← История

История · id 23708

البداية والنهاية - ط السعادة

ابن كثير

Полный текст (4 918 стр.). Показаны 596–635 · переход к 601.

стр. 596

قلت وفي هذا المعنى يقول أبو طالب يمتدح النبي ﷺ : إذا اجتمعت يوما قريش لمفخر … فعبد مناف سرّها وصميمها فان حصلت أشراف عبد منافها … ففي هاشم أشرافها وقديمها وإن فخرت يوما فانّ محمدا … هو المصطفى من سرها وكريمها تداعت قريش غثها وسمينها … علينا فلم تظفر وطاشت حلومها وكنا قديما لا نقر ظلامة … إذا ما ثنوا صعر الخدود نقيمها ونحمى حماها كل يوم كريهة … ونضرب عن أجحارها من يرومها بنا انتعش العود الذواء وإنما … باكنافنا تندى وتنمى أرومها وقال أبو السكن زكريا بن يحيى الطائي في الجزء المنسوب اليه المشهور: حدثني عمر بن أبى زحر بن حصين عن جد، حميد بن منهب قال قال جدي خريم بن أوس هاجرت إلى رسول الله ﷺ فقدمت عليه منصرفه من تبوك، فأسلمت فسمعت العباس بن عبد المطلب يقول يا رسول الله إني أريد أن أمتدحك، فقال رسول الله ﷺ قل لا يفضض الله فاك فأنشأ يقول: من قبلها طبت في الضلال وفي … مستودع حيث يخصف الورق ثم هبطت البلاد لا بشر أنت … ولا مضغة ولا علق بل نطفة تركب السفين وقد … الجم نسرا وأهله الغرق تنقل من صلب إلى رحم … إذا مضى عالم بدا طبق حتى احتوى بيتك المهيمن من … خندف علياء تحتها النطق وأنت لما ولدت أشرقت الأرض … وضاءت بنورك الأفق فنحن في ذلك الضياء وفي … النور وسبل الرشاد نخترق وقد روى هذا الشعر لحسان بن ثابت فروى الحافظ أبو القاسم بن عساكر من طريق أبى الحسن ابن أبى الحديد أخبرنا محمد بن أبى نصر أنا عبد السلام بن محمد بن احمد القرشي حدثنا أبو حصين محمد ابن إسماعيل بن محمد التميمي حدثنا محمد بن عبد الله الزاهد الخراساني حدثني إسحاق بن إبراهيم بن سنان حدثنا سلام بن سليمان أبو العباس المكفوف المدائني حدثنا ورقاء بن عمر عن ابن أبى نجيح عن عطاء ومجاهد عن ابن عباس قال سألت رسول الله ﷺ فقلت فداك أبى وأمى أين كنت وآدم في الجنة؟ قال فتبسم حتى بدت نواجذه ثم قال: «كنت في صلبه وركب بى السفينة في صلب أبى نوح وقذف بى في صلب ابى إبراهيم لم يلتق أبواي على سفاح قط لم يزل الله ينقلني من الأصلاب الحسيبة إلى الأرحام الطاهرة صفتي مهدي لا ينشعب شعبتان إلا كنت في خيرهما وقد أخذ الله بالنّبوّة ميثاقي وبالإسلام عهدي

стр. 597

ونشر في التوراة والإنجيل ذكرى وبين كل نبي صفتي تشرق الأرض بنوري والغمام بوجهي وعلمني كتابه وزادني [شرفا] في سمائه وشق لي اسما من أسمائه فذو العرش محمود وأنا محمد واحمد ووعدني أن يحبوني بالحوض والكوثر وأن يجعلني أول شافع وأول مشفع ثم أخرجني من خير قرن لامتى، وهم الحمادون يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر» قال ابن عباس فقال حسان بن ثابت في النبي ﷺ : قبلها طبت في الظلال وفي … مستودع يوم يخصف الورق ثم سكنت البلاد لا بشر أنت … ولا نطفة ولا علق مطهر تركب السفين وقد … ألجم نسرا وأهله الغرق تنقل من صلب إلى رحم … إذا مضى طبق بدا طبق فقال النبي ﷺ : «يرحم الله حسانا» فقال على بن أبى طالب وجبت الجنة لحسان ورب الكعبة ثم قال الحافظ ابن عساكر هذا حديث غريب جدا قلت: بل منكر جدا والمحفوظ أن هذه الأبيات للعباس ﵁ ثم أوردها من حديث أبى السكن زكريا بن يحيى الطائي كما تقدم قلت: ومن الناس من يزعم أنها للعباس بن مرداس السلمي فالله أعلم. تنبيه. قال القاضي عياض - في كتابه الشفاء - وأما احمد الّذي أتى في الكتب وبشرت به الأنبياء فمنع الله بحكمته أن يسمى به أحد غيره ولا يدعى به مدعو قبله، حتى لا يدخل لبس على ضعيف القلب أو شك. وكذلك محمد لم يسم به أحد من العرب ولا غيرهم إلى أن شاع قبل وجوده وميلاده أن نبيا يبعث اسمه محمد. فسمى قوم قليل من العرب أبناءهم بذلك رجاء أن يكون أحدهم هو (والله أعلم حيث يجعل رسالاته) وهم: محمد بن احيحة بن الجلاح الأوسي. ومحمد بن سلمة الأنصاري. ومحمد بن البراء الكندي. ومحمد بن سفيان بن مجاشع. ومحمد بن حمران الجعفي. ومحمد بن خزاعيّ السلمي لا سابع لهم. ويقال إن أول من سمى محمدا محمد بن سفيان بن مجاشع. واليمن تقول بل محمد بن ليحمد من الأزد. ثم إن الله حمى كل من تسمى به أن يدعى النبوة أو يدعيها له أحد، أو يظهر عليه سبب يشكل أحدا في أمره حتى تحققت الشيمتان له ﷺ لم ينازع فيهما. هذا لفظه. باب مولد رسول الله ﷺ ولد صلوات الله عليه وسلامه يوم الاثنين. لما رواه مسلم في صحيحه من حديث غيلان بن جرير بن عبد الله بن معبد الزمانى عن أبى قتادة أن أعرابيا قال يا رسول الله، ما تقول في صوم يوم الاثنين فقال «ذاك يوم ولدت فيه وانزل على فيه». وقال الامام أحمد حدثنا موسى بن داود حدثنا ابن لهيعة عن

стр. 598

خالد بن أبى عمران عن حنش الصنعاني عن ابن عباس قال: ولد رسول الله ﷺ يوم الاثنين، واستنبئ يوم الاثنين، وخرج مهاجرا من مكة الى المدينة يوم الاثنين، وقدم المدينة يوم الاثنين، وتوفى يوم الاثنين، ورفع الحجر الأسود يوم الاثنين. تفرد به أحمد ورواه عمرو بن بكير عن ابن لهيعة وزاد نزلت سورة المائدة يوم الاثنين ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ﴾ وهكذا رواه بعضهم عن موسى بن داود به وزاد أيضا وكانت وقعة بدر يوم الاثنين. وممن قال هذا يزيد بن حبيب وهذا منكر جدا. قال ابن عساكر والمحفوظ ان بدرا ونزول ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ﴾ يوم الجمعة وصدق ابن عساكر. وروى عبد الله بن عمر عن كريب عن ابن عباس ولد رسول الله ﷺ يوم الاثنين وتوفى يوم الاثنين. وهكذا روى من غير هذا الوجه عن ابن عباس انه ولد يوم الاثنين. وهذا ما لا خلاف فيه انه ولد ﷺ يوم الاثنين. وأبعد بل اخطأ من قال ولد يوم الجمعة لسبع عشرة خلت من ربيع الأول نقله الحافظ ابن دحية فيما قرأه في كتاب أعلام الروي باعلام الهدى لبعض الشيعة. ثم شرع ابن دحية في تضعيفه وهو جدير بالتضعيف إذ هو خلاف النص. ثم الجمهور على أن ذلك كان في شهر ربيع الأول فقيل لليلتين خلتا منه قاله ابن عبد البر في الاستيعاب ورواه الواقدي عن أبى معشر نجيح بن عبد الرحمن المدني. وقيل لثمان خلون منه حكاه الحميدي عن ابن حزم. ورواه مالك وعقيل ويونس بن يزيد وغيرهم عن الزهري عن محمد بن جبير بن مطعم ونقل ابن عبد البر عن أصحاب التاريخ انهم صححوه وقطع به الحافظ الكبير محمد بن موسى الخوارزمي ورجحه الحافظ أبو الخطاب بن دحية في كتابه التنوير في مولد البشير النذير وقيل لعشر خلون منه نقله ابن دحية في كتابه ورواه ابن عساكر عن أبى جعفر الباقر ورواه مجالد عن الشعبي كما مر. وقيل لثنتى عشرة خلت منه نص عليه ابن إسحاق ورواه ابن أبى شيبة في مصنفه عن عفان عن سعيد بن مينا عن جابر وابن عباس انهما قالا: ولد رسول الله ﷺ عام الفيل يوم الاثنين الثامن عشر (١) من شهر ربيع الأول وفيه بعث وفيه عرج به الى السماء وفيه هاجر وفيه مات. وهذا هو المشهور عند الجمهور والله أعلم. وقيل لسبعة عشر خلت منه كما نقله ابن دحية عن بعض الشيعة. وقيل لثمان بقين منه نقله ابن دحية من خط الوزير أبى رافع بن الحافظ أبى محمد بن حزم عن أبيه والصحيح عن ابن حزم الأول انه لثمان مضين منه كما نقله عنه الحميدي وهو اثبت. والقول الثاني انه ولد في رمضان نقله ابن عبد البر عن الزبير بن بكار وهو قول غريب جدا وكان مستنده انه ﵊ أوحى اليه في رمضان بلا خلاف وذلك على رأس أربعين سنة من عمره فيكون مولده في رمضان وهذا فيه نظر والله اعلم. وقد روى خيثمة بن سليمان الحافظ عن خلف بن محمد كردوس الواسطي عن المعلى بن عبد الرحمن عن عبد الحميد بن جعفر عن الزهري عن عبيد الله بن عبد الله عن

стр. 599

ابن عباس قال ولد رسول الله ﷺ يوم الاثنين في ربيع الأول وأنزلت عليه النبوة يوم الاثنين في أول شهر ربيع الأول وأنزلت عليه البقرة يوم الاثنين في ربيع الأول. وهذا غريب جدا رواه ابن عساكر. قال الزبير بن بكار حملت به أمه في أيام التشريق في شعب أبى طالب عند الجمرة الوسطى. وولد بمكة بالدار المعروفة بمحمد بن يوسف أخى الحجاج بن يوسف لثنتى عشرة ليلة خلت من شهر رمضان. ورواه الحافظ ابن عساكر من طريق محمد بن عثمان بن عقبة بن مكرم عن المسيب بن شريك عن شعيب بن شعيب عن أبيه عن جده قال حمل برسول الله ﷺ في يوم عاشوراء في المحرم وولد يوم الاثنين لثنتى عشرة ليلة خلت من شهر رمضان سنة ثلاث وعشرين من غزوة أصحاب الفيل. وذكر غيره ان الخيزران وهي أم هارون الرشيد لما حجت أمرت ببناء هذه الدار مسجدا. فهو يعرف بها اليوم. وذكر السهيليّ أن مولده ﵊ كان في العشرين من نيسان. وهذا أعدل الزمان والفصول وذلك لسنة اثنتين وثمانين وثمانمائة لذي القرنين فيما ذكر أصحاب الزيج. وزعموا ان الطالع كان لعشرين درجة من الجدي وكان المشترى وزحل مقترنين في ثلاث درج من العقرب وهي درجة وسط السماء. وكان موافقا من البروج الحمل وكان ذلك عند طلوع القمر أول الليل نقله كله ابن دحية والله أعلم. قال ابن إسحاق: وكان مولده ﵊ عام الفيل وهذا هو المشهور عن الجمهور. قال إبراهيم بن المنذر الحزامي: وهو الّذي لا يشك فيه أحد من علمائنا انه ﵊ ولد عام الفيل وبعث على رأس أربعين سنة من الفيل. وقد رواه البيهقي من حديث أبى إسحاق السبيعي عن سعيد بن جبير عن ابن عباس. قال: ولد رسول الله ﷺ عام الفيل وقال محمد بن إسحاق حدثني المطلب بن عبد الله بن قيس بن مخرمة عن أبيه عن جده قيس بن مخرمة قال ولدت انا ورسول الله ﷺ عام الفيل، كنا لدين. قال وسأل عثمان ﵁ قباث بن أشيم أخا بنى يعمر بن ليث أنت أكبر أم رسول الله ﷺ ؟ فقال: رسول الله ﷺ أكبر منى وانا أقدم منه في الميلاد. ورأيت خزق الفيل أخضر محيلا. ورواه الترمذي والحاكم من حديث محمد بن إسحاق به. قال ابن إسحاق: وكان رسول الله ﷺ عام عكاظ ابن عشرين سنة. وقال ابن إسحاق: كان الفجار بعد الفيل بعشرين سنة. وكان بناء الكعبة بعد الفجار بخمسة عشر سنة، والمبعث بعد بنائها بخمس سنين. وقال محمد بن جبير بن مطعم: كانت عكاظ بعد الفيل بخمس عشرة سنة، وبناء الكعبة بعد عكاظ بعشر سنين، والمبعث بعد بنائها بخمس عشرة سنة. وروى الحافظ البيهقي من حديث عبد العزيز بن أبى ثابت المديني حدثنا الزبير بن موسى عن أبى الحويرث قال سمعت عبد الملك بن مروان يقول لقباث بن أشيم الكناني ثم الليثي: يا قباث أنت أكبر أم رسول الله

стр. 600

ﷺ ؟ قال: رسول الله ﷺ أكبر منى، وانا أسن. ولد رسول الله ﷺ عام الفيل، ووقفت بى أمى على روث الفيل محيلا اعقله. وتنبأ رسول الله ﷺ على رأس أربعين سنة. وقال يعقوب بن سفيان حدثنا يحيى بن عبد الله بن بكير حدثنا نعيم يعنى ابن ميسرة - عن بعضهم عن سويد بن غفلة انه قال: انا لدة رسول الله ﷺ ولدت عام الفيل. قال البيهقي وقد روى عن سويد بن غفلة انه قال أنا أصغر من رسول الله ﷺ بسنتين. قال يعقوب وحدثنا إبراهيم بن المنذر حدثنا عبد العزيز بن ابى ثابت حدثني عبد الله بن عثمان بن ابى سليمان النوفلي عن أبيه عن محمد بن جبير بن مطعم. قال ولد رسول الله ﷺ عام الفيل، وكانت بعده عكاظ بخمس عشرة سنة، وبنى البيت على رأس خمس وعشرين سنة من الفيل، وتنبأ رسول الله ﷺ على رأس أربعين سنة من الفيل. والمقصود أن رسول الله ﷺ ولد عام الفيل على قول الجمهور فقيل بعده بشهر، وقيل بأربعين يوما، وقيل بخمسين يوما - وهو أشهر - وعن أبى جعفر الباقر كان قدوم الفيل للنصف من المحرم، ومولد رسول الله ﷺ بعده بخمس وخمسين ليلة، وقال آخرون بل كان عام الفيل قبل مولد رسول الله ﷺ بعشر سنين. قاله ابن أبزى. وقيل بثلاث وعشرين سنة رواه شعيب بن شعيب عن أبيه عن جده كما تقدم وقيل بعد الفيل بثلاثين سنة. قاله موسى بن عقبة عن الزهري ﵀. واختاره موسى بن عقبة أيضا ﵀. وقال أبو زكريا العجلاني: بعد الفيل بأربعين عاما، رواه ابن عساكر وهذا غريب جدا، واغرب منه ما قال خليفة بن خياط حدثني شعيب بن حبان عن عبد الواحد بن أبى عمرو عن الكلبي عن أبى صالح عن ابن عباس، قال: ولد رسول الله ﷺ قبل الفيل بخمس عشرة سنة وهذا حديث غريب ومنكر وضعيف أيضا، قال خليفة بن خياط والمجتمع عليه انه ﵇ ولد عام الفيل. صفة مولده الشريف ﵊ قد تقدم ان عبد المطلب لما ذبح تلك الإبل المائة عن ولده عبد الله حين كان نذر ذبحه فسلمه الله تعالى لما كان قدر في الأزل من ظهور النبي الأمي ﷺ خاتم الرسل وسيد ولد آدم من صلبه، فذهب كما تقدم فزوجه أشرف عقيلة في قريش آمنة بنت وهب بن عبد مناف بن زهرة الزهرية، فحين دخل بها وافضى اليها حملت برسول الله ﷺ ، وقد كانت أم قتال رقيقة بنت نوفل أخت ورقة بن نوفل توسمت ما كان بين عيني عبد الله قبل أن يجامع آمنة من النور، فودت أن يكون ذلك متصلا بها لما كانت تسمع من أخيها من البشارات بوجود محمد ﷺ ، وانه قد أزف زمانه فعرضت نفسها عليه. قال بعضهم ليتزوجها وهو أظهر والله اعلم، فامتنع عليها فلما انتقل ذلك النور الباهر إلى آمنة بمواقعته

стр. 601

إياها كأنه تندم على ما كانت عرضت عليه. فتعرض لها لتعاوده. فقالت لا حاجة لي فيك وتأسفت على ما فاتها من ذلك وأنشدت في ذلك ما قدمناه من الشعر الفصيح البليغ. وهذه الصيانة لعبد الله ليست له وإنما هي لرسول الله ﷺ ، فإنه كما قال تعالى ﴿اللهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسالَتَهُ﴾ وقد تقدم الحديث المروي من طريق جيد أنه قال ﵊: «ولدت من نكاح لا من سفاح» والمقصود أن أمه حين حملت به توفى أبوه عبد الله وهو حمل في بطن أمه على المشهور. قال محمد ابن سعد حدثنا محمد بن عمر - هو الواقدي - حدثنا موسى بن عبيدة اليزيدي. وحدثنا سعيد بن أبى زيد عن أيوب بن عبد الرحمن بن أبى صعصعة. قال: خرج عبد الله بن عبد المطلب إلى الشام إلى غزة في عير من عيرات قريش يحملونه تجارات، ففرغوا من تجاراتهم ثم انصرفوا فمروا بالمدينة وعبد الله ابن عبد المطلب يومئذ مريض، فقال أتخلف عند أخوالى بنى عدي بن النجار، فأقام عندهم مريضا شهرا ومضى أصحابه فقدموا مكة فسألهم عبد المطلب عن ابنه عبد الله فقالوا خلفناه عند أخواله بنى عدي بن النجار وهو مريض. فبعث اليه عبد المطلب أكبر ولده الحارث. فوجده قد توفى ودفن في دار النابغة فرجع إلى أبيه فأخبره، فوجد عليه عبد المطلب وإخوته وأخواته وجدا شديدا، ورسول الله ﷺ يومئذ حمل. ولعبد الله بن عبد المطلب يوم توفى خمس وعشرون سنة. قال الواقدي: هذا هو أثبت الأقاويل في وفاة عبد الله وسنه عندنا. قال الواقدي: وحدثني معمر عن الزهري أن عبد المطلب بعث عبد الله الى المدينة يمتار لهم تمرا فمات. قال محمد بن سعد وقد انبأنا هشام بن محمد بن السائب الكلبي عن أبيه وعن عوانة بن الحكم. قالا: توفى عبد الله بن عبد المطلب بعد ما أتى على رسول الله ﷺ ثمانية وعشرين شهرا، وقيل سبعة أشهر. وقال محمد بن سعد: والأول أثبت أنه توفى ورسول الله ﷺ حمل. وقال الزبير بن بكار: حدثني محمد بن حسن عن عبد السلام عن ابن خربوذ. قال: توفى عبد الله بالمدينة ورسول الله ﷺ ابن شهرين، وماتت أمه وهو ابن أربع سنين، ومات جده وهو ابن ثمان سنين، فأوصى به إلى عمه أبى طالب. والّذي رجحه الواقدي وكاتبه الحافظ محمد بن سعد أنه ﵊ توفى أبوه وهو جنين في بطن أمه وهذا أبلغ اليتم وأعلى مراتبه. وقد تقدم في الحديث «ورؤيا أمى الّذي رأت حين حمل بى كأنه خرج منها نور أضاءت له قصور الشام» وقال محمد بن إسحاق فكانت آمنة بنت وهب أم رسول الله ﷺ تحدث أنها أتيت حين حملت برسول الله ﷺ فقيل لها إنك قد حملت بسيد هذه الأمة، فإذا وقع إلى الأرض فقولي: أعيذه بالواحد، من شر كل حاسد، من كل بر عاهد (١) وكل عبد رائد، يذود عنى ذائد، فإنه عند الحميد الماجد، حتى أراه قد أتى المشاهد. وآية ذلك أنه يخرج معه نور يملأ قصور بصرى من أرض الشام، فإذا وقع فسميه محمدا. فان اسمه في التوراة احمد يحمده أهل السماء وأهل

стр. 602

الأرض، واسمه في الإنجيل احمد يحمده أهل السماء وأهل الأرض، واسمه في القرآن محمد. وهذا وذاك يقتضي أنها رأت حين حملت به ﵇ كأنه خرج منها نور أضاءت له قصور الشام. ثم لما وضعته رأت عيانا تأويل ذلك كما رأته قبل ذلك هاهنا والله أعلم. وقال محمد بن سعد: أنبأنا محمد بن عمر - هو الواقدي - حدثنا محمد بن عبد الله بن مسلم عن الزهري. وقال الواقدي: حدثنا موسى بن عبدة عن أخيه ومحمد بن كعب القرظي. وحدثني عبد الله ابن جعفر الزهري عن عمته أم بكر بنت المسود عن أبيها. وحدثنا عبد الرحمن بن إبراهيم المزني وزياد ابن حشرج عن أبى وجزة. وحدثنا معمر عن أبى نجيح عن مجاهد. وحدثنا طلحة بن عمرو عن عطاء عن ابن عباس: دخل حديث بعضهم في حديث بعض. أن آمنة بنت وهب قالت لقد علقت به - تعنى رسول الله ﷺ فما وجدت له مشقة حتى وضعته، فلما فصل منى خرج معه نور أضاء له ما بين المشرق الى المغرب، ثم وقع الى الأرض معتمدا على يديه، ثم أخذ قبضة من التراب فقبضها ورفع رأسه الى السماء. وقال بعضهم وقع جاثيا على ركبتيه، وخرج معه نور أضاءت له قصور الشام وأسواقها حتى رئيت أعناق الإبل ببصرى، رافعا رأسه الى السماء. وقال الحافظ أبو بكر البيهقي أنبأنا محمد بن عبد الله الحافظ أنبأنا محمد بن إسماعيل أنبأنا محمد بن إسحاق حدثنا يونس بن مبشر بن الحسن حدثنا يعقوب بن محمد الزهري حدثنا عبد العزيز بن عمران حدثنا عبد الله بن عثمان بن أبى سليمان ابن جبير بن مطعم عن أبيه عن ابن أبى سويد الثقفي عن عثمان بن أبى العاص حدثتني أمى أنها شهدت ولادة آمنة بنت وهب رسول الله ﷺ ليلة ولدته، قالت فما شيء أنظره في البيت إلا نور وإني انظر الى النجوم تدنو حتى إني لأقول ليقعن على. وذكر القاضي عياض عن الشفاء أم عبد الرحمن بن عوف أنها كانت قابلته وأنها أخبرت به حين سقط على يديها واستهل سمعت قائلا يقول يرحمك الله، وإنه سطع منه نور رئيت منه قصور الروم. قال محمد بن إسحاق: فلما وضعته بعثت إلى عبد المطلب جاريتها - وقد هلك أبوه وهي حبلى ويقال إن عبد الله هلك والنبي ﷺ ابن ثمانية وعشرين شهرا فالله أعلم أي ذلك كان - فقالت قد ولد لك غلام فانظر اليه، فلما جاءها أخبرته وحدثته بما كانت رأت حين حملت به، وما قيل لها فيه، وما أمرت أن تسميه. فأخذه عبد المطلب فادخله على هبل في جوف الكعبة، فقام عبد المطلب يدعو ويشكر الله ويقول: الحمد لله الّذي أعطانى … هذا الغلام الطيب الأردان قد ساد في المهد على الغلمان … أعيذه بالبيت ذي الأركان حتى يكون بلغة الفتيان … حتى أراه بالغ البنيان

стр. 603

أعيذه من كل ذي شنئان … من حاسد مضطرب العنان ذي همّة ليس له عينان … حتى أراه رافع اللسان (١) أنت الّذي سميت في القرآن … في كتب ثابتة المثاني احمد مكتوب على اللسان وقال البيهقي: أنبأنا أبو عبد الله الحافظ أنا أبو بكر محمد بن احمد بن حاتم الدرابودى (٢) - بمرو - حدثنا أبو عبد الله البوشنجي حدثنا أبو أيوب سليمان بن سلمة الخبائرى حدثنا يونس بن عطاء بن عثمان ابن ربيعة بن زياد بن الحارث الصدائى - بمصر - حدثنا الحكم بن أبان عن عكرمة عن ابن عباس عن أبيه العباس بن عبد المطلب ﵁. قال: ولد رسول الله ﷺ مختونا مسرورا، قال فأعجب جده عبد المطلب وحظي عنده. وقال: ليكونن لابني هذا شأن فكان له شأن. وهذا الحديث في صحته نظر وقد رواه الحافظ ابن عساكر من حديث سفيان بن محمد المصيصي عن هشيم عن يونس بن عبيد عن الحسن عن أنس. قال قال رسول الله ﷺ : من كرامتي على الله أنى ولدت مختونا ولم ير سوأتي أحد ثم أورده من طريق الحسن بن عرفة عن هشيم به. ثم أورده من طريق محمد بن محمد بن سليمان - هو الباغندي - حدثنا عبد الرحمن بن أيوب الحمصي حدثنا موسى بن أبى موسى المقدسي حدثني خالد بن سلمة عن نافع عن ابن عمر. قال: ولد رسول الله ﷺ مسرورا مختونا. وقال أبو نعيم: حدثنا أبو أحمد محمد بن احمد الغطريفى حدثنا الحسين بن أحمد بن عبد الله المالكي حدثنا سليمان بن سلمة الخبائرى حدثنا يونس بن عطاء حدثنا الحكم بن أبان حدثنا عكرمة عن ابن عباس عن أبيه العباس. قال: ولد رسول الله ﷺ مختونا مسرورا، فأعجب ذلك جده عبد المطلب وحظي عنده، وقال ليكونن لابني هذا شأن، فكان له شأن. وقد ادعى بعضهم صحته لما ورد له من الطرق حتى زعم بعضهم أنه متواتر وفي هذا كله نظر، ومعنى مختونا أي مقطوع الختان، ومسرورا أي مقطوع السرة من بطن أمه. وقد روى الحافظ ابن عساكر من طريق عبد الرحمن بن عيينة البصري حدثنا على بن محمد المدائني السلمي حدثنا سلمة بن محارب بن مسلم بن زياد عن أبيه عن أبى بكرة أن جبريل ختن النبي ﷺ حين طهر قلبه وهذا غريب جدا. وقد روى أن جده عبد المطلب ختنه وعمل له دعوة جمع قريشا عليها والله أعلم. وقال البيهقي: أنبأنا أبو عبد الله الحافظ أنبأنى محمد بن كامل القاضي - شفاها - أن محمد بن إسماعيل حدثه - يعنى السلمي - حدثنا أبو صالح عبد الله بن صالح حدثني معاوية بن صالح عن أبى الحكم التنوخي. قال: كان المولود إذا ولد في قريش دفعوه الى نسوة من قريش الى الصبح يكفأن عليه برمة، فلما ولد

стр. 604

رسول الله ﷺ دفعه عبد المطلب الى نسوة فكفأن عليه برمة، فلما أصبحن أتين فوجدن البرمة قد انفلقت عنه باثنتين ووجدنه مفتوح العينين شاخصا ببصره الى السماء. فأتاهن عبد المطلب فقلن له ما رأينا مولودا مثله، وجدناه قد انفلقت عنه البرمة، ووجدناه مفتوحا عينيه شاخصا ببصره الى السماء. فقال احفظنه فانى أرجو أن يكون له شأن، أو أن يصيب خيرا، فلما كان اليوم السابع ذبح عنه ودعا له قريشا فلما أكلوا قالوا يا عبد المطلب أرأيت ابنك هذا الّذي أكرمتنا على وجهه ما سميته؟ قال سميته محمدا، قالوا فما رغبت به عن أسماء أهل بيته؟ قال أردت أن يحمده الله في السماء وخلقه في الأرض. قال أهل اللغة: كل جامع لصفات الخير يسمى محمدا كما قال بعضهم: إليك - أبيت اللعن - أعملت نافتى … الى الماجد القرم الكريم المحمد وقال بعض العلماء: ألهمهم الله أن سموه محمدا لما فيه من الصفات الحميدة ليلتقى الاسم والفعل، ويتطابق الاسم والمسمى في الصورة والمعنى، كما قال عمه أبو طالب ويروى لحسان: وشق له من اسمه ليجله … فذو العرش محمود وهذا محمد وسنذكر أسماءه ﵊ وشمائله وهي صفاته الظاهرة وأخلاقه الطاهرة ودلائل نبوته وفضائل منزلته في آخر السيرة إن شاء الله. قال الحافظ أبو بكر البيهقي: أنبأنا أبو عبد الله الحافظ حدثنا أبو العباس محمد بن يعقوب حدثنا احمد ابن شيبان الرمليّ حدثنا احمد بن إبراهيم الحبلى حدثنا الهيثم بن جميل حدثنا زهير عن محارب بن دثار عن عمرو بن يثربى عن العباس بن عبد المطلب قال قلت: يا رسول الله! دعاني الى الدخول في دينك أمارة لنبوتك، رأيتك في المهد تناغى القمر وتشير اليه بإصبعك، فحيث أشرت اليه مال قال: «إني كنت أحدثه ويحدثني ويلهيني عن البكاء، واسمع وجبته حين يسجد تحت العرش». ثم قال تفرد به الليثي وهو مجهول. فصل فيما وقع من الآيات ليلة مولده ﵊ قد ذكرنا في باب هواتف الجان ما تقدم من خرور كثير من الأصنام ليلتئذ لوجوهها وسقوطها عن أماكنها، وما رآه النجاشي ملك الحبشة، وظهور النور معه حتى أضاءت له قصور الشام حين ولد، وما كان من سقوطه جاثيا رافعا رأسه الى السماء، وانفلاق تلك البرمة عن وجهه الكريم، وما شوهد من النور في المنزل الّذي ولد فيه ودنو النجوم منهم وغير ذلك. حكى السهيليّ عن تفسير بقي بن مخلد الحافظ أن إبليس رن أربع رنات: حين لعن، وحين أهبط،

стр. 605

وحين ولد رسول الله ﷺ ، وحين أنزلت الفاتحة. قال محمد بن إسحاق: وكان هشام بن عروة يحدث عن أبيه عن عائشة قالت: كان يهودي قد سكن مكة يتجر بها فلما كانت الليلة التي ولد فيها رسول الله ﷺ قال في مجلس من قريش: يا معشر قريش هل ولد فيكم الليلة مولود؟ فقال القوم والله ما نعلمه فقال الله أكبر، أما إذا أخطأكم فلا بأس انظروا واحفظوا ما أقول لكم: ولد هذه الليلة نبي هذه الأمة الاخيرة، بين كتفيه علامة فيها شعرات متواترات كأنهن عرف فرس. لا يرضع ليلتين وذلك أن عفريتا من الجن ادخل إصبعه في فمه فمنعه الرضاع فتصدع القوم من مجلسهم وهم يتعجبون من قوله وحديثه فلما صاروا الى منازلهم أخبر كل إنسان منهم أهله فقالوا قد والله ولد لعبد الله بن عبد المطلب غلام سموه محمدا فالتقى القوم فقالوا هل سمعتم حديث اليهودي وهل بلغكم مولد هذا الغلام؟ فانطلقوا حتى جاءوا اليهودي فأخبروه الخبر. قال فاذهبوا معى حتى انظر اليه. فخرجوا به حتى أدخلوه على آمنة فقالوا اخرجى إلينا ابنك فأخرجته وكشفوا له عن ظهره. فرأى تلك الشامة. فوقع اليهودي مغشيا عليه. فلما أفاق قالوا له مالك ويلك؟ قال قد ذهبت والله النبوة من بنى إسرائيل، فرحتم بها يا معشر قريش. والله ليسطون بكم سطوة يخرج خبرها من المشرق والمغرب. وقال محمد بن إسحاق: حدثني صالح بن إبراهيم عن يحيى بن عبد الرحمن بن أسعد بن زرارة قال حدثني من شئت من رجال قومي ممن لا أتهم عن حسان بن ثابت. قال: إني لغلام يفعة ابن سبع سنين - أو ثمان سنين - أعقل ما رأيت وسمعت إذا بيهودي في يثرب يصرخ ذات غداة يا معشر يهود فاجتمعوا اليه - وأنا أسمع - فقالوا ويلك مالك؟ قال قد طلع نجم احمد الّذي يولد به في هذه الليلة. وروى الحافظ أبو نعيم في كتاب دلائل النبوة من حديث أبى بكر بن عبد الله العامري عن سليمان بن سحيم وذريح بن عبد الرحمن كلاهما عن عبد الرحمن بن أبى سعيد عن أبيه قال سمعت أبى مالك بن سنان يقول جئت بنى عبد الأشهل يوما لا تحدث فيهم ونحن يومئذ في هدنة من الحرب، فسمعت يوشع اليهودي يقول: أظل خروج نبي يقال له أحمد يخرج من الحرم. فقال له خليفة بن ثعلبة الأشهلي - كالمستهزئ به ما صفته؟ فقال رجل ليس بالقصير ولا بالطويل في عينيه حمرة يلبس الشملة ويركب الحمار. سيفه على عاتقه وهذا البلد مهاجره. قال فرجعت الى قومي بنى خدرة وأنا يومئذ أتعجب مما يقول يوشع فاسمع رجلا منا يقول ويوشع يقول هذا وحده؟! كل يهود يثرب يقولون هذا. قال أبى مالك بن سنان فخرجت حتى جئت بنى قريظة فأجد جمعا فتذاكروا النبي ﷺ . فقال الزبير بن باطا: قد طلع الكوكب الأحمر الّذي لم يطلع إلا لخروج نبي أو ظهوره ولم يبق أحد إلا احمد وهذا مهاجره. قال أبو سعيد فلما قدم النبي ﷺ أخبره أبى هذا الخبر فقال رسول الله ﷺ : «لو أسلم الزبير لأسلم ذووه من رؤساء اليهود إنما هم له تبع» وقال أبو نعيم: حدثنا عمر بن محمد حدثنا إبراهيم بن السندي حدثنا النضر بن سلمة حدثنا

стр. 606

إسماعيل بن قيس بن سليمان بن زيد بن ثابت عن أم سعد بنت سعد بن الربيع (١) سمعت زيد بن ثابت يقول: كان أحبار يهود بنى قريظة والنضير يذكرون صفة النبي ﷺ فلما طلع الكوكب الأحمر أخبروا أنه نبي وأنه لا نبي بعده. واسمه احمد ومهاجره الى يثرب فلما قدم رسول الله ﷺ المدينة أنكروا وحسدوا وكفروا. وقد أورد هذه القصة الحافظ أبو نعيم في كتابه من طرق أخرى ولله الحمد. وقال أبو نعيم ومحمد بن حبان: حدثنا أبو بكر بن أبى عاصم حدثنا وهب بن بقية حدثنا خالد عن محمد بن عمرو عن أبى سلمة ويحيى بن عبد الرحمن بن حاطب عن أسامة بن زيد، قال قال زيد بن عمرو ابن نفيل قال لي حبر من أحبار الشام: قد خرج في بلدك نبي - أو هو خارج - قد خرج نجمه فارجع فصدقه واتبعه. ذكر ارتجاس الإيوان وسقوط الشرفات وخمود النيران ورؤيا الموبذان وغير ذلك من الدلالات قال الحافظ أبو بكر محمد بن جعفر بن سهل الخرائطى في كتاب هواتف الجان: حدثنا على بن حرب حدثنا أبو أيوب يعلى بن عمران - من آل جرير بن عبد الله البجلي - حدثني مخزوم بن هاني المخزومي عن أبيه - وأتت عليه خمسون ومائة سنة - قال: لما كانت الليلة التي ولد فيها رسول الله ﷺ ارتجس إيوان كسرى وسقطت منه أربع عشرة شرفة، وخمدت نار فارس، ولم تخمد قبل ذلك بألف عام، وغاضت بحيرة ساوة، ورأى الموبذان إبلا صعابا تقود خيلا عرابا قد قطعت دجلة وانتشرت في بلادهم، فلما أصبح كسرى أفزعه ذلك فتصبر عليه تشجعا، ثم رأى أنه لا يدخر ذلك عن مرازبته فجمعهم ولبس تاجه وجلس على سريره. ثم بعث اليهم فلما اجتمعوا عنده. قال: أتدرون فيم بعثت إليكم قالوا لا إلا أن يخبرنا الملك، فبينما هم كذلك إذ ورد عليهم كتاب خمود النيران فازداد غما إلى غمه، ثم أخبرهم بما رأى وما هاله، فقال الموبذان وأنا - أصلح الله الملك - قد رأيت في هذه الليلة رؤيا ثم قص عليه رؤياه في الإبل، فقال أي شيء يكون هذا يا موبذان؟ قال حدث يكون في ناحية العرب - وكان أعلمهم من أنفسهم - فكتب عند ذلك: من كسرى ملك الملوك الى النعمان بن المنذر، أما بعد فوجه الىّ برجل عالم بما أريد أن أسأله عنه، فوجه اليه بعبد المسيح بن عمرو بن حيان بن نفيلة الغساني، فلما ورد عليه قال له: ألك علم بما أريد أن أسألك عنه؟ فقال لتخبرني أو ليسألنى الملك عما أحب، فان كان عندي منه علم وإلا أخبرته بمن يعلم. فأخبره بالذي وجه به اليه فيه. قال علم ذلك عند خال لي يسكن مشارف الشام يقال له سطيح، قال فائته فاسأله عما سألتك عنه ثم ائتني بتفسيره. فخرج عبد المسيح

стр. 607

حتى انتهى إلى سطيح وقد أشفى على الضريح. فسلم عليه وكلمه فلم يرد اليه سطيح جوابا فأنشأ يقول: أصم أم يسمع غطريف اليمن … أم فاد فازلم به شأو العنن يا فأصل الخطة أعيت من ومن … أتاك شيخ الحي من آل سنن وأمه من آل ذئب بن حجن … أزرق نهم الناب صرار الاذن أبيض فضفاض الرداء والبدن … رسول قيل العجم يسرى للوسن يجوب بى الأرض علنداة شزن … لا يرهب الرعد ولا ريب الزمن ترفعني وجنا وتهوى بى وجن … حتى أتى عاري الجآجي والقطن تلفه في الريح بوغاء الدمن … كأنما حثحث من حضنى ثكن (١) قال فلما سمع سطيح شعره رفع رأسه يقول: عبد المسيح، على جمل مشيح، أتى سطيح، وقد أوفى على الضريح، بعثك ملك بنى ساسان، لارتجاس الإيوان، وخمود النيران، ورؤيا الموبذان، رأى إبلا صعابا، تقود خيلا عرابا، قد قطعت دجلة، وانتشرت في بلادها، يا عبد المسيح إذا كثرت التلاوة، وظهر صاحب الهراوة، وفاض وادي السماوة، وغاضت بحيرة ساوة، وخمدت نار فارس، فليس الشام لسطيح شاما. يملك منهم ملوك وملكات، على عدد الشرفات وكلما هو آت آت. ثم قضى سطيح مكانه فنهض عبد المسيح إلى راحلته وهو يقول: شمر فإنك ماضى العزم شمير … لا يفزعنك تفريق وتغيير إن يمس ملك بنى ساسان أفرطهم … فان ذا الدهر أطوار دهارير فربما ربما أضحوا بمنزلة … يخاف صولهم الأسد المهاصير منهم أخو الصرح بهرام وإخوته … والهرمزان وسابور وسابور والناس أولاد علات فمن علموا … أن قد أقل فمحقور ومهجور ورب قوم لهم صحبان ذي اذن … بدت تلهيهم فيه المزامير وهم بنو الام إما طن رأوا نشبا … فذاك بالغيب محفوظ ومنصور والخير والشر مقرونان في قرن … فالخير متبع والشر محذور قال فلما قدم عبد المسيح على كسرى أخبره بما قال له سطيح، فقال كسرى إلى أن يملك منا أربعة عشر ملكا كانت أمور وأمور، فملك منهم عشرة في أربع سنين، وملك الباقون إلى خلافة عثمان ﵁. ورواه البيهقي من حديث عبد الرحمن بن محمد بن إدريس عن على بن حرب الموصلي بنحوه.

стр. 608

قلت: كان آخر ملوكهم - الّذي سلب منه الملك يزدجرد بن شهريار بن أبرويز بن هرمز بن أنوشروان وهو الّذي انشق الإيوان في زمانه. وكان لاسلافه في الملك ثلاثة آلاف سنة ومائة وأربعة وستون سنة. وكان أول ملوكهم خيومرث بن أميم بن لاوذ بن سام بن نوح (١). أما سطيح هذا فقال الحافظ ابن عساكر في تاريخه هو الربيع بن ربيعة بن مسعود بن مازن بن ذئب ابن عدي بن مازن بن الأزد. ويقال الربيع بن مسعود وامه ردعا بنت سعد بن الحارث الحجورى وذكر غير ذلك في نسبه. قال وكان يسكن الجابية ثم روى عن أبى حاتم السجستاني قال سمعت المشيخة منهم أبو عبيدة وغيره قالوا وكان من بعد لقمان بن عاد. ولد في زمن سيل العرم وعاش إلى ملك ذي نواس وذلك نحو من ثلاثين قرنا وكان مسكنه البحرين وزعمت عبد القيس أنه منهم وتزعم الأزد أنه منهم وأكثر المحدثين يقولون هو من الأزد ولا ندري ممن هو غير أن ولده يقولون إنه من الأزد. وروى عن ابن عباس أنه قال: لم يكن شيء من بنى آدم يشبه سطيحا إنما كان لحما على وضم ليس فيه عظم ولا عصب إلا في رأسه وعينيه وكفيه وكان يطوى كما يطوى الثوب من رجليه إلى عنقه. ولم يكن فيه شيء يتحرك إلا لسانه. وقال غيره إنه كان إذا غضب انتفخ وجلس. ثم ذكر ابن عباس أنه قدم مكة فتلقاه جماعة من رؤسائهم منهم عبد شمس وعبد مناف أبناء قصي فامتحنوه في أشياء فأجابهم فيها بالصدق، فسألوه عما يكون في آخر الزمان. فقال خذوا منى ومن الهام الله إياي: أنتم الآن يا معشر العرب في زمان الهرم سواء بصائركم وبصائر العجم، لا علم عندكم ولا فهم، وينشو من عقبكم ذوو فهم، يطلبون أنواع العلم فيكسرون الصنم، ويتبعون الردم، ويقتلون العجم، يطلبون الغنم. ثم قال والباقي الأبد، والبالغ الأمد ليخرجن من ذا البلد، نبي مهتد، يهدى الى الرشد، يرفض يغوث والفند، يبرأ عن عبادة الضدد، يعبد ربا انفرد، ثم يتوفاه الله بخير دار محمودا، من الأرض مفقودا، وفي السماء مشهودا، ثم يلي أمره الصديق إذا قضى صدق، وفي رد الحقوق لا خرق ولا نزق، ثم يلي أمره الحنيف، مجرب غطريف، قد أضاف المضيف، وأحكم التحنيف. ثم ذكر عثمان ومقتله وما يكون بعد ذلك من أيام بنى أمية ثم بنى العباس. وما بعد ذلك من الفتن والملاحم ساقه ابن عساكر بسنده عن ابن عباس بطوله. وقد قدمنا قوله لربيعة بن نصر ملك اليمن حين أخبره برؤياه قبل أن يخبره بها ثم ما يكون في بلاد اليمن من الفتن وتغيير الدول حتى يعود إلى سيف بن ذي يزن فقال له: أفيدوم ذلك من سلطانه أم ينقطع؟ قال بل ينقطع. قال ومن يقطعه؟ قال نبي زكى يأتيه الوحي من قبل العلى قال وممن هذا النبي؟ قال من ولد غالب بن فهر بن مالك بن النضر يكون الملك في قومه الى آخر الدهر قال وهل للدهر من آخر؟ قال نعم، يوم يجمع فيه الأولون والآخرون، يسعد فيه المحسنون ويشقى فيه المسيئون. قال أحق ما تخبرني؟

стр. 609

قال نعم والشفق والغسق والقمر إذا اتسق إن ما أنبأتك عليه لحق. ووافقه على ذلك شق سواء بسواء بعبارة أخرى كما تقدم. ومن شعر سطيح قوله: عليكم بتقوى الله في السر والجهر … ولا تلبسوا صدق الأمانة بالغدر وكونوا لجار الجنب حصنا وجنة … إذا ما عرته النائبات من الدهر وروى ذلك الحافظ ابن عساكر ثم أورد ذلك المعافى بن زكريا الجريريّ فقال: وأخبار سطيح كثيرة وقد جمعها غير واحد من أهل العلم. والمشهور أنه كان كاهنا وقد أخبر عن النبي ﷺ وعن نعته ومبعثه. وروى لنا باسناد الله به أعلم أن النبي ﷺ سئل عن سطيح فقال: «نبي ضيعه قومه». قلت: أما هذا الحديث فلا أصل له في شيء من كتب الإسلام المعهودة ولم أره باسناد أصلا. ويروى مثله في خبر خالد بن سنان العبسيّ ولا يصح أيضا وظاهر هذه العبارات تدل على علم جيد لسطيح وفيها روائح التصديق لكنه لم يدرك الإسلام كما قال الجريريّ. فإنه قد ذكرنا في هذا الأثر أنه قال لابن أخته: يا عبد المسيح إذا كثرت التلاوة، وظهر صاحب الهراوة، وفاض وادي السماوة وغاضت بحيرة ساوة، وخمدت نار فارس، فليس الشام لسطيح شاما يملك منهم ملوك وملكات، على عدد الشرفات وكل ما هو آت آت ثم قضى سطيح مكانه وكان ذلك بعد مولد رسول الله ﷺ بشهر - أو شية - أي أقل منه - وكانت وفاته بأطراف الشام مما يلي أرض العراق - فالله أعلم بأمره وما صار اليه. وذكر ابن طرار الحريري (١) أنه عاش سبعمائة سنة. وقال غيره خمسمائة سنة، وقيل ثلاثمائة سنة فالله أعلم. وقد روى ابن عساكر أن ملكا سأل سطيحا عن نسب غلام اختلف فيه فأخبره على الجلية في كلام طويل مليح فصيح. فقال له الملك يا سطيح ألا تخبرني عن علمك هذا؟ فقال إن علمي هذا ليس منى ولا بجزم ولا بظن ولكن أخذته عن أخ لي قد سمع الوحي بطور سيناء. فقال له أرأيت أخاك هذا الجنى أهو معك لا يفارقك، فقال انه ليزول حيث أزول، ولا أنطق إلا بما يقول. وتقدم أنه ولد هو وشق بن مصعب بن يشكر بن رهم بن بسر بن عقبة الكاهن الآخر ولدا في يوم واحد، فحملا إلى الكاهنة طريفة بنت الحسين الحميدية فتفلت في أفواههما فورثا منها الكهانة وماتت من يومها. وكان نصف إنسان ويقال إن خالد بن عبد الله القسري من سلالته، وقد مات شق قبل سطيح بدهر. وأما عبد المسيح بن عمرو بن قيس بن حيان بن نفيلة الغساني النصراني فكان من المعمرين وقد ترجمه الحافظ ابن عساكر في تاريخه وقال هو الّذي صالح خالد بن لوليد على (٢) .. وذكر له معه قصة طويلة وأنه أكل من يده سم ساعة فلم يصبه سوء لانه لما أخذه قال: بسم الله وبالله رب الأرض والسماء الّذي لا يضر مع اسمه أذى. ثم أكله فعلته غشية فضرب بيديه على صدره ثم عرق وأفاق ﵁

стр. 610

وذكر لعبد المسيح أشعارا غير ما تقدم (١) وقال ابو نعيم: حدثنا محمد بن أحمد بن الحسن، حدثنا محمد بن عثمان بن أبى شيبة حدثنا عقبة بن مكرم حدثنا المسيب بن شريك حدثنا محمد بن شريك عن شعيب بن شعيب عن أبيه عن جده. قال: كان بمر الظهران راهب من الرهبان يدعى عيصا من أهل الشام وكان متخفرا بالعاص بن واثل وكان الله قد آتاه علما كثيرا وجعل فيه منافع كثيرة لأهل مكة من طيب ورفق وعلم. وكان يلزم صومعة له ويدخل مكة في كل سنة فيلقى الناس ويقول إنه يوشك ان يولد فيكم مولود يا أهل مكة يدين له العرب ويملك العجم هذا زمانه ومن أدركه واتبعه أصاب حاجته ومن أدركه فخالفه اخطأ حاجته وبالله ما تركت أرض الخمر والخمير والأمن ولا حللت بأرض الجوع والبؤس والخوف الا في طلبه وكان لا يولد بمكة مولود إلا يسأل عنه فيقول ما جاء بعد. فيقال له فصفه فيقول لا. ويكتم ذلك للذي قد علم انه لاق من قومه مخافة على نفسه ان يكون ذلك داعية الى ادنى ما يكون اليه من الأذى يوما. ولما كان صبيحة اليوم الّذي ولد فيه رسول الله ﷺ خرج عبد الله بن عبد المطلب حتى أتى عيصا فوقف في أصل صومعته ثم نادى: يا عيصاه. فناداه من هذا؟ فقال انا عبد الله فأشرف عليه فقال كن أباه فقد ولد المولود الّذي كنت أحدثكم عنه يوم الاثنين ويبعث يوم الاثنين ويموت يوم الاثنين قال فإنه قد ولد لي مع الصبح مولود. قال فما سميته؟ قال محمدا قال والله لقد كنت اشتهى أن يكون هذا المولود فيكم أهل البيت لثلاث خصال نعرفه بها منها أن نجمه طلع البارحة وانه ولد اليوم وان اسمه محمد. انطلق اليه فان الّذي كنت أخبركم عنه ابنك. قال فما يدريك انه ابني ولعله أن يولد في هذا اليوم مولود غيره؟ قال قد وافق ابنك الاسم ولم يكن الله ليشبه علمه على العلماء فإنه حجة. وآية ذلك أنه الآن وجع فيشتكي أياما ثلاثة، فيظهر به الجوع ثلاثا ثم يعافى. فاحفظ لسانك فإنه لم يحسد أحد حسده قط ولم يبغ على أحد كما يبغى عليه. ان تعش حتى يبدو مقاله ثم يدعو لظهر لك من قومك ما لا تحتمله الا على صبر وعلى ذل فاحفظ لسانك ودار عنه قال فما عمره؟ قال ان طال عمره وان قصر لم يبلغ السبعين، يموت في وتر دونها من الستين في احدى وستين أو ثلاث وستين في أعمار جل أمته. قال وحمل برسول الله ﷺ في عاشر المحرم. وولد يوم الاثنين لثنتى عشرة خلت من رمضان سنة ثلاث وعشرين من غزوة أصحاب الفيل هكذا رواه أبو نعيم وفيه غرابة. ذكر حواضنه ومراضعه ﵊ كانت أم أيمن واسمها بركة تحضنه، وكان قد ورثها ﵊ من أبيه فلما كبر أعتقها وزوجها مولاه زيد بن حارثة، فولدت له أسامة بن زيد ﵃. وأرضعته مع امه ﵊ مولاة عمه ابى لهب ثويبة قبل حليمة السعدية. اخرج البخاري ومسلم في صحيحهما من حديث

стр. 611

الزهري عن عروة بن الزبير عن زينب بنت أم سلمة عن أم حبيبة بنت ابى سفيان. قالت: يا رسول الله انكح أختي بنت أبى سفيان - ولمسلم عزة بنت أبى سفيان -. فقال رسول الله ﷺ «أو تحبين ذلك؟» قلت نعم! لست لك بمخلية، وأحبّ من شاركني في خير أختي. فقال النبي ﷺ «فان ذلك لا يحل لي» قالت فانا نحدث انك تريد أن تنكح بنت أبى سلمة - وفي رواية درة بنت أبى سلمة قال «بنت أم سلمة»؟ قلت نعم قال «إنها لو لم تكن ربيبتي في حجري ما حلت لي. انها لابنة أخى من الرضاعة. أرضعتني وابا سلمة ثويبة. فلا تعرضن على بناتكن ولا اخواتكن» زاد البخاري قال عروة. وثويبة مولاة لأبي لهب أعتقها فأرضعت رسول الله ﷺ . فلما مات ابو لهب أريه بعض أهله بشر خيبة. فقال له ماذا لقيت؟ فقال أبو لهب لم ألق بعدكم خيرا غير أنى سقيت في هذه بعتاقتى ثويبة - وأشار الى النقرة التي بين الإبهام والتي تليها من الأصابع -. وذكر السهيليّ وغيره: ان الرائي له هو اخوه العباس. وكان ذلك بعد سنة من وفاة ابى لهب بعد وقعة بدر. وفيه ان أبا لهب قال للعباس انه ليخفف عليّ في مثل يوم الاثنين. قالوا لانه لما بشرته ثويبة بميلاد ابن أخيه محمد بن عبد الله أعتقها من ساعته فجوزي بذلك لذلك. ذكر رضاعه ﵊ من حليمة بنت ابى ذؤيب السعدية وما ظهر عليه من البركة وآيات النبوة قال محمد بن إسحاق: فاسترضع له ﵊ من حليمة بنت أبى ذؤيب، واسمه عبد الله ابن الحارث بن شجنة بن جابر بن رزام بن ناصرة بن سعد بن بكر بن هوازن بن منصور بن عكرمة بن حفصة بن قيس عيلان بن مضر (١) قال واسم ابى رسول الله ﷺ الّذي أرضعه - يعنى زوج حليمة الحارث بن عبد العزى بن رفاعة بن ملان بن ناصرة بن سعد بن بكر بن هوازن. وإخوته ﵊ يعنى من الرضاعة - عبد الله بن الحارث وأنيسة بنت الحارث وحذافة بنت الحارث وهي الشيماء وذكروا انها كانت تحضن رسول الله ﷺ مع امه إذ كان عندهم. قال ابن إسحاق: حدثني جهم بن أبى جهم مولى لامرأة من بنى تميم كانت عند الحارث بن حاطب، ويقال له مولى الحارث بن حاطب. قال حدثني من سمع عبد الله بن جعفر بن ابى طالب قال حدثت عن حليمة بنت الحارث انها قالت! قدمت مكة في نسوة (وذكر الواقدي باسناده انهن كن عشرة نسوة من بنى سعد بن بكر يلتمسن بها الرضعاء) من بنى سعد نلتمس بها الرضعاء في سنة شهباء فقدمت

стр. 612

على أتان لي قمراء كانت أذمّت بالركب (١) ومعى صبي لنا وشارف لنا والله ما تبض بقطرة. وما ننام ليلتنا ذلك اجمع (٢) مع صبينا ذاك ما نجد في ثديي ما يغنيه ولا في شارفنا ما يغذيه. ولكنا كنا نرجو الغيث والفرج. فخرجت على أتانى تلك فلقد أذمت بالركب حتى شق ذلك عليهم ضعفا وعجفا. فقدمنا مكة فو الله ما علمت منا امرأة إلا وقد عرض عليها رسول الله ﷺ فتأباه إذا قيل إنه يتيم تركناه. قلنا ماذا عسى أن تصنع إلينا أمه؟ إنما نرجو المعروف من أبى الولد فاما أمه فماذا عسى أن تصنع إلينا، فو الله ما بقي من صواحبي امرأة إلا أخذت رضيعا غيري. فلما لم نجد غيره وأجمعنا الانطلاق قلت لزوجي الحارث بن عبد العزى والله إني لأكره أن أرجع من بين صواحبي ليس معى رضيع. لانطلقن إلى ذلك اليتيم فلآخذنه. فقال لا عليك أن تفعلي فعسى أن يجعل الله لنا فيه بركة. فذهبت فأخذته فو الله ما أخذته إلا أنى لم أجد غيره، فما هو إلا أن أخذته فجئت به رحلي فاقبل عليه ثدياي بما شاء من لبن. فشرب حتى روى وشرب أخوه حتى روى. وقام صاحبي إلى شارفنا تلك فإذا إنها لحافل، فحلب ما شرب وشربت حتى روينا. فبتنا بخير ليلة فقال صاحبي حين أصبحنا يا حليمة والله إني لأراك قد أخذت نسمة مباركة. ألم ترى ما بتنا به الليلة من الخير والبركة حين أخذناه. فلم يزل الله يزيدنا خيرا. ثم خرجنا راجعين إلى بلادنا فو الله لقطعت أتانى بالركب حتى ما يتعلق بها حمار حتى أن صواحبي ليقلن ويلك يا بنت أبى ذؤيب هذه أتانك التي خرجت عليها معنا؟ فأقول نعم والله إنها لهى فقلن والله إن لها لشأنا. حتى قدمنا أرض بنى سعد. وما أعلم أرضا من أرض الله أجدب منها فان كانت غنمي لتسرح ثم تروح شباعا لبنا فتحلب ما شئنا وما حوالينا أو حولنا أحد تبض له شاة بقطرة لبن وإن أغنامهم لتروح جياعا حتى إنهم ليقولون لرعاتهم - أو لرعيانهم - ويحكم انظروا حيث تسرح غنم بنت أبى ذؤيب فاسرحوا معهم. فيسرحون مع غنمي حيث تسرح فتروح أغنامهم جياعا ما فيها قطرة لبن وتروح أغنامى شباعا لبنا نحلب ما شئنا. فلم يزل الله يرينا البركة نتعرفها حتى بلغ سنتين فكان يشب شبابا لا تشبّه الغلمان. فو الله ما بلغ السنتين حتى كان غلاما جفرا (٣) فقدمنا به على أمه ونحن أضن شيء به مما رأينا فيه من البركة. فلما رأته أمه قلت لها دعينا نرجع بابننا هذه السنة الأخرى فانا نخشى عليه وباء مكة. فو الله ما زلنا بها حتى قالت نعم. فسرحته معنا فأقمنا به شهرين أو ثلاثة فبينما هو خلف بيوتنا مع أخ له من الرضاعة في بهم لنا جاء أخوه ذلك يشتد فقال ذاك أخى القرشي جاءه رجلان عليهما ثياب بيض فاضجعاه فشقا بطنه. فخرجت أنا وأبوه نشتد نحوه فنجده قائما منتقعا لونه. فاعتنقه أبوه وقال يا بنى

стр. 613

ما شأنك؟ قال جاءني رجلان عليهما ثياب بيض أضجعانى وشقا بطني ثم استخرجا منه شيئا فطرحاه ثم رداه كما كان فرجعنا به معنا. فقال أبوه يا حليمة لقد خشيت أن يكون ابني قد أصيب فانطلقي بنا نرده إلى أهله قبل أن يظهر به ما نتخوف. قالت حليمة فاحتملناه فلم ترع أمه إلا به. فقدمنا به عليها فقالت ما رد كما به يا ظئر فقد كنتما عليه حريصين؟ فقالا لا والله الا أن الله قد أدى عنا وقضينا الّذي علينا وقلنا نخشى الإتلاف والاحداث نرده إلى أهله. فقالت ما ذاك بكما فاصدقانى شأنكما؟ فلم تدعنا حتى أخبرناها خبره، فقالت أخشيتما عليه الشيطان، كلا والله ما للشيطان عليه من سبيل. والله إنه لكائن لابني هذا شأن ألا أخبركما خبره؟ قلنا بلى! قالت حملت به فما حملت حملا قط أخف منه فأريت في النوم حين حملت به كأنه خرج منى نور أضاءت له قصور الشام ثم وقع حين ولدته وقوعا ما يقعه المولود، معتمدا على يديه رافعا رأسه إلى السماء، فدعاه عنكما. وهذا الحديث قد روى من طرق أخر وهو من الأحاديث المشهورة المتداولة بين أهل السير والمغازي. وقال الواقدي: حدثني معاذ بن محمد عن عطاء بن أبى رباح عن ابن عباس قال خرجت حليمة تطلب النبي ﷺ وقد وجدت البهم تقيل فوجدته مع أخته فقالت في هذا الحر؟ فقالت أخته يا أمه ما وجد أخى حرا. رأيت غمامة تظلل عليه إذا وقف وقفت وإذا سار سارت حتى انتهى الى هذا الموضع. وقال ابن إسحاق: حدثني ثور بن يزيد عن خالد بن معدان عن أصحاب رسول الله ﷺ أنهم قالوا له أخبرنا عن نفسك. قال: «نعم أنا دعوة أبى إبراهيم وبشرى عيسى ﵉، ورأت أمى حين حملت بى أنه خرج منها نور أضاءت له قصور الشام، واسترضعت في بنى سعد بن بكر، فبينا أنا في بهم لنا أتانى رجلان عليهما ثياب بيض معهما طست من ذهب مملوء ثلجا فاضجعانى فشقا بطني ثم استخرجا قلبي فشقاه فاخرجا منه علقة سوداء فالقياها. ثم غسلا قلبي وبطني بذلك الثلج، حتى إذا ألقياه رداه كما كان، ثم قال أحدهما لصاحبه زنه بعشرة من أمته فوزنني بعشرة فوزنتهم، ثم قال زنه بمائة من أمته فوزنني بمائة فوزنتهم. ثم قال زنه بألف من أمته فوزنني بألف فوزنتهم، فقال دعه عنك فلو وزنته بأمته لوزنهم» وهذا اسناد جيد قوى. وقد روى أبو نعيم الحافظ في الدلائل من طريق عمر بن الصبح وهو أبو نعيم عن ثور بن يزيد عن مكحول عن شداد بن أوس هذه القصة مطولة جدا ولكن عمر بن صبح هذا متروك كذاب متهم بالوضع. فلهذا لم نذكر لفظ الحديث إذ لا يفرح به ثم قال: وحدثنا أبو عمرو بن حمدان حدثنا الحسن بن نفير حدثنا عمرو بن عثمان حدثنا بقية بن الوليد عن بحير بن سعيد عن خالد بن معدان عن عبد الرحمن ابن عمرو السلمي عن عتبة بن عبد الله أنه حدثه أن رجلا سأل النبي ﷺ فقال: كيف كان أول شأنك يا رسول الله؟ قال: «كانت حاضنتى من بنى سعد بن بكر فانطلقت أنا وابن لها في بهم لنا ولم نأخذ

стр. 614

معنا زادا فقلت يا أخى اذهب فائتنا بزاد من عند أمنا فانطلق أخى ومكثت عند البهم فاقبل طائران أبيضان كأنهما نسران، فقال أحدهما لصاحبه أهو هو؟ فقال نعم! فأقبلا يبتدرانى فاخذانى فبطحانى للقفا فشقا بطني ثم استخرجا قلبي فشقاه. فاخرجا منه علقتين سوداوين، فقال أحدهما لصاحبه ائتني بماء ثلج فغسلا به جوفي ثم قال ائتني بماء برد فغسلا به قلبي ثم قال ائتني بالسكينة فذرها في قلبي ثم قال أحدهما لصاحبه خطه فخاطه وختم على قلبي بخاتم النبوة، فقال أحدهما لصاحبه اجعله في كفة واجعل ألفا من أمته في كفة، فإذا أنا انظر الى الالف فوقى أشفق أن يخر على بعضهم. فقال لو أن أمته وزنت به لمال بهم ثم انطلقا فتركاني وفرقت فرقا شديدا، ثم انطلقت الى أمى فأخبرتها بالذي لقيت فأشفقت أن يكون قد لبس بى فقالت أعيذك بالله. فرحلت بعيرا لها وحملتني على الرحل وركبت خلفي حتى بلغنا الى أمى، فقالت أديت أمانتى وذمتي وحدثتها بالذي لقيت فلم يرعها. وقالت إني رأيت خرج منى نور أضاءت منه قصور الشام» ورواه أحمد من حديث بقية بن الوليد به. وهكذا رواه عبد الله بن المبارك وغيره عن بقية بن الوليد به. وقد رواه ابن عساكر من طريق أبى داود الطيالسي حدثنا جعفر بن عبد الله بن عثمان القرشي أخبرنى عمير بن عمر بن عروة بن الزبير. قال سمعت عروة بن الزبير يحدث عن أبى ذر الغفاريّ قال قلت يا رسول الله كيف علمت أنك نبي حين علمت ذلك واستيقنت أنك نبي؟ قال: «يا أبا ذر أتانى ملكان وأنا ببعض بطحاء مكة فوقع أحدهما على الأرض، وكان الآخر بين السماء والأرض فقال أحدهما لصاحبه أهو هو؟ قال هو هو. قال زنه برجل فوزنني برجل فرجحته» وذكر تمامه، وذكر شق صدره وخياطته وجعل الخاتم بين كتفيه قال «فما هو الا أن وليا عنى فكأنما أعاين الأمر معاينة» ثم أورد ابن عساكر عن أبى بن كعب بنحو ذلك. ومن حديث شداد بن أوس بأبسط من ذلك. وثبت في صحيح مسلم من طريق حماد بن سلمة عن ثابت عن أنس بن مالك: أن رسول الله ﷺ أتاه جبريل ﵇ وهو يلعب مع الغلمان فأخذه فصرعه فشق عن قلبه فاستخرج القلب واستخرج منه علقة سوداء فقال هذا حظ الشيطان، ثم غسله في طشت من ذهب بماء زمزم، ثم لأمه، ثم أعاده في مكانه وجاء الغلمان يسعون الى أمه - يعنى ظئره - فقالوا إن محمدا قد قتل فاستقبلوه وهو منتقع اللون. قال أنس وقد كنت أرى أثر ذلك المخيط في صدره. وقد رواه ابن عساكر من طريق ابن وهب عن عمرو ابن الحارث عن عبد ربه بن سعيد عن ثابت البناني عن أنس أن الصلاد فرضت بالمدينة، وأن ملكين أتيا رسول الله ﷺ فذهبا به الى زمزم فشقا بطنه فاخرجا حشوته في طشت من ذهب فغسلاه بماء زمزم ثم لبسا جوفه حكمة وعلما. ومن طريق ابن وهب أيضا عن يعقوب بن عبد الرحمن الزهري عن أبيه عن عبد الرحمن بن عامر بن عتبة بن أبى وقاص عن أنس قال: أتى رسول الله ﷺ ثلاث ليال قال خذوا خيرهم وسيدهم، فأخذوا رسول ﷺ فعمد به إلى زمزم فشق جوفه ثم أتى بتور من ذهب فغسل

стр. 615

جوفه ثم مليء حكمة وإيمانا. وثبت من رواية سليمان بن المغيرة عن ثابت عن أنس. وفي الصحيحين من طريق شريك بن أبى نمر عن أنس وعن الزهري عن أنس عن أبى ذر وقتادة عن أنس وعن مالك بن صعصعة عن النبي ﷺ في حديث الاسراء كما سيأتي قصة شرح الصدر ليلتئذ وإنه غسل بماء زمزم، ولا منافاة لاحتمال وقوع ذلك مرتين مرة وهو صغير ومرة ليلة الاسراء ليتأهب للوفود إلى الملأ الأعلى ولمناجاة الرب والمثول بين يديه ﵎. وقال ابن إسحاق: وكان رسول الله ﷺ يقول لأصحابه: «أنا أعربكم، أنا قرشي واسترضعت في بنى سعد بن بكر» وذكر ابن إسحاق: أن حليمة لما أرجعته إلى أمه بعد فطامه مرت به على ركب من النصارى فقاموا اليه ﵊ فقلبوه وقالوا إنا سنذهب بهذا الغلام إلى ملكنا فإنه كائن له شأن فلم تكد تنفلت منهم إلا بعد جهد. وذكر أنها لما ردته حين تخوفت عليه أن يكون أصابه عارض، فلما قربت من مكة افتقدته فلم تجده فجاءت جده عبد المطلب فخرج هو وجماعة في طلبه، فوجده ورقة بن نوفل ورجل آخر من قريش فأتيا به جده، فأخذه على عاتقه وذهب فطاف به يعوذه ويدعو له ثم رده إلى أمه آمنة. وذكر الأموي من طريق عثمان بن عبد الرحمن الوقاصى - وهو ضعيف - عن الزهري عن سعيد بن المسيب قصة مولده ﵊ ورضاعه من حليمة على غير سياق محمد بن إسحاق. وذكر أن عبد المطلب أمر ابنه عبد الله أن يأخذه فيطوف به في أحياء العرب ليتخذ له مرضعة فطاف حتى استأجر حليمة على رضاعه وذكر أنه أقام عندها ست سنين تزيره جده في كل عام فلما كان من شق صدره عندهم ما كان ردته اليهم فأقام عند أمه حتى كان عمره ثماني سنين ماتت فكفله جده عبد المطلب فمات وله ﵊ عشر سنين، فكفله عماه شقيقا أبيه الزبير وأبو طالب، فلما كان له بضع عشرة سنة خرج مع عمه الزبير الى اليمن. فذكر أنهم رأوا منه آيات في تلك السفرة منها أن فحلا من الإبل كان قد قطع بعض الطريق في واد ممرهم عليه فلما رأى رسول الله ﷺ برك حتى حك بكلكله الأرض فركبه ﵊. ومنها أنه خاض بهم سيلا عرما فأيبسه الله تعالى حتى جاوزوه ثم مات عمه الزبير وله أربع عشرة سنة فانفرد به أبو طالب. والمقصود أن بركته ﵊ حلت على حليمة السعدية وأهلها وهو صغير ثم عادت على هوازن بكمالهم فواضله حين أسرهم بعد وقعتهم، وذلك بعد فتح مكة بشهر. فمتوا اليه برضاعة فأعتقهم وتحنن عليهم وأحسن اليهم كما سيأتي مفصلا في موضعه إن شاء الله تعالى. قال محمد بن إسحاق: في وقعة هوازن عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده. قال: كنا مع رسول الله ﷺ بحنين فلما أصاب من أموالهم وسباياهم أدركه وفد هوازن بالجعرانة وقد أسلموا، فقالوا يا رسول الله إنا أهل وعشيرة وقد أصابنا من البلاء ما لم يخف عليك، فامنن علينا منّ الله عليك. وقام

стр. 616

خطيبهم زهير بن صرد فقال: يا رسول الله إن ما في الحظائر من السبايا خالاتك وحواضنك اللاتي كن يكفلنك، فلو أنا ملحنا (١) ابن أبى شمر، أو النعمان بن المنذر ثم أصابنا منهما مثل الّذي أصابنا منك رجونا عائدتهما وعطفهما، وأنت خير المكفولين. ثم أنشد: امنن علينا رسول الله في كرم … فإنك المرء نرجوه وندخر امنن على بيضة قد عاقها قدر … ممزق شملها في دهرها غير أبقت لنا الدهر هتّافا على حزن … على قلوبهم الغماء والغمر إن لم تداركها نعماء تنشرها … يا أرجح الناس حلما حين يختبر امنن على نسوة قد كنت ترضعها … إذ فوك يملؤه من محضها درر امنن على نسوة قد كنت ترضعها … وإذ يزينك ما تأتى وما تذر لا تجعلنا كمن شالت نعامته … واستبق منّا فانا معشر زهر إنا لنشكر للنعمى وإن كفرت … وعندنا بعد هذا اليوم مدخر وقد رويت هذه القصة من طريق عبيد الله بن رماحس الكلبي الرمليّ عن زياد بن طارق الجشمي عن أبى صرد زهير بن جرول - وكان رئيس قومه - قال لما أسرنا رسول الله ﷺ يوم حنين فبينما هو يميز بين الرجال والنساء وثبت حتى قعدت بين يديه وأسمعته شعرا، أذكره حين شب ونشأ في هوازن حيث أرضعوه: امنن علينا رسول الله في دعة … فإنك المرء نرجوه وننتظر امنن على بيضة قد عاقها قدر … ممزق شملها في دهرها غير أبقت لنا الحرب هتافا على حزن … على قلوبهم الغماء والغمر إن لم تداركها نعماء تنشرها … يا أرجح الناس حلما حين يختبر امنن على نسوة قد كنت ترضعها … إذ فوك تملؤه من محضها الدرر إذ أنت طفل صغير كنت ترضعها … وإذ يزينك ما تأتى وما تذر لا تجعلنا كمن شالت نعامته … واستبق منا فانا معشر زهر إنا لنشكر للنعمى وإن كفرت … وعندنا بعد هذا اليوم مدخر فألبس العفو من قد كنت ترضعه … من أمهاتك إن العفو مشتهر إنا نؤمل عفوا منك تلبسه … هذي البرية إذ تعفو وتنتصر فاغفر عفا الله عما أنت راهبه … يوم القيامة إذ يهدى لك الظفر

стр. 617

قال فقال رسول الله ﷺ : «اما ما كان لي ولبني عبد المطلب فهو لله ولكم» فقالت الأنصار. وما كان لنا فهو لله ولرسوله ﷺ . وسيأتي أنه ﵊ أطلق لهم الذرية وكانت ستة آلاف ما بين صبي وامرأة، وأعطاهم أنعاما وأناسى كثيرا. حتى قال أبو الحسين بن فارس فكان قيمة ما أطلق لهم يومئذ خمسمائة ألف ألف درهم. فهذا كله من بركته العاجلة في الدنيا، فكيف ببركته على من اتبعه في الدار الآخرة. فصل قال ابن إسحاق: بعد ذكر رجوعه ﵊ إلى أمه آمنة بعد رضاعة حليمة له. فكان رسول الله ﷺ مع أمه آمنة بنت وهب، وجده عبد المطلب في كلاءة الله وحفظه، ينبته الله نباتا حسنا لما يريد به من كرامته فلما بلغ ست سنين توفيت أمه آمنة بنت وهب. قال ابن إسحاق: حدثني عبد الله بن أبى بكر بن محمد بن عمرو بن حزم أن أم رسول الله ﷺ آمنة توفيت وهو ابن ست سنين بالأبواء بين مكة والمدينة، كانت قد قدمت به على أخواله من بنى عدي بن النجار تزيره إياهم. فماتت وهي راجعة به إلى مكة. وذكر الواقدي بأسانيده أن النبي ﷺ خرجت به أمه إلى المدينة ومعها أم أيمن وله ست سنين، فزارت أخواله. قالت أم أيمن فجاءني ذات يوم رجلان من يهود المدينة فقالا لي أخرجى إلينا أحمد ننظر اليه، فنظرا اليه وقلباه فقال أحدهما لصاحبه هذا نبي هذه الأمة وهذه دار هجرته، وسيكون بها من القتل والسبي أمر عظيم. فلما سمعت أمه خافت وانصرفت به، فماتت بالأبواء وهي راجعة * وقد قال الامام أحمد حدثنا حسين بن محمد حدثنا أيوب ابن جابر عن سماك عن القاسم بن عبد الرحمن عن ابن بريدة عن أبيه قال: خرجنا مع رسول الله ﷺ حتى إذا كنا بودّان قال «مكانكم حتى آتيكم» فانطلق ثم جاءنا وهو ثقيل، فقال: «إني أتيت قبر أم محمد فسألت ربى الشفاعة - يعنى لها - فمنعنيها، وانى كنت نهيتكم عن زيارة القبور فزوروها، وكنت نهيتكم عن لحوم الأضاحي بعد ثلاثة أيام فكلوا وأمسكوا ما بدا لكم، ونهيتكم عن الاشربة في هذه الاوعية فاشربوا ما بدا لكم» وقد رواه البيهقي من طريق سفيان الثوري عن علقمة بن يزيد عن سليمان ابن بريدة عن أبيه قال: انتهى النبي ﷺ إلى رسم قبر فجلس وجلس الناس حوله، فجعل يحرك رأسه كالمخاطب ثم بكى فاستقبله عمر فقال ما يبكيك يا رسول الله؟ قال: «هذا قبر آمنة بنت وهب استأذنت ربى في أن أزور قبرها فاذن لي، واستأذنته في الاستغفار لها فأبى على، وأدركتنى رقتها فبكيت». قال فما رئيت ساعة أكثر باكيا من تلك الساعة. تابعه محارب بن دثار عن بريدة عن أبيه. ثم روى البيهقي عن الحاكم عن الأصم عن بحر بن نصر عن عبد الله بن وهب حدثنا ابن جريج عن أيوب بن هاني عن

стр. 618

مسروق بن الأجدع عن عبد الله بن مسعود. قال: خرج رسول الله ﷺ ينظر في المقابر، وخرجنا معه، فأمرنا فجلسنا ثم تخطي القبور حتى انتهى الى قبر منها - فناجاه طويلا ثم ارتفع نحيب رسول الله ﷺ باكيا فبكينا لبكاء رسول الله ﷺ ثم ان رسول الله ﷺ اقبل علينا فتلقاه عمر بن الخطاب فقال يا رسول الله ما الّذي أبكاك؟ لقد أبكانا وأفزعنا. فجاء فجلس إلينا فقال: «افزعكم بكائي»؟ قلنا نعم! قال: «ان القبر الّذي رأيتموني اناجى قبر آمنة بنت وهب، وانى استأذنت ربى في زيارتها فاذن لي، واستأذنت ربى في الاستغفار لها فلم يأذن لي فيه، ونزل على ﴿ما كانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كانُوا أُولِي قُرْبى مِنْ بَعْدِ ما تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُمْ أَصْحابُ الْجَحِيمِ، * وَما كانَ اِسْتِغْفارُ إِبْراهِيمَ لِأَبِيهِ إِلاّ عَنْ مَوْعِدَةٍ وَعَدَها إِيّاهُ فَلَمّا تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّهُ عَدُوٌّ لِلّهِ تَبَرَّأَ مِنْهُ إِنَّ إِبْراهِيمَ لَأَوّاهٌ حَلِيمٌ﴾ فأخذني ما يأخذ الولد للوالدة من الرقة فذلك الّذي أبكاني» غريب ولم يخرجوه. وروى مسلم عن أبى بكر بن أبى شيبة عن محمد بن عبيد عن يزيد بن كيسان عن أبى حازم عن أبى هريرة قال: زار النبي ﷺ قبر أمه فبكى وابكى من حوله ثم قال: «استأذنت ربى في زيارة قبر أمى فأذن لي واستأذنته في الاستغفار لها فلم يأذن لي، فزوروا القبور تذكركم الموت» وروى مسلم عن أبى بكر بن أبى شيبة عن عفان عن حماد بن سلمة عن ثابت عن أنس أن رجلا قال: يا رسول الله أين أبى؟ قال: «في النار» فلما قفا دعاه فقال: «إن أبى وأباك في النار». وقد روى البيهقي من حديث أبى نعيم الفضل بن دكين عن إبراهيم بن سعد عن الزهري عن عامر بن سعد عن أبيه. قال: جاء أعرابى الى النبي ﷺ فقال إن أبى كان يصل الرحم، وكان، وكان، فأين هو؟ قال: «في النار» قال فكأن الأعرابي وجد من ذلك، فقال يا رسول الله أين أبوك؟ قال: «حيثما مررت بقبر كافر فبشره بالنار» قال فأسلم الأعرابي بعد ذلك. فقال: لقد كلفنى رسول الله ﷺ تعبا، ما مررت بقبر كافر الا بشرته بالنار. غريب ولم يخرجوه من هذا الوجه. وقال الامام أحمد حدثنا أبو عبد الرحمن حدثنا سعيد - هو ابن أبى أيوب - حدثنا ربيعة بن سيف المعافري عن ابى عبد الرحمن الحبلى عن عبد الله بن عمرو. قال بينما نحن نمشي مع رسول الله ﷺ إذ بصر بامرأة لا يظن أنه عرفها، فلما توسط الطريق وقف حتى انتهت اليه، فإذا فاطمة بنت رسول الله ﷺ فقال: «ما أخرجك من بيتك يا فاطمة؟ فقالت أتيت أهل هذا البيت فترحمت اليهم ميتهم وعزيتهم. قال: «لعلك بلغت معهم الكدى (١)» قالت معاذ الله أن أكون بلغتها معهم وقد سمعتك تذكر في ذلك ما تذكر (٢). قال: «لو بلغتيها معهم ما رأيت الجنة حتى يراها جد أبيك» ثم رواه أحمد وأبو داود والنسائي والبيهقي من حديث ربيعة بن سيف بن مانع المعافري الصنمى

стр. 619

الإسكندري وقد قال البخاري عنده مناكير. وقال النسائي: ليس به بأس وقال مرة صدوق، وفي نسخة ضعيف. وذكره ابن حبان في الثقات وقال كان يخطئ كثيرا. وقال الدارقطنيّ صالح. وقال ابن يونس في تاريخ مصر في حديثه مناكير توفى قريبا من سنة عشرين ومائة، والمراد بالكدى القبور - وقيل النوح - والمقصود أن عبد المطلب مات على ما كان عليه من دين الجاهلية خلافا لفرقة الشيعة فيه وفي ابنه أبى طالب على ما سيأتي في وفاة أبى طالب، وقد قال البيهقي - بعد روايته هذه الأحاديث في كتابه دلائل النبوة: وكيف لا يكون أبواه وجده ﵊ بهذه الصفة في الآخرة وقد كانوا يعبدون الوثن، حتى ماتوا ولم يدينوا دين عيسى بن مريم ﵇، وكفرهم لا يقدح في نسبه ﵊ لأن انكحة الكفار صحيحة. الا تراهم يسلمون مع زوجاتهم فلا يلزمهم تجديد العقد ولا مفارقتهن إذا كان مثله يجوز في الإسلام وبالله التوفيق. انتهى كلامه. قلت: واخباره ﷺ عن أبويه وجده عبد المطلب بأنهم من أهل النار لا ينافي الحديث الوارد عنه من طرق متعددة أن أهل الفترة والأطفال والمجانين والصم يمتحنون في العرصات يوم القيامة، كما بسطناه سندا ومتنا [في تفسيرنا] عند قوله تعالى ﴿وَما كُنّا مُعَذِّبِينَ حَتّى نَبْعَثَ رَسُولاً﴾ فيكون منهم من يجيب ومنهم من لا يجيب. فيكون هؤلاء من جملة من لا يجيب فلا منافاة ولله الحمد والمنة. وأما الحديث الّذي ذكره السهيليّ وذكر أن في اسناده مجهولين الى ابن أبى الزناد عن عروة عن عائشة ﵂ ان رسول الله ﷺ سأل ربه أن يحيى أبويه، فأحياهما وآمنا به، فإنه حديث منكر جدا. وان كان ممكنا بالنظر الى قدرة الله تعالى. لكن الّذي ثبت في الصحيح يعارضه والله أعلم. فصل قال ابن إسحاق: وكان رسول الله ﷺ مع جده عبد المطلب بن هاشم - يعنى بعد موت أمه آمنة بنت وهب - فكان يوضع لعبد المطلب فراش في ظل الكعبة وكان بنوه يجلسون حول فراشه ذلك حتى يخرج اليه، لا يجلس عليه أحد من بنيه إجلالا له. قال فكان رسول الله ﷺ يأتي وهو غلام جفر حتى يجلس عليه. فيأخذه أعمامه ليؤخروه عنه. فيقول عبد المطلب إذا رأى ذلك منهم: دعوا ابني فو الله إن له لشأنا، ثم يجلسه معه على فراشه ويمسح ظهره بيده ويسره ما يراه يصنع. وقال الواقدي: حدثني محمد بن عبد الله عن الزهري وحدثنا عبد الله بن جعفر عن عبد الواحد بن حمزة بن عبد الله. وحدثنا هاشم بن عاصم الأسلمي عن المنذر بن جهم وحدثنا معمر عن ابن أبى نجيح عن مجاهد. وحدثنا عبد الرحمن بن عبد العزيز عن أبى الحويرث. وحدثنا ابن أبى سيرة عن سليمان بن

стр. 620

سحيم عن نافع عن ابن جبير - دخل حديث بعضهم في بعض - قالوا: كان رسول الله ﷺ يكون مع أمه آمنة بنت وهب، فلما توفيت قبضه اليه جده عبد المطلب وضمه ورق عليه رقة لم يرقها على ولده، وكان يقربه منه ويدنيه ويدخل عليه إذا خلا وإذا نام. وكان يجلس على فراشه فيقول عبد المطلب إذا رأى ذلك دعوا ابني إنه يؤسس ملكا. وقال قوم من بنى مدلج لعبد المطلب احتفظ به فانا لم نر قدما أشبه بالقدم الّذي في المقام منه. فقال عبد المطلب لأبى طالب: اسمع ما يقول هؤلاء! فكان أبو طالب يحتفظ به. وقال عبد المطلب لأم أيمن - وكانت تحضنه - يا بركة لا تغفلي عن ابني فانى وجدته مع غلمان قريب من السدرة، وإن أهل الكتاب يزعمون أن ابني نبي هذه الأمة. وكان عبد المطلب لا يأكل طعاما إلا يقول على بابني فيؤتى به اليه. فلما حضرت عبد المطلب الوفاة أوصى أبا طالب بحفظ رسول الله ﷺ وحياطته ثم مات عبد المطلب ودفن بالحجون. وقال ابن إسحاق: فلما بلغ رسول الله ﷺ ثمان سنين هلك جده عبد المطلب بن هاشم. ثم ذكر جمعه بناته وأمره إياهن أن يرثينه. وهن، أروى وأميمة، وبرة، وصفية، وعاتكة، وأم حكيم البيضاء وذكر أشعارهن وما قلن في رثاء أبيهن وهو يسمع قبل موته وهذا أبلغ النوح. وبسط القول في ذلك وقد قال ابن هشام ولم أر أحدا من أهل العلم بالشعر يعرف هذا الشعر. قال ابن إسحاق: فلما هلك عبد المطلب بن هاشم ولى السقاية وزمزم بعده ابنه العباس، وهو من أحدث إخوته سنا فلم تزل اليه حتى قام الإسلام وأقرها في يده رسول الله ﷺ . وكان رسول الله ﷺ بعد جده عبد المطلب مع عمه أبى طالب لوصية عبد المطلب له به، ولأنه كان شقيق أبيه عبد الله أمهما فاطمة بنت عمرو بن عائذ بن عمران بن مخزوم. قال فكان أبو طالب هو الّذي يلي أمر رسول الله ﷺ وكان اليه ومعه. وقال الواقدي: أخبرنا معمر عن ابن نجيح عن مجاهد. وحدثنا معاذ بن محمد الأنصاري عن عطاء عن ابن عباس. وحدثنا محمد بن صالح وعبد الله بن جعفر وإبراهيم بن إسماعيل بن أبى حبيبة - دخل حديث بعضهم في حديث بعض - قالوا: لما توفى عبد المطلب قبض أبو طالب رسول الله ﷺ فكان يكون معه، وكان أبو طالب لا مال له وكان يحبه حبا شديدا لا يحبه ولده، وكان لا ينام إلا إلى جنبه، ويخرج فيخرج معه. وصب به أبو طالب صبابة لم يصب مثلها بشيء قط. وكان يخصه بالطعام وكان إذا أكل عيال أبى طالب جميعا أو فرادى لم يشبعوا، وإذا أكل معهم رسول الله ﷺ شبعوا. فكان إذا أراد أن يغديهم قال كما أنتم حتى يأتى ولدى. فيأتى رسول الله ﷺ فيأكل معهم فكانوا يفضلون من طعامهم وإن لم يكن منهم لم يشبعوا فيقول أبو طالب إنك

стр. 621

لمبارك. وكان الصبيان يصبحون رمصا شعثا ويصبح رسول الله ﷺ دهينا كحيلا. وقال الحسن بن عرفة حدثنا على بن ثابت عن طلحة بن عمرو سمعت عطاء بن أبى رباح سمعت ابن عباس يقول: كان بنو أبى طالب يصبحون رمصا عمصا ويصبح رسول الله ﷺ صقيلا دهينا وكان أبو طالب يقرب الى الصبيان صفحتهم أول البكرة، فيجلسون وينتهبون ويكف رسول الله ﷺ يده فلا ينتهب معهم. فلما رأى ذلك عمه عزل له طعامه على حدة. وقال ابن إسحاق: حدثني يحيى بن عباد بن عبد الله بن الزبير أن أباه حدثه أن رجلا من لهب كان عائفا فكان إذا قدم مكة أتاه رجال من قريش بغلمانهم ينظر اليهم ويعتاف لهم فيهم. قال فأتى أبو طالب برسول الله ﷺ وهو غلام مع من يأتيه قال فنظر الى رسول الله ﷺ ثم شغله عنه شيء. فلما فرغ قال: الغلام على به. فلما رأى أبو طالب حرصه عليه غيبه عنه فجعل يقول ويلكم ردوا على الغلام الّذي رأيته آنفا فو الله ليكونن له شأن. قال وانطلق به أبو طالب. فصل في خروجه ﵊ مع عمه أبى طالب إلى الشام وقصته مع بحيرى الراهب قال ابن إسحاق: ثم إن أبا طالب خرج في ركب تاجرا إلى الشام. فلما تهيأ للرحيل وأجمع السير صب به رسول الله ﷺ فيما يزعمون - فرق له أبو طالب وقال والله لأخرجن به معى ولا أفارقه ولا يفارقني أبدا - أو كما قال - فخرج به. فلما نزل الركب بصرى من أرض الشام وبها راهب يقال له بحيرى في صومعة له. وكان اليه علم أهل النصرانية، ولم يزل في تلك الصومعة منذ قط راهب فيها. اليه يصير علمهم عن كتاب فيما يزعمون. يتوارثونه كابرا عن كابر، فلما نزلوا ذلك العام ببحيرى - وكانوا كثيرا ما يمرون به فلا يكلمهم ولا يعرض لهم - حتى كان ذلك العام. فلما نزلوا قريبا من صومعته صنع لهم طعاما كثيرا وذلك فيما يزعمون عن شيء رآه وهو في صومعته، يزعمون أنه رأى رسول الله ﷺ في الركب حتى أقبل وغمامة تظلله من بين القوم. ثم أقبلوا فنزلوا في ظل شجرة قريبا منه. فنظر إلى الغمامة حين أظلت الشجرة وتهصرت أغصان الشجرة على رسول الله ﷺ حتى استظل تحتها. فلما رأى ذلك بحيرى نزل من صومعته وقد أمر بطعام فصنع. ثم أرسل اليهم. فقال إني صنعت لكم طعاما يا معشر قريش فأنا أحب أن تحضروا كلكم، كبيركم وصغيركم، وعبدكم وحركم. فقال له رجل منهم والله يا بحيرى إن لك لشأنا اليوم. ما كنت تصنع هذا بنا وقد كنا نمر بك كثيرا فما شأنك اليوم؟ قال له بحيرى صدقت قد كان ما تقول ولكنكم ضيف وقد أحببت أن أكرمكم وأصنع لكم طعاما فتأكلون منه كلكم فاجتمعوا اليه وتخلف رسول الله ﷺ من بين القوم لحداثة سنه في رحال القوم تحت الشجرة

стр. 622

فلما رآهم بحيرى لم ير الصفة التي يعرف ويجده عنده فقال يا معشر قريش لا يتخلفن أحد منكم عن طعامي قالوا يا بحيرى ما تخلف أحد ينبغي له أن يأتيك إلا غلام وهو أحدثنا سنا. فتخلف في رحالنا. قال لا تفعلوا ادعوه فليحضر هذا الطعام معكم. قال فقال رجل من قريش مع القوم: واللات والعزى إن كان للؤم بنا أن يتخلف محمد بن عبد الله بن عبد المطلب عن طعام من بيننا. ثم قام اليه فاحتضنه وأجلسه مع القوم، فلما رأى بحيرى جعل يلحظه لحظا شديدا وينظر الى أشياء من جسده، قد كان يجدها عنده من صفته، حتى إذا فرغ القوم من طعامهم وتفرقوا قام اليه بحيرى وقال له يا غلام: أسألك بحق اللات والعزى الا أخبرتنى عما أسألك عنه. وانما قال له بحيرى ذلك لانه سمع قومه يحلفون بهما. فزعموا أن رسول الله ﷺ قال له: لا تسألنى باللات والعزى شيئا. فو الله ما أبغضت شيئا قط بغضهما. فقال له بحيرى: فبالله الا ما أخبرتنى عما أسألك عنه؟ فقال له سلني عما بدا لك. فجعل يسأله عن أشياء من حاله من نومه وهيئته وأموره. فجعل رسول الله ﷺ يخبره. فوافق ذلك ما عند بحيرى من صفته. ثم نظر إلى ظهره فرأى خاتم النبوة بين كتفيه موضعه من صفته التي عنده، فلما فرغ أقبل على عمه أبى طالب فقال ما هذا الغلام منك؟ قال ابني قال بحيرى ما هو بابنك وما ينبغي لهذا الغلام أن يكون أبوه حيا، قال فإنه ابن أخى. قال فما فعل أبوه؟ قال مات وأمه حبلى به قال صدقت ارجع بابن أخيك إلى بلده واحذر عليه اليهود. فو الله لئن رأوه وعرفوا منه ما عرفت ليبغنه شرا، فإنه كائن لابن أخيك هذا شأن عظيم فأسرع به إلى بلاده، فخرج به عمه أبو طالب سريعا حتى أقدمه مكة حين فرغ من تجارته بالشام. قال ابن إسحاق: فزعموا فيما روى الناس أن زريرا، وثماما، ودريسما - وهم نفر من أهل الكتاب - قد كانوا رأوا رسول الله ﷺ مثلما رأى بحيرى في ذلك السفر الّذي كان فيه مع عمه أبى طالب فأرادوه فردهم عنه بحيرى. فذكرهم الله وما يجدون في الكتاب من ذكره وصفته وأنهم أجمعوا لما أرادوا به لم يخلصوا اليه حتى عرفوا ما قال لهم وصدقوه بما قال فتركوه وانصرفوا عنه. وقد ذكر يونس بن بكير عن ابن إسحاق أن أبا طالب قال في ذلك ثلاث قصائد. هكذا ذكر ابن إسحاق هذا السياق من غير اسناد منه. وقد ورد نحوه من طريق مسند مرفوع. فقال الحافظ أبو بكر الخرائطى حدثنا عباس بن محمد الدوري حدثنا قراد أبو نوح حدثنا يونس عن أبى إسحاق عن أبى بكر بن أبى موسى عن أبيه قال خرج أبو طالب الى الشام ومعه رسول الله ﷺ في أشياخ من قريش. فلما أشرفوا على الراهب - يعنى بحيرى - هبطوا فحلوا رحالهم فخرج اليهم الراهب وكانوا قبل ذلك يمرون به فلا يخرج ولا يلتفت اليهم قال فنزل وهم يحلون رحالهم. فجعل يتخللهم حتى جاء فاخذ بيد النبي ﷺ فقال هذا سيد العالمين. وفي رواية البيهقي زيادة هذا رسول رب العالمين، بعثه الله رحمة للعالمين. فقال له أشياخ من قريش: وما علمك؟ فقال إنكم حين أشرفتم من العقبة لم يبق

стр. 623

شجرة ولا حجر الأخر ساجدا، ولا يسجدون الا لنبي، وإني أعرفه بخاتم النبوة أسفل من غضروف كتفه. ثم رجع فصنع لهم طعاما فلما أتاهم به - وكان هو في رعية الإبل - فقال أرسلوا اليه فاقبل وعمامة تظله. فلما دنا من القوم قال انظروا اليه عليه غمامة فلما دنا من القوم وجدهم قد سبقوه الى في الشجرة فلما جلس مال فيء الشجرة عليه. قال انظروا الى في الشجرة مال عليه قال فبينما هو قائم عليهم وهو ينشدهم ألا يذهبوا به الى الروم فان الروم إن رأوه عرفوه بالصفة فقتلوه فالتفت فإذا هو بسبعة نفر من الروم قد أقبلوا. قال فاستقبلهم فقال ما جاء بكم؟ قالوا جئنا أن هذا النبي خارج في هذا الشهر فلم يبق طريق الا بعث اليه ناس وإنا أخبرنا خبره الى طريقك هذه. قال فهل خلفكم أحد هو خير منكم؟ قالوا لا إنما أخبرنا خبره الى طريقك هذه. قال أفرأيتم أمرا أراد الله أن يقضيه هل يستطيع أحد من الناس رده؟ فقالوا لا. قال فبايعوه وأقاموا معه عنده. قال فقال الراهب أنشدكم الله أيكم وليه؟ قالوا أبو طالب. فلم يزل يناشده حتى رده وبعث معه أبو بكر بلالا وزوده الراهب من الكعك والزيت. هكذا رواه الترمذي عن أبى العباس الفضل بن سهل الأعرج عن قراد ابى نوح به. والحاكم والبيهقي. وابن عساكر من طريق أبى العباس محمد بن يعقوب الأصم عن عباس بن محمد الدوري به. وهكذا رواه غير واحد من الحفاظ من حديث أبى نوح عبد الرحمن بن غزوان الخزاعي مولاهم، ويقال له الضبيّ ويعرف بقراد. سكن بغداد وهو من الثقات الذين أخرج لهم البخاري، ووثقه جماعة من الأئمة والحفاظ ولم أر أحدا جرحه ومع هذا في حديثه هذا غرابة، قال الترمذي حسن غريب لا نعرفه الا من هذا الوجه. وقال عباس الدوري ليس في الدنيا أحد يحدث به غير قراد أبى نوح وقد سمعه منه أحمد بن حنبل ﵀ ويحيى بن معين لغرابته وانفراده حكاه البيهقي وابن عساكر. قلت: فيه من الغرائب أنه من مرسلات الصحابة فان أبا موسى الأشعري إنما قدم في سنة خيبر سنة سبع من الهجرة. ولا يلتفت إلى قول ابن إسحاق في جعله له من المهاجرة إلى أرض الحبشة من مكة وعلى كل تقدير فهو مرسل. فان هذه القصة كانت ولرسول الله ﷺ من العمر فما ذكره بعضهم ثنتا عشرة سنة، ولعل أبا موسى تلقاه من النبي ﷺ فيكون أبلغ، أو من بعض كبار الصحابة ﵃، أو كان هذا مشهورا مذكورا أخذه من طريق الاستفاضة. الثاني: أن الغمامة لم تذكر في حديث أصح من هذا. الثالث: أن قوله وبعث معه أبو بكر بلالا إن كان عمره ﵊ إذ ذاك ثنتى عشرة سنة فقد كان عمر أبى بكر إذ ذاك تسع سنين أو عشرة، وعمر بلال أقل من ذلك، فأين كان أبو بكر إذ ذاك؟ ثم أين كان بلال؟ كلاهما غريب اللهمّ إلا أن يقال إن هذا كان ورسول الله ﷺ كبيرا. إما بأن يكون سفره بعد هذا أو إن كان القول بأن عمره كان إذ ذاك ثنتى عشرة سنة غير محفوظ، فإنه إنما

стр. 624

ذكره مقيدا بهذا الواقدي. وحكى السهيليّ عن بعضهم أنه كان عمره ﵊ إذ ذاك تسع سنين والله أعلم. قال الواقدي: حدثني محمد بن صالح وعبد الله بن جعفر وإبراهيم بن إسماعيل بن أبى حبيبة عن داود بن الحصين. قالوا: لما بلغ رسول الله ﷺ اثنتي عشرة سنة خرج به عمه أبو طالب إلى الشام في العير التي خرج فيها للتجارة ونزلوا بالراهب بحيرى. فقال لأبى طالب بالسر ما قال. وأمره أن يحتفظ به فرده معه أبو طالب إلى مكة. وشب رسول الله ﷺ مع أبى طالب يكلؤه الله ويحفظه ويحوطه من أمور الجاهلية ومعايبها لما يريد من كرامته حتى بلغ أن كان رجلا أفضل قومه مروءة، وأحسنهم خلقا، وأكرمهم مخالطة، وأحسنهم جوارا، وأعظمهم حلما وأمانة، وأصدقهم حديثا، وأبعدهم من الفحش والأذى. ما رئي ملاحيا ولا مماريا أحدا، حتى سماه قومه الأمين. لما جمع الله فيه من الأمور الصالحة فكان أبو طالب يحفظه ويحوطه وينصره ويعضده حتى مات. وقال محمد بن سعد: أخبرنا خالد بن معدان حدثنا معتمر بن سليمان سمعت أبى يحدث عن أبى مجلز أن عبد المطلب - أو أبا طالب شك خالد - قال لما مات عبد الله عطف على محمد فكان لا يسافر سفرا إلا كان معه فيه، وإنه توجه نحو الشام فنزل منزلا فأتاه فيه راهب. فقال إن فيكم رجلا صالحا: ثم قال أين أبو هذا الغلام؟ قال فقال ها أنا ذا وليه - أو قيل هذا وليه - قال احتفظ بهذا الغلام ولا تذهب به إلى الشام إن اليهود حسّد وإني أخشاهم عليه. قال ما أنت تقول ذلك، ولكن الله يقوله. فرده وقال اللهمّ إني أستودعك محمدا ثم إنه مات. قصة بحيرى حكى السهيليّ عن سير الزهري أن بحيرى كان حبرا من أحبار يهود. قلت: والّذي يظهر من سياق القصة أنه كان راهبا نصرانيا والله أعلم. وعن المسعودي أنه كان من عبد القيس وكان اسمه جرجيس. وفي كتاب المعارف لابن قتيبة سمع هاتف في الجاهلية قبل الإسلام بقليل يهتف ويقول: ألا إن خير أهل الأرض ثلاثة، بحيرى، ورئاب بن البراء الشنى، والثالث المنتظر. وكان الثالث المنتظر هو الرسول ﷺ . قال ابن قتيبة وكان قبر رئاب الشنى وقبر ولده من بعده لا يزال يرى عندهما طش، وهو المطر الخفيف. فصل في منشئه ﵊ ومرباه وكفاية الله له، وحياطته، وكيف كان يتيما فآواه وعائلا فأغناه قال محمد بن إسحاق: فشب رسول الله ﷺ يكلؤه الله ويحفظه ويحوطه من أقذار الجاهلية، لما

стр. 625

يريد من كرامته ورسالته حتى بلغ أن كان رجلا أفضل قومه مروءة، وأحسنهم خلقا وأكرمهم حسبا، وأحسنهم جوارا، وأعظمهم حلما، وأصدقهم حديثا، وأعظمهم أمانة، وأبعدهم من الفحش والأخلاق التي تدنس الرجال تنزها وتكرما، حتى ما اسمه في قومه إلا الأمين، لما جمع الله فيه من الأمور الصالحة وكان رسول الله ﷺ فيما ذكر لي يحدث عما كان الله يحفظه به في صغره وأمر جاهليته أنه قال: «لقد رأيتني في غلمان من قريش ننقل الحجارة لبعض ما يلعب الغلمان، كلنا قد تعرى وأخذ إزاره وجعله على رقبته يحمل عليه الحجارة، فانى لأقبل معهم كذلك وأدبر إذ لكمني لاكم ما أراه لكمة وجيعة، ثم قال شد عليك إزارك. قال فأخذته فشددته على، ثم جعلت أحمل الحجارة على رقبتي وإزاري على من بين أصحابى». وهذه القصة شبيهة بما في الصحيح عند بناء الكعبة حين كان ينقل هو وعمه العباس فان لم تكنها فهي متقدمة عليها كالتوطئة لها والله أعلم. قال عبد الرزاق: أخبرنا ابن جريج أخبرنى عمرو بن دينار أنه سمع جابر بن عبد الله يقول: لما بنيت الكعبة ذهب رسول الله ﷺ ينقل الحجارة. فقال العباس لرسول الله ﷺ اجعل إزارك على عاتقك من الحجارة ففعل فخر إلى الأرض وطمحت عيناه إلى السماء، ثم قام فقال: «إزاري» فشد عليه إزاره أخرجاه في الصحيحين من حديث عبد الرزاق. وأخرجاه أيضا من حديث روح بن عبادة عن زكريا بن أبي إسحاق عن عمرو بن دينار عن جابر بنحوه. وقال البيهقي: أخبرنا أبو عبد الله الحافظ وأبو سعيد بن أبى عمرو قالا أخبرنا أبو العباس محمد بن يعقوب حدثنا محمد بن إسحاق الصاغاني حدثنا محمد بن بكير الحضرميّ حدثنا عبد الرحمن بن عبد الله الدشتكي حدثنا عمرو بن أبى قيس عن سماك عن عكرمة حدثني ابن عباس عن أبيه أنه كان ينقل الحجارة إلى البيت حين بنت قريش البيت، قال وأفردت قريش رجلين رجلين، الرجال ينقلون الحجارة، وكانت النساء تنقل الشيد. قال فكنت أنا وابن أخى وكنا نحمل على رقابنا وأزرنا تحت الحجارة، فإذا غشينا الناس ائتزرنا. فبينما أنا أمشى ومحمد أمامى قال فخر وانبطح على وجهه، فجئت أسعى وألقيت حجري وهو ينظر إلى السماء فقلت ما شأنك؟ فقام وأخذ إزاره قال «إني نهيت أن أمشى عريانا». قال وكنت أكتمها من الناس مخافة أن يقولوا مجنون. وروى البيهقي من حديث يونس بن بكير عن محمد بن إسحاق حدثني محمد بن عبد الله بن قيس بن مخرمة عن الحسن بن محمد بن على بن أبى طالب عن أبيه عن جده على بن أبى طالب. قال سمعت رسول الله ﷺ يقول «ما هممت بشيء مما كان أهل الجاهلية يهمون به من النساء الا ليلتين كلتاهما عصمنى الله فيهما. قلت ليلة لبعض فتيان مكة - ونحن في رعاء غنم أهلها - فقلت لصاحبي أبصر لي غنمي حتى أدخل مكة أسمر فيها كما يسمر الفتيان فقال بلى. قال فدخلت حتى جئت أول دار من دور مكة سمعت عزفا بالغرابيل والمزامير فقلت ما هذا

стр. 626

قالوا تزوج فلان فلانة. فجلست انظر وضرب الله على أذنى فو الله ما أيقظني الأمس الشمس، فرجعت الى صاحبي، فقال ما فعلت؟ فقلت ما فعلت شيئا ثم أخبرته بالذي رأيت، ثم قلت له ليلة أخرى أبصر لي غنمي حتى أسمر ففعل فدخلت فلما جئت مكة سمعت مثل الّذي سمعت تلك الليلة. فسألت فقيل نكح فلان فلانة، فجلست انظر وضرب الله على أذنى فو الله ما أيقظني الأمس الشمس، فرجعت الى صاحبي فقال ما فعلت؟ فقلت لا شيء ثم أخبرته الخبر، فو الله ما هممت ولا عدت بعدهما لشيء من ذلك حتى أكرمنى الله بنبوته» وهذا حديث غريب جدا وقد يكون عن على نفسه ويكون قوله في آخره «حتى أكرمنى الله بنبوته» مقحما والله أعلم. وشيخ ابن إسحاق هذا ذكره ابن حبان في الثقات. وزعم بعضهم أنه من رجال الصحيح. قال شيخنا في تهذيبه ولم أقف على ذلك والله أعلم. وقال الحافظ البيهقي: حدثني أبو عبد الله الحافظ حدثنا أبو العباس محمد بن يعقوب حدثنا الحسن ابن على بن عفان العامري حدثنا أبو أسامة حدثنا محمد بن عمرو عن أبى سلمة، ويحيى بن عبد الرحمن ابن حاطب عن أسامة بن زيد عن زيد بن حارثة. قال: كان صنم من نحاس يقال له إساف ونائلة يتمسح به المشركون إذا طافوا. فطاف رسول الله ﷺ وطفت معه، فلما مررت مسحت به فقال رسول الله ﷺ «لا تمسه». قال زيد فطفنا فقلت في نفسي لأمسنه حتى انظر ما يكون، فمسحته فقال رسول الله ﷺ «ألم تنه» قال البيهقي: زاد غيره عن محمد بن عمرو باسناده قال زيد فو الّذي أكرمه وأنزل عليه الكتاب ما استلم صنما قط حتى أكرمه الله تعالى بالذي أكرمه وأنزل عليه. وتقدم قوله ﵊ لبحيرى حين سأله باللات والعزى «لا تسألنى بهما فو الله ما أبغضت شيئا بغضهما» فاما الحديث الّذي قاله الحافظ أبو بكر البيهقي أخبرنا أبو سعد الماليني. أنبأنا أبو احمد بن عدي الحافظ حدثنا إبراهيم بن أسباط حدثنا عثمان بن أبى شيبة حدثنا جرير عن سفيان الثوري عن محمد بن عبد الله بن محمد بن عقيل عن جابر بن عبد الله ﵁ قال كان النبي ﷺ يشهد مع المشركين مشاهدهم قال فسمع ملكين خلفه وأحدهما يقول لصاحبه: اذهب بنا حتى نقوم خلف رسول الله ﷺ . قال كيف نقوم خلفه وانما عهده باستلام الأصنام؟. قال فلم يعد بعد ذلك ان يشهد مع المشركين مشاهدهم. فهو حديث أنكره غير واحد من الأئمة على عثمان بن أبى شيبة حتى قال الامام احمد فيه لم يكن أخوه يتلفظ بشيء من هذا. وقد حكى البيهقي عن بعضهم أن معناه أنه شهد مع من يستلم الأصنام وذلك قبل أن يوحى اليه والله أعلم. وقد تقدم في حديث زيد بن حارثة أنه اعتزل شهود مشاهد المشركين حتى أكرمه الله برسالته. وثبت في الحديث أنه كان لا يقف بالمزدلفة ليلة عرفة بل كان يقف مع الناس بعرفات كما قال يونس بن بكير عن محمد بن إسحاق * حدثني عبد الله بن أبى بكر

стр. 627

عن عثمان بن أبى سليمان عن نافع بن جبير بن مطعم عن أبيه جبير. قال: لقد رأيت رسول الله ﷺ وهو على دين قومه، وهو يقف على بعير له بعرفات من بين قومه حتى يدفع معهم، توفيقا من الله له. قال البيهقي: معنى قوله على دين قومه ما كان بقي من إرث إبراهيم وإسماعيل ﵉، ولم يشرك بالله قط صلوات الله وسلامه عليه دائما. قلت: ويفهم من قوله هذا أيضا انه كان يقف بعرفات قبل أن يوحى اليه. وهذا توفيق من الله له. ورواه الامام أحمد عن يعقوب عن محمد بن إسحاق به. ولفظه رأيت رسول الله ﷺ قبل ان ينزل عليه وإنه لواقف على بعير له مع الناس بعرفات حتى يدفع معهم توفيقا من الله. وقال الامام احمد: حدثنا سفيان عن عمرو عن محمد بن جبير بن مطعم عن أبيه قال: أضللت بعيرا لي بعرفة فذهبت اطلبه فإذا النبي ﷺ واقف فقلت إن هذا من الحمس (١) ما شأنه هاهنا؟ وأخرجاه من حديث سفيان بن عيينة به. ذكر شهوده ﵊ حرب الفجار قال ابن إسحاق: هاجت حرب الفجار ورسول الله ﷺ ابن عشرين سنة، وانما سمى يوم الفجار، بما استحل فيه هذان الحيان - كنانة وقيس عيلان - من المحارم بينهم. وكان قائد قريش وكنانة حرب بن أمية بن عبد شمس. وكان الظفر في أول النهار لقيس على كنانة. حتى إذا كان وسط النهار كان الظفر لكنانة على قيس. وقال ابن هشام: فلما بلغ رسول الله ﷺ أربع عشرة سنة - أو خمس عشرة سنة - فيما حدثني به أبو عبيدة النحويّ عن أبى عمرو بن العلاء هاجت حرب الفجار بين قريش ومن معها من كنانة وبين قيس عيلان. وكان الّذي هاجها ان عروة الرحال بن عتبة بن جعفر بن كلاب بن ربيعة بن عامر بن صعصعة بن معاوية بن بكر بن هوازن أجاز لطيمة - أي تجارة - للنعمان بن المنذر. فقال البراض بن قيس - أحد بنى ضمرة بن بكر بن عبد مناة بن كنانة - أتجيزها على كنانة؟ قال نعم وعلى الخلق. فخرج فيها عروة الرحال وخرج البراض يطلب غفلته. حتى إذا كان بتيمن ذي طلال بالعالية غفل عروة فوثب عليه البراض فقتله في الشهر الحرام، فلذلك سمى الفجار، وقال البراض في ذلك: وداهية تهم الناس قبلي … شددت لها بنى بكر ضلوعي هدمت بها بيوت بنى كلاب … وأرضعت الموالي بالضروع

стр. 628

رفعت له بذي طلال كفى … فخر يميد كالجذع الصريع وقال لبيد بن ربيعة بن مالك بن جعفر بن كلاب: وابلغ - إن عرضت - بنى كلاب … وعامر والخطوب لها موالي وابلغ - ان عرضت - بنى نمير … وأخوال القتيل بنى هلال بأنّ الوافد الرحال أمسى … مقيما عند تيمن ذي طلال قال ابن هشام: فأتى آت قريشا فقال: ان البراض قد قتل عروة، وهو في الشهر الحرام بعكاظ. فارتحلوا وهوازن لا تشعر بهم ثم بلغهم الخبر فاتبعوهم فادركوهم قبل ان يدخلوا الحرم. فاقتتلوا حتى جاء الليل فدخلوا الحرم فأمسكت هوازن عنهم، ثم التقوا بعد هذا اليوم أياما والقوم متساندون على كل قبيل من قريش وكنانة رئيس منهم وعلى كل قبيل من قيس رئيس منهم. قال وشهد رسول الله ﷺ بعض أيامهم. أخرجه أعمامه معهم وقال رسول الله ﷺ «كنت أنبّل على أعمامى» أي أرد عليهم نبل عدوهم إذا رموهم بها. قال ابن هشام: وحديث الفجار طويل هو أطول مما ذكرت وانما منعني من استقصائه قطعه حديث سيرة رسول الله ﷺ . وقال السهيليّ: والفجار بكسر الفاء على وزن قتال. وكانت الفجارات في العرب أربعة ذكرهن المسعودي. وآخرهن، فجار البراض هذا. وكان القتال فيه في أربعة أيام، يوم شمطة، ويوم العبلاء، وهما عند عكاظ، ويوم الشرب - وهو أعظمها يوما - وهو الّذي حضره رسول الله ﷺ وفيه قيدا رئيس قريش وبنى كنانة وهما حرب بن أمية وأخوه سفيان أنفسهما لئلا يفروا. وانهزمت يومئذ قيس إلا بنى نضر فإنهم ثبتوا. ويوم الحريرة عند نخلة ثم تواعدوا من العام المقبل الى عكاظ. فلما توافوا الموعد ركب عتبة بن ربيعة جمله ونادى يا معشر مضر علام تقاتلون؟ فقالت له هوازن: ما تدعو اليه؟ قال الصلح، قالوا وكيف؟ قال ندي قتلاكم ونرهنكم رهائن عليها، ونعفو عن دياتنا. قالوا ومن لنا بذلك قال أنا، قالوا ومن أنت؟ قال عتبة بن ربيعة فوقع الصلح على ذلك وبعثوا اليهم أربعين رجلا فيهم حكيم بن حزام فلما رأت بنو عامر بن صعصعة الرهن في أيديهم عفوا عن دياتهم وانقضت حرب الفجار. وقد ذكر الأموي حروب الفجار وأيامها واستقصاها مطولا فيما رواه عن الأثرم. وهو المغيرة ابن على عن أبى عبيدة معمر بن المثنى فذكر ذلك. فصل في شهوده ﵊ حلف الفضول قال الحافظ البيهقي: أخبرنا أبو سعد الماليني أنبأنا أبو احمد بن عدي الحافظ حدثنا يحيى بن على

стр. 629

ابن هاشم الخفاف حدثنا أبو عبد الرحمن الأزدي حدثنا إسماعيل بن علية عن عبد الرحمن بن إسحاق عن الزهري عن محمد بن جبير بن مطعم عن أبيه. قال قال رسول الله ﷺ : «شهدت مع عمومتي حلف المطيبين فما أحب أن أنكثه - أو كلمة نحوها - وإن لي حمر النعم». قال وكذلك رواه بشر بن المفضل عن عبد الرحمن. قال وأخبرنا أبو نصر بن قتادة حدثنا أبو عمرو بن مطر حدثنا أبو بكر بن احمد بن داود السمناني حدثنا معلى بن مهدي حدثنا أبو عوانة عن عمر بن أبى سلمة عن أبيه عن أبى هريرة. قال قال رسول الله ﷺ : «ما شهدت حلفا لقريش إلا حلف المطيبين، وما أحب أن لي حمر النعم وأنى كنت نقضته» قال: والمطيبون هاشم، وأمية، وزهرة، ومخزوم، قال البيهقي: كذا روى هذا التفسير مدرجا في الحديث ولا أدرى قائله، وزعم بعض أهل السير أنه أراد حلف الفضول فان النبي ﷺ لم يدرك حلف المطيبين. قلت: هذا لا شك فيه، وذلك أن قريشا تحالفوا بعد موت قصي وتنازعوا في الّذي كان جعله قصي لابنه عبد الدار من السقاية، والرفادة، واللواء، والندوة، والحجابة، ونازعهم فيه بنو عبد مناف وقامت مع كل طائفة قبائل من قريش وتحالفوا على النصرة لحزبهم فأحضر أصحاب بنى عبد مناف جفنة فيها طيب فوضعوا أيديهم فيها وتحالفوا. فلما قاموا مسحوا أيديهم بأركان البيت. فسموا المطيبين كما تقدم وكان هذا قديما ولكن المراد بهذا الحلف حلف الفضول وكان في دار عبد الله بن جدعان كما رواه الحميدي عن سفيان بن عيينة عن عبد الله عن محمد وعبد الرحمن ابني أبى بكر قالا قال رسول الله ﷺ : «لقد شهدت في دار عبد الله بن جدعان حلفا لو دعيت به في الإسلام لأجبت، تحالفوا أن يردوا الفضول على أهلها وألا يعد (١) ظالم مظلوما». قالوا: وكان حلف الفضول قبل المبعث بعشرين سنة في شهر ذي القعدة، وكان بعد حرب الفجار بأربعة أشهر. وذلك لأن الفجار كان في شعبان من هذه السنة، وكان حلف الفضول أكرم حلف سمع به وأشرفه في العرب، وكان أول من تكلم به ودعا اليه الزبير بن عبد المطلب وكان سببه أن رجلا من زبيد قدم مكة ببضاعة فاشتراها منه العاص بن وائل فحبس عنه حقه، فاستعدى عليه الزبيدي الاحلاف عبد الدار ومخزوما وجمحا وسهما وعدي بن كعب فأبوا أن يعينوا على العاص بن وائل وزبروه - أي انتهروه - فلما رأى الزبيدي الشر أو في على أبى قبيس عند طلوع الشمس - وقريش في أنديتهم حول الكعبة - فنادى بأعلى صوته: يا آل فهر لمظلوم بضاعته … ببطن مكة نائى الدار والنفر ومحرم أشعث لم يقض عمرته … يا للرجال وبين الحجر والحجر إنّ الحرام لمن تمت كرامته … ولا حرام لثوب الفاجر الغدر

стр. 630

فقام في ذلك الزبير بن عبد المطلب وقال: ما لهذا مترك فاجتمعت هاشم وزهرة وتيم بن مرة في دار عبد الله بن جدعان فصنع لهم طعاما وتحالفوا في ذي القعدة في شهر حرام فتعاقدوا وتعاهدوا بالله ليكوننّ يدا واحدة مع المظلوم على الظالم حتى يؤدى اليه حقه ما بلّ بحر صوفة. وما رسى ثبير وحراء مكانهما. وعلى التأسي في المعاش. فسمت قريش ذلك الحلف حلف الفضول، وقالوا لقد دخل هؤلاء في فضل من الأمر. ثم مشوا إلى العاص بن وائل فانتزعوا منه سلعة الزبيدي فدفعوها اليه. وقال الزبير بن عبد المطلب في ذلك: حلفت لنعقدن حلفا عليهم … وإن كنا جميعا أهل دار نسميه الفضول إذا عقدنا … يعزبه الغريب لذي الجوار ويعلم من حوالي البيت أنا … أباة الضيم نمنع كل عار وقال الزبير أيضا: إن الفضول تعاقدوا وتحالفوا … ألا يقيم ببطن مكة ظالم أمر عليه تعاقدوا وتواثقوا … فالجار والمعترّ فيهم سالم وذكر قاسم بن ثابت - في غريب الحديث -: أن رجلا من خثعم قدم مكة حاجا - أو معتمرا - ومعه ابنة له يقال لها القتول من أوضإ نساء العالمين، فاغتصبها منه نبيه بن الحجاج وغيبها عنه. فقال الخثعميّ: من يعدينى على هذا الرجل؟ فقيل له عليك بحلف الفضول. فوقف عند الكعبة ونادى يال حلف الفضول: فإذا هم يعنقون اليه من كل جانب، وقد انتضوا أسيافهم يقولون: جاءك الغوث فما لك؟ فقال إن نبيها ظلمني في بنتي وانتزعها منى قسرا فساروا معه حتى وقفوا على باب داره، فخرج اليهم فقالوا له أخرج الجارية ويحك فقد، علمت من نحن وما تعاقدنا عليه، فقال افعل، ولكن متعونى بها الليلة، فقالوا لا والله ولا شخب لقحة فأخرجها اليهم وهو يقول: راح صحبي ولم أحيى القتولا … لم أودعهم وداعا جميلا إذ أجد الفضول أن يمنعوها … قد أرانى ولا أخاف الفضولا لا تخالى أنى عشية راح الركب … هنتم عليّ أن لا يزولا (١) وذكر أبياتا أخر غير هذه. وقد قيل إنما سمى هذا حلف الفضول لأنه أشبه حلفا تحالفته جرهم على مثل هذا من نصر المظلوم على ظالمه. وكان الداعي اليه ثلاثة من أشرافهم اسم كل واحد منهم فضل: وهم الفضل بن فضالة، والفضل بن وداعة، والفضل بن الحارث. هذا قول ابن قتيبة. وقال غيره

стр. 631

الفضل بن شراعة، والفضل بن بضاعة، والفضل بن قضاعة (١) وقد أورد السهيليّ هذا ﵀. وقال محمد بن إسحاق بن يسار: وتداعت قبائل من قريش إلى حلف فاجتمعوا له في دار عبد الله ابن جدعان لشرفه وسنه. وكان حلفهم عنده بنو هاشم وبنو عبد المطلب وبنو أسد بن عبد العزى وزهرة بن كلاب وتيم بن مرة. فتعاهدوا وتعاقدوا على أن لا يجدوا بمكة مظلوما من أهلها وغيرهم ممن دخلها من سائر الناس إلا كانوا معه وكانوا على من ظلمه حتى يرد عليه مظلمته فسمت قريش ذلك الحلف حلف الفضول. قال محمد بن إسحاق: فحدثني محمد بن زيد بن المهاجر قنفذ التيمي أنه سمع طلحة بن عبد الله بن عوف الزهري يقول قال رسول الله ﷺ : «لقد شهدت في دار عبد الله بن جدعان حلفا ما أحب أن لي به حمر النعم ولو دعي به في الإسلام لأجبت». قال ابن إسحاق: وحدثني يزيد بن عبد الله بن أسامة بن الهاد الليثي أن محمد بن إبراهيم بن الحارث التيمي حدثه أنه كان بين الحسين بن على بن أبى طالب وبين الوليد بن عتبة بن أبى سفيان - والوليد يومئذ أمير المدينة، أمره عليها عمه معاوية بن أبى سفيان. - منازعة في مال كان بينهما بذي المروة فكان الوليد تحامل على الحسين في حقه لسلطانه، فقال له الحسين: أحلف بالله لتنصفنى من حقي أو لآخذن سيفي ثم لأقومن في مسجد رسول الله ﷺ ، ثم لأدعون بحلف الفضول. قال فقال عبد الله بن الزبير - وهو عند الوليد حين قال له الحسين ما قال - وأنا أحلف بالله لئن دعا به لآخذن سيفي ثم لأقومن معه حتى ينصف من حقه أو نموت جميعا. قال وبلغت المسور بن مخرمة بن نوفل الزهري فقال مثل ذلك. وبلغت عبد الرحمن بن عثمان بن عبيد الله التيمي فقال مثل ذلك. فلما بلغ ذلك الوليد ابن عتبة أنصف الحسين من حقه حتى رضى. فصل في تزويجه ﵊ خديجة بنت خويلد بن أسد بن عبد العزى بن قصي قال ابن إسحاق: وكانت خديجة بنت خويلد امرأة تاجرة ذات شرف ومال تستأجر الرجال على مالها مضاربة. فلما بلغها عن رسول الله ﷺ ما بلغها من صدق حديثه وعظم أمانته وكرم أخلاقه بعثت اليه فعرضت عليه أن يخرج لها في مال تاجرا إلى الشام وتعطيه أفضل ما تعطى غيره من التجار. مع غلام لها يقال له ميسرة، فقبله رسول الله ﷺ منها وخرج في مالها ذاك، وخرج معه غلامها ميسرة حتى

стр. 632

نزل الشام، فنزل رسول الله ﷺ في ظل شجرة قريبا من صومعة راهب من الرهبان، فاطلع الراهب إلى ميسرة. فقال: من هذا الرجل الّذي نزل تحت الشجرة؟ فقال ميسرة هذا رجل من قريش من أهل الحرم فقال له الراهب ما نزل تحت هذه الشجرة الا نبي. ثم باع رسول الله ﷺ سلعته - يعنى تجارته - التي خرج بها واشترى ما أراد أن يشترى. ثم اقبل قافلا إلى مكة ومعه ميسرة، فكان ميسرة - فيما يزعمون - إذا كانت الهاجرة واشتد الحر، يرى ملكين يظلانه من الشمس وهو يسير على بعيره، فلما قدم مكة على خديجة بمالها باعت ما جاء به فاضعف أو قريبا، وحدثها ميسرة عن قول الراهب وعما كان يرى من اظلال الملائكة إياه وكانت خديجة امرأة جازمة شريفة لبيبة مع ما أراد الله بها من كرامتها. فلما أخبرها ميسرة ما أخبرها بعثت إلى رسول الله ﷺ فقالت له - فيما يزعمون - - يا ابن عم أنى قد رغبت فيك لقرابتك وسطتك (١) في قومك وأمانتك وحسن خلقك وصدق حديثك، ثم عرضت نفسها عليه وكانت أوسط نساء قريش نسبا وأعظمهن شرفا وأكثرهن مالا. كل قومها كان حريصا على ذلك منها لو يقدر عليه، فلما قالت ذلك لرسول الله ﷺ ذكر ذلك لأعمامه، فخرج معه عمه حمزة حتى دخل على خويلد بن أسد فخطبها اليه فتزوجها ﵊. قال ابن هشام: فأصدقها عشرين بكرة وكانت أول امرأة تزوجها ولم يتزوج عليها غيرها حتى ماتت. قال ابن إسحاق: فولدت لرسول الله ﷺ ولده كلهم إلا إبراهيم: القاسم وكان به يكنى، والطيب والطاهر، وزينب، ورقية، وأم كلثوم، وفاطمة. قال ابن هشام: أكبرهم القاسم، ثم الطيب، ثم الطاهر. وأكبر بناته رقية، ثم زينب، ثم أم كلثوم، ثم فاطمة. قال البيهقي عن الحاكم: قرأت بخط أبى بكر بن أبى خيثمة حدثنا مصعب بن عبد الله الزبيري قال أكبر ولده ﵊ القاسم، ثم زينب، ثم عبد الله، ثم أم كلثوم ثم فاطمة ثم رقية. وكان أول من مات من ولده القاسم، ثم عبد الله. وبلغت خديجة خمسا وستين سنة، ويقال خمسين. وهو أصح. وقال غيره بلغ القاسم أن يركب الدابة والنجيبة ثم مات بعد النبوة، وقيل مات وهو رضيع فقال رسول الله ﷺ : «إن له مرضعا في الجنة يستكمل رضاعه» والمعروف ان هذا في حق إبراهيم وقال يونس بن بكير: حدثنا إبراهيم بن عثمان عن القاسم عن ابن عباس قال ولدت خديجة لرسول الله ﷺ غلامين واربع نسوة: القاسم، وعبد الله، وفاطمة، وأم كلثوم، وزينب، ورقية. وقال الزبير بن بكار عبد الله هو الطيب وهو الطاهر، سمى بذلك لانه ولد بعد النبوة فماتوا قبل البعثة.

стр. 633

وأما بناته فادركن البعثة ودخلن في الإسلام وهاجرن معه ﷺ قال ابن هشام: واما إبراهيم فمن مارية القبطية التي أهداها له المقوقس صاحب اسكندرية من كورة انصنا (١) وسنتكلم على أزواجه وأولاده ﵊ في باب مفرد لذلك في آخر السيرة ان شاء الله تعالى وبه الثقة. قال ابن هشام: وكان عمر رسول الله ﷺ حين تزوج خديجة خمسا وعشرين سنة فيما حدثني غير واحد من أهل العلم، منهم أبو عمرو المدني. وقال يعقوب بن سفيان كتبت عن إبراهيم بن المنذر حدثني عمر بن أبى بكر المؤملي حدثني غير واحد أن عمرو بن أسد زوّج خديجة من رسول الله ﷺ وعمره خمسا وعشرين سنة وقريش تبنى الكعبة. وهكذا نقل البيهقي عن الحاكم انه كان عمر رسول الله ﷺ حين تزوج خديجة خمسا وعشرين سنة وكان عمرها إذ ذاك خمسا وثلاثين - وقيل خمسا وعشرين سنة - وقال البيهقي: (باب ما كان يشتغل به رسول الله ﷺ قبل أن يتزوج خديجة) أخبرنا أبو عبد الله الحافظ أخبرنا أبو بكر بن عبد الله أخبرنا الحسن بن سفيان حدثنا سويد بن سعيد حدثنا عمرو بن أبى يحيى بن سعيد القرشي عن جده سعيد عن أبى هريرة. قال قال رسول الله ﷺ : «ما بعث الله نبيا إلا راعى غنم» فقال له أصحابه وأنت يا رسول الله؟ قال: «وانا رعيتها لأهل مكة بالقراريط» رواه البخاري عن أحمد بن محمد المكيّ عن عمرو بن يحيى به. ثم روى البيهقي من طريق الربيع بن بدر - وهو ضعيف - عن أبى الزبير عن جابر. قال قال رسول الله ﷺ : «آجرت نفسي من خديجة سفرتين بقلوص» وروى البيهقي من طريق حماد بن سلمة عن على بن زيد عن عمار بن أبى عمار عن ابن عباس: أن أبا خديجة زوج رسول الله ﷺ وهو - أظنه - قال سكران. ثم قال البيهقي: أخبرنا أبو الحسين بن الفضل القطان أنا عبد الله بن جعفر حدثنا يعقوب بن سفيان قال حدثني إبراهيم بن المنذر حدثني عمر بن أبى بكر المؤملي حدثني عبد الله بن أبى عبيد بن محمد بن عمار بن ياسر عن أبيه عن مقسم بن أبى القاسم مولى عبد الله بن الحارث بن نوفل أن عبد الله بن الحارث حدثه ان عمار ابن ياسر كان إذا سمع ما يتحدث به الناس عن تزويج رسول الله ﷺ خديجة وما يكثرون فيه يقول: انا أعلم الناس بتزويجه إياها، انى كنت له تربا وكنت له إلفا وخدنا. وإني خرجت مع رسول الله ﷺ ذات يوم حتى إذا كنا بالحزورة أجزنا على أخت خديجة وهي جالسة على ادم تبيعها، فنادتنى فانصرفت اليها ووقف لي رسول الله ﷺ . فقالت: اما بصاحبك هذا من حاجة في تزويج خديجة؟ قال عمار فرجعت اليه فأخبرته فقال «بلى لعمري» فذكرت لها قول رسول الله ﷺ فقالت اغدوا علينا إذا أصبحنا، فغدونا عليهم فوجدناهم قد ذبحوا بقرة والبسوا أبا خديجة حلة، وصفرت لحيته، وكلمت أخاها فكلم أباه وقد

стр. 634

سقى خمرا فذكر له رسول ﷺ ومكانه وسألته أن يزوجه فزوجه خديجة وصنعوا من البقرة طعاما فأكلنا منه ونام أبوها ثم استيقظ صاحيا. فقال: ما هذه الحلة وما هذه الصفرة وهذا الطعام فقالت له ابنته التي كانت قد كلمت عمارا هذه حلة كساكها محمد بن عبد الله ختنك وبقرة أهداها لك فذبحناها حين زوجته خديجة، فأنكر ان يكون زوجه، وخرج يصيح حتى جاء الحجر، وخرج بنو هاشم برسول الله ﷺ فجاءوه فكلموه. فقال أين صاحبكم الّذي تزعمون أنى زوجته خديجة؟ فبرز له رسول الله ﷺ فلما نظر اليه قال إن كنت زوجته فسبيل ذاك وإن لم أكن فعلت فقد زوجته. وقد ذكر الزهري في سيره ان أباها زوجها منه وهو سكران وذكر نحو ما تقدم حكاه السهيليّ. قال المؤملي: المجتمع عليه أن عمها عمرو بن أسد هو الّذي زوجها منه وهذا هو الّذي رجحه السهيليّ. وحكاه عن ابن عباس وعائشة قالت وكان خويلد مات قبل الفجار، وهو الّذي نازع تبعا حين أراد أخذ الحجر الأسود إلى اليمن، فقام في ذلك خويلد وقام معه جماعة من قريش ثم رأى تبع في منامه ما روعه، فنزع عن ذلك وترك الحجر الأسود مكانه. وذكر ابن إسحاق: في آخر السيرة أن أخاها عمرو بن خويلد هو الّذي زوجها رسول الله ﷺ فالله أعلم. فصل قال ابن إسحاق: وقد كانت خديجة بنت خويلد ذكرت لورقة بن نوفل بن أسد بن عبد العزى ابن قصي - وكان ابن عمها وكان نصرانيا قد تتبع الكتب وعلم من علم الناس ما ذكر لها غلامها من قول الراهب وما كان يرى منه إذ كان الملكان يظلانه - فقال ورقة: لئن كان هذا حقا يا خديجة إن محمدا لنبي هذه الأمة، قد عرفت أنه كائن لهذه الأمة نبي ينتظر هذا زمانه - أو كما قال - فجعل ورقة يستبطئ الأمر ويقول حتى متى؟ وقال في ذلك: لججت وكنت في الذكرى لجوجا … لهمّ طالما ما بعث النشيجا ووصف من خديجة بعد وصف … فقد طال انتظاري يا خديجا ببطن المكتين على رجائي … حديثك أن أرى منه خروجا بما خبرتنا من قول قس … من الرهبان أكره أن يعوجا بأنّ محمدا سيسود قوما … ويخصم من يكون له حجيجا ويظهر في البلاد ضياء نور … يقوم به البرية أن تموجا فيلقى من يحاربه خسارا … ويلقى من يسالمه فلوجا فيا ليتى إذا ما كان ذاكم … شهدت وكنت أولهم ولوجا

стр. 635

ولوجا في الّذي كرهت قريش … ولو عجت بمكتها عجيجا أرجى بالذي كرهوا جميعا … إلى ذي العرش إن سفلوا عروجا وهل أمر السفالة غير كفر … بمن يختار من سمك البروجا فان يبقوا وأبق يكن أمور … يضج الكافرون لها ضجيجا وإن أهلك فكل فتى سيلقى … من الأقدار متلفة خروجا وقال ورقة أيضا فيما رواه يونس بن بكير عن ابن إسحاق عنه: أتبكر أم أنت العشية رائح … وفي الصدر من إضمارك الحزن قادح؟ لفرقة قوم لا أحب فراقهم … كأنك عنهم بعد يومين نازح وأخبار صدق خبرت عن محمد … يخبرها عنه إذا غاب ناصح أتاك الّذي وجهت يا خير حرة … بغور وبالنجدين حيث الصحاصح إلى سوق بصرى في الركاب التي غدت … وهنّ من الأحمال قعص دوالح (١) فيخبرنا عن كل خير بعلمه … وللحق أبواب لهن مفاتح بأن ابن عبد الله احمد مرسل … إلى كل من ضمت عليه الأباطح وظني به أن سوف يبعث صادقا … كما أرسل العبدان هود وصالح وموسى وإبراهيم حتى يرى له … بهاء ومنشور من الذكر واضح ويتبعه حيّا لؤيّ وغالب … شبابهم والأشيبون الجحاجح فان أبق حتى يدرك الناس دهره … فانى به مستبشر الود فارح وإلا فانى يا خديجة فاعلمي … عن أرضك في الأرض العريضة سائح وزاد الأموي: فمتبع دين الّذي أسس البنا … وكان له فضل على الناس راجح وأسس بنيانا بمكة ثابتا … تلألأ فيه بالظلام المصابح مثابا لأفناء القبائل كلها … تخب اليه اليعملات الطلائح حراجيج (٢) أمثال القداح من السري … يعلق في أرساغهن السرايح ومن شعره فيما أورده أبو القاسم السهيليّ في روضه: لقد نصحت لأقوام وقلت لهم … أنا النذير فلا يغرركم أحد
следующие страницы →