← История

История · id 23708

البداية والنهاية - ط السعادة

ابن كثير

Полный текст (4 918 стр.). Показаны 631–670 · переход к 636.

стр. 631

الفضل بن شراعة، والفضل بن بضاعة، والفضل بن قضاعة (١) وقد أورد السهيليّ هذا ﵀. وقال محمد بن إسحاق بن يسار: وتداعت قبائل من قريش إلى حلف فاجتمعوا له في دار عبد الله ابن جدعان لشرفه وسنه. وكان حلفهم عنده بنو هاشم وبنو عبد المطلب وبنو أسد بن عبد العزى وزهرة بن كلاب وتيم بن مرة. فتعاهدوا وتعاقدوا على أن لا يجدوا بمكة مظلوما من أهلها وغيرهم ممن دخلها من سائر الناس إلا كانوا معه وكانوا على من ظلمه حتى يرد عليه مظلمته فسمت قريش ذلك الحلف حلف الفضول. قال محمد بن إسحاق: فحدثني محمد بن زيد بن المهاجر قنفذ التيمي أنه سمع طلحة بن عبد الله بن عوف الزهري يقول قال رسول الله ﷺ : «لقد شهدت في دار عبد الله بن جدعان حلفا ما أحب أن لي به حمر النعم ولو دعي به في الإسلام لأجبت». قال ابن إسحاق: وحدثني يزيد بن عبد الله بن أسامة بن الهاد الليثي أن محمد بن إبراهيم بن الحارث التيمي حدثه أنه كان بين الحسين بن على بن أبى طالب وبين الوليد بن عتبة بن أبى سفيان - والوليد يومئذ أمير المدينة، أمره عليها عمه معاوية بن أبى سفيان. - منازعة في مال كان بينهما بذي المروة فكان الوليد تحامل على الحسين في حقه لسلطانه، فقال له الحسين: أحلف بالله لتنصفنى من حقي أو لآخذن سيفي ثم لأقومن في مسجد رسول الله ﷺ ، ثم لأدعون بحلف الفضول. قال فقال عبد الله بن الزبير - وهو عند الوليد حين قال له الحسين ما قال - وأنا أحلف بالله لئن دعا به لآخذن سيفي ثم لأقومن معه حتى ينصف من حقه أو نموت جميعا. قال وبلغت المسور بن مخرمة بن نوفل الزهري فقال مثل ذلك. وبلغت عبد الرحمن بن عثمان بن عبيد الله التيمي فقال مثل ذلك. فلما بلغ ذلك الوليد ابن عتبة أنصف الحسين من حقه حتى رضى. فصل في تزويجه ﵊ خديجة بنت خويلد بن أسد بن عبد العزى بن قصي قال ابن إسحاق: وكانت خديجة بنت خويلد امرأة تاجرة ذات شرف ومال تستأجر الرجال على مالها مضاربة. فلما بلغها عن رسول الله ﷺ ما بلغها من صدق حديثه وعظم أمانته وكرم أخلاقه بعثت اليه فعرضت عليه أن يخرج لها في مال تاجرا إلى الشام وتعطيه أفضل ما تعطى غيره من التجار. مع غلام لها يقال له ميسرة، فقبله رسول الله ﷺ منها وخرج في مالها ذاك، وخرج معه غلامها ميسرة حتى

стр. 632

نزل الشام، فنزل رسول الله ﷺ في ظل شجرة قريبا من صومعة راهب من الرهبان، فاطلع الراهب إلى ميسرة. فقال: من هذا الرجل الّذي نزل تحت الشجرة؟ فقال ميسرة هذا رجل من قريش من أهل الحرم فقال له الراهب ما نزل تحت هذه الشجرة الا نبي. ثم باع رسول الله ﷺ سلعته - يعنى تجارته - التي خرج بها واشترى ما أراد أن يشترى. ثم اقبل قافلا إلى مكة ومعه ميسرة، فكان ميسرة - فيما يزعمون - إذا كانت الهاجرة واشتد الحر، يرى ملكين يظلانه من الشمس وهو يسير على بعيره، فلما قدم مكة على خديجة بمالها باعت ما جاء به فاضعف أو قريبا، وحدثها ميسرة عن قول الراهب وعما كان يرى من اظلال الملائكة إياه وكانت خديجة امرأة جازمة شريفة لبيبة مع ما أراد الله بها من كرامتها. فلما أخبرها ميسرة ما أخبرها بعثت إلى رسول الله ﷺ فقالت له - فيما يزعمون - - يا ابن عم أنى قد رغبت فيك لقرابتك وسطتك (١) في قومك وأمانتك وحسن خلقك وصدق حديثك، ثم عرضت نفسها عليه وكانت أوسط نساء قريش نسبا وأعظمهن شرفا وأكثرهن مالا. كل قومها كان حريصا على ذلك منها لو يقدر عليه، فلما قالت ذلك لرسول الله ﷺ ذكر ذلك لأعمامه، فخرج معه عمه حمزة حتى دخل على خويلد بن أسد فخطبها اليه فتزوجها ﵊. قال ابن هشام: فأصدقها عشرين بكرة وكانت أول امرأة تزوجها ولم يتزوج عليها غيرها حتى ماتت. قال ابن إسحاق: فولدت لرسول الله ﷺ ولده كلهم إلا إبراهيم: القاسم وكان به يكنى، والطيب والطاهر، وزينب، ورقية، وأم كلثوم، وفاطمة. قال ابن هشام: أكبرهم القاسم، ثم الطيب، ثم الطاهر. وأكبر بناته رقية، ثم زينب، ثم أم كلثوم، ثم فاطمة. قال البيهقي عن الحاكم: قرأت بخط أبى بكر بن أبى خيثمة حدثنا مصعب بن عبد الله الزبيري قال أكبر ولده ﵊ القاسم، ثم زينب، ثم عبد الله، ثم أم كلثوم ثم فاطمة ثم رقية. وكان أول من مات من ولده القاسم، ثم عبد الله. وبلغت خديجة خمسا وستين سنة، ويقال خمسين. وهو أصح. وقال غيره بلغ القاسم أن يركب الدابة والنجيبة ثم مات بعد النبوة، وقيل مات وهو رضيع فقال رسول الله ﷺ : «إن له مرضعا في الجنة يستكمل رضاعه» والمعروف ان هذا في حق إبراهيم وقال يونس بن بكير: حدثنا إبراهيم بن عثمان عن القاسم عن ابن عباس قال ولدت خديجة لرسول الله ﷺ غلامين واربع نسوة: القاسم، وعبد الله، وفاطمة، وأم كلثوم، وزينب، ورقية. وقال الزبير بن بكار عبد الله هو الطيب وهو الطاهر، سمى بذلك لانه ولد بعد النبوة فماتوا قبل البعثة.

стр. 633

وأما بناته فادركن البعثة ودخلن في الإسلام وهاجرن معه ﷺ قال ابن هشام: واما إبراهيم فمن مارية القبطية التي أهداها له المقوقس صاحب اسكندرية من كورة انصنا (١) وسنتكلم على أزواجه وأولاده ﵊ في باب مفرد لذلك في آخر السيرة ان شاء الله تعالى وبه الثقة. قال ابن هشام: وكان عمر رسول الله ﷺ حين تزوج خديجة خمسا وعشرين سنة فيما حدثني غير واحد من أهل العلم، منهم أبو عمرو المدني. وقال يعقوب بن سفيان كتبت عن إبراهيم بن المنذر حدثني عمر بن أبى بكر المؤملي حدثني غير واحد أن عمرو بن أسد زوّج خديجة من رسول الله ﷺ وعمره خمسا وعشرين سنة وقريش تبنى الكعبة. وهكذا نقل البيهقي عن الحاكم انه كان عمر رسول الله ﷺ حين تزوج خديجة خمسا وعشرين سنة وكان عمرها إذ ذاك خمسا وثلاثين - وقيل خمسا وعشرين سنة - وقال البيهقي: (باب ما كان يشتغل به رسول الله ﷺ قبل أن يتزوج خديجة) أخبرنا أبو عبد الله الحافظ أخبرنا أبو بكر بن عبد الله أخبرنا الحسن بن سفيان حدثنا سويد بن سعيد حدثنا عمرو بن أبى يحيى بن سعيد القرشي عن جده سعيد عن أبى هريرة. قال قال رسول الله ﷺ : «ما بعث الله نبيا إلا راعى غنم» فقال له أصحابه وأنت يا رسول الله؟ قال: «وانا رعيتها لأهل مكة بالقراريط» رواه البخاري عن أحمد بن محمد المكيّ عن عمرو بن يحيى به. ثم روى البيهقي من طريق الربيع بن بدر - وهو ضعيف - عن أبى الزبير عن جابر. قال قال رسول الله ﷺ : «آجرت نفسي من خديجة سفرتين بقلوص» وروى البيهقي من طريق حماد بن سلمة عن على بن زيد عن عمار بن أبى عمار عن ابن عباس: أن أبا خديجة زوج رسول الله ﷺ وهو - أظنه - قال سكران. ثم قال البيهقي: أخبرنا أبو الحسين بن الفضل القطان أنا عبد الله بن جعفر حدثنا يعقوب بن سفيان قال حدثني إبراهيم بن المنذر حدثني عمر بن أبى بكر المؤملي حدثني عبد الله بن أبى عبيد بن محمد بن عمار بن ياسر عن أبيه عن مقسم بن أبى القاسم مولى عبد الله بن الحارث بن نوفل أن عبد الله بن الحارث حدثه ان عمار ابن ياسر كان إذا سمع ما يتحدث به الناس عن تزويج رسول الله ﷺ خديجة وما يكثرون فيه يقول: انا أعلم الناس بتزويجه إياها، انى كنت له تربا وكنت له إلفا وخدنا. وإني خرجت مع رسول الله ﷺ ذات يوم حتى إذا كنا بالحزورة أجزنا على أخت خديجة وهي جالسة على ادم تبيعها، فنادتنى فانصرفت اليها ووقف لي رسول الله ﷺ . فقالت: اما بصاحبك هذا من حاجة في تزويج خديجة؟ قال عمار فرجعت اليه فأخبرته فقال «بلى لعمري» فذكرت لها قول رسول الله ﷺ فقالت اغدوا علينا إذا أصبحنا، فغدونا عليهم فوجدناهم قد ذبحوا بقرة والبسوا أبا خديجة حلة، وصفرت لحيته، وكلمت أخاها فكلم أباه وقد

стр. 634

سقى خمرا فذكر له رسول ﷺ ومكانه وسألته أن يزوجه فزوجه خديجة وصنعوا من البقرة طعاما فأكلنا منه ونام أبوها ثم استيقظ صاحيا. فقال: ما هذه الحلة وما هذه الصفرة وهذا الطعام فقالت له ابنته التي كانت قد كلمت عمارا هذه حلة كساكها محمد بن عبد الله ختنك وبقرة أهداها لك فذبحناها حين زوجته خديجة، فأنكر ان يكون زوجه، وخرج يصيح حتى جاء الحجر، وخرج بنو هاشم برسول الله ﷺ فجاءوه فكلموه. فقال أين صاحبكم الّذي تزعمون أنى زوجته خديجة؟ فبرز له رسول الله ﷺ فلما نظر اليه قال إن كنت زوجته فسبيل ذاك وإن لم أكن فعلت فقد زوجته. وقد ذكر الزهري في سيره ان أباها زوجها منه وهو سكران وذكر نحو ما تقدم حكاه السهيليّ. قال المؤملي: المجتمع عليه أن عمها عمرو بن أسد هو الّذي زوجها منه وهذا هو الّذي رجحه السهيليّ. وحكاه عن ابن عباس وعائشة قالت وكان خويلد مات قبل الفجار، وهو الّذي نازع تبعا حين أراد أخذ الحجر الأسود إلى اليمن، فقام في ذلك خويلد وقام معه جماعة من قريش ثم رأى تبع في منامه ما روعه، فنزع عن ذلك وترك الحجر الأسود مكانه. وذكر ابن إسحاق: في آخر السيرة أن أخاها عمرو بن خويلد هو الّذي زوجها رسول الله ﷺ فالله أعلم. فصل قال ابن إسحاق: وقد كانت خديجة بنت خويلد ذكرت لورقة بن نوفل بن أسد بن عبد العزى ابن قصي - وكان ابن عمها وكان نصرانيا قد تتبع الكتب وعلم من علم الناس ما ذكر لها غلامها من قول الراهب وما كان يرى منه إذ كان الملكان يظلانه - فقال ورقة: لئن كان هذا حقا يا خديجة إن محمدا لنبي هذه الأمة، قد عرفت أنه كائن لهذه الأمة نبي ينتظر هذا زمانه - أو كما قال - فجعل ورقة يستبطئ الأمر ويقول حتى متى؟ وقال في ذلك: لججت وكنت في الذكرى لجوجا … لهمّ طالما ما بعث النشيجا ووصف من خديجة بعد وصف … فقد طال انتظاري يا خديجا ببطن المكتين على رجائي … حديثك أن أرى منه خروجا بما خبرتنا من قول قس … من الرهبان أكره أن يعوجا بأنّ محمدا سيسود قوما … ويخصم من يكون له حجيجا ويظهر في البلاد ضياء نور … يقوم به البرية أن تموجا فيلقى من يحاربه خسارا … ويلقى من يسالمه فلوجا فيا ليتى إذا ما كان ذاكم … شهدت وكنت أولهم ولوجا

стр. 635

ولوجا في الّذي كرهت قريش … ولو عجت بمكتها عجيجا أرجى بالذي كرهوا جميعا … إلى ذي العرش إن سفلوا عروجا وهل أمر السفالة غير كفر … بمن يختار من سمك البروجا فان يبقوا وأبق يكن أمور … يضج الكافرون لها ضجيجا وإن أهلك فكل فتى سيلقى … من الأقدار متلفة خروجا وقال ورقة أيضا فيما رواه يونس بن بكير عن ابن إسحاق عنه: أتبكر أم أنت العشية رائح … وفي الصدر من إضمارك الحزن قادح؟ لفرقة قوم لا أحب فراقهم … كأنك عنهم بعد يومين نازح وأخبار صدق خبرت عن محمد … يخبرها عنه إذا غاب ناصح أتاك الّذي وجهت يا خير حرة … بغور وبالنجدين حيث الصحاصح إلى سوق بصرى في الركاب التي غدت … وهنّ من الأحمال قعص دوالح (١) فيخبرنا عن كل خير بعلمه … وللحق أبواب لهن مفاتح بأن ابن عبد الله احمد مرسل … إلى كل من ضمت عليه الأباطح وظني به أن سوف يبعث صادقا … كما أرسل العبدان هود وصالح وموسى وإبراهيم حتى يرى له … بهاء ومنشور من الذكر واضح ويتبعه حيّا لؤيّ وغالب … شبابهم والأشيبون الجحاجح فان أبق حتى يدرك الناس دهره … فانى به مستبشر الود فارح وإلا فانى يا خديجة فاعلمي … عن أرضك في الأرض العريضة سائح وزاد الأموي: فمتبع دين الّذي أسس البنا … وكان له فضل على الناس راجح وأسس بنيانا بمكة ثابتا … تلألأ فيه بالظلام المصابح مثابا لأفناء القبائل كلها … تخب اليه اليعملات الطلائح حراجيج (٢) أمثال القداح من السري … يعلق في أرساغهن السرايح ومن شعره فيما أورده أبو القاسم السهيليّ في روضه: لقد نصحت لأقوام وقلت لهم … أنا النذير فلا يغرركم أحد

стр. 636

لا تعبدن إلها غير خالقكم … فان دعوكم فقولوا بيننا حدد سبحان ذي العرش سبحانا يدوم له … وقبلنا سبح الجودي والجمد مسخر كل ما تحت السماء له … لا ينبغي أن يناوى ملكه أحد لا شيء مما نرى تبقى بشاشته … يبقى الآله ويودي المال والولد لم تغن عن هرمز يوما خزائنه … والخلد قد حاولت عاد فما خلدوا ولا سليمان إذ تجرى الرياح به … والجن والانس فيما بينها مرد أين الملوك التي كانت لعزتها … من كل أوب اليها وافد يفد حوض هنالك مورود بلا كذب … لا بد من ورده يوما كما وردوا ثم قال هكذا نسبه أبو الفرج إلى ورقة، قال وفيه أبيات تنسب إلى أمية بن أبى الصلت قلت: وقد روينا عن أمير المؤمنين عمر بن الخطاب ﵁ أنه كان يستشهد في بعض الأحيان بشيء من هذه الأبيات والله أعلم. فصل في تجديد قريش بناء الكعبة قبل المبعث بخمس سنين ذكر البيهقي بناء الكعبة قبل تزويجه ﵊ خديجة. والمشهور أن بناء قريش الكعبة بعد تزويج خديجة كما ذكرناه بعشر سنين. ثم شرع البيهقي في ذكر بناء الكعبة في زمن إبراهيم كما قدمناه في قصته، وأورد حديث ابن عباس المتقدم في صحيح البخاري وذكر ما ورد من الإسرائيليات في بنائه في زمن آدم ولا يصح ذلك، فان ظاهر القرآن يقتضي أن إبراهيم أول من بناه مبتدئا وأول من أسسه، وكانت بقعته معظمة قبل ذلك معتنى بها مشرفة في سائر الأعصار والأوقات قال الله تعالى ﴿إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبارَكاً وَهُدىً لِلْعالَمِينَ، * فِيهِ آياتٌ بَيِّناتٌ مَقامُ إِبْراهِيمَ وَمَنْ دَخَلَهُ كانَ آمِناً وَلِلّهِ عَلَى النّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اِسْتَطاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً﴾ وثبت في الصحيحين عن أبى ذر قال قلت يا رسول الله أي مسجد وضع أول؟ قال: «المسجد الحرام» قلت ثم أي؟ قال: «المسجد الأقصى» قلت كم بينهما؟ قال: «أربعون سنة» وقد تكلمنا على هذا فيما تقدم، وإن المسجد الأقصى أسسه إسرائيل وهو يعقوب ﵇. وفي الصحيحين أن هذا البلد حرمه الله يوم خلق السماوات والأرض فهو حرام بحرمة الله إلى يوم القيامة. وقال البيهقي أخبرنا أبو عبد الله الحافظ حدثنا أبو عبد الله الصفار حدثنا احمد بن مهران حدثنا عبيد الله حدثنا إسرائيل عن أبى يحيى عن مجاهد عن عبد الله بن عمرو. قال: كان البيت قبل الأرض بألفي سنة، (وإذا الأرض مدت) قال من تحته مدت. قال وقد تابعه منصور عن مجاهد.

стр. 637

قلت: وهذا غريب جدا وكأنه من الزاملتين اللتين أصابهما عبد الله بن عمرو يوم اليرموك وكان فيهما إسرائيليات يحدث منها وفيهما منكرات وغرائب. ثم قال البيهقي: أخبرنا أبو عبد الله الحافظ أخبرنا أبو جعفر محمد بن محمد بن محمد بن عبد الله البغدادي حدثنا يحيى بن عثمان بن صالح حدثنا أبو صالح الجهنيّ حدثني ابن لهيعة عن يزيد بن أبى الخير عن عبد الله بن عمرو بن العاص. قال قال رسول الله ﷺ : «بعث الله جبريل إلى آدم وحواء فقال لهما ابنيا لي بيتا، فخط لهما جبريل فجعل آدم يحفر وحواء تنقل، حتى أجابه الماء نودي من تحته حسبك يا آدم، فلما بنيا أوحى الله تعالى اليه أن يطوف به وقيل له أنت أول الناس، وهذا أول بيت، ثم تناسخت القرون حتى حجه نوح، ثم تناسخت القرون حتى رفع إبراهيم القواعد منه». قال البيهقي: تفرد به ابن لهيعة هكذا مرفوعا. قلت: وهو ضعيف، ووقفه على عبد الله بن عمرو أقوى وأثبت والله أعلم. وقال الربيع: أنبأنا الشافعيّ أنبأنا سفيان عن ابن أبى لبيد عن محمد بن كعب القرظي - أو غيره - قال: حج آدم فلقيته الملائكة فقالوا بر نسكك يا آدم لقد حججنا قبلك بألفي عام. وقال يونس بن بكير عن ابن إسحاق حدثني بقية - أو قال ثقة - من أهل المدينة عن عروة بن الزبير أنه قال: ما من نبي إلا وقد حج البيت إلا ما كان من هود وصالح. قلت: وقد قدمنا حجهما اليه. والمقصود الحج إلى محله وبقعته وإن لم يكن ثم بناء والله أعلم. ثم أورد البيهقي حديث ابن عباس المتقدم في قصة إبراهيم ﵇ بطوله وتمامه وهو في صحيح البخاري. ثم روى البيهقي من حديث سماك بن حرب عن خالد بن عرعرة قال سأل رجل عليا عن قوله تعالى ﴿إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبارَكاً وَهُدىً لِلْعالَمِينَ﴾ أهو أول بيت بنى في الأرض؟ قال لا ولكنه أول بيت وضع فيه البركة للناس والهدى ومقام إبراهيم ومن دخله كان آمنا. وإن شئت نبأتك كيف بناؤه. إن الله تعالى أوحى إلى إبراهيم أن ابن لي بيتا في الأرض فضاق به ذرعا فأرسل اليه السكينة وهي ريح خجوج لها رأس فاتبع أحدهما صاحبه حتى انتهت ثم تطوقت في موضع البيت تطوق الحية، فبنى إبراهيم حتى بلغ مكان الحجر قال لابنه أبغنى حجرا فالتمس حجرا حتى أتاه به فوجد الحجر الأسود قد ركب فقال لأبيه من أين لك هذا؟ قال جاء به من لا يتكل على بنائك، جاء به جبريل من السماء فأتمه. قال فمر عليه الدهر فانهدم فبنته العمالقة، ثم انهدم فبنته جرهم، ثم انهدم فبنته قريش ورسول الله ﷺ يومئذ رجل شاب. فلما أرادوا أن يرفعوا الحجر الأسود اختصموا فيه فقالوا نحكم بيننا أول رجل يخرج من هذه السكة، فكان رسول ﷺ أول من خرج عليهم فقضى بينهم أن يجعلوه في مرط ثم ترفعه جميع القبائل كلهم. وقال أبو داود الطيالسي حدثنا حماد بن سلمة وقيس وسلام كلهم عن سماك

стр. 638

ابن حرب عن خالد بن عرعرة عن على بن أبى طالب. قال: لما انهدم البيت بعد جرهم بنته قريش فلما أرادوا وضع الحجر تشاجروا من يضعه فاتفقوا أن يضعه أول من يدخل من هذا الباب فدخل رسول الله ﷺ من باب بنى شيبة فأمر بثوب فوضع الحجر في وسطه وأمر كل فخذ أن يأخذوا بطائفة من الثوب فرفعوه وأخذه رسول الله ﷺ فوضعه، قال يعقوب بن سفيان أخبرنى أصبغ بن فرج أخبرنى ابن وهب عن يونس عن ابن شهاب قال لما بلغ رسول الله ﷺ الحلم جمرت امرأة الكعبة فطارت شرارة من مجمرها في ثياب الكعبة فاحترقت فهدموها حتى إذا بنوها فبلغوا موضع الركن اختصمت قريش في الركن أي القبائل تلى رفعه. فقالوا: تعالوا تحكم أول من يطلع علينا، فطلع عليهم رسول الله ﷺ وهو غلام عليه وشاح نمرة فحكموه فأمر بالركن فوضع في ثوب ثم أخرج سيد كل قبيلة فأعطاه ناحية من الثوب ثم ارتقى هو فرفعوا اليه الركن فكان هو يضعه فكان لا يزداد على السن الأرضي حتى دعوه الأمين قبل أن ينزل عليه الوحي، فطفقوا لا ينحرون جزورا الا التمسوه فيدعو لهم فيها، وهذا سياق حسن، وهو من سير الزهري، وفيه من الغرابة قوله: فلما بلغ الحلم. والمشهور أن هذا كان ورسول الله ﷺ عمره خمس وثلاثون سنة، وهو الّذي نص عليه محمد بن إسحاق بن يسار ﵀. وقال موسى بن عقبة: كان بناء الكعبة قبل المبعث بخمس عشرة سنة. وهكذا قال مجاهد، وعروة، ومحمد بن جبير بن مطعم، وغيرهم. فالله أعلم. وقال موسى بن عقبة: كان بين الفجار وبين بناء الكعبة خمس عشرة سنة. قلت: وكان الفجار وحلف الفضول في سنة واحدة إذ كان عمر رسول الله ﷺ عشرون سنة. وهذا يؤيد ما قال محمد بن إسحاق والله اعلم. قال موسى بن عقبة: وانما حمل قريشا على بنائها ان السيول كانت تأتى من فوقها، من فوق الردم الّذي صفوه فخر به فخافوا ان يدخلها الماء. وكان رجل يقال له مليح سرق طيب الكعبة. فأرادوا ان يشيدوا بنيانها وان يرفعو بابها حتى لا يدخلها إلا من شاءوا فأعدوا لذلك نفقة وعمالا. ثم غدوا اليها ليهدموها على شفق وحذر أن يمنعهم الّذي أرادوا. فكان أول رجل طلعها وهدم منها شيئا الوليد بن المغيرة فلما رأوا الّذي فعل الوليد تتابعوا فوضعوها فأعجبهم ذلك. فلما أرادوا أن يأخذوا في بنيانها احضروا عمالهم فلم يقدر رجل منهم أن يمضى امامه موضع قدم فزعموا انهم رأوا حية قد أحاطت بالبيت رأسها عند ذنبها. فأشفقوا منها شفقة شديدة، وخشوا ان يكونوا قد وقعوا مما عملوا في هلكة. وكانت الكعبة حرزهم ومنعتهم من الناس وشرفا لهم. فلما سقط في أيديهم والتبس عليهم أمرهم قام فيهم المغيرة ابن عبد الله بن عمرو بن مخزوم فذكر ما كان من نصحه لهم وامره إياهم ان لا يتشاجروا ولا يتحاسدوا في في بنائها. وأن يقتسموها أرباعا. وان لا يدخلوا في بنائها مالا حراما. وذكر انهم لما عزموا على ذلك

стр. 639

ذهبت الحية في السماء وتغببت عنهم ورأوا ان ذلك من الله . قال: ويقول بعض الناس إنه اختطفها طائر وألقاها نحو أجياد. وقال محمد بن إسحاق بن يسار: فلما بلغ رسول ﷺ خمسا وثلاثين سنة اجتمعت قريش لبناء الكعبة وكانوا يهمون بذلك ليسقفوها ويهابون هدمها. وإنما كانت رضما فوق القامة. فأرادوا رفعها وتسقيفها وذلك ان نفرا سرقوا كنز الكعبة، وانما كان في بئر في جوف الكعبة. وكان الّذي وجد عنده الكنز دويك مولى لبني مليح بن عمرو بن خزاعة. فقطعت قريش يده وتزعم قريش أن الذين سرقوه وضعوه عند دويك. وكان البحر قد رمى بسفينة الى جدة لرجل من تجار الروم. فتحطمت. فأخذوا خشبها فأعدوه لتسقيفها. قال الأموي: كانت هذه السفينة لقيصر ملك الروم تحمل آلات البناء من الرخام والخشب والحديد سرحها قيصر مع باقوم الرومي الى الكنيسة التي أحرقها الفرس للحبشة فلما بلغت مرساها من جدة بعث الله عليها ريحا فحطمتها. قال ابن إسحاق: وكان بمكة رجل قبطى نجار فتهيأ لهم في أنفسهم بعض ما يصلحها. وكانت حية تخرج من بئر الكعبة التي كانت تطرح فيها ما يهدى اليها كل يوم. فتشرف على جدار الكعبة وكانت مما يهابون، وذلك أنه كان لا يدنو منها أحد إلا احزألت (١) وكشت وفتحت فاها، فكانوا يهابونها، فبينما هي يوما تشرف على جدار الكعبة كما كانت تصنع، بعث الله عليها طائرا فاختطفها فذهب بها. فقالت قريش: إنا لنرجو أن يكون الله تعالى قد رضى ما أردنا، عندنا عامل رقيق وعندنا خشب وقد كفانا الله الحية. وحكى السهيليّ: عن رزين أن سارقا دخل الكعبة في أيام جرهم ليسرق كنزها. فانهار البئر عليه حتى جاءوا فأخرجوه وأخذوا منه ما كان أخذه، ثم سكنت هذا البئر حية رأسها كرأس الجدي وبطنها أبيض وظهرها أسود فأقامت فيها خمسمائة عام وهي التي ذكرها محمد بن إسحاق. قال محمد بن إسحاق: فلما أجمعوا أمرهم لهدمها وبنيانها قام أبو وهب عمرو بن عائد بن عبد بن عمران بن مخزوم - وقال ابن هشام عائد بن عمران بن مخزوم - فتناول من الكعبة حجرا فوثب من يده حتى رجع إلى موضعه. فقال: يا معشر قريش لا تدخلوا في بنيانها من كسبكم إلا طيبا. لا يدخل فيها مهر بغى ولا بيع ربا، ولا مظلمة أحد من الناس - والناس ينحلون هذا الكلام الوليد بن المغيرة ابن عبد الله بن عمرو بن مخزوم. ثم رجح ابن إسحاق أن قائل ذلك أبو وهب بن عمرو - قال وكان خال أبى النبي ﷺ وكان شريفا ممدحا. وقال ابن إسحاق: ثم ان قريشا تجزأت الكعبة. فكان شق الباب لبني عبد مناف وزهرة، وما

стр. 640

بين الركن الأسود والركن اليماني لبني مخزوم وقبائل من قريش انضموا اليهم. وكان ظهر الكعبة لبني جمح وسهم. وكان شق الحجر لبني عبد الدار بن قصي ولبني أسد بن عبد العزى ولبني عدي بن كعب، وهو الحطيم. ثم إن الناس هابوا هدمها وفرقوا منه. فقال الوليد بن المغيرة أنا أبدؤكم في هدمها فأخذ المعول ثم قام عليها وهو يقول: اللهم لم ترع اللهم إنا لا نريد إلا الخير. ثم هدم من ناحية الركنين فتربص الناس تلك الليلة، وقالوا: ننظر فان أصيب لم نهدم منها شيئا ورددناها كما كانت وإن لم يصبه شيء فقد رضى الله ما صنعنا من هدمها. فأصبح الوليد عاديا على عمله فهدم وهدم الناس معه - حتى إذا انتهى الهدم بهم إلى الأساس - أساس إبراهيم ﵇ أفضوا إلى حجارة خضر كالأسنة أخذ بعضها بعضا - ووقع في صحيح البخاري عن يزيد بن رومان كأسنمة الإبل - قال السهيليّ وأرى رواية السيرة كالألسنة وهما والله أعلم. قال ابن إسحاق: فحدثني بعض من يروى الحديث أن رجلا من قريش ممن كان يهدمها أدخل عتلة بين حجرين منها ليقلع بها أحدهما، فلما تحرك الحجر انتفضت مكة بأسرها. فانتهوا عن ذلك الأساس. وقال موسى بن عقبة: وزعم عبد الله بن عباس أن أولية قريش كانوا يحدثون أن رجلا من قريش لما اجتمعوا لينزعوا الحجارة إلى تأسيس إبراهيم وإسماعيل ﵉ عمد رجل منهم إلى حجر من الأساس الأول فرفعه وهو لا يدرى أنه من الأساس الأول، فأبصر القوم برقة تحت الحجر كادت تلتمع بصر الرجل، ونزا الحجر من يده فوقع في موضعه وفزع الرجل والبناة. فلما ستر الحجر عنهم ما تحته إلى مكانه عادوا إلى بنيانهم وقالوا لا تحركوا هذا الحجر ولا شيئا بحذائه. قال ابن إسحاق: وحدثت أن قريشا وجدوا في الركن كتابا بالسريانية فلم يعرفوا ما هو، حتى قرأه لهم رجل من يهود، فإذا هو أنا الله ذو بكة، خلقتها يوم خلقت السماوات والأرض، وصورت الشمس والقمر، وحففتها بسبعة أملاك حنفاء لا تزول حتى يزول أخشباها - قال ابن هشام يعنى جبلاها - مبارك لأهلها في الماء واللبن. قال ابن إسحاق: وحدثت أنهم وجدوا في المقام كتابا فيه: مكة الله الحرام، يأتيها رزقها من ثلاثة سبل، لا يحلها أول من أهلها. قال وزعم ليث بن أبى سليم أنهم وجدوا في الكعبة قبل مبعث النبي ﷺ بأربعين سنة - إن كان ما ذكر حقا - مكتوبا فيه: من يزرع خيرا يحصد غبطة، ومن يزرع شرا يحصد ندامة. يعملون السيئات ويجزون الحسنات؟ أجل كما يجتنى من الشوك العنب. وقال سعيد بن يحيى الأموي: حدثنا المعتمر بن سليمان الرقى عن عبد الله بن بشر الزهري - يرفع الحديث إلى النبي ﷺ قال: «وجد في المقام ثلاثة أصفح، في الصفح الأول: إني أنا الله

стр. 641

ذو بكة، صنعتها يوم صنعت الشمس والقمر وحففتها بسبعة أملاك حنفاء، وباركت لأهلها في اللحم واللبن وفي الصفح الثاني: إني أنا الله ذو بكة، خلقت الرحم وشققت لها من اسمى. فمن وصلها وصلته ومن قطعها بتته، وفي الصفح الثالث: إني أنا الله ذو بكة، خلقت الخير والشر وقدرته. فطوبى لمن أجريت الخير على يديه وويل لمن أجريت الشر على يديه. قال ابن إسحاق: ثم إن القبائل من قريش جمعت الحجارة لبنائها، كل قبيلة تجمع على حدة. ثم بنوها حتى بلغ البناء موضع الركن. فاختصموا فيه كل قبيلة تريد أن ترفعه إلى موضعه دون الأخرى. حتى تحاوروا أو تحالفوا، وأعدوا للقتال فقربت بنو عبد الدار جفنة مملوءة دما. ثم تعاقدوا هم وبنو عدي ابن كعب بن لؤيّ على الموت، وأدخلوا أيديهم في ذلك الدم في تلك الجفنة. فسموا لعقة الدم. فمكشت قريش على ذلك أربع ليال أو خمسا ثم انهم اجتمعوا في المسجد فتشاوروا وتناصفوا. فزعم بعض أهل الرواية أن أبا أمية بن المغيرة بن عبد الله بن عمرو بن مخزوم - وكان عامئذ أسن قريش كلها قال: يا معشر قريش اجعلوا بينكم فيما تختلفون فيه أول من يدخل من باب هذا المسجد يقضى بينكم فيه. ففعلوا. فكان أول داخل دخل رسول الله ﷺ . فلما رأوه قالوا: هذا الأمين رضينا، هذا محمد. فلما انتهى اليهم وأخبروه الخبر قال رسول الله ﷺ : «هلموا إلى ثوبا» فأتى به وأخذ الركن فوضعه فيه بيده ثم قال «لتأخذ كل قبيلة بناحية من الثوب. ثم ارفعوه جميعا» ففعلوا حتى إذا بلغوا به موضعه وضعه هو بيده ﷺ . ثم بنى عليه. وكانت قريش تسمى رسول الله ﷺ الأمين. وقال الامام أحمد: حدثنا عبد الصمد حدثنا ثابت - يعنى أبا يزيد - حدثنا هلال يعنى ابن حبان عن مجاهد عن مولاه - وهو السائب بن عبد الله - انه حدثه انه كان فيمن بنى الكعبة في الجاهلية قال: وكان لي حجر - انا نحته أعبده من دون الله - قال: وكنت أجيء باللبن الخاثر الّذي آنفه على نفسي فأصبه عليه فيجيء الكلب فيلحسه ثم يشغر فيبول عليه قال: فبنينا حتى بلغنا موضع الحجر ولا يرى الحجر أحد. فإذا هو وسط أحجارنا مثل رأس الرجل يكاد يترايا منه وجه الرجل. فقال بطن من قريش: نحن نضعه وقال آخرون نحن نضعه. فقالوا اجعلوا بينكم حكما. فقالوا أول رجل يطلع من الفج. فجاء رسول الله ﷺ فقالوا أتاكم الأمين. فقالوا له فوضعه في ثوب. ثم دعا بطونهم فرفعوا نواحيه فوضعه هو ﷺ . قال ابن إسحاق: وكانت الكعبة على عهد النبي ﷺ ثماني عشرة ذراعا وكانت تكسى القباطي. ثم كسيت بعد البرور. وأول من كساها الديباج الحجاج بن يوسف. قلت: وقد كانوا أخرجوا منها الحجر - وهو ستة أذرع أو سبعة أذرع من ناحية الشام - قصرت بهم النفقة أي لم يتمكنوا أن يبنوه على قواعد إبراهيم. وجعلوا للكعبة بابا واحدا من ناحية الشرق. وجعلوه

стр. 642

مرتفعا لئلا يدخل اليها كل أحد فيدخلوا من شاءوا ويمنعوا من شاءوا وقد ثبت في الصحيحين عن عائشة ﵂ ان رسول الله ﷺ قال لها: «ألم ترى أن قومك قصرت بهم النفقة. ولولا حدثان قومك بكفر لنقضت الكعبة وجعلت لها بابا شرقيا وبابا غربيا، وأدخلت فيها الحجر» ولهذا لما تمكن ابن الزبير بناها على ما أشار اليه رسول الله ﷺ وجاءت في غاية البهاء والحسن والسناء كاملة على قواعد الخليل. لها بابان ملتصقان بالأرض شرقيا وغربيا. يدخل الناس من هذا ويخرجون من الآخر. فلما قتل الحجاج ابن الزبير كتب الى عبد الملك بن مروان - وهو الخليفة يومئذ - فيما صنعه ابن الزبير واعتقدوا انه فعل ذلك من تلقاء نفسه. فامر بإعادتها الى ما كانت عليه فعمدوا الى الحائط الشامي فحصوه واخرجوا منه الحجر ورصوا حجارته في أرض الكعبة. فارتفع باباها وسدوا الغربي واستمر الشرقي على ما كان عليه فلما كان في زمن المهدي - أو ابنه المنصور - استشار مالكا في إعادتها على ما كان صنعه ابن الزبير. فقال مالك ﵀: إني اكره أن يتخذها الملوك ملعبة. فتركها على ما هي عليه. فهي الى الآن كذلك. وأما المسجد الحرام: فأول من أخر البيوت من حول الكعبة عمر بن الخطاب ﵁، اشتراها من أهلها وهدمها فلما كان عثمان اشترى دورا وزادها فيه. فلما ولى ابن الزبير أحكم بنيانه، وحسن جدرانه وأكثر أبوابه. ولم يوسعه شيئا آخر. فلما استبد بالأمر عبد الملك بن مروان زاد في ارتفاع جدرانه وامر بالكعبة فكسيت الديباج. وكان الّذي تولى ذلك بامره الحجاج بن يوسف. وقد ذكرنا قصة بناء البيت والأحاديث الواردة في ذلك في تفسير سورة البقرة عند قوله ﴿وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْراهِيمُ الْقَواعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْماعِيلُ﴾ وذكرنا ذلك مطولا مستقصى فمن شاء كتبه هاهنا ولله الحمد والمنة. قال ابن إسحاق: فلما فرغوا من البنيان وبنوها على ما أرادوا قال الزبير بن عبد المطّلب، فيما كان من أمر الحية التي كانت قريش تهاب بنيان الكعبة لها: عجبت لما تصوبت العقاب … الى الثعبان وهي لها اضطراب وقد كانت تكون لها كشيش … وأحيانا يكون لها وثاب إذا قمنا الى التأسيس شدت … تهيبنا البناء وقد نهاب فلما ان خشينا الزجر جاءت … عقاب تتلئب لها انصباب فضمتها اليها ثم خلت … لنا البنيان ليس لها حجاب فقمنا حاشدين الى بناء … لنا منه القواعد والتراب غداة يرفع التأسيس منه … وليس على مساوينا ثياب أعز به المليك بنى لؤيّ … فليس لأصله منهم ذهاب وقد حشدت هناك بنو عدي … ومرة قد تقدمها كلاب

стр. 643

فبوأنا المليك بذاك عزا … وعند الله يلتمس الثواب وقد قدمنا في فصل ما كان الله يحوط به رسول ﷺ من أقذار الجاهلية، أنه كان هو والعباس عمه ينقلان الحجارة، وأنه ﵊ لما وضع إزاره تحت الحجارة على كتفه نهى عن خلع إزاره فأعاده إلى سيرته الاولى. فصل وذكر ابن إسحاق ما كانت قريش ابتدعوه في تسميتهم الحمس، وهو الشدة في الدين والصلابة. وذلك لأنهم عظموا الحرم تعظيما زائدا بحيث التزموا بسببه أن لا يخرجوا منه ليلة عرفة. وكانوا يقولون نحن أبناء الحرم وقطان بيت الله. فكانوا لا يقفون بعرفات مع علمهم أنها من مشاعر إبراهيم ﵇، حتى لا يخرجوا عن نظام ما كانوا قرروه من البدعة الفاسدة. وكانوا لا يدخرون من اللبن أقطا ولا سمنا ولا يسلون شحما وهم حرم. ولا يدخلون بيتا من شعر ولا يستظلون ان استظلوا الا ببيت من أدم. وكانوا يمنعون الحجيج والعمار - ما داموا محرمين - أن يأكلوا إلا من طعام قريش، ولا يطوفوا الا في ثياب قريش، فان لم يجد أحد منهم ثوب أحد من الحمس وهم قريش وما ولدوا ومن دخل معهم من كنانة وخزاعة طاف عريانا ولو كانت امرأة ولهذا كانت المرأة إذا اتفق طوافها لذلك وضعت يدها على فرجها وتقول: اليوم يبدو بعضه أو كله … وبعد هذا اليوم لا أحله (١) فان تكرم أحد ممن يجد ثوب أحمسى فطاف في ثياب نفسه فعليه إذا فرغ من الطواف ان يلقيها فلا ينتفع بها بعد ذلك. وليس له ولا لغيره أن يمسها. وكانت العرب تسمى تلك الثياب اللقى قال بعض الشعراء: كفى حزنا كرى عليه كأنه … لقي بين أيدي الطائفين حريم قال ابن إسحاق: فكانوا كذلك حتى بعث الله محمدا ﷺ وأنزل عليه القرآن ردا عليهم فيما ابتدعوه فقال ﴿ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفاضَ النّاسُ﴾ أي جمهور العرب من عرفات ﴿وَاِسْتَغْفِرُوا اللهَ إِنَّ اللهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ وقد قدمنا أن رسول الله ﷺ كان يقف بعرفات قبل أن ينزل عليه توفيقا من الله له، وأنزل الله عليه ردا عليهم فيما كانوا حرموا من اللباس والطعام على الناس ﴿يا بَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ وَكُلُوا وَاِشْرَبُوا وَلا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ * قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبادِهِ وَالطَّيِّباتِ مِنَ الرِّزْقِ﴾ الآية. وقال زياد البكائي عن ابن إسحاق: ولا أدرى أكان ابتداعهم لذلك قبل الفيل أو بعده.

стр. 644

كتاب مبعث رسول الله ﷺ تسليما كثيرا. وذكر شيء من البشارات بذلك قال محمد بن إسحاق ﵀: وكانت الأحبار من اليهود والكهان من النصارى ومن العرب قد تحدثوا بأمر رسول الله ﷺ قبل مبعثه لما تقارب زمانه، أما الأحبار من اليهود والرهبان من النصارى فعما وجدوا في كتبهم من صفته وصفة زمانه وما كان من عهد أنبيائهم اليهم فيه. قال الله تعالى ﴿الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوباً عِنْدَهُمْ فِي التَّوْراةِ وَالْإِنْجِيلِ﴾ الآية وقال الله تعالى ﴿وَإِذْ قالَ عِيسَى اِبْنُ مَرْيَمَ يا بَنِي إِسْرائِيلَ إِنِّي رَسُولُ اللهِ إِلَيْكُمْ مُصَدِّقاً لِما بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْراةِ وَمُبَشِّراً بِرَسُولٍ يَأْتِي مِنْ بَعْدِي اِسْمُهُ أَحْمَدُ﴾. وقال الله تعالى ﴿مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدّاءُ عَلَى الْكُفّارِ رُحَماءُ بَيْنَهُمْ تَراهُمْ رُكَّعاً سُجَّداً يَبْتَغُونَ فَضْلاً مِنَ اللهِ وَرِضْواناً سِيماهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ ذلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْراةِ وَمَثَلُهُمْ فِي الْإِنْجِيلِ﴾ الآية (١). وقال الله تعالى ﴿وَإِذْ أَخَذَ اللهُ مِيثاقَ النَّبِيِّينَ لَما آتَيْتُكُمْ مِنْ كِتابٍ وَحِكْمَةٍ ثُمَّ جاءَكُمْ رَسُولٌ مُصَدِّقٌ لِما مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنْصُرُنَّهُ، قالَ أَأَقْرَرْتُمْ وَأَخَذْتُمْ عَلى ذلِكُمْ إِصْرِي؟ قالُوا أَقْرَرْنا قالَ فَاشْهَدُوا وَأَنَا مَعَكُمْ مِنَ الشّاهِدِينَ﴾ وفي صحيح البخاري عن ابن عباس قال: «ما بعث الله نبيا إلا أخذ عليه الميثاق لئن بعث محمد وهو حي ليؤمنن به ولينصرنه، وأمره أن يأخذ على أمته الميثاق لئن بعث محمد وهم أحياء ليؤمنن به ولينصرنه وليتبعنه». يعلم من هذا أن جميع الأنبياء بشروا وأمروا باتباعه. وقد قال إبراهيم ﵇ فيما دعا به لأهل مكة: ﴿رَبَّنا وَاِبْعَثْ فِيهِمْ رَسُولاً مِنْهُمْ يَتْلُوا عَلَيْهِمْ آياتِكَ﴾ الآية. وقال الامام أحمد: حدثنا أبو النضر حدثنا الفرج بن فضالة حدثنا لقمان بن عامر سمعت أبا أمامة قال قلت يا رسول الله، ما كان بدء أمرك؟ قال: «دعوة أبى إبراهيم، وبشرى عيسى، ورأت أمى أنه يخرج منها نور أضاءت له قصور الشام» وقد روى محمد بن إسحاق عن ثور بن يزيد عن خالد بن معدان عن أصحاب رسول الله ﷺ عنه مثله. ومعنى هذا أنه أراد بدء أمره بين الناس واشتهار ذكره وانتشاره فذكر دعوة إبراهيم الّذي تنسب اليه العرب، ثم بشرى عيسى الّذي هو خاتم أنبياء بنى إسرائيل كما تقدم. يدل هذا على أن من بينهما من الأنبياء بشروا به أيضا. أما في الملأ الأعلى فقد كان أمره مشهورا مذكورا معلوما من قبل خلق آدم ﵊ كما قال الامام أحمد حدثنا عبد الرحمن بن مهدي حدثنا معاوية بن صالح عن سعيد بن سويد الكلبي

стр. 645

عن عبد الأعلى بن هلال السلمي عن العرباض بن سارية. قال قال رسول الله ﷺ : «إني عبد الله خاتم النبيين، وانّ آدم لمنجدل في طينته، وسأنبئكم بأول ذلك، دعوة أبى إبراهيم، وبشارة عيسى بى ورؤيا أمى التي رأت، وكذلك أمهات المؤمنين». وقد رواه الليث عن معاوية بن صالح وقال: ان أمه رأت حين وضعته نورا أضاءت منه قصور الشام. وقال الامام احمد أيضا حدثنا عبد الرحمن حدثنا منصور بن سعد عن بديل بن ميسرة عن عبد الله بن شقيق عن ميسرة الفجر قال: قلت يا رسول الله، متى كنت نبيا؟ قال: «وآدم بين الروح والجسد» تفرد بهن احمد. وقد رواه عمر بن احمد بن شاهين في كتاب دلائل النبوة من حديث أبى هريرة فقال حدثنا عبد الله بن محمد بن عبد العزيز - يعنى أبا القاسم البغوي - حدثنا أبو همام الوليد بن مسلم عن الأوزاعي حدثني يحيى عن أبى سلمة عن أبى هريرة قال: سئل رسول الله ﷺ متى وجبت لك النبوة؟ قال: «بين خلق آدم ونفخ الروح فيه» ورواه من وجه آخر عن الأوزاعي به. وقال: «وآدم منجدل في طينته». وروى عن البغوي أيضا عن احمد بن المقدام عن بقية بن سعيد بن بشير عن قتادة عن أبى هريرة - مرفوعا - في قول الله تعالى ﴿وَإِذْ أَخَذْنا مِنَ النَّبِيِّينَ مِيثاقَهُمْ وَمِنْكَ وَمِنْ نُوحٍ﴾ قال رسول الله ﷺ : «كنت أول النبيين في الخلق وآخرهم في البعث» ومن حديث أبى مزاحم عن قيس بن الربيع عن جابر عن الشعبي عن ابن عباس قيل يا رسول الله متى كنت نبيا؟ قال: «وآدم بين الروح والجسد». وأما الكهان من العرب فاتتهم به الشياطين من الجن مما تسترق من السمع، إذ كانت وهي لا تحجب عن ذلك بالقذف بالنجوم، وكان الكاهن والكاهنة لا يزال يقع منهما بعض ذكر أموره ولا يلقى العرب لذلك فيه بالا. حتى بعثه الله تعالى، ووقعت تلك الأمور التي كانوا يذكرون فعرفوها، فلما تقارب أمر رسول الله ﷺ وحضر زمان مبعثه حجبت الشياطين عن السمع، وحيل بينها وبين المقاعد التي كانت تعقد لاستراق السمع فيها، فرموا بالنجوم فعرفت الشياطين أن ذلك لأمر حدث من أمر الله . قال وفي ذلك أنزل الله على رسوله ﷺ ﴿قُلْ أُوحِيَ إِلَيَّ أَنَّهُ اِسْتَمَعَ نَفَرٌ مِنَ الْجِنِّ فَقالُوا إِنّا سَمِعْنا قُرْآناً عَجَباً * يَهْدِي إِلَى الرُّشْدِ فَآمَنّا بِهِ وَلَنْ نُشْرِكَ بِرَبِّنا أَحَداً﴾ إلى آخر السورة. وقد ذكرنا تفسير ذلك كله في كتابنا التفسير، وكذا قوله تعالى ﴿وَإِذْ صَرَفْنا إِلَيْكَ نَفَراً مِنَ الْجِنِّ يَسْتَمِعُونَ الْقُرْآنَ، فَلَمّا حَضَرُوهُ قالُوا أَنْصِتُوا فَلَمّا قُضِيَ وَلَّوْا إِلى قَوْمِهِمْ مُنْذِرِينَ، * قالُوا يا قَوْمَنا إِنّا سَمِعْنا كِتاباً أُنْزِلَ مِنْ بَعْدِ مُوسى مُصَدِّقاً لِما بَيْنَ يَدَيْهِ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ وَإِلى طَرِيقٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ الآيات، ذكرنا تفسير ذلك كله هناك. قال محمد بن إسحاق: حدثني يعقوب بن عتبة بن المغيرة بن الأخنس أنه حدث أن أول العرب فزع للرمي بالنجوم حين رمى بها - هذا الحي من ثقيف - وإنهم جاءوا إلى رجل منهم يقال له عمرو بن أمية

стр. 646

أحد بنى علاج وكان أدهى العرب وأمكرها، فقالوا له يا عمرو ألم تر ما حدث في السماء من القذف بهذه النجوم؟ قال بلى، فانظروا فأن كانت معالم النجوم التي يهتدى بها في البر والبحر ويعرف بها الأنواء من الصيف والشتاء، لما يصلح الناس في معايشهم هي التي يرمى بها، فهو والله طى الدنيا، وهلاك هذا الخلق وإن كانت نجوما غيرها وهي ثابتة على حالها فهذا لأمر أراد الله به هذا الخلق فما هو؟. قال ابن إسحاق: وحدثني بعض أهل العلم أن امرأة من بنى سهم - يقال لها الغيطلة - كانت كاهنة في الجاهلية جاءها صاحبها ليلة من الليالي فانقض تحتها، ثم قال: أدر ما أدر، يوم عقر ونحر، قالت قريش حين بلغها ذلك ما يريد؟ ثم جاءها ليلة أخرى فانقض تحتها ثم قال: شعوب ما شعوب؟ تصرع فيه كعب الجنوب. فلما بلغ ذلك قريشا قالوا ماذا يريد؟ إن هذا لأمر هو كائن فانظروا ما هو، فما عرفوه حتى كانت وقعة بدر وأحد بالشعب فعرفوا أنه كان الّذي جاء به إلى صاحبته. قال ابن إسحاق: وحدثني على بن نافع الجرشى أن جنبا - بطنا من اليمن - كان لهم كاهن في الجاهلية، فلما ذكر أمر رسول الله ﷺ وانتشر في العرب، قالت له جنب انظر لنا في أمر هذا الرجل واجتمعوا له في أسفل جبله. فنزل اليهم حين طلعت الشمس فوقف لهم قائما متكئا على قوس له، فرفع رأسه إلى السماء طويلا، ثم جعل ينزو، ثم قال: أيها الناس إن الله أكرم محمدا واصطفاه وطهر قلبه وحشاه ومكثه فيكم أيها الناس قليل. ثم اشتد في جبله راجعا من حيث جاء، ثم ذكر ابن إسحاق قصة سواد بن قارب وقد أخرناها إلى هواتف الجان. فصل قال ابن إسحاق: وحدثني عاصم بن عمر بن قتادة عن رجال من قومه قالوا إن مما دعانا إلى الإسلام - مع رحمة الله تعالى وهداه لنا - أن كنا نسمع من رجل من يهود - وكنا أهل شرك أصحاب أوثان، وكانوا أهل كتاب عندهم علم ليس لنا، وكانت لا يزال بيننا وبينهم شرور فإذا نلنا منهم بعض ما يكرهون قالوا لنا إنه قد تقارب زمان نبي يبعث الآن نقتلكم معه قتل عاد وإرم، فكنا كثيرا ما نسمع ذلك منهم فلما بعث الله رسول الله ﷺ أجبناه حين دعانا إلى الله، وعرفنا ما كانوا يتوعدوننا به. فبادرناهم اليه، فآمنا به وكفروا به. ففينا وفيهم نزلت هذه الآية. ﴿وَلَمّا جاءَهُمْ كِتابٌ مِنْ عِنْدِ اللهِ مُصَدِّقٌ لِما مَعَهُمْ وَكانُوا مِنْ قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا فَلَمّا جاءَهُمْ ما عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ فَلَعْنَةُ اللهِ عَلَى الْكافِرِينَ﴾. وقال ورقاء عن ابن أبى نجيح عن على الأزدي: كانت اليهود تقول اللهمّ ابعث لنا هذا النبي يحكم بيننا وبين الناس يستفتحون به - أي يستنصرون به - رواه البيهقي. ثم روى من طريق عبد الملك ابن هارون بن عنبرة عن أبيه عن جده عن سعيد بن جبير عن ابن عباس. قال: كانت اليهود بخيبر

стр. 647

تقاتل غطفان فكلما التقوا هزمت يهود خيبر، فعاذت اليهود بهذا الدعاء فقالوا: اللهمّ نسألك بحق محمد النبي الأمي الّذي وعدتنا أن تخرجه في آخر الزمان إلا نصرتنا عليهم، قال فكانوا إذا التقوا دعوا بهذا الدعاء فهزموا غطفان، فلما بعث النبي ﷺ كفروا به. فانزل الله ﴿وَكانُوا مِنْ قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ الآية. وروى عطية عن ابن عباس نحوه. وروى عن عكرمة من قوله نحو ذلك أيضا. وقال ابن إسحاق: وحدثني صالح بن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف عن محمود بن لبيد عن سلمة بن سلام بن وقش - وكان من أهل بدر - قال كان لنا جار من يهود في بنى عبد الأشهل، قال فخرج علينا يوما من بيته حتى وقف على بنى عبد الأشهل. قال سلمة وأنا يومئذ أحدث من فيه سنا على فروة لي مضطجع فيها بفناء أهلي، فذكر القيامة والبعث والحساب والميزان والجنة والنار. قال فقال ذلك لقوم أهل شرك أصحاب أوثان لا يرون أن بعثا كائن بعد الموت، فقالوا له ويحك يا فلان أو ترى هذا كائنا؟ إن الناس يبعثون بعد موتهم الى دار فيها جنة ونار يجزون فيها بأعمالهم؟ قال نعم، والّذي يحلف به ويود أن له تحطة من تلك النار أعظم تنور في الدار يحمونه ثم يدخلونه إياه فيطبقونه عليه وأن ينجون من تلك النار غدا قالوا له ويحك يا فلان فما آية ذلك؟ قال نبي مبعوث من نحو هذه البلاد. وأشار بيده الى نحو مكة واليمن قالوا ومتى نراه؟ قال - فنظر الى وأنا من أحدثهم سنا - فقال أن يستنفد هذا الغلام عمره يدركه. قال سلمة فو الله ما ذهب الليل والنهار حتى بعث الله رسوله ﷺ وهو حي بين أظهرنا، فآمنا به وكفر به بغيا وحسدا. قال فقلنا له ويحك يا فلان ألست بالذي قلت لنا فيه ما قلت؟ قال بلى ولكن ليس به. رواه احمد عن يعقوب عن أبيه عن ابن عباس. ورواه البيهقي عن الحاكم باسناده من طريق يونس بن بكير. وروى أبو نعيم في الدلائل عن عاصم بن عمر بن قتادة عن محمود بن لبيد عن محمد بن سلمة قال: لم يكن في بنى عبد الأشهل الا يهودي واحد يقال له يوشع، فسمعته يقول - وإني لغلام في إزار - قد أظلكم خروج نبي يبعث من نحو هذا البيت. ثم أشار بيده الى بيت الله، فمن أدركه فليصدقه. فبعث رسول الله ﷺ فأسلمنا وهو بين أظهرنا لم يسلم حسدا وبغيا. وقد قدمنا حديث ابى سعيد عن أبيه في اخبار يوشع هذا عن خروج رسول الله ﷺ وصفته ونعته واخبار الزبير بن باطا عن ظهور كوكب مولد رسول الله ﷺ ورواه الحاكم عن البيهقي باسناده من طريق يونس بن بكير عنه. قال ابن إسحاق: حدثني عاصم بن عمر بن قتادة عن شيخ من بنى قريظة قال قال لي: هل تدري عم كان إسلام ثعلبة بن سعية وأسيد بن سعية، وأسد بن عبيد - نفر من بنى هدل، اخوة بنى قريظة كانوا معهم في جاهليتهم، ثم كانوا سادتهم في الإسلام - قال قلت لا، قال فان رجلا من اليهود من ارض

стр. 648

الشام يقال له ابن الهيبان قدم علينا قبل الإسلام بسنين فحل بين أظهرنا لا والله ما رأينا رجلا قط لا يصلى الخمس أفضل منه، فأقام عندنا فكنا إذا قحط عنا المطر قلنا له اخرج يا ابن الهيبان فاستسق لنا، فيقول لا والله حتى تقدموا بين يدي مخرجكم صدقة، فنقول له كم؟ فيقول صاعا من تمر، أو مدين من شعير. قال فنخرجها، ثم يخرج بنا الى ظاهر حرثنا فيستسقي لنا، فو الله ما يبرح مجلسه حتى يمر السحاب ويسقى. قد فعل ذلك غير مرة ولا مرتين ولا ثلاثا. قال ثم حضرته الوفاة عندنا، فلما عرف أنه ميت قال يا معشر يهود ما ترونه أخرجني من أرض الخمر والخمير الى أرض البؤس والجوع؟ قال قلنا أنت أعلم قال فانى إنما قدمت هذه البلدة أتوكف خروج نبي قد أظل زمانه، هذه البلدة مهاجرة فكنت أرجو ان يبعث فاتبعه، وقد أظلكم زمانه فلا تسبقن اليه يا معشر يهود، فإنه يبعث بسفك الدماء وسبى الذراري فيمن خالفه فلا يمنعنكم ذلك منه: فلما بعث رسول الله ﷺ وحاصر بنى قريظة قال هؤلاء الفتية - وكانوا شبابا أحداثا -: يا بنى قريظة والله إنه للنّبيّ الّذي عهد إليكم فيه ابن الهيبان. قالوا ليس به قالوا بلى والله إنه لهو بصفته. فنزلوا فأسلموا فاحرزوا دماءهم وأموالهم وأهليهم. قال ابن إسحاق فهذا ما بلغنا عن أحبار يهود قلت: وقد قدمنا في قدوم تبع اليماني وهو أبو كرب تبان أسعد إلى المدينة ومحاصرته إياها وانه خرج اليه ذانك الحبران من اليهود فقالا له إنه لا سبيل لك عليها، أنها مهاجر بنى يكون في آخر الزمان فثناه ذلك عنها. وقد روى أبو نعيم في الدلائل من طريق الوليد بن مسلم حدثنا محمد بن حمزة بن يوسف بن عبد الله بن سلام عن أبيه عن جده. قال قال عبد الله بن سلام: ان الله لما أراد هدى زيد ابن سعية قال زيد لم يبق شيء من علامات النبوة إلا وقد عرفتها في وجه محمد ﷺ ، حين نظرت اليه إلا اثنتين لم أخبرهما منه: يسبق حلمه جهله، ولا يزيده شدة الجهل عليه إلا حلما. قال فكنت أتلطف له لأن أخالطه فاعرف حلمه وجهله، فذكر قصة إسلافه للنّبيّ ﷺ مالا في ثمرة، قال فلما حل الأجل أتيته فأخذت بمجامع قميصه وردائه - وهو في جنازة مع أصحابه - ونظرت اليه بوجه غليظ، وقلت: يا محمد ألا تقضيني حقي؟ فو الله ما علمتكم بنى عبد المطلب لمطل، قال فنظر إلى عمر وعيناه يدوران في وجهه كالفلك المستدير. ثم قال يا عدو الله أتقول لرسول الله ﷺ ما أسمع، وتفعل ما أرى؟ فو الّذي بعثه بالحق لولا ما أحاذر لومه لضربت بسيفي رأسك، ورسول الله ﷺ ينظر إلى عمر في سكون وتؤدة وتبسم. ثم قال: «أنا وهو كنا أحوج إلى غير هذا منك يا عمر، أن تأمرنى بحسن الأداء، وتأمره بحسن التباعة، اذهب به يا عمر فاقضه حقه. وزد عشرين صاعا من تمر» فأسلم زيد بن سعية ﵁. وشهد بقية المشاهد مع رسول الله ﷺ ، وتوفى عام تبوك ﵀. ثم ذكر ابن إسحاق ﵀: إسلام سلمان الفارسي ﵁ وأرضاه فقال حدثني عاصم بن

стр. 649

عمر بن قتادة الأنصاري عن محمود بن لبيد عن عبد الله بن عباس. قال حدثني سلمان الفارسي - من فيه - قال كنت رجلا فارسيا من أهل أصبهان من أهل قرية يقال لها جى وكان أبى دهقان قريته وكنت أحب خلق الله اليه، فلم يزل حبه إياي حتى حبسني في بيته كما تحبس الجارية، واجتهدت في المجوسية، حتى كنت قطن النار التي يوقدها لا يتركها تخبو ساعة قال وكانت لأبى ضيعة عظيمة، قال فشغل في بنيان له يوما فقال لي يا بنى إني قد شغلت في بنياني هذا اليوم عن ضيعتي، فاذهب اليها فاطلعها، وأمرنى فيها ببعض ما يريد. ثم قال لي ولا تحتبس عنى فإنك إن احتبست عنى كنت أهم إلى من ضيعتي وشغلتني عن كل شيء من أمرى. قال فخرجت أريد ضيعته التي بعثني اليها فمررت بكنيسة من كنائس النصارى فسمعت أصواتهم فيها وهم يصلون. وكنت لا أدرى ما أمر الناس لحبس أبى إياي في بيته، فلما سمعت أصواتهم دخلت عليهم انظر ما يصنعون فلما رأيتهم أعجبتنى صلاتهم ورغبت في أمرهم. وقلت هذا والله خير من الدين الّذي نحن عليه، فو الله ما برحتهم حتى غربت الشمس وتركت ضيعة أبى فلم آتها. ثم قلت لهم أين أصل هذا الدين؟ قالوا بالشام، فرجعت إلى أبى وقد بعث في طلبى وشغلته عن أمره كله. فلما جئت قال أي بنى أين كنت ألم أكن أعهد إليك ما عهدته؟ قال قلت يا أبة مررت بأناس يصلون في كنيسة لهم فأعجبني ما رأيت من دينهم فو الله ما زلت عندهم حتى غربت الشمس قال أي بنى، ليس في ذلك الدين خير، دينك ودين آبائك خير منه. قال قلت كلا والله إنه لخير من ديننا. قال فخافني فجعل في رجلي قيدا ثم حبسني في بيته. قال وبعثت إلى النصارى فقلت لهم: إذا قدم عليكم ركب من الشام فأخبروني بهم. قال فقدم عليهم ركب من الشام فجاءوني النصارى فأخبروني بهم. فقلت إذا قضوا حوائجهم وأرادوا الرجعة إلى بلادهم فآذنونى قال فلما أرادوا الرجعة إلى بلادهم أخبرونى بهم فألقيت الحديد من رجلي ثم خرجت معهم حتى قدمت الشام، فلما قدمتها قلت من أفضل أهل هذا الدين علما؟ قالوا الأسقف في الكنيسة. قال فجئته فقلت له إني قد رغبت في هذا الدين وأحببت أن أكون معك وأخدمك في كنيستك وأتعلم منك فأصلى معك. قال ادخل فدخلت معه فكان رجل سوء يأمرهم بالصدقة ويرغبهم فيها، فإذا جمعوا له شيئا كنزه لنفسه ولم يعطه المساكين حتى جمع سبع قلال من ذهب وورق، قال وأبغضته بغضا شديدا لما رأيته يصنع. ثم مات واجتمعت له النصارى ليدفنوه. فقلت لهم إن هذا كان رجل سوء يأمركم بالصدقة ويرغبكم فيها فإذا جئتموه بها كنزها لنفسه ولم يعط المساكين منها شيئا. قال فقالوا لي وما علمك بذلك؟ قال فقلت لهم انا أدلكم على كنزه، قالوا فدلنا. قال فأريتهم موضعه فاستخرجوا سبع قلال مملوءة ذهبا وورقا، فلما رأوها قالوا لا ندفنه أبدا قال فصلبوه ورجموه بالحجارة. وجاءوا برجل آخر فوضعوه مكانه. قال سلمان فما رأيت رجلا لا يصلى الخمس أرى أنه أفضل منه أزهد في الدنيا ولا أرغب في الاخرة ولا أدأب ليلا ونهارا. قال فأحببته حبا

стр. 650

لم أحب شيئا قبله مثله. قال فأقمت معه زمانا ثم حضرته الوفاة فقلت له إني قد كنت معك وأحببتك حبا لم أحبه شيئا قبلك وقد حضرك ما ترى من أمر الله تعالى فإلى من توصي بى؟ وبم تأمرنى به؟ قال أي بنى والله ما أعلم اليوم أحدا على ما كنت عليه. لقد هلك الناس وبدلوا وتركوا أكثر ما كانوا عليه الا رجلا بالموصل وهو فلان وهو على ما كنت عليه فالحق به. قال فلما مات وغيب لحقت بصاحب الموصل. فقلت يا فلان إن فلانا أوصاني عند موته أن ألحق بك وأخبرنى أنك على أمره، فقال لي أقم عندي. فأقمت عنده فوجدته خير رجل على أمر صاحبه فلم يلبث أن مات فلما حضرته الوفاة قلت له يا فلان إن فلانا أوصى بى إليك وأمرنى باللحوق بك وقد حضرك من أمر الله ما ترى فإلى من توصي بى وبم تأمرنى؟ قال يا بنى والله ما أعلم رجلا على مثل ما كنا عليه الا رجلا بنصيبين وهو فلان فالحق به، فلما مات وغيب لحقت بصاحب نصيبين فأخبرته خبري وما أمرنى به صاحباي. فقال أقم عندي فأقمت عنده. فوجدته على أمر صاحبيه فأقمت مع خير رجل، فو الله ما لبث أن نزل به الموت فلما حضر قلت له يا فلان ان فلانا كان أوصى بى الى فلان ثم أوصى بى فلان الى فلان ثم أوصى بى فلان إليك فإلى من توصي بى وبم تأمرنى؟ قال يا بنى والله ما أعلمه بقي أحد على أمرنا آمرك ان تأتيه الا رجل بعمورية من أرض الروم فإنه على مثل ما نحن عليه. فان أحببت فائته فإنه على أمرنا. فلما مات وغيب لحقت بصاحب عمّورية فأخبرته خبري فقال أقم عندي فأقمت عند خير رجل على هدى أصحابه وأمرهم. قال واكتسبت حتى كانت لي بقرات وغنيمة، قال ثم نزل به أمر الله فلما حضر قلت له يا فلان انى كنت مع فلان فاوصى بى الى فلان ثم أوصى بى فلان الى فلان ثم أوصى بى فلان الى فلان. ثم أوصى بى فلان إليك فإلى من توصي بى وبم تأمرنى؟ قال أي بنى، والله ما أعلم أصبح أحد على مثل ما كنا عليه من الناس آمرك ان تأتيه، ولكنه قد أظل زمان نبي مبعوث بدين إبراهيم يخرج بأرض العرب مهاجره الى الأرض بين حرتين بينهما نخل به علامات لا تخفى يأكل الهدية ولا يأكل الصدقة بين كتفيه خاتم النبوة فان استطعت أن تلحق بتلك البلاد فافعل. قال ثم مات وغيب ومكثت بعمورية ما شاء الله أن أمكث. ثم مر بى نفر من كلب تجار فقلت لهم احملوني الى أرض العرب وأعطيكم بقراتي هذه وغنيمتي هذه قالوا نعم فاعطيتهموها وحملونى معهم حتى إذا بلغوا وادي القرى ظلموني فباعونى من رجل يهودي عبدا، فكنت عنده ورأيت النخل فرجوت أن يكون البلد الّذي وصف لي صاحبي، ولم يحق في نفسي. فبينا أنا عنده إذ قدم عليه ابن عم له من بنى قريظة من المدينة، فابتاعني منه فاحتملني الى المدينة، فو الله ما هو الا ان رأيتها فعرفتها بصفة صاحبي لها، فأقمت بها وبعث رسول الله ﷺ فأقام بمكة ما أقام ولا أسمع له بذكر مما أنا فيه من شغل الرق، ثم هاجر الى المدينة فو الله انى لفي رأس عذق لسيدي أعمل فيه بعض العمل. وسيدي جالس تحتى إذ أقبل ابن عم له حتى وقف عليه فقال يا فلان قاتل الله بنى قيلة. والله إنهم لمجتمعون الآن بقباء على

стр. 651

رجل قدم من مكة اليوم يزعمون أنه نبي. قال سلمان فلما سمعتها أخذتني الرعدة حتى ظننت انى ساقط على سيدي فنزلت عن النخلة، فجعلت أقول لابن عمه ماذا تقول؟ ماذا تقول؟ قال فغضب سيدي فلكمني لكمة شديدة. ثم قال مالك ولهذا؟ أقبل على عملك، قال فقلت لا شيء إنما أردت أن أستثبته عما قال. قال وقد كان عندي شيء قد جمعته فلما أمسيت أخذته. ثم ذهبت به إلى رسول الله ﷺ وهو بقباء - فدخلت عليه فقلت له إنه قد بلغني أنك رجل صالح ومعك أصحاب لك غرباء ذوو حاجة وهذا شيء كان عندي للصدقة، فرأيتكم أحق به من غيركم. قال فقربته اليه فقال رسول الله ﷺ لأصحابه «كلوا» وأمسك يده فلم يأكل، فقلت في نفسي هذه واحدة ثم انصرفت عنه فجمعت شيئا وتحول رسول الله ﷺ إلى المدينة. ثم جئته فقلت له إني قد رأيتك لا تأكل الصدقة وهذه هدية أكرمتك بها. قال فأكل رسول الله ﷺ منها وأمر أصحابه فأكلوا معه، قال فقلت في نفسي هاتان ثنتان. قال ثم جئت رسول الله ﷺ وهو ببقيع الغرقد قد تبع جنازة رجل من أصحابه وعليه شملتان وهو جالس في أصحابه فسلمت عليه. ثم استدبرته انظر إلى ظهره، هل أرى الخاتم الّذي وصف لي صاحبي؟ فلما رآني رسول الله ﷺ استدبرته عرف أنى أستثبت في شيء وصف لي. فألقى رداءه عن ظهره فنظرت الى الخاتم فعرفته، فأكببت عليه أقبله وأبكى فقال لي رسول الله ﷺ : «تحول» فتحولت بين يديه، فقصصت عليه حديثي كما حدثتك يا ابن عباس. فأعجب رسول الله ﷺ أن يسمع ذاك أصحابه. ثم شغل سلمان الرق حتى فاته مع رسول الله ﷺ بدر وأحد. قال سلمان: ثم قال لي رسول الله ﷺ «كاتب يا سلمان» فكاتبت صاحبي على ثلاثمائة نخلة أحييها له بالفقير (١) وأربعين أوقية. فقال رسول الله ﷺ ، لأصحابه «أعينوا أخاكم» فأعانوني في النخل: الرجل بثلاثين ودية، والرجل بعشرين ودية، والرجل بخمس عشرة ودية والرجل بعشرة. يعين الرجل بقدر ما عنده حتى اجتمعت لي ثلاثمائة ودية. فقال لي رسول الله ﷺ «اذهب يا سلمان ففقر لها، فإذا فرغت فائتنى أكن أنا أضعها بيدي». قال: ففقرت، وأعاننى أصحابى، حتى إذا فرغت جئته فأخبرته. فخرج رسول الله ﷺ معى اليها. فجعلنا نقرب اليه الودي، ويضعه رسول الله ﷺ بيده حتى إذا فرغنا فو الّذي نفس سلمان بيده ما ماتت منها ودية واحدة. فأديت النخل وبقي على المال. فأتى رسول الله ﷺ بمثل بيضة الدجاجة من ذهب من بعض المعادن. فقال «ما فعل الفارسي المكاتب؟» قال فدعيت له قال «خذ هذه فأدها مما عليك يا سلمان» قال قلت: وأين تقع هذه مما على يا رسول الله؟ قال «خذها فان الله سيؤدي بها عنك» قال فأخذتها فوزنت لهم منها - والّذي نفس سلمان بيده - أربعين أوقية، فأوفيتهم حقهم وعتق سلمان. فشهدت مع رسول الله ﷺ الخندق حرا ثم لم يفتنى معه مشهد.

стр. 652

قال ابن إسحاق: وحدثني يزيد بن أبى حبيب عن رجل من عبد القيس عن سلمان أنه قال لما قلت وأين تقع هذه من الّذي على يا رسول الله؟ أخذها رسول الله ﷺ فقلبها على لسانه، ثم قال: «خذها فأوفهم منها» فأخذتها فاوفيتهم منها حقهم كله أربعين أوقية. وقال محمد بن إسحاق: حدثني عاصم بن عمر بن قتادة حدثني من لا أتهم عن عمر بن عبد العزيز ابن مروان قال حدثت عن سلمان انه قال لرسول الله ﷺ حين أخبره أن صاحب عمّورية قال له: ايت كذا وكذا من أرض الشام، فان بها رجلا بين غيضتين يخرج كل سنة من هذه الغيضة مستجيزا يعترضه ذوو الأسقام فلا يدعو لأحد منهم إلا شفى فاسأله عن هذا الدين الّذي تبتغي فهو يخبرك عنه. قال سلمان فخرجت حتى جئت حيث وصف لي فوجدت الناس قد اجتمعوا بمرضاهم هناك حتى يخرج لهم تلك الليلة مستجيزا من احدى الغيضتين الى الأخرى. فغشيه الناس بمرضاهم لا يدعو لمريض الا شفى وغلبوني عليه فلم أخلص اليه حتى دخل الغيضة التي يريد ان يدخل الا منكبه. قال فتناولته فقال من هذا؟ والتفت الى قال قلت يرحمك الله أخبرنى عن الحنيفية دين إبراهيم، قال انك لتسأل عن شيء ما يسأل عنه الناس اليوم، قد أظلك زمان نبي يبعث بهذا الدين من أهل الحرم، فأته فهو يحملك عليه. ثم دخل فقال رسول الله ﷺ لسلمان: «لئن كنت صدقتني يا سلمان لقد لقيت عيسى بن مريم» هكذا وقع في هذه الرواية. وفيها رجل مبهم وهو شيخ عاصم بن عمر بن قتادة. وقد قيل إنه الحسن ابن عمارة ثم هو منقطع بل معضل بين عمر بن عبد العزيز وسلمان ﵁. قوله لئن كنت صدقتني يا سلمان لقد لقيت عيسى بن مريم غريب جدا بل منكر. فان الفترة أقل ما قيل فيها انها أربعمائة سنة، وقيل ستمائة سنة بالشّمسية، وسلمان أكثر ما قيل انه عاش ثلاثمائة سنة وخمسين سنة. وحكى العباس ابن يزيد البحراني اجماع مشايخه على أنه عاش مائتين وخمسين سنة. واختلفوا فيما زاد الى ثلاثمائة وخمسين سنة والله أعلم. والظاهر أنه قال لقد لقيت وصى عيسى بن مريم فهذا ممكن بالصواب. وقال السهيليّ: الرجل المبهم هو الحسن بن عمارة وهو ضعيف وإن صح لم يكن فيه نكارة. لان ابن جرير ذكر أن المسيح نزل من السماء بعد ما رفع فوجد أمه وامرأة أخرى يبكيان عند جذع المصلوب فأخبرهما أنه لم يقتل وبعث الحواريين بعد ذلك. قال وإذا جاز نزوله مرة جاز نزوله مرارا ثم يكون نزوله الظاهر حين يكسر الصليب ويقتل الخنزير ويتزوج حينئذ امرأة من بنى جذام وإذا مات دفن في حجرة روضة رسول الله ﷺ . وقد روى البيهقي في كتاب دلائل النبوة قصة سلمان هذه من طريق يونس بن بكير عن محمد بن إسحاق كما تقدم ورواها أيضا عن الحاكم عن الأصم عن يحيى بن أبى طالب. حدثنا على بن عاصم حدثنا حاتم بن أبى صفرة عن سماك بن حرب عن يزيد بن صوحان أنه سمع سلمان يحدث كيف كان أول

стр. 653

إسلامه. فذكر قصة طويلة وذكر أنه كان من رامهرمز وكان له أخ أكبر منه غنى وكان سلمان فقيرا في كنف أخيه، وأن ابن دهقانها كان صاحبا له وكان يختلف معه إلى معلم لهم وأنه كان يختلف ذلك الغلام إلى عباد من النصارى في كهف لهم فسأله سلمان أن يذهب به معه اليهم فقال له إنك غلام وأخشى أن تنم عليهم فيقتلهم أبى، فالتزم له أن لا يكون منه شيء يكرهه فذهب به معه فإذا هم ستة - أو سبعة - كأن الروح قد خرجت منهم من العبادة يصومون النهار ويقومون الليل يأكلون الشجر وما وجدوا فذكر عنهم أنهم يؤمنون بالرسل المتقدمين وأن عيسى عبد الله ورسوله وابن أمته أيده بالمعجزات. وقالوا له يا غلام إن لك ربا وإن لك معادا وإن بين يديك جنة ونارا وإن هؤلاء القوم الذين يعبدون النيران أهل كفر وضلالة لا يرضى الله بما يصنعون وليسوا على دينه. ثم جعل يتردد مع ذلك الغلام اليهم ثم لزمهم سلمان بالكلية ثم أجلاهم ملك تلك البلاد وهو أبو ذلك الغلام الّذي صحبه سلمان اليهم عن أرضه واحتبس الملك ابنه عنده وعرض سلمان دينهم على أخيه الّذي هو أكبر منه فقال إني مشتغل بنفسي في طلب المعيشة فارتحل معهم سلمان حتى دخلوا كنيسة الموصل فسلم عليهم أهلها ثم أرادوا أن يتركوني عندهم فأبيت الا صحبتهم فخرجوا حتى أتوا واديا بين جبال فتحدر اليهم رهبان تلك الناحية يسلمون عليهم واجتمعوا اليهم وجعلوا يسألونهم عن غيبتهم عنهم ويسألونهم عنى فيثنون على خيرا، وجاء رجل معظم فيهم فخطبهم فأثنى على الله بما هو أهله وذكر الرسل وما أيدوا به وذكر عيسى بن مريم وأنه كان عبد الله ورسوله وأمرهم بالخير ونهاهم عن الشر، ثم لما أرادوا الانصراف تبعه سلمان ولزمه قال فكان يصوم النهار ويقوم الليل من الأحد إلى الأحد فيخرج اليهم ويعظهم ويأمرهم وينهاهم فمكث على ذلك مدة طويلة، ثم أراد أن يزور بيت المقدس فصحبه سلمان اليه قال فكان فيما يمشى يلتفت الى ويقبل على فيعظنى ويخبرني أن لي ربا وأن بين يدي جنة ونارا وحسابا ويعلمني ويذكرني نحو ما كان يذكر القوم يوم الأحد قال فيما يقول لي: يا سلمان إن الله سوف يبعث رسولا اسمه احمد يخرج من تهامة يأكل الهدية ولا يأكل الصدقة بين كتفيه خاتم [النبوة] وهذا زمانه الّذي يخرج فيه قد تقارب فاما أنا فانى شيخ كبير ولا أحسبنى أدركه فان أدركته أنت فصدقه واتبعه، قلت له وإن أمرنى بترك دينك وما أنت عليه قال وإن أمرك فان الحق فيما يجيئ به ورضى الرحمن فيما قال. ثم ذكر قدومهما إلى بيت المقدس وأن صاحبه صلّى فيه هاهنا وهاهنا ثم نام وقد أوصاه أنه إذا بلغ الظل مكان كذا أن يوقظه فتركه سلمان حينا آخر أزيد مما قال ليستريح، فلما استيقظ ذكر الله ولام سلمان على ترك ما أمره من ذلك ثم خرجا من بيت المقدس فسأله مقعد فقال يا عبد الله سألتك حين وصلت فلم تعطني شيئا وها أنا أسألك فنظر فلم يجد أحدا فأخذ بيده وقال قم بسم الله فقام وليس به بأس ولا قلبة (١) كأنما نشط من عقال. فقال لي يا عبد الله

стр. 654

احمل على متاعي حتى أذهب إلى أهلي فأبشرهم، فاشتغلت به ثم أدركت الرجل فلم ألحقه ولم أدر أين ذهب وكلما سألت عنه قوما قالوا أمامك حتى لقيني ركب من العرب من بنى كلب فسألتهم فلما سمعوا لغتى أناخ رجل منهم بعيره فحملني خلفه حتى أتوا بى بلادهم. فباعونى فاشترتنى امرأة من الأنصار فجعلتني في حائط لها وقدم رسول الله ﷺ . ثم ذكر ذهابه اليه بالصدقة والهدية ليستعلم ما قال صاحبه، ثم تطلب النظر إلى خاتم النبوة فلما رآه آمن من ساعته. وأخبر رسول الله ﷺ خبره الّذي جرى له. قال فأمر رسول الله ﷺ أبا بكر الصديق فاشتراه من سيدته فأعتقه، قال ثم سألته يوما عن دين النصارى فقال: لا خير فيهم. قال فوقع في نفسي من أولئك الذين صحبتهم ومن ذلك الرجل الصالح الّذي كان معى ببيت المقدس فدخلني من ذلك أمر عظيم حتى أنزل الله على رسول الله ﷺ ﴿لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ النّاسِ عَداوَةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الْيَهُودَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا، وَلَتَجِدَنَّ أَقْرَبَهُمْ مَوَدَّةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ قالُوا إِنّا نَصارى ذلِكَ بِأَنَّ مِنْهُمْ قِسِّيسِينَ وَرُهْباناً وَأَنَّهُمْ لا يَسْتَكْبِرُونَ﴾ فدعاني رسول الله ﷺ فجئت وأنا خائف فجلست بين يديه فقرأ بسم الله الرحمن الرحيم ﴿ذلِكَ بِأَنَّ مِنْهُمْ قِسِّيسِينَ وَرُهْباناً وَأَنَّهُمْ لا يَسْتَكْبِرُونَ﴾ الآيات. ثم قال «يا سلمان أولئك الذين كنت معهم وصاحبك لم يكونوا نصارى كانوا مسلمين» فقلت يا رسول الله والّذي بعثك بالحق لهو أمرنى باتباعك. فقلت له فان أمرنى بترك دينك وما أنت عليه؟ قال نعم فأتركه فان الحق وما يرضى الله فيما يأمرك. وفي هذا السياق غرابة كثيرة وفيه بعض المخالفة لسياق محمد بن إسحاق وطريق محمد بن إسحاق أقوى إسنادا وأحسن اقتصاصا وأقرب إلى ما رواه البخاري في صحيحه من حديث معتمر بن سليمان بن طرخان التيمي عن أبيه عن أبى عثمان النهدي عن سلمان الفارسي أنه تداوله بضعة عشر، من رب إلى رب، أي من معلم إلى معلم ومرب إلى مثله والله أعلم. قال السهيليّ: تداوله ثلاثون سيدا من سيد إلى سيد، فالله أعلم. وكذلك استقصى قصة إسلامه الحافظ ابو نعيم في الدلائل وأورد لها أسانيد وألفاظا كثيرة، وفي بعضها أن اسم سيدته التي كاتبته حلبسة فالله أعلم. ذكر أخبار غريبة في ذلك قال أبو نعيم في الدلائل: حدثنا سليمان بن احمد حدثنا محمد بن زكريا الغلابي حدثنا العلاء بن الفضل بن عبد الملك بن أبى السوية المنقري حدثنا عباد بن كسيب عن أبيه عن أبى عتوارة الخزاعي عن سعير بن سوادة العامري (١) قال كنت عشيقا لعقيلة من عقائل الحي، أركب لها الصعب والذلول لا أبقى من البلاد مسرحا أرجو ربحا في متجر إلا أتيته، فانصرفت من الشام بحرث وأثاث أريد به كبة الموسم

стр. 655

ودهماء العرب، فدخلت مكة بليل مسدف فأقمت حتى تعرى عنى قميص الليل فرفعت رأسي فإذا قباب مسامتة شعف الجبال، مضروبة بأنطاع الطائف وإذا جزر تنحر وأخرى تساق، وإذا أكلة وحثثة على الطهاة يقولون: الا عجلوا الا عجلوا، وإذا رجل يجهر على نشز من الأرض، ينادى يا وفد الله ميلوا إلى الغداء. وأنيسان على مدرجة يقول: يا وفد الله من طعم فليرح إلى العشاء، فجهرنى ما رأيت فأقبلت أريد عميد القوم، فعرف رجل الّذي بى، فقال أمامك، وإذا شيخ كأن في خديه الأساريع، وكأن الشعرى توقد من جبينه، قد لاث على رأسه عمامة سوداء قد أبرز من ملئها جمة فينانة كأنها سماسم. قال في بعض الروايات تحته كرسي سماسم (١) ومن دونها نمرقة بيده قضيب متخصر به حوله مشايخ جلس نواكس الأذقان ما منهم أحد يفيض بكلمة. وقد كان نمى إلى خبر من أخبار الشام أن النبي الأمي هذا أوان نجومه، فلما رأيته ظننته ذلك. فقلت السلام عليك يا رسول الله. فقال: مه مه، كلا وكأن قد وليتني إياه فقلت من هذا الشيخ؟ فقالوا هذا أبو نضلة، هذا هاشم بن عبد مناف، فوليت وأنا أقول هذا والله المجد لامجد آل جفنة - يعنى ملوك عرب الشام من غسان كان يقال لهم آل جفنة -. وهذه الوظيفة التي حكاها عن هاشم هي الرفادة يعنى إطعام الحجيج زمن الموسم. وقال أبو نعيم: حدثنا عبد الله بن محمد بن جعفر حدثنا محمد بن احمد بن أبى يحيى حدثنا سعيد بن عثمان حدثنا على بن قتيبة الخراساني حدثنا خالد بن الياس عن أبى بكر بن عبد الله بن أبى الجهم عن أبيه عن جده. قال سمعت أبا طالب يحدث عن عبد المطلب قال: بينا أنا نائم في الحجر إذ رأيت رؤيا هالتني ففزعت منها فزعا شديدا، فأتيت كاهنة قريش وعلى مطرف خز وجمتي تضرب منكبى فلما نظرت إليّ عرفت في وجهي التغيير وأنا يومئذ سيد قومي فقالت: ما بال سيدنا قد أتانا متغير اللون؟ هل رابه من حدثان الدهر شيء؟ فقلت لها بلى! وكان لا يكلمها أحد من الناس حتى يقبل يدها اليمنى، ثم يضع يده على أم رأسها ثم يذكر حاجته ولم أفعل لأني كبير قومي. فجلست فقلت إني رأيت الليلة وأنا نائم في الحجر كأن شجرة تنبت قد نال رأسها السماء وضربت بأغصانها المشرق والمغرب، وما رأيت نورا أزهر منها أعظم من نور الشمس سبعين ضعفا. ورأيت العرب والعجم ساجدين لها وهي تزداد كل ساعة عظما ونورا وارتفاعا ساعة تخفى وساعة تزهر، ورأيت رهطا من قريش قد تعلقوا بأغصانها، ورأيت قوما من قريش يريدون قطعها. فإذا دنوا منها أخرهم شاب لم أر قط أحسن منه وجها ولا أطيب منه ريحا فيكسر أظهرهم (٢) ويقلع أعينهم. فرفعت يدي لأتناول منها نصيبا، فمنعني الشاب فقلت لمن النصيب؟ فقال النصيب لهؤلاء الذين تعلقوا بها وسبقوك اليها. فانتبهت مذعورا فزعا فرأيت وجه الكاهنة قد تغير، ثم قالت لئن صدقت رؤياك ليخرجن من صلبك رجل يملك المشرق والمغرب ويدين له الناس.

стр. 656

ثم قال - يعنى عبد المطلب - لأبى طالب، لعلك تكون هذا المولود قال فكان أبو طالب يحدث بهذا الحديث بعد ما ولد رسول الله ﷺ وبعد ما بعث. ثم قال كانت الشجرة والله أعلم أبا القاسم الأمين، فيقال لأبى طالب ألا تؤمن؟ فيقول السبة والعار. وقال أبو نعيم: حدثنا سليمان بن احمد حدثنا محمد بن زكريا الغلابي حدثنا العباس بن بكار الضبيّ حدثنا أبو بكر الهذلي عن عكرمة عن ابن عباس. قال قال العباس: خرجت في تجارة إلى اليمن في ركب - منهم أبو سفيان بن حرب، فقدمت اليمن فكنت أصنع يوما طعاما وانصرف بأبي سفيان وبالنفر ويصنع أبو سفيان يوما، ويفعل مثل ذلك، فقال لي في يومى الّذي كنت أصنع فيه، هل لك يا أبا الفضل أن تنصرف إلى بيتي وترسل إليّ غداءك؟ فقلت نعم. فانصرفت أنا والنفر إلى بيته وأرسلت إلى الغداء فلما تغدى القوم قاموا واحتبسني. فقال هل علمت يا أبا الفضل أن ابن أخيك يزعم أنه رسول الله فقلت أيّ بنى أخى؟ فقال أبو سفيان إياي تكتم؟ وأي بنى أخيك ينبغي أن يقول هذا الا رجل واحد؟ قلت وأيهم على ذلك؟ قال: هو محمد بن عبد الله، فقلت قد فعل؟ قال بلى قد فعل. واخرج كتابا باسمه من ابنه حنظلة بن أبى سفيان فيه: أخبرك ان محمدا قام بالأبطح فقال: «انا رسول أدعوكم الى الله » فقال العباس قلت أجده يا أبا حنظلة صادق. فقال مهلا يا أبا الفضل فو الله ما أحب أن يقول مثل هذا، إني لا أخشى أن يكون على ضير من هذا الحديث يا بنى عبد المطلب، إنه والله ما برحت قريش تزعم ان لكم هنة وهنة، كل واحدة منهما غاية. لنشدتك يا أبا الفضل هل سمعت ذلك؟ قلت نعم قد سمعت. قال فهذه والله شؤمتكم. قلت فلعلها يمنتنا، قال فما كان بعد ذلك إلا ليال حتى قدم عبد الله بن حذافة بالخبر وهو مؤمن، ففشا ذلك في مجالس اليمن، وكان أبو سفيان يجلس مجلسا باليمن يتحدث فيه حبر من أحبار اليهود، فقال له اليهودي ما هذا الخبر؟ بلغني أن فيكم عم هذا الرجل الّذي قال ما قال؟ قال أبو سفيان صدقوا وأنا عمه، فقال اليهودي أخو أبيه؟ قال نعم! قال فحدثني عنه قال لا تسألنى ما أحب ان يدعى هذا الأمر ابدا، وما أحب أن أعيبه وغيره خير منه، فرأى اليهودي انه لا يغمس عليه ولا يحب ان يعيبه. فقال اليهودي ليس به بأس على اليهود، وتوراة موسى. قال العباس فناداني الحبر، فجئت فخرجت حتى جلست ذلك المجلس من الغد، وفيه أبو سفيان بن حرب والحبر، فقلت للحبر بلغني انك سألت ابن عمى عن رجل منا زعم انه رسول الله ﷺ وأخبرك أنه عمه، وليس بعمه. ولكن ابن عمه وانا عمه وأخو أبيه. قال أخو أبيه؟ قلت أخو أبيه، فاقبل على أبى سفيان فقال صدق؟ قال نعم صدق، فقلت سلني فان كذبت فليرد على، فاقبل على فقال نشدتك هل كان لابن أخيك صبوة أو سفهة؟ قلت لا وإله عبد المطلب ولا كذب ولا خان، وانه كان اسمه عند قريش الأمين. قال فهل كتب بيده؟ قال العباس فظننت انه خير له ان يكتب بيده فأردت ان أقولها ثم ذكرت مكان أبى سفيان يكذبني ويرد على

стр. 657

فقلت لا يكتب فوثب الحبر ونزل رداؤه وقال ذبحت يهود، وقتلت يهود. قال العباس فلما رجعنا الى منزلنا، قال أبو سفيان يا أبا الفضل إن اليهود تفزع من ابن أخيك، قلت قد رأيت ما رأيت، فهل لك يا أبا سفيان ان تؤمن به، فان كان حقا كنت قد سبقت وان كان باطلا فمعك غيرك من أكفائك؟ قال لا أؤمن به حتى أرى الخيل في كداء، قلت ما تقول؟ قال كلمة جاءت على فمي الا انى اعلم أن الله لا يترك خيلا تطلع من كداء. قال العباس فلما استفتح رسول الله ﷺ مكة ونظرنا الى الخيل وقد طلعت من كداء، قلت يا أبا سفيان تذكر الكلمة؟ قال اى والله إني لذاكرها فالحمد لله الّذي هداني للإسلام. وهذا سياق حسن عليه البهاء والنور وضياء الصدق وان كان في رجاله من هو متكلم فيه والله أعلم. وقد تقدم ما ذكرناه في قصة أبى سفيان مع أمية بن أبى الصلت، وهو شبيه بهذا الباب وهو من أغرب الاخبار وأحسن السياقات وعليه النور. وسيأتي أيضا قصة أبى سفيان مع هرقل ملك الروم حين سأله عن صفات رسول الله ﷺ وأحواله، واستدلاله بذلك على صدقه ونبوته ورسالته. وقال له: كنت أعلم انه خارج، ولكن لم أكن أظن انه فيكم، ولو أعلم انى أخلص اليه لتجشمت لقيه. ولو كنت عنده لغسلت عن قدميه. ولئن كان ما تقول حقا ليملكن موضع قدمي هاتين. وكذلك وقع ولله الحمد والمنة. وقد أكثر الحافظ أبو نعيم من إيراد الآثار والاخبار عن الرهبان والأحبار والعرب. فأكثر وأطنب وأحسن وأطيب ﵀ ورضى عنه. (١) قصة عمرو بن مرة الجهنيّ قال الطبراني: حدثنا على بن إبراهيم الخزاعي الأهوازي حدثنا عبد الله بن داود بن دلهاث بن إسماعيل بن عبد الله بن شريح بن ياسر بن سويد صاحب رسول الله ﷺ حدثنا أبى عن أبيه دلهاث عن أبيه إسماعيل أن أباه عبد الله حدثه عن أبيه أن أباه ياسر بن سويد حدثه عن عمرو بن مرة الجهنيّ قال: خرجت حاجا في جماعة من قومي في الجاهلية، فرأيت في نومي وأنا بمكة، نورا ساطعا من الكعبة حتى وصل الى جبل يثرب. وأشعر جهينة. فسمعت صونا بين النور وهو يقول: انقشعت الظلماء، وسطع الضياء، وبعث خاتم الأنبياء. ثم أضاء اضاءة أخرى، حتى نظرت الى قصور الحيرة وأبيض المدائن، وسمعت صوتا من النور وهو يقول: ظهر الإسلام، وكسرت الأصنام، ووصلت الأرحام، فانتبهت فزعا فقلت لقومي: والله ليحدثن لهذا الحي من قريش حدث - وأخبرتهم بما رأيت فلما انتهينا الى بلادنا جاءني رجل يقال له أحمد قد بعث فأتيته فأخبرته بما رأيت. فقال «يا عمرو بن مرة أنا النبي المرسل الى العباد كافة. أدعوهم الى الإسلام، وآمرهم بحقن الدماء وصلة الأرحام، وعبادة الله

стр. 658

ورفض الأصنام، وحج البيت وصيام شهر رمضان من اثنى عشر شهرا. فمن أجاب فله الجنة، ومن عصى فله النار. فآمن يا عمرو يؤمنك الله من هول جهنم» فقلت اشهد ان لا إله الا الله وانك رسول الله آمنت بما جئت من حلال وحرام، وان رغم ذلك كثيرا من الأقوام. ثم أنشدته أبياتا قلتها حين سمعت به. وكان لنا صنم. وكان أبى سادنا له فقمت اليه فكسرته. ثم لحقت بالنبيّ ﷺ وانا أقول: شهدت بأن الله حق واننى … لآلهة الأحجار أول تارك وشمرت عن ساق الازار مهاجرا … إليك أجوب القفر بعد الدكادك لأصحب خير الناس نفسا ووالدا … رسول مليك الناس فوق الحبائك فقال النبي ﷺ : «مرحبا بك يا عمرو بن مرة» فقلت يا رسول الله ابعثني الى قومي. لعل الله يمن عليهم بى كما من على بك. فبعثني اليهم. وقال: «عليك بالرفق والقول السديد. ولا تكن فظا. ولا متكبرا ولا حسودا» فذكر انه أتى قومه، فدعاهم الى ما دعاه اليه رسول الله ﷺ فأسلموا كلهم. الا رجلا واحدا منهم، وانه وفد بهم الى رسول الله ﷺ . فرحب بهم وحياهم. وكتب لهم كتابا هذه نسخته «بسم الله الرحمن الرحيم. هذا كتاب من الله على لسان رسول الله ﷺ ، بكتاب صادق، وحق ناطق مع عمرو بن مرة الجهنيّ لجهينة بن زيد: ان لكم بطون الأرض وسهولها، وتلاع الأودية وظهورها، تزرعون نباته وتشربون صافيه، على ان تقروا بالخمس، وتصلوا صلاة الخمس وفي التبيعة والصريمة ان اجتمعتا وان تفرقتا شاة شاة، ليس على أهل الميرة صدقة، ليس الوردة اللبقة (١) وشهد على نبينا ﷺ من حضر من المسلمين بكتاب قيس بن شماس». وذكر شعرا قاله عمرو بن مرة في ذلك كما هو مبسوط في المسند الكبير وبالله الثقة وعليه التكلان. وقال الله تعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذْنا مِنَ النَّبِيِّينَ مِيثاقَهُمْ وَمِنْكَ وَمِنْ نُوحٍ وَإِبْراهِيمَ وَمُوسى وَعِيسَى اِبْنِ مَرْيَمَ وَأَخَذْنا مِنْهُمْ مِيثاقاً غَلِيظاً﴾ قال كثيرون من السلف: لما أخذ الله ميثاق بنى آدم يوم ﴿أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ؟﴾ أخذ من النبيين ميثاقا خاصا، وأكد مع هؤلاء الخمسة أولى العزم أصحاب الشرائع الكبار الذين أولهم نوح وآخرهم محمد صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين. وقد روى الحافظ أبو نعيم في كتاب دلائل النبوة من طرق عن الوليد بن مسلم حدثنا الأوزاعي حدثنا يحيى بن أبى كثير عن أبى سلمة عن أبى هريرة: سئل النبي ﷺ متى وجبت لك النبوة؟ قال «بين خلق آدم ونفخ الروح فيه» وهكذا رواه الترمذي من طريق الوليد بن مسلم. وقال حسن غريب من حديث أبى هريرة، لا نعرفه الا من هذا الوجه. وقال أبو نعيم: حدثنا سليمان بن احمد حدثنا يعقوب بن إسحاق بن الزبير الحلبي حدثنا أبو جعفر

стр. 659

النفيلى حدثنا عمرو بن واقد عن عروة بن رويم عن الصنابحي. قال قال عمر: يا رسول الله، متى جعلت نبيا؟ قال: «وآدم منجدل في الطين» ثم رواه من حديث نصر بن مزاحم عن قيس بن الربيع عن جابر الجعفي عن الشعبي عن ابن عباس قال: قيل يا رسول الله متى كنت نبيا؟ قال: «وآدم بين الروح والجسد» وفي الحديث الّذي أوردناه في قصة آدم حين استخرج الله من صلبه ذريته خص الأنبياء بنور بين أعينهم. والظاهر - والله أعلم - أنه كان على قدر منازلهم ورتبهم عند الله. وإذا كان الأمر كذلك فنور محمد ﷺ كان أظهر وأكبر وأعظم منهم كلهم. وهذا تنويه عظيم وتنبيه ظاهر على شرفه وعلو قدره. وفي هذا المعنى الحديث الّذي قال الامام أحمد * حدثنا عبد الرحمن بن مهدي حدثنا معاوية بن صالح عن سعيد بن سويد الكلبي عن عبد الأعلى بن هلال السلمي عن العرباض بن سارية. قال قال رسول الله ﷺ : «انى عند الله لخاتم النبيين وان آدم لمنجدل في طينته وسأنبئكم بأول ذلك: دعوة أبى إبراهيم وبشارة عيسى بى، ورؤيا أمى التي رأت. وكذلك أمهات المؤمنين يرين» ورواه الليث وابن وهب عن عبد الرحمن بن مهدي، وعبد الله بن صالح عن معاوية بن صالح وزاد «إن أمه رأت حين وضعته نورا أضاءت منه قصور الشام» وقال الامام أحمد حدثنا عبد الرحمن حدثنا منصور بن سعيد عن بديل عن عبد الله بن شقيق عن ميسرة الفجر قال قلت يا رسول الله متى كنت نبيا؟ قال: «وآدم بين الروح والجسد» اسناده جيد أيضا وهكذا رواه إبراهيم بن طهمان وحماد ابن زيد وخالد الحذاء عن بديل بن ميسرة به. ورواه أبو نعيم عن محمد بن عمر بن أسلم عن محمد بن بكر بن عمرو الباهلي عن شيبان عن الحسن بن دينار عن عبد الله بن سفيان عن ميسرة الفجر قال: قلت يا رسول الله متى كنت نبيا؟ قال: «وآدم بين الروح والجسد». وقال الحافظ أبو نعيم في كتابه دلائل النبوة: حدثنا أبو عمرو بن حمدان حدثنا الحسن بن سفيان حدثنا هشام بن عمار حدثنا الوليد بن مسلم عن خليد بن دعلج وسعيد عن قتادة عن الحسن عن أبي هريرة عن النبي ﷺ ، في قوله تعالى ﴿وَإِذْ أَخَذْنا مِنَ النَّبِيِّينَ مِيثاقَهُمْ﴾ قال «كنت أول النبيين في الخلق وآخرهم في البعث» ثم رواه من طريق هشام بن عمار عن بقية عن سعيد بن نسير عن قتادة عن الحسن عن أبى هريرة مرفوعا مثله. وقد رواه من طريق سعيد بن أبى عروبة وشيبان عن قتادة قال ذكر لنا أن رسول الله ﷺ قال مثله. وهذا أثبت وأصح والله أعلم. وهذا إخبار عن التنويه بذكره في الملأ الأعلى وانه معروف بذلك بينهم بانه خاتم النبيين وآدم لم ينفخ فيه الروح، لأن علم الله تعالى بذلك سابق قبل خلق السموات والأرض لا محالة فلم يبق الا هذا الّذي ذكرناه من الأعلام به في الملأ الأعلى والله أعلم. وقد أورد أبو نعيم من حديث عبد الرزاق عن معمر عن همام عن أبى هريرة الحديث المتفق عليه

стр. 660

«نحن الآخرون السابقون يوم القيامة، المقضى لهم قبل الخلائق بيد أنهم أوتوا الكتاب من قبلنا وأوتيناه من بعدهم» وزاد أبو نعيم في آخره: فكان ﷺ آخرهم في البعث وبه ختمت النبوة. وهو السابق يوم القيامة. لأنه أول مكتوب في النبوة والعهد. ثم قال: ففي هذا الحديث الفضيلة لرسول الله ﷺ لما أوجب الله له النبوة قبل تمام خلق آدم. ويحتمل أن يكون هذا الإيجاب هو ما أعلم الله ملائكته ما سبق في علمه وقضائه من بعثته له في آخر الزمان وهذا الكلام يوافق ما ذكرناه ولله الحمد وروى الحاكم في مستدركه من حديث عبد الرحمن بن زيد بن أسلم - وفيه كلام - عن أبيه عن جده عن عمر بن الخطاب ﵁ قال قال رسول الله ﷺ : «لما اقترف آدم الخطيئة قال: يا رب أسألك بحق محمد إلا غفرت لي، فقال الله: يا آدم كيف عرفت محمدا ولم أخلقه بعد؟ فقال يا رب لأنك لما خلقتني بيدك ونفخت فىّ من روحك رفعت رأسي، فرأيت على قوائم العرش مكتوبا لا إله إلا الله محمد رسول الله. فعلمت أنك لم تضف الى اسمك الا أحبّ الخلق إليك. فقال الله صدقت يا آدم انه لأحب الخلق الىّ وإذ قد سألتني بحقه فقد غفرت لك ولولا محمد ما خلقتك» قال البيهقي: تفرد به عبد الرحمن بن زيد بن أسلم وهو ضعيف والله أعلم. وقد قال الله تعالى ﴿وَإِذْ أَخَذَ اللهُ مِيثاقَ النَّبِيِّينَ لَما آتَيْتُكُمْ مِنْ كِتابٍ وَحِكْمَةٍ ثُمَّ جاءَكُمْ رَسُولٌ مُصَدِّقٌ لِما مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنْصُرُنَّهُ قالَ أَأَقْرَرْتُمْ وَأَخَذْتُمْ عَلى ذلِكُمْ إِصْرِي؟ قالُوا أَقْرَرْنا قالَ فَاشْهَدُوا وَأَنَا مَعَكُمْ مِنَ الشّاهِدِينَ * فَمَنْ تَوَلّى بَعْدَ ذلِكَ فَأُولئِكَ هُمُ الْفاسِقُونَ﴾ قال على بن أبى طالب وعبد الله بن عباس ﵄: ما بعث الله نبيا من الأنبياء إلا أخذ عليه الميثاق لئن بعث محمد ﷺ وهو حي ليؤمنن به ولينصرنه [وأمره أن يأخذ الميثاق على أمته لئن بعث محمد وهم أحياء ليؤمنن به ولينصرنه] (١) وهذا تنويه وتنبيه على شرفه وعظمته في سائر الملل وعلى ألسنة الأنبياء وإعلام لهم ومنهم برسالته في آخر الزمان. وإنه أكرم المرسلين وخاتم النبيين. وقد أوضح أمره وكشف خبره وبين سره، وجلى مجده ومولده وبلده إبراهيم الخليل في قوله ﵇ حين فرغ من بناء البيت ﴿رَبَّنا وَاِبْعَثْ فِيهِمْ رَسُولاً مِنْهُمْ يَتْلُوا عَلَيْهِمْ آياتِكَ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُزَكِّيهِمْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ فكان أول بيان أمره على الجلية والوضوح بين أهل الأرض على لسان إبراهيم الخليل أكرم الأنبياء على الله بعد محمد صلوات الله عليه وسلامه عليهما وعلى سائر الأنبياء. ولهذا قال الامام احمد حدثنا أبو النضر حدثنا الفرج - يعنى ابن فضالة - حدثنا لقمان بن عامر سمعت أبا أمامة قال قلت يا نبي الله ما كان بدء أمرك؟ قال «دعوة أبى إبراهيم، وبشرى عيسى، ورأت أمى أنه خرج منها نور أضاءت منه قصور الشام» تفرد به الامام احمد ولم يخرجه أحد من أصحاب الكتب الستة. وروى الحافظ أبو بكر بن أبى عاصم في كتاب

стр. 661

المولد من طريق بقية عن صفوان بن عمرو عن حجر بن حجر عن أبى مريق أن إعرابيا قال يا رسول الله أيّ شيء كان أول أمر نبوتك؟ فقال «أخذ الله منى الميثاق كما أخذ من النبيين ميثاقهم. ورأت أم رسول الله ﷺ في منامها أنه خرج من بين رجليها سراج أضاءت له قصور الشام (١). وقال الامام محمد بن إسحاق بن يسار: حدثني ثور بن يزيد عن خالد بن معدان عن أصحاب رسول الله ﷺ أنهم قالوا: يا رسول الله، أخبرنا عن نفسك. قال «دعوة أبى إبراهيم، وبشرى عيسى. ورأت أمى حين حبلت كأنه خرج منها نور أضاءت له بصرى من أرض الشام» إسناده جيد أيضا. وفيه بشارة لأهل محلتنا أرض بصرى وإنها أول بقعة من أرض الشام خلص اليها نور النبوة، ولله الحمد والمنة ولهذا كانت أول مدينة فتحت من أرض الشام وكان فتحها صلحا في خلافة أبى بكر ﵁، كما سيأتي بيانه. وقد قدمها رسول الله ﷺ مرتين في صحبة عمه أبى طالب وهو ابن اثنتي عشرة سنة وكانت عندها قصة بحيرى الراهب كما بيناه. والثانية ومعه ميسرة مولى خديجة في تجارة لها. وبها مبرك الناقة التي يقال لها ناقة رسول الله ﷺ بركت عليه فأثر ذلك فيها فيما يذكر. ثم نقل وبنى عليه مسجد مشهور اليوم. وهي المدينة التي أضاءت أعناق الإبل عندها من نور النار التي خرجت من أرض الحجاز سنة أربع وخمسين وستمائة وفق ما أخبر به رسول الله ﷺ في قوله «تخرج نار من أرض الحجاز تضيء لها أعناق الإبل ببصرى» وسيأتي الكلام على ذلك في موضعه إن شاء الله، وبه الثقة وعليه التكلان. وقال الله تعالى ﴿الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوباً عِنْدَهُمْ فِي التَّوْراةِ وَالْإِنْجِيلِ، يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّباتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبائِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالْأَغْلالَ الَّتِي كانَتْ عَلَيْهِمْ. فَالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاِتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنْزِلَ مَعَهُ أُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ الآية. قال الامام احمد حدثنا إسماعيل عن الجريريّ عن أبى صخر العقيلي حدثني رجل من الأعراب قال: جلبت جلوبة إلى المدينة في حياة رسول الله ﷺ . فلما فرغت من بيعي قلت لألقين هذا الرجل فلأسمعنّ منه. قال: فتلقاني بين أبى بكر وعمر يمشون، فتبعتهم حتى أتوا على رجل من اليهود ناشر التوراة يقرؤها يعزى بها نفسه عن ابن له في الموت كأحسن الفتيان وأجملهم. فقال رسول الله ﷺ «أنشدك بالذي أنزل التوراة، هل تجدني في كتابك ذا صفتي ومخرجي؟» فقال برأسه هكذا - أي لا - فقال ابنه: إي والّذي أنزل التوراة إنا لنجد في كتابنا صفتك ومخرجك وأشهد أن لا إله إلا الله، وأنك رسول الله. فقال: «أقيموا اليهودي عن أخيكم» ثم ولى كفنه والصلاة عليه. هذا إسناد جيد وله شواهد في الصحيح عن أنس بن مالك ﵁. وقال أبو القاسم البغوي حدثنا عبد الواحد ابن غياث - أبو بحر - حدثنا عبد العزيز بن مسلم حدثنا عاصم بن كليب عن أبيه عن الصلتان بن عاصم

стр. 662

وذكر أن خاله قال: كنت جالسا عند النبي ﷺ إذ شخص بصره إلى رجل فإذا يهودي عليه قميص وسراويل ونعلان. قال فجعل النبي ﷺ يكلمه وهو يقول: يا رسول الله. فقال رسول الله ﷺ » أتشهد أنى رسول الله؟» قال لا. قال رسول الله ﷺ «أتقرأ التوراة؟» قال نعم قال «أتقرأ الإنجيل؟» قال نعم. قال «والقرآن؟» قال لا. ولو تشاء قرأنه. فقال النبي ﷺ «فبم تقرأ التوراة والإنجيل، أتجدني نبيا؟» قال إنا نجد نعتك ومخرجك. فلما خرجت رجونا أن تكون فينا. فلما رأيناك عرفناك انك لست به. قال رسول الله ﷺ «ولم يا يهودي؟» قال: إنا نجده مكتوبا، يدخل من أمته الجنة سبعون ألفا بغير حساب، ولا نرى معك إلا نفرا يسيرا. فقال رسول الله ﷺ «إن أمتى لأكثر من سبعين ألفا وسبعين ألفا». هذا حديث غريب من هذا الوجه، ولم يخرجوه. وقال محمد بن إسحاق عن سالم مولى عبد الله بن مطيع عن أبى هريرة قال: أنى رسول الله ﷺ [يهود] فقال «أخرجوا أعلمكم» فقالوا عبد الله بن صوريا، فخلا به رسول الله ﷺ ، فناشده بدينه، وما أنعم الله به عليهم، وأطعمهم من المنّ والسلوى، وظللهم به من الغمام «أتعلمني رسول الله؟» قال اللهمّ نعم. وان القوم ليعرفون ما أعرف، وأن صفتك ونعتك لمبين في التوراة. ولكنهم حسدوك. قال «فما يمنعك أنت؟» قال أكره خلاف قومي. وعسى أن يتبعوك ويسلموا فأسلم. وقال سلمة بن الفضل عن محمد بن إسحاق عن محمد بن أبى محمد عن عكرمة عن ابن عباس أنه كان يقول كتب رسول الله ﷺ إلى يهود خيبر «بسم الله الرحمن الرحيم، من محمد رسول الله صاحب موسى، وأخيه، والمصدق بما جاء به موسى، ألا إن الله قال لكم يا معشر يهود وأهل التوراة، إنكم تجدون ذلك في كتابكم: إن محمدا ﴿رَسُولُ اللهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدّاءُ عَلَى الْكُفّارِ رُحَماءُ بَيْنَهُمْ تَراهُمْ رُكَّعاً سُجَّداً يَبْتَغُونَ فَضْلاً مِنَ اللهِ وَرِضْواناً سِيماهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ. ذلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْراةِ وَمَثَلُهُمْ فِي الْإِنْجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوى عَلى سُوقِهِ يُعْجِبُ الزُّرّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفّارَ. وَعَدَ اللهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصّالِحاتِ مِنْهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْراً عَظِيماً﴾. وإني أنشدكم بالله وبالذي أنزل عليكم، وأنشدكم بالذي أطعم من كان قبلكم من أسلافكم وأسباطكم المن والسلوى، وأنشدكم بالذي أيبس البحر لآبائكم حتى أنجاكم من فرعون وعمله إلا أخبرتمونا هل تجدون فيما أنزل الله عليكم أن تؤمنوا بمحمد؟ فان كنتم لا تجدون ذلك في كتابكم فلا كره عليكم، قد تبين الرشد من الغي. وأدعوكم إلى الله وإلى نبيه ﷺ ». وقد ذكر محمد بن إسحاق بن يسار في كتاب المبتدإ عن سعيد بن بشير عن قتادة عن كعب الأحبار، وروى غيره عن وهب بن منبه أن بخت نصّر بعد أن خرب بيت المقدس واستذل بنى إسرائيل بسبع سنين رأى في المنام رؤيا عظيمة هالته فجمع الكهنة والحزر، وسألهم عن رؤياه تلك. فقالوا ليقصها الملك حتى نخبره بتأويلها. فقال: إني نسيتها، وإن لم تخبرونى بها إلى ثلاثة أيام قتلتكم عن آخركم. فذهبوا

стр. 663

خائفين وجلين من وعيده. فسمع بذلك دانيال ﵇ وهو في سجنه. فقال للسجان: اذهب اليه فقل له إن هاهنا رجلا عنده علم رؤياك وتأويلها. فذهب اليه فأعلمه فطلبه، فلما دخل عليه لم يسجد له. فقال له ما منعك من السجود لي؟ فقال: إن الله آتاني علما وعلمني وأمرنى أن لا أسجد لغيره. فقال له بخت نصّر إني أحب الذين يوفون لأربابهم بالعهود. فأخبرني عن رؤياي. قال له دانيال: رأيت صنما عظيما رجلاه في الأرض ورأسه في السماء، أعلاه من ذهب ووسطه من فضة، وأسفله من نحاس، وساقاه من حديد، ورجلاه من فخار، فبينا أنت تنظر اليه قد أعجبك حسنه وإحكام صنعته قذفه الله بحجر من السماء. فوقع على قمة رأسه حتى طحنه واختلط ذهبه وفضته ونحاسه وحديدة وفخاره حتى تخيل لك أنه لو اجتمع الانس والجن على أن يميزوا بعضه من بعض لم يقدروا على ذلك. ونظرت إلى الحجر الّذي قذف به يربو ويعظم وينتشر حتى ملأ الأرض كلها فصرت لا ترى الا الحجر والسماء. فقال له بخت نصّر صدقت هذه الرؤيا التي رأيتها فما تأويلها؟ فقال دانيال أما الصنم فأمم مختلفة في أول الزمان وفي وسطه وفي آخره، وأما الحجر الّذي قذف به الصنم فدين يقذف الله به هذه الأمم في آخر الزمان فيظهره عليها فيبعث الله نبيا أميا من العرب فيدوخ به الأمم والأديان كما رأيت الحجر دوخ أصناف الصنم ويظهر على الأديان والأمم كما رأيت الحجر ظهر على الأرض كلها، فيمحص الله به الحق ويزهق به الباطل ويهدى به أهل الضلالة ويعلم به الأميين ويقوى به الضعفة ويعز به الاذلة وينصر به المستضعفين. وذكر تمام القصة في اطلاق بخت نصّر بنى إسرائيل على يدي دانيال ﵇، وذكر الواقدي بأسانيده عن المغيرة بن شعبة في قصة وفوده على المقوقس ملك الاسكندرية وسؤاله له عن صفات رسول الله ﷺ قريبا من سؤال هرقل لأبي سفيان صخر بن حرب، وذكر أنه سأل اساقفة النصارى في الكنائس عن صفة رسول الله ﷺ وأخبروه عن ذلك وهي قصة طويلة ذكرها الحافظ أبو نعيم في الدلائل. وثبت في الصحيح أن رسول الله ﷺ مرّ بمدارس اليهود فقال لهم «يا معشر اليهود أسلموا فو الّذي نفسي بيده إنكم لتجدون صفتي في كتبكم» الحديث. وقال الامام أحمد: حدثنا موسى بن داود حدثنا فليح بن سليمان عن هلال بن على عن عطاء بن يسار قال لقيت عبد الله بن عمرو بن العاص فقلت أخبرنى عن صفات رسول الله ﷺ في التوراة فقال أجل والله إنه لموصوف في التوراة بصفته في القرآن، يا أيها النبي إنا أرسلناك شاهدا ومبشرا ونذيرا، وحرزا للاميين، أنت عبدي ورسولي سميتك المتوكل لافظ ولا غليظ ولا صخاب في الأسواق ولا يدفع بالسيئة السيئة ولكن يعفو ويغفر ولن يقبضه الله حتى يقيموا الملة العوجاء بأن يقولوا لا إله إلا الله يفتح به أعينا عميا وآذانا صما وقلوبا غلفا. ورواه البخاري عن محمد بن سنان العوفيّ عن فليح به. ورواه أيضا عن عبد الله - قيل ابن رجاء، وقيل ابن صالح - عن عبد العزيز بن أبى سلمة عن هلال بن علوية ولفظه قريب

стр. 664

من هذا وفيه زيادة. ورواه ابن جرير من حديث فليح عن هلال عن عطاء وزاد قال عطاء فلقيت كعبا فسألته عن ذلك فما اختلف حرفا، وقال في البيوع. وقال سعيد عن هلال عن عطاء عن عبد الله ابن سلام قال الحافظ أبو بكر البيهقي أخبرناه أبو الحسين بن المفضل القطان حدثنا عبد الله بن جعفر حدثنا يعقوب بن سفيان حدثنا أبو صالح حدثنا الليث حدثني خالد بن يزيد عن سعيد بن أبى هلال ابن أسامة عن عطاء بن يسار عن ابن سلام انه كان يقول: إنا لنجد صفة رسول الله ﷺ ﴿إِنّا أَرْسَلْناكَ شاهِداً وَمُبَشِّراً وَنَذِيراً﴾ وحرزا للأميين، أنت عبدي ورسولي، سميته المتوكل ليس بفظ ولا غليظ ولأصحاب في الأسواق ولا يجزئ السيئة بمثلها ولكن يعفو ويتجاوز ولن يقبضه حتى يقيم به الملة العوجاء بأن يشهدوا أن لا إله إلا الله يفتح به أعينا عميا واذانا صما وقلوبا غلفا. وقال عطاء بن يسار: وأخبرنى الليثي أنه سمع كعب الأحبار يقول مثل ما قال ابن سلام. قلت: وهذا عن عبد الله بن سلام أشبه ولكن الرواية عن عبد الله بن عمرو أكثر، مع أنه كان قد وجد يوم اليرموك زاملتين من كتب أهل الكتاب وكان يحدث عنهما كثيرا، وليعلم أن كثيرا من السلف كانوا يطلقون التوراة على كتب أهل الكتاب فهي عندهم أعم من التي أنزلها الله على موسى وقد ثبت شاهد ذلك من الحديث. وقال يونس عن محمد بن إسحاق حدثني محمد بن ثابت بن شرحبيل عن ابن أبى أوفى عن أم الدرداء قالت قلت لكعب الأحبار كيف تجدون صفة رسول الله ﷺ في التوراة قال نجده محمد رسول الله اسمه المتوكل ليس بفظ ولا غليظ ولا صخاب في الأسواق واعطى المفاتيح فيبصر الله به أعينا عورا ويسمع آذانا وقرا ويقيم به ألسنا معوجة حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله واحد لا شريك له يعين به المظلوم ويمنعه. وقد روى عن كعب من غير هذا الوجه. وروى البيهقي عن الحاكم عن أبى الوليد الفقيه عن الحسن بن سفيان حدثنا عتبة بن مكرم حدثنا أبو قطن عمرو بن الهيثم حدثنا حمزة بن الزيات عن سليمان الأعمش عن على بن مدرك عن أبى زرعة عن أبى هريرة ﴿وَما كُنْتَ بِجانِبِ الطُّورِ إِذْ نادَيْنا﴾ قال نودوا يا أمة محمد استجبت لكم قبل أن تدعوني، وأعطيتكم قبل أن تسألونى. وذكر وهب بن منبه أن الله تعالى أوحى الى داود في الزبور يا داود إنه سيأتي من بعدك نبي اسمه أحمد ومحمد صادقا سيدا لا أغضب عليه أبدا، ولا يغضبني أبدا وقد غفرت له قبل أن يعصيني ما تقدم من ذنبه وما تأخر وأمته مرحومة أعطيتهم من النوافل مثل ما أعطيت الأنبياء، وفرضت عليهم الفرائض التي افترضت على الأنبياء والرسل حتى يأتونى يوم القيامة ونورهم مثل نور الأنبياء. الى أن قال: يا داود إني فضلت محمدا وأمته على الأمم كلها. والعلم بانه موجود في كتب أهل الكتاب معلوم من الدين ضرورة وقد دل على ذلك آيات كثيرة في الكتاب العزيز تكلمنا عليها في مواضعها ولله الحمد. فمن ذلك قوله ﴿الَّذِينَ آتَيْناهُمُ الْكِتابَ مِنْ قَبْلِهِ هُمْ بِهِ يُؤْمِنُونَ، * وَإِذا يُتْلى عَلَيْهِمْ قالُوا آمَنّا بِهِ إِنَّهُ الْحَقُّ مِنْ﴾

стр. 665

رَبِّنا إِنّا كُنّا مِنْ قَبْلِهِ مُسْلِمِينَ) وقال تعالى ﴿الَّذِينَ آتَيْناهُمُ الْكِتابَ يَعْرِفُونَهُ كَما يَعْرِفُونَ أَبْناءَهُمْ وَإِنَّ فَرِيقاً مِنْهُمْ لَيَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ وقال تعالى ﴿إِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ مِنْ قَبْلِهِ إِذا يُتْلى عَلَيْهِمْ يَخِرُّونَ لِلْأَذْقانِ سُجَّداً * وَيَقُولُونَ سُبْحانَ رَبِّنا إِنْ كانَ وَعْدُ رَبِّنا لَمَفْعُولاً﴾ أي ان كان وعدنا ربنا بوجود محمد وإرساله لكائن لا محالة فسبحان القدير على ما يشاء لا يعجزه شيء. وقال تعالى اخبارا عن القسيسين والرهبان ﴿وَإِذا سَمِعُوا ما أُنْزِلَ إِلَى الرَّسُولِ تَرى أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ مِمّا عَرَفُوا مِنَ الْحَقِّ يَقُولُونَ رَبَّنا آمَنّا فَاكْتُبْنا مَعَ الشّاهِدِينَ﴾ وفي قصة النجاشي وسلمان وعبد الله بن سلام وغيرهم كما سيأتي شواهد كثيرة لهذا المعنى ولله الحمد والمنة. وذكرنا في تضاعيف قصص الأنبياء ما تقدم الإشارة اليه من وصفهم لبعثة رسول الله ﷺ ونعته وبلد مولده ودار مهاجره ونعت أمته في قصة موسى وشعيا وأرمياء ودانيال وغيرهم وقد أخبر الله تعالى عن آخر أنبياء بنى إسرائيل وخاتمهم عيسى بن مريم انه قام في بنى إسرائيل خطيبا قائلا لهم ﴿إِنِّي رَسُولُ اللهِ إِلَيْكُمْ مُصَدِّقاً لِما بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْراةِ وَمُبَشِّراً بِرَسُولٍ يَأْتِي مِنْ بَعْدِي اِسْمُهُ أَحْمَدُ﴾. وفي الإنجيل البشارة بالفارقليط والمراد محمد ﷺ . وروى البيهقي عن الحاكم عن الأصم عن أحمد بن عبد الجبار عن يونس بن بكير عن يونس بن عمرو عن العيزار بن حرب عن عائشة ﵂ أن رسول الله ﷺ قال «مكتوب في الإنجيل لافظ ولا غليظ ولا صخاب في الأسواق ولا يجزى بالسيئة مثلها بل يعفو ويصفح» وقال يعقوب بن سفيان حدثنا فيض البجلي حدثنا سلام بن مسكين عن مقاتل ابن حيان قال: أوحى الله الى عيسى بن مريم جد في أمرى واسمع وأطع يا ابن الطاهرة البكر البتول - أنا خلقتك من غير فحل فجعلتك آية للعالمين فإياي فاعبد فبين لأهل سوران بالسريانية، بلغ من بين يديك انى أنا الحق القائم الّذي لا أزول صدقوا بالنبيّ الأمي العربيّ صاحب الجمل والمدرعة والعمامة - وهي التاج - والنعلين والهراوة - وهي القضيب - الجعد الرأس الصلت الجبين المقرون الحاجبين الأنجل العينين الاهدب الأشفار الأدعج العينين الأقنى الأنف الواضح الخدين الكث اللحية عرقه في وجهه كاللؤلؤ ريح المسك ينضح منه كأن عنقه إبريق فضة وكان الذهب يجرى في تراقيه له شعرات من لبته الى سرته تجرى كالقضيب ليس في بطنه شعر غيره شثن الكف والقدم إذا جاء مع الناس غمرهم وإذا مشى كأنما ينقلع من الصخر ويتحدر من صبب ذو النسل القليل - وكأنه أراد الذكور من صلبه - هكذا رواه البيهقي في دلائل النبوة من طريق يعقوب بن سفيان. وروى البيهقي عن عثمان بن الحكم بن رافع بن سنان حدثني بعض عمومتي وآبائي أنهم كانت عندهم ورقة يتوارثونها في الجاهلية حتى جاء الله بالإسلام وبقيت عندهم فلما قدم رسول الله ﷺ المدينة ذكر وهاله وأتوه بها مكتوب فيها بسم الله وقوله الحق وقول الظالمين في تباب. هذا الذكر لأمة تأتى في آخر الزمان ليبلون اطرافهم ويوترون على

стр. 666

أوساطهم ويخوضون البحور الى أعدائهم فيهم صلاة لو كانت في قوم نوح ما أهلكوا بالطوفان، وفي عاد ما أهلكوا بالريح، وفي ثمود ما أهلكوا بالصيحة: بسم الله وقوله الحق وقول الظالمين في تباب. ثم ذكر قصة أخرى قال فعجب رسول الله ﷺ لما قرأت عليه فيها. وذكرنا عند قوله تعالى في سورة الأعراف ﴿الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوباً عِنْدَهُمْ فِي التَّوْراةِ وَالْإِنْجِيلِ﴾ قصة هشام بن العاص الأموي حين بعثه الصديق في سرية الى هرقل يدعوه الى الله . فذكر أنه أخرج لهم صور الأنبياء في رقعة من آدم الى محمد صلوات الله عليه وسلامه عليهم أجمعين على النعت والشكل الّذي كانوا عليه. ثم ذكر أنه لما أخرج صورة رسول الله ﷺ قام قائما إكراما له. ثم جلس وجعل ينظر إليها ويتأملها. قال فقلنا له من أين لك هذه الصورة؟ فقال: إن آدم سأل ربه أن يريه جميع الأنبياء من ذلك، فانزل عليه صورهم، فكان في خزانة آدم ﵇ عند مغرب الشمس فاستخرجها ذو القرنين، فدفعها الى دانيال. ثم قال: اما والله إن نفسي قد طابت بالخروج من ملكي وأنى كنت عبدا لاشركم ملكة حتى أموت. ثم أجازنا فأحسن جائزتنا وسرحنا. فلما أتينا أبا بكر الصديق فحدثناه بما رأينا وما أجازنا وما قال لنا، قال فبكى وقال: مسكين لو أراد الله به خيرا لفعل، ثم قال أخبرنا رسول الله ﷺ أنهم واليهود يجدون نعت محمد عندهم. رواه الحاكم بطوله فليكتب هاهنا من التفسير. ورواه البيهقي في دلائل النبوة. وقال الأموي: حدثنا عبد الله بن زياد عن ابن إسحاق. قال وحدثني يعقوب بن عبد الله بن جعفر بن عمرو بن أمية عن أبيه عن جده عمرو بن أمية قال: قدمت برقيق من عند النجاشي أعطانيهم فقالوا لي يا عمرو لو رأينا رسول الله لعرفناه من غير أن تخبرنا، فمر أبو بكر فقلت أهو هذا؟ قالوا لا، فمر عمر فقلت أهو هذا؟ قالوا لا فدخلنا الدار فمر رسول الله ﷺ فنادوني يا عمرو هذا رسول الله ﷺ فنظرت فإذا هو هو من غير أن يخبرهم به أحد، عرفوه بما كانوا يجدونه مكتوبا عندهم وقد تقدم إنذار سبإ لقومه وبشارته لهم بوجود رسول الله ﷺ في شعر أسلفناه في ترجمته فأغنى عن إعادته، وتقدم قول الحبرين من اليهود لتبع اليماني حين حاصر أهل المدينة إنها مهاجر نبي يكون في آخر الزمان فرجع عنها ونظم شعرا يتضمن السلام على النبي ﷺ . قصة سيف بن ذي يزن الحميري وبشارته بالنبيّ الأمي وقال الحافظ أبو بكر محمد بن جعفر بن سهل الخرائطى في كتابه هواتف الجان: حدثنا على بن حرب حدثنا احمد بن عثمان بن حكيم حدثنا عمرو بن بكر - هو ابن بكار القعنبي - عن احمد بن القاسم عن محمد بن السائب الكلبي عن أبى صالح عن عبد الله بن عباس. قال: لما ظهر سيف بن ذي يزن قال ابن المنذر - واسمه النعمان بن قيس - على الحبشة وذلك بعد مولد رسول الله ﷺ بسنتين أتته وفود

стр. 667

العرب وشعراؤها تهنئة وتمدحه وتذكر ما كان من حسن بلائه، وأتاه فيمن أتاه وفود قريش فيهم عبد المطلب بن هاشم، وأمية بن عبد شمس أبى عبد الله (١) وعبد الله بن جدعان، وخويلد بن أسد في أناس من وجوه قريش فقدموا عليه صنعاء، فإذا هو في رأس غمدان الّذي ذكره أمية بن أبى الصلت: واشرب هنيئا عليك التاج مرتفعا … في رأس غمدان دارا منك محلالا فدخل عليه الآذن، فأخبره بمكانهم فاذن لهم، فدنا عبد المطلب فاستأذنه في الكلام فقال له ان كنت ممن يتكلم بين يدي فقد أذنا لك، فقال له عبد المطلب ان الله قد أحلك أيها الملك محلا رفيعا صعبا منيعا، شامخا باذخا، وأنبتك منبتا طابت أرومته، وعزت جرثومته، وثبت أصله، وبسق فرعه في أكرم موطن وأطيب معدن فأنت - أبيت اللعن - ملك العرب وربيعها الّذي تخصب به البلاد، ورأس العرب الّذي له تنقاد، وعمودها الّذي عليه العماد، ومعقلها الّذي يلجأ اليه العباد. وسلفك خير سلف، وأنت لنا منهم خير خلف. فلن يخمد من هم سلفه ولن يهلك من أنت خلفه، ونحن أيها الملك أهل حرم الله وسدنة بيته، أشخصنا إليك الّذي أبهجك من كشف الكرب الّذي قد فدحنا، وفد التهنئة لا وفد المرزئة. قال: وأيهم أنت أيها المتكلم؟ قال أنا عبد المطلب بن هاشم. قال ابن أختنا؟ قال نعم، قال ادن فأدناه، ثم أقبل عليه وعلى القوم فقال مرحبا وأهلا وناقة ورحلا، ومستناخا سهلا، وملكا ربحلا (٢) يعطى عطاء جزلا. قد سمع الملك مقالتكم وعرف قرابتكم، وقبل وسيلتكم، فأنتم أهل الليل والنهار، ولكم الكرامة ما أقمتم والحباء إذا ظعنتم، ثم نهضوا الى دار الكرامة والوفود، فأقاموا شهرا لا يصلون اليه ولا يأذن لهم بالانصراف، ثم انتبه لهم انتباهة فأرسل الى عبد المطلب فادنى مجلسه وأخلاه ثم قال: يا عبد المطلب إني مفض إليك من سر علمي ما لو يكون غيرك لم أبح به. ولكنى رأيتك معدنه فاطلعتك طليعه فليكن عندك مطويا حتى يأذن الله فيه، فان الله بالغ أمره، انى أجد في الكتاب المكنون والعلم المخزون الّذي اخترناه لأنفسنا واحتجناه دون غيرنا خبرا عظيما، وخطرا جسيما فيه شرف الحياة وفضيلة الوفاة للناس عامة ولرهطك كافة ولك خاصة. فقال عبد المطلب أيها الملك مثلك سر وبر، فما هو فداؤك أهل الوبر زمرا بعد زمر؟ قال إذا ولد بتهامة، غلام به علامة، بين كتفيه شامة كانت له الإمامة، ولكم به الزعامة الى يوم القيامة. قال عبد المطلب - أبيت اللعن - لقد أبت بخير ما آب به وافد، ولولا هيبة الملك وإجلاله وإعظامه لسألته من بشارته إياي ما ازداد به سرورا. قال ابن ذي يزن هذا حينه الّذي يولد فيه أو قد ولد واسمه محمد. يموت أبوه وأمه ويكفله جده وعمه. ولدناه مرارا والله باعثه جهارا، وجاعل له منا أنصارا يعز بهم أولياءه ويذل بهم أعداءه، ويضرب بهم الناس عن عرض، ويستبيح بهم كرائم الأرض، يكسر الأوثان ويخمد النيران، يعبد الرحمن ويدحر

стр. 668

الشيطان، قوله فصل وحكمه عدل يأمر بالمعروف ويفعله وينهى عن المنكر ويبطله. فقال عبد المطلب أيها الملك - عز جدك وعلا كعبك، ودام ملكك، وطال عمرك. فهذا نجارى فهل الملك سار لي بإفصاح فقد أوضح لي بعض الإيضاح. فقال ابن ذي يزن: والبيت ذي الحجب والعلامات على النقب انك يا عبد المطلب لجده غير كذب، فخر عبد المطلب ساجدا فقال ارفع رأسك ثلج صدرك وعلا أمرك فهل أحسست شيئا مما ذكرت لك. فقال أيها الملك كان لي ابن وكنت به معجبا وعليه رفيقا فزوجته كريمة من كرائم قومه آمنة بنت وهب فجاءت بغلام سميته محمدا فمات أبوه وأمه وكفلته انا وعمه. قال ابن ذي يزن إن الّذي قلت لك كما قلت فاحتفظ بابنك واحذر عليه اليهود فإنهم له أعداء ولن يجعل الله لهم عليه سبيلا، واطو ما ذكرت لك دون هؤلاء الرهط الذين معك فانى لست آمن ان تدخل لهم النفاسة من أن تكون لكم الرئاسة فيطلبون له الغوائل وينصبون له الحبائل فهم فاعلون أو أبناؤهم ولولا انى اعلم أن الموت مجتاحي قبل مبعثه لسرت بخيلي ورجلي حتى أصير بيثرب دار مملكته فانى أجد في الكتاب الناطق والعلم السابق ان بيثرب استحكام امره وأهل نصرته وموضع قبره ولولا انى أقيه الآفات واحذر عليه العاهات لأعلنت على حداثة سنه أمره ولأوطأت اسنان العرب عقبه، ولكنى صارف ذلك إليك عن غير تقصير بمن معك. قال ثم أمر لكل رجل منهم بعشرة أعبد وعشرة إماء وبمائة من الإبل وحلتين من البرود وبخمسة أرطال من الذهب وعشرة أرطال فضة وكرش مملوء عنبرا وأمر لعبد المطلب بعشرة أضعاف ذلك وقال له: إذا حال الحول فأتنى فمات ابن ذي يزن قبل أن يحول الحول، فكان عبد المطلب كثيرا ما يقول لا يغبطني رجل منكم بجزيل عطاء الملك فإنه الى نفاد ولكن ليغبطنى بما يبقى لي ولعقبى من بعدي ذكره وفخره وشرفه، فإذا قيل له متى ذلك قال سيعلم ولو بعد حين قال وفي ذلك يقول أمية بن عبد شمس: جلبنا النصح تحقبه المطايا … على أكوار إجمال ونوق مقلفة مراتعها تعالى … إلى صنعاء من فج عميق (١) تؤم بنا ابن ذي يزن وتغرى … بذات بطونها ذم الطريق وترعى من مخايله بروقا … مواصلة الوميض الى بروق فلما واصلت صنعاء حلت … بدار الملك والحسب العريق وهكذا رواه الحافظ ابو نعيم في الدلائل من طريق عمرو بن بكير بن بكار القعنبي ثم قال أبو نعيم أخبرت عن أبى الحسن على بن إبراهيم بن عبد ربه بن محمد بن عبد العزيز بن عفير بن عبد العزيز بن السفر بن عفير بن زرعة بن سيف بن ذي يزن حدثني أبى أبو يزن إبراهيم حدثنا عمى احمد بن محمد ابو

стр. 669

رجاء به حدثنا عمى محمد بن عبد العزيز حدثني عبد العزيز بن عفير عن أبيه عن زرعة بن سيف بن ذي يزن الحميري قال لما ظهر جدي سيف بن ذي يزن على الحبشة. وذكره بطوله. وقال أبو بكر الخرائطى حدثنا أبو يوسف يعقوب بن إسحاق القلوسي حدثنا العلاء بن الفضل بن أبى سوية أخبرنى أبى عن أبيه عبد الملك بن أبى سوية عن جده أبى سوية عن أبيه خليفة قال سألت محمد بن عثمان بن ربيعة بن سواءة ابن خثعم بن سعد فقلت كيف سماك أبوك محمدا؟ فقال سألت أبي عما سألتني عنه، فقال خرجت رابع أربعة من بنى تميم أنا منهم، وسفيان بن مجاشع بن دارم، وأسامة بن مالك بن جندب بن العقيد، ويزيد ابن ربيعة بن كنانة بن حربوص بن مازن، ونحن نريد ابن جفنة ملك غسان فلما شارفنا الشام نزلنا على غدير عليه شجرات فتحدثنا فسمع كلامنا راهب، فأشرف علينا فقال إن هذه لغة ما هي بلغة هذه البلاد فقلنا نعم نحن قوم من مضر، قال من أي المضرين؟ قلنا من خندف قال أما إنه سيبعث وشيكا نبي خاتم النبيين، فسارعوا اليه وخذوا بحظكم منه ترشدوا. فقلنا له ما اسمه؟ قال: اسمه محمد. قال فرجعنا من عند ابن جفنة فولد لكل واحد منا ابن فسماه محمدا. يعنى ان كل واحد منهم طمع في أن يكون هذا النبي المبشر به ولده. وقال الحافظ أبو بكر الخرائطى: حدثنا عبد الله بن أبى سعد حدثنا حازم بن عقال بن الزهر بن حبيب بن المنذر بن أبى الحصين بن السموأل بن عاديا حدثني جابر بن جدان بن جميع بن عثمان بن سماك بن الحصين بن السموأل بن عاديا. قال لما حضرت الأوس بن حارثة بن ثعلبة بن عمرو بن عامر الوفاة اجتمع اليه قومه من غسان فقالوا إنه قد حضرك من أمر الله ما ترى وكنا نأمرك بالتزوج في شبابك فتأبى وهذا أخوك الخزرج له خمسة بنين، وليس لك ولد غير مالك فقال: لن يهلك هالك ترك مثل مالك إن الّذي يخرج النار من الوثيمة (١) قادر أن يجعل لمالك نسلا ورجالا بسلا وكل إلى الموت ثم أقبل على مالك وقال: أي بنى المنية ولا الدنية، العقاب ولا العتاب، التجلد ولا التلدد (٢) القبر خير من الفقر، إنه من قل ذل، ومن كر فر، من كرم الكريم الدفع عن الحريم. والدهر يومان فيوم لك ويوم عليك، فإذا كان لك فلا تبطر، وإذا كان عليك فاصطير، وكلاهما سينحسر، ليس يثبت منهما الملك المتوج، ولا اللئيم المعلهج، سلم ليومك حياك ربك، ثم أنشأ يقول: شهدت السبايا يوم آل محرق … وأدرك أمرى صيحة الله في الحجر فلم أر ذا ملك من الناس واحدا … ولا سوقة إلا إلى الموت والقبر فعلّ الّذي أردى ثمودا وجرهما … سيعقب لي نسلا على آخر الدهر

стр. 670

تقربهم من آل عمرو بن عامر … عيون لدى الداعي إلى طلب الوتر فان لم تك الأيام أبلين جدتى … وشيبن رأسي والمشيب مع العمر فان لنا ربا علا فوق عرشه … عليما بما يأتى من الخير والشر ألم يأت قومي أن لله دعوة … يفوز بها أهل السعادة والبر إذا بعث المبعوث من آل غالب … بمكة فيما بين مكة والحجر هنالك فابغوا نصره ببلادكم … بنى عامر إن السعادة في النصر قال ثم قضى من ساعته. باب في هواتف الجان وهو ما ألقته الجان على ألسنة الكهان ومسموعا من الأوثان وقد تقدم كلام شق وسطيح لربيعة بن نصر ملك اليمن في البشارة بوجود رسول الله ﷺ ، رسول ذكي يأتى اليه الوحي من قبل العلى. وسيأتي في المولد قول سطيح لعبد المسيح: إذا كثرت التلاوة وغاضت بحيرة ساوة وجاء صاحب الهراوة يعنى بذلك رسول الله ﷺ كما سيأتي بيانه مفصلا (١) وقال البخاري حدثنا يحيى بن سليمان الجعفي حدثني ابن وهب حدثني عمرو - هو محمد بن زيد - أن سالما حدثه عن عبد الله بن عمر قال ما سمعت عمر يقول لشيء قط إني لأظنه إلا كان كما يظن. بينما عمر بن الخطاب جالس إذ مر به رجل جميل، فقال لقد أخطأ ظني أو إن هذا على دينه في الجاهلية أو لقد كان كاهنهم، عليّ الرجل، فدعى به فقال له ذلك فقال: ما رأيت كاليوم استقبل به رجلا مسلما. قال فانى أعزم عليك إلا ما أخبرتنى قال كنت كاهنهم في الجاهلية، قال فما أعجب ما جاءتك به جنيتك؟ قال بينما أنا في السوق يوما جاءتني أعرف فيها الفزع. فقالت: ألم تر الجن وإبلاسها … وياسها من بعد أنكاسها؟ ولحوقها بالقلاص وأحلاسها قال عمر صدق بينا أنا نائم عند آلهتهم جاء رجل بعجل فذبحه فصرخ به صارخ لم أسمع صارخا قط أشد صوتا منه يقول: يا جليح أمر نجيح، رجل فصيح، يقول لا إله إلا الله فوثب القوم، فقلت لا أبرح حتى أعلم ما وراء هذا. ثم نادى يا جليح أمر نجيح، رجل فصيح يقول لا إله إلا الله، فقمت فما نشبنا أن قيل هذا نبي. تفرد به البخاري. وهذا الرجل هو سواد بن قارب الأزدي. ويقال السدوسي من أهل السراة من جبال البلقاء
следующие страницы →