يكون قوله الخندق وهما أو أنه قال له ذلك في بناء المسجد وفي حفر الخندق والله أعلم.
قلت: حمل اللبن في حفر الخندق لا معنى له، والظاهر أنه اشتبه على الناقل والله أعلم. وهذا الحديث من دلائل النبوة حيث أخبر صلوات الله وسلامه عليه عن عمار أنه تقتله الفئة الباغية وقد قتله أهل الشام في وقعة صفين وعمار مع على وأهل العراق كما سيأتي بيانه وتفصيله في موضعه. وقد كان عليّ أحق بالأمر من معاوية. ولا يلزم من تسمية أصحاب معاوية بغاة تكفيرهم كما يحاوله جهلة الفرقة الضالة من الشيعة وغيرهم لانهم وإن كانوا بغاة في نفس الأمر فإنهم كانوا مجتهدين فيما تعاطوه من القتال وليس كل مجتهد مصيبا بل المصيب له أجران والمخطئ له أجر، ومن زاد في هذا الحديث بعد تقتلك الفئة الباغية - لا أنالها الله شفاعتي يوم القيامة - فقد افترى في هذه الزيادة على رسول الله ﷺ ، فإنه لم يقلها إذ لم تنقل من طريق تقبل والله أعلم. وأما قوله يدعوهم إلى الجنة ويدعونه إلى النار، فان عمارا وأصحابه يدعون أهل الشام إلى الألفة واجتماع الكلمة، وأهل الشام يريدون أن يستأثروا بالأمر دون من هو أحق به، وأن يكون الناس أوزاعا على كل قطر امام برأسه، وهذا يؤدى إلى افتراق الكلمة واختلاف الأمة فهو لازم مذهبهم وناشئ عن مسلكهم، وإن كانوا لا يقصدونه والله أعلم. وسيأتي تقرير هذه المباحث إذا انتهينا إلى وقعة صفين من كتابنا هذا بحول الله وقوته وحسن تأييده وتوفيقه والمقصود هاهنا إنما هو قصة بناء المسجد النبوي على بإنية أفضل الصلاة والتسليم.
وقد
قال الحافظ البيهقي في الدلائل حدثنا أبو عبد الله الحافظ إملاء ثنا أبو بكر بن إسحاق أخبرنا عبيد بن شريك ثنا نعيم بن حماد ثنا عبد الله بن المبارك أخبرنا حشرج بن نباتة عن سعيد ابن جمهان عن سفينة مولى رسول الله ﷺ . قال: جاء أبو بكر بحجر فوضعه، ثم جاء عمر بحجر فوضعه، ثم جاء عثمان بحجر فوضعه. فقال رسول الله ﷺ : «هؤلاء ولاة الأمر بعدي»، ثم
رواه من حديث يحيى بن عبد الحميد الحماني عن حشرج عن سعيد عن سفينة. قال: لما بنى رسول الله ﷺ المسجد وضع حجرا. ثم قال «ليضع أبو بكر حجرا إلى جنب حجري، ثم ليضع عمر حجره إلى جنب حجر أبى بكر، ثم ليضع عثمان حجره إلى جنب حجر عمر» فقال رسول الله ﷺ «هؤلاء الخلفاء من بعدي» وهذا الحديث بهذا السياق غريب جدا، والمعروف ما
رواه الامام احمد عن أبى النضر عن حشرج بن نباتة العبسيّ (١) وعن بهز وزيد بن الحباب وعبد الصمد وحماد بن سلمة كلاهما عن سعيد بن جمهان عن سفينة قال سمعت رسول الله يقول: «الخلافة ثلاثون عاما، ثم يكون من بعد ذلك الملك» ثم قال سفينة أمسك، خلافة أبى بكر سنتين، وخلافة عمر عشر سنين وخلافة
стр. 912
عثمان اثنتا عشرة سنة وخلافة على ست سنين، هذا لفظ احمد. ورواه أبو داود والترمذي والنسائي من طرق عن سعيد بن جمهان، وقال الترمذي حسن لا نعرفه إلا من حديثه ولفظه «الخلافة بعدي ثلاثون سنة ثم يكون ملكا عضوضا» وذكر بقيته.
قلت: ولم يكن في مسجد النبي ﷺ أول ما بنى منبر يخطب الناس عليه، بل كان النبي ﷺ يخطب الناس وهو مستندا إلى جذع عند مصلاه في الحائط القبلي فلما اتخذ له ﵇ المنبر كما سيأتي بيانه في موضعه وعدل اليه ليخطب عليه، فلما جاوز ذلك الجذع خار ذلك الجذع وحن حنين النوق العشار لما كان يسمع من خطب الرسول ﵇ عنده، فرجع اليه النبي ﷺ فاحتضته حتى سكن كما يسكن المولود الّذي يسكت كما سيأتي تفصيل ذلك من طرق عن سهل بن سعد الساعدي وجابر وعبد الله بن عمر وعبد الله بن عباس وأنس بن مالك وأم سلمة ﵃، وما أحسن ما قال الحسن البصري بعد ما روى هذا الحديث عن أنس بن مالك: يا معشر المسلمين الخشبة نحن إلى رسول الله ﷺ شوقا اليه، أو ليس الرجال الذين يرجون لقاءه أحق أن يشتاقوا اليه؟!.
تنبيه على فضل هذا المسجد الشريف والمحل المنيف
قال الامام احمد: حدثنا يحيى بن أنيس بن أبى يحيى حدثني أبى قال سمعت أبا سعيد الخدريّ قال: اختلف رجلان رجل من بنى خدرة ورجل من بنى عمرو بن عوف في المسجد الّذي أسس على التقوى، فقال الخدريّ هو مسجد رسول الله ﷺ وقال العمرى هو مسجد قباء، فأتيا رسول الله ﷺ فسألاه عن ذلك فقال: «هو هذا المسجد» لمسجد رسول الله ﷺ وقال «في ذلك خير كثير» يعنى مسجد قباء. ورواه الترمذي عن قتيبة عن حاتم بن إسماعيل عن أنيس بن أبى يحيى الأسلمي به وقال حسن صحيح. وروى الامام احمد عن إسحاق بن عيسى عن الليث بن سعد والترمذي والنسائي جميعا عن قتيبة عن الليث عن عمران بن أبى أنس عن عبد الرحمن بن أبى سعيد عن أبيه. قال: تمارى رجلان في المسجد الّذي أسس على التقوى، وذكر نحو ما تقدم.
وفي صحيح مسلم من حديث حميد الخراط عن أبى سلمة بن عبد الرحمن أنه سأل عبد الرحمن بن أبى سعيد كيف سمعت أباك في المسجد الّذي أسس على التقوى؟ قال أبى أتيت رسول الله ﷺ فسألته عن المسجد الّذي أسس على التقوى فاخذ كفا من حصباء فضرب به الأرض. ثم قال: «هو مسجدكم هذا»
وقال الامام احمد: حدثنا وكيع حدثنا ربيعة بن عثمان التميمي عن عمران بن أبى أنس عن سهل بن سعد. قال: اختلف رجلان على عهد رسول الله ﷺ في المسجد في الّذي أسس على التقوى. فقال أحدهما هو مسجد رسول الله ﷺ وقال الآخر هو مسجد قباء، فأتيا رسول الله ﷺ فسألاه فقال
стр. 913
«هو مسجدي هذا»
وقال الامام احمد حدثنا أبو نعيم حدثنا عبد الله بن عامر الأسلمي عن عمران بن أبى أنس عن سهل بن سعد عن أبى بن كعب أن النبي ﷺ قال: «المسجد الّذي أسس على التقوى مسجدي هذا» فهذه طرق متعددة لعلها تقرب من إفادة القطع بأنه مسجد الرسول ﷺ وإلى هذا ذهب عمر وابنه عبد الله وزيد بن ثابت، وسعيد بن المسيب، واختاره ابن جرير. وقال آخرون لا منافاة بين نزول الآية في مسجد قباء كما تقدم بيانه، وبين هذه الأحاديث. لان هذا المسجد أولى بهذه الصفة، من ذلك لان هذا أحد المساجد الثلاثة التي تشد الرحال اليها كما ثبت
في الصحيحين من حديث أبى هريرة. قال قال رسول الله ﷺ : «لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد، مسجدي هذا والمسجد الحرام، ومسجد بيت المقدس»
وفي صحيح مسلم عن أبى سعيد عن النبي ﷺ قال «لا تشد الرحال الا إلى ثلاثة مساجد» وذكرها. وثبت
في الصحيحين أن رسول الله ﷺ قال:
«صلاة في مسجدي هذا خير من ألف صلاة فيما سواه إلا المسجد الحرام» وفي مسند احمد بإسناد حسن زيادة حسنة وهي قوله «فان ذلك أفضل»
وفي الصحيحين من حديث يحيى القطان عن حبيب عن حفص بن عاصم عن أبى هريرة قال قال رسول الله ﷺ «ما بين بيتي ومنبري روضة من رياض الجنة، ومنبري على حوضي» والأحاديث في فضائل هذا المسجد الشريف كثيرة جدا وسنوردها في كتاب المناسك من كتاب الأحكام الكبير إن شاء الله وبه الثقة وعليه التكلان ولا حول ولا قوة إلا بالله العزيز الحكيم.
وقد ذهب الامام مالك وأصحابه إلى أن مسجد المدينة أفضل من المسجد الحرام لأن ذاك بناه إبراهيم، وهذا بناه محمد ﷺ ، ومعلوم أن محمدا ﷺ أفضل من إبراهيم ﵇. وقد ذهب الجمهور إلى خلاف ذلك وقرروا أن المسجد الحرام أفضل لانه في بلد حرمه الله يوم خلق السموات والأرض، وحرمه إبراهيم الخليل ﵇، ومحمد خاتم المرسلين: فاجتمع فيه من الصفات ما ليس في غيره، وبسط هذه المسألة موضع آخر وبالله المستعان.
فصل
وبنى لرسول الله ﷺ حول مسجده الشريف حجر لتكون مساكن له ولأهله وكانت مساكن قصيرة البناء قريبة الفناء قال الحسن بن أبى الحسن البصري - وكان غلاما مع أمه خيرة مولاة أم سلمة - لقد كنت أنال أطول سقف في حجر النبي ﷺ بيدي. قلت: الا أنه قد كان الحسن البصري شكلا ضخما طوالا ﵀.
وقال السهيليّ في الروض: كانت مساكنه ﵇ مبنية من جريد عليه طين بعضها من
стр. 914
حجارة مرضومة (١) وسقوفها كلها من جريد. وقد حكى عن الحسن البصري ما تقدم. قال وكانت حجره من شعر مربوطة بخشب من عرعر. قال وفي تاريخ البخاري أن بابه ﵇ كان يقرع بالأظافير، فدل على أنه لم يكن لأبوابه حلق. قال وقد أضيفت الحجر كلها بعد موت أزواج رسول الله ﷺ إلى المسجد. قال الواقدي وابن جرير وغيرهما: ولما رجع عبد الله بن أريقط الدئلي إلى مكة بعث معه رسول الله ﷺ وأبو بكر زيد بن حارثة وأبا رافع موليا رسول الله ﷺ ليأتوا بأهاليهم من مكة وبعثا معهم بحملين وخمسمائة درهم ليشتروا بها إبلا من قديد، فذهبوا فجاءوا ببنتي النبي ﷺ فاطمة وأم كلثوم وزوجتيه سودة وعائشة، وأمها أم رومان وأهل النبي ﷺ وآل أبى بكر صحبة عبد الله بن أبى بكر وقد شرد بعائشة وأمها أم رومان الجمل في أثناء الطريق فجعلت أم رومان تقول: وا عروساه، وا بنتاه قالت عائشة: فسمعت قائلا يقول أرسلى خطامه، فأرسلت خطامه فوقف بأذن الله وسلمنا الله . فتقدموا فنزلوا بالسنح، ثم دخل رسول الله ﷺ بعائشة في شوال بعد ثمانية أشهر كما سيأتي، وقدمت معهم أسماء بنت أبى بكر امرأة الزبير بن العوام وهي حامل متم بعبد الله بن الزبير كما سيأتي بيانه في موضعه من آخر هذه السنة.
فصل فيما أصاب المهاجرين من حمى المدينة ﵃ أجمعين وقد سلّم الرسول منها بحول الله وقوته ودعا ربه فأزاحها الله عن مدينته
قال البخاري: حدثنا عبد الله بن وهب بن يوسف ثنا مالك بن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة أنها قالت: لما قدم رسول الله ﷺ المدينة وعك أبو بكر وبلال، قالت فدخلت عليهما فقلت يا ابه كيف تجدك؟ ويا بلال كيف تجدك؟ قالت وكان أبو بكر إذا أخذته الحمى يقول:
كل امرئ مصبح في أهله … والموت أدنى من شراك نعله
وكان بلال إذا أقلع عنه الحمى يرفع عقيرته ويقول:
ألا ليت شعرى هل أبيتن ليلة … بواد وحولي اذخر وجليل (٢)
وهل أردن يوما مياه مجنة … وهل يبدون لي شامة وطفيل
قالت عائشة: فجئت رسول الله ﷺ فأخبرته فقال «اللهمّ حبب إلينا المدينة كحبنا مكة أو أشد وصححها وبارك لنا في صاعها ومدها، وانقل حماها فاجعلها بالجحفة» ورواه مسلم عن أبى بكر
стр. 915
ابن أبى شيبة عن هشام مختصرا.
وفي رواية البخاري له عن أبى أسامة عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة فذكره وزاد بعد شعر بلال ثم يقول: اللهمّ العن عتبة بن ربيعة، وشيبة بن ربيعة وأمية بن خلف كما أخرجونا إلى أرض الوباء. فقال رسول الله ﷺ : «اللهمّ حبب إلينا المدينة كحبنا مكة أو أشد، اللهمّ بارك لنا في صاعها وفي مدها وصححها لنا وانقل حماها إلى الجحفة» قالت وقدمنا المدينة وهي أوبأ أرض الله، وكان بطحان يجرى نجلا (١) - يعنى ماء آجنا -
وقال زياد عن محمد بن إسحاق حدثني هشام بن عروة وعمر بن عبد الله بن عروة بن الزبير عن عائشة قالت: لما قدم رسول الله ﷺ المدينة قدمها وهي أوبأ أرض الله من الحمى فأصاب أصحابه منها بلاء وسقم وصرف الله ذلك عن نبيه قالت فكان أبو بكر وعامر بن فهيرة وبلال موليا أبى بكر في بيت واحد فاصابتهم الحمى فدخلت عليهم أدعوهم وذلك قبل أن يضرب علينا الحجاب وبهم ما لا يعلمه إلا الله من شدة الوعك فدنوت من أبى بكر فقلت كيف تجدك يا أبه؟ فقال:
كل امرئ مصبح في أهله … والموت أدنى من شراك نعله
قالت فقلت والله ما يدرى أبى ما يقول، قالت ثم دنوت إلى عامر بن فهيرة فقلت كيف تجدك يا عامر؟ قال:
لقد وجدت الموت قبل ذوقه … إن الجبان حتفه من فوقه
كل امرئ مجاهد بطوقه … كالثور يحمى جلده بروقه
قال فقلت والله ما يدرى ما يقول، قالت وكان بلال إذا أدركته الحمى اضطجع بفناء البيت ثم رفع عقيرته فقال:
ألا ليت شعرى هل أبيتن ليلة … بفخ وحولي إذخر وجليل
وهل أردن يوما مياه مجنة … وهل يبدون لي شامة وطفيل
قالت عائشة: فذكرت لرسول الله ﷺ ما سمعت منهم وقلت إنهم ليهذون وما يعقلون من شدة الحمى فقال: «اللهمّ حبب إلينا المدينة، كما حببت إلينا مكة أو أشد، وبارك لنا في مدها وصاعها، وانقل وباءها إلى مهيعة» ومهيعة هي الجحفة.
وقال الامام احمد: حدثنا يونس ثنا ليث عن يزيد بن أبى حبيب عن أبى بكر بن إسحاق بن يسار عن عبد الله بن عروة عن عروة عن عائشة قالت لما قدم رسول الله ﷺ المدينة اشتكى أبو بكر وعامر بن فهيرة مولى أبى بكر وبلال، فاستأذنت عائشة رسول الله ﷺ في عيادتهم فاذن لها، فقالت لأبي بكر كيف تجدك؟ فقال:
كل امرئ مصبح في أهله … والموت أدنى من شراك نعله
стр. 916
وسألت عامرا فقال:
إني وجدت الموت قبل ذوقه … إن الجبان حتفه من فوقه
وسألت بلالا فقال:
يا ليت شعرى هل أبيتن ليلة … بفخ وحولي إذخر وجليل
فأتت رسول الله ﷺ فأخبرته، فنظر إلى السماء وقال: «اللهمّ حبب إلينا المدينة كما حببت إلينا مكة أو أشد، اللهمّ بارك لنا في صاعها وفي مدها، وانقل وباءها إلى مهيعة» وهي الجحفة فيما زعموا وكذا رواه النسائي عن قتيبة عن الليث به ورواه الامام احمد من طريق عبد الرحمن بن الحارث عنها مثله. وقال البيهقي: أخبرنا أبو عبد الله الحافظ وأبو سعيد بن أبى عمرو. قالا: ثنا أبو العباس الأصم حدثنا احمد بن عبد الجبار ثنا يونس بن بكير عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة قالت: قدم رسول الله ﷺ المدينة وهي أوبأ أرض الله، وواديها بطحان نجل. قال هشام: وكان وباؤها معروفا في الجاهلية، وكان إذا كان الوادي وبيئا فأشرف عليها الإنسان قيل له أن ينهق نهيق الحمار، فإذا فعل ذلك لم يضره وباء ذلك الوادي. وقد قال الشاعر حين أشرف على المدينة:
لعمري لئن عبرت من خيفة الردى … نهق الحمار اننى لجزوع
وروى البخاري من حديث موسى بن عقبة عن سالم عن أبيه أن النبي ﷺ قال: «رأيت كأن امرأة سوداء ثائرة الرأس خرجت من المدينة حتى قامت بمهيعة - وهي الجحفة فأولتها أن وباء المدينة نقل الى مهيعة - وهي الجحفة -» هذا لفظ البخاري ولم يخرجه مسلم ورواه الترمذي وصححه والنسائي وابن ماجة من حديث موسى بن عقبة. وقد روى حماد بن زيد عن هشام بن عروة عن عائشة قالت: قدم رسول الله ﷺ المدينة وهي وبيئة، فذكر الحديث بطوله إلى قوله وانقل حماها الى الجحفة. قال هشام: فكان المولود يولد بالجحفة فلا يبلغ الحلم حتى تصرعه الحمى. ورواه البيهقي في دلائل النبوة. وقال يونس عن ابن إسحاق: قدم رسول الله ﷺ المدينة وهي وبيئة، فأصاب أصحابه بها بلاء وسقم حتى أجهدهم ذلك، وصرف الله ذلك عن نبيه ﷺ وقد ثبت في الصحيحين عن ابن عباس قال: قدم رسول الله ﷺ وأصحابه صبيحة رابعة - يعنى مكة - عام عمرة القضاء، فقال المشركون: إنه يقدم عليكم وفد قد وهنهم حمى يثرب، فأمرهم رسول الله ﷺ أن يرملوا وأن يمشوا ما بين الركنين، ولم يمنعه أن يرملوا الأشواط كلها إلا الا بقاء عليهم.
قلت: وعمرة القضاء كانت في سنة سبع في ذي القعدة فاما أن يكون تأخر دعاؤه ﵇ بنقل الوباء إلى قريب من ذلك، أو أنه رفع وبقي آثار منه قليل، أو أنهم بقوا في خمار وما كان أصابهم من ذلك الى تلك المدة والله أعلم وقال زياد عن ابن إسحاق:
وذكر ابن شهاب الزهري
стр. 917
عن عبد الله بن عمرو بن العاص أن رسول الله ﷺ لما قدم المدينة هو وأصحابه أصابتهم حمى المدينة حتى جهدوا مرضا، وصرف الله ذلك عن نبيه ﷺ حتى كانوا وما يصلون إلا وهم قعود، قال فخرج رسول الله ﷺ وهم يصلون كذلك فقال لهم: «اعلموا أن صلاة القاعد على النصف من صلاة القائم» فتجشم المسلمون القيام على ما بهم من الضعف والسقم التماس الفضل.
فصل في عقده ﵇ الألفة بين المهاجرين والأنصار بالكتاب الّذي أمر به فكتب بينهم والمؤاخاة التي أمرهم بها وقررهم عليها وموادعته اليهود الذين كانوا بالمدينة
وكان بها من أحياء اليهود بنو قينقاع وبنو النضير وبنو قريظة، وكان نزولهم بالحجاز قبل الأنصار أيام نصر حين دوخ بلاد المقدس فيما ذكره الطبري. ثم لما كان سيل العرم وتفرقت شذر مذر نزل الأوس والخزرج المدينة عند اليهود فحالفوهم وصاروا يتشبهون بهم لما يرون لهم عليهم من الفضل في العلم المأثور عن الأنبياء لكن من الله على هؤلاء الذين كانوا مشركين بالهدى والإسلام وخذل أولئك لحسدهم وبغيهم واستكبارهم عن اتباع الحق.
وقال الامام احمد: حدثنا عفان ثنا حماد بن سلمة ثنا عاصم الأحول عن أنس بن مالك. قال:
حالف رسول الله ﷺ بين المهاجرين والأنصار في دار أنس بن مالك. وقد رواه الامام احمد أيضا والبخاري ومسلم وأبو داود من طرق متعددة عن عاصم بن سليمان الأحول عن أنس بن مالك. قال حالف رسول الله ﷺ بين قريش والأنصار في داري. وقال الامام احمد: حدثنا نصر بن باب عن حجاج - هو ابن أرطاة - قال وحدثنا سريج ثنا عباد عن حجاج عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده: أن النبي ﷺ كتب كتابا بين المهاجرين والأنصار أن يعقلوا معاقلهم، وأن يفدوا عانيهم بالمعروف والإصلاح بين المسلمين. قال احمد وحدثنا سريج ثنا عباد عن حجاج عن الحكم عن قاسم عن ابن عباس مثله. تفرد به الامام احمد، وفي صحيح مسلم عن جابر. كتب رسول الله ﷺ على كل بطن عقولة.
وقال محمد بن إسحاق: كتب رسول الله ﷺ كتابا بين المهاجرين والأنصار وادع فيه اليهود وعاهدهم وأقرهم على دينهم وأموالهم واشترط عليهم وشرط لهم: بسم الله الرحمن الرحيم «هذا كتاب من محمد النبي الأمي بين المؤمنين والمسلمين من قريش ويثرب ومن تبعهم فلحق بهم وجاهد معهم أنهم أمة واحدة من دون الناس، المهاجرون من قريش على ربعتهم يتعاقلون بينهم وهم يفدون عانيهم بالمعروف والقسط، وبنو عوف على ربعتهم يتعاقلون معاقلهم الاولى وكل طائفة تفدي عانيها بالمعروف والقسط بين المؤمنين، ثم ذكر كل بطن من بطون الأنصار وأهل
стр. 918
كل دار بنى ساعدة، وبنى جشم، وبنى النجار، وبنى عمرو بن عوف، وبنى النبيت، إلى أن قال وإن المؤمنين لا يتركون مفرحا (١) بينهم أن يعطوه بالمعروف في فداء وعقل، ولا يحالف مؤمن مولى مؤمن دونه، وان المؤمنين المتقين على من بغى منهم أو ابتغى دسيسة ظلم أو اثم أو عدوان أو فساد بين المؤمنين، وان أيديهم عليه جميعهم ولو كان ولد أحدهم، ولا يقتل مؤمن مؤمنا في كافر، ولا ينصر كافر على مؤمن، وان ذمة الله واحدة يجير عليهم أدناهم، وإن المؤمنين بعضهم موالي بعض دون الناس وانه من تبعنا من يهود فان له النصر والاسوة غير مظلومين ولا متناصر عليهم، وإن سلّم المؤمنين واحدة لا يسالم مؤمن دون مؤمن في قتال في سبيل الله إلا على سواء وعدل بينهم. وإن كل غازية غزت معنا يعقب بعضها بعضا، وإن المؤمنين يبيء (٢) بعضهم بعضا بما نال دماءهم في سبيل الله، وإن المؤمنين المتقين على أحسن هدى وأقومه، وانه لا يجير مشرك مالا لقريش ولا نفسا ولا يحول دونه على مؤمن، وانه من اغتبط مؤمنا قتلا عن بينة فإنه قود به الى أن يرضى ولى المقتول، وان المؤمنين عليه كافة ولا يحل لهم إلا قيام عليه، وإنه لا يحل لمؤمن أقر بما في هذه الصحيفة وآمن بالله واليوم الآخر أن ينصر محدثا ولا يؤويه، وانه من نصره أو آواه فان عليه لعنة الله وغضبه يوم القيامة ولا يؤخذ منه صرف ولا عدل، وانكم مهما اختلفتم فيه من شيء فان مرده إلى الله وإلى محمد ﷺ وان اليهود يتفقون مع المؤمنين ما داموا محاربين، وان يهود بنى عوف أمة مع المؤمنين، لليهود دينهم وللمسلمين دينهم مواليهم وأنفسهم إلا من ظلم وأثم فإنه لا يوتغ (٣) إلا نفسه وأهل بيته، وان ليهود بنى النجار وبنى الحارث وبنى ساعدة وبنى جشم وبنى الأوس وبنى ثعلبة وجفنة وبنى الشطنة مثل ما ليهود بنى عوف، وان بطانة يهود كانفسهم، وإنه لا يخرج منهم أحد إلا بأذن محمد، ولا ينحجر (٤) على ثار جرح، وانه من فتك فبنفسه إلا من ظلم، وان الله على أثر هذا، وان على اليهود نفقتهم وعلى المسلمين نفقتهم، وإن بينهم النصر على من حارب أهل هذه الصحيفة، وان بينهم النصح والنصيحة والبرّ دون الإثم، وإنه لم يأثم امرؤ بحليفه، وإن النصر للمظلوم، وإن يثرب حرام حرفها (٥) لأهل هذه الصحيفة، وإن الجار كالنفس غير مضار ولا آثم، وانه لا تجار حرمة إلا بأذن أهلها، وانه ما كان بين أهل هذه الصحيفة من حدث أو اشتجار يخاف فساده فان مرده إلى الله وإلى محمد رسول الله، وان الله على من اتقى ما في هذه الصحيفة وأبره، وانه لا تجار قريش ولا من
стр. 919
نصرها وان بينهم النصر على من دهم يثرب وإذا دعوا إلى صلح يصالحونه ويلبسونه فإنهم يصالحونه وانهم إذا دعوا إلى مثل ذلك فإنه لهم على المؤمنين إلا من حارب في الدين على كل أناس حصتهم من جانبهم الّذي قبلهم، وانه لا يحول هذا الكتاب دون ظالم أو آثم، وإنه من خرج آمن ومن قعد آمن بالمدينة إلا من ظلم أو أثم، وان الله جار لمن بر واتقى» كذا أورده ابن إسحاق بنحوه. وقد تكلم عليه أبو عبيد القاسم بن سلام ﵀ في كتاب الغريب وغيره بما يطول.
فصل في مؤاخاة النبي ﷺ بين المهاجرين والأنصار ليرتفق المهاجري بالأنصاري
كما قال تعالى ﴿وَالَّذِينَ تَبَوَّؤُا الدّارَ وَالْإِيمانَ مِنْ قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حاجَةً مِمّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كانَ بِهِمْ خَصاصَةٌ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ وقال تعالى ﴿وَالَّذِينَ عَقَدَتْ أَيْمانُكُمْ فَآتُوهُمْ نَصِيبَهُمْ إِنَّ اللهَ كانَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيداً﴾ قال البخاري: حدثنا الصلت بن محمد ثنا أبو أسامة عن إدريس عن طلحة بن مصرف عن سعيد بن جبير عن ابن عباس (ولكل جعلنا موالي) قال: ورثة ﴿وَالَّذِينَ عَقَدَتْ أَيْمانُكُمْ﴾ كان المهاجرون لما قدموا المدينة يرث المهاجري الأنصاري دون ذوى رحمه للأخوة التي آخى النبي ﷺ بينهم، فلما نزلت (ولكل جعلنا موالي) نسخت ثم قال ﴿وَالَّذِينَ عَقَدَتْ أَيْمانُكُمْ فَآتُوهُمْ نَصِيبَهُمْ﴾ من النصر والرفادة والنصيحة، وقد ذهب الميراث ويوصى له. وقال الإمام احمد قرئ على سفيان سمعت عاصما عن أنس. قال: حالف النبي ﷺ بين المهاجرين والأنصار في دارنا. قال سفيان: كأنه يقول آخى.
وقال محمد بن إسحاق: وآخى رسول الله ﷺ بين أصحابه من المهاجرين والأنصار، فقال:
- فيما بلغنا ونعوذ بالله أن نقول عليه ما لم يقل - «تآخوا في الله أخوين أخوين» ثم أخذ بيد على بن أبى طالب فقال «هذا أخى» فكان رسول الله ﷺ سيد المرسلين، وإمام المتقين، ورسول رب العالمين، الّذي ليس له خطير ولا نظير من العباد، وعلى بن أبى طالب أخوين، وكان حمزة ابن عبد المطلب أسد الله وأسد رسوله وعم رسول الله ﷺ وزيد بن حارثة مولى رسول الله ﷺ أخوين واليه أوصى حمزة يوم أحد، وجعفر بن أبى طالب ذو الجناحين ومعاذ بن جبل أخوين. قال ابن هشام: كان جعفر يومئذ غائبا بأرض الحبشة. قال ابن إسحاق: وكان أبو بكر وخارجة بن زيد الخزرجي أخوين، وعمر بن الخطاب وعتبان بن مالك أخوين، وأبو عبيدة وسعد بن معاذ أخوين وعبد الرحمن بن عوف وسعد بن الربيع أخوين، والزبير بن العوام وسلمة بن سلامة بن وقش
стр. 920
أخوين، ويقال بل كان الزبير وعبد الله بن مسعود أخوين، وعثمان بن عفان وأوس بن ثابت بن المنذر النجاري أخوين، وطلحة [بن عبيد الله] وكعب بن مالك أخوين، وسعيد بن زيد وأبىّ ابن كعب أخوين، ومصعب بن عمير وأبو أيوب أخوين، وأبو حذيفة بن عتبة وعباد بن بشر أخوين، وعمار وحذيفة بن اليمان العبسيّ حليف عبد الأشهل أخوين، ويقال بل كان عمار وثابت ابن قيس بن شماس أخوين.
قلت: وهذا السند (١) من وجهين. قال: وأبو ذر بربر بن جنادة (٢) والمنذر بن عمرو المعتق ليموت أخوين، وحاطب بن أبى بلتعة وعويم بن ساعدة أخوين، وسلمان وأبو الدرداء أخوين وبلال وأبو رويحة عبد الله بن عبد الرحمن الخثعميّ ثم أحد الفزع (٣) أخوين. قال فهؤلاء ممن سمى لنا ممن كان رسول الله ﷺ آخى بينهم من أصحابه ﵃.
قلت: وفي بعض ما ذكره نظر، أما مؤاخاة النبي ﷺ وعلى فان من العلماء من ينكر ذلك ويمنع صحته ومستنده في ذلك أن هذه المؤاخاة إنما شرعت لأجل ارتفاق بعضهم من بعض وليتألف قلوب بعضهم على بعض، فلا معنى لمؤاخاة النبي ﷺ لأحد منهم، ولا مهاجري لمهاجرى آخر كما ذكره من مؤاخاة حمزة وزيد بن حارثة اللهمّ إلا أن يكون النبي ﷺ لم يجعل مصلحة على إلى غيره فإنه كان ممن ينفق عليه رسول الله ﷺ من صغره في حياة أبيه أبى طالب كما تقدم عن مجاهد وغيره. وكذلك يكون حمزة قد التزم بمصالح مولاهم زيد بن حارثة فآخاه بهذا الاعتبار والله أعلم.
وهكذا ذكره لمؤاخاة جعفر ومعاذ بن جبل فيه نظر كما أشار اليه عبد الملك بن هشام، فان جعفر ابن أبى طالب إنما قدم في فتح خيبر في أول سنة سبع كما سيأتي بيانه، فكيف يؤاخى بينه وبين معاذ بن جبل أول مقدمه ﵇ إلى المدينة اللهمّ إلا أن يقال إنه أرصد لإخوته إذا قدم حين يقدم، وقوله وكان أبو عبيدة وسعد بن معاذ أخوين يخالف لما رواه الإمام احمد حدثنا عبد الصمد حدثنا حماد ثنا ثابت عن أنس بن مالك أن رسول الله ﷺ آخى بين أبى عبيدة بن الجراح وبين أبى طلحة. وكذا رواه مسلم منفردا به عن حجاج بن الشاعر عن عبد الصمد بن عبد الوارث به وهذا أصح مما ذكره ابن إسحاق من مؤاخاة أبى عبيدة وسعد بن معاذ والله أعلم.
وقال البخاري باب كيف آخى النبي ﷺ بين أصحابه. وقال عبد الرحمن بن عوف: آخى النبي ﷺ بيني وبين سعد بن الربيع لما قدمنا المدينة. وقال أبو جحيفة: آخى النبي ﷺ بين
стр. 921
سلمان الفارسي وأبى الدرداء ﵄.
حدثنا محمد بن يوسف ثنا سفيان عن حميد عن أنس قال قدم عبد الرحمن بن عوف فآخى النبي ﷺ بينه وبين سعد بن الربيع الأنصاري، فعرض عليه أن يناصفه أهله وماله فقال عبد الرحمن: بارك الله لك في أهلك ومالك، دلني على السوق.
فربح شيئا من أقط وسمن، فرآه النبي ﷺ بعد أيام وعليه وضر من صفرة، فقال النبي ﷺ :
«مهيم يا عبد الرحمن؟ «قال: يا رسول الله تزوجت امرأة من الأنصار. قال «فما سقت فيها؟» قال وزن نواة من ذهب، قال النبي ﷺ : «أو لم ولو بشاة» تفرد به من هذا الوجه. وقد رواه أيضا في مواضع أخر، ومسلم من طرق عن حميد به.
وقال الإمام احمد حدثنا عفان ثنا حماد ثنا ثابت وحميد عن أنس أن عبد الرحمن بن عوف قدم المدينة فآخى رسول الله ﷺ بينه وبين سعد بن الربيع الأنصاري، فقال له سعد: أي أخى أنا أكثر أهل المدينة مالا فانظر شطر مالي فخذه وتحتى امرأتان فانظر أيهما أعجب إليك حتى أطلقها. فقال عبد الرحمن: بارك الله لك في أهلك ومالك، دلوني على السوق. فدلوه فذهب فاشترى وباع فربح فجاء بشيء من أقط وسمن. ثم لبث ما شاء الله أن يلبث فجاء وعليه ودع زعفران (١) فقال رسول الله ﷺ «مهيم؟» فقال: يا رسول الله تزوجت امرأة، قال: «ما أصدقتها؟» قال وزن نواة من ذهب، قال «أولم ولو بشاة». قال عبد الرحمن: فلقد رأيتني ولو رفعت حجرا لرجوت أن أصيب ذهبا وفضة. وتعليق البخاري هذا الحديث عن عبد الرحمن بن عوف غريب فإنه لا يعرف مسندا (٢) إلا عن أنس اللهمّ إلا أن يكون أنس تلقاه عنه فالله أعلم.
وقال الامام احمد حدثنا يزيد أخبرنا حميد عن أنس. قال قال المهاجرون يا رسول الله ما رأينا مثل قوم قدمنا عليهم أحسن مواساة في قليل، ولا أحسن بذلا من كثير، لقد كفونا المئونة وأشركونا في المهنأ، حتى لقد خشينا أن يذهبوا بالأجر كله. قال: «لا! ما أثنيتم عليهم ودعوتم الله لهم» هذا حديث ثلاثي الاسناد على شرط الصحيحين ولم يخرجه أحد من أصحاب الكتب الستة من هذا الوجه، وهو ثابت في الصحيح من (٣) وقال البخاري أخبرنا الحكم ابن نافع أخبرنا شعيب ثنا أبو الزناد عن الأعرج عن أبى هريرة قال قالت الأنصار: اقسم بيننا وبين إخواننا النخيل. قال لا. قالوا أفتكفوننا المئونة ونشرككم في الثمرة، قالوا سمعنا وأطعنا.
تفرد به.
وقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم قال رسول الله ﷺ للأنصار «إن إخوانكم قد تركوا الأموال والأولاد وخرجوا إليكم» فقالوا أموالنا بيننا قطائع فقال رسول الله ﷺ «أو غير ذلك؟»
стр. 922
قالوا وما ذاك يا رسول الله؟ قال: «هم قوم لا يعرفون العمل، فتكفونهم وتقاسمونهم الثمر». قالوا نعم! وقد ذكرنا ما ورد من الأحاديث والآثار في فضائل الأنصار وحسن سجاياهم عند قوله تعالى ﴿وَالَّذِينَ تَبَوَّؤُا الدّارَ وَالْإِيمانَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾ الآية.
فصل في موت أبى أمامة أسعد بن زرارة بن عدس بن عبيد بن ثعلبة بن غنم بن مالك بن النجار أحد النقباء الاثني عشر ليلة العقبة على قومه بنى النجار، وقد شهد العقبات الثلاث وكان أول من بايع رسول الله ﷺ ليلة العقبة الثانية في قول وكان شابا وهو أول من جمع بالمدينة في نقيع الخضمات في هزم النبيت كما تقدم.
قال محمد بن إسحاق: وهلك في تلك الأشهر أبو أمامة أسعد بن زرارة والمسجد يبنى أخذته الذبحة - أو الشهقة -. وقال ابن جرير في التاريخ: أخبرنا محمد بن عبد الأعلى ثنا يزيد بن زريع عن معمر عن الزهري عن أنس أن رسول الله ﷺ كوى أسعد بن زرارة في الشوكة. رجاله ثقات.
قال ابن إسحاق: حدثني عبد الله بن أبى بكر بن محمد بن عمرو بن حزم عن يحيى بن عبد الله ابن عبد الرحمن بن أسعد بن زرارة. قال قال رسول الله ﷺ : «بئس الميت أبو أمامة، ليهود ومنافقي العرب، يقولون لو كان نبيا لم يمت صاحبه، ولا أملك لنفسي ولا لصاحبي من الله شيئا» وهذا يقتضي أنه أول من مات بعد مقدم النبي ﷺ ، وقد زعم أبو الحسن بن الأثير في الغابة أنه مات في شوال بعد مقدم النبي ﷺ بسبعة أشهر فالله أعلم.
وذكر محمد بن إسحاق عن عاصم بن عمر بن قتادة أن بنى النجار سألوا رسول الله ﷺ أن يقيم لهم نقيبا بعد أبى أمامة أسعد بن زرارة فقال: «أنتم أخوالى وأنا بما فيكم وأنا نقيبكم» وكره أن يخص بها بعضهم دون بعض، فكان من فضل بنى النجار الّذي يعتدون به على قومهم أن كان رسول الله ﷺ نقيبهم. قال ابن الأثير: وهذا يرد قول أبى نعيم وابن مندة في قولهما أن أسعد بن زرارة كان نقيبا على بنى ساعدة، إنما كان على بنى النجار، وصدق ابن الأثير فيما قال. وقد قال أبو جعفر بن جرير في التاريخ: كان أول من توفى بعد مقدمه ﵇ المدينة من المسلمين - فيما ذكر - صاحب منزله كلثوم بن الهدم، لم يلبث بعد مقدمه إلا يسيرا حتى مات، ثم توفى بعده أسعد بن زرارة وكانت وفاته في سنة مقدمه قبل أن يفرغ بناء المسجد بالذبحة أو الشهقة.
قلت: وكلثوم بن الهدم بن امرئ القيس بن الحارث بن زيد بن عبيد بن زيد بن مالك بن عوف بن عمرو بن عوف بن مالك بن الأوس الأنصاري الأوسي وهو من بنى عمرو بن عوف وكان
стр. 923
شيخا كبيرا أسلم قبل مقدم رسول الله ﷺ المدينة، ولما قدم رسول الله ﷺ المدينة ونزل بقباء نزل في منزل هذا في الليل، وكان يتحدث بالنهار مع أصحابه في منزل سعد بن الربيع ﵄ إلى أن ارتحل إلى دار بنى النجار كما تقدم. قال ابن الأثير: وقد قيل إنه أول من مات من المسلمين بعد مقدم رسول الله ﷺ ، ثم بعده أسعد بن زرارة. ذكره الطبري.
فصل في ميلاد عبد الله بن الزبير في شوال سنة الهجرة
فكان أول مولود ولد في الإسلام من المهاجرين كما أن النعمان بن بشير أول مولود ولد للأنصار بعد الهجرة ﵄. وقد زعم بعضهم أن ابن الزبير ولد بعد الهجرة بعشرين شهرا قاله أبو الأسود. ورواه الواقدي عن محمد بن يحيى بن سهل بن أبى حثمة عن أبيه عن جده، وزعموا أن النعمان ولد قبل الزبير بستة أشهر على رأس أربعة عشر شهرا من الهجرة، والصحيح ما قدمنا.
فقال البخاري حدثنا زكريا بن يحيى ثنا أبو أسامة عن هشام بن عروة عن أبيه عن أسماء أنها حملت بعبد الله بن الزبير قالت فخرجت وأنا متم فأتيت المدينة فنزلت بقباء فولدته بقباء، ثم أتيت به رسول الله ﷺ فوضعه في حجره ثم دعا بتمرة فمضغها ثم تفل في فيه فكان أول شيء دخل جوفه ريق رسول الله ﷺ ، ثم حنكه بتمرة، ثم دعا له وبرّك عليه. فكان أول مولود ولد في الإسلام.
تابعه خالد بن مخلد عن على بن مسهر عن هشام عن أبيه عن أسماء أنها هاجرت إلى النبي ﷺ وهي حبلى. حدثنا قتيبة عن أبى أسامة عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة قالت: أول مولود ولد في الإسلام عبد الله بن الزبير، أتوا به النبي ﷺ فاخذ النبي ﷺ تمرة فلاكها ثم أدخلها في فيه فأول ما دخل بطنه ريق النبي ﷺ فهذا حجة على الواقدي وغيره لانه ذكر أن النبي ﷺ بعث مع عبد الله بن أريقط لما رجع إلى مكة زيد بن حارثة وأبا رافع ليأتوا بعياله وعيال أبى بكر فقدموا بهم أثر هجرة النبي ﷺ وأسماء حامل متم أي مقرب قددنا وضعها لولدها، فلما ولدته كبر المسلمون تكبيرة عظيمة فرحا بمولده لأنه كان قد بلغهم عن اليهود أنهم سحروهم حتى لا يولد لهم بعد هجرتهم ولد، فأكذب الله اليهود فيما زعموا.
فصل وبنى رسول الله ﷺ بعائشة في شوال من هذه السنة
قال الامام احمد: حدثنا وكيع ثنا سفيان عن إسماعيل بن أمية عن عبد الله بن عروة عن أبيه
стр. 924
عن عائشة قالت: تزوجني رسول الله ﷺ في شوال، وبنى بى في شوال، فأى نساء رسول الله ﷺ كان أحظى عنده منى؟ وكانت عائشة تستحب أن تدخل نساءها في شوال. ورواه مسلم والترمذي والنسائي وابن ماجة من طرق عن سفيان الثوري به. وقال الترمذي حسن صحيح لا نعرفه إلا من حديث سفيان الثوري فعلى هذا يكون دخوله بها ﵇ بعد الهجرة بسبعة أشهر - أو ثمانية أشهر - وقد حكى القولين ابن جرير، وقد تقدم في تزويجه ﵇ بسودة كيفية تزويجه ودخوله بعائشة بعد ما قدموا المدينة وان دخوله بها كان بالسنح نهارا وهذا خلاف ما يعتاده الناس اليوم، وفي دخوله ﵇ بها في شوال ردا لما يتوهمه بعض الناس من كراهية الدخول بين العيدين خشية المفارقة بين الزوجين وهذا ليس بشيء لما قالته عائشة رادة على من توهمه من الناس في ذلك الوقت: تزوجني في شوال، وبنى بى في شوال - أي دخل بى - في شوال، فأي نسائه كان أحظى عنده منى؟ فدل هذا على أنها فهمت منه ﵇ أنها أحب نسائه اليه، وهذا الفهم منها صحيح لما دل على ذلك من الدلائل الواضحة، ولو لم يكن إلا الحديث الثابت
في صحيح البخاري عن عمرو ابن العاص: قلت يا رسول الله أي الناس أحب إليك؟ قال: «عائشة» قلت من الرجال قال «أبوها».
فصل
قال ابن جرير: وفي هذه السنة - يعنى السنة الاولى من الهجرة - زيد في صلاة الحضر - فيما قيل - ركعتان، وكانت صلاة الحضر والسفر ركعتين، وذلك بعد مقدم النبي ﷺ المدينة بشهر في ربيع الآخر لمضى ثنتى عشرة ليلة مضت، وقال: وزعم الواقدي أنه لا خلاف بين أهل الحجاز فيه.
قلت: قد تقدم الحديث الّذي رواه البخاري من طريق معمر عن الزهري عن عروة عن عائشة قالت: فرضت الصلاة أول ما فرضت ركعتين، فأقرت صلاة السفر وزيد في صلاة الحضر. وروى من طريق الشعبي عن مسروق عنها. وقد حكى البيهقي عن الحسن البصري أن صلاة الحضر أول ما فرضت فرضت أربعا والله أعلم. وقد تكلمنا على ذلك في تفسير سورة النساء عند قوله تعالى ﴿وَإِذا ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُناحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلاةِ﴾ الآية.
فصل في الأذان ومشروعيته عند مقدم النبي ﷺ إلى المدينة النبويّة
قال ابن إسحاق: فلما اطمأن رسول الله ﷺ بالمدينة واجتمع اليه إخوانه من المهاجرين واجتمع أمر الأنصار استحكم أمر الإسلام، فقامت الصلاة وفرضت الزكاة والصيام، وقامت الحدود وفرض الحلال والحرام وتبوأ الإسلام بين أظهرهم وكان هذا الحي من الأنصار هم الذين تبوءوا الدار والايمان
стр. 925
وقد كان رسول الله ﷺ حين قدمها إنما يجتمع الناس اليه للصلاة لحين مواقيتها بغير دعوة، فهم رسول الله ﷺ أن يجعل بوقا كبوق يهود الّذي يدعون به لصلاتهم ثم كرهه، ثم أمر بالناقوس فنحت ليضرب به للمسلمين للصلاة، فبينا هم على ذلك
رأى عبد الله بن زيد بن ثعلبة بن عبد ربه أخو بلحارث بن الخزرج النداء، فأتى رسول الله ﷺ فقال: يا رسول الله إنه طاف بى هذه الليلة طائف، مر بي رجل عليه ثوبان أخضران يحمل ناقوسا في يده، فقلت يا عبد الله أتبيع هذا الناقوس؟ فقال وما تصنع به؟ قال قلت ندعو به إلى الصلاة، قال ألا أدلك على خير من ذلك؟ قلت وما هو؟ قال تقول، الله أكبر الله أكبر الله أكبر الله أكبر، أشهد أن لا إله إلا الله أشهد أن لا إله إلا الله، أشهد أن محمدا رسول الله أشهد أن محمدا رسول الله، حي على الصلاة حي على الصلاة، حي على الفلاح حي على الفلاح، الله أكبر الله أكبر، لا إله إلا الله. فلما أخبر بها رسول الله ﷺ قال: «إنها لرؤيا حق إن شاء الله، فقم مع بلال فالقها عليه فليؤذن بها فإنه أندى صوتا منك» فلما أذن بها بلال سمعه عمر بن الخطاب وهو في بيته فخرج إلى رسول الله ﷺ وهو يجر رداءه وهو يقول يا نبي الله والّذي بعثك بالحق لقد رأيت مثل الّذي رأى. فقال رسول الله ﷺ فلله الحمد. قال ابن إسحاق: فحدثني بهذا الحديث محمد بن إبراهيم بن الحارث عن محمد بن عبد الله بن زيد بن ثعلبة ابن عبد ربه عن أبيه. وقد روى هذا الحديث أبو داود والترمذي وابن ماجة وابن خزيمة من طرق عن محمد بن إسحاق به، وصححه الترمذي وابن خزيمة وغيرهما. وعند أبى داود أنه علمه الاقامة قال ثم تقول إذا أقمت الصلاة. الله أكبر الله أكبر، أشهد أن لا إله إلا الله، أشهد أن محمدا رسول الله، حي على الصلاة، حي على الفلاح، قد قامت الصلاة قد قامت الصلاة، الله أكبر الله أكبر، لا إله إلا الله. وقد روى ابن ماجة هذا الحديث عن أبى عبيد محمد بن عبيد بن ميمون عن محمد بن سلمة الحراني عن ابن إسحاق كما تقدم. ثم قال قال أبو عبيد وأخبرنى أبو بكر الحكمي أن عبد الله بن زيد الأنصاري قال في ذلك:
الحمد لله ذي الجلال وذي الا … كرام حمدا على الأذان كبيرا
إذ أتانى به البشير من الله … فأكرم به لدى بشيرا
في ليال والى بهنّ ثلاث … كلما جاء زادني توقيرا
قلت: وهذا الشعر غريب وهو يقتضي أنه رأى ذلك ثلاث ليال حتى أخبر به رسول الله ﷺ فالله أعلم ورواه الامام احمد من حديث محمد بن إسحاق قال وذكر الزهري عن سعيد بن المسيب عن عبد الله بن زيد به نحو رواية ابن إسحاق عن محمد بن إبراهيم التيمي ولم يذكر الشعر [وقال ابن ماجة حدثنا محمد بن خالد بن عبد الله الواسطي ثنا أبى عن عبد الرحمن بن إسحاق عن الزهري عن
стр. 926
سالم عن أبيه أن رسول الله ﷺ استشار الناس لما يهمهم من الصلاة، فذكروا البوق فكرهه من أجل اليهود، ثم ذكروا الناقوس فكرهه من أجل النصارى. فأرى النداء تلك الليلة رجل من الأنصار يقال له عبد الله بن زيد وعمر بن الخطاب، فطرق الأنصاري رسول الله ﷺ ليلا فامر رسول الله ﷺ بلالا فاذن به. قال الزهري وزاد بلال في نداء صلاة الغداة، الصلاة خير من النوم مرتين، فأقرها رسول الله ﷺ فقال عمر: يا رسول الله رأيت مثل الّذي رأى ولكنه سبقني، وسيأتي تحرير هذا الفصل في باب الأذان من كتاب الأحكام الكبير إن شاء الله تعالى وبه الثقة. فاما الحديث الّذي أورده السهيليّ بسنده من طريق البزار حدثنا محمد بن عثمان بن مخلد ثنا أبى عن زياد بن المنذر عن محمد بن على بن الحسين عن أبيه عن جده عن على بن أبى طالب فذكر حديث الاسراء وفيه: فخرج ملك من وراء الحجاب فاذن بهذا الأذان وكلما قال كلمة صدقه الله تعالى، ثم أخذ الملك بيد محمد ﷺ فقدمه فأم بأهل السماء وفيهم آدم ونوح. ثم قال السهيليّ وأخلق بهذا الحديث أن يكون صحيحا لما يعضده ويشا كله من حديث الاسراء. فهذا الحديث ليس كما زعم السهيليّ أنه صحيح بل هو منكر تفرد به زياد بن المنذر أبو الجارود الّذي تنسب اليه الفرقة الجارودية وهو من المتهمين. ثم لو كان هذا قد سمعه رسول الله ﷺ ليلة الاسراء لأوشك أن يأمر به بعد الهجرة في الدعوة إلى الصلاة والله اعلم (١)].
قال ابن هشام: وذكر ابن جريج. قال قال لي عطاء سمعت عبيد بن عمير يقول: ائتمر النبي ﷺ وأصحابه [بالناقوس] للاجتماع للصلاة، فبينا عمر بن الخطاب يريد أن يشترى خشبتين للناقوس إذ رأى عمر في المنام لا تجعلوا الناقوس بل أذنوا للصلاة. فذهب عمر إلى النبي ﷺ ليخبره بما رأى وقد جاء النبي ﷺ الوحي بذلك فما راع عمر إلا بلال يؤذن، فقال رسول الله ﷺ حين أخبره بذلك «قد سبقك بذلك الوحي» وهذا يدل على أنه قد جاء الوحي بتقرير ما رآه عبد الله بن زيد بن عبد ربه كما صرح به بعضهم والله تعالى أعلم.
قال ابن إسحاق: وحدثني محمد بن جعفر بن الزبير عن عروة بن الزبير عن امرأة من بنى النجار قالت: كان بيتي من أطول بيت حول المسجد، فكان بلال يؤذن عليه للفجر كل غداة فيأتى بسحر فيجلس على البيت ينتظر الفجر، فإذا رآه تمطى ثم قال: اللهمّ أحمدك وأستعينك على قريش أن يقيموا دينك، قالت ثم يؤذن، قالت والله ما علمته كان تركها ليلة واحدة - يعنى هذه الكلمات - ورواه أبو داود من حديثه منفردا به.
стр. 927
فصل في سرية حمزة بن عبد المطلب ﵁
قال ابن جرير: وزعم الواقدي أن رسول الله ﷺ عقد في هذه السنة في شهر رمضان على رأس سبعة أشهر من مهاجره لحمزة بن عبد المطلب لواء أبيض في ثلاثين رجلا من المهاجرين ليعترض لعيرات قريش وأن حمزة لقي أبا جهل في ثلاثمائة رجل من قريش فحجز بينهم مجدي بن عمرو ولم يكن بينهم قتال، قال وكان الّذي يحمل لواء حمزة أبو مرثد الغنوي.
فصل في سرية عبيدة بن الحارث بن عبد المطلب
قال ابن جرير: وزعم الواقدي أيضا أن النبي ﷺ عقد في هذه السنة على رأس ثمانية أشهر في شوال لعبيدة بن الحارث لواء أبيض وأمره بالمسير إلى بطن رابغ، وكان لواؤه مع مسطح بن أثاثة فبلغ ثنية المرة وهي بناحية الجحفة في ستين من المهاجرين ليس فيهم أنصارى، وأنهم التقوا هم والمشركون على ماء يقال له أحياء وكان بينهم الرمي دون المسابقة. قال الواقدي: وكان المشركون مائتين عليهم أبو سفيان صخر بن حرب وهو المثبت عندنا، وقيل كان عليهم مكرز بن حفص.
فصل
قال الواقدي: وفيها - يعنى في السنة الاولى في ذي القعدة - عقد رسول الله ﷺ لسعد بن أبى وقاص إلى الخرار لواء أبيض يحمله المقداد بن الأسود، فحدثني أبو بكر بن إسماعيل عن أبيه عن عامر بن سعد [عن أبيه]. قال: خرجت في عشرين رجلا على أقدامنا، أو قال أحد وعشرين رجلا، فكنا نكمن النهار ونسير الليل حتى صبحنا الخرار صبح خامسة، وكان رسول الله ﷺ قد عهد إلى أن لا أجاوز الخرار، وكانت العير قد سبقتني قبل ذلك بيوم. قال الواقدي: كانت العير ستين وكان من مع سعد كلهم من المهاجرين. قال أبو جعفر بن جرير ﵀ وعند ابن إسحاق ﵀ أن هذه السرايا الثلاث التي ذكرها الواقدي كلها في السنة الثانية من الهجرة من وقت التاريخ.
قلت: كلام ابن إسحاق ليس بصريح فيما قاله أبو جعفر ﵀ لمن تأمله كما سنورده في أول كتاب المغازي في أول السنة الثانية من الهجرة وذلك تلوما نحن فيه إن شاء الله، ويحتمل أن يكون مراده أنها وقعت هذه السرايا في السنة الاولى، وسنزيدها بسطا وشرحا إذا انتهينا اليها إن شاء الله تعالى. والواقدي ﵀ عنده زيادات حسنة، وتاريخ محرر غالبا فإنه من أئمة هذا الشأن الكبار
стр. 928
وهو صدوق في نفسه مكثار كما بسطنا القول في عدالته وجرحه في كتابنا الموسوم بالتكميل في معرفة الثقات والضعفاء والمجاهيل ولله الحمد والمنة.
فصل
وممن ولد في هذه السنة المباركة - وهي الاولى من الهجرة - عبد الله بن الزبير فكان أول مولود ولد في الإسلام بعد الهجرة كما رواه البخاري عن أمه أسماء وخالته عائشة أم المؤمنين ابنتي الصديق ﵄، ومن الناس من يقول ولد النعمان بن بشير قبله بستة أشهر، فعلى هذا يكون ابن الزبير أول مولود ولد بعد الهجرة من المهاجرين ومن الناس من يقول إنهما ولدا في السنة الثانية من الهجرة والظاهر الأول كما قدمنا بيانه ولله الحمد والمنة، وسنشير في آخر السنة الثانية إلى القول الثاني إن شاء الله تعالى.
قال ابن جرير: وقد قيل إن المختار بن أبى عبيد وزياد بن سمية ولدا في هذه السنة الاولى (١) فالله أعلم. وممن توفى في هذه السنة الاولى من الصحابة، كلثوم بن الهدم الأوسي الّذي نزل رسول الله ﷺ في مسكنه بقباء إلى حين ارتحل منها إلى دار بنى النجار كما تقدم، وبعده - فيها - أبو أمامة أسعد بن زرارة نقيب بنى النجار توفى ورسول الله ﷺ يبنى المسجد كما تقدم ﵄ وأرضاهما.
قال ابن جرير: وفي هذه السنة - يعنى الاولى من الهجرة - مات أبو أحيحة بماله بالطائف ومات الوليد بن المغيرة والعاص بن وائل السهمي فيها بمكة.
قلت: وهؤلاء ماتوا على شركهم لم يسلموا لله .
стр. 929
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
ذكر ما وقع في السنة الثانية من الهجرة
وقع فيها كثير من المغازي والسرايا ومن أعظمها وأجلها بدر الكبرى التي كانت في رمضان منها، وقد فرق الله بها بين الحق والباطل، والهدى والغي. وهذا أوان ذكر المغازي والبعوث فنقول وبالله المستعان
كتاب المغازي
قال الامام محمد بن إسحاق بن يسار في كتاب السيرة بعد ذكر أحبار اليهود ونصبهم العداوة للإسلام وأهله وما نزل فيهم من الآيات، فمنهم حيي بن أخطب وأخواه أبو ياسر وجدي، وسلام بن مشكم، وكنانة بن الربيع بن أبى الحقيق، وسلام بن أبى الحقيق وهو أبو رافع الأعور، تاجر أهل الحجاز وهو الّذي قتله الصحابة بأرض خيبر كما سيأتي، والربيع بن الربيع بن أبى الحقيق، وعمرو ابن جحاش، وكعب بن الأشرف وهو من طيِّئ ثم أحد بنى نبهان وأمه من بنى النضير، وقد قتله الصحابة قبل أبى رافع كما سيأتي، وحليفاه الحجاج بن عمرو وكردم بن قيس لعنهم الله فهؤلاء من بنى النضير، ومن بنى ثعلبة بن الفطيون عبد الله بن صوريا، ولم يكن بالحجاز - بعد - أعلم بالتوراة منه.
قلت: وقد قيل إنه أسلم، وابن صلوبا ومخيريق وقد أسلما يوم أحد كما سيأتي وكان حبر قومه، ومن بنى قينقاع زيد بن اللصيت، وسعد بن حنيف، ومحمود بن شيخان (١) وعزيز بن أبى عزيز (٢) وعبد الله بن ضيف، وسويد بن الحارث، ورفاعة بن قيس، وفنحاص وأشيع ونعمان بن أضا، وبحري بن عمرو، وشاش بن عدي، وشاش بن قيس، وزيد بن الحارث، ونعمان بن عمير (٣) وسكين بن أبى سكين، وعدي بن زيد، ونعمان بن أبى أو في أبو أنس، ومحمود بن دحية، ومالك ابن صيف (٤) وكعب بن راشد، وعازر ورافع بن أبى رافع، وخالد وإزار بن أبى إزار. قال ابن هشام: ويقال آزر بن أبى آزر، ورافع بن حارثة، ورافع بن حريملة، ورافع بن خارجة، ومالك ابن عوف، ورفاعة بن زيد بن التابوت، وعبد الله بن سلام.
стр. 930
قلت: وقد تقدم إسلامه ﵁. قال ابن إسحاق: وكان حبرهم وأعلمهم، وكان اسمه الحصين فلما أسلم سماه رسول الله ﷺ عبد الله. قال ابن إسحاق: ومن بنى قريظة الزبير بن باطا ابن وهب، وعزال بن شموال (١) وكعب بن أسد وهو صاحب عقدهم الّذي نقصوه عام الأحزاب وشمويل بن زيد، وجبل بن عمرو بن سكينة، والنحام بن زيد، وكردم بن كعب (٢) ووهب بن زيد ونافع بن أبى نافع، وعدي بن زيد، والحارث بن عوف، وكردم بن زيد، وأسامة بن حبيب، ورافع بن زميلة، وجبل بن أبى قشير، ووهب بن يهوذا. قال ومن بنى زريق، لبيد بن أعصم وهو الّذي سحر رسول الله ﷺ ، ومن يهود بنى حارثة، كنانة بن صوريا، ومن يهود بنى عمرو بن عوف قردم بن عمرو، ومن يهود بنى النجار، سلسلة بن برهام.
قال ابن إسحاق: فهؤلاء أحبار يهود وأهل الشرور والعداوة لرسول الله ﷺ ، وأصحابه ﵃، وأصحاب المسألة الذين يكثرون الأسئلة لرسول الله ﷺ على وجه التعنت والعناد والكفر قال وأصحاب النصب لأمر الإسلام ليطفئوه إلا ما كان من عبد الله بن سلام ومخيريق، ثم ذكر إسلام عبد الله بن سلام وإسلام عمته خالدة كما قدمناه وذكر إسلام مخيريق يوم أحد كما سيأتي وأنه قال لقومه - وكان يوم السبت - يا معشر يهود والله إنكم لتعلمون أن نصر محمد عليكم لحق، قالوا إن اليوم يوم السبت، قال لا سبت لكم. ثم أخذ سلاحه وخرج وعهد إلى من وراءه من قومه إن قتلت هذا اليوم فأموالى لمحمد يرى فيها ما أراه الله - وكان كثير الأموال - ثم لحق برسول الله ﷺ فقاتل حتى قتل ﵁،
قال فكان رسول الله ﷺ يقول فيما بلغني «مخيريق خير يهود».
فصل
ثم ذكر ابن إسحاق من مال إلى هؤلاء الاضداد من اليهود من المنافقين من الأوس والخزرج فمن الأوس زوى (٣) بن الحارث، وجلاس بن سويد بن الصامت الأنصاري وفيه نزل ﴿يَحْلِفُونَ بِاللهِ ما قالُوا وَلَقَدْ قالُوا كَلِمَةَ الْكُفْرِ وَكَفَرُوا بَعْدَ إِسْلامِهِمْ﴾ وذلك أنه قال حين تخلف عن غزوة تبوك لئن كان هذا الرجل صادقا لنحن شر من الحمر، فنماها ابن امرأته عمير بن سعد إلى رسول الله ﷺ فأنكر الجلاس ذلك وحلف ما قال فنزل فيه ذلك. قال وقد زعموا أنه تاب وحسنت توبته حتى عرف منه الإسلام والخير قال وأخوه الحارث بن سويد، وهو الّذي قتل المجذر بن ذياد البلوى وقيس
стр. 931
ابن زيد أحد بنى ضبيعة يوم أحد، خرج مع المسلمين وكان منافقا فلما التقى الناس. عدا عليهما فقتلهما ثم لحق بقريش.
قال ابن هشام: وكان المجذر قد قتل أباه سويد بن الصامت في بعض حروب الجاهلية فاخذ بثأر أبيه منه يوم أحد، كذا قال ابن هشام. وقد ذكر ابن إسحاق أن الّذي قتل سويد بن الصامت إنما هو معاذ بن عفراء قتله في غير حرب قبل يوم بعاث رماه بسهم فقتله. وأنكر ابن هشام أن يكون الحارث قتل قيس بن زيد، قال لأن ابن إسحاق لم يذكره في قتلى أحد.
قال ابن إسحاق: وقد كان رسول الله ﷺ . أمر عمر بن الخطاب بقتله ان هو ظفر به، فبعث الحارث إلى أخيه الجلاس يطلب له التوبة ليرجع إلى قومه، فانزل الله - فيما بلعني عن ابن عباس - ﴿كَيْفَ يَهْدِي اللهُ قَوْماً كَفَرُوا بَعْدَ إِيمانِهِمْ وَشَهِدُوا أَنَّ الرَّسُولَ حَقٌّ وَجاءَهُمُ الْبَيِّناتُ وَاللهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظّالِمِينَ﴾ إلى آخر القصة. قال: وبجاد بن عثمان بن عامر،
ونبتل بن الحارث وهو الّذي قال فيه رسول الله ﷺ : «من أحب أن ينظر إلى شيطان فلينظر إلى هذا» وكان جسيما أدلم ثائر شعر الرأس أحمر العينين أسفع الخدين، وكان يسمع الكلام من رسول الله ﷺ ثم ينقله إلى المنافقين وهو الّذي قال. إنما محمد أذن، من حدثه بشيء صدقه. فانزل الله فيه ﴿وَمِنْهُمُ الَّذِينَ يُؤْذُونَ النَّبِيَّ وَيَقُولُونَ هُوَ أُذُنٌ﴾ الآية. قال: وأبو حبيبة بن الأزعر وكان ممن بنى مسجد الضرار، وثعلبة بن حاطب ومعتب بن قشير، وهما اللذان عاهدا الله لئن آتانا من فضله لنصدقن ثم نكثا، فنزل فيهما ذلك، ومعتب هو الّذي قال يوم أحد: لو كان لنا من الأمر شيء ما قتلنا هاهنا فنزل فيه الآية. وهو الّذي قال يوم الأحزاب كان محمد يعدنا أنا نأكل كنوز كسرى وقيصر، واحدنا لا يؤمن أن يذهب إلى الغائط فنزل فيه ﴿وَإِذْ يَقُولُ الْمُنافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ ما وَعَدَنَا اللهُ وَرَسُولُهُ إِلاّ غُرُوراً﴾.
قال ابن إسحاق: والحارث بن حاطب. قال ابن هشام. ومعتب بن قشير وثعلبة والحارث ابنا حاطب، وهما من بنى أمية بن زيد من أهل بدر وليسوا من المنافقين فيما ذكر لي من أثق به من أهل العلم. قال وقد ذكر ابن إسحاق ثعلبة والحارث في بنى أمية بن زيد في أسماء أهل بدر.
قال ابن إسحاق: وعباد بن حنيف أخو سهل بن حنيف وبخرج وكان ممن بنى مسجد الضرار وعمرو بن حرام (١) وعبد الله بن نبتل، وجارية بن عامر بن العطاف، وابناه يزيد (٢) ومجمع ابنا جارية وهم ممن اتخذ مسجد الضرار، وكان مجمع غلاما حدثا قد جمع أكثر القرآن و [كان] يصلى بهم فيه، فلما خرب مسجد الضرار كما سيأتي بيانه بعد غزوة تبوك وكان في أيام عمر سأل أهل قباء
стр. 932
عمر أن يصلى بهم مجمع فقال: لا والله، أو ليس امام المنافقين في مسجد الضرار؟ فحلف بالله ما علمت بشيء من أمرهم فزعموا أن عمر تركه فصلى بهم. قال ووديعة بن ثابت وكان ممن بنى مسجد الضرار وهو الّذي قال: إنما كنا نخوض ونلعب فنزل فيه ذلك. قال وخذام بن خالد وهو الّذي أخرج مسجد الضرار من داره. قال ابن هشام مستدركا على ابن إسحاق في منافقي بنى النبيت من الأوس وبشر ورافع ابنا زيد.
قال ابن إسحاق: ومربع بن قيظى - وكان أعمى - وهو الّذي قال لرسول الله ﷺ حين أجاز في حائطه وهو ذاهب إلى أحد: لا أحل لك إن كنت نبيا أن تمر في حائطي وأخذ في يده حفنة من تراب ثم قال: والله لو أعلم أنى لا أصيب بها غيرك لرميتك بها، فابتدره القوم ليقتلوه فقال رسول الله ﷺ : «دعوه فهذا الأعمى أعمى القلب أعمى البصر» وقد ضربه سعد ابن زيد الأشهلي بالقوس فشجه. قال وأخوه أوس بن قيظى وهو الّذي قال: إن بيوتنا عورة. قال الله ﴿وَما هِيَ بِعَوْرَةٍ إِنْ يُرِيدُونَ إِلاّ فِراراً﴾ قال وحاطب بن أمية بن رافع وكان شيخا جسيما قد عسا (١) في جاهليته، وكان له ابن من خيار المسلمين يقال له يزيد بن حاطب أصيب يوم أحد حتى أثبتته الجراحات، فحمل إلى دار بنى ظفر. فحدثني عاصم بن عمر بن قتادة أنه اجتمع اليه من بها من رجال المسلمين ونسائهم وهو يموت فجعلوا يقولون: أبشر بالجنة يا ابن حاطب. قال فنجم نفاق أبيه فجعل يقول: أجل جنة من حرمل، غررتم والله هذا المسكين من نفسه. قال وبشير بن أبيرق أبو طعمة سارق الدرعين الّذي أنزل الله فيه ﴿وَلا تُجادِلْ عَنِ الَّذِينَ يَخْتانُونَ أَنْفُسَهُمْ﴾ الآيات. قال وقزمان حليف لبني ظفر الّذي قتل يوم أحد سبعة نفر، ثم لما آلمته الجراحة قتل نفسه وقال: والله ما قاتلت إلا حمية على قومي ثم مات لعنه الله. قال ابن إسحاق: ولم يكن في بنى عبد الأشهل منافق ولا منافقة يعلم إلا أن الضحاك بن ثابت كان يتهم بالنفاق وحب يهود. فهؤلاء كلهم من الأوس. قال ابن إسحاق: ومن الخزرج رافع بن وديعة، وزيد بن عمرو، وعمرو بن قيس، وقيس بن عمرو ابن سهل، والجد بن قيس وهو الّذي قال: ائذن لي ولا تفتني، وعبد الله بن أبى بن سلول، وكان رأس المنافقين ورئيس الخزرج والأوس أيضا، كانوا قد أجمعوا على أن يملكوه عليهم في الجاهلية، فلما هداهم الله للإسلام قبل ذلك شرق اللعين بريقه وغاظه ذلك جدا، وهو الّذي قال:
لئن رجعنا إلى المدينة ليخرجن الاعز منها الأذل. وقد نزلت فيه آيات كثيرة جدا، وفيه وفي وديعة - رجل من بنى عوف - ومالك بن أبى قوقل وسويد وداعس وهم من رهطه نزل قوله تعالى ﴿لَئِنْ أُخْرِجُوا لا يَخْرُجُونَ مَعَهُمْ﴾ الآيات حين مالوا في الباطن إلى بنى النضير.
стр. 933
فصل
ثم
ذكر ابن إسحاق من أسلم من أحبار اليهود على سبيل التقية فكانوا كفارا في الباطن فاتبعهم بصنف المنافقين وهم من شرهم، سعد بن حنيف، وزيد بن اللصيت، وهو الّذي قال حين ضلت ناقة رسول الله ﷺ يزعم محمد أنه يأتيه خبر السماء وهو لا يدرى أين ناقته؟ فقال رسول الله ﷺ والله لا أعلم إلا ما علمني الله، وقد دلني الله عليها فهي في هذا الشعب قد حبستها شجرة بزمامها» فذهب رجال من المسلمين فوجدوها كذلك. قال ونعمان بن أوفى، وعثمان بن أوفى،
ورافع بن حريملة، وهو الّذي قال فيه رسول الله ﷺ يوم مات - فيما بلغنا -: «قد مات اليوم عظيم من عظماء المنافقين»
ورفاعة بن زيد بن التابوت، وهو الّذي هبت الريح الشديدة يوم موته عند مرجع رسول الله ﷺ من تبوك فقال: «إنها هبت لموت عظيم من عظماء الكفار» فلما قدموا المدينة وجدوا رفاعة قد مات في ذلك اليوم وسلسلة بن برهام وكنانة بن صوريا. فهؤلاء ممن أسلم من منافقي اليهود قال فكان هؤلاء المنافقون يحضرون المسجد ويسمعون أحاديث المسلمين ويسخرون ويستهزءون بدينهم، فاجتمع في المسجد يوما منهم أناس فرآهم رسول الله ﷺ يتحدثون بينهم خافضى أصواتهم قد لصق بعضهم إلى بعض، فأمر بهم رسول الله ﷺ فأخرجوا من المسجد إخراجا عنيفا، فقام أبو أيوب إلى عمرو ابن قيس أحد بنى النجار - وكان صاحب آلهتهم في الجاهلية - فاخذ برجله فسحبه حتى أخرجه وهو يقول - لعنه الله - أتخرجين يا أبا أيوب من مربد بنى ثعلبة؟ ثم أقبل أبو أيوب إلى رافع بن وديعة النجاري فلببه بردائه، ثم نتره نترا شديدا (١) ولطم وجهه فأخرجه من المسجد وهو يقول: أف لك منافقا خبيثا. وقام عمارة بن حزم إلى زيد بن عمرو - وكان طويل اللحية - فاخذ بلحيته وقاده بها قودا عنيفا حتى أخرجه من المسجد، ثم جمع عمارة يديه جميعا فلدمه بهما لدمة (٢) في صدره خر منها قال يقول: خدشتنى يا عمارة، فقال عمارة: أبعدك الله يا منافق، فما أعد الله لك من العذاب أشد من ذلك فلا تقربن مسجد رسول الله ﷺ وقام أبو محمد مسعود بن أوس بن زيد بن أصرم بن زيد بن ثعلبة بن غنم بن مالك بن النجار - وكان بدريا - إلى قيس بن عمرو بن سهل وكان شابا - وليس في المنافقين شاب سواه - فجعل يدفع في قفاه حتى أخرجه. وقام رجل من بنى خدرة (٣) إلى رجل يقال له الحارث بن عمرو - وكان ذا جمة - فاخذ بجمته فسحبه بها سحبا عنيفا على ما مر به من الأرض حتى أخرجه، فجعل يقول المنافق: قد أغلظت يا أبا الحارث، فقال: إنك أهل لذلك أي عدو الله
стр. 934
لما أنزل فيك، فلا تقربن مسجد رسول الله ﷺ فإنك نجس، وقام رجل من بنى عمرو بن عوف إلى أخيه زوى بن الحارث فأخرجه إخراجا عنيفا وأفف (١) منه وقال: غلب عليك الشيطان وأمره ثم ذكر ابن إسحاق ما نزل فيهم من الآيات من سورة البقرة، ومن سورة التوبة، وتكلم على تفسير ذلك فأجاد وأفاد ﵀.
ذكر أول المغازي وهي غزوة الأبواء ويقال لها غزوة ودّان وأول البعوث
وهو بعث حمزة بن عبد المطلب أو عبيدة بن الحارث كما سيأتي في المغازي. قال البخاري كتاب المغازي. قال ابن إسحاق: أول ما غزا رسول الله ﷺ الأبواء. ثم بواط، ثم العشيرة.
ثم روى عن زيد بن أرقم أنه سئل كم غزا رسول الله ﷺ ؟ قال: تسع عشرة شهد منها سبع عشرة أولهن العسيرة - أو العشيرة -. وسيأتي الحديث باسناده ولفظه والكلام عليه عند غزوة العشيرة إن شاء الله وبه الثقة. وفي صحيح البخاري عن بريدة قال: غزا رسول الله ﷺ ست عشرة غزوة ولمسلم عنه أنه غزا مع رسول الله ﷺ ست عشرة غزوة، وفي رواية له عنه أن رسول الله ﷺ غزا تسع عشرة غزوة، وقاتل في ثماني منهن. وقال الحسين بن واقد عن ابن بريدة عن أبيه أن رسول الله ﷺ غزا سبع عشرة غزوة وقاتل في ثمان، يوم بدر، وأحد، والأحزاب، والمريسيع، وقديد وخيبر، ومكة، وحنين. وبعث أربعا وعشرين سرية وقال يعقوب بن سفيان حدثنا محمد بن عثمان الدمشقيّ التنوخي ثنا الهيثم بن حميد أخبرنى النعمان عن مكحول أن رسول الله ﷺ غزا ثمانية عشر غزوة، قاتل في ثمان غزوات، أو لهن بدر، ثم أحد، ثم الأحزاب، ثم قريظة، ثم بئر معونة ثم غزوة بنى المصطلق من خزاعة، ثم غزوة خيبر، ثم غزوة مكة، ثم حنين والطائف (٢) قوله بئر معونة بعد قريظة فيه نظر، والصحيح أنها بعد أحد كما سيأتي. قال يعقوب حدثنا سلمة بن شبيب ثنا عبد الرزاق أخبرنا معمر عن الزهري سمعت سعيد بن المسيب يقول: غزا رسول الله ﷺ ثماني عشرة غزوة، وسمعته مرة أخرى يقول أربعا وعشرين. فلا أدرى أكان ذلك وهما أو شيئا سمعه بعد ذلك. وقد روى الطبراني عن الدبرى (٣) عن عبد الرزاق عن معمر عن الزهري. قال: غزا رسول الله ﷺ أربعا وعشرين غزوة وقال عبد الرحمن بن حميد في مسندة حدثنا سعيد بن سلام ثنا زكريا ابن إسحاق حدثنا أبو الزبير عن جابر. قال: غزا رسول الله ﷺ إحدى وعشرين غزوة. وقد روى الحاكم من طريق هشام عن قتادة أن مغازي رسول الله ﷺ وسراياه كانت ثلاثا وأربعين.
стр. 935
ثم قال الحاكم: لعله أراد السرايا دون الغزوات، فقد ذكرت في الإكليل على الترتيب بعوث رسول الله ﷺ وسراياه زيادة على المائة. قال وأخبرنى الثقة من أصحابنا ببخارى أنه قرأ في كتاب أبى عبد الله محمد بن نصر، السرايا والبعوث دون الحروب نيفا وسبعين. وهذا الّذي ذكره الحاكم غريب جدا، وحمله كلام قتادة على ما قال فيه نظر. وقد روى الامام احمد عن أزهر بن القاسم الراسبي عن هشام الدستوائى عن قتادة أن مغازي رسول الله ﷺ وسراياه ثلاث وأربعون، أربع وعشرون بعثا، وتسع عشرة غزوة. خرج في ثمان منها بنفسه، بدر، وأحد، والأحزاب، والمريسيع، وخيبر، وفتح مكة، وحنين. وقال موسى بن عقبة عن الزهري: هذه مغازي رسول ﷺ التي قاتل فيها، يوم بدر في رمضان سنة ثنتين، ثم قاتل يوم أحد في شوال سنة ثلاث، ثم قاتل يوم الخندق - وهو يوم الأحزاب وبنى قريظة - في شوال من سنة أربع، ثم قاتل بنى المصطلق وبنى لحيان في شعبان سنة خمس، ثم قاتل يوم خيبر سنة ست، ثم قاتل يوم الفتح في رمضان سنة ثمان، ثم قاتل يوم حنين وحاصر أهل الطائف في شوال سنة ثمان، ثم حج أبو بكر سنة تسع، ثم حج رسول الله ﷺ حجة الوداع سنة عشر، وغزا ثنتى عشرة غزوة ولم يكن فيها قتال، وكانت أول غزاة غزاها الأبواء. وقال حنبل بن هلال عن إسحاق بن العلاء عن عبد الله بن جعفر الرقى عن مطرف بن مازن اليماني عن معمر عن الزهري قال: أول آية نزلت في القتال ﴿أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا﴾ الآية بعد مقدم رسول الله ﷺ المدينة، فكان أول مشهد شهده رسول الله ﷺ يوم بدر يوم الجمعة لسبع عشرة من رمضان، إلى أن قال ثم غزا بنى النضير، ثم غزا أحدا في شوال - يعنى من سنة ثلاث - ثم قاتل يوم الخندق في شوال سنة أربع، ثم قاتل بنى لحيان في شعبان سنة خمس، ثم قاتل يوم خيبر سنة ست، ثم قاتل يوم الفتح في شعبان سنة ثمان، وكانت حنين في رمضان سنة ثمان. وغزا رسول الله ﷺ إحدى عشرة غزوة لم يقاتل فيها، فكانت أول غزوة غزا رسول الله ﷺ الأبواء، ثم العشيرة، ثم غزوة غطفان، ثم غزوة بنى سليم، ثم غزوة الأبواء (١) ثم غزوة بدر الاولى، ثم غزوة الطائف، ثم غزوة الحديبيّة، ثم غزوة الصفراء، ثم غزوة تبوك آخر غزوة. ثم ذكر البعوث، هكذا كتبته من تاريخ الحافظ ابن عساكر وهو غريب جدا، والصواب ما سنذكره فيما بعد إن شاء الله مرتبا. وهذا الفن مما ينبغي الاعتناء به والاعتبار بأمره والتهيؤ له كما رواه محمد بن عمر الواقدي عن عبد الله بن عمر بن على عن أبيه سمعت على بن الحسين يقول: كنا نعلم مغازي النبي ﷺ كما نعلم السورة من القرآن. قال الواقدي: وسمعت محمد بن عبد الله يقول سمعت عمى الزهري يقول: في علم المغازي علم الآخرة والدنيا وقال محمد بن إسحاق ﵀ في
стр. 936
المغازي بعد ذكره ما تقدم مما سقناه عنه من تعيين رءوس الكفر من اليهود والمنافقين لعنهم الله أجمعين وجمعهم في أسفل سافلين. ثم إن رسول الله ﷺ تهيأ لحربه وقام فيما أمره الله به من جهاد عدوه وقتال من أمره به ممن يليه من المشركين، قال وقد قدم رسول الله ﷺ المدينة يوم الاثنين حين اشتد الضحاء وكادت الشمس تعتدل لثنتى عشرة ليلة مضت من شهر ربيع الأول، ورسول الله ﷺ يومئذ ابن ثلاث وخمسين سنة، وذلك بعد أن بعثه الله بثلاث عشرة سنة فأقام بقية شهر ربيع الأول وشهر ربيع الآخر وجمادين ورجبا وشعبان وشهر رمضان وشوالا وذا القعدة وذا الحجة وولى تلك الحجة المشركون، والمحرم، ثم خرج رسول الله ﷺ غازيا في صفر على رأس اثنى عشر شهرا من مقدمه المدينة. قال ابن هشام: واستعمل على المدينة سعد بن عبادة. قال ابن إسحاق:
حتى بلغ ودان وهي غزوة الأبواء، قال ابن جرير: ويقال لها غزوة ودان أيضا، يريد قريشا وبنى ضمرة بن بكر بن عبد مناة بن كنانة، فوادعته فيها بنو ضمرة وكان الّذي وادعه منهم مخشى بن عمرو الضمريّ، وكان سيدهم في زمانه ذلك. ورجع رسول الله ﷺ إلى المدينة ولم يلق كيدا فأقام بها بقية صفر وصدرا من شهر ربيع الأول. قال ابن هشام: وهي أول غزوة غزاها ﵇. قال الواقدي وكان لواؤه مع عمه حمزة، وكان أبيض. قال ابن إسحاق: وبعث رسول الله ﷺ في مقامه ذلك بالمدينة عبيدة بن الحارث بن المطلب بن عبد مناف بن قصي في ستين - أو ثمانين - راكبا من المهاجرين ليس فيهم من الأنصار أحد، فسار حتى بلغ ماء بالحجاز بأسفل ثنية المرة فلقى بها جمعا عظيما من قريش، فلم يكن بينهم قتال إلا أن سعد بن أبى وقاص قد رمى يومئذ بسهم، فكان أول سهم رمى به في سبيل الله في الإسلام. ثم انصرف القوم عن القوم وللمسلمين حامية وفر من المشركين إلى المسلمين المقداد بن عمرو البهراني حليف بنى زهرة، وعتبة بن غزوان بن جابر المازني حليف بنى نوفل بن عبد مناف، وكانا مسلمين ولكنهما خرجا ليتوصلا بالكفار. قال ابن إسحاق: وكان على المشركين يومئذ عكرمة بن أبى جهل وروى ابن هشام عن أبى عمرو بن العلاء (١) عن أبى عمرو المدني أنه قال: كان عليهم مكرز بن حفص.
قلت: وقد تقدم عن حكاية الواقدي قولان، أحدهما أنه مكرز، والثاني أنه أبو سفيان صخر بن حرب وأنه رجح أنه أبو سفيان فالله أعلم. ثم ذكر ابن إسحاق القصيدة المنسوبة إلى أبى [بكر] الصديق في هذه السرية التي أولها:
أمن طيف سلمى بالبطاح الدمائث … أرقت وأمر في العشيرة حادث
ترى من لؤيّ فرقة لا يصدها … عن الكفر تذكير ولا بعث باعث
стр. 937
رسول أتاهم صادق فتكذبوا … عليه وقالوا لست فينا بما كث
إذا ما دعوناهم إلى الحق أدبروا … وهروا هرير المحجرات اللواهث
القصيدة إلى آخرها، وذكر جواب عبد الله بن الزبعري في مناقضتها التي أولها:
أمن رسم دار أقفرت بالعثاعث … بكيت بعين دمعها غير لابث
ومن عجب الأيام - والدهر كله … له عجب - من سابقات وحادث
لجيش أتانا ذي عرام يقوده … عبيدة يدعى في الهياج ابن حارث
لنترك أصناما بمكة عكّفا … مواريث موروث كريم لوارث
وذكر تمام القصيدة وما منعنا من إيرادها بتمامها إلا أن الامام عبد الملك بن هشام ﵀ وكان إماما في اللغة ذكر أن أكثر أهل العلم بالشعر ينكر هاتين القصيدتين. قال ابن إسحاق وقال سعد ابن أبى وقاص في رميته تلك فيما يذكرون:
ألا هل أتى رسول الله أنى … حميت صحابتي بصدور نبلى
أذود بها أوائلهم ذيادا … بكل حزونة وبكل سهل
فما يعتد رام في عدوّ … بسهم يا رسول الله قبلي
وذلك أن دينك دين صدق … وذو حق أتيت به وفضل (١)
ينجى المؤمنون به ويخزي … به الكفار عند مقام مهل (٢)
فمهلا قد غويت فلا تعبنى … غوىّ الحي ويحك يا ابن جهل
قال ابن هشام: وأكثر أهل العلم بالشعر ينكرها لسعد. قال ابن إسحاق: فكانت راية عبيدة - فيما بلغنا - أول راية عقدها رسول الله ﷺ في الإسلام لأحد من للمسلمين. وقد خالفه الزهري وموسى بن عقبة والواقدي فذهبوا إلى أن بعث حمزة قبل بعث عبيدة بن الحارث والله أعلم وسيأتي في حديث سعد بن أبى وقاص أن أول امرئ السرايا عبد الله بن جحش الأسدي.
قال ابن إسحاق: وبعض العلماء يزعم أن رسول الله ﷺ بعثه حين أقبل من غزوة الأبواء قبل أن يصل إلى المدينة. وهكذا حكى موسى بن عقبة عن الزهري.
فصل
قال ابن إسحاق: وبعث رسول الله ﷺ في مقامه ذلك حمزة بن عبد المطلب بن هاشم إلى سيف البحر من ناحية العيص في ثلاثين راكبا من المهاجرين ليس فيهم من الأنصار أحد فلقى أبا
стр. 938
جهل بن هشام بذلك الساحل في ثلاثمائة راكب من أهل مكة فحجز بينهم مجدي بن عمرو الجهنيّ وكان موادعا للفريقين جميعا، فانصرف بعض القوم عن بعض ولم يكن بينهم قتال.
قال ابن إسحاق: وبعض الناس يقول كانت راية حمزة أول راية عقدها رسول الله ﷺ لأحد من المسلمين، وذلك أن بعثه وبعث عبيدة كانا معا فشبه ذلك على الناس.
قلت: وقد حكى موسى بن عقبة عن الزهري أن بعث حمزة قبل عبيدة بن الحارث، ونص على أن بعث حمزة كان قبل غزوة الأبواء، فلما قفل ﵇ من الأبواء بعث عبيدة بن الحارث في ستين من المهاجرين، وذكر نحو ما تقدم. وقد تقدم عن الواقدي أنه قال: كانت سرية حمزة في رمضان من السنة الاولى، وبعدها سرية عبيدة في شوال منها والله أعلم. وقد أورد ابن إسحاق عن حمزة ﵁ شعرا يدل على أن رأيته أول راية عقدت في الإسلام، لكن قال ابن إسحاق:
فان كان حمزة قال ذلك فهو كما قال، لم يكن يقول إلا حقا، والله أعلم أي ذلك كان. فاما ما سمعنا من أهل العلم عندنا فعبيدة أول، والقصيدة هي قوله:
ألا يا لقومي للتحلم والجهل … وللنقض من رأى الرجال وللعقل
وللراكبينا بالمظالم لم نطأ … لهم حرمات من سوام ولا أهل
كأنا بتلناهم ولا بتل (١) عندنا … لهم غير أمر بالعفاف وبالعدل
وأمر بإسلام فلا يقبلونه … وينزل منهم مثل منزلة الهزل
فما برحوا حتى انتدبت لغارة … لهم حيث حلوا أبتغي راحة الفضل
بأمر رسول الله أول خافق … عليه لواء لم يكن لاح من قبل
لواء لديه النصر من ذي كرامة … إله عزيز فعله أفضل الفعل
عشية ساروا حاشدين وكلنا … مراجله من غيظ أصحابه تغلي
فلما تراءينا أناخوا فعقّلوا … مطايا وعقّلنا مدى غرض النبل
وقلنا لهم حبل الآله نصيرنا … وما لكم إلا الضلالة من حبل
فثار أبو جهل هنالك باغيا … فخاب ورد الله كيد أبى جهل
وما نحن إلا في ثلاثين راكبا … وهم مائتان بعد واحدة فضل
فيال لؤيّ لا تطيعوا غواتكم … وفيئوا إلى الإسلام والمنهج السهل
فانى أخاف أن يصب عليكم … عذاب فتدعوا بالندامة والثكل
стр. 939
قال فأجابه أبو جهل بن هشام لعنه الله فقال:
عجبت لاسباب الحفيظة والجهل … وللشاغبين بالخلاف وبالبطل
وللتاركين ما وجدنا جدودنا … عليه ذوى الاحساب والسؤدد الجزل
ثم ذكر تمامها. قال ابن هشام وأكثر أهل العلم بالشعر ينكر هاتين القصيدتين لحمزة ﵁ ولأبي جهل لعنه الله.
غزوة بواط من ناحية رضوى
قال ابن إسحاق: ثم غزا رسول الله ﷺ في شهر ربيع الأول - يعنى من السنة الثانية - يريد قريشا. قال ابن هشام: واستعمل على المدينة السائب بن عثمان بن مظعون. وقال الواقدي: استخلف عليها سعد بن معاذ. وكان رسول الله ﷺ في مائتي راكب، وكان لواؤه مع سعد بن أبى وقاص وكان مقصده أن يعترض لعير قريش وكان فيه أمية بن خلف ومائة رجل وألفان وخمسمائة بعير.
قال ابن إسحاق: حتى بلغ بواط من ناحية رضوى، ثم رجع إلى المدينة ولم يلق كيدا فلبث بها بقية شهر ربيع الآخر وبعض جمادى [الاولى].
غزوة العشيرة
ثم غزا قريشا يعنى بذلك الغزوة التي يقال لها غزوة العشيرة وبالمهملة والعشير وبالمهملة والعشيراء وبالمهملة قال ابن هشام: واستعمل على المدينة أبا سلمة بن عبد الأسد. قال الواقدي: وكان لواؤه مع حمزة بن عبد المطلب. قال وخرج ﵇ يتعرض لعيرات قريش ذاهبة إلى الشام.
قال ابن إسحاق: فسلك على نقب بنى دينار، ثم على فيفاء الخيار، فنزل تحت شجرة ببطحاء ابن أزهر يقال لها ذات الساق فصلى عندها فثم مسجده، فصنع له عندها طعام فأكل منه وأكل الناس معه، فرسوم أثافى البرمة معلوم هناك، واستسقى له من ماء يقال له المشيرب ثم ارتحل فترك الخلائق (١) بيسار وسلك شعبة عبد الله، ثم صب للشاد (٢) حتى هبط ملل، فنزل بمجتمعه ومجتمع الضبوعة ثم سلك فرش ملل حتى لقي الطريق بصخيرات اليمام ثم اعتدل به الطريق حتى نزل العشيرة من بطن ينبع فأقام بها جمادى الاولى وليال من جمادى الآخرة ووادع فيها بنى مدلج وحلفاءهم من
стр. 940
بنى ضمرة ثم رجع إلى المدينة ولم يلق كيدا. وقد قال البخاري حدثنا عبد الله ثنا وهب ثنا شعبة عن أبى إسحاق. قال: كنت إلى جنب زيد بن أرقم فقيل له كم غزا رسول الله ﷺ من غزوة؟ قال: تسع عشرة. قلت كم غزوت أنت معه؟ قال سبع عشرة غزوة، قلت فأيهن كان أول؟ قال العشير - أو العسير - فذكرت لقتادة فقال: العشير. وهذا الحديث ظاهر في أن أول الغزوات العشيرة، ويقال بالسين وبهما مع حذف التاء، وبهما مع المد اللهمّ إلا أن يكون المراد غزاة شهدها مع النبي ﷺ زيد بن أرقم العشيرة وحينئذ لا ينفى أن يكون قبلها غيرها لم يشهدها زيد بن أرقم وبهذا يحصل الجمع بين ما ذكره محمد بن إسحاق وبين هذا الحديث والله أعلم.
قال محمد بن إسحاق: ويومئذ قال رسول الله ﷺ لعلى ما قال
فحدثني يزيد بن محمد بن خشيم عن محمد بن كعب القرظي حدثني أبو يزيد محمد بن خثيم عن عمار بن ياسر. قال كنت أنا وعلى بن أبى طالب رفيقين في غزوة العشيرة من بطن ينبع، فلما نزلها رسول الله ﷺ أقام بها شهرا فصالح بها نبي مدلج وحلفاءهم من بنى ضمرة فوادعهم، فقال لي على بن أبى طالب: هل لك يا أبا اليقظان أن نأتي هؤلاء النفر - من بنى مدلج يعملون في عين لهم - ننظر كيف يعملون؟ فأتيناهم فنظرنا اليهم ساعة فغشينا النوم فعمدنا إلى صور من النخل في دقعاء من الأرض فنمنا فيه، فو الله ما أهبنا إلا ورسول الله ﷺ يحركنا بقدمه فجلسنا وقد تتربنا من تلك الدقعاء فيومئذ قال رسول الله ﷺ لعلى: «يا أبا تراب» لما عليه من التراب، فأخبرناه بما كان من أمرنا فقال: «ألا أخبركم بأشقى الناس رجلين؟» قلنا بلى يا رسول الله فقال «أحيمر ثمود الّذي عقر الناقة والّذي يضربك يا على على هذه - ووضع رسول الله ﷺ يده على رأسه - حتى تبل منها هذه - ووضع يده على لحيته -» وهذا حديث غريب من هذا الوجه له شاهد من وجه آخر في تسمية على أبا تراب كما
في صحيح البخاري أن عليا خرج مغاضبا فاطمة، فجاء المسجد فنام فيه فدخل رسول الله ﷺ فسألها عنه فقالت خرج مغاضبا فجاء إلى المسجد فأيقظه وجعل يمسح التراب عنه ويقول: «قم أبا تراب قم أبا تراب».
غزوة بدر الاولى
قال ابن إسحاق: ثم لم يقم رسول الله ﷺ بالمدينة حين رجع من العشيرة إلا ليال قلائل لا تبلغ العشرة حتى أغار كرز بن جابر الفهري على سرح المدينة، فخرج رسول الله ﷺ في طلبه حتى بلغ واديا يقال له سفوان من ناحية بدر، وهي غزوة بدر الاولى، وفاته كرز فلم يدركه. وقال الواقدي: وكان لواؤه مع على بن أبى طالب. قال ابن هشام والواقدي: وكان قد استخلف على المدينة زيد بن حارثة.
стр. 941
قال ابن إسحاق: فرجع رسول الله ﷺ فأقام جمادى ورجبا وشعبان وقد كان بعث بين يدي ذلك سعدا في ثمانية رهط من المهاجرين، فخرج حتى بلغ الخرار من أرض الحجاز. قال ابن هشام: ذكر بعض أهل العلم أن بعث سعد هذا كان بعد حمزة ثم رجع ولم يلق كيدا. هكذا ذكره ابن إسحاق مختصرا وقد تقدم ذكر الواقدي لهذه البعوث الثلاثة، أعنى بعث حمزة في رمضان، وبعث عبيدة في شوال، وبعث سعد في ذي القعدة كلها في السنة الاولى.
وقد
قال الامام احمد: حدثني عبد المتعال بن عبد الوهاب حدثني يحيى بن سعيد. وقال عبد الله بن الامام احمد وحدثني سعيد بن يحيى بن سعيد الأموي حدثنا أبى ثنا المجالد عن زياد ابن علاقة عن سعد بن أبى وقاص. قال لما قدم رسول الله ﷺ المدينة جاءته جهينة فقالوا إنك قد نزلت بين أظهرنا فأوثق حتى نأتيك وقومنا، فأوثق لهم فأسلموا قال فبعثنا رسول الله ﷺ في رجب ولا نكون مائة وأمرنا أن نغير على حي من بنى كنانة إلى جنب جهينة فاغرنا عليهم وكانوا كثيرا فلجأنا إلى جهينة فمنعونا وقالوا لمن تقاتلون في الشهر الحرام؟ فقال بعضنا لبعض ما ترون؟ فقال بعضنا نأتي نبي الله فنخبره، وقال قوم لا بل نقيم هاهنا، وقلت أنا في أناس معى لا بل نأتي عير قريش فنقتطعها. وكان الفيء إذ ذاك من أخذ شيئا فهو له، فانطلقنا إلى العير وانطلق أصحابنا إلى النبي ﷺ فأخبروه الخبر فقام غضبان محمر الوجه. فقال: «أذهبتم من عندي جميعا ورجعتم متفرقين إنما أهلك من كان قبلكم الفرقة، لأبعثن عليكم رجلا ليس بخيركم أصبركم على الجوع والعطش» فبعث علينا عبد الله بن جحش الأسدي فكان أول أمير في الإسلام. وقد رواه البيهقي في الدلائل من حديث يحيى بن أبى زائدة عن مجالد به نحوه وزاد بعد قولهم لأصحابه: لم تقاتلون في الشهر الحرام فقالوا نقاتل في الشهر الحرام من أخرجنا من البلد الحرام ثم رواه من حديث أبى أسامة عن مجالد عن زياد بن علاقة عن قطبة بن مالك عن سعد بن أبى وقاص فذكر نحوه فادخل بين سعد وزياد قطبة بن مالك وهذا أنسب والله أعلم. وهذا الحديث يقتضي أن أول السرايا عبد الله بن جحش الأسدي وهو خلاف ما ذكره ابن إسحاق أن أول الرايات عقدت لعبيدة بن الحارث بن المطلب، وللواقدي حديث زعم أن أول الرايات عقدت لحمزة بن عبد المطلب والله أعلم.
باب سرية عبد الله بن جحش
التي كان سببها لغزوة بدر العظمى (١) وذلك يوم الفرقان يوم التقى الجمعان والله على كل شيء قدير قال ابن إسحاق: وبعث رسول الله ﷺ عبد الله بن جحش بن رئاب الأسدي في رجب
стр. 942
مقفله من بدر الاولى وبعث معه ثمانية رهط من المهاجرين ليس فيهم من الأنصار أحد، وهم أبو حذيفة بن عتبة، وعكاشة بن محصن بن حرثان حليف بنى أسد بن خزيمة، وعتبة بن غزوان حليف بنى نوفل، وسعد بن أبى وقاص الزهري، وعامر بن ربيعة الوائلى حليف بنى عدي، وواقد بن عبد الله ابن عبد مناف بن عرين بن ثعلبة بن يربوع التميمي حليف بنى عدي أيضا، وخالد بن البكير أحد بنى سعد بن ليث حليف بنى عدي أيضا، وسهل بن بيضاء الفهري فهؤلاء سبعة ثامنهم أميرهم عبد الله ابن جحش ﵁. وقال يونس عن ابن إسحاق: كانوا ثمانية وأميرهم التاسع فالله أعلم.
قال ابن إسحاق: وكتب له كتابا وأمره أن لا ينظر فيه حتى يسير يومين ثم ينظر فيه فيمضى لما أمره به، ولا يستسكره من أصحابه أحدا. فلما سار بهم يومين فتح الكتاب فإذا فيه إذا نظرت في كتابي فامض حتى تنزل نخلة بين مكة والطائف فترصد بها قريشا وتعلم لنا من أخبارهم فلما نظر في الكتاب قال سمعا وطاعة وأخبر أصحابه بما في الكتاب. وقال: قد نهاني أن أستكبره أحدا منكم فمن كان منكم يريد الشهادة ويرغب فيها فلينطلق، ومن كره ذلك فليرجع فاما أنا فماض لأمر رسول الله ﷺ فمضى ومضى معه أصحابه لم يتخلف منهم أحد وسلك على الحجاز حتى إذا كان بمعدن فوق الفرع يقال له بحران، أضل سعد بن أبى وقاص وعتبة بن غزوان بعيرا لهما كانا يعتقبانه فتخلفا في طلبه ومضى عبد الله بن جحش وبقية أصحابه حتى نزل نخلة، فمرت عير لقريش فيها عمرو بن الحضرميّ، قال ابن هشام: واسم الحضرميّ عبد الله بن عباد الصدف وعثمان بن عبد الله بن المغيرة المخزومي وأخوه نوفل والحكم بن كيسان مولى هشام بن المغيرة، فلما رآهم القوم هابوهم وقد نزلوا قريبا منهم فأشرف لهم عكاشة بن محصن وكان قد حلق رأسه. فلما رأوه أمنوا، وقال عمار: لا بأس عليكم منهم وتشاور الصحابة فيهم وذلك في آخر يوم من رجب فقالوا والله لئن تركتموهم هذه الليلة ليدخلن الحرم فليمتنعن به منكم ولئن قتلتموهم لتقتلنهم في الشهر الحرام فتردد القوم وهابوا الاقدام عليهم، ثم شجعوا أنفسهم عليهم وأجمعوا على قتل من قدروا عليه منهم وأخذ ما معهم، فرمى واقد ابن عبد الله التميمي عمرو بن الحضرميّ بسهم فقتله، واستأسر عثمان بن عبد الله والحكم بن كيسان وأفلت القوم نوفل بن عبد الله فأعجزهم، وأقبل عبد الله بن جحش وأصحابه بالعير والأسيرين حتى قدموا على رسول الله ﷺ . وقد ذكر بعض آل عبد الله بن جحش أن عبد الله قال لأصحابه:
إن لرسول الله ﷺ فيما غنمنا الخمس فعزله وقسم الباقي بين أصحابه وذلك قبل أن ينزل الخمس. قال ولما نزل الخمس نزل كما قسمه عبد الله بن جحش كما
قاله ابن إسحاق، فلما قدموا على رسول الله ﷺ قال: «ما أمرتكم بقتال في الشهر الحرام» فوقف العير والأسيرين وأبى أن يأخذ من ذلك شيئا فلما قال ذلك رسول الله ﷺ أسقط في أيدي القوم وظنوا أنهم قد هلكوا وعنفهم إخوانهم من
стр. 943
المسلمين فيما صنعوا، وقالت قريش: قد استحل محمد وأصحابه الشهر الحرام وسفكوا فيه الدم وأخذوا فيه الأموال وأسروا فيه الرجال، فقال من يرد عليهم من المسلمين ممن كان بمكة: إنما أصابوا ما أصابوا في شعبان، وقالت يهود: تفاءل بذلك على رسول الله ﷺ عمرو بن الحضرميّ قتله واقد بن عبد الله، عمرو عمرت الحرب، والحضرميّ حضرت الحرب وواقد بن عبد الله وقدت الحرب فجعل الله ذلك عليهم لا لهم، فلما أكثر الناس في ذلك أنزل الله تعالى على رسوله ﷺ ﴿يَسْئَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرامِ قِتالٍ فِيهِ قُلْ قِتالٌ فِيهِ كَبِيرٌ وَصَدٌّ عَنْ سَبِيلِ اللهِ وَكُفْرٌ بِهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرامِ وَإِخْراجُ أَهْلِهِ مِنْهُ أَكْبَرُ عِنْدَ اللهِ وَالْفِتْنَةُ أَكْبَرُ مِنَ الْقَتْلِ وَلا يَزالُونَ يُقاتِلُونَكُمْ حَتّى يَرُدُّوكُمْ عَنْ دِينِكُمْ إِنِ اِسْتَطاعُوا﴾ أي إن كنتم قتلتم في الشهر الحرام فقد صدوكم عن سبيل الله مع الكفر به وعن المسجد الحرام وإخراجكم منه وأنتم أهله أكبر عند الله من قتل من قتلتم منهم والفتنة أكبر من القتل أي قد كانوا يفتنون المسلم عن دينه حتى يردوه إلى الكفر بعد إيمانه فذلك أكبر عند الله من القتل، ثم هم مقيمون على أخبث ذلك وأعظمه غير تائبين ولا نازعين، ولهذا قال الله تعالى ﴿وَلا يَزالُونَ يُقاتِلُونَكُمْ حَتّى يَرُدُّوكُمْ عَنْ دِينِكُمْ إِنِ اِسْتَطاعُوا﴾ الآية.
قال ابن إسحاق: فلما نزل القرآن بهذا الأمر وفرج الله عن المسلمين ما كانوا فيه من الشفق، قبض رسول الله ﷺ العير والأسيرين، وبعثت قريش في فداء عثمان والحكم بن كيسان فقال رسول الله ﷺ «لا نفديكموهما حتى يقدم صاحبانا» - يعنى سعد بن أبى وقاص وعتبة بن غزوان - فانا نخشا كم عليهما. فان تقتلوهما نقتل صاحبيكم. فقدم سعد وعتبة فافداهما رسول الله ﷺ فاما الحكم بن كيسان فأسلم فحسن إسلامه وأقام عند رسول الله ﷺ حتى قتل يوم بئر معونة شهيدا، وأما عثمان بن عبد الله فلحق بمكة فمات بها كافرا. قال ابن إسحاق: فلما تجلى عن عبد الله بن جحش وأصحابه ما كانوا فيه حين نزل القرآن طمعوا في الأجر، فقالوا يا رسول الله أنطمع أن تكون لنا غزاة نعطي فيها أجر المجاهدين؟ فانزل الله فيهم ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هاجَرُوا وَجاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللهِ أُولئِكَ يَرْجُونَ رَحْمَتَ اللهِ وَاللهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ فوصفهم (١) الله من ذلك على أعظم الرجاء.
قال ابن إسحاق: والحديث في ذلك عن الزهري ويزيد بن رومان عن عروة بن الزبير. وهكذا ذكر موسى بن عقبة في مغازيه عن الزهري وكذا روى شعيب عن الزهري عن عروة نحوا من هذا وفيه، وكان ابن الحضرميّ أول قتيل قتل بين المسلمين والمشركين. وقال عبد الملك بن هشام: هو أول قتيل قتله المسلمون، وهذه أول غنيمة غنمها المسلمون، وعثمان والحكم بن كيسان أول من أسره المسلمون.
стр. 944
قلت. وقد تقدم فيما رواه الامام احمد عن سعد بن أبى وقاص أنه قال: فكان عبد الله بن جحش أول أمير في الإسلام. وقد ذكرنا في التفسير لما أورده ابن إسحاق شواهد مسندة فمن ذلك ما
رواه الحافظ أبو محمد بن أبى حاتم حدثنا أبى حدثنا محمد بن أبى بكر المقدمي حدثنا المعتمر بن سليمان عن أبيه حدثني الحضرميّ عن أبى السوار عن جندب بن عبد الله أن رسول الله ﷺ بعث رهطا وبعث عليهم أبا عبيدة بن الجراح أو عبيدة بن الحارث، فلما ذهب بكى صبابة إلى رسول الله ﷺ فجلس، فبعث عليهم مكانه عبد الله بن جحش وكتب له كتابا وأمره أن لا يقرأه حتى يبلغ مكان كذا وكذا. وقال «لا تكرهن أحدا على المسير معك من أصحابك» فلما قرأ الكتاب استرجع وقال سمعا وطاعة لله ولرسوله، فخبرهم الخبر وقرأ عليهم الكتاب فرجع منهم رجلان وبقي بقيتهم فلقوا ابن الحضرميّ فقتلوه ولم يدروا أن ذلك اليوم من رجب أو من جمادى، فقال المشركون للمسلمين: قتلتم في الشهر الحرام، فانزل الله ﴿يَسْئَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرامِ قِتالٍ فِيهِ قُلْ قِتالٌ فِيهِ كَبِيرٌ﴾ الآية. وقال إسماعيل بن عبد الرحمن السدي الكبير في تفسيره عن أبى مالك عن أبى صالح عن ابن عباس وعن مرة عن ابن مسعود عن جماعة من الصحابة ﴿يَسْئَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرامِ قِتالٍ فِيهِ قُلْ قِتالٌ فِيهِ كَبِيرٌ﴾ وذلك أن رسول الله ﷺ بعث سرية وكانوا سبعة نفر عليهم عبد الله بن جحش وفيهم عمار بن ياسر وأبو حذيفة بن عتبة وسعد بن أبى وقاص وعتبة بن غزوان وسهل بن بيضاء وعامر بن فهيرة وواقد بن عبد الله اليربوعي حليف لعمر بن الخطاب، وكتب لابن جحش كتابا وأمره أن لا يقرأه حتى ينزل بطن ملل فلما نزل بطن ملل فتح الكتاب فإذا فيه أن سر حتى تنزل بطن نخلة فقال لأصحابه: من كان يريد الموت فليمض وليوص فاننى موص وماض لأمر رسول الله ﷺ فسار وتخلف عنه سعد وعتبة أضلاّ راحلة لهما فأقاما يطلبانها، وسار هو وأصحابه حتى نزل بطن نخلة فإذا هو بالحكم بن كيسان والمغيرة بن عثمان وعبد الله بن المغيرة. فذكر قتل واقد لعمرو بن الحضرميّ ورجعوا بالغنيمة والأسيرين فكانت أول غنيمة غنمها المسلمون. وقال المشركون إن محمدا يزعم أنه يتبع طاعة الله وهو أول من استحل الشهر الحرام وقتل صاحبنا في رجب. وقال المسلمون إنما قتلناه في جمادى. قال السدي وكان قتلهم له في أول ليلة من رجب وآخر ليلة من جمادى الآخرة.
قلت: لعل جمادى كان ناقصا فاعتقدوا بقاء الشهر ليلة الثلاثين، وقد كان الهلال رئي تلك الليلة فالله أعلم. وهكذا روى العوفيّ عن ابن عباس أن ذلك كان في آخر ليلة من جمادى، وكانت أول ليلة من رجب ولم يشعروا وكذا تقدم في حديث جندب الّذي رواه ابن أبى حاتم. وقد تقدم في سياق ابن إسحاق أن ذلك كان في آخر ليلة من رجب وخافوا إن لم يتداركوا هذه الغنيمة وينتهزوا هذه الفرصة دخل أولئك في الحرم فيتعذر عليهم ذلك فاقدموا عليهم عالمين بذلك وكذا قال الزهري
стр. 945
عن عروة رواه البيهقي فالله أعلم أي ذلك كان. قال الزهري عن عروة فبلغنا أن رسول الله ﷺ عقل ابن الحضرميّ وحرم الشهر الحرام كما كان يحرمه حتى أنزل الله براءة رواه البيهقي.
قال ابن إسحاق: فقال أبو بكر الصديق في غزوة عبد الله بن جحش جوابا للمشركين فيما قالوا من إحلال الشهر الحرام. قال ابن هشام هي لعبد الله بن جحش:
تعدون قتلا في الحرام عظيمة … وأعظم منه لو يرى الرشد راشد
صدودكم عمّا يقول محمد … وكفر به والله راء وشاهد
وإخراجكم من مسجد الله أهله … لئلا يرى لله في البيت ساجد
فانّا وإن عيرتمونا بقتله … وأرجف بالإسلام باغ وحاسد
سقينا من ابن الحضرميّ رماحنا … ينخلة لما أوقد الحرب واقد
دما وابن عبد الله عثمان بيننا … ينازعه غل من القيد عاند
فصل في تحويل القبلة في سنة ثنتين من الهجرة قبل وقعة بدر
وقال بعضهم كان ذلك في رجب من سنة ثنتين وبه قال قتادة وزيد بن أسلم وهو رواية عن محمد بن إسحاق. وقد روى احمد عن ابن عباس ما يدل على ذلك وهو ظاهر حديث البراء بن عازب كما سيأتي والله أعلم. وقيل في شعبان منها. قال ابن إسحاق بعد غزوة عبد الله بن جحش:
ويقال صرفت القبلة في شعبان على رأس ثمانية عشر شهرا من مقدم رسول الله ﷺ المدينة وحكى هذا القول ابن جرير من طريق السدي فسنده عن ابن عباس وابن مسعود وناس من الصحابة. قال الجمهور الأعظم: إنما صرفت في النصف من شعبان على رأس ثمانية عشر شهرا من الهجرة. ثم حكى عن محمد بن سعد عن الواقدي أنها حولت يوم الثلاثاء النصف من شعبان، وفي هذا التحديد نظر والله أعلم. وقد تكلمنا على ذلك مستقصى في التفسير عند قوله تعالى ﴿قَدْ نَرى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّماءِ فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضاها فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ وَحَيْثُ ما كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ وَإِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ لَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ وَمَا اللهُ بِغافِلٍ عَمّا يَعْمَلُونَ﴾. وما قبلها وما بعدها من اعتراض سفهاء اليهود والمنافقين والجهلة الطغام على ذلك لانه أول نسخه وقع في الإسلام هذا وقد أحال الله قبل ذلك في سياق القرآن تقرير جواز النسخ عند قوله «ما ننسخ من آية، أو ننسؤها (١)» ﴿نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْها أَوْ مِثْلِها أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ وقد قال البخاري حدثنا أبو نعيم
стр. 946
سمع زهيرا عن أبى إسحاق عن البراء أن النبي ﷺ صلّى إلى بيت المقدس ستة عشر شهرا - أو سبعة عشر شهرا - وكان يعجبه أن تكون قبلته إلى البيت، وأنه صلّى أول صلاة صلاها إلى الكعبة العصر وصلّى معه قوم فخرج رجل ممن كان معه فمر على أهل مسجد وهم راكعون فقال: أشهد بالله لقد صليت مع النبي ﷺ قبل مكة فداروا كما هم قبل البيت، وكان الّذي مات على القبلة قبل أن تحول رجال قتلوا لم ندر ما نقول فيهم فانزل الله ﴿وَما كانَ اللهُ لِيُضِيعَ إِيمانَكُمْ إِنَّ اللهَ بِالنّاسِ لَرَؤُفٌ رَحِيمٌ﴾ رواه مسلم من وجه آخر. وقال ابن أبى حاتم حدثنا أبو زرعة حدثنا الحسن بن عطية حدثنا إسرائيل عن أبى إسحاق عن البراء. قال: كان رسول الله ﷺ قد صلّى نحو بيت المقدس ستة عشر - أو سبعة عشر - شهرا، وكان يحب أن يوجه نحو الكعبة فانزل الله ﴿قَدْ نَرى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّماءِ فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضاها فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ﴾. قال فوجه نحو الكعبة وقال السفهاء من الناس - وهم اليهود - ما ولاهم عن قبلتهم التي كانوا عليها. فانزل الله ﴿قُلْ لِلّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ يَهْدِي مَنْ يَشاءُ إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ وحاصل الأمر أن رسول الله ﷺ كان يصلى بمكة إلى بيت المقدس والكعبة بين يديه كما رواه الامام احمد عن ابن عباس ﵁، فلما هاجر إلى المدينة لم يمكنه أن يجمع بينهما فصلى إلى بيت المقدس أول مقدمه المدينة واستدبر الكعبة ستة عشر شهرا - أو سبعة عشر شهرا - وهذا يقتضي أن يكون ذلك إلى رجب من السنة الثانية والله أعلم. وكان ﵇ يحب أن يصرف قبلته نحو الكعبة قبلة إبراهيم وكان يكثر الدعاء والتضرع والابتهال إلى الله فكان مما يرفع يديه وطرفه إلى السماء سائلا ذلك فانزل الله ﴿قَدْ نَرى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّماءِ فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضاها فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ﴾ الآية. فلما نزل الأمر بتحويل القبلة خطب رسول الله ﷺ المسلمين وأعلمهم بذلك كما رواه النسائي عن أبى سعيد بن المعلى وأن ذلك كان وقت الظهر. وقال بعض الناس نزل تحويلها بين الصلاتين قاله مجاهد وغيره ويؤيد ذلك ما ثبت في الصحيحين عن البراء أن أول صلاة صلاها ﵇ إلى الكعبة بالمدينة العصر والعجب أن أهل قباء لم يبلغهم خبر ذلك إلى صلاة الصبح من اليوم الثاني كما ثبت في الصحيحين عن ابن عمر. قال: بينما الناس بقباء في صلاة الصبح إذ جاءهم آت فقال: إن رسول الله ﷺ قد أنزل عليه الليلة قرآن وقد أمر أن يستقبل الكعبة فاستقبلوها وكانت وجوههم إلى الشام فاستداروا إلى الكعبة، وفي صحيح مسلم عن أنس بن مالك نحو ذلك. والمقصود أنه لما نزل تحويل القبلة إلى الكعبة ونسخ به الله تعالى حكم الصلاة إلى بيت المقدس طعن طاعنون من السفهاء والجهلة والأغبياء قالوا ما ولا هم عن قبلتهم التي كانوا عليها هذا والكفرة من أهل الكتاب يعلمون أن ذلك من الله لما يجدونه من صفة محمد ﷺ في كتبهم من أن المدينة مهاجره وأنه سيؤمر
стр. 947
بالاستقبال إلى الكعبة كما قال ﴿وَإِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ لَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ﴾ الآية وقد أجابهم الله تعالى مع هذا كله عن سؤالهم، ونعتهم فقال ﴿سَيَقُولُ السُّفَهاءُ مِنَ النّاسِ ما وَلاّهُمْ عَنْ قِبْلَتِهِمُ الَّتِي كانُوا عَلَيْها قُلْ لِلّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ يَهْدِي مَنْ يَشاءُ إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ أي هو المالك المتصرف الحاكم الّذي لا معقب لحكمه الّذي يفعل ما يشاء في خلقه ويحكم ما يريد في شرعه وهو الّذي يهدى من يشاء الى صراط مستقيم ويضل من يشاء عن الطريق القويم وله في ذلك الحكمة التي يجب لها الرضا والتسليم ثم قال تعالى ﴿وَكَذلِكَ جَعَلْناكُمْ أُمَّةً وَسَطاً﴾ أي خيارا ﴿لِتَكُونُوا شُهَداءَ عَلَى النّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيداً﴾ أي وكما اخترنا لكم أفضل الجهات في صلاتكم وهديناكم إلى قبلة أبيكم إبراهيم والد الأنبياء بعد التي كان يصلى بها موسى فمن قبله من المرسلين كذلك جعلنا كم خيار الأمم وخلاصة العالم وأشرف الطوائف وأكرم التالد والطارف لتكونوا يوم القيامة شهداء على الناس لا جماعهم عليكم واشارتهم يومئذ بالفضيلة إليكم كما ثبت في صحيح البخاري عن أبى سعيد مرفوعا من استشهاد نوح بهذه الأمة يوم القيامة وإذا استشهد بهم نوح مع تقدم زمانه فمن بعده بطريق الاولى والأحرى. ثم قال تعالى مبينا حكمته في حلول نقمته بمن شك وارتاب بهذه الواقعة، وحلول نعمته على من صدق وتابع هذه الكائنة. فقال: ﴿وَما جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتِي كُنْتَ عَلَيْها إِلاّ لِنَعْلَمَ مَنْ يَتَّبِعُ الرَّسُولَ﴾. قال ابن عباس: إلا لنرى من يتبع الرسول ممن ينقلب على عقبيه، وإن كانت لكبيرة أي وان كانت هذه الكائنة العظيمة الموقع كبيرة المحل شديدة الأمر إلا على الّذي هدى الله أي فهم مؤمنون بها مصدقون لها لا يشكون ولا يرتابون بل يرضون ويؤمنون ويعملون لانهم عبيد للحاكم العظيم القادر المقتدر الحليم الخبير اللطيف العليم وقوله ﴿وَما كانَ اللهُ لِيُضِيعَ إِيمانَكُمْ﴾ أي بشرعته استقبال بيت المقدس والصلاة اليه ﴿إِنَّ اللهَ بِالنّاسِ لَرَؤُفٌ رَحِيمٌ﴾ والأحاديث والآثار في هذا كثيرة جدا يطول استقصاؤها وذلك مبسوط في التفسير وسنزيد ذلك بيانا في كتابنا الأحكام الكبير. وقد
روى الامام احمد حدثنا على بن عاصم حدثنا حصين بن عبد الرحمن عن عمرو بن قيس عن محمد بن الأشعث عن عائشة قالت قال رسول الله ﷺ يعنى في أهل الكتاب -: «إنهم لم يحسدونا على شيء كما يحسدوننا على يوم الجمعة التي هدانا الله اليها وضلوا عنها، وعلى القبلة التي هدانا الله لها وضلوا، وعلى قولنا خلف الامام آمين».
فصل في فريضة شهر رمضان سنة ثنتين قبل وقعة بدر
قال ابن جرير: وفي هذه السنة فرض صيام شهر رمضان وقد قيل إنه فرض في شعبان منها، ثم
стр. 948
حكى أن رسول الله ﷺ حين قدم المدينة وجد اليهود يصومون يوم عاشوراء فسألهم عنه فقالوا هذا يوم نجى الله فيه موسى. فقال: «نحن أحق بموسى منكم» فصامه وأمر الناس بصيامه، وهذا الحديث ثابت في الصحيحين عن ابن عباس وقد قال الله تعالى ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيامُ كَما كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ * أَيّاماً مَعْدُوداتٍ فَمَنْ كانَ مِنْكُمْ مَرِيضاً أَوْ عَلى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيّامٍ أُخَرَ وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعامُ مِسْكِينٍ فَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْراً فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ، * شَهْرُ رَمَضانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدىً لِلنّاسِ وَبَيِّناتٍ مِنَ الْهُدى وَالْفُرْقانِ فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ وَمَنْ كانَ مَرِيضاً أَوْ عَلى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيّامٍ أُخَرَ﴾ الآية وقد تكلمنا على ذلك في التفسير بما فيه كفاية من إيراد الأحاديث المتعلقة بذلك والآثار المروية في ذلك والأحكام المستفادة منه ولله الحمد.
وقد قال الامام احمد حدثنا أبو النضر حدثنا المسعودي حدثنا عمرو بن مرة عن عبد الرحمن ابن أبى ليلى عن معاذ بن جبل. قال: احيلت الصلاة ثلاثة أحوال، وأحيل الصيام ثلاثة أحوال فذكر أحوال الصلاة. قال وأما أحوال الصيام فان رسول الله ﷺ قدم المدينة فجعل يصوم من كل شهر ثلاثة أيام، وصام عاشوراء ثم إن الله فرض عام الصيام وأنزل ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيامُ كَما كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾ إلى قوله ﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعامُ مِسْكِينٍ﴾ فكان من شاء صام ومن شاء أطعم مسكينا فاجزأ ذلك عنه، ثم إن الله أنزل الآية الأخرى ﴿شَهْرُ رَمَضانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ﴾ إلى قوله ﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾ فاثبت صيامه على المقيم الصحيح ورخص فيه للمريض والمسافر وأثبت الإطعام للكبير الّذي لا يستطيع الصيام فهذان حولان. قال وكانوا يأكلون ويشربون ويأتون النساء ما لم يناموا، فإذا ناموا امتنعوا. ثم
إن رجلا من الأنصار يقال له صرمة كان يعمل صائما حتى أمسى فجاء إلى أهله فصلى العشاء ثم نام فلم يأكل ولم يشرب حتى أصبح فأصبح صائما، فرآه رسول الله ﷺ قد جهد جهدا شديدا فقال: «ما لي أراك قد جهدت جهدا شديدا» فأخبره، قال وكان عمر قد أصاب من النساء بعد ما نام فأتى رسول الله ﷺ فذكر ذلك له فانزل الله ﴿أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيامِ الرَّفَثُ إِلى نِسائِكُمْ هُنَّ لِباسٌ لَكُمْ﴾ إلى قوله ﴿ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيامَ إِلَى اللَّيْلِ﴾. ورواه أبو داود في سننه والحاكم في مستدركه من حديث المسعودي نحوه وفي الصحيحين من حديث الزهري عن عروة عن عائشة أنها قالت: كان عاشوراء يصام، فلما نزل رمضان كان من شاء صام ومن شاء أفطر. وللبخاريّ عن ابن عمرو ابن مسعود مثله. ولتحرير هذا، موضع آخر من التفسير ومن الأحكام الكبير وبالله المستعان.
قال ابن جرير: وفي هذه السنة أمر الناس بزكاة الفطر، وقد قيل إن رسول الله ﷺ خطب
стр. 949
الناس قبل الفطر بيوم - أو يومين - وأمرهم بذلك. قال وفيها صلى النبي ﷺ صلاة العيد وخرج بالناس إلى المصلى فكان أول صلاة عيد صلاها وخرجوا بين يديه بالحربة وكانت للزبير وهبها له النجاشي فكانت تحمل بين يدي رسول الله ﷺ في الأعياد.
قلت: وفي هذه السنة فيما ذكره غير واحد من المتأخرين فرضت الزكاة ذات النصب كما سيأتي تفصيل ذلك كله بعد وقعة بدر إن شاء الله تعالى وبه الثقة وعليه التكلان ولا حول ولا قوة إلا بالله العلى العظيم (١).
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
غزوة بدر العظمى * يوم الفرقان يوم التقى الجمعان
قال الله تعالى ﴿وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللهُ بِبَدْرٍ وَأَنْتُمْ أَذِلَّةٌ فَاتَّقُوا اللهَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ وقال الله تعالى ﴿كَما أَخْرَجَكَ رَبُّكَ مِنْ بَيْتِكَ بِالْحَقِّ وَإِنَّ فَرِيقاً مِنَ الْمُؤْمِنِينَ لَكارِهُونَ * يُجادِلُونَكَ فِي الْحَقِّ بَعْدَ ما تَبَيَّنَ كَأَنَّما يُساقُونَ إِلَى الْمَوْتِ وَهُمْ يَنْظُرُونَ * وَإِذْ يَعِدُكُمُ اللهُ إِحْدَى الطّائِفَتَيْنِ أَنَّها لَكُمْ وَتَوَدُّونَ أَنَّ غَيْرَ ذاتِ الشَّوْكَةِ تَكُونُ لَكُمْ وَيُرِيدُ اللهُ أَنْ يُحِقَّ الْحَقَّ بِكَلِماتِهِ وَيَقْطَعَ دابِرَ الْكافِرِينَ * لِيُحِقَّ الْحَقَّ وَيُبْطِلَ الْباطِلَ وَلَوْ كَرِهَ الْمُجْرِمُونَ﴾ وما بعدها إلى تمام القصة من سورة الأنفال وقد تكلمنا عليها هنالك وسنورد هاهنا في كل موضع ما يناسبه.
قال ابن إسحاق ﵀ بعد ذكره سرية عبد الله بن جحش: ثم إن رسول الله ﷺ سمع بابي سفيان صخر بن حرب مقبلا من الشام في عير لقريش عظيمة فيها أموال وتجارة وفيها ثلاثون رجلا - أو أربعون - منهم مخرمة بن نوفل وعمرو بن العاص. قال موسى بن عقبة عن الزهري كان ذلك بعد مقتل ابن الحضرميّ بشهرين، قال وكان في العير ألف بعير تحمل أموال قريش بأسرها إلا حويطب بن عبد العزى فلهذا تخلف عن بدر.
قال ابن إسحاق: فحدثني محمد بن مسلم بن شهاب وعاصم بن عمر بن قتادة وعبد الله بن أبى بكر ويزيد بن رومان عن عروة بن الزبير وغيرهم من علمائنا عن ابن عباس كل قد حدثني بعض الحديث فاجتمع حديثهم فيما سقت من حديث بدر قالوا: لما سمع رسول الله ﷺ بابي سفيان مقبلا من الشام ندب المسلمين اليهم وقال: «هذه عير قريش فيها أموالهم فاخرجوا اليها لعل الله ينفلكموها فانتدب الناس فخفف بعضهم وثقل بعض وذلك أنهم لم يظنوا أن رسول الله ﷺ يلقى حربا، وكان أبو
стр. 950
سفيان حين دنا من الحجاز يتجسس (١) من لقي من الركبان تخوفا على أموال (٢) الناس حتى أصاب خبرا من بعض الركبان أن محمدا قد استنفر أصحابه لك ولعيرك فحذر عند ذلك فاستأجر ضمضم بن عمرو الغفاريّ فبعثه إلى مكة وأمره أن يأتى قريشا فيستنفرهم إلى أموالهم ويخبرهم أن محمدا قد عرض لها في أصحابه، فخرج ضمضم بن عمرو سريعا إلى مكة. قال ابن إسحاق: فحدثني من لا أتهم عن عكرمة عن ابن عباس ويزيد بن رومان عن عروة بن الزبير. قالا: وقد رأت عاتكة بنت عبد المطلب قبل قدوم ضمضم إلى مكة بثلاث ليال رؤيا افزعتها فبعثت إلى أخيها العباس بن عبد المطلب فقالت له يا أخى والله لقد رأيت الليلة رؤيا أفظعتنى وتخوفت أن يدخل على قومك منها شر ومصيبة فأكتم على ما أحدثك، قال لها وما رأيت؟ قالت رأيت راكبا أقبل على بعير له حتى وقف بالأبطح ثم صرخ بأعلى صوته ألا انفروا يا آل غدر لمصارعكم في ثلاث، فأرى الناس اجتمعوا اليه ثم دخل المسجد والناس يتبعونه فبينما هم حوله مثل به بعيره على ظهر الكعبة ثم صرخ بمثلها.
ألا انفروا يا آل غدر لمصارعكم في ثلاث ثم مثل به بعيره على رأس أبى قبيس فصرخ بمثلها ثم أخذ صخرة فأرسلها فأقبلت تهوى حتى إذا كانت بأسفل الجبل ارفضت فما بقي بيت من بيوت مكة ولا دار إلا دخلتها منها فلقة. قال العباس: والله إن هذه لرؤيا وأنت فاكتميها لا تذكيرها لأحد، ثم خرج العباس فلقى الوليد بن عتبة - وكان له صديقا - فذكرها له واستكتمه إياها فذكرها الوليد لابنه عتبة ففشا الحديث حتى تحدثت به قريش، قال العباس فغدوت لأطوف بالبيت وأبو جهل ابن هشام في رهط من قريش قعود يتحدثون برؤيا عاتكة، فلما رآني أبو جهل قال يا أبا الفضل إذا فرغت من طوافك فاقبل إلينا، فلما فرغت أقبلت حتى جلست معهم فقال أبو جهل: يا بنى عبد المطلب متى حدثت فيكم هذه النبية؟ قال قلت وما ذاك؟ قال تلك الرؤيا التي رأت عاتكة قال قلت وما رأت؟ قال يا بنى عبد المطلب أما رضيتم أن يتنبأ رجالكم حتى تتنبأ نساؤكم!! قد زعمت عاتكة في رؤياها أنه قال انفروا في ثلاث فسنتربص بكم هذه الثلاث فان يك حقا ما تقول فسيكون، وإن تمض الثلاث ولم يكن من ذلك شيء نكتب عليكم كتابا أنكم أكذب أهل بيت في العرب، قال العباس فو الله ما كان منى اليه كبير شيء إلا أنى جحدت ذلك وأنكرت أن تكون رأت شيئا، قال ثم تفرقنا فلما أمسيت لم تبق امرأة من بنى عبد المطلب إلا أتتنى فقالت أقررتم لهذا الفاسق الخبيث أن يقع في رجالكم، ثم قد تناول النساء وأنت تسمع، ثم لم يكن عندك غيرة لشيء مما سمعت؟ قال قلت قد والله فعلت ما كان منى اليه من كبير، وايم الله لأتعرضن له فإذا عاد