← История

История · id 23708

البداية والنهاية - ط السعادة

ابن كثير

Полный текст (4 918 стр.). Показаны 666–705 · переход к 671.

стр. 666

أوساطهم ويخوضون البحور الى أعدائهم فيهم صلاة لو كانت في قوم نوح ما أهلكوا بالطوفان، وفي عاد ما أهلكوا بالريح، وفي ثمود ما أهلكوا بالصيحة: بسم الله وقوله الحق وقول الظالمين في تباب. ثم ذكر قصة أخرى قال فعجب رسول الله ﷺ لما قرأت عليه فيها. وذكرنا عند قوله تعالى في سورة الأعراف ﴿الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوباً عِنْدَهُمْ فِي التَّوْراةِ وَالْإِنْجِيلِ﴾ قصة هشام بن العاص الأموي حين بعثه الصديق في سرية الى هرقل يدعوه الى الله . فذكر أنه أخرج لهم صور الأنبياء في رقعة من آدم الى محمد صلوات الله عليه وسلامه عليهم أجمعين على النعت والشكل الّذي كانوا عليه. ثم ذكر أنه لما أخرج صورة رسول الله ﷺ قام قائما إكراما له. ثم جلس وجعل ينظر إليها ويتأملها. قال فقلنا له من أين لك هذه الصورة؟ فقال: إن آدم سأل ربه أن يريه جميع الأنبياء من ذلك، فانزل عليه صورهم، فكان في خزانة آدم ﵇ عند مغرب الشمس فاستخرجها ذو القرنين، فدفعها الى دانيال. ثم قال: اما والله إن نفسي قد طابت بالخروج من ملكي وأنى كنت عبدا لاشركم ملكة حتى أموت. ثم أجازنا فأحسن جائزتنا وسرحنا. فلما أتينا أبا بكر الصديق فحدثناه بما رأينا وما أجازنا وما قال لنا، قال فبكى وقال: مسكين لو أراد الله به خيرا لفعل، ثم قال أخبرنا رسول الله ﷺ أنهم واليهود يجدون نعت محمد عندهم. رواه الحاكم بطوله فليكتب هاهنا من التفسير. ورواه البيهقي في دلائل النبوة. وقال الأموي: حدثنا عبد الله بن زياد عن ابن إسحاق. قال وحدثني يعقوب بن عبد الله بن جعفر بن عمرو بن أمية عن أبيه عن جده عمرو بن أمية قال: قدمت برقيق من عند النجاشي أعطانيهم فقالوا لي يا عمرو لو رأينا رسول الله لعرفناه من غير أن تخبرنا، فمر أبو بكر فقلت أهو هذا؟ قالوا لا، فمر عمر فقلت أهو هذا؟ قالوا لا فدخلنا الدار فمر رسول الله ﷺ فنادوني يا عمرو هذا رسول الله ﷺ فنظرت فإذا هو هو من غير أن يخبرهم به أحد، عرفوه بما كانوا يجدونه مكتوبا عندهم وقد تقدم إنذار سبإ لقومه وبشارته لهم بوجود رسول الله ﷺ في شعر أسلفناه في ترجمته فأغنى عن إعادته، وتقدم قول الحبرين من اليهود لتبع اليماني حين حاصر أهل المدينة إنها مهاجر نبي يكون في آخر الزمان فرجع عنها ونظم شعرا يتضمن السلام على النبي ﷺ . قصة سيف بن ذي يزن الحميري وبشارته بالنبيّ الأمي وقال الحافظ أبو بكر محمد بن جعفر بن سهل الخرائطى في كتابه هواتف الجان: حدثنا على بن حرب حدثنا احمد بن عثمان بن حكيم حدثنا عمرو بن بكر - هو ابن بكار القعنبي - عن احمد بن القاسم عن محمد بن السائب الكلبي عن أبى صالح عن عبد الله بن عباس. قال: لما ظهر سيف بن ذي يزن قال ابن المنذر - واسمه النعمان بن قيس - على الحبشة وذلك بعد مولد رسول الله ﷺ بسنتين أتته وفود

стр. 667

العرب وشعراؤها تهنئة وتمدحه وتذكر ما كان من حسن بلائه، وأتاه فيمن أتاه وفود قريش فيهم عبد المطلب بن هاشم، وأمية بن عبد شمس أبى عبد الله (١) وعبد الله بن جدعان، وخويلد بن أسد في أناس من وجوه قريش فقدموا عليه صنعاء، فإذا هو في رأس غمدان الّذي ذكره أمية بن أبى الصلت: واشرب هنيئا عليك التاج مرتفعا … في رأس غمدان دارا منك محلالا فدخل عليه الآذن، فأخبره بمكانهم فاذن لهم، فدنا عبد المطلب فاستأذنه في الكلام فقال له ان كنت ممن يتكلم بين يدي فقد أذنا لك، فقال له عبد المطلب ان الله قد أحلك أيها الملك محلا رفيعا صعبا منيعا، شامخا باذخا، وأنبتك منبتا طابت أرومته، وعزت جرثومته، وثبت أصله، وبسق فرعه في أكرم موطن وأطيب معدن فأنت - أبيت اللعن - ملك العرب وربيعها الّذي تخصب به البلاد، ورأس العرب الّذي له تنقاد، وعمودها الّذي عليه العماد، ومعقلها الّذي يلجأ اليه العباد. وسلفك خير سلف، وأنت لنا منهم خير خلف. فلن يخمد من هم سلفه ولن يهلك من أنت خلفه، ونحن أيها الملك أهل حرم الله وسدنة بيته، أشخصنا إليك الّذي أبهجك من كشف الكرب الّذي قد فدحنا، وفد التهنئة لا وفد المرزئة. قال: وأيهم أنت أيها المتكلم؟ قال أنا عبد المطلب بن هاشم. قال ابن أختنا؟ قال نعم، قال ادن فأدناه، ثم أقبل عليه وعلى القوم فقال مرحبا وأهلا وناقة ورحلا، ومستناخا سهلا، وملكا ربحلا (٢) يعطى عطاء جزلا. قد سمع الملك مقالتكم وعرف قرابتكم، وقبل وسيلتكم، فأنتم أهل الليل والنهار، ولكم الكرامة ما أقمتم والحباء إذا ظعنتم، ثم نهضوا الى دار الكرامة والوفود، فأقاموا شهرا لا يصلون اليه ولا يأذن لهم بالانصراف، ثم انتبه لهم انتباهة فأرسل الى عبد المطلب فادنى مجلسه وأخلاه ثم قال: يا عبد المطلب إني مفض إليك من سر علمي ما لو يكون غيرك لم أبح به. ولكنى رأيتك معدنه فاطلعتك طليعه فليكن عندك مطويا حتى يأذن الله فيه، فان الله بالغ أمره، انى أجد في الكتاب المكنون والعلم المخزون الّذي اخترناه لأنفسنا واحتجناه دون غيرنا خبرا عظيما، وخطرا جسيما فيه شرف الحياة وفضيلة الوفاة للناس عامة ولرهطك كافة ولك خاصة. فقال عبد المطلب أيها الملك مثلك سر وبر، فما هو فداؤك أهل الوبر زمرا بعد زمر؟ قال إذا ولد بتهامة، غلام به علامة، بين كتفيه شامة كانت له الإمامة، ولكم به الزعامة الى يوم القيامة. قال عبد المطلب - أبيت اللعن - لقد أبت بخير ما آب به وافد، ولولا هيبة الملك وإجلاله وإعظامه لسألته من بشارته إياي ما ازداد به سرورا. قال ابن ذي يزن هذا حينه الّذي يولد فيه أو قد ولد واسمه محمد. يموت أبوه وأمه ويكفله جده وعمه. ولدناه مرارا والله باعثه جهارا، وجاعل له منا أنصارا يعز بهم أولياءه ويذل بهم أعداءه، ويضرب بهم الناس عن عرض، ويستبيح بهم كرائم الأرض، يكسر الأوثان ويخمد النيران، يعبد الرحمن ويدحر

стр. 668

الشيطان، قوله فصل وحكمه عدل يأمر بالمعروف ويفعله وينهى عن المنكر ويبطله. فقال عبد المطلب أيها الملك - عز جدك وعلا كعبك، ودام ملكك، وطال عمرك. فهذا نجارى فهل الملك سار لي بإفصاح فقد أوضح لي بعض الإيضاح. فقال ابن ذي يزن: والبيت ذي الحجب والعلامات على النقب انك يا عبد المطلب لجده غير كذب، فخر عبد المطلب ساجدا فقال ارفع رأسك ثلج صدرك وعلا أمرك فهل أحسست شيئا مما ذكرت لك. فقال أيها الملك كان لي ابن وكنت به معجبا وعليه رفيقا فزوجته كريمة من كرائم قومه آمنة بنت وهب فجاءت بغلام سميته محمدا فمات أبوه وأمه وكفلته انا وعمه. قال ابن ذي يزن إن الّذي قلت لك كما قلت فاحتفظ بابنك واحذر عليه اليهود فإنهم له أعداء ولن يجعل الله لهم عليه سبيلا، واطو ما ذكرت لك دون هؤلاء الرهط الذين معك فانى لست آمن ان تدخل لهم النفاسة من أن تكون لكم الرئاسة فيطلبون له الغوائل وينصبون له الحبائل فهم فاعلون أو أبناؤهم ولولا انى اعلم أن الموت مجتاحي قبل مبعثه لسرت بخيلي ورجلي حتى أصير بيثرب دار مملكته فانى أجد في الكتاب الناطق والعلم السابق ان بيثرب استحكام امره وأهل نصرته وموضع قبره ولولا انى أقيه الآفات واحذر عليه العاهات لأعلنت على حداثة سنه أمره ولأوطأت اسنان العرب عقبه، ولكنى صارف ذلك إليك عن غير تقصير بمن معك. قال ثم أمر لكل رجل منهم بعشرة أعبد وعشرة إماء وبمائة من الإبل وحلتين من البرود وبخمسة أرطال من الذهب وعشرة أرطال فضة وكرش مملوء عنبرا وأمر لعبد المطلب بعشرة أضعاف ذلك وقال له: إذا حال الحول فأتنى فمات ابن ذي يزن قبل أن يحول الحول، فكان عبد المطلب كثيرا ما يقول لا يغبطني رجل منكم بجزيل عطاء الملك فإنه الى نفاد ولكن ليغبطنى بما يبقى لي ولعقبى من بعدي ذكره وفخره وشرفه، فإذا قيل له متى ذلك قال سيعلم ولو بعد حين قال وفي ذلك يقول أمية بن عبد شمس: جلبنا النصح تحقبه المطايا … على أكوار إجمال ونوق مقلفة مراتعها تعالى … إلى صنعاء من فج عميق (١) تؤم بنا ابن ذي يزن وتغرى … بذات بطونها ذم الطريق وترعى من مخايله بروقا … مواصلة الوميض الى بروق فلما واصلت صنعاء حلت … بدار الملك والحسب العريق وهكذا رواه الحافظ ابو نعيم في الدلائل من طريق عمرو بن بكير بن بكار القعنبي ثم قال أبو نعيم أخبرت عن أبى الحسن على بن إبراهيم بن عبد ربه بن محمد بن عبد العزيز بن عفير بن عبد العزيز بن السفر بن عفير بن زرعة بن سيف بن ذي يزن حدثني أبى أبو يزن إبراهيم حدثنا عمى احمد بن محمد ابو

стр. 669

رجاء به حدثنا عمى محمد بن عبد العزيز حدثني عبد العزيز بن عفير عن أبيه عن زرعة بن سيف بن ذي يزن الحميري قال لما ظهر جدي سيف بن ذي يزن على الحبشة. وذكره بطوله. وقال أبو بكر الخرائطى حدثنا أبو يوسف يعقوب بن إسحاق القلوسي حدثنا العلاء بن الفضل بن أبى سوية أخبرنى أبى عن أبيه عبد الملك بن أبى سوية عن جده أبى سوية عن أبيه خليفة قال سألت محمد بن عثمان بن ربيعة بن سواءة ابن خثعم بن سعد فقلت كيف سماك أبوك محمدا؟ فقال سألت أبي عما سألتني عنه، فقال خرجت رابع أربعة من بنى تميم أنا منهم، وسفيان بن مجاشع بن دارم، وأسامة بن مالك بن جندب بن العقيد، ويزيد ابن ربيعة بن كنانة بن حربوص بن مازن، ونحن نريد ابن جفنة ملك غسان فلما شارفنا الشام نزلنا على غدير عليه شجرات فتحدثنا فسمع كلامنا راهب، فأشرف علينا فقال إن هذه لغة ما هي بلغة هذه البلاد فقلنا نعم نحن قوم من مضر، قال من أي المضرين؟ قلنا من خندف قال أما إنه سيبعث وشيكا نبي خاتم النبيين، فسارعوا اليه وخذوا بحظكم منه ترشدوا. فقلنا له ما اسمه؟ قال: اسمه محمد. قال فرجعنا من عند ابن جفنة فولد لكل واحد منا ابن فسماه محمدا. يعنى ان كل واحد منهم طمع في أن يكون هذا النبي المبشر به ولده. وقال الحافظ أبو بكر الخرائطى: حدثنا عبد الله بن أبى سعد حدثنا حازم بن عقال بن الزهر بن حبيب بن المنذر بن أبى الحصين بن السموأل بن عاديا حدثني جابر بن جدان بن جميع بن عثمان بن سماك بن الحصين بن السموأل بن عاديا. قال لما حضرت الأوس بن حارثة بن ثعلبة بن عمرو بن عامر الوفاة اجتمع اليه قومه من غسان فقالوا إنه قد حضرك من أمر الله ما ترى وكنا نأمرك بالتزوج في شبابك فتأبى وهذا أخوك الخزرج له خمسة بنين، وليس لك ولد غير مالك فقال: لن يهلك هالك ترك مثل مالك إن الّذي يخرج النار من الوثيمة (١) قادر أن يجعل لمالك نسلا ورجالا بسلا وكل إلى الموت ثم أقبل على مالك وقال: أي بنى المنية ولا الدنية، العقاب ولا العتاب، التجلد ولا التلدد (٢) القبر خير من الفقر، إنه من قل ذل، ومن كر فر، من كرم الكريم الدفع عن الحريم. والدهر يومان فيوم لك ويوم عليك، فإذا كان لك فلا تبطر، وإذا كان عليك فاصطير، وكلاهما سينحسر، ليس يثبت منهما الملك المتوج، ولا اللئيم المعلهج، سلم ليومك حياك ربك، ثم أنشأ يقول: شهدت السبايا يوم آل محرق … وأدرك أمرى صيحة الله في الحجر فلم أر ذا ملك من الناس واحدا … ولا سوقة إلا إلى الموت والقبر فعلّ الّذي أردى ثمودا وجرهما … سيعقب لي نسلا على آخر الدهر

стр. 670

تقربهم من آل عمرو بن عامر … عيون لدى الداعي إلى طلب الوتر فان لم تك الأيام أبلين جدتى … وشيبن رأسي والمشيب مع العمر فان لنا ربا علا فوق عرشه … عليما بما يأتى من الخير والشر ألم يأت قومي أن لله دعوة … يفوز بها أهل السعادة والبر إذا بعث المبعوث من آل غالب … بمكة فيما بين مكة والحجر هنالك فابغوا نصره ببلادكم … بنى عامر إن السعادة في النصر قال ثم قضى من ساعته. باب في هواتف الجان وهو ما ألقته الجان على ألسنة الكهان ومسموعا من الأوثان وقد تقدم كلام شق وسطيح لربيعة بن نصر ملك اليمن في البشارة بوجود رسول الله ﷺ ، رسول ذكي يأتى اليه الوحي من قبل العلى. وسيأتي في المولد قول سطيح لعبد المسيح: إذا كثرت التلاوة وغاضت بحيرة ساوة وجاء صاحب الهراوة يعنى بذلك رسول الله ﷺ كما سيأتي بيانه مفصلا (١) وقال البخاري حدثنا يحيى بن سليمان الجعفي حدثني ابن وهب حدثني عمرو - هو محمد بن زيد - أن سالما حدثه عن عبد الله بن عمر قال ما سمعت عمر يقول لشيء قط إني لأظنه إلا كان كما يظن. بينما عمر بن الخطاب جالس إذ مر به رجل جميل، فقال لقد أخطأ ظني أو إن هذا على دينه في الجاهلية أو لقد كان كاهنهم، عليّ الرجل، فدعى به فقال له ذلك فقال: ما رأيت كاليوم استقبل به رجلا مسلما. قال فانى أعزم عليك إلا ما أخبرتنى قال كنت كاهنهم في الجاهلية، قال فما أعجب ما جاءتك به جنيتك؟ قال بينما أنا في السوق يوما جاءتني أعرف فيها الفزع. فقالت: ألم تر الجن وإبلاسها … وياسها من بعد أنكاسها؟ ولحوقها بالقلاص وأحلاسها قال عمر صدق بينا أنا نائم عند آلهتهم جاء رجل بعجل فذبحه فصرخ به صارخ لم أسمع صارخا قط أشد صوتا منه يقول: يا جليح أمر نجيح، رجل فصيح، يقول لا إله إلا الله فوثب القوم، فقلت لا أبرح حتى أعلم ما وراء هذا. ثم نادى يا جليح أمر نجيح، رجل فصيح يقول لا إله إلا الله، فقمت فما نشبنا أن قيل هذا نبي. تفرد به البخاري. وهذا الرجل هو سواد بن قارب الأزدي. ويقال السدوسي من أهل السراة من جبال البلقاء

стр. 671

له صحبة ووفادة. قال أبو حاتم وابن مندة روى عنه سعيد بن جبير، وأبو جعفر محمد بن على، وقال البخاري له صحبة. وهكذا ذكره في أسماء الصحابة احمد بن روح البرذعي الحافظ، والدارقطنيّ، وغيرهما وقال الحافظ عبد الغنى بن سعيد المصري سواد بن قارب بالتخفيف. وقال عثمان الوقاصى عن محمد بن كعب القرظي كان من أشراف أهل اليمن ذكره أبو نعيم في الدلائل. وقد روى حديثه من وجوه أخر مطولة بالبسط من رواية البخاري. وقال محمد بن إسحاق: حدثني من لا اتهم عن عبد الله بن كعب مولى عثمان بن عفان انه حدث أن عمر بن الخطاب ﵁ بينما هو جالس في الناس في مسجد رسول الله ﷺ إذ أقبل رجل من العرب داخل المسجد يريد عمر بن الخطاب. فلما نظر اليه عمر قال ان الرجل لعلى شركه ما فارقه بعد أو لقد كان كاهنا في الجاهلية فسلم عليه الرجل ثم جلس، فقال له عمر: هل أسلمت؟ قال نعم يا أمير المؤمنين. قال فهل كنت كاهنا في الجاهلية؟ فقال الرجل سبحان الله يا أمير المؤمنين، لقد خلت فىّ واستقبلتني بأمر ما أراك قلته لأحد من رعيتك منذ وليت ما وليت. فقال عمر: اللهمّ غفرا قد كنا في الجاهلية على شر من هذا نعبد الأصنام ونعتنق الأوثان حتى أكرمنا الله برسوله وبالإسلام. قال نعم والله يا أمير المؤمنين لقد كنت كاهنا في الجاهلية قال فأخبرني ما جاء به صاحبك. قال جاءني قبل الإسلام بشهر أو شيعه (١) فقال: ألم تر الى الجن وإبلاسها، وإياسها من دينها، ولحوقها بالقلاص وأحلاسها. قال ابن إسحاق: هذا الكلام سجع ليس بشعر. [قال عبد الله بن كعب]. فقال عمر عند ذلك يحدث الناس: والله انى لعند وثن من أوثان الجاهلية في نفر من قريش قد ذبح له رجل من العرب عجلا، فنحن ننتظر قسمه ان يقسم لنا منه، إذ سمعت من جوف العجل صوتا ما سمعت صوتا قط أشد منه، وذلك قبل الإسلام بشهر أو شيعه يقول: يا ذريح أمر نجيح رجل يصيح يقول لا إله إلا الله. قال ابن هشام ويقال رجل يصيح بلسان فصيح يقول لا إله إلا الله قال وأنشدنى بعض أهل العلم بالشعر: عجبت للجن وإبلاسها … وشدها العيس باحلاسها تهوى الى مكة تبغي الهدى … ما مؤمنو الجن كأنجاسها وقال الحافظ أبو يعلى الموصلي حدثنا يحيى بن حجر بن النعمان الشامي حدثنا على بن منصور الأنباري عن محمد بن عبد الرحمن الوقاصى عن محمد بن كعب القرظي. قال بينما عمر بن الخطاب ﵁ ذات يوم جالس إذ مر به رجل. فقيل يا أمير المؤمنين أتعرف هذا المار؟ قال ومن هذا؟ قالوا هذا سواد بن قارب الّذي أتاه رئيه بظهور رسول الله ﷺ قال فأرسل اليه عمر. فقال له أنت سواد

стр. 672

ابن قارب قال نعم. قال فأنت على ما كنت عليه من كهانتك؟ قال فغضب. وقال ما استقبلني بهذا أحد منذ أسلمت يا أمير المؤمنين، فقال عمر يا سبحان الله ما كنا عليه من الشرك أعظم مما كنت عليه من كهانتك، فأخبرني ما أنبأك رئيك بظهور رسول الله ﷺ ؟ قال نعم يا أمير المؤمنين بينما أنا ذات ليلة بين النائم واليقظان إذ أتانى رئيي فضربني برجله وقال قم يا سواد بن قارب، واسمع مقالتي واعقل ان كنت تعقل، إنه قد بعث رسول من لؤيّ بن غالب يدعو إلى الله وإلى عبادته ثم أنشأ يقول: عجبت للجن وتطلابها … وشدها العيس بأقتابها تهوى إلى مكة تبغي الهدى … ما صادق الجن ككذابها فارجل إلى الصفوة من هاشم … ليس قداماها كأذنابها قال قلت دعني أنام فأنى أمسيت ناعسا. قال فلما كانت الليلة الثانية أتانى فضربني برجله وقال قم يا سواد بن قارب واسمع مقالتي، واعقل إن كنت تعقل، إنه بعث رسول من لؤيّ بن غالب يدعو إلى الله وإلى عبادته، ثم أنشأ يقول: عجبت للجن وتحيارها … وشدّها العيس بأكوارها تهوى الى مكة تبغي الهدى … ما مؤمنو الجن ككفارها فارحل إلى الصفوة من هاشم … بين روابيها وأحجارها قال قلت دعني أنام، فانى أمسيت ناعسا، فلما كانت الليلة الثالثة أتانى فضربني برجله. وقال: قم يا سواد بن قارب، فاسمع مقالتي، واعقل إن كنت تعقل، إنه قد بعث رسول من لؤيّ بن غالب يدعو الى الله والى عبادته ثم أنشأ يقول: عجبت للجن وتحساسها … وشدها العيس بأحلاسها تهوى إلى مكة تبغي الهدى … ما خيّر الجن كأنجاسها فارحل إلى الصفوة من هاشم … واسم بعينيك إلى رأسها قال فقمت وقلت: قد امتحن الله قلبي، فرحّلت ناقتي ثم أتيت المدينة - يعنى مكة - فإذا رسول الله ﷺ في أصحابه فدنوت فقلت: اسمع مقالتي يا رسول الله. قال هات فأنشأت أقول: أتانى نجيىّ بعد هدء ورقدة … ولم يك فيما قد تلوت بكاذب ثلاث ليال قوله كل ليلة … أتاك رسول من لؤيّ بن غالب فشمّرت عن ذيلي الازار ووسطت … بى الذعلب الوجناء غير السباسب فاشهد أن الله لا شيء غيره … وأنك مأمون على كل غالب وأنك أدنى المرسلين وسيلة … إلى الله يا ابن الأكرمين الأطايب

стр. 673

فمرنا بما يأتيك يا خير من مشى … وإن كان فيما جاء شيب الذوائب وكن لي شفيعا يوم لا ذو شفاعة … سواك بمغن عن سواد بن قارب قال ففرح رسول الله ﷺ وأصحابه بمقالتي فرحا شديدا، حتى رئي الفرح في وجوههم. قال فوثب اليه عمر بن الخطاب فالتزمه وقال قد كنت أشتهى أن أسمع هذا الحديث منك فهل يأتيك رئيك اليوم؟ قال أما منذ قرأت القرآن فلا، ونعم العوض كتاب الله من الجن. ثم قال عمر: كنا يوما في حي من قريش يقال لهم آل ذريح وقد ذبحوا عجلا لهم والجزار يعالجه، إذ سمعنا صوتا من جوف العجل - ولا نرى شيئا - قال يا آل ذريح، أمر نجح صائح يصيح بلسان فصيح يشهد أن لا إله إلا الله، وهذا منقطع من هذا الوجه ويشهد له رواية البخاري. وقد تساعدوا على أن السامع الصوت من العجل هو عمر بن الخطاب والله أعلم. وقال الحافظ أبو بكر محمد بن جعفر بن سهل الخرائطى في كتابه الّذي جمعه في هواتف الجان: حدثنا أبو موسى عمران بن موسى المؤدب حدثنا محمد بن عمران بن محمد بن عبد الرحمن بن أبى ليلى حدثنا سعيد بن عبيد الله الوصابى عن أبيه عن أبى جعفر محمد بن على. قال: دخل سواد بن قارب السدوسي على عمر بن الخطاب ﵁ فقال نشدتك بالله يا سواد بن قارب، هل تحسن اليوم من كهانتك شيئا؟ فقال: سبحان الله يا أمير المؤمنين، ما استقبلت أحدا من جلسائك بمثل ما استقبلتني به قال سبحان الله يا سواد ما كنا عليه من شركنا أعظم مما كنت عليه من كهانتك، والله يا سواد لقد بلغني عنك حديث إنه لعجيب من العجب، قال إي والله يا أمير المؤمنين إنه لعجب من العجب. قال فحدثنيه قال كنت كاهنا في الجاهلية، فبينا أنا ذات ليلة نائم إذ أتانى نجيي فضربني برجله. ثم قال يا سواد اسمع أقل لك، قلت هات قال: عجبت للجن وأنجاسها (١) … ورحلها العيس بأحلاسها تهوى إلى مكة تبغي الهدى … ما مؤمنوها مثل أرجاسها فارحل إلى الصفوة من هاشم … واسم بعينيك إلى رأسها قال فنمت ولم أحفل بقوله شيئا، فلما كانت الليلة الثانية أتانى فضربني برجله ثم قال لي قم يا سواد ابن قارب اسمع أقل لك، قلت هات. قال: عجبت للجن وتطلابها … وشدها العيس بأقتابها تهوى إلى مكة تبغي الهدى … ما صادق الجن ككذابها فارحل إلى الصفوة من هاشم … ليس المقاديم كأذنابها

стр. 674

قال فحرك قوله منى شيئا ونمت فلما كانت الليلة الثالثة أتانى فضربني برجله ثم قال يا سواد بن قارب أتعقل أم لا تعقل؟ قلت وما ذاك؟ قال ظهر بمكة نبي يدعو إلى عبادة ربه فالحق به، اسمع أقل لك. قلت هات قال: عجبت للجن وتنفارها … ورحلها العيس بأكوارها تهوى إلى مكة تبغي الهدى … ما مؤمنو الجن ككفارها فارحل إلى الصفوة من هاشم … بين روابيها وأحجارها قال فعلمت أن الله قد أراد بى خيرا. فقمت إلى بردة لي ففتقتها ولبستها ووضعت رجلي في غرز ركاب الناقة. وأقبلت حتى انتهيت إلى النبي ﷺ فعرض على الإسلام فأسلمت، وأخبرته الخبر فقال «إذا اجتمع المسلمون فأخبرهم» فلما اجتمع المسلمون قمت فقلت: أتانى نجيي بعد هدء ورقدة … ولم يك فيما قد بلوت بكاذب ثلاث ليال قوله كل ليلة … أتاك رسول من لؤيّ بن غالب فشمرت عن ذيلي الازار ووسطت … بى الذعلب الوجناء غير السباسب (١) واعلم أن الله لا رب غيره … وأنك مأمون على كل غائب وأنك أدنى المرسلين وسيلة … إلى الله يا ابن الأكرمين الأطايب فمرنا بما يأتيك يا خير مرسل … وإن كان فيما جاء شيب الذوائب (٢) قال فسر المسلمون بذلك، فقال عمر هل تحس اليوم منها بشيء؟ قال أما إذ علمني الله القرآن فلا وقد رواه محمد بن السائب الكلبي عن أبيه عن عمر بن حفص. قال لما ورد سواد بن قارب على عمر قال: يا سواد بن قارب ما بقي من كهانتك؟ فغضب وقال ما أظنك يا أمير المؤمنين استقبلت أحدا من العرب بمثل هذا، فلما رأى ما في وجهه من الغضب، قال: انظر سوّاد للذي كنا عليه قبل اليوم من الشرك أعظم. ثم قال يا سواد حدثني حديثا كنت أشتهى أسمعه منك، قال نعم، بين أنا في إبل لي بالسراة ليلا وأنا نائم وكان لي نجى من الجن أتانى فضربني برجله فقال لي قم يا سواد بن قارب فقد ظهر بتهامة نبي يدعو الى الحق والى طريق مستقيم، فذكر القصة كما تقدم وزاد في آخر الشعر: وكن لي شفيعا يوم لا ذو قرابة … سواك بمغن عن سواد بن قارب (٣)

стр. 675

فقال رسول الله ﷺ : «سر في قومك وقل هذا الشعر فيهم». ورواه الحافظ ابن عساكر من طريق سليمان بن عبد الرحمن عن الحكم بن يعلى بن عطاء المحاربي عن عباد بن عبد الصمد عن سعيد بن جبير قال أخبرنى سواد بن قارب الأزدي. قال: كنت نائما على جبل من جبال السراة فأتاني آت فضربني برجله - وذكر القصة أيضا. ورواه أيضا من طريق محمد بن البراء عن أبى بكر بن عياش عن أبى إسحاق عن البراء. قال قال سواد بن قارب: كنت نازلا بالهند فجاءني رئيي ذات ليلة فذكر القصة. وقال بعد إنشاد الشعر الأخير فضحك رسول الله ﷺ حتى بدت نواجذه وقال: «أفلحت يا سواد». وقال أبو نعيم في كتاب دلائل النبوة (١) حدثنا عبد الله بن محمد بن جعفر حدثنا عبد الرحمن بن الحسن حدثنا على بن حرب حدثنا أبو المنذر هشام بن محمد بن السائب عن أبيه عن عبد الله العماني. قال كان منا رجل يقال له مازن بن العضوب يسدن صنما بقرية يقال لها سمايا، من عمان، وكانت تعظمه بنو الصامت وبنو حطامة ومهرة وهم أخوال مازن. أمه زينب بنت عبد الله بن ربيعة بن خويص (٢) أحد بنى نمران قال مازن: فعترنا يوما عند الصنم عتيرة - وهي الذبيحة (٣) - فسمعت صوتا من الصنم يقول: يا مازن اسمع تسر، ظهر خير وبطن شر، بعث نبي من مضر، بدين الله الأكبر، فدع نحيتا من حجر. تسلم من حر سقر. قال ففزعت لذلك فزعا شديدا. ثم عترنا بعد أيام عتيرة أخرى، فسمعت صوتا من الصنم يقول: اقبل الى اقبل، تسمع ما لا تجهل، هذا نبي مرسل، جاء بحق منزل، فآمن به كي تعدل عن حر نار تشعل وقودها الجندل. قال مازن: فقلت إن هذا لعجب وان هذا لخير يراد بى وقدم علينا رجل من الحجاز فقلت ما الخبر وراءك؟ فقال ظهر رجل يقال له أحمد، يقول لمن أتاه أجيبوا داعي الله، فقلت هذا نبأ ما سمعت، فثرت الى الصنم فكسرته جذاذا وركبت راحلتي حتى قدمت على رسول الله ﷺ فشرح الله صدري للإسلام، فأسلمت، وقلت: كسرت باجرا (٤) جذاذا وكان لنا … ربا نطيف به ضلا بتضلال فالهاشمى هدانا من ضلالتنا … ولم يكن دينه منى على بال يا راكبا بلغن عمرا واخوتها … إني لمن قال ربى باجر قالى يعنى يعمرو الصامت واخوتها حطامة. فقلت يا رسول الله إني امرؤ مولع بالطرب وبالهلوك من النساء وشرب الخمر. وألحت علينا السنون فاذهبن الأموال واهزلن السراري وليس لي ولد، فادعو

стр. 676

الله أن يذهب عنى ما أجد ويأتينا بالحيا، ويهب لي ولدا فقال النبي ﷺ : «اللهمّ أبدله بالطرب قراءة القرآن، وبالحرام الحلال وبالإثم وبالعهر عفة وآته بالحيا وهب له ولدا» قال فاذهب الله عنى ما أجد وأخصبت عمان وتزوجت أربع حرائر وحفظت شطر القرآن، ووهب لي حيان بن مازن وأنشأ يقول: إليك رسول الله خبت مطيتي … تجوب الفيافي من عمان الى العرج لتشفع لي يا خير من وطئ الحصى … فيغفر لي ربى فارجع بالفلج الى معشر خالفت في الله دينهم … فلا رأيهم رأيي ولا شرجهم شرجى وكنت امرأ بالخمر والعهر مولعا … شبابي حتى آذن الجسم بالنهج فبدلنى بالخمر خوفا وخشية … وبالعهر احصانا فحصن لي فرجي فأصبحت همي في الجهاد ونيتي … فلله ما صومي ولله ما حجى قال فلما أتيت قومي انبونى وشتموني، وأمروا شاعرا لهم فهجانى، فقلت إن رددت عليه فإنما اهجو نفسي. فرحلت عنهم فاتتنى منهم زلفة عظيمة وكنت القيم بأمورهم فقالوا يا ابن عم: عبنا عليك أمرا وكرهنا ذلك فان أبيت ذلك فارجع وقم بأمورنا وشأنك وما تدين به. فرجعت معهم وقلت: لبغضكم عندنا مر مذاقته … وبغضنا عندكم يا قومنا لبن لا يفطن الدهر ان بثت معايبكم … وكلكم حين يثنى عيبنا فطن شاعرنا مفحم عنكم وشاعركم … في حدبنا مبلغ في شتمنا لسن ما في القلوب عليكم فاعلموا وغر … وفي قلوبكم البغضاء والإحن قال مازن: فهداهم الله بعد الى الإسلام جميعا. وروى الحافظ أبو نعيم من حديث عبد الله بن محمد بن عقيل عن جابر بن عبد الله قال إن أول خبر كان بالمدينة بمبعث رسول الله ﷺ ان امرأة بالمدينة كان لها تابع من الجن، فجاء في صورة طائر أبيض فوقع على حائط لهم، فقالت له لم لا تنزل إلينا فتحدثنا ونحدثك، وتخبرنا ونخبرك؟ فقال لها إنه قد بعث نبي بمكة حرم الزنا ومنع منا القرار. وقال الواقدي: حدثني عبد الرحمن بن عبد العزيز عن الزهري عن على بن الحسين. قال: ان أول خبر قدم المدينة عن رسول الله ﷺ ان امرأة تدعى فاطمة كان لها تابع، فجاءها ذات يوم، فقام على الجدار فقالت ألا تنزل؟ فقال لا انه قد بعث الرسول الّذي حرم الزنا. وأرسله بعض التابعين أيضا وسماه بابن لوذان وذكر انه كان قد غاب عنها مدة، ثم لما قدم عاتبته فقال انى جئت الرسول فسمعته يحرم الزنا فعليك السلام. وقال الواقدي: حدثني محمد بن صالح عن عاصم بن عمر بن قتادة. قال قال عثمان بن عفان:

стр. 677

خرجنا في عير الى الشام - قبل أن يبعث رسول الله ﷺ فلما كنا بأفواه الشام - وبها كاهنة - فتعرضتنا، فقالت أتانى صاحبي فوقف على بابي، فقلت ألا تدخل فقال لا سبيل الى ذلك، خرج أحمد وجاء أمر لا يطاق، ثم انصرفت فرجعت الى مكة فوجدت رسول الله ﷺ قد خرج بمكة يدعو الى الله . وقال الواقدي: حدثني محمد بن عبد الله الزهري. قال: كان الوحي يسمع فلما كان الإسلام منعوا وكانت امرأة من بنى أسد يقال لها سعيرة لها تابع من الجن، فلما رأى الوحي لا يستطاع أتاها فدخل في صدرها فضج في صدرها فذهب عقلها فجعل يقول من صدرها: وضع العناق ومنع الرفاق وجاء أمر لا يطاق واحمد حرم الزنا. وقال الحافظ أبو بكر الخرائطى: حدثنا عبد الله بن محمد البلوى - بمصر - حدثنا عمارة بن زيد حدثنا عيسى بن يزيد عن صالح بن كيسان عمن حدثه عن مرداس بن قيس السدوسي قال حضرت النبي ﷺ وقد ذكرت عنده الكهانة وما كان من تغييرها عند مخرجه - فقلت يا رسول الله قد كان عندنا في ذلك شيء أخبرك أن جارية منا يقال لها الخلصة لم يعلم عليها إلا خيرا، إذ جاءتنا فقالت يا معشر دوس العجب العجب لما أصابنى، هل علمتم إلا خيرا؟ قلنا وما ذاك؟ قالت انى لفي غنمي إذ غشيتني ظلمة ووجدت كحس الرجل مع المرأة فقد خشيت أن أكون قد حبلت. حتى إذا دنت ولادتها وضعت غلاما أغضف له أذنان كأذني الكلب فمكث فينا حتى انه ليلعب مع الغلمان إذ وثب وثبة والقى إزاره وصاح بأعلى صوته وجعل يقول: يا ويلة يا ويلة، يا عولة يا عولة، يا ويل غنم، يا ويل فهم، من قابس النار. الخيل والله وراء العقبة، فيهن فتيان حسان نجبة. قال فركبنا وأخذنا للاداة وقلنا يا ويلك ما ترى فقال [هل] من جارية طامث فقلنا ومن لنا بها؟ فقال شيخ منا هي والله عندي عفيفة الأم فقلنا فعجلها فأتى بالجارية وطلع الجبل وقال للجارية اطرحى ثوبك واخرجى في وجوههم، وقال للقوم اتبعوا أثرها، وقال لرجل منا يقال له احمد بن حابس يا احمد بن حابس عليك أول فارس. فحمل احمد فطعن أول فارس فصرعه وانهزموا فغنمناهم. قال فابتنينا عليهم بيتا وسميناه ذا الخلصة، وكان لا يقول لنا شيئا إلا كان كما يقول حتى إذا كان مبعثك يا رسول الله قال لنا يوما يا معشر دوس نزلت بنوا الحارث بن كعب فركبنا فقال لنا أكدسوا الخيل كدسا، أحشوا القوم رمسا، أنفوهم غدية واشربوا الخمر عشية. قال فلقيناهم فهزمونا وغلبونا فرجعنا اليه فقلنا ما حالك وما الّذي صنعت بنا فنظرنا اليه وقد احمرت عيناه وانتصبت أذناه وانبرم غضبانا حتى كاد أن ينفطر وقام فركبنا واغتفرنا هذه له ومكثنا بعد ذلك حينا ثم دعانا فقال هل لكم في غزوة تهب لكم عزا وتجعل لكم حرزا ويكون في أيديكم كنزا؟ فقلنا ما أحوجنا إلى ذلك فقال اركبوا فركبنا فقلنا ما تقول فقال بنو الحارث بن مسلمة، ثم قال قفوا فوقفنا

стр. 678

ثم قال عليكم بفهم، ثم قال ليس لكم فيهم دم، عليكم بمضرهم أرباب خيل ونعم ثم قال لا، رهط دريد ابن الصمة قليل العدد وفي الذمة ثم قال لا، ولكن عليكم بكعب بن ربيعة وأسكنوها ضيعة عامر بن صعصعة فليكن بهم الوقيعة قال فلقيناهم فهزمونا وفضحونا فرجعنا وقلنا ويلك ماذا تصنع بنا قال ما أدرى كذبني الّذي كان يصدقني. أسجنونى في بيتي ثلاثا ثم ائتوني ففعلنا به ذلك ثم أتيناه بعد ثالثة ففتحنا عنه فإذا هو كأنه حجرة نار، فقال يا معشر دوس حرست السماء وخرج خير الأنبياء قلنا أين؟ قال بمكة وأنا ميت فادفنوني في رأس جبل فانى سوف أضطرم نارا وإن تركتموني كنت عليكم عارا فإذا رأيتم اضطرامى وتلهبى فاقذفوني بثلاثة أحجار ثم قولوا مع كل حجر باسمك اللهمّ فانى أهدى وأطفى. قال وإنه مات فاشتعل نارا ففعلنا به ما أمر وقد قذفناه بثلاثة أحجار نقول مع كل حجر باسمك اللهمّ فخمد وطفى وأقمنا حتى قدم علينا الحاج فأخبرونا بمبعثك يا رسول الله. غريب جدا. وروى الواقدي عن أبيه عن ابن أبى ذئب عن مسلم بن جندب عن النضر بن سفيان الهذلي عن أبيه. قال: خرجنا في عير لنا إلى الشام فلما كنا بين الزرقاء ومعان قد عرسنا من الليل فإذا بفارس يقول وهو بين السماء والأرض: أيها النيام هبوا فليس هذا بحين رقاد قد خرج أحمد فطردت الجن كل مطرد ففزعنا ونحن رفقة حزورة كلهم قد سمع بهذا فرجعنا إلى أهلنا فإذا هم يذكرون اختلافا بمكة بين قريش في نبي قد خرج فيهم من بنى عبد المطلب اسمه احمد. ذكره أبو نعيم. وقال الخرائطى: حدثنا عبد الله بن محمد البلوى - بمصر - حدثنا عمارة بن زيد حدثني عبد الله بن العلاء حدثني يحيى بن عروة عن أبيه أن نفرا من قريش منهم ورقة بن نوفل بن أسد بن عبد العزى بن قصي وزيد بن عمرو بن نفيل وعبد الله بن جحش بن رئاب وعثمان بن الحويرث كانوا عند صنم لهم يجتمعون اليه قد اتخذوا ذلك اليوم من كل سنة عيدا كانوا يعظمونه وينحرون له الجزور ثم يأكلون ويشربون الخمر ويعكفون عليه فدخلوا عليه في الليل فرأوه مكبوبا على وجهه، فأنكروا ذلك فأخذوه فردوه إلى حاله، فلم يلبث أن انقلب انقلابا عنيفا، فأخذوه فردوه إلى حاله فانقلب الثالثة فلما رأوا ذلك اغتموا له وأعظموا ذلك. فقال عثمان بن الحويرث ما له قد أكثر التنكس إن هذا لأمر قد حدث وذلك في الليلة التي ولد فيها رسول الله ﷺ فجعل عثمان يقول: أيا صنم العيد الّذي صف حوله … صناديد وفد من بعيد ومن قرب تنكست مغلوبا فما ذاك قل لنا … أذاك سفيه أم تنكست للعتب فان كان من ذنب أتينا فاننا … نبوء بأقرار ونلوى عن الذنب وإن كنت مغلوبا ونكست صاغرا … فما أنت في الأوثان بالسيد الرب قال فأخذوا الصنم فردوه إلى حاله فلما استوى هتف بهم هاتف من الصنم بصوت جهير وهو يقول:

стр. 679

تردى لمولود أنارت بنوره … جميع فجاج الأرض في الشرق والغرب وخرت له الأوثان طرا وأرعدت … قلوب ملوك الأرض طرا من الرعب ونار جميع الفرس باخت وأظلمت … وقد بات شاه الفرس في أعظم الكرب وصدت عن الكهان بالغيب جنها … فلا مخبر عنهم بحق ولا كذب فيا لقصي ارجعوا عن ضلالكم … وهبوا إلى الإسلام والمنزل الرحب قال فلما سمعوا ذلك خلصوا نجيا فقال بعضهم لبعض تصادقوا وليكتم بعضكم على بعض، فقالوا أجل، فقال لهم ورقة بن نوفل تعلمون والله ما قومكم على دين ولقد أخطئوا الحجة وتركوا دين إبراهيم ما حجر تطيفون به لا يسمع ولا يبصر ولا ينفع ولا يضر يا قوم التمسوا لأنفسكم الدين. قال فخرجوا عند ذلك يضربون في الأرض ويسألون عن الحنيفية دين إبراهيم ﵇ فأما ورقة بن نوفل فتنصر وقرأ الكتب حتى علم علما وأما عثمان بن الحويرث فسار إلى قيصر فتنصر وحسنت منزلته عنده وأما زيد بن عمرو بن نفيل فأراد الخروج فحبس ثم إنه خرج بعد ذلك فضرب في الأرض حتى بلغ الرقة من أرض الجزيرة فلقى بها راهبا عالما فأخبره بالذي يطلب فقال له الراهب إنك لتطلب دينا ما تجد من يحملك عليه، ولكن قد أظلك زمان نبي يخرج من بلدك يبعث بدين الحنيفية فلما قال له ذلك رجع يريد مكة فغارت عليه لخم فقتلوه، وأما عبد الله بن جحش فأقام بمكة حتى بعث النبي ﷺ ثم خرج مع من خرج إلى أرض الحبشة، فلما صار بها تنصر وفارق الإسلام فكان بها حتى هلك هنالك نصرانيا. تقدم في ترجمة زيد بن عمر بن نفيل له شاهد. وقد قال الخرائطى: حدثنا أحمد بن إسحاق بن صالح أبو بكر الوراق حدثنا عمرو بن عثمان حدثني أبى حدثنا عبد الله بن عبد العزيز حدثني محمد بن عبد العزيز عن الزهري عن عبد الرحمن بن أنس السلمي عن العباس بن مرداس انه كان يعر في لقاح له نصف النهار إذ طلعت عليه نعامة بيضاء عليها راكب عليه ثياب بياض مثل اللبن فقال: يا عباس بن مرداس ألم تر أن السماء قد كفت احراسها، وان الحرب تجرعت أنفاسها، وان الخيل وضعت أحلاسها، وان الّذي نزل بالبر والتقوى، يوم الاثنين ليلة الثلاثاء، صاحب الناقة القصوى قال فرجعت مرعوبا قد راعني ما رأيت وسمعت حتى جئت وثنا لنا يدعى الضماد وكنا نعبده ونكلم من جوفه فكنست ما حوله ثم تمسحت به وقبلته فإذا صائح من جوفه يقول: قل للقبائل من سليم كلها … هلك الضماد وفاز أهل المسجد هلك الضماد وكان يعبد مرة … قبل الصلاة مع النبي محمد إن الّذي ورث النبوة والهدى … بعد ابن مريم من قريش مهتد قال فخرجت مرعوبا حتى أتيت قومي فقصصت عليهم القصة وأخبرتهم الخبر وخرجت في ثلاثمائة

стр. 680

من قومي بنى حارثة الى رسول الله ﷺ وهو بالمدينة فدخلنا المسجد فلما رآني رسول الله ﷺ قال لي: «يا عباس كيف كان إسلامك»؟ فقصصت عليه القصة. قال فسر بذلك وأسلمت أنا وقومي. ورواه الحافظ أبو نعيم في الدلائل من حديث أبى بكر بن أبى عاصم عن عمرو بن عثمان به. ثم رواه أيضا من طريق الأصمعي حدثني الوصافي عن منصور بن المعتمر عن قبيصة بن عمرو بن إسحاق الخزاعي عن العباس بن مرداس السلمي. قال: أول إسلامي ان مرداسا أبى لما حضرته الوفاة أوصاني بصنم له يقال ضماد فجعلته في بيت وجعلت آتيه كل يوم مرة فلما ظهر النبي ﷺ سمعت صوتا مرسلا في جوف الليل راعني فوثبت الى ضماد مستغيثا وإذا بالصوت من جوفه وهو يقول: قل للقبيلة من سليم كلها … هلك الأنيس وعاش أهل المسجد أودى ضماد وكان يعبد مرة … قبل الكتاب الى النبي محمد ان الّذي ورث النبوة والهدى … بعد ابن مريم من قريش مهتد قال فكتمته الناس فلما رجع الناس من الأحزاب بينا انا في ابلى بطرف العقيق من ذات عرق راقدا سمعت صوتا وإذا برجل على جناح نعامة وهو يقول: النور الّذي وقع ليلة الثلاثاء مع صاحب الناقة العضباء في ديار اخوان بنى العنقاء، فأجابه هاتف من شماله وهو يقول: بشر الجن وإبلاسها … ان وضعت المطي أحلاسها وكلأت السماء أحراسها قال فوثبت مذعورا وعلمت ان محمدا مرسل، فركبت فرسي واحتثثت السير حتى انتهيت اليه فبايعته ثم انصرفت الى ضماد فأحرقته بالنار ثم رجعت الى رسول الله ﷺ فأنشدته شعرا أقول فيه: لعمرك انى يوم أجعل جاهلا … ضمادا لرب العالمين مشاركا وتركي رسول الله والأوس حوله … أولئك أنصار له ما أولئكا كتارك سهل الأرض والحزن يبتغى … ليسلك في وعث الأمور المسالكا فآمنت بالله الّذي أنا عبده … وخالفت من أمسى يريد المهالكا ووجهت وجهي نحو مكة قاصدا … أبايع نبي الأكرمين المباركا نبي أتانا بعد عيسى بناطق … من الحق فيه الفصل فيه كذلكا أمين على القرآن أول شافع … وأول مبعوث يجيب الملائكا تلافى عرى الإسلام بعد انتقاضها … فاحكمها حتى أقام المناسكا عنيتك يا خير البرية كلها … توسطت في الفرعين والمجد مالكا وأنت المصفى من قريش إذا سمت … على ضمرها تبقى القرون المباركا

стр. 681

إذا انتسب الحيان كعب ومالك … وجدناك محضا والنساء العواركا قال الخرائطى: وحدثنا عبد الله بن محمد البلوى بمصر حدثنا عمارة بن زيد حدثنا إسحاق بن بشر وسلمة بن الفضل عن محمد بن إسحاق حدثني شيخ من الأنصار يقال له عبد الله بن محمود من آل محمد ابن مسلمة قال بلغني أن رجالا من خثعم كانوا يقولون ان مما دعانا الى الإسلام انا كنا قوما نعبد الأوثان فبينا نحن ذات يوم عند وثن لنا إذ أقبل نفر يتقاضون اليه يرجون الفرج من عنده لشيء شجر بينهم إذ هتف بهم هاتف يقول: يا أيها الناس ذوو الأجسام … من بين أشياخ الى غلام ما أنتم وطائش الأحلام … ومسند الحكم الى الأصنام أكلّكم في حيرة نيام … أم لا ترون ما الّذي أمامى من ساطع يجلو دجى الظلام … قد لاح للناظر من تهام ذاك نبي سيد الأنام … قد جاء بعد الكفر بالإسلام أكرمه الرحمن من امام … ومن رسول صادق الكلام أعدل ذي حكم من الأحكام … أمر بالصلاة والصيام والبر والصلات للأرحام … ويزجر الناس عن الآثام والرجس والأوثان والحرام … من هاشم في ذروة السنام مستعلنا في البلد الحرام قال فلما سمعنا ذلك تفرقنا عنه وآتينا النبي ﷺ فأسلمنا. وقال الخرائطى: حدثنا عبد الله البلوى حدثنا عمارة حدثني عبيد الله بن العلاء حدثنا محمد بن عكبر عن سعيد بن جبير أن رجلا من بنى تميم يقال له رافع بن عمير - وكان أهدى الناس للطريق واسراهم بليل، وأهجمهم على هول، وكانت العرب تسميه لذلك دعموص العرب لهدايته وجراءته على السير - فذكر عن بدء إسلامه قال إني لأسير برمل عالج ذات ليلة إذ غلبني النوم فنزلت عن راحلتي وأنختها وتوسدت ذراعها ونمت وقد تعوذت قبل نومي فقلت أعوذ بعظيم هذا الوادي من الجن من أن أوذى أو أهاج فرأيت في منامي رجلا شابا يرصد ناقتي وبيده حربة يريد أن يضعها في نحرها، فانتبهت لذلك فزعا فنظرت يمينا وشمالا فلم أر شيئا، فقلت هذا حلم ثم عدت فغفوت فرأيت في منامي مثل رؤياي الأولى فانتبهت فدرت حول ناقتي فلم أر شيئا وإذا ناقنى ترعد، ثم غفوت فرأيت مثل ذلك فانتبهت فرأيت ناقتي تضطرب والتفت فإذا أنا برجل شاب كالذي رأيت في المنام بيده حربة ورجل شيخ ممسك بيده يرده عنها وهو يقول:

стр. 682

يا مالك بن مهلهل بن دثار … مهلا فدى لك مئززي وإزاري عن ناقة الإنسي لا تعرض لها … واختر بها ما شئت من أثواري ولقد بدا لي منك ما لم احتسب … ألا رعيت قرابتي وذماري تسمو اليه بحربة مسمومة … تبا لفعلك يا أبا الغفار لولا الحياء وأن أهلك جيرة … لعلمت ما كشفت من أخبارى قال فأجابه الشاب وهو يقول: أأردت أن تعلو وتخفض ذكرنا … في غير مزرية أبا العيزار ما كان فيهم سيد فيما مضى … إن الخيار همو بنو الأخيار فاقصد لقصدك يا معكبر انما … كان المجير مهلهل بن دثار قال فبينما هما يتنازعان إذ طلعت ثلاثة أثوار من الوحش فقال الشيخ للفتى قم يا ابن أخت فخذ أيها شئت فداء لناقة جاري الانسى، فقام الفتى فاخذ منها ثورا وانصرف. ثم التفت الى الشيخ فقال يا هذا إذا نزلت واديا من الاودية فخفت هوله فقل أعوذ بالله رب محمد من هول هذا الوادي ولا تعذ بأحد من الجن فقد بطل أمرها قال فقلت له ومن محمد هذا؟ قال نبي عربي لا شرقى ولا غربي بعث يوم الاثنين. قلت واين مسكنه قال يثرب ذات النخل. قال فركبت راحلتي حين برق لي الصبح وجددت السير حتى تقحمت المدينة فرآني رسول الله ﷺ فحدثني بحديثي قبل ان أذكر له منه شيئا ودعاني الى الإسلام فأسلمت. قال سعيد بن جبير وكنا نرى أنه هو الّذي أنزل الله فيه ﴿وَأَنَّهُ كانَ رِجالٌ مِنَ الْإِنْسِ يَعُوذُونَ بِرِجالٍ مِنَ الْجِنِّ فَزادُوهُمْ رَهَقاً﴾ وروى الخرائطى من طريق إبراهيم بن إسماعيل بن حماد بن أبى حنيفة عن داود بن الحسين عن عكرمة عن ابن عباس عن على. قال: إذا كنت بواد تخاف السبع فقل أعوذ بدانيال والجب، من شر الأسد. وروى البلوى عن عمارة بن زيد عن إبراهيم بن سعد عن محمد بن إسحاق حدثني يحيى بن عبد الله بن الحارث عن أبيه عن ابن عباس قصة قتال عليّ الجن بالبئر ذات العلم التي بالجحفة حين بعثه رسول الله ﷺ يستقى لهم الماء فأرادوا منعه وقطعوا الدلو فنزل اليهم، وهي قصة مطولة منكرة جدا والله أعلم. وقال الخرائطى: حدثني أبو الحارث محمد بن مصعب الدمشقيّ وغيره حدثنا سليمان ابن بنت شرحبيل الدمشقيّ حدثنا عبد القدوس بن الحجاج حدثنا خالد بن سعيد عن الشعبي عن رجل قال كنت في مجلس عمر بن الخطاب وعنده جماعة من أصحاب النبي ﷺ يتذاكرون فضائل القرآن فقال بعضهم خواتيم سورة النحل، وقال بعضهم سورة يس، وقال على فأين أنتم عن فضيلة آية الكرسي أما إنها سبعون كلمة في كل كلمة بركة. قال وفي القوم عمرو بن معديكرب لا يحير جوابا، فقال أين أنتم عن

стр. 683

بسم الله الرحمن الرحيم؟ فقال عمر حدثنا يا أبا ثور. قال بينا أنا في الجاهلية إذ جهدنى الجوع فأقحمت فرسي في البرية فما أصبت الأبيض النعام، فبينا أنا أسير إذا أنا بشيخ عربي في خيمة، والى جانبه جارية كأنها شمس طالعة ومعه غنيمات له، فقلت له استأسر ثكلتك أمك. فرفع رأسه الى وقال يا فتى ان أردت قرى فانزل وان أردت معونة اعناك. فقلت له أستأسر فقال: عرضنا عليك النزل منا تكرما … فلم ترعوى جهلا كفعل الاشائم وجئت ببهتان وزور ودون ما … تمنيته بالبيض حز الغلاصم قال ووثب الى وثبة وهو يقول: بسم الله الرحمن الرحيم. فكأني مثلت تحته. ثم قال أقتلك أم أخلى عنك؟ قلت بل خل عنى قال فخلى عنى. ثم ان نفسي جاذبتنى بالمعاودة. فقلت استأسر ثكلتك أمك فقال: ببسم الله والرحمن فزنا … هنالك والرحيم به قهرنا وما تغني جلادة ذي حفاظ … إذا يوم لمعركة برزنا ثم وثب لي وثبة كأنى مثلت تحته. فقال أقتلك أم أخلي عنك؟ قال قلت بل خل عنى. فخلى عنى فانطلقت غير بعيد. ثم قلت في نفسي يا عمرو أيقهرك هذا الشيخ. والله للموت خير لك من الحياة، فرجعت اليه فقلت له استأسر ثكلتك أمك. فوثب الىّ وثبة وهو يقول بسم الله الرحمن الرحيم فكأني مثلت تحته، فقال أقتلك أم أخلى عنك؟ قلت بل خل عنى فقال هيهات، يا جارية ائتيني بالمدية فأتته بالمدية فجز ناصيتي وكانت العرب إذا ظفرت برجل فجزت ناصيته استعبدته، فكنت معه أخدمه مدة. ثم انه قال يا عمرو أريد أن تركب معى البرية وليس بى منك وجل، فانى ببسم الله الرحمن الرحيم لواثق قال فسرنا حتى أتينا واديا أشبا مهولا مغولا. فنادى بأعلى صوته بسم الله الرحمن الرحيم. فلم يبق طير في وكره الإطار. ثم أعاد القول فلم يبق سبع في مربضه إلا هرب، ثم أعاد الصوت فإذا نحن بحبشي قد خرج علينا من الوادي كالنخلة السحوق، فقال لي يا عمرو إذا رأيتنا قد اتحدنا فقل غلبه صاحبي ببسم الله الرحمن الرحيم. قال فلما رأيتهما قد اتحدا قلت غلبه صاحبي باللات والعزى فلم يصنع الشيخ شيئا، فرجع الى وقال قد علمت انك قد خالفت قولي. قلت أجل ولست بعائد، فقال إذا رأيتنا قد اتحدنا فقل غلبه صاحبي ببسم الله الرحمن الرحيم، فقلت أجل فلما رأيتهما قد اتحدا قلت غلبه صاحبي ببسم الله الرحمن الرحيم، فاتكأ عليه الشيخ فبعجه بسيفه فاشتق بطنه فاستخرج منه شيئا كهيئة القنديل الأسود ثم قال يا عمرو هذا غشه وغله. ثم قال أتدرى من تلك الجارية؟ قلت لا، قال تلك الفارعة بنت الليل الجرهميّ من خيار الجن. وهؤلاء أهلها بنو عمها يغزوننى منهم كل عام رجل ينصرني الله عليه ببسم الله الرحمن الرحيم. ثم قال قد رأيت ما كان منى الى الحبشي. وقد غلب على الجوع فائتنى بشيء آكله،

стр. 684

فاقحمت بفرسي البرية فما أصبت الأبيض النعام، فأتيته به فوجدته نائما، وإذا تحت رأسه شيء كهيئة الخشبة، فاستللته فإذا هو سيف عرضه شبر في سبعة أشبار، فضربت ساقيه ضربة أبنت الساقين مع القدمين، فاستوى على قفا ظهره وهو يقول قاتلك الله ما اغدرك يا غدار. قال عمر: ثم ماذا صنعت؟ قلت فلم أزل أضربه بسيفي حتى قطعته إربا إربا. قال فوجم لذلك ثم أنشأ يقول: بالغدر نلت أخا الإسلام عن كثب … ما ان سمعت كذا في سالف العرب والعجم تأنف مما جئته كرما … تبا لما جئته في السيد الارب انى لأعجب أنى نلت قتلته … أم كيف جازاك عند الذنب لم تنب؟ قوم عفا عنك مرات وقد علقت … بالجسم منك يداه موضع العطب لو كنت آخذ في الإسلام ما فعلوا … في الجاهلية أهل الشرك والصلب إذا لنالتك من عدلي مشطبة … ندعو لذائقها بالويل والحرب قال ثم ما كان من حال الجارية؟ قلت ثم إني أتيت الجارية. فلما رأتني قالت ما فعل الشيخ قلت قتله الحبشي، فقالت كذبت بل قتلته أنت بغدرك ثم انشأت تقول: يا عين جودي للفارس المغوار … ثم جودي بواكفات غزار لا تملى البكاء إذ خانك الدهر … بواف حقيقة صبار وتقى وذي وقار وحلم … وعديل الفخار يوم الفخار لهف نفسي على بقائك عمرو … أسلمتك الأعمار للأقدار ولعمري لو لم ترمه بغدر … رمت ليثا كصارم بتار قال فأحفظنى قولها فاستللت سيفي ودخلت الخيمة لأقتلها فلم أر في الخيمة أحدا فاستقت الماشية وجئت الى أهلي. وهذا أثر عجيب. والظاهر أن الشيخ كان من الجان وكان ممن أسلم وتعلم القرآن، وفيما تعلمه بسم الله الرحمن الرحيم. وكان يتعوذ بها. وقال الخرائطى: حدثنا عبد الله بن محمد البلوى حدثنا عمارة بن زيد قال حدثني عبد الله بن العلاء عن هشام بن عروة عن أبيه عن جدته أسماء بنت أبى بكر قالت: كان زيد بن عمرو بن نفيل، وورقة بن نوفل يذكران انهما أتيا النجاشي بعد رجوع أبرهة من مكة، قالا فلما دخلنا عليه قال لنا أصدقاني أيها القرشيان هل ولد فيكم مولود أراد أبوه ذبحه فضرب عليه بالقداح فسلم ونحرت عنه إبل كثيرة؟ قلنا نعم. قال فهل لكما علم به ما فعل؟ قلنا تزوج امرأة يقال لها آمنة بنت وهب تركها حاملا وخرج قال فهل تعلمان ولد أم لا؟ قال ورقة بن نوفل أخبرك أيها الملك أنى ليلة قد بت عند وثن لنا كنا نطيف به، ونعبده إذ سمعت من جوفه هاتفا يقول:

стр. 685

ولد النبي فذلت الاملاك … ونأى الضلال وأدبر الإشراك ثم انتكس الصم على وجهه. فقال زيد بن عمرو بن نفيل عندي كخبره أيها الملك. قال هات قال أنا في مثل هذه الليلة التي ذكر فيها حديثه خرجت من عند أهلي وهم يذكرون حمل آمنة حتى أتيت جبل أبى قبيس أريد الخلو فيه لأمر رابني إذ رأيت رجلا نزل من السماء له جناحان أخضران، فوقف على أبى قبيس ثم أشرف على مكة فقال: ذل الشيطان وبطلت الأوثان ولد الأمين. ثم نشر ثوبا معه وأهوى به نحو المشرق والمغرب فرأيته قد جلل ما تحت السماء وسطع نور كاد أن يختطف بصرى وهالني ما رأيت. وخفق الهاتف بجناحيه حتى سقط على الكعبة. فسطع له نور أشرقت له تهامة. وقال: ذكت الأرض وأدت ربيعها. وأومأ إلى الأصنام التي كانت على الكعبة فسقطت كلها. قال النجاشي ويحكما أخبركما عما أصابنى، إني لنائم في الليلة التي ذكرتما في قبة وقت خلوتي، إذ خرج على من الأرض عنق ورأس، وهو يقول حل الويل بأصحاب الفيل، رمتهم طير أبابيل، بحجارة من سجيل هلك الأشرم المعتدي المجرم، وولد النبي الأمي، المكيّ الحرمي، من أجابه سعد، ومن أباه عتد. ثم دخل الأرض فغاب فذهبت أصيح فلم أطق الكلام، ورمت القيام فلم أطق القيام، فصرعت القبة بيدي؟ فسمع بذلك أهلي فجاءوني فقلت احجبوا عنى الحبشة فحجبوهم عنى ثم أطلق عن لساني ورجلي. وسيأتي إن شاء الله تعالى في قصة المولد رؤيا كسرى في سقوط أربع عشرة شرافة من إيوانه، وخمود نيرانه ورؤيا مونذانه، وتفسير سطيح لذلك على يدي عبد المسيح (١). وروى الحافظ أبو القاسم بن عساكر في تاريخه في ترجمة الحارث بن هانئ بن المدلج بن المقداد بن زمل بن عمرو العذري عن أبيه عن جده عن أبيه عن زمل بن عمرو العذري قال: كان لبني عذرة صنم يقال له حمام وكانوا يعظمونه وكان في بنى هند بن حرام بن ضبة بن عبد بن كثير بن عذرة وكان سادنه رجلا يقال له طارق وكانوا يعترون عنده. فلما ظهر رسول الله ﷺ سمعنا صوتا يقول يا بنى هند بن حرام. ظهر الحق وأودى صمام ودفع الشرك الإسلام. قال ففزعنا لذلك وهالنا فمكثنا أياما. ثم سمعنا صوتا وهو يقول: يا طارق يا طارق. بعث النبي الصادق، بوحي ناطق، صدع صادع بأرض تهامة، لناصريه السلامة، ولخاذليه الندامة، هذا الوداع منى إلى يوم القيامة. قال زمل فوقع الصنم لوجهه. قال فابتعت راحلة ورحلت حتى أتيت النبي ﷺ مع نفر من قومي وأنشدته شعرا قلته: إليك رسول الله أعملت نصها … وكلفتها حزنا وغورا من الرمل لا نصر خير الناس نصرا مؤزرا … واعقد حبلا من حبالك في حبلى واشهد أن الله لا شيء غيره … أدين به ما أثقلت قدمي نعلى

стр. 686

قال فأسلمت وبايعته. وأخبرناه بما سمعنا فقال: «ذاك من كلام الجن». ثم قال: «يا معشر العرب إني رسول الله إليكم وإلى الأنام كافة، أدعوهم إلى عبادة الله وحده، وإني رسوله وعبده، وأن تحجوا البيت وتصوموا شهرا من اثني عشر شهرا وهو شهر رمضان، فمن أجابني فله الجنة نزلا، ومن عصاني كانت النار له منقلبا». قال فأسلمنا وعقد لنا لواء. وكتب لنا كتابا نسخته: «بسم الله الرحمن الرحيم من محمد رسول الله لزمل بن عمرو ومن أسلم معه خاصة إني بعثته إلى قومه عامدا فمن أسلم ففي حزب الله ورسوله. ومن أبى فله أمان شهرين. شهد على بن أبى طالب ومحمد بن مسلمة الأنصاري» ثم قال ابن عساكر: غريب جدا. وقال سعيد بن يحيى بن سعيد الأموي في مغازية: حدثني محمد بن سعيد - يعنى عمه -. قال قال محمد بن المنكدر إنه ذكر لي عن ابن عباس قال هتف هاتف من الجن على أبى قبيس فقال: قبح الله رأيكم آل فهر … ما أدق العقول والافهام حين تعصى لمن يعيب عليها … دين آبائها الحماة الكرام حالف الجن جن بصرى عليكم … ورجال (١) النخيل والآطام يوشك الخيل أن تردها تهادى … تقتل القوم في حرام بهام هل كريم منكم له نفس حر … ماجد الوالدين والأعمام ضارب ضربة تكون نكالا … ورواحا من كربة واغتمام قال ابن عباس فأصبح هذا الشعر حديثا لأهل مكة يتناشدونه بينهم. فقال رسول الله ﷺ : «هذا شيطان يكلم الناس في الأوثان يقال له مسعر، والله مخزيه» فمكثوا ثلاثة أيام فإذا هاتف يهتف على الجبل يقول: نحن قتلنا في ثلاث مسعرا … إذ سفه الجن وسن المنكرا قنعته سيفا حساما مشهرا … بشتمه نبينا المطهرا فقال رسول الله ﷺ : «هذا عفريت من الجن اسمه سمج آمن بى سميته عبد الله أخبرنى أنه في طلبه ثلاثة أيام» فقال على جزاه الله خيرا يا رسول الله. وقد روى الحافظ أبو نعيم في الدلائل قال: حدثنا عبد الله بن محمد بن جعفر حدثنا أبو الفضل محمد بن عبد الرحمن بن موسى بن أبى حرب الصفار حدثنا عباس بن الفرج الرياشي حدثنا سليمان بن عبد العزيز بن أبى ثابت عن أبيه عن عبد الحميد بن بهرام عن شهر بن حوشب عن ابن عباس عن سعد بن عبادة قال: بعثني رسول الله ﷺ الى حضر موت في حاجة قبل الهجرة، حتى إذا كنت في بعض الطريق ساعة من الليل فسمعت هاتفا يقول:

стр. 687

أبا عمرو ناوبنى السهود … وراح النوم وامتنع الهجود لذكر عصابة سلفوا وبادوا … وكل الخلق قصرهم يبيد تولوا واردين الى المنايا … حياضا ليس منهلها الورود مضوا لسبيلهم وبقيت خلفا … وحيدا ليس يسعفنى وحيد سدى لا أستطيع علاج أمر … إذا ما عالج الطفل الوليد فلأيا ما بقيت الى أناس … وقد باتت بمهلكها ثمود وعاد والقرون بذي شعوب … سراء كلهم إرم حصيد قال ثم صاح به آخر: يا خرعب ذهب بك العجب. ان العجب كل العجب بين زهرة ويثرب. قال وما ذاك يا شاحب؟ قال نبي السلام، بعث بخير الكلام الى جميع الأنام، فاخرج من البلد الحرام الى نخيل وآطام. قال ما هذا النبي المرسل والكتاب المنزل، والأمي المفضل؟ قال رجل من ولد لؤيّ ابن غالب بن فهر بن مالك بن النضر بن كنانة. قال هيهات فات عن هذا سنى، وذهب عنه زمنى لقد رأيتني والنضر بن كنانة نرمي غرضا واحدا، ونشرب حلبا باردا، ولقد خرجت به من دوحة في غداة شبمة وطلع مع الشمس وغرب معها، يروى ما يسمع ويثبت ما يبصر. ولئن كان هذا من ولده لقد سل السيف وذهب الخوف، ودحض الزنا، وهلك الربا. قال فأخبرني ما يكون؟ قال ذهبت الضراء والبؤس والمجاعة، والشدة والشجاعة، الا بقية في خزاعة. وذهبت الضراء والبؤس، والخلق المنفوس الا بقية من الخزرج والأوس. وذهبت الخيلاء والفخر، والنميمة والغدر، إلا بقية في بنى بكر. يعنى ابن هوازن. وذهب الفعل المندم والعمل المؤثم، إلا بقية في خثعم. قال أخبرنى ما يكون؟ قال إذا غلبت البرة، وكظمت الحرة، فاخرج من بلاد الهجرة، وإذا كف السلام، وقطعت الأرحام فاخرج من البلد الحرام. قال أخبرنى ما يكون؟ قال لولا أذن تسمع، وعين تلمع لأخبرتك بما تفزع. ثم قال: لا منام هدأته بنعيم … يا ابن غوط ولا صباح أتانا قال ثم صرصر صرصرة كأنها صرصرة حبلى، فذهب الفجر فذهبت لا نظر فإذا عظاية وثعبان ميتان. قال فما علمت أن رسول الله ﷺ هاجر الى المدينة إلا بهذا الحديث. ثم رواه عن محمد بن جعفر عن إبراهيم بن على عن النضر بن سلمة عن حسان بن عبادة بن موسى عن عبد الحميد بن بهرام عن شهر عن ابن عباس عن سعد بن عبادة. قال: لما بايعنا رسول الله ﷺ ليلة العقبة خرجت الى حضرموت لبعض الحاج، قال فقضيت حاجتي ثم أقبلت حتى إذا كنت ببعض الطريق نمت، ففزعت من الليل بصائح يقول: أبا عمرو ناوبنى السهود … وراح النوم وانقطع الهجود

стр. 688

وذكر مثله بطوله. وقال أبو نعيم: حدثنا محمد بن جعفر حدثنا إبراهيم بن على حدثنا النضر بن سلمة حدثنا أبو غزية محمد بن موسى عن العطاف بن خالد الوصابى عن خالد بن سعيد عن أبيه قال سمعت تميما الداريّ يقول: كنت بالشام حين بعث النبي ﷺ ، فخرجت لبعض حاجتي فأدركني الليل. فقلت أنا في جوار عظيم هذا الوادي الليلة. قال فلما أخذت مضجعي إذا أنا بمناد ينادى - لا أراه - عذبا لله فان الجن لا تجير أحدا على الله فقلت أيم الله تقول؟ فقال قد خرج رسول الأميين رسول الله وصلينا خلفه بالحجون. فأسلمنا واتبعناه وذهب كيد الجن ورميت بالشهب. فانطلق الى محمد رسول رب العالمين فأسلم. قال تميم فلما أصبحت ذهبت الى دير أيوب فسألت راهبا وأخبرته الخبر. فقال الراهب قد صدقوك يخرج من الحرم ومهاجره الحرم وهو خير الأنبياء فلا تسبق اليه. قال تميم فتكلفت الشخوص حتى جئت رسول الله ﷺ فأسلمت. وقال حاتم بن إسماعيل عن عبد الله بن يزيد الهذلي عن عبد الله بن ساعدة الهذلي عن أبيه قال كنا عند صنمنا سواع، وقد جلبنا اليه غنما لنا مائتي شاة قد أصابها جرب، فادنيناها منه لنطلب بركته فسمعت مناديا من جوف الصنم ينادى قد ذهب كيد الجن ورمينا بالشهب لنبي اسمه أحمد. قال فقلت غويت والله. فصدفت وجه غنمي منجدا الى أهلي فرأيت رجلا. فخبرني بظهور النبي ﷺ . ذكره أبو نعيم هكذا معلقا ثم قال: حدثنا عمر بن محمد بن جعفر حدثنا إبراهيم بن السندي حدثنا النضر بن سلمة حدثنا محمد بن مسلمة المخزومي حدثنا يحيى بن سليمان عن حكيم بن عطاء الظفري - من بنى سليم من ولد راشد بن عبد ربه - عن أبيه عن جده عن راشد بن عبد ربه قال كان الصنم الّذي يقال له سواع بالمعلاة من رهط تدين له هذيل وبنو ظفر بن سليم فأرسلت بنو ظفر رشاد بن عبد ربه بهدية من سليم الى سواع قال راشد فألقيت مع الفجر الى صنم قبل صنم سواع، فإذا صارخ يصرخ من جوفه: العجب كل العجب من خروج نبي من بنى عبد المطلب، يحرم الزنا والربا والذبح للأصنام. وحرست السماء ورمينا بالشهب العجب كل العجب. ثم هتف صنم آخر من جوفه ترك الضمار وكان يعبد، خرج النبي أحمد، يصلى الصلاة ويأمر بالزكاة والصيام، والبر والصلات للأرحام. ثم هتف من جوف صنم آخر هاتف يقول: ان الّذي ورث النبوة والهدى … بعد ابن مريم من قريش مهتد نبي أتى يخبر بما سبق … وبما يكون اليوم حقا أو غد (١)

стр. 689

قال راشد: فألفيت سواعا مع الفجر وثعلبان يلحسان ما حوله، ويأكلان ما يهدى له، ثم يعوجان عليه ببولهما، فعند ذلك يقول راشد بن عبد ربه: أربّ يبول الثعلبان برأسه … لقد ذلّ من بالت عليه الثعالب وذلك عند مخرج النبي ﷺ ومهاجره إلى المدينة وتسامع الناس به فخرج راشد حتى أتى النبي ﷺ المدينة ومعه كلب له، واسم رشاد يومئذ ظالم، واسم كلبه راشد فقال النبي ﷺ : «ما اسمك؟» قال ظالم. قال: «فما اسم كلبك؟» قال راشد، قال «اسمك راشد، واسم كلبك ظالم» وضحك النبي ﷺ . وبايع النبي ﷺ وأقام بمكة معه تم طلب من رسول الله ﷺ . قطيعة بوهاط - ووصفها له - فاقطعه رسول الله ﷺ بالمعلاة من وهاط شأو الفرس، ورميته ثلاث مرات بحجر، وأعطاه إداوة مملوءة من ماء وتفل فيها وقال له «فرغها في أعلا القطيعة ولا تمنع الناس فضلها» ففعل فجعل الماء معينا يجرى إلى اليوم فغرس عليها النخل. ويقال ان وهاط كلها تشرب منه فسماها الناس ماء الرسول ﷺ . وأهل وهاط يغتسلون بها وبلغت رمية راشد الركب الّذي يقال له ركب الحجر، وغدا راشد على سواع فكسره. وقال أبو نعيم: حدثنا سليمان بن احمد حدثنا على بن إبراهيم الخزاعي الأهوازي حدثنا أبو محمد عبد الله بن داود بن دلهاث بن إسماعيل بن مسرع بن ياسر بن سويد صاحب رسول الله ﷺ حدثنا أبى عن أبيه دلهاث عن أبيه إسماعيل أن أباه عبد الله حدثه عن أبيه مسرع بن ياسر أن أباه ياسر حدثه عن عمرو بن مرة الجهنيّ أنه كان يحدث قال: خرجت حاجا في جماعة من قومي في الجاهلية. فرأيت في المنام وأنا بمكة نورا ساطعا من الكعبة حتى أضاء في جبل يثرب وأشعر جهينة. فسمعت صوتا في النور وهو يقول: انقشعت الظلماء، وسطع الضياء، وبعث خاتم الأنبياء، ثم أضاء إضاءة أخرى حتى نظرت إلى قصور الحيرة وابيض المدائن. فسمعت صوتا في النور وهو يقول: ظهر الإسلام، وكسرت الأصنام، ووصلت الأرحام، فانتبهت فزعا، فقلت لقومي والله ليحدثن في هذا الحي من قريش حدث، وأخبرتهم بما رأيت. فلما انتهينا إلى بلادنا جاءنا رجل فأخبرنا أن رجلا يقال له احمد قد بعث فأتيته فأخبرته بما رأيت فقال «يا عمرو بن مرة إني المرسل إلى العباد كافة أدعوهم إلى الإسلام، وآمرهم بحقن الدماء وصلة الأرحام، وعبادة الله ورفض الأصنام، وحج البيت. وصيام شهر من اثنى عشر شهرا وهو شهر رمضان، فمن أجاب فله الجنة. ومن عصى فله النار، فآمن يا عمرو بن مرة يؤمنك الله من نار جهنم» فقلت أشهد أن لا إله إلا الله وأنك رسول الله. آمنت بكل ما جئت به من حلال وحرام، وإن أرغم ذلك كثيرا من الأقوام، ثم أنشدته أبياتا قلتها حين سمعت به وكان لنا صنم وكان أبى سادنا له فقمت اليه فكسرته ثم لحقت النبي ﷺ وأنا أقول:

стр. 690

شهدت بأن الله حق وأننى … لآلهة الأحجار أول تارك فشمرت عن ساقى إزار مهاجر … إليك أدب الغور بعد الدكادك لأصحب خير الناس نفسا ووالدا … رسول مليك الناس فوق الحبائك فقال النبي ﷺ : «مرحبا بك يا عمرو بن مرة». فقلت يا رسول الله بأبي أنت وأمى ابعث بى الى قومي، لعل الله أن يمن بى عليهم كما من بك على، فبعثني اليهم وقال: «عليك بالقول السديد ولا تكن فظا ولا متكبرا ولا حسودا» فأتيت قومي فقلت لهم: يا بنى رفاعة ثم يا بنى جهينة إني رسول من رسول الله إليكم أدعوكم إلى الجنة، وأحذركم النار، وآمركم بحقن الدماء، وصلة الأرحام، وعبادة الله، ورفض الأصنام، وحج البيت، وصيام شهر رمضان، شهر من اثني عشر شهرا. فمن أجاب فله الجنة. ومن عصى فله النار. يا معشر جهينة إن الله - وله الحمد - جعلكم خيار من أنتم منه وبغض إليكم في جاهليتكم ما حبب إلى غيركم من الرفث، لأنهم كانوا يجمعون بين الأختين، ويخلف الرجل على امرأة أبيه، والترات في الشهر الحرام. فأجيبوا هذا النبي المرسل ﷺ من بنى لؤيّ بن غالب. تنالوا شرف الدنيا وكرامة الآخرة، سارعوا سارعوا في ذلك يكون لكم فضيلة عند الله. فأجابوا إلا رجلا منهم قام فقال: يا عمرو بن مرة أمر الله عليك عيشك، أتأمرنا أن نرفض آلهتنا ونفرق جماعتنا بمخالفة دين آبائنا إلى ما يدعو هذا القرشي من أهل تهامة؟ لا ولا مرحبا ولا كرامة، ثم أنشأ يقول: إن ابن مرة قد أتى بمقالة … ليست مقالة من يريد صلاحا إني لأحسب قوله وفعاله … يوما وإن طال الزمان رياحا أتسفه الأشياخ ممن قد مضى … من رام ذلك لا أصاب فلاحا فقال عمرو بن مرة: الكاذب منى ومنك أمر الله عيشه، وأبكم لسانه، وأكمه بصره. قال عمرو ابن مرة والله ما مات حتى سقط فوه وكان لا يجد طعم الطعام، وعمى وخرس. وخرج عمرو بن مرة ومن أسلم من قومه حتى أتوا النبي ﷺ ، فرحب بهم وحباهم وكتب لهم كتابا هذه نسخته: «بسم الله الرحمن الرحيم، هذا كتاب من الله على لسان رسول الله بكتاب صادق، وحق ناطق، مع عمرو ابن مرة الجهنيّ لجهينة بن زيد إن لكم بطون الأرض وسهولها، وتلاع الاودية وظهورها، ترعون نباته وتشربون صافيه. على ان تقروا بالخمس، وتصلوا الصلوات الخمس، وفي التبعة والصريمة شاتان ان اجتمعتا، وان تفرقتا فشاة شاة. ليس على أهل الميرة صدقة، ليس الوردة اللبقة». وشهد من حضرنا من المسلمين بكتاب قيس بن شماس ﵃. وذلك حين يقول عمرو بن مرة: ألم تر أن الله أظهر دينه … وبين برهان القرآن لعامر كتاب من الرحمن نور لجمعنا … واحلافنا في كل باد وحاضر

стр. 691

الى خير من يمشى على الأرض كلها … وأفضلها عند اعتكار الضرائر أطعنا رسول الله لما تقطعت … بطون الأعادي بالظبا والخواطر فنحن قبيل قد بنى المجد حولنا … إذا اجتلبت في لحرب هام الأكابر بنو الحرب نفريها بأيد طويلة … وبيض تلالا في أكف المغاور ترى حوله الأنصار تحمى أميرهم … بسمر العوالي والصفاح البواتر إذا الحرب دارت عند كل عظيمه … ودارت رحاها بالليوث الهواصر تبلج منه اللون وازداد وجهه … كمثل ضياء البدر بين الزواهر وقال أبو عثمان سعيد بن يحيى الأموي في مغازيه: حدثنا عبد الله حدثنا أبو عبد الله حدثنا المجالد ابن سعيد والأجلح عن الشعبي حدثني شيخ من جهينة قال: مرض منا رجل مرضا شديدا فثقل حتى حفرنا له قبره وهيأنا أمره فأغمي عليه ثم فتح عينيه وافاق فقال أحفرتم لي؟ قالوا نعم، فقال فما فعل الفصل - وهو ابن عم له - قلنا صالح مر آنفا يسأل عنك، قال أما إنه يوشك أن يجعل في حفرتي انه أتانى آت حين أغمى على فقال ابك هبل؟ أما ترى حفرتك تنتثل، وأمك قد كادت تثكل؟ أرأيتك أن حولناها عنك بالمحول، ثم ملأناها بالجندل، وقذفنا فيها الفصل، الّذي مضى فاجزأك، وظن أن لن يفعل. أتشكر لربك، وتصل وتدع دين من أشرك وضل؟ قال قلت نعم. قال قم قد برئت. قال فبرئ الرجل. ومات الفصل فجعل في حفرته. قال الجهينى: فرأيت الجهينى بعد ذلك يصلى ويسب الأوثان ويقع فيها. وقال الأموي: حدثنا عبد الله قال بينما عمر بن الخطاب ﵁ في مجلس يتحدثون عن الجن، فقال خريم بن فاتك الأسدي: الا أحدثك كيف كان إسلامي؟ قال بلى، قال إني يوما في طلب ذود لي أنا منها على أثر تنصب وتصعد، حتى إذا كنت بأبرق العراق انخت راحلتي وقلت أعوذ بعظيم هذه البلدة أعوذ برئيس هذا الوادي، فإذا بهاتف يهتف بي: ويحك، عذ بالله ذي الجلال … والمجد والعلياء والإفضال ثم اتل آيات من الأنفال … ووحد الله ولا تبالي قال فذعرت ذعرا شديدا … ثم رجعت الى نفسي فقلت: يا أيها الهاتف ما تقول … أرشد عندك أم تضليل؟ بين هداك الله ما الحويل قال فقال: هذا رسول الله ذو الخيرات … بيثرب يدعو الى النجاة يأمر بالبر وبالصلاة … ويزع الناس عن الهنات

стр. 692

قال قلت له: والله لا أبرح حتى آتيه وأومن به، فنصبت رجلي في غرز راحلتي وقلت: أرشدنى أرشدنى هديتا … لا جعت ما عشت ولا عريتا ولا برحت سيدا مقيتا … لا تؤثر الخير الّذي أتيتا على جميع الجن ما بقيتا فقال: صاحبك الله وأدى رحلكا … وعظم الأجر وعافا نفسكا آمن به أفلج ربى حقكا … وانصره نصرا عزيزا نصركا قال قلت من أنت عافاك الله، حتى أخبره إذا قدمت عليه؟ فقال أنا ملك بن ملك، وأنا نقيبه على جن نصيبين وكفيت إبلك حتى اضمها الى أهلك ان شاء الله. قال فخرجت حتى أتيت المدينة يوم الجمعة والناس إرسال الى المسجد والنبي ﷺ على المنبر كأنه البدر يخطب الناس، فقلت انيخ على باب المسجد حتى يصلى وادخل عليه فأسلم وأخبره عن إسلامي، فلما انخت خرج الى أبو ذر فقال مرحبا وأهلا وسهلا قد بلغنا إسلامك، فادخل فصل، ففعلت، ثم جئت إلى رسول الله ﷺ فأخبرني بإسلامي. فقلت الحمد لله. قال «أما إن صاحبك قد وفي لك وهو أهل ذلك، وادي إبلك الى أهلك». (١) وقد رواه الطبراني في ترجمة خريم بن فاتك من معجمه الكبير قائلا حدثنا الحسين بن إسحاق اليسيرى حدثنا محمد بن إبراهيم الشامي حدثنا عبد الله بن موسى الإسكندري حدثنا محمد بن إسحاق عن سعيد بن أبى سعيد المقبري عن أبى هريرة قال قال خريم بن فاتك لعمر بن الخطاب يا أمير المؤمنين ألا أخبرك كيف كان بدء إسلامي، قال بلى! فذكره غير أنه قال فخرج الى أبو بكر الصديق فقال أدخل، فقد بلغنا إسلامك، فقلت لا أحسن الطهور، فعلمني فدخلت المسجد فرأيت رسول الله ﷺ كأنه البدر وهو يقول «ما من مسلم توضأ فأحسن الوضوء ثم صلّى صلاة يحفظها ويعقلها إلا دخل الجنة» فقال لي عمر لتأتينى على هذا ببينة أو لأنكلن بك، فشهد لي شيخ قريش عثمان بن عفان فأجاز شهادته. ثم رواه عن محمد بن عمان بن أبى شيبة عن محمد بن تيم عن محمد بن خليفة عن محمد بن الحسن عن أبيه قال قال عمر بن الخطاب لخريم بن فاتك حدثني بحديث يعجبني فذكر مثل السياق الأول سواء. وقال أبو نعيم: حدثنا سليمان بن احمد حدثنا أبو عبد الملك احمد بن إبراهيم القرشي الدمشقيّ حدثنا سليمان بن عبد الرحمن ابن بنت شرحبيل حدثنا إسماعيل بن عياش عن يحيى بن أبى عمرو الشيباني عن عبد الله بن الديلميّ قال أتى رجل ابن عباس فقال بلغنا أنك تذكر سطيحا تزعم أن الله خلقه، لم يخلق من بنى آدم شيئا يشبهه؟ قال قال نعم إن الله خلق سطيحا الغساني لحما على وضم (٢) ولم يكن فيه عظم ولا

стр. 693

عصب إلا الجمجمة، والكفان. وكان يطوى من رجليه إلى ترقوته كما يطوى الثوب، ولم يكن فيه شيء يتحرك إلا لسانه. فلما أراد الخروج إلى مكة حمل على وضمة فأتى به مكة، فخرج اليه أربعة من قريش عبد شمس، وهاشم ابنا عبد مناف بن قصي، والأحوص بن فهر، وعقيل بن أبى وقاص فانتموا إلى غير نسبهم وقالوا نحن أناس من جمح أتيناك بلغنا قدومك، فرأينا أن إتياننا إياك حق لك واجب علينا وأهدى اليه عقيل صفيحة هندية، وصعدة ردينية، فوضعت على باب البيت الحرام لينظروا، أهل يراها سطيح أم لا. فقال: يا عقيل ناولني يدك فناوله يده فقال: يا عقيل والعالم الخفية، والغافر الخطية، والذمة الوفية، والكعبة المبنية، إنك للجائي بالهدية، الصفيحة الهندية، والصعدة الردينية. قالوا صدقت يا سطيح، فقال والآتي بالفرح، وقوس قزح، وسائر الفرح، واللطيم المنبطح، والنخل والرطب والبلح، إن الغراب حيث مرّ سنح، فأخبر أن القوم ليسوا من جمح، وإن نسبهم من قريش ذي البطح قالوا صدقت يا سطيح نحن أهل البيت الحرام، أتيناك لنزورك لما بلغنا من علمك. فأخبرنا عما يكون في زماننا هذا وما يكون بعده فلعل أن يكون عندك في ذلك علم قال: الآن صدقتم، خذوا منى ومن إلهام الله إياي، أنتم يا معشر العرب في زمان الهرم، سواء بصائركم وبصائر العجم، لا علم عندكم ولا فهم، وينشو من عقبكم ذوو فهم، يطلبون أنواع العلم، فيكسرون الصنم، ويبلغون الردم، ويقتلون العجم، يطلبون الغنم، قالوا يا سطيح فمن يكون أولئك؟ فقال لهم: والبيت ذي الأركان، والأمن والسكان لينشؤن من عقبكم ولدان يكسرون الأوثان، وينكرون عبادة الشيطان ويوحدون الرحمن، وينشرون دين الديان، يشرفون البنيان، ويستفتون الفتيان، قالوا يا سطيح من نسل من يكون أولئك؟ قال: وأشرف الاشراف، والمفضي للاشراف، والمزعزع الأحقاف، والمضعف لاضعاف، لينشؤن الألاف من عبد شمس وعبد مناف، نشوءا يكون فيه اختلاف. قالوا يا سوأتاه يا سطيح مما تخبرنا من العلم بأمرهم ومن أي بلد يخرج أولئك؟ فقال والباقي الأبد، والبالغ الأمد، ليخرجن من ذا البلد، فنى يهدى إلى الرشد يرفض يغوث والفند، يبرأ من عبادة الضدد، يعبد ربا انفرد، ثم يتوفاه الله محمودا، من الأرض مفقودا، وفي السماء مشهودا. ثم يلي أمره الصديق إذا قضى صدق، في رد الحقوق لا خرق ولا نزق ثم يلي أمره الحنيف، مجرب غطريف، ويترك قول العنيف. قد ضاف المضيف. وأحكم التحنيف. ثم يلي أمره داعيا لأمره مجربا، فتجتمع له جموعا وعصبا، فيقتلونه نقمة عليه وغضبا، فيؤخذ الشيخ فيذبح أربا فيقوم به رجال خطبا. ثم يلي أمره الناصر يخلط الرأى برأي المناكر يظهر في الأرض العساكر ثم يلي بعده ابنه يأخذ جمعه ويقل حمده. ويأخذ المال ويأكل وحده، ويكثر المال بعقبه من بعده، ثم يلي من بعده عدة ملوك لا شك الدم فيهم مسفوك، ثم بعدهم الصعلوك يطويهم كطيّ الدرنوك. ثم يلي من بعده عظهور يقصى الحق ويدنى مصر يفتتح الأرض افتتاحا منكرا، ثم يلي قصير القامة، بظهره علامة

стр. 694

يموت موتا وسلامة. ثم يلي قليلا باكر، يترك الملك بائر يلي أخوه بسنته سابر، يختص بالأموال والمنابر ثم يلي من بعده أهوج، صاحب دنيا ونعيم مخلج، يتشاوره معاشره وذووه، ينهضون اليه يخلعونه بأخذ الملك ويقتلونه، ثم يلي أمره من بعده السابع، يترك الملك محلا ضائع، بنوه في ملكه كالمشوه جامع، عند ذلك يطمع في الملك كل عريان، ويلي أمره اللهفان. يرضى نزارا جمع قحطان، إذا التقيا بدمشق جمعان بين بنيان ولبنان، يصنف اليمن يومئذ صنفان. صنف المشورة، وصنف المخذول. لا ترى الأحباء محلول. وأسيرا مغلول. بين القراب والخيول. عند ذلك تخرب المنازل وتسلب الأرامل، وتسقط الحوامل وتظهر الزلازل، وتطلب الخلافة وائل، فتغضب نزار فتدنى العبيد والأشرار، وتقصى الأمثال والأخيار. وتغلو الأسعار في صفر الاصفار يقتل كل حيا منه، ثم يسيرون إلى خنادق وإنها ذات أشعار وأشجار تصد له الأنهار وبهزمهم أول النهار، تظهر الأخيار فلا ينفعهم نوم ولا قرار. حتى يدخل مصرا من الأمصار، فيدركه القضاء والأقدار. ثم يجيء الرماة تلف مشاة، لقتل الكماة، وأسر الحماة. وتهلك الغواة هنالك يدرك في أعلى المياه. ثم يبور الدين، وتقلب الأمور، وتكفر الزبور، وتقطع الجسور، فلا يفلت إلا من كان في جزائر البحور، ثم تبور الحبوب، وتظهر الأعاريب ليس فيهم معيب على أهل الفسوق والريب في زمان عصيب، لو كان للقوم حيا، وما تغني المنى. قالوا ثم ماذا يا سطيح؟ قال ثم يظهر رجل من أهل اليمن كالشطن، يذهب الله على رأسه الفتن. وهذا أثر غريب كتباه لغرابته وما تضمن من الفتن والملاحم. وقد تقدم قصة شق وسطيح مع ربيعة ابن نصر ملك اليمن، وكيف بشر بوجود رسول الله ﷺ وكذلك تقدم قصة سطيح مع ابن أخته عبد المسيح حين أرسله ملك بنى ساسان، لارتجاس الإيوان، وخمود النيران، ورؤيا الموبذان. وذلك ليلة مولد الّذي نسخ بشريعته سائر الأديان. تم الجزء الثاني من البداية والنهاية ويليه الجزء الثالث وأوله (باب كيفية بدء الوحي الى رسول الله ﷺ

стр. 695

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ باب كيفية بدء الوحي إلى رسول الله ﷺ ، وذكر أول شيء أنزل عليه من القرآن العظيم كان ذلك وله ﷺ من العمر أربعون سنة. وحكى ابن جرير عن ابن عباس وسعيد بن المسيب: أنه كان عمره إذ ذاك ثلاثا وأربعين سنة. قال البخاري: حدثنا يحيى بن بكير حدثنا الليث عن عقيل عن ابن شهاب عن عروة بن الزبير عن عائشة ﵂. أنها قالت: أول ما بدئ به رسول الله ﷺ من الوحي الرؤيا الصادقة في النوم، وكان لا يرى رؤيا إلا جاءت مثل فلق الصبح، ثم حبب اليه الخلاء فكان يخلو بغار حراء فيتحنث فيه - وهو التعبد - الليالي ذوات العدد قبل أن ينزع إلى أهله ويتزود لذلك، ثم يرجع إلى خديجة فيتزود لمثلها حتى جاءه الحق وهو في غار حراء. فجاءه الملك فقال اقرأ. فقال: ما أنا بقارئ. قال: فأخذني قعطنى حتى بلغ منى الجهد ثم أرسلنى. فقال: اقرأ، فقلت: ما أنا بقارئ، فأخذني فغطني الثانية حتى بلغ منى الجهد ثم أرسلنى. فقال: اقرأ، فقلت: ما أنا بقارئ فأخذني فغطني الثالثة حتى بلغ منى الجهد. ثم أرسلنى فقال: ﴿اِقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ * خَلَقَ الْإِنْسانَ مِنْ عَلَقٍ، * اِقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ * الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ * عَلَّمَ الْإِنْسانَ ما لَمْ يَعْلَمْ﴾ فرجع بها رسول الله ﷺ يرجف

стр. 696

فؤاده فدخل على خديجة بنت خويلد. فقال: زملوني زملوني، فزملوه حتى ذهب عنه الروع. فقال لخديجة - وأخبرها الخبر - لقد خشيت على نفسي. فقالت خديجة: كلا والله لا يخزيك الله أبدا. إنك لتصل الرحم وتقوى الضيف، وتحمل الكل، وتكسب المعدوم، وتعين على نوائب الحق، فانطلقت به خديجة حتى أتت ورقة بن نوفل بن أسد بن عبد العزى ابن عم خديجة. وكان امرأ قد تنصر في الجاهلية وكان يكتب الكتاب العبراني فيكتب من الإنجيل بالعبرانية ما شاء الله أن يكتب. وكان شيخا كبيرا قد عمى. فقالت له خديجة: يا ابن عم! اسمع من ابن أخيك فقال له ورقة: يا ابن أخى ماذا ترى فأخبره رسول الله ﷺ خبر ما رأى. فقال له ورقة: هذا الناموس الّذي كان ينزل على موسى، ياليتنى فيها جذعا، ليتني أكون حيا، إذ يخرجك قومك. فقال رسول الله ﷺ : «أو مخرجيّ هم؟» فقال: نعم. لم يأت أحد بمثل ما جئت به إلا عودي. وإن يدركني يومك أنصرك نصرا مؤزرا. ثم لم ينشب ورقة أن توفى وفتر الوحي (١) فترة. حتى حزن رسول الله ﷺ فيما بلغنا - حزنا غدا منه مرارا كي يتردى من رءوس شواهق الجبال فكلما أو في بذروة جبل لكي يلقى نفسه تبدّى له جبريل فقال: يا محمد إنك رسول الله حقا فيسكن لذلك جأشه، وتقر نفسه. فيرجع فإذا طالت عليه فترة الوحي غدا كمثل ذلك. قال فإذا أوفى بذروة جبل تبدي له جبريل فقال له: مثل ذلك هكذا وقع مطولا في باب التعبير من البخاري قال ابن شهاب: وأخبرنى أبو سلمة بن عبد الرحمن أن جابر بن عبد الله الأنصاري قال - وهو يحدث عن فترة الوحي - فقال في حديثه: «بينا أنا أمشى إذ سمعت صوتا من السماء فرفعت بصرى فإذا الملك الّذي جاءني بحراء جالس على كرسي بين السماء والأرض. فرعبت منه. فرجعت فقلت: زملوني، زملوني فأنزل الله ﴿يا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ، * قُمْ فَأَنْذِرْ، * وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ، * وَثِيابَكَ فَطَهِّرْ، * وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ﴾ فحمى الوحي وتتابع» ثم قال البخاري تابعه عبد الله بن يوسف، وأبو صالح، يعنى عن الليث، وتابعه هلال بن داود عن الزهري. وقال يونس ومعمر: - بوادره. وهذا الحديث قد رواه الامام البخاري ﵀ في كتابه في مواضع منه، وتكلمنا عليه مطولا في أول شرح البخاري في كتاب بدء الوحي استادا ومتنا ولله الحمد والمنة. وأخرجه مسلم في صحيحه من حديث الليث به، ومن طريق يونس ومعمر عن الزهري كما علقه البخاري عنهما، وقد رمزنا في الحواشي على زيادات مسلم ورواياته ولله الحمد وانتهى سياقه الى قول ورقة: أنصرك نصرا مؤزرا.

стр. 697

فقول أم المؤمنين عائشة. أول ما بدئ به من الوحي الرؤيا الصادقة فكان لا يرى رؤيا إلا جاءت مثل فلق الصبح، يقوى ما ذكره محمد بن إسحاق بن يسار عن عبيد بن عمر الليثي أن النبي ﷺ قال: «فجاءني جبريل وأنا نائم بنمط من ديباج فيه كتاب. فقال: اقرأ، فقلت ما أقرأ؟ فغتني، حتى ظننت أنه الموت، ثم أرسلنى» وذكر نحو حديث عائشة سواء، فكان هذا كالتوطئة لما يأتى بعده من اليقظة، وقد جاء مصرّحا بهذا في مغازي موسى بن عقبة عن الزهري أنه رأى ذلك في المنام ثم جاءه الملك في اليقظة. وقد قال الحافظ أبو نعيم الأصبهاني: في كتابه دلائل النبوة حدثنا محمد بن احمد بن الحسن حدثنا محمد بن عثمان بن أبى شيبة حدثنا جناب بن الحارث حدثنا عبد الله بن الأجلح عن إبراهيم عن علقمة بن قيس. قال: إن أول ما يؤتى به الأنبياء في المنام حتى تهدأ قلوبهم ثم ينزل الوحي بعد وهذا من قبل علقمة بن قيس نفسه وهو كلام حسن يؤيده ما قبله ويؤيده ما بعده. ذكر عمره ﵊ وقت بعثته وتاريخها قال الامام احمد حدثنا محمد بن أبى عدي عن داود بن أبى هند عن عامر الشّعبي أن رسول الله ﷺ نزلت عليه النبوة وهو ابن أربعين سنة، فقرن بنبوته إسرافيل ثلاث سنين، فكان يعلّمه الكلمة والشيء، ولم ينزل القرآن، فلما مضت ثلاث سنين قرن بنبوته جبريل فنزل القرآن على لسانه عشرين سنة عشرا بمكة وعشرا بالمدينة. فمات وهو ابن ثلاث وستين سنة. فهذا اسناد صحيح إلى الشعبي وهو يقتضي أن إسرافيل قرن معه بعد الأربعين ثلاث سنين ثم جاءه جبريل. وأما الشيخ شهاب الدين أبو شامة فإنه قد قال: وحديث عائشة لا ينافي هذا فإنه يجوز أن يكون أول أمره الرؤيا. ثم وكل به إسرافيل في تلك المدة التي كان يخلو فيها بحراء فكان يلقى اليه الكلمة بسرعة ولا يقيم معه تدريجا له وتمرينا إلى أن جاءه جبريل. فعلمه بعد ما غطّه ثلاث مرات، فحكت عائشة ما جرى له مع جبريل ولم تحك ما جرى له مع إسرافيل اختصارا للحديث، أو لم تكن وقفت على قصة إسرافيل. وقال الامام احمد حدثنا يحيي بن هشام عن عكرمة عن ابن عباس أنزل على النبي ﷺ وهو ابن ثلاث وأربعين فمكث بمكة عشرا وبالمدينة عشرا. ومات وهو ابن ثلاث وستين، وهكذا روى يحيى بن سعيد وسعيد بن المسيب ثم روى احمد عن غندر ويزيد بن هارون كلاهما عن هشام عن عكرمة عن ابن عباس قال: بعث رسول الله ﷺ وأنزل عليه القرآن، وهو ابن أربعين سنة فمكث بمكة ثلاث عشرة سنة وبالمدينة عشر سنين. ومات وهو ابن ثلاث وستين سنة. وقال الامام

стр. 698

أحمد حدثنا عفان حدثنا حماد بن سلمة أنبأنا عمار بن أبى عمار عن ابن عباس قال أقام النبي ﷺ بمكة خمس عشرة سنة سبع سنين يرى الضوء ويسمع الصوت وثماني سنين يوحى اليه وأقام بالمدينة عشر سنين. قال أبو شامة: وقد كان رسول الله ﷺ يرى عجائب قبل بعثته فمن ذلك ما في صحيح مسلم عن جابر بن سمرة قال قال رسول الله ﷺ : «إني لأعرف حجرا بمكة كان يسلّم عليّ قبل أن أبعث إني لأعرفه الآن» انتهى كلامه. وانما كان رسول الله ﷺ يحب الخلاء والانفراد عن قومه، لما يراهم عليه من الضلال المبين من عبادة الأوثان والسجود للأصنام، وقويت محبته للخلوة عند مقاربة ايحاء الله اليه صلوات الله وسلامه عليه. وقد ذكر محمد بن إسحاق عن عبد الملك بن عبد الله بن ابى سفيان بن العلاء بن حارثة - قال: وكان واعية - عن بعض أهل العلم قال: وكان رسول الله ﷺ يخرج إلى حراء في كل عام شهرا من السنة يتنسّك فيه. وكان من نسّك قريش في الجاهلية، يطعم من جاءه من المساكين حتى إذا انصرف من مجاورته لم يدخل بيته حتى يطوف بالكعبة. وهكذا روى عن وهب بن كيسان انه سمع عبيد بن عمير يحدث عبد الله بن الزبير مثل ذلك، وهذا يدل على أن هذا كان من عادة المتعبدين في قريش أنهم يجاورون في حراء للعبادة ولهذا قال أبو طالب في قصيدته المشهورة: وثور ومن أرسى ثبيرا مكانه … وراق ليرقى في حراء ونازل هكذا صوبه على رواية هذا البيت كما ذكره السهيليّ وأبو شامة وشيخنا الحافظ أبو الحجاج المزي ﵏، وقد تصحف على بعض الرواة فقال فيه: وراق ليرقى في حر ونازل - وهذا ركيك ومخالف للصواب والله أعلم. وحراء يقصر ويمدّ ويصرف ويمنع، وهو جبل بأعلى مكة على ثلاثة أميال منها عن يسار المار إلى منى، له قلة مشرفة على الكعبة منحنية والغار في تلك الحنية وما أحسن ما قال رؤبة بن العجاج فلا ورب الآمنات القطّن … وربّ ركن من حراء منحني وقوله في الحديث: والتحنث التعبد، تفسير بالمعنى، وإلا فحقيقة التحنث من حنث البنية (١) فيما قاله السهيليّ الدخول في الحنث ولكن سمعت ألفاظ قليلة في اللغة معناها الخروج من ذلك الشيء كحنث أي خرج من الحنث وتحوب وتحرج وتأثم وتهجد هو ترك الهجود وهو النوم للصلاة وتنجس وتقذر أوردها أبو شامة. وقد سئل ابن الأعرابي عن قوله يتحنث أي يتعبد. فقال: لا أعرف هذا انما هو يتحنف من الحنيفية دين إبراهيم ﵇. قال ابن هشام: والعرب تقول التحنث

стр. 699

والتحنف يبدلون الفاء من الثاء، كما قالوا جدف وجذف كما قال رؤبة: لو كان أحجارى مع الأجذاف يريد الأجداث. قال وحدثني أبو عبيدة أن العرب تقول فمّ في موضع ثمّ. قلت: ومن ذلك قول بعض المفسرين وفومها أن المراد ثومها. وقد اختلف العلماء في تعبده ﵇ قبل البعثة هل كان على شرع أم لا؟ وما ذلك الشرع فقيل شرع نوح وقيل شرع إبراهيم. وهو الأشبه الأقوى. وقيل موسى، وقيل عيسى، وقيل كل ما ثبت أنه شرع عنده اتبعه وعمل به، ولبسط هذه الأقوال ومناسباتها مواضع أخر في أصول الفقه والله أعلم. وقوله حتى فجئه الحق وهو بغار حراء أي جاء بغتة على غير موعد كما قال تعالى ﴿وَما كُنْتَ تَرْجُوا أَنْ يُلْقى إِلَيْكَ الْكِتابُ إِلاّ رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ﴾ الآية. وقد كان نزول صدر هذه السورة الكريمة وهي ﴿اِقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ * خَلَقَ الْإِنْسانَ مِنْ عَلَقٍ * اِقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ * الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ * عَلَّمَ الْإِنْسانَ ما لَمْ يَعْلَمْ﴾ وهي أول ما نزل من القرآن كما قررنا ذلك في التفسير وكما سيأتي أيضا في يوم الاثنين كما ثبت في صحيح مسلّم عن أبى قتادة أن رسول الله ﷺ : سئل عن صوم يوم الاثنين؟ فقال: «ذاك يوم ولدت فيه، ويوم انزل على فيه» وقال ابن عباس: ولد نبيكم محمد ﷺ يوم الاثنين، ونبئ يوم الاثنين. وهكذا قال عبيد بن عمير وأبو جعفر الباقر وغير واحد من العلماء: انه ﵊ أوحى اليه يوم الاثنين، وهذا ما لا خلاف فيه بينهم. ثم قيل: كان ذلك في شهر ربيع الأول، كما تقدم عن ابن عباس وجابر أنه ولد ﵇، في الثاني عشر من ربيع الأول يوم الإثنين وفيه بعث وفيه عرج به إلى السماء، والمشهور انه بعث ﵊ في شهر رمضان، كما نص على ذلك عبيد بن عمير، ومحمد بن إسحاق وغيرهما. قال ابن إسحاق مستدلا على ذلك بما قال الله تعالى: ﴿شَهْرُ رَمَضانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدىً لِلنّاسِ﴾ فقيل في عشره. وروى الواقدي بسنده عن أبى جعفر الباقر أنه قال: كان ابتداء الوحي إلى رسول الله ﷺ يوم الاثنين، لسبع عشرة ليلة خلت من رمضان وقيل في الرابع والعشرين منه. قال الامام احمد: حدثنا أبو سعيد مولى بنى هاشم حدثنا عمران أبو العوام عن قتادة عن أبى المليح عن واثلة بن الأسقع أن رسول الله ﷺ قال: «أنزلت صحف إبراهيم في أول ليلة من رمضان، وأنزلت التوراة لست مضين من رمضان، والإنجيل لثلاث عشرة ليلة خلت من رمضان، وأنزل القرآن لأربع وعشرين خلت من رمضان» وروى ابن مردويه في تفسيره عن جابر بن عبد الله مرفوعا نحوه، ولهذا ذهب جماعة من الصحابة والتابعين، إلى أن ليلة القدر ليلة أربع وعشرين.

стр. 700

وأما قول جبريل (اقرأ) فقال: «ما أنا بقارئ» فالصحيح ان قوله «ما أنا بقارئ» نفى أي لست ممن يحسن القراءة. وممن رجحه النووي وقبله الشيخ أبو شامة. ومن قال إنها استفهامية فقوله بعيد لأن الباء لا تزاد في الإثبات. ويؤيد الأول رواية أبى نعيم من حديث المعتمر بن سليمان عن أبيه: فقال رسول الله ﷺ وهو خائف يرعد - «ما قرأت كتابا قط ولا أحسنه وما أكتب وما أقرأ» فأخذه جبريل فغتّه غتا شديدا. ثم تركه فقال: له اقرأ. فقال محمد ﷺ «ما أرى شيئا أقرأه، وما أقرأ، وما أكتب» يروى فغطني كما في الصحيحين وغتنى ويروى قد غتنى أي خنقني «حتى بلغ منى الجهد» يروى بضم الجيم وفتحها وبالنصب وبالرفع. وفعل به ذلك ثلاثا. قال أبو سليمان الخطابي: وإنما فعل ذلك به ليبلو صبره ويحسن تأديبه فيرتاض لاحتمال ما كلفه به من أعباء النبوة، ولذلك كان يعتريه مثل حال المحموم وتأخذه الرحضاء أي البهر والعرق. وقال غيره: إنما فعل ذلك لأمور: منها أن يستيقظ لعظمة ما يلقى اليه بعد هذا الصنيع المشق على النفوس. كما قال تعالى ﴿إِنّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلاً ثَقِيلاً﴾ ولهذا كان ﵊ إذا جاءه الوحي يحمر وجهه ويغطّ كما يغط البكر من الإبل ويتفصّد جبينه عرقا في اليوم الشديد البرد. وقوله فرجع بها رسول الله ﷺ إلى خديجة يرجف فؤاده. وفي رواية: بوادره، جمع بادرة قال أبو عبيدة: وهي لحمة بين المنكب والعنق. وقال غيره: هو عروق تضطرب عند الفزع وفي بعض الروايات ترجف بآدله واحدتها بادلة. وقيل بادل. وهو ما بين العنق والترقوة وقيل أصل الثدي. وقيل لحم الثديين وقيل غير ذلك. فقال: «زملوني زملوني» فلما ذهب عنه الروع قال لخديجة: «ما لي؟ أي شيء عرض لي؟» وأخبرها ما كان من الأمر. ثم قال: «لقد خشيت على نفسي» وذلك لأنه شاهد أمرا لم يعهده قبل ذلك، ولا كان في خلده. ولهذا قالت خديجة: ابشر، كلا والله لا يخزيك الله أبدا. قيل من الخزي، وقيل من الحزن، وهذا لعلمها بما أجرى الله به جميل العوائد في خلقه أن من كان متصفا بصفات الخير لا يخزي في الدنيا ولا في الآخرة ثم ذكرت له من صفاته الجليلة ما كان من سجاياه الحسنة. فقالت: إنك لتصل الرحم وتصدق الحديث - وقد كان مشهورا بذلك صلوات الله وسلامه عليه عند الموافق والمفارق - وتحمل الكلّ. أي عن غيرك تعطى صاحب العيلة ما يريحه من ثقل مؤنة عياله - وتكسب المعدوم أي تسبق إلى فعل الخير فتبادر إلى إعطاء الفقير فتكسب حسنته قبل غيرك. ويسمى الفقير معدوما لأن حياته ناقصة. فوجوده وعدمه سواء كما قال بعضهم: ليس من مات فاستراح بميت … إنما الميت ميّت الأحياء

стр. 701

وقال أبو الحسن التهامي، فيما نقله عنه القاضي عياض في شرح مسلم: عدّ ذا الفقر ميّتا وكساه … كفنا باليا ومأواه قبرا وقال الخطابي: الصواب (وتكسب المعدم) أي تبذل اليه أو يكون تلبس العدم بعطية مالا يعيش به. واختار شيخنا الحافظ أبو الحجاج المزي أن المراد بالمعدوم هاهنا المال المعطى، أي يعطى المال لمن هو عادمه. ومن قال إن المراد إنك تكسب باتجارك المال المعدوم، أو النفيس القليل النظير، فقد أبعد النجعة وأغرق في النزع وتكلف ما ليس له به علم، فان مثل هذا لا يمدح به غالبا، وقد ضعّف هذا القول عياض والنووي وغيرهما والله أعلم. وتقرى الضيف - أي تكرمه في تقديم قراه، وإحسان مأواه. وتعين على نوائب الحق ويروى الخير، أي إذا وقعت نائبة لأحد في خير أعنت فيها، وقمت مع صاحبها حتى يجد سدادا من عيش أو قواما من عيش، وقوله: ثم أخذته فانطلقت به إلى ابن عمها ورقة بن نوفل. وكان شيخا كبيرا قد عمى. وقد قدّمنا طرفا من خبره مع ذكر زيد بن عمرو بن نفيل ﵀. وانه كان ممن تنصّر في الجاهلية ففارقهم وارتحل إلى الشام، هو وزيد بن عمرو وعثمان بن الحويرث، وعبيد الله بن جحش فتنصّروا كلهم، لأنهم وجدوه أقرب الأديان إذ ذاك إلى الحق، إلاّ زيد بن عمرو بن نفيل فإنه رأى فيه دخلا وتخبيطا وتبديلا وتحريفا وتأويلا. فأبت فطرته الدخول فيه أيضا، وبشروه الأحبار والرهبان بوجود نبي قد أزف زمانه واقترب أوانه، فرجع يتطلب ذلك، واستمر على فطرته وتوحيده. لكن اخترمته المنية قبل البعثة المحمدية. وأدركها ورقة بن نوفل وكان يتوسّمها في رسول الله ﷺ كما قدمنا بما كانت خديجة تنعته له وتصفه له، وما هو منطو عليه من الصفات الطاهرة الجميلة وما ظهر عليه من الدلائل والآيات، ولهذا لما وقع ما وقع أخذت بيد رسول الله ﷺ وجاءت به اليه فوقفت به عليه. وقالت: ابن عم اسمع من ابن أخيك، فلما قص عليه رسول الله ﷺ خبر ما رأى قال ورقة: سبّوح سبّوح، هذا الناموس الّذي أنزل على موسى، ولم يذكر عيسى وإن كان متأخرا بعد موسى، لأنه كانت شريعته متممة ومكملة لشريعة موسى ﵉، ونسخت بعضها على الصحيح من قول العلماء. كما قال ﴿وَلِأُحِلَّ لَكُمْ بَعْضَ الَّذِي حُرِّمَ عَلَيْكُمْ﴾. وقول ورقة هذا كما قالت الجن: ﴿يا قَوْمَنا إِنّا سَمِعْنا كِتاباً أُنْزِلَ مِنْ بَعْدِ مُوسى مُصَدِّقاً لِما بَيْنَ يَدَيْهِ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ وَإِلى طَرِيقٍ مُسْتَقِيمٍ﴾. ثم قال ورقة: يا ليتني فيها جذعا. أي ياليتنى أكون اليوم شابا متمكنا من الايمان والعلم النافع والعمل الصالح، يا ليتني أكون حيا حين يخرجك قومك يعنى حتى أخرج معك وأنصرك؟ فعندها قال رسول الله ﷺ : «أو مخرجيّ هم؟» قال السهيليّ وانما قال ذلك، لأن فراق الوطن شديد على النفوس، فقال: نعم! انه لم يأت أحد بمثل ما جئت به إلا عودي، وإن

стр. 702

يدركني يومك أنصرك نصرا مؤزرا أي أنصرك نصرا عزيزا أبدا. وقوله «ثم لم ينشب ورقة أن توفى» أي توفى بعد هذه القصة بقليل ﵀ ورضى عنه، فان مثل هذا الّذي صدر عنه تصديق بما وجد وايمان بما حصل من الوحي ونية صالحة للمستقبل. وقد قال الامام احمد حدثنا حسن عن ابن لهيعة حدثني أبو الأسود عن عروة عن عائشة. أن خديجة سألت رسول الله ﷺ عن ورقة بن نوفل فقال: «قد رأيته فرأيت عليه ثياب بياض فأحسبه لو كان من أهل النار لم يكن عليه ثياب بياض». وهذا اسناد حسن لكن رواه الزهري وهشام عن عروة مرسلا فالله أعلم وروى الحافظ أبو يعلى عن شريح بن يونس عن إسماعيل عن مجالد عن الشعبي عن جابر بن عبد الله أن رسول الله ﷺ سئل عن ورقة بن نوفل فقال: «قد رأيته فرأيت عليه ثياب بياض أبصرته في بطنان الجنة وعليه السندس». وسئل عن زيد بن عمرو بن نفيل فقال «يبعث يوم القيامة امة وحده». وسئل عن أبى طالب فقال: «أخرجته من غمرة من جهنم إلى ضحضاح منها» وسئل عن خديجة لأنها ماتت قبل الفرائض وأحكام القرآن - فقال: «أبصرتها على نهر في الجنة في بيت من قصب لا صخب فيه ولا نصب» اسناد حسن ولبعضه شواهد في الصحيح والله أعلم. وقال الحافظ أبو بكر البزار: حدثنا عبيد بن إسماعيل حدثنا أبو أسامة عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة. قالت قال رسول الله ﷺ : «لا تسبوا ورقة فانى رأيت له جنة أو جنتين» وكذا رواه ابن عساكر من حديث أبى سعيد الأشج عن أبى معاوية عن هشام عن أبيه عن عائشة وهذا اسناد جيد. وروى مرسلا وهو أشبه. وروى الحافظان البيهقي وأبو نعيم في كتابهما دلائل النبوة من حديث يونس بن بكير عن يونس بن عمرو عن أبيه عن عمرو بن شرحبيل أن رسول الله ﷺ قال لخديجة: «انى إذا خلوت وحدي سمعت نداء، وقد خشيت والله أن يكون لهذا أمر». قالت: معاذ الله ما كان ليفعل ذلك بك فو الله إنك لتؤدي الأمانة، وتصل الرحم، وتصدق الحديث. فلما دخل أبو بكر وليس رسول الله ﷺ ثم ذكرت له خديجة فقالت: يا عتيق اذهب مع محمد إلى ورقة. فلما دخل رسول الله ﷺ أخذ بيده أبو بكر. فقال: انطلق بنا إلى ورقة قال: «ومن أخبرك؟» قال خديجة فانطلقا اليه فقصّا عليه. فقال رسول الله ﷺ : «إني إذا خلوت وحدي سمعت نداء خلفي: يا محمد يا محمد فانطلق هاربا في الأرض». فقال له لا تفعل. إذا أتاك فاثبت، حتى تسمع ما يقول لك ثم ائتني فأخبرني. فلما خلا ناداه يا محمد قل ﴿بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ * الْحَمْدُ لِلّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ﴾ حتى بلغ ﴿وَلا الضّالِّينَ﴾ قل لا إله إلا الله. فأتى ورقة فذكر له ذلك، فقال له ورقة: ابشر ثم ابشر. فأنا اشهد

стр. 703

انك الّذي بشّر بك ابن مريم، وانك على مثل ناموس موسى، وانك نبي مرسل، وانك ستؤمر بالجهاد بعد يومك هذا. ولئن أدركني ذلك لأجاهدنّ معك. فلما توفى. قال رسول الله ﷺ : «لقد رأيت القس في الجنة عليه ثياب الحرير، لأنه آمن بى وصدقنى» يعنى ورقة. هذا لفظ البيهقي وهو مرسل وفيه غرابة وهو كون الفاتحة أول ما نزل وقد قدمنا من شعره ما يدل على إضماره الايمان وعقده عليه وتأكده عنده، وذلك حين أخبرته خديجة ما كان من امره مع غلامها ميسرة وكيف كانت الغمامة تظلله في هجير القيظ. فقال ورقة في ذلك اشعارا قدمناها قبل هذا، منها قوله: لججت وكنت في الذكرى لجوجا … لأمر طالما بعث النشيجا ووصف من خديجة بعد وصف … فقد طال انتظاري يا خديجا ببطن المكتين على رجائي … حديثك أن أرى منه خروجا بما خبرتنا من قول قس … من الرهبان اكره ان يعوجا بأنّ محمدا سيسود قوما … ويخصم من يكون له حجيجا ويظهر في البلاد ضياء نور … يقيم به البرية ان (١) تعوجا فيلقى من يحاربه خسارا … ويلقى من يسالمه فلوجا فيا ليتى إذا ما كان ذاكم … شهدت وكنت أولهم ولوجا ولو كان الّذي كرهت قريش … ولو عجت بمكتها عجيجا أرجى بالذي كرهوا جميعا … إلى ذي العرش إذ سفلوا عروجا فان يبقوا وابق يكن أمورا … يضج الكافرون لها ضجيجا وقال أيضا في قصيدته الأخرى: واخبار صدق خبرت عن محمد … يخبرها عنه إذا غاب ناصح بان ابن عبد الله احمد مرسل … إلى كل من ضمت عليه الأباطح وظني به ان سوف يبعث صادقا … كما أرسل العبدان هود وصالح وموسى وإبراهيم حتى يرى له … بهاء ومنشور من الحق (٢) واضح ويتبعه حيّا لؤيّ بن غالب … شبابهم والأشيبون الجحاجح فان ابق حتى يدرك الناس دهره … فانى به مستبشر الود فارح وإلا فانى يا خديجة فاعلمي … عن أرضك في الأرض العريضة سائح

стр. 704

وقال يونس من بكير عن ابن إسحاق قال ورقة: فان يك حقا يا خديجة فاعلمي … حديثك إيانا فأحمد مرسل وجبريل يأتيه وميكال معهما … من الله وحي يشرح الصدر منزل يفوز به من فاز فيها بتوبة … ويشقى به العاني الغرير المضلل فريقان منهم فرقة في جنانه … واخرى بأحواز الجحيم تعلل إذا ما دعوا بالويل فيها تتابعت … مقامع في هاماتهم ثم تشعل فسبحان من يهوى الرياح بأمره … ومن هو في الأيام ما شاء يفعل ومن عرشه فوق السموات كلها … وقضاؤه في خلقه لا تبدل وقال ورقة أيضا: يا للرجال وصرف الدهر والقدر … وما لشيء قضاه الله من غير حتى خديجة تدعوني لأخبرها … أمرا أراه سيأتي الناس من أخر وخبرتني بأمر قد سمعت به … فيما مضى من قديم الدهر والعصر بأنّ احمد يأتيه فيخبره … جبريل انك مبعوث إلى البشر فقلت علّ الّذي ترجين ينجزه … لك الإله فرجي الخير وانتظري وارسليه إلينا كي نسائله … عن امره ما يرى في النوم والسهر فقال حين أتانا منطقا عجبا … يقفّ منه اعالى الجلد والشعر إني رأيت أمين الله واجهني … في صورة أكملت من أعظم الصور ثم استمر فكاد الخوف يذعرنى … مما يسلّم من حولي من الشجر فقلت ظني وما أدرى أيصدقنى … ان سوف يبعث يتلو منزل السور وسوف يبليك ان أعلنت دعوتهم … من الجهاد بلا منّ ولا كدر هكذا أورد ذلك الحافظ البيهقي من الدلائل وعندي في صحتها عن ورقة نظر والله أعلم. وقال ابن إسحاق حدثني عبد الملك بن عبد الله بن أبى سفيان بن العلاء بن جارية الثقفي - وكان داعية - عن بعض أهل العلم أن رسول الله ﷺ حين أراد الله كرامته وابتدأه بالنّبوّة كان إذا خرج لحاجة أبعد حتى يحسر الثوب عنه ويفضي الى شعاب مكة وبطون أوديتها فلا يمر بحجر ولا شجر إلا قال السلام عليك يا رسول الله. قال فيلتفت حوله عن يمينه وعن شماله وخلفه فلا يرى إلا الشجر والحجارة فمكث كذلك يرى ويسمع ما شاء الله أن يمكث، ثم جاءه جبريل ﵇ بما جاء من كرامة الله وهو بحراء في رمضان قال ابن إسحاق وحدثني وهب بن كيسان مولى آل الزبير قال

стр. 705

سمعت عبد الله بن الزبير وهو يقول لعبيد بن عمير بن قتادة الليثي حدثنا يا عبيد كيف كان بدو ما ابتدئ به رسول الله ﷺ من النبوة حين جاءه جبريل قال فقال عبيد وأنا حاضر - يحدث عبد الله ابن الزبير ومن عنده من الناس -: كان رسول الله ﷺ يجاور في حراء في كل سنة شهرا يتحنث قال وكان ذلك مما يحبب به قريش في الجاهلية والتحنث التبرر فكان رسول الله ﷺ يجاور ذلك الشهر من كل سنة يطعم من جاءه من المساكين فإذا قضى جواره من شهره ذلك كان أول ما يبدأ به إذا انصرف من جواره الكعبة قبل أن يدخل بيته فيطوف بها سبعا أو ما شاء الله من ذلك، ثم يرجع إلى بيته حتى إذا كان الشهر الّذي أراد الله به فيه ما أراد من كرامته من السنة التي بعثه فيها وذلك الشهر رمضان خرج إلى حراء كما كان يخرج لجواره ومعه أهله حتى إذا كانت الليلة التي أكرمه الله فيها برسالته ورحم العباد به جاءه جبريل بأمر الله تعالى قال رسول الله ﷺ : «فجاءني وأنا نائم بنمط من ديباج فيه كتاب فقال اقرأ؟ قلت ما اقرأ؟ قال فغتني حتى ظننت أنه الموت، ثم أرسلنى فقال اقرأ قلت ما أقرأ؟ قال فغتني حتى ظننت أنه الموت ثم أرسلنى، فقال اقرأ قلت ما اقرأ؟ قال فغتني حتى ظننت به الموت ثم أرسلنى. فقال اقرأ قلت ماذا اقرأ ما أقول ذلك إلا اقتداء منه أن يعود لي بمثل ما صنع بي فقال: ﴿اِقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ * خَلَقَ الْإِنْسانَ مِنْ عَلَقٍ * اِقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ * الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ * عَلَّمَ الْإِنْسانَ ما لَمْ يَعْلَمْ﴾. قال فقرأتها ثم انتهى وانصرف عنى وهببت من نومي فكأنما كتب في قلبي كتابا. قال فخرجت حتى إذا كنت في وسط من الجبل سمعت صوتا من السماء يقول يا محمد أنت رسول الله وأنا جبريل قال فرفعت رأسي إلى السماء فأنظر فإذا جبريل في صورة رجل صاف قدميه في أفق السماء يقول يا محمد أنت رسول الله وأنا جبريل فوقفت انظر اليه فما أتقدم وما أتأخر وجعلت أصرف وجهي عنه في آفاق السماء فما انظر في ناحية منها إلا رأيته كذلك فما زلت واقفا ما أتقدم أمامى وما أرجع ورائي حتى بعثت خديجة رسلها في طلبى فبلغوا مكة ورجعوا اليها وأنا واقف في مكاني ذلك ثم انصرف عنى وانصرفت راجعا إلى أهلي حتى أتيت خديجة فجلست إلى فخذها مضيفا اليها فقالت يا أبا القاسم أين كنت؟ فو الله لقد بعثت رسلي في طلبك حتى بلغوا مكة ورجعوا الى ثم حدثتها بالذي رأيت. فقالت أبشر يا ابن العم واثبت فو الّذي نفس خديجة بيده انى لأرجو أن تكون نبي هذه الأمة ثم قامت فجمعت عليها ثيابها ثم انطلقت إلى ورقة بن نوفل فأخبرته بما أخبرها به رسول الله ﷺ فقال ورقة: قدوس قدوس والّذي نفس ورقة بيده لئن كنت صدقتني يا خديجة لقد جاءه الناموس الأكبر الّذي كان يأتى موسى وأنه لنبي هذه الأمة، وقولي له فليثبت. فرجعت خديجة إلى رسول الله ﷺ فأخبرته بقول ورقة فلما قضى رسول الله ﷺ جواره وانصرف صنع كما كان يصنع، بدأ بالكعبة فطاف بها فلقيه ورقة بن نوفل وهو يطوف
следующие страницы →