بعض أهل السير أن أبا بكر لما قال ذلك قال النبي ﷺ : «لو جاءونا من هاهنا لذهبنا من هنا» فنظر الصديق إلى الغار قد انفرج من الجانب الآخر، وإذا البحر قد اتصل به، وسفينة مشدودة إلى جانبه. وهذا ليس بمنكر من حيث القدرة العظيمة، ولكن لم يرد ذلك باسناد قوى ولا ضعيف، ولسنا نثبت شيئا من تلقاء أنفسنا، ولكن ما صح أو حسن سنده قلنا به والله أعلم.
وقد قال الحافظ أبو بكر البزار حدثنا الفضل بن سهل ثنا خلف بن تميم ثنا موسى بن مطير القرشي عن أبيه عن أبى هريرة أن أبا بكر قال لابنه: يا بنى إن حدث في الناس حدث فأت الغار الّذي رأيتني اختبأت فيه أنا ورسول الله ﷺ فكن فيه، فإنه سيأتيك فيه رزقك غدوة وعشية.
ثم قال البزار: لا نعلم يرويه غير خلف بن تميم.
قلت: وموسى بن مطير هذا ضعيف متروك، وكذبه يحيى بن معين فلا يقبل حديثه. وقد ذكر يونس بن بكير عن محمد بن إسحاق أن الصديق قال في دخولهما الغار، وسيرهما بعد ذلك وما كان من قصة سراقة كما سيأتي شعرا. فمنه قوله:
قال النبي - ولم أجزع - يوقرنى … ونحن في سدف من ظلمة الغار
لا تخش شيئا فان الله ثالثنا … وقد توكل لي منه بإظهار
وقد روى أبو نعيم هذه القصيدة من طريق زياد عن محمد بن إسحاق فذكرها مطولة جدا، وذكر معها قصيدة أخرى والله أعلم وقد روى ابن لهيعة عن أبى الأسود عن عروة بن الزبير. قال فمكث رسول الله ﷺ بعد الحج - يعنى الّذي بايع فيه الأنصار - بقية ذي الحجة والمحرم وصفر، ثم إن مشركي قريش أجمعوا أمرهم ومكرهم على أن يقتلوا رسول الله ﷺ ، أو يحبسوه، أو يخرجوه فأطلعه الله على ذلك فأنزل عليه ﴿وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ الآية. فأمر عليا فنام على فراشه، وذهب هو وأبو بكر، فلما أصبحوا ذهبوا في طلبهما في كل وجه يطلبونهما. وهكذا ذكر موسى بن عقبة في مغازيه، وان خروجه هو وابو بكر الى الغار كان ليلا. وقد تقدم عن الحسن البصري فيما ذكره ابن هشام التصريح بذلك أيضا وقال البخاري حدثنا يحيى بن بكير ثنا الليث عن عقيل. قال ابن شهاب فأخبرني عروة بن الزبير عن عائشة زوج النبي ﷺ قالت: لم أعقل أبوي قط إلا وهما يدينان الدين، ولم يمر علينا يوم إلا يأتينا فيه رسول الله ﷺ طرفي النهار بكرة وعشية، فلما ابتلى المسلمون خرج ابو بكر مهاجرا نحو ارض الحبشة، حتى إذا بلغ برك الغماد (١) لقيه ابن الدغنة وهو سيد القارة، فذكرت ما كان من رده لأبى بكر إلى مكة وجواره له كما قدمناه عند هجرة الحبشة، إلى قوله فقال أبو بكر: فانى أرد عليك جوارك وأرضى بجوار الله. قالت والنبي ﷺ
стр. 877
يومئذ بمكة.
فقال النبي ﷺ للمسلمين: «إني أريت دار هجرتكم ذات نخل بين لابتين» وهما الحرتان. فهاجر من هاجر قبل المدينة، ورجع بعض من كان هاجر قبل الحبشة الى المدينة، وتجهز أبو بكر مهاجرا قبل المدينة. فقال له رسول الله ﷺ «على رسلك فانى أرجو أن يؤذن لي» فقال أبو بكر: وهل ترجو ذلك بأبي أنت وأمى؟ قال نعم. فحبس أبو بكر نفسه على رسول الله ﷺ ليصحبه، وعلف راحلتين كانتا عنده ورق السمر - وهو الخبط - (١) أربعة أشهر، وذكر بعضهم أنه علفهما ستة أشهر.
قال ابن شهاب قال عروة قالت عائشة: فبينما نحن يوما جلوس في بيت أبى بكر في حر الظهيرة، فقال قائل لأبى بكر: هذا رسول الله ﷺ متقنعا في ساعة لم يكن يأتينا فيها، فقال أبو بكر: فداء له أبى وأمى، والله ما جاء به في هذه الساعة إلا أمر. قالت فجاء رسول الله ﷺ فاستأذن فأذن له، فدخل فقال النبي ﷺ «أخرج من عندك» فقال أبو بكر: إنما هم أهلك بأبي أنت يا رسول الله. قال فإنه قد أذن لي في الخروج. فقال أبو بكر: الصحبة بأبي أنت وأمى، قال النبي ﷺ «نعم»! قال أبو بكر: فخذ أنت يا رسول الله إحدى راحلتي هاتين. فقال رسول الله ﷺ بالثمن. قالت عائشة فجهزنا هما أحث الجهاز فصنعنا لهما سفرة في جراب، فقطعت أسماء بنت أبى بكر قطعة من نطاقها فربطت به على فم الجراب، فلذلك سميت ذات النطاقين. قالت ثم لحق رسول الله ﷺ وأبو بكر بغار في جبل ثور، فمكثا فيه ثلاث ليال يبيت عندهما عبد الله بن أبى بكر وهو غلام شاب ثقف لقن فيدلج من عندهما بسحر فيصبح مع قريش بمكة كبائت، لا يسمع أمرا يكاد ان به إلا وعاه حتى يأتيهما بخبر ذلك حين يختلط الظلام، ويرعى عليهما عامر بن فهيرة مولى أبى بكر منحة (٢) من غنم فيريحها عليهما حين يذهب ساعة من العشاء، فيبيتان في رسل - وهو لبن منحتهما ورضيعهما - حتى [ينعق بها (٣)] عامر بن فهيرة بغلس، يفعل ذلك في كل ليلة من تلك الليالي الثلاث. واستأجر رسول الله ﷺ وأبو بكر رجلا من بنى الدئل وهو من بنى عبد ابن عدي هاديا خريتا - والخريت الماهر بالهداية - قد غمس حلفا في آل العاص بن وائل السهمي وهو على دين كفار قريش فأمناه فدفعا اليه راحلتيهما، وواعداه غار ثور بعد ثلاث ليال براحلتيهما صبح ثلاث ليال. وانطلق معهما عامر بن فهيرة والدليل فأخذ بهم طريق السواحل. قال ابن شهاب فأخبرني عبد الرحمن بن مالك المدلجي وهو ابن أخى سراقة أن أباه أخبره أنه سمع سراقة بن مالك
стр. 878
ابن جعشم. يقول: جاءنا رسل كفار قريش يجعلون في رسول الله ﷺ وأبى بكر دية كل واحد منهما لمن قتله أو أسره، فبينما أنا جالس في مجلس من مجالس قومي بنى مدلج إذ أقبل رجل منهم حتى قام علينا ونحن جلوس. فقال: يا سراقة إني رأيت آنفا أسودة بالساحل أراها محمدا وأصحابه. قال سراقة:
فعرفت أنهم هم فقلت له إنهم ليسوا بهم، ولكنك رأيت فلانا وفلانا انطلقوا بأعيننا، ثم لبثت في المجلس ساعة ثم قمت فدخلت فأمرت جاريتي أن تخرج بفرسي وهي من وراء أكمة فتحبسها على، وأخذت رمحي فخرجت من ظهر البيت فخططت يزجه الأرض وخفضت عاليه، حتى أتيت فرسي فركبتها فدفعتها ففرت بى حتى دنوت منهم، فعثرت بى فرسي فخررت عنها فقمت فأهويت يدي إلى كنانتي فاستخرجت منها الأزلام فاستقسمت بها أضرهم أم لا، فخرج الّذي أكره، فركبت فرسي وعصبت لازلام فجعل فرسي يقرب بى حتى إذا سمعت قراءة رسول الله ﷺ وهو لا يلتفت وأبو بكر يكثر الالتفات ساخت يدا فرسي في الأرض حتى بلغتا الركبتين، فخررت عنها فأهويت، ثم زجرتها فنهضت، فلم تكد تخرج يديها، فلما استوت قائمة إذا لأثر يديها غبار ساطع في السماء مثل الدخان، فاستقسمت الأزلام فخرج الّذي أكره، فناديتهم بالأمان فوقفوا فركبت فرسي حتى جئتهم ووقع في نفسي حين لقيت ما لقيت من الحبس عنهم أن سيظهر أمر رسول الله ﷺ . فقلت له: إن قومك قد جعلوا فيك الدية، وأخبرتهم أخبار ما يريد الناس بهم، وعرضت عليهم الزاد والمتاع. فلم يردانى ولم يسألانى إلا أن قالا أخف عنا. فسألته أن يكتب لي كتاب أمن فأمر عامر ابن فهيرة فكتب لي رقعة من أدم. ثم مضى رسول الله ﷺ .
وقد روى محمد بن إسحاق عن الزهري عن عبد الرحمن بن مالك بن جعشم عن أبيه عن عمه سراقة فذكر هذه القصة، إلا أنه ذكر أنه استقسم بالأزلام أول ما خرج من منزله فخرج السهم الّذي يكره لا يضره، وذكر أنه عثر به فرسه أربع مرات، وكل ذلك يستقسم بالأزلام ويخرج الّذي يكره لا يضره. حتى ناداهم بالأمان. وسأل أن يكتب له كتابا يكون أمارة ما بينه وبين رسول الله ﷺ ، قال فكتب لي كتابا في عظم - أو رقعة أو خرقة -
وذكر أنه جاء به الى رسول الله ﷺ وهو بالجعرانة مرجعه من الطائف، فقال له «يوم وفاء وبر، أدنه» فدنوت منه وأسلمت.
قال ابن هشام: هو عبد الرحمن بن الحارث بن مالك بن جعشم (١) وهذا الّذي قاله جيد.
ولما رجع سراقة جعل لا يلقى أحدا من الطلب الا رده وقال: كفيتم هذا الوجه، فلما ظهر أن رسول الله ﷺ قد وصل الى المدينة. جعل سراقة يقص على الناس ما رأى وما شاهد من أمر النبي ﷺ وما كان من قضية جواده، واشتهر هذا عنه. فخاف رؤساء قريش معرته، وخشوا أن يكون ذلك سببا
стр. 879
لاسلام كثير منهم، وكان سراقة أمير بنى مدلج ورئيسهم، فكتب أبو جهل - لعنه الله - اليهم:
بنى مدلج إني أخاف سفيهكم … سراقة مستغو لنصر محمد
عليكم به ألاّ يفرق جمعكم … فيصبح شتى بعد عز وسؤدد
قال فقال سراقة بن مالك يجيب أبا جهل في قوله هذا:
أبا حكم والله لو كنت شاهدا … لأمر جوادي إذ تسوخ قوائمه
عجبت ولم تشكك بأن محمدا … (١) رسول وبرهان فمن ذا يقاومه
عليك فكف القوم عنه فاننى … أخال لنا يوما ستبدو معاله
بأمر تود النصر فيه فإنهم … وإن جميع الناس طرا مسالمه
[(٢) وذكر هذا الشعر الأموي في مغازيه بسنده عن أبى إسحاق وقد رواه أبو نعيم بسنده من طريق زياد عن ابن إسحاق، وزاد في شعر أبى جهل أبياتا تتضمن كفرا بليغا].
وقال البخاري بسنده إلى ابن شهاب فأخبرني عروة بن الزبير أن رسول الله ﷺ لقي الزبير في ركب من المسلمين كانوا تجارا قافلين من الشام، فكسى الزبير رسول الله ﷺ وأبا بكر ثياب بياض، وسمع المسلمون بالمدينة بمخرج رسول الله ﷺ من مكة، فكانوا يغدون كل غداة إلى الحرة فينتظرونه حتى يردهم حر الظهيرة، فانقلبوا يوما بعد ما أطالوا انتظارهم، فلما أووا الى بيوتهم أوفى رجل من اليهود على أطم من آطامهم لأمر ينظر اليه، فبصر برسول الله ﷺ وأصحابه مبيضين يزول بهم السراب فلم يملك اليهودي أن قال بأعلى صوته: يا معشر العرب هذا جدكم الّذي تنتظرون فثار المسلمون إلى السلاح فتلقوا رسول الله ﷺ بظهر الحرة، فعدل بهم ذات اليمين حتى نزل بهم في بنى عمرو بن عوف، وذلك يوم الاثنين من شهر ربيع الأول فقام أبو بكر للناس وجلس رسول الله ﷺ صامتا فطفق من جاء من الأنصار ممن لم ير رسول الله ﷺ يحيى أبا بكر حتى أصابت الشمس رسول الله ﷺ ، فاقبل أبو بكر حتى ظلل عليه بردائه. فعرف الناس رسول الله ﷺ عند ذلك
فلبث رسول الله ﷺ في بنى عمرو بن عوف بضع عشرة ليلة وأسس المسجد الّذي أسس على التقوى وصلّى فيه رسول الله ﷺ ثم ركب راحلته وسار يمشى معه الناس حتى بركت عند مسجد رسول الله ﷺ بالمدينة، وهو يصلى فيه يومئذ رجال من المسلمين. وكان مربدا للتمر لسهيل وسهل غلامين يتيمين في حجر أسعد بن زرارة. فقال رسول الله ﷺ حين بركت به راحلته: «هذا إن شاء الله المنزل»، ثم دعا رسول الله ﷺ الغلامين فساومهما بالمربد ليتخذه مسجدا، فقالا بل نهبه لك
стр. 880
يا رسول الله، فأبى رسول الله ﷺ أن يقبله منهما هبة حتى ابتاعه منهما. ثم بناه مسجدا. فطفق رسول الله ﷺ ينقل معهم اللبن في بنيانه، وهو يقول حين ينقل اللبن:
هذا الحمال لاحمال خيبر … هذا أبر ربنا وأطهر
ويقول:
لاهمّ إن الأجر أجر الآخرة … فارحم الأنصار والمهاجرة (١)
فتمثل بشعر رجل من المسلمين لم يسم لي. قال ابن شهاب: ولم يبلغنا في الأحاديث ان رسول الله ﷺ تمثل ببيت شعر تام غير هذه الأبيات. هذا لفظ البخاري وقد تفرد بروايته دون مسلم، وله شواهد من وجوه أخر وليس فيه قصة أم معبد الخزاعية، ولنذكر هنا ما يناسب ذلك مرتبا أولا فأولا.
قال الامام احمد: حدثنا عمرو بن محمد أبو سعيد العنقزى ثنا إسرائيل عن أبى إسحاق عن البراء بن عازب. قال: اشترى أبو بكر من عازب سرجا بثلاثة عشر درهما فقال أبو بكر لعازب: مر البراء فليحمله إلى منزلي. فقال: لا حتى تحدثنا كيف صنعت حين خرج رسول الله ﷺ وأنت معه؟ فقال أبو بكر: خرجنا فادلجنا فاحثثنا يومنا وليلتنا حتى أظهرنا وقام قائم الظهيرة، فضربت بصرى هل أرى ظلا نأوي اليه، فإذا أنا بصخرة فأهويت اليها فإذا بقية ظلها، فسويته لرسول الله ﷺ وفرشت له فروة وقلت اضطجع يا رسول الله فاضطجع، ثم خرجت انظر هل أرى أحدا من الطلب فإذا أنا براعي غنم، فقلت لمن أنت يا غلام؟ فقال لرجل من قريش - فسماه فعرفته - فقلت هل في غنمك من لبن؟ قال نعم! قلت هل أنت حالب لي؟ قال نعم! فأمرته فاعتقل شاة منها ثم أمرته فنفض ضرعها من الغبار، ثم أمرته فنفض كفيه من الغبار، ومعى إداوة على فمها خرقة فحلب لي كثبة (٢) من اللبن فصببت على القدح حتى برد أسفله ثم أتيت رسول الله ﷺ فوافيته وقد استيقظ، فقلت اشرب يا رسول الله فشرب حتى رضيت، ثم قلت هل آن الرحيل؟ فارتحلنا والقوم يطلبوننا فلم يدركنا أحد منهم إلا سراقة بن مالك بن جعشم على فرس له، فقلت يا رسول الله هذا الطلب قد لحقنا؟ قال «لا تحزن إن الله معنا» حتى إذا دنا منا فكان بيننا وبينه قد رمح - أو
стр. 881
رمحين أو قال رمحين أو ثلاثة - قلت يا رسول الله هذا الطلب قد لحقنا؟ وبكيت، قال لم تبكى؟ [قلت] أما والله ما على نفسي أبكى، ولكن أبكى عليك. فدعا عليه رسول الله ﷺ فقال:
«اللهمّ اكفناه بما شئت» فساخت قوائم فرسه إلى بطنها في أرض صلد ووثب عنها وقال: يا محمد قد علمت أن هذا عملك فادع الله أن ينجيني مما أنا فيه، فو الله لاعمين على من ورائي من الطلب، وهذه كنانتي فخذ منها سهما فإنك ستمر بابلى وغنمي بموضع كذا وكذا فخذ منها حاجتك. فقال رسول الله ﷺ : «لا حاجة لي فيها» ودعا له رسول الله ﷺ فأطلق ورجع إلى أصحابه، ومضى رسول الله ﷺ وأنا معه حتى قدمنا المدينة وتلقاه الناس فخرجوا في الطرق على الاناجير (١) واشتد الخدم والصبيان في الطريق يقولون: الله أكبر جاء رسول الله ﷺ ، جاء محمد، قال وتنازع القوم أيهم ينزل عليه، قال فقال رسول الله ﷺ : «أنزل الليلة على بنى النجار أخوال عبد المطلب لاكرمهم بذلك». فلما أصبح غدا حيث أمر. قال البراء: أول من قدم علينا من المهاجرين مصعب بن عمير أخو بنى عبد الدار، ثم قدم علينا ابن أم مكتوم الأعمى أحد بنى فهر، ثم قدم علينا عمر بن الخطاب في عشرين راكبا، فقلنا ما فعل رسول الله؟ قال هو على أثرى، ثم قدم رسول الله ﷺ وأبو بكر معه. قال البراء. ولم يقدم رسول الله ﷺ حتى قرأت سورا من المفصل أخرجاه في الصحيحين من حديث إسرائيل بدون قول البراء أول من قدم علينا إلخ. فقد انفرد به مسلم فرواه من طريق إسرائيل به.
وقال ابن إسحاق: فأقام رسول الله ﷺ في الغار ثلاثا ومعه أبو بكر وجعلت قريش فيه حين فقدوه مائة ناقة لمن رده عليهم، فلما مضت الثلاث وسكن عنهما الناس أتاهما صاحبهما الّذي استأجراه ببعيريهما وبعير له، وأتتهما أسماء بنت أبى بكر بسفرتهما، ونسيت أن تجعل لها عصاما فلما ارتحلا ذهبت لتعلق السفرة فإذا ليس فيها عصام، فتحل نطاقها فتجعله عصاما ثم علقتها به. فكان يقال لها ذات النطاقين لذلك.
قال ابن إسحاق: فلما قرب أبو بكر الراحلتين إلى رسول الله ﷺ قدم له أفضلهما ثم قال:
اركب فداك أبى وأمى، فقال رسول الله ﷺ : «إني لا أركب بعيرا ليس لي» قال: فهي لك يا رسول الله بأبي أنت وأمى. قال «لا ولكن ما الثمن الّذي ابتعتها به» قال كذا وكذا. قال «أخذتها بذلك» قال هي لك يا رسول الله.
وروى الواقدي بأسانيده أنه ﵇ أخذ القصواء، قال وكان أبو بكر اشتراهما بثمانمائة درهم. وروى ابن عساكر من طريق أبى أسامة عن هشام عن أبيه عن عائشة قالت: وهي الجدعاء
стр. 882
وهكذا حكى السهيليّ عن ابن إسحاق أنها الجدعاء والله أعلم.
قال ابن إسحاق: فركبا وانطلقا وأردف أبو بكر عامر بن فهيرة مولاه خلفه ليخدمهما في الطريق فحدثت عن أسماء أنها قالت: لما خرج رسول الله ﷺ وأبو بكر أتانا نفر من قريش منهم أبو جهل فذكر ضربه لها على خدها لطمة طرح منها قرطها من أذنها كما تقدم. قالت: فمكثنا ثلاث ليال ما ندري أين وجه رسول الله ﷺ حتى أقبل رجل من الجن من أسفل مكة يتغنى بأبيات من شعر غناء العرب، وأن الناس ليتبعونه يسمعون صوته وما يرونه حتى خرج من أعلا مكة وهو يقول:
جزى الله رب الناس خير جزائه … رفيقين حلا خيمتي أم معبد
هما نزلا بالبر ثم تروحا … فأفلح من أمسى رفيق محمد
ليهن بنى كعب مكان فتاتهم … ومقعدها للمؤمنين بمرصد
قالت أسماء: فلما سمعنا قوله عرفنا حيث وجه رسول الله ﷺ ، وأن وجهه إلى المدينة.
قال ابن إسحاق: وكانوا أربعة، رسول الله ﷺ ، وأبو بكر، وعامر بن فهيرة مولى أبى بكر، وعبد الله بن أرقد (١) كذا يقول ابن إسحاق، والمشهور عبد الله بن أريقط الدئلي. وكان إذ ذاك مشركا.
قال ابن إسحاق: ولما خرج بهما دليلهما عبد الله بن أرقد سلك بهما أسفل مكة، ثم مضى بهما على الساحل حتى عارض الطريق أسفل من عسفان، ثم سلك بهما على أسفل أمج، ثم استجاز بهما حتى عارض الطريق بعد أن أجاز قديدا، ثم أجاز بهما من مكانه ذلك فسلك بهما الخرار (٢) ثم أجاز بهما ثنية المرة، ثم سلك بهما لقفا، ثم أجاز بهما مدلجة لقف، ثم استبطن بهما مدلجة مجاج ثم سلك بهما مرجح مجاج، ثم تبطن بهما مرجح من ذي العضوين، ثم بطن ذي كشد، ثم أخذ بهما على الجداجد، ثم على الأجرد، ثم سلك بهما ذا سلّم من بطن أعداء مدلجة تعهن، ثم على العبابيد، ثم أجاز بهما القاحة (٣) ثم هبط بهما العرج وقد أبطأ عليهم بعض ظهرهم، فحمل رسول الله ﷺ رجل من أسلم يقال له أوس بن حجر على جمل يقال له ابن الرداء إلى المدينة وبعث معه غلاما يقال له مسعود بن هنيدة، ثم خرج بهما [دليلهما من العرج فسلك بها ثنية العائر عن يمين ركوبة
стр. 883
ويقال ثنية الغائر فيما قال ابن هشام - حتى هبط بهما بطن ريم، ثم قدم بهما (١)] قباء على بنى عمرو بن عوف لاثنتي عشرة ليلة خلت من شهر ربيع الأول يوم الاثنين حين اشتد الضحاء وكادت الشمس تعتدل.
وقد روى أبو نعيم من طريق الواقدي نحوا من ذكر هذه المنازل، وخالفه في بعضها والله أعلم
قال أبو نعيم: حدثنا أبو حامد بن جبلة حدثنا محمد بن إسحاق عن السراج حدثنا محمد بن عبادة ابن موسى العجليّ حدثني أخى موسى بن عبادة حدثني عبد الله بن سيار حدثني إياس بن مالك بن الأوس الأسلمي عن أبيه. قال: لما هاجر رسول الله ﷺ وأبو بكر مروا بابل لنا بالجحفة، فقال رسول الله ﷺ «لمن هذه الإبل؟» فقالوا لرجل من أسلم، فالتفت إلى أبى بكر فقال: «سلمت إن شاء الله، فقال ما اسمك؟» قال مسعود، فالتفت إلى أبى بكر فقال: «سعدت إن شاء الله». قال فأتاه أبى فحمله على جمل يقال له ابن الرداء.
قلت: وقد تقدم عن ابن عباس أن رسول الله ﷺ خرج من مكة يوم الاثنين، ودخل المدينة يوم الاثنين. والظاهر أن بين خروجه ﵇ من مكة ودخوله المدينة خمسة عشر يوما لانه أقام بغار ثور ثلاثة أيام، ثم سلك طريق الساحل وهي أبعد من الطريق الجادة واجتاز في مروره على أم معبد بنت كعب من بنى كعب بن خزاعة، قال ابن هشام. وقال يونس عن ابن إسحاق:
اسمها عاتكة بنت خلف بن معبد بن ربيعة بن أصرم. وقال الأموي: هي عاتكة بنت تبيع حليف بنى منقذ بن ربيعة بن أصرم بن صنبيس (٢) بن حرام بن خيسة بن كعب بن عمرو، ولهذا المرأة من الولد معبد ونضرة وحنيدة بنو أبى معبد، واسمه أكتم بن عبد العزى بن معبد بن ربيعة بن أصرم ابن صنبيس، وقصتها مشهورة مروية من طرق يشد بعضها بعضا.
وهذه قصة أم معبد الخزاعية،
قال يونس عن ابن إسحاق: فنزل رسول الله ﷺ بخيمة أم معبد واسمها عاتكة بنت خلف بن معبد بن ربيعة بن أصرم فأرادوا القرى فقالت والله ما عندنا طعام ولا لنا منحة ولا لنا شاة إلا حائل، فدعا رسول الله ﷺ ببعض غنمها فمسح ضرعها بيده ودعا الله وحلب في العس حتى أرغى وقال «اشربى يا أم معبد» فقالت اشرب فأنت أحق به فرده
стр. 884
عليها فشربت، ثم دعا بحائل أخرى ففعل مثل ذلك بها فشربه، ثم دعا بحائل أخرى ففعل بها مثل ذلك فسقى دليله، ثم دعا بحائل أخر يفعل بها مثل ذلك فسقى عامرا، ثم تروح. وطلبت قريش رسول الله ﷺ حتى بلغوا أم معبد فسألوا عنه فقالوا أرأيت محمدا من حليته كذا كذا؟ فوصفوه لها. فقالت: ما أدرى ما تقولون، قدمنا فتى حالب الحائل. قالت قريش: فذاك الّذي نريد.
وقال الحافظ أبو بكر البزار حدثنا محمد بن معمر حدثنا يعقوب بن محمد حدثنا عبد الرحمن بن عقبة ابن عبد الرحمن بن جابر بن عبد الله ثنا أبى عن أبيه عن جابر. قال: لما خرج رسول الله ﷺ وأبو بكر مهاجرين فدخلا الغار، إذا في الغار جحر فألقمه أبو بكر عقبه حتى أصبح مخافة أن يخرج على رسول الله ﷺ منه شيء. فأقاما في الغار ثلاث ليال ثم خرجا حتى نزلا بخيمات أم معبد فأرسلت اليه أم معبد إني أرى وجوها حسانا، وإن الحي أقوى على كرامتكم منى، فلما أمسوا عندها بعثت مع ابن لها صغير بشفرة وشاة، فقال رسول الله ﷺ : «أردد الشفرة وهات لنا فرقا» يعنى القدح فأرسلت اليه أن لا لبن فيها ولا ولد. قال هات لنا فرقا فجاءت بفرق فضرب ظهرها فاجترت ودرت فحلب فملأ القدح فشرب وسقى أبا بكر، ثم حلب فبعث فيه الى أم معبد. ثم قال البزار لا نعلمه يروى إلا بهذا الاسناد. وعبد الرحمن بن عقبة لا نعلم أحدا حدث عنه الا يعقوب بن محمد وان كان معروفا في النسب.
وروى الحافظ البيهقي من حديث يحيى بن زكريا بن أبى زائدة حدثنا محمد بن عبد الرحمن بن أبى ليلى ثنا عبد الرحمن بن الأصبهاني سمعت عبد الرحمن بن أبى ليلى عن أبى بكر الصديق. قال:
خرجت مع رسول الله ﷺ من مكة فانتهينا إلى حي من أحياء العرب، فنظر رسول الله ﷺ إلى بيت منتحيا فقصد اليه، فلما نزلنا لم يكن فيه إلا امرأة فقالت: يا عبد الله إنما أنا امرأة وليس معى أحد فعليكما بعظيم الحي إن أردتم القرى، قال فلم يجبها وذلك عند السماء، فجاء ابن لها بأعنز يسوقها فقالت يا بنى انطلق بهذه العنز والشفرة إلى هذين الرجلين فقال لهما تقول لكما أمى اذبحا هذه وكلا وأطعمانا، فلما جاء قال له النبي ﷺ : «انطلق بالشفرة وجئني بالقدح» قال إنها قد عزبت وليس بها لبن، قال انطلق، فجاء بقدح فمسح النبي ﷺ ضرعها ثم حلب حتى ملأ القدح، ثم قال انطلق به إلى أمك، فشربت حتى رويت، ثم جاء به فقال انطلق بهذه وجئني بأخرى. ففعل بها كذلك ثم سقى أبا بكر، ثم جاء بأخرى ففعل بها كذلك، ثم شرب النبي ﷺ فبتنا ليلتنا، ثم انطلقنا.
فكانت تسميه المبارك. وكثرت غنمها حتى جلبت جلبا إلى المدينة، فمر أبو بكر فرأى ابنها فعرفه فقال يا أمه هذا الرجل الّذي كان مع المبارك. فقامت اليه فقالت: يا عبد الله من الرجل الّذي كان معك؟ قال أو ما تدرين من هو؟ قالت لا، قال هو نبي الله. قالت فأدخلني عليه. قال فادخلها
стр. 885
فأطعمها رسول الله ﷺ وأعطاها - زاد ابن عبدان في روايته: - قالت فدلني عليه، فانطلقت معى وأهدت لرسول الله ﷺ شيئا من أقط ومتاع الاعراب. قال فكساها وأعطاها. قال ولا أعلمه إلا قال وأسلمت. اسناد حسن.
وقال البيهقي: هذه القصة شبيهة بقصة أم معبد، والظاهر أنها هي والله أعلم.
وقال البيهقي أخبرنا أبو عبد الله الحافظ وأبو بكر احمد بن الحسن القاضي. قالا: ثنا أبو العباس الأصم ثنا الحسن بن مكرم حدثني أبو احمد بشر بن محمد السكرى ثنا عبد الملك بن وهب المذحجي ثنا أبجر بن الصباح عن أبى معبد الخزاعي أن رسول الله ﷺ خرج ليلة هاجر من مكة إلى المدينة هو وأبو بكر وعامر ابن فهيرة مولى أبى بكر ودليلهم عبد الله بن أريقط الليثي، فمروا بخيمتى أم معبد الخزاعية، وكانت أم معبد امرأة برزة جلدة تحتبى وتجلس بفناء الخيمة فتطعم وتسقى، فسألوها هل عندها لحم أو لبن يشترونه منها؟ فلم يجدوا عندها شيئا من ذلك. وقالت لو كان عندنا شيء ما أعوذكم القرى، وإذا القوم مرملون مسنتون. فنظر رسول الله ﷺ فإذا شاة في كسر خيمتها فقال «ما هذه الشاة يا أم معبد؟» فقالت شاة خلفها الجهد عن الغنم. قال «فهل بها من لبن» قالت هي أجهد من ذلك.
قال تأذنين لي أن أحلبها؟ قالت إن كان بها حلب فاحلبها. فدعا رسول الله ﷺ بالشاة فمسحها وذكر اسم الله ومسح ضرعها وذكر اسم الله ودعا بإناء لها يربض الرهط (١) فتفاجت (٢) واجترت فحلب فيه ثجا حتى ملأه [وأرسله اليها] فسقاها وسقى أصحابه فشربوا عللا بعد نهل، حتى إذا رووا شرب آخرهم وقال «ساقى القوم آخرهم» ثم حلب فيه ثانيا عودا على بدء فغادره عندها ثم ارتحلوا قال فقلما لبث أن جاء زوجها أبو معبد يسوق أعنزا عجافا يتساوكن هزلى لا نقى بهن (٣) مخهن قليل فلما رأى اللبن عجب وقال من أين هذا اللبن يا أم معبد ولا حلوبة في البيت والشاء عازب؟ فقالت: لا والله إنه مر بنا رجل مبارك كان من حديثه كيت وكيت. فقال صفيه لي فو الله إني لأراه صاحب قريش الّذي تطلب. فقالت رأيت رجلا ظاهر الوضاءة حسن الخلق مليح الوجه لم تعبه ثجلة (٤) ولم تزر به صعلة (٤) قسيم وسيم في عينيه دعج، وفي أشفاره وطف، وفي صوته صحل. أحول أكحل أزج أقرن في عنقه سطع وفي لحيته كثاثة. إذا صمت فعليه الوقار، وإذا تكلم سما وعلاه البهاء، حلو المنطق فصل لا نزر ولا هذر كأن منطقه خرزات نظم ينحدرن، أبهى الناس وأجمله من بعيد، وأحسنه من قريب. ربعة لا تنساه عين من طول، ولا تقتحمه عين من قصر غصن بين غصنين فهو أنضر الثلاثة منظرا، وأحسنهم قدا له رفقاء يحفون به إن قال استمعوا لقوله، وإن أمر تبادروا
стр. 886
لأمره. محفود محشود لا عابس ولا معتد (١) فقال - يعنى بعلها -: هذا والله صاحب قريش الّذي تطلب، ولو صادفته لالتمست أن أصحبه، ولأجهدن إن وجدت إلى ذلك سبيلا، قال وأصبح صوت بمكة عال بين السماء والأرض يسمعونه ولا يرون من يقول وهو يقول:
جزى الله رب الناس خير جزائه … رفيقين حلا خيمتي أم معبد
هما نزلا بالبر وارتحلا به (٢) … فأفلح من أمسى رفيق محمد
فيال قصي ما زوى الله عنكم … به من فعال لا تجاري وسؤدد
سلوا أختكم عن شاتها وإنائها … فإنكم إن تسألوا الشاة تشهد
دعاها بشاة حائل فتحلبت … له بصريح ضرة الشاة مزبد (٣)
فغادره رهنا لديها لحالب … يدر لها في مصدر ثم مورد
قال وأصبح الناس - يعنى بمكة - وقد فقدوا نبيهم، فأخذوا على خيمتي أم معبد حتى لحقوا برسول الله ﷺ قال وأجابه حسان بن ثابت:
لقد خاب قوم زال عنهم نبيهم (٤) … وقد سر (٥) من يسرى اليهم ويغتدى
ترحل عن قوم فزالت عقولهم … وحل على قوم بنور مجدد
[هداهم به بعد الضلالة ربهم … وأرشدهم من يتبع الحق يرشد (٦)]
وهل يستوي ضلاّل قوم تسفهوا … عمى وهداة يهتدون بمهتد
نبي يرى ما لا يرى الناس حوله … ويتلو كتاب الله في كل مشهد
وإن قال في يوم مقالة غائب … فتصديقها في اليوم أو في ضحى الغد
ليهن أبا بكر سعادة جده … بصحبته من يسعد الله يسعد
ويهن بنى كعب مسكان فتاتهم … ومقعدها للمسلمين بمرصد (٧)
قال - يعنى عبد الملك بن وهب - فبلغني أن أبا معبد أسلم وهاجر إلى النبي ﷺ . وهكذا
стр. 887
روى الحافظ أبو نعيم من طريق عبد الملك بن وهب المذحجي فذكر مثله سواء وزاد في آخره قال عبد الملك: بلغني أن أم معبد هاجرت وأسلمت ولحقت برسول الله ﷺ ثم رواه أبو نعيم من طرق عن بكر بن محرز الكلبي الخزاعي عن أبيه محرز بن مهدي عن حرام بن هشام بن حبيش بن خالد عن أبيه عن جده حبيش بن خالد صاحب رسول الله ﷺ ، أن رسول الله ﷺ حين أخرج من مكة خرج منها مهاجرا هو وأبو بكر وعامر بن فهيرة ودليلهما عبد الله بن أريقط الليثي فمروا بخيمة أم معبد وكانت امرأة برزة جلدة تحتبى بفناء القبة، وذكر مثل ما تقدم سواء.
قال وحدثناه - فيما أظن - محمد بن احمد بن على بن مخلد ثنا محمد بن يونس بن موسى - يعنى الكديمي - ثنا عبد العزيز ابن يحيى بن عبد العزيز مولى العباس بن عبد المطلب ثنا محمد بن سليمان بن سليط الأنصاري حدثني أبى عن أبيه سليط البدري. قال: لما خرج رسول الله ﷺ في الهجرة ومعه أبو بكر وعامر بن فهيرة وابن أريقط يدلهم على الطريق، مر بأم معبد الخزاعية وهي لا تعرفه فقال: لها «يا أم معبد هل عندك من لبن؟» قالت لا والله إن الغنم لعازبة قال فما هذه الشاة؟ قالت خلفها الجهد عن الغنم؟ ثم ذكر تمام الحديث كنحو ما تقدم.
ثم قال البيهقي: يحتمل أن هذه القصص كلها واحدة، ثم ذكر قصة شبيهة بقصة شاة أم معبد الخزاعية فقال حدثنا أبو عبد الله الحافظ - إملاء - حدثنا أبو بكر احمد بن إسحاق بن أيوب أخبرنا محمد بن غالب ثنا أبو الوليد ثنا عبد الله بن إياد بن لقيط ثنا إياد بن لقيط عن قيس بن النعمان. قال لما انطلق النبي ﷺ وأبو بكر مستخفين، مروا بعبد يرعى غنما فاستسقياه اللبن فقال ما عندي شاة تحلب، غير أن هاهنا عناقا حملت أول الشتاء، وقد أخدجت (١) وما بقي لها من لبن فقال ادع بها فدعا بها فاعتقلها النبي ﷺ ومسح ضرعها ودعا حتى أنزلت، وجاء أبو بكر بمجن فحلب فسقى أبا بكر، ثم حلب فسقى الراعي، ثم حلب فشرب. فقال الراعي: بالله من أنت؟ فو الله ما رأيت مثلك قط. قال أو تراك تكتم على حتى أخبرك؟ قال نعم! قال فأنى محمد رسول الله. فقال أنت الّذي تزعم قريش أنه صابئ؟ قال: إنهم ليقولون ذلك. قال فانى أشهد أنك نبي، وأشهد أن ما جئت به حق، وأنه لا يفعل ما فعلت إلا نبي وأنا متبعك. قال إنك لا تستطيع ذلك يومك هذا فإذا بلغك أنى قد ظهرت فأتنا. ورواه أبو يعلى الموصلي عن جعفر بن حميد الكوفي عن عبد الله بن إياد بن لقيط به. وقد
ذكر أبو نعيم هاهنا قصة عبد الله بن مسعود فقال: حدثنا عبد الله بن جعفر ثنا يونس بن حبيب ثنا أبو داود ثنا حماد بن سلمة عن عاصم عن زر عن عبد الله بن مسعود. قال
стр. 888
كنت غلاما يافعا أرعى غنما لعتبة بن أبى معيط بمكة، فأتى رسول الله ﷺ وأبو بكر - وقد فرا من المشركين - فقال: «يا غلام عندك لبن تسقينا؟» فقلت إني مؤتمن ولست بساقيكما، فقالا هل عندك من جذعة لم ينز عليها الفحل بعد؟ قلت نعم! فأتيتهما بها فاعتقلها أبو بكر وأخذ رسول الله ﷺ الضرع فدعا فحفل الضرع وجاء أبو بكر بصخرة متقعرة فحلب فيها. ثم شرب هو وأبو بكر وسقياني، ثم قال للضرع أقلص فقلص. فلما كان بعد أتيت رسول الله ﷺ فقلت علمني من هذا القول الطيب - يعنى القرآن - فقال رسول الله ﷺ «إنك غلام معلم» فأخذت من فيه سبعين سورة ما ينازعني فيها أحد. فقوله في هذا السياق وقد فرا من المشركين ليس المراد منه وقت الهجرة، إنما ذلك في بعض الأحوال قبل الهجرة. فان ابن مسعود ممن أسلم قديما وهاجر إلى الحبشة ورجع إلى مكة كما تقدم، وقصته هذه صحيحة ثابتة في الصحاح وغيرها والله أعلم.
[(١) وقال الامام احمد: حدثنا عبد الله بن مصعب بن عبد الله - هو الزبيري - حدثني أبى عن فائد مولى عبادل قال خرجت مع إبراهيم بن عبد الرحمن بن سعد حتى إذا كنا بالعرج أتى ابن سعد - وسعد هو الّذي دل رسول الله ﷺ على طريق ركوبة (٢) - فقال إبراهيم [أخبرنى] ما حدثك أبوك؟ قال ابن سعد: حدثني أبى أن رسول الله ﷺ أتاهم ومعه أبو بكر - وكانت لأبي بكر عندنا بنت مسترضعة - وكان رسول الله ﷺ أراد الاختصار في الطريق إلى المدينة، فقال له سعد: هذا الغامر من ركوبة وبه لصان من أسلم يقال لهما المهانان. فان شئت أخذنا عليهما، فقال النبي ﷺ : «خذ بنا عليهما» قال سعد فخرجنا حتى إذ أشرفنا إذا أحدهما يقول لصاحبه. هذا اليماني. فدعاهما رسول الله ﷺ فعرض عليهما الإسلام فأسلما، ثم سألهما عن أسمائهما فقالا نحن المهانان. فقال: «بل أنتما المكرمان» وأمرهما أن يقدما عليه المدينة فخرجنا] حتى إذا أتينا ظاهر قباء فتلقاه بنو عمرو بن عوف فقال رسول الله ﷺ «أين أبو أمامة أسعد بن زرارة؟» فقال سعد ابن خيثمة. إنه أصاب قبلي يا رسول الله أفلا أخبره ذلك؟ ثم مضى رسول الله ﷺ حتى إذا طلع
стр. 889
على النخل فإذا الشرب مملوء، فالتفت رسول الله إلى أبى بكر فقال: يا أبا بكر هذا المنزل. رأيتني أنزل إلى حياض كحياض بنى مدلج» انفرد به احمد.
فصل في دخوله ﵇ المدينة وأين استقر منزله بها وما يتعلق به
قد تقدم فيما رواه البخاري عن الزهري عن عروة أن النبي ﷺ دخل المدينة عند الظهيرة.
قلت: ولعل ذلك كان بعد الزوال لما ثبت
في الصحيحين من حديث إسرائيل عن أبى إسحاق عن البراء بن عازب عن أبى بكر في حديث الهجرة قال فقدمنا ليلا فتنازعه القوم أيهم ينزل عليه، فقال رسول الله ﷺ : «أنزل على بنى النجار أخوال عبد المطلب أكرمهم بذلك» وهذا والله أعلم إما أن يكون يوم قدومه إلى قباء فيكون حال وصوله إلى قرب المدينة كان في حر الظهيرة وأقام تحت تلك النخلة ثم سار بالمسلمين فنزل قباء وذلك ليلا، وأنه أطلق على ما بعد الزوال ليلا، فان العشي من الزوال، وإما أن يكون المراد بذلك لما رحل من قباء كما سيأتي فسار فما انتهى إلى بنى النجار الاعشاء كما سيأتي بيانه والله أعلم.
وذكر البخاري عن الزهري عن عروة أنه نزل في بنى عمرو بن عوف بقباء وأقام فيهم بضع عشرة ليلة وأسس مسجد قباء في تلك الأيام، ثم ركب ومعه الناس حتى بركت به راحلته في مكان مسجده، وكان مربدا لغلامين يتيمين وهما سهل وسهيل، فابتاعه منهما واتخذه مسجدا. وذلك في دار بنى النجار ﵃.
وقال محمد بن إسحاق: حدثني محمد بن جعفر بن الزبير [عن عروة بن الزبير] عن عبد الرحمن ابن عويم بن ساعدة قال حدثني رجال من قومي من أصحاب النبي ﷺ قالوا: لما بلغنا مخرج النبي ﷺ من مكة وتوكفنا قدومه كنا نخرج إذا صلينا الصبح إلى ظاهر حرتنا ننتظر النبي ﷺ فو الله، ما نبرح حتى تغلبنا الشمس على الظلال فإذا لم نجد ظلا دخلنا - وذلك في أيام حارة - حتى إذا كان اليوم الّذي قدم فيه رسول الله جلسنا كما كنا نجلس، حتى إذ لم يبق ظل دخلنا بيوتنا وقدم رسول الله ﷺ حين دخلنا البيوت فكان أول من رآه رجل من اليهود فصرخ بأعلى صوته يا بنى قيلة هذا جدكم قد جاء، فخرجنا إلى رسول الله ﷺ وهو في ظل نخلة ومعه أبو بكر في مثل سنه، وأكثرنا لم يكن رأى رسول الله ﷺ قبل ذلك. وركبه الناس وما يعرفونه من أبى بكر حتى زال الظل عن رسول الله ﷺ ، فقام أبو بكر فأظله بردائه، فعرفناه عند ذلك. وقد تقدم مثل ذلك في سياق البخاري وكذا ذكر موسى بن عقبة في مغازيه. وقال الامام احمد حدثنا هاشم ثنا سليمان عن
стр. 890
ثابت عن أنس بن مالك. قال: إني لأسعى في الغلمان يقولون جاء محمد فاسعى ولا أرى شيئا، ثم يقولون جاء محمد فاسعى ولا أرى شيئا، قال حتى جاء رسول الله ﷺ وصاحبه أبو بكر. فكمنا في بعض خراب المدينة، ثم بعثا رجلا من أهل البادية يؤذن بهما الأنصار فاستقبلهما زهاء خمسمائة من الأنصار حتى انتهوا اليهما فقالت الأنصار: انطلقا آمنين مطاعين. فاقبل رسول الله ﷺ وصاحبه بين أظهرهم فخرج أهل المدينة حتى أن العواتق لفوق البيوت يتراءينه يقلن أيهم هو، أيهم هو؟ فما رأينا منظرا شبيها به. قال أنس: فلقد رأيته يوم دخل علينا ويوم قبض، فلم أر يومين شبيها بهما ورواه البيهقي عن الحاكم عن الأصم عن محمد بن إسحاق الصنعاني عن أبى النضر هاشم بن القاسم عن سليمان بن المغيرة عن ثابت عن أنس بنحوه - أو مثله - وفي الصحيحين من طريق إسرائيل عن أبى إسحاق عن البراء عن أبى بكر في حديث الهجرة. قال: وخرج الناس حين قدمنا المدينة في الطرق وعلى البيوت والغلمان والخدم يقولون: الله أكبر جاء رسول الله، الله أكبر جاء محمد، الله أكبر جاء محمد، الله أكبر جاء رسول الله. فلما أصبح انطلق وذهب حيث أمر. وقال البيهقي أخبرنا أبو عمر والأديب أخبرنا أبو بكر الإسماعيلي سمعت أبا خليفة يقول سمعت ابن عائشة يقول:
لما قدم رسول الله ﷺ المدينة جعل النساء والصبيان يقلن:
طلع البدر علينا … من ثنيات الوداع
وجب الشكر علينا … ما دعا لله داع
قال محمد بن إسحاق: فنزل رسول الله ﷺ فيما يذكرون يعنى حين نزل - بقباء على كلثوم ابن الهدم أخى بنى عمرو بن عوف ثم أحد بنى عبيد، ويقال بل نزل على سعد بن خيثمة، ويقول من يذكر أنه نزل على كلثوم بن الهدم: إنما كان رسول الله ﷺ إذا خرج من منزل كلثوم بن الهدم جلس للناس في بيت سعد بن خيثمة، وذلك أنه كان عزبا لا أهل له، وكان يقال لبيته بيت العزاب والله أعلم. ونزل أبو بكر ﵁ على خبيب بن إساف أحد بنى الحارث بن الخزرج بالسنح وقيل على خارجة بن زيد بن أبى زهير أخى بنى الحارث بن الخزرج.
قال ابن إسحاق: وأقام على بن أبى طالب بمكة ثلاث ليال وأيامها حتى أدى عن رسول الله ﷺ الودائع التي كانت عنده، ثم لحق برسول الله ﷺ فنزل معه على كلثوم بن الهدم فكان على ابن أبى طالب إنما كانت إقامته بقباء ليلة أو ليلتين. يقول كانت بقباء امرأة لا زوج لها مسلمة، فرأيت إنسانا يأتيها من جوف الليل فيضرب عليها بابها فتخرج اليه فيعطيها شيئا معه فتأخذه، فاستربت بشأنه فقلت لها يا أمة الله من هذا الّذي يضرب عليك بابك كل ليلة فتخرجين اليه فيعطيك شيئا لا أدرى ما هو؟ وأنت امرأة مسلمة لا زوج لك؟ قالت: هذا سهل بن حنيف،
стр. 891
وقد عرف أنى امرأة لا أحد لي فإذا أمسى عدا على أوثان قومه فكسرها ثم جاءني بها فقال احتطبي بهذا، فكان على ﵁ يأثر ذلك من شأن سهل بن حنيف حين هلك عنده بالعراق.
قال ابن إسحاق: فأقام رسول الله ﷺ بقباء في بنى عمرو بن عوف يوم الاثنين ويوم الثلاثاء ويوم الأربعاء ويوم الخميس وأسس مسجده، ثم أخرجه الله من بين أظهرهم يوم الجمعة وبنو عمرو ابن عوف يزعمون أنه مكث فيهم أكثر من ذلك. وقال عبد الله بن إدريس عن محمد بن إسحاق قال: وبنو عمرو بن عوف يزعمون أنه ﵇ أقام فيهم ثماني عشر ليلة.
قلت: وقد تقدم فيما رواه البخاري من طريق الزهري عن عروة أنه ﵇ أقام فيهم بضع عشرة ليلة، وحكى موسى بن عقبة عن مجمع بن يزيد بن حارثة أنه. قال: أقام رسول الله ﷺ فينا - يعنى في بنى عمرو بن عوف بقباء - اثنتين وعشرين ليلة. وقال الواقدي: ويقال أقام فيهم أربع عشرة ليلة.
قال ابن إسحاق: فأدركت رسول الله ﷺ الجمعة في بنى سالم بن عوف فصلاها في المسجد الّذي في بطن الوادي - وادي رانوناء - فكان أول جمعة صلاها بالمدينة. فأتاه عتبان بن مالك وعباس بن عبادة بن نضلة في رجال من بنى سالم فقالوا: يا رسول الله أقم عندنا في العدد والعدة والمنعة. قال: «خلوا سبيلها فإنها مأمورة» لناقته فخلوا سبيلها. فانطلقت حتى إذا وازت (١) دار بنى بياضة تلقاه زياد بن لبيد وفروة بن عمرو في رجال من بنى بياضة فقالوا: يا رسول الله هلم إلينا إلى العدد والعدة والمنعة؟ قال «خلوا سبيلها فإنها مأمورة» فخلوا سبيلها. فانطلقت حتى إذا مرت بدار بنى ساعدة اعترضه سعد بن عبادة والمنذر بن عمرو في رجال من بنى ساعدة فقالوا: يا رسول الله هلم إلينا في العدد والمنعة. قال «خلوا سبيلها فإنها مأمورة» فخلوا سبيلها فانطلقت حتى إذا وازت دار بنى الحارث بن الخزرج اعترضه سعد بن الربيع وخارجة بن زيد وعبد الله بن رواحة في رجال من بنى الحارث بن الخزرج فقالوا: يا رسول هلم إلينا إلى العدد والعدة والمنعة. قال «خلوا سبيلها فإنها مأمورة» فخلوا سبيلها فانطلقت حتى إذا مرت بدار عدي بن النجار - وهم أخواله - دنيا أم عبد المطلب، سلمى بنت عمرو إحدى نسائهم، اعترضه سليط بن قيس وأبو سليط أسيرة بن خارجة (٢) في رجال من بنى عدي بن النجار فقالوا يا رسول الله هلم إلى أخوالك إلى العدد والعدة والمنعة؟ قال «خلوا سبيلها فأنها مأمورة» فخلوا سبيلها فانطلقت حتى إذا أتت دار بنى مالك بن
стр. 892
النجار بركت على باب مسجده ﵇ اليوم، وكان يومئذ مربدا لغلامين يتيمين من بنى مالك ابن النجار، وهما سهل وسهيل ابنا عمرو، وكانا في حجر معاذ بن عفراء.
قلت: وقد تقدم في رواية البخاري من طريق الزهري عن عروة أنهما كانا في حجر أسعد بن زرارة والله أعلم.
وذكر موسى بن عقبة أن رسول الله ﷺ مرّ في طريقه بعبد الله بن أبىّ بن سلول وهو في بيت، فوقف رسول الله ﷺ ينتظر أن يدعوه إلى المنزل - وهو يومئذ سيد الخزرج في أنفسهم - فقال عبد الله انظر الذين دعوك فانزل عليهم فذكر ذلك رسول الله ﷺ لنفر من الأنصار فقال سعد بن عبادة يعتذر عنه: لقد من الله علينا بك يا رسول الله وإنا نريد أن نعقد على رأسه التاج ونملكه علينا.
قال موسى بن عقبة: وكانت الأنصار قد اجتمعوا قبل أن يركب رسول الله ﷺ من بنى عمرو بن عوف فمشوا حول ناقته لا يزال أحدهم ينازع صاحبه زمام الناقة شحا على كرامة رسول الله ﷺ وتعظيما له وكلما مر بدار من دور الأنصار دعوه إلى المنزل فيقول ﷺ «دعوها فإنها مأمورة فأنما أنزل حيث أنزلنى الله» فلما انتهت إلى دار أبى أيوب بركت به على الباب فنزل فدخل بيت أبى أيوب حتى ابتنى مسجده ومساكنه.
قال ابن إسحاق: لما بركت الناقة برسول الله ﷺ لم ينزل عنها حتى وثبت فسارت غير بعيد ورسول الله ﷺ واضع لها زمامها لا يثنيها به، ثم التفتت خلفها فرجعت إلى مبركها أول مرة فبركت فيه، ثم تحلحلت ورزمت ووضعت جرانها فنزل عنها رسول الله ﷺ . فاحتمل أبو أيوب خالد بن زيد رحله فوضعه في بيته ونزل عليه رسول الله ﷺ وسأل عن المربد لمن هو؟ فقال له معاذ بن عفراء هو يا رسول الله لسهل وسهيل ابني عمرو وهما يتيمان لي وسأرضيهما منه فاتخذه مسجدا، فأمر به رسول الله ﷺ أن يبنى ونزل رسول الله ﷺ في دار أبى أيوب حتى بنى مسجده ومساكنه فعمل فيه رسول الله ﷺ والمسلمون من المهاجرين والأنصار.
وستأتي قصة بناء المسجد قريبا إن شاء الله.
وقال البيهقي في الدلائل وقال أبو عبد الله أخبرنا أبو الحسن على بن عمرو الحافظ ثنا أبو عبد الله محمد بن مخلد الدوري ثنا محمد بن سليمان بن إسماعيل ابن أبى الورد ثنا إبراهيم بن صرمة ثنا يحيى بن سعيد عن إسحاق بن عبد الله بن أبى طلحة عن أنس. قال: قدم رسول الله ﷺ المدينة فلما دخلنا جاء الأنصار برجالها ونسائها فقالوا: إلينا يا رسول الله. فقال «دعوا الناقة فإنها مأمورة» فبركت على باب أبى أيوب فخرجت جوار من بنى النجار يضر بن بالدفوف وهن يقلن:
стр. 893
نحن جوار من بنى النجار … يا حبذا محمد من جار
فخرج اليهم رسول الله ﷺ فقال «أتحبونني؟» فقالوا: أي والله يا رسول الله. فقال: «وأنا والله أحبكم، وأنا والله أحبكم، وأنا والله أحبكم» هذا حديث غريب من هذا الوجه لم يروه أحد من أصحاب السنن، وقد خرجه الحاكم في مستدركه كما يروى. ثم
قال البيهقي أخبرنا أبو عبد الرحمن السلمي أخبرنا أبو القاسم عبد الرحمن بن سليمان النحاس المقرئ ببغداد ثنا عمر بن الحسن الحلبي حدثنا أبو خيثمة المصيصي ثنا عيسى بن يونس عن عوف الأعرابي عن ثمامة عن أنس. قال:
مر النبي ﷺ بحي من بنى النجار، وإذا جوار يضر بن بالدفوف يقلن:
نحن جوار من بنى النجار … يا حبذا محمد بن جار
فقال رسول الله ﷺ «يعلم الله أن قلبي يحبكم» ورواه ابن ماجة عن هشام بن عمار عن عيسى بن يونس به.
وفي صحيح البخاري عن معمر عن عبد الوارث عن عبد العزيز عن أنس قال رأى النبي ﷺ النساء والصبيان مقبلين - حسبت أنه قال من عرس - فقام النبي ﷺ ممثلا فقال «اللهمّ أنتم من أحب الناس إلى» قالها ثلاث مرات.
وقال الامام احمد حدثنا عبد الصمد بن عبد الوارث حدثني أبى حدثني عبد العزيز بن صهيب ثنا أنس بن مالك. قال: أقبل رسول الله ﷺ الى المدينة وهو مردف أبا بكر، وأبو بكر شيخ يعرف ورسول الله ﷺ شاب لا يعرف، قال فيلقى الرجل أبا بكر فيقول: يا أبا بكر من هذا الرجل الّذي بين يديك؟ فيقول: هذا الرجل يهديني السبيل، فيحسب الحاسب أنما يهديه الطريق، وإنما يعنى سبيل الخير. فالتفت أبو بكر فإذا هو بفارس قد لحقهم فقال: يا نبي الله هذا فارس قد لحق بنا، فالتفت رسول الله ﷺ فقال «اللهمّ اصرعه» فصرعته فرسه ثم قامت تحمحم، ثم قال: مرني يا نبي الله بما شئت. فقال «قف مكانك ولا تتركن أحدا يلحق بنا». قال فكان أول النهار جاهدا على رسول الله ﷺ ، وكان آخر النهار مسلحة له. قال فنزل رسول الله ﷺ جانب الحرة ثم بعث الى الأنصار فجاءوا فسلموا عليهما وقالوا اركبا آمنين مطاعين. فركب رسول الله ﷺ وأبو بكر وحفوا حولهما بالسلاح، وقيل في المدينة:
جاء نبي الله ﷺ فاستشرفوا نبي الله ينظرون اليه ويقولون: جاء نبي الله. قال فاقبل يسير حتى نزل إلى جانب دار أبى أيوب، قال فإنه ليحدث أهله إذ سمع به عبد الله بن سلام وهو في نخل لأهله يحترف لهم، فعجل أن يضع الّذي يحترف فيها فجاء وهي معه، وسمع من نبي الله ﷺ ورجع إلى أهله، وقال نبي الله: أي بيوت أهلنا أقرب؟ فقال أبو أيوب أنا يا نبي الله، هذه داري وهذا بابي قال فانطلق فهيّئ لنا مقيلا، فذهب فهيأ ثم جاء فقال يا رسول الله قد هيأت مقيلا قوما على بركة الله فقيلا، فلما جاء نبي الله ﷺ جاء عبد الله بن سلام فقال: أشهد أنك نبي الله حقا، وأنك جئت
стр. 894
بحق ولقد علمت يهود أنى سيدهم وابن سيدهم، وأعلمهم وابن أعلمهم، فادعهم فسلهم، فدخلوا عليه فقال لهم رسول الله ﷺ «يا معشر اليهود ويلكم اتقوا الله فو الله الّذي لا إله إلا هو إنكم لتعلمون أنى رسول الله حقا وأنى جئت بحق أسلموا». فقالوا: ما نعلمه، ثلاثا. وكذا رواه البخار منفردا به عن محمد غير منسوب عن عبد الصمد به (١)
قال ابن إسحاق: وحدثني يزيد بن أبى حبيب عن مرثد بن عبد الله اليزني عن أبى رهم السماعي حدثني أبو أيوب. قال: لما نزل عليّ رسول الله ﷺ في بيتي نزل في السفل، وأنا وأم أيوب في العلو، فقلت له بأبي أنت وأمى يا رسول الله إني أكره وأعظم أن أكون فوقك وتكون تحتى، فأظهر أنت فكن في العلو وننزل نحن فنكون في السفل، فقال «يا أبا أيوب إن أرفق بنا وبمن يغشانا أن أكون في سفل البيت» فكان رسول الله ﷺ في سفله وكنا فوقه في المسكن.
فلقد انكسر حب لنا فيه ماء، فقمت أنا وأم أيوب بقطيفة لنا ما لنا لحاف غيرها ننشف بها الماء تخوفا أن يقطر على رسول الله ﷺ منه شيء فيؤذيه، قال وكنا نصنع له العشاء ثم نبعث اليه فإذا رد علينا فضلة تيممت أنا وأم أيوب موضع يده فأكلنا منه نبتغى بذلك البركة، حتى بعثنا اليه ليلة بعشائه وقد جعلنا له فيه بصلا - أو ثوما - فرده رسول الله ﷺ فلم أر ليده فيه أثرا، قال فجئته فزعا فقلت يا رسول الله بأبي أنت وأمى رددت عشاءك ولم أر فيه موضع يدك؟ فقال «إني وجدت فيه ريح هذه الشجرة، وأنا رجل أناجى فاما أنتم فكلوه» قال فأكلناه ولم نصنع له تلك الشجرة بعد. وكذلك رواه البيهقي من طريق الليث بن سعد عن يزيد بن أبى حبيب عن أبى الحسن - أو أبى الخير - مرثد بن عبد الله اليزني عن أبى رهم عن أبى أيوب فذكره. ورواه أبو بكر بن أبى شيبة عن يونس بن محمد المؤدب عن الليث.
وقال البيهقي أخبرنا أبو عبد الله الحافظ أخبرنا أبو عمرو الحيريّ ثنا عبد الله بن محمد ثنا احمد بن سعيد الدارميّ ثنا أبو النعمان ثنا ثابت بن يزيد ثنا عاصم الأحول عن عبد الله بن الحارث عن أفلح مولى أبى أيوب عن أبى أيوب أن رسول الله ﷺ نزل عليه فنزل في السفل وأبو أيوب في العلو فانتبه أبو أيوب فقال: نمشي فوق رأس رسول الله ﷺ ! فتنحوا فباتوا في جانب، ثم قال للنّبيّ ﷺ يعنى في ذلك - فقال: «السفل أرفق بنا» فقال لا أعلو سقيفة أنت تحتها، فتحول رسول الله ﷺ في العلو، وأبو أيوب في السفل فكان يصنع لرسول الله ﷺ طعاما، فإذا جيء به سأل عن موضع أصابعه فيتتبع موضع أصابع رسول الله ﷺ فصنع له طعاما فيه ثوم، فلما رد اليه سأل عن موضع أصابع رسول الله ﷺ فقيل له لم يأكل ففزع وصعد اليه فقال أحرام؟ فقال النبي ﷺ : «لا ولكنى أكرهه» قال فانى اكره ما تكره - أو ما كرهت - قال وكان النبي ﷺ يأتيه الملك. رواه مسلم عن احمد بن سعيد به، وثبت
في
стр. 895
الصحيحين عن أنس بن مالك. قال: جيء رسول الله ﷺ ببدر (١) وفي رواية بقدر فيه خضروات من بقول، قال فسأل فأخبر بما فيها فلما رآها كره أكلها، قال: «كل فانى أناجى من لا تناجي» وقد روى الواقدي أن أسعد بن زرارة لما نزل رسول الله ﷺ في دار أبى أيوب أخذ بخطام ناقة رسول الله ﷺ فكانت عنده،
وروى عن زيد بن ثابت أنه قال: أول هدية أهديت إلى رسول الله ﷺ حين نزل دار أبى أيوب أنا جئت بها، قصعة فيها خبز مثرود بلبن وسمن، فقلت أرسلت بهذه القصعة أمى، فقال: «بارك الله فيك» ودعا أصحابه فأكلوا، ثم جاءت قصعة سعد بن عبادة ثريد وعراق لحم، وما كانت من ليلة إلا وعلى باب رسول ﷺ الثلاث والأربعة يحملون الطعام يتناوبون، وكان مقامه في دار أبى أيوب سبعة أشهر. قال وبعث رسول ﷺ وهو نازل في دار أبى أيوب - مولاه زيد بن حارثة وأبا رافع ومعهما بعيران وخمسمائة درهم ليجئا بفاطمة وأم كلثوم ابنتي رسول الله ﷺ ، وسودة بنت زمعة زوجته، وأسامة بن زيد، وكانت رقية قد هاجرت مع زوجها عثمان، وزينب عند زوجها بمكة أبى العاص بن الربيع، وجاءت معهم أم أيمن امرأة زيد بن حارثة وخرج معهم عبد الله بن أبى بكر بعيال أبى بكر وفيهم عائشة أم المؤمنين ولم يدخل بها رسول الله ﷺ .
وقال البيهقي: أخبرنا على بن احمد بن عبدان أخبرنا أحمد بن عبيد الصفار حدثنا خلف بن عمرو العكبريّ ثنا سعيد بن منصور ثنا عطاف بن خالد ثنا صديق بن موسى عن عبد الله بن الزبير أن رسول الله ﷺ قدم المدينة، فاستناخت به راحلته بين دار جعفر بن محمد بن على وبين دار الحسن بن زيد، فأتاه الناس فقالوا: يا رسول الله المنزل. فانبعثت به راحلته فقال: «دعوها فإنها مأمورة» ثم خرجت به حتى جاءت موضع المنبر فاستناخت ثم تحللت، وثم عريش كانوا يعرشونه ويعمرونه ويتبردون فيه، فنزل رسول الله ﷺ عن راحلته فيه فآوى إلى الظل فأتاه أبو أيوب فقال:
يا رسول الله إن منزلي أقرب المنازل إليك فأنقل رحلك إلى؟ قال نعم! فذهب برحله إلى المنزل، ثم أتاه رجل فقال يا رسول الله أين تحل؟ قال «إن الرجل مع رحله حيث كان» وثبت رسول الله ﷺ في العريش اثنتي عشرة ليلة حتى بنى المسجد، وهذه منقبة عظيمة لأبي أيوب خالد بن زيد ﵁، حيث نزل في داره رسول الله ﷺ . وقد روينا من طريق يزيد بن أبى حبيب عن محمد ابن على بن عبد الله بن عباس ﵁ أنه لما قدم أبو أيوب البصرة - وكان ابن عباس نائبا عليها من جهة على بن أبى طالب ﵁ فخرج له ابن عباس عن داره حتى أنزله فيها كما أنزل رسول الله ﷺ في داره، وملكه كل ما أغلق عليها بابها. ولما أراد الانصراف أعطاه ابن
стр. 896
عباس عشرين ألفا، وأربعين عبدا. وقد صارت دار أبى أيوب بعده إلى مولاه أفلح. فاشتراها منه المغيرة بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام بألف دينار وصلح ما وهي من بنيانها ووهبها لأهل بيت فقراء من أهل المدينة. وكذلك نزوله ﵇ في دار بنى النجار واختيار الله له ذلك منقبة عظيمة وقد كان في المدينة دور كثيرة تبلغ تسعا كل دار محلة مستقلة بمساكنها ونخيلها وزروعها وأهلها، كل قبيلة من قبائلهم قد اجتمعوا في محلتهم وهي كالقرى المتلاصقة، فاختار الله لرسول الله ﷺ دار بنى مالك بن النجار.
وقد ثبت
في الصحيحين من حديث شعبة سمعت قتادة عن أنس بن مالك. قال قال رسول الله ﷺ : «خير دور الأنصار بنو النجار، ثم بنو عبد الأشهل، ثم بنو الحارث بن الخزرج، ثم بنو ساعدة، وفي كل دور الأنصار خير» فقال سعد بن عبادة: ما أرى النبي ﷺ إلا قد فضل علينا فقيل قد فضلكم على كثير: هذا لفظ البخاري. وكذلك رواه البخاري ومسلم من حديث أنس وأبى سلمة عن أبى أسيد مالك بن ربيعة، ومن حديث عبادة بن سهل عن أبى حميد عن النبي ﷺ بمثله سواء. زاد في حديث أبى حميد، فقال أبو أسيد لسعد بن عبادة: ألم تر أن النبي ﷺ خير الأنصار فجعلنا آخرا، فأدرك سعد النبي ﷺ فقال: يا رسول الله خيرت دور الأنصار فجعلتنا آخرا؟ قال: «أو ليس بحسبكم أن تكونوا من الأخيار» قد ثبت لجميع من أسلم من أهل المدينة وهم الأنصار الشرف والرفعة لي الدنيا والآخرة. قال الله تعالى ﴿وَالسّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهاجِرِينَ وَالْأَنْصارِ وَالَّذِينَ اِتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسانٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها أَبَداً ذلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾ وقال تعالى ﴿وَالَّذِينَ تَبَوَّؤُا الدّارَ وَالْإِيمانَ مِنْ قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حاجَةً مِمّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كانَ بِهِمْ خَصاصَةٌ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾
وقال رسول الله ﷺ : «لولا الهجرة لكنت امرأ من الأنصار، ولو سلك الناس واديا وشعبا لسلكت وادي الأنصار وشعبهم، الأنصار شعار والناس دثار» وقال «الأنصار كرشى وعيبتي» وقال «أنا سلم لمن سالمهم، وحرب لمن حاربهم»
وقال البخاري حدثنا حجاج بن منهال ثنا شعبة حدثني عدي بن ثابت قال سمعت البراء بن عازب يقول سمعت رسول الله ﷺ أو قال قال رسول الله ﷺ : «الأنصار لا يحبهم إلا مؤمن، ولا يبغضهم إلا منافق، فمن أحبهم أحبه الله ومن أبغضهم أبغضه الله» وقد أخرجه بقية الجماعة إلا أبا داود من حديث شعبة به.
وقال البخاري أيضا حدثنا مسلم بن إبراهيم ثنا شعبة عن عبد الرحمن بن عبد الله بن جبير عن أنس بن مالك عن النبي ﷺ قال: «آية الايمان حب الأنصار، وآية النفاق بغض الأنصار» ورواه البخاري أيضا عن أبى الوليد [و] الطيالسي ومسلم من حديث خالد بن الحارث وعبد الرحمن بن مهدي أربعتهم
стр. 897
عن شعبة به. والآيات والأحاديث في فضائل الأنصار كثيرة جدا. وما أحسن ما قال أبو قيس صرمة بن أبى أنس المتقدم ذكره أحد شعراء الأنصار في قدوم رسول الله ﷺ اليهم ونصرهم إياه ومواساتهم له ولأصحابه ﵃ أجمعين.
قال ابن إسحاق: وقال أبو قيس صرمة بن أبى أنس أيضا يذكر ما أكرمهم الله به من الإسلام وما خصهم به من رسوله ﵇:
ثوى في قريش بضع عشرة حجة … يذكر لو يلقى صديقا مواتيا
ويعرض في أهل المواسم نفسه … فلم ير من يؤوى ولم ير داعيا
فلما أتانا واطمأنت به النوى (١) … وأصبح مسرورا بطيبة راضيا
وألفي صديقا واطمأنت به النوى … وكان له عونا من الله باديا
يقص لنا ما قال نوح لقومه … وما قال موسى إذ أجاب المناديا
فأصبح لا يخشى من الناس واحدا … قريبا ولا يخشى من الناس نائيا (٢)
بذلنا له الأموال من جل (٣) مالنا … وأنفسنا عند الوغى والتآسيا
نعادي الّذي عادى من الناس كلهم … جميعا ولو كان الحبيب المواسيا
ونعلم أن الله لا شيء غيره … وان كتاب الله أصبح هاديا (٤)
أقول إذا صليت في كل بيعة … حنانيك لا تظهر علينا الأعاديا
أقول إذا جاوزت أرضا مخيفة … تباركت اسم الله أنت المواليا
فطأ معرضا ان الحتوف كثيرة … وانك لا تبقى لنفسك باقيا
فو الله ما يدرى الفتى كيف سعيه … إذا هو لم يجعل له الله واقيا
ولا تحفل النخل المعيمة (٥) ربها … إذا أصبحت ريا وأصبح ثاويا
ذكرها ابن إسحاق وغيره، ورواها عبد الله بن الزبير الحميدي وغيره عن سفيان بن عيينة عن يحيى بن سعيد الأنصاري عن عجوز من الأنصار قالت: رأيت عبد الله بن عباس يختلف الى صرمة بن قيس يروى هذه الأبيات. رواه البيهقي.
стр. 898
فصل
وقد شرفت المدينة أيضا بهجرته ﵇ اليها وصارت كهفا لأولياء الله وعباده الصالحين ومعقلا وحصنا منيعا للمسلمين، ودار هدى للعالمين. والأحاديث في فضلها كثيرة جدا لها موضع آخر نوردها فيه إن شاء الله. وقد ثبت
في الصحيحين من طريق حبيب بن يساف عن جعفر بن عاصم عن أبى هريرة. قال قال رسول الله ﷺ «إن الايمان ليأرز الى المدينة كما تأرز الحية الى جحرها» ورواه مسلم أيضا عن محمد بن رافع عن شبابة عن عاصم بن محمد بن زيد بن عبد الله بن عمر عن أبيه عن ابن عمر عن النبي ﷺ نحوه.
وفي الصحيحين أيضا من حديث مالك عن يحيى ابن سعيد أنه سمع أبا الحباب سعيد بن يسار سمعت أبا هريرة يقول قال رسول الله ﷺ : «أمرت بقرية تأكل القرى، يقولون يثرب وهي المدينة تنقى الناس كما ينقى الكير خبث الحديد (١)» وقد انفرد الامام مالك عن بقية الأئمة الأربعة بتفضيلها على مكة. وقد
قال البيهقي أخبرنا أبو عبد الله الحافظ أخبرنى أبو الوليد وأبو بكر بن عبد الله قالا ثنا الحسن بن سفيان ثنا أبو موسى الأنصاري ثنا سعيد بن سعيد حدثني أخى عن أبى هريرة أن رسول الله ﷺ قال: «اللهمّ انك أخرجتنى من أحب البلاد الى فاسكنى أحب البلاد إليك» فأسكنه الله المدينة. وهذا حديث غريب جدا والمشهور عن الجمهور أن مكة أفضل من المدينة إلا المكان الّذي ضم جسد رسول الله ﷺ ، وقد استدل الجمهور على ذلك بأدلة يطول ذكرها هاهنا ومحلها ذكرناها في كتاب المناسك من الأحكام إن شاء الله تعالى. وأشهر دليل لهم في ذلك ما
قال الامام احمد حدثنا أبو اليمان ثنا شعيب عن الزهري أخبرنا أبو سلمة بن عبد الرحمن أن عبد الله بن عدي بن الحمراء أخبره أنه سمع النبي ﷺ وهو واقف بالحزورة في سوق مكة يقول: «والله إنك لخير أرض الله وأحب أرض الله الى، ولولا أنى أخرجت منك ما خرجت» وكذا رواه احمد عن يعقوب بن إبراهيم عن أبيه عن صالح بن كيسان عن الزهري به. وهكذا رواه الترمذي والنسائي وابن ماجة من حديث الليث عن عقيل عن الزهري به. وقال الترمذي: حسن صحيح. وقد رواه يونس عن الزهري به. ورواه محمد بن عمرو عن أبى سلمة بن عبد الرحمن عن أبى هريرة، وحديث الزهري عندي أصح.
قال الامام احمد:
حدثنا عبد الرزاق ثنا معمر عن الزهري عن أبى سلمة بن عبد الرحمن عن أبى هريرة. قال: وقف رسول الله ﷺ على الحزورة فقال: «علمت أنك خير أرض الله وأحب الأرض الى الله، ولولا
стр. 899
أن أهلك أخرجونى منك ما خرجت» وكذا رواه النسائي من حديث معمر به. قال الحافظ البيهقي وهذا وهم من معمر، وقد رواه بعضهم عن محمد بن عمرو عن أبى سلمة عن أبى هريرة وهو أيضا وهم والصحيح رواية الجماعة.
وقال احمد أيضا حدثنا إبراهيم بن خالد ثنا رباح عن معمر عن محمد بن مسلم بن شهاب الزهري عن أبى سلمة عن بعضهم أن رسول الله ﷺ قال وهو في سوق الحزورة:
«والله إنك لخير أرض الله وأحب الأرض الى الله ولولا أنى أخرجت منك ما خرجت» ورواه الطبراني عن احمد بن خليد الحلبي عن الحميدي عن الدراوَرْديّ عن ابن أخى الزهري عن محمد ابن جبير بن مطعم عن عبد الله بن عدي بن الحمراء به. فهذه طرق هذا الحديث، وأصحها ما تقدم والله أعلم.
وقائع السنة الاولى من الهجرة
ذكر ما وقع في السنة الاولى من الهجرة النبويّة من الحوادث والوقائع العظيمة اتفق الصحابة ﵃ في سنة ست عشرة - وقيل سنة سبع عشرة، أو ثماني عشرة - في الدولة العمرية على جعل ابتداء التاريخ الإسلامي من سنة الهجرة، وذلك أن أمير المؤمنين عمر ﵁ رفع اليه صك - أي حجة - لرجل على آخر وفيه، إنه يحل عليه في شعبان، فقال عمر: أي شعبان؟ أشعبان هذه السنة التي نحن فيها أو السنة الماضية، أو الآتية؟ ثم جمع الصحابة فاستشارهم في وضع تاريخ يتعرفون به حلول الديون وغير ذلك، فقال قائل: أرخوا كتاريخ الفرس فكره ذلك، وكانت الفرس يؤرخون بملوكهم واحدا بعد واحد. وقال قائل: أرخوا بتاريخ الروم، وكانوا يؤرخون بملك إسكندر بن فلبس المقدوني فكره ذلك. وقال آخرون أرخوا بمولد رسول الله ﷺ وقال آخرون بل بمبعثه، وقال آخرون بل بهجرته، وقال آخرون بل بوفاته ﵇. فمال عمر ﵁ إلى التاريخ بالهجرة لظهوره واشتهاره، واتفقوا معه على ذلك.
وقال البخاري في صحيحه: التاريخ ومتى أرخوا التاريخ. حدثنا عبد الله بن مسلم ثنا عبد العزيز عن أبيه عن سهل بن سعد. قال: ما عدوا من مبعث النبي ﷺ ولا من وفاته، ما عدوا إلا من مقدمه المدينة.
وقال الواقدي: حدثنا ابن أبى الزناد عن أبيه. قال: استشار عمر في التاريخ فاجمعوا على الهجرة وقال أبو داود الطيالسي عن قرة بن خالد السدوسي (١) عن محمد بن سيرين قال: قام رجل إلى عمر فقال أرخوا. فقال ما أرخوا؟ فقال شيء تفعله الأعاجم يكتبون في شهر كذا من سنة كذا. فقال
стр. 900
عمر: حسن فارخوا، فقالوا من أي السنين نبدأ؟ فقالوا من مبعثه، وقالوا من وفاته، ثم أجمعوا على الهجرة، ثم قالوا وأي الشهور نبدأ؟ قالوا رمضان، ثم قالوا المحرم فهو مصرف الناس من حجهم وهو شهر حرام فاجتمعوا على المحرم.
وقال ابن جرير: حدثنا قتيبة ثنا نوح بن قيس الطائي عن عثمان بن محصن أن ابن عباس كان يقول في قوله تعالى ﴿وَالْفَجْرِ * وَلَيالٍ عَشْرٍ﴾ هو المحرم فجر السنة. وروى عن عبيد بن عمير. قال: إن المحرم شهر الله وهو رأس السنة يكسى البيت، ويؤرخ به الناس، ويضرب فيه الورق.
وقال احمد: حدثنا روح بن عبادة ثنا زكريا بن إسحاق عن عمرو بن دينار قال: إن أول من ورخ الكتب يعلى بن أمية باليمن، وأن رسول الله ﷺ قدم المدينة في ربيع الأول وأن الناس أرخوا لأول السنة.
وروى محمد بن إسحاق عن الزهري وعن محمد بن صالح عن الشعبي أنهما قالا: أرخ بنو إسماعيل من نار إبراهيم، ثم أرخوا من بنيان إبراهيم وإسماعيل البيت، ثم أرخوا من موت كعب بن لؤيّ، ثم أرخوا من الفيل، ثم أرخ عمر بن الخطاب من الهجرة وذلك سنة سبع عشرة - أو ثماني عشرة - وقد ذكرنا هذا الفصل محررا بأسانيده وطرقه في السيرة العمرية ولله الحمد، والمقصود أنهم جعلوا ابتداء التاريخ الإسلامي من سنة الهجرة، وجعلوا أولها من المحرم فيما اشتهر عنهم وهذا هو قول جمهور الأئمة.
وحكى السهيليّ وغيره عن الامام مالك أنه قال: أول السنة الإسلامية ربيع الأول لأنه الشهر الّذي هاجر فيه رسول الله ﷺ .
[وقد استدل السهيليّ على ذلك في موضع آخر بقوله تعالى ﴿لَمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلَى التَّقْوى مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ﴾ أي من أول يوم حلول النبي ﷺ المدينة، وهو أول يوم من التاريخ كما اتفق الصحابة على أول سنى التاريخ عام الهجرة] (١) ولا شك أن هذا الّذي قاله الامام مالك ﵀ مناسب، ولكن العمل على خلافه، وذلك لان أول شهور العرب المحرم فجعلوا السنة الاولى سنة. الهجرة، وجعلوا أولها المحرم كما هو المعروف لئلا يختلط النظام والله أعلم.
فنقول وبالله المستعان: استهلت سنة الهجرة المباركة ورسول الله ﷺ مقيم بمكة، وقد بايع الأنصار بيعة العقبة الثانية كما قدمنا في أوسط أيام التشريق وهي ليلة الثاني عشر من ذي الحجة قبل سنة الهجرة، ثم رجع الأنصار وأذن رسول ﷺ للمسلمين في الهجرة إلى المدينة فهاجر من هاجر من أصحابه الى المدينة حتى لم يبق بمكة من يمكنه الخروج إلا رسول الله ﷺ ، وحبس أبو بكر
стр. 901
نفسه على رسول الله ﷺ ليصحبه في الطريق كما قدمنا ثم خرجا على الوجه الّذي تقدم بسطه وتأخر على بن أبى طالب بعد النبي ﷺ بأمره ليؤدى ما كان عنده ﵇ من الودائع ثم لحقهم بقباء فقدم رسول الله ﷺ يوم الاثنين قريبا من الزوال وقد اشتد الضحاء (١).
قال الواقدي وغيره: وذلك لليلتين خلتا من شهر ربيع الأول. وحكاه ابن إسحاق إلا أنه لم يعرج عليه ورجح أنه لثنتى عشرة ليلة خلت منه، وهذا هو المشهور الّذي عليه الجمهور. وقد كانت مدة إقامته ﵇ بمكة بعد البعثة ثلاث عشرة سنة في أصح الأقوال، وهو رواية حماد بن سلمة عن أبى حمزة الضبيّ عن ابن عباس. قال: بعث رسول الله ﷺ لأربعين سنة، وأقام بمكة ثلاث عشرة سنة. وهكذا روى ابن جرير عن محمد بن معمر عن روح بن عبادة عن زكريا بن إسحاق عن عمرو بن دينار عن ابن عباس أنه قال: مكث رسول الله ﷺ بمكة ثلاث عشرة.
وتقدم أن ابن عباس كتب أبيات صرمة بن أبى أنس بن قيس:
ثوى في قريش بضع عشرة حجة … يذكر لو يلقى صديقا مواتيا
وقال الواقدي عن إبراهيم بن إسماعيل عن داود بن الحصين عن عكرمة عن ابن عباس أنه استشهد بقول صرمة:
ثوى في قريش بضع عشرة حجة … يذكر لو يلقى صديقا مواتيا
وهكذا رواه ابن جرير عن الحارث عن محمد بن سعد عن الواقدي خمس عشرة حجة، وهو قول غريب جدا، وأغرب منه ما قال ابن جرير: حدثت عن روح بن عبادة ثنا سعيد عن قتادة قال: نزل القرآن على رسول الله ﷺ ثماني سنين بمكة، وعشرا بالمدينة. وكان الحسن يقول:
عشرا بمكة، وعشرا بالمدينة، وهكذا القول الآخر الّذي ذهب اليه الحسن البصري من أنه أقام بمكة عشر سنين ذهب اليه أنس بن مالك وعائشة وسعيد بن المسيب وعمرو بن دينار فيما رواه ابن جرير عنهم، وهو رواية عن ابن عباس رواها احمد بن حنبل عن يحيى بن سعيد عن هشام عن عكرمة عن ابن عباس. قال: أنزل على النبي ﷺ وهو ابن ثلاث وأربعين، فمكث بمكة عشرا وقد قدمناه عن الشعبي أنه قال: قرن إسرافيل برسول الله ﷺ ثلاث سنين يلقى اليه الكلمة والشيء وفي رواية يسمع حسه ولا يرى شخصه، ثم كان بعد ذلك جبريل. وقد حكى الواقدي عن بعض مشايخه أنه أنكر قول الشعبي هذا، وحاول ابن جرير أن يجمع بين قول من قال إنه ﵇ أقام بمكة عشرا، وقول من قال ثلاث عشرة بهذا الّذي ذكره الشعبي والله أعلم.
стр. 902
فصل
ولما حل الركاب النبوي بالمدينة، وكان أول نزوله بها في دار بنى عمرو بن عوف وهي قباء كما تقدم فأقام بها - أكثر ما قيل - ثنتين وعشرين ليلة، وقيل ثماني عشرة ليلة، وقيل بضع عشرة ليلة وقال موسى بن عقبة: ثلاث ليال. والأشهر ما ذكره ابن إسحاق وغيره أنه ﵇ أقام فيهم بقباء من يوم الاثنين إلى يوم الجمعة، وقد أسس في هذه المدة المختلف في مقدارها - على ما ذكرناه - مسجد قباء، وقد ادعى السهيليّ أن رسول الله ﷺ أسسه في أول يوم قدم الى قباء وحمل على ذلك قوله تعالى ﴿لَمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلَى التَّقْوى مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ﴾ ورد قول من أعربها من تأسيس أول يوم، وهو مسجد شريف فاضل نزل فيه قوله تعالى ﴿لَمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلَى التَّقْوى مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ أَحَقُّ أَنْ تَقُومَ فِيهِ، فِيهِ رِجالٌ يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا وَاللهُ يُحِبُّ الْمُطَّهِّرِينَ﴾ كما تكلمنا على تقرير ذلك في التفسير وذكرنا الحديث الّذي في صحيح مسلم أنه مسجد المدينة والجواب عنه. وذكرنا الحديث الّذي
رواه الامام احمد حدثنا حسن بن محمد ثنا أبو إدريس ثنا شرحبيل عن عويم بن ساعدة أنه حدثه أن رسول الله ﷺ أتاهم في مسجد قباء فقال: «إن الله قد أحسن عليكم الثناء في الطهور في قصة مسجدكم فما هذا الطهور الّذي تطهرون به؟» قالوا: والله يا رسول الله ما نعلم شيئا إلا أنه كان لنا جيران من اليهود فكانوا يغسلون أدبارهم من الغائط فغسلنا كما غسلوا. وأخرجه ابن خزيمة في صحيحه وله شواهد أخر. وروى عن خزيمة بن ثابت ومحمد بن عبد الله بن سلام وابن عباس. وقد
روى أبو داود والترمذي وابن ماجة من حديث يونس بن الحارث عن إبراهيم بن أبى ميمونة عن أبى هريرة عن النبي ﷺ قال: نزلت هذه الآية في أهل قباء ﴿فِيهِ رِجالٌ يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا وَاللهُ يُحِبُّ الْمُطَّهِّرِينَ﴾. قال كانوا يستنجون بالماء فنزلت فيهم هذه الآية. ثم قال الترمذي غريب من هذا الوجه.
قلت: ويونس بن الحارث هذا ضعيف والله أعلم. وممن قال بانه المسجد الّذي أسس على التقوى ما رواه عبد الرزاق عن معمر عن الزهري عن عروة بن الزبير. ورواه على بن أبى طلحة عن ابن عباس وحكى عن الشعبي والحسن البصري وقتادة وسعيد بن جبير وعطية العوفيّ وعبد الرحمن بن زيد بن أسلم وغيرهم. وقد كان النبي ﷺ يزوره فيما بعد ويصلى فيه، وكان يأتى قباء كل سبت تارة راكبا وتارة ماشيا
وفي الحديث: «صلاة في مسجد قباء كعمرة» وقد ورد في حديث أن جبرائيل ﵇ هو الّذي أشار للنّبيّ ﷺ إلى موضع قبلة مسجد قباء، فكان هذا المسجد أول مسجد بنى في الإسلام بالمدينة، بل أول مسجد جعل لعموم الناس في هذه الملة. واحترزنا بهذا
стр. 903
عن المسجد الّذي بناه الصديق بمكة عند باب داره يتعبد فيه ويصلى لأن ذاك كان لخاصة نفسه لم يكن للناس عامة والله أعلم. وقد تقدم إسلام سلمان في البشارات، أن سلمان الفارسي لما سمع بقدوم رسول الله ﷺ [إلى المدينة ذهب اليه وأخذ معه شيئا فوضعه بين يديه وهو بقباء قال هذا صدقة فكف رسول الله ﷺ فلم يأكله وأمر أصحابه فأكلوا منه، ثم جاء مرة أخرى ومعه شيء فوضعه وقال هذه هدية فأكل منه وأمر أصحابه فأكلوا. تقدم الحديث بطوله] (١).
فصل في إسلام عبد الله بن سلام ﵁
قال الامام احمد حدثنا محمد بن جعفر ثنا عوف عن زرارة عن عبد الله بن سلام. قال: لما قدم رسول الله ﷺ المدينة انجفل الناس، فكنت فيمن انجفل، فلما تبينت وجهه عرفت أنه ليس بوجه كذاب. فكان أول شيء سمعته يقول: «أفشوا السلام وأطعموا الطعام وصلوا بالليل والناس نيام، تدخلوا الجنة بسلام» ورواه الترمذي وابن ماجة من طرق عن عوف الأعرابي عن زرارة ابن أبى أوفى به عنه. وقال الترمذي صحيح. ومقتضى هذا السياق يقتضي أنه سمع بالنبيّ ﷺ ورآه أول قدومه حين أناخ بقباء في بنى عمرو بن عوف. وتقدم في رواية عبد العزيز بن صهيب عن أنس أنه اجتمع به حين أناخ عند دار أبى أيوب عند ارتحاله من قباء إلى دار بنى النجار كما تقدم، فلعله رآه أول ما رآه بقباء، واجتمع به بعد ما صار إلى دار بنى النجار والله أعلم
وفي سياق البخاري من طريق عبد العزيز عن أنس. قال: فلما جاء النبي ﷺ جاء عبد الله بن سلام فقال أشهد أنك رسول الله وأنك جئت بحق، وقد علمت يهود أنى سيدهم وابن سيدهم وأعلمهم وابن أعلمهم فادعهم فسلهم عنى قبل أن يعلموا أنى قد أسلمت فإنهم إن يعلموا أنى قد أسلمت قالوا ما ليس في. فأرسل نبي الله ﷺ إلى اليهود فدخلوا عليه. فقال لهم: «يا معشر اليهود ويلكم اتقوا الله فو الله الّذي لا إله إلا هو إنكم لتعلمون أنى رسول الله حقا وأنى جئتكم بحق فأسلموا» قالوا ما نعلمه. قالوا [ذلك] للنّبيّ ﷺ قالها ثلاث مرار. قال «فأى رجل فيكم عبد الله (٢) بن سلام؟ قالوا ذاك سيدنا وابن سيدنا وأعلمنا وابن أعلمنا. قال: أفرأيتم إن أسلم؟ قالوا حاش لله ما كان ليسلم. قال «يا ابن سلام اخرج عليهم» فخرج فقال: يا معشر يهود اتقوا الله فو الله الّذي لا إله إلا هو إنكم لتعلمون أنه رسول الله وأنه جاء بالحق.
فقالوا: كذبت. فأخرجهم رسول الله ﷺ . هذا لفظه. وفي رواية فلما خرج عليهم شهد شهادة
стр. 904
الحق قالوا: شعرنا وابن شرنا، وتنقصوه فقال: يا رسول الله هذا الّذي كنت أخاف.
وقال البيهقي:
أخبرنا أبو عبد الله الحافظ أخبرنا الأصم حدثنا محمد بن إسحاق الصنعاني ثنا عبد الله بن أبى بكر ثنا حميد عن أنس. قال: سمع عبد الله بن سلام بقدوم النبي ﷺ . - وهو في أرض له - فأتى النبي ﷺ : فقال إني سائلك عن ثلاث لا يعلمهن إلا نبي، ما أول أشراط الساعة؟ وما أول طعام يأكله أهل الجنة؟ وما بال الولد إلى أبيه أو إلى أمه؟ قال: «أخبرنى بهن جبريل آنفا» قال جبريل؟ قال «نعم!» قال عدو اليهود من الملائكة. ثم قرأ ﴿مَنْ كانَ عَدُوًّا لِجِبْرِيلَ فَإِنَّهُ نَزَّلَهُ عَلى قَلْبِكَ بِإِذْنِ اللهِ﴾ قال «أما أول أشراط الساعة فنار تخرج على الناس من المشرق تسوقهم إلى المغرب، وأما أول طعام يأكله أهل الجنة فزيادة كبد حوت، وأما الولد فإذا سبق ماء الرجل ماء المرأة نزع الولد، وإذا سبق ماء المرأة ماء الرجل نزعت الولد» فقال: أشهد أن لا إله إلا الله، وأنك رسول الله. يا رسول الله إن اليهود قوم بهت وأنهم إن يعلموا بإسلامي قبل أن تسألهم عنى بهتوني.
فجاءت اليهود. فقال: «أي رجل عبد الله فيكم؟» قالوا خيرنا وابن خيرنا، وسيدنا وابن سيدنا.
قال: «أرأيتم إن أسلم؟» قالوا أعاذه الله من ذلك. فخرج عبد الله فقال: أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمدا رسول الله. قالوا شرنا وابن شرنا وانتقصوه. قال هذا الّذي كنت أخاف يا رسول الله (١). ورواه البخاري عن عبد بن منير (٢) عن عبد الله بن أبى بكر به ورواه عن حامد بن عمر عن بشر بن المفضل عن حميد به قال محمد ابن إسحاق: حدثني عبد الله بن أبى بكر عن يحيى بن عبد الله عن رجل من آل عبد الله ابن سلام. قال: كان من حديث عبد الله بن سلام حين أسلم - وكان حبرا عالما -. قال: لما سمعت برسول الله وعرفت صفته واسمه وهيئته و [زمانه] الّذي كنا نتوكف له، (٣) فكنت بقباء مسرا بذلك صامتا عليه حتى قدم رسول الله ﷺ ، المدينة فلما قدم نزل بقباء في بنى عمرو بن عوف.
فاقبل رجل حتى أخبر بقدومه، وأنا في رأس نخلة لي أعمل فيها، وعمتي خالدة بنت الحارث تحتى جالسة، فلما سمعت الخبر بقدوم رسول الله ﷺ كبرت، فقالت عمتي حين سمعت تكبيري:
لو كنت سمعت بموسى بن عمران ما زدت، قال قلت لها أي عمه، والله هو أخو موسى بن عمران وعلى دينه بعث بما بعث به. قال فقالت له: يا ابن أخى أهو الّذي كنا نخبر أنه يبعث مع نفس الساعة؟ قال قلت لها نعم! قالت فذاك إذا. قال فخرجت إلى رسول الله ﷺ فأسلمت ثم رجعت إلى أهل
стр. 905
بيتي فأمرتهم فأسلموا وكتمت إسلامي من اليهود وقلت: يا رسول الله إن اليهود قوم بهت وإني أحب أن تدخلني في بعض بيوتك فتغيبنى عنهم، ثم تسألهم عنى فيخبروك كيف أنا فيهم قبل أن يعلموا بإسلامي فإنهم إن يعلموا بذلك بهتوني وعابونى، وذكر نحو ما تقدم. قال فأظهرت إسلامي وإسلام أهل بيتي وأسلمت عمتي خالدة بنت الحارث. وقال يونس بن بكير عن محمد بن إسحاق حدثني عبد الله ابن أبى بكر حدثني محدث عن صفية بنت حيي قالت: لم يكن أحد من ولد أبى وعمى أحب اليهما منى، لم ألقهما في ولد لهما قط أهش اليهما الا اخذانى دونه، فلما قدم رسول الله ﷺ قباء - قرية بنى عمرو بن عوف - غدا اليه أبى وعمى أبو ياسر بن أخطب مغلسين، فو الله ما جاءنا إلا مع مغيب الشمس، فجاءانا فاترين كسلانين ساقطين يمشيان الهوينا، فهششت اليهما كما كنت أصنع فو الله ما نظر إلى واحد منهما، فسمعت عمى أبا ياسر يقول لأبي: أهو هو؟ قال نعم والله! قال تعرفه بنعته وصفته؟ قال نعم والله! قال فماذا في نفسك منه؟ قال عداوته والله ما بقيت. وذكر موسى بن عقبة عن الزهري أن أبا ياسر بن أخطب حين قدم رسول الله ﷺ المدينة ذهب اليه وسمع منه وحادثة ثم رجع إلى قومه فقال: يا قوم أطيعون فان الله قد جاءكم بالذي كنتم تنتظرون، فاتبعوه ولا تخالفوه فانطلق أخوه حيي بن أخطب - وهو يومئذ سيد اليهود، وهما من بنى النضير - فجلس إلى رسول الله وسمع منه، ثم رجع إلى قومه - وكان فيهم مطاعا - فقال: أتيت من عند رجل والله لا أزال له عدوا أبدا. فقال له أخوه أبو ياسر يا ابن أم أطعنى في هذا الأمر واعصني فيما شئت بعده لا تهلك، قال لا والله لا أطيعك أبدا، واستحوذ عليه الشيطان واتبعه قومه على رأيه.
قلت: أما أبو ياسر واسمه حيي بن أخطب (١) فلا أدرى ما آل اليه أمره، وأما حيي بن أخطب والد صفية بنت حيي فشرب عداوة النبي ﷺ وأصحابه، ولم يزل ذلك دأبه لعنه الله حتى قتل صبرا بين يدي رسول الله ﷺ يوم قتل مقاتلة بنى قريظة كما سيأتي إن شاء الله.
فصل
ولما ارتحل ﵇ من قباء وهو راكب ناقته القصواء وذلك يوم الجمعة أدركه وقت الزوال وهو في دار بنى سالم بن عوف، فصلى بالمسلمين الجمعة هنالك، في واد يقال له وادي رانوناء فكانت أول جمعة صلاها رسول الله ﷺ بالمسلمين بالمدينة، أو مطلقا لانه والله أعلم لم يكن يتمكن هو
стр. 906
وأصحابه بمكة من الاجتماع حتى يقيموا بها جمعة ذات خطبة واعلان بموعظة وما ذاك إلا لشدة مخالفة المشركين له، وأذيتهم إياه.
ذكر خطبة رسول الله ﷺ يومئذ
قال ابن جرير: حدثني يونس بن عبد الأعلى أخبرنا ابن وهب عن سعيد بن عبد الرحمن الجمحيّ أنه بلغه عن خطبة النبي ﷺ في أول جمعة صلاها بالمدينة في بنى سالم بن عمرو بن عوف ﵃: «الحمد لله أحمده وأستعينه، وأستغفره وأستهديه، وأومن به ولا أكفره، وأعادى من يكفره وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأن محمدا عبده ورسوله أرسله بالهدى ودين الحق والنور والموعظة على فترة من الرسل، وقلة من العلم، وضلالة من الناس، وانقطاع من الزمان، ودنو من الساعة، وقرب من الأجل. من يطع الله ورسوله فقد رشد، ومن يعصهما فقد غوى وفرط وضل ضلالا بعيدا، وأوصيكم بتقوى الله فإنه خير ما أوصى به المسلم المسلم أن يحضه على الآخرة، وأن يأمره بتقوى الله، فاحذروا ما حذركم الله من نفسه، ولا أفضل من ذلك نصيحة، ولا أفضل من ذلك ذكرى. وإنه تقوى لمن عمل به على وجل ومخافة، وعون صدق على ما تبتغون من أمر الآخرة، ومن يصلح الّذي بينه وبين الله من أمر السر والعلانية لا ينوى بذلك إلا وجه الله يكن له ذكرا في عاجل أمره وذخرا فيما بعد الموت حين يفتقر المرء إلى ما قدم، وما كان من سوى ذلك يود لو ان بينه وبينه أمدا بعيدا، ويحذركم الله نفسه والله رءوف بالعباد. والّذي صدق قوله، وأنجز وعده، لا خلف لذلك فإنه يقول تعالى ﴿ما يُبَدَّلُ الْقَوْلُ لَدَيَّ وَما أَنَا بِظَلاّمٍ لِلْعَبِيدِ﴾ واتقوا الله في عاجل أمركم وآجله في السر والعلانية فإنه ﴿مَنْ يَتَّقِ اللهَ يُكَفِّرْ عَنْهُ سَيِّئاتِهِ وَيُعْظِمْ لَهُ أَجْراً﴾ ومن يتق الله فقد فاز فوزا عظيما وإن تقوى الله توقي مقته، وتوقي عقوبته، وتوقي سخطه وإن تقوى الله تبيض الوجه، وترضى الرب، وترفع الدرجة، خذوا بحظكم ولا تفرطوا في جنب الله قد علمكم الله كتابه، ونهج لكم سبيله ليعلم الذين صدقوا وليعلم الكاذبين فأحسنوا كما أحسن الله إليكم، وعادوا أعداءه وجاهدوا في الله حق جهاده هو اجتباكم وسماكم المسلمين ليهلك من هلك عن بينة ويحيى من حي عن بينة ولا قوة إلا بالله، فأكثروا ذكر الله واعملوا لما بعد الموت فإنه من أصلح ما بينه وبين الله يكفه ما بينه وبين الناس ذلك بأن الله يقضى على الناس ولا يقضون عليه، ويملك من الناس ولا يملكون منه، الله أكبر ولا قوة إلا بالله العلى العظيم» هكذا أوردها ابن جرير وفي السند إرسال.
وقال البيهقي: باب - أول خطبة خطبها رسول الله ﷺ حين قدم المدينة -.
أخبرنا أبو عبد الله الحافظ أخبرنا أبو العباس الأصم حدثنا احمد بن عبد الجبار ثنا يونس بن
стр. 907
بكير عن ابن إسحاق حدثني المغيرة بن عثمان بن محمد بن عثمان والأخنس بن شريق عن أبى سلمة بن عبد الرحمن بن عوف قال: كانت أول خطبة خطبها رسول الله ﷺ بالمدينة أن قام فيهم فحمد الله وأثنى عليه بما هو أهله ثم قال «أما بعد أيها الناس فقدموا لأنفسكم تعلمن والله ليصعقن أحدكم ثم ليدعن غنمه ليس لها راع، ثم ليقولن له ربه - ليس له ترجمان ولا حاجب يحجبه دونه - ألم يأتك رسولي فبلغك، وآتيتك مالا وأفضلت عليك، فما قدمت لنفسك؟ فينظر يمينا وشمالا فلا يرى شيئا، ثم ينظر قدامه فلا يرى غير جهنم، فمن استطاع أن يقي وجهه من النار ولو بشق تمرة فليفعل، ومن لم يجد فبكلمة طيبة فان بها تجزى الحسنة عشر أمثالها إلى سبعمائة ضعف والسلام على رسول الله (١) ورحمة الله وبركاته» ثم خطب رسول الله ﷺ مرة أخرى فقال: «أن الحمد لله أحمده وأستعينه، نعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له. وأشهد أن لا إله إلا الله [وحده لا شريك له]، إن أحسن الحديث كتاب الله، قد أفلح من زينه الله في قلبه وأدخله في الإسلام بعد الكفر واختاره على ما سواه من أحاديث الناس، إنه أحسن الحديث وأبلغه، أحبوا من أحب الله، أحبوا الله من كل قلوبكم [ولا تملوا كلام الله وذكره ولا تقسى عنه قلوبكم] فإنه من (٢) يختار الله ويصطفى فقد سماه خيرته من الأعمال وخيرته من العباد، والصالح من الحديث ومن كل ما أوتى الناس من الحلال والحرام فاعبدوا الله ولا تشركوا به شيئا واتقوه حق تقاته واصدقوا الله صالح ما تقولون بأفواهكم وتحابوا بروح الله بينكم إن الله يغضب أن ينكث عهده والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته» وهذه الطريق أيضا مرسلة إلا أنها مقوية لما قبلها وإن اختلفت الألفاظ.
فصل في بناء مسجده الشريف في مدة مقامه ﵇ بدار أبى أيوب ﵁
وقد اختلف في مدة مقامه بها، فقال الواقدي: سبعة أشهر، وقال غيره أقل من شهر والله أعلم.
قال البخاري حدثنا إسحاق بن منصور أخبرنا عبد الصمد قال سمعت أبى يحدث فقال حدثنا أبو التياح يزيد بن حميد الضبيّ حدثنا أنس بن مالك. قال: لما قدم رسول الله ﷺ المدينة نزل في علو المدينة في حي يقال لهم بنو عمرو بن عوف، فأقام فيهم أربع عشرة ليلة ثم أرسل إلى ملأ بنى النجار فجاءوا
стр. 908
متقلدي سيوفهم، قال وكأنى انظر إلى رسول الله ﷺ على راحلته وأبو بكر ردفه، وملأ بنى النجار حوله حتى ألقى بفناء أبى أيوب، قال فكان يصلى حيث أدركته الصلاة، ويصلى في مرابض الغنم، قال ثم إنه أمر ببناء المسجد، فأرسل إلى ملأ بنى النجار فجاءوا فقال «يا بنى النجار ثامنونى بحائطكم هذا» فقالوا لا والله لا نطلب ثمنه إلا إلى الله ، قال فكان فيه ما أقول لكم، كانت فيه قبور المشركين، وكانت فيه خرب، وكان فيه نخل، فامر رسول الله ﷺ بقبور المشركين فنبشت، وبالخرب فسويت، وبالنخل فقطع. قال فصفوا النخل قبلة المسجد، وجعلوا عضادتيه حجارة، قال فجعلوا ينقلون ذلك الصخر وهم يرتجزون، ورسول الله ﷺ معهم يقول (١) «اللهمّ إنه لا خير إلا خير الآخرة، فانصر الأنصار والمهاجرة» وقد رواه البخاري في مواضع أخر ومسلم من حديث أبى عبد الصمد وعبد الوارث بن سعيد. وقد تقدم في صحيح البخاري عن الزهري عن عروة أن المسجد الّذي كان مربدا - وهو بيدر التمر - ليتيمين كانا في حجر أسعد بن زرارة وهما سهل وسهيل، فساومهما فيه رسول الله ﷺ فقالا: بل تهبه لك يا رسول الله فأبى حتى ابتاعه منهما وبناه مسجدا. قال وجعل رسول الله ﷺ يقول وهو ينقل معهم التراب:
هذا الحمال لاحمال خيبر … هذا أبر ربنا وأطهر
ويقول:
لا هم إن الأجر أجر الآخرة … فارحم الأنصار والمهاجرة
وذكر موسى بن عقبة أن أسعد بن زرارة عوضهما منه نخلا له في بياضة، قال وقيل ابتاعه منهما رسول الله ﷺ .
قلت: وذكر محمد بن إسحاق أن المربد كان لغلامين يتيمين في حجر معاذ بن عفراء وهما سهل وسهيل ابنا عمرو فالله أعلم.
وروى البيهقي من طريق أبى بكر بن أبى الدنيا حدثنا الحسن بن حماد الضبيّ ثنا عبد الرحيم ابن سليمان عن إسماعيل بن مسلم عن الحسن. قال: لما بنى رسول الله ﷺ المسجد أعانه عليه أصحابه وهو معهم يتناول اللبن حتى اغبر صدره، فقال «ابنوه عريشا كعريش موسى» فقلت للحسن:
ما عريش موسى؟ قال إذا رفع يديه بلغ العريش - يعين السقف - وهذا مرسل.
وروى من حديث حماد بن سلمة عن أبى سنان عن يعلى بن شداد بن أوس عن عبادة أن الأنصار جمعوا مالا فأتوا به النبي ﷺ فقالوا: يا رسول الله ابن هذا المسجد وزينه، إلى متى نصلي تحت هذا الجريد؟ فقال:
«ما بى رغبة عن أخى موسى، عريش كعريش موسى» وهذا حديث غريب من هذا الوجه. وقال
стр. 909
أبو داود حدثنا محمد بن حاتم حدثنا عبد الله بن موسى عن سنان عن فراس عن عطية العوفيّ عن عن ابن عمر أن مسجد النبي ﷺ كانت سواريه على عهد رسول الله ﷺ من جذوع النخل، أعلاه مظلل بجريد النخل، ثم إنها تخربت في خلافة أبى بكر، فبناها بجذوع وبجريد النخل، ثم انها تخربت في خلافة عثمان فبناها بالآجر، فما زالت ثابتة حتى الآن. وهذا غريب. وقد قال أبو داود أيضا حدثنا مجاهد بن موسى حدثني يعقوب بن إبراهيم حدثني أبى عن أبى صالح ثنا نافع عن ابن عمر أخبره أن المسجد كان على عهد رسول الله ﷺ مبنيا باللبن، وسقفه الجريد، وعمده خشب النخل، فلم يزد فيه أبو بكر شيئا، وزاد فيه عمر وبناه على بنائه في عهد النبي ﷺ باللبن والجريد وأعاد عمده خشبا. وغيره عثمان ﵁ وزاد فيه زيادة كثيرة، وبنى جداره بالحجارة المنقوشة والقصة (١) وجعل عمده من حجارة منقوشة وسقفه بالساج (٢) وهكذا رواه البخاري عن على بن المديني عن يعقوب بن إبراهيم به.
قلت:
زاده عثمان بن عفان ﵁ متأولا قوله ﷺ «من بنى لله مسجدا ولو كمفحص قطاة بنى الله له بيتا في الجنة» ووافقه الصحابة الموجودون على ذلك ولم يغيروه بعده، فيستدل بذلك على الراجح من قول العلماء أن حكم الزيادة حكم المزيد فتدخل الزيادة في حكم سائر المسجد من تضعيف الصلاة فيه وشد الرحال اليه، وقد زيد في زمان الوليد بن عبد الملك باني جامع دمشق زاده له بأمره عمر بن عبد العزيز حين كان نائبة على المدينة وأدخل الحجرة النبويّة فيه كما سيأتي بيانه في وقته، ثم زيد زيادة كثيرة فيما بعد، وزيد من جهة القبلة حتى صارت الروضة والمنبر بعد الصفوف المقدمة كما هو المشاهد اليوم.
قال ابن إسحاق: ونزل رسول الله على أبى أيوب حتى بنى مسجده ومساكنه وعمل فيه رسول الله ﷺ ليرغب المسلمين في العمل فيه. فعمل فيه المهاجرون والأنصار ودأبوا فيه. فقال قائل من المسلمين.
لئن قعدنا والنبي يعمل … لذاك منّا العمل المضلل
وارتجز المسلمون وهم يبنونه يقولون:
لا عيش إلا عيش الآخرة … اللهمّ ارحم الأنصار والمهاجرة
فيقول رسول الله ﷺ «لا عيش إلا عيش الآخرة، اللهمّ ارحم المهاجرين والأنصار» قال فدخل
стр. 910
عمار بن ياسر وقد أثقلوه باللبن فقال: يا رسول الله قتلوني يحملون على ما لا يحملون. قالت أم سلمة فرأيت رسول الله ﷺ ينفض وفرته بيده - وكان رجلا جعدا - وهو يقول: «ويح ابن سمية ليسوا بالذين يقتلونك إنما يقتلك الفئة الباغية» وهذا منقطع من هذا الوجه بل هو معضل بين محمد بن إسحاق وبين أم سلمة وقد وصله
مسلم في صحيحه من حديث شعبة عن خالد الحذاء عن سعيد والحسن - يعنى ابني أبى الحسن البصري - عن أمهما خيرة مولاة أم سلمة عن أم سلمة قالت قال رسول الله ﷺ : «تقتل عمار الفئة الباغية»
ورواه من حديث ابن علية عن ابن عون عن الحسن عن أمه عن أم سلمة أن رسول الله ﷺ قال لعمار وهو ينقل الحجارة: «ويح لك يا ابن سمية تقتلك الفئة الباغية»
وقال عبد الرزاق أخبرنا معمر عن الحسن يحدث عن أمه عن أم سلمة قالت: لما كان رسول الله ﷺ وأصحابه يبنون المسجد، جعل أصحاب النبي ﷺ يحمل كل واحد لبنة لبنه، وعمار يحمل لبنتين لبنة عنه ولبنة عن النبي ﷺ فمسح ظهره. وقال «ابن سمية، للناس أجر ولك أجران، وآخر زادك شربة من لبن وتقتلك الفئة الباغية» وهذا اسناد على شرط الصحيحين.
وقد
أورد البيهقي وغيره من طريق جماعة عن خالد الحذاء عن عكرمة عن أبى سعيد الخدريّ. قال:
كنا نحمل في بناء المسجد لبنة لبنة، وعمار يحمل لبنتين لبنتين. فرآه النبي ﷺ فجعل ينفض التراب عنه ويقول: «ويح عمار تقتله الفئة الباغية يدعوهم إلى الجنة ويدعونه إلى النار» قال يقول عمار: أعوذ بالله من الفتن. لكن روى هذا الحديث الامام البخاري عن مسدد عن عبد العزيز بن المختار عن خالد الحذاء، وعن إبراهيم بن موسى عن عبد الوهاب الثقفي عن خالد الحذاء به إلا أنه لم يذكر قوله تقتلك الفئة الباغية.
قال البيهقي: وكأنه إنما تركها لما
رواه مسلم من طريق عن أبى نضرة عن أبى سعيد [قال أخبرنى من هو خير منى أن رسول الله ﷺ قال لعمار حين جعل يحفر الخندق، جعل يمسح رأسه ويقول: «بؤس ابن سمية تقتله فئة باغية» وقد
رواه مسلم أيضا من حديث شعبة عن أبى مسلم عن أبى نضرة عن أبى سعيد] (١) قال حدثني من هو خير منى - أبو قتادة - أن رسول الله ﷺ قال لعمار بن ياسر «بؤسا لك يا ابن سمية تقتلك الفئة الباغية» وقال أبو داود الطيالسي: حدثنا وهيب عن داود بن أبى هند عن أبى نضرة عن أبى سعيد أن رسول الله ﷺ لما سفر الخندق كان الناس يحملون لبنة لبنة، وعمار - ناقة من وجع كان به - فجعل يحمل لبنتين لبنتين
قال أبو سعيد فحدثني بعض أصحابى أن رسول الله ﷺ كان ينفض التراب عن رأسه ويقول: «ويحك ابن سمية تقتلك الفئة الباغية». قال البيهقي: فقد فرق بين ما سمعه بنفسه وما سمعه من أصحابه. قال ويشبه أن
стр. 911
يكون قوله الخندق وهما أو أنه قال له ذلك في بناء المسجد وفي حفر الخندق والله أعلم.
قلت: حمل اللبن في حفر الخندق لا معنى له، والظاهر أنه اشتبه على الناقل والله أعلم. وهذا الحديث من دلائل النبوة حيث أخبر صلوات الله وسلامه عليه عن عمار أنه تقتله الفئة الباغية وقد قتله أهل الشام في وقعة صفين وعمار مع على وأهل العراق كما سيأتي بيانه وتفصيله في موضعه. وقد كان عليّ أحق بالأمر من معاوية. ولا يلزم من تسمية أصحاب معاوية بغاة تكفيرهم كما يحاوله جهلة الفرقة الضالة من الشيعة وغيرهم لانهم وإن كانوا بغاة في نفس الأمر فإنهم كانوا مجتهدين فيما تعاطوه من القتال وليس كل مجتهد مصيبا بل المصيب له أجران والمخطئ له أجر، ومن زاد في هذا الحديث بعد تقتلك الفئة الباغية - لا أنالها الله شفاعتي يوم القيامة - فقد افترى في هذه الزيادة على رسول الله ﷺ ، فإنه لم يقلها إذ لم تنقل من طريق تقبل والله أعلم. وأما قوله يدعوهم إلى الجنة ويدعونه إلى النار، فان عمارا وأصحابه يدعون أهل الشام إلى الألفة واجتماع الكلمة، وأهل الشام يريدون أن يستأثروا بالأمر دون من هو أحق به، وأن يكون الناس أوزاعا على كل قطر امام برأسه، وهذا يؤدى إلى افتراق الكلمة واختلاف الأمة فهو لازم مذهبهم وناشئ عن مسلكهم، وإن كانوا لا يقصدونه والله أعلم. وسيأتي تقرير هذه المباحث إذا انتهينا إلى وقعة صفين من كتابنا هذا بحول الله وقوته وحسن تأييده وتوفيقه والمقصود هاهنا إنما هو قصة بناء المسجد النبوي على بإنية أفضل الصلاة والتسليم.
وقد
قال الحافظ البيهقي في الدلائل حدثنا أبو عبد الله الحافظ إملاء ثنا أبو بكر بن إسحاق أخبرنا عبيد بن شريك ثنا نعيم بن حماد ثنا عبد الله بن المبارك أخبرنا حشرج بن نباتة عن سعيد ابن جمهان عن سفينة مولى رسول الله ﷺ . قال: جاء أبو بكر بحجر فوضعه، ثم جاء عمر بحجر فوضعه، ثم جاء عثمان بحجر فوضعه. فقال رسول الله ﷺ : «هؤلاء ولاة الأمر بعدي»، ثم
رواه من حديث يحيى بن عبد الحميد الحماني عن حشرج عن سعيد عن سفينة. قال: لما بنى رسول الله ﷺ المسجد وضع حجرا. ثم قال «ليضع أبو بكر حجرا إلى جنب حجري، ثم ليضع عمر حجره إلى جنب حجر أبى بكر، ثم ليضع عثمان حجره إلى جنب حجر عمر» فقال رسول الله ﷺ «هؤلاء الخلفاء من بعدي» وهذا الحديث بهذا السياق غريب جدا، والمعروف ما
رواه الامام احمد عن أبى النضر عن حشرج بن نباتة العبسيّ (١) وعن بهز وزيد بن الحباب وعبد الصمد وحماد بن سلمة كلاهما عن سعيد بن جمهان عن سفينة قال سمعت رسول الله يقول: «الخلافة ثلاثون عاما، ثم يكون من بعد ذلك الملك» ثم قال سفينة أمسك، خلافة أبى بكر سنتين، وخلافة عمر عشر سنين وخلافة
стр. 912
عثمان اثنتا عشرة سنة وخلافة على ست سنين، هذا لفظ احمد. ورواه أبو داود والترمذي والنسائي من طرق عن سعيد بن جمهان، وقال الترمذي حسن لا نعرفه إلا من حديثه ولفظه «الخلافة بعدي ثلاثون سنة ثم يكون ملكا عضوضا» وذكر بقيته.
قلت: ولم يكن في مسجد النبي ﷺ أول ما بنى منبر يخطب الناس عليه، بل كان النبي ﷺ يخطب الناس وهو مستندا إلى جذع عند مصلاه في الحائط القبلي فلما اتخذ له ﵇ المنبر كما سيأتي بيانه في موضعه وعدل اليه ليخطب عليه، فلما جاوز ذلك الجذع خار ذلك الجذع وحن حنين النوق العشار لما كان يسمع من خطب الرسول ﵇ عنده، فرجع اليه النبي ﷺ فاحتضته حتى سكن كما يسكن المولود الّذي يسكت كما سيأتي تفصيل ذلك من طرق عن سهل بن سعد الساعدي وجابر وعبد الله بن عمر وعبد الله بن عباس وأنس بن مالك وأم سلمة ﵃، وما أحسن ما قال الحسن البصري بعد ما روى هذا الحديث عن أنس بن مالك: يا معشر المسلمين الخشبة نحن إلى رسول الله ﷺ شوقا اليه، أو ليس الرجال الذين يرجون لقاءه أحق أن يشتاقوا اليه؟!.
تنبيه على فضل هذا المسجد الشريف والمحل المنيف
قال الامام احمد: حدثنا يحيى بن أنيس بن أبى يحيى حدثني أبى قال سمعت أبا سعيد الخدريّ قال: اختلف رجلان رجل من بنى خدرة ورجل من بنى عمرو بن عوف في المسجد الّذي أسس على التقوى، فقال الخدريّ هو مسجد رسول الله ﷺ وقال العمرى هو مسجد قباء، فأتيا رسول الله ﷺ فسألاه عن ذلك فقال: «هو هذا المسجد» لمسجد رسول الله ﷺ وقال «في ذلك خير كثير» يعنى مسجد قباء. ورواه الترمذي عن قتيبة عن حاتم بن إسماعيل عن أنيس بن أبى يحيى الأسلمي به وقال حسن صحيح. وروى الامام احمد عن إسحاق بن عيسى عن الليث بن سعد والترمذي والنسائي جميعا عن قتيبة عن الليث عن عمران بن أبى أنس عن عبد الرحمن بن أبى سعيد عن أبيه. قال: تمارى رجلان في المسجد الّذي أسس على التقوى، وذكر نحو ما تقدم.
وفي صحيح مسلم من حديث حميد الخراط عن أبى سلمة بن عبد الرحمن أنه سأل عبد الرحمن بن أبى سعيد كيف سمعت أباك في المسجد الّذي أسس على التقوى؟ قال أبى أتيت رسول الله ﷺ فسألته عن المسجد الّذي أسس على التقوى فاخذ كفا من حصباء فضرب به الأرض. ثم قال: «هو مسجدكم هذا»
وقال الامام احمد: حدثنا وكيع حدثنا ربيعة بن عثمان التميمي عن عمران بن أبى أنس عن سهل بن سعد. قال: اختلف رجلان على عهد رسول الله ﷺ في المسجد في الّذي أسس على التقوى. فقال أحدهما هو مسجد رسول الله ﷺ وقال الآخر هو مسجد قباء، فأتيا رسول الله ﷺ فسألاه فقال
стр. 913
«هو مسجدي هذا»
وقال الامام احمد حدثنا أبو نعيم حدثنا عبد الله بن عامر الأسلمي عن عمران بن أبى أنس عن سهل بن سعد عن أبى بن كعب أن النبي ﷺ قال: «المسجد الّذي أسس على التقوى مسجدي هذا» فهذه طرق متعددة لعلها تقرب من إفادة القطع بأنه مسجد الرسول ﷺ وإلى هذا ذهب عمر وابنه عبد الله وزيد بن ثابت، وسعيد بن المسيب، واختاره ابن جرير. وقال آخرون لا منافاة بين نزول الآية في مسجد قباء كما تقدم بيانه، وبين هذه الأحاديث. لان هذا المسجد أولى بهذه الصفة، من ذلك لان هذا أحد المساجد الثلاثة التي تشد الرحال اليها كما ثبت
في الصحيحين من حديث أبى هريرة. قال قال رسول الله ﷺ : «لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد، مسجدي هذا والمسجد الحرام، ومسجد بيت المقدس»
وفي صحيح مسلم عن أبى سعيد عن النبي ﷺ قال «لا تشد الرحال الا إلى ثلاثة مساجد» وذكرها. وثبت
في الصحيحين أن رسول الله ﷺ قال:
«صلاة في مسجدي هذا خير من ألف صلاة فيما سواه إلا المسجد الحرام» وفي مسند احمد بإسناد حسن زيادة حسنة وهي قوله «فان ذلك أفضل»
وفي الصحيحين من حديث يحيى القطان عن حبيب عن حفص بن عاصم عن أبى هريرة قال قال رسول الله ﷺ «ما بين بيتي ومنبري روضة من رياض الجنة، ومنبري على حوضي» والأحاديث في فضائل هذا المسجد الشريف كثيرة جدا وسنوردها في كتاب المناسك من كتاب الأحكام الكبير إن شاء الله وبه الثقة وعليه التكلان ولا حول ولا قوة إلا بالله العزيز الحكيم.
وقد ذهب الامام مالك وأصحابه إلى أن مسجد المدينة أفضل من المسجد الحرام لأن ذاك بناه إبراهيم، وهذا بناه محمد ﷺ ، ومعلوم أن محمدا ﷺ أفضل من إبراهيم ﵇. وقد ذهب الجمهور إلى خلاف ذلك وقرروا أن المسجد الحرام أفضل لانه في بلد حرمه الله يوم خلق السموات والأرض، وحرمه إبراهيم الخليل ﵇، ومحمد خاتم المرسلين: فاجتمع فيه من الصفات ما ليس في غيره، وبسط هذه المسألة موضع آخر وبالله المستعان.
فصل
وبنى لرسول الله ﷺ حول مسجده الشريف حجر لتكون مساكن له ولأهله وكانت مساكن قصيرة البناء قريبة الفناء قال الحسن بن أبى الحسن البصري - وكان غلاما مع أمه خيرة مولاة أم سلمة - لقد كنت أنال أطول سقف في حجر النبي ﷺ بيدي. قلت: الا أنه قد كان الحسن البصري شكلا ضخما طوالا ﵀.
وقال السهيليّ في الروض: كانت مساكنه ﵇ مبنية من جريد عليه طين بعضها من
стр. 914
حجارة مرضومة (١) وسقوفها كلها من جريد. وقد حكى عن الحسن البصري ما تقدم. قال وكانت حجره من شعر مربوطة بخشب من عرعر. قال وفي تاريخ البخاري أن بابه ﵇ كان يقرع بالأظافير، فدل على أنه لم يكن لأبوابه حلق. قال وقد أضيفت الحجر كلها بعد موت أزواج رسول الله ﷺ إلى المسجد. قال الواقدي وابن جرير وغيرهما: ولما رجع عبد الله بن أريقط الدئلي إلى مكة بعث معه رسول الله ﷺ وأبو بكر زيد بن حارثة وأبا رافع موليا رسول الله ﷺ ليأتوا بأهاليهم من مكة وبعثا معهم بحملين وخمسمائة درهم ليشتروا بها إبلا من قديد، فذهبوا فجاءوا ببنتي النبي ﷺ فاطمة وأم كلثوم وزوجتيه سودة وعائشة، وأمها أم رومان وأهل النبي ﷺ وآل أبى بكر صحبة عبد الله بن أبى بكر وقد شرد بعائشة وأمها أم رومان الجمل في أثناء الطريق فجعلت أم رومان تقول: وا عروساه، وا بنتاه قالت عائشة: فسمعت قائلا يقول أرسلى خطامه، فأرسلت خطامه فوقف بأذن الله وسلمنا الله . فتقدموا فنزلوا بالسنح، ثم دخل رسول الله ﷺ بعائشة في شوال بعد ثمانية أشهر كما سيأتي، وقدمت معهم أسماء بنت أبى بكر امرأة الزبير بن العوام وهي حامل متم بعبد الله بن الزبير كما سيأتي بيانه في موضعه من آخر هذه السنة.
فصل فيما أصاب المهاجرين من حمى المدينة ﵃ أجمعين وقد سلّم الرسول منها بحول الله وقوته ودعا ربه فأزاحها الله عن مدينته
قال البخاري: حدثنا عبد الله بن وهب بن يوسف ثنا مالك بن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة أنها قالت: لما قدم رسول الله ﷺ المدينة وعك أبو بكر وبلال، قالت فدخلت عليهما فقلت يا ابه كيف تجدك؟ ويا بلال كيف تجدك؟ قالت وكان أبو بكر إذا أخذته الحمى يقول:
كل امرئ مصبح في أهله … والموت أدنى من شراك نعله
وكان بلال إذا أقلع عنه الحمى يرفع عقيرته ويقول:
ألا ليت شعرى هل أبيتن ليلة … بواد وحولي اذخر وجليل (٢)
وهل أردن يوما مياه مجنة … وهل يبدون لي شامة وطفيل
قالت عائشة: فجئت رسول الله ﷺ فأخبرته فقال «اللهمّ حبب إلينا المدينة كحبنا مكة أو أشد وصححها وبارك لنا في صاعها ومدها، وانقل حماها فاجعلها بالجحفة» ورواه مسلم عن أبى بكر
стр. 915
ابن أبى شيبة عن هشام مختصرا.
وفي رواية البخاري له عن أبى أسامة عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة فذكره وزاد بعد شعر بلال ثم يقول: اللهمّ العن عتبة بن ربيعة، وشيبة بن ربيعة وأمية بن خلف كما أخرجونا إلى أرض الوباء. فقال رسول الله ﷺ : «اللهمّ حبب إلينا المدينة كحبنا مكة أو أشد، اللهمّ بارك لنا في صاعها وفي مدها وصححها لنا وانقل حماها إلى الجحفة» قالت وقدمنا المدينة وهي أوبأ أرض الله، وكان بطحان يجرى نجلا (١) - يعنى ماء آجنا -
وقال زياد عن محمد بن إسحاق حدثني هشام بن عروة وعمر بن عبد الله بن عروة بن الزبير عن عائشة قالت: لما قدم رسول الله ﷺ المدينة قدمها وهي أوبأ أرض الله من الحمى فأصاب أصحابه منها بلاء وسقم وصرف الله ذلك عن نبيه قالت فكان أبو بكر وعامر بن فهيرة وبلال موليا أبى بكر في بيت واحد فاصابتهم الحمى فدخلت عليهم أدعوهم وذلك قبل أن يضرب علينا الحجاب وبهم ما لا يعلمه إلا الله من شدة الوعك فدنوت من أبى بكر فقلت كيف تجدك يا أبه؟ فقال:
كل امرئ مصبح في أهله … والموت أدنى من شراك نعله
قالت فقلت والله ما يدرى أبى ما يقول، قالت ثم دنوت إلى عامر بن فهيرة فقلت كيف تجدك يا عامر؟ قال:
لقد وجدت الموت قبل ذوقه … إن الجبان حتفه من فوقه
كل امرئ مجاهد بطوقه … كالثور يحمى جلده بروقه
قال فقلت والله ما يدرى ما يقول، قالت وكان بلال إذا أدركته الحمى اضطجع بفناء البيت ثم رفع عقيرته فقال:
ألا ليت شعرى هل أبيتن ليلة … بفخ وحولي إذخر وجليل
وهل أردن يوما مياه مجنة … وهل يبدون لي شامة وطفيل
قالت عائشة: فذكرت لرسول الله ﷺ ما سمعت منهم وقلت إنهم ليهذون وما يعقلون من شدة الحمى فقال: «اللهمّ حبب إلينا المدينة، كما حببت إلينا مكة أو أشد، وبارك لنا في مدها وصاعها، وانقل وباءها إلى مهيعة» ومهيعة هي الجحفة.
وقال الامام احمد: حدثنا يونس ثنا ليث عن يزيد بن أبى حبيب عن أبى بكر بن إسحاق بن يسار عن عبد الله بن عروة عن عروة عن عائشة قالت لما قدم رسول الله ﷺ المدينة اشتكى أبو بكر وعامر بن فهيرة مولى أبى بكر وبلال، فاستأذنت عائشة رسول الله ﷺ في عيادتهم فاذن لها، فقالت لأبي بكر كيف تجدك؟ فقال:
كل امرئ مصبح في أهله … والموت أدنى من شراك نعله