← История

История · id 23708

البداية والنهاية - ط السعادة

ابن كثير

Полный текст (4 918 стр.). Показаны 736–775 · переход к 741.

стр. 736

وشتم آبائنا وتسفيه أحلامنا، وسب آلهتنا وانى أعاهد الله لأجلس له غدا بحجر فإذا سجد في صلاته فضخت به رأسه فليصنع بعد ذلك بنو عبد مناف ما بدا لهم، فلما أصبح أبو جهل لعنه الله أخذ حجرا ثم جلس لرسول الله ﷺ ينتظره، وغدا رسول الله ﷺ كما كان يغدو، وكان قبلته الشام. فكان إذا صلّى صلّى بين الركنين الأسود واليماني، وجعل الكعبة بينه وبين الشام. فقام رسول الله ﷺ يصلّى، وقد غدت قريش فجلسوا في أنديتهم ينتظرون، فلما سجد رسول الله ﷺ احتمل أبو جهل الحجر ثم أقبل نحوه حتى إذا دنا منه رجع منبهتا ممتقعا لونه مرعوبا قد يبست يداه على حجره، حتى قذف الحجر من يده، وقامت اليه رجال من قريش. فقالوا له: ما بك يا أبا الحكم؟ فقال قمت اليه لأفعل ما قلت لكم البارحة فلما دنوت منه عرض لي دونه فحل من الإبل والله ما رأيت مثل هامته، ولا قصرته (١)، ولا أنيابه لفحل قط فهم أن يأكلنى. قال ابن إسحاق: فذكر لي أن رسول الله ﷺ قال: «ذلك جبريل، ولو دنا منه لأخذه». وقال البيهقي: أخبرنا أبو عبد الله الحافظ أخبرنى أبو النضر الفقيه حدثنا عثمان الدارميّ حدثنا عبد الله بن صالح حدثنا الليث بن سعد عن إسحاق بن عبد الله ابن أبى فروة عن أبان بن صالح عن على بن عبد الله بن عباس عن أبيه عن عباس بن عبد المطلب. قال: كنت يوما في المسجد فاقبل أبو جهل - لعنه الله - فقال: إن لله على إن رأيت محمدا ساجدا أن أطأ على رقبته، فخرجت على رسول الله ﷺ حتى دخلت عليه فأخبرته بقول أبى جهل، فخرج غضبانا حتى جاء المسجد فعجل أن يدخل من الباب فاقتحم الحائط. فقلت هذا يوم شر، فاتزرت ثم اتبعته فدخل رسول الله ﷺ فقرأ ﴿اِقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ * خَلَقَ الْإِنْسانَ مِنْ عَلَقٍ﴾ فلما بلغ شأن أبى جهل ﴿كَلاّ إِنَّ الْإِنْسانَ لَيَطْغى * أَنْ رَآهُ اِسْتَغْنى﴾ فقال إنسان لأبي جهل: يا أبا الحكم هذا محمد؟ فقال أبو جهل ألا ترون ما أرى؟ والله لقد سد أفق السماء على فلما بلغ رسول الله ﷺ آخر السورة سجد. وقال الامام احمد حدثنا عبد الرزاق أخبرنا معمر عن عبد الكريم عن عكرمة قال قال ابن عباس: قال أبو جهل لئن رأيت محمدا يصلّى عند الكعبة لأطأن على عنقه، فبلغ ذلك رسول الله ﷺ فقال: «لو فعل لأخذته الملائكة عيانا». ورواه البخاري عن يحيى عن عبد الرزاق به. قال داود بن أبى هند عن عكرمة عن ابن عباس. قال، مر أبو جهل بالنبيّ ﷺ وهو يصلّى. فقال: ألم أنهك أن تصلّى يا محمد؟ لقد علمت ما بها أحد أكثر ناديا منى، فانتهره النبي ﷺ . فقال جبريل: ﴿فَلْيَدْعُ نادِيَهُ * سَنَدْعُ الزَّبانِيَةَ﴾ والله لو دعا ناديه لأخذته زبانية العذاب. رواه أحمد والترمذي وصححه النسائي من طريق داود به. وقال الامام أحمد حدثنا إسماعيل بن يزيد أبو زيد حدثنا فرات عن عبد الكريم عن

стр. 737

عكرمة عن ابن عباس. قال قال أبو جهل: لئن رأيت محمدا عند الكعبة يصلّى لأتيته حتى أطأ عنقه، قال فقال: «لو فعل لاخذته الزبانية عيانا». وقال أبو جعفر بن جرير حدثنا ابن حميد حدثنا يحيى بن واضح حدثنا يونس بن أبى إسحاق عن الوليد بن العيزار عن ابن عباس. قال قال: أبو جهل لئن عاد محمد يصلّى عند المقام لأقتلنه، فانزل الله تعالى ﴿اِقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ﴾ حتى بلغ من الآية ﴿لَنَسْفَعاً بِالنّاصِيَةِ * ناصِيَةٍ كاذِبَةٍ خاطِئَةٍ * فَلْيَدْعُ نادِيَهُ * سَنَدْعُ الزَّبانِيَةَ﴾. فجاء النبي ﷺ يصلّى فقيل ما يمنعك؟ قال: قد اسود ما بيني وبينه من الكتائب. قال ابن عباس: والله لو تحرك لاخذته الملائكة والناس ينظرون اليه. وقال ابن جرير حدثنا ابن عبد الأعلى حدثنا المعتمر عن أبيه عن نعيم بن أبى هند عن أبى حازم عن أبى هريرة. قال قال أبو جهل: هل يعفر محمد وجهه بين أظهركم؟ قالوا نعم! قال فقال واللات والعزى لئن رأيته يصلّى كذلك لأطأن على رقبته، ولأعفرن وجهه بالتراب. فأتى رسول الله ﷺ وهو يصلّى ليطأ على رقبته. قال فما فجئهم منه إلا وهو ينكص على عقبيه، ويتقى بيديه، قال فقيل له ما لك؟ قال ابن بيني وبينه خندقا من نار وهو لا وأجنحة. قال فقال رسول الله ﷺ : «لو دنا منى لاختطفته الملائكة عضوا عضوا». قال وأنزل الله تعالى - لا أدرى في حديث أبى هريرة أم لا - ﴿كَلاّ إِنَّ الْإِنْسانَ لَيَطْغى * أَنْ رَآهُ اِسْتَغْنى﴾ الى آخر السورة وقد رواه احمد ومسلم والنسائي وابن أبى حاتم والبيهقي من حديث معتمر بن سليمان بن طرخان التيمي به. وقال الامام احمد حدثنا وهب بن جرير حدثنا شعبة عن أبى إسحاق عن عمرو بن ميمون عن عبد الله. قال: ما رأيت رسول الله ﷺ دعا على قريش غير يوم واحد، فإنه كان يصلّى ورهط من قريش جلوس، وسلا جزور قريب منه. فقالوا: من يأخذ هذا السلا فيلقيه على ظهره؟ فقال عقبة ابن أبى معيط أنا، فأخذه فألقاه على ظهره. فلم يزل ساجدا حتى جاءت فاطمة فأخذته عن ظهره. فقال رسول الله ﷺ : «اللهمّ عليك بهذا الملأ من قريش، اللهمّ عليك بعتبة بن ربيعة، اللهمّ عليك بشيبة بن ربيعة، اللهمّ عليك بابي جهل بن هشام، اللهمّ عليك بعقبة بن أبى معيط، اللهمّ عليك بابي بن خلف - أو أمية بن خلف -» شعبة الشاك قال عبد الله: فلقد رأيتهم قتلوا يوم بدر جميعا، ثم سحبوا إلى القليب غير أبى - أو أمية بن خلف - فإنه كان رجلا ضخما فتقطع. وقد رواه البخاري في مواضع متعددة من صحيحه ومسلم من طرق عن ابن إسحاق به. والصواب أمية بن خلف فإنه الّذي قتل يوم بدر، وأخوه أبى إنما قتل يوم أحد كما سيأتي بيانه - والسلا هو الّذي يخرج مع ولد الناقة كالمشيمة لولد المرأة. وفي بعض ألفاظ الصحيح أنهم لما فعلوا ذلك استضحكوا حتى جعل بعضهم يميل على بعض، أي يميل هذا على هذا من شدة الضحك لعنهم الله. وفيه أن فاطمة لما ألقته عنه أقبلت عليهم فسبتهم، وأنه ﷺ لما فرغ من صلاته رفع يديه يدعو عليهم، فلما

стр. 738

رأوا ذلك سكن عنهم الضحك، وخافوا دعوته، وأنه ﷺ دعا على الملأ منهم جملة وعين في دعائه سبعة. وقع في أكثر الروايات تسمية ستة منهم: وهم عتبة، وأخوه شيبة ابنا ربيعة، والوليد بن عتبة، وأبو جهل بن هشام، وعقبة بن أبى معيط، وأمية بن خلف. قال ابن إسحاق: ونسيت السابع. قلت: وهو عمارة بن الوليد وقع تسميته في صحيح البخاري. قصة الإراشي (١) قال يونس بن بكير عن محمد بن إسحاق حدثنا عبد الملك بن أبى سفيان الثقفي. قال: قدم رجل من إراش بإبل له الى مكة فابتاعها منه أبو جهل بن هشام، فمطله بأثمانها. فاقبل الإراشي حتى وقف على نادي قريش ورسول الله ﷺ جالس في ناحية المسجد. فقال: يا معشر قريش من رجل يعدينى على أبى الحكم بن هشام فانى غريب وابن سبيل، وقد غلبني على حقي؟ فقال أهل المجلس ترى ذلك - يهزون به (٢) إلى رسول الله ﷺ لما يعلمون ما بينه وبين أبى جهل من العداوة، اذهب اليه فهو يعديك عليه (٣). فاقبل الإراشي حتى وقف على رسول الله ﷺ فذكر ذلك له، فقام معه. فلما رأوه قام معه قالوا لرجل ممن معهم اتبعه فانظر ما يصنع؟ فخرج رسول الله ﷺ حتى جاءه فضرب عليه بابه. فقال: من هذا؟ قال محمد فاخرج! فخرج اليه وما في وجهه قطرة دم، وقد انتقع لونه. فقال: أعط هذا الرجل حقه، قال لا تبرح حتى أعطيه الّذي له. قال فدخل فخرج إليه بحقه فدفعه اليه، ثم انصرف رسول الله ﷺ وقال للاراشى الحق لشأنك. فاقبل الإراشي حتى وقف على ذلك المجلس فقال جزاه الله خيرا، فقد أخذت الّذي لي، وجاء الرجل الّذي بعثوا معه فقالوا ويحك ماذا رأيت؟ قال عجبا من العجب، والله ما هو إلا أن ضرب عليه بابه فخرج وما معه روحه فقال: أعط هذا الرجل حقه. فقال: نعم! لا تبرح حتى أخرج اليه حقه، فدخل فأخرج اليه حقه فأعطاه. ثم لم يلبث أن جاء أبو جهل فقالوا له ويلك ما لك فو الله ما رأينا مثل ما صنعت؟ فقال: ويحكم والله ما هو إلا أن ضرب على بابي وسمعت صوته فملئت رعبا، ثم خرجت اليه وإن فوق رأسه لفحلا من الإبل ما رأيت مثل هامته، ولا قصرته ولا أنيابه لفحل قط، فو الله لو أبيت لأكلني. فصل وقال البخاري حدثنا عياش بن الوليد حدثنا الوليد بن مسلم حدثني الأوزاعي عن يحيى بن أبى

стр. 739

كثير عن محمد بن إبراهيم التيمي حدثني عروة بن الزبير. سألت ابن العاص فقلت: أخبرنى باشد شيء صنعه المشركون برسول الله؟ قال: بينما النبي ﷺ يصلى في حجر الكعبة، إذ أقبل عليه عقبة ابن أبى معيط فوضع ثوبه على عنقه فخنقه خنقا شديدا، فاقبل أبو بكر ﵁ حتى أخذ بمنكبه ودفعه عن النبي ﷺ وقال: ﴿أَتَقْتُلُونَ رَجُلاً أَنْ يَقُولَ رَبِّيَ اللهُ وَقَدْ جاءَكُمْ بِالْبَيِّناتِ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ الآية. تابعه ابن إسحاق قال أخبرنى يحيى بن عروة عن أبيه قال قلت لعبد الله بن عمرو. وقال عبدة عن هشام عن أبيه قال قيل لعمرو بن العاص. وقال محمد بن عمرو عن أبى سلمة حدثني عمرو ابن العاص. قال البيهقي وكذلك رواه سليمان بن بلال عن هشام بن عروة كما رواه عبدة. انفرد به البخاري. وقد رواه في أماكن من صحيحه وصرح في بعضها بعبد الله بن عمرو بن العاص، وهو أشبه لرواية عروة عنه، وكونه عن عمرو أشبه لتقدم هذه القصة. وقد روى البيهقي عن الحاكم عن الأصم عن احمد بن عبد الجبار عن يونس عن محمد بن إسحاق. حدثني يحيى بن عروة عن أبيه عروة. قال قلت لعبد الله بن عمرو بن العاص: ما أكثر ما رأيت قريشا أصابت من رسول الله ﷺ فيما كانت تظهره من عداوته؟ فقال: لقد رأيتهم وقد اجتمع أشرافهم يوما في الحجر، فذكروا رسول الله ﷺ فقالوا: ما رأينا مثل ما صبرنا عليه من هذا الرجل قط، سفه أحلامنا وشتم آباءنا، وعاب ديننا، وفرق جماعاتنا، وسب آلهتنا، وصرنا منه على أمر عظيم - أو كما قال - قال فبينما هم في ذلك طلع رسول الله ﷺ فاقبل يمشى حتى أستلم الركن، ثم مر بهم طائفا بالبيت فغمزوه ببعض القول، فعرفت ذلك في وجه رسول الله ﷺ فمضى فلما مر بهم الثانية غمزوه بمثلها فعرفتها في وجهه فمضى فمر بهم الثالثة فغمزوه بمثلها. فقال: «أتسمعون يا معشر قريش؟ أما والّذي نفسي بيده لقد جئتكم بالذبح» (١). فأخذت القوم كلمته حتى ما منهم من رجل إلا وكأنما على رأسه طائر وقع حتى أن أشدهم فيه وصاة قبل ذلك ليرفؤه حتى إنه ليقول انصرف أبا القاسم راشدا فما كنت بجهول. فانصرف رسول الله ﷺ حتى إذا كان الغد اجتمعوا في الحجر وأنا معهم، فقال بعضهم لبعض: ذكرتم ما بلغ منكم وما بلغكم عنه. حتى إذا بادأكم بما تكرهون تركتموه. فبينما هم على ذلك طلع رسول الله ﷺ فوثبوا اليه وثبة رجل واحد فأحاطوا به يقولون: أنت الّذي تقول كذا وكذا؟ لما كان يبلغهم من عيب آلهتهم ودينهم، فيقول رسول الله ﷺ : «نعم أنا الّذي أقول ذلك» ولقد رأيت رجلا منهم أخذ بمجامع ردائه، وقام أبو بكر ينكى دونه ويقول: ويلكم ﴿أَتَقْتُلُونَ رَجُلاً أَنْ يَقُولَ رَبِّيَ اللهُ﴾ ثم انصرفوا عنه. فان ذلك لأكبر ما رأيت قريشا بلغت منه قط.

стр. 740

فصل في تأليب الملأ من قريش على رسول الله ﷺ وأصحابه واجتماعهم بعمه أبى طالب القائم في منعه ونصرته وحرصهم عليه أن يسلمه اليهم فأبى عليهم ذلك بحول الله وقوته. قال الامام احمد حدثنا وكيع عن حماد بن سلمة عن ثابت عن أنس. قال قال رسول الله ﷺ : «لقد أوذيت في الله وما يؤذى أحد، وأخفت في الله وما يخاف أحد ولقد أتت على ثلاثون من بين يوم وليلة وما لي ولبلال ما يأكله ذو كبد إلا ما يوارى إبط بلال». وأخرجه الترمذي وابن ماجة من حديث حماد بن سلمة به وقال الترمذي حسن صحيح. وقال محمد بن إسحاق: وحدب على رسول الله ﷺ عمه أبو طالب ومنعه وقام دونه، ومضى رسول الله ﷺ على أمر الله مظهرا لدينه لا يرده عنه شيء، فلما رأت قريش أن رسول الله ﷺ لا يعتبهم من شيء أنكروه عليه من فراقهم وعيب آلهتهم، ورأوا أن عمه أبو طالب قد حدب عليه وقام دونه فلم يسلمه لهم، مشى رجال من أشراف قريش إلى أبى طالب، عتبة وشيبة ابنا ربيعة بن عبد شمس بن عبد مناف بن قصي، وأبو سفيان صخر بن حرب بن أمية بن عبد شمس، وأبو البختري - واسمه العاص بن هشام بن الحارث بن أسد بن عبد العزى بن قصي، والأسود بن المطلب بن أسد بن عبد العزى، وأبو جهل - واسمه عمرو بن هشام بن المغيرة بن عبد الله بن عمر بن مخزوم، والوليد بن المغيرة بن عبد الله بن عمر بن مخزوم بن يقظة بن مرة بن كعب بن لؤيّ، ونبيه ومنبه، ابنا الحجاج بن عامر بن حذيفة ابن سعيد بن سهم بن عمرو بن هصيص بن كعب بن لؤيّ، والعاص بن وائل بن سعيد بن سهم. قال ابن إسحاق أو من مشى منهم فقالوا: يا أبا طالب إن ابن أخيك قد سب آلهتنا، وعاب ديننا وسفه أحلامنا، وضلل آباءنا، فاما أن تكفه عنا وأما أن تخلى بيننا وبينه فإنك على مثل ما نحن عليه من خلافه فنكفيكه؟ فقال لهم أبو طالب: قولا رفيقا، وردهم ردا جميلا فانصرفوا عنه ومضى رسول الله ﷺ على ما هو عليه، يظهر دين الله ويدعو اليه، ثم سرى الأمر بينهم وبينه حتى تباعد الرجال وتضاغنوا. وأكثرت قريش ذكر رسول الله ﷺ بينها فتذامروا فيه وحض بعضهم بعضا عليه، ثم أنهم مشوا الى أبى طالب مرة أخرى. فقالوا: يا أبا طالب ان لك سنا وشرفا ومنزلة فينا وإنا قد استنهيناك من ابن أخيك فلم تنهه عنا، وانا والله لا نصبر على هذا من شتم آبائنا، وتسفيه أحلامنا، وعيب آلهتنا حتى تكفه عنا أو ننازله وإياك في ذلك حتى يهلك أحد الفريقين - أو كما قالوا - ثم انصرفوا عنه فعظم على أبى طالب فراق قومه وعداوتهم ولم يطب نفسا بإسلام رسول الله ﷺ ولا خذلانه.

стр. 741

قال ابن إسحاق: وحدثني يعقوب بن عتبة بن المغيرة بن الأخنس أنه حدث أن قريشا حين قالوا لأبى طالب هذه المقالة بعث إلى رسول الله ﷺ فقال له: يا ابن أخى إن قومك قد جاءوني فقالوا كذا وكذا الّذي قالوا له، فابق عليّ وعلى نفسك ولا تحملني من الأمر ما لا أطيق، قال فظن رسول الله ﷺ أنه قد بدا لعمه فيه بدو وانه خاذله ومسلمه، وانه قد ضعف عن نصرته والقيام معه قال فقال له رسول الله ﷺ : «يا عم والله لو وضعوا الشمس في يميني، والقمر في يسارى على أن أترك هذا الأمر حتى يظهره الله، أو أهلك فيه ما تركته» قال ثم استعبر رسول الله ﷺ فبكى ثم قام، فلما ولى ناداه أبو طالب. فقال: أقبل يا بن أخى، فاقبل عليه رسول الله ﷺ . فقال: اذهب يا بن أخى فقل ما أحببت فو الله لا أسلمتك لشيء أبدا. قال ابن إسحاق. ثم إن قريشا حين عرفوا أن أبا طالب قد أبى خذلان رسول الله ﷺ وإسلامه واجماعه لفراقهم في ذلك وعداوته مشوا اليه بعمارة بن الوليد بن المغيرة فقالوا له - فيما بلغني -: يا أبا طالب هذا عمارة بن الوليد أنهد فتى في قريش وأجمله، فخذه فلك عقله ونصره، واتخذه ولدا فهو لك؟ وأسلم إلينا ابن أخيك هذا الّذي قد خالف دينك ودين آبائك، وفرق جماعة قومك، وسفه أحلامنا فنقتله فإنما هو رجل برجل! قال: والله لبئس ما تسوموننى؟ أتعطونني ابنكم أغذوه لكم، وأعطيكم ابني فتقتلونه! هذا والله ما لا يكون أبدا. قال فقال المطعم بن عدي بن نوفل بن عبد مناف بن قصي: والله يا أبا طالب لقد أنصفك قومك وجهدوا على التخلص مما تكره، فما أراك تريد أن تقبل منهم شيئا؟ فقال أبو طالب للمطعم: والله ما أنصفونى، ولكنك قد أجمعت خذلاني ومظاهرة القوم على فاصنع ما بدا لك - أو كما قال - فحقب الأمر، وحميت الحرب، وتنابذ القوم، ونادى بعضهم بعضا. فقال أبو طالب عند ذلك يعرض بالمطعم بن عدي ويعم من خذله من بنى عبد مناف ومن عاداه من قبائل قريش، ويذكر ما سألوه وما تباعد من أمرهم: ألا قل لعمرو والوليد ومطعم … ألا ليت حظي من حياطتكم بكر من الخور حبحاب كثير رغاؤه … يرش على الساقين من بوله قطر تخلف خلف الورد ليس بلاحق … إذ ما علا الفيفاء قيل له وبر أرى أخوينا من أبينا وأمنا … إذا سئلا قالا إلى غيرنا الأمر بلى لهما أمر ولكن تحرجما … كما حرجمت من رأس ذي علق الصخر أخص خصوصا عبد شمس ونوفلا … هما نبذانا مثل ما نبذ الجمر هما أغمزا للقوم في أخويهما … فقد أصبحا منهم أكفهما صفر هما أشركا في المجد من لا أبا له … من الناس إلا أن يرس له ذكر

стр. 742

وتيم ومخزوم وزهرة منهم … وكانوا لنا مولى إذا بغى النصر فو الله لا تنفك منا عداوة … ولا منكم ما دام من نسلنا شفر قال ابن هشام: وتركنا منها بيتين أقذع فيهما (١). فصل في مبالغتهم في الاذية لآحاد المسلمين المستضعفين قال ابن إسحاق: ثم إن قريشا تذامروا بينهم على من في القبائل من أصحاب رسول الله ﷺ الذين أسلموا معه، فوثبت كل قبيلة على من فيها من المسلمين يعذبونهم ويفتنونهم عن دينهم، ومنع الله منهم رسول الله ﷺ بعمه أبى طالب. وقد قام أبو طالب حين رأى قريشا يصنعون ما يصنعون في بنى هاشم وبنى عبد المطلب فدعاهم إلى ما هو عليه من منع رسول الله ﷺ والقيام دونه فاجتمعوا اليه وقاموا معه وأجابوه إلى ما دعاهم إليه، إلا ما كان من أبى لهب عدو الله. فقال في ذلك يمدحهم ويحرضهم على ما وافقوه عليه من الحدب والنصرة لرسول الله ﷺ : إذا اجتمعت يوما قريش لمفخر … فعبد مناف سرها وصميمها وإن حصلت أشراف عبد منافها … ففي هاشم اشرافها وقديمها وإن فخرت يوما فان محمدا … هو المصطفى من سرها وكريمها تداعت قريش غثها وسمينها … علينا فلم تظفر وطاشت حلومها وكنا قديما لا نقر ظلامة … إذ ما ثنوا صعر الرقاب نقيمها وتحمى حماها كل يوم كريهة … ونضرب عن أحجارها من يرومها بنا انتعش العود الزواء وإنما … باكنافنا تندى وتنمى أرومها فصل فيما اعترض به المشركون على رسول الله ﷺ ، وما تعنتوا له في أسئلتهم إياه أنواعا من الآيات وخرق العادات على وجه العناد، لا على وجه طلب الهدى والرشاد. فلهذا لم يجابوا إلى كثير مما طلبوا ولا ما اليه رغبوا، لعلم الحق سبحانه أنهم لو عاينوا وشاهدوا ما أرادوا لاستمروا في طغيانهم

стр. 743

يعمهون، ولظلوا في غيهم وضلالهم يتردون. قال الله تعالى: ﴿وَأَقْسَمُوا بِاللهِ جَهْدَ أَيْمانِهِمْ لَئِنْ جاءَتْهُمْ آيَةٌ لَيُؤْمِنُنَّ بِها قُلْ إِنَّمَا الْآياتُ عِنْدَ اللهِ وَما يُشْعِرُكُمْ أَنَّها إِذا جاءَتْ لا يُؤْمِنُونَ، * وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصارَهُمْ كَما لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَنَذَرُهُمْ فِي طُغْيانِهِمْ يَعْمَهُونَ، * وَلَوْ أَنَّنا نَزَّلْنا إِلَيْهِمُ الْمَلائِكَةَ وَكَلَّمَهُمُ الْمَوْتى وَحَشَرْنا عَلَيْهِمْ كُلَّ شَيْءٍ قُبُلاً ما كانُوا لِيُؤْمِنُوا إِلاّ أَنْ يَشاءَ اللهُ وَلكِنَّ أَكْثَرَهُمْ يَجْهَلُونَ﴾. وقال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ حَقَّتْ عَلَيْهِمْ كَلِمَتُ رَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ * وَلَوْ جاءَتْهُمْ كُلُّ آيَةٍ حَتّى يَرَوُا الْعَذابَ الْأَلِيمَ﴾. وقال تعالى: ﴿وَما مَنَعَنا أَنْ نُرْسِلَ بِالْآياتِ إِلاّ أَنْ كَذَّبَ بِهَا الْأَوَّلُونَ وَآتَيْنا ثَمُودَ النّاقَةَ مُبْصِرَةً فَظَلَمُوا بِها وَما نُرْسِلُ بِالْآياتِ إِلاّ تَخْوِيفاً﴾. وقال تعالى ﴿وَقالُوا لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتّى تَفْجُرَ لَنا مِنَ الْأَرْضِ يَنْبُوعاً * أَوْ تَكُونَ لَكَ جَنَّةٌ مِنْ نَخِيلٍ وَعِنَبٍ فَتُفَجِّرَ الْأَنْهارَ خِلالَها تَفْجِيراً، * أَوْ تُسْقِطَ السَّماءَ كَما زَعَمْتَ عَلَيْنا كِسَفاً أَوْ تَأْتِيَ بِاللهِ وَالْمَلائِكَةِ قَبِيلاً، * أَوْ يَكُونَ لَكَ بَيْتٌ مِنْ زُخْرُفٍ أَوْ تَرْقى فِي السَّماءِ وَلَنْ نُؤْمِنَ لِرُقِيِّكَ حَتّى تُنَزِّلَ عَلَيْنا كِتاباً نَقْرَؤُهُ قُلْ سُبْحانَ رَبِّي هَلْ كُنْتُ إِلاّ بَشَراً رَسُولاً﴾ وقد تكلمنا على هذه الآيات وما يشابهها في أماكنها في التفسير ولله الحمد. وقد روى يونس وزياد عن ابن إسحاق عن بعض أهل العلم - وهو شيخ من أهل مصر يقال له محمد بن أبى محمد - عن سعيد بن جبير وعكرمة عن ابن عباس. قال: اجتمع علية من أشراف قريش - وعدّد أسماءهم - بعد غروب الشمس عند ظهر الكعبة، فقال بعضهم لبعض: ابعثوا إلى محمد فكلموه، وخاصموه حتى تعذروا فيه، فبعثوا اليه إن أشراف قومك قد اجتمعوا لك ليكلموك، فجاءهم رسول الله ﷺ سريعا وهو يظن أنه قد بدا لهم في أمره بدء، وكان حريصا يحب رشدهم ويعز عليه عنتهم، حتى جلس اليهم. فقالوا: يا محمد إنا قد بعثنا إليك لنعذر فيك، وإنا والله لا نعلم رجلا من العرب أدخل على قومه ما أدخلت على قومك، لقد شتمت الآباء، وعبت الدين، وسفهت الأحلام، وشتمت الآلهة وفرقت الجماعة، وما بقي من قبيح إلا وقد جئته فيما بيننا وبينك. فان كنت إنما جئت بهذا الحديث تطلب مالا جمعنا لك من أموالنا حتى تكون أكثرنا مالا، وإن كنت إنما تطلب الشرف فينا سودناك علينا، وإن كنت تريد ملكا ملكناك علينا، وإن كان هذا الّذي يأتيك بما يأتيك رئيا تراه قد غلب عليك - وكان يسمون التابع من الجن الرئى - فربما كان ذلك، بذلنا أموالنا في طلب الطب حتى نبرئك منه أو نعذر فيك؟ فقال رسول الله ﷺ : «ما بى ما تقولون، ما جئتكم بما جئتكم به أطلب أموالكم، ولا الشرف فيكم، ولا الملك عليكم، ولكن الله بعثني إليكم رسولا، وانزل على كتابا، وأمرنى أن أكون لكم بشيرا ونذيرا، فبلغتكم رسالة ربى ونصحت لكم، فان تقبلوا منى ما جئتكم به فهو حظكم من الدنيا والآخرة، وإن تردوه على أصبر لأمر الله حتى يحكم الله بيني وبينكم» - أو كما قال رسول الله ﷺ فقالوا يا محمد فان كنت غير قابل منا ما عرضنا عليك

стр. 744

فقد علمت أنه ليس أحد من الناس أضيق بلادا، ولا أقل مالا، ولا أشد عيشا منا. فسل لنا ربك الّذي بعثك بما بعثك به فليسير عنا هذه الجبال التي قد ضيقت علينا، وليبسط لنا بلادنا، وليجر فيها أنهارا كأنهار الشام والعراق، وليبعث لنا من مضى من آبائنا، وليكن فيما يبعث لنا منهم قصي بن كلاب فإنه كان شيخا صدوقا فنسألهم عما تقول أحق هو أم باطل؟ فان فعلت ما سألناك وصدقوك صدقناك وعرفنا به منزلتك عند الله وأنه بعثك رسولا كما تقول. فقال لهم رسول الله ﷺ «ما بهذا بعثت إنما جئتكم من عند الله بما بعثني به فقد بلغتكم ما أرسلت به إليكم، فان تقبلوه فهو حظكم في الدنيا والآخرة، وإن تردوا على أصبر لأمر الله حتى يحكم الله بيني وبينكم» قالوا فان لم تفعل لنا هذا فخذ لنفسك فسل ربك أن يبعث لنا ملكا يصدقك بما تقول، ويراجعنا عنك، وتسأله فيجعل لنا جنانا وكنوزا وقصورا من ذهب وفضة، ويغنيك عما نراك تبتغي فإنك تقوم في الأسواق وتلتمس المعايش كما نلتمسه حتى نعرف فضل منزلتك من ربك إن كنت رسولا كما تزعم، فقال لهم «ما أنا بفاعل، ما أنا بالذي يسأل ربه هذا، وما بعثت إليكم بهذا، ولكن الله بعثني بشيرا ونذيرا فان تقبلوا ما جئتكم به فهو حظكم في الدنيا والآخرة، وإن تردوه على أصبر لأمر الله حتى يحكم الله بيني وبينكم». قالوا فاسقط السماء كما زعمت أن ربك إن شاء فعل، فانا لن نؤمن لك إلا أن تفعل فقال: «ذلك إلى الله إن شاء فعل بكم ذلك» فقالوا يا محمد ما علم ربك أنا سنجلس معك ونسألك عما سألناك عنه، ونطلب منك ما نطلب، فيتقدم إليك ويعلمك ما تراجعنا به، ويخبرك ما هو صانع في ذلك بنا إذا لم نقبل منك ما جئتنا به؟ فقد بلغنا أنه إنما يعلمك هذا رجل باليمامة يقال له الرحمن، وإنا والله لا نؤمن بالرحمن أبدا فقد أعذرنا إليك يا محمد، أما والله لا نتركك وما فعلت بنا حتى نهلكك أو تهلكنا. وقال قائلهم: نحن نعبد الملائكة وهي بنات الله، وقال قائلهم: لن نؤمن لك حتى تأتينا بالله والملائكة قبيلا. فلما قالوا ذلك قام رسول الله ﷺ عنهم وقام معه عبد الله بن أبى أمية بن المغيرة بن عبد الله بن عمر بن مخزوم - وهو ابن عمته عاتكة بنت عبد المطلب - فقال يا محمد عرض عليك قومك ما عرضوا فلم تقبله. ثم سألوك لأنفسهم أمورا ليعرفوا بها منزلتك من الله فلم تفعل، ثم سألوك أن تعجل ما تخوفهم به من العذاب، فو الله لا أو من لك أبدا حتى تتخذ إلى السماء سلما ثم ترقى منه وأنا انظر حتى تأتيها وتأتى معك بنسخة منشورة ومعك أربعة من الملائكة يشهدون لك أنك كما تقول. وأيم الله لو فعلت ذلك لظننت أنى لا أصدقك. ثم انصرف عن رسول الله ﷺ وانصرف رسول الله ﷺ إلى أهله حزينا أسفا لما فاته بما طمع فيه من قومه حين دعوه، ولما رأى من مباعدتهم إياه. وهذا المجلس الّذي اجتمع عليه هؤلاء الملأ مجلس ظلم وعدوان وعناد، ولهذا اقتضت الحكمة الإلهية، والرحمة الربانية، الا يجابوا إلى ما سألوا لأن الله علم أنهم لا يؤمنون

стр. 745

بذلك فيعاجلهم بالعذاب * كما قال الامام احمد حدثنا عثمان بن محمد حدثنا جرير عن الأعمش عن جعفر بن إياس عن سعيد بن جبير عن ابن عباس. قال: سأل أهل مكة رسول الله ﷺ أن يجعل لهم الصفا ذهبا، وأن ينحى عنهم الجبال فيزدرعوا، فقيل له إن شئت أن تستأنى بهم، وإن شئت أن تؤتيهم الّذي سألوا فان كفروا هلكوا كما أهلكت من قبلهم الأمم. قال: «لا بل أستأني بهم» فانزل الله تعالى ﴿وَما مَنَعَنا أَنْ نُرْسِلَ بِالْآياتِ إِلاّ أَنْ كَذَّبَ بِهَا الْأَوَّلُونَ، وَآتَيْنا ثَمُودَ النّاقَةَ مُبْصِرَةً فَظَلَمُوا بِها﴾ الآية. وهكذا رواه النسائي من حديث جرير. وقال أحمد حدثنا عبد الرحمن حدثنا سفيان عن سلمة بن كهيل عن عمران بن حكيم عن ابن عباس. قال قالت قريش للنّبيّ ﷺ : ادع لنا ربك يجعل لنا الصفا ذهبا ونؤمن بك، وقال وتفعلوا؟ قالوا نعم قال فدعا فأتاه جبريل فقال إن ربك يقرأ عليك السلام ويقول لك إن شئت أصبح الصفا لهم ذهبا. فمن كفر منهم بعد ذلك أعذبه عذابا لا أعذبه أحدا من العالمين، وإن شئت فتحت لهم باب الرحمة والتوبة، قال: «بل التوبة والرحمة». وهذان اسنادان جيدان، وقد جاء مرسلا عن جماعة من التابعين منهم سعيد بن جبير وقتادة وابن جريج وغير واحد. وروى الامام احمد والترمذي من حديث عبد الله بن المبارك حدثنا يحيى بن أيوب عن عبيد الله بن زحر عن على بن يزيد عن القاسم عن (١) أبى أمامة عن النبي ﷺ قال: «عرض على ربى أن يجعل لي بطحاء مكة ذهبا، فقلت لا يا رب أشبع يوما وأجوع يوما - أو نحو ذلك - فإذا جعت تضرعت إليك وذكرتك، وإذا شبعت حمدتك وشكرتك» لفظ احمد. وقال الترمذي هذا حديث حسن، وعلى بن يزيد يضعف في الحديث. وقال محمد بن إسحاق: حدثني شيخ من أهل مصر - قدم علينا منذ بضع وأربعين سنة - عن عكرمة عن ابن عباس. قال: بعثت قريش النضر بن الحارث وعقبة بن أبى معيط إلى أحبار يهود بالمدينة، فقالوا لهما سلوهم عن محمد وصفا لهم صفته وأخبراهم بقوله فإنهم أهل الكتاب الأول، وعندهم علم ما ليس عندنا من علم الأنبياء. فخرجا حتى قدما المدينة فسألا أحبار يهود عن رسول الله ﷺ ووصفا لهم أمره وبعض قوله، وقالا إنكم أهل التوراة وقد جئنا كم لتخبرونا عن صاحبنا هذا. قال فقالت لهم أحبار يهود: سلوه عن ثلاث نأمركم بهن فان أخبركم بهن فهو نبي مرسل، وإن لم يفعل فهو رجل مقتول فروا فيه رأيكم، سلوه عن فتية ذهبوا في الدهر الأول ما كان من أمرهم؟ فإنه قد كان لهم حديث عجيب، وسلوه عن رجل طواف طاف مشارق الأرض ومغاربها ما كان [نبؤه]، وسلوه عن الروح ما هي؟ فان أخبركم بذلك فهو نبي فاتبعوه، وإن لم يخبر كم فإنه رجل متقول فاصنعوا في

стр. 746

أمره ما بدا لكم. فاقبل النضر وعقبة حتى قدما على قريش فقالا: يا معشر قريش قد جئنا كم بفصل ما بينكم وبين محمد، قد أمرنا أحبار يهود أن نسأله عن أمور فأخبراهم بها، فجاءوا رسول الله ﷺ فقالوا: يا محمد أخبرنا فسألوه عما أمروهم به. فقال لهم رسول الله ﷺ : «أخبركم غدا بما سألتم عنه» ولم يستثن. فانصرفوا عنه ومكث رسول الله ﷺ خمس عشرة ليلة لا يحدث له في ذلك وحيا، ولا يأتيه جبريل حتى أرجف أهل مكة وقالوا: وعدنا محمد غدا واليوم خمس عشرة ليلة قد أصبحنا فيها لا يخبرنا بشيء مما سألناه عنه، وحتى أحزن رسول الله ﷺ مكث الوحي عنه وشق عليه ما يتكلم به أهل مكة، ثم جاءه جبريل ﵇ من الله بسورة الكهف فيها معاتبته إياه على حزنه عليهم [وخبر] ما سألوه عنه من أمر الفتية والرجل الطواف، وقال الله تعالى ﴿وَيَسْئَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَما أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلاّ قَلِيلاً﴾. وقد تكلمنا على ذلك كله في التفسير مطولا فمن أراده فعليه بكشفه من هناك. ونزل قوله ﴿أَمْ حَسِبْتَ أَنَّ أَصْحابَ الْكَهْفِ وَالرَّقِيمِ كانُوا مِنْ آياتِنا عَجَباً﴾ ثم شرع في تفصيل أمرهم واعترض في الوسط بتعليمه الاستثناء تحقيقا لا تعليقا في قوله ﴿وَلا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فاعِلٌ ذلِكَ غَداً * إِلاّ أَنْ يَشاءَ اللهُ وَاُذْكُرْ رَبَّكَ إِذا نَسِيتَ﴾ ثم ذكر قصة موسى لتعلقها بقصة الخضر، ثم ذي القرنين ثم قال ﴿وَيَسْئَلُونَكَ عَنْ ذِي الْقَرْنَيْنِ قُلْ سَأَتْلُوا عَلَيْكُمْ مِنْهُ ذِكْراً﴾ ثم شرح أمره وحكى خبره. وقال في سورة سبحان ﴿وَيَسْئَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي﴾ أي خلق عجيب من خلقه، وأمر من أمره، قال لها كوني فكانت. وليس لكم الاطلاع على كل ما خلقه، وتصوير حقيقته في نفس الأمر يصعب عليكم بالنسبة إلى قدرة الله تعالى وحكمته، ولهذا قال ﴿وَما أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلاّ قَلِيلاً﴾ وقد ثبت في الصحيحين أن اليهود سألوا عن ذلك رسول الله ﷺ بالمدينة، فتلا عليهم هذه الآية - فاما أنها نزلت مرة ثانية أو ذكرها جوابا - وإن كان نزولها متقدما ومن قال إنها إنما نزلت بالمدينة واستثناها من سورة سبحان ففي قوله نظر، والله أعلم. قال ابن إسحاق: ولما خشي أبو طالب دهم العرب أن يركبوه مع قومه قال قصيدته التي تعوذ فيها بحرم مكة وبمكانه منها، وتودد فيها أشراف قومه وهو على ذلك يخبرهم وغيرهم في شعره أنه غير مسلم لرسول الله ﷺ ، ولا تاركه لشيء أبدا حتى يهلك دونه. فقال: ولما رأيت القوم لاود فيهم … وقد قطعوا كل العرى والوسائل وقد صارحونا بالعداوة والأذى … وقد طاوعوا أمر العدو المزايل وقد حالفوا قوما علينا أظنه … يعضون غيظا خلفنا بالأنامل صبرت لهم نفسي بسمراء سمحة … وأبيض عضب من تراث المقاول وأحضرت عند البيت رهطي وإخوتي … وأمسكت من أثوابه بالوصائل

стр. 747

قياما معا مستقبلين رتاجه … لدى حيث يقضى حلفه كل نافل وحيث ينيخ الأشعرون ركابهم … بمفضى السيول من إساف ونائل موسمة الاعضاد أو قصراتها … مخيمة بين السديس وبازل ترى الودع فيها والرخام وزينة … بأعناقها معقودة كالعثاكل (١) أعوذ برب الناس من كل طاعن … علينا بسوء أو ملح بباطل ومن كاشح يسعى لنا بمعيبة … ومن ملحق في الدين ما لم نحاول وثور ومن أرسى ثبيرا مكانه … وراق ليرقى في حراء ونازل وبالبيت حق البيت من بطن مكة … وبالله إن الله ليس بغافل وبالحجر المسود إذ يمسحونه … إذا اكتنفوه بالضحى والاصائل وموطئ إبراهيم في الصخر رطبة … على قدميه حافيا غير ناعل وأشواط بين المروتين إلى الصفا … وما فيهما من صورة وتماثل ومن حج بيت الله من كل راكب … ومن كل ذي نذر ومن كل راجل وبالمشعر الأقصى إذا عمدوا له … إلال إلى مفضى الشراج القوابل وتوقافهم فوق الجبال عشية … يقيمون بالأيدي صدور الرواحل وليلة جمع والمنازل من منى … وهل فوقها من حرمة ومنازل وجمع إذا ما المقربات أجزنه … سراعا كما يخرجن من وقع وابل وبالجمرة الكبرى إذا صمدوا لها … يؤمون قذفا رأسها بالجنادل وكندة إذ هم بالحصاب عشية … تجيز بهم حجاج بكر بن وائل حليفان شدا عقد ما احتلفا له … وردا عليه عاطفات الوسائل وحطمهم سمر الرماح وسرحه … وشبرقه وخد النعام الجوافل فهل بعد هذا من معاذ لعائذ … وهل من معيذ يتقى الله عادل يطاع بنا أمر العداوة أننا … يسد بنا أبواب ترك وكابل كذبتم وبيت الله نترك مكة … ونظعن الا أمركم في بلابل كذبتم وبيت الله نبذى محمدا … ولمّا نطاعن دونه ونناضل ونسلمه حتى نصرع حوله … ونذهل عن أبنائنا والحلائل وينهض قوم بالحديد إليكم … نهوض الروايا تحت ذات الصلاصل

стр. 748

وحتى نرى ذا الضغن يركب ردعه … من الطعن فعل الأنكب المتحامل وإنا لعمر الله إن جد ما أرى … لتلتبسا أسيافنا بالأماثل بكفى فتى مثل الشهاب سميدع … أخى ثقة حامي الحقيقة باسل شهورا وأياما وحولا محرما … علينا وتأتى حجة بعد قابل وما ترك قوم - لا أبا لك - سيدا … يحوط الذمار غير ذرب مواكل وأبيض يستسقى الغمام بوجهه … ثمال اليتامى عصمة للأرامل يلوذ به الهلاك من آل هاشم … فهم عنده في رحمة وفواضل لعمري لقد أجرى أسيد وبكرة … إلى بغضنا وجزآنا لآكل وعثمان لم يربع علينا وقنفذ … ولكن أطاعا أمر تلك القبائل أطاعا أبيّا وابن عبد يغوثهم … ولم يرقبا فينا مقالة قائل كما قد لقينا من سبيع ونوفل … وكلّ تولى معرضا لم يجامل فان يلفيا أو يمكن الله منهما … نكل لهما صاعا بصاع المكايل وذاك أبو عمرو أبى غير بغضنا … ليظعننا في أهل شاء وجامل يناجي بنا في كل ممسى ومصبح … فناج أبا عمرو بنا ثم خاتل ويؤلى لنا بالله ما أن يغشنا … بلى قد تراه جهرة غير خائل أضاق عليه بغضنا كل تلعة … من الأرض بين أخشب فمجادل وسائل أبا الوليد ماذا حبوتنا … بسعيك فينا معرضا كالمخاتل وكنت امرأ ممن يعاش برأيه … ورحمته فينا ولست بجاهل فعتبة لا تسمع بنا قول كاشح … حسود كذوب مبغض ذي دغاول ومرّ أبو سفيان عنى معرضا … كما مر قيل من عظام المقاول يفر إلى نجد وبرد مياهه … ويزعم أنى لست عنكم بغافل ويخبرنا فعل المناصح أنه … شفيق ويخفى عارمات الدواخل أمطعم لم أخذ لك في يوم نجدة … ولا معظم عند الأمور الجلائل ولا يوم خصم إذ أتوك ألدة … أولى جدل من الخصوم المساجل أمطعم إن القوم ساموك خطة … وإني متى أو كل فلست بوائل جزى الله عنا عبد شمس ونوفلا … عقوبة شر عاجلا غير آجل بميزان قسط لا يخيس شعيرة … له شاهد من نفسه غير عائل

стр. 749

لقد سفهت أحلام قوم تبدلوا … بنى خلف قيضا بنا والغياطل ونحن الصميم من ذؤابة هاشم … وآل قصي في الخطوب الأوائل وسهم ومخزوم تمالوا وألبوا … علينا العدي من كل طمل وخامل فعبد مناف أنتم خير قومكم … فلا تشركوا في أمركم كل واغل لعمري لقد وهنتم وعجزتم … وجئتم بأمر مخطئ للمفاصل وكنتم حديثا حطب قدر وأنتم … الآن حطاب أقدر ومراجل ليهن بنى عبد مناف عقوقنا … وخذلاننا وتركنا في المعاقل فان نك قوما نتئر ما صنعتم … وتحتلبوها لقحة غير باهل [(١) وسائط كانت في لؤيّ بن غالب … نفاهم إلينا كل صقر حلاحل ورهط نفيل شر من وطئ الحصى … والأم حاف من معد وناعل] فأبلغ قصيا أن سينشر أمرنا … وبشر قصيا بعدنا بالتخاذل ولو طرقت ليلا قصيا عظيمة … إذا ما لجأنا دونهم في المداخل ولو صدقوا ضربا خلال بيوتهم … لكنا أسى عند النساء المطافل فكل صديق وابن أخت نعده … لعمري وجدنا غبه غير طائل سوى أن رهطا من كلاب بن مرة … براء إلينا من معقة خاذل [(٢) وهنا لهم حتى تبدد جمعهم … ويحسر عنا كل باغ وجاهل وكان لنا حوض السقاية فيهم … ونحن الكدى من غالب والكواهل شباب من المطيبين وهاشم … كبيض السيوف بين أيدي الصياقل فما أدركوا ذحلا ولا سفكوا دما … ولا حالفوا إلا شرار القبائل بضرب ترى الفتيان فيه كأنهم … ضوارى أسود فوق لحم خرادل بنى أمة محبوبة هند كية … بنى جمح عبيد قيس بن عاقل ولكننا نسل كرام لسادة … بهم نعى الأقوام عند البواطل] ونعم ابن أخت القوم غير مكذب … زهير حساما مفردا من حمائل اشم من الشم البهاليل ينتمى … إلى حسب في حومة المجد فاضل لعمري لقد كلفت وجدا بأحمد … وإخوته دأب المحب المواصل

стр. 750

فمن مثله في الناس أي مؤمل … إذا قاسه الحكام عند التفاضل حليم رشيد عادل غير طائش … يوالي إلها ليس عنه بغافل كريم المساعي ماجد وابن ماجد … له إرث مجد ثابت غير ناصل وأيده رب العباد بنصره … وأظهر دينا حقه غير زائل فو الله لولا أن أجيء بسبة … تجر على أشياخنا في المحافل لكنا تبعنا على كل حالة … من الدهر جدا يغر قول التهازل لقد علموا أنّ ابننا لا مكذب … لدينا ولا يعنى بقول الأباطل فأصبح فينا احمد في أرومة … يقصر عنها سورة المتطاول حدبت بنفسي دونه وحميته … ودافعت عنه بالذرى والكلاكل قال ابن هشام: هذا ما صح لي من هذه القصيدة وبعض أهل العلم بالشعر ينكرأ كثرها. قلت: هذه قصيدة عظيمة بليغة جدا لا يستطيع يقولها إلا من نسبت اليه، وهي أفحل من المعلقات السبع، وابلغ في تأدية المعنى فيها جميعا، وقد أوردها الأموي في مغازيه مطولة بزيادات اخر والله أعلم (١). فصل قال ابن إسحاق: ثم إنهم عدوا على من أسلم واتبع رسول الله ﷺ من أصحابه فوثبت كل قبيلة على من فيها من المسلمين فجعلوا يحبسونهم ويعذبونهم بالضرب والجوع والعطش وبرمضاء مكة إذا اشتد الحر من استضعفوه منهم يفتنونهم عن دينهم، فمنهم من يفتن من شدة البلاء الّذي يصيبهم ومنهم من يصلب لهم ويعصمه الله منهم، فكان بلال مولى أبى بكر لبعض بنى جمح مولدا من مولديهم وهو بلال بن رباح، واسم امه حمامة، وكان صادق الإسلام طاهر القلب، وكان أمية بن خلف يخرجه إذا حميت الظهيرة ثم يأمر بالصخرة العظيمة فتوضع على صدره ثم يقول له: لا والله لا

стр. 751

تزال هكذا حتى تموت أو تكفر بمحمد ﷺ ، وتعبد اللات والعزى فيقول: - وهو في ذلك - أحد أحد. قال ابن إسحاق: فحدثني هشام بن عروة عن أبيه قال كان ورقة بن نوفل يمر به وهو يعذب لذلك وهو يقول أحد أحد، فيقول أحد أحد والله يا بلال، ثم يقبل على أمية بن خلف ومن يصنع ذلك به من بنى جمح فيقول: أحلف بالله لئن قتلتموه على هذا لأتخذنه حنانا. قلت: قد استشكل بعضهم هذا من جهة أن ورقة توفى بعد البعثة في فترة الوحي، وإسلام من أسلم إنما كان بعد نزول ﴿يا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ﴾ فكيف يمر ورقة ببلال، وهو يعذب وفيه نظر. ثم ذكر ابن إسحاق مرور أبى بكر ببلال وهو يعذب، فاشتراه من أمية بعبد له أسود فأعتقه وأراحه من العذاب وذكر مشتراه لجماعة ممن أسلم من العبيد والإماء، منهم بلال، وعامر بن فهيرة، وأم عميس (١) التي أصيب بصرها ثم رده الله تعالى لها، والنهدية وابنتها اشتراها من بنى عبد الدار بعثتهما سيدتهما تطحنان لها فسمعها وهي تقول لهما: والله لا أعتقكما أبدا فقال أبو بكر: حل يا أم فلان، فقالت حل أنت أفسدتهما فاعتقهما. قال فبكم هما؟ قالت بكذا وكذا. قال قد أخذتهما وهما حرتان، أرجعا اليها طحينها. قالتا: أو نفرغ منه يا أبا بكر ثم نرده اليها؟ قال: ذلك إن شئتما. واشترى جارية بنى مؤمل - حي من بنى عدي - كان عمر يضربها على الإسلام. قال ابن إسحاق: فحدثني محمد بن عبد الله بن أبى عتيق عن عامر بن عبد الله بن الزبير عن بعض أهله. قال قال أبو قحافة لابنه أبى بكر: يا بنى إني أراك تعتق ضعافا، فلو أنك إذ فعلت ما فعلت أعتقت رجالا جلداء يمنعونك ويقومون دونك؟ قال فقال أبو بكر: يا أبة إني إنما أريد ما أريد. قال: فتحدث أنه ما أنزل هؤلاء الآيات إلا فيه وفيما قال أبوه ﴿فَأَمّا مَنْ أَعْطى وَاِتَّقى * وَصَدَّقَ بِالْحُسْنى * فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرى﴾ إلى آخر السورة وقد تقدم ما رواه الامام احمد وابن ماجة من حديث عاصم بن بهدلة عن زر عن ابن مسعود. قال أول من أظهر الإسلام سبعة، رسول الله ﷺ وأبو بكر، وعمار، وأمه سمية، وصهيب، وبلال، والمقداد فاما رسول الله ﷺ فمنعه الله بعمه، وأبو بكر منعه الله بقومه، وأما سائرهم فأخذهم المشركون فالبسوهم أدرع الحديد وصهروهم في الشمس، فما منهم من أحد إلا وقد واتاهم على ما أرادوا إلا بلالا فإنه هانت عليه نفسه في الله تعالى، وهان على قومه فأخذوه فأعطوه الولدان فجعلوا يطوفون به في شعاب مكة وهو يقول: أحد أحد. ورواه الثوري عن منصور عن مجاهد مرسلا. قال ابن إسحاق: وكانت بنو مخزوم يخرجون بعمار بن ياسر وبأبيه وأمه - وكانوا أهل بيت إسلام - إذا حميت الظهيرة يعذبونهم برمضاء مكة، فيمر بهم رسول الله ﷺ فيقول - فيما بلغني -:

стр. 752

«صبرا آل ياسر موعدكم الجنة» وقد روى البيهقي عن الحاكم عن إبراهيم بن عصمة العدل حدثنا السري بن خزيمة حدثنا مسلم بن إبراهيم حدثنا هشام بن أبى عبيد الله عن أبى الزبير عن جابر أن رسول الله ﷺ مر بعمار وأهله وهم يعذبون فقال: «أبشروا آل عمار وآل ياسر فان موعدكم الجنة» فاما أمه فيقتلوها فتأبى الا الإسلام. وقال الامام أحمد حدثنا وكيع عن سفيان عن منصور عن مجاهد. قال أول شهيد كان في أول الإسلام استشهد أم عمار سمية طعنها أبو جهل بحربة في قلبها. وهذا مرسل. قال محمد بن إسحاق: وكان أبو جهل الفاسق الّذي يغرى بهم في رجال من قريش، إن سمع برجل قد أسلم له شرف ومنعة أنبه وخزّاه وقال: تركت دين أبيك وهو خير منك، لنسفهن حلمك، ولنفلين رأيك، ولنضعن شرفك. وإن كان تاجرا قال والله لنكسدن تجارتك، ولنهلكن مالك. وإن كان ضعيفا ضربه وأغرى به لعنه الله وقبحه. قال ابن إسحاق: وحدثني حكيم بن جبير عن عن سعيد بن جبير قال قلت لعبد الله بن عباس: أكان المشركون يبلغون من أصحاب رسول الله ﷺ من العذاب ما يعذرون به في ترك دينهم؟ قال نعم والله! إن كانوا ليضربون أحدهم ويجيعونه ويعطشونه حتى ما يقدر أن يستوي جالسا من شدة الضر الّذي به حتى يعطيهم ما سألوه من الفتنة، حتى يقولوا له اللات والعزى إلهان من دون الله فيقول نعم! افتداء منهم بما يبلغون من جهدهم. قلت: وفي مثل هذا أنزل الله تعالى ﴿مَنْ كَفَرَ بِاللهِ مِنْ بَعْدِ إِيمانِهِ إِلاّ مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمانِ وَلكِنْ مَنْ شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْراً فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِنَ اللهِ وَلَهُمْ عَذابٌ عَظِيمٌ﴾ الآية فهؤلاء كانوا معذورين بما حصل لهم من الإهانة والعذاب البليغ، أجارنا الله من ذلك بحوله وقوته. وقال الإمام احمد حدثنا أبو معاوية حدثنا الأعمش عن مسلم عن مسروق عن خباب بن الأرت. قال: كنت رجلا قينا وكان لي على العاص بن وائل دين، فأتيته أتقاضاه فقال لا والله لا أقضيك حتى تكفر بمحمد. فقلت لا والله لا أكفر بمحمد حتى تموت ثم تبعث. قال فانى إذا مت ثم بعثت جئتني ولى ثم مال وولد فأعطيك؟ فانزل الله تعالى ﴿أَفَرَأَيْتَ الَّذِي كَفَرَ بِآياتِنا وَقالَ لَأُوتَيَنَّ مالاً وَوَلَداً﴾ إلى قوله ﴿وَيَأْتِينا فَرْداً﴾ أخرجاه في الصحيحين وغيرهما من طرق عن الأعمش به. وفي لفظ البخاري كنت قينا بمكة، فعملت للعاص بن وائل سيفا فجئت أتقاضاه فذكر الحديث. وقال البخاري حدثنا الحميدي حدثنا سفيان حدثنا بنان وإسماعيل. قالا: سمعنا قيسا يقول سمعت خبابا يقول: أتيت النبي ﷺ وهو متوسد ببردة وهو في ظل الكعبة، وقد لقينا من المشركين شدة، فقلت ألا تدعو الله؟ فقعد وهو محمر وجهه. فقال: «قد كان من كان قبلكم ليمشط بأمشاط الحديد ما دون عظامه من لحم أو عصب ما يصرفه ذلك عن دينه، ويوضع المنشار على مفرق رأسه فيشق باثنتين ما

стр. 753

يصرفه ذلك عن دينه، وليتمن الله هذا الأمر حتى يسير الراكب من صنعاء إلى حضر موت ما يخاف إلا الله » زاد بنان «والذئب على غنمه» وفي رواية «ولكنكم تستعجلون» انفرد به البخاري دون مسلم. وقد روى من وجه آخر عن خباب وهو مختصر من هذا والله أعلم. وقال الامام احمد حدثنا عبد الرحمن عن سفيان وابن جعفر حدثنا شعبة عن أبى إسحاق عن سعيد ابن وهب عن خباب. قال شكونا إلى النبي ﷺ شدة الرمضاء فما أشكانا - يعنى في الصلاة - وقال ابن جعفر: فلم يشكنا. وقال أيضا: حدثنا سليمان بن داود حدثنا شعبة عن أبى إسحاق قال سمعت سعيد بن وهب يقول سمعت خبابا يقول: شكونا إلى رسول الله ﷺ الرمضاء فلم يشكنا، قال شعبة يعنى في الظهيرة. ورواه مسلم والنسائي والبيهقي من حديث أبى إسحاق السبيعي عن سعيد بن وهب عن خباب. قال شكونا إلى رسول الله ﷺ حر الرمضاء. - زاد البيهقي في وجوهنا واكفنا - فلم يشكنا. وفي رواية شكونا إلى رسول الله ﷺ الصلاة في الرمضاء فلم يشكنا. ورواه ابن ماجة عن على بن محمد الطنافسي عن وكيع عن الأعمش عن أبى إسحاق عن حارثة بن مضرب العبديّ عن خباب. قال: شكونا إلى رسول الله ﷺ حر الرمضاء فلم يشكنا. والّذي يقع لي - والله أعلم - أن هذا الحديث مختصر من الأول وهو أنهم شكوا اليه ﷺ ما يلقون من المشركين من التعذيب بحر الرمضاء، وأنهم يسحبونهم على وجوههم فيتقون بأكفهم، وغير ذلك من أنواع العذاب كما تقدم عن ابن إسحاق وغيره، وسألوا منه ﷺ أن يدعو الله لهم على المشركين أو يستنصر عليهم فوعدهم ذلك ولم ينجزه لهم في الحالة الراهنة وأخبرهم عمن كان قبلهم أنهم كانوا يلقون من العذاب ما هو أشد مما أصابهم ولا يصرفهم ذلك عن دينهم، ويبشرهم أن الله سيتم هذا الأمر ويظهره ويعلنه وينشره وينصره في الأقاليم والآفاق حتى يسير الراكب من صنعاء إلى حضر موت لا يخاف إلا الله والذئب على غنمه، ولكنكم تستعجلون. ولهذا قال شكونا إلى رسول الله ﷺ حر الرمضاء في وجوهنا واكفنا فلم يشكنا، أي لم يدع لنا في الساعة الراهنة، فمن استدل بهذا الحديث على عدم الإيراد أو على وجوب مباشرة المصلى بالكف كما هو أحد قولي الشافعيّ ففيه نظر والله أعلم. باب مجادلة المشركين رسول الله ﷺ وإقامة الحجة الدامغة عليهم واعترافهم في أنفسهم بالحق وإن أظهروا المخالفة عنادا وحسدا وبغيا وجحودا قال إسحاق بن راهويه: حدثنا عبد الرزاق عن معمر عن أيوب السختياني عن عكرمة عن ابن عباس. أن الوليد بن المغيرة جاء إلى رسول الله ﷺ فقرأ عليه القرآن، فكأنه رق له فبلغ

стр. 754

ذلك أبا جهل فأتاه فقال يا عم ان قومك يريدون أن يجمعوا لك مالا. قال لم؟ قال ليعطوكه فإنك أتيت محمدا لتعرض ما قبله، قال قد علمت قريش أنى من أكثرها مالا، قال فقل فيه قولا يبلغ قومك أنك منكر له. قال وماذا أقول؟ فو الله ما منكم رجل أعرف بالاشعار منى، ولا أعلم برجزه، ولا بقصيدة منى، ولا باشعار الجن، والله ما يشبه الّذي يقول شيئا من هذا، ووالله إن لقوله الّذي يقوله حلاوة، وإن عليه لطلاوة، وانه لمثمر اعلاه مغدق أسفله، وإنه ليعلو ولا يعلى، وإنه ليحطم ما تحته. قال لا يرضى عنك قومك حتى تقول فيه، قال قف عنى حتى أفكر فيه، فلما فكر. قال: ان هذا الا سحر يؤثر يأثره عن غيره فنزلت ﴿ذَرْنِي وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيداً * وَجَعَلْتُ لَهُ مالاً مَمْدُوداً * وَبَنِينَ شُهُوداً﴾ الآيات هكذا رواه البيهقي عن الحاكم عن عبد الله بن محمد الصنعاني بمكة عن إسحاق به. وقد رواه حماد بن زيد عن أيوب عن عكرمة مرسلا. فيه أنه قرأ عليه ﴿إِنَّ اللهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسانِ وَإِيتاءِ ذِي الْقُرْبى وَيَنْهى عَنِ الْفَحْشاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾ وقال البيهقي عن الحاكم عن الأصم عن احمد بن عبد الجبار عن يونس بن بكير عن محمد بن إسحاق حدثني محمد بن أبى محمد عن سعيد بن جبير - أو عكرمة عن ابن عباس - أن الوليد بن المغيرة اجتمع ونفر من قريش وكان ذا سن فيهم، وقد حضر المواسم فقال ان وفود العرب ستقدم عليكم فيه وقد سمعوا بأمر صاحبكم هذا فاجمعوا فيه رأيا واحدا ولا تختلفوا فيكذب بعضكم بعضا، ويرد قول بعضكم بعضا. فقيل: يا أبا عبد شمس فقل وأقم لنا رأيا نقوم به، فقال بل أنتم فقولوا وأنا اسمع. فقالوا نقول كاهن؟ فقال ما هو بكاهن رأيت الكهان. فما هو بزمزمة الكهان. فقالوا نقول مجنون؟ فقال ما هو بمجنون ولقد رأينا الجنون وعرفناه فما هو بحنقه ولا تخالجه ولا وسوسته. فقال نقول شاعر؟ فقال ما هو بشاعر قد عرفنا الشعر برجزه وهزجه وقريضه ومقبوضة ومبسوطه فما هو بالشعر. قالوا فنقول هو ساحر؟ قال ما هو بساحر قد رأينا السحار وسحرهم فما هو بنفثه ولا بعقده. قالوا فما نقول يا أبا عبد شمس؟ قال: والله ان لقوله لحلاوة، وان أصله لمغدق، وان فرعه لجنى فما أنتم بقائلين من هذا شيئا إلا عرف أنه باطل، وان أقرب القول لأن تقولوا هذا ساحر، فتقولوا هو ساحر يفرق بين المرء ودينه، وبين المرء وأبيه، وبين المرء وزوجته، وبين المرء وأخيه، وبين المرء وعشيرته فتفرقوا عنه بذلك فجعلوا يجلسون للناس حتى قدموا الموسم لا يمر بهم أحد لا حذروه إياه وذكروا لهم أمره وأنزل الله في الوليد ﴿ذَرْنِي وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيداً * وَجَعَلْتُ لَهُ مالاً مَمْدُوداً * وَبَنِينَ شُهُوداً﴾ الآيات وفي أولئك النفر الذين جعلوا القرآن عضين ﴿فَوَ رَبِّكَ لَنَسْئَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ * عَمّا كانُوا يَعْمَلُونَ﴾. قلت: وفي ذلك قال الله تعالى اخبارا عن جهلهم وقلة عقلهم ﴿بَلْ قالُوا أَضْغاثُ أَحْلامٍ بَلِ اِفْتَراهُ بَلْ هُوَ شاعِرٌ فَلْيَأْتِنا بِآيَةٍ كَما أُرْسِلَ الْأَوَّلُونَ﴾ فحاروا ماذا يقولون فيه فكل شيء يقولونه باطل، لأن

стр. 755

من خرج عن الحق مهما قاله أخطأ قال الله تعالى: ﴿اُنْظُرْ كَيْفَ ضَرَبُوا لَكَ الْأَمْثالَ فَضَلُّوا فَلا يَسْتَطِيعُونَ سَبِيلاً﴾. وقال الامام عبد بن حميد في مسندة حدثني أبو بكر بن أبى شيبة حدثنا على ابن مسهر عن الأجلح هو ابن عبد الله الكندي عن الذيال بن حرملة الأسدي عن جابر بن عبد الله. قال: اجتمع قريش يوما فقالوا انظروا أعلمكم بالسحر والكهانة والشعر فليأت هذا الرجل الّذي فرق جماعتنا وشتت أمرنا وعاب ديننا فليكلمه ولينظر ماذا يرد عليه؟ فقالوا ما نعلم أحدا غير عتبة بن ربيعة. فقالوا: أنت يا أبا الوليد، فأتاه عتبة فقال: يا محمد أنت خير أم عبد الله فسكت رسول الله ﷺ . فقال: أنت خير أم عبد المطلب؟ فسكت رسول الله ﷺ . قال فان كنت تزعم ان هؤلاء خير منك فقد عبدوا الآلهة التي عبت، وان كنت تزعم أنك خير منهم فتكلم حتى نسمع قولك إنا والله ما رأينا سخلة (١) قط اشأم على قومه منك فرقت جماعتنا، وشتت أمرنا، وعبت ديننا، وفضحتنا في العرب حتى لقد طار فيهم أن في قريش ساحرا، وان في قريش كاهنا. والله ما ننتظر إلا مثل صيحة الحبلى أن يقوم بعضنا الى بعض بالسيوف حتى نتفانى: أيها الرجل إن كان انما بك الحاجة جمعنا لك حتى تكون أغنى قريش رجلا، وإن كان إنما بك الباه فاختر أي نساء قريش شئت فلنزوجك عشرا. فقال رسول الله ﷺ : «فرغت؟» قال نعم! فقال رسول الله ﷺ : «بسم الله الرحمن الرحيم ﴿حم * تَنْزِيلٌ مِنَ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ * كِتابٌ فُصِّلَتْ آياتُهُ قُرْآناً عَرَبِيًّا لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ﴾ الى ان بلغ ﴿فَإِنْ أَعْرَضُوا فَقُلْ أَنْذَرْتُكُمْ صاعِقَةً مِثْلَ صاعِقَةِ عادٍ وَثَمُودَ﴾. فقال عتبة: حسبك ما عندك غير هذا؟ قال لا! فرجع الى قريش فقالوا ما وراءك؟ قال: ما تركت شيئا أرى أنكم تكلمونه الا كلمته. قالوا: فهل أجابك؟ فقال نعم! ثم قال لا والّذي نصبها بنية ما فهمت شيئا مما قال غير أنه أنذركم صاعقة مثل صاعقة عاد وثمود. قالوا: ويلك يكلمك الرجل بالعربية لا تدري ما قال؟ قال: لا والله ما فهمت شيئا مما قال غير ذكر الصاعقة. وقد رواه البيهقي وغيره عن الحاكم عن الأصم عن عباس الدوري عن يحيى بن معين عن محمد بن فضيل عن الأجلح به. وفيه كلام، وزاد: وان كنت إنما بك الرئاسة عقدنا ألويتنا لك فكنت رأسا ما بقيت وعنده أنه لما قال: ﴿فَإِنْ أَعْرَضُوا فَقُلْ أَنْذَرْتُكُمْ صاعِقَةً مِثْلَ صاعِقَةِ عادٍ وَثَمُودَ﴾ أمسك عقبة على فيه وناشده الرحم أن يكف عنه، ولم يخرج الى أهله واحتبس عنهم. فقال أبو جهل: والله يا معشر قريش ما نرى عتبة الاصبأ الى محمد وأعجبه طعامه، وما ذاك الا من حاجة اصابته، انطلقوا بنا اليه فاتوه. فقال أبو جهل: والله يا عتبة ما جئنا الا أنك صبوت الى محمد وأعجبك أمره، فان كان بك حاجة جمعنا لك من أموالنا ما يغنيك عن طعام محمد. فغضب واقسم بالله لا يكلم محمدا ابدا. وقال: لقد علمتم أنى

стр. 756

من أكثر قريش مالا، ولكنى أتيته وقص عليهم القصة فأجابني بشيء والله ما هو بسحر ولا بشعر ولا كهانة، قرأ ﴿بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ * حم * تَنْزِيلٌ مِنَ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ﴾ حتى بلغ ﴿فَإِنْ أَعْرَضُوا فَقُلْ أَنْذَرْتُكُمْ صاعِقَةً مِثْلَ صاعِقَةِ عادٍ وَثَمُودَ﴾ فأمسكت بفيه وناشدته الرحم أن يكف، وقد علمتم أن محمدا إذا قال شيئا لم يكذب، فخفت أن ينزل عليكم العذاب. ثم قال البيهقي عن الحاكم عن الأصم عن احمد بن عبد الجبار عن يونس عن محمد بن إسحاق حدثني يزيد بن أبى زياد مولى بنى هاشم عن محمد بن كعب قال حدثت أن عتبة بن ربيعة، وكان سيدا حليما. قال - ذات يوم وهو جالس في نادى قريش، ورسول الله ﷺ جالس وحده في المسجد -: يا معشر قريش الا أقوم الى هذا فاعرض عليه أمورا لعله يقبل بعضها ويكف عنا. قالوا: بلى يا أبا الوليد! فقام عتبة حتى جلس الى رسول الله ﷺ فذكر الحديث فيما قال له عتبة وفيما عرض على رسول الله ﷺ من المال والملك وغير ذلك. وقال زياد بن إسحاق فقال: عتبة يا معشر قريش ألا أقوم الى محمد فأكلمه واعرض عليه أمورا لعله يقبل بعضها فنعطيه إياها ويكف عنا وذلك حين أسلم حمزة ورأوا أصحاب رسول الله ﷺ يزيدون ويكثرون. فقالوا: بلى يا أبا الوليد! فقم اليه وكلمه، فقام عتبة حتى جلس الى رسول الله ﷺ فقال: يا ابن أخى إنك منا حيث قد علمت من الشطر في العشيرة والمكان في النسب، وأنك قد أتيت قومك بأمر عظيم فرقت جماعتهم، وسفهت به أحلامهم، وعبت به آلهتهم ودينهم وكفرت به من مضى من آبائهم. فاسمع منى حتى أعرض عليك أمورا تنظر فيها لعلك تقبل منها بعضها. قال فقال له رسول الله ﷺ «يا أبا الوليد اسمع». قال: يا ابن أخى إن كنت انما تريد بما جئت به من هذا الأمر مالا جمعنا لك من أموالنا حتى تكون أكثرنا مالا، وإن كنت تريد به شرفا سودناك علينا حتى لا نقطع أمرا دونك، وان كنت تريد به ملكا ملكناك علينا، وان كان هذا الّذي يأتيك رئيا تراه لا تستطيع رده عن نفسك طلبنا لك الطب وبذلنا فيه أموالنا حتى نبرئك منه فإنه ربما غلب التابع على الرجل حتى يتداوى منه - أو كما قال له - حتى إذا فرغ عتبة. قال له النبي ﷺ : «أفرغت يا أبا الوليد؟» قال نعم! قال اسمع منى، قال افعل! فقال رسول الله ﷺ : ﴿حم * تَنْزِيلٌ مِنَ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ * كِتابٌ فُصِّلَتْ آياتُهُ قُرْآناً عَرَبِيًّا لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ﴾ فمضى رسول الله ﷺ يقرأها فلما سمع بها عتبة أنصت لها وألقى بيديه خلفه أو خلف ظهره معتمدا عليها ليسمع منه حتى انتهى رسول الله ﷺ الى السجدة فسجدها ثم قال: «سمعت يا أبا الوليد؟» قال سمعت. قال: «فأنت وذاك» ثم قام عتبة الى أصحابه فقال بعضهم لبعض: نحلف بالله لقد جاءكم أبو الوليد بغير الوجه الّذي ذهب به، فلما جلسوا اليه قالوا ما وراءك يا أبا الوليد؟ قال ورائي أنى والله قد سمعت قولا ما سمعت مثله قط، والله ما هو بالشعر ولا الكهانة، يا معشر قريش

стр. 757

أطيعونى واجعلوها بى. خلوا بين هذا الرجل وبين ما هو فيه واعتزلوه، فو الله ليكونن لقوله الّذي سمعت نبأ، فان تصبه العرب فقد كفيتموه بغيركم، وان يظهر على العرب فملكه ملككم، وعزه عزكم، وكنتم أسعد الناس به. قالوا: سحرك والله يا أبا الوليد بلسانه. قال: هذا رأيي لكم فاصنعوا ما بدا لكم. ثم ذكر يونس عن ابن إسحاق شعرا قاله أبو طالب يمدح فيه عتبة. وقال البيهقي: أخبرنا أبو محمد عبد الله بن يوسف الأصبهاني أخبرنا أبو قتيبة سلمة بن الفضل الأدمي بمكة حدثنا أبو أيوب احمد بن بشر الطيالسي حدثنا داود بن عمرو الضبيّ حدثنا المثنى بن زرعة عن محمد بن إسحاق عن نافع عن ابن عمر. قال: لما قرأ رسول الله ﷺ على عتبة بن ربيعة ﴿حم * تَنْزِيلٌ مِنَ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ﴾ أتى أصحابه فقال لهم: يا قوم أطيعونى في هذا الأمر اليوم، واعصوني فيما بعده، فو الله لقد سمعت من هذا الرجل كلاما ما سمعت أذناي كلاما مثله، وما دريت ما أرد عليه وهذا حديث غريب جدا من هذا الوجه. ثم روى البيهقي عن الحاكم عن الأصم عن احمد بن عبد الجبار عن يونس عن ابن إسحاق حدثني الزهري. قال: حدثت أن أبا جهل وابا سفيان والأخنس بن شريق خرجوا ليلة ليسمعوا من رسول الله ﷺ وهو يصلى بالليل في بيته، فاخذ كل رجل منهم مجلسا ليستمع منه، وكل لا يعلم بمكان صاحبه، فباتوا يستمعون له حتى إذا أصبحوا وطلع الفجر تفرقوا فجمعهم الطريق فتلاوموا وقال بعضهم لبعض: لا تعودوا فلو رآكم بعض سفهائكم لا وقعتم في نفسه شيئا. ثم انصرفوا حتى إذا كانت الليلة الثانية عاد كل رجل منهم الى مجلسه، فباتوا يستمعون له حتى إذا طلع الفجر تفرقوا فجمعهم الطريق، قال بعضهم لبعض مثل ما قالوا أول مرة ثم انصرفوا. فلما كانت الليلة الثالثة أخذ كل رجل منهم مجلسه فباتوا يستمعون له حتى إذا طلع الفجر تفرقوا فجمعهم الطريق، فقالوا لا نبرح حتى نتعاهد أن لا نعود. فتعاهدوا على ذلك ثم تفرقوا. فلما أصبح الأخنس بن شريق أخذ عصاه ثم خرج حتى أتى أبا سفيان في بيته فقال أخبرنى يا أبا حنظلة عن رأيك فيما سمعت من محمد؟ فقال: يا أبا ثعلبة والله لقد سمعت أشياء أعرفها واعرف ما يراد بها فقال الأخنس: وأنا والّذي حلفت به. ثم خرج من عنده حتى أتى أبا جهل فدخل عليه بيته فقال: يا أبا الحكم ما رأيك فيما سمعت من محمد؟ فقال ماذا سمعت، تنازعنا نحن وبنو عبد مناف الشرف أطعموا فأطعمنا، وحملوا فحملنا، وأعطوا فاعطينا، حتى إذا تجاثينا على الركب وكنا كفرسي رهان قالوا: منا نبي يأتيه الوحي من السماء، فمتى ندرك هذه؟ والله لا نسمع به أبدا ولا نصدقه. فقام عنه الأخنس بن شريق. ثم قال البيهقي أخبرنا أبو عبد الله الحافظ أخبرنا أبو العباس حدثنا أحمد حدثنا يونس عن هشام بن سعد عن زيد بن أسلم عن المغيرة بن شعبة. قال: إن أول يوم عرفت رسول الله ﷺ أنى أمشي أنا وأبو جهل بن هشام في بعض أزقة مكة، إذ لقينا رسول الله ﷺ

стр. 758

فقال رسول الله ﷺ لأبى جهل: «يا أبا الحكم، هلم إلى الله والى رسوله، أدعوك إلى الله». فقال أبو جهل: يا محمد، هل أنت منته عن سب آلهتنا؟ هل تريد إلا أن نشهد أنك قد بلغت؟ فنحن نشهد أن قد بلغت؟ فو الله لو أنى أعلم أن ما تقول حق لاتبعتك. فانصرف رسول الله ﷺ . وأقبل عليّ فقال: والله انى لأعلم أن ما يقول حق، ولكن [يمنعني] شيء. إن بنى قصي قالوا: فينا الحجابة. فقلنا نعم، ثم قالوا فينا السقاية، فقلنا نعم، ثم قالوا فينا الندوة، فقلنا نعم. ثم قالوا فينا اللواء، فقلنا نعم. ثم أطعموا وأطعمنا. حتى إذا تحاكّت الركب قالوا منا نبي، والله لا أفعل. وقال البيهقي أخبرنا أبو عبد الله الحافظ قال أخبرنا أبو العباس محمد بن يعقوب الأصم حدثنا محمد ابن خالد حدثنا احمد بن خلف حدثنا إسرائيل عن أبى إسحاق. قال: مر النبي ﷺ على أبى جهل وأبى سفيان، وهما جالسان. فقال أبو جهل: هذا نبيكم يا بنى عبد شمس. قال أبو سفيان: وتعجب أن يكون منا نبي فالنبي يكون فيمن أقل منا وأذل. فقال أبو جهل: أعجب أن يخرج غلام من بين شيوخ نبيا، ورسول الله ﷺ يسمع. فأتاهما فقال: «أما أنت يا أبا سفيان، فما لله ورسوله غضبت ولكنك حميت للأصل. وأما أنت يا أبا الحكم، فو الله لتضحكن قليلا ولتبكين كثيرا» فقال: بئسما تعدني يا ابن أخى من نبوتك. هذا مرسل من هذا الوجه وفيه غرابة. وقول أبى جهل - لعنه الله - كما قال الله تعالى مخبرا عنه وعن أضرابه ﴿وَإِذا رَأَوْكَ إِنْ يَتَّخِذُونَكَ إِلاّ هُزُواً، أَهذَا الَّذِي بَعَثَ اللهُ رَسُولاً؟ * إِنْ كادَ لَيُضِلُّنا عَنْ آلِهَتِنا لَوْلا أَنْ صَبَرْنا عَلَيْها﴾. ﴿وَسَوْفَ يَعْلَمُونَ حِينَ يَرَوْنَ الْعَذابَ مَنْ أَضَلُّ سَبِيلاً﴾. وقال الامام أحمد: حدثنا هشيم حدثنا أبو بشر عن سعيد بن جبير عن ابن عباس. قال: نزلت هذه الآية ورسول الله ﷺ متوار بمكة ﴿وَلا تَجْهَرْ بِصَلاتِكَ وَلا تُخافِتْ بِها﴾ قال: كان إذا صلّى بأصحابه رفع صوته بالقرآن، فلما سمع ذلك المشركون سبوا القرآن وسبوا من أنزله ومن جاء به، قال فقال الله تعالى لنبيه محمد ﷺ ﴿وَلا تَجْهَرْ بِصَلاتِكَ﴾ أي بقراءتك فيسمع المشركون فيسبوا القرآن ﴿وَلا تُخافِتْ بِها﴾ عن أصحابك، فلا تسمعهم القرآن حتى يأخذوه عنك ﴿وَاِبْتَغِ بَيْنَ ذلِكَ سَبِيلاً﴾ وهكذا رواه صاحبا الصحيح من حديث أبى بشر جعفر بن أبى حية به. وقال محمد بن إسحاق حدثني داود بن الحصين عن عكرمة عن ابن عباس قال: كان رسول الله ﷺ إذا جهر بالقرآن - وهو يصلى - تفرقوا عنه وأبوا أن يستمعوا منه، وكان الرجل إذا أراد أن يسمع من رسول الله بعض ما يتلو، وهو يصلى، استرق السمع، دونهم فرقا منهم، فان رأى أنهم قد عرفوا أنه يستمع ذهب خشية أذاهم فلم يستمع، فان خفض رسول الله ﷺ لم يسمع الذين يستمعون من قراءته شيئا، فانزل الله تعالى ﴿وَلا تَجْهَرْ بِصَلاتِكَ﴾ فيتفرقوا عنك ﴿وَلا تُخافِتْ بِها﴾ فلا يسمع من أراد أن يسمعها ممن يسترق ذلك، لعله يرعوى إلى بعض ما يسمع، فينتفع به ﴿وَاِبْتَغِ بَيْنَ ذلِكَ سَبِيلاً﴾

стр. 759

باب هجرة من هاجر من أصحاب رسول الله ﷺ ، من مكة إلى أرض الحبشة، فرارا بدينهم من الفتنة قد تقدم ذكر أذية المشركين للمستضعفين من المؤمنين، وما كانوا يعاملونهم به من الضرب الشديد. والإهانة البالغة. وكان الله قد حجرهم عن رسوله ﷺ ، ومنعه بعمه أبى طالب، كما تقدم تفصيله ولله الحمد والمنة. وروى الواقدي أن خروجهم اليها في رجب سنة خمس من البعثة، وأن أول من هاجر منهم أحد عشر رجلا وأربع نسوة، وأنهم انتهوا إلى البحر ما بين ماش وراكب فاستأجروا سفينة بنصف دينار الى الحبشة، وهم عثمان بن عفان، وامرأته رقية بنت رسول الله ﷺ وأبو حذيفة بن عتبة، وأبو سلمة بن عبد الأسد، وامرأته أم سلمة بنت أبى أمية، وعثمان بن مظعون، وعامر بن ربيعة المنزى، وامرأته ليلى بنت أبى حثمة، وأبو سبرة بن أبى رهم، و [يقال بل أبو] حاطب بن عمرو (١)، وسهيل بن بيضاء، وعبد الله بن مسعود، ﵃ أجمعين. قال ابن جرير وقال آخرون بل كانوا اثنين وثمانين رجلا، سوى نسائهم وأبنائهم، وعمار بن ياسر، نشك. فان كان فيهم فقد كانوا ثلاثة وثمانين رجلا. وقال محمد بن إسحاق: فلما رأى رسول الله ﷺ ما يصيب أصحابه من البلاء، وما هو فيه من العافية، بمكانه من الله ، ومن عمه أبى طالب، وأنه لا يقدر على أن يمنعهم مما هو فيه من البلاء. قال لهم: «لو خرجتم إلى أرض الحبشة؟ فان بها ملكا لا يظلم عنده أحد، وهي أرض صدق - حتى يجعل الله لكم فرجا مما أنتم فيه» فخرج عند ذلك المسلمون من أصحاب رسول الله ﷺ الى أرض الحبشة مخافة الفتنة، وفرارا الى الله بدينهم. فكانت أول هجرة كانت في الإسلام فكان أول من خرج من المسلمين عثمان بن عفان، وزوجته رقية بنت رسول الله ﷺ . وكذا روى البيهقي من حديث يعقوب بن سفيان عن عباس العنبري عن بشر بن موسى (٢) عن الحسن ابن زياد البرجمي حدثنا قتادة. قال: أول من هاجر الى الله تعالى بأهله عثمان بن عفان ﵁ سمعت النضر بن أنس يقول سمعت أبا حمزة - يعنى أنس بن مالك - يقول: خرج عثمان بن عفان ومعه امرأته رقية بنت رسول الله ﷺ الى أرض الحبشة، فأبطأ على رسول الله ﷺ خبرهما فقدمت امرأة من قريش فقالت: يا محمد قد رأيت ختنك ومعه امرأته. قال: «على أي حال رأيتهما؟»

стр. 760

قالت رأيته قد حمل امرأته على حمار من هذه الدبابة، وهو يسوقها، فقال رسول الله ﷺ : «صحبهما الله، ان عثمان أول من هاجر بأهله بعد لوط ﵇». قال ابن إسحاق: وأبو حذيفة بن عتبة، وزوجته سهلة بنت سهيل بن عمرو - وولدت له بالحبشة محمد بن أبى حذيفة - والزبير بن العوام، ومصعب بن عمير، وعبد الرحمن بن عوف، وأبو سلمة بن عبد الأسد، وامرأته أم سلمة بنت أبى أمية بن المغيرة - وولدت له بها زينب - وعثمان بن مظعون، وعامر بن ربيعة - حليف آل الخطاب، وهو من بنى عنز بن وائل وامرأته ليلى بنت أبى حثمة، وأبو سيرة بن أبى رهم العامري، وامرأته أم كلثوم بنت سهيل بن عمرو - ويقال أبو حاطب ابن عمرو بن عبد شمس بن عبد ودّ بن نصر بن مالك بن حسل بن عامر - وهو أول من قدمها فيما قيل - وسهيل بن بيضاء. فهولاء العشرة أول من خرج من المسلمين الى أرض الحبشة فيما بلغني. قال ابن هشام: وكان عليهم عثمان بن مظعون، فيما ذكر بعض أهل العلم. قال ابن إسحاق: ثم خرج جعفر بن أبى طالب ومعه امرأته أسماء بنت عميس، وولدت له بها عبد الله بن جعفر. وتتابع المسلمون حتى اجتمعوا بأرض الحبشة. وقد زعم موسى بن عقبة أن الهجرة الاولى إلى أرض الحبشة كانت حين دخل أبو طالب ومن حالفه مع رسول الله ﷺ إلى الشعب، وفي هذا نظر والله أعلم. وزعم أن خروج جعفر بن أبى طالب إنما كان في الهجرة الثانية إليها. وذلك بعد عود بعض من كان خرج أولا، حين بلغهم أن المشركين أسلموا وصلوا، فلما قدموا مكة - وكان فيمن قدم عثمان بن مظعون - فلم يجدوا ما أخبروا به من إسلام المشركين صحيحا، فرجع من رجع منهم ومكث آخرون بمكة. وخرج آخرون من المسلمين إلى أرض الحبشة، وهي الهجرة الثانية - كما سيأتي بيانه. قال موسى بن عقبة: وكان جعفر ابن أبى طالب فيمن خرج ثانيا. وما ذكره ابن إسحاق من خروجه في الرعيل الأول أظهر كما سيأتي بيانه والله أعلم. لكنه كان في زمرة ثانية من المهاجرين أولا، وهو المقدم عليهم والمترجم عنهم عند النجاشي وغيره، كما سنورده مبسوطا. ثم إن ابن إسحاق سرد الخارجين صحبة جعفر ﵃. وهم عمرو بن سعيد بن العاص، وامرأته فاطمة بنت صفوان بن أمية بن محرث بن شق الكناني. وأخوه خالد. وامرأته أمينة بنت خلف بن أسعد الخزاعي. وولدت له بها سعيدا، وأمة التي تزوجها بعد ذلك الزبير، فولدت له عمرا وخالدا. قال وعبد الله بن جحش بن رئاب، وأخوه عبيد الله، ومعه امرأته أم حبيبة بنت أبى سفيان، وقيس بن عبد الله من بنى أسد بن خزيمة، وامرأته بركة بنت يسار مولاة أبى سفيان، ومعيقيب بن أبى فاطمة، وهو من موالي سعيد بن العاص. قال ابن هشام: وهو من دوس. قال وأبو موسى [الأشعري] عبد الله بن قيس حليف آل عتبة بن

стр. 761

ربيعة. وسنتكلم معه في هذا. وعتبة بن غزوان، ويزيد بن زمعة بن الأسود، وعمرو بن أمية بن الحارث بن أسد، وطليب بن عمير بن وهب بن أبى كثير بن عبد، وسويبط بن سعد بن حريملة، وجهم بن قيس العبدوي، ومعه امرأته أم حرملة بنت عبد الأسود بن خزيمة، وولداه عمرو بن جهم وخزيمة بن جهم، وأبو الروم بن عمير بن هاشم بن عبد مناف بن عبد الدار، وفراس بن النضر ابن الحارث بن كلدة، وعامر بن أبى وقاص أخو سعد، والمطلب بن أزهر بن عبد عوف الزهري، وامرأته رملة بنت أبى عوف بن صبيرة. وولدت بها عبد الله وعبد الله بن مسعود، وأخوه عتبة، والمقداد بن الأسود، والحارث بن خالد بن صخر التيمي، وامرأته ريطة بنت الحارث بن جبيلة، وولدت له بها موسى وعائشة وزينب وفاطمة، وعمرو بن عثمان بن عمرو بن كعب بن سعد ابن تيم بن مرة، وشماس بن عثمان بن الشريد المخزومي - قال وإنما سمى شماسا لحسنه وأصل اسمه عثمان بن عثمان - وهبار بن سفيان بن عبد الأسد المخزومي، وأخوه عبد الله، وهشام بن أبى حذيفة ابن المغيرة بن عبد الله بن عمرو بن مخزوم، وسلمة بن هشام بن المغيرة، وعياش بن أبى ربيعة ابن المغيرة، ومعتب بن عوف بن عامر - ويقال له عيهامة - وهو من حلفاء بنى مخزوم. قال: وقدامة وعبد الله أخوا عثمان بن مظعون، والسائب بن عثمان بن مظعون، وحاطب بن الحارث بن معمر، ومعه امرأته فاطمة بنت المجلل، وابناه منها محمد والحارث، وأخوه خطاب، وامرأته فكيهة بنت يسار، وسفيان بن معمر بن حبيب، وامرأته حسنة، وابناه منها جابر وجنادة، وابنها من غيره. وهو شرحبيل بن عبد الله - أحد الغوث بن مزاحم بن تميم، وهو الّذي يقال له شرحبيل ابن حسنة، وعثمان بن ربيعة بن أهبان بن وهب بن حذافة بن جمح، وخنيس بن حذافة بن قيس ابن عدي، وعبد الله بن الحارث بن قيس بن عدي بن سعيد بن سهم، وهشام بن العاص بن وائل ابن سعيد، وقيس بن حذافة بن قيس بن عدي، وأخوه عبد الله، وأبو قيس بن الحارث بن قيس ابن عدي، وإخوته الحارث ومعمر والسائب وبشر وسعيد أبناء الحارث، وسعيد بن قيس ابن عدي لامه وهو سعيد بن عمرو التميمي، وعمير بن رئاب بن حذيفة بن مهشم بن سعيد بن سهم، وحليف لبني سهم: وهو محمية بن جزء الزبيدي، ومعمر بن عبد الله العدوي، وعروة بن عبد العزى، وعدي بن نضلة بن عبد العزى، وابنه النعمان وعبد الله بن مخرمة العامري، وعبد الله ابن سهيل بن عمرو، وسليط بن عمرو، وأخوه السكران، ومعه زوجته سودة بنت زمعة، ومالك بن ربيعة، وامرأته عمرة بنت السعدي، وأبو حاطب بن عمرو العامري، وحليفهم سعد بن خولة - وهو من اليمن، وأبو عبيدة عامر بن عبد الله بن الجراح الفهري، وسهيل بن بيضاء - وهي أمه، واسمها دعد بنت جحدم بن أمية بن ظرب بن الحارث بن فهر، وهو سهيل بن وهب بن ربيعة بن هلال

стр. 762

ابن ضبة بن الحارث، وعمرو بن أبى سرح بن ربيعة بن هلال بن مالك بن ضبة بن الحارث، وعياض بن زهير بن أبى شداد بن ربيعة بن هلال بن مالك بن ضبة، وعمرو بن الحارث بن زهير ابن ابى شداد بن ربيعة، وعثمان بن عبد غنم بن زهير أخوات، وسعيد بن عبد قيس بن لقيط، وأخوه الحارث الفهريون. (١) قال ابن إسحاق: فكان جميع من لحق بأرض الحبشة وهاجر اليها من المسلمين سوى أبنائهم الذين خرجوا بهم صغارا وولدوا بها - ثلاثة وثمانون رجلا إن كان عمار بن ياسر فيهم، وهو يشك فيه. قلت: وذكر ابن إسحاق أبا موسى الأشعري فيمن هاجر من مكة الى أرض الحبشة غريب جدا. وقد قال الامام أحمد حدثنا حسن بن موسى سمعت خديجا أخا زهير بن معاوية عن أبى إسحاق عن عبد الله بن عتبة عن ابن مسعود. قال: بعثنا رسول الله ﷺ الى النجاشي، ونحن نحوا من ثمانين رجلا، فيهم عبد الله بن مسعود وجعفر، وعبد الله بن عرفطة، وعثمان بن مظعون، وأبو موسى فاتوا النجاشي. وبعثت قريش عمرو بن العاص وعمارة بن الوليد بهدية، فلما دخلا على النجاشي سجدا له ثم ابتدراه عن يمينه وعن شماله ثم قالا له: إن نفرا من بنى عمنا نزلوا أرضك ورغبوا عنا وعن ملتنا. قال فأين هم؟ قالا: في أرضك، فابعث اليهم، فبعث اليهم، فقال جعفر: أنا خطيبكم اليوم فاتبعوه، فسلم ولم يسجد، فقالوا له: مالك لا تسجد للملك؟ قال إنا لا نسجد إلا لله قال وما ذاك؟ قال إن الله بعث إلينا رسولا ثم أمرنا إن لا نسجد لأحد إلا لله وأمرنا بالصلاة والزكاة. قال عمرو: فإنهم يخالفونك في عيسى بن مريم، قال فما تقولون في عيسى بن مريم وأمه؟ قال نقول كما قال الله: هو كلمته وروحه ألقاها إلى العذراء البتول، التي لم يمسها بشر، ولم يفرضها ولد. قال فرفع عودا من الأرض ثم قال: يا معشر الحبشة والقسيسين والرهبان، والله ما يزيدون على الّذي نقول فيه ما سوى هذا، مرحبا بكم وبمن جئتم من عنده، أشهد أنه رسول الله ﷺ . وأنه الّذي نجد في الإنجيل، وأنه الرسول الّذي بشر به عيسى بن مريم، أنزلوا حيث شئتم، والله لولا ما أنا فيه من الملك لأتيته حتى أكون أنا الّذي أحمل نعليه. وأمر بهدية الآخرين فردت اليهما، ثم تعجل عبد الله بن مسعود حتى أدرك بدرا. وزعم أن النبي ﷺ استغفر له حين بلغه موته. وهذا إسناد جيد قوى وسياق حسن. وفيه ما يقتضي أن أبا موسى كان ممن هاجر من مكة إلى أرض الحبشة، إن لم يكن ذكره مدرجا من بعض الرواة والله أعلم. وقد روى عن أبى إسحاق السبيعي من وجه آخر.

стр. 763

فقال الحافظ أبو نعيم في الدلائل حدثنا سليمان بن أحمد حدثنا محمد بن زكريا الغلابي حدثنا عبد الله بن رجاء حدثنا إسرائيل. وحدثنا سليمان بن أحمد حدثنا محمد بن زكريا حدثنا الحسن بن علوية القطان حدثنا عباد بن موسى الختّليّ حدثنا إسماعيل بن جعفر حدثنا إسرائيل. وحدثنا أبو احمد حدثنا عبد الله بن محمد بن شيرويه حدثنا إسحاق بن إبراهيم - هو ابن راهويه - حدثنا عبيد الله بن موسى حدثنا إسرائيل عن أبى إسحاق عن أبى بردة عن أبى موسى. قال: أمرنا رسول الله ﷺ أن ننطلق مع جعفر بن أبى طالب إلى أرض النجاشي، فبلغ ذلك قريشا فبعثوا عمرو بن العاص وعمارة بن الوليد، وجمعوا للنجاشي هدية وقدما على للنجاشي فأتياه بالهدية، فقبلها وسجدا له ثم قال عمرو بن العاص: إن ناسا من أرضنا رغبوا عن ديننا وهم في أرضك. قال لهم النجاشي في أرضى؟ قالا نعم! فبعث إلينا، فقال لنا جعفر: لا يتكلم منكم أحد. أنا خطيبكم اليوم، فانتهينا الى النجاشي، وهو جالس في مجلسه وعمرو بن العاص عن يمينه، وعمارة عن يساره. والقسيسون جلوس سماطين. وقد قال له عمرو وعمارة: إنهم لا يسجدون لك، فلما انتهينا بدرنا من عنده من القسيسين والرهبان: اسجدوا للملك. فقال جعفر: لا نسجد إلا لله . فلما انتهينا الى النجاشي قال ما منعك أن تسجد؟ قال لا نسجد إلا لله. فقال له النجاشي: وما ذاك؟ قال إن الله بعث فينا رسولا - وهو الرسول الّذي بشر به عيسى بن مريم ﵊ من بعده اسمه احمد، فأمرنا أن نعبد الله ولا نشرك به شيئا، ونقيم الصلاة ونؤتى الزكاة، وأمرنا بالمعروف ونهانا عن المنكر. فأعجب النجاشي قوله، فلما رأى ذلك عمرو بن العاص، قال: أصلح الله الملك إنهم يخالفونك في عيسى بن مريم، فقال النجاشي لجعفر: ما يقول صاحبكم في ابن مريم؟ قال يقول فيه قول الله: هو روح الله وكلمته أخرجه من العذراء البتول التي لم يقربها بشر ولم يفرضها ولد. فتناول النجاشي عودا من الأرض فرفعه فقال: يا معشر القسيسين والرهبان ما يزيدون هؤلاء على ما نقول في ابن مريم ولا وزن هذه. مرحبا بكم وبمن جئتم من عنده، فانا أشهد أنه رسول الله وأنه الّذي بشر به عيسى. ولولا ما أنا فيه من الملك لأتيته حتى أقبل نعليه، امكثوا في أرضى ما شئتم، وأمر لنا بطعام وكسوة. وقال ردوا على هذين هديتهما، وكان عمرو بن العاص رجلا قصيرا، وكان عمارة رجلا جميلا، وكانا أقبلا في البحر، فشربا ومع عمرو امرأته، فلما شربا قال عمارة لعمرو مر امرأتك فلتقبلنى. فقال له عمرو: الا تستحي؟ فاخذ عمارة عمرا فرمى به في البحر، فجعل عمرو: يناشد عمارة حتى أدخله السفينة، فحقد عليه عمرو في ذلك. فقال عمرو للنجاشي: إنك إذا خرجت خلفك عمارة في أهلك، فدعا النجاشي بعمارة فنفخ في إحليله فطار مع الوحش. وهكذا رواه الحافظ البيهقي في الدلائل من طريق أبى على الحسن بن سلام السواق عن عبيد الله بن موسى فذكر باسناده مثله إلى

стр. 764

قوله: فامر لنا بطعام وكسوة. قال وهذا اسناد صحيح وظاهره يدل على أن أبا موسى كان بمكة، وأنه خرج مع جعفر بن أبى طالب إلى أرض الحبشة، والصحيح عن يزيد بن عبد الله بن أبى بردة عن جده أبى بردة عن أبى موسى: أنهم بلغهم مخرج رسول الله ﷺ وهم باليمن فخرجوا مهاجرين في بضع وخمسين رجلا في سفينة، فألقتهم سفينتهم إلى النجاشي بأرض الحبشة، فوافقوا جعفر بن أبى طالب وأصحابه عندهم، فأمره جعفر بالإقامة، فأقاموا عنده حتى قدموا على رسول الله ﷺ زمن خيبر. قال وأبو موسى شهد ما جرى بين جعفر وبين النجاشي، فأخبر عنه. قال ولعل الراويّ وهم في قوله: أمرنا رسول الله ﷺ أن ننطلق والله أعلم. وهكذا رواه البخاري في باب هجرة الحبشة. حدثنا محمد بن العلاء حدثنا أبو أسامة حدثنا يزيد بن عبد الله عن أبى بردة عن أبى موسى. قال: بلغنا مخرج النبي ﷺ ونحن باليمن، فركبنا سفينة فالقتنا سفينتنا إلى النجاشي بالحبشة، فوافقنا جعفر بن أبى طالب ﵁ فأقمنا معه حتى قدمنا فوافينا النبي ﷺ حين افتتح خيبر، فقال النبي ﷺ : «لكم أنتم أهل السفينة هجرتان» وهكذا رواه مسلم عن أبى كريب وأبى عامر عبد الله بن براد [بن يوسف بن أبى بردة بن أبى موسى] كلاهما عن أبى اسامة به، وروياه في مواضع أخر مطولا والله أعلم. وأما قصة جعفر مع النجاشي فان الحافظ ابن عساكر رواها في ترجمة جعفر بن أبى طالب من تاريخه من رواية نفسه، ومن رواية عمرو بن العاص. وعلى يديهما جرى الحديث، ومن رواية ابن مسعود كما تقدم. وأما سلمة كما سيأتي. فاما رواية جعفر فإنها عزيزة جدا. رواها ابن عساكر عن أبى القاسم السمرقندي عن أبى الحسين بن النقور عن أبى طاهر المخلص عن أبى القاسم البغوي. قال حدثنا أبو عبد الرحمن الجعفي عن عبد الله بن عمر بن أبان حدثنا أسد بن عمرو البجلي عن مجالد بن سعيد عن الشعبي عن عبد الله بن جعفر عن أبيه. قال: بعثت قريش عمرو بن العاص وعمارة بن الوليد بهدية من أبى سفيان إلى النجاشي. فقالوا له - ونحن عنده -: قد صار إليك ناس من سفلتنا وسفهائنا، فادفعهم إلينا، قال لا حتى أسمع كلامهم. قال فبعث إلينا فقال: ما يقول هؤلاء؟ قال قلنا هؤلاء قوم يعبدون الأوثان، وإن الله بعث إلينا رسولا فآمنا به وصدقناه. فقال لهم النجاشي أعبيدهم لكم؟ قالوا: لا. فقال: فلكم عليهم دين؟ قالوا لا. قال فخلوا سبيلهم. قال فخرجنا من عنده فقال عمرو بن العاص إن هؤلاء يقولون في عيسى غير ما تقول، قال إن لم يقولوا في عيسى مثل قولي لم أدعهم في أرضى ساعة من نهار. فأرسل إلينا فكانت الدعوة الثانية أشد علينا من الاولى، قال ما يقول صاحبكم في عيسى بن مريم؟ قلنا يقول: هو روح الله وكلمته ألقاها إلى عذراء بتول، قال فأرسل فقال ادعوا الى فلان القس، وفلان الراهب. فأتاه ناس منهم فقال: ما تقولون في عيسى بن مريم؟

стр. 765

فقالوا أنت أعلمنا، فما تقول؟ قال النجاشي - وأخذ شيئا من الأرض - قال ما عدا عيسى ما قال هؤلاء مثل هذا، ثم قال أيؤذيكم أحدا؟ قالوا نعم! فنادى مناد من آذى أحدا منهم فاغرموه أربعة دراهم ثم قال أيكفيكم؟ قلنا لا، فأضعفها. قال فلما هاجر رسول الله ﷺ إلى المدينة وظهر بها قلنا له إن رسول الله ﷺ قد ظهر وهاجر إلى المدينة، وقتل الذين كنا حدثناك عنهم، وقد أردنا الرحيل اليه، فردنا. قال نعم! فحملنا وزودنا. ثم قال أخبر صاحبك بما صنعت إليكم، وهذا صاحبي معكم أشهد أن لا إله إلا الله وأنه رسول الله، وقل له يستغفر لي. قال جعفر: فخرجنا حتى أتينا المدينة فتلقاني رسول الله ﷺ واعتنقني، ثم قال: «ما أدرى أنا بفتح خيبر أفرح أم بقدوم جعفر؟» ووافق ذلك فتح خيبر، ثم جلس فقال رسول النجاشي: هذا جعفر فسله ما صنع به صاحبنا؟ فقال نعم فعل بنا كذا وكذا وحملنا وزودنا، وشهد أن لا إله إلا الله وأنك رسول الله. وقال لي قل له يستغفر لي. فقام رسول الله ﷺ فتوضأ، ثم دعا ثلاث مرات «اللهمّ اغفر للنجاشي» فقال المسلمون آمين. ثم قال جعفر فقلت للرسول انطلق فأخبر صاحبك بما رأيت من رسول الله ﷺ . ثم قال ابن عساكر حسن غريب. وأما رواية أم سلمة فقد قال يونس بن بكير عن محمد بن إسحاق حدثني الزهري عن أبى بكر بن عبد الرحمن بن حارث بن هشام عن أم سلمة ﵂. أنها قالت: لما ضاقت مكة وأوذى أصحاب رسول الله ﷺ وفتنوا ورأوا ما يصيبهم من البلاء والفتنة في دينهم، وأن رسول الله ﷺ لا يستطيع دفع ذلك عنهم، وكان رسول الله في منعة من قومه ومن عمه لا يصل اليه شيء مما يكره ومما ينال أصحابه، فقال لهم رسول الله ﷺ : «إن بأرض الحبشة ملكا لا يظلم أحد عنده فالحقوا ببلاده حتى يجعل الله لكم فرجا ومخرجا مما أنتم فيه» فخرجنا اليها إرسالا حتى اجتمعنا بها، فنزلنا بخير دار إلى خير جار آمنين على ديننا، ولم نخش فيها ظلما. فلما رأت قريش أنا قد أصبنا دارا وأمنا، غاروا منا، فاجتمعوا على أن يبعثوا إلى النجاشي فينا ليخرجونا من بلاده وليردنا عليهم فبعثوا عمرو بن العاص وعبد الله بن أبى ربيعة، فجمعوا له هدايا ولبطارقته، فلم يدعوا منهم رجلا إلا هيئوا له هدية على حدة، وقالوا لهما ادفعوا إلى كل بطريق هديته قبل أن تتكلموا فيهم، ثم ادفعوا اليه هداياه فان استطعتم أن يردهم عليكم قبل أن يكلمهم فافعلوا. فقد ما عليه فلم يبق بطريق من بطارقته إلا قدموا اليه هديته، فكلموه فقالوا له: إنما قدمنا على هذا الملك في سفهائنا، فارقوا أقوامهم في دينهم ولم يدخلوا في دينكم. فبعثنا قومهم ليردهم الملك عليهم، فإذا نحن كلمناه فأشيروا عليه بأن يفعل فقالوا نفعل. ثم قدّموا إلى النجاشي هداياه، وكان من أحب ما يهدون اليه من مكة الأدم - وذكر موسى بن عقبة أنهم أهدوا اليه فرسا وجبة ديباج - فلما أدخلوا عليه هداياه. قالوا له: أيها

стр. 766

الملك: إن فتية منا سفهاء فارقوا دين قومهم ولم يدخلوا في دينك وجاءوا بدين مبتدع لا نعرفه، وقد لجئوا إلى بلادك، وقد بعثنا إليك فيهم عشائرهم، آباؤهم وأعمامهم وقومهم لتردهم عليهم، فإنهم أعلا بهم عينا، فإنهم لن يدخلوا في دينك فتمنعهم لذلك. فغضب ثم قال: لا لعمر الله! لا أردهم عليهم حتى أدعوهم، فأكلمهم وانظر ما أمرهم، قوم لجئوا الى بلادي واختاروا جواري على جوار غيري فان كانوا كما يقولون رددتهم عليهم، وان كانوا على غير ذلك منعتهم ولم أدخل بينهم وبينهم، ولم أنعم عينا -[وذكر موسى بن عقبة أن أمراءه أشاروا عليه بان يردهم اليهم. فقال: لا والله! حتى اسمع كلامهم واعلم على أي شيء هم عليه؟ فلما دخلوا عليه سلموا ولم يسجدوا له. فقال: أيها الرهط ألا تحدثوني ما لكم لا تحيونى كما يحييني من أتانا من قومكم؟ فأخبروني ماذا تقولون في عيسى وما دينكم؟ أنصارى أنتم؟ قالوا: لا. قال أفيهود أنتم؟ قالوا: لا. قال: فعلى دين قومكم؟ قالوا: لا. قال فما دينكم؟ قالوا الإسلام. قال وما الإسلام؟ قالوا نعبد الله لا نشرك به شيئا. قال: من جاءكم بهذا؟ قالوا جاءنا به رجل من أنفسنا، قد عرفنا وجهه ونسبه، بعثه الله إلينا كما بعث الرسل الى من قبلنا، فأمرنا بالبر والصدقة والوفاء وأداء الأمانة، ونهانا أن نعبد الأوثان وأمرنا بعبادة الله وحده لا شريك له، فصدقناه وعرفنا كلام الله وعلمنا أن الّذي جاء به من عند الله، فلما فعلنا ذلك عادانا قومنا وعادوا النبي الصادق وكذبوه وأرادوا قتله، وأرادونا على عبادة الأوثان، ففررنا إليك بديننا ودمائنا من قومنا. قال: والله إن هذا لمن المشكاة التي خرج منها أمر موسى. قال جعفر: وأما التحية فان رسول الله ﷺ أخبرنا أن تحية أهل الجنة السلام، وأمرنا بذلك فحييناك بالذي يحيى بعضنا بعضا. واما عيسى ابن مريم فعبد الله ورسوله وكلمته ألقاها الى مريم وروح منه وابن العذراء البتول. فاخذ عودا وقال: والله ما زاد ابن مريم على هذا وزن هذا العود. فقال عظماء الحبشة: والله لئن سمعت الحبشة لتخلعنك. فقال: والله لا أقول في عيسى غير هذا أبدا، وما أطاع الله الناس في حين رد على ملكي فأطع الناس في دين الله. معاذ الله من ذلك. وقال يونس عن ابن إسحاق (١)] فأرسل اليهم النجاشي فجمعهم ولم يكن شيء أبغض لعمرو بن العاص وعبد الله بن أبى ربيعة من أن يسمع كلامهم، فلما جاءهم رسول النجاشي اجتمع القوم فقالوا ماذا تقولون؟ فقالوا وماذا نقول، نقول والله ما نعرف، وما نحن عليه من أمر ديننا، وما جاء به نبينا ﷺ كائن من ذلك ما كان، فلما دخلوا عليه كان الّذي يكلمه منهم جعفر بن أبى طالب ﵁. فقال له النجاشي: ما هذا الدين الّذي أنتم عليه؟ فارقتم دين قومكم ولم تدخلوا في يهودية، ولا نصرانية. فقال له جعفر: أيها الملك كنا قوما على الشرك نعبد الأوثان ونأكل الميتة ونسيء الجوار، يستحل المحارم بعضنا من

стр. 767

بعض في سفك الدماء وغيرها، لأنحل شيئا ولا نحرمه. فبعث الله إلينا نبيا من أنفسنا نعرف وفاءه وصدقه وأمانته فدعانا الى أن نعبد الله وحده لا شريك له ونصل الأرحام وتحمى الجوار ونصلي لله ، ونصوم له، ولا نعبد غيره. وقال زياد عن ابن إسحاق: فدعانا الى الله لنوحده ونعبده ونخلع ما كنا نعبد نحن وآباؤنا من دونه من الحجارة والأوثان، وأمرنا بصدق الحديث وأداء الأمانة وصلة الأرحام وحسن الجوار والكف عن المحارم والدماء، ونهانا عن الفواحش وقول الزور وأكل مال اليتيم وقذف المحصنة، وأمرنا أن نعبد الله ولا نشرك به شيئا، وأمرنا بالصلاة والزكاة والصيام. قال - فعدوا عليه أمور الإسلام - فصدقناه وآمنا به واتبعناه على ما جاء به من عند الله، فعبدنا الله وحده لا شريك له ولم نشرك به شيئا، وحرمنا ما حرم علينا وأحللنا ما أحل لنا، فعدا علينا قومنا فعذبونا ليفتنونا عن ديننا ويردونا الى عبادة الأوثان من عبادة الله، وأن نستحل ما كنا نستحل من الخبائث، فلما قهرونا وظلمونا وضيقوا علينا وحالوا بيننا وبين ديننا خرجنا الى بلادك واخترناك على من سواك ورغبنا في جوارك ورجونا أن لا نظلم عندك أيها الملك. قالت فقال النجاشي: هل معك شيء مما جاء به؟ وقد دعا اساقفته فأمرهم فنشروا المصاحف حوله. فقال له جعفر! نعم: قال هلم فاتل على مما جاء به، فقرأ عليه صدرا من كهيعص فبكى والله النجاشي حتى أخضلت لحيته وبكت أساقفته حتى أخضلوا مصاحفهم. ثم قال: إن هذا الكلام ليخرج من المشكاة التي جاء بها موسى، انطلقوا راشدين لا والله لا أردهم عليكم ولا أنعمكم علينا. فخرجنا من عنده وكان أبقى الرجلين فينا عبد الله بن ربيعة. فقال عمرو بن العاص: والله لآتينه غدا بما استأصل به خضراءهم، ولأخبرنه أنهم يزعمون ان إلهه الّذي يعبد عيسى بن مريم عبد. فقال له عبد الله بن أبى ربيعة: لا تفعل فإنهم وان كانوا خالفونا فان لهم رحما ولهم حقا. فقال: والله لأفعلن! فلما كان الغد دخل عليه فقال: أيها الملك إنهم يقولون في عيسى قولا عظيما، فأرسل اليهم فسلهم عنه. فبعث والله اليهم ولم ينزل بنا مثلها، فقال بعضنا لبعض ماذا تقولون له في عيسى ان هو يسألكم عنه؟ فقالوا: نقول والله الّذي قاله الله فيه، والّذي أمرنا نبينا ان نقوله فيه فدخلوا عليه وعنده بطارقته فقال ما تقولون في عيسى بن مريم؟ فقال له جعفر: نقول هو عبد الله ورسوله وروحه وكلمته ألقاها الى مريم العذراء البتول. فدلى النجاشي يده الى الأرض فأخذ عودا بين إصبعيه فقال: ما عدا عيسى بن مريم مما قلت هذا العويد. فتناخرت بطراقته. فقال: وان تناخرتم والله! اذهبوا فأنتم سيوم في الأرض - السيوم الآمنون في الأرض، من سبكم غرم، من سبكم غرم، من سبكم غرم، ثلاثا ما أحب أن لي دبرا وإني آذيت رجلا منكم - والدبر بلسانهم الذهب. وقال زياد عن ابن إسحاق ما أحبّ أن لي دبرا من ذهب. قال

стр. 768

ابن هشام: ويقال زبرا وهو الجبل بلغتهم. ثم قال النجاشي: فو الله ما أخذ الله منى الرشوة حين رد عليّ ملكي، ولا أطاع الناس في فأطيع الناس فيه. ردوا عليهما هدايا هم فلا حاجة لي بها. واخرجا من بلادي فخرجا مقبوحين مردودا عليهما ما جاءا به. قالت: فأقمنا مع خير جار في خير دار، فلم نشب أن خرج عليه رجل من الحبشة ينازعه في ملكه، فو الله ما علمنا حزنا حزنّا قط هو أشد منه، فرقا من أن يظهر ذلك الملك عليه فيأتى ملك لا يعرف من حقنا ما كان يعرفه، فجعلنا ندعوا الله ونستنصره للنجاشي فخرج اليه سائرا فقال أصحاب رسول الله ﷺ بعضهم لبعض: من يخرج فيحضر الوقعة حتى ينظر على من تكون؟ وقال الزبير - وكان من أحدثهم سنا - أنا، فنفخوا له قربة فجعلها في صدره، فجعل يسبح عليها في النيل حتى خرج من شقه الآخر الى حيث التقى الناس، فحضر الوقعة فهزم الله ذلك الملك وقتله، وظهر النجاشي عليه. فجاءنا الزبير فجعل يليح لنا بردائه ويقول ألا فابشروا، فقد أظهر الله النجاشي. قلت: فو الله ما علمنا [أننا] فرحنا بشيء قط فرحنا بظهور النجاشي ثم أقمنا عنده حتى خرج من خرج منا الى مكة، وأقام من أقام. قال الزهري فحدثت هذا الحديث عروة بن الزبير عن أم سلمة. فقال عروة: أتدري ما قوله ما أخذ الله منى الرشوة حين رد على ملكي فآخذ الرشوة فيه، ولا أطاع الناس في فأطيع الناس فيه؟ فقلت لا! ما حدثني ذلك أبو بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام عن أم سلمة. فقال عروة: فان عائشة حدثتني أن أباه كان ملك قومه، وكان له أخ له من صلبه اثنا عشر رجلا ولم يكن لأب النجاشي ولد غير النجاشي فادارت الحبشة رأيها بينها فقالوا: لو انا قتلنا ابا النجاشي وملكنا أخاه فان له اثنا عشر رجلا من صلبه فتوارثوا الملك، لبقيت الحبشة عليهم دهرا طويلا لا يكون بينهم اختلاف، فعدوا عليه فقتلوه وملكوا أخاه. فدخل النجاشي بعمه حتى غلب عليه فلا يدبر أمره غيره، وكان لبيبا حازما من الرجال، فلما رأت الحبشة مكانه من عمه قالوا قد غلب هذا الغلام على أمر عمه فما نأمن أن يملكه علينا وقد عرف أنا قتلنا أباه، فلئن فعل لم يدع منا شريفا الا قتله، فكلموه فيه فليقتله أو ليخرجنه من بلادنا، فمشوا الى عمه فقالوا: قد رأينا مكان هذا الفتى منك، وقد عرفت أنا قتلنا أباه وجعلناك مكانه وانا لا نأمن أن يملك علينا فيقتلنا، فأما ان تقتله واما أن تخرجه من بلادنا. قال: ويحكم قتلتم أباه بالأمس واقتله اليوم. بل أخرجه من بلادكم. فخرجوا به فوقفوه في السوق وباعوه من تاجر من التجار قذفه في سفينة بستمائة درهم أو بسبعمائة فانطلق به فلما كان العشي هاجت سحابة من سحائب الخريف فخرج عمه يتمطر تحتها فأصابته صاعقة فقتلته ففزعوا الى ولده فاذاهم محمقون ليس في أحد منهم خير فمرج على الحبشة أمرهم. فقال بعضهم لبعض: تعلمون والله ان ملككم الّذي لا يصلح أمركم غيره للذي بعتم الغداة، فان كان لكم بأمر الحبشة

стр. 769

حاجة فأدركوه قبل أن يذهب، فخرجوا في طلبه فأدركوه فردوه فعقدوا عليه تاجه وأجلسوه على سريره وملكوه، فقال التاجر: ردوا على مالي كما أخذتم منى غلامي، فقالوا: لا نعطيك. فقال: إذا والله لأكلمنه، فمشى اليه فكلمه فقال أيها الملك انى ابتعت غلاما فقبض منى الّذي باعوه ثمنه، ثم عدوا على غلامي فنزعوه من يدي ولم يردوا على مالي، فكان أول ما خبر به من صلابة حكمه وعدله ان قال: لتردن عليه ماله، أو لتجعلن يد غلامه في يده فليذهبن به حيث شاء. فقالوا: بل نعطيه ماله فأعطوه إياه، فلذلك يقول: ما أخذ الله منى الرشوة فآخذ الرشوة حين رد على ملكي، وما أطاع الناس فىّ فأطيع الناس فيه. وقال موسى بن عقبة: كان أبو النجاشي ملك الحبشة، فمات والنجاشي غلام صغير فاوصى الى أخيه أن إليك ملك قومك حتى يبلغ ابني، فإذا بلغ فله الملك فرغب أخوه في الملك فباع النجاشي من بعض التجار فمات عمه من ليلته وقضى، فردت الحبشة النجاشي حتى وضعوا التاج على رأسه هكذا ذكره مختصرا وسياق ابن إسحاق أحسن وابسط فالله أعلم. والّذي وقع في سياق ابن إسحاق انما هو ذكر عمرو بن العاص وعبد الله بن أبى ربيعة، والّذي ذكره موسى بن عقبة والأموي وغير واحد أنهما عمرو بن العاص وعمارة بن الوليد بن المغيرة وهو أحد السبعة الذين دعا عليهم رسول الله ﷺ حين تضاحكوا يوم وضع سلا الجزور على ظهره ﷺ وهو ساجد عند الكعبة. وهكذا تقدم في حديث ابن مسعود وأبى موسى الأشعري. والمقصود انهما حين خرجا من مكة كانت زوجة عمرو معه وعمارة كان شابا حسنا فاصطحبا في السفينة وكان عمارة طمع في امرأة عمرو ابن العاص، فألقى عمرا في البحر ليهلكه فسبح حتى رجع اليها. فقال له عمارة: لو أعلم أنك تحسن السباحة لما ألقيتك، فحقد عمرو عليه فلما لم يقض لهما حاجة في المهاجرين من النجاشي، وكان عمارة قد توصل إلى بعض أهل النجاشي فوشى به عمرو فأمر به النجاشي فسحر حتى ذهب عقله وساح في البرية مع الوحوش. - وقد ذكر الأموي - قصة مطولة جدا وأنه عاش إلى زمن إمارة عمر بن الخطاب، وأنه تقصده بعض الصحابة ومسكه فجعل يقول أرسلنى أرسلنى وإلا مت فلما لم يرسله مات من ساعته فالله اعلم. وقد قيل أن قريشا بعثت إلى النجاشي في أمر المهاجرين مرتين الأول مع عمرو بن العاص وعمارة والثانية مع عمرو، وعبد الله بن أبى ربيعة. نص عليه أبو نعيم في الدلائل والله أعلم. وقد قيل: إن البعثة الثانية كانت بعد وقعة بدر قاله الزهري، لينالوا ممن هناك ثأرا فلم يجبهم النجاشي ﵁ وأرضاه إلى شيء مما سألوا فالله أعلم. وقد ذكر زياد عن ابن إسحاق: أن أبا طالب لما رأى ذلك من صنيع قريش كتب إلى النجاشي أبياتا يحضه فيها على العدل وعلى الإحسان إلى من نزل عنده من قومه:

стр. 770

ألا ليت شعرى كيف في النأى جعفر … وعمرو وأعداء العدو الأقارب وما نالت أفعال النجاشي جعفرا … وأصحابه أو عاق ذلك شاغب نعلم أبيت اللعن أنك ماجد … كريم فلا يشقى إليك المجانب ونعلم بأنّ الله زادك بسطة … وأسباب خير كلها بك لازب وقال يونس عن ابن إسحاق: حدثني يزيد بن رومان عن عروة بن الزبير. قال: إنما كان يكلم النجاشي عثمان بن عفان ﵁، والمشهور أن جعفرا هو المترجم ﵃. وقال زياد البكائي عن ابن إسحاق: حدثني يزيد بن رومان عن عروة عن عائشة ﵂. قالت لما مات النجاشي كان يتحدث أنه لا يزال يرى على قبره نور، ورواه أبو داود عن محمد بن عمرو الرازيّ عن سلمة بن الفضل عن محمد بن إسحاق به لما مات النجاشي ﵁ كنا نتحدث أنه لا يزال يرى على قبره نور. وقال زياد عن محمد بن إسحاق: حدثني جعفر بن محمد عن أبيه. قال اجتمعت الحبشة فقالوا للنجاشي: إنك فارقت ديننا وخرجوا عليه، فأرسل إلى جعفر وأصحابه فهيأ لهم سفنا. وقال: اركبوا فيها وكونوا كما أنتم، فان هزمت فامضوا حتى تلحقوا بحيث شئتم وان ظفرت فأثبتوا. ثم عمد إلى كتاب فكتب فيه هو يشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا عبده ورسوله، ويشهد أن عيسى عبده ورسوله وروحه وكلمته ألقاها إلى مريم ثم جعله في قبائه عند المنكب الأيمن وخرج إلى الحبشة وصفوا له. فقال: يا معشر الحبشة الست أحق الناس بكم؟ قالوا: بلى! قال: فكيف أنتم بسيرتي فيكم؟ قالوا خير سيرة. قال: فما بكم؟ قالوا فارقت ديننا، وزعمت أن عيسى عبده ورسوله. قال؟ فما تقولون أنتم في عيسى؟ قالوا: نقول هو ابن الله. فقال النجاشي - ووضع يده على صدره على قبائه -: وهو يشهد أن عيسى بن مريم لم يزد على هذا، وإنما يعنى على ما كتب، فرضوا وانصرفوا. فبلغ رسول الله ﷺ فلما مات النجاشي صلى عليه واستغفر له. وقد ثبت في الصحيحين من حديث أبى هريرة ﵁: أن رسول الله ﷺ نعى النجاشي في اليوم الّذي مات فيه وخرج بهم إلى المصلى فصف بهم وكبر أربع تكبيرات. وقال البخاري: موت النجاشي حدثنا أبو الربيع حدثنا ابن عيينة عن ابن جريج عن عطاء عن جابر. قال قال رسول الله ﷺ حين مات النجاشي - مات اليوم رجل صالح فقوموا فصلوا على أخيكم أصحمة. وروى ذلك من حديث أنس بن مالك وابن مسعود وغير واحد وفي بعض الروايات تسميته أصحمة، وفي رواية مصحمة وهو أصحمة بن بحر (١) وكان عبدا صالحا لبيبا زكيا وكان عادلا عالما ﵁ وأرضاه. وقال يونس عن ابن إسحاق اسم النجاشي مصحمة وفي نسخة صححها البيهقي اصحم وهو بالعربية عطية

стр. 771

قال وإنما النجاشي اسم الملك: كقولك كسرى، هرقل. قلت: كذا ولعله يريد به قيصر فإنه علم لكل من ملك الشام مع الجزيرة من بلاد الروم، وكسرى علم على من ملك الفرس، وفرعون علم لمن ملك مصر كافة، والمقوقس لمن ملك الإسكندرية وتبع لمن ملك اليمن والشحر، والنجاشي لمن ملك الحبشة وبطليموس لمن ملك اليونان وقيل الهند وخاقان لمن ملك الترك. وقال بعض العلماء إنما صلّى عليه لانه كان يكتم إيمانه من قومه فلم يكن عنده يوم مات من يصلى عليه فلهذا صلّى عليه ﷺ . قالوا: فالغائب ان كان قد صلّى عليه ببلده لا تشرع الصلاة عليه ببلد أخرى؟ ولهذا لم يصل النبي ﷺ في غير المدينة، لا أهل مكة ولا غيرهم وهكذا أبو بكر وعمر وعثمان وغيرهم من الصحابة لم ينقل أنه صلّى على أحد منهم في غير البلدة التي صلى عليه فيها فالله أعلم. قلت: وشهود أبى هريرة ﵁ الصلاة على النجاشي، دليل على أنه إنما مات بعد فتح خيبر (١) التي قدم بقية المهاجرين إلى الحبشة مع جعفر بن أبى طالب ﵁ يوم فتح خيبر ولهذا روى أن النبي ﷺ قال: «والله ما أدرى بأيهما أنا أسر بفتح خيبر أم بقدوم جعفر بن أبى طالب» وقدموا معهم بهدايا وتحف من عند النجاشي ﵁ إلى النبي ﷺ وصحبتهم أهل السفينة اليمنية أصحاب أبى موسى الأشعري وقومه من الأشعريين ﵃، ومع جعفر وهدايا النجاشي ابن أخى النجاشي ذو نخترا أو ذو مخمرا أرسله ليخدم النبي ﷺ عوضا عن عمه ﵄ وأرضاهما. وقال السهيليّ: توفى النجاشي في رجب سنة تسع من الهجرة وفي هذا نظر والله أعلم. وقال البيهقي أنبأنا الفقيه أبو إسحاق إبراهيم بن محمد بن إبراهيم الطوسي حدثنا أبو العباس محمد بن يعقوب حدثنا هلال بن العلاء الرقى حدثنا أبى العلاء بن مدرك حدثنا أبو هلال بن العلاء عن أبيه عن أبى غالب عن أبى أمامة. قال قدم وفد النجاشي على رسول الله ﷺ فقام يخدمهم، فقال أصحابه: نحن نكفيك يا رسول الله. فقال: «انهم كانوا لأصحابى مكرمين وإني أحب أن أكافيهم». ثم قال وأخبرنا أبو محمد عبد الله بن يوسف الأصبهاني أنبأنا أبو سعيد بن الأعرابي حدثنا هلال بن العلاء حدثنا أبى حدثنا طلحة بن زيد عن الأوزاعي عن يحيى بن أبى كثير عن أبى سلمة عن أبى قتادة. قال: قدم وفد النجاشي على رسول الله ﷺ فقام رسول الله ﷺ يخدمهم فقال أصحابه: نحن نكفيك يا رسول الله. فقال: «انهم كانوا لأصحابنا مكرمين وإني أحب أن أكافيهم». تفرد به طلحة بن زيد عن الأوزاعي. وقال البيهقي حدثنا أبو الحسين بن بشران حدثنا أبو عمرو بن السماك حدثنا حنبل بن إسحاق حدثنا الحميدي حدثنا سفيان حدثنا عمرو.

стр. 772

قال: لما قدم عمرو بن العاص من أرض الحبشة جلس في بيته فلم يخرج اليهم، فقالوا: ما شأنه ماله لا يخرج؟ فقال عمرو ان اصحمة يزعم أن صاحبكم نبي. قال ابن إسحاق: ولما قدم عمرو بن العاص وعبد الله بن أبى ربيعة على قريش ولم يدركوا ما طلبوا من أصحاب رسول الله ﷺ ، وردهم النجاشي بما يكرهون، وأسلم عمر بن الخطاب وكان رجلا ذا شكيمة لا يرام ما وراء ظهره امتنع به أصحاب رسول الله ﷺ وبحمزة حتى غاظوا قريشا فكان عبد الله بن مسعود يقول: ما كنا نقدر على أن نصلي عند الكعبة حتى أسلم عمر فلما أسلم عمر قاتل قريشا حتى صلى عند الكعبة وصلينا معه. قلت: وثبت في صحيح البخاري عن ابن مسعود أنه قال: ما زلنا أعزة منذ أسلم عمر بن الخطاب وقال زياد البكائي حدثني مسعر بن كدام عن سعد بن إبراهيم. قال قال ابن مسعود: إن إسلام عمر كان فتحا، وإن هجرته كانت نصرا، وإن إمارته كانت رحمة، ولقد كنا وما نصلي عند الكعبة حتى أسلم عمر، فلما أسلم عمر قاتل قريشا حتى صلّى عند الكعبة وصلينا معه. قال ابن إسحاق: وكان إسلام عمر بعد خروج من خرج من أصحاب رسول الله ﷺ إلى الحبشة. حدثني عبد الرحمن بن الحارث بن عبد الله بن عياش بن أبى ربيعة عن عبد العزيز بن عبد الله بن عامر بن ربيعة عن أمه أم عبد الله بنت أبى حثمة قالت: والله إنا لنترحل إلى أرض الحبشة وقد ذهب عامر في بعض حاجتنا، إذ أقبل عمر فوقف على وهو على شركه، فقالت وكنا نلقى منه أذى لنا وشدة علينا قالت فقال إنه الانطلاق يا أم عبد الله، قلت نعم! والله لنخرجن في أرض من أرض الله إذ آذيتمونا وقهرتمونا؟ حتى يجعل الله لنا مخرجا. قالت فقال صحبكم الله ورأيت له رقة لم أكن أراها ثم انصرف وقد أحزنه فيما ارى خروجنا قالت فجاء عامر بحاجتنا تلك فقلت له يا أبا عبد الله لو رأيت عمر آنفا ورقته وحزنه علينا قال: أطمعت في إسلامه قالت قلت نعم! قال لا يسلم الّذي رأيت حتى يسلم حمار الخطاب، قالت يأسا منه لما كان يرى من غلظته وقسوته على الإسلام. قلت: هذا يرد قول من زعم أنه كان تمام الأربعين من المسلمين فان المهاجرين إلى الحبشة كانوا فوق الثمانين، اللهمّ إلا أن يقال إنه كان تمام الأربعين بعد خروج المهاجرين ويؤيد هذا ما ذكره ابن إسحاق هاهنا في قصة إسلام عمر وحده ﵁، وسياقها فإنه قال: وكان إسلام عمر فيما بلغني أن أخته فاطمة بنت الخطاب وكانت عند سعيد بن زيد بن عمرو بن نفيل كانت قد أسلمت وأسلم زوجها سعيد بن زيد وهم مستخفون بإسلامهم من عمر، وكان نعيم بن عبد الله النحام رجل من بنى عدي قد أسلم أيضا مستخفيا بإسلامه من قومه، وكان خباب بن الأرت يختلف إلى فاطمة بنت الخطاب يقرئها القرآن فخرج عمر يوما متوشحا سيفه يريد رسول الله ﷺ ورهطا من أصحابه

стр. 773

فذكروا له أنهم قد اجتمعوا في بيت عند الصفا وهم قريب من أربعين من بين رجال ونساء ومع رسول الله ﷺ عمه حمزة وأبو بكر بن أبى قحافة الصديق وعلى بن أبى طالب ﵃، في رجال من المسلمين ممن كان أقام مع رسول الله ﷺ بمكة ولم يخرج فيمن خرج إلى أرض الحبشة. فلقيه نعيم بن عبد الله فقال أين تريد يا عمر؟ قال أريد محمدا هذا الصابي الّذي فرق أمر قريش وسفه أحلامها وعاب دينها وسب آلهتها فأقتله. فقال له نعيم: والله لقد غرتك نفسك يا عمر، أترى بنى عبد مناف تاركيك تمشى على الأرض وقد قتلت محمدا؟ أفلا ترجع إلى أهل بيتك فتقيم أمرهم قال: وأي أهل بيتي، قال ختنك وابن عمك سعيد بن زيد وأختك فاطمة فقد والله أسلما وتابعا محمدا ﷺ على دينه، فعليك بهما فرجع عمر عائدا إلى أخته فاطمة وعندها خباب بن الأرت معه صحيفة فيها طه يقريها إياها فلما سمعوا حس عمر تغيب خباب في مخدع لهم - أو في بعض البيت - وأخذت فاطمة بنت الخطاب الصحيفة فجعلتها تحت فخذها وقد سمع عمر حين دنا إلى الباب قراءة خباب عليها: فلما دخل قال ما هذه الهينمة التي سمعت؟ قالا له ما سمعت شيئا. قال بلى والله لقد أخبرت أنكما تابعتما محمدا على دينه وبطش بختنه سعيد بن زيد. فقامت اليه أخته فاطمة بنت الخطاب لتكفه عن زوجها فضربها فشجها، فلما فعل ذلك قالت له أخته وختنه نعم قد أسلمنا وآمنا بالله ورسوله فاصنع ما بدا لك، فلما رأى عمر ما بأخته من الدم ندم على ما صنع وارعوى، وقال لأخته أعطينى هذه الصحيفة التي كنتم تقرءون آنفا انظر ما هذا الّذي جاء به محمدا؟ وكان عمر كاتبا فلما قال ذلك قالت له أخته إنا نخشاك عليها، قال لا تخافي وحلف لها بآلهته ليردنها إذا قرأها اليها، فلما قال ذلك طمعت في إسلامه فقالت يا أخى انك نجس على شركك، وإنه ﴿لا يَمَسُّهُ إِلاَّ الْمُطَهَّرُونَ﴾ فقام عمر فاغتسل فأعطته الصحيفة وفيها طه فقرأها فلما قرأ منها صدرا. قال: ما أحسن هذا الكلام وأكرمه. فلما سمع ذلك خباب بن الأرت خرج اليه فقال له: والله يا عمر إني لأرجو أن يكون الله قد خصك بدعوة نبيه ﷺ ، فانى سمعته أمس وهو يقول: اللهمّ أيد الإسلام بابي الحكم بن هشام - أو بعمر بن الخطاب - فالله الله يا عمر فقال عند ذلك: فدلني يا خباب على محمد حتى آتيه فأسلم. فقال له خباب: هو في بيت عند الصفا معه نفر من أصحابه، فاخذ عمر سيفه فتوشحه ثم عمد إلى رسول الله ﷺ وأصحابه فضرب عليهم الباب، فلما سمعوا صوته قام رجل من أصحاب رسول الله ﷺ فنظر من خلل الباب فإذا هو بعمر متوشح بالسيف فرجع إلى رسول الله ﷺ وهو فزع فقال: يا رسول الله هذا عمر بن الخطاب متوشحا بالسيف، فقال حمزة فاذن له فان كان جاء يريد خيرا بذلناه وإن كان يريد شرا قتلناه بسيفه. فقال رسول الله ﷺ «ايذن له» فاذن له الرجل ونهض اليه رسول الله ﷺ حتى لقيه في الحجرة فاخذ بحجزته أو بمجمع ردائه ثم جذبه جذبة شديدة

стр. 774

فقال ما جاء بك يا ابن الخطاب؟ فو الله ما أرى أن تنتهي حتى ينزل الله بك قارعة، فقال عمر يا رسول الله جئتك لأومن بالله ورسوله وبما جاء من عند الله، قال فكبر رسول الله ﷺ تكبيرة فعرف أهل البيت أن عمر قد أسلم، فتفرق أصحاب رسول الله ﷺ من مكانهم وقد عزوا في أنفسهم حين أسلم عمر مع إسلام حمزة وعلموا أنهما سيمنعان رسول الله ﷺ ، وينتصفون بهما من عدوهم قال ابن إسحاق فهذا حديث الرواة من أهل المدينة عن إسلام عمر حين أسلم ﵁. قال ابن إسحاق: وحدثنى عبد الله بن أبى نجيح المكيّ عن أصحابه عطاء ومجاهد وعمن روى ذلك: أن إسلام عمر فيما تحدثوا به عنه أنه كان يقول كنت للإسلام مباعدا وكنت صاحب خمر في الجاهلية أحبها وأشربها، وكان لنا مجلس يجتمع فيه رجال من قريش بالحزورة فخرجت ليلة أريد جلسائي أولئك فلم أجد فيه منهم أحدا فقلت لو أنى جئت فلانا الخمار لعلى أجد عنده خمرا فاشرب منها، فخرجت فجئته فلم أجده قال فقلت لو انى جئت الكعبة فطفت سبعا أو سبعين، قال فجئت المسجد فإذا رسول الله ﷺ قائم يصلى، وكان إذا صلّى استقبل الشام وجعل الكعبة بينه وبين الشام وكان مصلاه بين الركنين الأسود واليماني، قال فقلت حين رأيته والله لو انى استمعت لمحمد الليلة حتى اسمع ما يقول فقلت لئن دنوت منه لاستمع منه لاروعنه. فجئت من قبل الحجر فدخلت تحت ثيابها فجعلت أمشى رويدا ورسول الله ﷺ قائم يصلى يقرأ القرآن، حتى قمت في قبلته مستقبله ما بيني وبينه إلا ثياب الكعبة. قال: فلما سمعت القرآن رق له قلبي وبكيت ودخلني الإسلام، فلم أزل في مكاني قائما حتى قضى رسول الله ﷺ صلاته ثم انصرف وكان إذا انصرف خرج على دار ابن أبى حسين - وكان مسكنه في الدار الرقطاء التي كانت بيده معاوية -. قال عمر: فتبعته حتى إذا دخل بين دار عباس ودار ابن أزهر أدركته، فلما سمع حسي عرفني فظن أنى انما اتبعته لاوذيه، فنهمنى (١) ثم قال ما جاء بك يا ابن الخطاب هذه الساعة؟ قال قلت جئت لأومن بالله وبرسوله وبما جاء من عند الله. قال فحمد الله رسول الله ﷺ ثم قال: «قد هداك الله يا عمر» ثم مسح صدري ودعا لي بالثبات ثم انصرفت ودخل رسول الله ﷺ بيته. قال ابن إسحاق فالله أعلم أي ذلك كان. قلت: وقد استقصيت كيفية إسلام عمر ﵁ وما ورد في ذلك من الأحاديث والآثار مطولا في أول سيرته التي أفردتها على حدة ولله الحمد والمنة. قال ابن إسحاق وحدثني نافع مولى ابن عمر عن ابن عمر. قال: لما أسلم عمر قال: أي قريش انقل للحديث؟ فقيل له جميل بن معمر الجمحيّ فغدا عليه، قال عبد الله وغدوت أتبع أثره وانظر ما يفعل - وأنا غلام أعقل كلما رأيت - حتى جاءه فقال له: أعلمت يا جميل انى أسلمت ودخلت في دين

стр. 775

محمد ﷺ ؟ قال فو الله ما راجعه حتى قام يجر رداءه واتبعه عمر واتبعته أنا حتى قام على باب المسجد صرخ بأعلى صوته يا معشر قريش - وهم في أنديتهم حول الكعبة - ألا إن ابن الخطاب قد صبا. قال يقول عمر من خلفه كذب ولكنى قد أسلمت وشهدت أن لا إله إلا الله وان محمدا رسول الله وثاروا اليه فما برح يقاتلهم ويقاتلونه حتى قامت الشمس على رءوسهم. قال وطلح (١) فقعد وقاموا على رأسه وهو يقول: افعلوا ما بدا لكم فاحلف بالله ان لو قد كنا ثلاثمائة رجل لقد تركناها لكم أو تركتموها لنا. قال فبينما هم على ذلك إذ أقبل شيخ من قريش عليه حلة حبرة وقميص موشى حتى وقف عليهم فقال ما شأنكم؟ فقالوا صبأ عمر، قال فمه؟ رجل اختار لنفسه امرا فماذا تريدون؟ أترون بنى عدي يسلمون لكم صاحبهم هكذا؟ خلوا عن الرجل. قال فو الله لكأنما كانوا ثوبا كشط عنه. قال فقلت لأبى بعد أن هاجر الى المدينة: يا أبة من الرجل الّذي زجر القوم عنك بمكة يوم أسلمت وهم يقاتلونك؟ قال: ذاك أي بنى العاص بن وائل السهمي، وهذا اسناد جيد قوى، وهو يدل على تأخر إسلام عمر لأن ابن عمر عرض يوم أحد وهو ابن أربع عشرة سنة وكانت أحد في سنة ثلاث من الهجرة وقد كان مميزا يوم أسلم أبوه، فيكون إسلامه قبل الهجرة بنحو من أربع سنين، وذلك بعد البعثة بنحو تسع سنين والله أعلم. وقال البيهقي: حدثنا الحاكم أخبرنا الأصم أخبرنا احمد بن عبد الجبار حدثنا يونس عن ابن إسحاق. قال ثم قدم على رسول الله ﷺ عشرون رجلا وهو بمكة - أو قريب من ذلك - من النصارى حين ظهر خبره من أرض الحبشة فوجدوه في المجلس، فكلموه وسألوه ورجال من قريش في أنديتهم حول الكعبة فلما فرغوا من مساءلتهم رسول الله ﷺ عما أرادوا، دعاهم رسول الله ﷺ الى الله وتلا عليهم القرآن، فلما سمعوا فاضت أعينهم من الدمع ثم استجابوا له وآمنوا به وصدقوه وعرفوا منه ما كان يوصف لهم في كتابهم من أمره، فلما قاموا من عنده اعترضهم أبو جهل في نفر من قريش فقال: خيبكم الله من ركب بعثكم من وراءكم من أهل دينكم ترتادون لهم فتأتونهم بخبر الرجل، فلم تطمئن مجالسكم عنده حتى فارقتم دينكم وصدقتموه بما قال لكم، ما نعلم ركبا أحمق منكم - أو كما قال - قالوا لهم: لا نجاهلكم سلام عليكم لنا أعمالنا ولكم أعمالكم لا نألون أنفسنا خيرا. فيقال إن النفر من نصارى نجران، والله أعلم أي ذلك كان. ويقال والله أعلم أن فيهم نزلت هذه الآيات: ﴿الَّذِينَ آتَيْناهُمُ الْكِتابَ مِنْ قَبْلِهِ هُمْ بِهِ يُؤْمِنُونَ * وَإِذا يُتْلى عَلَيْهِمْ قالُوا آمَنّا بِهِ إِنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّنا إِنّا كُنّا مِنْ قَبْلِهِ مُسْلِمِينَ، * أُولئِكَ يُؤْتَوْنَ أَجْرَهُمْ مَرَّتَيْنِ بِما صَبَرُوا وَيَدْرَؤُنَ بِالْحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ وَمِمّا رَزَقْناهُمْ يُنْفِقُونَ، * وَإِذا سَمِعُوا اللَّغْوَ أَعْرَضُوا عَنْهُ وَقالُوا لَنا أَعْمالُنا وَلَكُمْ أَعْمالُكُمْ سَلامٌ عَلَيْكُمْ لا نَبْتَغِي الْجاهِلِينَ﴾.
следующие страницы →