← История

История · id 23708

البداية والنهاية - ط السعادة

ابن كثير

Полный текст (4 918 стр.). Показаны 806–845 · переход к 811.

стр. 806

والظاهر أن الأنبياء هبطوا معه تكريما له وتعظيما عند رجوعه من الحضرة الإلهية العظيمة كما هي عادة الوافدين لا يجتمعون بأحد قبل الّذي طلبوا اليه، ولهذا كان كلما مر على واحد منهم يقول له جبريل - عند ما يتقدم ذاك السلام عليه - هذا فلان فسلم عليه، فلو كان قد اجتمع بهم قبل صعوده لما احتاج إلى تعرف بهم مرة ثانية. ومما يدل على ذلك أنه قال فلما حانت الصلاة: أممتهم. ولم يحن وقت إذ ذاك إلا صلاة الفجر فتقدمهم إماما بهم عن أمر جبريل فيما يرويه عن ربه ، فاستفاد بعضهم من هذا أن الامام الأعظم يقدم في الإمامة على رب المنزل حيث كان بيت المقدس محلتهم ودار إقامتهم، ثم خرج منه فركب البراق وعاد إلى مكة فأصبح بها وهو في غاية الثبات والسكينة والوقار. وقد عاين في تلك الليلة من الآيات والأمور التي لو رآها - أو بعضها - غيره لأصبح مندهشا أو طائش العقل، ولكنه ﷺ أصبح واجما - أي ساكنا - يخشى إن بدأ فأخبر قومه بما رأى أن يبادروا الى تكذيبه، فتلطف باخبارهم أولا بانه جاء بيت المقدس في تلك الليلة وذلك أن أبا جهل لعنه الله - رأى رسول الله ﷺ في المسجد الحرام وهو جالس وأجم. فقال له: هل من خبر؟ فقال نعم! فقال: وما هو؟ فقال انى أسرى بى الليلة الى بيت المقدس. قال الى بيت المقدس؟ قال نعم! قال أرأيت إن دعوت قومك لك لتخبرهم أتخبرهم بما أخبرتني به؟ قال نعم! فأراد أبو جهل جمع قريش ليسمعوا منه ذلك وأراد رسول الله ﷺ جمعهم ليخبرهم ذلك ويبلغهم. فقال أبو جهل: هيا معشر قريش وقد اجتمعوا من أنديتهم فقال أخبر قومك بما أخبرتنى به، فقص عليهم رسول الله ﷺ خبر ما رأى وأنه جاء بيت المقدس هذه الليلة وصلّى فيه، فمن بين مصفق وبين مصفر تكذيبا له واستبعادا لخبره وطار الخبر بمكة وجاء الناس الى أبى بكر ﵁ فأخبروه أن محمدا ﷺ يقول كذا وكذا. فقال: انكم تكذبون عليه فقالوا والله إنه ليقوله. فقال: ان كان قاله فلقد صدق. ثم جاء الى رسول الله ﷺ وحوله مشركي قريش فسأله عن ذلك فأخبره فاستعلمه عن صفات بيت المقدس ليسمع المشركون ويعلموا صدقه فيما أخبرهم به. وفي الصحيح: أن المشركين هم الذين سألوا رسول الله ﷺ عن ذلك. قال: فجعلت أخبرهم عن آياته فالتبس على بعض الشيء، فجلى الله لي بيت المقدس حتى جعلت انظر اليه دون دار عقيل وأنعته لهم. فقال: أما الصفة فقد أصاب. وذكر ابن إسحاق ما تقدم من إخباره لهم بمروره بعيرهم وما كان من شربه مائهم، فأقام الله عليهم الحجة واستنارت لهم المحجة، فآمن من آمن على يقين من ربه وكفر من كفر بعد قيام الحجة عليه. كما قال الله تعالى ﴿وَما جَعَلْنَا الرُّؤْيَا الَّتِي أَرَيْناكَ إِلاّ فِتْنَةً لِلنّاسِ﴾ أي اختبارا لهم وامتحانا. قال ابن عباس: هي رؤيا عين أريها رسول الله ﷺ وهذا مذهب جمهور السلف والخلف من أن الاسراء كان ببدنه وروحه صلوات الله وسلامه عليه كما دل على ذلك ظاهر السياقات من ركوبه

стр. 807

وصعوده في المعراج وغير ذلك. ولهذا قال فقال: ﴿سُبْحانَ الَّذِي أَسْرى بِعَبْدِهِ لَيْلاً مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي بارَكْنا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ﴾ والتسبيح إنما يكون عند الآيات العظيمة الخارقة فدل على أنه بالروح والجسد والعبد عبارة عنهما وأيضا فلو كان مناما لما بادر كفار قريش إلى التكذيب به والاستبعاد له إذ ليس في ذلك كبير أمر، فدل على أنه أخبرهم بانه أسرى به يقظة لا مناما. وقوله في حديث شريك عن أنس: ثم استيقظت فإذا أنا في الحجر معدود في غلطات شريك أو محمول على أن الانتقال من حال إلى حال يسمى يقظة كما سيأتي في حديث عائشة ﵂ حين ذهب رسول الله ﷺ الطائف فكذبوه، قال فرجعت مهموما فلم استفق إلا بقرن الثعالب، وفي حديث أبى أسيد حين جاء بابنه إلى رسول الله ﷺ ليحنكه فوضعه على فخذ رسول الله ﷺ واشتغل رسول الله ﷺ بالحديث مع الناس فرفع أبو أسيد ابنه، ثم استيقظ رسول الله ﷺ فلم يجد الصبى فسأل عنه فقالوا رفع فسماه المنذر. وهذا الحمل أحسن من التغليط والله أعلم. وقد حكى ابن إسحاق فقال حدثني بعض آل أبى بكر عن عائشة أم المؤمنين أنها كانت تقول: ما فقد جسد رسول الله ﷺ ولكن الله أسرى بروجه. قال وحدثني يعقوب بن عتبة: أن معاوية كان إذا سئل عن مسرى رسول الله ﷺ قال: كانت رؤيا من الله صادقة. قال ابن إسحاق: فلم ينكر ذلك من قولهما لقول الحسن إن هذه الآية نزلت في ذلك (وما جعلنا الرؤيا التي أريناك إلا فتنة للناس) وكما قال إبراهيم ﵇ ﴿يا بُنَيَّ إِنِّي أَرى فِي الْمَنامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ﴾ وفي الحديث: «تنام عيني وقلبي يقظان». قال ابن إسحاق: فالله أعلم أي ذلك كان. قد جاءه وعاين فيه ما عاين من أمر الله تعالى على أي حاله كان نائما أو يقظانا كل ذلك حق وصدق. قلت: وقد توقف ابن إسحاق في ذلك وجوز كلاّ من الأمرين من حيث الجملة، ولكن الّذي لا يشك فيه ولا يتمارى أنه كان يقظانا لا محالة لما تقدم وليس مقتضى كلام عائشة ﵂ أن جسده ﷺ ما فقد وإنما كان الاسراء بروحه أن يكون مناما كما فهمه ابن إسحاق، بل قد يكون وقع الاسراء بروحه حقيقة وهو يقظان لا نائم وركب البراق وجاء بيت المقدس وصعد السموات وعاين ما عاين حقيقة ويقظة لا مناما. لعل هذا مراد عائشة أم المؤمنين ﵂، ومراد من تابعها على ذلك. لا ما فهمه ابن إسحاق من أنهم أرادوا بذلك المنام والله أعلم. تنبيه: ونحن لا ننكر وقوع منام قبل الاسراء طبق ما وقع بعد ذلك، فإنه ﷺ كان لا يرى رؤيا إلا جاءت مثل فلق الصبح، وقد تقدم مثل ذلك في حديث بدء الوحي أنه رأى مثل ما وقع له يقظة مناما قبله ليكون ذلك من باب الإرهاص والتوطئة والتثبت والإيناس والله أعلم.

стр. 808

ثم قد اختلف العلماء في أن الاسراء والمعراج هل كانا في ليلة واحدة أو كل في ليلة على حدة؟ فمنهم من يزعم أن الاسراء في اليقظة، والمعراج في المنام. وقد حكى المهلب بن أبى صفرة في شرحه البخاري عن طائفة أنهم ذهبوا إلى أن الاسراء مرتين، مرة بروحه مناما، ومرة ببدنه وروحه يقظة وقد حكاه الحافظ أبو القاسم السهيليّ عن شيخه أبى بكر بن العربيّ الفقيه. قال السهيليّ: وهذا القول يجمع الأحاديث فان في حديث شريك عن أنس وذلك فيما يرى قلبه وتنام عيناه ولا ينام قلبه، وقال في آخره: ثم استيقظت فإذا أنا في الحجر وهذا منام. ودل غيره على اليقظة، ومنهم عن يدعى تعدد الاسراء في اليقظة أيضا حتى قال بعضهم: إنها أربع اسراءات، وزعم بعضهم أن بعضها كان بالمدينة وقد حاول الشيخ شهاب الدين أبو شامة ﵀ أن يوفق بين اختلاف ما وقع في روايات حديث الاسراء بالجمع المتعدد فجعل ثلاث اسراءات، مرة من مكة إلى البيت المقدس فقط على البراق، ومرة من مكة الى السماء على البراق أيضا لحديث حذيفة، ومرة من مكة الى بيت المقدس ثم الى السموات. فنقول: ان كان انما حمله على القول بهذه الثلاث اختلاف الروايات فقد اختلف لفظ الحديث في ذلك على أكثر من هذه الثلاث صفات ومن أراد الوقوف على ذلك فلينظر فيما جمعناه مستقصيا في كتابنا التفسير عند قوله تعالى ﴿سُبْحانَ الَّذِي أَسْرى بِعَبْدِهِ لَيْلاً﴾ وان كان انما حمله أن التقسيم انحصر في ثلاث صفات بالنسبة الى بيت المقدس والى السموات فلا يلزم من الحصر العقلي والوقوع كذلك في الخارج الا بدليل والله أعلم. والعجب أن الامام أبا عبد الله البخاري ﵀ ذكر الاسراء بعد ذكره موت أبى طالب فوافق ابن إسحاق في ذكره المعراج في أواخر الأمر، وخالفه في ذكره بعد موت أبى طالب، وابن إسحاق أخر ذكر موت أبى طالب على الاسراء، فالله أعلم أي ذلك كان. والمقصود أن البخاري فرق بين الاسراء وبين المعراج فبوب لكل واحد منهما بابا على حدة فقال: باب حديث الاسراء وقول الله ﴿سُبْحانَ الَّذِي أَسْرى بِعَبْدِهِ لَيْلاً﴾ حدثنا يحيى بن بكير حدثنا الليث عن عقيل عن ابن شهاب حدثني أبو سلمة بن عبد الرحمن قال سمعت جابر بن عبد الله أنه سمع رسول الله ﷺ يقول: «لما كذبتني قريش كنت في الحجر فجلى الله لي بيت المقدس فطفقت أحدثهم عن آياته وأنا انظر اليه». وقد رواه مسلم والترمذي والنسائي من حديث الزهري عن أبى سلمة عن جابر به. ورواه مسلم والنسائي والترمذي من حديث عبد الله بن الفضل عن أبى سلمة عن أبى هريرة عن النبي ﷺ بنحوه. ثم قال البخاري باب حديث المعراج: حدثنا هدبة بن خالد حدثنا همام حدثنا قتادة عن أنس بن مالك عن مالك بن صعصعة أن النبي ﷺ حدثهم عن ليلة أسرى به. قال: «بينما أنا في الحطيم - وربما قال في الحجر - مضجعا

стр. 809

إذ أتانى آت» فقال وسمعته يقول: «فشق ما بين هذه الى هذه» فقلت للجارود وهو الى جنبي ما يعنى به. قال من نقرة نحره الى شعرته وسمعته يقول من قصه الى شعرته. «فاستخرج قلبي ثم أتيت بطست من ذهب مملوءة ايمانا فغسل قلبي ثم حشى ثم أعيد، ثم أتيت بدابة دون البغل وفوق الحمار أبيض» فقال الجارود: وهو البراق يا أبا حمزة؟ قال: أنس نعم!: «يضع خطوه عند أقصى طرفه. فحملت عليه فانطلق بى جبرائيل حتى أتى السماء الدنيا فاستفتح قيل من هذا؟ قال جبرائيل قيل ومن معك؟ قال محمد قيل وقد أرسل اليه؟ قال نعم! قيل مرحبا به فنعم المجيء جاء، ففتح فلما خلصت فإذا فيها آدم فقال هذا أبوك آدم فسلم عليه فسلمت عليه فرد السلام ثم قال: مرحبا بالابن الصالح والنبي الصالح، ثم صعد بى الى السماء الثانية فاستفتح قيل من هذا؟ قال جبرائيل قيل ومن معك؟ قال محمد قيل وقد أرسل اليه [قال نعم!] قيل: مرحبا به فنعم المجيء جاء، ففتح فلما خلصت إذا يحيى وعيسى وهما ابنا خالة، قال هذا يحيى وعيسى فسلم عليهما فسلمت عليهما فردا ثم قالا: مرحبا بالأخ الصالح والنبي الصالح. ثم صعد بى الى السماء الثالثة فاستفتح جبرائيل قيل من هذا؟ قال جبرائيل قال ومن معك؟ قال محمد قيل وقد أرسل اليه؟ قال نعم! قيل مرحبا به فنعم المجيء جاء، ففتح فلما خلصت إذا يوسف قال هذا يوسف فسلم عليه فسلمت عليه فرد ثم قال: مرحبا بالأخ الصالح والنبي الصالح. ثم صعد بى حتى أتى السماء الرابعة فاستفتح قيل من هذا؟ قال جبرائيل قال ومن معك؟ قال محمد قيل وقد أرسل اليه؟ قال نعم! قيل مرحبا به فنعم المجيء جاء. فلما خلصت إذا إدريس قال هذا إدريس فسلم عليه فسلمت عليه فرد، ثم قال: مرحبا بالأخ الصالح والنبي الصالح. ثم صعد بى حتى أتى السماء الخامسة فاستفتح قيل من هذا؟ قال جبرائيل قيل ومن معك؟ قال محمد قيل وقد أرسل اليه؟ قال نعم! قيل مرحبا به فنعم المجيء جاء. فلما خلصت إذا هارون قال هذا هارون فسلم عليه فسلمت عليه فرد ثم قال: مرحبا بالأخ الصالح والنبي الصالح. ثم صعد بى حتى أتى السلماء السادسة فاستفتح فقيل من هذا؟ قال جبرائيل قيل ومن معك؟ قال محمد قيل وقد أرسل اليه؟ قال نعم! قيل مرحبا به فنعم المجيء جاء. فلما خلصت إذا موسى قال هذا موسى فسلم عليه، فسلمت عليه فرد ثم قال: مرحبا بالأخ الصالح والنبي الصالح. فلما تجاوزت بكى، فقيل له ما يبكيك؟ قال: أبكى لأن غلاما بعث بعدي يدخل الجنة من أمته أكثر من يدخلها من أمتى. ثم صعد بى الى السماء السابعة فاستفتح جبرائيل قيل من هذا؟ قال جبرائيل قيل ومن معك؟ قال محمد. قيل وقد بعث اليه؟ قال نعم! قيل مرحبا به فنعم المجيء جاء. فلما خلصت إذا إبراهيم قال هذا أبوك إبراهيم فسلم عليه، فسلمت عليه فرد السلام ثم قال: مرحبا بالابن الصالح والنبي الصالح. ثم رفعت الى سدرة المنتهى وإذا أربعة أنهار، نهران ظاهران، ونهران باطنان. فقلت: ما هذا يا جبرائيل؟

стр. 810

قال: أما الباطنان فنهران في الجنة، وأما الظاهران فالنيل والفرات، ثم رفع لي البيت المعمور يدخله كل يوم سبعون ألف ملك، ثم أتيت بإناء من خمر وإناء من لبن وإناء من عسل، فأخذت اللبن قال: هي الفطرة التي أنت عليها وأمتك. ثم فرض على الصلوات خمسون صلاة كل يوم، فرجعت فمررت على موسى فقال بما أمرت؟ قال أمرت بخمسين صلاة كل يوم. قال: إن أمتك لا تستطيع خمسين صلاة كل يوم، وإني والله قد جربت الناس قبلك وعالجت بنى إسرائيل أشد المعالجة، فارجع الى ربك فسله التخفيف لأمتك، فرجعت فوضع عنى عشرا. فرجعت الى موسى فقال مثله فرجعت فوضع عنى عشرا. فرجعت الى موسى فقال مثله، فرجعت فوضع عنى عشرا. فرجعت الى موسى فقال مثله، فرجعت فأمرت بعشر صلوات كل يوم، فقال مثله، فرجعت فأمرت بخمس صلوات كل يوم، فرجعت الى موسى فقال: بم أمرت؟ فقلت بخمس صلوات كل يوم. قال إن أمتك لا تستطيع خمس صلوات كل يوم، وإني قد جربت الناس قبلك وعالجت بنى إسرائيل أشد المعالجة فارجع الى ربك فسله التخفيف لأمتك. قال: سألت ربى حتى استحييت ولكن أرضى وأسلم. قال فلما جاوزت ناداني مناد أمضيت فريضتي، وخففت عن عبادي». هكذا روى البخاري هذا الحديث هاهنا. وقد رواه في مواضع أخر من صحيحه ومسلم والترمذي والنسائي من طرق عن قتادة عن أنس عن مالك بن صعصعة. ورويناه من حديث أنس بن مالك عن أبى بن كعب. ومن حديث أنس عن أبى ذر. ومن طرق كثيرة عن أنس عن النبي ﷺ . وقد ذكرنا ذلك مستقصى بطرقه وألفاظه في التفسير، ولم يقع في هذا السياق ذكر بيت المقدس، وكان بعض الرواة يحذف بعض الخبر للعلم به، أو ينساه أو يذكر ما هو الأهم عنده، أو يبسط تارة فيسوقه كله، وتارة يحذف عن مخاطبه بما هو الانفع عنده. ومن جعل كل رواية اسراد على حدة كما تقدم عن بعضهم فقد أبعد جدا. وذلك أن كل السياقات فيها السلام على الأنبياء، وفي كل منها يعرفه بهم، وفي كلها يفرض عليه الصلوات. فكيف يمكن أن يدعى تعدد ذلك؟ هذا في غاية البعد والاستحالة والله أعلم. ثم قال البخاري حدثنا الحميدي حدثنا سفيان عن عمرو عن عكرمة عن ابن عباس في قوله تعالى ﴿وَما جَعَلْنَا الرُّؤْيَا الَّتِي أَرَيْناكَ إِلاّ فِتْنَةً لِلنّاسِ﴾. قال: هي رؤيا عين أريها رسول الله ﷺ ليلة أسرى به الى بيت المقدس، والشجرة الملعونة في القرآن. قال: هي شجرة الزقوم. فصل ولما أصبح رسول الله ﷺ من صبيحة ليلة الأسرى جاءه جبرائيل عند الزوال فبين له كيفية الصلاة وأوقاتها، وأمر رسول الله ﷺ أصحابه فاجتمعوا وصلّى به جبرائيل في ذلك اليوم الى الغد

стр. 811

والمسلمون يأتمون بالنبيّ ﷺ وهو يقتدى بجبرائيل كما جاء في الحديث عن ابن عباس وجابر: «أمنى جبرائيل عند البيت مرتين». فبين له الوقتين الأول والآخر، فهما وما بينهما الوقت الموسع، ولم يذكر توسعة في وقت المغرب. وقد ثبت ذلك في حديث أبى موسى وبريدة وعبد الله بن عمرو وكلها في صحيح مسلم. وموضع بسط ذلك في كتابنا الأحكام ولله الحمد. فأما ما ثبت في صحيح البخاري عن معمر عن الزهري عن عروة عن عائشة قالت: فرضت الصلاة أول ما فرضت ركعتين فأقرت صلاة السفر وزيد في صلاة الحضر. وكذا رواه الأوزاعي عن الزهري، ورواه الشعبي عن مسروق عنها وهذا مشكل من جهة أن عائشة كانت تتم الصلاة في السفر، وكذا عثمان بن عفان وقد تكلمنا على ذلك عند قوله تعالى: ﴿وَإِذا ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُناحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلاةِ إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾. قال البيهقي: وقد ذهب الحسن البصري الى أن صلاة الحضر أول ما فرضت أربعا كما ذكره مرسلا من صلاته ﵇ صبيحة الاسراء الظهر أربعا، والعصر أربعا والمغرب ثلاثا يجهر في الأوليين، والعشاء أربعا يجهر في الأوليين. والصبح ركعتين يجهر فيهما. قلت: فلعل عائشة أرادت أن الصلاة كانت قبل الاسراء تكون ركعتين ركعتين ثم لما فرضت الخمس فرضت حضرا على ما هي عليه، ورخص في السفر أن يصلى ركعتين كما كان الأمر عليه قديما وعلى هذا لا يبقى إشكال بالكلية والله أعلم. فصل انشقاق القمر في زمان النبي ﷺ وجعل الله له آية على صدق رسول الله ﷺ فيما جاء به من الهدى ودين الحق حيث كان ذلك وقت إشارته الكريمة، قال الله تعالى في محكم كتابه العزيز: ﴿اِقْتَرَبَتِ السّاعَةُ وَاِنْشَقَّ الْقَمَرُ، * وَإِنْ يَرَوْا آيَةً يُعْرِضُوا وَيَقُولُوا سِحْرٌ مُسْتَمِرٌّ، * وَكَذَّبُوا وَاِتَّبَعُوا أَهْواءَهُمْ وَكُلُّ أَمْرٍ مُسْتَقِرٌّ﴾ وقد أجمع المسلمون على وقوع ذلك في زمنه ﵊. وجاءت بذلك الأحاديث المتواترة من طرق متعددة تفيد القطع عند من أحاط بها ونظر فيها. ونحن نذكر من ذلك ما تيسر إن شاء الله وبه الثقة وعليه التكلان. وقد تقصينا ذلك في كتابنا التفسير فذكرنا الطرق والألفاظ محررة، ونحن نشير هاهنا إلى أطراف من طرقها ونعزوها إلى الكتب المشهورة بحول الله وقوته. وذلك مروى عن أنس بن مالك، وجبير بن مطعم، وحذيفة، وعبد الله بن عباس، وعبد الله بن عمر، وعبد الله بن مسعود ﵃ أجمعين. أما أنس فقال الامام احمد حدثنا عبد الرزاق حدثنا معمر عن قتادة عن أنس بن مالك قال:

стр. 812

سأل أهل مكة النبي ﷺ آية، فانشق القمر بمكة مرتين. فقال ﴿اِقْتَرَبَتِ السّاعَةُ وَاِنْشَقَّ الْقَمَرُ﴾ ورواه مسلم عن محمد بن رافع عن عبد الرزاق به وهذا من مرسلات الصحابة، والظاهر أنه تلقاه عن الجم الغفير من الصحابة، أو عن النبي ﷺ ، أو عن الجميع وقد روى البخاري ومسلم هذا الحديث من طريق شيبان. زاد البخاري وسعيد بن أبى عروبة وزاد مسلم وشعبة ثلاثتهم عن قتادة عن أنس: أن أهل مكة سألوا رسول الله ﷺ أن يريهم آية فأراهم القمر شقتين حتى رأوا حراء بينهما لفظ البخاري. وأما جبير بن مطعم فقال الامام احمد حدثنا محمد بن كثير حدثنا سليمان بن كثير عن حصين ابن عبد الرحمن عن محمد بن جبير بن مطعم [عن أبيه]. قال انشق القمر على عهد رسول الله ﷺ فصار فرقتين، فرقة على هذا الجبل، وفرقة على هذا الجبل. فقالوا: سحرنا محمد، فقالوا إن كان سحرنا فإنه لا يستطيع أن يسحر الناس كلهم. تفرد به أحمد. وهكذا رواه ابن جرير من حديث محمد بن فضيل وغيره عن حصين به. وقد رواه البيهقي من طريق إبراهيم بن طهمان وهشيم كلاهما عن حصين بن عبد الرحمن عن جبير بن محمد بن جبير بن مطعم عن أبيه عن جده به، فزاد رجلا في الاسناد. وأما حذيفة بن اليمان فروى أبو نعيم في الدلائل من طريق عن عطاء بن السائب عن أبى عبد الرحمن السلمي. قال: خطبنا حذيفة بن اليمان بالمدائن فحمد الله واثنى عليه ثم قال ﴿اِقْتَرَبَتِ السّاعَةُ وَاِنْشَقَّ الْقَمَرُ﴾ ألا وإن الساعة قد اقتربت، ألا وإن القمر قد انشق، ألا وإن الدنيا قد آذنت بفراق، ألا وإن اليوم المضمار وغدا السباق. فلما كانت الجمعة الثانية انطلقت مع أبى إلى الجمعة فحمد الله وقال مثله وزاد: ألا وإن السابق من سبق إلى الجمعة. فلما كنا في الطريق قلت لأبي ما يعنى بقوله - غدا السباق. قال من سبق إلى الجنة. وأما ابن عباس فقال البخاري حدثنا يحيى بن كثير حدثنا بكر عن جعفر عن عراك بن مالك عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة عن ابن عباس. قال: إن القمر انشق في زمان النبي ﷺ . ورواه البخاري أيضا ومسلم من حديث بكر - وهو ابن نصر - عن جعفر قوله: ﴿اِقْتَرَبَتِ السّاعَةُ وَاِنْشَقَّ الْقَمَرُ * وَإِنْ يَرَوْا آيَةً يُعْرِضُوا وَيَقُولُوا سِحْرٌ مُسْتَمِرٌّ﴾. قال: قد مضى ذلك كان قبل الهجرة انشق القمر حتى رأوا شقيه. وهكذا رواه العوفيّ عن ابن عباس ﵁ وهو من مرسلاته. وقال الحافظ أبو نعيم حدثنا سليمان بن احمد حدثنا بكر بن سهيل حدثنا عبد الغنى بن سعيد حدثنا موسى بن عبد الرحمن عن ابن جريج عن عطاء عن ابن عباس. وعن مقاتل عن الضحاك عن ابن عباس في قوله: ﴿اِقْتَرَبَتِ السّاعَةُ وَاِنْشَقَّ الْقَمَرُ﴾. قال ابن عباس: اجتمع المشركون إلى رسول الله

стр. 813

ﷺ منهم الوليد بن المغيرة، وأبو جهل بن هشام، والعاص بن وائل، والعاص بن هشام، والأسود ابن عبد يغوث، والأسود بن المطلب، وزمعة بن الأسود، والنضر بن الحارث، ونظراؤهم. فقالوا للنّبيّ ﷺ : إن كنت صادقا فشق لنا القمر فرقتين نصفا على أبى قبيس ونصفا على قعيقعان. فقال لهم النبي ﷺ : «إن فعلت تؤمنوا؟» قالوا نعم! وكانت ليلة بدر - فسأل الله أن يعطيه ما سألوا، فأمسى القمر قد سلب نصفا على أبى قبيس ونصفا على قعيقعان، ورسول الله ﷺ ينادى يا أبا سلمة بن عبد الأسد والأرقم بن الأرقم اشهدوا. ثم قال أبو نعيم وحدثنا سليمان بن احمد حدثنا الحسن بن العباس الرازيّ عن الهيثم بن العمان حدثنا إسماعيل بن زياد عن ابن جريج عن عطاء عن ابن عباس. قال: انتهى أهل مكة إلى رسول الله ﷺ فقالوا: هل من آية نعرف بها أنك رسول الله؟ فهبط جبرائيل فقال يا محمد قل لأهل مكة أن يحتفلوا هذه الليلة فسيروا آية إن انتفعوا بها. فأخبرهم رسول الله ﷺ بمقالة جبرائيل فخرجوا ليلة الشق ليلة أربع عشرة، فانشق القمر نصفين نصفا على الصفا ونصفا على المروة فنظروا، ثم قالوا بأبصارهم فمسحوها، ثم أعادوا النظر فنظروا ثم مسحوا أعينهم ثم نظروا. فقالوا: يا محمد ما هذا إلا سحر واهب فانزل الله: ﴿اِقْتَرَبَتِ السّاعَةُ وَاِنْشَقَّ الْقَمَرُ﴾. ثم روى الضحاك عن ابن عباس. قال: جاءت أحبار اليهود إلى رسول الله ﷺ فقالوا: أرنا آية حتى نؤمن بها، فسأل ربه فأراهم القمر قد انشق بجزءين، أحدهما على الصفا والآخر على المروة، قدر ما بين العصر إلى الليل ينظرون إليه ثم غاب. فقالوا: هذا سحر مفترى. وقال الحافظ أبو القاسم الطبراني: حدثنا احمد بن عمرو الرزاز حدثنا محمد بن يحيى القطعي حدثنا محمد ابن بكر حدثنا ابن جريج عن عمرو بن دينار عن عكرمة عن ابن عباس. قال: كسف القمر على عهد رسول الله ﷺ فقالوا سحر القمر فنزلت: ﴿اِقْتَرَبَتِ السّاعَةُ وَاِنْشَقَّ الْقَمَرُ * وَإِنْ يَرَوْا آيَةً يُعْرِضُوا وَيَقُولُوا سِحْرٌ مُسْتَمِرٌّ﴾. وهذا اسناد جيد وفيه أنه كسف تلك الليلة فلعله حصل له انشقاق في ليلة كسوفه ولهذا خفي أمره على كثير من أهل الأرض ومع هذا قد شوهد ذلك في كثير من بقاع الأرض ويقال: إنه أرخ ذلك في بعض بلاد الهند، وبنى بناء تلك الليلة وأرخ بليلة انشقاق القمر. وأما ابن عمر فقال الحافظ البيهقي أخبرنا أبو عبد الله الحافظ وأبو بكر احمد بن الحسن القاضي قالا: حدثنا أبو العباس الأصم حدثنا العباس بن محمد الدوري حدثنا وهب بن جرير عن شعبة عن الأعمش عن مجاهد به. قال مسلم كرواية مجاهد عن أبى معمر عن ابن مسعود. وقال الترمذي هذا حديث حسن صحيح. وأما عبد الله بن مسعود فقال الامام احمد حدثنا سفيان عن ابن أبى نجيح عن مجاهد عن أبى معمر عن ابن مسعود قال: انشق القمر على عهد رسول الله ﷺ شقتين حتى نظروا اليه، فقال

стр. 814

رسول الله ﷺ اشهدوا. وهكذا أخرجاه من حديث سفيان - وهو ابن عيينة - به. ومن حديث الأعمش عن إبراهيم عن أبى معمر عن عبد الله بن سمرة عن ابن مسعود قال: انشق القمر ونحن مع رسول الله ﷺ بمنى، فقال النبي ﷺ : «اشهدوا» وذهبت فرقة نحو الجبل. لفظ البخاري ثم قال البخاري وقال أبو الضحاك عن مسروق عن عبد الله بمكة - وتابعه محمد بن مسلم عن ابن أبى نجيح عن مجاهد عن أبى معمر عن عبد الله ﵁. وقد أسند أبو داود الطيالسي حديث أبى الضحى عن مسروق عن عبد الله بن مسعود. قال: انشق القمر على عهد رسول الله ﷺ ، فقالت قريش: هذا سحر ابن أبى كبشة. فقالوا: انظروا ما يأتيكم به السفار؟ فان محمدا لا يستطيع أن يسحر الناس كلهم. قال فجاء السفار فقالوا ذلك. وقال البيهقي أخبرنا أبو عبد الله الحافظ ثنا أبو العباس حدثنا العباس بن محمد الدوري حدثنا سعيد بن سليمان حدثنا هشيم حدثنا مغيرة عن أبى الضحى عن مسروق عن عبد الله. قال: انشق القمر بمكة حتى صار فرقتين، فقال كفار قريش لأهل مكة: هذا سحر سحركم به ابن أبى كبشة، انظروا السفار فان كانوا رأوا ما رأيتم فقد صدق وإن كانوا لم يروا مثل ما رأيتم فهو سحر سحركم به. قال فسئل السفار قال - وقدموا من كل وجهة - فقالوا: رأينا وهكذا رواه أبو نعيم من حديث جابر عن الأعمش عن أبى الضحى عن مسروق عن عبد الله به. وقال الامام احمد حدثنا مؤمل حدثنا إسرائيل عن سماك عن إبراهيم عن الأسود عن عبد الله - وهو ابن مسعود -. قال: انشق القمر على عهد رسول الله ﷺ حتى رأيت الجبل بين فرجتي القمر. وهكذا رواه ابن جرير من حديث أسباط عن سماك به. وقال الحافظ أبو نعيم حدثنا أبو بكر الطلحي حدثنا أبو حصين محمد بن الحسين الوادعي حدثنا يحيى الحماني حدثنا يزيد عن عطاء عن سماك عن إبراهيم عن علقمة عن عبد الله قال: كنا مع النبي ﷺ بمنى وانشق القمر حتى صار فرقتين، فرقة خلف الجبل. فقال النبي ﷺ : «اشهدوا، اشهدوا» وقال أبو نعيم حدثنا سليمان بن أحمد حدثنا جعفر بن محمد القلانسي حدثنا آدم بن أبى إياس ثنا الليث بن سعد حدثنا هشام بن سعد عن عتبة عن عبد الله بن عتبة عن ابن مسعود. قال: انشق القمر ونحن بمكة، فلقد رأيت أحد شقيه على الجبل الّذي بمنى ونحن بمكة. وحدثنا احمد بن إسحاق حدثنا أبو بكر بن أبى عاصم حدثنا محمد بن حاتم حدثنا معاوية بن عمرو عن زائدة عن عاصم عن زر عن عبد الله. قال: انشق القمر بمكة فرأيته فرقتين. ثم روى من حديث على بن سعيد بن مسروق حدثنا موسى بن عمير عن منصور بن المعتمر عن زيد بن وهب عن عبد الله بن مسعود. قال: رأيت القمر والله منشقا باثنتين بينهما حراء. وروى أبو نعيم من طريق السدي الصغير عن الكلبي عن أبى صالح عن ابن عباس. قال: انشق القمر فلقتين. فلقة ذهبت، وفلقة بقيت. قال ابن مسعود: لقد رأيت

стр. 815

جبل حراء بين فلقتى القمر، فذهب فلقة. فتعجب أهل مكة من ذلك وقالوا هذا سحر مصنوع سيذهب. وقال ليث بن أبى سليم عن مجاهد. قال: انشق القمر على عهد رسول الله ﷺ فصار فرقتين: فقال النبي ﷺ لأبي بكر: «فاشهد يا أبا بكر» وقال المشركون: سحر القمر حتى انشق فهذه طرق متعددة قوية الأسانيد تفيد القطع لمن تأملها وعرف عدالة رجالها. وما يذكره بعض القصاص من أن القمر سقط إلى الأرض حتى دخل في كم النبي ﷺ وخرج من الكم الآخر فلا أصل له، وهو كذب مفترى ليس بصحيح. والقمر حين انشق لم يزايل السماء غير أنه حين أشار اليه النبي ﷺ انشق عن إشارته فصار فرقتين، فسارت واحدة حتى صارت من وراء حراء، ونظروا إلى الجبل بين هذه وهذه كما أخبر بذلك ابن مسعود أنه شاهد ذلك. وما وقع في رواية أنس في مسند احمد: فانشق القمر بمكة مرتين فيه نظر، والظاهر أنه أراد فرقتين والله أعلم. فصل في وفاة أبى طالب عم رسول الله ﷺ ثم من بعده خديجة بنت خويلد زوجة رسول الله ﷺ ورضى الله عنها. وقيل بل هي توفيت قبله والمشهور الأول. وهذان المشفقان، هذا في الظاهر وهذه في الباطن، هذاك كافر وهذه مؤمنة صديقة ﵂ وأرضاها. قال ابن إسحاق: ثم إن خديجة وأبا طالب هلكا في عام واحد، فتتابعت على رسول الله ﷺ المصائب بهلك خديجة، وكانت له وزير صدق على الابتلاء (١) يسكن اليها، ويهلك عمه أبى طالب وكان له عضدا وحرزا في أمره، ومنعة وناصرا على قومه. وذلك قبل مهاجره إلى المدينة بثلاث سنين فلما هلك أبو طالب، نالت قريش من رسول الله ﷺ من الأذى ما لم تكن تطمع به في حياة أبى طالب حتى اعترضه سفيه من سفهاء قريش فنثر على رأسه ترابا. فحدثني هشام بن عروة عن أبيه. قال: فدخل رسول الله ﷺ بيته والتراب على رأسه فقامت اليه إحدى بناته تغسله وتبكى، ورسول الله ﷺ يقول: «لا تبكى يا بنية فان الله مانع أباك» ويقول بين ذلك: «ما نالتنى قريش شيئا أكرهه حتى مات أبو طالب». وذكر ابن إسحاق قبل ذلك: أن أحدهم ربما طرح الأذى في برمته ﷺ إذا نصبت له. قال فكان إذا فعلوا ذلك كما حدثني عمر بن عبد الله عن عروة يخرج بذلك الشيء على العود فيقذفه على بابه ثم يقول: يا بنى عبد مناف أي جوار هذا؟ ثم يلقيه في الطريق.

стр. 816

قال ابن إسحاق: ولما اشتكى أبو طالب وبلغ قريشا ثقله قالت قريش بعضها لبعض: إن حمزة وعمر قد أسلما، وقد فشا أمر محمد في قبائل قريش كلها، فانطلقوا بنا الى أبى طالب فليأخذ لنا على ابن أخيه وليعطه منا، فانا والله ما نأمن أن يبتزونا أمرنا. قال ابن إسحاق: وحدثني العباس بن عبد الله بن معبد عن بعض أهله عن ابن عباس. قال: لما مشوا إلى أبى طالب وكلموه - وهم أشراف قومه عتبة بن ربيعة، وشيبة بن ربيعة، وأبو جهل بن هشام، وأمية بن خلف، وأبو سفيان بن حرب، في رجال من اشرافهم - فقالوا: يا أبا طالب إنك منا حيث قد علمت، وقد حضرك ما ترى وتخوفنا عليك وقد علمت الّذي بيننا وبين ابن أخيك فادعه فخذ لنا منه وخذله منا ليكف عنا ولنكف عنه، وليدعنا وديننا ولندعه ودينه. فبعث اليه أبو طالب فجاءه فقال: يا ابن أخى هؤلاء أشراف قومك قد اجتمعوا إليك ليعطوك وليأخذوا منك. قال فقال رسول الله ﷺ : «يا عم كلمة واحدة تعطونها تملكون بها العرب وتدين لكم بها العجم». فقال أبو جهل: نعم وأبيك وعشر كلمات. قال: «تقولون لا إله إلا الله وتخلعون ما تعبدون من دونه». فصفقوا بأيديهم. ثم قالوا: يا محمد أتريد أن تجعل الآلهة إلها واحدا؟! إن أمرك لعجب. قال ثم قال بعضهم لبعض: إنه والله ما هذا الرجل بمعطيكم شيئا مما تريدون، فانطلقوا وامضوا على دين آبائكم حتى يحكم الله بينكم وبينه، ثم تفرقوا. قال فقال أبو طالب: والله يا ابن أخى ما رأيتك سألتهم شططا. قال فطمع رسول الله ﷺ فيه فجعل يقول له: «أي عم فأنت فقلها استحل لك بها الشفاعة يوم القيامة» فلما رأى حرص رسول الله ﷺ . قال: يا ابن أخى والله لولا مخافة السبة عليك وعلى بنى أبيك من بعدي، وأن تظن قريش أنى إنما قلتها جزعا من الموت لقلتها، لا أقولها إلا لأسرك بها. قال: فلما تقارب من أبى طالب الموت نظر العباس اليه يحرك شفتيه فاصغى اليه باذنه. قال فقال: يا ابن أخى والله لقد قال أخى الكلمة التي أمرته أن يقولها. قال فقال رسول الله ﷺ : «لم أسمع» قال وأنزل الله تعالى في أولئك الرهط ﴿ص وَالْقُرْآنِ ذِي الذِّكْرِ * بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي عِزَّةٍ وَشِقاقٍ﴾ الآيات. وقد تكلمنا على ذلك في التفسير ولله الحمد والمنة. وقد استدل بعض من ذهب من الشيعة وغيرهم من الغلاة إلى أن أبا طالب مات مسلما بقول العباس هذا الحديث، يا ابن أخى لقد قال أخى الكلمة التي أمرته أن يقولها - يعنى لا إله إلا الله - والجواب عن هذا من وجوه. أحدها أن في السند مبهما لا يعرف حاله وهو قوله عن بعض أهله وهذا إبهام في الاسم والحال، ومثله يتوقف فيه لو انفرد. وقد روى الامام احمد والنسائي وابن جرير نحوا من هذا السياق من طريق أبى أسامة عن الأعمش حدثنا عباد عن سعيد بن جبير فذكره ولم يذكر قول العباس. ورواه الثوري أيضا عن الأعمش عن يحيى بن عمارة الكوفي عن سعيد بن

стр. 817

جبير عن ابن عباس فذكره بغير زيادة قول العباس. ورواه الترمذي وحسنه والنسائي وابن جرير أيضا. ولفظ الحديث من سياق البيهقي فيما رواه من طريق الثوري عن الأعمش عن يحيى بن عمارة عن سعيد بن جبير عن ابن عباس. قال: مرض أبو طالب فجاءت قريش وجاء النبي ﷺ عند رأس أبى طالب، فجلس رجل فقام أبو جهل كي يمنعه ذاك. وشكوه إلى أبى طالب. فقال: يا ابن أخى ما تريد من قومك؟ فقال: «يا عم إنما أريد منهم كلمة تذل لهم بها العرب، وتؤدى اليهم بها الجزية العجم، كلمة واحدة». قال: ما هي؟ قال: «لا إله إلا الله» قال فقالوا أجعل الآلهة إلها واحدا إن هذا لشيء عجاب! قال: ونزل فيهم ﴿ص وَالْقُرْآنِ ذِي الذِّكْرِ﴾ الآيات إلى قوله ﴿إِلاَّ اِخْتِلاقٌ﴾ ثم قد عارضه - أعنى سياق ابن إسحاق - ما هو أصح منه، وهو ما رواه البخاري قائلا حدثنا محمود حدثنا عبد الرزاق أخبرنا معمر عن الزهري عن ابن المسيب عن أبيه ﵁. أن أبا طالب لما حضرته الوفاة دخل عليه النبي ﷺ وعنده أبو جهل. فقال: «أي عم قل لا إله إلا الله كلمة أحاج لك بها عند الله». فقال أبو جهل وعبد الله بن أبى أمية: يا أبا طالب أترغب عن ملة عبد المطلب؟ فلم يزالا يكلماه حتى قال آخر ما كلمهم به: على ملة عبد المطلب. فقال النبي ﷺ : «لأستغفر لك ما لم أنه عنك» فنزلت ﴿ما كانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كانُوا أُولِي قُرْبى مِنْ بَعْدِ ما تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُمْ أَصْحابُ الْجَحِيمِ﴾ ونزلت ﴿إِنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ﴾ ورواه مسلم عن إسحاق بن إبراهيم وعبد الله عن عبد الرزاق. وأخرجاه أيضا من حديث الزهري عن سعيد بن المسيب عن أبيه بنحوه وقال فيه: فلم يزل رسول الله ﷺ يعرضها عليه ويعودان له بتلك المقالة حتى قال آخر ما قال: على ملة عبد المطلب. وأبى أن يقول لا إله إلا الله فقال النبي ﷺ : «أما لاستغفرن لك ما لم أنه عنك» فانزل الله - يعنى بعد ذلك - ﴿ما كانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كانُوا أُولِي قُرْبى﴾ ونزل في أبى طالب ﴿إِنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلكِنَّ اللهَ يَهْدِي مَنْ يَشاءُ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ﴾ وهكذا روى الامام احمد ومسلم والترمذي والنسائي من حديث يزيد بن كيسان عن أبى حازم عن أبى هريرة قال: لما حضرت وفاة أبى طالب أتاه رسول الله ﷺ : فقال: «يا عمّاه قل لا إله إلا الله أشهد لك بها يوم القيامة» فقال: لولا أن تعيرني قريش يقولون ما حمله عليه الافزع الموت لا قررت بها عينك، ولا أقولها الا لا قربها عينك. فانزل الله ﴿إِنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلكِنَّ اللهَ يَهْدِي مَنْ يَشاءُ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ﴾ وهكذا قال عبد الله بن عباس وابن عمرو مجاهد والشعبي وقتادة إنها نزلت في أبى طالب حين عرض عليه رسول الله ﷺ أن يقول لا إله الا الله فأبى أن يقولها، وقال: هو على ملة الأشياخ. وكان آخر ما قال: هو على ملة عبد المطلب. ويؤكد هذا كله ما قال البخاري حدثنا مسدد حدثنا يحيى عن

стр. 818

سفيان عن عبد الملك بن عمير حدثني عبد الله بن الحارث قال حدثنا العباس بن عبد المطلب أنه قال قلت للنّبيّ ﷺ : ما أغنيت عن عمك فإنه كان يحوطك ويغضب لك؟ قال: «[هو] في ضحضاح من نار، ولولا أنا لكان في الدرك الأسفل» ورواه مسلم في صحيحه من طرق عن عبد الملك ابن عمير به أخرجاه في الصحيحين من حديث الليث حدثني ابن الهاد عن عبد الله بن خباب عن أبى سعيد أنه سمع النبي ﷺ ذكر عنده عمه فقال: «لعله تنفعه شفاعتي يوم القيامة، فيجعل في ضحضاح من النار يبلغ كعبيه يغلي منه دماغه» لفظ البخاري. وفي رواية «تغلي منه أم دماغه» وروى مسلم عن أبى بكر بن أبى شيبة عن عفان عن حماد بن سلمة عن ثابت عن أبى عثمان عن ابن عباس أن رسول الله ﷺ قال: «أهون أهل النار عذابا أبو طالب، منتعل بنعلين من نار يغلي منهما دماغه» وفي مغازي يونس بن بكير «يغلي منهما دماغه حتى يسيل على قدميه» ذكره السهيليّ وقال الحافظ أبو بكر البزار في مسندة حدثنا عمرو - هو ابن إسماعيل بن مجالد - حدثنا أبى عن مجالد عن الشعبي عن جابر. قال سئل رسول الله ﷺ أو قيل له - هل نفعت أبا طالب؟ قال: «أخرجته من النار الى ضحضاح منها» تفرد به البزار. قال السهيليّ: وانما لم يقبل النبي ﷺ شهادة العباس أخيه أنه قال الكلمة وقال: «لم أسمع» لأن العباس كان إذ ذاك كافرا غير مقبول الشهادة. قلت: وعندي أن الخبر بذلك ما صح لضعف سنده كما تقدم. ومما يدل على ذلك أنه سأل النبي ﷺ بعد ذلك عن أبى طالب فذكر له ما تقدم، وبتعليل صحته لعله قال ذلك عند معاينة الملك بعد الغرغرة حين لا ينفع نفسا إيمانها والله أعلم. وقال أبو داود الطيالسي حدثنا شعبة عن أبى إسحاق سمعت ناجية بن كعب يقول سمعت عليا يقول: لما توفى أبى أتيت رسول الله ﷺ فقلت إن عمك قد توفى. فقال: «اذهب فواره» فقلت إنه مات مشركا، فقال: «اذهب فواره ولا تحدثن شيئا حتى تأتى» ففعلت فأتيته، فأمرني أن أغتسل ورواه النسائي عن محمد بن المثنى عن غندر عن شعبة. ورواه أبو داود والنسائي من حديث سفيان عن أبى إسحاق عن ناجية عن على: لما مات أبو طالب قلت يا رسول الله إن عمك الشيخ الضال قد مات فمن يواريه؟ قال: «اذهب فوار أباك ولا تحدثن شيئا حتى تأتينى» فأتيته فأمرني فاغتسلت، ثم دعا لي بدعوات ما يسرني أن لي بهن ما على الأرض من شيء. وقال الحافظ البيهقي أخبرنا أبو سعد الماليني حدثنا أبو احمد بن عدي حدثنا محمد بن هارون بن حميد حدثنا محمد بن عبد العزيز بن أبى رزمة حدثنا الفضل عن إبراهيم بن عبد الرحمن عن ابن جريج عن عطاء عن ابن عباس: أن النبي ﷺ عاد من جنازة أبى طالب فقال: «وصلتك رحم، وجزيت خيرا يا عم». قال وروى عن أبى اليمان الهوزني عن النبي ﷺ مرسلا وزاد، ولم يقم على قبره. قال: وإبراهيم بن

стр. 819

عبد الرحمن هذا هو الخوارزمي تكلموا فيه. قلت: قد روى عنه غير واحد منهم الفضل بن موسى السينانى ومحمد بن سلام البيكندي، ومع هذا قال ابن عدي ليس بمعروف، وأحاديثه عن كل من روى عنه ليست بمستقيمة. وقد قدمنا ما كان يتعاطاه أبو طالب من المحاماة والمحاجة والممانعة عن رسول الله ﷺ والدفع عنه وعن أصحابه وما قاله فيه من الممادح والثناء، وما أظهره له ولأصحابه من المودة والمحبة والشفقة في اشعاره التي أسلفناها وما تضمنته من العيب والتنقيص لمن خالفه وكذبه بتلك العبارة الفصيحة البليغة الهاشمية المطلبية التي لا تدانى ولا تسامى، ولا يمكن عربيا مقاربتها ولا معارضتها، وهو في ذلك كله يعلم أن رسول الله ﷺ صادق بار راشد، ولكن مع هذا لم يؤمن قلبه. وفرق بين علم القلب وتصديقه كما قررنا ذلك في شرح كتاب الايمان من صحيح البخاري، وشاهد ذلك قوله تعالى ﴿الَّذِينَ آتَيْناهُمُ الْكِتابَ يَعْرِفُونَهُ كَما يَعْرِفُونَ أَبْناءَهُمْ وَإِنَّ فَرِيقاً مِنْهُمْ لَيَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ وقال تعالى في قوم فرعون ﴿وَجَحَدُوا بِها وَاِسْتَيْقَنَتْها أَنْفُسُهُمْ﴾ وقال موسى لفرعون ﴿لَقَدْ عَلِمْتَ ما أَنْزَلَ هؤُلاءِ إِلاّ رَبُّ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ بَصائِرَ وَإِنِّي لَأَظُنُّكَ يا فِرْعَوْنُ مَثْبُوراً﴾ وقول بعض السلف في قوله تعالى ﴿وَهُمْ يَنْهَوْنَ عَنْهُ وَيَنْأَوْنَ عَنْهُ﴾ أنها نزلت في أبى طالب حيث كان ينهى الناس عن أذية رسول الله ﷺ وينأى هو عما جاء به الرسول من الهدى ودين الحق. فقد روى عن ابن عباس، والقاسم بن مخيمرة، وحبيب ابن أبى ثابت، وعطاء بن دينار، ومحمد بن كعب، وغيرهم، ففيه نظر والله أعلم. والأظهر والله أعلم الرواية الأخرى عن ابن عباس، وهم ينهون الناس عن محمد أن يؤمنوا به. وبهذا قال مجاهد وقتادة والضحاك وغير واحد - وهو اختيار ابن جرير - وتوجيهه أن هذا الكلام سيق لتمام ذم المشركين حيث كانوا يصدون الناس عن اتباعه ولا ينتفعون هم أيضا به. ولهذا قال ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ وَجَعَلْنا عَلى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَنْ يَفْقَهُوهُ وَفِي آذانِهِمْ وَقْراً وَإِنْ يَرَوْا كُلَّ آيَةٍ لا يُؤْمِنُوا بِها حَتّى إِذا جاؤُكَ يُجادِلُونَكَ يَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هذا إِلاّ أَساطِيرُ الْأَوَّلِينَ، * وَهُمْ يَنْهَوْنَ عَنْهُ وَيَنْأَوْنَ عَنْهُ وَإِنْ يُهْلِكُونَ إِلاّ أَنْفُسَهُمْ وَما يَشْعُرُونَ﴾ وهذا اللفظ وهو قوله (وهم) يدل على أن المراد بهذا جماعة وهم المذكورون في سياق الكلام وقوله ﴿وَإِنْ يُهْلِكُونَ إِلاّ أَنْفُسَهُمْ وَما يَشْعُرُونَ﴾ يدل على تمام الذم. وأبو طالب لم يكن بهذه المثابة بل كان يصد الناس عن أذية رسول الله ﷺ وأصحابه بكل ما يقدر عليه من فعال ومقال، ونفس ومال. ولكن مع هذا لم يقدر الله له الايمان لما له تعالى في ذلك من الحكمة العظيمة، والحجة القاطعة البالغة الدامغة التي يجب الايمان بها والتسليم لها، ولولا ما نهانا الله عنه من الاستغفار للمشركين لاستغفرنا لأبي طالب وترحمنا عليه.

стр. 820

فصل في موت خديجة بنت خويلد وذكر شيء من فضائلها ومناقبها ﵁ وأرضاها، وجعل جنات الفردوس منقلبها ومثواها. وقد فعل ذلك لا محالة بخبر الصادق المصدوق حيث بشرها ببيت في الجنة من قصب لا صخب فيه ولا نصب. قال يعقوب بن سفيان حدثنا أبو صالح حدثنا الليث حدثني عقيل عن ابن شهاب. قال قال عروة بن الزبير: وقد كانت خديجة توفيت قبل أن تفرض الصلاة. ثم روى من وجه آخر عن الزهري أنه قال: توفيت خديجة بمكة قبل خروج رسول الله ﷺ إلى المدينة، وقبل أن تفرض الصلاة. وقال محمد بن إسحاق: ماتت خديجة وأبو طالب في عام واحد. وقال البيهقي: بلغني أن خديجة توفيت بعد موت أبى طالب بثلاثة أيام. ذكره عبد الله بن مندة في كتاب المعرفة، وشيخنا أبو عبد الله الحافظ. قال البيهقي: وزعم الواقدي أن خديجة وأبا طالب ماتا قبل الهجرة بثلاث سنين عام خرجوا من الشعب، وأن خديجة توفيت قبل أبى طالب بخمس وثلاثين ليلة. قلت: مرادهم قبل أن تفرض الصلوات الخمس ليلة الاسراء، وكان الأنسب بنا أن نذكر وفاة أبى طالب وخديجة قبل الاسراء كما ذكره البيهقي وغير واحد، ولكن أخرنا ذلك عن الاسراء لمقصد ستطلع عليه بعد ذلك فان الكلام به ينتظم ويتسق الباب كما تقف على ذلك إن شاء الله. وقال البخاري: حدثنا قتيبة حدثنا محمد بن فضيل بن غزوان عن عمارة عن أبى زرعة عن أبى هريرة. قال: أتى جبرائيل إلى رسول الله ﷺ فقال يا رسول الله هذه خديجة قد أتت معها إناء فيه إدام - أو طعام أو شراب - فإذا هي أتتك فاقرأ عليها¬ السلام من ربها ومنى وبشرها ببيت في الجنة من قصب لا صخب فيه ولا نصب. وقد رواه مسلم من حديث محمد بن فضيل به. وقال البخاري حدثنا مسدد حدثنا يحيى عن إسماعيل. قال قلت لعبد الله بن أبى أوفى: بشر النبي ﷺ خديجة؟ قال نعم! ببيت من قصب لا صخب فيه ولا نصب ورواه البخاري أيضا ومسلم من طرق عن إسماعيل بن أبى خالد به. قال السهيليّ: وإنما بشرها ببيت في الجنة من قصب - يعنى قصب اللؤلؤ - لأنها حازت قصب السبق الى الايمان، لا صخب فيه ولا نصب لأنها لم ترفع صوتها على النبي ﷺ ولم تتعبه يوما من الدهر فلم تصخب عليه يوما ولا آذته أبدا. وأخرجاه في الصحيحين من حديث هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة ﵂ أنها قالت: ما غرت على امرأة للنّبيّ ﷺ ما غرت على خديجة.

стр. 821

وهلكت قبل أن يتزوجني - لما كنت أسمعه يذكرها، وأمره الله أن يبشرها ببيت في الجنة من قصب. وإن كان ليذبح الشاة فيهدى في خلائلها منها ما يسعهن. لفظ البخاري، وفي لفظ عن عائشة ما غرت على امرأة ما غرت على خديجة من كثرة ذكر رسول الله ﷺ إياها. وتزوجني بعدها بثلاث سنين، وأمره ربه - أو جبرائيل - أن يبشرها ببيت في الجنة من قصب. وفي لفظ له قالت: ما غرت على أحد من نساء النبي ﷺ ما غرت على خديجة - وما رأيتها - ولكن كان يكثر ذكرها وربما ذبح الشاة فيقطعها أعضاء ثم يبعثها في صدائق خديجة. فربما قلت كأنه لم يكن في الدنيا امرأة إلا خديجة فيقول: «إنها كانت وكانت، وكان لي منها ولد» ثم قال البخاري حدثنا إسماعيل بن خليل أخبرنا على بن مسهر عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة قالت: استأذنت هالة بنت خويلد أخت خديجة على رسول الله ﷺ فعرف استئذان خديجة فارتاع فقال: «اللهمّ هالة». فغرت فقلت ما تذكر من عجوز من عجائز قريش حمراء الشدقين هلكت في الدهر أبدلك الله خيرا منها. وهكذا رواه مسلم عن سويد بن سعيد عن على بن مسهر به. وهذا ظاهر في التقرير على أن عائشة خير من خديجة إما فضلا وإما عشرة. إذا لم ينكر عليها ولا رد عليها ذلك كما هو ظاهر سياق البخاري ﵀ ولكن قال الامام احمد حدثنا مؤمل أبو عبد الرحمن حدثنا حماد بن سلمة عن عبد الملك - هو ابن عمير - عن موسى بن طلحة عن عائشة قالت: ذكر رسول الله ﷺ يوما خديجة فاطنب في الثناء عليها، فأدركني ما يدرك النساء من الغيرة، فقلت لقد أعقبك الله يا رسول الله من عجوز من عجائز قريش حمراء الشدقين. قال فتغير وجه رسول الله ﷺ تغيرا لم أره تغير عند شيء قط إلا عند نزول الوحي أو عند المخيلة حتى يعلم رحمة أو عذابا. وكذا رواه عن بهز بن أسد وعثمان بن مسلم كلاهما عن حماد بن سلمة عن عبد الملك بن عمير به. وزاد بعد قوله حمراء الشدقين، هلكت في الدهر الأول. قال قال فتمعر وجهه تمعرا ما كنت أراه إلا عند نزول الوحي أو عند المخيلة حتى ينظر رحمة أو عذابا. تفرد به أحمد. وهذا اسناد جيد. وقال الامام احمد أيضا عن ابن إسحاق أخبرنا مجالد عن الشعبي عن مسروق عن عائشة. قالت: كان النبي ﷺ إذا ذكر خديجة أثنى عليها باحسن الثناء. قالت فغرت يوما فقلت: ما أكثر ما تذكرها حمراء الشدقين قد أبدلك الله خيرا منها. قال «ما أبدلني الله خيرا منها، وقد آمنت بى إذ كفر بى الناس، وصدقتني إذ كذبننى، وواستنى بمالها إذ حرمني الناس، ورزقني الله ولدها إذ حرمني أولاد النساء» تفرد به احمد أيضا. وإسناده لا بأس به ومجالد روى له مسلم متابعة وفيه كلام مشهور والله أعلم. ولعل هذا أعنى قوله: ورزقني الله ولدها إذ حرمني أولاد النساء. كان قبل أن يولد إبراهيم بن النبي ﷺ من مارية، وقبل مقدمها بالكلية وهذا معين. فان جميع أولاد النبي ﷺ كما تقدم وكما سيأتي من خديجة إلا إبراهيم فمن مارية القبطية

стр. 822

المصرية ﵂. وقد استدل بهذا الحديث جماعة من أهل العلم على تفضيل خديجة على عائشة ﵂ وأرضاها، وتكلم آخرون في اسناده وتأوله آخرون على أنها كانت خيرا عشرة وهو محتمل أو ظاهر. وسببه أن عائشة تمت بشبابها وحسنها وجميل عشرتها، وليس مرادها بقولها قد أبدلك الله خيرا منها أنها تزكى نفسها وتفضلها على خديجة، فان هذا أمر مرجعه إلى الله كما قال ﴿فَلا تُزَكُّوا أَنْفُسَكُمْ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اِتَّقى﴾ وقال تعالى ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يُزَكُّونَ أَنْفُسَهُمْ بَلِ اللهُ يُزَكِّي مَنْ يَشاءُ﴾ الآية وهذه مسألة وقع النزاع فيها بين العلماء قديما وحديثا وبجانبها طرقا يقتصر عليها أهل الشيع وغيرهم لا يعدلون بخديجة أحدا من النساء لسلام الرب عليها، وكون ولد النبي ﷺ جميعهم - إلا إبراهيم - منها. وكونه لم يتزوج عليها حتى ماتت إكراما لها، وتقدير إسلامها، وكونها من الصديقات ولها مقام صدق في أول البعثة. وبذلت نفسها ومالها لرسول الله ﷺ وأما أهل السنة فمنهم من يغلوا أيضا ويثبت لكل واحدة منهما من الفضائل ما هو معروف، ولكن تحملهم قوة التسنن على تفضيل عائشة لكونها ابنة الصديق، ولكونها أعلم من خديجة فإنه لم يكن في الأمم مثل عائشة في حفظها وعلمها وفصاحتها وعقلها، ولم يكن الرسول يحب أحدا من نسائه كمحبته إياها ونزلت براءتها من فوق سبع سماوات وروت بعده عنه ﵇ علما جما كثيرا طيبا مباركا فيه حتى قد ذكر كثير من الناس الحديث المشهور «خذوا شطر دينكم عن الحميراء» والحق أن كلا منهما لها من الفضائل ما لو نظر الناظر فيه لبهره وحيره، والأحسن التوقف في ذلك إلى الله . ومن ظهر له دليل يقطع به، أو يغلب على ظنه في هذا الباب فذاك الّذي يجب عليه أن يقول بما عنده من العلم ومن حصل له توقف في هذه المسألة أو في غيرها فالطريق الأقوم والمسلك الأسلم أن يقول الله أعلم. وقد روى الامام احمد والبخاري ومسلم والترمذي والنسائي من طريق هشام بن عروة عن أبيه عن عبد الله بن جعفر عن على بن أبى طالب ﵁. قال قال رسول الله ﷺ : «خير نسائها مريم بنت عمران، وخير نسائها خديجة بنت خويلد» أي خير زمانهما. وروى شعبة عن معاوية بن قرة عن أبيه قرة بن اياس ﵁. قال قال رسول الله ﷺ : «كمل من الرجل كثير ولم يكمل من النساء إلا ثلاث، مريم بنت عمران، وآسية امرأة فرعون، وخديجة بنت خويلد. وفضل عائشة على النساء كفضل الثريد على سائر الطعام» رواه ابن مردويه في تفسيره. وهذا اسناد صحيح إني شعبة وبعده. قالوا والقدر المشترك بين الثلاث نسوة، آسية ومريم وخديجة أن كلا منهن كفلت نبيا مرسلا وأحسنت الصحبة في كفالتها وصدقته. فآسية ربت موسى وأحسنت اليه وصدقته حين بعث، ومريم كفلت ولدها أتم كفالة وأعظمها وصدقته حين أرسل. وخديجة رغبت في تزويج رسول الله ﷺ بها وبذلت في ذلك أموالها كما تقدم وصدقته حين نزل عليه الوحي من الله . وقوله

стр. 823

«وفضل عائشة على النساء كفضل الثريد على سائر الطعام» هو ثابت في الصحيحين من طريق شعبة أيضا عن عمرو بن مرة عن مرة الطيب الهمدانيّ عن أبى موسى الأشعري. قال قال رسول الله ﷺ : «كمل من الرجال كثير، ولم يكمل من النساء إلا آسية امرأة فرعون، ومريم بنت عمران، وإن فضل عائشة على النساء كفضل الثريد على سائر الطعام» والثريد هو الخبز واللحم جميعا وهو أفخر طعام العرب كما قال بعض الشعراء: إذا ما الخبر تأدمه بلحم … فذاك أمانة الله الثريد ويحمل قوله «وفضل عائشة على النساء» أن يكون محفوظا فيعم النساء المذكورات وغيرهن، ويحتمل أن يكون عاما فيما عداهن ويبقى الكلام فيها وفيهن موقوف يحتمل التسوية بينهن فيحتاج من رجح واحدة منهن على غيرها إلى دليل من خارج والله أعلم. فصل في تزويجه ﵇ بعد خديجة ﵂ بعائشة بنت الصديق وسودة بنت زمعة ﵄ والصحيح أن عائشة تزوجها أولا كما سيأتي. قال البخاري في باب تزويج عائشة * حدثنا معلى ابن أسد حدثنا وهيب عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة أن النبي ﷺ قال لها: «أريتك في المنام مرتين، أرى أنك في سرقة من حرير، ويقول هذه امرأتك. فاكشف عنها فإذا هي أنت، فأقول إن كان هذا من عند الله يمضه» قال البخاري باب نكاح الأبكار. وقال ابن أبى مليكة قال ابن عباس لعائشة: لم ينكح النبي ﷺ بكرا غيرك * حدثنا إسماعيل بن عبد الله حدثني أخى عن سليمان بن بلال عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة. قالت قلت يا رسول الله: أرأيت لو نزلت واديا وفيه شجرة قد أكل منها، ووجدت شجرة لم يؤكل منها في أيها كنت ترتع بعيرك؟ قال: «في التي لم يرتع منها» تعنى أن النبي ﷺ لم يتزوج بكرا غيرها. انفرد به البخاري ثم قال حدثنا عبيد ابن إسماعيل حدثنا أبو أسامة عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة. قالت قال لي رسول الله ﷺ «أريتك في المنام فيجيء بك الملك في سرقة من حرير فقال لي هذه امرأتك، فكشفت عن وجهك الثوب فإذا أنت هي، فقلت إن يكن هذا من عند الله يمضه» (١) وفي رواية «أريتك في المنام ثلاث ليال» وعند الترمذي أن جبريل جاءه بصورتها في خرقة من حرير خضراء فقال هذه زوجتك في الدنيا والآخرة. وقال البخاري تزويج الصغار من الكبار، حدثنا عبد الله بن يوسف حدثنا الليث

стр. 824

عن يزيد عن عراك عن عروة أن رسول الله ﷺ خطب عائشة إلى أبى بكر، فقال له أبو بكر: إنما أنا أخوك. فقال: «أنت أخى في دين الله وكتابه، وهي لي حلال» هذا الحديث ظاهر سياقه كأنه مرسل وهو عند البخاري والمحققين متصل لانه من حديث عروة عن عائشة ﵂، وهذا من افراد البخاري ﵀. وقال يونس بن بكير عن هشام بن عروة عن أبيه. قال: تزوج رسول الله ﷺ عائشة بعد خديجة بثلاث سنين وعائشة يومئذ ابنة ست سنين، وبنى بها وهي ابنة تسع. ومات رسول الله ﷺ وعائشة ابنة ثمانية عشرة سنة. وهذا غريب. وقد روى البخاري عن عبيد ابن إسماعيل عن أبى أسامة عن هشام بن عروة عن أبيه. قال: توفيت خديجة قبل مخرج النبي ﷺ بثلاث سنين، فلبث سنتين - أو قريبا من ذلك - ونكح عائشة وهي بنت ست سنين، ثم بنى بها وهي بنت تسع سنين، وهذا الّذي قاله عروة مرسل في ظاهر السياق كما قدمنا ولكنه في حكم المتصل في نفس الأمر. وقوله تزوجها وهي ابنة ست سنين وبنى بها وهي ابنة تسع مالا خلاف فيه بين الناس - وقد ثبت في الصحاح وغيرها - وكان بناؤه بها ﵇ في السنة الثانية من الهجرة إلى المدينة. وأما كون تزويجها كان بعد موت خديجة بنحو من ثلاث سنين ففيه نظر. فان يعقوب بن سفيان الحافظ قال حدثنا الحجاج حدثنا حماد عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة قالت: تزوجني رسول الله ﷺ متوفى خديجة قبل مخرجه من مكة وأنا ابنة سبع - أو ست - سنين، فلما قدمنا المدينة جاءني نسوة وأنا ألعب في أرجوحة وأنا مجممة، فهيأنني وصنعننى ثم أتين بى إلى رسول الله ﷺ وأنا ابنة تسع سنين. فقوله في هذا الحديث متوفى خديجة يقتضي أنه على أثر ذلك قريبا، اللهمّ إلا أن يكون قد سقط من النسخة بعد متوفى خديجة فلا ينفى ما ذكره يونس بن بكير وأبو أسامة عن هشام بن عروة عن أبيه والله أعلم. وقال البخاري حدثنا فروة بن أبى المغراء حدثنا على بن مسهر عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة. قالت تزوجني النبي ﷺ وأنا بنت ست سنين، فقدمنا المدينة فنزلنا في بنى الحارث بن الخزرج. فوعكت فتمزق شعرى وقد وفت لي جميمة فاتتنى أمى أم رومان وإني لفي أرجوحة ومعى صواحب لي فصرخت بى فأتيتها ما أدرى ما تريد منى فأخذت بيدي حتى أوقفتني على باب الدار وإني لأنهج حتى سكن بعض نفسي ثم أخذت شيئا من ماء فمست به وجهي ورأسي، ثم أدخلتنى الدار قال فإذا نسوة من الأنصار في البيت فقلن على الخير والبركة وعلى خير طائر، فاسلمتنى إليهن فاصلحن من شأنى فلم يرعني إلا رسول الله ﷺ ضحى، فاسلمتنى اليه وأنا يومئذ بنت تسع سنين. وقال الامام احمد في مسند عائشة أم المؤمنين حدثنا محمد بن بشر حدثنا بشر حدثنا محمد بن عمرو أبو سلمة ويحيى. قالا: لما هلكت خديجة جاءت خولة بنت حكيم امرأة عثمان بن مظعون فقالت: يا رسول الله ألا تزوج؟ قال من؟ قالت إن شئت بكرا، وإن

стр. 825

شئت ثيبا، قال فمن البكر؟ قالت أحب خلق الله إليك عائشة ابنة أبى بكر. قال ومن الثيب؟ قالت سودة بنت زمعة. قد آمنت بك واتبعتك. قال فاذهبي فاذكريهما على. فدخلت بيت أبى بكر فقالت يا أم رومان ماذا أدخل الله عليك من الخير والبركة؟ قالت وما ذاك؟ قالت أرسلنى رسول الله ﷺ أخطب عليه عائشة، قالت انظري أبا بكر حتى يأتى، فجاء أبو بكر فقلت يا أبا بكر ماذا أدخل الله عليكم من الخير والبركة، قال وما ذاك؟ قالت أرسلنى رسول الله ﷺ أخطب عليه عائشة قال وهل تصلح له إنما هي ابنة أخيه، فرجعت إلى رسول الله ﷺ فذكرت ذلك له قال: «ارجعي اليه فقولي له أنا أخوك وأنت أخى في الإسلام، وابنتك تصلح لي» فرجعت فذكرت ذلك له قال انتظري، وخرج. قالت أم رومان إن مطعم بن عدي قد ذكرها على ابنه، ووالله ما وعد أبو بكر وعدا قط فاخلفه، فدخل أبو بكر على مطعم بن عدي وعنده امرأته أم الصبى. فقالت: يا ابن أبى قحافة لعلك مصبى صاحبنا تدخله في دينك الّذي أنت عليه إن تزوج إليك؟ فقال أبو بكر للمطعم ابن عدي أقول هذه؟ يقول إنها تقول ذلك. فخرج من عنده وقد أذهب الله ما كان في نفسه من عدته التي وعده. فرجع فقال لخولة ادعى لي رسول الله ﷺ فدعته فزوجها إياه وعائشة يومئذ بنت ست سنين، ثم خرجت فدخلت على سودة بنت زمعة فقالت ما أدخل الله عليك من الخير والبركة قالت وما ذاك؟ قالت أرسلنى رسول الله ﷺ أخطبك اليه. قالت وددت ادخلى الى أبى بكر فاذكرى ذلك له - وكان شيخا كبيرا قد أدركه السن قد تخلف عن الحج - فدخلت عليه فحييته بتحية الجاهلية، فقال من هذه؟ قالت خولة بنت حكيم. قال فما شأنك؟ قالت أرسلنى محمد بن عبد الله أخطب عليه سودة. فقال كفؤ كريم، ماذا تقول صاحبتك؟ قال تحب ذلك. قال ادعيها إلى فدعتها قال أي بنية إن هذه تزعم إن محمد بن عبد الله بن عبد المطلب قد أرسل يخطبك وهو كفؤ كريم أتحبين أن أزوجك به؟ قالت نعم. قال أدعية لي فجاء رسول الله ﷺ فزوجها إياه، فجاء أخوها عبد بن زمعة من الحج فجاء يحثى على رأسه التراب. فقال بعد أن أسلم: لعمرك إني لسفيه يوم أحثى في رأسي التراب أن تزوج رسول الله ﷺ سودة بنت زمعة. قالت عائشة: فقدمنا المدينة فنزلنا في بنى الحارث بن الخزرج في السنح. قالت فجاء رسول الله ﷺ فدخل بيتنا واجتمع اليه رجال من الأنصار ونساء، فجاءتني أمى وأنا لفي أرجوحة بين عذقين يرجح بى فانزلتنى من الارجوحة ولى جميمة ففرقتها ومسحت وجهي بشيء من ماء، ثم أقبلت تقودنى حتى وقفت بى عند الباب وانى لانهج حتى سكن من نفسي، ثم دخلت بى فإذا رسول الله ﷺ جالس على سرير في بيتنا وعنده رجال ونساء من الأنصار، فاجلستنى في حجرة ثم قالت: هؤلاء أهلك فبارك الله لك فيهم، وبارك لهم فيك. فوثب الرجال والنساء فخرجوا وبنى بى رسول الله ﷺ في بيتنا ما نحرت على جزور، ولا

стр. 826

ذبحت على شاة. حتى أرسل إلينا سعد بن عبادة بجفنة كان يرسل بها الى رسول الله ﷺ إذا دار الى نسائه، وأنا يومئذ ابنة تسع سنين. وهذا السياق كأنه مرسل وهو متصل لما رواه البيهقي من طريق احمد بن عبد الجبار حدثنا عبد الله بن إدريس الأزدي عن محمد بن عمرو عن يحيى بن عبد الرحمن بن حاطب. قال قالت عائشة: لما ماتت خديجة جاءت خولة بنت حكيم فقالت يا رسول الله ألا تزوج؟ قال ومن؟ قالت إن شئت بكرا وإن شئت ثيبا. قال من البكر ومن الثيب؟ قالت أما البكر فابنة أحب خلق الله إليك، وأما الثيب فسودة بنت زمعة قد آمنت بك واتبعتك. قال فاذكريهما علي. وذكر تمام الحديث نحو ما تقدم. وهذا يقتضي أن عقده على عائشة كان متقدما على تزويجه بسودة بنت زمعة، ولكن دخوله على سودة كان بمكة، وأما دخوله على عائشة فتأخر الى المدينة في السنة الثانية كما تقدم وكما سيأتي. وقال الامام احمد حدثنا أسود حدثنا شريك عن هشام عن أبيه عن عائشة قالت: لما كبرت سودة وهبت يومها لي، فكان رسول الله ﷺ يقسم لي بيومها مع نسائه. قالت وكانت أول امرأة تزوجها بعدي. وقال الامام احمد حدثنا أبو النضر حدثنا عبد الحميد حدثني شهر حدثني عبد الله بن عباس أن رسول الله ﷺ خطب امرأة من قومه يقال لها سودة وكانت مصيبة، كان لها خمس صبية - أو ست - من بعلها مات. فقال رسول الله ﷺ : «ما يمنعك منى؟» قالت والله يا نبي الله ما يمنعني منك أن لا تكون أحب البرية إلى، ولكنى أكرمك أن يمنعوا هؤلاء الصبية عند رأسك بكرة وعشية. قال فهل منعك منى غير ذلك؟ قالت لا والله، قال لها رسول الله ﷺ يرحمك الله ان خير نساء ركبن اعجاز الإبل، صالح نساء قريش أحناه على ولد في صغره، وأرعاه على بعل بذات يده. قلت وكان زوجها قبله ﵇ السكران بن عمرو أخو سهيل بن عمرو، وكان ممن أسلم وهاجر إلى الحبشة كما تقدم، ثم رجع إلى مكة فمات بها قبل الهجرة ﵁. هذه السياقات كلها دالة على أن العقد على عائشة كان متقدما على العقد بسودة وهو قول عبد الله بن محمد بن عقيل. ورواه يونس عن الزهري واختار ابن عبد البر أن العقد على سودة قبل عائشة وحكاه عن قتادة وأبى عبيد. قال ورواه عقيل عن الزهري. فصل قد تقدم ذكر موت أبى طالب عم رسول الله ﷺ وأنه كان ناصرا له وقائما في صفه ومدافعا عنه بكل ما يقدر عليه من نفس ومال ومقال وفعال، فلما مات اجترأ سفهاء قريش على رسول الله ﷺ ونالوا منه ما لم يكونوا يصلون اليه ولا يقدرون عليه. كما قد رواه البيهقي عن الحاكم عن الأصم حدثنا محمد بن إسحاق الصنعاني حدثنا يوسف بن بهلول حدثنا عبد الله بن إدريس حدثنا محمد بن

стр. 827

إسحاق عمن حدثه عن عروة بن الزبير عن عبد الله بن جعفر. قال: لما مات أبو طالب عرض لرسول الله ﷺ سفيه من سفهاء قريش فالقى عليه ترابا، فرجع إلى بيته فاتت امرأة من نباته تمسح عن وجهه التراب وتبكى، فجعل يقول: «أي بنية لا تبكين فان الله مانع أباك» ويقول ما بين ذلك «ما نالت قريش شيئا أكرهه حتى مات أبو طالب ثم شرعوا». قد رواه زياد البكائي عن محمد ابن إسحاق عن هشام بن عروة عن أبيه مرسلا والله أعلم. وروى البيهقي أيضا عن الحاكم وغيره عن الأصم عن احمد بن عبد الجبار عن يونس بن بكير عن هشام بن عروة عن أبيه أن رسول الله ﷺ قال: «ما زالت قريش كاعين (١) حتى مات أبو طالب» ثم رواه عن الحاكم عن الأصم عن عباس الدوري عن يحيى بن معين حدثنا عقبة المجدر عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة عن النبي ﷺ قال: «ما زالت قريش كاعة حتى توفى أبو طالب» وقد روى الحافظ أبو الفرج ابن الجوزي بسنده عن ثعلبة بن صعير وحكيم بن حزام أنهما. قالا: لما توفى أبو طالب وخديجة - وكان بينهما خمسة أيام - اجتمع على رسول الله ﷺ مصيبتان ولزم بيته وأقل الخروج، ونالت منه قريش ما لم تكن تنال ولا تطمع فيه، فبلغ ذلك أبا لهب فجاءه فقال: يا محمد امض لما أردت وما كنت صانعا إذ كان أبو طالب حيا فاصنعه، لا واللات لا يوصل إليك حتى أموت. وسب ابن الغيطلة رسول الله ﷺ فاقبل اليه أبو لهب فنال منه، فولى يصيح يا معشر قريش صبا أبو عتبة. فأقبلت قريش حتى وقفوا على أبى لهب فقال: ما فارقت دين عبد المطلب، ولكنى أمنع ابن أخى أن يضام حتى يمضى لما يريد. فقالوا لقد أحسنت وأجملت ووصلت الرحم فمكث رسول الله ﷺ كذلك أياما يأتى ويذهب لا يعرض له أحد من قريش، وهابوا أبا لهب إذ جاء عقبة بن أبى معيط وأبو جهل إلى أبى لهب فقالا له: أخبرك ابن أخيك أين مدخل أبيك؟ فقال له أبو لهب يا محمد أين مدخل عبد المطلب؟ قال مع قومه. فخرج اليهما فقال قد سألته فقال مع قومه. فقالا يزعم أنه في النار. فقال يا محمد أيدخل عبد المطلب النار؟ فقال رسول الله ﷺ ومن مات على ما مات عليه عبد المطلب دخل النار. فقال أبو لهب - لعنه الله - والله لا برحت لك إلا عدوا أبدا وأنت تزعم أن عبد المطلب في النار. واشتد عند ذلك أبو لهب وسائر قريش عليه. قال ابن إسحاق: وكان النفر الذين يؤذون رسول الله ﷺ في بيته أبو لهب، والحكم بن أبى العاص بن أمية، وعقبة بن أبى معيط، وعدي بن الحمراء، وابن الاصداء الهذلي. وكانوا جيرانه لم يسلم منهم أحد إلا الحكم بن أبى العاص. وكان أحدهم - فيما ذكر لي - يطرح عليه رحم الشاة وهو يصلى، وكان أحدهم يطرحها في برمته إذا نصبت له، حتى اتخذ رسول الله ﷺ حجرا يستتر

стр. 828

به منهم إذا صلّى، فكان إذا طرحوا شيئا من ذلك يحمله على عود ثم يقف به على بابه ثم يقول: يا بنى عبد مناف أي جوار هذا؟ ثم يلقيه في الطريق. قلت: وعندي أن غالب ما روى مما تقدم من طرحهم سلا الجزور بين كتفيه وهو يصلى كما رواه ابن مسعود وفيه أن فاطمة جاءت فطرحته عنه وأقبلت عليهم فشتمتهم، ثم لما انصرف رسول الله ﷺ دعا على سبعة منهم كما تقدم. وكذلك ما أخبر به عبد الله بن عمرو بن العاص من خنقهم له ﵇ خنقا شديدا حتى حال دونه أبو بكر الصديق قائلا أتقتلون رجلا أن يقول ربى الله. وكذلك عزم أبى جهل - لعنه الله - على أن يطأ على عنقه وهو يصلى فحيل بينه وبين ذلك، وما أشبه ذلك كان بعد وفاة أبى طالب والله أعلم. فذكرها هاهنا أنسب وأشبه. فصل في ذهابه ﵇ إلى أهل الطائف يدعوهم إلى الله تعالى وإلى نصرة دينه فردوا عليه ذلك ولم يقبلوا فرجع عنهم إلى مكة قال ابن إسحاق: فلما هلك أبو طالب نالت قريش من رسول الله ﷺ من الأذى ما لم تكن نالته منه في حياة عمه أبى طالب، فخرج رسول الله ﷺ إلى الطائف يلتمس من ثقيف النصرة والمنعة بهم من قومه، ورجا أن يقبلوا منه ما جاءهم به من الله تعالى، فخرج اليهم وحده. فحدثني يزيد بن أبى زياد عن محمد بن كعب القرظي. قال: انتهى رسول الله ﷺ إلى الطائف وعمد إلى نفر من ثقيف هم سادة ثقيف وأشرافهم وهم إخوة ثلاثة، عبد ياليل، ومسعود، وحبيب بنو عمرو ابن عمير بن عوف بن عقدة بن غيرة بن عوف بن ثقيف. وعند أحدهم امرأة من قريش من بنى جمح، فجلس اليهم فدعاهم إلى الله وكلمهم لما جاءهم له من نصرته على الإسلام والقيام معه على من خالفه من قومه، فقال أحدهم: هو يمرط ثياب الكعبة إن كان الله أرسلك. وقال الآخر: أما وجد الله أحدا أرسله غيرك؟ وقال الثالث والله لا أكلمك أبدا لئن كنت رسولا من الله كما تقول لانت أعظم خطرا من أن أرد عليك الكلام ولئن كنت تكذب على الله ما ينبغي لي أن أكلمك. فقام رسول الله ﷺ من عندهم وقد يئس من خير ثقيف، وقد قال لهم - فيما ذكر لي - إن فعلتم ما فعلتم فاكتموا على وكره رسول الله ﷺ أن يبلغ قومه عنه فيذئرهم (١) ذلك عليه. فلم يفعلوا وأغروا به سفهاءهم وعبيدهم يسبونه ويصيحون به حتى اجتمع عليه الناس وألجئوه إلى حائط لعتبة ابن ربيعة وشيبة بن ربيعة وهما فيه، ورجع عنه من سفهاء ثقيف من كان يتبعه. فعمد الى ظل

стр. 829

حبلة (١) من عنب فجلس فيه وابنا ربيعة ينظران اليه ويريان ما يلقى من سفهاء أهل الطائف، وقد لقي رسول الله ﷺ فيما ذكر لي - المرأة التي من بنى جمح، فقال لها ماذا لقينا من أحمائك. فلما اطمأن قال - فيما ذكر - «اللهمّ إليك أشكو ضعف قوتي وهو انى على الناس يا أرحم الراحمين، أنت رب المستضعفين، وأنت ربى الى من تكلني، الى بعيد يتجهمني أم الى عدو ملكته أمرى. إن لم يكن بك غضب على فلا أبالى ولكن عافيتك هي أوسع لي، أعوذ بنور وجهك الّذي أشرقت له الظلمات، وصلح عليه أمر الدنيا والآخرة من أن تنزل بى غضبك أو تحل على سخطك لك العتبى حتى ترضى لا حول ولا قوة الا بك». قال فلما رآه ابنا ربيعة عتبة وشيبة وما لقي تحركت له رحمهما فدعوا غلاما لهما نصرانيا يقال له عداس [وقالا له] خذ قطفا من هذا العنب فضعه في هذا الطبق ثم اذهب به الى ذلك الرجل فقل له يأكل منه. ففعل عداس ثم ذهب به حتى وضعه بين يدي رسول الله ﷺ ثم قال له كل، فلما وضع رسول الله ﷺ يده فيه قال: «بسم الله» ثم أكل، ثم نظر عداس في وجهه ثم قال: والله ان هذا الكلام ما يقوله أهل هذه البلاد. فقال له رسول الله ﷺ ومن أهل أي بلاد أنت يا عداس وما دينك؟ قال نصراني وأنا رجل من أهل نينوى. فقال رسول الله ﷺ من قرية الرجل الصالح يونس بن متى. فقال له عداس وما يدريك ما يونس بن متى؟ فقال رسول الله ﷺ ذلك أخي كان نبيا وأنا نبي. فأكب عداس على رسول الله ﷺ يقبل رأسه ويديه وقدميه. قال يقول أبناء ربيعة أحدهما لصاحبه اما غلامك فقد أفسده عليك. فلما جاء عداس قالا له ويلك يا عداس مالك تقبل رأس هذا الرجل ويديه وقدميه؟ قال يا سيدي ما في الأرض شيء خير من هذا لقد أخبرني بأمر ما يعلمه الا نبيّ. قالا له: ويحك يا عداس لا يصرفنك عن دينك فان دينك خير من دينه. وقد ذكر موسى بن عقبة نحوا من هذا السياق الا انه لم يذكر الدعاء وزاد، وقعد له أهل الطائف صفين على طريقه، فلما مر جعلوا لا يرفع رجليه ولا يضعهما الا رضخوهما بالحجارة حتى أدموه فخلص منهم وهما يسيلان الدماء فعمد إلى ظل نخلة وهو مكروب وفي ذلك الحائط عتبة وشيبة ابنا ربيعة، فكره مكانهما لعداوتهما الله ورسوله. ثم ذكر قصة عداس النصراني كنحو ما تقدم. وقد روى الامام احمد عن أبى بكر بن أبى شيبة حدثنا مروان بن معاوية الفزاري عن عبد الله بن عبد الرحمن الطائفي عن عبد الرحمن بن خالد بن أبى جبل العدوانيّ عن أبيه أنه أبصر رسول الله ﷺ في مشرق ثقيف وهو قائم على قوس - أو عصى - حين أتاهم يبتغى عندهم النصر، فسمعته يقول: «والسماء والطارق» حتى ختمها. قال فوعيتها في الجاهلية وأنا مشرك ثم قرأتها في الإسلام

стр. 830

قال فدعتني ثقيف فقالوا ماذا سمعت من هذا الرجل؟ فقرأتها عليهم، فقال من معهم من قريش نحن أعلم بصاحبنا، لو كنا نعلم ما يقول حقا لاتبعناه. وثبت في الصحيحين من طريق عبد الله بن وهب (١) أخبرنى يونس بن يزيد عن ابن شهاب قال أخبرنى عروة بن الزبير أن عائشة حدثته أنها قالت لرسول الله ﷺ هل أتى عليك يوم كان أشد عليك من يوم أحد؟ قال: «ما لقيت من قومك كان أشد منه يوم العقبة، إذ عرضت نفسي على ابن عبد ياليل بن عبد كلال فلم يجبني إلى ما أردت، فانطلقت وأنا مهموم على وجهي فلم استفق إلا وأنا بقرن الثعالب، فرفعت رأسي فإذا أنا بسحابة قد أظلتنى، فنظرت فإذا فيها جبريل ﵇ فناداني فقال إن الله قد سمع قول قومك لك وما ردوا عليك، وقد بعث لك ملك الجبال، لتأمره بما شئت فيهم. ثم ناداني ملك الجبال فسلم على ثم قال يا محمد قد بعثني الله إن الله قد سمع قول قومك لك وأنا ملك الجبال قد بعثني إليك ربك لتأمرنى ما شئت إن شئت تطبق عليهم الاخشبين؟ فقال رسول الله ﷺ : «أرجو أن يخرج الله من أصلابهم من يعبد الله لا يشرك به شيئا». فصل وقد ذكر محمد بن إسحاق سماع الجن لقراءة رسول الله ﷺ وذلك مرجعه من الطائف حين بات بنخلة وصلّى بأصحابه الصبح فاستمع الجن الذين صرفوا اليه قراءته هنالك. قال ابن إسحاق وكانوا سبعة نفر، وأنزل الله تعالى فيهم قوله ﴿وَإِذْ صَرَفْنا إِلَيْكَ نَفَراً مِنَ الْجِنِّ﴾. قلت: وقد تكلمنا على ذلك مستقصى في التفسير، وتقدم قطعة من ذلك والله أعلم. ثم دخل رسول الله ﷺ مكة مرجعه من الطائف في جوار المطعم بن عدي وازداد قومه عليه حنقا وغيظا وجرأة وتكذيبا وعنادا والله المستعان وعليه التكلان. وقد ذكر الأموي في مغازيه أن رسول الله ﷺ بعث أريقط إلى الأخنس بن شريق فطلب منه أن يجيره بمكة. فقال: إن حليف قريش لا يجير على صميمها. ثم بعثه إلى سهيل بن عمرو ليجيره فقال: إن بنى عامر بن لؤيّ لا تجير على بنى كعب بن لؤيّ. فبعثه إلى المطعم بن عدي ليجيره فقال نعم! قل له فليأت. فذهب اليه رسول الله ﷺ فبات عنده تلك الليلة، فلما أصبح خرج معه هو وبنوه ستة - أو سبعة - متقلدي السيوف جميعا فدخلوا المسجد وقال لرسول الله ﷺ : طف واحتبوا بحمائل سيوفهم في المطاف، فاقبل أبو سفيان إلى مطعم. فقال: أمجير أو تابع؟ قال لا بل مجير. قال إذا لا تخفر. فجلس معه حتى قضى رسول الله ﷺ طوافه، فلما انصرف انصرفوا معه. وذهب أبو

стр. 831

سفيان إلى مجلسه. قال فمكث أياما ثم أذن له في الهجرة، فلما هاجر رسول الله ﷺ الى المدينة توفى مطعم بن عدي بعده بيسير فقال حسان بن ثابت والله لأرثينه فقال فيما قال (١): فلو كان مجد مخلد اليوم واحد … من الناس نحى مجده اليوم مطعما أجرت رسول الله منهم فأصبحوا … عبادك ما لبى محل وأحرما فلو سئلت عنه معد بأسرها … وقحطان أو باقي بقية جرهما لقالوا هو الموفى بخفرة جاره … وذمته يوما إذا ما تجشما وما تطلع الشمس المنيرة فوقهم … على مثله فيهم أعز وأكرما إباء إذا يأبى وألين شيمة … وأنوم عن جار إذا الليل أظلما قلت ولهذا قال النبي ﷺ يوم أسارى بدر: «لو كان المطعم بن عدي حيا ثم سألني في هؤلاء النقباء لوهبتهم له». فصل في عرض رسول الله ﷺ نفسه الكريمة على أحياء العرب في مواسم الحج أن يؤوه ونصروه ويمنعوه ممن كذبه وخالفه فلم يجبه أحد منهم لما ذخره الله تعالى للأنصار من الكرامة العظيمة ﵃ قال ابن إسحاق: ثم قدم رسول الله ﷺ مكة وقومه أشد ما كانوا عليه من خلافه وفراق دينه إلا قليلا مستضعفين ممن آمن به، فكان رسول الله ﷺ يعرض نفسه في المواسم - إذا كانت - على قبائل العرب يدعوهم الى الله ، ويخبرهم أنه نبي مرسل، ويسألهم أن يصدقوه ويمنعوه حتى يبين عن الله ما بعثه به. قال ابن إسحاق: فحدثني من أصحابنا من لا أتهم عن زيد بن أسلم عن ربيعة بن عباد الدؤلي - ومن حدثه أبو الزناد عنه - وحدثني حسين بن عبد الله بن عبيد الله بن عباس قال سمعت ربيعة ابن عباد يحدثه أبى. قال: إني لغلام شاب مع أبى بمنى ورسول الله ﷺ يقف على منازل القبائل من العرب فيقول: «يا بنى فلان إني رسول الله إليكم آمركم أن تعبدوا الله ولا تشركوا به شيئا وأن تخلعوا ما تعبدون من دونه من هذه الأنداد، وأن تؤمنوا بى وتصدقوا بى وتمنعوني حتى أبين عن الله ما بعثني به». قال وخلفه رجل أحول وضيء له غديرتان عليه حلة عدنية، فإذا فرغ رسول الله ﷺ من قوله وما دعا اليه. قال ذلك الرجل: يا بنى فلان إن هذا إنما يدعوكم الى أن تسلخوا اللات والعزى من أعناقكم، وحلفاءكم من الجن من بنى مالك بن أقيش الى ما جاء به من البدعة والضلالة

стр. 832

فلا تطيعوه ولا تسمعوا منه. قال فقلت لأبي يا أبت من هذا الرجل الّذي يتبعه ويرد عليه ما يقول؟ قال هذا عمه عبد العزى بن عبد المطلب أبو لهب. وقد روى الامام احمد هذا الحديث عن إبراهيم بن أبى العباس حدثنا عبد الرحمن بن أبى الزناد عن أبيه أخبرنى رجل يقال له ربيعة بن عباد من بنى الدئل - وكان جاهليا فأسلم - قال رأيت رسول الله ﷺ في الجاهلية في سوق ذي المجاز وهو يقول: «يا أيها الناس قولوا لا إله إلا الله تفلحوا» والناس مجتمعون عليه ووراءه رجل وضيء الوجه أحول ذو غديرتين يقول: إنه صابئ كاذب - يتبعه حيث ذهب - فسألت عنه فقالوا هذا عمه أبو لهب. ورواه البيهقي من طريق محمد بن عبد الله الأنصاري عن محمد بن عمرو عن محمد بن المنكدر عن ربيعة الدئلي: رأيت رسول الله ﷺ بسوق ذي المجاز يتبع الناس في منازلهم يدعوهم الى الله، ووراءه رجل أحول تقد وجنتاه وهو يقول: أيها الناس لا يغرنكم هذا عن دينكم ودين آبائكم. قلت من هذا؟ قالوا هذا أبو لهب. وكذا رواه أبو نعيم في الدلائل من طريق ابن أبى ذئب وسعيد ابن سلمة بن أبى الحسام كلاهما عن محمد بن المنكدر به نحوه. ثم رواه البيهقي من طريق شعبة عن الأشعث بن سليم عن رجل من كنانة. قال: رأيت رسول الله ﷺ بسوق ذي المجاز وهو يقول: «يا أيها الناس قولوا لا إله إلا الله تفلحوا» وإذا رجل خلفه يسفى عليه التراب فإذا هو أبو جهل وهو يقول: يا أيها الناس لا يغرنكم هذا عن دينكم فإنما يريد أن تتركوا عبادة اللات والعزى. كذا قال في هذا السياق أبو جهل. وقد يكون وهما ويحتمل أن يكون تارة يكون ذا، وتارة يكون ذا وأنهما كانا يتناوبان على أذائه ﷺ . قال ابن إسحاق: وحدثني ابن شهاب الزهري أنه ﵇ أتى كندة في منازلهم وفيهم سيد لهم يقال له مليح، فدعاهم الى الله وعرض عليهم نفسه فأبوا عليه: قال ابن إسحاق: وحدثني محمد بن عبد الرحمن بن حصين أنه أتى كلبا في منازلهم الى بطن منهم يقال لهم بنو عبد الله فدعاهم الى الله وعرض عليهم نفسه حتى إنه ليقول: «يا بنى عبد الله إن الله قد أحسن اسم أبيكم» فلم يقبلوا منه ما عرض عليهم. وحدثني بعض أصحابنا عن عبد الله بن كعب بن مالك أن رسول الله ﷺ أتى بنى حنيفة في منازلهم فدعاهم الى الله وعرض عليهم نفسه فلم يك أحد من العرب أقبح ردا عليه منهم. وحدثني الزهري أنه أتى بنى عامر بن صعصعة فدعاهم إلى الله وعرض عليهم نفسه. فقال له رجل منهم يقال له بحيرة بن فراس (١): والله لو أنى أخذت هذا الفتى من قريش لأكلت به العرب، ثم قال له أرأيت إن نحن تابعناك على أمرك ثم أظهرك الله على من يخالفك أيكون لنا الأمر من بعدك؟ قال: «الأمر لله يضعه حيث يشاء». قال فقال له أفتهدف نحورنا للعرب دونك فإذا

стр. 833

أظهرك الله كان الأمر لغيرنا! لا حاجة لنا بأمرك. فأبوا عليه. فلما صدر الناس برجعت بنو عامر إلى شيخ لهم قد كان أدركه السن حتى لا يقدر أن يوافي معهم المواسم، فكانوا إذا رجعوا اليه حدثوه بما يكون في ذلك الموسم، فلما قدموا عليه ذلك العام سألهم عما كان في موسمهم فقالوا: جاءنا فتى من قريش ثم أحد بنى عبد المطلب يزعم أنه نبي يدعونا إلى أن تمنعه ونقوم معه ونخرج به إلى بلادنا. قال فوضع الشيخ يده على رأسه ثم قال: يا بنى عامر هل لها من تلاف؟ هل لذناباها من مطلب؟ والّذي نفس فلان بيده ما تقوّلها إسماعيل قط، وإنها لحق فأين رأيكم كان عنكم. وقال موسى بن عقبة عن الزهري: فكان رسول الله ﷺ في تلك السنين يعرض نفسه على قبائل العرب في كل موسم، ويكلم كل شريف قوم لا يسألهم مع ذلك إلا أن يؤوه ويمنعوه ويقول «لا أكره أحدا منكم على شيء، من رضى منكم بالذي أدعوه اليه فذلك، ومن كره لم أكرهه، إنما أريد أن تحرزوني فيما يراد لي من القتل حتى أبلغ رسالة ربى، وحتى يقضى الله لي ولمن صحبني بما شاء». فلم يقبله أحد منهم، وما يأت أحدا من تلك القبائل إلا قال: قوم الرجل أعلم به، أترون أن رجلا يصلحنا وقد أفسد قومه ولفظوه؟! وكان ذلك مما ذخره الله للأنصار وأكرمهم به. وقد روى الحافظ أبو نعيم من طريق عبد الله بن الأجلح ويحيى بن سعيد الأموي كلاهما عن محمد بن السائب الكلبي عن أبى صالح عن ابن عباس عن العباس. قال قال لي رسول الله ﷺ : «لا أرى لي عندك ولا عند أخيك منعة فهل أنت مخرجي إلى السوق غدا حتى نقر في منازل قبائل الناس» وكانت مجمع العرب. قال فقلت هذه كندة ولفها وهي أفضل من يحج البيت من اليمن وهذه منازل بكر بن وائل، وهذه منازل بنى عامر بن صعصعة، فاختر لنفسك؟ قال فبدأ بكندة فأتاهم فقال ممن القوم؟ قالوا من أهل اليمن. قال من أي اليمن؟ قالوا من كندة. قال من أي كندة؟ قالوا من بنى عمرو بن معاوية، قال فهل لكم إلى خير؟ قالوا وما هو؟ قال «تشهدون أن لا إله إلا الله وتقيمون الصلاة وتؤمنون بما جاء من عند الله». قال عبد الله بن الأجلح: وحدثني أبى عن أشياخ قومه أن كندة قالت له: إن ظفرت تجعل لنا الملك من بعدك؟ فقال رسول الله ﷺ : «إن الملك لله يجعله حيث يشاء» فقالوا لا حاجة لنا فيما جئتنا به. وقال الكلبي فقالوا: أجئتنا لتصدنا عن آلهتنا وننابذ العرب، الحق بقومك فلا حاجة لنا بك. فانصرف من عندهم فأتى بكر بن وائل فقال ممن القوم؟ قالوا من بكر بن وائل. فقال من أي بكر بن وائل؟ قالوا من بنى قيس بن ثعلبة. قال كيف العدد؟ قالوا كثير مثل الثرى. قال فكيف المنعة؟ قالوا لا منعة جاورنا فارس فنحن لا نمتنع منهم ولا نجير عليهم. قال «فتجعلون لله عليكم إن هو أبقاكم حتى تنزلوا منازلهم، وتستنكحوا نساءهم، وتستعبدوا أبناءهم أن تسبحوا الله ثلاثا وثلاثين، وتحمدوه ثلاثا وثلاثين، وتكبروه أربعا

стр. 834

وثلاثين» قالوا ومن أنت؟ قال أنا رسول الله. ثم انطلق فلما ولى عنهم قال الكلبي: وكان عمه أبو لهب يتبعه فيقول للناس لا تقبلوا قوله، ثم مر أبو لهب فقالوا هل تعرف هذا الرجل؟ قال نعم هذا في الذروة منا فعن أي شأنه تسألون؟ فأخبروه بما دعاهم اليه وقالوا زعم أنه رسول الله، قال: ألا لا ترفعوا برأسه قولا فإنه مجنون يهذى من أم رأسه. قالوا قد رأينا ذلك حين ذكر من أمر فارس ما ذكر. قال الكلبي: فأخبرني عبد الرحمن المعايرى عن أشياخ من قومه قالوا: أتانا رسول الله ﷺ ونحن بسوق عكاظ، فقال ممن القوم؟ قلنا من بنى عامر بن صعصعة. قال من أي بنى عامر بن صعصعة؟ قالوا بنو كعب بن ربيعة. قال كيف المنعة؟ قلنا لا يرام ما قبلنا، ولا يصطلى بنارنا. قال فقال لهم «إني رسول الله وآتيكم لتمنعوني حتى أبلغ رسالة ربى ولا اكره أحدا منكم على شيء» قالوا ومن أي قريش أنت؟ قال من بنى عبد المطلب. قالوا فأين أنت من عبد مناف؟ قال هم أول من كذبني وطردني. قالوا ولكنا لا نطردك ولا نؤمن بك، وسنمنعك حتى تبلغ رسالة ربك قال فنزل اليهم والقوم يتسوقون، إذ أتاهم بحيرة بن فراس القشيري فقال من هذا الرجل أراه عندكم أنكره؟ قالوا محمد بن عبد الله القرشي. قال فما لكم وله؟ قالوا زعم لنا أنه رسول الله ﷺ فطلب إلينا أن نمنعه حتى يبلغ رسالة ربه. قال ماذا رددتم عليه؟ قالوا بالترحيب والسعة، نخرجك الى بلادنا ونمنعك ما نمنع به أنفسنا. قال بحيرة: ما أعلم أحدا من أهل هذه السوق يرجع بشيء أشد من شيء ترجعون به بدءا ثم لتنابذوا الناس وترميكم العرب عن قوس واحدة، قومه أعلم به لو آنسوا منه خيرا لكانوا أسعد الناس به، أتعمدون الى زهيق قد طرده قومه وكذبوه فتؤوونه وتنصرونه؟ فبئس الرأى رأيتم. ثم أقبل على رسول الله ﷺ فقال: قم فالحق بقومك، فو الله لولا أنك عند قومي لضربت عنقك. قال فقام رسول الله ﷺ الى ناقته فركبها، فغمز الخبيث بحيرة شاكلتها فقمصت برسول الله ﷺ فألقته. وعند بنى عامر يومئذ ضباعة ابنة عامر بن قرط، كانت من النسوة اللاتي أسلمن مع رسول الله بمكة جاءت زائرة الى بنى عمها، فقالت يا آل عامر - ولا عامر لي - أيصنع هذا برسول الله بين أظهركم لا يمنعه أحد منكم؟ فقام ثلاثة من بنى عمها الى بحيرة واثنين اعاناه، فاخذ كل رجل منهم رجلا فجلد به الأرض، ثم جلس على صدره ثم علوا وجوههم لطما، فقال رسول الله ﷺ «اللهمّ بارك على هؤلاء والعن هؤلاء» قال فأسلم الثلاثة الذين نصروه وقتلوا شهداء وهم، غطيف وغطفان ابنا سهل، وعروة - أو عذرة - بن عبد الله بن سلمة ﵃. وقد روى هذا الحديث بتمامه الحافظ سعيد بن يحيى بن سعيد الأموي في مغازيه عن أبيه به. وهلك الآخرون وهم، بحيرة بن فراس، وحزن بن عبد الله بن سلمة بن قشير، ومعاوية بن عبادة أحد بنى عقيل

стр. 835

لعنهم الله لعنا كثيرا. وهذا أثر غريب كتبناه لغرابته والله أعلم. وقد روى أبو نعيم له شاهدا من حديث كعب بن مالك ﵁ في قصة عامر بن صعصعة وقبيح ردهم عليه. وأغرب من ذلك وأطول ما رواه أبو نعيم والحاكم والبيهقي - والسياق لأبي نعيم ﵏ من حديث ابان بن عبد الله البجلي عن ابان بن تغلب عن عكرمة عن ابن عباس حدثني على بن ابى طالب. قال: لما أمر الله رسوله أن يعرض نفسه على قبائل العرب خرج وانا معه وأبو بكر مقدما في كل خير، وكان رجلا نسابة فقال ممن القوم؟ قالوا من ربيعة، قال وأي ربيعة أنتم أمن هامها أم من لهازما؟ قالوا بل من هامها العظمى. قال أبو بكر فمن أي هامتها العظمى. فقال ذهل الأكبر، قال لهم أبو بكر: منكم عوف الّذي كان يقال لاحر بوادي عوف؟ قالوا لا قال فمنكم بسطام بن قيس ابو اللواء ومنتهى الاحياء؟ قالوا لا. قال فمنكم الحوفزان بن شريك قاتل الملوك وسالبها أنفسها؟ قالوا لا. قال فمنكم جساس بن مرة بن ذهل حامي الذمار ومانع الجار؟ قالوا لا. قال فمنكم المزدلف صاحب العمامة الفردة؟ قالوا لا. قال فأنتم أخوال الملوك من كندة؟ قالوا لا. قال فأنتم اصهار الملوك من لخم؟ قالوا لا. قال لهم ابو بكر ﵁: فلستم بذهل الأكبر، بل أنتم ذهل الأصغر. قال فوثب اليه منهم غلام يدعى دغفل بن حنظلة الذهلي - حين بقل وجهه - فاخذ بزمام ناقة أبى بكر وهو يقول: إن على سائلنا أن نسأله … والعبء لا نعرفه أو نحمله يا هذا إنك سألتنا فأخبرناك ولم نكتمك شيئا، ونحن نريد أن نسألك فمن أنت؟ قال رجل من قريش. فقال الغلام: بخ بخ أهل السؤدد والرئاسة، قادمة العرب وهاديها فمن أنت من قريش؟ فقال له رجل من بنى تيم بن مرة. فقال له الغلام: أمكنت والله الرامي من سواء الثغرة؟ أفمنكم قصي بن كلاب الّذي قتل بمكة المتغلبين عليها واجلى بقيتهم وجمع قومه من كل أوب حتى أوطنهم مكة ثم استولى على الدار وأنزل قريشا منازلها فسمته العرب بذلك مجمعا، وفيه يقول الشاعر: أليس أبوكم كان يدعى مجمعا … به جمع الله القبائل من فهر فقال ابو بكر لا. قال فمنكم عبد مناف الّذي انتهت اليه الوصايا وابو الغطاريف السادة؟ فقال أبو بكر لا. قال فمنكم عمرو بن عبد مناف هاشم الّذي هشم الثريد لقومه ولأهل مكة، ففيه يقول الشاعر: عمرو العلا هشم الثريد لقومه … ورجال مكة مسنتون عجاف سنوا اليه الرحلتين كليهما … عند الشتاء ورحلة الأصياف

стр. 836

كانت قريش بيضة فتفلقت … فالمخ خالصة لعبد مناف الرائشين وليس يعرف رائش … والقائلين هلمّ للاضياف والضاربين الكبش يبرق بيضه … (١) والمانعين البيض بالاسياف لله درك لو نزلت بدارهم … منعوك من أزل (٢) ومن اقراف فقال أبو بكر لا. قال فمنكم عبد المطلب شيبة الحمد، وصاحب عير مكة، ومطعم طير السماء والوحوش والسباع في الفلا الّذي كأن وجهه قمر يتلألأ في الليلة الظلماء؟ قال لا. قال أفمن أهل الافاضة أنت؟ قال لا. قال أفمن أهل الحجابة أنت؟ قال لا. قال أفمن أهل الندوة أنت؟ قال لا. قال أفمن أهل السقاية أنت؟ قال لا قال أفمن أهل الرفادة أنت؟ قال لا. قال فمن المفيضين أنت؟ قال لا. ثم جذب أبو بكر ﵁ زمام ناقته من يده، فقال له الغلام: صادف در السيل در يدفعه … يهيضه حينا وحينا يرفعه ثم قال: أما والله يا أخا قريش لو ثبت لخبرتك أنك من زمعات قريش ولست من الذوائب. قال فاقبل إلينا رسول الله ﷺ يتبسم. قال على: فقلت له يا أبا بكر لقد وقعت من الأعرابي على باقعة. فقال أجل يا أبا الحسن، إنه ليس من طامة إلا وفوقها طامة، والبلاء موكل بالقول. قال ثم انتهينا إلى مجلس عليه السكينة والوقار وإذا مشايخ لهم أقدار وهيئات، فتقدم أبو بكر فسلم - قال على وكان أبو بكر مقدما في كل خير - فقال لهم أبو بكر ممن القوم؟ قالوا من بنى شيبان بن ثعلبة، فالتفت إلى رسول الله ﷺ فقال: بابي أنت وأمى ليس بعد هؤلاء من عز في قومهم، وفي رواية ليس وراء هؤلاء عذر من قومهم، وهؤلاء غرر في قومهم، وهؤلاء غرر الناس. وكان في القوم مفروق ابن عمرو، وهانئ بن قبيصة، والمثنى بن حارثة، والنعمان بن شريك. وكان أقرب القوم إلى أبى بكر مفروق بن عمرو، وكان مفروق بن عمرو قد غلب عليهم بيانا ولسانا، وكانت له غديرتان تسقطان على صدره. فكان أدنى القوم مجلسا من أبى بكر فقال له أبو بكر: كيف العدد فيكم؟ فقال له إنا لنزيد على ألف، ولن تغلب ألف من قلة. فقال له: فكيف المنعة فيكم؟ فقال علينا الجهد ولكل قوم جد. فقال أبو بكر: فكيف الحرب بينكم وبين عدوكم؟ فقال مفروق إنا أشد ما نكون لقاء حين نغضب، وإنا لنؤثر الجياد على الأولاد، والسلاح على اللقاح، والنصر من عند الله. يديلنا مرة ويديل علينا، لعلك أخو قريش؟ فقال أبو بكر إن كان بلغكم أنه رسول الله فها هو هذا فقال مفروق قد بلغنا أنه يذكر ذلك، ثم التفت إلى رسول الله ﷺ فجلس وقام أبو بكر يظله بثوبه

стр. 837

فقال ﷺ : «أدعوكم إلى شهادة أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأنى رسول الله، وأن تؤوونى وتنصروني حتى أؤدى عن الله الّذي أمرنى به، فان قريشا قد تظاهرت على أمر الله وكذبت رسوله واستغنت بالباطل عن الحق والله هو الغنى الحميد». قال له وإلى ما تدعو أيضا يا أخا قريش؟ فتلا رسول الله ﷺ ﴿قُلْ تَعالَوْا أَتْلُ ما حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ أَلاّ تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئاً وَبِالْوالِدَيْنِ إِحْساناً﴾ إلى قوله ﴿ذلِكُمْ وَصّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ فقال له مفروق: وإلى ما تدعو أيضا يا أخا قريش؟ فو الله ما هذا من كلام أهل الأرض، ولو كان من كلامهم لعرفناه، فتلا رسول الله ﷺ ﴿إِنَّ اللهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسانِ وَإِيتاءِ ذِي الْقُرْبى وَيَنْهى عَنِ الْفَحْشاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾ فقال له مفروق: دعوت والله يا أخا قريش إلى مكارم الأخلاق ومحاسن الأعمال، ولقد أفك قوم كذبوك وظاهروا عليك، وكأنه أحب أن يشركه في الكلام هانئ بن قبيصة فقال: وهذا هانئ بن قبيصة شيخنا وصاحب ديننا. فقال له هانئ: قد سمعت مقالتك يا أخا قريش وصدقت قولك، وإني أرى أن تركنا ديننا واتباعنا إياك على دينك لمجلس جلسته إلينا ليس له أول ولا آخر لم نتفكر في أمرك، وننظر في عاقبة ما تدعو اليه زلة في الرأى، وطيشة في العقل، وقلة نظر في العاقبة وإنما تكون الزلة مع العجلة، وإن من ورائنا قوما نكره أن نعقد عليهم عقدا. ولكن ترجع ونرجع وتنظر وننظر، وكأنه أحب أن يشركه في الكلام المثنى بن حارثة فقال: وهذا المثنى شيخنا وصاحب حربنا. فقال المثنى: قد سمعت مقالتك واستحسنت قولك يا أخا قريش، وأعجبنى ما تكلمت به. والجواب هو جواب هانئ بن قبيصة وتركنا ديننا واتباعنا إياك لمجلس جلسته إلينا وإنا إنما نزلنا بين صريين أحدهما اليمامة، والآخر السماوة. فقال له رسول الله ﷺ وما هذان الصريان؟ فقال له أما أحدهما فطفوف البر وأرض العرب، وأما الآخر فارض فارس وأنهار كسرى وإنما نزلنا على عهد أخذه علينا كسرى أن لا نحدث حدثا، ولا نؤوى محدثا. ولعل هذا الأمر الّذي تدعونا اليه مما تكرهه الملوك، فاما ما كان مما يلي بلاد العرب فذنب صاحبه مغفور، وعذره مقبول، وأما ما كان يلي بلاد فارس فذنب صاحبه غير مغفور، وعذره غير مقبول. فان أردت أن ننصرك ونمنعك مما يلي العرب فعلنا. (١) فقال رسول الله ﷺ ؟ ما أسأتم الرد إذ أفصحتم بالصدق إنه لا يقوم بدين الله الا من حاطه من جميع جوانبه». ثم قال رسول الله ﷺ : «أرأيتم ان لم تلبثوا إلا يسيرا حتى يمنحكم الله بلادهم وأموالهم ويفرشكم بناتهم أتسبحون الله وتقدسونه؟» فقال له النعمان ابن شريك: اللهمّ وإن ذلك لك يا أخا قريش! فتلا رسول الله ﷺ ﴿إِنّا أَرْسَلْناكَ شاهِداً وَمُبَشِّراً وَنَذِيراً * وَداعِياً إِلَى اللهِ بِإِذْنِهِ وَسِراجاً مُنِيراً﴾ ثم نهض رسول الله ﷺ قابضا على يدي أبى بكر. قال

стр. 838

على ثم التفت إلينا رسول ﷺ فقال: «يا على أية (١) أخلاق للعرب كانت في الجاهلية - ما أشرفها - بها يتحاجزون في الحياة الدنيا». قال ثم دفعنا الى مجلس الأوس والخزرج، فما نهضنا حتى بايعوا النبي ﷺ . قال على: وكانوا صدقاء صبراء فسر رسول الله ﷺ من معرفة أبى بكر ﵁ بانسابهم. قال فلم يلبث رسول الله ﷺ الا يسيرا حتى خرج الى أصحابه فقال لهم: «احمدوا الله كثيرا فقد ظفرت اليوم أبناء ربيعة بأهل فارس، قتلوا ملوكهم واستباحوا عسكرهم وبى نصروا». قال وكانت الوقعة بقراقر الى جنب ذي قار وفيها يقول الأعشى: فدى لبني ذهل بن شيبان ناقتي … وراكبها عند اللقاء وقلّت هموا ضربوا بالحنو حنو قراقر … مقدمة الهامرز حتى تولت فلله عينا من رأى من فوارس (٢) … كذهل بن شيبان بها حين ولت فثاروا وثرنا والمودة بيننا … وكانت علينا غمرة فتجلت هذا حديث غريب جدا كتبناه لما فيه من دلائل النبوة ومحاسن الأخلاق ومكارم الشيم وفصاحة العرب وقد ورد هذا من طريق أخرى وفيه أنهم لما تحاربوا هم وفارس والتقوا معهم بقراقر - مكان قريب من الفرات - جعلوا شعارهم اسم محمد ﷺ فنصروا على فارس بذلك، وقد دخلوا بعد ذلك في الإسلام. وقال الواقدي: أخبرنا عبد الله بن وابصة العبسيّ عن أبيه عن جده قال: جاءنا رسول الله ﷺ في منازلنا بمنى ونحن نازلون بإزاء الجمرة الاولى التي تلى مسجد الخيف وهو على راحلته مرد فاخلفه زيد بن حارثة، فدعانا فو الله ما استجبنا له ولا خيّر لنا، قال وقد كنا سمعنا به وبدعائه في المواسم، فوقف علينا يدعونا فلم نستجب له، وكان معنا ميسرة بن مسروق العبسيّ. فقال لنا: أحلف بالله لو قد صدقنا هذا الرجل وحملناه حتى نحل به وسط بلادنا لكان الرأى. فأحلف بالله ليظرن أمره حتى يبلغ كل مبلغ. فقال القوم دعنا منك لا تعرضنا لما لا قبل لنا به. وطمع رسول لله ﷺ في ميسرة فكلمه فقال ميسرة: ما أحسن كلامك وأنوره، ولكن قومي يخالفوننى وإنما الرجل بقومه فإذا لم يعضدوه فالعدى (٣) أبعد فانصرف رسول الله ﷺ وخرج القوم صادرين إلى أهليهم.

стр. 839

فقال لهم ميسرة: ميلوا نأتي فدك فان بها يهودا نسائلهم عن هذا الرجل، فمالوا إلى يهود فاخرجوا سفرا لهم فوضعوه ثم درسوا ذكر رسول الله ﷺ النبي الأمي العربيّ يركب الحمار ويجتزي بالكسرة ليس بالطويل ولا بالقصير، ولا بالجعد ولا بالسبط، في عينيه حمرة مشرق اللون. فان كان هو الّذي دعاكم فأجيبوه وادخلوا في دينه فانا نحسده ولا نتبعه، وإنا [منه] في مواطن بلاء عظيم ولا يبقى أحد من العرب الا اتبعه والا قاتله فكونوا ممن يتبعه. فقال ميسرة: يا قوم ألا [إن] هذا الأمر بين، فقال القوم نرجع الى الموسم ونلقاه فرجعوا الى بلادهم وأبى ذلك عليهم رجالهم فلم يتبعه أحد منهم فلما قدم رسول الله ﷺ المدينة مهاجرا وحج حجة الوداع لقاه ميسرة فعرفه. فقال: يا رسول الله والله ما زلت حريصا على اتباعك من يوم أنخت بنا حتى كان ما كان وأبى الله الا ما ترى من تأخر إسلامي، وقد مات عامة النفر الذين كانوا معى فأين مدخلهم يا رسول الله؟ فقال رسول الله ﷺ : «كل من مات على غير دين الإسلام فهو في النار» فقال: الحمد لله الّذي أنقذنى. فأسلم وحسن إسلامه، وكان له عند أبى بكر مكان. وقد استقصى الامام محمد بن عمر الواقدي فقص [خبر] القبائل واحدة واحدة، فذكر عرضه ﵇ نفسه على بنى عامر وغسان وبنى فزارة وبنى مرة وبنى حنيفة وبنى سليم وبنى عبس وبنى نضر بن هوازن وبنى ثعلبة بن عكابة وكندة وكلب وبنى الحارث بن كعب وبنى عذرة وقيس بن الحطيم وغيرهم. وسياق أخبارها مطولة وقد ذكرنا من ذلك طرفا صالحا ولله الحمد والمنة. وقال الامام احمد حدثنا أسود بن عامر أنا إسرائيل عن عثمان - يعنى ابن المغيرة - عن سالم ابن أبى الجعد عن جابر بن عبد الله. قال: كان النبي ﷺ يعرض نفسه على الناس بالموقف فيقول «هل من رجل يحملني الى قومه فان قريشا قد منعونى أن أبلغ كلام ربى ؟» فأتاه رجل من همدان فقال ممن أنت؟ قال الرجل من همدان. قال فهل عند قومك من منعة؟ قال نعم! ثم إن الرجل خشي أن يخفره قومه فأتى رسول الله ﷺ فقال آتيهم فأخبرهم ثم آتيك من عام قابل! قال نعم! فانطلق وجاء وفد الأنصار في رجب. وقد رواه أهل السنن الأربعة من طرق عن إسرائيل به، وقال الترمذي حسن صحيح.

стр. 840

فصل قدوم وفد الأنصار عام بعد عام حتى بايعوا رسول الله ﷺ بيعة بعد بيعة، ثم بعد ذلك تحول اليهم رسول الله ﷺ الى المدينة فنزل بين أظهرهم كما سيأتي بيانه وتفصيله إن شاء الله وبه الثقة حديث سويد بن صامت الأنصاري وهو سويد بن الصامت (١) بن عطية بن حوط بن حبيب بن عمرو بن عوف بن مالك بن الأوس، وأمه ليلى بنت عمرو النجارية أخت سلمى بنت عمرو أم عبد المطلب بن هاشم. فسويد هذا ابن خالة عبد المطلب جد رسول الله ﷺ قال محمد بن إسحاق بن يسار: وكان رسول الله ﷺ على ذلك من أمره كلما اجتمع الناس بالموسم أتاهم يدعو القبائل إلى الله وإلى الإسلام ويعرض عليهم نفسه وما جاء به من الهدى والرحمة ولا يسمع بقادم يقدم مكة من العرب له اسم وشرف إلا تصدى له ودعاه إلى الله تعالى، وعرض عليه ما عنده. قال ابن إسحاق: حدثني عاصم بن عمر بن قتادة عن أشياخ من قومه. قالوا: قدم سويد بن الصامت أخو بنى عمرو بن عوف مكة حاجا - أو معتمرا - وكان سويد إنما يسميه قومه فيهم الكامل لجلده وشعره وشرفه ونسبه، وهو الّذي يقول: ألا رب من تدعو صديقا ولو ترى … مقالته بالغيب ساءك ما يفرى مقالته كالشهد ما كان شاهدا … وبالغيب مأثور على ثغرة النحر يسرك باديه وتحت أديمه … تميمة غش تبترى عقب الظهر تبين لك العينان ما هو كاتم … من الغل والبغضاء بالنظر الشزر فرشني بخير طالما قد بريتنى … وخير الموالي من يريش ولا يبري قال فتصدى له رسول الله ﷺ حين سمع به فدعاه إلى الله والإسلام، فقال له سويد: فلعل الّذي معك مثل الّذي معى. فقال له رسول الله ﷺ : وما الّذي معك؟ قال مجلة لقمان - يعنى حكمة لقمان - فقال رسول الله ﷺ : أعرضها على، فعرضها عليه فقال «إن هذا الكلام حسن، والّذي معى أفضل من هذا، قرآن أنزله الله عليّ هو هدى ونور» فتلا عليه رسول الله ﷺ القرآن ودعاه إلى الإسلام. فلم يبعد منه وقال: إن هذا القول حسن. ثم انصرف عنه فقدم المدينة على قومه فلم يلبث أن قتله الخزرج. فان كان رجال من قومه ليقولون إنا لنراه قتل وهو مسلم. وكان قتله قبل

стр. 841

بعاث. وقد رواه البيهقي عن الحاكم عن الأصم عن احمد بن عبد الجبار عن يونس بن بكير عن ابن إسحاق بأخصر من هذا. إسلام إياس بن معاذ قال ابن إسحاق: وحدثني الحصين بن عبد الرحمن بن عمرو بن سعد بن معاذ عن محمود بن لبيد. قال: لما قدم أبو الحيسر أنس بن رافع مكة ومعه فتية من بنى عبد الأهل فيهم إياس بن معاذ يلتمسون الحلف من قريش على قومهم من الخزرج، سمع بهم رسول الله ﷺ فأتاهم فجلس اليهم فقال: «هل لكم في خير مما جئتم له؟ قال قالوا وما ذاك؟ قال أنا رسول الله الى العباد أدعوهم الى أن يعبدوا الله ولا يشركوا به شيئا، وأنزل عليّ الكتاب. ثم ذكر لهم الإسلام وتلا عليهم القرآن قال فقال: اياس بن معاذ - وكان غلاما حدثا - يا قوم هذا والله خير مما جئتم له فأخذ أبو الحيسر أنس بن رافع حفنة من تراب البطحاء فضرب بها وجه اياس بن معاذ وقال: دعنا منك فلعمري لقد جئنا لغير هذا. قال فصمت اياس وقام رسول الله ﷺ عنهم وانصرفوا الى المدينة وكانت وقعة بعاث بين الأوس والخزرج. قال ثم لم يلبث اياس بن معاذ أن هلك. قال محمود بن لبيد: فأخبرني من حضرني من قومه أنهم لم يزالوا يسمعونه يهلل الله ويكبره ويحمده ويسبحه حتى مات، فما كانوا يشكون أنه قد مات مسلما، لقد كان استشعر الإسلام في ذلك المجلس حين سمع من رسول الله ﷺ ما سمع. قلت: كان يوم بعاث - وبعاث موضع بالمدينة - كانت فيه وقعة عظيمة قتل فيها خلق من أشراف الأوس والخزرج وكبرائهم، ولم يبق من شيوخهم إلا القليل. وقد روى البخاري في صحيحه عن عبيد بن إسماعيل عن أبى أمامة عن هشام عن أبيه عن عائشة. قالت: كان يوم بعاث يوما قدمه الله لرسوله، قدم رسول الله ﷺ إلى المدينة وقد افترق ملؤهم (١)، وقتل سراتهم. باب بدء إسلام الأنصار ﵃ قال ابن إسحاق: فلما أراد الله إظهار دينه وإعزاز نبيه، وانجاز موعده له، خرج رسول الله ﷺ في الموسم الّذي لقيه فيه النفر من الأنصار فعرض نفسه على قبائل العرب كما كان يصنع في كل موسم، فبينا هو عند العقبة لقي رهطا من الخزرج أراد الله بهم خيرا. فحدثني عاصم بن عمر بن قتادة عن أشياخ من قومه. قالوا: لما لقيهم رسول الله ﷺ قال لهم «من أنتم؟» قالوا نفر من الخزرج قال «أمن موالي يهود؟» قالوا نعم! قال «أفلا تجلسون أكلمكم؟» قالوا بلى. فجلسوا معه فدعاهم

стр. 842

إلى الله وعرض عليهم الإسلام، وتلا عليهم القرآن. قال وكان مما صنع الله بهم في الإسلام أن يهود كانوا معهم في بلادهم، وكانوا أهل كتاب وعلم، وكانوا هم أهل شرك أصحاب أوثان، وكانوا قد غزوهم ببلادهم فكانوا إذا كان بينهم شيء قالوا إن نبيا مبعوث الآن قد أظل زمانه نتبعه، نقتلكم معه قتل عاد وإرم. فلما كلم رسول الله ﷺ أولئك النفر ودعاهم إلى الله. قال بعضهم لبعض: يا قوم تعلمون والله إنه النبي الّذي توعدكم به يهود فلا يسبقنكم اليه، فأجابوه فيما دعاهم اليه بأن صدقوه وقبلوا منه ما عرض عليهم من الإسلام وقالوا له: إنا قد تركنا قومنا ولا قوم بينهم من العداوة والشر ما بينهم، وعسى أن يجمعهم الله بك فسنقدم عليهم فندعوهم إلى أمرك ونعرض عليهم الّذي أجبناك اليه من هذا الدين، فان يجمعهم الله عليك فلا رجل أعز منك. ثم انصرفوا راجعين إلى بلادهم قد آمنوا وصدقوا. قال ابن إسحاق: وهم فيما ذكر لي ستة نفر كلهم من الخزرج، وهم، أبو أمامة أسعد بن زرارة بن عدس بن عبيد بن ثعلبة بن غنم بن مالك بن النجار. قال أبو نعيم: وقد قيل إنه أول من أسلم من الأنصار من الخزرج. ومن الأوس أبو الهيثم بن التيهان. وقيل إن أول من أسلم رافع بن مالك ومعاذ بن عفراء والله أعلم. وعوف بن الحارث بن رفاعة بن سواد بن مالك بن غنم بن مالك بن النجار - وهو ابن عفراء - النجاريان، ورافع بن مالك بن العجلان بن عمرو بن زريق الزرقيّ. وقطبة ابن عامر بن حديدة بن عمرو بن غنم بن سواد بن غنم بن كعب بن سلمة بن سعد بن على بن أسد ابن ساردة (١) بن تزيد بن جشم بن الخزرج السلمي ثم من بنى سواد، وعقبة بن عامر بن نابي بن زيد ابن حرام بن كعب بن سلمة السلمي أيضا، ثم من بنى حرام. وجابر بن عبد الله بن رئاب بن النعمان بن سنان بن عبيد بن عدي بن غنم بن كعب بن سلمة السلمي أيضا، ثم من بنى عبيد ﵃. وهكذا روى عن الشعبي والزهري وغيرهما أنهم كانوا ليلتئذ ستة نفر من الخزرج. وذكر موسى بن عقبة فيما رواه عن الزهري وعروة بن الزبير أن أول اجتماعه ﵇ بهم كانوا ثمانية وهم، معاذ بن عفراء، وأسعد بن زرارة، ورافع بن مالك، وذكوان - وهو ابن عبد قيس - وعبادة بن الصامت، وأبو عبد الرحمن يزيد بن ثعلبة، وأبو الهيثم بن التيهان، وعويم بن ساعدة. فأسلموا وواعدوه الى قابل. فرجعوا إلى قومهم فدعوهم إلى الإسلام، وأرسلوا إلى رسول الله ﷺ معاذ بن عفراء ورافع بن مالك أن ابعث إلينا رجلا يفقهنا. فبعث إليهم مصعب بن عمير فنزل على أسعد بن زرارة وذكر تمام القصة كما سيوردها ابن إسحاق أتم من سياق موسى بن عقبة والله أعلم.

стр. 843

قال ابن إسحاق: فلما قدموا المدينة الى قومهم ذكروا لهم رسول الله ﷺ ودعوهم الى الإسلام حتى فشا فيهم فلم يبق دار من دور الأنصار الا وفيها ذكر رسول الله ﷺ ، حتى إذا كان العام المقبل وافى الموسم من الأنصار اثنى عشر رجلا وهم، أبو أمامة أسعد بن زرارة المتقدم ذكره، وعوف بن الحارث المتقدم، وأخوه معاذ وهما ابنا عفراء، ورافع بن مالك المتقدم أيضا. وذكوان ابن عبد قيس بن خلدة بن مخلد بن عامر بن زريق الزرقيّ. قال ابن هشام: وهو أنصاري مهاجري وعبادة بن الصامت بن قيس بن أصرم بن فهر بن ثعلبة بن غنم بن عوف بن عمرو بن عوف بن الخزرج، وحليفهم أبو عبد الرحمن يزيد بن ثعلبة بن خزيمة بن أصرم الباوى، والعباس بن عبادة ابن نضلة بن مالك بن العلان بن يزيد بن غنم بن سالم بن عوف بن عمرو بن عوف بن الخزرج العجلاني، وعقبة بن عامر بن نابي المتقدم، وقطبة بن عامر بن حديدة المتقدم، فهؤلاء عشرة من الخزرج، ومن الأوس اثنان وهما، عويم بن ساعدة. وأبو الهيثم مالك بن التيهان. قال ابن هشام التيهان يخفف ويثقل كميّت وميت. قال السهيليّ: أبو الهيثم بن التيهان اسمه مالك بن مالك بن عتيك بن عمرو بن عبد الأعلم بن عامر بن زعون بن جشم بن الحارث بن الخزرج بن عمرو بن مالك بن الأوس. قال وقيل إنه أراشى وقيل بلوى. وهذا لم ينسبه ابن إسحاق ولا ابن هشام. قال: والهيثم فرخ العقاب، وضرب من النبات، والمقصود أن هؤلاء الاثني عشر رجلا شهدوا الموسم عامئذ، وعزموا على الاجتماع برسول الله ﷺ فلقوه بالعقبة فبايعوه عندها بيعة النساء وهي العقبة الاولى. وروى أبو نعيم أن رسول الله ﷺ قرأ عليهم من قوله في سورة إبراهيم ﴿وَإِذْ قالَ إِبْراهِيمُ رَبِّ اِجْعَلْ هَذَا الْبَلَدَ آمِناً﴾ الى آخرها. وقال ابن إسحاق: حدثني يزيد بن أبى حبيب عن مرثد بن عبد الله اليزني عن عبد الرحمن ابن عسيلة الصنابحي عن عبادة - وهو ابن الصامت - قال: كنت ممن حضر العقبة الاولى وكنا اثنى عشر رجلا، فبايعنا رسول الله ﷺ على بيعة النساء وذلك قبل أن يفترض الحرب على أن لا نشرك بالله شيئا، ولا نسرق ولا نزني ولا نقتل أولادنا ولا نأتي ببهتان نفتريه بين أيدينا وأرجلنا ولا نعصيه في معروف، فان وفيتم فلكم الجنة، وإن غشيتم من ذلك شيئا فأمركم إلى الله، إن شاء عذب وإن شاء غفر. وقد روى البخاري ومسلم هذا الحديث من طريق الليث بن سعد عن يزيد ابن أبى حبيب به نحوه. قال ابن إسحاق: وذكر ابن شهاب الزهري عن عائذ الله أبى إدريس الخولانيّ أن عبادة بن الصامت حدثه. قال: بايعنا رسول الله ﷺ ليلة العقبة الأولى أن لا نشرك بالله شيئا ولا نسرق ولا نزني ولا نقتل أولادنا ولا نأتي ببهتان نفتريه بين أيدينا وأرجلنا ولا نعصيه في معروف، فان

стр. 844

وفيتم فلكم الجنة، وإن غشيتم من ذلك شيئا فأخذتم بحده في الدنيا فهو كفارة له، وإن سترتم عليه إلى يوم القيامة فأمركم إلى الله إن شاء عذب وإن شاء غفر. وهذا الحديث مخرج في الصحيحين وغيرهما من طرق عن الزهري به نحوه. وقوله على بيعة النساء - يعنى وفق على ما نزلت عليه بيعة النساء بعد ذلك عام الحديبيّة - وكان هذا مما نزل على وفق ما بايع عليه أصحابه ليلة العقبة. وليس هذا عجيب فان القرآن نزل بموافقة عمر بن الخطاب في غير ما موطن كما بيناه في سيرته وفي التفسير، وإن كانت هذه البيعة وقعت عن وحي غير متلو فهو أظهر والله أعلم. قال ابن إسحاق: فلما انصرف عنه القوم بعث رسول الله ﷺ معهم مصعب بن عمير بن هاشم بن عبد مناف بن عبد الدار بن قصي، وأمره أن يقرئهم القرآن، ويعلمهم الإسلام ويفقههم في الدين. وقد روى البيهقي عن ابن إسحاق قال فحدثني عاصم بن عمر بن قتادة أن رسول الله ﷺ إنما بعث مصعبا حين كتبوا اليه أن يبعثه اليهم، وهو الّذي ذكره موسى بن عقبة كما تقدم، إلا أنه جعل المرة الثانية هي الاولى. قال البيهقي: وسياق ابن إسحاق أتم وقال ابن إسحاق: فكان عبد الله بن أبى بكر يقول: لا أدرى ما العقبة الاولى. ثم يقول ابن إسحاق: بلى لعمري قد كانت عقبة وعقبة. قالوا كلهم: فنزل مصعب على أسعد بن زرارة فكان يسمى بالمدينة المقرئ، قال ابن إسحاق: فحدثني عاصم ابن عمر بن قتادة أنه كان يصلى بهم، وذلك أن الأوس والخزرج كره بعضهم أن يؤمه بعض ﵃ أجمعين. قال ابن إسحاق: وحدثني محمد بن أبى أمامة بن سهل بن حنيف عن أبيه عن عبد الرحمن بن كعب بن مالك قال: كنت قائد أبى حين ذهب بصره فكنت إذا خرجت به إلى الجمعة فسمع الأذان بها صلّى على أبى أمامة أسعد بن زرارة. قال فمكث حينا على ذلك لا يسمع لأذان الجمعة إلا صلّى عليه واستغفر له. قال فقلت في نفسي والله إن هذا بى لعجز، ألا أسأله؟ فقلت يا أبت مالك إذا سمعت الأذان للجمعة صليت على أبى أمامة؟ فقال أي بنى كان أول من جمع بنا بالمدينة في هزم النبيت من حرة بنى بياضة في بقيع يقال له بقيع الخضمات (١) قال قلت وكم أنتم يومئذ؟ قال أربعون رجلا. وقد روى هذا الحديث أبو داود وابن ماجة من طريق محمد بن إسحاق ﵀. وقد روى الدارقطنيّ عن ابن عباس أن رسول الله ﷺ كتب إلى مصعب بن عمير يأمره بإقامة الجمعة، وفي اسناده غرابة والله أعلم.

стр. 845

قال ابن إسحاق: وحدثني عبيد الله بن المغيرة بن معيقيب وعبد الله بن أبى بكر بن محمد بن عمرو بن حزم أن أسعد بن زرارة خرج بمصعب بن عمير يريد به دار بنى عبد الأشهل ودار بنى ظفر، وكان سعد بن معاذ ابن خالة أسعد بن زرارة؟ فدخل به حائطا من حوائط بنى ظفر على بئر يقال له بئر مرق فجلسا في الحائط واجتمع اليهما رجال ممن أسلم، وسعد بن معاذ وأسيد بن الحضير يومئذ سيدا قومهما من بنى عبد الأشهل وكلاهما مشرك على دين قومه، فلما سمعا به قال سعد لأسيد لا أبا لك انطلق الى هذين الرجلين اللذين قد أتيا دارينا ليسفها ضعفاءنا فازجرهما، وانههما أن يأتيا دارينا فإنه لولا أسعد بن زرارة منى حيث قد علمت كفيتك ذلك، هو ابن خالتي ولا أجد عليه مقدما. قال فاخذ أسيد بن حضير حربته ثم أقبل اليهما، فلما رآه أسعد بن زرارة قال لمصعب هذا سيد قومه وقد جاءك فاصدق الله فيه، قال مصعب: إن يجلس أكلمه. قال فوقف عليهما متشتما فقال ما جاء بكما إلينا تسفهان ضعفاءنا؟ اعتزلانا إن كانت لكما بأنفسكما حاجة. وقال موسى بن عقبة. فقال له غلام: أتيتنا في دارنا بهذا الوعيد (١) الغريب الطريد ليتسفه ضعفاءنا بالباطل ويدعوهم اليه قال ابن إسحاق: فقال له مصعب: أو تجلس فتسمع فان رضيت أمرا قبلته، وإن كرهته كف عنك ما تكره؟ قال أنصفت، قال ثم ركز حربته وجلس اليهما فكلمه مصعب بالإسلام وقرأ عليه القرآن، فقالا فيما يذكر عنهما: والله لعرفنا في وجهه الإسلام قبل أن يتكلم في اشراقه وتسهله، ثم قال: ما أحسن هذا وأجمله كيف تصنعون إذا أردتم أن تدخلوا في هذا الدين؟ قالا له تغتسل فتطهر وتطهر ثوبيك ثم تشهد شهادة الحق ثم تصلى، فقام فاغتسل وطهر ثوبيه وتشهد شهادة الحق ثم قام فركع ركعتين، ثم قال لهما: إن ورائي رجلا إن اتبعكما لم يتخلف عنه أحد من قومه وسأرسله اليكما الآن، سعد بن معاذ. ثم أخذ حربته وانصرف إلى سعد وقومه وهم جلوس في ناديهم فلما نظر اليه سعد بن معاذ مقبلا. قال: أحلف بالله لقد جاءكم أسيد بغير الوجه الّذي ذهب به من عندكم، فلما وقف على النادي قال له سعد ما فعلت؟ قال كلمت الرجلين فو الله ما رأيت بهما بأسا. وقد نهيتهما فقالا نفعل ما أحببت، وقد حدثت أن بنى حارثة خرجوا إلى أسعد بن زرارة ليقتلوه وذلك أنهم عرفوا أنه ابن خالتك ليحقروك، قال فقام سعد بن معاذ مغضبا مبادرا مخوفا للذي ذكر له من بنى حارثة وأخذ الحربة في يده ثم قال: والله ما أراك أغنيت شيئا، ثم خرج اليهما سعد فلما رآهما مطمئنين عرف أن أسيدا إنما أراد أن يسمع منهما، فوقف متشتما ثم قال لا سعد بن زرارة: والله يا أبا أمامة والله لولا ما بيني وبينك من القرابة ما رمت هذا منى، أتغشانا في دارنا بما نكره؟ قال وقد قال أسعد لمصعب: جاءك والله سيد من ورائه قومه، إن يتبعك لا يتخلف عنك منهم اثنان. قال فقال
следующие страницы →