بعاث. وقد رواه البيهقي عن الحاكم عن الأصم عن احمد بن عبد الجبار عن يونس بن بكير عن ابن إسحاق بأخصر من هذا.
إسلام إياس بن معاذ
قال ابن إسحاق: وحدثني الحصين بن عبد الرحمن بن عمرو بن سعد بن معاذ عن محمود بن لبيد. قال: لما قدم أبو الحيسر أنس بن رافع مكة ومعه فتية من بنى عبد الأهل فيهم إياس بن معاذ يلتمسون الحلف من قريش على قومهم من الخزرج، سمع بهم رسول الله ﷺ فأتاهم فجلس اليهم فقال: «هل لكم في خير مما جئتم له؟ قال قالوا وما ذاك؟ قال أنا رسول الله الى العباد أدعوهم الى أن يعبدوا الله ولا يشركوا به شيئا، وأنزل عليّ الكتاب. ثم ذكر لهم الإسلام وتلا عليهم القرآن قال فقال: اياس بن معاذ - وكان غلاما حدثا - يا قوم هذا والله خير مما جئتم له فأخذ أبو الحيسر أنس بن رافع حفنة من تراب البطحاء فضرب بها وجه اياس بن معاذ وقال: دعنا منك فلعمري لقد جئنا لغير هذا. قال فصمت اياس وقام رسول الله ﷺ عنهم وانصرفوا الى المدينة وكانت وقعة بعاث بين الأوس والخزرج. قال ثم لم يلبث اياس بن معاذ أن هلك. قال محمود بن لبيد: فأخبرني من حضرني من قومه أنهم لم يزالوا يسمعونه يهلل الله ويكبره ويحمده ويسبحه حتى مات، فما كانوا يشكون أنه قد مات مسلما، لقد كان استشعر الإسلام في ذلك المجلس حين سمع من رسول الله ﷺ ما سمع.
قلت: كان يوم بعاث - وبعاث موضع بالمدينة - كانت فيه وقعة عظيمة قتل فيها خلق من أشراف الأوس والخزرج وكبرائهم، ولم يبق من شيوخهم إلا القليل. وقد روى البخاري في صحيحه عن عبيد بن إسماعيل عن أبى أمامة عن هشام عن أبيه عن عائشة. قالت: كان يوم بعاث يوما قدمه الله لرسوله، قدم رسول الله ﷺ إلى المدينة وقد افترق ملؤهم (١)، وقتل سراتهم.
باب بدء إسلام الأنصار ﵃
قال ابن إسحاق: فلما أراد الله إظهار دينه وإعزاز نبيه، وانجاز موعده له، خرج رسول الله ﷺ في الموسم الّذي لقيه فيه النفر من الأنصار فعرض نفسه على قبائل العرب كما كان يصنع في كل موسم، فبينا هو عند العقبة لقي رهطا من الخزرج أراد الله بهم خيرا.
فحدثني عاصم بن عمر بن قتادة عن أشياخ من قومه. قالوا: لما لقيهم رسول الله ﷺ قال لهم «من أنتم؟» قالوا نفر من الخزرج قال «أمن موالي يهود؟» قالوا نعم! قال «أفلا تجلسون أكلمكم؟» قالوا بلى. فجلسوا معه فدعاهم
стр. 842
إلى الله وعرض عليهم الإسلام، وتلا عليهم القرآن. قال وكان مما صنع الله بهم في الإسلام أن يهود كانوا معهم في بلادهم، وكانوا أهل كتاب وعلم، وكانوا هم أهل شرك أصحاب أوثان، وكانوا قد غزوهم ببلادهم فكانوا إذا كان بينهم شيء قالوا إن نبيا مبعوث الآن قد أظل زمانه نتبعه، نقتلكم معه قتل عاد وإرم. فلما كلم رسول الله ﷺ أولئك النفر ودعاهم إلى الله. قال بعضهم لبعض:
يا قوم تعلمون والله إنه النبي الّذي توعدكم به يهود فلا يسبقنكم اليه، فأجابوه فيما دعاهم اليه بأن صدقوه وقبلوا منه ما عرض عليهم من الإسلام وقالوا له: إنا قد تركنا قومنا ولا قوم بينهم من العداوة والشر ما بينهم، وعسى أن يجمعهم الله بك فسنقدم عليهم فندعوهم إلى أمرك ونعرض عليهم الّذي أجبناك اليه من هذا الدين، فان يجمعهم الله عليك فلا رجل أعز منك. ثم انصرفوا راجعين إلى بلادهم قد آمنوا وصدقوا.
قال ابن إسحاق: وهم فيما ذكر لي ستة نفر كلهم من الخزرج، وهم، أبو أمامة أسعد بن زرارة بن عدس بن عبيد بن ثعلبة بن غنم بن مالك بن النجار. قال أبو نعيم: وقد قيل إنه أول من أسلم من الأنصار من الخزرج. ومن الأوس أبو الهيثم بن التيهان. وقيل إن أول من أسلم رافع بن مالك ومعاذ بن عفراء والله أعلم. وعوف بن الحارث بن رفاعة بن سواد بن مالك بن غنم بن مالك بن النجار - وهو ابن عفراء - النجاريان، ورافع بن مالك بن العجلان بن عمرو بن زريق الزرقيّ. وقطبة ابن عامر بن حديدة بن عمرو بن غنم بن سواد بن غنم بن كعب بن سلمة بن سعد بن على بن أسد ابن ساردة (١) بن تزيد بن جشم بن الخزرج السلمي ثم من بنى سواد، وعقبة بن عامر بن نابي بن زيد ابن حرام بن كعب بن سلمة السلمي أيضا، ثم من بنى حرام. وجابر بن عبد الله بن رئاب بن النعمان بن سنان بن عبيد بن عدي بن غنم بن كعب بن سلمة السلمي أيضا، ثم من بنى عبيد ﵃. وهكذا روى عن الشعبي والزهري وغيرهما أنهم كانوا ليلتئذ ستة نفر من الخزرج.
وذكر موسى بن عقبة فيما رواه عن الزهري وعروة بن الزبير أن أول اجتماعه ﵇ بهم كانوا ثمانية وهم، معاذ بن عفراء، وأسعد بن زرارة، ورافع بن مالك، وذكوان - وهو ابن عبد قيس - وعبادة بن الصامت، وأبو عبد الرحمن يزيد بن ثعلبة، وأبو الهيثم بن التيهان، وعويم بن ساعدة. فأسلموا وواعدوه الى قابل. فرجعوا إلى قومهم فدعوهم إلى الإسلام، وأرسلوا إلى رسول الله ﷺ معاذ بن عفراء ورافع بن مالك أن ابعث إلينا رجلا يفقهنا. فبعث إليهم مصعب بن عمير فنزل على أسعد بن زرارة وذكر تمام القصة كما سيوردها ابن إسحاق أتم من سياق موسى بن عقبة والله أعلم.
стр. 843
قال ابن إسحاق: فلما قدموا المدينة الى قومهم ذكروا لهم رسول الله ﷺ ودعوهم الى الإسلام حتى فشا فيهم فلم يبق دار من دور الأنصار الا وفيها ذكر رسول الله ﷺ ، حتى إذا كان العام المقبل وافى الموسم من الأنصار اثنى عشر رجلا وهم، أبو أمامة أسعد بن زرارة المتقدم ذكره، وعوف بن الحارث المتقدم، وأخوه معاذ وهما ابنا عفراء، ورافع بن مالك المتقدم أيضا. وذكوان ابن عبد قيس بن خلدة بن مخلد بن عامر بن زريق الزرقيّ. قال ابن هشام: وهو أنصاري مهاجري وعبادة بن الصامت بن قيس بن أصرم بن فهر بن ثعلبة بن غنم بن عوف بن عمرو بن عوف بن الخزرج، وحليفهم أبو عبد الرحمن يزيد بن ثعلبة بن خزيمة بن أصرم الباوى، والعباس بن عبادة ابن نضلة بن مالك بن العلان بن يزيد بن غنم بن سالم بن عوف بن عمرو بن عوف بن الخزرج العجلاني، وعقبة بن عامر بن نابي المتقدم، وقطبة بن عامر بن حديدة المتقدم، فهؤلاء عشرة من الخزرج، ومن الأوس اثنان وهما، عويم بن ساعدة. وأبو الهيثم مالك بن التيهان. قال ابن هشام التيهان يخفف ويثقل كميّت وميت.
قال السهيليّ: أبو الهيثم بن التيهان اسمه مالك بن مالك بن عتيك بن عمرو بن عبد الأعلم بن عامر بن زعون بن جشم بن الحارث بن الخزرج بن عمرو بن مالك بن الأوس. قال وقيل إنه أراشى وقيل بلوى. وهذا لم ينسبه ابن إسحاق ولا ابن هشام. قال: والهيثم فرخ العقاب، وضرب من النبات، والمقصود أن هؤلاء الاثني عشر رجلا شهدوا الموسم عامئذ، وعزموا على الاجتماع برسول الله ﷺ فلقوه بالعقبة فبايعوه عندها بيعة النساء وهي العقبة الاولى.
وروى أبو نعيم أن رسول الله ﷺ قرأ عليهم من قوله في سورة إبراهيم ﴿وَإِذْ قالَ إِبْراهِيمُ رَبِّ اِجْعَلْ هَذَا الْبَلَدَ آمِناً﴾ الى آخرها. وقال ابن إسحاق: حدثني يزيد بن أبى حبيب عن مرثد بن عبد الله اليزني عن عبد الرحمن ابن عسيلة الصنابحي عن عبادة - وهو ابن الصامت - قال: كنت ممن حضر العقبة الاولى وكنا اثنى عشر رجلا، فبايعنا رسول الله ﷺ على بيعة النساء وذلك قبل أن يفترض الحرب على أن لا نشرك بالله شيئا، ولا نسرق ولا نزني ولا نقتل أولادنا ولا نأتي ببهتان نفتريه بين أيدينا وأرجلنا ولا نعصيه في معروف، فان وفيتم فلكم الجنة، وإن غشيتم من ذلك شيئا فأمركم إلى الله، إن شاء عذب وإن شاء غفر. وقد روى البخاري ومسلم هذا الحديث من طريق الليث بن سعد عن يزيد ابن أبى حبيب به نحوه.
قال ابن إسحاق: وذكر ابن شهاب الزهري عن عائذ الله أبى إدريس الخولانيّ أن عبادة بن الصامت حدثه. قال: بايعنا رسول الله ﷺ ليلة العقبة الأولى أن لا نشرك بالله شيئا ولا نسرق ولا نزني ولا نقتل أولادنا ولا نأتي ببهتان نفتريه بين أيدينا وأرجلنا ولا نعصيه في معروف، فان
стр. 844
وفيتم فلكم الجنة، وإن غشيتم من ذلك شيئا فأخذتم بحده في الدنيا فهو كفارة له، وإن سترتم عليه إلى يوم القيامة فأمركم إلى الله إن شاء عذب وإن شاء غفر. وهذا الحديث مخرج في الصحيحين وغيرهما من طرق عن الزهري به نحوه. وقوله على بيعة النساء - يعنى وفق على ما نزلت عليه بيعة النساء بعد ذلك عام الحديبيّة - وكان هذا مما نزل على وفق ما بايع عليه أصحابه ليلة العقبة. وليس هذا عجيب فان القرآن نزل بموافقة عمر بن الخطاب في غير ما موطن كما بيناه في سيرته وفي التفسير، وإن كانت هذه البيعة وقعت عن وحي غير متلو فهو أظهر والله أعلم.
قال ابن إسحاق: فلما انصرف عنه القوم بعث رسول الله ﷺ معهم مصعب بن عمير بن هاشم بن عبد مناف بن عبد الدار بن قصي، وأمره أن يقرئهم القرآن، ويعلمهم الإسلام ويفقههم في الدين. وقد روى البيهقي عن ابن إسحاق قال فحدثني عاصم بن عمر بن قتادة أن رسول الله ﷺ إنما بعث مصعبا حين كتبوا اليه أن يبعثه اليهم، وهو الّذي ذكره موسى بن عقبة كما تقدم، إلا أنه جعل المرة الثانية هي الاولى.
قال البيهقي: وسياق ابن إسحاق أتم وقال ابن إسحاق: فكان عبد الله بن أبى بكر يقول:
لا أدرى ما العقبة الاولى. ثم يقول ابن إسحاق: بلى لعمري قد كانت عقبة وعقبة. قالوا كلهم:
فنزل مصعب على أسعد بن زرارة فكان يسمى بالمدينة المقرئ، قال ابن إسحاق: فحدثني عاصم ابن عمر بن قتادة أنه كان يصلى بهم، وذلك أن الأوس والخزرج كره بعضهم أن يؤمه بعض ﵃ أجمعين.
قال ابن إسحاق: وحدثني محمد بن أبى أمامة بن سهل بن حنيف عن أبيه عن عبد الرحمن بن كعب بن مالك قال: كنت قائد أبى حين ذهب بصره فكنت إذا خرجت به إلى الجمعة فسمع الأذان بها صلّى على أبى أمامة أسعد بن زرارة. قال فمكث حينا على ذلك لا يسمع لأذان الجمعة إلا صلّى عليه واستغفر له. قال فقلت في نفسي والله إن هذا بى لعجز، ألا أسأله؟ فقلت يا أبت مالك إذا سمعت الأذان للجمعة صليت على أبى أمامة؟ فقال أي بنى كان أول من جمع بنا بالمدينة في هزم النبيت من حرة بنى بياضة في بقيع يقال له بقيع الخضمات (١) قال قلت وكم أنتم يومئذ؟ قال أربعون رجلا. وقد روى هذا الحديث أبو داود وابن ماجة من طريق محمد بن إسحاق ﵀. وقد روى الدارقطنيّ عن ابن عباس أن رسول الله ﷺ كتب إلى مصعب بن عمير يأمره بإقامة الجمعة، وفي اسناده غرابة والله أعلم.
стр. 845
قال ابن إسحاق: وحدثني عبيد الله بن المغيرة بن معيقيب وعبد الله بن أبى بكر بن محمد بن عمرو بن حزم أن أسعد بن زرارة خرج بمصعب بن عمير يريد به دار بنى عبد الأشهل ودار بنى ظفر، وكان سعد بن معاذ ابن خالة أسعد بن زرارة؟ فدخل به حائطا من حوائط بنى ظفر على بئر يقال له بئر مرق فجلسا في الحائط واجتمع اليهما رجال ممن أسلم، وسعد بن معاذ وأسيد بن الحضير يومئذ سيدا قومهما من بنى عبد الأشهل وكلاهما مشرك على دين قومه، فلما سمعا به قال سعد لأسيد لا أبا لك انطلق الى هذين الرجلين اللذين قد أتيا دارينا ليسفها ضعفاءنا فازجرهما، وانههما أن يأتيا دارينا فإنه لولا أسعد بن زرارة منى حيث قد علمت كفيتك ذلك، هو ابن خالتي ولا أجد عليه مقدما. قال فاخذ أسيد بن حضير حربته ثم أقبل اليهما، فلما رآه أسعد بن زرارة قال لمصعب هذا سيد قومه وقد جاءك فاصدق الله فيه، قال مصعب: إن يجلس أكلمه. قال فوقف عليهما متشتما فقال ما جاء بكما إلينا تسفهان ضعفاءنا؟ اعتزلانا إن كانت لكما بأنفسكما حاجة. وقال موسى بن عقبة.
فقال له غلام: أتيتنا في دارنا بهذا الوعيد (١) الغريب الطريد ليتسفه ضعفاءنا بالباطل ويدعوهم اليه قال ابن إسحاق: فقال له مصعب: أو تجلس فتسمع فان رضيت أمرا قبلته، وإن كرهته كف عنك ما تكره؟ قال أنصفت، قال ثم ركز حربته وجلس اليهما فكلمه مصعب بالإسلام وقرأ عليه القرآن، فقالا فيما يذكر عنهما: والله لعرفنا في وجهه الإسلام قبل أن يتكلم في اشراقه وتسهله، ثم قال: ما أحسن هذا وأجمله كيف تصنعون إذا أردتم أن تدخلوا في هذا الدين؟ قالا له تغتسل فتطهر وتطهر ثوبيك ثم تشهد شهادة الحق ثم تصلى، فقام فاغتسل وطهر ثوبيه وتشهد شهادة الحق ثم قام فركع ركعتين، ثم قال لهما: إن ورائي رجلا إن اتبعكما لم يتخلف عنه أحد من قومه وسأرسله اليكما الآن، سعد بن معاذ. ثم أخذ حربته وانصرف إلى سعد وقومه وهم جلوس في ناديهم فلما نظر اليه سعد بن معاذ مقبلا. قال: أحلف بالله لقد جاءكم أسيد بغير الوجه الّذي ذهب به من عندكم، فلما وقف على النادي قال له سعد ما فعلت؟ قال كلمت الرجلين فو الله ما رأيت بهما بأسا. وقد نهيتهما فقالا نفعل ما أحببت، وقد حدثت أن بنى حارثة خرجوا إلى أسعد بن زرارة ليقتلوه وذلك أنهم عرفوا أنه ابن خالتك ليحقروك، قال فقام سعد بن معاذ مغضبا مبادرا مخوفا للذي ذكر له من بنى حارثة وأخذ الحربة في يده ثم قال: والله ما أراك أغنيت شيئا، ثم خرج اليهما سعد فلما رآهما مطمئنين عرف أن أسيدا إنما أراد أن يسمع منهما، فوقف متشتما ثم قال لا سعد بن زرارة: والله يا أبا أمامة والله لولا ما بيني وبينك من القرابة ما رمت هذا منى، أتغشانا في دارنا بما نكره؟ قال وقد قال أسعد لمصعب: جاءك والله سيد من ورائه قومه، إن يتبعك لا يتخلف عنك منهم اثنان. قال فقال
стр. 846
له مصعب: أو تقعد فتسمع فان رضيت أمرا رغبت فيه قبلته وإن كرهته عزلنا عنك ما تكره؟ قال سعد: أنصفت، ثم ركز الحربة وجلس فعرض عليه الإسلام وقرأ عليه القرآن. وذكر موسى بن عقبة أنه قرأ عليه أول الزخرف. قال فعرفنا والله في وجهه الإسلام قبل أن يتكلم في اشراقه وتسهله ثم قال لهما: كيف تصنعون إذا أنتم أسلمتم ودخلتم في هذا الدين؟ قالا تغتسل فتطهر وتطهر ثوبيك ثم تشهد شهادة الحق، ثم تصلى ركعتين. قال فقام فاغتسل وطهر ثوبيه وشهد شهادة الحق، ثم ركع ركعتين، ثم أخذ حربته فاقبل عائدا إلى نادى قومه ومعه أسيد بن الحضير، فلما رآه قومه مقبلا قالوا: نحلف بالله لقد رجع إليكم سعد بغير الوجه الّذي ذهب به من عندكم، فلما وقف عليهم قال:
يا بنى عبد الأشهل كيف تعلمون أمرى فيكم؟ قالوا سيدنا وأفضلنا رأيا وأيمننا نقيبة، قال فان كلام رجالكم ونسائكم على حرام حتى تؤمنوا بالله ورسوله، قال فو الله ما أمسى في دار بنى عبد الأشهل رجل ولا امرأة إلا مسلما أو مسلمة، ورجع سعد ومصعب إلى منزل أسعد بن زرارة فأقاما عنده يدعوان الناس إلى الإسلام حتى لم تبق دار من دور الأنصار إلا وفيها رجال ونساء مسلمون، إلا ما كان من دار بنى أمية بن زيد، وخطمة، ووائل، وواقف، وتلك أوس وهم من الأوس بن حارثة وذلك أنهم كان فيهم أبو قيس بن الاسلت واسمه صيفي. وقال الزبير بن بكار: اسمه الحارث، وقيل عبيد الله واسم أبيه الاسلت عامر بن جشم بن وائل بن زيد بن قيس بن عامر بن مرة بن مالك بن الأوس.
وكذا نسبه الكلبي أيضا. وكان شاعرا لهم قائدا يستمعون منه ويطيعونه، فوقف بهم عن الإسلام حتى كان بعد الخندق.
قلت: وأبو قيس بن الاسلت هذا ذكر له ابن إسحاق أشعارا بائية حسنة تقرب من أشعار أمية بن الصلت الثقفي.
قال ابن إسحاق فيما تقدم: ولما انتشر أمر رسول الله ﷺ في العرب وبلغ البلدان ذكر بالمدينة ولم يكن حي من العرب أعلم بأمر رسول الله ﷺ حين ذكر، وقبل أن يذكر من هذا الحي من الأوس والخزرج، وذلك لما كان يسمعون من أحبار يهود. فلما وقع أمره بالمدينة وتحدثوا بما بين قريش فيه من الاختلاف قال أبو قيس بن الاسلت أخو بنى واقف. قال السهيليّ: هو أبو قيس صرمة بن أبى أنس واسم أبى أنس قيس بن صرمة بن مالك بن عدي بن عمرو بن غنم بن عدي ابن النجار، قال وهو الّذي أنزل فيه وفي عمر ﴿أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيامِ الرَّفَثُ إِلى نِسائِكُمْ﴾ الآية.
قال ابن إسحاق: وكان يحب قريشا، وكان لهم صهرا. كانت تحته أرنب بنت أسد بن عبد العزى ابن قصي وكان يقيم عندهم السنين بامرأته. قال قصيدة يعظم فيها الحرمة وينهى قريشا فيها عن الحرب ويذكر فضلهم وأحلامهم ويذكرهم بلاء الله عندهم ودفعه عنهم الفيل وكيده ويأمرهم بالكف
стр. 847
عن رسول الله ﷺ :
أيا راكبا إما عرضت فبلغن … مغلغلة عنى لؤيّ بن غالب
رسول امرئ قد راعه ذات بينكم … على النأى محزون بذلك ناصب
وقد كان عندي للهموم معرس … ولم اقض منها حاجتي ومآربى
نبيتكم شرجين كل قبيلة … لها أزمل من بين مذك وحاطب (١)
أعيذكم بالله من شر صنعكم … وشر تباغيكم ودس العقارب
وإظهار أخلاق ونجوى سقيمة … كوخز الاشافى وقعها حق صائب
فذكرهم بالله أول وهلة … وإحلال إحرام الظباء الشوازب
وقل لهم والله يحكم حكمه … ذروا الحرب تذهب عنكم في المراحب
متى تبعثوها تبعثوها دميمة … هي الغول للأقصين أو للاقارب
تقطع أرحاما وتهلك أمة … وتبرى السديف من سنام وغارب
وتستبدلوا بالأتحمية بعدها … شليلا وأصداء ثياب المحارب
وبالمسك والكافور غبرا سوابغا … كأن قتيريها عيون الجنادب
فإياكم والحرب لا تعلقنكم … وحوضا وخيم الماء مر المشارب
تزين للأقوام ثم يرونها … بعاقبة إذ بيتت أم صاحب
تحرق لا تشوى ضعيفا وتنتحى … ذوى العز منكم بالحتوف الصوائب
ألم تعلموا ما كان في حرب داحس … فتعتبروا أو كان في حرب حاطب
وكم ذا أصابت من شريف مسوّد … طويل العماد ضيفه غير خائب
عظيم رماد النار يحمد أمره … وذي شيمة محض كريم المضارب
وماء هريق في الضلال كأنما … أذاعت به ريح الصبا والجنائب
يخبركم عنها امرؤ حق عالم … بأيامها والعلم علم التجارب
فبيعوا الحراب ملمحارب واذكروا … حسابكم والله خير محاسب
ولىّ امرئ فاختار دينا فلا يكن … عليكم رقيب غير رب الثواقب
أقيموا لنادينا حنيفا فانتموا … لنا غاية قد يهتدى بالذوائب
وأنتم لهذا الناس نور وعصمة … تؤمون والأحلام غير عوازب
стр. 848
وأنتم إذا ما حصّل الناس جوهر … لكم سرة البطحاء شم الأرانب
تصونون أنسابا (١) كراما عتيقة … مهذبة الأنساب غير أشائب
يرى طالب الحاجات نحو بيوتكم … عصائب هلكى تهتدى بعصائب
لقد علم الأقوام أن سراتكم … على كل حال خير أهل الجباجب (٢)
وأفضله رأيا وأعلاه سنة … وأقوله للحق وسط المواكب
فقوموا فصلوا ربكم وتمسحوا … بأركان هذا البيت بين الاخاشب
فعندكم منه بلاء ومصدق … غداة أبى يكسوم هادي الكتائب
كتيبته بالسهل تمشى ورجله … على القاذفات في رءوس المناقب
فلما أتاكم نصر ذي العرش ردهم … جنود المليك بين ساف وحاصب
فولوا سراعا هاربين ولم يؤب … إلى أهله ملحبش غير عصائب
فان تهلكوا نهلك وتهلك مواسم … يعاش بها قول امرئ غير كاذب
وحرب داحس الّذي ذكرها أبو قيس في شعره كانت في زمن الجاهلية مشهورة، وكان سببها فيما ذكره أبو عبيد معمر بن المثنى وغيره: أن فرسا يقال له داحس كانت لقيس بن زهير بن جذيمة ابن رواحة الغطفانيّ، أجراه مع فرس لحذيفة بن بدر بن عمرو بن جؤبة الغطفانيّ أيضا يقال لها الغبراء، فجاءت داحس سابقا فامر حذيفة من ضرب وجهه فوثب مالك بن زهير فلطم وجه الغبراء، فقام حمل بن بدر فلطم مالكا، ثم إن أبا جنيدب العبسيّ لقي عوف بن حذيفة فقتله، ثم لقي رجل من بنى فزارة مالكا فقتله، فشبت الحرب بين بنى عبس وفزارة فقتل حذيفة بن بدر وأخوه حمل ابن بدر وجماعات آخرون، وقالوا في ذلك أشعارا كثيرة يطول بسطها وذكرها.
قال ابن هشام: وأرسل قيس داحسا والغبراء وأرسل حذيفة الخطار والحنفاء، والأول أصح.
قال وأما حرب حاطب بن الحارث بن قيس بن هيشة بن الحارث بن أمية بن معاوية بن مالك بن عوف بن عمرو بن عوف بن مالك بن الأوس. كان قتل يهوديا جارا للخزرج، فخرج اليه زيد بن الحارث بن قيس بن مالك بن أحمر بن حارثة بن ثعلبة بن كعب بن مالك بن كعب بن الخزرج ابن الحارث بن الخزرج وهو الّذي يقال له ابن قسحم في نفر من بنى الحارث بن الخزرج فقتلوه فوقعت الحرب بين الأوس والخزرج فاقتتلوا قتالا شديدا وكان الظفر للخزرج، وقتل يومئذ الأسود بن الصامت الأوسي (٣) قتله المجذر بن ذياد حليف بنى عوف بن الخزرج، ثم كانت بينهم حروب
стр. 849
يطول ذكرها أيضا. والمقصود أن أبا قيس بن الاسلت مع علمه وفهمه لم ينتفع بذلك حين قدم مصعب بن عمير المدينة ودعا أهلها إلى الإسلام، فأسلم من أهلها بشر كثير ولم يبق دار - أي محلة - من دور المدينة إلا وفيها مسلم ومسلمات غير دار بنى واقف قبيلة أبى قيس ثبطهم عن الإسلام وهو القائل أيضا:
أرب الناس أشياء ألمت … يلف الصعب منها بالذلول
أرب الناس إمّا أن ضللنا … فيسرنا لمعروف السبيل
فلولا ربنا كنا يهودا … وما دين اليهود بذي شكول
ولولا ربنا كنا نصارى … مع الرهبان في جبل الجليل
ولكنا خلقنا إذ خلقنا … حنيفا ديننا عن كل جيل
نسوق الهدى ترسف مذعنات … مكشفة المناكب في الجلول
وحاصل ما يقول أنه حائر فيما وقع من الأمر الّذي قد سمعه من بعثة رسول الله ﷺ فتوقف الواقفي في ذلك مع علمه ومعرفته. وكان الّذي ثبطه عن الإسلام أولا عبد الله بن أبى بن سلول بعد ما أخبره أبو قيس أنه الّذي بشر يهود فمنعه عن الإسلام.
قال ابن إسحاق: ولم يسلم إلى يوم الفتح هو وأخوه وخرج، وأنكر الزبير بن بكار أن يكون أبو قيس أسلم. وكذا الواقدي. قال: كان عزم على الإسلام أول ما دعاه رسول الله ﷺ ، فلامه عبد الله بن أبى فحلف لا يسلم إلى حول فمات في ذي القعدة. وقد ذكر غيره فيما حكاه ابن الأثير في كتابه [أسد] الغابة، أنه لما حضره الموت دعاه النبي ﷺ إلى الإسلام فسمع يقول: لا إله إلا الله.
وقال الامام احمد حدثنا حسن بن موسى حدثنا حماد بن سلمة عن ثابت عن أنس بن مالك أن رسول الله ﷺ عاد رجلا من الأنصار، فقال «يا خال قل لا إله إلا الله» فقال: أخال أم عم؟ قال بل خال قال: فخير لي أن أقول لا إله إلا الله؟ فقال رسول الله ﷺ نعم! تفرد به احمد ﵀ وذكر عكرمة وغيره أنه لما توفى أراد ابنه أن يتزوج امرأته كبيشة بنت معن بن عاصم، فسألت رسول الله ﷺ في ذلك فانزل الله ﴿وَلا تَنْكِحُوا ما نَكَحَ آباؤُكُمْ مِنَ النِّساءِ﴾ الآية.
وقال ابن إسحاق وسعيد بن يحيى الأموي في مغازيه: كان أبو قيس هذا قد ترهب في الجاهلية ولبس المسوح، وفارق الأوثان، واغتسل من الجنابة، وتطهر من الحائض من النساء، وهمّ بالنصرانية ثم أمسك عنها ودخل بيتا له فاتخذه مسجدا لا يدخل عليه فيه حائض ولا جنب. وقال:
أعبد إله إبراهيم حين فارق الأوثان وكرهها، حتى قدم رسول الله ﷺ فأسلم فحسن إسلامه، وكان شيخا كبيرا وكان قوالا بالحق معظما لله في جاهليته يقول في ذلك أشعارا حسانا وهو الّذي يقول:
стр. 850
يقول أبو قيس وأصبح عاديا … ألا ما استطعتم من وصاتى فافعلوا
فأوصيكم بالله والبر والتقى … وأعراضكم والبر بالله أول
وإن قومكم سادوا فلا تحسدنهم … وإن كنتم أهل الرئاسة فاعدلوا
وإن نزلت إحدى الدواهي بقومكم … فأنفسكم دون العشيرة فاجعلوا
وإن ناب غرم فادح فارفقوهم … وما حملوكم في الملمات فاحملوا
وإن أنتم أمعزتم فتعففوا … وإن كان فضل الخير فيكم فافضلوا
وقال أبو قيس أيضا:
سبحوا الله شرق كل صباح … طلعت شمسه وكل هلال
عالم السر والبيان جميعا … ليس ما قال ربنا بضلال
وله الطير تستزيد وتأوى … في وكور من آمنات الجبال
وله الوحش بالفلاة تراها … في حقاف وفي ظلال الرمال
وله هوّدت يهود ودانت … كل دين مخافة من عضال
وله شمس النصارى وقاموا … كل عيد لربهم واحتفال
وله الراهب الحبيس تراه … رهن بؤس وكان أنعم بال
يا بنىّ الأرحام لا تقطعوها … وصلوها قصيرة من طوال
واتقوا الله في ضعاف اليتامى … وبما يستحل غير الحلال
واعلموا أن لليتيم وليا … عالما يهتدى بغير سؤال
ثم مال اليتيم لا تأكلوه … إن مال اليتيم يرعاه والى
يا بنى التخوم لا تجزلوها … إن جزل التخوم ذو عقال
يا بنىّ الأيام لا تأمنوها … واحذروا مكرها ومر الليالي
واعلموا أن أمرها لنفاد … الخلق ما كان من جديد وبالي
وأجمعوا أمركم على البر والتقوى … ترك الخنا وأخذ الحلال
قال ابن إسحاق: وقال أبو قيس صرمة أيضا يذكر ما أكرمهم الله به من الإسلام، وما خصهم به من نزول رسول الله ﷺ عندهم.
ثوى في قريش بضع عشرة حجة … يذكر لو يلقى صديقا مواتيا
وسيأتي ذكرها بتمامها فيما بعد إن شاء الله وبه الثقة.
стр. 851
قصة بيعة العقبة الثانية
قال ابن إسحاق: ثم إن مصعب بن عمير رجع إلى مكة، وخرج من خرج من الأنصار من المسلمين مع حجاج قومهم من أهل الشرك حتى قدموا مكة فواعدوا رسول الله ﷺ العقبة من أواسط أيام التشريق حين أراد الله بهم من كرامته والنصر لنبيه وإعزاز الإسلام وأهله.
فحدثني معبد بن كعب بن مالك أن أخاه عبد الله بن كعب - وكان من أعلم الأنصار - حدثه أن أباه كعبا حدثه - وكان ممن شهد العقبة وبايع رسول الله ﷺ بها -. قال: خرجنا في حجاج قومنا من المشركين وقد صلينا وفقهنا ومعنا البراء بن معرور سيدنا وكبيرنا، فلما وجهنا لسفرنا وخرجنا من المدينة قال البراء: يا هؤلاء إني قد رأيت رأيا والله ما أدرى أتوافقوننى عليه أم لا؟ قلنا وما ذاك؟ قال قد رأيت أن لا أدع هذه البنية منى بظهر - يعنى الكعبة - وأن أصلى اليها قال فقلنا والله ما بلغنا أن نبينا ﷺ يصلى إلا إلى الشام وما نريد أن نخالفه. فقال: إني لمصل اليها، قال فقلنا له لكنا لا نفعل. قال فكنا إذا حضرت الصلاة صلينا إلى الشام وصلّى هو إلى الكعبة حتى قدمنا مكة، قال لي يا ابن أخى انطلق بنا إلى رسول الله ﷺ حتى أسأله عما صنعت في سفري هذا فإنه قد وقع في نفسي منه شيء. لما رأيت من خلافكم إياي فيه. قال فخرجنا نسأل عن رسول الله ﷺ وكنا لا نعرفه ولم نره قبل ذلك - فلقينا رجلا من أهل مكة فسألناه عن رسول الله ﷺ قال هل تعرفانه؟ فقلنا لا، فقال هل تعرفان العباس بن عبد المطلب عمه؟ قال قلنا نعم! وقد كنا نعرف العباس كان لا يزال يقدم علينا تاجرا، قال فإذا دخلتما المسجد فهو الرجل الجالس مع العباس قال فدخلنا المسجد وإذا العباس جالس ورسول الله ﷺ جالس معه، فسلمنا ثم جلسنا اليه فقال رسول الله ﷺ للعباس: «هل تعرف هذين الرجلين يا أبا الفضل؟» قال نعم، هذا البراء بن معرور سيد قومه وهذا كعب بن مالك قال فو الله ما أنسى قول رسول الله ﷺ الشاعر؟ قال نعم! فقال له البراء بن معرور: يا نبي الله إني خرجت في سفري هذا قد هداني الله تعالى للإسلام، فرأيت أن لا أجعل هذه البنية منى بظهر فصليت اليها وقد خالفني أصحابى في ذلك حتى وقع في نفسي من ذلك شيء فماذا ترى؟ قال: «قد كنت على قبلة لو صبرت عليها» قال فرجع البراء إلى قبلة رسول الله ﷺ فصلى معنا إلى الشام، قال وأهله يزعمون أنه صلّى إلى الكعبة حتى مات، وليس ذلك كما قالوا نحن أعلم به منهم.
قال كعب بن مالك: ثم خرجنا إلى الحج وكانت الليلة التي واعدنا رسول الله ﷺ العقبة من أوسط أيام التشريق، فلما فرغنا من الحج الليلة التي واعدنا رسول الله ﷺ فيها ومعنا عبد الله بن عمرو
стр. 852
ابن حرام أبو جابر سيد من سادتنا أخذناه وكنا نكتم من معنا من قومنا من المشركين أمرنا، فكلمناه وقلنا له يا أبا جابر إنك سيد من سادتنا وشريف من أشرافنا وإنا نرغب بك عما أنت فيه أن تكون حطبا للنار غدا، ثم دعوناه إلى الإسلام وأخبرناه بميعاد رسول الله ﷺ إيانا العقبة قال فأسلم وشهد معنا العقبة وكان نقيبا.
وقد روى البخاري حدثني إبراهيم حدثنا هشام أن ابن جريج أخبرهم قال عطاء قال جابر: أنا وأبى وخالي من أصحاب العقبة. قال عبد الله بن محمد قال ابن عيينة: أحدهم البراء بن معرور.
حدثنا على بن المديني حدثنا سفيان قال كان عمرو يقول سمعت جابر بن عبد الله يقول: شهد بى خالاي العقبة.
وقال الامام احمد حدثنا عبد الرزاق أخبرنا معمر عن ابن خثيم عن أبى الزبير عن جابر. قال مكث رسول الله ﷺ بمكة عشر سنين يتبع الناس في منازلهم، عكاظ ومجنة، وفي المواسم يقول «من يؤوينى؟ من ينصرني؟ حتى أبلغ رسالة ربى وله الجنة» فلا يجد أحدا يؤويه ولا ينصره، حتى إن الرجل ليخرج من اليمن أو من مضر - كذا قال فيه - فيأتيه قومه وذو ورحمه فيقولون احذر غلام قريش لا يفتنك، ويمضى بين رحالهم وهم يشيرون اليه بالأصابع حتى بعثنا الله اليه من يثرب فآويناه وصدقناه، فيخرج الرجل من أفيؤمن به ويقرئه القرآن فينقلب إلى أهله فيسلمون بإسلامه حتى لم تبق دار من دور الأنصار إلا وفيها رهط من المسلمين يظهرون الإسلام، ثم ائتمروا جميعا فقلنا حتى متى نترك رسول الله ﷺ يطوف ويطرد في جبال مكة ويخاف؟ فرحل اليه منا سبعون رجلا حتى قدموا عليه في الموسم فواعدناه شعب العقبة، فاجتمعنا عندها من رجل ورجلين حتى توافينا فقلنا يا رسول الله علام نبايعك؟ قال «تبايعوني على السمع والطاعة في النشاط والكسل، والنفقة في العسر واليسر، وعلى الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر، وأن تقولوا في الله لا تخافوا في الله لومة لائم وعلى أن تنصروني فتمنعونى إذا قدمت عليكم مما تمنعون منه أنفسكم وأزواجكم وأبناءكم ولكم الجنة» فقمنا اليه وأخذ بيده أسعد بن زرارة - وهو من أصغرهم - وفي رواية البيهقي - وهو أصغر السبعين - إلا أنا، فقال رويدا يا أهل يثرب فانا لم نضرب اليه أكباد الإبل إلا ونحن نعلم أنه رسول الله، وإن إخراجه اليوم مناوأة للعرب كافة وقتل خياركم وتعضّكم السيوف. فاما أنتم قوم تصبرون على ذلك فخذوه وأجركم على الله، وأما أنتم قوم تخافون من أنفسكم خيفة فذروه. فبينوا ذلك فهو أعذر لكم عند الله. قالوا أبط عنايا أسعد فو الله لا ندع هذه البيعة ولا نسلبها أبدا. قال فقمنا اليه فبايعناه وأخذ علينا وشرط ويعطينا على ذلك الجنة. وقد رواه الامام احمد أيضا والبيهقي من طريق داود بن عبد الرحمن العطار - زاد البيهقي عن الحاكم - بسنده إلى يحيى بن سليم كلاهما
стр. 853
عن عبد الله بن عثمان بن خثيم عن أبى إدريس به نحوه. وهذا اسناد جيد على شرط مسلم ولم يخرجوه. وقال البزار وروى غير واحد عن ابن خثيم ولا نعلمه يروى عن جابر إلا من هذا الوجه.
وقال الامام احمد حدثنا سليمان بن داود حدثنا عبد الرحمن بن أبى الزناد عن موسى بن عبد الله عن أبى الزبير عن جابر. قال: كان العباس آخذا بيد رسول الله ﷺ ورسول الله يواثقنا، فلما فرغنا قال رسول الله ﷺ «أخذت وأعطيت»
وقال البزار حدثنا محمد بن معمر حدثنا قبيصة حدثنا سفيان - هو الثوري - عن جابر - يعنى الجعفي - عن داود - وهو ابن أبى هند - عن الشعبي عن جابر - يعنى ابن عبد الله - قال قال رسول الله ﷺ للنقباء من الأنصار: «تؤوونى وتمنعوني؟» قالوا نعم قالوا فما لنا؟ قال «الجنة» ثم قال: لا نعلمه يروى الا بهذا الاسناد عن جابر، ثم قال ابن إسحاق عن معبد عن عبد الله عن أبيه كعب بن مالك. قال فنمنا تلك الليلة مع قومنا في رحالنا حتى إذا مضى ثلث الليل خرجنا من رحالنا لميعاد رسول الله ﷺ نتسلل تسلل القطا مستخفين حتى اجتمعنا في الشعب عند العقبة ونحن ثلاثة وسبعون رجلا ومعنا امرأتان من نسائنا نسيبة بنت كعب أم عمارة إحدى نساء بنى مازن بن النجار، وأسماء ابنة عمرو بن عدي بن نابي إحدى نساء بنى سلمة وهي أم منيع. وقد صرح ابن إسحاق في رواية يونس بن بكير عنه بأسمائهم وأنسابهم وما ورد في بعض الأحاديث أنهم كانوا سبعين، والعرب كثيرا ما تحذف الكسر، وقال عروة بن الزبير وموسى بن عقبة: كانوا سبعين رجلا وامرأة واحدة، قال منهم أربعون من ذوى أسنانهم، وثلاثون من شبابهم قال وأصغرهم أبو مسعود وجابر بن عبد الله.
قال كعب بن مالك: فلما اجتمعنا في الشعب ننتظر رسول الله ﷺ حتى جاءنا ومعه العباس بن عبد المطلب وهو يومئذ على دين قومه إلا أنه أحب أن يحضر أمر ابن أخيه ويتوثق له، فلما جلس كان أول متكلم العباس بن عبد المطلب فقال: يا معشر الخزرج -. قال وكانت العرب إنما يسمون هذا الحي من الأنصار الخزرج خزرجها وأوسها - إن محمدا منا حيث قد علمتم، وقد منعناه من قومنا ممن هو على مثل رأينا فيه، فهو في عزة من قومه، ومنعة في بلده، وإنه قد أبى إلا الانحياز إليكم واللحوق بكم، فان كنتم ترون أنكم وافون له بما دعوتموه اليه وما نعوه ممن خالفه فانتمو ما تحملتم من ذلك، وإن كنتم ترون أنك مسلموه وخاذلوه بعد الخروج إليكم فمن الآن فدعوه فإنه في عزة ومنعة من قومه وبلده. قال فقلنا له قد سمعنا ما قلت فتكلم يا رسول الله فخذ لنفسك ولربك ما أحببت، قال فتكلم رسول الله ﷺ فتلا القرآن ودعا إلى الله ورغب في الإسلام. قال: «أبايعكم على أن تمنعوني مما تمنعون منه نساءكم وأبناءكم» قال فاخذ البراء بن معرور بيده [و] قال نعم! فو الّذي بعثك بالحق لنمنعنك مما نمنع منه أزرنا فبايعنا يا رسول الله فنحن والله أبناء الحروب ورثناها كابرا عن كابر. قال فاعترض القول والبراء يكلم رسول الله ﷺ
стр. 854
أبو الهيثم بن التيهان فقال: يا رسول الله إن بيننا وبين الرجال حبالا وإنا قاطعوها - يعنى اليهود - فهل عسيت إن فعلنا ذلك ثم أظهرك الله أن ترجع إلى قومك وتدعنا؟ قال فتبسم رسول الله ﷺ ثم قال: «بل الدم الدم، والهدم الهدم. أنا منكم وأنتم منى، أحارب من حاربتم وأسالم من سالمتم» قال كعب وقد قال رسول الله ﷺ : «أخرجوا إلى منكم اثنى عشر نقيبا يكونون على قومهم بما فيهم» فاخرجوا منهم اثنى عشر نقيبا، تسعة من الخزرج وثلاثة من الأوس.
قال ابن إسحاق: وهم أبو أمامة أسعد بن زرارة المتقدم، وسعد بن الربيع بن عمرو بن أبى زهير بن مالك بن امرئ القيس بن مالك بن ثعلبة بن كعب بن الخزرج بن الحارث بن الخزرج وعبد الله بن رواحة بن امرئ القيس [بن عمرو بن امرئ القيس] (١) بن مالك بن ثعلبة بن كعب بن الخزرج بن الحارث بن الخزرج، ورافع بن مالك بن العجلان المتقدم، والبراء بن معرور بن صخر بن خنساء بن سنان بن عبيد بن عدي بن غنم بن كعب بن سلمة بن سعد بن على ابن أسد بن ساردة بن تزيد بن جشم بن الخزرج، وعبد الله بن عمرو بن حرام بن ثعلبة بن حرام ابن كعب بن غنم بن كعب بن سلمة، وعبادة بن الصامت المتقدم، وسعد بن عبادة بن دليم بن حارثة بن خزيمة بن ثعلبة بن طريف بن الخزرج بن ساعدة بن كعب بن الخزرج، والمنذر بن عمرو بن خنيس بن حارثة بن لوذان بن عبد ودّ بن زيد بن ثعلبة بن الخزرج بن ساعدة بن كعب ابن الخزرج. فهؤلاء تسعة من الخزرج ومن الأوس ثلاثة وهم، أسيد بن حضير بن سماك بن عتيك بن رافع بن امرئ القيس بن زيد بن عبد الأشهل بن جشم بن الخزرج بن عمرو بن مالك ابن الأوس، وسعد بن خيثمة بن الحارث بن مالك بن كعب بن النحاط بن كعب بن حارثة بن غنم بن السلم بن امرئ القيس بن مالك بن الأوس، ورفاعة بن عبد المنذر بن زنير بن زيد بن أمية بن زيد بن مالك بن عوف بن عمرو بن عوف بن مالك بن الأوس.
قال ابن هشام: وأهل العلم يعدون فيهم أبا الهيثم بن التيهان بدل رفاعة هذا، وهو كذلك في رواية يونس عن ابن إسحاق. واختاره السهيليّ وابن الأثير في الغابة. ثم استشهد ابن هشام على ذلك بما رواه عن أبى زيد الأنصاري فيما ذكره من شعر كعب بن مالك في ذكر النقباء الاثني عشر هذه الليلة - ليلة العقبة الثانية - حين قال:
أبلغ أبيا أنه فال رأيه … وحان غداة الشعب والحين واقع
أبى الله ما منتك نفسك إنه … بمرصاد أمر الناس راء وسامع
стр. 855
وأبلغ أبا سفيان أن قد بدا لنا … بأحمد نور من هدى الله ساطع
فلا ترغبن في حشد أمر تريده … وألب وجمّع كل ما أنت جامع
ودونك فاعلم أن نقض عهودنا … أباه عليك الرهط حين تبايعوا
أباه البراء وابن عمرو كلاهما … وأسعد يأباه عليك ورافع
وسعد أباه الساعدي ومنذر … لأنفك إن حاولت ذلك جادع
وما ابن ربيع إن تناولت عهده … بمسلمه لا يطمعن ثم طامع
وأيضا فلا يعطيكه ابن رواحة … وإخفاره من دونه السم ناقع
وفاء به والقوقلى بن صامت … بمندوحة عما تحاول يافع
أبو هيثم أيضا وفىّ بمثلها … وفاء بما أعطى من العهد خانع
وما ابن حضير إن أردت بمطمع … فهل أنت عن أحموقة الغي نازع
وسعد أخو عمرو بن عوف فإنه … ضروح لما حاولت ملأمر مانع
أولاك نجوم لا يغبك منهم … عليك بنحس في دجى الليل طالع
قال ابن هشام: فذكر فيهم أبا الهيثم بن التيهان ولم يذكر رفاعة.
قلت: وذكر سعد بن معاذ وليس من النقباء بالكلية في هذه الليلة. وروى يعقوب بن سفيان عن يونس بن عبد الأعلى عن ابن وهب عن مالك. قال: كان الأنصار ليلة العقبة سبعون رجلا، وكان نقباؤهم اثنى عشر نقيبا، تسعة من الخزرج وثلاثة من الأوس. وحدثني شيخ من الأنصار أن جبرائيل كان يشير الى رسول الله ﷺ إلى من يجعله نقيبا ليلة العقبة وكان أسيد بن حضير أحد النقباء تلك الليلة. رواه البيهقي.
وقال ابن إسحاق: فحدثني عبد الله بن أبى بكر أن رسول الله ﷺ قال للنقباء: «أنتم على قومكم بما فيهم كفلاء ككفالة الحواريين لعيسى ابن مريم، وأنا كفيل على قومي» قالوا نعم! وحدثني عاصم بن عمر بن قتادة أن القوم لما اجتمعوا لبيعة رسول الله ﷺ قال العباس بن عبادة بن نضلة الأنصاري أخو بنى سالم بن عوف: يا معشر الخزرج هل تدرون علام تبايعون هذا الرجل؟ قالوا نعم! قال إنكم تبايعونه على حرب الأحمر والأسود من الناس، فان كنتم ترون أنكم إذا أنهكت أموالكم مصيبة وأشرافكم قتلا أسلمتموه فمن الآن فهو والله إن فعلتم خزي الدنيا والآخرة، وإن كنتم ترون أنكم وافون له بما دعوتموه اليه على نهكة الأموال وقتل الاشراف فخذوه، فهو والله خير الدنيا والآخرة.
قالوا: فانا نأخذه على مصيبة الأموال وقتل الأشراف فما لنا بذلك يا رسول الله إن نحن وفينا؟ قال «الجنة» قالوا ابسط يدك فبسط يده فبايعوه. قال عاصم ابن عمر بن قتادة: وإنما قال العباس بن عبادة ذلك ليشد العقد في أعناقهم وزعم عبد الله بن أبى
стр. 856
بكر أنه إنما قال ذلك ليؤخر البيعة تلك الليلة رجاء أن يحضرها عبد الله بن أبى بن سلول سيد الخزرج ليكون أقوى لأمر القوم، فالله أعلم أي ذلك كان.
قال ابن إسحاق: فبنو النجار يزعمون أن أبا أمامة أسعد بن زرارة كان أول من ضرب على يده، وبنو عبد الأشهل يقولون: بل أبو الهيثم بن التيهان.
قال ابن إسحاق: وحدثني معبد بن كعب عن أخيه عبد الله عن أبيه كعب بن مالك قال:
فكان أول من ضرب على يد رسول الله ﷺ البراء بن معرور، ثم بايع القوم. وقال ابن الأثير في [أسد] الغابة: وبنو سلمة يزعمون أن أول من بايعه ليلتئذ كعب بن مالك. وقد ثبت في صحيح البخاري ومسلم من حديث الزهري عن عبد الرحمن بن عبد الله بن كعب عن أبيه عن كعب بن مالك في حديثه حين تخلف عن غزوة تبوك. قال: ولقد شهدت مع رسول الله ﷺ ليلة العقبة حين تواثقنا على الإسلام وما أحب أن لي بها مشهد بدر، وإن كانت بدرا كثير في الناس منها.
وقال البيهقي أخبرنا أبو الحسين بن بشران أخبرنا عمرو بن السماك حدثنا حنبل بن إسحاق حدثنا أبو نعيم حدثنا زكريا بن أبى زائدة عن عامر الشعبي قال: انطلق رسول الله ﷺ مع العباس عمه إلى السبعين من الأنصار عند العقبة تحت الشجرة، فقال: «ليتكلم متكلمكم ولا يطل الخطبة فان عليكم من المشركين عينا، وإن يعلموا بكم يفضحوكم» فقال قائلهم - وهو أبو أمامة - سل يا محمد لربك ما شئت، ثم سل لنفسك بعد ذلك ما شئت. ثم أخبرنا ما لنا من الثواب على الله وعليكم إذا فعلنا ذلك. قال: «أسألكم لربي أن تعبدوه ولا تشركوا به شيئا، وأسألكم لنفسي وأصحابى أن تؤوونا وتنصرونا وتمنعونا مما تمنعون منه أنفسكم» قالوا فما لنا إذا فعلنا ذلك؟ قال «لكم الجنة» قالوا فلك ذلك. ثم رواه حنبل عن الامام احمد عن يحيى بن زكريا عن مجالد عن الشعبي عن أبى مسعود الأنصاري فذكره قال: وكان أبو مسعود أصغرهم. وقال احمد عن يحيى عن إسماعيل بن أبى خالد عن الشعبي قال: فما سمع الشيب والشبان خطبة مثلها. وقال البيهقي أخبرنا أبو طاهر محمد بن محمد بن محمد بن محمش أخبرنا محمد بن إبراهيم بن الفضل الفحام أخبرنا محمد بن يحيى الذهلي أخبرنا عمرو بن عثمان الرقى حدثنا زهير ثنا عبد الله بن عثمان بن خثيم عن إسماعيل بن عبيد الله بن رفاعة عن أبيه قال: قدمت روايا خمر، فأتاها عبادة بن الصامت فخرقها وقال: إنا بايعنا رسول الله ﷺ على السمع والطاعة في النشاط والكسل، والنفقة في العسر واليسير، وعلى الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر، وعلى أن نقول في الله لا تأخذنا فيه لومة لائم، وعلى أن ننصر رسول الله ﷺ إذا قدم علينا يثرب مما نمنع به أنفسنا وأرواحنا وأبناءنا ولنا الجنة. فهذه بيعة رسول الله ﷺ التي بايعناه عليها، وهذا اسناد جيد قوى ولم يخرجوه. وقد روى يونس عن ابن إسحاق حدثني عبادة بن
стр. 857
الوليد بن عبادة بن الصامت عن أبيه عن جده عبادة بن الصامت. قال: بايعنا رسول الله ﷺ بيعة الحرب على السمع والطاعة في عسرنا ويسرنا، ومنشطنا ومكرهنا وأثرة علينا، وأن لا ننازع الأمر أهله، وأن نقول بالحق أينما كنا لا نخاف في الله لومة لائم.
قال ابن إسحاق في حديثه عن معبد بن كعب عن أخيه عبد الله بن كعب بن مالك. قال:
فلما بايعنا رسول الله ﷺ صرخ الشيطان من رأس العقبة بانفذ صوت سمعته قط؟ يا أهل الجباجب - والجباجب المنازل - هل لكم في مذمم والصباء معه قد اجتمعوا على حربكم. قال فقال رسول الله ﷺ : «هذا أزب العقبة، هذا ابن أزب». قال ابن هشام: ويقال ابن أزيب. «أتسمع أي عدو الله؟ وأما والله لا تفرغن لك. ثم قال رسول الله ﷺ «ارفضوا الى رحالكم» قال فقال العباس بن عبادة بن نضلة: يا رسول الله والّذي بعثك بالحق إن شئت لنميلن على أهل منى غدا بأسيافنا قال فقال رسول الله ﷺ : «لم نؤمر بذلك ولكن ارجعوا إلى رحالكم». قال فرجعنا إلى مضاجعنا فنمنا فيها حتى أصبحنا، فلما أصبحنا غدت علينا جلة قريش حتى جاءونا في منازلنا فقالوا:
يا معشر الخزرج إنه قد بلغنا أنكم قد جئتم إلى صاحبنا هذا تستخرجونه من بين أظهرنا وتبايعونه على حربنا. وإنه والله ما من حي من العرب أبغض إلينا من أن تنشب الحرب بيننا وبينهم منكم قال فانبعث من هناك من مشركي قومنا يحلفون ما كان من هذا شيء وما علمناه، قال وصدقوا لم يعلموا، قال وبعضنا ينظر إلى بعض. قال ثم قام القوم وفيهم الحارث بن هشام بن المغيرة المخزومي وعليه نعلان له جديدان، قال فقلت له كلمة - كأنى أريد أن أشرك القوم بها فيما قالوا - يا أبا جابر أما تستطيع أن تتخذ وأنت سيد من سادتنا مثل نعلى هذا الفتى من قريش؟ قال فسمعها الحارث فخلعهما من رجليه ثم رمى بهما إلى، قال والله لتنتعلنهما، قال يقول أبو جابر مه أحفظت والله الفتى فاردد اليه نعليه. قال قلت والله لا أردهما، فأل والله صالح، لئن صدق الفأل لأسلبنه.
قال ابن إسحاق: وحدثني عبد الله بن أبى بكر أنهم أتوا عبد الله بن أبى بن سلول فقالوا مثل ما ذكر كعب من القول فقال لهم إن هذا الأمر جسيم ما كان قومي ليتفرقوا (١) على مثل هذا وما علمته كان. قال فانصرفوا عنه، قال ونفر الناس من منى فتنطس القوم الخبر فوجدوه قد كان، فخرجوا في طلب القوم فأدركوا سعد بن عبادة بأذاخر والمنذر بن عمرو أخا بنى ساعدة بن كعب بن الخزرج وكلاهما كان نقيبا، فأما المنذر فأعجز القوم، وأما سعد بن عبادة فأخذوه فربطوا يديه إلى عنقه بنسع رحله ثم أقبلوا به حتى أدخلوه مكة يضربونه ويجذبونه بجمته - وكان ذا شعر كثير -. قال سعد:
стр. 858
فو الله إني لفي أيديهم إذ طلع على نفر من قريش فيهم رجل وضيء أبيض شعشاع حلو من الرجال، فقلت في نفسي إن يك عند أحد من القوم خير فعند هذا. فلما دنا منى رفع يده فلكمني لكمة شديدة فقلت في نفسي لا والله ما عندهم بعد هذا من خير، فو الله إني لفي أيديهم يسحبوننى إذ أوى لي رجل ممن معهم. قال: ويحك أما بينك وبين أحد من قريش جوار ولا عهد؟ قال قلت بلى والله لقد كنت أجير لجبير بن مطعم تجّاره وأمنعهم ممن أراد ظلمهم ببلادي. وللحارث بن حرب بن أمية بن عبد شمس، فقال ويحك فاهتف باسم الرجلين واذكر ما بينك وبينهما، قال ففعلت وخرج ذلك الرجل اليهما فوجدهما في المسجد عند الكعبة فقال لهما: إن رجلا من الخزرج الآن ليضرب بالأبطح ليهتف بكما، قالا ومن هو؟ قال سعد بن عبادة. قالا: صدق والله إن كان ليجير لنا تجارنا ويمنعهم أن يظلموا ببلده، قال فجاءا فخلصا سعدا من أيديهم، فانطلق. وكان الّذي لكم سعدا سهيل بن عمرو. قال ابن هشام: وكان الّذي أوى له أبو البختري بن هشام. وروى البيهقي بسنده عن عيسى بن أبى عيسى بن جبير قال سمعت قريش قائلا يقول في الليل على أبى قبيس:
فان يسلم السعدان يصبح محمد … بمكة لا يخشى خلاف المخالف
فلما أصبحوا قال أبو سفيان من السعدان؟ أسعد بن بكر أم سعد بن هذيم؟ فلما كانت الليلة الثانية سمعوا قائلا يقول:
أيا سعد سعد الأوس كن أنت ناصرا … ويا سعد سعد الخزرجين الغطارف
أجيبا إلى داعي الهدى وتمنيا … على الله في الفردوس منية عارف
فان ثواب الله للطالب الهدى … جنان من الفردوس ذات رفارف
فلما أصبحوا قال أبو سفيان: هو والله سعد بن معاذ وسعد بن عبادة.
فصل
قال ابن إسحاق: فلما رجع الأنصار الذين بايعوا رسول الله ﷺ ليلة العقبة الثانية إلى المدينة أظهروا الإسلام بها، وفي قومهم بقايا من شيوخ لهم على دينهم من الشرك منهم، عمرو بن الجموح بن زيد بن حرام بن كعب بن غنم بن كعب بن سلمة، وكان ابنه معاذ بن عمرو ممن شهد العقبة، وكان عمرو بن الجموح من سادات بنى سلمة وأشرافهم، وكان قد اتخذ صنما من خشب في داره يقال له مناة كما كانت الاشراف يصنعون يتخذه إلها يعظمه ويظهره، فلما أسلم فتيان بنى سلمة، ابنه معاذ، ومعاذ بن جبل كانوا يدلجون بالليل على صنم عمرو ذلك فيحملونه فيطرحونه في بعض حفر بنى سلمة وفيها عذر الناس منكسا على رأسه، فإذا أصبح عمرو قال: ويلكم من عدا على إلهنا هذه
стр. 859
الليلة؟ ثم يغدو يلتمسه حتى إذا وجده غسله وطيبه وطهره ثم قال: أما والله لو أعلم من فعل بك هذا لأخزينه. فإذا أمسى ونام عمرو عدوا عليه ففعلوا مثل ذلك، فيغدوا فيجده في مثل ما كان فيه من الأذى فيغسله ويطيبه ويطهره، ثم يعدون عليه إذا أمسى فيفعلون به مثل ذلك، فلما أكثروا عليه استخرجه من حيث ألقوه يوما فغسله وطهره وطيبه. ثم جاء بسيفه فعلقه عليه ثم قال له: إني والله ما أعلم من يصنع بك ما أرى، فان كان فيك خير فامتنع، هذا السيف معك. فلما أمسى ونام عمر وعدوا عليه فأخذوا السيف من عنقه ثم أخذوا كلبا ميتا فقرنوه به بحبل ثم القوه في بئر من آبار بنى سلمة فيها عذر من عذر الناس وغدا عمرو بن الجموح فلم يجده في مكانه الّذي كان به، فخرج يتبعه حتى إذا وجده في تلك البئر منكسا مقرونا بكلب ميت، فلما رآه أبصر شأنه وكلمه من أسلم من قومه فأسلم برحمة الله وحسن إسلامه فقال حين أسلم، وعرف من الله ما عرف، وهو يذكر صنمه ذلك وما أبصر من أمره ويشكر الله الّذي أنقذه مما كان فيه من العمى والضلالة ويقول:
والله لو كنت إلها لم تكن … أنت وكلب وسط بئر في قرن
اف لملقاك إلها مستدن … الآن فتشناك عن سوء الغبن
الحمد لله العلى ذي المنن … الواهب الرزاق ديان الدين
هو الّذي أنقذنى من قبل أن … أكون في ظلمة قبر مرتهن
فصل يتضمن أسماء من شهد بيعة العقبة الثانية وجملتهم على ما ذكره ابن إسحاق ثلاثة وسبعون رجلا وامرأتان
فمن الأوس أحد عشر رجلا، أسيد بن حضير أحد النقباء، وأبو الهيثم بن التيهان بدري أيضا، وسلمة بن سلامة بن وقش بدري، وظهير بن رافع، وأبو بردة بن دينار بدري، ونهير بن الهيثم بن نابي بن مجدعة بن حارثة، وسعد بن خيثمة أحد النقباء بدري وقتل بها شهيدا، ورفاعة ابن عبد المنذر بن زنير نقيب بدري، وعبد الله بن جبير بن النعمان بن أمية بن البرك بدري، وقتل يوم أحد شهيدا أميرا على الرماة، ومعن بن عدي بن الجد بن عجلان بن الحارث بن ضبيعة البلوى حليف للأوس شهد بدرا وما بعدها وقتل باليمامة شهيدا، وعويم بن ساعدة شهد بدرا وما بعدها. ومن الخزرج اثنان وستون رجلا، أبو أيوب خالد بن زيد وشهد بدرا وما بعدها ومات بأرض الروم زمن معاوية شهيدا، ومعاذ بن الحارث. وأخواه عوف ومعوذ وهم بنو عفراء بدريون، وعمارة بن حزم شهد بدرا وما بعدها وقتل باليمامة، وأسعد بن زرارة أبو أمامة أحد النقباء مات قبل بدر، وسهل بن عتيك بدري، وأوس بن ثابت بن المنذر بدري، وأبو طلحة زيد بن سهل بدري، وقيس بن أبى صعصعة عمرو بن زيد بن عوف بن مبذول بن عمرو بن غنم بن مازن كان أميرا على
стр. 860
الساقة يوم بدر، وعمرو بن غزية، وسعد بن الربيع أحد النقباء شهد بدرا وقتل يوم أحد، وخارجة ابن زيد شهد بدرا وقتل يوم أحد، وعبد الله بن رواحة أحد النقباء شهد بدرا وأحد والخندق، وقتل يوم مؤتة أميرا، وبشير بن سعد بدري، وعبد الله بن زيد بن ثعلبة بن عبد ربه الّذي أرى النداء وهو بدري،
وخلاد بن سويد بدري أحدى خندقي وقتل يوم بنى قريظة شهيدا طرحت عليه رحى فشدخته فيقال إن رسول الله ﷺ قال: «إن له لأجر شهيدين» وأبو مسعود عقبة بن عمرو البدري قال ابن إسحاق: وهو أحدث من شهد العقبة سنا ولم يشهد بدرا، وزياد بن لبيد بدري، وفروة بن عمرو بن ودفة، وخالد بن قيس بن مالك بدري، ورافع بن مالك أحد النقباء، وذكوان بن عبد قيس بن خلدة بن مخلد بن عامر بن زريق، وهو الّذي يقال له مهاجري أنصارى لانه أقام عند رسول الله ﷺ بمكة حتى هاجر منها وهو بدري قتل يوم أحد، وعباد بن قيس بن عامر بن خالد ابن عامر بن زريق بدري، وأخوه الحارث بن قيس بن عامر بدري أيضا، والبراء بن معرور أحد النقباء وأول من بايع فيما تزعم بنو سلمة وقد مات قبل مقدم النبي ﷺ المدينة وأوصى له بثلث ماله فرده رسول الله ﷺ على ورثته، وابنه بشر بن البراء وقد شهد بدرا وأحدا والخندق ومات بخيبر شهيدا من أكله مع رسول الله ﷺ من تلك الشاة المسمومة ﵁، وسنان بن صيفي بن صخر بدري، والطفيل بن النعمان بن خنساء بدري، قتل يوم الخندق، ومعقل بن المنذر بن سرح بدري، وأخوه يزيد بن المنذر بدري، ومسعود بن زيد بن سبيع، والضحاك بن حارثة بن زيد بن ثعلبة بدري، ويزيد بن خذام بن سبيع، وجبار بن صخر [بن أمية] بن خنساء بن سنان بن عبيد بدري، والطفيل بن مالك بن خنساء بدري، وكعب بن مالك، وسليم بن عامر بن حديدة بدري وقطبة بن عامر بن حديدة بدري، وأخوه أبو المنذر يزيد بدري أيضا، وأبو اليسر كعب بن عمرو بدري، وصيفي بن سواد بن عباد، وثعلبة بن غنمة بن عدي بن نابي بدري واستشهد بالخندق، وأخوه عمرو بن غنمة بن عدي، وعبس بن عامر بن عدي بدري، وخالد بن عمرو بن عدي بن نابي، وعبد الله بن أنيس حليف لهم من قضاعة، وعبد الله بن عمرو بن حرام أحد النقباء بدري واستشهد يوم أحد، وابنه جابر بن عبد الله، ومعاذ بن عمرو بن الجموح بدري، وثابت بن الجذع بدري وقتل شهيدا بالطائف، وعمير بن الحارث بن ثعلبة بدري، وخديج بن سلامة حليف لهم من بلى، ومعاذ بن جبل شهد بدرا وما بعدها ومات بطاعون عمواس في خلافة عمر بن الخطاب، وعبادة ابن الصامت أحد النقباء شهد بدرا وما بعدها، والعباس بن عبادة بن نضلة وقد أقام بمكة حتى هاجر منها فكان يقال له مهاجري أنصارى أيضا وقتل يوم أحد شهيدا، وأبو عبد الرحمن يزيد ابن ثعلبة بن خزمة بن أصرم حليف لهم من بلى، وعمرو بن الحارث بن كندة، ورفاعة بن عمرو بن
стр. 861
زيد بدري، وعقبة بن وهب بن كلدة حليف لهم بدري وكان ممن خرج إلى مكة فأقام بها حتى هاجر منها فهو ممن يقال له مهاجري أنصارى أيضا، وسعد بن عبادة بن دليم أحد النقباء، والمنذر بن عمرو نقيب بدري احدى وقتل يوم بئر معونة أميرا وهو الّذي يقال له أعتق ليموت، وأما المرأتان فأم عمارة نسيبة بنت كعب بن عمرو بن عوف بن مبذول بن عمرو بن غنم بن مازن بن النجار المازنية النجارية. قال ابن إسحاق: وقد كانت شهدت الحرب مع رسول الله ﷺ وشهدت معها أختها وزوجها زيد بن عاصم بن كعب، وابناها خبيب وعبد الله، وابنها خبيب هذا هو الّذي قتله مسيلمة الكذاب حين جعل يقول له أتشهد أن محمدا رسول الله؟ فيقول نعم، فيقول أتشهد أنى رسول الله؟ فيقول لا أسمع فجعل يقطعه عضوا عضوا حتى مات في يديه لا يزيده على ذلك، فكانت أم عمارة ممن خرج إلى اليمامة مع المسلمين حين قتل مسيلمة ورجعت وبها اثنى عشر جرحا من بين طعنة وضربة ﵂، والأخرى أم منيع أسماء ابنة عمرو بن عدي بن نابي بن عمرو بن سواد ابن غنم بن كعب بن سلمة ﵂.
باب بدء الهجرة من مكة إلى المدينة
قال الزهري عن عروة عن عائشة. قالت قال رسول الله ﷺ وهو يومئذ بمكة - للمسلمين:
«قد أريت دار هجرتكم، أريت سبخة ذات نخل بين لابتين» فهاجر من هاجر قبل المدينة حين ذكر ذلك رسول الله ﷺ ، ورجع إلى المدينة من كان هاجر إلى أرض الحبشة من المسلمين. رواه البخاري.
وقال أبو موسى عن النبي ﷺ : «رأيت في المنام أنى أهاجر من مكة إلى أرض بها نخل فذهب وهلي إلى أنها اليمامة أو هجر، فإذا هي المدينة يثرب» وهذا الحديث قد أسنده البخاري في مواضع أخر بطوله. ورواه مسلم كلاهما عن أبى كريب. زاد مسلم وعبد الله بن مراد كلاهما عن أبى أسامة عن يزيد بن عبد الله بن أبى بردة عن جده أبى بردة عن أبى موسى عبد الله بن قيس الأشعري عن النبي ﷺ الحديث بطوله.
قال الحافظ أبو بكر البيهقي: أخبرنا أبو عبد الله الحافظ أخبرنا أبو العباس القاسم بن القاسم السياري بمرو حدثنا إبراهيم بن هلال حدثنا على بن الحسن بن شقيق حدثنا عيسى بن عبيد الكندي عن غيلان بن عبد الله العامري عن أبى زرعة بن عمرو بن جرير عن جرير أن النبي ﷺ . قال: «إن الله أوحى إليّ أي هؤلاء البلاد الثلاث نزلت فهي دار هجرتك، المدينة، أو البحرين، أو قنسرين» قال أهل العلم: ثم عزم له على المدينة فأمر أصحابه بالهجرة اليها.
стр. 862
هذا حديث غريب جدا وقد
رواه الترمذي في المناقب من جامعه منفردا به عن أبى عمار الحسين بن حريث عن الفضل بن موسى عن عيسى بن عبيد عن غيلان بن عبد الله العامري عن أبى زرعة بن عمر بن جرير عن جرير. قال قال رسول الله ﷺ : «إن الله أوحى إلى أي هؤلاء الثلاثة نزلت فهي دار هجرتك، المدينة، أو البحرين، أو قنسرين» ثم قال: غريب لا نعرفه إلا من حديث الفضل تفرد به أبو عمار.
قلت: وغيلان بن عبد الله العامري هذا ذكره ابن حبان في الثقات إلا أنه قال: روى عن أبى زرعة حديثا منكرا في الهجرة والله أعلم.
قال ابن إسحاق: لما أذن الله تعالى في الحرب بقوله ﴿أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللهَ عَلى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ، * الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيارِهِمْ بِغَيْرِ حَقٍّ إِلاّ أَنْ يَقُولُوا رَبُّنَا اللهُ﴾ الآية. فلما أذن الله في الحرب وتابعه هذا الحي من الأنصار على الإسلام والنصرة له، ولمن اتبعه وأوى اليهم من المسلمين.
أمر رسول الله ﷺ أصحابه من المهاجرين من قومه ومن معه بمكة من المسلمين بالخروج إلى المدينة والهجرة اليها واللحوق بإخوانهم من الأنصار وقال: «إن الله قد جعل لكم إخوانا ودارا تأمنون بها» فخرجوا إليها أرسالا وأقام رسول الله ﷺ بمكة ينتظر أن يأذن له ربه في الخروج من مكة والهجرة إلى المدينة، فكان أول من هاجر الى المدينة من أصحاب رسول الله ﷺ من المهاجرين من قريش من بنى مخزوم، أبو سلمة عبد الله بن عبد الأسد بن هلال بن عبد الله بن عمر بن مخزوم وكانت هجرته اليها قبل بيعة العقبة بسنة حين آذته قريش مرجعه من الحبشة فعزم على الرجوع اليها ثم بلغه أن بالمدينة لهم إخوانا فعزم اليها.
قال ابن إسحاق: فحدثني أبى عن سلمة بن عبد الله بن عمر بن أبى سلمة عن جدته أم سلمة قالت: لما أجمع أبو سلمة الخروج إلى المدينة رحّل لي بعيره ثم حملني عليه وجعل معى ابني سلمة بن أبى سلمة في حجري، ثم خرج يقود بى بعيره، فلما رأته رجال بنى المغيرة قاموا اليه فقالوا هذه نفسك غلبتنا عليها، أرأيت صاحبتنا هذه علام نتركك تسير بها في البلاد؟ قالت فنزعوا خطام البعير من يده وأخذونى منه، قالت وغضب عند ذلك بنو عبد الأسد رهط أبى سلمة وقالوا والله لا نترك ابننا عندها إذ نزعتموها من صاحبنا، قالت فتجاذبوا ابني سلمة بينهم حتى خلعوا يده، وانطلق به بنو عبد الأسد وحبسني بنو المغيرة عندهم وانطلق زوجي أبو سلمة إلى المدينة، قالت ففرق بيني وبين ابني وبين زوجي. قالت فكنت أخرج كل غداة فاجلس في الأبطح فما أزال أبكى حتى أمسى - سنة أو قريبا منها - حتى مر بي رجل من بنى عمى أحد بنى المغيرة فرأى ما بى فرحمني، فقال لبني المغيرة: ألا تخرجون من هذه المسكينة؟ فرقتم بينها وبين زوجها وبين ولدها؟ قالت فقالوا لي الحقي
стр. 863
بزوجك إن شئت. قالت فرد بنو عبد الأسد إليّ عند ذلك ابني، قالت فارتحلت بعيري، ثم أخذت ابني فوضعته في حجري، ثم خرجت أريد زوجي بالمدينة، قالت وما معى أحد من خلق الله. حتى إذا كنت بالتنعيم لقيت عثمان بن طلحة بن أبى طلحة أخا بنى عبد الدار فقال الى أين يا ابنة أبى أمية؟ قلت أريد زوجي بالمدينة، قال أو ما معك أحد؟ قلت ما معى أحد إلا الله وبنى هذا، فقال والله ما لك من مترك. فاخذ بخطإ من البعير فانطلق معى يهوى بى فو الله ما صحبت رجلا من العرب قط أرى أنه كان أكرم منه، كان إذا بلغ المنزل أناخ بى ثم استأخر عنى حتى إذا نزلت استأخر ببعيري فحط عنه ثم قيده في الشجر ثم تنحى الى شجرة فاضطجع تحتها، فإذا دنا الرواح قام إلى بعيري فقدمه فرحله ثم استأخر عنى وقال اركبي فإذا ركبت فاستويت على بعيري أتى فاخذ بخطامه فقادني حتى ينزل بى، فلم يزل يصنع ذلك بى حتى أقدمنى المدينة فلما نظر إلى قرية بنى عمرو ابن عوف بقباء قال: زوجك في هذه القرية - وكان أبو سلمة بها نازلا - فادخليها على بركة الله. ثم انصرف راجعا إلى مكة، فكانت تقول: ما أعلم أهل بيت في الإسلام أصابهم ما أصاب آل أبى سلمة، وما رأيت صاحبا قط كان أكرم من عثمان بن طلحة، أسلم عثمان بن طلحة بن أبى طلحة العبدري هذا بعد الحديبيّة، وهاجر هو وخالد بن الوليد معا، وقتل يوم أحد أبوه وإخوته، الحارث وكلاب ومسافع، وعمه عثمان بن أبى طلحة. ودفع اليه رسول الله ﷺ يوم الفتح وإلى ابن عمه شيبة والد بنى شيبة مفاتيح الكعبة أقرها عليهم في الإسلام كما كانت في الجاهلية، ونزل في ذلك قوله تعالى ﴿إِنَّ اللهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَماناتِ إِلى أَهْلِها﴾ الآية.
قال ابن إسحاق: ثم كان أول من قدمها من المهاجرين بعد أبى سلمة عامر بن ربيعة حليف بنى عدي، معه امرأته ليلى بنت أبى حثمة العدوية ثم عبد الله بن جحش بن رئاب بن يعمر بن صبرة ابن مرة بن كبير بن غنم بن دودان بن أسد بن خزيمة حليف بنى أمية بن عبد شمس احتمل بأهله وبأخيه عبد أبى احمد، اسمه عبد كما ذكره ابن إسحاق وقيل ثمامة. قال السهيليّ: والأول أصح.
وكان أبو احمد رجلا ضرير البصر وكان يطوف مكة أعلاها وأسفلها بغير قائد، وكان شاعرا وكانت عنده الفارعة بنت أبى سفيان بن حرب، وكانت أمه أميمة بنت عبد المطلب بن هاشم. فغلقت دار بنى جحش هجرة، فمر بها عتبة بن ربيعة والعباس بن عبد المطلب وأبو جهل بن هشام وهم مصعدون إلى أعلى مكة، فنظر اليها عتبة تخفق أبوابها يبابا ليس بها ساكن، فلما رآها كذلك تنفس الصعداء وقال:
وكل دار وإن طالت سلامتها … يوما ستدركها النكباء والجوب
قال ابن هشام: وهذا البيت لأبي دواد الأيادي في قصيدة له. قال السهيليّ: واسم أبى دواد
стр. 864
حنظلة بن شرقى وقيل حارثة. ثم قال عتبة: أصبحت دار بنى جحش خلاء من أهلها. فقال أبو جهل: وما تبكى عليه من فل بن فل (١) ثم قال - يعنى للعباس - هذا من عمل ابن أخيك، هذا فرق جماعتنا، وشتت أمرنا، وقطع بيننا.
قال ابن إسحاق: فنزل أبو سلمة وعامر بن ربيعة وبنو جحش بقباء على مبشر بن عبد المنذر ثم قدم المهاجرون إرسالا. قال وكان بنو غنم بن دودان أهل إسلام قد أوعبوا إلى المدينة هجرة رجالهم ونساؤهم وهم عبد الله بن جحش، وأخوه أبو احمد، وعكاشة بن محصن، وشجاع، وعقبة ابنا وهب، وأربد بن جميرة (٢) ومنقذ بن نباتة، وسعيد بن رقيش، ومحرز بن نضلة، وزيد بن رقيش، وقيس بن جابر، وعمرو بن محصن، ومالك بن عمرو، وصفوان بن عمرو، وثقف بن عمرو وربيعة بن أكثم، والزبير بن عبيدة، وتمام بن عبيدة، وسخبرة بن عبيدة، ومحمد بن عبد الله بن جحش، ومن نسائهم زينب بنت جحش، وحمنة بنت جحش، وأم حبيب بنت جحش، وجدامة بنت جندل، وأم قيس بنت محصن، وأم حبيب بنت ثمامة، وآمنة بنت رقيش، وسخبرة بنت تميم. قال أبو احمد بن جحش في هجرتهم إلى المدينة:
ولما رأتني أم احمد غاديا … بذمة من أخشى بغيب وأرهب
تقول فاما كنت لا بد فاعلا … فيمم بنا البلدان ولننأ يثرب
فقلت لها ما يثرب بمظنة (٣) … وما يشأ الرحمن فالعبد يركب
إلى الله وجهي والرسول ومن يقم … إلى الله يوما وجهه لا يخيب
فكم قد تركنا من حميم مناصح … وناصحة تبكى بدمع وتندب
ترى أن وترا نائيا عن بلادنا … ونحن نرى أن الرغائب نطلب
دعوت بنى غنم لحقن دمائهم … وللحق لمّا لاح للناس ملحب
أجابوا بحمد الله لما دعاهم … إلى الحق داع والنجاح فاوعبوا
وكنا وأصحابا لنا فارقوا الهدى … أعانوا علينا بالسلاح وأجلبوا
كفوجين إما منهما فموفق … على الحق مهدي وفوج معذب
طغوا وتمنوا كذبة وأزلهم … عن الحق إبليس فخابوا وخيبوا
ورعنا إلى قول النبي محمد … فطاب ولاة الحق منا وطيبوا
стр. 865
تمتّ بأرحام اليهم قريبة … ولا قرب بالأرحام إذ لا تقرب
فأى ابن أخت بعدنا يأمننكم … وأية صهر بعد صهري يرقب
ستعلم يوما أينا إذ تزايلوا … وزيل أمر الناس للحق أصوب
قال ابن إسحاق: ثم خرج عمر بن الخطاب، وعياش بن أبى ربيعة حتى قدما المدينة. فحدثني نافع عن عبد الله بن عمر عن أبيه. قال: اتعدنا لما أردت الهجرة إلى المدينة أنا وعياش بن أبى ربيعة وهشام بن العاص، التناضب من إضاة بنى غفار فوق سرف، وقلنا أينا لم يصبح عندها فقد حبس فليمض صاحباه، قال فأصبحت أنا وعياش عند التناضب وحبس هشام وفتن فافتتن، فلما قدمنا المدينة نزلنا في بنى عمرو بن عوف بقباء، وخرج أبو جهل بن هشام والحارث بن هشام الى عياش - وكان ابن عمهما وأخاهما لامهما - حتى قدما المدينة ورسول الله ﷺ بمكة، فكلماه وقالا له إن أمك قد نذرت أن لا يمس رأسها مشط حتى تراك، ولا تستظل من شمس حتى تراك، فرق لها فقلت له إنه والله إن يريدك القوم الا ليفتنوك عن دينك فاحذرهم، فو الله لو قد آذى أمك القمل لامتشطت، ولو قد اشتد عليها حرمكة لاستظلت. قال فقال: أبر قسم أمى ولى هنالك مال فآخذه قال قلت والله إنك لتعلم أنى لمن أكثر قريش مالا، فلك نصف مالي ولا تذهب معهما. قال فأبى على الا أن يخرج معهما، فلما أبى إلا ذلك قلت أما إذ فعلت ما فعلت فخذ ناقتي هذه فإنها ناقة نجيبة ذلول فالزم ظهرها، فان رابك من أمر القوم ريب فانج عليها. فخرج عليها معهما حتى إذا كانوا ببعض الطريق قال له أبو جهل: يا أخى والله لقد استغلظت بعيري هذا أفلا تعقبنى على ناقتك هذه قال بلى. فأناخ وأناخا ليتحول عليها، فلما استووا بالأرض عدوا عليه فأوثقاه رباطا، ثم دخلا به مكة وفتناه فافتتن. قال عمر: فكنا نقول لا يقبل الله ممن افتتن توبة. وكانوا يقولون ذلك لأنفسهم حتى قدم رسول الله ﷺ المدينة وأنزل الله ﴿قُلْ يا عِبادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللهِ إِنَّ اللهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعاً إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ، * وَأَنِيبُوا إِلى رَبِّكُمْ وَأَسْلِمُوا لَهُ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ الْعَذابُ ثُمَّ لا تُنْصَرُونَ، * وَاِتَّبِعُوا أَحْسَنَ ما أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ الْعَذابُ بَغْتَةً وَأَنْتُمْ لا تَشْعُرُونَ﴾ قال عمر: وكتبتها وبعثت بها إلى هشام بن العاص. قال هشام: فلما أتتنى جعلت اقرأها بذي طوى أصعد بها وأصوب ولا أفهمها حتى قلت: اللهمّ فهمنيها، فألقى الله في قلبي أنها إنما أنزلت فينا وفيما كنا نقول في أنفسنا، ويقال فينا، قال فرجعت إلى بعيري فجلست عليه فلحقت برسول الله ﷺ بالمدينة. وذكر ابن هشام أن الّذي قدم بهشام بن العاص، وعياش ابن أبى ربيعة إلى المدينة، الوليد بن المغيرة سرقهما من مكة وقدم بها يحملهما على بعيره وهو ماش معهما، فعثر فدميت إصبعه فقال:
стр. 866
هل أنت إلا إصبع دميت … وفي سبيل الله ما لقيت
وقال البخاري حدثنا أبو الوليد حدثنا شعبه أنبأنا أبو إسحاق سمع البراء. قال: أول من قدم علينا مصعب بن عمير وابن أم مكتوم، ثم قدم علينا عمار وبلال. وحدثني محمد بن بشار حدثنا غندر حدثنا شعبة عن أبى إسحاق سمعت البراء بن عازب. قال: أول من قدم علينا مصعب بن عمير وابن أم مكتوم وكانا يقرءان الناس، فقدم بلال وسعد وعمار بن ياسر، ثم قدم عمر بن الخطاب في عشرين نفرا من أصحاب النبي ﷺ ثم قدم النبي ﷺ . فما رأيت أهل المدينة فرحوا بشيء فرحهم برسول الله ﷺ حتى جعل الإماء يقلن: قدم رسول الله ﷺ ، فما قدم حتى قرأت سبح اسم ربك الأعلى في سور من المفصل. ورواه مسلم في صحيحه من حديث إسرائيل عن أبى إسحاق عن البراء ابن عازب بنحوه وفيه التصريح بأن سعد بن أبى وقاص هاجر قبل قدوم رسول الله ﷺ المدينة، وقد زعم موسى بن عقبة عن الزهري أنه إنما هاجر بعد رسول الله ﷺ والصواب ما تقدم.
قال ابن إسحاق: ولما قدم عمر بن الخطاب المدينة هو ومن لحق به من أهله وقومه وأخوه زيد ابن الخطاب وعمرو وعبد الله ابنا سراقة بن المعتمر وخنيس بن حذافة السهمي زوج ابنته حفصة وابن عمه سعيد بن زيد بن عمرو بن نفيل وواقد بن عبد الله التميمي حليف لهم وخولى بن أبى خولى ومالك بن أبى خولى حليفان لهم من بنى عجل وبنو البكير إياس وخالد وعاقل وعامر وحلفاؤهم من بنى سعد بن ليث، فنزلوا على رفاعة بن عبد المنذر بن زبير في بنى عمرو بن عوف بقباء.
قال ابن إسحاق: ثم تتابع المهاجرون ﵃ فنزل طلحة بن عبيد الله وصهيب بن سنان على خبيب بن إساف أخى بلحارث بن الخزرج بالسنح ويقال بل نزل طلحة على أسعد ابن زرارة.
قال ابن هشام: وذكر لي عن ابى عثمان النهدي أنه قال بلغني أن صهيبا حين أراد الهجرة قال له كفار قريش: أتيتنا صعلوكا حقيرا فكثر مالك عندنا وبلغت الّذي بلغت، ثم تريد أن تخرج بمالك ونفسك والله لا يكون ذلك. فقال لهم صهيب: أرأيتم إن جعلت لكم مالي أتخلون سبيلي؟ قالوا نعم! قال فانى قد جعلت لكم مالي. فبلغ ذلك رسول الله ﷺ فقال: «ربح صهيب، ربح صهيب» وقد
قال البيهقي: حدثنا الحافظ أبو عبد الله - إملاء - أخبرنا أبو العباس إسماعيل بن عبد الله بن محمد بن ميكال أخبرنا عبدان الأهوازي حدثنا زيد بن الجريش حدثنا يعقوب بن محمد الزهري حدثنا حصين بن حذيفة بن صيفي بن صهيب حدثني أبى وعمومتي عن سعيد بن المسيب عن صهيب. قال قال رسول الله ﷺ : «أريت دار هجرتكم سبخة بين ظهراني حرتين، فاما أن تكون هجر أو تكون يثرب» قال وخرج رسول الله ﷺ إلى المدينة وخرج معه أبو بكر، وكنت
стр. 867
قد هممت معه بالخروج فصدنى فتيان من قريش، فجعلت ليلتي تلك أقوم لا أقعد، فقالوا قد شغله الله عنكم ببطنه - ولم أكن شاكيا - فناموا. فخرجت ولحقني منهم ناس بعد ما سرت يريدوا ليردونى فقلت لهم إن أعطيتكم أواقي من ذهب وتخلوا سبيلي وتوفون لي ففعلوا فتبعتهم إلى مكة فقلت احفروا تحت أسكفة الباب فان بها أواقي، واذهبوا إلى فلانة فخذوا الحلتين. وخرجت حتى قدمت على رسول الله ﷺ بقباء قبل أن يتحول منها، فلما رآني قال: «يا أبا يحيى ربح البيع» فقلت يا رسول الله ما سبقني إليك أحد وما أخبرك إلا جبرائيل ﵇.
قال ابن إسحاق: ونزل حمزة بن عبد المطلب وزيد بن حارثة وأبو مرثد كناز بن الحصين وابنه مرثد الغنويان حليفا حمزة، وأنسة وأبو كبشة موليا رسول الله ﷺ على كلثوم بن الهدم أخى بنى عمرو بن عوف بقباء، وقيل على سعد بن خيثمة، وقيل بل نزل حمزة على أسعد بن زرارة والله أعلم. قال ونزل عبيدة بن الحارث وأخواه الطفيل وحصين ومسطح بن أثاثة وسويبط بن سعد ابن حريملة أخو بنى عبد الدار وطليب بن عمير أخو بنى عبد بن قصي وخباب مولى عتبة بن غزوان على عبد الله بن سلمة أخى بلعجلان بقباء (١) ونزل عبد الرحمن بن عوف في رجال من المهاجرين على سعد بن الربيع، ونزل الزبير بن العوام وأبو سبرة بن أبى رهم على منذر بن محمد بن عقبة بن أحيحة بن الجلاح بالعصبة دار بنى جحجبى ونزل مصعب بن عمير على سعد بن معاذ، ونزل أبو حذيفة بن عتبة وسالم مولاه على سلمة. قال ابن إسحاق وقال الأموي على خبيب بن إساف أخى بنى حارثة، ونزل عتبة بن غزوان على عباد بن بشر بن وقش في بنى عبد الأشهل، ونزل عثمان بن عفان على أوس بن ثابت بن المنذر أخى حسان بن ثابت في دار بنى النجار. قال ابن إسحاق:
ونزل العزاب من المهاجرين على سعد بن خيثمة وذلك أنه كان عزبا والله أعلم أي ذلك كان.
وقال يعقوب بن سفيان: حدثني احمد بن أبى بكر بن الحارث بن زرارة بن مصعب بن عبد الرحمن بن عوف حدثنا عبد العزيز بن محمد عن عبيد الله عن نافع عن ابن عمر أنه. قال:
قدمنا مكة فنزلنا العصبة، عمر بن الخطاب وأبو عبيدة بن الجراح وسالم مولى أبى حذيفة. فكان يؤمهم سالم مولى أبى حذيفة لانه كان أكثرهم قرآنا.
فصل في سبب هجرة رسول الله ﷺ بنفسه الكريمة
قال الله تعالى ﴿وَقُلْ رَبِّ أَدْخِلْنِي مُدْخَلَ صِدْقٍ وَأَخْرِجْنِي مُخْرَجَ صِدْقٍ وَاِجْعَلْ لِي مِنْ لَدُنْكَ سُلْطاناً نَصِيراً﴾
стр. 868
أرشده الله وألهمه أن يدعو بهذا الدعاء [و] أن يجعل له مما هو فيه فرجا قريبا ومخرجا عاجلا، فاذن له تعالى في الهجرة إلى المدينة النبويّة حيث الأنصار والأحباب، فصارت له دارا وقرارا، وأهلها له أنصارا.
قال احمد بن حنبل وعثمان بن أبى شيبة عن جرير عن قابوس بن أبى ظبيان (١) عن أبيه عن ابن عباس: كان رسول الله ﷺ بمكة، فأمر بالهجرة وأنزل عليه ﴿وَقُلْ رَبِّ أَدْخِلْنِي مُدْخَلَ صِدْقٍ وَأَخْرِجْنِي مُخْرَجَ صِدْقٍ وَاِجْعَلْ لِي مِنْ لَدُنْكَ سُلْطاناً نَصِيراً﴾ وقال قتادة ﴿أَدْخِلْنِي مُدْخَلَ صِدْقٍ﴾ المدينة ﴿وَأَخْرِجْنِي مُخْرَجَ صِدْقٍ﴾ الهجرة من مكة ﴿وَاِجْعَلْ لِي مِنْ لَدُنْكَ سُلْطاناً نَصِيراً﴾ كتاب الله وفرائضه وحدوده.
قال ابن إسحاق: وأقام رسول الله بمكة بعد أصحابه من المهاجرين ينتظر أن يؤذن له في الهجرة ولم يتخلف معه بمكة إلا من حبس أو فتن، إلا على بن أبى طالب وأبو بكر بن أبى قحافة ﵄ وكان أبو بكر كثيرا ما يستأذن رسول الله ﷺ في الهجرة فيقول له «لا تعجل لعل الله يجعل لك صاحبا» فيطمع أبو بكر أن يكونه. فلما رأت قريش أن رسول الله ﷺ قد صار له شيعة وأصحاب من غيرهم بغير بلدهم ورأوا خروج أصحابه من المهاجرين اليهم عرفوا أنهم قد نزلوا دارا وأصابوا منهم منعة، فحذروا خروج رسول الله ﷺ اليهم وعرفوا أنه قد أجمع لحربهم، فاجتمعوا له في دار الندوة وهي دار قصي بن كلاب التي كانت قريش لا تقضى أمرا إلا فيها يتشاورون فيما يصنعون في أمر رسول الله ﷺ حين خافوه.
قال ابن إسحاق: فحدثني من لا أتهم من أصحابنا عن عبد الله بن أبى نجيح عن مجاهد بن جبر عن عبد الله بن عباس. وغيره ممن لا أتهم عن عبد الله بن عباس. قال: لما اجتمعوا لذلك واتعدوا أن يدخلوا في دار الندوة ليتشاوروا فيها في أمر رسول الله ﷺ ، غدوا في اليوم الّذي اتعدوا له وكان ذلك اليوم يسمى يوم الزحمة، فاعترضهم إبليس لعنه الله في صورة شيخ جليل عليه بتلة (٢) فوقف على باب الدار فلما رأوه واقفا على بابها قالوا من الشيخ؟ قال شيخ من أهل نجد سمع بالذي اتعدتم له فحضر معكم ليسمع ما تقولون وعسى أن لا يعدمكم منه رأيا ونصحا. قالوا أجل فادخل، فدخل معهم وقد اجتمع فيها أشراف قريش عتبة وشيبة وأبو سفيان وطعيمة بن عدي وجبير بن مطعم بن عدي والحارث بن عامر بن نوفل والنضر بن الحارث وأبو البختري بن هشام وزمعة بن الأسود وحكيم بن حزام وأبو جهل بن هشام ونبيه ومنبه ابنا الحجاج
стр. 869
وأمية بن خلف ومن كان منهم وغيرهم ممن لا يعد من قريش، فقال بعضهم لبعض: إن هذا الرجل قد كان من أمره ما قد رأيتم وإننا والله ما نأمنه على الوثوب علينا بمن قد اتبعه من غيرنا، فاجمعوا فيه رأيا، قال فتشاوروا ثم قال قائل منهم - قيل إنه أبو البختري بن هشام - احبسوه في الحديد وأغلقوا عليه بابا ثم تربصوا به ما أصاب أشباهه من الشعراء الذين كانوا قبله زهيرا والنابغة ومن مضى منهم من هذا الموت حتى يصيبه ما أصابهم. فقال الشيخ النجدي: لا والله ما هذا لكم برأي والله لئن حبستموه كما تقولون ليخرجن أمره من وراء الباب هذا الّذي أغلقتم دونه الى أصحابه، فلأوشكوا أن يثبوا عليكم فينتزعوه من أيديكم ثم يكاثروكم به حتى يغلبوكم على أمركم، ما هذا لكم برأي. فتشاوروا ثم قال قائل منهم: نخرجه من بين أظهرنا فننفيه من بلادنا فإذا خرج عنا فو الله ما نبالى أين ذهب ولا حيث وقع، إذا غاب عنا وفرغنا منه فأصلحنا أمرنا وألفتنا كما كانت. قال الشيخ النجدي: لا والله ما هذا لكم برأي ألم تروا حسن حديثه وحلاوة منطقه وغلبته على قلوب الرجال بما يأتى به؟ والله لو فعلتم ذلك ما أمنت أن يحل على حي من العرب فيغلب عليهم بذلك من قوله وحديثه حتى يتابعوه عليه، ثم يسير بهم إليكم حتى يطأكم بهم فيأخذ أمركم من أيديكم، ثم يفعل بكم ما أراد، أديروا فيه رأيا غير هذا. فقال أبو جهل بن هشام: والله إن لي فيه رأيا ما أراكم وقعتم عليه بعد. قالوا وما هو يا أبا الحكم؟ قال: أرى أن نأخذ من كل قبيلة فتى شابا جليدا نسيبا وسيطا فينا ثم نعطي كل فتى منهم سيفا صارما، ثم يعمدوا اليه فيضربوه بها ضربة رجل واحد فيقتلوه فنستريح منه، فإنهم إذا فعلوا ذلك تفرق دمه في القبائل جميعها، فلم يقدر بنو عبد مناف على حرب قومهم جميعا. فرضوا منا بالعقل فعقلناه لهم، قال يقول الشيخ النجدي: القول ما قال الرجل هذا الرأى ولا رأى غيره فتفوق القوم على ذلك وهم مجمعون له. فأتى جبرائيل رسول الله ﷺ فقال له: لا تبت هذه الليلة على فراشك الّذي كنت تبيت عليه. قال فلما كانت عتمة من الليل اجتمعوا على بابه يرصدونه حتى ينام فيثبون عليه، فلما رأى رسول الله ﷺ مكانهم قال لعلى بن أبى طالب: «ثم على فراشي وتسج ببردي هذا الحضرميّ الأخضر، فنم فيه فإنه لن يخلص إليك شيء تكرهه منهم» وكان رسول الله ﷺ ينام في برده ذلك إذا نام.
وهذه القصة التي ذكرها ابن إسحاق قد رواها الواقدي بأسانيده عن عائشة وابن عباس وعلى وسراقة بن مالك بن جعشم وغيرهم دخل حديث بعضهم في بعض فذكر نحو ما تقدم.
قال ابن إسحاق: فحدثني يزيد بن أبى زياد عن محمد بن كعب القرظي. قال: لما اجتمعوا له وفيهم أبو جهل قال - وهم على بابه - إن محمدا يزعم أنكم إن تابعتموه على أمره كنتم ملوك العرب والعجم، ثم بعثتم من بعد موتكم، فجعلت لكم جنان كجنان الأردن، وإن لم تفعلوا كان فيكم ذبح
стр. 870
ثم بعثتم بعد موتكم، ثم جعلت لكم نار تحرقون فيها. قال فخرج رسول الله ﷺ فأخذ حفنة من تراب في يده ثم قال: «نعم أنا أقول ذلك أنت أحدهم» وأخذ الله على أبصارهم عنه فلا يرونه فجعل ينثر ذلك التراب على رءوسهم وهو يتلو هذه الآيات ﴿يس * وَالْقُرْآنِ الْحَكِيمِ * إِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ * عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ الى قوله ﴿وَجَعَلْنا مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ سَدًّا وَمِنْ خَلْفِهِمْ سَدًّا فَأَغْشَيْناهُمْ فَهُمْ لا يُبْصِرُونَ﴾ ولم يبق منهم رجل الا وقد وضع على رأسه ترابا ثم انصرف الى حيث أراد أن يذهب فأتاهم آت ممن لم يكن معهم فقال: ما تنتظرون هاهنا؟ قالوا محمدا، فقال خيبكم الله، قد والله خرج عليكم محمد ثم ما ترك منكم رجلا الا وقد وضع على رأسه ترابا، وانطلق لحاجته! أفما ترون ما بكم؟ قال فوضع كل رجل منهم يده على رأسه فإذا عليه تراب، ثم جعلوا يتطلعون فيرون عليا على الفراش متسجيا ببرد رسول الله ﷺ فيقولون: والله إن هذا لمحمد نائما عليه برده، فلم يبرحوا كذلك حتى أصبحوا فقام على عن الفراش فقالوا: والله لقد كان صدقنا الّذي كان حدثنا.
قال ابن إسحاق: فكان مما أنزل الله في ذلك اليوم وما كانوا أجمعوا له قوله تعالى ﴿وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللهُ وَاللهُ خَيْرُ الْماكِرِينَ﴾ وقوله ﴿أَمْ يَقُولُونَ شاعِرٌ نَتَرَبَّصُ بِهِ رَيْبَ الْمَنُونِ * قُلْ تَرَبَّصُوا فَإِنِّي مَعَكُمْ مِنَ الْمُتَرَبِّصِينَ﴾ قال ابن إسحاق فاذن الله لنبيه ﷺ عند ذلك بالهجرة.
باب هجرة رسول الله ﷺ بنفسه الكريمة من مكة الى المدينة ومعه أبو بكر الصديق ﵁
وذلك أول التاريخ الإسلامي كما اتفق عليه الصحابة في الدولة العمرية كما بيناه في سيرة عمر ﵁ وعنهم أجمعين. قال البخاري حدثنا مطر بن الفضل ثنا روح ثنا هشام ثنا عكرمة عن ابن عباس. قال: بعث النبي ﷺ لأربعين ستة، فمكث فيها ثلاث عشرة يوحى اليه، ثم أمر بالهجرة فهاجر عشر سنين، ومات وهو ابن ثلاث وستين سنة. وقد كانت هجرته ﵇ في شهر ربيع الأول سنة ثلاث عشرة من بعثته ﵇ وذلك في يوم الاثنين كما رواه الامام احمد عن ابن عباس أنه قال: ولد نبيكم يوم الاثنين، وخرج من مكة يوم الاثنين، ونبئ يوم الاثنين، ودخل المدينة يوم الاثنين، وتوفى يوم الاثنين.
قال محمد بن إسحاق: وكان أبو بكر حين استأذن رسول الله ﷺ في الهجرة فقال له: لا تعجل لعل الله أن يجعل لك صاحبا، قد طمع بأن يكون رسول الله ﷺ إنما يعنى نفسه، فابتاع راحلتين فحبسهما في داره يعلفهما اعدادا لذلك. قال الواقدي: اشتراهما بثمانمائة درهم.
стр. 871
قال ابن إسحاق: فحدثني من لا أتهم عن عروة بن الزبير عن عائشة أم المؤمنين أنها قالت:
كان لا يخطئ رسول الله ﷺ أن يأتى بيت أبى بكر أحد طرفي النهار، إما بكرة، وإما عشية.
حتى إذا كان اليوم الّذي أذن الله فيه رسوله ﷺ في الهجرة والخروج من مكة من بين ظهري قومه أتانا رسول الله ﷺ بالهاجرة في ساعة كان لا يأتى فيها، قالت فلما رآه أبو بكر قال: ما جاء رسول الله ﷺ في هذه الساعة إلا لأمر حدث! قالت فلما دخل تأخر له أبو بكر عن سريره فجلس رسول الله ﷺ وليس عند رسول الله ﷺ (١) أحد إلا أنا وأختى أسماء بنت أبى بكر، فقال رسول الله ﷺ : «أخرج عنى من عندك» قال: يا رسول الله إنما هما ابنتاى، وما ذاك فداك أبى وأمى؟ قال: «إن الله قد أذن لي في الخروج والهجرة» قالت فقال أبو بكر: الصحبة يا رسول الله؟ قال:
«الصحبة» قالت فو الله ما شعرت قط قبل ذلك اليوم أن أحدا يبكى من الفرح حتى رأيت أبا بكر يومئذ يبكى. ثم قال: يا نبي الله إن هاتين راحلتين كنت أعددتهما لهذا، فاستأجرا عبد الله بن أرقد (٢) قال ابن هشام: ويقال عبد الله بن أريقط. رجلا من بنى الدئل بن بكر، وكانت أمه من بنى سهم بن عمرو، وكان مشركا يدلهما على الطريق ودفعا اليه راحلتيهما، فكانتا عنده يرعاهما لميعادهما قال ابن إسحاق: ولم يعلم - فيما بلغني - بخروج رسول الله ﷺ أحد حين خرج إلا على بن أبى طالب وأبو بكر الصديق وآل أبى بكر، أما على فان رسول الله ﷺ أمره أن يتخلف حتى يؤدى عن رسول الله ﷺ الودائع التي كانت عنده للناس، وكان رسول الله ﷺ وليس بمكة أحد عنده شيء يخشى عليه إلا وضعه عنده لما يعلم من صدقه وأمانته. قال ابن إسحاق: فلما أجمع رسول الله ﷺ [الخروج] أتى أبا بكر بن أبى قحافة فخرجا من خوخة لأبى بكر في ظهر بيته. وقد
روى أبو نعيم من طريق إبراهيم بن سعد عن محمد بن إسحاق. قال: بلغني أن رسول الله ﷺ لما خرج من مكة مهاجرا إلى الله يريد المدينة قال: «الحمد لله الّذي خلقني ولم أك شيئا، اللهمّ أعنى على هول الدنيا، وبوائق الدهر، ومصائب الليالي والأيام. اللهمّ اصحبنى في سفري. واخلفني في أهلي، وبارك لي فيما رزقتني ولك فذلّلني. وعلى صالح خلقي فقومني، وإليك رب فحببني، وإلى الناس فلا تكلني، رب المستضعفين وأنت ربى أعوذ بوجهك الكريم الّذي أشرقت له السموات والأرض، وكشفت به الظلمات، وصلح عليه أمر الأولين والآخرين، أن تحل على غضبك، وتنزل بى سخطك، أعوذ بك من زوال نعمتك، وفجأة نقمتك، وتحول عافيتك وجميع سخطك. لك العقبي عندي خير ما استطعت، لا حول ولا قوة إلا بك».
стр. 872
قال ابن إسحاق: ثم عمدا إلى غار بثور - جبل بأسفل مكة - فدخلاه، وأمر أبو بكر الصديق ابنه عبد الله أن يتسمع لهما ما يقول الناس فيهما نهاره، ثم يأتيهما إذا أمسى بما يكون في ذلك اليوم من الخبر. وأمر عامر بن فهيرة مولاه أن يرعى غنمه نهاره، ثم يريحها عليهما إذا أمسى في الغار.
فكان عبد الله بن أبى بكر يكون في قريش نهاره معهم يسمع ما يأتمرون به، وما يقولون في شأن رسول الله ﷺ وأبى بكر، ثم يأتيهما إذا أمسى فيخبرهما الخبر. وكان عامر بن فهيرة يرعى في رعيان أهل مكة، فإذا أمسى أراح عليهما غنم أبى بكر فاحتلبا وذبحا. فإذا غدا عبد الله بن أبى بكر من عندهما إلى مكة أتبع عامر بن فهيرة أثره بالغنم يعفى عليه. وسيأتي في سياق البخاري ما يشهد لهذا.
وقد حكى ابن جرير عن بعضهم أن رسول الله ﷺ سبق الصديق في الذهاب الى غار ثور، وأمر عليا أن يدله على مسيره ليلحقه، فلحقه في أثناء الطريق. وهذا غريب جدا وخلاف المشهور من أنهما خرجا معا.
قال ابن إسحاق: وكانت أسماء بنت أبى بكر ﵂ تأتيهما من الطعام إذا أمست بما يصلحهما، قالت أسماء: ولما خرج رسول الله ﷺ وأبو بكر أتانا نفر من قريش فيهم أبو جهل بن هشام فوقفوا على باب أبى بكر، فخرجت اليهم فقالوا أين أبوك يا ابنة أبى بكر؟ قالت قلت لا أدرى والله أين أبى. قالت فرفع أبو جهل يده - وكان فاحشا خبيثا - فلطم خدي لطمة طرح منها قرطي ثم انصرفوا. قال ابن إسحاق: وحدثني يحيى بن عباد بن عبد الله بن الزبير أن أباه حدثه عن جدته أسماء قالت: لما خرج رسول الله ﷺ وخرج أبو بكر معه، احتمل أبو بكر ماله كله معه خمسة آلاف درهم - أو ستة آلاف درهم - فانطلق بها معه، قالت فدخل علينا جدي أبو قحافة - وقد ذهب بصره - فقال: والله إني لأراه قد فجعكم بماله مع نفسه؟ قالت قلت كلا يا أبة إنه قد ترك لنا خيرا كثيرا، قالت وأخذت أحجارا فوضعتها في كوة في البيت الّذي كان أبى يضع ماله فيها، ثم وضعت عليها ثوبا، ثم أخذت بيده فقلت يا أبة ضع يدك على هذا المال. قالت فوضع يده عليه فقال: لا بأس إذ كان قد ترك لكم هذا فقد أحسن وفي هذا بلاغ لكم، ولا والله ما ترك لنا شيئا ولكن أردت أن اسكن الشيخ بذلك.
وقال ابن هشام: وحدثني بعض أهل العلم أن الحسن بن أبى الحسن البصري. قال: انتهى رسول الله ﷺ وأبو بكر إلى الغار ليلا، فدخل أبو بكر قبل رسول الله ﷺ فلمس الغار لينظر أفيه سبع أو حية، يقي رسول الله ﷺ بنفسه. وهذا فيه انقطاع من طرفيه. وقد قال أبو القاسم البغوي حدثنا داود بن عمرو الضبيّ ثنا نافع بن عمر الجمحيّ عن ابن أبى مليكة: أن النبي ﷺ لما خرج هو وأبو بكر إلى ثور، فجعل أبو بكر يكون أمام النبي ﷺ مرة، وخلفه مرة. فسأله النبي ﷺ عن
стр. 873
ذلك فقال: إذا كنت خلفك خشيت أن تؤتى من أمامك، وإذا كنت أمامك خشيت أن تؤتى من خلفك. حتى إذا انتهى إلى الغار من ثور قال أبو بكر: كما أنت حتى أدخل يدي فاحسه وأقصه فان كانت فيه دابة أصابتنى قبلك. قال نافع: فبلغني أنه كان في الغار جحر فألقم أبو بكر رجله ذلك الجحر تخوفا أن يخرج منه دابة أو شيء يؤذى رسول الله ﷺ ، وهذا مرسل. وقد ذكرنا له شواهد أخر في سيرة الصديق ﵁.
وقال البيهقي: أخبرنا أبو عبد الله الحافظ أخبرنا أبو بكر احمد بن إسحاق أنا موسى بن الحسن ثنا عباد ثنا عفان بن مسلم ثنا السري بن يحيى ثنا محمد بن سيرين. قال: ذكر رجال على عهد عمر فكأنهم فضلوا عمر على أبى بكر. فبلغ ذلك عمر فقال: والله ليلة من أبى بكر خير من آل عمر، وليوم من أبى بكر خير من آل عمر. لقد خرج رسول الله ﷺ ليلة انطلق إلى الغار ومعه أبو بكر فجعل يمشى ساعة بين يديه وساعة خلفه، حتى فطن رسول الله ﷺ فقال: «يا أبا بكر مالك تمشى ساعة خلفي وساعة بين يدي؟» فقال: يا رسول الله أذكر الطلب فأمشى خلفك، ثم أذكر الرصد فأمشى بين يديك. فقال: «يا أبا بكر لو كان شيء لأحببت أن يكون بك دوني؟» قال نعم والّذي بعثك بالحق. فلما انتهيا إلى الغار قال أبو بكر: مكانك يا رسول الله حتى أستبرئ لك الغار، فدخل فاستبرأه، حتى إذا كان ذكر أنه لم يستبرئ الجحرة فقال: مكانك يا رسول الله حتى أستبرئ.
فدخل فاستبرأ ثم قال: أنزل يا رسول الله، فنزل. ثم قال عمر: والّذي نفسي بيده لتلك الليلة خير من آل عمر. وقد
رواه البيهقي من وجه آخر عن عمر وفيه: أن أبا بكر جعل يمشى بين يدي رسول الله ﷺ تارة، وخلفه أخرى، وعن يمينه وعن شماله. وفيه أنه لما حفيت رجلا رسول الله ﷺ حمله الصديق على كاهله، وأنه لما دخل الغار سدد تلك الأجحرة كلها وبقي منها جحر واحد، فألقمه كعبه فجعلت الأفاعي تنهشه ودموعه تسيل. فقال له رسول الله ﷺ «لا تَحْزَنْ إِنَّ اللهَ مَعَنا» وفي هذا السياق غرابة ونكارة. وقال البيهقي: أخبرنا أبو عبد الله الحافظ وابو سعيد بن أبى عمرو.
قالا: ثنا أبو العباس الأصم ثنا عباس الدوري ثنا اسود بن عامر شاذان ثنا إسرائيل عن الأسود عن جندب بن عبد الله. قال: كان أبو بكر مع رسول الله ﷺ في الغار، فأصاب يده حجر فقال:
إن أنت إلا إصبع دميت … وفي سبيل الله ما لقيت
وقال الامام احمد حدثنا عبد الرزاق أخبرنا معمر أخبرنى عثمان الجزري أن مقسما مولى ابن عباس أخبره عن ابن عباس في قوله تعالى ﴿وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِيُثْبِتُوكَ﴾ قال: تشاورت قريش ليلة بمكة، فقال بعضهم إذا أصبح فأثبتوه بالوثاق، يريدون النبي ﷺ . وقال بعضهم بل اقتلوه. وقال بعضهم بل أخرجوه. فأطلع الله نبيه ﷺ على ذلك، فبات عليّ على فراش
стр. 874
النبي ﷺ تلك الليلة، وخرج النبي ﷺ حتى لحق بالغار، وبات المشركون يحرسون عليا يحسبونه النبي ﷺ . فلما أصبحوا ثاروا عليه، فلما رأوا عليا رد الله عليهم مكرهم. فقالوا: أين صاحبك هذا؟ فقال: لا أدرى. فاقتفوا أثره فلما بلغوا الجبل اختلط عليهم، فصعدوا الجبل فمروا بالغار، فرأوا على بابه نسج العنكبوت، فقالوا لو دخل هاهنا أحد لم يكن نسج العنكبوت على بابه، فمكث فيه ثلاث ليال. وهذا اسناد حسن وهو من أجود ما روى في قصة نسج العنكبوت على فم الغار، وذلك من حماية الله رسوله ﷺ .
[وقال الحافظ أبو بكر احمد بن على بن سعيد القاضي في مسند ابى بكر حدثنا بشار الخفاف ثنا جعفر وسليمان (١) ثنا ابو عمران الجونى حدثنا المعلى بن زياد عن الحسن البصري. قال: انطلق النبي ﷺ وأبو بكر الى الغار، وجاءت قريش يطلبون النبي ﷺ ، وكانوا إذا رأوا على باب الغار نسج العنكبوت قالوا: لم يدخل أحد، وكان النبي ﷺ قائما يصلى وأبو بكر يرتقب، فقال أبو بكر للنّبيّ ﷺ : هؤلاء قومك يطلبونك، أما والله ما على نفسي آئل (٢) ولكن مخافة أن أرى فيك ما أكره. فقال له النبي ﷺ : «يا أبا بكر لا تخف إن الله معنا» وهذا مرسل عن الحسن، وهو حسن بحاله من الشاهد، وفيه زيادة صلاة النبي ﷺ في الغار. وقد كان ﵇ إذا أحزنه أمر صلى وروى هذا الرجل - اعنى ابو بكر احمد بن على القاضي -[عن] عمرو الناقد عن خلف بن تميم عن موسى بن مطر عن أبيه عن ابى هريرة أن أبا بكر. قال لابنه: يا بنى إذا حدث في الناس حدث فأت الغار الّذي اختبأت فيه أنا ورسول الله ﷺ فكن فيه فإنه سيأتيك رزقك فيه بكرة وعشيا] (٣).
وقد نظم بعضهم هذا في شعره حيث يقول:
نسج داود ما حمى صاحب الغار … وكان الفخار للعنكبوت
وقد ورد أن حمامتين عششتا على بابه أيضا، وقد نظم ذلك الصرصرى في شعره حيث يقول:
فغمى عليه العنكبوت بنسجه … وظل على الباب الحمام يبيض
والحديث بذلك رواه الحافظ ابن عساكر من طريق يحيى بن محمد بن صاعد حدثنا عمرو بن على ثنا عون بن عمرو أبو عمرو القيسي - ويلقب عوين - حدثني أبو مصعب المكيّ. قال: أدركت زيد بن أرقم والمغيرة بن شعبة وأنس بن مالك، يذكرون أن النبي ﷺ ليلة الغار أمر الله شجرة
стр. 875
فخرجت في وجه النبي ﷺ تستره، وأن الله بعث العنكبوت فنسجت ما بينهما فسترت وجه رسول الله ﷺ وأمر الله حمامتين وحشيتين فأقبلتا يدفان حتى وقعتا بين العنكبوت وبين الشجرة وأقبلت فتيان قريش من كل بطن منهم رجل، معهم عصيهم وقسيهم وهراواتهم، حتى إذا كانوا من رسول الله ﷺ قدر مائتي ذراع قال الدليل - وهو سراقة بن مالك بن جعشم المدلجي - هذا الحجر ثم لا أدرى أين وضع رجله. فقال الفتيان: أنت لم تخطئ منذ الليلة. حتى إذا أصبحن قال:
انظروا في الغار، فاستقبه القوم حتى إذا كانوا من النبي ﷺ قدر خمسين ذراعا، فإذا الحمامتان ترجع (١) فقالوا ما ردك أن تنظر في الغار؟ قال رأيت حمامتين وحشيتين بفم الغار، فعرفت أن ليس فيه أحد. فسمعها النبي ﷺ فعرف أن الله قد درأ عنهما بهما، فسمت عليهما - أي برّك عليهما - وأحدرهما الله إلى الحرم فأفرخا كما ترى. وهذا حديث غريب جدا من هذا الوجه. قد رواه الحافظ أبو نعيم من حديث مسلم بن إبراهيم وغيره عن عون بن عمرو - وهو الملقب بعوين - باسناده مثله.
وفيه أن جميع حمام مكة من نسل تيك الحمامتين، وفي هذا الحديث أن القائف الّذي اقتفى لهم الأثر سراقة بن مالك المدلجي وقد روى الواقدي عن موسى بن محمد بن إبراهيم عن أبيه أن الّذي اقتفى لهم الأثر كرز بن علقمة.
قلت: ويحتمل أن يكونا جميعا اقتفيا الأثر والله أعلم. وقد قال الله تعالى ﴿إِلاّ تَنْصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللهُ إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا ثانِيَ اِثْنَيْنِ إِذْ هُما فِي الْغارِ إِذْ يَقُولُ لِصاحِبِهِ لا تَحْزَنْ إِنَّ اللهَ مَعَنا فَأَنْزَلَ اللهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَمْ تَرَوْها وَجَعَلَ كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُوا السُّفْلى وَكَلِمَةُ اللهِ هِيَ الْعُلْيا وَاللهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ يقول تعالى مؤنبا لمن تخلف عن الجهاد مع الرسول ﴿إِلاّ تَنْصُرُوهُ﴾ أنتم فان الله ناصره ومؤيده ومظفره كما نصره ﴿إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ من أهل مكة هاربا ليس معه غير صاحبه وصديقه أبى بكر ليس غيره ولهذا قال ﴿ثانِيَ اِثْنَيْنِ إِذْ هُما فِي الْغارِ﴾ أي وقد لجئا إلى الغار فأقاما فيه ثلاثة أيام ليسكن الطلب عنهما، وذلك لأن المشركين حين فقدوهما كما تقدم ذهبوا في طلبهما كل مذهب من سائر الجهات، وجعلوا لمن ردهما - أو أحدهما - مائة من الإبل، واقتصوا آثارهما حتى اختلط عليهم، وكان الّذي يقتص الأثر لقريش سراقة بن مالك بن جعشم كما تقدم، فصعدوا الجبل الّذي هما فيه وجعلوا يمرون على باب الغار، فتحاذى أرجلهم لباب الغار ولا يرونهما، حفظا من الله لهما كما
قال الامام احمد حدثنا عفان ثنا همام أنا ثابت عن أنس بن مالك أن أبا بكر حدثه. قال قلت للنّبيّ ﷺ ونحن في الغار. لو ان أحدهم نظر إلى قدميه لأبصرنا تحت قدميه؟ فقال: «يا أبا بكر ما ظنك باثنين الله ثالثهما» وأخرجه البخاري ومسلم في صحيحيهما من حديث همام به. وقد
ذكر
стр. 876
بعض أهل السير أن أبا بكر لما قال ذلك قال النبي ﷺ : «لو جاءونا من هاهنا لذهبنا من هنا» فنظر الصديق إلى الغار قد انفرج من الجانب الآخر، وإذا البحر قد اتصل به، وسفينة مشدودة إلى جانبه. وهذا ليس بمنكر من حيث القدرة العظيمة، ولكن لم يرد ذلك باسناد قوى ولا ضعيف، ولسنا نثبت شيئا من تلقاء أنفسنا، ولكن ما صح أو حسن سنده قلنا به والله أعلم.
وقد قال الحافظ أبو بكر البزار حدثنا الفضل بن سهل ثنا خلف بن تميم ثنا موسى بن مطير القرشي عن أبيه عن أبى هريرة أن أبا بكر قال لابنه: يا بنى إن حدث في الناس حدث فأت الغار الّذي رأيتني اختبأت فيه أنا ورسول الله ﷺ فكن فيه، فإنه سيأتيك فيه رزقك غدوة وعشية.
ثم قال البزار: لا نعلم يرويه غير خلف بن تميم.
قلت: وموسى بن مطير هذا ضعيف متروك، وكذبه يحيى بن معين فلا يقبل حديثه. وقد ذكر يونس بن بكير عن محمد بن إسحاق أن الصديق قال في دخولهما الغار، وسيرهما بعد ذلك وما كان من قصة سراقة كما سيأتي شعرا. فمنه قوله:
قال النبي - ولم أجزع - يوقرنى … ونحن في سدف من ظلمة الغار
لا تخش شيئا فان الله ثالثنا … وقد توكل لي منه بإظهار
وقد روى أبو نعيم هذه القصيدة من طريق زياد عن محمد بن إسحاق فذكرها مطولة جدا، وذكر معها قصيدة أخرى والله أعلم وقد روى ابن لهيعة عن أبى الأسود عن عروة بن الزبير. قال فمكث رسول الله ﷺ بعد الحج - يعنى الّذي بايع فيه الأنصار - بقية ذي الحجة والمحرم وصفر، ثم إن مشركي قريش أجمعوا أمرهم ومكرهم على أن يقتلوا رسول الله ﷺ ، أو يحبسوه، أو يخرجوه فأطلعه الله على ذلك فأنزل عليه ﴿وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ الآية. فأمر عليا فنام على فراشه، وذهب هو وأبو بكر، فلما أصبحوا ذهبوا في طلبهما في كل وجه يطلبونهما. وهكذا ذكر موسى بن عقبة في مغازيه، وان خروجه هو وابو بكر الى الغار كان ليلا. وقد تقدم عن الحسن البصري فيما ذكره ابن هشام التصريح بذلك أيضا وقال البخاري حدثنا يحيى بن بكير ثنا الليث عن عقيل. قال ابن شهاب فأخبرني عروة بن الزبير عن عائشة زوج النبي ﷺ قالت: لم أعقل أبوي قط إلا وهما يدينان الدين، ولم يمر علينا يوم إلا يأتينا فيه رسول الله ﷺ طرفي النهار بكرة وعشية، فلما ابتلى المسلمون خرج ابو بكر مهاجرا نحو ارض الحبشة، حتى إذا بلغ برك الغماد (١) لقيه ابن الدغنة وهو سيد القارة، فذكرت ما كان من رده لأبى بكر إلى مكة وجواره له كما قدمناه عند هجرة الحبشة، إلى قوله فقال أبو بكر: فانى أرد عليك جوارك وأرضى بجوار الله. قالت والنبي ﷺ
стр. 877
يومئذ بمكة.
فقال النبي ﷺ للمسلمين: «إني أريت دار هجرتكم ذات نخل بين لابتين» وهما الحرتان. فهاجر من هاجر قبل المدينة، ورجع بعض من كان هاجر قبل الحبشة الى المدينة، وتجهز أبو بكر مهاجرا قبل المدينة. فقال له رسول الله ﷺ «على رسلك فانى أرجو أن يؤذن لي» فقال أبو بكر: وهل ترجو ذلك بأبي أنت وأمى؟ قال نعم. فحبس أبو بكر نفسه على رسول الله ﷺ ليصحبه، وعلف راحلتين كانتا عنده ورق السمر - وهو الخبط - (١) أربعة أشهر، وذكر بعضهم أنه علفهما ستة أشهر.
قال ابن شهاب قال عروة قالت عائشة: فبينما نحن يوما جلوس في بيت أبى بكر في حر الظهيرة، فقال قائل لأبى بكر: هذا رسول الله ﷺ متقنعا في ساعة لم يكن يأتينا فيها، فقال أبو بكر: فداء له أبى وأمى، والله ما جاء به في هذه الساعة إلا أمر. قالت فجاء رسول الله ﷺ فاستأذن فأذن له، فدخل فقال النبي ﷺ «أخرج من عندك» فقال أبو بكر: إنما هم أهلك بأبي أنت يا رسول الله. قال فإنه قد أذن لي في الخروج. فقال أبو بكر: الصحبة بأبي أنت وأمى، قال النبي ﷺ «نعم»! قال أبو بكر: فخذ أنت يا رسول الله إحدى راحلتي هاتين. فقال رسول الله ﷺ بالثمن. قالت عائشة فجهزنا هما أحث الجهاز فصنعنا لهما سفرة في جراب، فقطعت أسماء بنت أبى بكر قطعة من نطاقها فربطت به على فم الجراب، فلذلك سميت ذات النطاقين. قالت ثم لحق رسول الله ﷺ وأبو بكر بغار في جبل ثور، فمكثا فيه ثلاث ليال يبيت عندهما عبد الله بن أبى بكر وهو غلام شاب ثقف لقن فيدلج من عندهما بسحر فيصبح مع قريش بمكة كبائت، لا يسمع أمرا يكاد ان به إلا وعاه حتى يأتيهما بخبر ذلك حين يختلط الظلام، ويرعى عليهما عامر بن فهيرة مولى أبى بكر منحة (٢) من غنم فيريحها عليهما حين يذهب ساعة من العشاء، فيبيتان في رسل - وهو لبن منحتهما ورضيعهما - حتى [ينعق بها (٣)] عامر بن فهيرة بغلس، يفعل ذلك في كل ليلة من تلك الليالي الثلاث. واستأجر رسول الله ﷺ وأبو بكر رجلا من بنى الدئل وهو من بنى عبد ابن عدي هاديا خريتا - والخريت الماهر بالهداية - قد غمس حلفا في آل العاص بن وائل السهمي وهو على دين كفار قريش فأمناه فدفعا اليه راحلتيهما، وواعداه غار ثور بعد ثلاث ليال براحلتيهما صبح ثلاث ليال. وانطلق معهما عامر بن فهيرة والدليل فأخذ بهم طريق السواحل. قال ابن شهاب فأخبرني عبد الرحمن بن مالك المدلجي وهو ابن أخى سراقة أن أباه أخبره أنه سمع سراقة بن مالك
стр. 878
ابن جعشم. يقول: جاءنا رسل كفار قريش يجعلون في رسول الله ﷺ وأبى بكر دية كل واحد منهما لمن قتله أو أسره، فبينما أنا جالس في مجلس من مجالس قومي بنى مدلج إذ أقبل رجل منهم حتى قام علينا ونحن جلوس. فقال: يا سراقة إني رأيت آنفا أسودة بالساحل أراها محمدا وأصحابه. قال سراقة:
فعرفت أنهم هم فقلت له إنهم ليسوا بهم، ولكنك رأيت فلانا وفلانا انطلقوا بأعيننا، ثم لبثت في المجلس ساعة ثم قمت فدخلت فأمرت جاريتي أن تخرج بفرسي وهي من وراء أكمة فتحبسها على، وأخذت رمحي فخرجت من ظهر البيت فخططت يزجه الأرض وخفضت عاليه، حتى أتيت فرسي فركبتها فدفعتها ففرت بى حتى دنوت منهم، فعثرت بى فرسي فخررت عنها فقمت فأهويت يدي إلى كنانتي فاستخرجت منها الأزلام فاستقسمت بها أضرهم أم لا، فخرج الّذي أكره، فركبت فرسي وعصبت لازلام فجعل فرسي يقرب بى حتى إذا سمعت قراءة رسول الله ﷺ وهو لا يلتفت وأبو بكر يكثر الالتفات ساخت يدا فرسي في الأرض حتى بلغتا الركبتين، فخررت عنها فأهويت، ثم زجرتها فنهضت، فلم تكد تخرج يديها، فلما استوت قائمة إذا لأثر يديها غبار ساطع في السماء مثل الدخان، فاستقسمت الأزلام فخرج الّذي أكره، فناديتهم بالأمان فوقفوا فركبت فرسي حتى جئتهم ووقع في نفسي حين لقيت ما لقيت من الحبس عنهم أن سيظهر أمر رسول الله ﷺ . فقلت له: إن قومك قد جعلوا فيك الدية، وأخبرتهم أخبار ما يريد الناس بهم، وعرضت عليهم الزاد والمتاع. فلم يردانى ولم يسألانى إلا أن قالا أخف عنا. فسألته أن يكتب لي كتاب أمن فأمر عامر ابن فهيرة فكتب لي رقعة من أدم. ثم مضى رسول الله ﷺ .
وقد روى محمد بن إسحاق عن الزهري عن عبد الرحمن بن مالك بن جعشم عن أبيه عن عمه سراقة فذكر هذه القصة، إلا أنه ذكر أنه استقسم بالأزلام أول ما خرج من منزله فخرج السهم الّذي يكره لا يضره، وذكر أنه عثر به فرسه أربع مرات، وكل ذلك يستقسم بالأزلام ويخرج الّذي يكره لا يضره. حتى ناداهم بالأمان. وسأل أن يكتب له كتابا يكون أمارة ما بينه وبين رسول الله ﷺ ، قال فكتب لي كتابا في عظم - أو رقعة أو خرقة -
وذكر أنه جاء به الى رسول الله ﷺ وهو بالجعرانة مرجعه من الطائف، فقال له «يوم وفاء وبر، أدنه» فدنوت منه وأسلمت.
قال ابن هشام: هو عبد الرحمن بن الحارث بن مالك بن جعشم (١) وهذا الّذي قاله جيد.
ولما رجع سراقة جعل لا يلقى أحدا من الطلب الا رده وقال: كفيتم هذا الوجه، فلما ظهر أن رسول الله ﷺ قد وصل الى المدينة. جعل سراقة يقص على الناس ما رأى وما شاهد من أمر النبي ﷺ وما كان من قضية جواده، واشتهر هذا عنه. فخاف رؤساء قريش معرته، وخشوا أن يكون ذلك سببا
стр. 879
لاسلام كثير منهم، وكان سراقة أمير بنى مدلج ورئيسهم، فكتب أبو جهل - لعنه الله - اليهم:
بنى مدلج إني أخاف سفيهكم … سراقة مستغو لنصر محمد
عليكم به ألاّ يفرق جمعكم … فيصبح شتى بعد عز وسؤدد
قال فقال سراقة بن مالك يجيب أبا جهل في قوله هذا:
أبا حكم والله لو كنت شاهدا … لأمر جوادي إذ تسوخ قوائمه
عجبت ولم تشكك بأن محمدا … (١) رسول وبرهان فمن ذا يقاومه
عليك فكف القوم عنه فاننى … أخال لنا يوما ستبدو معاله
بأمر تود النصر فيه فإنهم … وإن جميع الناس طرا مسالمه
[(٢) وذكر هذا الشعر الأموي في مغازيه بسنده عن أبى إسحاق وقد رواه أبو نعيم بسنده من طريق زياد عن ابن إسحاق، وزاد في شعر أبى جهل أبياتا تتضمن كفرا بليغا].
وقال البخاري بسنده إلى ابن شهاب فأخبرني عروة بن الزبير أن رسول الله ﷺ لقي الزبير في ركب من المسلمين كانوا تجارا قافلين من الشام، فكسى الزبير رسول الله ﷺ وأبا بكر ثياب بياض، وسمع المسلمون بالمدينة بمخرج رسول الله ﷺ من مكة، فكانوا يغدون كل غداة إلى الحرة فينتظرونه حتى يردهم حر الظهيرة، فانقلبوا يوما بعد ما أطالوا انتظارهم، فلما أووا الى بيوتهم أوفى رجل من اليهود على أطم من آطامهم لأمر ينظر اليه، فبصر برسول الله ﷺ وأصحابه مبيضين يزول بهم السراب فلم يملك اليهودي أن قال بأعلى صوته: يا معشر العرب هذا جدكم الّذي تنتظرون فثار المسلمون إلى السلاح فتلقوا رسول الله ﷺ بظهر الحرة، فعدل بهم ذات اليمين حتى نزل بهم في بنى عمرو بن عوف، وذلك يوم الاثنين من شهر ربيع الأول فقام أبو بكر للناس وجلس رسول الله ﷺ صامتا فطفق من جاء من الأنصار ممن لم ير رسول الله ﷺ يحيى أبا بكر حتى أصابت الشمس رسول الله ﷺ ، فاقبل أبو بكر حتى ظلل عليه بردائه. فعرف الناس رسول الله ﷺ عند ذلك
فلبث رسول الله ﷺ في بنى عمرو بن عوف بضع عشرة ليلة وأسس المسجد الّذي أسس على التقوى وصلّى فيه رسول الله ﷺ ثم ركب راحلته وسار يمشى معه الناس حتى بركت عند مسجد رسول الله ﷺ بالمدينة، وهو يصلى فيه يومئذ رجال من المسلمين. وكان مربدا للتمر لسهيل وسهل غلامين يتيمين في حجر أسعد بن زرارة. فقال رسول الله ﷺ حين بركت به راحلته: «هذا إن شاء الله المنزل»، ثم دعا رسول الله ﷺ الغلامين فساومهما بالمربد ليتخذه مسجدا، فقالا بل نهبه لك
стр. 880
يا رسول الله، فأبى رسول الله ﷺ أن يقبله منهما هبة حتى ابتاعه منهما. ثم بناه مسجدا. فطفق رسول الله ﷺ ينقل معهم اللبن في بنيانه، وهو يقول حين ينقل اللبن:
هذا الحمال لاحمال خيبر … هذا أبر ربنا وأطهر
ويقول:
لاهمّ إن الأجر أجر الآخرة … فارحم الأنصار والمهاجرة (١)
فتمثل بشعر رجل من المسلمين لم يسم لي. قال ابن شهاب: ولم يبلغنا في الأحاديث ان رسول الله ﷺ تمثل ببيت شعر تام غير هذه الأبيات. هذا لفظ البخاري وقد تفرد بروايته دون مسلم، وله شواهد من وجوه أخر وليس فيه قصة أم معبد الخزاعية، ولنذكر هنا ما يناسب ذلك مرتبا أولا فأولا.
قال الامام احمد: حدثنا عمرو بن محمد أبو سعيد العنقزى ثنا إسرائيل عن أبى إسحاق عن البراء بن عازب. قال: اشترى أبو بكر من عازب سرجا بثلاثة عشر درهما فقال أبو بكر لعازب: مر البراء فليحمله إلى منزلي. فقال: لا حتى تحدثنا كيف صنعت حين خرج رسول الله ﷺ وأنت معه؟ فقال أبو بكر: خرجنا فادلجنا فاحثثنا يومنا وليلتنا حتى أظهرنا وقام قائم الظهيرة، فضربت بصرى هل أرى ظلا نأوي اليه، فإذا أنا بصخرة فأهويت اليها فإذا بقية ظلها، فسويته لرسول الله ﷺ وفرشت له فروة وقلت اضطجع يا رسول الله فاضطجع، ثم خرجت انظر هل أرى أحدا من الطلب فإذا أنا براعي غنم، فقلت لمن أنت يا غلام؟ فقال لرجل من قريش - فسماه فعرفته - فقلت هل في غنمك من لبن؟ قال نعم! قلت هل أنت حالب لي؟ قال نعم! فأمرته فاعتقل شاة منها ثم أمرته فنفض ضرعها من الغبار، ثم أمرته فنفض كفيه من الغبار، ومعى إداوة على فمها خرقة فحلب لي كثبة (٢) من اللبن فصببت على القدح حتى برد أسفله ثم أتيت رسول الله ﷺ فوافيته وقد استيقظ، فقلت اشرب يا رسول الله فشرب حتى رضيت، ثم قلت هل آن الرحيل؟ فارتحلنا والقوم يطلبوننا فلم يدركنا أحد منهم إلا سراقة بن مالك بن جعشم على فرس له، فقلت يا رسول الله هذا الطلب قد لحقنا؟ قال «لا تحزن إن الله معنا» حتى إذا دنا منا فكان بيننا وبينه قد رمح - أو