قال وإنما النجاشي اسم الملك: كقولك كسرى، هرقل.
قلت: كذا ولعله يريد به قيصر فإنه علم لكل من ملك الشام مع الجزيرة من بلاد الروم، وكسرى علم على من ملك الفرس، وفرعون علم لمن ملك مصر كافة، والمقوقس لمن ملك الإسكندرية وتبع لمن ملك اليمن والشحر، والنجاشي لمن ملك الحبشة وبطليموس لمن ملك اليونان وقيل الهند وخاقان لمن ملك الترك. وقال بعض العلماء إنما صلّى عليه لانه كان يكتم إيمانه من قومه فلم يكن عنده يوم مات من يصلى عليه فلهذا صلّى عليه ﷺ . قالوا: فالغائب ان كان قد صلّى عليه ببلده لا تشرع الصلاة عليه ببلد أخرى؟ ولهذا لم يصل النبي ﷺ في غير المدينة، لا أهل مكة ولا غيرهم وهكذا أبو بكر وعمر وعثمان وغيرهم من الصحابة لم ينقل أنه صلّى على أحد منهم في غير البلدة التي صلى عليه فيها فالله أعلم.
قلت: وشهود أبى هريرة ﵁ الصلاة على النجاشي، دليل على أنه إنما مات بعد فتح خيبر (١) التي قدم بقية المهاجرين إلى الحبشة مع جعفر بن أبى طالب ﵁ يوم فتح خيبر ولهذا
روى أن النبي ﷺ قال: «والله ما أدرى بأيهما أنا أسر بفتح خيبر أم بقدوم جعفر بن أبى طالب» وقدموا معهم بهدايا وتحف من عند النجاشي ﵁ إلى النبي ﷺ وصحبتهم أهل السفينة اليمنية أصحاب أبى موسى الأشعري وقومه من الأشعريين ﵃، ومع جعفر وهدايا النجاشي ابن أخى النجاشي ذو نخترا أو ذو مخمرا أرسله ليخدم النبي ﷺ عوضا عن عمه ﵄ وأرضاهما. وقال السهيليّ: توفى النجاشي في رجب سنة تسع من الهجرة وفي هذا نظر والله أعلم.
وقال البيهقي أنبأنا الفقيه أبو إسحاق إبراهيم بن محمد بن إبراهيم الطوسي حدثنا أبو العباس محمد بن يعقوب حدثنا هلال بن العلاء الرقى حدثنا أبى العلاء بن مدرك حدثنا أبو هلال بن العلاء عن أبيه عن أبى غالب عن أبى أمامة. قال قدم وفد النجاشي على رسول الله ﷺ فقام يخدمهم، فقال أصحابه: نحن نكفيك يا رسول الله. فقال: «انهم كانوا لأصحابى مكرمين وإني أحب أن أكافيهم». ثم
قال وأخبرنا أبو محمد عبد الله بن يوسف الأصبهاني أنبأنا أبو سعيد بن الأعرابي حدثنا هلال بن العلاء حدثنا أبى حدثنا طلحة بن زيد عن الأوزاعي عن يحيى بن أبى كثير عن أبى سلمة عن أبى قتادة. قال: قدم وفد النجاشي على رسول الله ﷺ فقام رسول الله ﷺ يخدمهم فقال أصحابه: نحن نكفيك يا رسول الله. فقال: «انهم كانوا لأصحابنا مكرمين وإني أحب أن أكافيهم». تفرد به طلحة بن زيد عن الأوزاعي. وقال البيهقي حدثنا أبو الحسين بن بشران حدثنا أبو عمرو بن السماك حدثنا حنبل بن إسحاق حدثنا الحميدي حدثنا سفيان حدثنا عمرو.
стр. 772
قال: لما قدم عمرو بن العاص من أرض الحبشة جلس في بيته فلم يخرج اليهم، فقالوا: ما شأنه ماله لا يخرج؟ فقال عمرو ان اصحمة يزعم أن صاحبكم نبي.
قال ابن إسحاق: ولما قدم عمرو بن العاص وعبد الله بن أبى ربيعة على قريش ولم يدركوا ما طلبوا من أصحاب رسول الله ﷺ ، وردهم النجاشي بما يكرهون، وأسلم عمر بن الخطاب وكان رجلا ذا شكيمة لا يرام ما وراء ظهره امتنع به أصحاب رسول الله ﷺ وبحمزة حتى غاظوا قريشا فكان عبد الله بن مسعود يقول: ما كنا نقدر على أن نصلي عند الكعبة حتى أسلم عمر فلما أسلم عمر قاتل قريشا حتى صلى عند الكعبة وصلينا معه. قلت: وثبت في صحيح البخاري عن ابن مسعود أنه قال: ما زلنا أعزة منذ أسلم عمر بن الخطاب وقال زياد البكائي حدثني مسعر بن كدام عن سعد بن إبراهيم. قال قال ابن مسعود: إن إسلام عمر كان فتحا، وإن هجرته كانت نصرا، وإن إمارته كانت رحمة، ولقد كنا وما نصلي عند الكعبة حتى أسلم عمر، فلما أسلم عمر قاتل قريشا حتى صلّى عند الكعبة وصلينا معه.
قال ابن إسحاق: وكان إسلام عمر بعد خروج من خرج من أصحاب رسول الله ﷺ إلى الحبشة. حدثني عبد الرحمن بن الحارث بن عبد الله بن عياش بن أبى ربيعة عن عبد العزيز بن عبد الله بن عامر بن ربيعة عن أمه أم عبد الله بنت أبى حثمة قالت: والله إنا لنترحل إلى أرض الحبشة وقد ذهب عامر في بعض حاجتنا، إذ أقبل عمر فوقف على وهو على شركه، فقالت وكنا نلقى منه أذى لنا وشدة علينا قالت فقال إنه الانطلاق يا أم عبد الله، قلت نعم! والله لنخرجن في أرض من أرض الله إذ آذيتمونا وقهرتمونا؟ حتى يجعل الله لنا مخرجا. قالت فقال صحبكم الله ورأيت له رقة لم أكن أراها ثم انصرف وقد أحزنه فيما ارى خروجنا قالت فجاء عامر بحاجتنا تلك فقلت له يا أبا عبد الله لو رأيت عمر آنفا ورقته وحزنه علينا قال: أطمعت في إسلامه قالت قلت نعم! قال لا يسلم الّذي رأيت حتى يسلم حمار الخطاب، قالت يأسا منه لما كان يرى من غلظته وقسوته على الإسلام.
قلت: هذا يرد قول من زعم أنه كان تمام الأربعين من المسلمين فان المهاجرين إلى الحبشة كانوا فوق الثمانين، اللهمّ إلا أن يقال إنه كان تمام الأربعين بعد خروج المهاجرين ويؤيد هذا ما ذكره ابن إسحاق هاهنا في قصة إسلام عمر وحده ﵁، وسياقها فإنه قال: وكان إسلام عمر فيما بلغني أن أخته فاطمة بنت الخطاب وكانت عند سعيد بن زيد بن عمرو بن نفيل كانت قد أسلمت وأسلم زوجها سعيد بن زيد وهم مستخفون بإسلامهم من عمر، وكان نعيم بن عبد الله النحام رجل من بنى عدي قد أسلم أيضا مستخفيا بإسلامه من قومه، وكان خباب بن الأرت يختلف إلى فاطمة بنت الخطاب يقرئها القرآن فخرج عمر يوما متوشحا سيفه يريد رسول الله ﷺ ورهطا من أصحابه
стр. 773
فذكروا له أنهم قد اجتمعوا في بيت عند الصفا وهم قريب من أربعين من بين رجال ونساء ومع رسول الله ﷺ عمه حمزة وأبو بكر بن أبى قحافة الصديق وعلى بن أبى طالب ﵃، في رجال من المسلمين ممن كان أقام مع رسول الله ﷺ بمكة ولم يخرج فيمن خرج إلى أرض الحبشة.
فلقيه نعيم بن عبد الله فقال أين تريد يا عمر؟ قال أريد محمدا هذا الصابي الّذي فرق أمر قريش وسفه أحلامها وعاب دينها وسب آلهتها فأقتله. فقال له نعيم: والله لقد غرتك نفسك يا عمر، أترى بنى عبد مناف تاركيك تمشى على الأرض وقد قتلت محمدا؟ أفلا ترجع إلى أهل بيتك فتقيم أمرهم قال: وأي أهل بيتي، قال ختنك وابن عمك سعيد بن زيد وأختك فاطمة فقد والله أسلما وتابعا محمدا ﷺ على دينه، فعليك بهما فرجع عمر عائدا إلى أخته فاطمة وعندها خباب بن الأرت معه صحيفة فيها طه يقريها إياها فلما سمعوا حس عمر تغيب خباب في مخدع لهم - أو في بعض البيت - وأخذت فاطمة بنت الخطاب الصحيفة فجعلتها تحت فخذها وقد سمع عمر حين دنا إلى الباب قراءة خباب عليها: فلما دخل قال ما هذه الهينمة التي سمعت؟ قالا له ما سمعت شيئا. قال بلى والله لقد أخبرت أنكما تابعتما محمدا على دينه وبطش بختنه سعيد بن زيد. فقامت اليه أخته فاطمة بنت الخطاب لتكفه عن زوجها فضربها فشجها، فلما فعل ذلك قالت له أخته وختنه نعم قد أسلمنا وآمنا بالله ورسوله فاصنع ما بدا لك، فلما رأى عمر ما بأخته من الدم ندم على ما صنع وارعوى، وقال لأخته أعطينى هذه الصحيفة التي كنتم تقرءون آنفا انظر ما هذا الّذي جاء به محمدا؟ وكان عمر كاتبا فلما قال ذلك قالت له أخته إنا نخشاك عليها، قال لا تخافي وحلف لها بآلهته ليردنها إذا قرأها اليها، فلما قال ذلك طمعت في إسلامه فقالت يا أخى انك نجس على شركك، وإنه ﴿لا يَمَسُّهُ إِلاَّ الْمُطَهَّرُونَ﴾ فقام عمر فاغتسل فأعطته الصحيفة وفيها طه فقرأها فلما قرأ منها صدرا. قال: ما أحسن هذا الكلام وأكرمه. فلما سمع ذلك خباب بن الأرت خرج اليه فقال له: والله يا عمر إني لأرجو أن يكون الله قد خصك بدعوة نبيه ﷺ ، فانى سمعته أمس وهو يقول: اللهمّ أيد الإسلام بابي الحكم بن هشام - أو بعمر بن الخطاب - فالله الله يا عمر فقال عند ذلك: فدلني يا خباب على محمد حتى آتيه فأسلم. فقال له خباب: هو في بيت عند الصفا معه نفر من أصحابه، فاخذ عمر سيفه فتوشحه ثم عمد إلى رسول الله ﷺ وأصحابه فضرب عليهم الباب، فلما سمعوا صوته قام رجل من أصحاب رسول الله ﷺ فنظر من خلل الباب فإذا هو بعمر متوشح بالسيف فرجع إلى رسول الله ﷺ وهو فزع فقال: يا رسول الله هذا عمر بن الخطاب متوشحا بالسيف، فقال حمزة فاذن له فان كان جاء يريد خيرا بذلناه وإن كان يريد شرا قتلناه بسيفه. فقال رسول الله ﷺ «ايذن له» فاذن له الرجل ونهض اليه رسول الله ﷺ حتى لقيه في الحجرة فاخذ بحجزته أو بمجمع ردائه ثم جذبه جذبة شديدة
стр. 774
فقال ما جاء بك يا ابن الخطاب؟ فو الله ما أرى أن تنتهي حتى ينزل الله بك قارعة، فقال عمر يا رسول الله جئتك لأومن بالله ورسوله وبما جاء من عند الله، قال فكبر رسول الله ﷺ تكبيرة فعرف أهل البيت أن عمر قد أسلم، فتفرق أصحاب رسول الله ﷺ من مكانهم وقد عزوا في أنفسهم حين أسلم عمر مع إسلام حمزة وعلموا أنهما سيمنعان رسول الله ﷺ ، وينتصفون بهما من عدوهم قال ابن إسحاق فهذا حديث الرواة من أهل المدينة عن إسلام عمر حين أسلم ﵁.
قال ابن إسحاق: وحدثنى عبد الله بن أبى نجيح المكيّ عن أصحابه عطاء ومجاهد وعمن روى ذلك: أن إسلام عمر فيما تحدثوا به عنه أنه كان يقول كنت للإسلام مباعدا وكنت صاحب خمر في الجاهلية أحبها وأشربها، وكان لنا مجلس يجتمع فيه رجال من قريش بالحزورة فخرجت ليلة أريد جلسائي أولئك فلم أجد فيه منهم أحدا فقلت لو أنى جئت فلانا الخمار لعلى أجد عنده خمرا فاشرب منها، فخرجت فجئته فلم أجده قال فقلت لو انى جئت الكعبة فطفت سبعا أو سبعين، قال فجئت المسجد فإذا رسول الله ﷺ قائم يصلى، وكان إذا صلّى استقبل الشام وجعل الكعبة بينه وبين الشام وكان مصلاه بين الركنين الأسود واليماني، قال فقلت حين رأيته والله لو انى استمعت لمحمد الليلة حتى اسمع ما يقول فقلت لئن دنوت منه لاستمع منه لاروعنه. فجئت من قبل الحجر فدخلت تحت ثيابها فجعلت أمشى رويدا ورسول الله ﷺ قائم يصلى يقرأ القرآن، حتى قمت في قبلته مستقبله ما بيني وبينه إلا ثياب الكعبة. قال: فلما سمعت القرآن رق له قلبي وبكيت ودخلني الإسلام، فلم أزل في مكاني قائما حتى قضى رسول الله ﷺ صلاته ثم انصرف وكان إذا انصرف خرج على دار ابن أبى حسين - وكان مسكنه في الدار الرقطاء التي كانت بيده معاوية -. قال عمر:
فتبعته حتى إذا دخل بين دار عباس ودار ابن أزهر أدركته، فلما سمع حسي عرفني فظن أنى انما اتبعته لاوذيه، فنهمنى (١) ثم قال ما جاء بك يا ابن الخطاب هذه الساعة؟ قال قلت جئت لأومن بالله وبرسوله وبما جاء من عند الله. قال فحمد الله رسول الله ﷺ ثم قال: «قد هداك الله يا عمر» ثم مسح صدري ودعا لي بالثبات ثم انصرفت ودخل رسول الله ﷺ بيته. قال ابن إسحاق فالله أعلم أي ذلك كان.
قلت: وقد استقصيت كيفية إسلام عمر ﵁ وما ورد في ذلك من الأحاديث والآثار مطولا في أول سيرته التي أفردتها على حدة ولله الحمد والمنة.
قال ابن إسحاق وحدثني نافع مولى ابن عمر عن ابن عمر. قال: لما أسلم عمر قال: أي قريش انقل للحديث؟ فقيل له جميل بن معمر الجمحيّ فغدا عليه، قال عبد الله وغدوت أتبع أثره وانظر ما يفعل - وأنا غلام أعقل كلما رأيت - حتى جاءه فقال له: أعلمت يا جميل انى أسلمت ودخلت في دين
стр. 775
محمد ﷺ ؟ قال فو الله ما راجعه حتى قام يجر رداءه واتبعه عمر واتبعته أنا حتى قام على باب المسجد صرخ بأعلى صوته يا معشر قريش - وهم في أنديتهم حول الكعبة - ألا إن ابن الخطاب قد صبا.
قال يقول عمر من خلفه كذب ولكنى قد أسلمت وشهدت أن لا إله إلا الله وان محمدا رسول الله وثاروا اليه فما برح يقاتلهم ويقاتلونه حتى قامت الشمس على رءوسهم. قال وطلح (١) فقعد وقاموا على رأسه وهو يقول: افعلوا ما بدا لكم فاحلف بالله ان لو قد كنا ثلاثمائة رجل لقد تركناها لكم أو تركتموها لنا. قال فبينما هم على ذلك إذ أقبل شيخ من قريش عليه حلة حبرة وقميص موشى حتى وقف عليهم فقال ما شأنكم؟ فقالوا صبأ عمر، قال فمه؟ رجل اختار لنفسه امرا فماذا تريدون؟ أترون بنى عدي يسلمون لكم صاحبهم هكذا؟ خلوا عن الرجل. قال فو الله لكأنما كانوا ثوبا كشط عنه. قال فقلت لأبى بعد أن هاجر الى المدينة: يا أبة من الرجل الّذي زجر القوم عنك بمكة يوم أسلمت وهم يقاتلونك؟ قال: ذاك أي بنى العاص بن وائل السهمي، وهذا اسناد جيد قوى، وهو يدل على تأخر إسلام عمر لأن ابن عمر عرض يوم أحد وهو ابن أربع عشرة سنة وكانت أحد في سنة ثلاث من الهجرة وقد كان مميزا يوم أسلم أبوه، فيكون إسلامه قبل الهجرة بنحو من أربع سنين، وذلك بعد البعثة بنحو تسع سنين والله أعلم.
وقال البيهقي: حدثنا الحاكم أخبرنا الأصم أخبرنا احمد بن عبد الجبار حدثنا يونس عن ابن إسحاق. قال ثم قدم على رسول الله ﷺ عشرون رجلا وهو بمكة - أو قريب من ذلك - من النصارى حين ظهر خبره من أرض الحبشة فوجدوه في المجلس، فكلموه وسألوه ورجال من قريش في أنديتهم حول الكعبة فلما فرغوا من مساءلتهم رسول الله ﷺ عما أرادوا، دعاهم رسول الله ﷺ الى الله وتلا عليهم القرآن، فلما سمعوا فاضت أعينهم من الدمع ثم استجابوا له وآمنوا به وصدقوه وعرفوا منه ما كان يوصف لهم في كتابهم من أمره، فلما قاموا من عنده اعترضهم أبو جهل في نفر من قريش فقال: خيبكم الله من ركب بعثكم من وراءكم من أهل دينكم ترتادون لهم فتأتونهم بخبر الرجل، فلم تطمئن مجالسكم عنده حتى فارقتم دينكم وصدقتموه بما قال لكم، ما نعلم ركبا أحمق منكم - أو كما قال - قالوا لهم: لا نجاهلكم سلام عليكم لنا أعمالنا ولكم أعمالكم لا نألون أنفسنا خيرا. فيقال إن النفر من نصارى نجران، والله أعلم أي ذلك كان. ويقال والله أعلم أن فيهم نزلت هذه الآيات: ﴿الَّذِينَ آتَيْناهُمُ الْكِتابَ مِنْ قَبْلِهِ هُمْ بِهِ يُؤْمِنُونَ * وَإِذا يُتْلى عَلَيْهِمْ قالُوا آمَنّا بِهِ إِنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّنا إِنّا كُنّا مِنْ قَبْلِهِ مُسْلِمِينَ، * أُولئِكَ يُؤْتَوْنَ أَجْرَهُمْ مَرَّتَيْنِ بِما صَبَرُوا وَيَدْرَؤُنَ بِالْحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ وَمِمّا رَزَقْناهُمْ يُنْفِقُونَ، * وَإِذا سَمِعُوا اللَّغْوَ أَعْرَضُوا عَنْهُ وَقالُوا لَنا أَعْمالُنا وَلَكُمْ أَعْمالُكُمْ سَلامٌ عَلَيْكُمْ لا نَبْتَغِي الْجاهِلِينَ﴾.
стр. 776
فصل
قال البيهقي في الدلائل: باب ما جاء في كتاب النبي ﷺ الى النجاشي، ثم روى عن الحاكم عن الأصم عن احمد بن عبد الجبار عن يونس عن ابن إسحاق. قال: هذا كتاب من رسول الله ﷺ إلى النجاشي (١) الأصحم عظيم الحبشة، سلام على من اتبع الهدى، وآمن بالله ورسوله وشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، لم يتخذ صاحبة ولا ولدا، وأن محمدا عبده ورسوله، وأدعوك بدعاية الله فانى أنا رسوله فأسلم تسلم ﴿يا أَهْلَ الْكِتابِ تَعالَوْا إِلى كَلِمَةٍ سَواءٍ بَيْنَنا وَبَيْنَكُمْ أَلاّ نَعْبُدَ إِلاَّ اللهَ وَلا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئاً، وَلا يَتَّخِذَ بَعْضُنا بَعْضاً أَرْباباً مِنْ دُونِ اللهِ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُولُوا اِشْهَدُوا بِأَنّا مُسْلِمُونَ﴾ فان أبيت فعليك إثم النصارى من قومك.
هكذا ذكره البيهقي بعد قصة هجرة الحبشة وفي ذكره هاهنا نظر، فان الظاهر أن هذا الكتاب انما هو إلى النجاشي الّذي كان بعد المسلم صاحب جعفر وأصحابه، وذلك حين كتب الى ملوك الأرض يدعوهم إلى الله قبيل الفتح كما كتب الى هرقل عظيم الروم قيصر الشام، وإلى كسرى ملك الفرس، والى صاحب مصر، وإلى النجاشي. قال الزهري: كانت كتب النبي ﷺ اليهم واحدة، يعنى نسخة واحدة، وكلها فيها هذه الآية وهي من سورة آل عمران، وهي مدنية بلا خلاف فإنه من صدر السورة، وقد نزل ثلاث وثمانون آية من أولها في وفد نجران كما قررنا ذلك في التفسير ولله الحمد والمنة، فهذا الكتاب إلى الثاني لا إلى الأول، وقوله فيه إلى النجاشي الأصحم لعل الأصحم مقحم من الراويّ بحسب ما فهم والله أعلم.
وأنسب من هذا هاهنا ما
ذكره البيهقي أيضا عن الحاكم عن أبى الحسن محمد بن عبد الله الفقيه - بمرو - حدثنا حماد بن احمد حدثنا محمد بن حميد حدثنا سلمة بن الفضل عن محمد بن إسحاق.
قال: بعث رسول الله ﷺ عمرو بن أمية الضمريّ إلى النجاشي في شأن جعفر بن أبى طالب وأصحابه وكتب معه كتابا: بسم الله الرحمن الرحيم من محمد رسول الله إلى النجاشي الأصحم ملك الحبشة، سلام عليك، فانى احمد إليك الله الملك القدوس المؤمن المهيمن، وأشهد أن عيسى روح الله وكلمته ألقاها إلى مريم البتول الطاهرة الطيبة الحصينة، فحملت بعيسى فحلقه من روحه ونفخته كما خلق آدم بيده ونفخه، وإني أدعوك إلى الله وحده لا شريك له والموالاة على طاعته وأن تتبعني فتؤمن بى وبالذي جاءني فانى رسول الله وقد بعثت إليك ابن عمى جعفرا ومعه نفر من المسلمين، فإذا جاءوك فاقرهم ودع التجبر فانى أدعوك وجنودك إلى الله ، وقد بلغت ونصحت فاقبلوا نصيحتي،
стр. 777
والسلام على من اتبع الهدى. فكتب النجاشي إلى رسول الله ﷺ : بسم الله الرحمن الرحيم، إلى محمد رسول الله من النجاشي الأصحم بن أبجر سلام عليك يا نبي الله من الله ورحمة الله وبركاته لا إله إلا هو الّذي هداني إلى الإسلام فقد بلغني كتابك يا رسول الله فيما ذكرت من أمر عيسى، فو رب السماء والأرض إن عيسى ما يزيد على ما ذكرت، وقد عرفنا ما بعثت به إلينا وقرينا ابن عمك وأصحابه فاشهد أنك رسول الله صادقا ومصدقا وقد بايعتك وبايعت ابن عمك وأسلمت على يديه لله رب العالمين، وقد بعثت إليك يا نبي الله باريحا بن الأصحم بن أبجر فانى لا أملك إلا نفسي وإن شئت أن آتيك فعلت يا رسول الله، فانى أشهد أن ما تقول حق.
فصل
في ذكر مخالفة قبائل قريش بنى هاشم وبنى عبد المطلب في نصر رسول الله ﷺ وتحالفهم فيما بينهم عليهم، على أن لا يبايعوهم ولا يناكحوهم حتى يسلموا اليهم رسول الله ﷺ ، وحصرهم إياهم في شعب أبى طالب مدة طويلة، وكتابتهم بذلك صحيفة ظالمة فاجرة، وما ظهر في ذلك كله من آيات النبوة ودلائل الصدق.
قال موسى بن عقبة عن الزهري: ثم إن المشركين اشتدوا على المسلمين كأشد ما كانوا حتى بلغ المسلمين الجهد، واشتد عليهم البلاء، وجمعت قريش في مكرها أن يقتلوا رسول الله ﷺ علانية.
فلما رأى أبو طالب عمل القوم جمع بنى عبد المطلب وأمرهم أن يدخلوا رسول الله ﷺ شعبهم، وأمرهم أن يمنعوه ممن أرادوا قتله. فاجتمع على ذلك مسلمهم وكافرهم، فمنهم من فعله حمية، ومنهم من فعله إيمانا ويقينا. فلما عرفت قريش أن القوم قد منعوا رسول الله ﷺ ، وأجمعوا على ذلك اجتمع المشركون من قريش فاجمعوا أمرهم أن لا يجالسوهم ولا يبايعوهم ولا يدخلوا بيوتهم حتى يسلموا رسول الله ﷺ للقتل، وكتبوا في مكرهم صحيفة وعهودا ومواثيق لا يقبلوا من بنى هاشم صلحا أبدا ولا يأخذهم بهم رأفة حتى يسلموه للقتل. فلبث بنو هاشم في شعبهم ثلاث سنين، واشتد عليهم البلاء والجهد وقطعوا عنهم الأسواق فلا يتركوا لهم طعاما يقدم مكة ولا بيعا إلا بادروهم اليه فاشتروه يريدون بذلك أن يدركوا سفك دم رسول الله ﷺ ، فكان أبو طالب إذا أخذ الناس مضاجعهم أمر رسول الله ﷺ فاضطجع على فراشه حتى يرى ذلك من أراد به مكرا واغتيالا له، فإذا نام الناس أمرا أحد بنيه أو إخوته أو بنى عمه فاضطجعوا على فراش رسول الله ﷺ وأمر رسول الله ﷺ أن يأتى بعض فرشهم فينام عليه، فلما كان رأس ثلاث سنين تلاوم رجال من بنى عبد مناف ومن قصي ورجال من سواهم من قريش قد ولدتهم نساء من بنى هاشم، ورأوا أنهم قد قطعوا الرحم واستخفوا
стр. 778
بالحق، واجتمع أمرهم من ليلتهم على نقض ما تعاهدوا عليه من الغدر والبراءة منه، وبعث الله على صحيفتهم الارضة فلحست كلما كان فيها من عهد وميثاق. ويقال كانت معلقة في سقف البيت فلم تترك اسما لله فيها إلا لحسته، وبقي ما كان فيها من شرك وظلم وقطيعة رحم، وأطلع الله رسوله على الّذي صنع بصحيفتهم فذكر ذلك رسول الله ﷺ لأبي طالب. فقال أبو طالب: لا والثواقب ما كذبني فانطلق يمشى بعصابته من بنى عبد المطلب حتى أتى المسجد وهو حافل من قريش، فلما رأوهم عامدين لجماعتهم أنكروا ذلك وظنوا أنهم خرجوا من شدة البلاء فاتوهم ليعطوهم رسول الله ﷺ . فتكلم أبو طالب فقال قد حدثت أمور بينكم لم نذكرها لكم، فاتوا بصحيفتكم التي تعاهدتم عليها فعله أن يكون بيننا وبينكم صلح، وإنما قال ذلك خشية أن ينظروا في الصحيفة قبل أن يأتوا بها. فاتوا بصحيفتهم معجبين بها لا يشكون أن رسول الله ﷺ مدفوعا اليهم فوضعوها بينهم. وقالوا: قد آن لكم أن تقبلوا وترجعوا إلى أمر يجمع قومكم فإنما قطع بيننا وبينكم رجل واحد جعلتموه خطرا لهلكة قومكم وعشيرتكم وفسادهم. فقالوا أبو طالب: إنما أتيتكم لاعطيكم أمرا لكم فيه نصف، إن ابن أخى أخبرنى - ولم يكذبني - إن الله بريء من هذه الصحيفة التي في أيديكم ومحا كل اسم هو له فيها وترك فيها غدركم وقطيعتكم إيانا وتظاهركم علينا بالظلم. فان كان الحديث الّذي قال ابن أخى كما قال فافيقوا فو الله لا نسلمه أبدا حتى يموت من عندنا آخرنا، وإن كان الّذي قال باطلا دفعناه إليكم فقتلتموه أو استحييتم. قالوا: قد رضينا بالذي تقول ففتحوا الصحيفة فوجدوا الصادق المصدوق ﷺ قد أخبر خبرها، فلما رأتها قريش كالذي قال أبو طالب قالوا والله إن كان هذا قط إلا سحر من صاحبكم فارتكسوا وعادوا بشر ما كانوا عليه من كفرهم، والشدة على رسول الله ﷺ والقيام على رهطه بما تعاهدوا عليه. فقال أولئك النفر من بنى عبد المطلب: إن أولى بالكذب والسحر غيرنا فكيف ترون فانا نعلم إن الّذي اجتمعتم عليه من قطيعتنا أقرب إلى الجبت والسحر من أمرنا، ولولا أنكم اجتمعتم على السحر لم تفسد صحيفتكم وهي في أيديكم طمس ما كان فيها من اسمه وما كان فيها من بغى تركه أفنحن السحرة أم أنتم؟ فقال عند ذلك النفر من بنى عبد مناف وبنى قصي ورجال من قريش ولدتهم نساء من بنى هاشم منهم أبو البختري والمطعم بن عدي وزهير بن أبى أمية بن المغيرة وزمعة بن الأسود وهشام بن عمرو وكانت الصحيفة عنده وهو من بنى عامر بن لؤيّ - في رجال من اشرافهم ووجوههم: نحن برءاء مما في هذه الصحيفة. فقال أبو جهل لعنه الله: هذا أمر قضى بليل وأنشأ أبو طالب يقول الشعر في شأن صحيفتهم ويمدح النفر الذين تبرءوا منها ونقضوا ما كان فيها من عهد ويمتدح النجاشي.
قال البيهقي: وهكذا روى شيخنا أبو عبد الله الحافظ - يعنى من طريق ابن لهيعة عن أبى
стр. 779
الأسود عن عروة بن الزبير - يعنى كسياق موسى بن عقبة ﵀ وقد تقدم عن موسى بن عقبة أنه قال: إنما كانت هجرة الحبشة بعد دخولهم إلى الشعب عن أمر رسول الله ﷺ لهم في ذلك فالله أعلم.
قلت: والأشبه أن أبا طالب إنما قال قصيدته اللامية التي قدمنا ذكرها بعد دخولهم الشعب أيضا فذكرها هاهنا أنسب والله أعلم. ثم روى البيهقي من طريق يونس عن محمد بن إسحاق. قال:
لما مضى رسول الله ﷺ على الّذي بعث به وقامت بنو هاشم وبنو المطلب دونه، وأبوا أن يسلموه وهم من خلافه على مثل ما قومهم عليه إلا أنهم اتقوا أن يستذلوا ويسلموا أخاهم لما قارفه من قومه.
فلما فعلت ذلك بنو هاشم وبنو المطلب وعرفت قريش أن لا سبيل إلى محمد، اجتمعوا على أن يكتبوا فيما بينهم على بنى هاشم وبنى عبد المطلب أن لا يناكحوهم ولا ينكحوا اليهم وبايعوهم ولا يبتاعوا منهم وكتبوا صحيفة في ذلك وعلقوها بالكعبة، ثم عدوا على من أسلم فأوثقوهم وآذوهم واشتد عليهم البلاء وعظمت الفتنة ﴿وزُلْزِلُوا زِلْزالاً شَدِيداً﴾ ثم ذكر القصة بطولها في دخولهم شعب أبى طالب وما بلغوا فيه من فتنة الجهد الشديد حتى كان يسمع أصوات صبياتهم يتضاغون من وراء الشعب من الجوع حتى كره عامة قريش ما أصابهم وأظهروا كراهيتهم لصحيفتهم الظالمة، وذكروا أن الله برحمته أرسل على صحيفة قريش الارضة فلم تدع فيها اسما هو لله إلا أكلته وبقي فيها الظلم والقطيعة والبهتان فأخبر الله تعالى بذلك رسول الله ﷺ فأخبر بذلك عمه أبو طالب، ثم ذكر بقية القصة كرواية موسى بن عقبة وأتم.
وقال ابن هشام عن زياد عن محمد بن إسحاق: فلما رأت قريش أن أصحاب رسول الله ﷺ قد نزلوا بلدا أصابوا منه أمنا وقرارا، وأن النجاشي قد منع من لجأ اليه منهم، وأن عمر قد أسلم فكان هو وحمزة مع رسول الله ﷺ وأصحابه، وجعل الإسلام يفشو في القبائل فاجتمعوا وائتمروا على أن يكتبوا كتابا يتعاقدون فيه على بنى هاشم وبنى عبد المطلب على أن لا ينكحوا اليهم ولا ينكحوهم ولا يبيعوهم شيئا ولا يبتاعوا منهم فلما اجتمعوا لذلك كتبوا في صحيفة ثم تعاهدوا وتواثقوا على ذلك ثم علقوا الصحيفة في جوف الكعبة توكيدا على أنفسهم، وكان كاتب الصحيفة منصور ابن عكرمة بن عامر بن هاشم بن عبد مناف بن عبد الدار بن قصي. قال ابن هشام: ويقال النضر ابن الحارث، فدعا عليه رسول الله ﷺ فشل بعض أصابعه. وقال الواقدي: كان الّذي كتب الصحيفة طلحة بن أبى طلحة العبدوي.
قلت: والمشهور أنه منصور بن عكرمة كما ذكره ابن إسحاق، وهو الّذي شلت يده فما كان ينتفع بها وكانت قريش تقول بينها: انظروا إلى منصور بن عكرمة. قال الواقدي: وكانت الصحيفة
стр. 780
مطلقة في جوف الكعبة. قال ابن إسحاق: فلما فعلت ذلك قريش انحازت بنو هاشم وبنو المطلب إلى أبى طالب فدخلوا معه في شعبه واجتمعوا اليه، وخرج من بنى هاشم أبو لهب عبد العزى بن عبد المطلب إلى قريش فظاهرهم. وحدثني حسين بن عبد الله: أن أبا لهب لقي هند بنت عتبة ابن ربيعة حين فارق قومه وظاهر عليهم قريشا. فقال: يا ابنة عتبة هل نصرت اللات والعزى وفارقت من فارقها وظاهر عليها؟ قالت: نعم! فجزاك الله خيرا يا أبا عتبة.
قال ابن إسحاق: وحدثت أنه كان يقول - في بعض ما يقول - يعدني محمد أشياء لا أراها يزعم أنها كائنة بعد الموت، فماذا وضع في يدي بعد ذلك، ثم ينفخ في يديه فيقول تبالكما لا أرى فيكما شيئا مما يقول محمد. فانزل الله تعالى ﴿تَبَّتْ يَدا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ﴾. قال ابن إسحاق: فلما اجتمعت على ذلك قريش وصنعوا فيه الّذي صنعوا قال أبو طالب:
ألا أبلغا عنى على ذات بيننا … لؤيا وخصا من لؤيّ بنى كعب
ألم تعلموا أنا وجدنا محمدا … نبيا كموسى خط في أول الكتب
وأن عليه في العباد محبة … ولا خير ممن خصه الله بالحب (١)
وأن الّذي الصقتموا من كتابكم … لكم كائن نحسا كراغية السقب
أفيقوا أفيقوا قبل أن يحفر الثرى … ويصبح من لم يجن ذنبا كذي الذنب
ولا تتبعوا أمر الوشاة وتقطعوا … أواصرنا بعد المودة والقرب
وتستجلبوا حربا عوانا وربما … أمر على من ذاقه حلب الحرب
فلسنا ورب البيت نسلم أحمدا … لعزاء من عض الزمان ولا كرب
ولما تبن منا ومنكم سوالف … وأيد أترت بالقساسية الشهب
بمعترك ضيق ترى كسر القنا … به والنسور الطخم يعكفن كالشرب
كأنّ ضحال الخيل في حجراته … ومعمعة الابطال معركة الحرب
أليس أبونا هاشم شد أزره … وأوصى بنيه بالطعان وبالضرب
ولسنا نمل الحرب حتى تملنا … ولا نشتكى ما قد ينوب من النكب
ولكننا أهل الحفائظ والنهى … إذا طار أرواح الكماة من الرعب
قال ابن إسحاق: فأقاموا على ذلك سنتين أو ثلاثا حتى جهدوا ولم يصل اليهم شيء الا سرا مستخفيا به من أراد صلتهم من قريش، وقد كان أبو جهل بن هشام - فيما يذكرون - لقي حكيم بن
стр. 781
حزام بن خويلد بن أسد معه غلام يحمل قمحا يريد به عمته خديجة بنت خويلد وهي عند رسول الله ﷺ في الشعب فتعلق به وقال أتذهب بالطعام إلى بنى هاشم؟ والله لا تذهب أنت وطعامك حتى أفضحك بمكة، فجاءه أبو البختري بن هشام بن الحارث بن أسد. فقال: مالك وله. فقال: يحمل الطعام إلى بنى هاشم فقال له أبو البختري طعام كان لعمته عنده بعثت به اليه أتمنعه أن يأتيها بطعامها؟ خل سبيل الرجل قال فأبى أبو جهل لعنه الله حتى نال أحدهما من صاحبه فاخذ أبو البختري لحي بعير فضربه فشجه ووطئه وطئا شديدا، وحمزة بن عبد المطلب قريب يرى ذلك وهم يكرهون أن يبلغ ذلك رسول الله ﷺ وأصحابه فيشمتون بهم ورسول الله ﷺ على ذلك يدعو قومه ليلا ونهارا وسرا وجهارا مناديا بأمر الله تعالى لا يتقى فيه أحدا من الناس. فجعلت قريش حين منعه الله منها وقام عمه وقومه من بنى هاشم وبنى عبد المطلب دونه وحالوا بينهم وبين ما أرادوا من البطش به يهمزونه ويستهزءون به ويخاصمونه وجعل القرآن ينزل في قريش باحداثهم وفيمن نصب لعداوته، منهم من سمى لنا ومنهم من نزل القرآن في عامة من ذكر الله من الكفار. فذكر ابن إسحاق أبا لهب ونزول السورة فيه، وأمية بن خلف ونزول قوله تعالى ﴿وَيْلٌ لِكُلِّ هُمَزَةٍ لُمَزَةٍ﴾ السورة بكمالها فيه. والعاص بن وائل ونزول قوله ﴿أَفَرَأَيْتَ الَّذِي كَفَرَ بِآياتِنا وَقالَ لَأُوتَيَنَّ مالاً وَوَلَداً﴾ فيه. وقد تقدم شيء من ذلك. وأبا جهل بن هشام وقوله للنّبيّ ﷺ لتتركن سب آلهتنا أو لنسبن آلهتك ونزول قول الله فيه ﴿وَلا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللهِ فَيَسُبُّوا اللهَ عَدْواً بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ الآية. والنضر بن الحارث بن كلدة بن علقمة - ومنهم من يقول علقمة بن كلدة قاله السهيليّ - وجلوسه بعد النبي ﷺ في مجالسه حيث يتلو القرآن ويدعو إلى الله، فيتلو عليهم النضر شيئا من أخبار رستم وإسفنديار وما جرى بينهما من الحروب في زمن الفرس، ثم يقول: والله ما محمد باحسن حديثا منى، وما حديثه إلا أساطير الأولين اكتتبها كما اكتتبها، فانزل الله تعالى ﴿وَقالُوا أَساطِيرُ الْأَوَّلِينَ اِكْتَتَبَها فَهِيَ تُمْلى عَلَيْهِ بُكْرَةً وَأَصِيلاً﴾ وقوله ﴿وَيْلٌ لِكُلِّ أَفّاكٍ أَثِيمٍ﴾.
قال ابن إسحاق: وجلس رسول الله ﷺ فيما بلغنا - يوما مع الوليد بن المغيرة في المسجد فجاء النضر بن الحارث حتى جلس معهم، وفي المجلس غير واحد من رجال قريش فتكلم رسول الله ﷺ فعرض له النضر، فكلمه رسول الله ﷺ حتى أفحمه، ثم تلا عليه وعليهم ﴿إِنَّكُمْ وَما تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ أَنْتُمْ لَها وارِدُونَ * لَوْ كانَ هؤُلاءِ آلِهَةً ما وَرَدُوها وَكُلٌّ فِيها خالِدُونَ * لَهُمْ فِيها زَفِيرٌ وَهُمْ فِيها لا يَسْمَعُونَ﴾. ثم قام رسول الله ﷺ وأقبل عبد الله بن الزبعري السهمي حتى جلس. فقال الوليد بن المغيرة له: والله ما قام والله ما قام النضر بن الحارث لابن عبد المطلب آنفا وما قعد، وقد زعم محمد أنا وما نعبد من آلهتنا هذه حصب جهنم. فقال عبد الله بن الزبعري: أما
стр. 782
والله لو وجدته لخصمته، فسلوا محمدا أكل من نعبد من دون الله حصب جهنم مع من عبده؟ فنحن نعبد الملائكة واليهود تعبد عزيزا والنصارى تعبد عيسى. فعجب الوليد ومن كان معه في المجلس من قول ابن الزبعري ورأوا أنه قد احتج وخاصم (١) فذكر ذلك لرسول الله ﷺ .
فقال: «كل من أحب أن يعبد من دون الله فهو مع من عبده في النار، انهم إنما يعبدون الشياطين ومن أمرتهم بعبادته» فانزل الله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنى أُولئِكَ عَنْها مُبْعَدُونَ * لا يَسْمَعُونَ حَسِيسَها وَهُمْ فِي مَا اِشْتَهَتْ أَنْفُسُهُمْ خالِدُونَ﴾ أي عيسى وعزير ومن عبد من الأحبار والرهبان الذين مضوا على طاعة الله تعالى. ونزل فيما يذكرون أنهم يعبدون الملائكة وأنها بنات الله ﴿وَقالُوا اِتَّخَذَ الرَّحْمنُ وَلَداً سُبْحانَهُ بَلْ عِبادٌ مُكْرَمُونَ﴾ والآيات بعدها. ونزل في إعجاب المشركين بقول بن الزبعري ﴿وَلَمّا ضُرِبَ اِبْنُ مَرْيَمَ مَثَلاً إِذا قَوْمُكَ مِنْهُ يَصِدُّونَ * وَقالُوا أَآلِهَتُنا خَيْرٌ أَمْ هُوَ ما ضَرَبُوهُ لَكَ إِلاّ جَدَلاً بَلْ هُمْ قَوْمٌ خَصِمُونَ﴾ وهذا الجدل الّذي سلكوه باطل وهم يعلمون ذلك لأنهم قوم عرب ومن لغتهم أن ما لما لا يعقل، فقوله: ﴿إِنَّكُمْ وَما تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ أَنْتُمْ لَها وارِدُونَ﴾ إنما أريد بذلك ما كانوا يعبدونه من الأحجار التي كانت صور أصنام، ولا يتناول ذلك الملائكة الذين زعموا أنهم يعبدونهم في هذه الصور، ولا المسيح، ولا عزيرا، ولا أحدا من الصالحين لأن اللفظ لا يتناولهم لا لفظا ولا معنى. فهم يعلمون أن ما ضربوه بعيسى بن مريم من المثل جدل باطل كما قال الله تعالى ﴿ما ضَرَبُوهُ لَكَ إِلاّ جَدَلاً بَلْ هُمْ قَوْمٌ خَصِمُونَ﴾ ثم قال ﴿إِنْ هُوَ﴾ أي عيسى ﴿إِلاّ عَبْدٌ أَنْعَمْنا عَلَيْهِ﴾ أي بنبوتنا ﴿وَجَعَلْناهُ مَثَلاً لِبَنِي إِسْرائِيلَ﴾ أي دليلا على تمام قدرتنا على ما نشاء حيث خلقناه من أنثى بلا ذكر، وقد خلقنا حواء من ذكر بلا أنثى، وخلقنا آدم لا من هذا ولا من هذا، وخلقنا سائر بنى آدم من ذكر وأنثى كما قال في الآية الأخرى ﴿وَلِنَجْعَلَهُ آيَةً لِلنّاسِ﴾ أي أمارة ودليلا على قدرتنا الباهرة ﴿وَرَحْمَةً مِنّا﴾ نرحم بها من نشاء.
وذكر ابن إسحاق: الأخنس بن شريق ونزول قوله تعالى فيه ﴿وَلا تُطِعْ كُلَّ حَلاّفٍ مَهِينٍ﴾ الآيات، وذكر الوليد بن المغيرة حيث. قال: أينزل على محمد وأترك وأنا كبير قريش وسيدها، ويترك أبو مسعود عمرو بن عمرو (٢) الثقفي سيد ثقيف فنحن عظيما القريتين. ونزل قوله فيه ﴿وَقالُوا لَوْلا نُزِّلَ هذَا الْقُرْآنُ عَلى رَجُلٍ مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ﴾ والتي بعدها، وذكر أبى بن خلف حين قال لعقبة بن أبى معيط: ألم يبلغني أنك جالست محمدا وسمعت منه وجهي من وجهك حرام إلا أن تتفل في وجهه ففعل ذلك عدو الله عقبة لعنه الله، فانزل الله ﴿وَيَوْمَ يَعَضُّ الظّالِمُ عَلى يَدَيْهِ يَقُولُ يا لَيْتَنِي﴾
стр. 783
﴿اِتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلاً، * يا وَيْلَتى لَيْتَنِي لَمْ أَتَّخِذْ فُلاناً خَلِيلاً﴾ والتي بعدها. قال ومشى أبى بن خلف بعظم بال قد أرم. فقال: يا محمد أنت تزعم أن الله يبعث هذا بعد ما أرم، ثم فته بيده ثم نفخه في الريح نحو رسول الله ﷺ . فقال: نعم! أنا أقول ذلك يبعثه الله وإياك بعد ما تكونان هكذا ثم يدخلك النار. وأنزل الله تعالى ﴿وَضَرَبَ لَنا مَثَلاً وَنَسِيَ خَلْقَهُ قالَ مَنْ يُحْيِ الْعِظامَ وَهِيَ رَمِيمٌ * قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَها أَوَّلَ مَرَّةٍ وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ﴾ إلى آخر السورة. قال واعترض رسول الله ﷺ فيما بلغني وهو يطوف عند باب الكعبة - الأسود بن المطلب، والوليد بن المغيرة، وأمية بن خلف، والعاص بن وائل. فقالوا: يا محمد هلم فلنعبد ما تعبد وتعبد ما نعبد فنشترك نحن وأنت في الأمر. فانزل الله فيهم ﴿قُلْ يا أَيُّهَا الْكافِرُونَ * لا أَعْبُدُ ما تَعْبُدُونَ﴾ إلى آخرها. ولما سمع أبو جهل بشجرة الزقوم. قال: أتدرون ما الزقوم؟ هو تمر يضرب بالزبد ثم قال هلموا فلنتزقم فانزل الله تعالى ﴿إِنَّ شَجَرَةَ الزَّقُّومِ * طَعامُ الْأَثِيمِ﴾ قال: ووقف الوليد بن المغيرة فكلم رسول الله ﷺ ورسول الله ﷺ يكلمه وقد طمع في إسلامه فمر به ابن أم مكتوم - عاتكة بنت عبد الله بن عنكثة - الأعمى فكلم رسول الله ﷺ وجعل يستقريه القرآن، فشق ذلك عليه حتى أضجره وذلك أنه شغله عما كان فيه من أمر الوليد وما طمع فيه من إسلامه، فلما أكثر عليه انصرف عنه عابسا، وتركه فانزل الله تعالى ﴿عَبَسَ وَتَوَلّى * أَنْ جاءَهُ الْأَعْمى﴾ إلى قوله ﴿مَرْفُوعَةٍ مُطَهَّرَةٍ﴾ وقد قيل إن الّذي كان يحدث رسول الله ﷺ حين جاءه ابن أم مكتوم أمية بن خلف فالله أعلم.
ثم ذكر ابن إسحاق من عاد من مهاجرة الحبشة إلى مكة وذلك حين بلغهم إسلام أهل مكة وكان النقل ليس بصحيح، ولكن كان له سبب، وهو ما ثبت في الصحيح وغيره أن رسول الله ﷺ جلس يوما مع المشركين، وأنزل الله عليه ﴿وَالنَّجْمِ إِذا هَوى * ما ضَلَّ صاحِبُكُمْ﴾ يقرؤها عليهم حتى ختمها وسجد، فسجد من هناك من المسلمين والمشركين والجن والانس، وكان لذلك سبب ذكره كثير من المفسرين عند قوله تعالى ﴿وَما أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلا نَبِيٍّ إِلاّ إِذا تَمَنّى أَلْقَى الشَّيْطانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ فَيَنْسَخُ اللهُ ما يُلْقِي الشَّيْطانُ ثُمَّ يُحْكِمُ اللهُ آياتِهِ وَاللهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ وذكروا قصة الغرانيق وقد أحببنا الإضراب عن ذكرها صفحا لئلا يسمعها من لا يضعها على مواضيعها، إلا أن أصل القصة في الصحيح. قال البخاري حدثنا أبو معمر حدثنا عبد الوارث حدثنا أيوب عن عكرمة عن ابن عباس. قال: سجد النبي ﷺ بالنجم، وسجد معه المسلمون والمشركون والجن والانس انفرد به البخاري دون مسلم.
وقال البخاري حدثنا محمد بن بشار حدثنا غندر حدثنا شعبة عن أبى إسحاق سمعت الأسود عن عبد الله. قال: قرأ النبي ﷺ والنجم بمكة، فسجد فيها وسجد من معه غير شيخ أخذ كفا من حصا - أو تراب - فرفعه إلى جبهته وقال: يكفيني هذا، فرأيته بعد قتل كافرا
стр. 784
ورواه مسلم وأبو داود والنسائي من حديث شعبة.
وقال الامام احمد حدثنا إبراهيم حدثنا رباح عن معمر عن ابن طاووس عن عكرمة بن خالد عن جعفر بن المطلب بن أبى وداعة عن أبيه. قال قرأ رسول الله ﷺ بمكة سورة النجم، فسجد وسجد من عنده، فرفعت رأسي وأبيت أن أسجد ولم يكن أسلم يومئذ المطلب. فكان بعد ذلك لا يسمع أحدا يقرأها إلا سجد معه. وقد رواه النسائي عن عبد الملك بن عبد الحميد عن احمد بن حنبل به. وقد يجمع بين هذا والّذي قبله بان هذا سجد ولكنه رفع رأسه استكبارا، وذلك الشيخ الّذي استثناه ابن مسعود لم يسجد بالكلية والله أعلم.
والمقصود أن الناقل لما رأى المشركين قد سجدوا متابعة لرسول الله ﷺ أعتقد أنهم قد أسلموا واصطلحوا معه ولم يبق نزاع بينهم، فطار الخبر بذلك وانتشر حتى بلغ مهاجرة الحبشة بها، فظنوا صحة ذلك فاقبل منهم طائفة طامعين بذلك، وثبتت جماعة وكلاهما محسن مصيب فيما فعل فذكر ابن إسحاق أسماء من رجع منهم، عثمان بن عفان وامرأته رقية بنت رسول الله ﷺ ، وأبو حذيفة بن عتبة بن ربيعة، وامرأته سهله بنت سهيل، وعبد الله بن جحش بن رئاب، وعتبة بن غزوان، والزبير بن العوام، ومصعب بن عمير، وسويبط بن سعد، وطليب بن عمير، وعبد الرحمن بن عوف والمقداد بن عمرو، وعبد الله بن مسعود، وأبو سلمة بن عبد الأسد، وامرأته أم سلمة بنت أبى أمية ابن المغيرة، وشماس بن عثمان، وسلمة بن هشام، وعياش بن أبى ربيعة - وقد حبسا بمكة حتى مضت بدرا واحدا والخندق - وعمار بن ياسر - وهو ممن شك فيه أخرج إلى الحبشة أم لا. ومعتب بن عوف، وعثمان بن مظعون، وابنه السائب، وأخواه قدامة وعبد الله ابنا مظعون، وخنيس بن حذافة، وهشام بن العاص بن وائل - وقد حبس بمكة إلى بعد الخندق - وعامر بن ربيعة، وامرأته ليلى بنت أبى حثمة. وعبد الله بن مخرمة، وعبد الله بن سهيل بن عمرو - وقد حبس حتى كان يوم بدر فانحاز إلى المسلمين فشهد معهم بدرا - وأبو سبرة بن أبى رهم، وامرأته أم كلثوم بنت سهيل، والسكران بن عمرو بن عبد شمس، وامرأته سودة بنت زمعة - وقد مات بمكة قبل الهجرة وخلف على امرأته رسول الله ﷺ وسعد بن خولة، وأبو عبيدة بن الجراح، وعمرو بن الحارث بن زهير وسهيل بن بيضاء، وعمرو بن أبى سرح فجميعهم ثلاثة وثلاثون رجلا ﵃.
وقال البخاري وقالت عائشة قال رسول الله ﷺ : «أريت دار هجرتكم ذات نخل بين لابتين» فهاجر من هاجر قبل المدينة، ورجع عامة من كان هاجر إلى الحبشة إلى المدينة. فيه عن أبى موسى وأسماء ﵄ عن النبي ﷺ وقد تقدم حديث أبى موسى وهو في الصحيحين، وسيأتي حديث أسماء بنت عميس بعد فتح خيبر حين قدم من كان تأخر من مهاجرة الحبشة إن شاء الله وبه الثقة.
وقال البخاري حدثنا يحيى بن حماد حدثنا أبو عوانة عن سليمان عن إبراهيم عن علقمة عن عبد الله. قال
стр. 785
كنا نسلم على النبي ﷺ وهو يصلى فيرد علينا، فلما رجعنا من عند النجاشي سلمنا عليه فلم يرد علينا، فقلنا: يا رسول الله إنا كنا نسلم عليك فترد علينا، فلما رجعنا من عند النجاشي لم ترد علينا؟ «قال إن في الصلاة شغلا» وقد روى البخاري أيضا ومسلم وأبو داود والنسائي من طرق أخر عن سليمان بن مهران عن الأعمش به، وهو يقوى تأويل من تأول حديث زيد بن أرقم الثابت في الصحيحين كنا نتكلم في الصلاة حتى نزل قوله ﴿وَقُومُوا لِلّهِ قانِتِينَ﴾ فأمرنا بالسكوت ونهينا عن الكلام. على أن المراد جنس الصحابة فان زيدا أنصارى مدني، وتحريم الكلام في الصلاة ثبت بمكة، فتعين الحمل على ما تقدم. وأما ذكره الآية وهي مدنية فمشكل ولعله اعتقد أنها المحرمة لذلك وانما كان المحرم له غيرها معها والله أعلم.
قال ابن إسحاق: وكان ممن دخل معهم بجوار، عثمان بن مظعون في جوار الوليد بن المغيرة، وأبو سلمة بن عبد الأسد في جوار خاله أبى طالب فان أمه برة بنت عبد المطلب. فاما عثمان بن مظعون فان صالح بن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف حدثني عمن حدثه عن عثمان. قال: لما رأى عثمان بن مظعون ما فيه أصحاب رسول الله ﷺ من البلاء وهو يروح ويغدو في أمان من الوليد ابن المغيرة قال والله ان غدوي ورواحي في جوار رجل من أهل الشرك وأصحابى وأهل ديني يلقون من البلاء والأذى في الله ما لا يصيبني لنقص كثير في نفسي، فمشى الى الوليد بن المغيرة فقال له يا أبا عبد شمس وفت ذمتك وقد رددت إليك جوارك. قال لم يا ابن أخى؟ لعله آذاك أحد من قومي قال لا ولكنى أرضى بجوار الله ، ولا أريد أن أستجير بغيره. قال فانطلق الى المسجد فاردد على جواري علانية كما أجرتك علانية. قال فانطلقا فخرجا حتى أتيا المسجد فقال الوليد بن المغيرة: هذا عثمان قد جاء يرد على جواري. قال صدق قد وجدته وفيا كريم الجوار ولكنى قد أحببت أن لا أستجير بغير الله فقد رددت عليه جواره. ثم انصرف عثمان ﵁ ولبيد بن ربيعة بن مالك بن جعفر في مجلس من قريش ينشدهم، فجلس معهم عثمان فقال لبيد:
ألا كل شيء ما خلا الله باطل
فقال عثمان: صدقت. فقال لبيد:
وكل نعيم لا محالة زائل
فقال عثمان: كذبت نعيم الجنة لا يزول. فقال لبيد: يا معشر قريش والله ما كان يؤذى جليسكم فمتى حدث هذا فيكم؟ فقال رجل من القوم: ان هذا سفيه في سفهاء معه قد فارقوا ديننا فلا تجدن في نفسك من قوله، فرد عليه عثمان حتى شرى أمرهما فقام اليه ذلك الرجل ولطم عينه فحضرها والوليد ابن المغيرة قريب يرى ما بلغ عثمان. فقال: والله يا ابن أخى ان كانت عينك عما أصابها لغنية، ولقد
стр. 786
كنت في ذمة منيعة. قال يقول عثمان: بل والله ان عيني الصحيحة لفقيرة الى مثل ما أصاب أختها في الله وانى لفي جوار من هو أعز منك وأقدر يا أبا عبد شمس. فقال له الوليد: هلم يا ابن أخى الى جوارك فعد. قال: لا!.
قال ابن إسحاق: وأما أبو سلمة بن عبد الأسد فحدثني أبى إسحاق بن يسار عن سلمة بن عبد الله بن أبى سلمة أنه حدثه أن أبا سلمة لما استجار بابي طالب مشى اليه رجال من بنى مخزوم فقالوا له: يا أبا طالب هذا منعت منا ابن أخيك محمدا فما لك ولصاحبنا تمنعه منا؟ قال إنه استجار بى وهو ابن أختي وإن أنا لم أمنع ابن أختى لم أمنع ابن أخى. فقام أبو لهب. فقال: يا معشر قريش والله لقد أكثرتم على هذا الشيخ ما تزالون تتواثبون عليه في جواره من بين قومه، والله لتنتهن أو لنقومن معه في كل ما قام فيه حتى يبلغ ما أراد. قالوا بل ننصرف عما تكره يا أبا عتبة. وكان لهم وليا وناصرا على رسول الله ﷺ فابقوا على ذلك فطمع فيه أبو طالب حين سمعه يقول ما يقول ورجا أن يقوم معه في شأن رسول الله ﷺ ، فقال أبو طالب يحرض أبا لهب على نصرته ونصرة رسول الله ﷺ :
إن امرأ أبو (١) عتيبة عمه … لفي روضة ما ان يسأم المظالما
أقول له وأين منه نصيحتي … أبا معتب (٢) ثبت سوادك قائما
ولا تقبلن الدهر ما عشت خطة … تسب بها إما هبطت المواسما
وول سبيل العجز غيرك منهم … فإنك لم تخلق على العجز لازما
وحارب فان الحرب نصف ولن ترى … أخا الحرب يعطى الخسف حتى يسالما
وكيف ولم يجنوا عليك عظيمة … ولم يخذلوك غانما أو مغارما
جزى الله عنا عبد شمس ونوفلا … وتيما ومخزوما عقوقا ومأثما
بتفريقهم من بعد ود والفة … جماعتنا كيما ينالوا المحارما
كذبتم وبيت الله نبزي (٣) محمدا … ولما تروا يوما لدى الشعب قائما
قال ابن هشام: وبقي منها بيت تركناه.
ذكر عزم الصديق على الهجرة إلى أرض الحبشة
قال ابن إسحاق: وقد كان أبو بكر الصديق ﵁ كما حدثني محمد بن مسلم الزهري عن
стр. 787
عروة عن عائشة حين ضاقت عليه مكة وأصابه فيها الأذى ورأى من تظاهر قريش على رسول الله ﷺ وأصحابه ما رأى، استأذن رسول الله ﷺ في الهجرة فاذن له، فخرج أبو بكر ﵁ مهاجرا حتى إذا سار من مكة يوما - أو يومين - لقيه ابن الدغنة أخو بنى الحارث بن بكر بن عبد مناة بن كنانة وهو يومئذ سيد الأحابيش. قال الواقدي: اسمه الحارث بن يزيد أحد بنى بكر من عبد مناة بن كنانة. وقال السهيليّ: اسمه مالك. فقال: إلى أين يا أبا بكر؟ قال أخرجني قومي وآذوني وضيقوا على. قال ولم؟ فو الله إنك لتزين العشيرة، وتعين على النوائب، وتفعل المعروف وتكسب المعدوم. أرجع فإنك في جواري. فرجع معه حتى إذا دخل مكة قام معه ابن الدغنة فقال:
يا معشر قريش إني قد أجرت ابن أبى قحافة فلا يعرض له أحد إلا بخير. قال: فكفوا عنه.
قالت: وكان لأبي بكر مسجد عند باب داره في بنى جمح فكان يصلى فيه، وكان رجلا رقيقا إذا قرأ القرآن استبكى قالت فيقف عليه الصبيان والعبيد والنساء يعجبون لما يرون من هيئته، قال فمشى رجال من قريش إلى ابن الدغنة. فقالوا: يا ابن الدغنة إنك لم تجر هذا الرجل ليؤذينا، إنه رجل إذا صلّى وقرأ ما جاء به محمد يرق وكانت له هيئة ونحن نتخوف على صبياننا ونسائنا وضعفائنا أن يفتنهم، فاته فمره بان يدخل بيته فليصنع فيه ما شاء. قالت: فمشى ابن الدغنة اليه فقال: يا أبا بكر إني لم أجرك لتؤذى قومك. وقد كرهوا مكانك الّذي أنت به وتأذوا بذلك منك، فادخل بيتك فاصنع فيه ما أحببت. قال: أو أرد عليك جوارك وأرضى بجوار الله. قال فاردد على جواري. قال:
قد رددته عليك. قال فقام ابن الدغنة فقال يا معشر قريش إن ابن أبى قحافة قد رد على جواري فشأنكم بصاحبكم. وقد روى الامام البخاري هذا الحديث متفردا به وفيه زيادة حسنة. فقال حدثنا يحيى بن بكير حدثنا الليث عن عقيل قال ابن هشام فأخبرني عروة بن الزبير أن عائشة زوج النبي ﷺ . قالت: لم أعقل أبواي قط إلا وهما يدينان الدين، ولم يمر علينا يوم إلا يأتينا فيه رسول الله ﷺ طرفي النهار بكرة وعشية، فلما ابتلى المسلمون خرج أبو بكر مهاجرا نحو أرض الحبشة حتى إذا بلغ برك الغماد، لقيه ابن الدغنة وهو سيد القارة فقال: أين تريد يا أبا بكر؟ فقال أبو بكر:
أخرجني قومي فأريد أن أسيح في الأرض فاعبد ربى. فقال ابن الدغنة فان مثلك يا أبا بكر لا يخرج ولا يخرج مثله، إنك تكسب المعدوم، وتصل الرحم، وتحمل الكل، وتقرى الضيف، وتعين على نوائب الحق. وأنا لك جار فارجع فاعبد ربك ببلدك. فرجع وارتحل معه ابن الدغنة، وطاف ابن الدغنة عشية في أشراف قريش فقال لهم: إن أبا بكر لا يخرج مثله ولا يخرج، أتخرجون رجلا يكسب المعدوم، ويصل الرحم، ويحمل الكل، ويقرى الضيف، ويعين على نوائب الحق؟ فلم يكذب قريش بجوار ابن الدغنة وقالوا لابن الدغنة مر أبا بكر فليعبد ربه في داره ويصل فيها وليقرأ
стр. 788
ما شاء، ولا يؤذينا بذلك ولا يستعلن به، فانا نخشى أن يفتن نساءنا وأبناءنا. فقال ابن الدغنة ذلك لأبي بكر، فلبث أبو بكر بذلك يعبد ربه في داره، ولا يستعلن بصلاته، ولا يقرأ في غير داره. ثم بدا لأبي بكر فابتنى مسجدا بفناء داره وكان يصلى فيه ويقرأنّ القرآن، فكان (١) نساء المشركين وأبناؤهم يعجبون منه وينظرون إليه. وكان أبو بكر رجلا بكاء لا يملك عينيه إذا قرأ القرآن، فافزع ذلك أشراف قريش من المشركين فأرسلوا إلى ابن الدغنة فقدم عليهم. فقالوا: إنا كنا أجرنا أبا بكر بجوارك على أن يعبد ربه في داره، فقد جاوز ذلك فابتنى مسجدا بفناء داره فأعلن في الصلاة والقراءة فيه، وإنا قد خشينا أن يفتتن أبناؤنا ونساؤنا فإنه فان أحب على ان يقتصر ان يعبد ربه في داره فعل، وأن أبى إلا أن يعلن ذلك فسله ان يرد عليك ذمتك فانا قد كرهنا نخفرك ولسنا مقرين لأبي بكر الاستعلان. قالت عائشة: فأتى ابن الدغنة إلى أبى بكر فقال قد علمت الّذي قد عاقدت عليه قريش (٢) فاما ان تقتصر على ذلك وأما ان ترد إلى ذمتي فانى لا أحب أن تسمع العرب أنى أخفرت في رجل عقدت له. فقال أبو بكر: فانى أرد عليك جوارك وأرضى بجوار الله . ثم ذكر تمام الحديث في هجرة أبى بكر ﵁ مع رسول الله ﷺ كما سيأتي مبسوطا.
قال ابن إسحاق: وحدثني عبد الرحمن بن القاسم عن أبيه القاسم بن محمد بن أبى بكر الصديق قال: لقيه - يعنى أبا بكر الصديق حين خرج من جوار ابن الدغنة - سفيه من سفهاء قريش وهو عامد إلى الكعبة فحثا على رأسه ترابا، فمر بأبي بكر الوليد بن المغيرة - أو العاص بن وائل - فقال له أبو بكر ﵁: ألا ترى ما يصنع هذا السفيه؟ فقال: أنت فعلت ذلك بنفسك. وهو يقول أي رب ما أحلمك، اى رب ما أحلمك، أي رب ما أحلمك.
فصل
كل هذه القصص ذكرها ابن إسحاق معترضا بها بين تعاقد قريش على بنى هاشم وبنى المطلب وكتابتهم عليهم الصحيفة الظالمة وحصرهم إياهم في الشعب، وبين نقض الصحيفة وما كان من أمرها وهي أمور مناسبة لهذا الوقت، ولهذا قال الشافعيّ ﵀: من أراد المغازي فهو عيال على ابن إسحاق.
ذكر نقض الصحيفة
قال ابن إسحاق: هذا وبنو هاشم، وبنو المطلب في منزلهم الّذي تعاقدت فيه قريش عليهم
стр. 789
في الصحيفة التي كتبوها، ثم إنه قام في نقض الصحيفة نفر من قريش، ولم يبل فيها أحد أحسن من بلاء هشام بن عمرو بن الحارث بن حبيب بن نصر بن مالك بن حسل بن عامر بن لؤيّ، وذلك أنه كان ابن أخي نضلة بن هشام بن عبد مناف لامه، وكان هشام لبني هاشم واصلا، وكان ذا شرف في قومه فكان فيما بلغني - يأتى بالبعير وبنو هاشم وبنو المطلب في الشعب ليلا قد أو قره طعاما، حتى إذا بلغ به فم الشعب خلع خطامه من رأسه ثم ضرب على جنبيه فدخل الشعب عليهم ثم يأتى به قد أوقره برا فيفعل به مثل ذلك، ثم إنه مشى إلى زهير بن أبى أمية بن المغيرة بن عبد الله بن عمرو بن مخزوم وكانت أمه عاتكة بنت عبد المطلب. فقال: يا زهير أقد رضيت أن تأكل الطعام وتلبس الثياب وتنكح النساء وأخوالك حيث علمت لا يباعون ولا يبتاع منهم، ولا ينكحون ولا ينكح اليهم؟ أما إني أحلف بالله لو كانوا أخوال أبى الحكم بن هشام ثم دعوته إلى مثل ما دعاك اليه منهم ما أجابك إليه أبدا. قال: ويحك يا هشام فماذا أصنع إنما أنا رجل واحد والله لو كان معى رجل آخر لقمت في نقضها. قال قد وجدت رجلا، قال من هو؟ قال أنا قال له زهير أبغنا ثالثا، فذهب إلى المطعم بن عدي فقال له يا مطعم أقد رضيت أن يهلك بطنان من بنى عبد مناف وأنت شاهد على ذلك موافق لقريش فيه، أما والله لئن أمكنتموهم من هذه لتجدنهم اليها منكم سراعا، قال ويحك فماذا أصنع إنما أنا رجل واحد، قال قد وجدت لك ثانيا. قال من؟ قال أنا، قال أبغنا ثالثا قال قد فعلت. قال من هو؟ قال زهير بن أبى أمية. قال أبغنا رابعا، فذهب الى أبى البختري بن هشام فقال نحو ما قال للمطعم بن عدي، فقال وهل تجد أحدا يعين على هذا؟ قال نعم! قال من هو؟ قال زهير بن أبى أمية والمطعم بن عدي وأنا معك. قال ابغنا خامسا. فذهب إلى زمعة بن الأسود بن المطلب بن أسد فكلمه وذكر له قرابتهم وحقهم، فقال له وهل على هذا الأمر الّذي تدعوني اليه من أحد؟ قال نعم ثم سمى القوم. فاتعدوا حطم الحجون ليلا بأعلى مكة فاجتمعوا هنالك وأجمعوا أمرهم وتعاقدوا على القيام في الصحيفة حتى ينقضوها. وقال زهير. أنا أبدؤكم فأكون أول من يتكلم. فلما أصبحوا غدوا إلى أنديتهم، وغدا زهير بن أبى أمية عليه حلة فطاف بالبيت سبعا ثم أقبل على الناس. فقال: يا أهل مكة أنأكل الطعام ونلبس الثياب وبنو هاشم هلكى لا يبتاعون ولا يبتاع منهم، والله لا أقعد حتى تشق هذه الصحيفة القاطعة الظالمة. قال أبو جهل - وكان في ناحية المسجد - والله لا تشق. قال: زمعة بن الأسود أنت والله أكذب، ما رضينا كتابها حين كتبت.
قال أبو البختري: صدق زمعة لا نرضى ما كتب فيها ولا نقربه. قال المطعم بن عدي: صدقتما وكذب من قال غير ذلك، نبرأ إلى الله منها ومما كتب فيها. قال هشام بن عمرو نحوا من ذلك. قال أبو جهل: هذا أمر قد قضى بليل تشور فيه بغير هذا المكان، وأبو طالب جالس في ناحية المسجد
стр. 790
وقام المطعم بن عدي إلى الصحيفة ليشقها فوجد الارضة قد أكلتها إلا باسمك اللهمّ، وكان كاتب الصحيفة منصور بن عكرمة فشلت يده فيما يزعمون.
قال ابن هشام: وذكر بعض أهل العلم أن رسول الله ﷺ قال لأبي طالب: «يا عم إن الله قد سلط الارضة على صحيفة قريش فلم تدع فيها اسما هو لله إلا أثبتته فيها، ونفت منها الظلم والقطيعة والبهتان». فقال أربك أخبرك بهذا؟ قال «نعم»! قال فو الله ما يدخل عليك أحد، ثم خرج إلى قريش فقال: يا معشر قريش إن ابن أخى قد أخبرنى بكذا وكذا فهلم صحيفتكم فان كانت كما قال فانتهوا عن قطيعتنا وانزلوا عنها، وإن كان كاذبا دفعت إليكم ابن أخى. فقال القوم: قد رضينا فتعاقدوا على ذلك ثم نظروا فإذا هي كما قال رسول الله ﷺ فزادهم ذلك شرا فعند ذلك صنع الرهط من قريش في نقض الصحيفة ما صنعوا.
قال ابن إسحاق: فلما مزقت وبطل ما فيها قال أبو طالب فيما كان من أمر أولئك القوم الذين قاموا في نقض الصحيفة يمدحهم:
ألا هل أتى بحريّنا (١) صنع ربنا … على نأيهم والله بالناس أرود
فيخبرهم أن الصحيفة مزقت … وأن كل ما لم يرضه الله مفسد
تراوحها إفك وسحر مجمّع … ولم يلف سحرا آخر الدهر يصعد
تداعى لها من ليس فيها بقرقر … فطائرها في رأسها يتردد
وكانت كفاء وقعة بأثيمة … ليقطع منها ساعد ومقلد
ويظعن أهل المكتين فيهربوا … فرائصهم من خشية الشر ترعد
ويترك حراث يقلب أمره … أيتهم فيها عند ذاك وينجد
[وتصعد بين الاخشبين كتيبة … لها حدج سهم وقوس ومرهد]
فمن ينش من حضّار مكة عزة … فعزتنا في بطن مكة أتلد
نشأنا بها والناس فيها قلائل … فلم ننفكك نزداد خيرا ونحمد
ونطعم حتى يترك الناس فضلهم … إذا جعلت أيدي المفيضين ترعد
جزى الله رهطا بالحجون تجمعوا … على ملاء يهدى لحزم ويرشد
قعودا لذي حطم الحجون كأنهم … مقاولة بل هم أعز وأمجد
أعان عليها كل صقر كأنه … إذا ما مشى في رفرف الدرع أحرد
стр. 791
جريء على جلّ الخطوب كأنه … شهاب بكفى قابس يتوقد
من الأكرمين من لؤيّ بن غالب … إذا سيم خسفا وجهه يتربد
طويل النجاد خارج نصف ساقه … على وجهه يسقى الغمام ويسعد
عظيم الرماد سيد وابن سيد … يحض على مقرى الضيوف ويحشد
ويبنى لأبناء العشيرة صالحا … إذا نحن طفنا في البلاد ويمهد
ألظ بهذا الصلح كل مبرأ … عظيم اللواء أمره ثمّ يحمد
قضوا ما قضوا في ليلهم ثم أصبحوا … على مهل وسائر الناس رقّد
هم رجعوا سهل بن بيضاء راضيا … وسر أبو بكر بها ومحمد
متى شرك الأقوام في حل أمرنا … وكنّا قديما قبلها نتودد
وكنّا قديما لا نقر ظلامة … وندرك ما شئنا ولا نتشدد
فيال قصي هل لكم في نفوسكم … وهل لكم فيما يجيء به غد
فانى وإياكم كما قال قائل … لديك البيان لو تكلمت أسود
[(١) قال السهيليّ: أسود اسم جبل قتل به قتيل ولم يعرف قاتله فقال أولياء المقتول لديك البيان لو تكلمت أسود، أي يا أسود لو تكلمت لا بنت لنا عمن قتله].
ثم ذكر ابن إسحاق شعر حسان يمدح المطعم بن عدي وهشام بن عمرو لقيامهما في نقض الصحيفة الظالمة الفاجرة الغاشمة. وقد ذكر الأموي هاهنا أشعارا كثيرة اكتفينا بما أورده ابن إسحاق.
وقال الواقدي: سألت محمد بن صالح وعبد الرحمن بن عبد العزيز متى خرج بنو هاشم من الشعب؟ قالا: في السنة العاشرة - يعنى من البعثة - قبل الهجرة بثلاث سنين.
قلت: وفي هذه السنة بعد خروجهم توفى أبو طالب عم رسول الله ﷺ ، وزوجته خديجة بنت خويلد ﵂ كما سيأتي بيان ذلك إن شاء الله تعالى.
فصل
وقد ذكر محمد بن إسحاق ﵀ بعد إبطال الصحيفة قصصا كثيرة تتضمن نصب عداوة قريش لرسول الله ﷺ ، وتنفير أحياء العرب والقادمين إلى مكة لحج أو عمرة أو غير ذلك منه، وإظهار الله المعجزات على يديه دلالة على صدقه فيما جاءهم به من البينات والهدى، وتكذيبنا لهم فيما يرمونه من البغي والعدوان والمكر والخداع، ويرمونه من الجنون والسحر والكهانة والتقول، والله
стр. 792
غالب على أمره. فذكر قصة الطفيل بن عمرو الدوسيّ مرسلة، وكان سيدا مطاعا شريفا في دوس، وكان قد قدم مكة فاجتمع به أشراف قريش وحذروه من رسول الله ونهوه أن يجتمع به أو يسمع كلامه، قال فو الله ما زالوا بى حتى أجمعت أن لا أسمع منه شيئا ولا أكلمه، حتى حشوت أذنى حين غدوت إلى المسجد كرسفا (١) فرقا من أن يبلغني شيء من قوله وأنا لا أريد أن أسمعه. قال فغدوت الى المسجد فإذا رسول الله ﷺ قائم يصلى عند الكعبة، قال فقمت منه قريبا فأبى الله إلا أن يسمعني بعض قوله، قال فسمعت كلاما حسنا، قال فقلت في نفسي وا ثكل أمى والله إني لرجل لبيب شاعر ما يخفى على الحسن من القبيح فما يمنعني أن أسمع من هذا الرجل ما يقول فان كان الّذي يأتى به حسنا قبلته، وإن كان قبيحا تركته. قال: فمكثت حتى انصرف رسول الله ﷺ إلى بيته دخلت عليه فقلت: يا محمد إن قومك قالوا لي كذا وكذا - الّذي قالوا - قال فو الله ما برحوا بى يخوفوننى أمرك حتى سددت أذنى بكرسف لئلا اسمع قولك، ثم أبى الله إلا أن يسمعني قولك فسمعت قولا حسنا، فاعرض على أمرك: قال فعرض عليّ رسول الله ﷺ الإسلام وتلا عليّ القرآن فلا والله ما سمعت قولا قط أحسن منه، ولا أمرا أعدل منه. قال فأسلمت وشهدت شهادة الحق
وقلت: يا نبي الله إني امرؤ مطاع في قومي، وإني راجع اليهم وداعيهم إلى الإسلام فادع الله أن يجعل لي آية تكون لي عونا عليهم فيما أدعوهم اليه. قال فقال: «اللهمّ اجعل له آية» قال فخرجت إلى قومي حتى إذا كنت بثنية تطلعني على الحاضر، وقع بين عيني نور مثل المصباح. قال فقلت: اللهمّ في غير وجهي فانى أخشى أن يظنوا بها مثلة وقعت في وجهي لفراقى دينهم، قال فتحول فوقع في رأس سوطي قال فجعل الحاضرون يتراءون ذلك النور في رأس سوطي كالقنديل المعلق وأنا أتهبط عليهم من الثنية حتى جئتهم فأصبحت فيهم، فلما نزلت أتانى أبى - وكان شيخا كبيرا - فقلت: إليك عنى - يا أبة فلست منك ولست منى، قال ولم يا بنى؟ قال قلت أسلمت وتابعت دين محمد ﷺ . قال: أي بنى فدينك ديني. فقلت فاذهب فاغتسل وطهر ثيابك ثم ائتني حتى أعلمك مما علمت. قال فذهب فاغتسل وطهر ثيابه، ثم جاء فعرضت عليه الإسلام فأسلم، قال ثم أتتنى صاحبتي فقلت إليك عنى فلست منك ولست منى. قالت: ولم؟ بأبي أنت وأمى. قال قلت فرق بيني وبينك الإسلام، وتابعت دين محمد ﷺ . قالت فديني دينك. قال: فقلت فاذهبي إلى حمى ذي الشري فتطهري منه، وكان ذو الشري صنما لدوس وكان الحمى حمى حموه حوله به وشل من ماء يهبط من جبل. قالت: بابي أنت وأمى أتخشى على الصبية من ذي الشري شيئا؟ قلت لا، أنا ضامن لذلك. قال فذهبت فاغتسلت ثم جاءت فعرضت عليها الإسلام فأسلمت، ثم دعوت دوسا إلى الإسلام فأبطئوا على،
ثم جئت رسول
стр. 793
الله ﷺ بمكة. فقلت: يا رسول الله إنه قد غلبني على دوس الزنا فادع الله عليهم. قال: «اللهمّ أهد دوسا، ارجع إلى قومك فادعهم وارفق بهم». قال فلم أزل بأرض دوس أدعوهم إلى الإسلام حتى هاجر رسول الله ﷺ إلى المدينة ومضى بدر وأحد والخندق، ثم قدمت على رسول الله ﷺ بمن أسلم معى من قومي ورسول الله ﷺ بخيبر حتى نزلت المدينة بسبعين - أو ثمانين بيتا - من دوس فلحقنا برسول الله ﷺ بخيبر فأسهم لنا مع المسلمين. ثم لم أزل مع رسول الله ﷺ حتى فتح الله عليه مكة. فقلت: يا رسول الله ابعثني إلى ذي الكفين صنم عمرو بن حممة حتى أحرقه. قال ابن إسحاق: فخرج اليه فجعل الطفيل وهو يوقد عليه النار يقول:
يا ذا الكفين لست من عبادكا … ميلادنا أقدم من ميلادكا
إني حشوت النار في فؤادكا
قال ثم رجع رسول الله ﷺ فكان معه بالمدينة حتى قبض رسول الله ﷺ فلما ارتدت العرب خرج الطفيل مع المسلمين فسار معهم حتى فرغوا من طليحة ومن أرض نجد كلها، ثم سار مع المسلمين إلى اليمامة ومعه ابنه عمرو بن الطفيل، فرأى رؤيا وهو متوجه إلى اليمامة فقال لأصحابه إني قد رأيت رؤيا فاعبروها لي، رأيت أن رأسي حلق وأنه خرج من فمي طائر، وأنه لقيتني امرأة فأدخلتني في فرجها وأرى ابني يطلبني طلبا حثيثا ثم رأيته حبس عنى؟ قالوا: خيرا قال: أما أنا والله فقد أولتها، قالوا ماذا؟ قال أما حلق رأسي فوضعه، وأما الطائر الّذي خرج منه فروحى، وأما المرأة التي أدخلتنى في فرجها فالأرض تحفر لي فاغيب فيها. وأما طلب ابني إياي ثم حبسه عنى فانى أراه سيجتهد أن يصيبه ما أصابنى. فقتل رحمه الله تعالى شهيدا باليمامة وجرح ابنه جراحة شديدة، ثم استبل منها ثم قتل عام اليرموك زمن عمر شهيدا ﵀. هكذا ذكر محمد بن إسحاق قصة الطفيل بن عمرو مرسلة بلا اسناد. ولخبره شاهد في الحديث الصحيح.
قال الامام احمد حدثنا وكيع حدثنا سفيان عن أبى الزناد عن الأعرج عن أبى هريرة. قال: لما قدم الطفيل وأصحابه على رسول الله ﷺ قال إن دوسا قد استعصت قال: «اللهمّ اهد دوسا وائت بهم» رواه البخاري عن أبى نعيم عن سفيان الثوري.
وقال الامام احمد حدثنا يزيد أنبأنا محمد بن عمرو عن أبى سلمة عن أبى هريرة ﵁. قال:
قدم الطفيل بن عمرو الدوسيّ وأصحابه فقالوا يا رسول الله إن دوسا قد عصت وأبت فادع الله عليها.
قال أبو هريرة فرفع رسول الله ﷺ يديه فقلت هلكت دوس. فقال: «اللهمّ اهد دوسا، وائت بهم» اسناد جيد ولم يخرجوه.
وقال الامام احمد حدثنا سليمان بن حرب حدثنا حماد بن زيد عن حجاج الصواف عن أبى الزبير عن جابر. أن الطفيل بن عمرو الدوسيّ أتى النبي ﷺ فقال: يا رسول الله هل لك في حصن حصين ومنعة؟ - قال حصن كان لدوس في الجاهلية - فأبى ذلك
стр. 794
رسول الله ﷺ للذي ذخر الله للأنصار، فلما هاجر النبي ﷺ إلى المدينة هاجر اليه الطفيل بن عمرو وهاجر معه رجل من قومه فاجتووا المدينة فمرض فجزع فاخذ مشاقص فقطع بها براجمه فشخبت يداه فما رقأ الدم حتى مات. فرآه الطفيل بن عمرو في منامه في هيئة حسنة، ورآه مغطيا يديه. فقال له: ما صنع ربك بك فقال غفر لي بهجرتى إلى نبيه ﷺ قال فما لي أراك مغطيا يديك؟ قال قيل لي لن يصلح منك ما أفسدت. قال فقصها الطفيل على رسول الله ﷺ فقال رسول الله ﷺ :
«اللهمّ وليديه فاغفر» رواه مسلم عن أبى بكر بن أبى شيبة وإسحاق بن إبراهيم كلاهما عن سليمان ابن حرب به. فان قيل فما الجمع بين هذا الحديث وبين ما ثبت
في الصحيحين من طريق الحسن عن جندب قال قال رسول الله ﷺ : «كان فيمن كان قبلكم رجل به جرح فجزع، فاخذ سكينا فحز بها يده فما رقأ الدم حتى مات، فقال الله عبدي بادرني بنفسه فحرمت عليه الجنة».
فالجواب من وجوه، أحدها أنه قد يكون ذاك مشركا وهذا مؤمن، ويكون قد جعل هذا الصنيع سببا مستقلا في دخوله النار وإن كان شركه مستقلا إلا أنه نبه على هذا لتعتبر أمته. الثاني قد يكون هذاك عالما بالتحريم وهذا غير عالم لحداثة عهده بالإسلام. الثالث قد يكون ذاك فعله مستحلا له وهذا لم يكن مستحلا بل مخطئا. الرابع قد يكون أراد ذاك بصنيعه المذكور أن يقتل نفسه بخلاف هذا فإنه يجوز أنه لم يقصد قتل نفسه وإنما أراد غير ذلك. الخامس قد يكون هذاك قليل الحسنات فلم تقاوم كبر ذنبه المذكور فدخل النار، وهذا قد يكون كثير الحسنات فقاومت الذنب فلم يلج النار بل غفر له بالهجرة إلى نبيه ﷺ . ولكن بقي الشين في يده فقط وحسنت هيئة سائره فغطى الشين منه فلما رآه الطفيل بن عمرو مغطيا يديه قال له مالك؟ قال قيل لي لن يصلح منك ما أفسدت
فلما قصها الطفيل على رسول الله ﷺ دعا له فقال: «اللهمّ وليديه فاغفر» أي فأصلح منها ما كان فاسدا. والمحقق أن الله استجاب لرسول الله ﷺ في صاحب الطفيل بن عمرو.
قصة اعشى بن قيس
قال ابن هشام: حدثني خلاد بن قرة بن خالد السدوسي وغيره من مشايخ بكر بن وائل عن أهل العلم أن أعشى بن قيس بن ثعلبة بن عكابة بن صعب بن على بن بكر بن وائل خرج إلى رسول الله ﷺ يريد الإسلام، فقال يمدح النبي ﷺ :
ألم تغتمض عيناك ليلة أرمدا … وبت كما بات السليم مسهدا
وما ذاك من عشق النساء وإنما … تناسيت قبل اليوم خلة مهددا
ولكن أرى الدهر الّذي هو خائن … إذا أصلحت كفاي عاد فأفسدا
стр. 795
كهولا وشبانا فقدت وثروة … فلله هذا الدهر كيف ترددا
وما زلت أبغى المال مذأنا يافع … وليدا وكهلا حين شبت وأمردا
وابتذل العيس المراقيل تعتلى … مسافة ما بين النجير فصرخدا
ألا أيهذا السائلى أين يممت … فان لها في أهل يثرب موعدا
فان تسألى عنى فيا رب سائل … حفى عن الأعشى به حيث أصعدا
أجدت برجليها النجاد وراجعت … يداها خنافا لينا غير أحردا
وفيها إذا ما هجّرت عجرفية … إذا خلت حرباء الظهيرة أصيدا
وآليت لا أوى لها من كلالة … ولا من حفى حتى تلاقى محمدا
متى ما تناخى عند باب ابن هاشم … تراحى وتلقى من فواضله ندي
نبي يرى ما لا ترون وذكره … أغار لعمري في البلاد وأنجدا
له صدقات ما تغب ونائل … فليس عطاء اليوم مانعه غدا
أجدك لم تسمع وصاة محمد … نبي الإله حيث أوصى وأشهدا
إذا أنت لم ترحل بزاد من التقى … ولاقيت بعد الموت من قد تزودا
ندمت على أن لا تكون كمثله … فترصد للأمر الّذي كان ارصدا
فإياك والميتات لا تقربنها … ولا تأخذن سهما حديدا لتقصدا
وذا النصب المنصوب لا تنسكنه … ولا تعبد الأوثان والله فاعبدا
ولا تقربنّ جارة (١) كان سرها … عليك حراما فانكحن أو تأبدا
وذا الرحم القربى فلا تقطعنه … لعاقبة ولا الأسير المقيدا
وسبح على حين العشية والضحى … ولا تحمد الشيطان والله فاحمدا
ولا تسخرن من بائس ذي ضرارة … ولا تحسبن المال للمرء مخلدا
قال ابن هشام: فلما كان بمكة - أو قريب منها - اعترضه بعض المشركين من قريش فسأله عن أمره فأخبره أنه جاء يريد رسول الله ﷺ ليسلم. فقال له: يا أبا بصير إنه يحرم الزنا. فقال:
الأعشى والله إن ذلك لأمر ما لي فيه من أرب. فقال: يا أبا بصير إنه يحرم الخمر. فقال الأعشى:
أما هذه فو الله إن في نفسي منها العلالات ولكنى منصرف فاتروى منها عامي هذا، ثم آته فأسلم فانصرف فمات في عامه ذلك ولم يعد إلى النبي ﷺ . هكذا أورد ابن هشام هذه القصة هاهنا وهو كثير المؤاخذات لمحمد بن إسحاق ﵀، وهذا مما يؤاخذ به ابن هشام ﵀، فان الخمر
стр. 796
إنما حرمت بالمدينة بعد وقعة بنى النضير كما سيأتي بيانه فالظاهر أن عزم الأعشى على القدوم للإسلام إنما كان بعد الهجرة وفي شعره ما يدل على ذلك وهو قوله:
ألا أيها ذا السائلى أين يممت … فان لها في أهل يثرب موعدا
وكان الأنسب والأليق بابن هشام أن يؤخر ذكر هذه القصة الى ما بعد الهجرة ولا يوردها هاهنا والله أعلم. قال السهيليّ: وهذه غفلة من ابن هشام ومن تابعه فان الناس مجمعون على ان الخمر لم ينزل تحريمها إلا في المدينة بعد أحد. وقد قال: وقيل إن القائل للأعشى هو أبو جهل بن هشام في دار عتبة بن ربيعة. وذكر أبو عبيدة أن القائل له ذلك هو عامر بن الطفيل في بلاد قيس وهو مقبل إلى رسول الله ﷺ قال وقوله. ثم آته فأسلم - لا يخرجه عن كفره بلا خلاف والله أعلم.
ثم ذكر ابن إسحاق هاهنا قصة الإراشي وكيف استعدى إلى رسول الله ﷺ من أبى جهل في ثمن الجمل الّذي ابتاعه منه، وكيف أذل الله أبا جهل وأرغم أنفه حتى أعطاه ثمنه في الساعة الراهنة وقد قدمنا ذلك في ابتداء الوحي وما كان من أذية المشركين عند ذلك.
قصة مصارعة ركانة وكيف أراه الشجرة التي دعاها فأقبلت ﷺ
قال ابن إسحاق: وحدثني أبى إسحاق بن يسار قال وكان ركانة بن عبد يزيد بن هاشم بن المطلب بن عبد مناف أشد قريشا، فخلا يوما برسول الله ﷺ في بعض شعاب مكة فقال له رسول الله ﷺ : يا ركانة ألا تتقى الله وتقبل ما أدعوك اليه قال إني لو أعلم أن الّذي تقول حق لاتبعتك فقال له رسول الله: «أفرأيت إن صرعتك أتعلم أن ما أقول حق؟». قال نعم! قال: «فقم حتى أصارعك». قال فقام ركانة اليه فصارعه فلما بطش به رسول الله ﷺ أضجعه لا يملك من نفسه شيئا ثم قال عد يا محمد فعاد فصرعه. فقال يا محمد والله إن هذا للعجب، أتصرعنى؟ قال: «وأعجب من ذلك ان شئت أريكه إن اتقيت الله واتبعت أمرى».؟ قال وما هو؟ قال: «أدعو لك هذه الشجرة التي ترى فتأتيني». قال: فادعها فدعاها فأقبلت حتى وقفت بين يدي رسول الله ﷺ .
فقال لها: ارجعي الى مكانك فرجعت الى مكانها قال فذهب ركانة الى قومه فقال يا بنى عبد مناف ساحروا بصاحبكم أهل الأرض فو الله ما رأيت أسحر منه قط، ثم أخبرهم بالذي رأى والّذي صنع.
هكذا روى ابن إسحاق هذه القصة مرسلة بهذا البيان. وقد روى أبو داود والترمذي من حديث أبى الحسن العسقلاني عن أبى جعفر بن محمد بن ركانة عن أبيه. أن ركانة صارع النبي ﷺ فصرعه النبي ﷺ ، ثم قال الترمذي غريب ولا نعرف أبا الحسن ولا بن ركانة.
стр. 797
قلت: وقد روى أبو بكر الشافعيّ باسناد جيد عن ابن عباس ﵄: أن يزيد بن ركانة صارع النبي ﷺ فصرعه النبي ﷺ ثلاث مرات، كل مرة على مائة من الغنم فلما كان في الثالثة قال يا محمد ما وضع ظهري الى الأرض أحد قبلك، وما كان أحد أبغض الىّ منك. وأنا أشهد أن لا إله الا الله وأنك رسول الله فقام عنه رسول الله ﷺ ورد عليه غنمه.
وأما قصة دعائه الشجرة فأقبلت فسيأتي في كتاب دلائل النبوة بعد السيرة من طرق جيدة صحيحة في مرات متعددة ان شاء الله وبه الثقة. وقد تقدم عن أبى الاشدين (١) أنه صارع النبي ﷺ فصرعه رسول الله ﷺ . ثم ذكر ابن إسحاق قصة قدوم النصارى من أهل الحبشة نحوا من عشرين راكبا الى مكة فأسلموا عن آخرهم، وقد تقدم ذلك بعد قصة النجاشي ولله الحمد والمنة.
قال ابن إسحاق: وكان رسول الله ﷺ إذا جلس في المسجد يجلس اليه المستضعفون من أصحابه خباب، وعمار، وأبو فكيهة، ويسار مولى صفوان بن أمية، وصهيب، وأشباههم من المسلمين. هزئت بهم قريش وقال بعضهم لبعض هؤلاء أصحابه كما ترون، أهؤلاء من الله عليهم من بيننا بالهدى ودين الحق لو كان ما جاء به محمد خيرا ما سبقنا هؤلاء اليه وما خصهم الله به دوننا.
فانزل الله فيهم: (ولا تطرد الذين يدعون ربهم بالغدوة والعشي يريدون وجهه ما عليك من حسابهم من شيء وما من حسابك عليهم من شيء فتطردهم فتكون من الظالمين، وكذلك فتنا بعضهم ببعض ليقولوا أهؤلاء من الله عليهم من بيننا أليس الله بأعلم بالشاكرين وإذا جاءك الذين يؤمنون بئايتنا فقل سلام عليكم كتب ربكم على نفسه الرحمة إنه من عمل منكم سوءا بجهالة ثم تاب من بعده وأصلح فإنه غفور رحيم). قال وكان رسول الله ﷺ كثيرا ما يجلس عند المروة إلى مبيعة غلام (٢) نصراني يقال له جبر، عبد لبني الحضرميّ وكانوا يقولون والله ما يعلم محمدا كثيرا مما يأتى به الأجير، فانزل الله تعالى في ذلك من قولهم (انما يعلمه بشر لسان الّذي يلحدون اليه أعجمى وهذا لسان عربي مبين). ثم ذكر نزول سورة الكوثر في العاص بن وائل حين قال عن رسول الله ﷺ إنه أبتر أي لا عقب له فإذا مات انقطع ذكره. فقال الله تعالى: ﴿إِنَّ شانِئَكَ هُوَ الْأَبْتَرُ﴾ أي المقطوع الذكر بعده، ولو خلف ألوفا من النسل والذرية وليس الذكر والصيت ولسان الصدق بكثرة الأولاد والانسال والعقب، وقد تكلمنا على هذه السورة في التفسير ولله الحمد. وقد روى عن أبى جعفر الباقر: أن العاص بن وائل انما قال ذلك حين مات القاسم بن النبي ﷺ ، وكان قد بلغ أن يركب الدابة ويسير على النجيبة. ثم ذكر نزول قوله: ﴿وَقالُوا لَوْلا أُنْزِلَ عَلَيْهِ مَلَكٌ وَلَوْ أَنْزَلْنا مَلَكاً لَقُضِيَ الْأَمْرُ﴾
стр. 798
وذلك بسبب قول أبى بن خلف وزمعة بن الأسود والعاص بن وائل والنضر ابن الحارث، لولا أنزل عليك ملك يكلم الناس عنك.
قال ابن إسحاق: ومر رسول الله ﷺ فيما بلغنا بالوليد بن المغيرة وأمية بن خلف وأبى جهل ابن هشام فهمزوه واستهزءوا به، فغاظه ذلك فأنزل الله تعالى في ذلك من أمرهم ﴿وَلَقَدِ اُسْتُهْزِئَ بِرُسُلٍ مِنْ قَبْلِكَ فَحاقَ بِالَّذِينَ سَخِرُوا مِنْهُمْ ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُنَ﴾.
قلت: وقال الله تعالى ﴿وَلَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ فَصَبَرُوا عَلى ما كُذِّبُوا وَأُوذُوا حَتّى أَتاهُمْ نَصْرُنا وَلا مُبَدِّلَ لِكَلِماتِ اللهِ وَلَقَدْ جاءَكَ مِنْ نَبَإِ الْمُرْسَلِينَ﴾ وقال تعالى ﴿إِنّا كَفَيْناكَ الْمُسْتَهْزِئِينَ﴾. قال سفيان عن جعفر بن اياس عن سعيد بن جبير عن ابن عباس. قال: المستهزءون الوليد بن المغيرة، والأسود بن عبد يغوث الزهري، والأسود بن المطلب أبو زمعة، والحارث بن عيطل (١)، والعاص بن وائل السهمي. فأتاه جبريل فشكاهم اليه رسول الله ﷺ فأراه الوليد فاشار جبريل الى أنملة وقال كفيته، ثم أراه الأسود بن المطلب فأومأ الى عنقه وقال كفيته، ثم أراه الأسود بن عبد يغوث فأومأ الى رأسه وقال كفيته، ثم أراه الحارث بن عيطل فأومأ الى بطنه وقال كفيته، ومر به العاص بن وائل فأومأ الى أخمصه وقال كفيته. فاما الوليد فمر برجل من خزاعة وهو يريش نبلا له فأصاب أنمله فقطعها، وأما الأسود بن عبد يغوث فخرج في رأسه قروح فمات منها، وأما الأسود ابن المطلب فعمى. وكان سبب ذلك أنه نزل تحت سمرة فجعل يقول: يا بنى ألا تدفعون عنى قد قتلت فجعلوا يقولون ما نرى شيئا. وجعل يقول يا بنى ألا تمنعون عنى قد هلكت، ها هو ذا الطعن بالشوك في عيني. فجعلوا يقولون ما نرى شيئا. فلم يزل كذلك حتى عميت عيناه. وأما الحارث بن عيطل فأخذه الماء الأصفر في بطنه حتى خرج خرؤه من فيه فمات منها. وأما العاص بن وائل فبينما هو كذلك يوما إذ دخل في رأسه شبرقة حتى امتلأت منها فمات منها. وقال غيره في هذا الحديث:
فركب الى الطائف على حمار فربض به على شبرقة - يعنى شوكة - فدخلت في أخمص قدمه شوكة فقتلته. رواه البيهقي بنحو من هذا السياق.
وقال ابن إسحاق: وكان عظماء المستهزءين كما حدثني يزيد بن رومان عن عروة بن الزبير خمسة نفر، وكانوا ذوى أسنان وشرف في قومهم، الأسود بن المطلب أبو زمعة دعا عليه رسول الله ﷺ فقال: «اللهمّ أعم بصره وأثكله ولده». والأسود بن عبد يغوث، والوليد بن المغيرة، والعاص بن وائل، والحارث بن الطلاطة. وذكر أن الله تعالى أنزل فيهم (فاصدع بما تؤمر وأعرض
стр. 799
عن المشركين إنا كفيناك المستهزءين الذين يجعلون مع الله إلها آخر فسوف يعلمون). وذكر أن جبريل أتى رسول الله ﷺ وهم يطوفون بالبيت فقام وقام رسول الله ﷺ إلى جنبه، فمر به الأسود ابن المطلب فرمى في وجهه بورقة خضراء فعمى، ومر به الأسود بن عبد يغوث فاشار إلى بطنه فاستسقى باطنه فمات منه حبنا. ومر به الوليد بن المغيرة فاشار إلى أثر جرح بأسفل كعبه كان أصابه قبل ذلك بسنين من مروره برجل يريش نبلا له من خزاعة فتعلق سهم بإزاره فخدشه خدشا يسيرا، فانتقض بعد ذلك فمات. ومر به العاص بن وائل فاشار إلى اخمص رجله فخرج على حمار له يريد الطائف فربض به على شبرقة فدخلت في اخمص رجله شوكة فقتلته. ومر به الحارث بن الطلاطل فاشار الى رأسه فامتحض قيحا فقتله.
ثم ذكر ابن إسحاق: أن الوليد بن المغيرة لما حضره الموت أوصى بنيه الثلاثة وهم خالد وهشام والوليد. فقال لهم: أي بنى أوصيكم بثلاث، دمي في خزاعة فلا تطلوه، والله إني لأعلم أنهم منه براء ولكنى أخشى أن تسبوا به بعد اليوم، ورباى في ثقيف فلا تدعوه حتى تأخذوه، وعقرى عند أبى أزيهر الدوسيّ فلا يفوتنكم به. وكان أبو أزيهر قد زوج الوليد بنتا له ثم أمسكها عنه فلم يدخلها عليه حتى مات، وكان قد قبض عقرها منه - وهو صداقها - فلما مات الوليد وثبت بنو مخزوم على خزاعة يلتمسون منهم عقل الوليد، وقالوا انما قتله سهم صاحبكم، فأبت عليهم خزاعة ذلك حتى تقاولوا أشعارا وغلظ بينهم الأمر. ثم أعطتهم خزاعة بعض العقل واصطلحوا وتحاجزوا.
قال ابن إسحاق: ثم عدا هشام بن الوليد على أبى أزيهر وهو بسوق ذي المجاز فقتله، وكان شريفا في قومه، وكانت ابنته تحت أبى سفيان - وذلك بعد بدر - فعمد يزيد بن أبى سفيان فجمع الناس لبني مخزوم وكان أبوه غائبا، فلما جاء أبو سفيان غاظه ما صنع ابنه يزيد فلامه على ذلك وضربه وودى أبا أزيهر وقال لابنه: أعمدت إلى أن تقتل قريش بعضها بعضا في رجل من دوس؟ وكتب حسان بن ثابت قصيدة له يحض أبا سفيان في دم أبى أزيهر، فقال بئس ما ظن حسان أن يقتل بعضنا بعضا وقد ذهب اشرافنا يوم بدر. ولما أسلم خالد بن الوليد وشهد الطائف مع رسول الله ﷺ سأله في ربا أبيه من أهل الطائف؟.
قال ابن إسحاق: فذكر لي بعض أهل العلم إن هؤلاء الآيات نزلن في ذلك ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اِتَّقُوا اللهَ وَذَرُوا ما بَقِيَ مِنَ الرِّبا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ وما بعدها.
قال ابن إسحاق: ولم يكن في بنى أزيهر ثأر نعلمه حتى حجز الإسلام بين الناس، إلا أن ضرار ابن الخطاب بن مرداس الأسلمي خرج في نفر من قريش إلى أرض دوس فنزلوا على امرأة يقال لها أم غيلان مولاة لدوس، وكانت تمشط النساء وتجهز العرائس، فأرادت دوس قتلهم بابي
стр. 800
أزيهر فقامت دونه أم غيلان ونسوة كن معها حتى منعتهم. قال السهيليّ: يقال إنها أدخلته بين درعها وبدنها.
قال ابن هشام: فلما كانت أيام عمر بن الخطاب أتته أم غيلان وهي ترى أن ضرارا أخوه، فقال لها عمر: لست بأخيه الا في الإسلام، وقد عرفت منتك عليه فأعطاها على أنها بنت سبيل.
قال ابن هشام: وكان ضرار بن الخطاب لحق عمر بن الخطاب يوم أحد فجعل يضربه بعرض الرمح ويقول: أنج يا ابن الخطاب لا أقتلك فكان عمر يعرفها له بعد الإسلام ﵄.
فصل
وذكر البيهقي هاهنا دعاء النبي ﷺ على قريش حين استعصت عليه بسبع مثل سبع يوسف وأورد ما أخرجاه في الصحيحين من طريق الأعمش عن مسلم بن صبيح عن مسروق عن ابن مسعود. قال: خمس مضين، اللزام (١) والروم، والدخان، والبطشة، والقمر. وفي رواية عن ابن مسعود. قال: إن قريشا، لما استعصت على رسول الله ﷺ وأبطئوا عن الإسلام. قال: «اللهمّ أعنى عليهم بسبع كسبع يوسف» قال فاصابتهم سنة حتى فحصت كل شيء، حتى أكلوا الجيف والميتة وحتى أن أحدهم كان يرى ما بينه وبين السماء كهيئة الدخان من الجوع. ثم دعا فكشف الله عنهم، ثم قرأ عبد الله هذه الآية ﴿إِنّا كاشِفُوا الْعَذابِ قَلِيلاً إِنَّكُمْ عائِدُونَ﴾ قال فعادوا فكفروا فاخروا إلى يوم القيامة - أو قال فاخروا إلى يوم بدر - قال عبد الله: إن ذلك لو كان يوم القيامة كان لا يكشف عنهم (يوم نبطش البطشة الكبرى انا منتقمون) قال: يوم بدر. وفي رواية عنه.
قال: لما رأى رسول الله ﷺ من الناس إدبارا. قال: «اللهمّ سبع كسبع يوسف» فاخذتهم سنة حتى أكلوا الميتة والجلود والعظام. فجاءه أبو سفيان وناس من أهل مكة فقالوا: يا محمد إنك تزعم أنك بعثت رحمة وأن قومك قد هلكوا، فادع الله لهم. فدعا رسول الله ﷺ فسقوا الغيث، فأطبقت عليهم سبعا فشكا الناس كثرة المطر. فقال: «اللهمّ حوالينا ولا علينا» فانجذب السحاب عن رأسه فسقى الناس حولهم، قال لقد مضت آية الدخان - وهو الجوع الّذي أصابهم - وذلك قوله ﴿إِنّا كاشِفُوا الْعَذابِ قَلِيلاً إِنَّكُمْ عائِدُونَ﴾ وآية الروم، والبطشة الكبرى، وانشقاق القمر، وذلك كله يوم بدر. قال البيهقي: يريد - والله أعلم - البطشة الكبرى والدخان وآية اللزام كلها حصلت ببدر. قال وقد أشار البخاري إلى هذه الرواية ثم أورد من طريق عبد الرزاق عن معمر عن أيوب عن عكرمة عن ابن عباس. قال جاء: أبو سفيان إلى رسول الله ﷺ يستغيث من الجوع لأنهم لم
стр. 801
يجدوا شيئا حتى أكلوا العهن، فانزل الله تعالى ﴿وَلَقَدْ أَخَذْناهُمْ بِالْعَذابِ فَمَا اِسْتَكانُوا لِرَبِّهِمْ وَما يَتَضَرَّعُونَ﴾ قال فدعا رسول الله ﷺ حتى فرج الله عنهم. ثم قال الحافظ البيهقي: وقد روى في قصة أبى سفيان ما دل على أن ذلك بعد الهجرة، ولعله كان مرتين والله أعلم.
فصل
ثم أورد البيهقي قصة فارس والروم ونزول قوله تعالى ﴿الم * غُلِبَتِ الرُّومُ * فِي أَدْنَى الْأَرْضِ وَهُمْ مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ * فِي بِضْعِ سِنِينَ، لِلّهِ الْأَمْرُ مِنْ قَبْلُ وَمِنْ بَعْدُ وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ * بِنَصْرِ اللهِ يَنْصُرُ مَنْ يَشاءُ وَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ﴾. ثم روى من طريق سفيان الثوري عن حبيب بن أبى عمرو عن سعيد بن جبير عن ابن عباس. قال: كان المسلمون يحبون ان يظهر الروم على فارس لانهم أهل كتاب، وكان المشركون يحبون أن تظهر فارس على الروم لانهم أهل أوثان، فذكر ذلك المسلمون لأبي بكر فذكره أبو بكر للنّبيّ ﷺ فقال: «أما أنهم سيظهرون» فذكر أبو بكر ذلك للمشركين فقالوا: اجعل بيننا وبينك أجلا إن ظهروا كان لك كذا وكذا، وإن ظهرنا كان لنا كذا وكذا فذكر ذلك أبو بكر للنّبيّ ﷺ فقال: «ألا جعلته أداة». قال دون العشر فظهرت الروم بعد ذلك.
وقد أوردنا طرق هذا الحديث في التفسير وذكرنا أن المباحث - أي المراهن - لأبي بكر أمية ابن خلف وأن الرهن كان على خمس قلائص، وأنه كان إلى مدة، فزاد فيها الصديق عن أمر رسول الله ﷺ وفي الرهن. وأن غلبة الروم على فارس كان يوم بدر - أو كان يوم الحديبيّة - فالله أعلم.
ثم روى من طريق الوليد بن مسلم حدثنا أسيد الكلابي أنه سمع العلاء بن الزبير الكلابي يحدث عن أبيه. قال: رأيت غلبة فارس الروم، ثم رأيت غلبة الروم فارس، ثم رأيت غلبة المسلمين فارس والروم وظهورهم على الشام والعراق، كل ذلك في خمس عشرة سنة.
فصل
في الاسراء برسول الله ﷺ من مكة إلى بيت المقدس ثم عروجه من هناك إلى السموات وما رأى هنالك من الآيات ذكر ابن عساكر أحاديث الاسراء في أوائل البعثة، وأما ابن إسحاق فذكرها في هذا الموطن بعد البعثة بنحو من عشر سنين، وروى البيهقي من طريق موسى بن عقبة عن الزهري أنه قال:
أسرى برسول الله ﷺ قبل خروجه إلى المدينة بسنة. قال: وكذلك ذكره ابن لهيعة عن أبى الأسود عن عروة. ثم روى الحاكم عن الأصم عن احمد بن عبد الجبار عن يونس بن بكير عن أسباط بن نصر عن إسماعيل السدي. أنه قال: فرض على رسول الله ﷺ الخمس ببيت المقدس
стр. 802
ليلة أسرى به قبل مهاجره بستة عشر شهرا، فعلى قول السدي يكون الاسراء في شهر ذي القعدة، وعلى قول الزهري وعروة يكون في ربيع الأول. وقال أبو بكر بن أبى شيبة حدثنا عثمان عن سعيد ابن مينا عن جابر وابن عباس. قالا: ولد رسول الله ﷺ عام الفيل يوم الاثنين الثاني عشر من ربيع الأول. وفيه بعث، وفيه عرج به إلى السماء، وفيه هاجر، وفيه مات. فيه انقطاع. وقد اختاره الحافظ عبد الغنى بن سرور المقدسي في سيرته وقد أورد حديثا لا يصح سنده ذكرناه في فضائل شهر رجب أن الاسراء كان ليلة السابع والعشرين من رجب والله أعلم. ومن الناس من يزعم أن الاسراء كان أول ليلة جمعة من شهر رجب وهي ليلة الرغائب التي أحدثت فيها الصلاة المشهورة ولا أصل لذلك والله أعلم. وينشد بعضهم في ذلك:
ليلة الجمعة عرج بالنبيّ … ليلة الجمعة أول رجب
وهذا الشعر عليه ركاكة وانما ذكرناه استشهادا لمن يقول به. وقد ذكرنا الأحاديث الواردة في ذلك مستقصاة عند قوله تعالى ﴿سُبْحانَ الَّذِي أَسْرى بِعَبْدِهِ لَيْلاً مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي بارَكْنا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آياتِنا إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ فلتكتب من هناك على ما هي عليه من الأسانيد والعزو، والكلام عليها ومعها ففيها مقنع وكفاية ولله الحمد والمنة.
ولنذكر ملخص كلام ابن إسحاق ﵀ فإنه قال بعد ذكر ما تقدم من الفصول: ثم أسرى برسول الله ﷺ من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى - وهو بيت المقدس من إيلياء - وقد فشا الإسلام بمكة في قريش وفي القبائل كلها. قال وكان من الحديث فيما بلغني عن مسراه ﷺ عن ابن مسعود وأبى سعيد وعائشة ومعاوية وأم هانئ بنت أبى طالب ﵃ والحسن بن أبى الحسن وابن شهاب الزهري وقتادة وغيرهم من أهل العلم ما اجتمع في هذا الحديث كل يحدث عنه بعض ما ذكر لي من أمره وكان في مسراه ﷺ وما ذكر لي منه بلاء، وتمحيص وأمر من أمر الله وقدرته وسلطانه فيه عبرة لأولى الألباب، وهدى ورحمة وثبات لمن آمن وصدق وكان من أمر الله على يقين، فاسرى به كيف شاء وكما شاء ليريه من آياته ما أراد حتى عاين ما عاين من أمره وسلطانه العظيم وقدرته التي يصنع بها ما يريد. وكان عبد الله بن مسعود فيما بلغني يقول: أتى رسول الله ﷺ بالبراق وهي الدابة التي كانت تحمل عليها الأنبياء قبله، تضع حافرها في موضع منتهى طرفها فحمل عليها ثم خرج به صاحبه يرى الآيات فيما بين السماء والأرض حتى انتهى إلى بيت المقدس فوجد فيه إبراهيم وموسى وعيسى في نفر من الأنبياء قد جمعوا له فصلى بهم ثم أتى بثلاثة آنية من لبن وخمر، وماء. فذكر أنه شرب إناء اللبن، فقال لي جبريل هديت وهديت أمتك. وذكر ابن إسحاق في سياق الحسن البصري مرسلا أن جبريل أيقظه ثم خرج به إلى باب المسجد الحرام فأركبه
стр. 803
البراق وهو دابة أبيض بين البغل والحمار وفي فخذيه جناحان يحفز بهما رجليه يضع حافره في منتهى طرفه، ثم حملني عليه ثم خرج معى لا يفوتني ولا أفوته.
قلت: وفي الحديث وهو عن قتادة فيما ذكره ابن إسحاق أن رسول الله ﷺ لما أراد ركوب البراق شمس به فوضع جبريل يده على معرفته ثم قال ألا تستحي يا براق مما تصنع، فو الله ما ركبك عبد لله قبل محمد أكرم عليه منه. قال فاستحى حتى ارفض عرقا ثم قر حتى ركبته. قال الحسن في حديثه فمضى رسول الله ﷺ ومضى معه جبريل حتى انتهى به إلى بيت المقدس فوجد فيه إبراهيم وموسى وعيسى في نفر من الأنبياء فأمهم رسول الله ﷺ فصلى بهم، ثم ذكر اختياره إناء اللبن على إناء الخمر وقول جبريل له هديت وهديت أمتك، وحرمت عليكم الخمر. قال ثم انصرف رسول الله ﷺ إلى مكة فأصبح يخبر قريشا بذلك فذكر أنه كذبه أكثر الناس وارتدت طائفة بعد إسلامها، وبادر الصديق إلى التصديق وقال إني لا صدقه في خبر السماء بكرة وعشية أفلا أصدقه في بيت المقدس وذكر أن الصديق سأله عن صفة بيت المقدس فذكرها له رسول الله ﷺ قال فيومئذ سمى أبو بكر الصديق. قال الحسن وأنزل الله في ذلك ﴿وَما جَعَلْنَا الرُّؤْيَا الَّتِي أَرَيْناكَ إِلاّ فِتْنَةً لِلنّاسِ﴾ الآية. وذكر ابن إسحاق فيما بلغه عن أم هانئ. أنها قالت: ما أسرى برسول الله ﷺ الا من بيتي نام عندي تلك الليلة بعد ما صلّى العشاء الآخرة فلما كان قبيل الفجر أهبنا فلما كان الصبح وصلينا معه. قال: «يا أم هاني لقد صليت معكم العشاء الآخرة في هذا الوادي ثم جئت بيت المقدس فصليت فيه ثم قد صليت الغداة معكم الآن كما ترين» ثم قام ليخرج فأخذت بطرف ردائه فقلت يا نبي الله لا تحدث بهذا الحديث الناس فيكذبونك ويؤذونك. قال: «والله لأحدثنهموه» فأخبرهم فكذبوه. فقال وآية ذلك أنى مررت بعير بنى فلان بوادي كذا وكذا، فانفرهم حس الدابة فندلّهم بعير فدللتهم عليه وأنا متوجه إلى الشام، ثم أقبلت حتى إذا كنت بصحنان مررت بعير بنى فلان فوجدت القوم نياما ولهم إناء فيه ماء قد غطوا عليه بشيء فكشفت غطاءه وشربت ما فيه، ثم غطيت عليه كما كان. وآية ذلك أن عيرهم تصوب الآن من ثنية التنعيم البيضاء يقدمها جمل أورق عليه غرارتان إحداهما سوداء والأخرى برقاء. قال فابتدر القوم الثنية فلم يلقهم أول من الجمل الّذي وصف لهم، وسألوهم عن الإناء وعن البعير فأخبروهم كما ذكر صلوات الله وسلامه عليه.
وذكر يونس بن بكير عن أسباط عن إسماعيل السيد أن الشمس كادت أن تغرب قبل أن يقدم ذلك العير، فدعا الله فحبسها حتى قدموا كما وصف لهم. قال فلم تحتبس الشمس على أحد إلا عليه ذلك اليوم وعلى يوشع بن نون. رواه البيهقي.
قال ابن إسحاق: وأخبرنى من لا أنهم عن أبى سعيد قال سمعت رسول الله ﷺ يقول: «لما
стр. 804
فرغت مما كان في بيت المقدس أتى بالمعراج ولم أر شيئا قط أحسن منه وهو الّذي يمد اليه ميتكم عينيه إذا حضر، فاصعدنى فيه صاحبي حتى انتهى بى إلى باب من أبواب السماء يقال له باب الحفظة عليه بريد من الملائكة يقال له إسماعيل تحت يده اثنا عشر ألف ملك تحت يد كل ملك منهم اثنا عشر ألف ملك، قال يقول رسول الله ﷺ إذا حدث بهذا الحديث (وما يعلم جنود ربك الا هو). ثم ذكر بقية الحديث وهو مطول جدا وقد سقناه باسناده ولفظه بكماله في التفسير وتكلمنا عليه فإنه من غرائب الأحاديث وفي اسناده ضعف، وكذا في سياق حديث أم هانئ فان الثابت في الصحيحين من رواية شريك بن أبى نمر عن أنس أن الاسراء كان من المسجد من عند الحجر وفي سياقه غرابة أيضا من وجوه قد تكلمنا عليها هناك ومنها قوله: وذلك قبل أن يوحى اليه، والجواب أن مجيئهم أول مرة كان قبل ان يوحى اليه فكانت تلك الليلة ولم يكن فيها شيء ثم جاءه الملائكة ليلة أخرى ولم يقل في ذلك، وذلك قبل أن يوحى اليه بل جاءه بعد ما أوحى اليه فكان الاسراء قطعا بعد الإيحاء إما بقليل كما زعمه طائفة، أو بكثير نحو من عشر سنين كما زعمه آخرون وهو الأظهر، وغسل صدره تلك الليلة قبل الاسراء غسلا ثانيا - أو ثالثا - على قول أنه مطلوب إلى الملأ الأعلى والحضرة الإلهية ثم ركب البراق رفعة له وتعظيما وتكريما فلما جاء بيت المقدس ربطه بالحلقة التي كانت تربط بها الأنبياء ثم دخل بيت المقدس فصلى في قبلته تحية المسجد. وأنكر حذيفة ﵁ دخوله إلى بيت المقدس وربطه الدابة وصلاته فيه وهذا غريب، والنص المثبت مقدم على النافي. ثم اختلفوا في اجتماعه بالأنبياء وصلاته بهم أكان قبل عروجه إلى السماء كما دل عليه ما تقدم أو بعد نزوله منها كما دل عليه بعض السياقات وهو أنسب كما سنذكره على قولين فالله أعلم.
وقيل إن صلاته بالأنبياء كانت في السماء، وهكذا تخيره من الآنية اللبن والخمر والماء هل كانت ببيت المقدس كما تقدم أو في السماء كما ثبت في الحديث الصحيح والمقصود أنه ﷺ لما فرغ من أمر بيت المقدس نصب له المعراج وهو السلم فصعد فيه إلى السماء ولم يكن الصعود على البراق كما قد يتوهمه بعض الناس بل كان البراق مربوطا على باب مسجد بيت المقدس ليرجع عليه إلى مكة، فصعد من سماء إلى سماء في المعراج حتى جاوز السابعة وكلما جاء سماء تلقته منها مقربوها ومن فيها من أكابر الملائكة والأنبياء وذكر أعيان من رآه من المرسلين كآدم في سماء الدنيا، ويحيى وعيسى في الثانية (١) وإدريس في الرابعة، وموسى في السادسة - على الصحيح - وإبراهيم في السابعة مسندا ظهره إلى البيت المعمور الّذي يدخله كل يوم سبعون الفا من الملائكة يتعبدون فيه صلاة وطوافا ثم لا
стр. 805
يعودون اليه إلى يوم القيامة، ثم جاوز مراتبهم كلهم حتى ظهر لمستوى يسمع فيه صريف الأقلام، ورفعت لرسول الله ﷺ سدرة المنتهى وإذا ورقها كآذان الفيلة، ونبقها كقلال هجر، وغشيها عند ذلك أمور عظيمة ألوان متعددة باهرة وركبتها الملائكة مثل الغربان على الشجرة كثرة وفراش من ذهب وغشيها من نور الرب ﷻ ورأى هناك جبريل ﵇ له ستمائة جناح ما بين كل جناحين كما بين السماء والأرض وهو الّذي يقول الله تعالى ﴿وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرى * عِنْدَ سِدْرَةِ الْمُنْتَهى * عِنْدَها جَنَّةُ الْمَأْوى * إِذْ يَغْشَى السِّدْرَةَ ما يَغْشى * ما زاغَ الْبَصَرُ وَما طَغى﴾ أي ما زاغ يمينا ولا شمالا ولا ارتفع عن المكان الّذي حد له النظر اليه. وهذا هو الثبات العظيم والأدب الكريم وهذه الرؤيا الثانية لجبريل ﵇ على الصفة التي خلقه الله تعالى عليها كما نقله ابن مسعود وأبو هريرة وأبو ذر وعائشة ﵃ أجمعين. والاولى هي قوله تعالى ﴿عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوى * ذُو مِرَّةٍ فَاسْتَوى * وَهُوَ بِالْأُفُقِ الْأَعْلى * ثُمَّ دَنا فَتَدَلّى * فَكانَ قابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنى * فَأَوْحى إِلى عَبْدِهِ ما أَوْحى﴾ وكان ذلك بالأبطح، تدلى جبريل على رسول الله ﷺ سادا عظم خلقه ما بين السماء والأرض حتى كان بينه وبينه قاب قوسين أو أدنى، هذا هو الصحيح في التفسير كما دل عليه كلام أكابر الصحابة المتقدم ذكرهم ﵃. فاما قول شريك عن أنس في حديث الاسراء ثم دنا الجبار رب العزة فتدلى فكان قاب قوسين أو أدنى فقد يكون من فهم الراويّ فاقحمه في الحديث والله أعلم. وإن كان محفوظا فليس بتفسير للآية الكريمة بل هو شيء آخر غير ما دلت عليه الآية الكريمة والله أعلم.
وفرض الله على عبده محمد ﷺ وعلى أمته الصلوات ليلتئذ خمسين صلاة في كل يوم وليلة، ثم لم يزل يختلف بين موسى وبين ربه حتى وضعها الرب ﷻ وله الحمد والمنة إلى خمس. وقال هي خمس وهي خمسون الحسنة بعشر أمثالها، فحصل له التكليم من الرب عز جل ليلتئذ، وأئمة السنة كالمطبقين على هذا، واختلفوا في الرؤية فقال بعضهم رآه بفؤاده مرتين، قاله ابن عباس وطائفة، وأطلق ابن عباس وغيره الرؤية وهو محمول على التقييد، وممن أطلق الرؤية أبو هريرة وأحمد بن حنبل ﵄، وصرح بعضهم بالرؤية بالعينين واختاره ابن جرير وبالغ فيه وتبعه على ذلك آخرون من المتأخرين. وممن نص على الرؤية بعيني رأسه الشيخ أبو الحسن الأشعري فيما نقله السهيليّ عنه، واختاره الشيخ أبو زكريا النووي في فتاويه. وقالت طائفة لم يقع ذلك لحديث أبى ذر في صحيح مسلم. قلت: يا رسول الله هل رأيت ربك؟ فقال: «نوراني أراه» وفي رواية «رأيت نورا». قالوا ولم يكن رؤية الباقي بالعين الفانية ولهذا قال الله تعالى لموسى فيما روى في بعض الكتب الإلهية يا موسى إن لا يراني حي إلا مات، ولا يابس إلا تدهده والخلاف في هذه المسألة مشهور بين السلف والخلف والله أعلم. ثم هبط رسول الله ﷺ إلى بيت المقدس
стр. 806
والظاهر أن الأنبياء هبطوا معه تكريما له وتعظيما عند رجوعه من الحضرة الإلهية العظيمة كما هي عادة الوافدين لا يجتمعون بأحد قبل الّذي طلبوا اليه، ولهذا كان كلما مر على واحد منهم يقول له جبريل - عند ما يتقدم ذاك السلام عليه - هذا فلان فسلم عليه، فلو كان قد اجتمع بهم قبل صعوده لما احتاج إلى تعرف بهم مرة ثانية. ومما يدل على ذلك أنه قال فلما حانت الصلاة: أممتهم. ولم يحن وقت إذ ذاك إلا صلاة الفجر فتقدمهم إماما بهم عن أمر جبريل فيما يرويه عن ربه ، فاستفاد بعضهم من هذا أن الامام الأعظم يقدم في الإمامة على رب المنزل حيث كان بيت المقدس محلتهم ودار إقامتهم، ثم خرج منه فركب البراق وعاد إلى مكة فأصبح بها وهو في غاية الثبات والسكينة والوقار.
وقد عاين في تلك الليلة من الآيات والأمور التي لو رآها - أو بعضها - غيره لأصبح مندهشا أو طائش العقل، ولكنه ﷺ أصبح واجما - أي ساكنا - يخشى إن بدأ فأخبر قومه بما رأى أن يبادروا الى تكذيبه، فتلطف باخبارهم أولا بانه جاء بيت المقدس في تلك الليلة وذلك أن أبا جهل لعنه الله - رأى رسول الله ﷺ في المسجد الحرام وهو جالس وأجم. فقال له: هل من خبر؟ فقال نعم! فقال: وما هو؟ فقال انى أسرى بى الليلة الى بيت المقدس. قال الى بيت المقدس؟ قال نعم! قال أرأيت إن دعوت قومك لك لتخبرهم أتخبرهم بما أخبرتني به؟ قال نعم! فأراد أبو جهل جمع قريش ليسمعوا منه ذلك وأراد رسول الله ﷺ جمعهم ليخبرهم ذلك ويبلغهم. فقال أبو جهل: هيا معشر قريش وقد اجتمعوا من أنديتهم فقال أخبر قومك بما أخبرتنى به، فقص عليهم رسول الله ﷺ خبر ما رأى وأنه جاء بيت المقدس هذه الليلة وصلّى فيه، فمن بين مصفق وبين مصفر تكذيبا له واستبعادا لخبره وطار الخبر بمكة وجاء الناس الى أبى بكر ﵁ فأخبروه أن محمدا ﷺ يقول كذا وكذا. فقال: انكم تكذبون عليه فقالوا والله إنه ليقوله. فقال: ان كان قاله فلقد صدق.
ثم جاء الى رسول الله ﷺ وحوله مشركي قريش فسأله عن ذلك فأخبره فاستعلمه عن صفات بيت المقدس ليسمع المشركون ويعلموا صدقه فيما أخبرهم به. وفي الصحيح: أن المشركين هم الذين سألوا رسول الله ﷺ عن ذلك. قال: فجعلت أخبرهم عن آياته فالتبس على بعض الشيء، فجلى الله لي بيت المقدس حتى جعلت انظر اليه دون دار عقيل وأنعته لهم. فقال: أما الصفة فقد أصاب.
وذكر ابن إسحاق ما تقدم من إخباره لهم بمروره بعيرهم وما كان من شربه مائهم، فأقام الله عليهم الحجة واستنارت لهم المحجة، فآمن من آمن على يقين من ربه وكفر من كفر بعد قيام الحجة عليه. كما قال الله تعالى ﴿وَما جَعَلْنَا الرُّؤْيَا الَّتِي أَرَيْناكَ إِلاّ فِتْنَةً لِلنّاسِ﴾ أي اختبارا لهم وامتحانا.
قال ابن عباس: هي رؤيا عين أريها رسول الله ﷺ وهذا مذهب جمهور السلف والخلف من أن الاسراء كان ببدنه وروحه صلوات الله وسلامه عليه كما دل على ذلك ظاهر السياقات من ركوبه
стр. 807
وصعوده في المعراج وغير ذلك. ولهذا قال فقال: ﴿سُبْحانَ الَّذِي أَسْرى بِعَبْدِهِ لَيْلاً مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي بارَكْنا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ﴾ والتسبيح إنما يكون عند الآيات العظيمة الخارقة فدل على أنه بالروح والجسد والعبد عبارة عنهما وأيضا فلو كان مناما لما بادر كفار قريش إلى التكذيب به والاستبعاد له إذ ليس في ذلك كبير أمر، فدل على أنه أخبرهم بانه أسرى به يقظة لا مناما. وقوله في حديث شريك عن أنس: ثم استيقظت فإذا أنا في الحجر معدود في غلطات شريك أو محمول على أن الانتقال من حال إلى حال يسمى يقظة كما سيأتي في حديث عائشة ﵂ حين ذهب رسول الله ﷺ الطائف فكذبوه، قال فرجعت مهموما فلم استفق إلا بقرن الثعالب، وفي حديث أبى أسيد حين جاء بابنه إلى رسول الله ﷺ ليحنكه فوضعه على فخذ رسول الله ﷺ واشتغل رسول الله ﷺ بالحديث مع الناس فرفع أبو أسيد ابنه، ثم استيقظ رسول الله ﷺ فلم يجد الصبى فسأل عنه فقالوا رفع فسماه المنذر. وهذا الحمل أحسن من التغليط والله أعلم.
وقد حكى ابن إسحاق فقال حدثني بعض آل أبى بكر عن عائشة أم المؤمنين أنها كانت تقول: ما فقد جسد رسول الله ﷺ ولكن الله أسرى بروجه. قال وحدثني يعقوب بن عتبة: أن معاوية كان إذا سئل عن مسرى رسول الله ﷺ قال: كانت رؤيا من الله صادقة.
قال ابن إسحاق: فلم ينكر ذلك من قولهما لقول الحسن إن هذه الآية نزلت في ذلك (وما جعلنا الرؤيا التي أريناك إلا فتنة للناس) وكما قال إبراهيم ﵇ ﴿يا بُنَيَّ إِنِّي أَرى فِي الْمَنامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ﴾ وفي الحديث: «تنام عيني وقلبي يقظان».
قال ابن إسحاق: فالله أعلم أي ذلك كان. قد جاءه وعاين فيه ما عاين من أمر الله تعالى على أي حاله كان نائما أو يقظانا كل ذلك حق وصدق.
قلت: وقد توقف ابن إسحاق في ذلك وجوز كلاّ من الأمرين من حيث الجملة، ولكن الّذي لا يشك فيه ولا يتمارى أنه كان يقظانا لا محالة لما تقدم وليس مقتضى كلام عائشة ﵂ أن جسده ﷺ ما فقد وإنما كان الاسراء بروحه أن يكون مناما كما فهمه ابن إسحاق، بل قد يكون وقع الاسراء بروحه حقيقة وهو يقظان لا نائم وركب البراق وجاء بيت المقدس وصعد السموات وعاين ما عاين حقيقة ويقظة لا مناما. لعل هذا مراد عائشة أم المؤمنين ﵂، ومراد من تابعها على ذلك. لا ما فهمه ابن إسحاق من أنهم أرادوا بذلك المنام والله أعلم.
تنبيه: ونحن لا ننكر وقوع منام قبل الاسراء طبق ما وقع بعد ذلك، فإنه ﷺ كان لا يرى رؤيا إلا جاءت مثل فلق الصبح، وقد تقدم مثل ذلك في حديث بدء الوحي أنه رأى مثل ما وقع له يقظة مناما قبله ليكون ذلك من باب الإرهاص والتوطئة والتثبت والإيناس والله أعلم.
стр. 808
ثم قد اختلف العلماء في أن الاسراء والمعراج هل كانا في ليلة واحدة أو كل في ليلة على حدة؟ فمنهم من يزعم أن الاسراء في اليقظة، والمعراج في المنام. وقد حكى المهلب بن أبى صفرة في شرحه البخاري عن طائفة أنهم ذهبوا إلى أن الاسراء مرتين، مرة بروحه مناما، ومرة ببدنه وروحه يقظة وقد حكاه الحافظ أبو القاسم السهيليّ عن شيخه أبى بكر بن العربيّ الفقيه. قال السهيليّ: وهذا القول يجمع الأحاديث فان في حديث شريك عن أنس وذلك فيما يرى قلبه وتنام عيناه ولا ينام قلبه، وقال في آخره: ثم استيقظت فإذا أنا في الحجر وهذا منام. ودل غيره على اليقظة، ومنهم عن يدعى تعدد الاسراء في اليقظة أيضا حتى قال بعضهم: إنها أربع اسراءات، وزعم بعضهم أن بعضها كان بالمدينة وقد حاول الشيخ شهاب الدين أبو شامة ﵀ أن يوفق بين اختلاف ما وقع في روايات حديث الاسراء بالجمع المتعدد فجعل ثلاث اسراءات، مرة من مكة إلى البيت المقدس فقط على البراق، ومرة من مكة الى السماء على البراق أيضا لحديث حذيفة، ومرة من مكة الى بيت المقدس ثم الى السموات.
فنقول: ان كان انما حمله على القول بهذه الثلاث اختلاف الروايات فقد اختلف لفظ الحديث في ذلك على أكثر من هذه الثلاث صفات ومن أراد الوقوف على ذلك فلينظر فيما جمعناه مستقصيا في كتابنا التفسير عند قوله تعالى ﴿سُبْحانَ الَّذِي أَسْرى بِعَبْدِهِ لَيْلاً﴾ وان كان انما حمله أن التقسيم انحصر في ثلاث صفات بالنسبة الى بيت المقدس والى السموات فلا يلزم من الحصر العقلي والوقوع كذلك في الخارج الا بدليل والله أعلم. والعجب أن الامام أبا عبد الله البخاري ﵀ ذكر الاسراء بعد ذكره موت أبى طالب فوافق ابن إسحاق في ذكره المعراج في أواخر الأمر، وخالفه في ذكره بعد موت أبى طالب، وابن إسحاق أخر ذكر موت أبى طالب على الاسراء، فالله أعلم أي ذلك كان. والمقصود أن البخاري فرق بين الاسراء وبين المعراج فبوب لكل واحد منهما بابا على حدة فقال: باب حديث الاسراء وقول الله ﴿سُبْحانَ الَّذِي أَسْرى بِعَبْدِهِ لَيْلاً﴾
حدثنا يحيى بن بكير حدثنا الليث عن عقيل عن ابن شهاب حدثني أبو سلمة بن عبد الرحمن قال سمعت جابر بن عبد الله أنه سمع رسول الله ﷺ يقول: «لما كذبتني قريش كنت في الحجر فجلى الله لي بيت المقدس فطفقت أحدثهم عن آياته وأنا انظر اليه». وقد رواه مسلم والترمذي والنسائي من حديث الزهري عن أبى سلمة عن جابر به. ورواه مسلم والنسائي والترمذي من حديث عبد الله بن الفضل عن أبى سلمة عن أبى هريرة عن النبي ﷺ بنحوه. ثم
قال البخاري باب حديث المعراج:
حدثنا هدبة بن خالد حدثنا همام حدثنا قتادة عن أنس بن مالك عن مالك بن صعصعة أن النبي ﷺ حدثهم عن ليلة أسرى به. قال: «بينما أنا في الحطيم - وربما قال في الحجر - مضجعا
стр. 809
إذ أتانى آت» فقال وسمعته يقول: «فشق ما بين هذه الى هذه» فقلت للجارود وهو الى جنبي ما يعنى به. قال من نقرة نحره الى شعرته وسمعته يقول من قصه الى شعرته. «فاستخرج قلبي ثم أتيت بطست من ذهب مملوءة ايمانا فغسل قلبي ثم حشى ثم أعيد، ثم أتيت بدابة دون البغل وفوق الحمار أبيض» فقال الجارود: وهو البراق يا أبا حمزة؟ قال: أنس نعم!: «يضع خطوه عند أقصى طرفه.
فحملت عليه فانطلق بى جبرائيل حتى أتى السماء الدنيا فاستفتح قيل من هذا؟ قال جبرائيل قيل ومن معك؟ قال محمد قيل وقد أرسل اليه؟ قال نعم! قيل مرحبا به فنعم المجيء جاء، ففتح فلما خلصت فإذا فيها آدم فقال هذا أبوك آدم فسلم عليه فسلمت عليه فرد السلام ثم قال: مرحبا بالابن الصالح والنبي الصالح، ثم صعد بى الى السماء الثانية فاستفتح قيل من هذا؟ قال جبرائيل قيل ومن معك؟ قال محمد قيل وقد أرسل اليه [قال نعم!] قيل: مرحبا به فنعم المجيء جاء، ففتح فلما خلصت إذا يحيى وعيسى وهما ابنا خالة، قال هذا يحيى وعيسى فسلم عليهما فسلمت عليهما فردا ثم قالا: مرحبا بالأخ الصالح والنبي الصالح. ثم صعد بى الى السماء الثالثة فاستفتح جبرائيل قيل من هذا؟ قال جبرائيل قال ومن معك؟ قال محمد قيل وقد أرسل اليه؟ قال نعم! قيل مرحبا به فنعم المجيء جاء، ففتح فلما خلصت إذا يوسف قال هذا يوسف فسلم عليه فسلمت عليه فرد ثم قال: مرحبا بالأخ الصالح والنبي الصالح. ثم صعد بى حتى أتى السماء الرابعة فاستفتح قيل من هذا؟ قال جبرائيل قال ومن معك؟ قال محمد قيل وقد أرسل اليه؟ قال نعم! قيل مرحبا به فنعم المجيء جاء. فلما خلصت إذا إدريس قال هذا إدريس فسلم عليه فسلمت عليه فرد، ثم قال: مرحبا بالأخ الصالح والنبي الصالح.
ثم صعد بى حتى أتى السماء الخامسة فاستفتح قيل من هذا؟ قال جبرائيل قيل ومن معك؟ قال محمد قيل وقد أرسل اليه؟ قال نعم! قيل مرحبا به فنعم المجيء جاء. فلما خلصت إذا هارون قال هذا هارون فسلم عليه فسلمت عليه فرد ثم قال: مرحبا بالأخ الصالح والنبي الصالح. ثم صعد بى حتى أتى السلماء السادسة فاستفتح فقيل من هذا؟ قال جبرائيل قيل ومن معك؟ قال محمد قيل وقد أرسل اليه؟ قال نعم! قيل مرحبا به فنعم المجيء جاء. فلما خلصت إذا موسى قال هذا موسى فسلم عليه، فسلمت عليه فرد ثم قال: مرحبا بالأخ الصالح والنبي الصالح. فلما تجاوزت بكى، فقيل له ما يبكيك؟ قال: أبكى لأن غلاما بعث بعدي يدخل الجنة من أمته أكثر من يدخلها من أمتى. ثم صعد بى الى السماء السابعة فاستفتح جبرائيل قيل من هذا؟ قال جبرائيل قيل ومن معك؟ قال محمد. قيل وقد بعث اليه؟ قال نعم! قيل مرحبا به فنعم المجيء جاء. فلما خلصت إذا إبراهيم قال هذا أبوك إبراهيم فسلم عليه، فسلمت عليه فرد السلام ثم قال: مرحبا بالابن الصالح والنبي الصالح. ثم رفعت الى سدرة المنتهى وإذا أربعة أنهار، نهران ظاهران، ونهران باطنان. فقلت: ما هذا يا جبرائيل؟
стр. 810
قال: أما الباطنان فنهران في الجنة، وأما الظاهران فالنيل والفرات، ثم رفع لي البيت المعمور يدخله كل يوم سبعون ألف ملك، ثم أتيت بإناء من خمر وإناء من لبن وإناء من عسل، فأخذت اللبن قال: هي الفطرة التي أنت عليها وأمتك. ثم فرض على الصلوات خمسون صلاة كل يوم، فرجعت فمررت على موسى فقال بما أمرت؟ قال أمرت بخمسين صلاة كل يوم. قال: إن أمتك لا تستطيع خمسين صلاة كل يوم، وإني والله قد جربت الناس قبلك وعالجت بنى إسرائيل أشد المعالجة، فارجع الى ربك فسله التخفيف لأمتك، فرجعت فوضع عنى عشرا. فرجعت الى موسى فقال مثله فرجعت فوضع عنى عشرا. فرجعت الى موسى فقال مثله، فرجعت فوضع عنى عشرا. فرجعت الى موسى فقال مثله، فرجعت فأمرت بعشر صلوات كل يوم، فقال مثله، فرجعت فأمرت بخمس صلوات كل يوم، فرجعت الى موسى فقال: بم أمرت؟ فقلت بخمس صلوات كل يوم. قال إن أمتك لا تستطيع خمس صلوات كل يوم، وإني قد جربت الناس قبلك وعالجت بنى إسرائيل أشد المعالجة فارجع الى ربك فسله التخفيف لأمتك. قال: سألت ربى حتى استحييت ولكن أرضى وأسلم.
قال فلما جاوزت ناداني مناد أمضيت فريضتي، وخففت عن عبادي». هكذا روى البخاري هذا الحديث هاهنا. وقد رواه في مواضع أخر من صحيحه ومسلم والترمذي والنسائي من طرق عن قتادة عن أنس عن مالك بن صعصعة. ورويناه من حديث أنس بن مالك عن أبى بن كعب. ومن حديث أنس عن أبى ذر. ومن طرق كثيرة عن أنس عن النبي ﷺ . وقد ذكرنا ذلك مستقصى بطرقه وألفاظه في التفسير، ولم يقع في هذا السياق ذكر بيت المقدس، وكان بعض الرواة يحذف بعض الخبر للعلم به، أو ينساه أو يذكر ما هو الأهم عنده، أو يبسط تارة فيسوقه كله، وتارة يحذف عن مخاطبه بما هو الانفع عنده. ومن جعل كل رواية اسراد على حدة كما تقدم عن بعضهم فقد أبعد جدا. وذلك أن كل السياقات فيها السلام على الأنبياء، وفي كل منها يعرفه بهم، وفي كلها يفرض عليه الصلوات. فكيف يمكن أن يدعى تعدد ذلك؟ هذا في غاية البعد والاستحالة والله أعلم. ثم قال البخاري حدثنا الحميدي حدثنا سفيان عن عمرو عن عكرمة عن ابن عباس في قوله تعالى ﴿وَما جَعَلْنَا الرُّؤْيَا الَّتِي أَرَيْناكَ إِلاّ فِتْنَةً لِلنّاسِ﴾. قال: هي رؤيا عين أريها رسول الله ﷺ ليلة أسرى به الى بيت المقدس، والشجرة الملعونة في القرآن. قال: هي شجرة الزقوم.
فصل
ولما أصبح رسول الله ﷺ من صبيحة ليلة الأسرى جاءه جبرائيل عند الزوال فبين له كيفية الصلاة وأوقاتها، وأمر رسول الله ﷺ أصحابه فاجتمعوا وصلّى به جبرائيل في ذلك اليوم الى الغد