفاح» قال عبد الرزاق أخبرنا ابن عيينة عن جعفر بن محمد عن أبيه أبى جعفر الباقر في قوله تعالى ﴿لَقَدْ جاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ﴾ قال لم يصبه شيء

стр. 594

من ولادة الجاهلية قال وقال رسول الله ﷺ «إني خرجت من نكاح ولم أخرج من سفاح» وهذا مرسل جيد. وهكذا رواه البيهقي عن الحاكم عن الأصم عن محمد بن إسحاق الصنعاني عن يحيى بن أبى بكير عن عبد الغفار بن القاسم عن جعفر بن محمد عن أبيه قال قال رسول الله ﷺ : أن الله أخرجني من النكاح ولم يخرجني من السفاح» وقد رواه ابن عدي موصولا فقال حدثنا أحمد بن حفص حدثنا محمد بن أبى عمرو العدني المكيّ حدثنا محمد بن جعفر بن محمد بن على بن الحسين قال اشهد على أبى حدثني عن أبيه عن جده عن على بن أبى طالب أن النبي ﷺ قال: «خرجت من نكاح ولم أخرج من سفاح من لدن آدم الى أن ولدني أبى وأمى ولم يصبني من سفاح الجاهلية شيء» هذا غريب من هذا الوجه ولا يكاد يصح. وقال هشيم حدثنا المديني عن أبى الحويرث عن ابن عباس قال قال رسول الله ﷺ : «ما ولدني من نكاح أهل الجاهلية شيء، ما ولدني إلا نكاح كنكاح الإسلام» وهذا أيضا غريب أورده الحافظ ابن عساكر ثم أسنده من حديث أبى هريرة وفي اسناده ضعف والله أعلم. وقال محمد بن سعد أخبرنا محمد بن عمر حدثني محمد بن عبد الله بن مسلم عن عمه الزهري عن عروة عن عائشة قالت قال رسول الله ﷺ : «ولدت من نكاح غير سفاح» ثم أورد ابن عساكر من حديث أبى عاصم عن شبيب عن عكرمة عن ابن عباس في قوله تعالى ﴿وَتَقَلُّبَكَ فِي السّاجِدِينَ﴾ قال من نبي الى نبي حتى أخرجت نبيا. ورواه عن عطاء. وقال محمد بن سعد أخبرنا هشام بن محمد الكلبي عن أبيه قال كتبت للنّبيّ ﷺ خمسمائة أم فما وجدت فيهن سفاحا ولا شيئا مما كان من أمر الجاهلية. وثبت في صحيح البخاري من حديث عمرو بن أبى عمرو عن سعيد المقبري عن أبى هريرة قال قال رسول الله ﷺ : «بعثت من خير قرون بنى آدم قرنا فقرنا حتى بعثت من القرن الّذي كنت فيه» وفي صحيح مسلم من حديث الأوزاعي عن شداد أبى عمار عن واثلة بن الأسقع ان رسول الله ﷺ قال: «ان الله اصطفى من ولد إبراهيم إسماعيل واصطفى من بنى إسماعيل بنى كنانة واصطفى من بنى كنانة قريشا واصطفى من قريش بنى هاشم واصطفاني من بنى هاشم» وقال الامام احمد حدثنا أبو نعيم عن سفيان عن يزيد بن أبى زياد عن عبد الله بن الحارث بن نوفل عن المطلب بن أبى وداعة قال قال العباس بلغه ﷺ بعض ما يقول الناس «فصعد المنبر فقال: من أنا؟» قالوا أنت رسول الله قال «أنا محمد بن عبد الله بن عبد المطلب، إن الله خلق الخلق فجعلني في خير خلقه وجعلهم فرقتين فجعلني في خير فرقة، وخلق القبائل فجعلني في خير قبيلة، وجعلهم بيوتا فجعلني في خيرهم بيتا. فانا خيركم بيتا وخيركم نفسا» صلوات الله وسلامه عليه دائما أبدا الى يوم الدين. وقال يعقوب بن سفيان حدثنا عبيد الله بن موسى عن إسماعيل بن أبى خالد عن يزيد بن أبى زياد عن عبد الله بن الحارث بن نوفل عن العباس بن عبد المطلب قال قلت يا رسول الله ان قريشا إذا التقوا لقي بعضهم بعضا بالبشاشة، وإذا لقونا لقونا بوجوه لا نعرفها. فغضب

стр. 595

رسول الله ﷺ عند ذلك غضبا شديدا ثم قال: «والّذي نفس محمد بيده لا يدخل قلب رجل الايمان حتى يحبكم لله ولرسوله» فقلت يا رسول الله إن قريشا جلسوا فتذاكروا أحسابهم فجعلوا مثلك كمثل نخلة في كبوة من الأرض. فقال رسول الله ﷺ : «إن الله يوم خلق الخلق جعلني في خيرهم، ثم لما فرقهم [قبائل] جعلني في خيرهم قبيلة. ثم حين جعل البيوت جعلني في خير بيوتهم فانا خيرهم نفسا وخيرهم بيتا». ورواه أبو بكر بن أبى شيبة عن ابن فضيل عن يزيد بن أبى زياد عن عبد الله بن الحارث عن ربيعة ابن الحارث قال بلغ النبي ﷺ فذكره بنحو ما تقدم ولم يذكر العباس. وقال يعقوب بن سفيان حدثني يحيى بن عبد الحميد حدثني قيس بن عبد الله عن الأعمش عن عليلة بن ربعي عن ابن عباس قال قال رسول الله ﷺ : «إن الله قسم الخلق قسمين فجعلني في خيرهما قسما، فذلك قوله ﴿وَأَصْحابُ الْيَمِينِ﴾ وأصحاب الشمال، فانا من أصحاب اليمين وأنا خير أصحاب اليمين، ثم جعل القسمين أثلاثا فجعلني في خيرها ثلثا، فذلك قوله وأصحاب الميمنة ﴿وَالسّابِقُونَ السّابِقُونَ﴾ فانا من السابقين، وأنا خير السابقين، ثم جعل الأثلاث قبائل فجعلني في خيرها قبيلة فذلك قوله ﴿وَجَعَلْناكُمْ شُعُوباً وَقَبائِلَ لِتَعارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللهِ أَتْقاكُمْ إِنَّ اللهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ﴾ وأنا أتقى ولد آدم وأكرمهم على الله ولا فخر، ثم جعل القبائل بيوتا فجعلني في خيرها بيتا وذلك قوله ﴿إِنَّما يُرِيدُ اللهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً﴾، فأنا وأهل بيتي مطهرون من الذنوب». وهذا الحديث فيه غرابة ونكارة. وروى الحاكم والبيهقي من حديث محمد بن ذكوان خال ولد حماد بن زيد عن عمرو بن دينار عن ابن عمر قال: إنا لقعود بفناء النبي ﷺ إذ مرت به امرأة، فقال بعض القوم هذه ابنة رسول الله ﷺ قال أبو سفيان: مثل محمد في بنى هاشم مثل الريحانة في وسط النتن. فانطلقت المرأة فأخبرت النبي ﷺ فجاء رسول الله ﷺ : يعرف في وجهه الغضب. فقال: «ما بال أقوال تبلغني عن أقوام إن الله خلق السماوات سبعا فاختار العلياء منها فأسكنها من شاء من خلقه، ثم خلق الخلق فاختار من الخلق بنى آدم، واختار من بنى آدم العرب، واختار من العرب مضر، واختار من مضر قريشا، واختار من قريش بنى هاشم، واختارني من بنى هاشم فانا خيار من خيار، فمن أحب العرب فبحبي أحبهم، ومن أبغض العرب فببغضي أبغضهم» هذا أيضا حديث غريب. وثبت في الصحيح أن رسول الله ﷺ قال: «أنا سيد ولد آدم يوم القيامة ولا فخر» وروى الحاكم والبيهقي أيضا من حديث موسى بن عبيدة حدثنا عمرو بن عبد الله بن نوفل عن الزهري عن أبى أسامة أو أبى سلمة عن عائشة ﵂ قالت قال رسول الله ﷺ : «قال لي جبريل قلبت الأرض من مشارقها ومغاربها فلم أجد رجلا أفضل من محمد، وقلبت الأرض مشارقها ومغاربها فلم أجد بنى أب أفضل من بنى هاشم» قال الحافظ البيهقي وهذه الأحاديث وإن كان في رواتها من لا يحتج به فبعضها يؤكد بعضا ومعنى جميعها يرجع الى حديث واثلة بن الأسقع والله أعلم.

стр. 596

قلت وفي هذا المعنى يقول أبو طالب يمتدح النبي ﷺ : إذا اجتمعت يوما قريش لمفخر … فعبد مناف سرّها وصميمها فان حصلت أشراف عبد منافها … ففي هاشم أشرافها وقديمها وإن فخرت يوما فانّ محمدا … هو المصطفى من سرها وكريمها تداعت قريش غثها وسمينها … علينا فلم تظفر وطاشت حلومها وكنا قديما لا نقر ظلامة … إذا ما ثنوا صعر الخدود نقيمها ونحمى حماها كل يوم كريهة … ونضرب عن أجحارها من يرومها بنا انتعش العود الذواء وإنما … باكنافنا تندى وتنمى أرومها وقال أبو السكن زكريا بن يحيى الطائي في الجزء المنسوب اليه المشهور: حدثني عمر بن أبى زحر بن حصين عن جد، حميد بن منهب قال قال جدي خريم بن أوس هاجرت إلى رسول الله ﷺ فقدمت عليه منصرفه من تبوك، فأسلمت فسمعت العباس بن عبد المطلب يقول يا رسول الله إني أريد أن أمتدحك، فقال رسول الله ﷺ قل لا يفضض الله فاك فأنشأ يقول: من قبلها طبت في الضلال وفي … مستودع حيث يخصف الورق ثم هبطت البلاد لا بشر أنت … ولا مضغة ولا علق بل نطفة تركب السفين وقد … الجم نسرا وأهله الغرق تنقل من صلب إلى رحم … إذا مضى عالم بدا طبق حتى احتوى بيتك المهيمن من … خندف علياء تحتها النطق وأنت لما ولدت أشرقت الأرض … وضاءت بنورك الأفق فنحن في ذلك الضياء وفي … النور وسبل الرشاد نخترق وقد روى هذا الشعر لحسان بن ثابت فروى الحافظ أبو القاسم بن عساكر من طريق أبى الحسن ابن أبى الحديد أخبرنا محمد بن أبى نصر أنا عبد السلام بن محمد بن احمد القرشي حدثنا أبو حصين محمد ابن إسماعيل بن محمد التميمي حدثنا محمد بن عبد الله الزاهد الخراساني حدثني إسحاق بن إبراهيم بن سنان حدثنا سلام بن سليمان أبو العباس المكفوف المدائني حدثنا ورقاء بن عمر عن ابن أبى نجيح عن عطاء ومجاهد عن ابن عباس قال سألت رسول الله ﷺ فقلت فداك أبى وأمى أين كنت وآدم في الجنة؟ قال فتبسم حتى بدت نواجذه ثم قال: «كنت في صلبه وركب بى السفينة في صلب أبى نوح وقذف بى في صلب ابى إبراهيم لم يلتق أبواي على سفاح قط لم يزل الله ينقلني من الأصلاب الحسيبة إلى الأرحام الطاهرة صفتي مهدي لا ينشعب شعبتان إلا كنت في خيرهما وقد أخذ الله بالنّبوّة ميثاقي وبالإسلام عهدي

стр. 597

ونشر في التوراة والإنجيل ذكرى وبين كل نبي صفتي تشرق الأرض بنوري والغمام بوجهي وعلمني كتابه وزادني [شرفا] في سمائه وشق لي اسما من أسمائه فذو العرش محمود وأنا محمد واحمد ووعدني أن يحبوني بالحوض والكوثر وأن يجعلني أول شافع وأول مشفع ثم أخرجني من خير قرن لامتى، وهم الحمادون يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر» قال ابن عباس فقال حسان بن ثابت في النبي ﷺ : قبلها طبت في الظلال وفي … مستودع يوم يخصف الورق ثم سكنت البلاد لا بشر أنت … ولا نطفة ولا علق مطهر تركب السفين وقد … ألجم نسرا وأهله الغرق تنقل من صلب إلى رحم … إذا مضى طبق بدا طبق فقال النبي ﷺ : «يرحم الله حسانا» فقال على بن أبى طالب وجبت الجنة لحسان ورب الكعبة ثم قال الحافظ ابن عساكر هذا حديث غريب جدا قلت: بل منكر جدا والمحفوظ أن هذه الأبيات للعباس ﵁ ثم أوردها من حديث أبى السكن زكريا بن يحيى الطائي كما تقدم قلت: ومن الناس من يزعم أنها للعباس بن مرداس السلمي فالله أعلم. تنبيه. قال القاضي عياض - في كتابه الشفاء - وأما احمد الّذي أتى في الكتب وبشرت به الأنبياء فمنع الله بحكمته أن يسمى به أحد غيره ولا يدعى به مدعو قبله، حتى لا يدخل لبس على ضعيف القلب أو شك. وكذلك محمد لم يسم به أحد من العرب ولا غيرهم إلى أن شاع قبل وجوده وميلاده أن نبيا يبعث اسمه محمد. فسمى قوم قليل من العرب أبناءهم بذلك رجاء أن يكون أحدهم هو (والله أعلم حيث يجعل رسالاته) وهم: محمد بن احيحة بن الجلاح الأوسي. ومحمد بن سلمة الأنصاري. ومحمد بن البراء الكندي. ومحمد بن سفيان بن مجاشع. ومحمد بن حمران الجعفي. ومحمد بن خزاعيّ السلمي لا سابع لهم. ويقال إن أول من سمى محمدا محمد بن سفيان بن مجاشع. واليمن تقول بل محمد بن ليحمد من الأزد. ثم إن الله حمى كل من تسمى به أن يدعى النبوة أو يدعيها له أحد، أو يظهر عليه سبب يشكل أحدا في أمره حتى تحققت الشيمتان له ﷺ لم ينازع فيهما. هذا لفظه. باب مولد رسول الله ﷺ ولد صلوات الله عليه وسلامه يوم الاثنين. لما رواه مسلم في صحيحه من حديث غيلان بن جرير بن عبد الله بن معبد الزمانى عن أبى قتادة أن أعرابيا قال يا رسول الله، ما تقول في صوم يوم الاثنين فقال «ذاك يوم ولدت فيه وانزل على فيه». وقال الامام أحمد حدثنا موسى بن داود حدثنا ابن لهيعة عن

стр. 598

خالد بن أبى عمران عن حنش الصنعاني عن ابن عباس قال: ولد رسول الله ﷺ يوم الاثنين، واستنبئ يوم الاثنين، وخرج مهاجرا من مكة الى المدينة يوم الاثنين، وقدم المدينة يوم الاثنين، وتوفى يوم الاثنين، ورفع الحجر الأسود يوم الاثنين. تفرد به أحمد ورواه عمرو بن بكير عن ابن لهيعة وزاد نزلت سورة المائدة يوم الاثنين ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ﴾ وهكذا رواه بعضهم عن موسى بن داود به وزاد أيضا وكانت وقعة بدر يوم الاثنين. وممن قال هذا يزيد بن حبيب وهذا منكر جدا. قال ابن عساكر والمحفوظ ان بدرا ونزول ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ﴾ يوم الجمعة وصدق ابن عساكر. وروى عبد الله بن عمر عن كريب عن ابن عباس ولد رسول الله ﷺ يوم الاثنين وتوفى يوم الاثنين. وهكذا روى من غير هذا الوجه عن ابن عباس انه ولد يوم الاثنين. وهذا ما لا خلاف فيه انه ولد ﷺ يوم الاثنين. وأبعد بل اخطأ من قال ولد يوم الجمعة لسبع عشرة خلت من ربيع الأول نقله الحافظ ابن دحية فيما قرأه في كتاب أعلام الروي باعلام الهدى لبعض الشيعة. ثم شرع ابن دحية في تضعيفه وهو جدير بالتضعيف إذ هو خلاف النص. ثم الجمهور على أن ذلك كان في شهر ربيع الأول فقيل لليلتين خلتا منه قاله ابن عبد البر في الاستيعاب ورواه الواقدي عن أبى معشر نجيح بن عبد الرحمن المدني. وقيل لثمان خلون منه حكاه الحميدي عن ابن حزم. ورواه مالك وعقيل ويونس بن يزيد وغيرهم عن الزهري عن محمد بن جبير بن مطعم ونقل ابن عبد البر عن أصحاب التاريخ انهم صححوه وقطع به الحافظ الكبير محمد بن موسى الخوارزمي ورجحه الحافظ أبو الخطاب بن دحية في كتابه التنوير في مولد البشير النذير وقيل لعشر خلون منه نقله ابن دحية في كتابه ورواه ابن عساكر عن أبى جعفر الباقر ورواه مجالد عن الشعبي كما مر. وقيل لثنتى عشرة خلت منه نص عليه ابن إسحاق ورواه ابن أبى شيبة في مصنفه عن عفان عن سعيد بن مينا عن جابر وابن عباس انهما قالا: ولد رسول الله ﷺ عام الفيل يوم الاثنين الثامن عشر (١) من شهر ربيع الأول وفيه بعث وفيه عرج به الى السماء وفيه هاجر وفيه مات. وهذا هو المشهور عند الجمهور والله أعلم. وقيل لسبعة عشر خلت منه كما نقله ابن دحية عن بعض الشيعة. وقيل لثمان بقين منه نقله ابن دحية من خط الوزير أبى رافع بن الحافظ أبى محمد بن حزم عن أبيه والصحيح عن ابن حزم الأول انه لثمان مضين منه كما نقله عنه الحميدي وهو اثبت. والقول الثاني انه ولد في رمضان نقله ابن عبد البر عن الزبير بن بكار وهو قول غريب جدا وكان مستنده انه ﵊ أوحى اليه في رمضان بلا خلاف وذلك على رأس أربعين سنة من عمره فيكون مولده في رمضان وهذا فيه نظر والله اعلم. وقد روى خيثمة بن سليمان الحافظ عن خلف بن محمد كردوس الواسطي عن المعلى بن عبد الرحمن عن عبد الحميد بن جعفر عن الزهري عن عبيد الله بن عبد الله عن

стр. 599

ابن عباس قال ولد رسول الله ﷺ يوم الاثنين في ربيع الأول وأنزلت عليه النبوة يوم الاثنين في أول شهر ربيع الأول وأنزلت عليه البقرة يوم الاثنين في ربيع الأول. وهذا غريب جدا رواه ابن عساكر. قال الزبير بن بكار حملت به أمه في أيام التشريق في شعب أبى طالب عند الجمرة الوسطى. وولد بمكة بالدار المعروفة بمحمد بن يوسف أخى الحجاج بن يوسف لثنتى عشرة ليلة خلت من شهر رمضان. ورواه الحافظ ابن عساكر من طريق محمد بن عثمان بن عقبة بن مكرم عن المسيب بن شريك عن شعيب بن شعيب عن أبيه عن جده قال حمل برسول الله ﷺ في يوم عاشوراء في المحرم وولد يوم الاثنين لثنتى عشرة ليلة خلت من شهر رمضان سنة ثلاث وعشرين من غزوة أصحاب الفيل. وذكر غيره ان الخيزران وهي أم هارون الرشيد لما حجت أمرت ببناء هذه الدار مسجدا. فهو يعرف بها اليوم. وذكر السهيليّ أن مولده ﵊ كان في العشرين من نيسان. وهذا أعدل الزمان والفصول وذلك لسنة اثنتين وثمانين وثمانمائة لذي القرنين فيما ذكر أصحاب الزيج. وزعموا ان الطالع كان لعشرين درجة من الجدي وكان المشترى وزحل مقترنين في ثلاث درج من العقرب وهي درجة وسط السماء. وكان موافقا من البروج الحمل وكان ذلك عند طلوع القمر أول الليل نقله كله ابن دحية والله أعلم. قال ابن إسحاق: وكان مولده ﵊ عام الفيل وهذا هو المشهور عن الجمهور. قال إبراهيم بن المنذر الحزامي: وهو الّذي لا يشك فيه أحد من علمائنا انه ﵊ ولد عام الفيل وبعث على رأس أربعين سنة من الفيل. وقد رواه البيهقي من حديث أبى إسحاق السبيعي عن سعيد بن جبير عن ابن عباس. قال: ولد رسول الله ﷺ عام الفيل وقال محمد بن إسحاق حدثني المطلب بن عبد الله بن قيس بن مخرمة عن أبيه عن جده قيس بن مخرمة قال ولدت انا ورسول الله ﷺ عام الفيل، كنا لدين. قال وسأل عثمان ﵁ قباث بن أشيم أخا بنى يعمر بن ليث أنت أكبر أم رسول الله ﷺ ؟ فقال: رسول الله ﷺ أكبر منى وانا أقدم منه في الميلاد. ورأيت خزق الفيل أخضر محيلا. ورواه الترمذي والحاكم من حديث محمد بن إسحاق به. قال ابن إسحاق: وكان رسول الله ﷺ عام عكاظ ابن عشرين سنة. وقال ابن إسحاق: كان الفجار بعد الفيل بعشرين سنة. وكان بناء الكعبة بعد الفجار بخمسة عشر سنة، والمبعث بعد بنائها بخمس سنين. وقال محمد بن جبير بن مطعم: كانت عكاظ بعد الفيل بخمس عشرة سنة، وبناء الكعبة بعد عكاظ بعشر سنين، والمبعث بعد بنائها بخمس عشرة سنة. وروى الحافظ البيهقي من حديث عبد العزيز بن أبى ثابت المديني حدثنا الزبير بن موسى عن أبى الحويرث قال سمعت عبد الملك بن مروان يقول لقباث بن أشيم الكناني ثم الليثي: يا قباث أنت أكبر أم رسول الله

стр. 600

ﷺ ؟ قال: رسول الله ﷺ أكبر منى، وانا أسن. ولد رسول الله ﷺ عام الفيل، ووقفت بى أمى على روث الفيل محيلا اعقله. وتنبأ رسول الله ﷺ على رأس أربعين سنة. وقال يعقوب بن سفيان حدثنا يحيى بن عبد الله بن بكير حدثنا نعيم يعنى ابن ميسرة - عن بعضهم عن سويد بن غفلة انه قال: انا لدة رسول الله ﷺ ولدت عام الفيل. قال البيهقي وقد روى عن سويد بن غفلة انه قال أنا أصغر من رسول الله ﷺ بسنتين. قال يعقوب وحدثنا إبراهيم بن المنذر حدثنا عبد العزيز بن ابى ثابت حدثني عبد الله بن عثمان بن ابى سليمان النوفلي عن أبيه عن محمد بن جبير بن مطعم. قال ولد رسول الله ﷺ عام الفيل، وكانت بعده عكاظ بخمس عشرة سنة، وبنى البيت على رأس خمس وعشرين سنة من الفيل، وتنبأ رسول الله ﷺ على رأس أربعين سنة من الفيل. والمقصود أن رسول الله ﷺ ولد عام الفيل على قول الجمهور فقيل بعده بشهر، وقيل بأربعين يوما، وقيل بخمسين يوما - وهو أشهر - وعن أبى جعفر الباقر كان قدوم الفيل للنصف من المحرم، ومولد رسول الله ﷺ بعده بخمس وخمسين ليلة، وقال آخرون بل كان عام الفيل قبل مولد رسول الله ﷺ بعشر سنين. قاله ابن أبزى. وقيل بثلاث وعشرين سنة رواه شعيب بن شعيب عن أبيه عن جده كما تقدم وقيل بعد الفيل بثلاثين سنة. قاله موسى بن عقبة عن الزهري ﵀. واختاره موسى بن عقبة أيضا ﵀. وقال أبو زكريا العجلاني: بعد الفيل بأربعين عاما، رواه ابن عساكر وهذا غريب جدا، واغرب منه ما قال خليفة بن خياط حدثني شعيب بن حبان عن عبد الواحد بن أبى عمرو عن الكلبي عن أبى صالح عن ابن عباس، قال: ولد رسول الله ﷺ قبل الفيل بخمس عشرة سنة وهذا حديث غريب ومنكر وضعيف أيضا، قال خليفة بن خياط والمجتمع عليه انه ﵇ ولد عام الفيل. صفة مولده الشريف ﵊ قد تقدم ان عبد المطلب لما ذبح تلك الإبل المائة عن ولده عبد الله حين كان نذر ذبحه فسلمه الله تعالى لما كان قدر في الأزل من ظهور النبي الأمي ﷺ خاتم الرسل وسيد ولد آدم من صلبه، فذهب كما تقدم فزوجه أشرف عقيلة في قريش آمنة بنت وهب بن عبد مناف بن زهرة الزهرية، فحين دخل بها وافضى اليها حملت برسول الله ﷺ ، وقد كانت أم قتال رقيقة بنت نوفل أخت ورقة بن نوفل توسمت ما كان بين عيني عبد الله قبل أن يجامع آمنة من النور، فودت أن يكون ذلك متصلا بها لما كانت تسمع من أخيها من البشارات بوجود محمد ﷺ ، وانه قد أزف زمانه فعرضت نفسها عليه. قال بعضهم ليتزوجها وهو أظهر والله اعلم، فامتنع عليها فلما انتقل ذلك النور الباهر إلى آمنة بمواقعته
следующие страницы →