وقال أبو الحسن التهامي، فيما نقله عنه القاضي عياض في شرح مسلم:
عدّ ذا الفقر ميّتا وكساه … كفنا باليا ومأواه قبرا
وقال الخطابي: الصواب (وتكسب المعدم) أي تبذل اليه أو يكون تلبس العدم بعطية مالا يعيش به. واختار شيخنا الحافظ أبو الحجاج المزي أن المراد بالمعدوم هاهنا المال المعطى، أي يعطى المال لمن هو عادمه. ومن قال إن المراد إنك تكسب باتجارك المال المعدوم، أو النفيس القليل النظير، فقد أبعد النجعة وأغرق في النزع وتكلف ما ليس له به علم، فان مثل هذا لا يمدح به غالبا، وقد ضعّف هذا القول عياض والنووي وغيرهما والله أعلم.
وتقرى الضيف - أي تكرمه في تقديم قراه، وإحسان مأواه. وتعين على نوائب الحق ويروى الخير، أي إذا وقعت نائبة لأحد في خير أعنت فيها، وقمت مع صاحبها حتى يجد سدادا من عيش أو قواما من عيش، وقوله: ثم أخذته فانطلقت به إلى ابن عمها ورقة بن نوفل. وكان شيخا كبيرا قد عمى. وقد قدّمنا طرفا من خبره مع ذكر زيد بن عمرو بن نفيل ﵀. وانه كان ممن تنصّر في الجاهلية ففارقهم وارتحل إلى الشام، هو وزيد بن عمرو وعثمان بن الحويرث، وعبيد الله بن جحش فتنصّروا كلهم، لأنهم وجدوه أقرب الأديان إذ ذاك إلى الحق، إلاّ زيد بن عمرو بن نفيل فإنه رأى فيه دخلا وتخبيطا وتبديلا وتحريفا وتأويلا. فأبت فطرته الدخول فيه أيضا، وبشروه الأحبار والرهبان بوجود نبي قد أزف زمانه واقترب أوانه، فرجع يتطلب ذلك، واستمر على فطرته وتوحيده. لكن اخترمته المنية قبل البعثة المحمدية. وأدركها ورقة بن نوفل وكان يتوسّمها في رسول الله ﷺ كما قدمنا بما كانت خديجة تنعته له وتصفه له، وما هو منطو عليه من الصفات الطاهرة الجميلة وما ظهر عليه من الدلائل والآيات، ولهذا لما وقع ما وقع أخذت بيد رسول الله ﷺ وجاءت به اليه فوقفت به عليه. وقالت: ابن عم اسمع من ابن أخيك، فلما قص عليه رسول الله ﷺ خبر ما رأى قال ورقة: سبّوح سبّوح، هذا الناموس الّذي أنزل على موسى، ولم يذكر عيسى وإن كان متأخرا بعد موسى، لأنه كانت شريعته متممة ومكملة لشريعة موسى ﵉، ونسخت بعضها على الصحيح من قول العلماء. كما قال ﴿وَلِأُحِلَّ لَكُمْ بَعْضَ الَّذِي حُرِّمَ عَلَيْكُمْ﴾. وقول ورقة هذا كما قالت الجن: ﴿يا قَوْمَنا إِنّا سَمِعْنا كِتاباً أُنْزِلَ مِنْ بَعْدِ مُوسى مُصَدِّقاً لِما بَيْنَ يَدَيْهِ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ وَإِلى طَرِيقٍ مُسْتَقِيمٍ﴾. ثم
قال ورقة: يا ليتني فيها جذعا. أي ياليتنى أكون اليوم شابا متمكنا من الايمان والعلم النافع والعمل الصالح، يا ليتني أكون حيا حين يخرجك قومك يعنى حتى أخرج معك وأنصرك؟ فعندها قال رسول الله ﷺ : «أو مخرجيّ هم؟» قال السهيليّ وانما قال ذلك، لأن فراق الوطن شديد على النفوس، فقال: نعم! انه لم يأت أحد بمثل ما جئت به إلا عودي، وإن
стр. 702
يدركني يومك أنصرك نصرا مؤزرا أي أنصرك نصرا عزيزا أبدا.
وقوله «ثم لم ينشب ورقة أن توفى» أي توفى بعد هذه القصة بقليل ﵀ ورضى عنه، فان مثل هذا الّذي صدر عنه تصديق بما وجد وايمان بما حصل من الوحي ونية صالحة للمستقبل.
وقد
قال الامام احمد حدثنا حسن عن ابن لهيعة حدثني أبو الأسود عن عروة عن عائشة. أن خديجة سألت رسول الله ﷺ عن ورقة بن نوفل فقال: «قد رأيته فرأيت عليه ثياب بياض فأحسبه لو كان من أهل النار لم يكن عليه ثياب بياض». وهذا اسناد حسن لكن رواه الزهري وهشام عن عروة مرسلا فالله أعلم
وروى الحافظ أبو يعلى عن شريح بن يونس عن إسماعيل عن مجالد عن الشعبي عن جابر بن عبد الله أن رسول الله ﷺ سئل عن ورقة بن نوفل فقال: «قد رأيته فرأيت عليه ثياب بياض أبصرته في بطنان الجنة وعليه السندس». وسئل عن زيد بن عمرو بن نفيل فقال «يبعث يوم القيامة امة وحده». وسئل عن أبى طالب فقال: «أخرجته من غمرة من جهنم إلى ضحضاح منها» وسئل عن خديجة لأنها ماتت قبل الفرائض وأحكام القرآن - فقال: «أبصرتها على نهر في الجنة في بيت من قصب لا صخب فيه ولا نصب» اسناد حسن ولبعضه شواهد في الصحيح والله أعلم.
وقال الحافظ أبو بكر البزار: حدثنا عبيد بن إسماعيل حدثنا أبو أسامة عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة. قالت قال رسول الله ﷺ : «لا تسبوا ورقة فانى رأيت له جنة أو جنتين» وكذا رواه ابن عساكر من حديث أبى سعيد الأشج عن أبى معاوية عن هشام عن أبيه عن عائشة وهذا اسناد جيد. وروى مرسلا وهو أشبه.
وروى الحافظان البيهقي وأبو نعيم في كتابهما دلائل النبوة من حديث يونس بن بكير عن يونس بن عمرو عن أبيه عن عمرو بن شرحبيل أن رسول الله ﷺ قال لخديجة: «انى إذا خلوت وحدي سمعت نداء، وقد خشيت والله أن يكون لهذا أمر». قالت: معاذ الله ما كان ليفعل ذلك بك فو الله إنك لتؤدي الأمانة، وتصل الرحم، وتصدق الحديث. فلما دخل أبو بكر وليس رسول الله ﷺ ثم ذكرت له خديجة فقالت: يا عتيق اذهب مع محمد إلى ورقة. فلما دخل رسول الله ﷺ أخذ بيده أبو بكر. فقال: انطلق بنا إلى ورقة قال: «ومن أخبرك؟» قال خديجة فانطلقا اليه فقصّا عليه. فقال رسول الله ﷺ : «إني إذا خلوت وحدي سمعت نداء خلفي: يا محمد يا محمد فانطلق هاربا في الأرض». فقال له لا تفعل. إذا أتاك فاثبت، حتى تسمع ما يقول لك ثم ائتني فأخبرني. فلما خلا ناداه يا محمد قل ﴿بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ * الْحَمْدُ لِلّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ﴾ حتى بلغ ﴿وَلا الضّالِّينَ﴾ قل لا إله إلا الله. فأتى ورقة فذكر له ذلك، فقال له ورقة: ابشر ثم ابشر. فأنا اشهد
стр. 703
انك الّذي بشّر بك ابن مريم، وانك على مثل ناموس موسى، وانك نبي مرسل، وانك ستؤمر بالجهاد بعد يومك هذا. ولئن أدركني ذلك لأجاهدنّ معك. فلما توفى. قال رسول الله ﷺ :
«لقد رأيت القس في الجنة عليه ثياب الحرير، لأنه آمن بى وصدقنى» يعنى ورقة. هذا لفظ البيهقي وهو مرسل وفيه غرابة وهو كون الفاتحة أول ما نزل وقد قدمنا من شعره ما يدل على إضماره الايمان وعقده عليه وتأكده عنده، وذلك حين أخبرته خديجة ما كان من امره مع غلامها ميسرة وكيف كانت الغمامة تظلله في هجير القيظ. فقال ورقة في ذلك اشعارا قدمناها قبل هذا، منها قوله:
لججت وكنت في الذكرى لجوجا … لأمر طالما بعث النشيجا
ووصف من خديجة بعد وصف … فقد طال انتظاري يا خديجا
ببطن المكتين على رجائي … حديثك أن أرى منه خروجا
بما خبرتنا من قول قس … من الرهبان اكره ان يعوجا
بأنّ محمدا سيسود قوما … ويخصم من يكون له حجيجا
ويظهر في البلاد ضياء نور … يقيم به البرية ان (١) تعوجا
فيلقى من يحاربه خسارا … ويلقى من يسالمه فلوجا
فيا ليتى إذا ما كان ذاكم … شهدت وكنت أولهم ولوجا
ولو كان الّذي كرهت قريش … ولو عجت بمكتها عجيجا
أرجى بالذي كرهوا جميعا … إلى ذي العرش إذ سفلوا عروجا
فان يبقوا وابق يكن أمورا … يضج الكافرون لها ضجيجا
وقال أيضا في قصيدته الأخرى:
واخبار صدق خبرت عن محمد … يخبرها عنه إذا غاب ناصح
بان ابن عبد الله احمد مرسل … إلى كل من ضمت عليه الأباطح
وظني به ان سوف يبعث صادقا … كما أرسل العبدان هود وصالح
وموسى وإبراهيم حتى يرى له … بهاء ومنشور من الحق (٢) واضح
ويتبعه حيّا لؤيّ بن غالب … شبابهم والأشيبون الجحاجح
فان ابق حتى يدرك الناس دهره … فانى به مستبشر الود فارح
وإلا فانى يا خديجة فاعلمي … عن أرضك في الأرض العريضة سائح
стр. 704
وقال يونس من بكير عن ابن إسحاق قال ورقة:
فان يك حقا يا خديجة فاعلمي … حديثك إيانا فأحمد مرسل
وجبريل يأتيه وميكال معهما … من الله وحي يشرح الصدر منزل
يفوز به من فاز فيها بتوبة … ويشقى به العاني الغرير المضلل
فريقان منهم فرقة في جنانه … واخرى بأحواز الجحيم تعلل
إذا ما دعوا بالويل فيها تتابعت … مقامع في هاماتهم ثم تشعل
فسبحان من يهوى الرياح بأمره … ومن هو في الأيام ما شاء يفعل
ومن عرشه فوق السموات كلها … وقضاؤه في خلقه لا تبدل
وقال ورقة أيضا:
يا للرجال وصرف الدهر والقدر … وما لشيء قضاه الله من غير
حتى خديجة تدعوني لأخبرها … أمرا أراه سيأتي الناس من أخر
وخبرتني بأمر قد سمعت به … فيما مضى من قديم الدهر والعصر
بأنّ احمد يأتيه فيخبره … جبريل انك مبعوث إلى البشر
فقلت علّ الّذي ترجين ينجزه … لك الإله فرجي الخير وانتظري
وارسليه إلينا كي نسائله … عن امره ما يرى في النوم والسهر
فقال حين أتانا منطقا عجبا … يقفّ منه اعالى الجلد والشعر
إني رأيت أمين الله واجهني … في صورة أكملت من أعظم الصور
ثم استمر فكاد الخوف يذعرنى … مما يسلّم من حولي من الشجر
فقلت ظني وما أدرى أيصدقنى … ان سوف يبعث يتلو منزل السور
وسوف يبليك ان أعلنت دعوتهم … من الجهاد بلا منّ ولا كدر
هكذا أورد ذلك الحافظ البيهقي من الدلائل وعندي في صحتها عن ورقة نظر والله أعلم.
وقال ابن إسحاق حدثني عبد الملك بن عبد الله بن أبى سفيان بن العلاء بن جارية الثقفي - وكان داعية - عن بعض أهل العلم أن رسول الله ﷺ حين أراد الله كرامته وابتدأه بالنّبوّة كان إذا خرج لحاجة أبعد حتى يحسر الثوب عنه ويفضي الى شعاب مكة وبطون أوديتها فلا يمر بحجر ولا شجر إلا قال السلام عليك يا رسول الله. قال فيلتفت حوله عن يمينه وعن شماله وخلفه فلا يرى إلا الشجر والحجارة فمكث كذلك يرى ويسمع ما شاء الله أن يمكث، ثم جاءه جبريل ﵇ بما جاء من كرامة الله وهو بحراء في رمضان
قال ابن إسحاق وحدثني وهب بن كيسان مولى آل الزبير قال
стр. 705
سمعت عبد الله بن الزبير وهو يقول لعبيد بن عمير بن قتادة الليثي حدثنا يا عبيد كيف كان بدو ما ابتدئ به رسول الله ﷺ من النبوة حين جاءه جبريل قال فقال عبيد وأنا حاضر - يحدث عبد الله ابن الزبير ومن عنده من الناس -: كان رسول الله ﷺ يجاور في حراء في كل سنة شهرا يتحنث قال وكان ذلك مما يحبب به قريش في الجاهلية والتحنث التبرر فكان رسول الله ﷺ يجاور ذلك الشهر من كل سنة يطعم من جاءه من المساكين فإذا قضى جواره من شهره ذلك كان أول ما يبدأ به إذا انصرف من جواره الكعبة قبل أن يدخل بيته فيطوف بها سبعا أو ما شاء الله من ذلك، ثم يرجع إلى بيته حتى إذا كان الشهر الّذي أراد الله به فيه ما أراد من كرامته من السنة التي بعثه فيها وذلك الشهر رمضان خرج إلى حراء كما كان يخرج لجواره ومعه أهله حتى إذا كانت الليلة التي أكرمه الله فيها برسالته ورحم العباد به جاءه جبريل بأمر الله تعالى قال رسول الله ﷺ : «فجاءني وأنا نائم بنمط من ديباج فيه كتاب فقال اقرأ؟ قلت ما اقرأ؟ قال فغتني حتى ظننت أنه الموت، ثم أرسلنى فقال اقرأ قلت ما أقرأ؟ قال فغتني حتى ظننت أنه الموت ثم أرسلنى، فقال اقرأ قلت ما اقرأ؟ قال فغتني حتى ظننت به الموت ثم أرسلنى. فقال اقرأ قلت ماذا اقرأ ما أقول ذلك إلا اقتداء منه أن يعود لي بمثل ما صنع بي فقال: ﴿اِقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ * خَلَقَ الْإِنْسانَ مِنْ عَلَقٍ * اِقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ * الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ * عَلَّمَ الْإِنْسانَ ما لَمْ يَعْلَمْ﴾. قال فقرأتها ثم انتهى وانصرف عنى وهببت من نومي فكأنما كتب في قلبي كتابا. قال فخرجت حتى إذا كنت في وسط من الجبل سمعت صوتا من السماء يقول يا محمد أنت رسول الله وأنا جبريل قال فرفعت رأسي إلى السماء فأنظر فإذا جبريل في صورة رجل صاف قدميه في أفق السماء يقول يا محمد أنت رسول الله وأنا جبريل فوقفت انظر اليه فما أتقدم وما أتأخر وجعلت أصرف وجهي عنه في آفاق السماء فما انظر في ناحية منها إلا رأيته كذلك فما زلت واقفا ما أتقدم أمامى وما أرجع ورائي حتى بعثت خديجة رسلها في طلبى فبلغوا مكة ورجعوا اليها وأنا واقف في مكاني ذلك ثم انصرف عنى وانصرفت راجعا إلى أهلي حتى أتيت خديجة فجلست إلى فخذها مضيفا اليها فقالت يا أبا القاسم أين كنت؟ فو الله لقد بعثت رسلي في طلبك حتى بلغوا مكة ورجعوا الى ثم حدثتها بالذي رأيت. فقالت أبشر يا ابن العم واثبت فو الّذي نفس خديجة بيده انى لأرجو أن تكون نبي هذه الأمة ثم قامت فجمعت عليها ثيابها ثم انطلقت إلى ورقة بن نوفل فأخبرته بما أخبرها به رسول الله ﷺ فقال ورقة: قدوس قدوس والّذي نفس ورقة بيده لئن كنت صدقتني يا خديجة لقد جاءه الناموس الأكبر الّذي كان يأتى موسى وأنه لنبي هذه الأمة، وقولي له فليثبت. فرجعت خديجة إلى رسول الله ﷺ فأخبرته بقول ورقة فلما قضى رسول الله ﷺ جواره وانصرف صنع كما كان يصنع، بدأ بالكعبة فطاف بها فلقيه ورقة بن نوفل وهو يطوف
стр. 706
بالكعبة فقال يا ابن أخى أخبرنى بما رأيت وسمعت فأخبره فقال له ورقة والّذي نفسي بيده انك لنبي هذه الأمة ولقد جاءك الناموس الأكبر الّذي جاء موسى، ولتكذبنه ولتؤذينه ولتخرجنه ولتقاتلنه، ولئن أنا أدركت ذلك اليوم لأنصرن الله نصرا يعلمه. ثم أدنى رأسه منه فقبل يافوخه ثم انصرف رسول الله ﷺ إلى منزله». وهذا الّذي ذكره عبيد بن عمير كما ذكرناه كالتوطئة لما جاء بعده من اليقظة كما تقدم من قول عائشة ﵂ فكان لا يرى رؤيا الا جاءت مثل فلق الصبح. ويحتمل أن هذا المنام كان بعد ما رآه في اليقظة صبيحة ليلتئذ ويحتمل أنه كان بعده بمدة والله أعلم.
وقال موسى بن عقبة عن الزهري عن سعيد بن المسيب قال وكان فيما بلغنا أول ما رأى يعنى رسول الله ﷺ أن الله تعالى أراه رؤيا في المنام فشق ذلك عليه فذكرها لامرأته خديجة فعصمها الله عن التكذيب وشرح صدرها للتصديق فقالت أبشر فان الله لم يصنع بك إلا خيرا ثم إنه خرج من عندها ثم رجع اليها فأخبرها أنه رأى بطنه شق ثم غسل وطهر ثم أعيد كما كان قالت هذا والله خير فأبشر ثم استعلن له جبريل وهو بأعلى مكة فأجلسه على مجلس كريم معجب كان النبي ﷺ يقول أجلسنى على بساط كهيئة الدرنوك فيه الياقوت واللؤلؤ فبشره برسالة الله حتى اطمأن رسول الله ﷺ فقال له جبريل اقرأ فقال كيف اقرأ فقال: «اِقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ * خَلَقَ الْإِنْسانَ مِنْ عَلَقٍ * اِقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ * الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ * عَلَّمَ الْإِنْسانَ ما لَمْ يَعْلَمْ». قال ويزعم ناس أن «يا أيها المدثر» أول سورة نزلت عليه والله أعلم. قال فقبل رسول الله ﷺ رسالة ربه واتبع ما جاءه به جبريل من عند الله فلما انصرف منقلبا إلى بيته جعل لا يمرّ على شجر ولا حجر إلا سلّم عليه فرجع إلى أهله مسرورا موقنا أنه قد رأى أمرا عظيما فلما دخل على خديجة قال أرأيتك التي كنت حدّثتك أنى رأيته في المنام فإنه جبريل استعلن إليّ أرسله إليّ ربى وأخبرها بالذي جاءه من الله وما سمع منه فقالت أبشر فو الله لا يفعل الله بك إلا خيرا واقبل الّذي جاءك من أمر الله فإنه حق وأبشر فإنك رسول الله حقا. ثم انطلقت من مكانها فأتت غلاما لعتبة بن ربيعة بن عبد شمس نصرانيا من أهل نينوى يقال له عداس فقالت له يا عداس أذكرك بالله إلا ما أخبرتنى هل عندك علم من جبريل فقال: قدوس قدوس ما شأن جبريل يذكر بهذه الأرض التي أهلها أهل الأوثان. فقالت: أخبرنى بعلمك فيه. قال فإنه أمين الله بينه وبين النبيين وهو صاحب موسى وعيسى ﵉. فرجعت خديجة من عنده فجاءت ورقة بن نوفل فذكرت له ما كان من أمر النبي ﷺ وما ألقاه اليه جبريل. فقال لها ورقة: يا بنية أخى ما أدرى لعل صاحبك النبي الّذي ينتظر أهل الكتاب الّذي يجدونه مكتوبا عندهم في التوراة والإنجيل، وأقسم بالله لئن كان إياه ثم
стр. 707
أظهر دعواه وأنا حىّ لأبلين الله في طاعة رسوله وحسن مؤازرته للصبر والنصر. فمات ورقة ﵀. قال الزهري فكانت خديجة أول من آمن بالله وصدق رسوله ﷺ . قال الحافظ البيهقي بعد إيراده ما ذكرناه والّذي ذكر فيه من شق بطنه يحتمل أن يكون حكاية منه لما صنع به في صباه يعنى شق بطنه عند حليمة ويحتمل أن يكون شق مرة أخرى ثم ثالثة حين عرج به إلى السماء والله أعلم.
وقد (١) ذكر الحافظ ابن عساكر في ترجمة ورقة باسناده إلى سليمان بن طرخان التيمي. قال:
بلغنا أن الله تعالى بعث محمدا رسولا على رأس خمسين سنة من بناء الكعبة وكان أول شيء اختصه به من النبوة والكرامة رؤيا كان يراها فقص ذلك على زوجته خديجة بنت خويلد فقالت له: ابشر فو الله لا يفعل الله بك إلا خيرا فبينما هو ذات يوم في حراء وكان يفر اليه من قومه إذ نزل عليه جبريل فدنا منه فخافه رسول الله ﷺ مخافة شديدة فوضع جبريل يده على صدره ومن خلفه بين كتفيه. فقال: اللهمّ احطط وزره، واشرح صدره، وطهر قلبه، يا محمد ابشر! فإنك نبي هذه الأمة.
اقرأ فقال له نبي الله: وهو خائف يرعد - ما قرأت كتابا قط ولا أحسنه وما أكتب وما أقرأ فأخذه جبريل فغته غتا شديدا ثم تركه ثم قال له اقرأ فأعاد عليه مثله فأجلسه على بساط كهيئة الدرنوك فرأى فيه من صفائه وحسنه كهيئة اللؤلؤ والياقوت وقال له: ﴿اِقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ﴾ الآيات ثم قال له لا تخف يا محمد إنك رسول الله ﷺ وهو خائف فأتاه جبريل من امامه وهو في صعرته فرأى رسول الله ﷺ أمرا عظيما ملأ صدره فقال له جبريل لا تخف يا محمد جبريل رسول الله جبريل رسول الله الى أنبيائه ورسله فأيقن بكرامة الله فإنك رسول الله فرجع رسول الله ﷺ لا يمر على شجر ولا حجر الا هو ساجد يقول السلام عليك يا رسول الله. فاطمأنت نفسه وعرف كرامة الله إياه فلما انتهى إلى زوجته خديجة أبصرت ما بوجهه من تغير لونه فأفزعها ذلك، فقامت اليه فلما دنت منه جعلت تمسح عن وجهه وتقول لعلك لبعض ما كنت ترى وتسمع قبل اليوم فقال يا خديجة أرأيت الّذي كنت أرى في المنام والصوت الّذي كنت اسمع في اليقظة وأهال منه فإنه جبريل قد استعلن لي وكلمني واقرأنى كلاما فزعت منه ثم عاد الى فأخبرني انى نبي هذه الأمة فأقبلت راجعا فأقبلت على شجر وحجارة فقلن السلام عليك يا رسول الله. فقالت خديجة: ابشر فو الله لقد كنت اعلم ان الله لن يفعل بك الا خيرا واشهد انك نبي هذه الأمة الّذي تنتظره اليهود قد أخبرني به ناصح غلامي وبحيرى الراهب وأمرني ان أتزوجك منذ أكثر من عشرين سنة. فلم تزل برسول الله ﷺ حتى طعم وشرب وضحك ثم خرجت إلى الراهب وكان قريبا من مكة فلما دنت منه وعرفها.
стр. 708
قال: مالك يا سيدة نساء قريش؟ فقالت: أقبلت إليك لتخبرني عن جبريل فقال سبحان الله ربنا القدوس ما بال جبريل يذكر في هذه البلاد التي يعبد أهلها الأوثان جبريل أمين الله ورسوله الى أنبيائه ورسله وهو صاحب موسى وعيسى، فعرفت كرامة الله لمحمد ثم أتت عبدا لعتبة بن ربيعة يقال له عداس فسألته فأخبرها بمثل ما أخبرها به الراهب وأزيد. قال: جبريل كان مع موسى حين أغرق الله فرعون وقومه، وكان معه حين كلمه الله على الطور، وهو صاحب عيسى بن مريم الّذي أيده الله به. ثم قامت من عنده فاتت ورقة بن نوفل فسألته عن جبريل فقال لها مثل ذلك ثم سألها ما الخبر فأحلفته أن يكتم ما تقول له فحلف لها فقالت له إن ابن عبد الله ذكر لي وهو صادق أحلق بالله ما كذب ولا كذب أنه نزل عليه جبريل بحراء وأنه أخبره أنه نبي هذه الأمة وأقرأه آيات أرسل بها. قال: فذعر ورقة لذلك وقال لئن كان جبريل قد استقرت قدماه على الأرض لقد نزل على خير أهل الأرض وما نزل إلا على نبي وهو صاحب الأنبياء والرسل يرسله الله إليهم وقد صدقتك عنه فأرسلي إلى ابن عبد الله أسأله وأسمع من قوله وأحدثه فانى أخاف أن يكون غير جبريل فان بعض الشياطين يتشبه به ليضل به بعض بنى آدم ويفسدهم حتى يصير الرجل بعد العقل الرضى مدلها مجنونا. فقامت من عنده وهي واثقة بالله أن لا يفعل بصاحبها إلا خيرا فرجعت إلى رسول الله ﷺ فأخبرته بما قال ورقة فانزل الله تعالى: ﴿ن وَالْقَلَمِ وَما يَسْطُرُونَ * ما أَنْتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِمَجْنُونٍ﴾ الآيات. فقال لها: كلا والله إنه لجبريل فقالت له أحب أن تأتيه فتخبره لعل الله أن يهديه فجاءه رسول الله ﷺ فقال له ورقة هذا الّذي جاءك جاءك في نور أو ظلمة فأخبره رسول الله ﷺ عن صفة جبريل وما رآه من عظمته وما أوحاه اليه. فقال ورقة: أشهد أن هذا جبريل وأن هذا كلام الله فقد أمرك بشيء تبلغه قومك وانه لأمر نبوة فان أدرك زمانك أتبعك ثم قال أبشر ابن عبد المطلب بما بشرك الله به. قال: وذاع قول ورقة وتصديقه لرسول الله ﷺ فشق ذلك على الملأ من قومه قال وفتر الوحي. فقالوا: لو كان من عند الله لتتابع ولكن الله قلاه فانزل الله والضحى و ألم نشرح بكمالهما.
وقال البيهقي حدثنا أبو عبد الله الحافظ حدثنا أبو العباس حدثنا احمد بن عبد الجبار حدثنا يونس عن ابن إسحاق حدثني إسماعيل بن أبى حكيم مولى آل الزبير أنه حدثه عن خديجة بنت خويلد أنها قالت لرسول الله ﷺ فيما بينه مما أكرمه الله به من نبوته: يا ابن عم تستطيع أن تخبرني بصاحبك هذا الّذي يأتيك إذا جاءك. فقال نعم! فقالت: إذا جاءك فأخبرني. فبينا رسول الله ﷺ عندها إذا جاء جبريل فرآه رسول الله ﷺ . فقال: يا خديجة! هذا جبريل فقالت! أتراه الآن قال نعم! قالت فاجلس إلى شقي الأيمن فتحول فجلس فقالت أتراه الآن قال نعم! قالت فتحول فاجلس في حجري فتحول فجلس في حجرها فقالت هل تراه الآن قال نعم! فتحسرت رأسها فشالت
стр. 709
خمارها ورسول الله ﷺ جالس في حجرها فقالت هل تراه الآن قال لا قالت ما هذا بشيطان ان هذا لملك يا ابن عم فاثبت وأبشر ثم آمنت به وشهدت أن ما جاء به هو الحق.
قال ابن إسحاق فحدثت عبد الله بن حسن هذا الحديث فقال قد سمعت أمى فاطمة بنت الحسين تحدث بهذا الحديث عن خديجة إلا أنى سمعتها تقول أدخلت رسول الله ﷺ بينها وبين درعها فذهب عندك ذلك جبريل ﵇. قال: البيهقي وهذا شيء كان من خديجة تصنعه تستثبت به الأمر احتياطا لدينها وتصديقا. فاما النبي ﷺ فقد كان وثق بما قال له جبريل وأراه من الآيات التي ذكرناها مرة بعد أخرى، وما كان من تسليم الشجر والحجر عليه ﷺ تسليما.
وقد
قال مسلّم في صحيحه حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة حدثنا يحيى بن بكير حدثنا إبراهيم بن طهمان حدثني سماك بن حرب عن جابر بن سمرة ﵁. أن رسول الله ﷺ قال: «إني لأعرف حجرا بمكة كان يسلم على قبل أن بعث إني لأعرفه الآن».
وقال أبو داود الطيالسي حدثنا سليمان بن معاذ عن سماك بن حرب عن جابر بن سمرة أن رسول الله ﷺ قال: «إن بمكة لحجرا كان يسلم على ليالي بعثت إني لأعرفه إذا مررت عليه».
وروى البيهقي من حديث إسماعيل بن عبد الرحمن السدي الكبير عن عباد بن عبد الله عن على بن أبى طالب ﵁. قال: كنا مع رسول الله ﷺ بمكة فخرج في بعض نواحيها فما استقبله شجر ولا جبل إلا قال السلام عليك يا رسول الله. وفي رواية لقد رأيتني أدخل معه الوادي فلا يمر بحجر ولا شجر إلا قال السلام عليكم يا رسول الله وأنا أسمعه.
فصل
قال البخاري في روايته المتقدمة ثم فتر الوحي حتى حزن النبي ﷺ فيما بلغنا حزنا غدا منه مرارا كي يتردى من رءوس شواهق الجبال فكلما أو في بذروة جبل لكي يلقى نفسه تبدي له جبريل فقال يا محمد انك رسول الله حقا فيسكن لذلك جأشه وتقر نفسه فيرجع فإذا طالت عليه فترة الوحي غدا لمثل ذلك فإذا أوفى بذروة جبل تبدي له جبريل فقال له مثل ذلك. وفي الصحيحين من حديث عبد الرزاق عن معمر عن الزهري قال سمعت أبا سلمة عبد الرحمن يحدث عن جابر بن عبد الله قال سمعت رسول الله ﷺ يحدث عن فترة الوحي قال: فبينما أنا أمشى سمعت صوتا من السماء فرفعت بصرى قبل السماء فإذا الملك الّذي جاءني بحراء قاعد على كرسي بين السماء فجثيت منه فرقا حتى هويت إلى الأرض فجئت أهلي فقلت زملوني زملوني فانزل الله: ﴿يا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ * قُمْ فَأَنْذِرْ * وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ * وَثِيابَكَ فَطَهِّرْ * وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ﴾ قال ثم حمى الوحي وتتابع فهذا كان أول ما نزل من القرآن
стр. 710
بعد فترة الوحي لا مطلقا، ذاك قوله ﴿اِقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ﴾ وقد ثبت عن جابر أن أول ما نزل ﴿يا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ﴾ واللائق حمل كلامه ما أمكن على ما قلناه فان في سياق كلامه ما يدل على تقدم مجيء الملك الّذي عرفه ثانيا بما عرفه به أولا اليه. ثم قوله: يحدث عن فترة الوحي دليل على تقدم الوحي على هذا الإيحاء والله أعلم. وقد ثبت في الصحيحين من حديث على بن المبارك وعند مسلم والأوزاعي كلاهما عن يحيى بن أبى كثير قال سألت أبا سلمة بن عبد الرحمن أي القرآن أنزل قبل.
فقال: ﴿يا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ﴾ فقلت و ﴿اِقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ﴾ فقال سألت جابر بن عبد الله أي القرآن أنزل قبل فقال ﴿يا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ﴾ فقلت و ﴿اِقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ﴾ فقال قال رسول الله ﷺ : «إني جاورت بحراء شهرا فلما قضيت جواري نزلت فاستبطنت الوادي فنوديت فنظرت بين يدي وخلفي وعن يميني وعن شمالي فلم أر شيئا ثم نظرت إلى السماء فإذا هو على العرش في الهواء فأخذتني رعدة - أو قال وحشة - فأتيت خديجة فأمرتهم فدثروني فانزل الله: ﴿يا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ﴾ حتى بلغ ﴿وَثِيابَكَ فَطَهِّرْ﴾ - وقال في رواية - فإذا الملك الّذي جاءني بحراء جالس على كرسي بين السماء والأرض فجثيت منه» وهذا صريح في تقدم إتيانه اليه وانزاله الوحي من الله عليه كما ذكرناه والله أعلم. ومنهم زعم أن أول ما نزل بعد فترة الوحي سورة ﴿وَالضُّحى * وَاللَّيْلِ إِذا سَجى * ما وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَما قَلى﴾ إلى آخرها. قاله محمد بن إسحاق. وقال بعض القراء: ولهذا كبر رسول الله ﷺ في أولها فرحا وهو قول بعيد يرده ما تقدم من رواية صاحبي الصحيح من أن أول القرآن نزولا بعد فترة الوحي: ﴿يا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ * قُمْ فَأَنْذِرْ﴾ ولكن نزلت سورة والضحى بعد فترة أخرى كانت ليالي يسيرة كما ثبت في الصحيحين وغيرهما من حديث الأسود بن قيس عن جندب بن عبد الله البجلي قال: اشتكى رسول الله ﷺ فلم يقم ليلة أو ليلتين أو ثلاثا فقالت امرأة ما أرى شيطانك الا تركك فانزل الله ﴿وَالضُّحى * وَاللَّيْلِ إِذا سَجى * ما وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَما قَلى﴾ وبهذا الأمر حصل الإرسال إلى الناس وبالأول حصلت النبوة. وقد قال بعضهم كانت مدة الفترة قريبا من سنتين أو سنتين ونصفا، والظاهر والله أعلم أنها المدة التي اقترن معه ميكائيل كما قال الشعبي وغيره، ولا ينفى هذا تقدم ايحاء جبريل اليه أولا ﴿اِقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ﴾ ثم اقترن به جبريل بعد نزول ﴿يا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ * قُمْ فَأَنْذِرْ * وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ * وَثِيابَكَ فَطَهِّرْ * وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ﴾ وثم حمى الوحي بعد هذا وتتابع - أي تدارك شيئا بعد شيء - وقام حينئذ رسول الله ﷺ في الرسالة أتم القيام وشمر عن ساق العزم ودعا إلى الله القريب والبعيد، والأحرار والعبيد، فآمن به حينئذ كل لبيب نجيب سعيد، واستمر على مخالفته وعصيانه كل جبار عنيد، فكان أول من بادر إلى التصديق من الرجال الأحرار أبو بكر الصديق، ومن الغلمان على بن أبى طالب، ومن النساء خديجة بنت خويلد زوجته ﵇، ومن الموالي مولاه زيد بن حارثة الكلبي رضى
стр. 711
الله عنهم وأرضاهم. وتقدم الكلام على ايمان ورقة بن نوفل بما وجد من الوحي ومات في الفترة ﵁.
فصل
في منع الجان ومردة الشياطين من استراق السمع حين أنزل القرآن لئلا يختطف أحدهم منه ولو حرفا واحدا فيلقيه على لسان وليه فيلتبس الأمر ويختلط الحق فكان من رحمة الله وفضله ولطفه بخلقه أن حجهم عن السماء كما قال الله تعالى إخبارا عنهم في قوله: ﴿وَأَنّا لَمَسْنَا السَّماءَ فَوَجَدْناها مُلِئَتْ حَرَساً شَدِيداً وَشُهُباً * وَأَنّا كُنّا نَقْعُدُ مِنْها مَقاعِدَ لِلسَّمْعِ فَمَنْ يَسْتَمِعِ الْآنَ يَجِدْ لَهُ شِهاباً رَصَداً، * وَأَنّا لا نَدْرِي أَشَرٌّ أُرِيدَ بِمَنْ فِي الْأَرْضِ أَمْ أَرادَ بِهِمْ رَبُّهُمْ رَشَداً﴾. وقال تعالى: ﴿وَما تَنَزَّلَتْ بِهِ الشَّياطِينُ * وَما يَنْبَغِي لَهُمْ وَما يَسْتَطِيعُونَ * إِنَّهُمْ عَنِ السَّمْعِ لَمَعْزُولُونَ﴾. قال الحافظ أبو نعيم: حدثنا سليمان بن أحمد - وهو الطبراني - حدثنا عبد الله بن محمد ابن سعيد بن أبى مريم حدثنا محمد بن يوسف الفريابي حدثنا إسرائيل عن أبى إسحاق عن سعيد ابن جبير عن ابن عباس. قال: كان الجن يصعدون إلى السماء يستمعون الوحي فإذا حفظوا الكلمة زادوا فيها تسعا فاما الكلمة فتكون حقا وأما ما زادوا فتكون باطلا، فلما بعث النبي ﷺ منعوا مقاعدهم فذكروا ذلك لإبليس ولم تكن النجوم يرمى بها قبل ذلك فقال لهم إبليس هذا لأمر قد حدث في الأرض فبعث جنوده فوجدوا رسول الله ﷺ قائما يصلّى بين جبلين فاتوه فأخبروه فقال هذا الأمر الّذي قد حدث في الأرض. وقال أبو عوانة عن أبى بشر عن سعيد بن جبير عن ابن عباس. قال: انطلق رسول الله ﷺ وأصحابه عامدين الى سوق عكاظ وقد حيل بين الشياطين وبين خبر السماء وأرسلت عليهم الشهب فرجعت الشياطين إلى قومهم فقالوا ما لكم؟ قالوا حيل بيننا وبين خبر السماء وأرسلت علينا الشهب فقالوا ما ذاك إلا من شيء حدث فاضربوا مشارق الأرض ومغاربها فمر النفر الذين أخذوا نحو تهامة وهو بنخل عامدين إلى سوق عكاظ وهو يصلّى بأصحابه صلاة الفجر فلما سمعوا القرآن استمعوا له فقالوا هذا الّذي حال بيننا وبين خبر السماء فرجعوا إلى قومهم فقالوا: يا قومنا ﴿إِنّا سَمِعْنا قُرْآناً عَجَباً * يَهْدِي إِلَى الرُّشْدِ فَآمَنّا بِهِ وَلَنْ نُشْرِكَ بِرَبِّنا أَحَداً﴾ فأوحى الله إلى نبيه ﷺ : ﴿قُلْ أُوحِيَ إِلَيَّ أَنَّهُ اِسْتَمَعَ نَفَرٌ مِنَ الْجِنِّ﴾ الآية. أخرجاه في الصحيحين وقال أبو بكر بن أبى شيبة حدثنا محمد بن فضيل عن عطاء بن السائب عن سعيد بن جبير عن ابن عباس. قال: إنه لم تكن قبيلة من الجن إلا ولهم مقاعد للسمع فإذا نزل الوحي سمعت الملائكة صوتا كصوت الحديدة ألقيتها على الصفا، قال فإذا سمعت الملائكة خروا سجدا فلم يرفعوا رءوسهم
стр. 712
حتى ينزل فإذا نزل قال بعضهم لبعض: ماذا قال ربكم؟ فان كان مما يكون في السماء قالوا الحق وهو العلى الكبير، وإن كان مما يكون في الأرض من أمر الغيب أو موت أو شيء مما يكون في الأرض تكلموا به فقالوا يكون كذا وكذا فتسمعه الشياطين فينزلونه على أوليائهم فلما بعث النبي محمد ﷺ دحروا بالنجوم فكان أول من علم بها ثقيف فكان ذو الغنم منهم ينطلق إلى غنمه فيذبح كل يوم شاة وذا الإبل فينحر كل يوم بعيرا فأسرع الناس في أموالهم فقال بعضهم لبعض لا تفعلوا فان كانت النجوم التي يهتدون بها وإلا فإنه لأمر حدث فنظروا فإذا النجوم التي يهتدى بها كما هي لم يزل منها شيء فكفوا وصرف الله الجن فسمعوا القرآن فلما حضروه قالوا أنصتوا وانطلقت الشياطين إلى إبليس فأخبروه. فقال: هذا حدث حدث في الأرض فأتونى من كل أرض بتربة فأتوه بتربة تهامة فقال هاهنا الحدث. ورواه البيهقي والحاكم من طريق حماد بن سلمة عن عطاء بن السائب. وقال الواقدي: حدثني أسامة بن زيد بن أسلم عن عمر بن عبدان العبسيّ عن كعب قال لم يرم بنجم منذ رفع عيسى حتى تنبأ رسول الله ﷺ فرمى بها فرأت قريش أمرا لم تكن تراه فجعلوا يسيبون أنعامهم ويعتقون أرقّاءهم يظنون أنه الفناء، فبلغ ذلك من فعلهم أهل الطائف ففعلت ثقيف مثل ذلك فبلغ عبد ياليل بن عمرو ما صنعت ثقيف. قال: ولم فعلتم ما أرى؟ قالوا رمى بالنجوم فرأيناها تهافت من السماء فقال إن افادة المال بعد ذهابه شديد فلا تعجلوا وانظروا فان تكن نجوما تعرف فهو عندنا من فناء الناس وإن كانت نجوما لا تعرف فهو لأمر قد حدث فنظروا فإذا هي لا تعرف فأخبروه فقال الأمر فيه مهلة بعد هذا عند ظهور نبي. فلما مكثوا إلا يسيرا حتى قدم عليهم أبو سفيان بن حرب إلى أمواله فجاء عبد ياليل فذاكره أمر النجوم فقال أبو سفيان:
ظهر محمد بن عبد الله يدعى أنه نبي مرسل فقال عبد ياليل فعند ذلك رمى بها. وقال سعيد بن منصور عن خالد بن حصين عن عامر الشعبي. قال: كانت النجوم لا يرمى بها حتى بعث رسول الله ﷺ فسيبوا أنعامهم وأعتقوا رقيقهم. فقال عبد يا ليل: انظروا فان كانت النجوم التي تعرف فهو عند فناء الناس وإن كانت لا تعرف فهو لأمر قد حدث فنظروا فإذا هي لا تعرف. قال: فامسكوا فلم يلبثوا إلا يسيرا حتى جاءهم خروج النبي ﷺ . وروى البيهقي والحاكم من طريق العوفيّ عن ابن عباس. قال: لم تكن سماء الدنيا تحرس في الفترة بين عيسى ومحمد صلوات الله عليهما وسلامه.
فلعل مراد من نفى ذلك انها لم تكن تحرس حراسة شديدة ويجب حمل ذلك على هذا لما ثبت في الحديث من طريق عبد الرزاق عن معمر عن الزهري عن على بن الحسين عن ابن عباس ﵄ بينا رسول الله ﷺ جالس إذ رمى بنجم فاستنار فقال: «ما كنتم تقولون إذا رمى بهذا؟» قال كنا نقول مات عظيم، وولد عظيم فقال: «لا ولكن». فذكر الحديث كما تقدم عند خلق
стр. 713
السماء وما فيها من الكواكب في أول بدء الخلق والله الحمد.
وقد ذكر ابن إسحاق في السيرة قصة رمى النجوم وذكر عن كبير ثقيف أنه قال لهم في النظر في النجوم: إن كانت أعلام السماء أو غيرها ولكن سماه عمرو بن أمية فالله أعلم. وقال السدي لم تكن السماء تحرس الا أن يكون في الأرض نبي أو دين لله ظاهر وكانت الشياطين قبل محمد ﷺ قد اتخذت المقاعد في سماء الدنيا يستمعون ما يحدث في السماء من أمر فلما بعث الله محمد ﷺ نبيا رجموا ليلة من الليالي، ففزع لذلك أهل الطائف فقالوا: هلك أهل السماء لما رأوا من شدة النار في السماء واختلاف الشهب فجعلوا يعتقون أرقّاءهم، ويسيبون مواشيهم. فقال لهم عبد ياليل بن عمرو ابن عمير: ويحكم يا معشر أهل الطائف أمسكوا عن أموالكم وانظروا الى معالم النجوم فان رأيتموها مستقرة في أمكنتها فلم يهلك أهل السماء وإنما هو من ابن أبى كبشة، وإن أنتم لم تروها فقد أهلك أهل السماء فنظروا فرأوها فكفوا عن أموالهم وفزعت الشياطين في تلك الليلة فاتوا إبليس فقال ائتوني من كل أرض بقبضة من تراب فاتوه فشم فقال صاحبكم بمكة فبعث سبعة نفر من جن نصيبين فقدموا مكة فوجدوا رسول الله ﷺ في المسجد الحرام يقرأ القرآن، فدنوا منه حرصا على القرآن حتى كادت كلا كلهم تصيبه ثم أسلموا فانزل الله أمرهم على نبيه ﷺ . وقال الواقدي: حدثني محمد بن صالح عن ابن أبى حكيم - يعنى إسحاق - عن عطاء بن يسار عن أبى هريرة قال: لما بعث رسول الله ﷺ أصبح كل صنم منكسا فاتت الشياطين فقالوا له ما على الأرض من صنم إلاّ وقد أصبح منكسا، قال هذا نبي قد بعث فالتمسوه في قرى الأرياف فالتمسوه فقالوا لم نجده فقال أنا صاحبه فخرج يلتمسه فنودي عليك بجنبة الباب - يعنى مكة - فالتمسه بها فوجده بها عند قرن الثعالب فخرج إلى الشياطين فقال: إني قد وجدته معه جبريل فما عندكم؟ قالوا: نزين الشهوات في عين أصحابه ونحببها اليهم قال فلا آسى إذا. وقال الواقدي حدثني طلحة بن عمرو عن ابن أبى مليكة عن عبد الله بن عمرو قال لما كان اليوم الّذي تنبأ فيه رسول الله ﷺ منعت الشياطين من السماء ورموا بالشهب فجاءوا إلى إبليس فذكروا ذلك له فقال: أمر قد حدث هذا نبي قد خرج عليكم بالأرض المقدسة مخرج بنى إسرائيل قال فذهبوا إلى الشام ثم رجعوا إليه فقالوا ليس بها أحد فقال إبليس أنا صاحبه فخرج في طلبه بمكة فإذا رسول الله ﷺ بحراء منحدرا معه جبريل فرجع إلى أصحابه فقال قد بعث احمد ومعه جبريل فما عندكم؟ قالوا: الدنيا نحببها إلى الناس قال فذاك إذا. قال الواقدي: وحدثني طلحة ابن عمرو عن عطاء عن ابن عباس. قال: كانت الشياطين يستمعون الوحي فلما بعث محمد ﷺ منعوا فشكوا ذلك إلى إبليس فقال: لقد حدث أمر فرقى فوق أبى قبيس - وهو أول جبل وضع على وجه الأرض - فرأى رسول الله ﷺ يصلّى خلف المقام. فقال: اذهب فاكسر عنقه. فجاء يخطر
стр. 714
وجبريل عنده، فركضه جبريل ركضة طرحه في كذا وكذا فولى الشيطان هاربا. ثم رواه الواقدي وأبو احمد الزبيري كلاهما عن رباح بن أبى معروف عن قيس بن سعد عن مجاهد فذكر مثل هذا وقال فركضه برجله فرماه بعدن.
فصل في كيفية إتيان الوحي إلى رسول الله ﷺ
قد تقدم كيفية ما جاءه جبريل في أول مرة، وثانى مرة أيضا وقال مالك عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة ﵂. إن الحارث بن هشام سأل رسول الله ﷺ . قال: يا رسول الله كيف يأتيك الوحي؟ فقال: «أحيانا يأتينى مثل صلصلة الجرس - وهو أشده عليّ - فيفصم عنى وقد وعيت ما قال، وأحيانا يتمثل لي الملك رجلا يكلمني فأعي ما يقول». قالت عائشة ﵂: ولقد رأيته ﷺ ينزل عليه الوحي في اليوم الشديد البرد فيفصم عنه وأن جبينه ليتفصد عرقا أخرجاه في الصحيحين من حديث مالك به. ورواه الامام أحمد عن عامر بن صالح عن هشام بن عروة به نحوه. وكذا رواه عبدة بن سليمان وأنس بن عياض عن هشام بن عروة، وقد رواه أيوب السختياني عن هشام عن أبيه عن الحارث بن هشام أنه قال سألت رسول الله ﷺ فقلت كيف يأتيك الوحي؟ فذكره، ولم يذكر عائشة. وفي حديث الافك قالت عائشة: فو الله ما رام رسول الله ﷺ ولا خرج أحد من أهل البيت حتى أنزل عليه. فأخذه ما كان يأخذه من البرحاء حتى أنه كان يتحدر منه مثل الجمان من العرق، وهو في يوم شات من ثقل الوحي الّذي نزل عليه.
وقال الإمام احمد حدثنا عبد الرزاق أخبرنى يونس بن سليم قال املى على يونس بن يزيد عن ابن شهاب عن عروة بن عبد الرحمن بن عبد القاري سمعت عمر بن الخطاب يقول: كان إذا نزل على رسول الله ﷺ الوحي يسمع عند وجهه كدوي النحل، وذكر تمام الحديث في نزول (قد أفلح المؤمنون) وكذا رواه الترمذي والنسائي من حديث عبد الرزاق، ثم قال النسائي: منكر لا نعرف أحدا رواه غير يونس بن سليم، ولا نعرفه. وفي صحيح مسلم وغيره من حديث الحسن عن حطان ابن عبد الله الرقاشيّ عن عبادة بن الصامت. قال: كان رسول الله ﷺ إذا نزل عليه الوحي كربه ذلك وتربّد وجهه - وفي رواية وغمض عينيه - وكنا نعرف ذلك منه. وفي الصحيحين حديث زيد ابن ثابت حين نزلت (لا يستوي القاعدون من المؤمنين) فلما شكى ابن أم مكتوم ضرارته نزلت (غير أولى الضرر). قال وكانت فخذ رسول الله ﷺ على فخذي وأنا أكتب فلما نزل الوحي كادت فخذه ترض فخذي. وفي صحيح مسلم من حديث همام بن يحيى عن عطاء عن يعلى بن أمية. قال قال
стр. 715
لي عمر: أيسرك أن تنظر إلى رسول الله ﷺ وهو يوحى اليه؟ فرفع طرف الثوب عن وجهه وهو يوحى اليه بالجعرانة، فإذا هو محمر الوجه، وهو يغط كما يغط البكر. وثبت في الصحيحين من حديث عائشة لما نزل الحجاب، وأن سودة خرجت بعد ذلك إلى المناصع ليلا، فقال عمر: قد عرفناك يا سودة. فرجعت إلى رسول الله ﷺ فسألته وهو جالس يتعشى والعرق في يده، فأوحى الله اليه والعرق في يده، ثم رفع رأسه فقال: «إنه قد أذن لكن أن تخرجن لحاجتكن». فدل هذا على أنه لم يكن الوحي يغيب عنه إحساسه بالكلية، بدليل أنه جالس ولم يسقط العرق أيضا من يده صلوات الله وسلامه دائما عليه. وقال أبو داود الطيالسي حدثنا عباد بن منصور حدثنا عكرمة عن ابن عباس. قال: كان رسول الله ﷺ إذا أنزل عليه الوحي تربد لذلك جسده ووجهه وأمسك عن أصحابه ولم يكلمه أحد منهم. وفي مسند أحمد وغيره من حديث ابن لهيعة حدثني يزيد ابن أبى حبيب عن عمرو بن الوليد عن عبد الله بن عمرو قلت يا رسول الله هل تحس بالوحي؟ قال «نعم اسمع صلاصل ثم أثبت عند ذلك، وما من مرة يوحى إلى إلا ظننت أن نفسي تفيظ منه».
وقال أبو يعلى الموصلي حدثنا إبراهيم بن الحجاج حدثنا عبد الواحد بن زياد حدثنا عاصم بن كليب حدثنا أبى عن خاله العليان بن عاصم. قال: كنا عند رسول الله ﷺ وأنزل عليه، وكان إذا أنزل عليه دام بصره وعيناه مفتوحة، وفرغ سمعه وقلبه لما يأتيه من الله . وروى أبو نعيم من حديث قتيبة حدثنا على بن غراب عن الأحوص بن حكيم عن أبى عوانة عن سعيد بن المسيب عن أبى هريرة. قال: كان رسول الله ﷺ إذا نزل عليه الوحي صدع وغلف رأسه بالحناء. هذا حديث غريب جدا. وقال الامام احمد حدثنا أبو النضر حدثنا أبو معاوية سنان عن ليث عن شهر بن حوشب عن أسماء بنت يزيد. قالت: إني لآخذة بزمام العضباء ناقة رسول الله ﷺ ، إذ نزلت عليه المائدة كلها، وكادت من ثقلها تدق عضد الناقة. وقد رواه أبو نعيم من حديث الثوري عن ليث بن أبى سليم به. وقال الامام احمد أيضا حدثنا حسن حدثنا ابن لهيعة حدثني جبر بن عبد الله عن أبى عبد الرحمن الحبلى عن عبد الله بن عمرو قال: أنزلت على رسول الله ﷺ سورة المائدة وهو راكب على راحلته، فلم تستطع أن تحمله فنزل عنها. وروى ابن مردويه من حديث صباح ابن سهل عن عاصم الأحوال حدثتني أم عمرو عن عمها انه كان في مسير مع رسول الله ﷺ فنزلت عليه سورة المائدة، فاندق عنق الراحلة من ثقلها. وهذا غريب من هذا الوجه. ثم قد ثبت في الصحيحين نزول سورة الفتح على رسول الله ﷺ مرجعه من الحديبيّة، وهو على راحلته، فكان يكون تارة وتارة بحسب الحال والله أعلم. وقد ذكرنا أنواع الوحي إليه ﷺ في أول شرح البخاري وما ذكره الحليمي وغيره من الأئمة ﵃.
стр. 716
فصل
قال الله تعالى: ﴿لا تُحَرِّكْ بِهِ لِسانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ * إِنَّ عَلَيْنا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ، * فَإِذا قَرَأْناهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ * ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنا بَيانَهُ﴾ وقال تعالى: ﴿وَلا تَعْجَلْ بِالْقُرْآنِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يُقْضى إِلَيْكَ وَحْيُهُ، وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْماً﴾ وكان هذا في الابتداء، كان ﵇ من شدة حرصه على اخذه من الملك ما يوحى اليه عن الله ليساوقه في التلاوة، فأمره الله تعالى ان ينصت لذلك حتى يفرغ من الوحي، وتكفل له ان يجمعه في صدره، وان ييسر عليه تلاوته وتبليغه، وان يبينه له، ويفسره ويوضحه ويوقفه على المراد منه. ولهذا قال: ﴿وَلا تَعْجَلْ بِالْقُرْآنِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يُقْضى إِلَيْكَ وَحْيُهُ وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْماً﴾ وقال ﴿لا تُحَرِّكْ بِهِ لِسانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ * إِنَّ عَلَيْنا جَمْعَهُ﴾ اى في صدرك ﴿وَقُرْآنَهُ﴾ أي وأن تقرأه ﴿فَإِذا قَرَأْناهُ﴾ أي تلاه عليك الملك ﴿فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ﴾ أي فاستمع له وتدبره ﴿ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنا بَيانَهُ﴾ وهو نظير قوله ﴿وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْماً﴾. وفي الصحيحين من حديث موسى بن ابى عائشة عن سعيد بن جبير عن ابن عباس قال: كان رسول الله ﷺ يعالج من التنزيل شدة، فكان يحرك شفتيه، فانزل الله ﴿لا تُحَرِّكْ بِهِ لِسانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ * إِنَّ عَلَيْنا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ﴾ قال جمعه في صدرك ثم تقرأه ﴿فَإِذا قَرَأْناهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ﴾ فاستمع له وأنصت ﴿ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنا بَيانَهُ﴾ قال فكان إذا أتاه جبريل أطرق، فإذا ذهب قرأه كما وعده الله .
فصل
قال ابن إسحاق: ثم تتابع الوحي إلى رسول الله ﷺ وهو مصدق بما جاءه منه، قد قبله بقبوله وتحمل منه ما حمله - على رضا العباد وسخطهم - وللنبوة أثقال ومؤنة لا يحملها ولا يستضلع بها إلا أهل القوة والعزم من الرسل، بعون الله وتوفيقه لما يلقون من الناس، وما يرد عليهم مما جاءوا به عن الله فمضى رسول الله ﷺ على ما أمر الله، على ما يلقى من قومه من الخلاف والّذي.
قال ابن إسحاق: وآمنت خديجة بنت خويلد وصدقت بما جاءه من الله ووازرته على أمره، وكانت أول من آمن بالله ورسوله وصدقت بما جاء منه فخفف الله بذلك عن رسوله، لا يسمع شيئا يكرهه من رد عليه، وتكذيب له فيحزنه ذلك، إلا فرج الله عنه بها إذا رجع إليها تثبته وتخفف عنه، وتصدقه وتهون عليه أمر الناس، ﵂ وأرضاها.
قال ابن إسحاق: وحدثني هشام بن عروة عن أبيه عن عبد الله بن جعفر. قال قال رسول الله ﷺ : «أمرت أن أبشر خديجة ببيت من قصب، لا صخب فيه ولا نصب». وهذا الحديث مخرج في الصحيحين من حديث هشام، قال ابن هشام: القصب هاهنا اللؤلؤ المجوف.
стр. 717
قال ابن إسحاق: وجعل رسول الله ﷺ يذكر جميع ما أنعم الله به عليه وعلى العباد من النبوة سرا إلى من يطمئن اليه من أهله. وقال موسى بن عقبة عن الزهري: كانت خديجة أول من آمن بالله وصدق رسوله، قبل أن تفرض الصلاة.
قلت: يعنى الصلوات الخمس ليلة الاسراء. فأما أصل الصلاة فقد وجب في حياة خديجة ﵂ كما سنبينه.
وقال ابن إسحاق: وكانت خديجة أول من آمن بالله ورسوله، وصدق بما جاء به. ثم ان جبريل أتى رسول الله ﷺ حين افترضت عليه الصلاة فهمز له، بعقبه في ناحية الوادي فانفجرت له عين من ماء زمزم، فتوضأ جبريل ومحمد ﵉، ثم صلّى ركعتين وسجد أربع سجدات، ثم رجع النبي ﷺ وقد أقر الله عينه، وطابت نفسه، وجاءه ما يحب من الله، فأخذ يد خديجة حتى أتى بها الى العين، فتوضأ كما توضأ جبريل، ثم ركع ركعتين وأربع سجدات، ثم كان هو وخديجة يصليان سرا.
قلت: صلاة جبريل هذه غير الصلاة التي صلاها به عند البيت مرتين، فبين له أوقات الصلوات الخمس، أولها وآخرها، فان ذلك كان بعد فرضيتها ليلة الاسراء، وسيأتي بيان ذلك إن شاء الله وبه الثقة، وعليه التكلان.
فصل في ذكر أول من أسلم، ثم ذكر متقدمي الإسلام من الصحابة وغيرهم
قال ابن إسحاق: ثم إن على بن ابى طالب ﵁ جاء بعد ذلك بيوم وهما يصليان. فقال على يا محمد ما هذا؟ قال دين الله الّذي اصطفى لنفسه، وبعث به رسله، فأدعوك إلى الله وحده لا شريك له، وإلى عبادته. وأن تكفر باللات والعزى. فقال على: هذا أمر لم أسمع به قبل اليوم، فلست بقاض أمرا حتى أحدث به أبا طالب. فكره رسول الله ﷺ أن يفشي عليه سره قبل ان يستعلن امره. فقال له: يا على إذ لم تسلم (١) فأكتم. فمكث عليّ تلك الليلة، ثم إن الله أوقع في قلب على الإسلام، فأصبح غاديا إلى رسول الله ﷺ حتى جاءه فقال ماذا عرضت على يا محمد؟ فقال له رسول الله ﷺ : «تشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وتكفر باللات والعزى، وتبرأ من الأنداد» ففعل عليّ وأسلم، ومكث يأتيه على خوف من ابى طالب وكتم على إسلامه ولم يظهره، وأسلم ابن حارثة - يعنى زيدا - فمكثا قريبا من شهر يختلف على إلى رسول الله ﷺ ، وكان
стр. 718
مما أنعم الله به على عليّ أنه كان في حجر رسول الله ﷺ قبل الإسلام.
قال ابن إسحاق: حدثني ابن أبى نجيح عن مجاهد. قال: وكان مما أنعم الله به على عليّ أن قريشا أصابتهم أزمة شديدة، وكان أبو طالب ذا عيال كثيرة، فقال رسول الله ﷺ لعمه العباس - وكان من أيسر بنى هاشم - «يا عباس إن أخاك أبا طالب كثير العيال، وقد أصاب الناس ما ترى من هذه الازمة، فانطلق حتى نخفف عنه من عياله» فاخذ رسول الله ﷺ عليا فضمه اليه، فلم يزل مع رسول الله ﷺ حتى بعثه الله نبيا، فاتبعه عليّ وآمن به وصدقه. وقال يونس بن بكير عن محمد ابن إسحاق حدثني يحيى بن أبى الأشعث الكندي - من أهل الكوفة - حدثني إسماعيل بن أبى إياس بن عفيف عن أبيه عن جده عفيف - وكان عفيف أخا الأشعث بن قيس لأمه - أنه. قال:
كنت امرأ تاجرا فقدمت منى أيام الحج، وكان العباس بن عبد المطلب امرأ تاجرا، فأتيته ابتاع منه وأبيعه، قال فبينا نحن إذ خرج رجل من خباء فقام يصلّى تجاه الكعبة ثم خرجت امرأة فقامت تصلّى، وخرج غلام فقام يصلّى معه. فقلت: يا عباس ما هذا الدين؟ إن هذا الدين ما ندري ما هو فقال: هذا محمد بن عبد الله يزعم أن الله أرسله، وأن كنوز كسرى وقيصر ستفتح عليه، وهذه امرأته خديجة بنت خويلد آمنت به، وهذا الغلام ابن عمه على بن أبى طالب آمن به. قال عفيف فليتني كنت آمنت يومئذ فكنت أكون ثانيا. وتابعه إبراهيم بن سعد عن ابن إسحاق، وقال:
في الحديث: إذ خرج رجل من خباء قريب منه، فنظر إلى السماء فلما رآها قد مالت قام يصلّى. ثم ذكر قيام خديجة وراءه. وقال ابن جرير حدثني محمد بن عبيد المحاربي حدثنا سعيد بن خثيم عن أسد ابن عبدة البجلي عن يحيى بن عفيف. قال: جئت زمن الجاهلية إلى مكة، فنزلت على العباس بن عبد المطلب، فلما طلعت الشمس وحلقت في السماء وأنا انظر إلى الكعبة، أقبل شاب فرمى ببصره إلى السماء، ثم استقبل الكعبة فقام مستقبلها فلم يلبث حتى جاء غلام فقام عن يمينه، فلم يلبث حتى جاءت امرأة فقامت خلفهما، فركع الشاب فركع الغلام والمرأة، فرفع الشاب فرفع الغلام والمرأة فخر الشاب ساجدا فسجدا معه، فقلت يا عباس أمر عظيم! فقال أمر عظيم. فقال أتدري من هذا؟ فقلت لا، فقال هذا محمد بن عبد الله بن عبد المطلب ابن أخى، أتدري من الغلام؟ قلت لا. قال هذا على ابن أبى طالب ﵁ أتدري من هذه المرأة التي خلفهما؟ قلت لا، قال هذه خديجة بنت خويلد زوجة ابن أخى. وهذا حدثني أن ربك رب السماء والأرض أمره بهذا الّذي تراهم عليه، وايم الله ما أعلم على ظهر الأرض كلها أحدا على هذا الدين غير هؤلاء الثلاثة. وقال ابن جرير حدثني ابن حميد حدثنا عيسى بن سوادة بن ابى الجعد حدثنا محمد بن المنكدر وربيعة بن أبى عبد الرحمن وأبو حازم والكلبي. قالوا: على أول من أسلم. قال الكلبي: أسلم وهو ابن تسع سنين. وحدثنا
стр. 719
ابن حميد حدثنا سلمة عن ابن إسحاق. قال: أول ذكر آمن برسول الله ﷺ وصلّى معه وصدقه على بن أبى طالب، وهو ابن عشر سنين وكان في حجر رسول الله ﷺ قبل الإسلام. قال الواقدي أخبرنا إبراهيم عن نافع عن ابن أبى نجيح عن مجاهد. قال: أسلم عليّ وهو ابن عشر سنين. قال الواقدي: واجمع أصحابنا على أن عليا أسلم بعد ما تنبأ رسول الله بسنة. وقال محمد بن كعب: أول من أسلم من هذه الأمة خديجة وأول رجلين أسلما أبو بكر وعلى، وأسلم عليّ قبل أبى بكر، وكان على يكتم إيمانه خوفا من أبيه، حتى لقيه أبوه قال أسلمت؟ قال نعم! قال وازر ابن عمك وانصره. قال وكان أبو بكر الصديق أول من أظهر الإسلام. وروى ابن جرير في تاريخه من حديث شعبة عن أبى بلج عن عمرو بن ميمون عن ابن عباس. قال: أول من صلّى عليّ. وحدثنا عبد الحميد بن يحيى حدثنا شريك عن عبد الله بن محمد بن عقيل عن جابر. قال: بعث النبي ﷺ يوم الاثنين وصلّى عليّ يوم الثلاثاء. وروى من حديث شعبة عن عمرو بن مرة عن أبى حمزة - رجل من الأنصار - سمعت زيد بن أرقم يقول: أول من أسلم مع رسول الله ﷺ على بن أبى طالب قال فذكرته للنخعى فأنكره. وقال: أبو بكر أول من أسلم. ثم
قال حدثنا عبيد الله بن موسى حدثنا العلاء عن المنهال بن عمرو عن عباد بن عبد الله سمعت عليا يقول: أنا عبد الله وأخو رسوله وأنا الصديق الأكبر، لا يقولها بعدي الا كاذب مفتر، صليت قبل الناس بسبع سنين. وهكذا رواه ابن ماجة عن محمد بن إسماعيل الرازيّ عن عبيد الله بن موسى الفهميّ - وهو شيعي من رجال الصحيح - عن العلاء بن صالح الأزدي الكوفي - وثقوه، ولكن قال أبو حاتم: كان من عتق الشيعة - وقال على بن المديني روى أحاديث مناكير والمنهال بن عمرو ثقة. وأما شيخه عباد بن عبد الله - وهو الأسدي الكوفي. فقد قال فيه على بن المديني هو ضعيف الحديث، وقال البخاري فيه نظر. وذكره ابن حبان في الثقات، وهذا الحديث منكر بكل حال، ولا يقوله على ﵁، وكيف يمكن أن يصلّى قبل الناس بسبع سنين؟ هذا لا يتصور أصلا والله أعلم. وقال آخرون: أول من أسلم من هذه الأمة أبو بكر الصديق، والجمع بين الأقوال كلها أن خديجة أول من أسلم من النساء وظاهر السياقات - وقيل الرجال أيضا - وأول من أسلم من الموالي زيد بن حارثة، وأول من أسلم من الغلمان على بن أبى طالب. فإنه كان صغيرا دون البلوغ على المشهور، وهؤلاء كانوا إذ ذاك أهل البيت.
وأول من أسلم من الرجال الأحرار أبو بكر الصديق، وإسلامه كان أنفع من إسلام من تقدم ذكرهم إذ كان صدرا معظما، ورئيسا في قريش مكرما، وصاحب مال، وداعية إلى الإسلام. وكان محببا متألفا يبذل المال في طاعة الله ورسوله كما سيأتي تفصيله.
قال يونس عن ابن إسحاق ثم إن أبا بكر الصديق لقي رسول الله ﷺ فقال: أحق ما تقول قريش يا محمد؟ من تركك آلهتنا، وتسفيهك
стр. 720
عقولنا، وتكفيرك آبائنا؟ فقال رسول الله ﷺ : «بلى إني رسول الله ونبيه، بعثني لا بلغ رسالته وأدعوك إلى الله بالحق فو الله إنه للحق، أدعوك يا أبا بكر إلى الله وحده لا شريك له، ولا تعبد غيره والموالاة على طاعته» وقرأ عليه القرآن، فلم يقر ولم ينكر. فأسلم وكفر بالأصنام، وخلع الأنداد وأقر بحق الإسلام، ورجع أبو بكر وهو مؤمن مصدق.
قال ابن إسحاق: حدثني محمد بن عبد الرحمن بن عبد الله بن الحصين التميمي أن رسول الله ﷺ قال: «ما دعوت أحدا إلى الإسلام إلا كانت عنده كبوة وتردد ونظر، إلا أبا بكر ما عكم عنه حين ذكرته، ولا تردد فيه» عكم - أي تلبث - وهذا الّذي ذكره ابن إسحاق في قوله فلم يقرو لم ينكر، منكر فان ابن إسحاق وغيره ذكروا أنه كان صاحب رسول الله ﷺ قبل البعثة، وكان يعلم من صدقه وأمانته وحسن سجيته وكرم أخلاقه، ما يمنعه من الكذب على الخلق. فكيف يكذب على الله؟ ولهذا بمجرد ما ذكر له إن الله أرسله بادر إلى تصديقه ولم يتلعثم، ولا عكم وقد ذكرنا كيفية إسلامه في كتابنا الّذي أفردناه في سيرته وأوردنا فضائله وشمائله واتبعنا ذلك بسيرة الفاروق أيضا وأوردنا ما رواه كل منهما عن النبي ﷺ من الأحاديث، وما روى عنه من الآثار والأحكام والفتاوى، فبلغ ذلك ثلاث مجلدات ولله الحمد والمنة. وقد ثبت
في صحيح البخاري عن أبى الدرداء في حديث ما كان بين أبى بكر وعمر ﵄ من الخصومة وفيه. فقال رسول الله ﷺ : «إن الله بعثني إليكم فقلتم كذبت، وقال أبو بكر صدق. وواساني بنفسه وماله فهل أنتم تاركوا لي صاحبي» مرتين. فما أوذى بعدها، وهذا كالنص على أنه أول من أسلم ﵁ وقد روى الترمذي وابن حبان من حديث شعبة عن سعيد الجريريّ عن أبى نضرة عن أبى سعيد.
قال قال أبو بكر الصديق ﵁: ألست أحق الناس بها، ألست أول من أسلم، ألست صاحب كذا؟ وروى ابن عساكر من طريق بهلول بن عبيد حدثنا أبو إسحاق السبيعي عن الحارث سمعت عليا يقول: أول من أسلم من الرجال أبو بكر الصديق، وأول من صلّى مع النبي ﷺ من الرجال على بن أبى طالب. وقال شعبة عن عمرو بن مرة عن أبى حمزة عن زيد بن أرقم قال: أول من صلّى مع النبي ﷺ أبو بكر الصديق. رواه احمد والترمذي والنسائي من حديث شعبة وقال الترمذي حسن صحيح. وقد تقدم رواية ابن جرير لهذا الحديث من طريق شعبة عن عمرو بن مرة عن أبى حمزة عن زيد بن أرقم قال: أول من أسلم على بن أبى طالب، قال عمرو بن مرة فذكرته لإبراهيم النخعي فأنكره وقال أول من أسلم أبو بكر الصديق ﵁. وروى الواقدي بأسانيده عن أبى أروى الدوسيّ وأبى مسلم بن عبد الرحمن في جماعة من السلف أول من أسلم أبو بكر الصديق. وقال يعقوب بن سفيان حدثنا أبو بكر الحميدي حدثنا سفيان بن عيينة عن مالك بن مغول
стр. 721
عن رجل قال سئل ابن عباس من أول من آمن؟ فقال: أبو بكر الصديق، أما سمعت قول حسان:
إذا تذكرت شجوا من أخى ثقة … فاذكر أخاك أبا بكر بما فعلا
خير البرية أوفاها وأعدلها … بعد النبي وأولاها بما حملا
والتالي الثاني المحمود مشهده … وأول الناس منهم صدق الرسلا
عاش حميدا لأمر الله متبعا … بأمر صاحبه الماضي وما انتقلا
وقد رواه أبو بكر بن أبى شيبة حدثنا شيخ لنا عن مجالد عن عامر قال سألت ابن عباس - أو - سئل ابن عباس - أي الناس أول إسلاما؟ قال: أما سمعت قول حسان بن ثابت فذكره وهكذا رواه الهيثم بن عدي عن مجالد عن عامر الشعبي سألت ابن عباس فذكره. وقال أبو القاسم البغوي حدثني سريج بن يونس حدثنا يوسف بن الماجشون قال أدركت مشيختنا منهم محمد بن المنكدر، وربيعة بن أبى عبد الرحمن، وصالح بن كيسان، وعثمان بن محمد، لا يشكون أن أول القوم إسلاما أبو بكر الصديق ﵁.
قلت: وهكذا قال إبراهيم النخعي ومحمد بن كعب ومحمد بن سيرين وسعد بن إبراهيم وهو المشهور عن جمهور أهل السنة. وروى ابن عساكر عن سعد بن أبى وقاص ومحمد بن الحنفية أنهما قالا: لم يكن أولهم إسلاما، ولكن كان أفضلهم إسلاما. قال سعد: وقد آمن قبله خمسة. وثبت في صحيح البخاري من حديث همام بن الحارث عن عمار بن ياسر. قال: رأيت رسول الله ﷺ وما معه إلا خمسة أعبد، وامرأتان، وأبو بكر. وروى الامام احمد وابن ماجة من حديث عاصم بن أبى النجود عن زر عن ابن مسعود. قال: أول من أظهر الإسلام سبعة رسول الله ﷺ ، وأبو بكر، وعمار، وأمه سمية، وصهيب، وبلال، والمقداد. فاما رسول الله ﷺ فمنعه الله بعمه، وأما أبو بكر منعه الله بقومه، وأما سائرهم فأخذهم المشركون فالبسوهم أدرع الحديد وصهروهم في الشمس فما منهم من أحد إلا وقد واتاهم على ما أرادوا، الا بلالا فإنه هانت عليه نفسه في الله، وهان على قومه، فأخذوه فأعطوه الولدان فجعلوا يطوفون به في شعاب مكة وهو يقول أحد أحد. وهكذا رواه الثوري عن منصور عن مجاهد مرسلا. فاما ما رواه ابن جرير قائلا أخبرنا ابن حميد حدثنا كنانة بن حبلة (١) عن إبراهيم بن طهمان عن حجاج عن قتادة عن سالم بن أبى الجعد عن محمد بن سعد بن أبى وقاص.
قال قلت لأبي أكان أبو بكر أولكم إسلاما قال: لا! ولقد أسلم قبله أكثر من خمسين ولكن كان أفضلنا إسلاما. فإنه حديث منكر اسنادا ومتنا. قال ابن جرير وقال آخرون: كان أول من أسلم زيد ابن حارثة، ثم روى من طريق الواقدي عن ابن أبى ذئب، سألت الزهري من أول من أسلم من النساء؟ قال خديجة. قلت فمن الرجال، قال زيد بن حارثة. وكذا قال عروة وسليمان بن ياسر وغير
стр. 722
واحد أول من أسلم من الرجال زيد بن حارثة. وقد أجاب أبو حنيفة ﵁ بالجمع بين هذه الأقوال بان أول من أسلم من الرجال الأحرار أبو بكر، ومن النساء خديجة، ومن الموالي زيد بن حارثة، ومن الغلمان على بن أبى طالب ﵃ أجمعين.
قال محمد بن إسحاق: فلما أسلم أبو بكر وأظهر إسلامه دعا إلى الله ، وكان أبو بكر رجلا مألفا لقومه محبا سهلا، وكان أنسب قريش لقريش، وأعلم قريش بما كان فيها من خير وشر.
وكان رجلا تاجرا ذا خلق ومعروف، وكان رجال قومه يأتونه ويألفونه لغير واحد من الأمر، لعلمه وتجارته وحسن مجالسته. فجعل يدعو إلى الإسلام من وثق به من قومه ممن يغشاه ويجلس اليه فأسلم على يديه فيما بلغني الزبير بن العوام، وعثمان بن عفان، وطلحة بن عبيد الله، وسعد بن أبى وقاص وعبد الرحمن بن عوف ﵃، فانطلقوا إلى رسول الله ﷺ ومعهم أبو بكر. فعرض عليهم الإسلام وقرأ عليهم القرآن وأنبأهم بحق الإسلام فآمنوا، وكان هؤلاء النفر الثمانية الذين سبقوا في الإسلام صدقوا رسول الله ﷺ وآمنوا بما جاء من عند الله. وقال محمد بن عمر الواقدي حدثني الضحاك ابن عثمان عن مخرمة بن سليمان الوالبي عن إبراهيم بن محمد بن أبى طلحة. قال قال طلحة بن عبيد الله حضرت سوق بصرى فإذا راهب في صومعته يقول: سلوا أهل الموسم أفيهم رجل من أهل الحرم؟ قال طلحة قلت نعم أنا، فقال هل ظهر احمد بعد؟ قلت ومن أحمد؟ قال ابن عبد الله بن عبد المطلب هذا شهره الّذي يخرج فيه، وهو آخر الأنبياء مخرجه من الحرم، ومهاجره إلى نخل وحرة وسباخ، فإياك أن تسبق اليه. قال طلحة: فوقع في قلبي ما قال، فخرجت سريعا حتى قدمت مكة فقلت هل كان من حديث؟ قالوا نعم محمد بن عبد الله الأمين قد تنبأ، وقد اتبعه أبو بكر بن أبى قحافة. قال فخرجت حتى قدمت على أبى بكر، فقلت اتبعت هذا الرجل؟ قال نعم فانطلق اليه فادخل عليه فاتبعه فإنه يدعو إلى الحق، فأخبره طلحة بما قال الراهب. فخرج أبو بكر بطلحة فدخل به على رسول الله ﷺ فأسلم طلحة، وأخبر رسول الله ﷺ بما قال الراهب فسر بذلك. فلما أسلم أبو بكر وطلحة أخذهما نوفل بن خويلد بن العدوية - وكان يدعى أسد قريش - فشدهما في حبل واحد ولم بمنعهما بنو تيم فلذلك سمى أبو بكر وطلحة القرينين.
وقال النبي ﷺ : «اللهمّ اكفنا شر ابن العدوية» رواه البيهقي.
وقال الحافظ أبو الحسن خيثمة بن سليمان الاطرابلسى حدثنا عبيد الله بن محمد بن عبد العزيز العمرى قاضى المصيصة حدثنا أبو بكر عبد الله بن عبيد الله بن إسحاق بن محمد ابن عمران بن موسى بن طلحة بن عبيد الله حدثني أبى عبيد الله حدثني عبيد الله [بن محمد] بن عمران ابن إبراهيم بن محمد بن طلحة قال حدثني أبى محمد بن عمران عن القاسم بن محمد بن أبى بكر عن عائشة ﵂ قالت: خرج أبو بكر يريد رسول الله ﷺ وكان له صديقا في الجاهلية، فلقيه فقال
стр. 723
يا أبا القاسم فقدت من مجالس قومك واتهموك بالعيب لآبائها وأمهاتها. فقال رسول الله ﷺ :
«إني رسول الله أدعوك إلى الله» فلما فرغ كلامه أسلم أبو بكر فانطلق عنه رسول الله ﷺ وما بين الاخشبين أحد أكثر سرورا منه بإسلام أبى بكر، ومضى أبو بكر فراح لعثمان بن عفان وطلحة ابن عبيد الله والزبير بن العوام وسعد بن أبى وقاص فأسلموا، ثم جاء الغد بعثمان بن مظعون وأبى عبيدة بن الجراح وعبد الرحمن بن عوف وأبى سلمة بن عبد الأسد والأرقم بن أبى الأرقم فأسلموا ﵃.
قال عبد الله بن محمد فحدثني أبى محمد بن عمران عن القاسم بن محمد عن عائشة.
قالت: لما اجتمع أصحاب النبي ﷺ وكانوا ثمانية وثلاثين رجلا ألح أبو بكر على رسول الله ﷺ في الظهور فقال: «يا أبا بكر إنا قليل» فلم يزل أبو بكر يلح حتى ظهر رسول الله ﷺ وتفرق المسلمون في نواحي المسجد كل رجل في عشيرته، وقام أبو بكر في الناس خطيبا ورسول الله ﷺ جالس فكان أول خطيب دعا الى الله وإلى رسوله ﷺ وثار المشركون على أبى بكر وعلى المسلمين فضربوا في نواحي المسجد ضربا شديدا ووطئ أبو بكر وضرب ضربا شديدا ودنا منه الفاسق عتبة بن ربيعة فجعل يضربه بنعلين مخصوفتين ويحرفهما لوجهه، ونزا على بطن أبى بكر حتى ما يعرف وجهه من أنفه وجاء بنو تيم يتعادون فاجلت المشركين عن أبى بكر وحملت بنو تيم أبا بكر في ثوب حتى أدخلوه منزله ولا يشكون في موته، ثم رجعت بنو تيم فدخلوا المسجد وقالوا والله لئن مات أبو بكر لنقتلن عتبة بن ربيعة، فرجعوا إلى أبى بكر فجعل أبو قحافة وبنو تيم يكلمون أبا بكر حتى أجاب، فتكلم آخر النهار فقال: ما فعل رسول الله ﷺ ؟ فمسوا منه بألسنتهم وعذلوه، ثم قاموا وقالوا لامه أم الخير انظري أن تطعميه شيئا أو تسقيه إياه فلما خلت به الحت عليه وجعل يقول: ما فعل رسول الله ﷺ ؟ فقالت والله ما لي علم بصاحبك، فقال اذهبي إلى أم جميل بنت الخطاب فاسأليها عنه، فخرجت حتى جاءت أم جميل فقالت إن أبا بكر يسألك عن محمد بن عبد الله؟ فقالت ما أعرف أبا بكر ولا محمد بن عبد الله وإن كنت تحبين أن أذهب معك إلى ابنك قالت نعم. فمضت معها حتى وجدت أبا بكر صريعا دنفا، فدنت أم جميل وأعلنت بالصياح وقالت والله إن قوما نالوا هذا منك لأهل فسق وكفر، وإني لأرجو أن ينتقم الله لك منهم. قال فما فعل رسول الله ﷺ ؟ قالت هذه أمك تسمع، قال فلا شيء عليك منها، قالت سالم صالح. قال أين هو؟ قالت في دار ابن الأرقم، قال فان لله على أن لا أذوق طعاما ولا أشرب شرابا أو آتى رسول الله ﷺ . فامهلتا حتى إذا هدأت الرجل وسكن الناس، خرجتا به يتكئ عليهما حتى أدخلتاه على رسول الله ﷺ ، قال فأكب عليه رسول الله ﷺ فقبله وأكب عليه المسلمون، ورق له رسول الله ﷺ رقة شديدة. فقال أبو بكر بابي وأمى يا رسول الله ليس بى بأس إلا ما نال الفاسق من وجهي، وهذه أمى برة بولدها، وأنت مبارك
стр. 724
فادعها إلى الله وادع الله لها عسى الله أن يستنقذها بك من النار. قال فدعا لها رسول الله ﷺ ودعاها إلى الله فأسلمت، وأقاموا مع رسول الله ﷺ في الدار شهرا وهم تسعة وثلاثون رجلا، وقد كان حمزة بن عبد المطلب أسلم يوم ضرب أبو بكر، ودعا رسول الله ﷺ لعمر بن الخطاب - أو لأبى جهل بن هشام -
فأصبح عمر وكانت الدعوة يوم الأربعاء فأسلم عمر يوم الخميس، فكبر رسول الله ﷺ وأهل البيت تكبيرة سمعت بأعلى مكة، وخرج أبو الأرقم - وهو أعمى كافر - وهو يقول:
اللهمّ اغفر لبني عبيد الأرقم فإنه كفر، فقام عمر فقال يا رسول الله على ما نخفي ديننا ونحن على الحق ويظهر دينهم وهم على الباطل؟ قال: «يا عمر إنا قليل قد رأيت ما لقينا» فقال عمر: فو الّذي بعثك بالحق لا يبقى مجلس جلست فيه بالكفر إلا أظهرت فيه الايمان، ثم خرج فطاف بالبيت، ثم مر بقريش وهي تنتظره، فقال أبو جهل بن هشام: يزعم فلان أنك صبوت؟ فقال عمر: أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأن محمدا عبده ورسوله. فوثب المشركون اليه، ووثب على عتبة فبرك عليه وجعل يضربه، وأدخل إصبعه في عينيه، فجعل عتبة يصيح فتنحى الناس فقام عمر، فجعل لا يدنو منه أحد إلا أخذ بشريف ممن دنا منه، حتى أعجز الناس. واتبع المجالس التي كان يجالس فيها فيظهر الايمان، ثم انصرف إلى النبي ﷺ وهو ظاهر عليهم. قال ما عليك بابي وأمى والله ما بقي مجلس كنت أجلس فيه بالكفر الا أظهرت فيه الايمان غير هائب ولا خائف، فخرج رسول الله ﷺ وخرج عمر أمامه وحمزة بن عبد المطلب حتى طاف بالبيت وصلّى الظهر مؤمنا، ثم انصرف الى دار الأرقم ومعه عمر، ثم انصرف عمر وحده، ثم انصرف النبي ﷺ . والصحيح أن عمر إنما أسلم بعد خروج المهاجرين إلى أرض الحبشة وذلك في السنة السادسة من البعثة كما سيأتي في موضعه إن شاء الله. وقد استقصينا كيفية إسلام أبى بكر وعمر ﵄ في كتاب سيرتهما على انفرادها، وبسطنا القول هنالك ولله الحمد.
وثبت في صحيح مسلم من حديث أبى أمامة عن عمرو ابن عبسة السلمي ﵁ قال: أتيت رسول الله ﷺ في أول ما بعث وهو بمكة، وهو حينئذ مستخفى، فقلت ما أنت؟ قال أنا نبي، فقلت وما النبي؟ قال رسول الله، قلت الله أرسلك؟ قال نعم قلت بما أرسلك؟ قال بان تعبد الله وحده لا شريك له وتكسر الأصنام، وتوصل الأرحام. قال قلت نعم ما أرسلك به فمن تبعك على هذا؟ قال حر وعبد - يعنى أبا بكر وبلالا - قال فكان عمرو يقول: لقد رأيتني وأنا ربع الإسلام. قال فأسلمت، قلت فاتبعك يا رسول الله، قال لا ولكن الحق بقومك، فإذا أخبرت أنى قد خرجت فاتبعنى. ويقال إن معنى قوله ﵇ حر وعبد اسم جنس وتفسير ذلك بابي بكر وبلال فقط فيه نظر، فإنه قد كان جماعة قد أسلموا قبل عمرو بن عبسة وقد كان زيد بن حارثة أسلم قبل بلال أيضا فلعله أخبر أنه ربع الإسلام بحسب علمه فان
стр. 725
المؤمنين كانوا إذا ذاك يستسرون بإسلامهم لا يطلع على أمرهم كثير أحد من قراباتهم دع الأجانب دع أهل البادية من الاعراب والله أعلم. وفي صحيح البخاري من طريق أبى أسامة عن هاشم بن هاشم عن سعيد بن المسيب قال سمعت سعد بن أبى وقاص يقول: ما أسلم أحد في اليوم الّذي أسلمت فيه، ولقد مكثت سبعة أيام وإني لثلث الإسلام. أما قوله ما أسلم أحد في اليوم الّذي أسلمت فيه فسهل، ويروى إلا في اليوم الّذي أسلمت فيه وهو مشكل، إذ يقتضي أنه لم يسبقه أحد بالإسلام. وقد علم أن الصديق وعليا وخديجة وزيد بن حارثة أسلموا قبله، كما قد حكى الإجماع على تقدم إسلام هؤلاء غير واحد، منهم ابن الأثير. ونص أبو حنيفة ﵁ على أن كلا من هؤلاء أسلم قبل أبناء جنسه والله أعلم. وأما قوله ولقد مكثت سبعة أيام وإني لثلث الإسلام فمشكل وما أدرى على ماذا يوضع عليه إلا أن يكون أخبر بحسب ما علمه والله اعلم.
وقال أبو داود الطيالسي حدثنا حماد بن سلمة عن عاصم عن زر عن عبد الله - وهو ابن مسعود - قال: كنت غلاما يافعا أرعى غنما لعقبة بن أبى معيط بمكة. فأتى عليّ رسول الله ﷺ وابو بكر - وقد فرا من المشركين - فقال - أو فقالا - عندك يا غلام لبن تسقينا؟ قلت إني مؤتمن، ولست بساقيكما فقال هل عندك من جذعة لم ينز عليها الفحل بعد؟ قلت نعم! فأتيتهما بها فاعتقلها أبو بكر وأخذ رسول الله ﷺ الضرع ودعا فحفل الضرع، وأتاه أبو بكر بصخرة متقعرة فحلب فيها ثم شرب هو وأبو بكر ثم سقياني ثم قال للضرع اقلص فقلص، فلما كان بعد أتيت رسول الله ﷺ فقلت علمني من هذا القول الطيب - يعنى القرآن - فقال: «إنك غلام معلم» فأخذت من فيه سبعين سورة ما ينازعني فيها أحد.
وهكذا رواه الامام أحمد عن عفان عن حماد بن سلمة به. ورواه الحسن بن عرفة عن أبى بكر بن عياش عن عاصم بن أبى النجودبه.
وقال البيهقي أخبرنا أبو عبد الله الحافظ حدثنا أبو عبد الله بن بطة الأصبهاني حدثنا الحسن بن الجهم حدثنا الحسين بن الفرج حدثنا محمد بن عمر حدثني جعفر ابن محمد بن خالد بن الزبير عن أبيه - أو عن محمد بن عبد الله بن عمرو بن عثمان -. قال: كان إسلام خالد بن سعيد بن العاص قديما وكان أول اخوته أسلم. وكان بدء إسلامه أنه رأى في المنام أنه وقف به على شفير النار، فذكر من سعتها ما الله أعلم به. ويرى في النوم كأن آت أتاه يدفعه فيها ويرى رسول الله ﷺ آخذا بحقويه لا يقع، ففزع من نومه فقال احلف بالله ان هذه لرؤيا حق، فلقى ابا بكر بن ابى قحافة فذكر ذلك له، فقال أريد بك خير هذا رسول الله ﷺ فاتبعه فإنك ستتبعه وتدخل معه في الإسلام، والإسلام يحجزك ان تدخل فيها وأبوك واقع فيها فلقى رسول الله ﷺ وهو باجياد، فقال يا رسول الله يا محمد إلى ما تدعو؟ قال: «أدعوك إلى الله وحده لا شريك له وأن محمدا عبده ورسوله، وتخلع ما أنت عليه من عبادة حجر لا يسمع، ولا يضر، ولا يبصر، ولا ينفع، ولا
стр. 726
يدرى من عبده ممن لا يعبده». قال خالد: فانى أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أنك رسول الله.
فسر رسول الله ﷺ بإسلامه، وتغيب خالد وعلم أبوه بإسلامه، فأرسل في طلبه فأتى به. فأنبه وضربه بمقرعة في يده حتى كسرها على رأسه. وقال: والله لأمنعنك القوت: فقال خالد إن منعتني فان الله يرزقني ما اعيش به، وانصرف إلى رسول الله ﷺ فكان يكرمه ويكون معه.
ذكر إسلام حمزة بن عبد المطلب عم النبي ﷺ ﵁
قال يونس بن بكير عن محمد بن إسحاق حدثني رجل ممن أسلم - وكان واعية - ان أبا جهل اعترض رسول الله ﷺ عند الصفا فآذاه وشتمه ونال منه ما يكره من العيب لدينه، فذكر ذلك لحمزة بن عبد المطلب، فاقبل نحوه حتى إذا قام على رأسه رفع القوس فضربه بها ضربة شجه منها شجة منكرة، وقامت رجال من قريش من بنى مخزوم إلى حمزة لينصروا ابا جهل منه. وقالوا ما نراك يا حمزة إلا قد صبوت؟ قال حمزة ومن يمنعني وقد استبان لي منه ما اشهد أنه رسول الله ﷺ وأنّ الّذي يقول حق، فو الله لا أنزع فامنعوني إن كنتم صادقين. فقال أبو جهل: دعوا أبا عمارة فانى والله لقد سببت ابن أخيه سبا قبيحا، فلما أسلم حمزة عرفت قريش أن رسول الله ﷺ قد عز وامتنع فكفوا عما كانوا يتناولون منه. وقال حمزة في ذلك شعرا (١).
قال ابن إسحاق: ثم رجع حمزة إلى بيته فأتاه الشيطان فقال أنت سيد قريش اتبعت هذا الصابئ وتركت دين آبائك، للموت خير لك مما صنعت. فاقبل حمزة على نفسه وقال ما صنعت اللهمّ إن كان رشدا فاجعل تصديقه في قلبي، وإلا فاجعل لي مما وقعت فيه مخرجا فبات بليلة لم يبت بمثلها من وسوسة الشيطان، حتى أصبح فغدا على رسول الله ﷺ . فقال: يا ابن أخى إني قد وقعت في أمر ولا أعرف المخرج منه، واقامة مثلي على ما لا أدرى ما هو أرشد أم هو غى شديد؟ فحدثني حديثا فقد اشتهيت يا ابن أخى أن تحدثني، فاقبل رسول الله ﷺ فذكره ووعظه، وخوفه وبشره، فالقى الله في قلبه الايمان بما قال رسول الله ﷺ . فقال: أشهد أنك الصادق شهادة الصدق، فأظهر يا ابن أخى دينك فو الله ما أحب أن لي ما أظلته السماء، وأنى على ديني الأول. فكان حمزة ممن أعز الله به الدين. وهكذا رواه البيهقي عن الحاكم عن الأصم عن احمد بن عبد الجبار عن يونس بن بكير به.
стр. 727
ذكر إسلام أبى ذر ﵁
قال الحافظ البيهقي: أخبرنا أبو عبد الله الحافظ حدثنا أبو عبد الله محمد بن يعقوب الحافظ حدثنا الحسين بن محمد بن زياد حدثنا عبد الله بن الرومي حدثنا النضر بن محمد حدثنا عكرمة بن عمار عن أبى زميل سماك بن الوليد عن مالك بن مرثد عن أبيه عن أبى ذر. قال: كنت ربع الإسلام، أسلم قبلي ثلاثة نفر وأنا الرابع، أتيت رسول الله ﷺ فقلت: السلام عليك يا رسول الله أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله، فرأيت الاستبشار في وجه رسول الله ﷺ . هذا سياق مختصر
وقال البخاري إسلام أبى ذر: حدثنا عمرو بن عباس حدثنا عبد الرحمن بن مهدي عن المثنى عن أبى حمزة عن ابن عباس. قال لما بلغ أبا ذر مبعث رسول الله ﷺ قال لأخيه: اركب إلى هذا الوادي فاعلم لي علم هذا الرجل الّذي يزعم أنه نبي يأتيه الخبر من السماء. فاسمع من قوله ثم ائتني فانطلق الآخر حتى قدمه وسمع من كلامه، ثم رجع إلى أبى ذر فقال له رأيته يأمر بمكارم الأخلاق وكلاما ما هو بالشعر. فقال ما شفيتني مما أردت. فتزود وحمل شنة فيها ماء حتى قدم مكة فأتى المسجد فالتمس رسول الله ﷺ ولا يعرفه وكره أن يسأل عنه حتى أدركه بعض الليل اضطجع فرآه عليّ فعرف أنه غريب، فلما رآه تبعه ولم يسأل واحد منهما صاحبه عن شيء حتى أصبح، ثم احتمل قربته وزاده إلى المسجد وظل ذلك اليوم ولا يراه النبي ﷺ حتى أمسى، فعاد إلى مضجعه فمر به عليّ فقال أما آن للرجل يعلم منزله فأقامه فذهب به معه لا يسأل واحد منهما صاحبه عن شيء حتى إذا كان يوم الثالث فعاد على مثل ذلك فأقام معه فقال ألا تحدثني بالذي أقدمك؟ قال إن أعطيتنى عهدا وميثاقا لترشدنى فعلت، ففعل فأخبره. قال فإنه حق وأنه رسول الله ﷺ فإذا أصبحت فاتبعنى فانى إن رأيت شيئا أخاف عليك قمت كأنى أريق الماء، وإن مضيت فاتبعنى حتى تدخل مدخلي، ففعل فانطلق يقفوه حتى دخل على النبي ﷺ ودخل معه، فسمع من قوله وأسلم مكانه. فقال له النبي ﷺ : «ارجع إلى قومك فأخبرهم حتى يأتيك أمري» فقال والّذي بعثك بالحق لأصرخنّ بها بين ظهرانيهم فخرج حتى أتى المسجد فنادى بأعلى صوته اشهد ان لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله، ثم قام فضربوه حتى أضجعوه، فأتى العباس فأكب عليه فقال ويلكم ألستم تعلمون أنه من غفار، وأن طريق تجارتكم إلى الشام. فأنقذه منهم. ثم عاد من الغد بمثلها فضربوه وثار واليه فأكب العباس عليه هذا لفظ البخاري. وقد جاء إسلامه مبسوطا في صحيح مسلم وغيره فقال الامام احمد حدثنا يزيد بن هارون حدثنا سليمان بن المغيرة حدثنا حميد بن هلال عن عبد الله ابن الصامت قال أبو ذر: خرجنا من قومنا غفار - وكان يحلون الشهر الحرام - أنا وأخى أنيس وأمنا
стр. 728
فانطلقنا حتى نزلنا على خال لنا ذي مال وذي هيئة فأكرمنا خالنا وأحسن إلينا، فحسدنا قومه فقالوا له: إنك إذا خرجت عن أهلك خلفك اليهم أنيس، فجاء خالنا فنثى ما قيل له (١) فقلت له أمّا ما مضى من معروفك فقد كدرته، ولا جماع لنا فيما بعد. قال: فقربنا صرمتنا فاحتملنا عليها وتغطى خالنا بثوبه وجعل يبكى قال فانطلقنا حتى نزلنا حضرة مكة، قال فنافر أنيس عن صرمتنا وعن مثلها فأتيا الكاهن فخير أنيسا. فأتانا بصرمتنا ومثلها، وقد صليت يا بن أخى قبل أن القى رسول الله ﷺ ثلاث سنين، قال قلت لمن؟ قال لله، قلت فأين توجه؟ قال حيث وجهني الله. قال وأصلي عشاء حتى إذا كان من آخر الليل ألفيت كأنى خفاء (٢) حتى تعلونى الشمس قال فقال أنيس: إن لي حاجة بمكة فألقنى حتى آتيك قال فانطلق فراث عليّ، ثم أتانى فقلت ما حبسك؟ قال لقيت رجلا يزعم أن الله أرسله على دينك، قال فقلت ما يقول الناس له؟ قال يقولوا إنه شاعر وساحر، وكان أنيس شاعرا. قال فقال لقد سمعت الكهان فما يقول بقولهم. وقد وضعت قوله على إقراء الشعر فو الله ما يلتئم لسان أحد أنه شعر، ووالله إنه لصادق وإنهم لكاذبون. قال: فقلت له هل أنت كافىّ حتى انطلق؟ قال نعم! وكن من أهل مكة على حذر فإنهم قد شنعوا له وتجهموا له. قال فانطلقت حتى قدمت مكة فتضعفت رجلا منهم فقلت أين هذا الرجل الّذي يدعونه الصابئ؟ قال فاشار إلى فمال أهل الوادي على بكل مدرة وعظم حتى خررت مغشيا على، ثم ارتفعت حين ارتفعت كأنى نصب أحمر، فأتيت زمزم فشربت من مائها وغسلت عنى الدم ودخلت بين الكعبة وأستارها، فلبثت به يا بن أخى ثلاثين من يوم وليلة ما لي طعام إلا ماء زمزم، فسمنت حتى تكسرت عكن بطني وما وجدت على كبدي سخفة جوع قال فبينا أهل مكة في ليلة قمراء أضحيان وضرب الله على أشحمة أهل مكة فما يطوف بالبيت غير امرأتين، فاتتا عليّ وهما يدعوان إساف ونائلة. فقلت:
انكحوا أحدهما الآخر فما ثناهما ذلك، فقلت وهن مثل الخشبة غير أنى لم أركن. قال: فانطلقتا يولولان ويقولان لو كان هاهنا أحد من أنفارنا، قال فاستقبلهما رسول الله ﷺ وأبو بكر وهما هابطان من الجبل فقال ما لكما؟ فقالتا الصابئ بين الكعبة وأستارها قالا ما قال لكما؟ قالتا قال لنا كلمة تملأ الفم،
قال وجاء رسول الله ﷺ هو وصاحبه حتى استلم الحجر وطاف بالبيت، ثم صلّى. قال فأتيته فكنت أول من حياه بتحية أهل الإسلام. فقال: «عليك السلام ورحمة الله من أنت؟» قال قلت من غفار، قال فأهوى بيده فوضعها على جبهته قال فقلت في نفسي كره أن انتميت إلى غفار، قال فأردت أن آخذ بيده فقذفني صاحبه وكان أعلم به منى، قال منى كنت هاهنا؟ قال قلت
стр. 729
كنت هاهنا منذ ثلاثين من بين ليلة ويوم. قال: فمن كان يطعمك؟ قلت ما كان لي طعام إلا ماء زمزم فسمنت حتى تكسرت عكن بطني، وما وجدت على كبدي سخفة جوع. قال قال رسول الله ﷺ : «إنها مباركة، إنها طعام طعم» قال فقال أبو بكر ائذن لي يا رسول الله في طعامه الليلة قال ففعل قال فانطلق النبي ﷺ وانطلقت معهما حتى فتح أبو بكر بابا فجعل يقبض لنا من زبيب الطائف، قال فكان ذلك أول طعام أكلته بها. فلبثت ما لبثت. فقال رسول الله ﷺ : «إني قد وجهت إلى أرض ذات نخل ولا أحسبها إلا يثرب، فهل أنت مبلغ عنى قومك لعل الله ينفعهم بك ويأجرك فيهم؟». قال فانطلقت حتى أتيت أخى أنيسا، قال فقال لي ما صنعت؟ قال قلت صنعت أنى أسلمت وصدقت، قال فما بى رغبة عن دينك فانى قد أسلمت وصدقت، ثم أتينا أمنا فقالت ما بى رغبة عن دينكما فانى قد أسلمت وصدقت، فتحملنا حتى أتينا قومنا غفار، قال فأسلم بعضهم قبل أن يقدم رسول الله ﷺ المدينة، وكان يؤمهم خفاف بن إيماء بن رخصة الغفاريّ وكان سيدهم يومئذ. وقال: بقيتهم إذا قدم رسول الله ﷺ أسلمنا، قال فقدم رسول الله ﷺ فأسلم بقيتهم قال وجاءت أسلم فقالوا يا رسول الله إخواننا نسلم على الّذي أسلموا عليه، فقال رسول الله ﷺ «غفار غفر الله لها، وأسلم سالمها الله». ورواه مسلم عن هدبة بن خالد عن سليمان بن المغيرة به نحوه وقد روى قصة إسلامه على وجه آخر وفيه زيادات غريبة فالله أعلم. وتقدم ذكر إسلام سلمان الفارسي في كتاب البشارات بمبعثه ﵊.
ذكر إسلام ضماد
روى مسلم والبيهقي من حديث داود بن أبى هند عن عمرو بن سعيد عن سعيد بن جبير عن ابن عباس. قال: قدم ضماد مكة وهو رجل من أزدشنوءة، وكان يرقى من هذه الرياح، فسمع سفهاء من سفه مكة يقولون: إن محمدا مجنون. فقال أين هذا الرجل لعل الله أن يشفيه على يدي؟ فلقيت محمدا فقلت إني أرقى من هذه الرياح، وأن الله يشفى على يدي من شاء فهلم. فقال محمد: «ان الحمد لله نحمده ونستعينه، ومن يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له، أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ثلاث مرات». فقال والله لقد سمعت قول لكهنة، وقول السحرة. وقول الشعراء فما سمعت مثل هؤلاء الكلمات فهلم يدك أبايعك على الإسلام. فبايعه رسول الله ﷺ فقال له وعلى قومك فقال وعلى قومي. فبعث النبي ﷺ جيشا فمروا بقوم ضماد. فقال صاحب الجيش للسرية هل أصبتم من هؤلاء القوم شيئا؟ فقال رجل منهم أصبت منهم مطهرة. فقال ردها عليهم فإنهم قوم ضماد. وفي رواية فقال له ضماد: أعد على كلماتك هؤلاء فلقد بلغن قاموس البحر.
стр. 730
وقد ذكر أبو نعيم في دلائل النبوة السلام من أسلّم من الأعيان فصلا طويلا، واستقصى ذلك استقصاء حسنا ﵀ وأثابه. وقد سرد ابن إسحاق أسماء من أسلم قديما من الصحابة ﵃. قال: ثم أسلم أبو عبيدة، وأبو سلمة، والأرقم بن أبى الأرقم، وعثمان بن مظعون، وعبيدة بن الحارث، وسعيد بن زيد، وامرأته فاطمة بنت الخطاب، وأسماء بنت أبى بكر، وعائشة بنت أبى بكر - وهي صغيرة - وقدامة بن مظعون، وعبد الله بن مظعون، وخباب بن الأرت، وعمير بن أبى وقاص، وعبد الله بن مسعود، ومسعود بن القاري، وسليط بن عمرو، وعياش بن أبى ربيعة، وامرأته أسماء بنت سلمة (١) بن مخرمة التيمي، وخنيس بن حذافة، وعامر بن ربيعة، وعبد الله بن جحش، وأبو أحمد بن جحش، وجعفر بن أبى طالب، وامرأته أسماء بنت عميس، وحاطب بن الحارث، وامرأته فكيهة ابنة يسار (٢)، ومعمر بن الحارث بن معمر الجمحيّ، والسائب بن عثمان بن مظعون، والمطلب بن أزهر بن عبد مناف (٣). وامرأته رملة بنت أبى عوف بن صبيرة بن سعيد بن سهم، والنحام واسمه نعيم بن عبد الله بن أسيد، وعامر بن فهيرة مولى أبى بكر، وخالد بن سعيد، وأمينة ابنة خلف بن سعد بن عامر بن بياضة بن خزاعة، وحاطب بن عمرو بن عبد شمس، وأبو حذيفة بن عتبة بن ربيعة، وواقد بن عبد الله بن عرين بن ثعلبة التميمي حليف بنى عدي، وخالد ابن البكير، وعامر بن البكير، وعاقل بن البكير، وإياس بن البكير بن عبد ياليل بن ناشب بن غيرة من بنى سعد بن ليث، وكان اسم عاقل غافلا فسماه رسول الله ﷺ عاقلا، وهم حلفاء بنى عدي ابن كعب، وعمار بن ياسر، وصهيب بن سنان. ثم دخل الناس أرسالا من الرجال والنساء حتى فشا أمر الإسلام بمكة وتحدث به.
قال ابن إسحاق: ثم أمر الله رسوله ﷺ بعد ثلاث سنين من البعثة بان يصدع بما أمر، وأن يصبر على أذى المشركين. قال وكان أصحاب رسول الله ﷺ إذا صلوا ذهبوا في الشعاب واستخفوا بصلاتهم من قومهم. فبينا سعد بن أبى وقاص في نفر يصلون بشعاب مكة إذ ظهر عليهم بعض المشركين فناكروهم وعابوا عليهم ما يصنعون حتى قاتلوهم، فضرب سعد رجلا من المشركين بلحى جمل فشجه، فكان أول دم أهريق في الإسلام. وروى الأموي في مغازيه من طريق الوقاصى عن الزهري عن عامر بن سعد عن أبيه. فذكر القصة بطولها وفيه أن المشجوج هو عبد الله بن خطل لعنه الله.
стр. 731
باب أمر الله رسوله ﵊ بإبلاغ الرسالة
إلى الخاص والعام، وأمره له بالصبر والاحتمال والاعراض عن الجاهلين المعاندين المكذبين بعد قيام الحجة عليهم، وإرسال الرسول الأعظم اليهم وذكر ما لقي من الاذية منهم هو وأصحابه ﵃ قال الله تعالى: ﴿وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ، * وَاِخْفِضْ جَناحَكَ لِمَنِ اِتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ * فَإِنْ عَصَوْكَ فَقُلْ إِنِّي بَرِيءٌ مِمّا تَعْمَلُونَ * وَتَوَكَّلْ عَلَى الْعَزِيزِ الرَّحِيمِ * الَّذِي يَراكَ حِينَ تَقُومُ * وَتَقَلُّبَكَ فِي السّاجِدِينَ * إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾. وقال تعالى: ﴿وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَكَ وَلِقَوْمِكَ وَسَوْفَ تُسْئَلُونَ﴾ وقال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِي فَرَضَ عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لَرادُّكَ إِلى مَعادٍ﴾ أي أن الّذي فرض عليك وأوجب عليك بتبليغ القرآن لرادك إلى دار الآخرة وهي المعاد، فيسألك عن ذلك كما قال تعالى: ﴿فَوَ رَبِّكَ لَنَسْئَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ * عَمّا كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ والآيات والأحاديث في هذا كثيرة جدا. وقد تقصينا الكلام على ذلك في كتابنا التفسير، وبسطنا من القول في ذلك عند قوله تعالى في سورة الشعراء ﴿وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ﴾. وأوردنا أحاديث جمة في ذلك، فمن ذلك.
قال الامام أحمد: حدثنا عبد الله ابن نمير عن الأعمش عن عمرو بن مرة عن سعيد بن جبير عن ابن عباس قال: لما أنزل الله ﴿وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ﴾ أتى النبي ﷺ الصفا فصعد عليه ثم نادى: «يا صباحاه» فاجتمع الناس اليه بين رجل يجبئ اليه وبين رجل يبعث رسوله. فقال رسول الله ﷺ : «يا بنى عبد المطلب يا بنى فهر، يا بنى كعب أرأيتم لو أخبرتكم أن خيلا بسفح هذا الجبل تريد أن تغير عليكم صدقتموني؟» قالوا نعم! قال: «فانى نذير لكم بين يدي عذاب شديد» فقال أبو لهب - لعنه الله - تبا لك سائر اليوم أما دعوتنا إلا لهذا؟ وأنزل الله ﴿تَبَّتْ يَدا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ﴾ وأخرجاه من حديث الأعمش به نحوه.
وقال احمد حدثنا معاوية بن عمرو حدثنا زائدة حدثنا عبد المطلب بن عمير عن موسى بن طلحة عن أبى هريرة. قال: لما نزلت هذه الآية ﴿وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ﴾ دعا رسول الله ﷺ قريشا فعم وخص. فقال: «يا معشر قريش أنقذوا أنفسكم من النار، يا معشر بنى كعب أنقذوا أنفسكم من النار، يا معشر بنى هاشم أنقذوا أنفسكم من النار، يا معشر بنى عبد المطلب أنقذوا أنفسكم من النار، يا فاطمة بنت محمد أنقذى نفسك من النار، فانى والله لا أملك لكم من الله شيئا إلا أن لكم رحما سأبلها ببلائها» ورواه مسلم من حديث عبد الملك بن عمير، وأخرجاه في الصحيحين من حديث الزهري عن سعيد بن المسيب وأبى سلمة عن أبى هريرة، وله طرق أخر عن أبى هريرة في مسند أحمد وغيره.
وقال احمد أيضا حدثنا وكيع بن هشام عن أبيه عن عائشة
стр. 732
﵂. قالت: لما نزل ﴿وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ﴾. قام رسول الله ﷺ فقال: «يا فاطمة بنت محمد، يا صفية بنت عبد المطلب، يا بنى عبد المطلب لا أملك لكم من الله شيئا، سلوني من مالي ما شئتم». ورواه مسلم أيضا.
وقال الحافظ أبو بكر البيهقي في الدلائل: أخبرنا محمد بن عبد الحافظ حدثنا أبو العباس محمد بن يعقوب حدثنا احمد بن عبد الجبار حدثنا يونس بن بكير عن محمد بن إسحاق قال فحدثني من سمع عبد الله بن الحارث بن نوفل - واستكتمنى اسمه - عن ابن عباس عن على بن أبى طالب. قال: لما نزلت هذه الآية على رسول الله ﷺ ﴿وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ، * وَاِخْفِضْ جَناحَكَ لِمَنِ اِتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾. قال رسول الله ﷺ : «عرفت انى إن بادأت بها قومي رأيت منهم ما أكره، فصمت. فجاءني جبريل ﵇ فقال: يا محمد إن لم تفعل ما أمرك به ربك عذبك بالنار». قال فدعاني فقال «يا على إن الله قد أمرنى أن أنذر عشيرتي الأقربين فاصنع لنا يا عليّ شاة على صاع من طعام، وأعدّ لنا عس لبن، ثم اجمع لي بنى عبد المطلب» ففعلت فاجتمعوا له يومئذ وهم أربعون رجلا يزيدون رجلا أو ينقصون فيهم أعمامه أبو طالب، وحمزة والعباس، وأبو لهب الكافر الخبيث. فقدمت اليهم تلك الجفنة، فاخذ رسول الله ﷺ منها حذية فشقها بأسنانه ثم رمى بها في نواحيها وقال: «كلوا بسم الله» فأكل القوم حتى نهلوا عنه ما نرى إلا آثار أصابعهم، والله إن كان الرجل ليأكل مثلها. ثم قال رسول الله ﷺ : «اسقهم يا على» فجئت بذلك القعب فشربوا منه حتى نهلوا جميعا وايم الله إن كان الرجل ليشرب مثله. فلما أراد رسول الله ﷺ أن يكلمهم بدره أبو لهب لعنه الله فقال لهدّ ما سحركم صاحبكم، فتفرقوا ولم يكلمهم رسول الله ﷺ . فلما كان من الغد قال رسول الله ﷺ : «عدلنا مثل الّذي كنت صنعت لنا بالأمس من الطعام والشراب، فان هذا الرجل قد بدر الى ما سمعت قبل أن أكلم القوم» ففعلت ثم جمعتهم له وصنع رسول الله ﷺ كما صنع بالأمس، فأكلوا حتى نهلوا عنه وايم الله إن كان الرجل ليأكل مثلها. ثم قال رسول الله ﷺ اسقهم يا على، فجئت بذلك القعب فشربوا منه حتى نهلوا جميعا وايم الله إن كان الرجل منهم ليشرب مثله فلما أراد رسول الله أن يكلمهم، بدره أبو لهب لعنه الله إلى الكلام فقال: لهدّ ما سحركم صاحبكم؟ فتفرقوا ولم يكلمهم رسول الله ﷺ . فلما كان من الغد قال رسول الله ﷺ : «يا على عد لنا بمثل الّذي كنت صنعت بالأمس من الطعام والشراب فان هذا الرجل قد بدرني إلى ما سمعت قبل أن أكلم القوم» ففعلت ثم جمعتهم له. فصنع رسول الله ﷺ كما صنع بالأمس فأكلوا حتى نهلوا عنه، ثم سقيتهم من ذلك القعب حتى نهلوا، وايم الله إن كان الرجل ليأكل مثلها وليشرب مثلها. ثم قال رسول الله ﷺ : «يا بنى عبد المطلب إني والله ما أعلم شابا من العرب جاء قومه بافضل من ما جئتكم به إني قد جئتكم بأمر الدنيا والآخرة» هكذا
стр. 733
رواه البيهقي من طريق يونس بن بكير عن ابن إسحاق عن شيخ أبهم اسمه عن عبد الله بن الحارث به. وقد رواه أبو جعفر بن جرير عن محمد بن حميد الرازيّ عن سلمة بن الفضل الأبرش عن محمد بن إسحاق عن عبد الغفار أبو مريم بن القاسم عن المنهال بن عمرو عن عبد الله بن الحارث عن ابن عباس عن على فذكر مثله. وزاد بعد قوله: «وإني قد جثتكم بخير الدنيا والآخرة، وقد أمرنى الله أن أدعوكم اليه، فأيكم يؤازرنى على هذا الأمر على أن يكون أخى» وكذا وكذا. قال فأحجم القوم عنها جميعا، وقلت ولأني لأحدثهم سنا وأرمصهم عينا، وأعظمهم بطنا، وأخمشهم ساقا، أنا يا نبي الله أكون وزيرك عليه فاخذ برقبتي فقال: «إن هذا أخى وكذا وكذا فاسمعوا له وأطيعوا».
قال فقام القوم يضحكون ويقولون لأبي طالب قد أمرك أن تسمع لابنك وتطيع! تفرد به عبد الغفار ابن القاسم أبو مريم وهو كذاب شيعي اتهمه على بن المديني وغيره بوضع الحديث. وضعفه الباقون.
ولكن
روى ابن أبى حاتم في تفسيره عن أبيه عن الحسين بن عيسى بن ميسرة الحارثي عن عبد الله ابن عبد القدوس عن الأعمش عن المنهال بن عمرو عن عبد الله بن الحارث. قال قال على: لما نزلت هذه الآية ﴿وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ﴾. قال لي رسول الله ﷺ : اصنع لي رجل شاة بصاع من طعام، وإناء لبنا، وأدع لي بنى هاشم فدعوتهم وإنهم يومئذ لاربعون غير رجل، أو أربعون ورجل فذكر القصة نحو ما تقدم إلى أن قال: وبدرهم رسول الله ﷺ الكلام. فقال: «أيكم يقضى عنى ديني ويكون خليفتي في أهلي؟» قال فسكتوا وسكت العباس خشية أن يحيط ذلك بماله، قال وسكت أنا لسن العباس. ثم قالها مرة أخرى فسكت العباس، فلما رأيت ذلك قلت: أنا يا رسول الله، قال أنت؟ قال وإني يومئذ لاسوأهم هيئة، وإني لاعمش العينين، ضخم البطن، خمش الساقين. وهذه الطريق فيها شاهد لما تقدم إلا أنه لم يذكر ابن عباس فيها فالله أعلم. وقد روى الامام احمد في مسندة من حديث عباد بن عبد الله الأسدي وربيعة بن ناجذ عن على نحو ما تقدم - أو كالشاهد له - والله أعلم. ومعنى قوله في هذا
الحديث: من يقضى عنى ديني ويكون خليفتي في أهلي يعنى إذا مت، وكأنه ﷺ خشي إذا قام بإبلاغ الرسالة إلى مشركي العرب (١) أن يقتلوه، فاستوثق من يقوم بعده بما يصلح أهله، ويقضى عنه، وقد أمنه الله من ذلك في قوله تعالى ﴿يا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ ما أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ، وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَما بَلَّغْتَ رِسالَتَهُ وَاللهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النّاسِ﴾ الآية والمقصود أن رسول الله ﷺ استمر يدعو إلى الله تعالى ليلا ونهارا، وسرا وجهارا، لا يصرفه عن ذلك صارف ولا يرده عن ذلك راد، ولا يصده عنه ذلك صاد، يتبع الناس في أنديتهم، ومجامعهم ومحافلهم وفي المواسم، ومواقف الحج. يدعو من لقيه من حر وعبد وضعيف وقوى، وغنى وفقير،
стр. 734
جميع الخلق في ذلك عنده شرع سواء. وتسلط عليه وعلى من اتبعه من آحاد الناس من ضعفائهم الأشداء الأقوياء من مشركي قريش بالأذية القولية والفعلية، وكان من أشد الناس عليه عمه أبو لهب - واسمه عبد العزى بن عبد المطلب - وامرأته أم جميل أروى بنت حرب بن أمية أخت أبى سفيان وخالفه في ذلك عمه أبو طالب بن عبد المطلب، وكان رسول الله ﷺ أحب خلق الله اليه طبعا وكان يحنو عليه ويحسن اليه، ويدافع عنه ويحامى، ويخالف قومه في ذلك مع أنه على دينهم وعلى خلتهم، إلا أن الله تعالى قد امتحن قلبه بحبه حبا طبعيا لا شرعيا. وكان استمراره على دين قومه من حكمة الله تعالى، ومما صنعه لرسوله من الحماية، إذ لو كان أسلم أبو طالب لما كان له عند مشركي قريش وجاهة ولا كلمة، ولا كانوا يهابونه ويحترمونه. ولاجترءوا عليه، ولمدوا أيديهم وألسنتهم بالسوء اليه، وربك يخلق ما يشاء ويختار. وقد قسم خلقه أنواعا وأجناسا، فهذان العمان كافران أبو طالب وأبو لهب. ولكن هذا يكون في القيامة في ضحضاح من نار، وذلك في الدرك الأسفل من النار، وأنزل الله فيه سورة في كتابه تتلى على المنابر، وتقرأ في المواعظ والخطب. تتضمن أنه ﴿سَيَصْلى ناراً ذاتَ لَهَبٍ، * وَاِمْرَأَتُهُ حَمّالَةَ الْحَطَبِ﴾.
قال الامام احمد حدثنا إبراهيم بن أبى العباس حدثنا عبد الرحمن بن أبى الزناد عن أبيه. قال أخبر رجل يقال له ربيعة بن عباد من بنى الديل - وكان جاهليا فأسلم - قال: رأيت رسول الله ﷺ في الجاهلية في سوق ذي المجاز وهو يقول:
«يا أيها الناس قولوا لا إله إلا الله تفلحوا» والناس مجتمعون عليه، ووراءه رجل وضيء الوجه أحول ذو غديرتين يقول: إنه صابئ كاذب يتبعه حيث ذهب، فسألت عنه فقالوا هذا عمه أبو لهب ثم رواه هو والبيهقي من حديث عبد الرحمن بن أبى الزناد بنحوه.
وقال البيهقي أيضا حدثنا أبو طاهر الفقيه حدثنا أبو بكر محمد بن الحسن القطان حدثنا أبو الأزهر حدثنا محمد بن عبد الله الأنصاري حدثنا محمد بن عمر عن محمد بن المنكدر عن ربيعة الديليّ. قال: رأيت رسول الله ﷺ بذي المجاز يتبع الناس في منازلهم يدعوهم إلى الله، ووراءه رجل أحول تقد وجنتاه وهو يقول: أيها الناس لا يغرنكم هذا عن دينكم ودين آبائكم. قلت من هذا؟ قيل هذا أبو لهب. ثم رواه من طريق شعبة عن الأشعث بن سليم عن رجل من كنانة. قال رأيت رسول الله ﷺ بسوق ذي المجاز وهو يقول: «يا أيها الناس قولوا لا إله إلا الله تفلحوا» وإذا رجل خلفه يسفى عليه التراب، وإذا هو أبو جهل، وإذا هو يقول: يا أيها الناس لا يغرنكم هذا عن دينكم فإنما يريد أن تتركوا عبادة اللات والعزى كذا قال أبو جهل، والظاهر أنه أبو لهب، وسنذكر بقية ترجمته عند ذكر وفاته وذلك بعد وقعة بدر إن شاء الله تعالى.
وأما أبو طالب فكان في غاية الشفقة والحنو الطبيعي كما سيظهر من صنائعه، وسجاياه، واعتماده
стр. 735
فيما يحامى به عن رسول الله ﷺ وأصحابه ﵃،
قال يونس بن بكير عن طلحة بن يحيى عن عبد الله بن موسى بن طلحة أخبرنى عقيل بن أبى طالب. قال جاءت قريش الى أبى طالب فقالوا: إن ابن أخيك هذا قد آذانا في نادينا ومسجدنا فانهه عنا. فقال يا عقيل انطلق فأتنى بمحمد، فانطلقت اليه فاستخرجته من كنس - أو قال خنس - يقول بيت صغير، فجاء به في الظهيرة في شدة الحر، فلما أتاهم قال إن بنى عمك هؤلاء زعموا أنك تؤذيهم في ناديهم ومسجدهم، فانته عن أذاهم فحلق رسول الله ﷺ ببصره إلى السماء. فقال: «ترون هذه الشمس؟» قالوا نعم! قال:
«فما أنا بأقدر أن أدع ذلك منكم على أن تشتعلوا منه بشعلة». فقال أبو طالب: والله ما كذب ابن أخى قط فارجعوا. رواه البخاري في التاريخ عن محمد بن العلاء عن يونس بن بكير. ورواه البيهقي عن الحاكم عن الأصم عن احمد بن عبد الجبار عنه به - وهذا لفظه -. ثم
روى البيهقي من طريق يونس عن ابن إسحاق حدثني يعقوب بن عتبة بن المغيرة بن الأخنس أنه حدث. أن قريشا حين قالت لأبى طالب هذه المقالة بعث إلى رسول الله ﷺ . فقال له: يا ابن أخى إن قومك قد جاءوني وقالوا كذا وكذا، فابق عليّ وعلى نفسك ولا تحملني من الأمر ما لا أطيق أنا ولا أنت. فاكفف عن قومك ما يكرهون من قولك. فظن رسول الله ﷺ أن قد بدا لعمه فيه، وانه خاذله ومسلمه، وضعف عن القيام معه. فقال رسول الله ﷺ : «يا عم لو وضعت الشمس في يميني والقمر في يسارى ما تركت هذا الأمر حتى يظهره الله أو أهلك في طلبه» ثم استعبر رسول الله ﷺ فبكى، فلما ولى قال له حين رأى ما بلغ الأمر برسول الله ﷺ : يا ابن أخى فاقبل عليه، فقال أمض على أمرك وافعل ما أحببت، فو الله لا أسلمك لشيء أبدا. قال ابن إسحاق ثم قال أبو طالب في ذلك:
والله لن يصلوا إليك بجمعهم … حتى أوسد في التراب دفينا
فامضى لأمرك ما عليك غضاضة … أبشر وقر بذاك منك عيونا
ودعوتني وعلمت أنك ناصحي … فلقد صدقت وكنت قدم أمينا
وعرضت دينا قد عرفت بأنه … من خير أديان البرية دينا
لولا الملامة أو حذاري سبة … لوجدتني سمحا بذاك مبينا
ثم قال البيهقي وذكر ابن إسحاق لأبى طالب في ذلك أشعارا، وفي ذلك دلالة على أنّ الله تعالى عصمه بعمه مع خلافه إياه في دينه، وقد كان يعصمه حيث لا يكون عمه بما شاء لا معقب لحكمه.
وقال يونس بن بكير: حدثني محمد بن إسحاق حدثني رجل من أهل مصر قديما منذ بضعا وأربعين سنة عن عكرمة عن ابن عباس في قصة طويلة جرت بين مشركي مكة وبين رسول الله ﷺ فلما قام رسول الله قال أبو جهل بن هشام: يا معشر قريش إن محمدا قد أبى إلا ما ترون من عيب ديننا،
стр. 736
وشتم آبائنا وتسفيه أحلامنا، وسب آلهتنا وانى أعاهد الله لأجلس له غدا بحجر فإذا سجد في صلاته فضخت به رأسه فليصنع بعد ذلك بنو عبد مناف ما بدا لهم، فلما أصبح أبو جهل لعنه الله أخذ حجرا ثم جلس لرسول الله ﷺ ينتظره، وغدا رسول الله ﷺ كما كان يغدو، وكان قبلته الشام.
فكان إذا صلّى صلّى بين الركنين الأسود واليماني، وجعل الكعبة بينه وبين الشام. فقام رسول الله ﷺ يصلّى، وقد غدت قريش فجلسوا في أنديتهم ينتظرون، فلما سجد رسول الله ﷺ احتمل أبو جهل الحجر ثم أقبل نحوه حتى إذا دنا منه رجع منبهتا ممتقعا لونه مرعوبا قد يبست يداه على حجره، حتى قذف الحجر من يده، وقامت اليه رجال من قريش. فقالوا له: ما بك يا أبا الحكم؟ فقال قمت اليه لأفعل ما قلت لكم البارحة فلما دنوت منه عرض لي دونه فحل من الإبل والله ما رأيت مثل هامته، ولا قصرته (١)، ولا أنيابه لفحل قط فهم أن يأكلنى.
قال ابن إسحاق:
فذكر لي أن رسول الله ﷺ قال: «ذلك جبريل، ولو دنا منه لأخذه».
وقال البيهقي: أخبرنا أبو عبد الله الحافظ أخبرنى أبو النضر الفقيه حدثنا عثمان الدارميّ حدثنا عبد الله بن صالح حدثنا الليث بن سعد عن إسحاق بن عبد الله ابن أبى فروة عن أبان بن صالح عن على بن عبد الله بن عباس عن أبيه عن عباس بن عبد المطلب. قال: كنت يوما في المسجد فاقبل أبو جهل - لعنه الله - فقال: إن لله على إن رأيت محمدا ساجدا أن أطأ على رقبته، فخرجت على رسول الله ﷺ حتى دخلت عليه فأخبرته بقول أبى جهل، فخرج غضبانا حتى جاء المسجد فعجل أن يدخل من الباب فاقتحم الحائط. فقلت هذا يوم شر، فاتزرت ثم اتبعته فدخل رسول الله ﷺ فقرأ ﴿اِقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ * خَلَقَ الْإِنْسانَ مِنْ عَلَقٍ﴾ فلما بلغ شأن أبى جهل ﴿كَلاّ إِنَّ الْإِنْسانَ لَيَطْغى * أَنْ رَآهُ اِسْتَغْنى﴾ فقال إنسان لأبي جهل: يا أبا الحكم هذا محمد؟ فقال أبو جهل ألا ترون ما أرى؟ والله لقد سد أفق السماء على فلما بلغ رسول الله ﷺ آخر السورة سجد.
وقال الامام احمد حدثنا عبد الرزاق أخبرنا معمر عن عبد الكريم عن عكرمة قال قال ابن عباس: قال أبو جهل لئن رأيت محمدا يصلّى عند الكعبة لأطأن على عنقه، فبلغ ذلك رسول الله ﷺ فقال: «لو فعل لأخذته الملائكة عيانا». ورواه البخاري عن يحيى عن عبد الرزاق به. قال داود بن أبى هند عن عكرمة عن ابن عباس. قال، مر أبو جهل بالنبيّ ﷺ وهو يصلّى. فقال: ألم أنهك أن تصلّى يا محمد؟ لقد علمت ما بها أحد أكثر ناديا منى، فانتهره النبي ﷺ . فقال جبريل: ﴿فَلْيَدْعُ نادِيَهُ * سَنَدْعُ الزَّبانِيَةَ﴾ والله لو دعا ناديه لأخذته زبانية العذاب. رواه أحمد والترمذي وصححه النسائي من طريق داود به.
وقال الامام أحمد حدثنا إسماعيل بن يزيد أبو زيد حدثنا فرات عن عبد الكريم عن
стр. 737
عكرمة عن ابن عباس. قال قال أبو جهل: لئن رأيت محمدا عند الكعبة يصلّى لأتيته حتى أطأ عنقه، قال فقال: «لو فعل لاخذته الزبانية عيانا». وقال أبو جعفر بن جرير حدثنا ابن حميد حدثنا يحيى بن واضح حدثنا يونس بن أبى إسحاق عن الوليد بن العيزار عن ابن عباس. قال قال: أبو جهل لئن عاد محمد يصلّى عند المقام لأقتلنه، فانزل الله تعالى ﴿اِقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ﴾ حتى بلغ من الآية ﴿لَنَسْفَعاً بِالنّاصِيَةِ * ناصِيَةٍ كاذِبَةٍ خاطِئَةٍ * فَلْيَدْعُ نادِيَهُ * سَنَدْعُ الزَّبانِيَةَ﴾. فجاء النبي ﷺ يصلّى فقيل ما يمنعك؟ قال: قد اسود ما بيني وبينه من الكتائب. قال ابن عباس: والله لو تحرك لاخذته الملائكة والناس ينظرون اليه.
وقال ابن جرير حدثنا ابن عبد الأعلى حدثنا المعتمر عن أبيه عن نعيم بن أبى هند عن أبى حازم عن أبى هريرة. قال قال أبو جهل: هل يعفر محمد وجهه بين أظهركم؟ قالوا نعم! قال فقال واللات والعزى لئن رأيته يصلّى كذلك لأطأن على رقبته، ولأعفرن وجهه بالتراب. فأتى رسول الله ﷺ وهو يصلّى ليطأ على رقبته. قال فما فجئهم منه إلا وهو ينكص على عقبيه، ويتقى بيديه، قال فقيل له ما لك؟ قال ابن بيني وبينه خندقا من نار وهو لا وأجنحة.
قال فقال رسول الله ﷺ : «لو دنا منى لاختطفته الملائكة عضوا عضوا». قال وأنزل الله تعالى - لا أدرى في حديث أبى هريرة أم لا - ﴿كَلاّ إِنَّ الْإِنْسانَ لَيَطْغى * أَنْ رَآهُ اِسْتَغْنى﴾ الى آخر السورة وقد رواه احمد ومسلم والنسائي وابن أبى حاتم والبيهقي من حديث معتمر بن سليمان بن طرخان التيمي به.
وقال الامام احمد حدثنا وهب بن جرير حدثنا شعبة عن أبى إسحاق عن عمرو بن ميمون عن عبد الله. قال: ما رأيت رسول الله ﷺ دعا على قريش غير يوم واحد، فإنه كان يصلّى ورهط من قريش جلوس، وسلا جزور قريب منه. فقالوا: من يأخذ هذا السلا فيلقيه على ظهره؟ فقال عقبة ابن أبى معيط أنا، فأخذه فألقاه على ظهره. فلم يزل ساجدا حتى جاءت فاطمة فأخذته عن ظهره.
فقال رسول الله ﷺ : «اللهمّ عليك بهذا الملأ من قريش، اللهمّ عليك بعتبة بن ربيعة، اللهمّ عليك بشيبة بن ربيعة، اللهمّ عليك بابي جهل بن هشام، اللهمّ عليك بعقبة بن أبى معيط، اللهمّ عليك بابي بن خلف - أو أمية بن خلف -» شعبة الشاك قال عبد الله: فلقد رأيتهم قتلوا يوم بدر جميعا، ثم سحبوا إلى القليب غير أبى - أو أمية بن خلف - فإنه كان رجلا ضخما فتقطع. وقد رواه البخاري في مواضع متعددة من صحيحه ومسلم من طرق عن ابن إسحاق به. والصواب أمية بن خلف فإنه الّذي قتل يوم بدر، وأخوه أبى إنما قتل يوم أحد كما سيأتي بيانه - والسلا هو الّذي يخرج مع ولد الناقة كالمشيمة لولد المرأة. وفي بعض ألفاظ الصحيح أنهم لما فعلوا ذلك استضحكوا حتى جعل بعضهم يميل على بعض، أي يميل هذا على هذا من شدة الضحك لعنهم الله. وفيه أن فاطمة لما ألقته عنه أقبلت عليهم فسبتهم، وأنه ﷺ لما فرغ من صلاته رفع يديه يدعو عليهم، فلما
стр. 738
رأوا ذلك سكن عنهم الضحك، وخافوا دعوته، وأنه ﷺ دعا على الملأ منهم جملة وعين في دعائه سبعة. وقع في أكثر الروايات تسمية ستة منهم: وهم عتبة، وأخوه شيبة ابنا ربيعة، والوليد بن عتبة، وأبو جهل بن هشام، وعقبة بن أبى معيط، وأمية بن خلف. قال ابن إسحاق: ونسيت السابع. قلت: وهو عمارة بن الوليد وقع تسميته في صحيح البخاري.
قصة الإراشي (١)
قال يونس بن بكير عن محمد بن إسحاق حدثنا عبد الملك بن أبى سفيان الثقفي. قال: قدم رجل من إراش بإبل له الى مكة فابتاعها منه أبو جهل بن هشام، فمطله بأثمانها. فاقبل الإراشي حتى وقف على نادي قريش ورسول الله ﷺ جالس في ناحية المسجد. فقال: يا معشر قريش من رجل يعدينى على أبى الحكم بن هشام فانى غريب وابن سبيل، وقد غلبني على حقي؟ فقال أهل المجلس ترى ذلك - يهزون به (٢) إلى رسول الله ﷺ لما يعلمون ما بينه وبين أبى جهل من العداوة، اذهب اليه فهو يعديك عليه (٣). فاقبل الإراشي حتى وقف على رسول الله ﷺ فذكر ذلك له، فقام معه. فلما رأوه قام معه قالوا لرجل ممن معهم اتبعه فانظر ما يصنع؟ فخرج رسول الله ﷺ حتى جاءه فضرب عليه بابه. فقال: من هذا؟ قال محمد فاخرج! فخرج اليه وما في وجهه قطرة دم، وقد انتقع لونه. فقال: أعط هذا الرجل حقه، قال لا تبرح حتى أعطيه الّذي له. قال فدخل فخرج إليه بحقه فدفعه اليه، ثم انصرف رسول الله ﷺ وقال للاراشى الحق لشأنك. فاقبل الإراشي حتى وقف على ذلك المجلس فقال جزاه الله خيرا، فقد أخذت الّذي لي، وجاء الرجل الّذي بعثوا معه فقالوا ويحك ماذا رأيت؟ قال عجبا من العجب، والله ما هو إلا أن ضرب عليه بابه فخرج وما معه روحه فقال: أعط هذا الرجل حقه. فقال: نعم! لا تبرح حتى أخرج اليه حقه، فدخل فأخرج اليه حقه فأعطاه. ثم لم يلبث أن جاء أبو جهل فقالوا له ويلك ما لك فو الله ما رأينا مثل ما صنعت؟ فقال:
ويحكم والله ما هو إلا أن ضرب على بابي وسمعت صوته فملئت رعبا، ثم خرجت اليه وإن فوق رأسه لفحلا من الإبل ما رأيت مثل هامته، ولا قصرته ولا أنيابه لفحل قط، فو الله لو أبيت لأكلني.
فصل
وقال البخاري حدثنا عياش بن الوليد حدثنا الوليد بن مسلم حدثني الأوزاعي عن يحيى بن أبى
стр. 739
كثير عن محمد بن إبراهيم التيمي حدثني عروة بن الزبير. سألت ابن العاص فقلت: أخبرنى باشد شيء صنعه المشركون برسول الله؟ قال: بينما النبي ﷺ يصلى في حجر الكعبة، إذ أقبل عليه عقبة ابن أبى معيط فوضع ثوبه على عنقه فخنقه خنقا شديدا، فاقبل أبو بكر ﵁ حتى أخذ بمنكبه ودفعه عن النبي ﷺ وقال: ﴿أَتَقْتُلُونَ رَجُلاً أَنْ يَقُولَ رَبِّيَ اللهُ وَقَدْ جاءَكُمْ بِالْبَيِّناتِ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ الآية. تابعه ابن إسحاق قال أخبرنى يحيى بن عروة عن أبيه قال قلت لعبد الله بن عمرو. وقال عبدة عن هشام عن أبيه قال قيل لعمرو بن العاص. وقال محمد بن عمرو عن أبى سلمة حدثني عمرو ابن العاص. قال البيهقي وكذلك رواه سليمان بن بلال عن هشام بن عروة كما رواه عبدة. انفرد به البخاري. وقد رواه في أماكن من صحيحه وصرح في بعضها بعبد الله بن عمرو بن العاص، وهو أشبه لرواية عروة عنه، وكونه عن عمرو أشبه لتقدم هذه القصة. وقد
روى البيهقي عن الحاكم عن الأصم عن احمد بن عبد الجبار عن يونس عن محمد بن إسحاق. حدثني يحيى بن عروة عن أبيه عروة. قال قلت لعبد الله بن عمرو بن العاص: ما أكثر ما رأيت قريشا أصابت من رسول الله ﷺ فيما كانت تظهره من عداوته؟ فقال: لقد رأيتهم وقد اجتمع أشرافهم يوما في الحجر، فذكروا رسول الله ﷺ فقالوا: ما رأينا مثل ما صبرنا عليه من هذا الرجل قط، سفه أحلامنا وشتم آباءنا، وعاب ديننا، وفرق جماعاتنا، وسب آلهتنا، وصرنا منه على أمر عظيم - أو كما قال - قال فبينما هم في ذلك طلع رسول الله ﷺ فاقبل يمشى حتى أستلم الركن، ثم مر بهم طائفا بالبيت فغمزوه ببعض القول، فعرفت ذلك في وجه رسول الله ﷺ فمضى فلما مر بهم الثانية غمزوه بمثلها فعرفتها في وجهه فمضى فمر بهم الثالثة فغمزوه بمثلها. فقال: «أتسمعون يا معشر قريش؟ أما والّذي نفسي بيده لقد جئتكم بالذبح» (١). فأخذت القوم كلمته حتى ما منهم من رجل إلا وكأنما على رأسه طائر وقع حتى أن أشدهم فيه وصاة قبل ذلك ليرفؤه حتى إنه ليقول انصرف أبا القاسم راشدا فما كنت بجهول. فانصرف رسول الله ﷺ حتى إذا كان الغد اجتمعوا في الحجر وأنا معهم، فقال بعضهم لبعض: ذكرتم ما بلغ منكم وما بلغكم عنه. حتى إذا بادأكم بما تكرهون تركتموه. فبينما هم على ذلك طلع رسول الله ﷺ فوثبوا اليه وثبة رجل واحد فأحاطوا به يقولون: أنت الّذي تقول كذا وكذا؟ لما كان يبلغهم من عيب آلهتهم ودينهم، فيقول رسول الله ﷺ : «نعم أنا الّذي أقول ذلك» ولقد رأيت رجلا منهم أخذ بمجامع ردائه، وقام أبو بكر ينكى دونه ويقول: ويلكم ﴿أَتَقْتُلُونَ رَجُلاً أَنْ يَقُولَ رَبِّيَ اللهُ﴾ ثم انصرفوا عنه. فان ذلك لأكبر ما رأيت قريشا بلغت منه قط.
стр. 740
فصل
في تأليب الملأ من قريش على رسول الله ﷺ وأصحابه واجتماعهم بعمه أبى طالب القائم في منعه ونصرته وحرصهم عليه أن يسلمه اليهم فأبى عليهم ذلك بحول الله وقوته.
قال الامام احمد حدثنا وكيع عن حماد بن سلمة عن ثابت عن أنس. قال قال رسول الله ﷺ : «لقد أوذيت في الله وما يؤذى أحد، وأخفت في الله وما يخاف أحد ولقد أتت على ثلاثون من بين يوم وليلة وما لي ولبلال ما يأكله ذو كبد إلا ما يوارى إبط بلال». وأخرجه الترمذي وابن ماجة من حديث حماد بن سلمة به وقال الترمذي حسن صحيح. وقال محمد بن إسحاق: وحدب على رسول الله ﷺ عمه أبو طالب ومنعه وقام دونه، ومضى رسول الله ﷺ على أمر الله مظهرا لدينه لا يرده عنه شيء، فلما رأت قريش أن رسول الله ﷺ لا يعتبهم من شيء أنكروه عليه من فراقهم وعيب آلهتهم، ورأوا أن عمه أبو طالب قد حدب عليه وقام دونه فلم يسلمه لهم، مشى رجال من أشراف قريش إلى أبى طالب، عتبة وشيبة ابنا ربيعة بن عبد شمس بن عبد مناف بن قصي، وأبو سفيان صخر بن حرب بن أمية بن عبد شمس، وأبو البختري - واسمه العاص بن هشام بن الحارث بن أسد بن عبد العزى بن قصي، والأسود بن المطلب بن أسد بن عبد العزى، وأبو جهل - واسمه عمرو بن هشام بن المغيرة بن عبد الله بن عمر بن مخزوم، والوليد بن المغيرة بن عبد الله بن عمر بن مخزوم بن يقظة بن مرة بن كعب بن لؤيّ، ونبيه ومنبه، ابنا الحجاج بن عامر بن حذيفة ابن سعيد بن سهم بن عمرو بن هصيص بن كعب بن لؤيّ، والعاص بن وائل بن سعيد بن سهم.
قال ابن إسحاق أو من مشى منهم فقالوا: يا أبا طالب إن ابن أخيك قد سب آلهتنا، وعاب ديننا وسفه أحلامنا، وضلل آباءنا، فاما أن تكفه عنا وأما أن تخلى بيننا وبينه فإنك على مثل ما نحن عليه من خلافه فنكفيكه؟ فقال لهم أبو طالب: قولا رفيقا، وردهم ردا جميلا فانصرفوا عنه ومضى رسول الله ﷺ على ما هو عليه، يظهر دين الله ويدعو اليه، ثم سرى الأمر بينهم وبينه حتى تباعد الرجال وتضاغنوا. وأكثرت قريش ذكر رسول الله ﷺ بينها فتذامروا فيه وحض بعضهم بعضا عليه، ثم أنهم مشوا الى أبى طالب مرة أخرى. فقالوا: يا أبا طالب ان لك سنا وشرفا ومنزلة فينا وإنا قد استنهيناك من ابن أخيك فلم تنهه عنا، وانا والله لا نصبر على هذا من شتم آبائنا، وتسفيه أحلامنا، وعيب آلهتنا حتى تكفه عنا أو ننازله وإياك في ذلك حتى يهلك أحد الفريقين - أو كما قالوا - ثم انصرفوا عنه فعظم على أبى طالب فراق قومه وعداوتهم ولم يطب نفسا بإسلام رسول الله ﷺ ولا خذلانه.