سمع زهيرا عن أبى إسحاق عن البراء أن النبي ﷺ صلّى إلى بيت المقدس ستة عشر شهرا - أو سبعة عشر شهرا - وكان يعجبه أن تكون قبلته إلى البيت، وأنه صلّى أول صلاة صلاها إلى الكعبة العصر وصلّى معه قوم فخرج رجل ممن كان معه فمر على أهل مسجد وهم راكعون فقال: أشهد بالله لقد صليت مع النبي ﷺ قبل مكة فداروا كما هم قبل البيت، وكان الّذي مات على القبلة قبل أن تحول رجال قتلوا لم ندر ما نقول فيهم فانزل الله ﴿وَما كانَ اللهُ لِيُضِيعَ إِيمانَكُمْ إِنَّ اللهَ بِالنّاسِ لَرَؤُفٌ رَحِيمٌ﴾ رواه مسلم من وجه آخر. وقال ابن أبى حاتم حدثنا أبو زرعة حدثنا الحسن بن عطية حدثنا إسرائيل عن أبى إسحاق عن البراء. قال: كان رسول الله ﷺ قد صلّى نحو بيت المقدس ستة عشر - أو سبعة عشر - شهرا، وكان يحب أن يوجه نحو الكعبة فانزل الله ﴿قَدْ نَرى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّماءِ فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضاها فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ﴾. قال فوجه نحو الكعبة وقال السفهاء من الناس - وهم اليهود - ما ولاهم عن قبلتهم التي كانوا عليها. فانزل الله ﴿قُلْ لِلّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ يَهْدِي مَنْ يَشاءُ إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ وحاصل الأمر أن رسول الله ﷺ كان يصلى بمكة إلى بيت المقدس والكعبة بين يديه كما رواه الامام احمد عن ابن عباس ﵁، فلما هاجر إلى المدينة لم يمكنه أن يجمع بينهما فصلى إلى بيت المقدس أول مقدمه المدينة واستدبر الكعبة ستة عشر شهرا - أو سبعة عشر شهرا - وهذا يقتضي أن يكون ذلك إلى رجب من السنة الثانية والله أعلم. وكان ﵇ يحب أن يصرف قبلته نحو الكعبة قبلة إبراهيم وكان يكثر الدعاء والتضرع والابتهال إلى الله فكان مما يرفع يديه وطرفه إلى السماء سائلا ذلك فانزل الله ﴿قَدْ نَرى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّماءِ فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضاها فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ﴾ الآية. فلما نزل الأمر بتحويل القبلة خطب رسول الله ﷺ المسلمين وأعلمهم بذلك كما رواه النسائي عن أبى سعيد بن المعلى وأن ذلك كان وقت الظهر. وقال بعض الناس نزل تحويلها بين الصلاتين قاله مجاهد وغيره ويؤيد ذلك ما ثبت في الصحيحين عن البراء أن أول صلاة صلاها ﵇ إلى الكعبة بالمدينة العصر والعجب أن أهل قباء لم يبلغهم خبر ذلك إلى صلاة الصبح من اليوم الثاني كما ثبت في الصحيحين عن ابن عمر. قال: بينما الناس بقباء في صلاة الصبح إذ جاءهم آت فقال: إن رسول الله ﷺ قد أنزل عليه الليلة قرآن وقد أمر أن يستقبل الكعبة فاستقبلوها وكانت وجوههم إلى الشام فاستداروا إلى الكعبة، وفي صحيح مسلم عن أنس بن مالك نحو ذلك. والمقصود أنه لما نزل تحويل القبلة إلى الكعبة ونسخ به الله تعالى حكم الصلاة إلى بيت المقدس طعن طاعنون من السفهاء والجهلة والأغبياء قالوا ما ولا هم عن قبلتهم التي كانوا عليها هذا والكفرة من أهل الكتاب يعلمون أن ذلك من الله لما يجدونه من صفة محمد ﷺ في كتبهم من أن المدينة مهاجره وأنه سيؤمر
стр. 947
بالاستقبال إلى الكعبة كما قال ﴿وَإِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ لَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ﴾ الآية وقد أجابهم الله تعالى مع هذا كله عن سؤالهم، ونعتهم فقال ﴿سَيَقُولُ السُّفَهاءُ مِنَ النّاسِ ما وَلاّهُمْ عَنْ قِبْلَتِهِمُ الَّتِي كانُوا عَلَيْها قُلْ لِلّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ يَهْدِي مَنْ يَشاءُ إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ أي هو المالك المتصرف الحاكم الّذي لا معقب لحكمه الّذي يفعل ما يشاء في خلقه ويحكم ما يريد في شرعه وهو الّذي يهدى من يشاء الى صراط مستقيم ويضل من يشاء عن الطريق القويم وله في ذلك الحكمة التي يجب لها الرضا والتسليم ثم قال تعالى ﴿وَكَذلِكَ جَعَلْناكُمْ أُمَّةً وَسَطاً﴾ أي خيارا ﴿لِتَكُونُوا شُهَداءَ عَلَى النّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيداً﴾ أي وكما اخترنا لكم أفضل الجهات في صلاتكم وهديناكم إلى قبلة أبيكم إبراهيم والد الأنبياء بعد التي كان يصلى بها موسى فمن قبله من المرسلين كذلك جعلنا كم خيار الأمم وخلاصة العالم وأشرف الطوائف وأكرم التالد والطارف لتكونوا يوم القيامة شهداء على الناس لا جماعهم عليكم واشارتهم يومئذ بالفضيلة إليكم كما ثبت في صحيح البخاري عن أبى سعيد مرفوعا من استشهاد نوح بهذه الأمة يوم القيامة وإذا استشهد بهم نوح مع تقدم زمانه فمن بعده بطريق الاولى والأحرى. ثم قال تعالى مبينا حكمته في حلول نقمته بمن شك وارتاب بهذه الواقعة، وحلول نعمته على من صدق وتابع هذه الكائنة. فقال: ﴿وَما جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتِي كُنْتَ عَلَيْها إِلاّ لِنَعْلَمَ مَنْ يَتَّبِعُ الرَّسُولَ﴾. قال ابن عباس: إلا لنرى من يتبع الرسول ممن ينقلب على عقبيه، وإن كانت لكبيرة أي وان كانت هذه الكائنة العظيمة الموقع كبيرة المحل شديدة الأمر إلا على الّذي هدى الله أي فهم مؤمنون بها مصدقون لها لا يشكون ولا يرتابون بل يرضون ويؤمنون ويعملون لانهم عبيد للحاكم العظيم القادر المقتدر الحليم الخبير اللطيف العليم وقوله ﴿وَما كانَ اللهُ لِيُضِيعَ إِيمانَكُمْ﴾ أي بشرعته استقبال بيت المقدس والصلاة اليه ﴿إِنَّ اللهَ بِالنّاسِ لَرَؤُفٌ رَحِيمٌ﴾ والأحاديث والآثار في هذا كثيرة جدا يطول استقصاؤها وذلك مبسوط في التفسير وسنزيد ذلك بيانا في كتابنا الأحكام الكبير. وقد
روى الامام احمد حدثنا على بن عاصم حدثنا حصين بن عبد الرحمن عن عمرو بن قيس عن محمد بن الأشعث عن عائشة قالت قال رسول الله ﷺ يعنى في أهل الكتاب -: «إنهم لم يحسدونا على شيء كما يحسدوننا على يوم الجمعة التي هدانا الله اليها وضلوا عنها، وعلى القبلة التي هدانا الله لها وضلوا، وعلى قولنا خلف الامام آمين».
فصل في فريضة شهر رمضان سنة ثنتين قبل وقعة بدر
قال ابن جرير: وفي هذه السنة فرض صيام شهر رمضان وقد قيل إنه فرض في شعبان منها، ثم
стр. 948
حكى أن رسول الله ﷺ حين قدم المدينة وجد اليهود يصومون يوم عاشوراء فسألهم عنه فقالوا هذا يوم نجى الله فيه موسى. فقال: «نحن أحق بموسى منكم» فصامه وأمر الناس بصيامه، وهذا الحديث ثابت في الصحيحين عن ابن عباس وقد قال الله تعالى ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيامُ كَما كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ * أَيّاماً مَعْدُوداتٍ فَمَنْ كانَ مِنْكُمْ مَرِيضاً أَوْ عَلى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيّامٍ أُخَرَ وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعامُ مِسْكِينٍ فَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْراً فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ، * شَهْرُ رَمَضانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدىً لِلنّاسِ وَبَيِّناتٍ مِنَ الْهُدى وَالْفُرْقانِ فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ وَمَنْ كانَ مَرِيضاً أَوْ عَلى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيّامٍ أُخَرَ﴾ الآية وقد تكلمنا على ذلك في التفسير بما فيه كفاية من إيراد الأحاديث المتعلقة بذلك والآثار المروية في ذلك والأحكام المستفادة منه ولله الحمد.
وقد قال الامام احمد حدثنا أبو النضر حدثنا المسعودي حدثنا عمرو بن مرة عن عبد الرحمن ابن أبى ليلى عن معاذ بن جبل. قال: احيلت الصلاة ثلاثة أحوال، وأحيل الصيام ثلاثة أحوال فذكر أحوال الصلاة. قال وأما أحوال الصيام فان رسول الله ﷺ قدم المدينة فجعل يصوم من كل شهر ثلاثة أيام، وصام عاشوراء ثم إن الله فرض عام الصيام وأنزل ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيامُ كَما كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾ إلى قوله ﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعامُ مِسْكِينٍ﴾ فكان من شاء صام ومن شاء أطعم مسكينا فاجزأ ذلك عنه، ثم إن الله أنزل الآية الأخرى ﴿شَهْرُ رَمَضانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ﴾ إلى قوله ﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾ فاثبت صيامه على المقيم الصحيح ورخص فيه للمريض والمسافر وأثبت الإطعام للكبير الّذي لا يستطيع الصيام فهذان حولان. قال وكانوا يأكلون ويشربون ويأتون النساء ما لم يناموا، فإذا ناموا امتنعوا. ثم
إن رجلا من الأنصار يقال له صرمة كان يعمل صائما حتى أمسى فجاء إلى أهله فصلى العشاء ثم نام فلم يأكل ولم يشرب حتى أصبح فأصبح صائما، فرآه رسول الله ﷺ قد جهد جهدا شديدا فقال: «ما لي أراك قد جهدت جهدا شديدا» فأخبره، قال وكان عمر قد أصاب من النساء بعد ما نام فأتى رسول الله ﷺ فذكر ذلك له فانزل الله ﴿أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيامِ الرَّفَثُ إِلى نِسائِكُمْ هُنَّ لِباسٌ لَكُمْ﴾ إلى قوله ﴿ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيامَ إِلَى اللَّيْلِ﴾. ورواه أبو داود في سننه والحاكم في مستدركه من حديث المسعودي نحوه وفي الصحيحين من حديث الزهري عن عروة عن عائشة أنها قالت: كان عاشوراء يصام، فلما نزل رمضان كان من شاء صام ومن شاء أفطر. وللبخاريّ عن ابن عمرو ابن مسعود مثله. ولتحرير هذا، موضع آخر من التفسير ومن الأحكام الكبير وبالله المستعان.
قال ابن جرير: وفي هذه السنة أمر الناس بزكاة الفطر، وقد قيل إن رسول الله ﷺ خطب
стр. 949
الناس قبل الفطر بيوم - أو يومين - وأمرهم بذلك. قال وفيها صلى النبي ﷺ صلاة العيد وخرج بالناس إلى المصلى فكان أول صلاة عيد صلاها وخرجوا بين يديه بالحربة وكانت للزبير وهبها له النجاشي فكانت تحمل بين يدي رسول الله ﷺ في الأعياد.
قلت: وفي هذه السنة فيما ذكره غير واحد من المتأخرين فرضت الزكاة ذات النصب كما سيأتي تفصيل ذلك كله بعد وقعة بدر إن شاء الله تعالى وبه الثقة وعليه التكلان ولا حول ولا قوة إلا بالله العلى العظيم (١).
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
غزوة بدر العظمى * يوم الفرقان يوم التقى الجمعان
قال الله تعالى ﴿وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللهُ بِبَدْرٍ وَأَنْتُمْ أَذِلَّةٌ فَاتَّقُوا اللهَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ وقال الله تعالى ﴿كَما أَخْرَجَكَ رَبُّكَ مِنْ بَيْتِكَ بِالْحَقِّ وَإِنَّ فَرِيقاً مِنَ الْمُؤْمِنِينَ لَكارِهُونَ * يُجادِلُونَكَ فِي الْحَقِّ بَعْدَ ما تَبَيَّنَ كَأَنَّما يُساقُونَ إِلَى الْمَوْتِ وَهُمْ يَنْظُرُونَ * وَإِذْ يَعِدُكُمُ اللهُ إِحْدَى الطّائِفَتَيْنِ أَنَّها لَكُمْ وَتَوَدُّونَ أَنَّ غَيْرَ ذاتِ الشَّوْكَةِ تَكُونُ لَكُمْ وَيُرِيدُ اللهُ أَنْ يُحِقَّ الْحَقَّ بِكَلِماتِهِ وَيَقْطَعَ دابِرَ الْكافِرِينَ * لِيُحِقَّ الْحَقَّ وَيُبْطِلَ الْباطِلَ وَلَوْ كَرِهَ الْمُجْرِمُونَ﴾ وما بعدها إلى تمام القصة من سورة الأنفال وقد تكلمنا عليها هنالك وسنورد هاهنا في كل موضع ما يناسبه.
قال ابن إسحاق ﵀ بعد ذكره سرية عبد الله بن جحش: ثم إن رسول الله ﷺ سمع بابي سفيان صخر بن حرب مقبلا من الشام في عير لقريش عظيمة فيها أموال وتجارة وفيها ثلاثون رجلا - أو أربعون - منهم مخرمة بن نوفل وعمرو بن العاص. قال موسى بن عقبة عن الزهري كان ذلك بعد مقتل ابن الحضرميّ بشهرين، قال وكان في العير ألف بعير تحمل أموال قريش بأسرها إلا حويطب بن عبد العزى فلهذا تخلف عن بدر.
قال ابن إسحاق: فحدثني محمد بن مسلم بن شهاب وعاصم بن عمر بن قتادة وعبد الله بن أبى بكر ويزيد بن رومان عن عروة بن الزبير وغيرهم من علمائنا عن ابن عباس كل قد حدثني بعض الحديث فاجتمع حديثهم فيما سقت من حديث بدر قالوا: لما سمع رسول الله ﷺ بابي سفيان مقبلا من الشام ندب المسلمين اليهم وقال: «هذه عير قريش فيها أموالهم فاخرجوا اليها لعل الله ينفلكموها فانتدب الناس فخفف بعضهم وثقل بعض وذلك أنهم لم يظنوا أن رسول الله ﷺ يلقى حربا، وكان أبو
стр. 950
سفيان حين دنا من الحجاز يتجسس (١) من لقي من الركبان تخوفا على أموال (٢) الناس حتى أصاب خبرا من بعض الركبان أن محمدا قد استنفر أصحابه لك ولعيرك فحذر عند ذلك فاستأجر ضمضم بن عمرو الغفاريّ فبعثه إلى مكة وأمره أن يأتى قريشا فيستنفرهم إلى أموالهم ويخبرهم أن محمدا قد عرض لها في أصحابه، فخرج ضمضم بن عمرو سريعا إلى مكة. قال ابن إسحاق: فحدثني من لا أتهم عن عكرمة عن ابن عباس ويزيد بن رومان عن عروة بن الزبير. قالا: وقد رأت عاتكة بنت عبد المطلب قبل قدوم ضمضم إلى مكة بثلاث ليال رؤيا افزعتها فبعثت إلى أخيها العباس بن عبد المطلب فقالت له يا أخى والله لقد رأيت الليلة رؤيا أفظعتنى وتخوفت أن يدخل على قومك منها شر ومصيبة فأكتم على ما أحدثك، قال لها وما رأيت؟ قالت رأيت راكبا أقبل على بعير له حتى وقف بالأبطح ثم صرخ بأعلى صوته ألا انفروا يا آل غدر لمصارعكم في ثلاث، فأرى الناس اجتمعوا اليه ثم دخل المسجد والناس يتبعونه فبينما هم حوله مثل به بعيره على ظهر الكعبة ثم صرخ بمثلها.
ألا انفروا يا آل غدر لمصارعكم في ثلاث ثم مثل به بعيره على رأس أبى قبيس فصرخ بمثلها ثم أخذ صخرة فأرسلها فأقبلت تهوى حتى إذا كانت بأسفل الجبل ارفضت فما بقي بيت من بيوت مكة ولا دار إلا دخلتها منها فلقة. قال العباس: والله إن هذه لرؤيا وأنت فاكتميها لا تذكيرها لأحد، ثم خرج العباس فلقى الوليد بن عتبة - وكان له صديقا - فذكرها له واستكتمه إياها فذكرها الوليد لابنه عتبة ففشا الحديث حتى تحدثت به قريش، قال العباس فغدوت لأطوف بالبيت وأبو جهل ابن هشام في رهط من قريش قعود يتحدثون برؤيا عاتكة، فلما رآني أبو جهل قال يا أبا الفضل إذا فرغت من طوافك فاقبل إلينا، فلما فرغت أقبلت حتى جلست معهم فقال أبو جهل: يا بنى عبد المطلب متى حدثت فيكم هذه النبية؟ قال قلت وما ذاك؟ قال تلك الرؤيا التي رأت عاتكة قال قلت وما رأت؟ قال يا بنى عبد المطلب أما رضيتم أن يتنبأ رجالكم حتى تتنبأ نساؤكم!! قد زعمت عاتكة في رؤياها أنه قال انفروا في ثلاث فسنتربص بكم هذه الثلاث فان يك حقا ما تقول فسيكون، وإن تمض الثلاث ولم يكن من ذلك شيء نكتب عليكم كتابا أنكم أكذب أهل بيت في العرب، قال العباس فو الله ما كان منى اليه كبير شيء إلا أنى جحدت ذلك وأنكرت أن تكون رأت شيئا، قال ثم تفرقنا فلما أمسيت لم تبق امرأة من بنى عبد المطلب إلا أتتنى فقالت أقررتم لهذا الفاسق الخبيث أن يقع في رجالكم، ثم قد تناول النساء وأنت تسمع، ثم لم يكن عندك غيرة لشيء مما سمعت؟ قال قلت قد والله فعلت ما كان منى اليه من كبير، وايم الله لأتعرضن له فإذا عاد
стр. 951
لأكفينكه، قال فغدوت في اليوم الثالث من رؤيا عاتكة وأنا حديد مغضب أرى أنى قد فاتنى منه أمر أحب أن أدركه منه. قال فدخلت المسجد فرأيته فو الله إني لأمشي نحوه أتعرضه ليعود لبعض ما قال فاقع به، وكان رجلا خفيفا حديد الوجه حديد اللسان حديد النظر، قال: إذ خرج نحو باب المسجد يشتد، قال قلت في نفسي ماله لعنه الله أكل هذا فرق منى أن أشاتمه؟! وإذا هو قد سمع ما لم أسمع صوت ضمضم بن عمرو الغفاريّ وهو يصرخ ببطن الوادي واقفا على بعيره قد جدع بعيره وحول رحله وشق قميصه وهو يقول: يا معشر قريش اللطيمة اللطيمة، أموالكم مع أبى سفيان قد عرض لها محمد في أصحابه لا أرى أن تدركوها، الغوث الغوث. قال فشغلني عنه وشغله عنى ما جاء من الأمر، فتجهز الناس سراعا وقلوا أيظن محمد وأصحابه أن تكون كعير ابن الحضرميّ؟ والله ليعلمن غير ذلك. وذكر موسى بن عقبة رؤيا عاتكة كنحو من سياق ابن إسحاق. قال فلما جاء ضمضم بن عمرو على تلك الصفة خافوا من رؤيا عاتكة فخرجوا على الصعب والذلول.
قال ابن إسحاق: فكانوا بين رجلين إما خارج وإما باعث مكانه رجلا، وأوعبت قريش فلم يتخلف من اشرافها أحد الا ان أبا لهب بن عبد المطلب بعث مكانه العاصي بن هشام بن المغيرة استأجره بأربعة آلاف درهم كانت له عليه قد أفلس بها. قال ابن إسحاق: وحدثني ابن أبى نجيح أن أمية بن خلف كان قد أجمع القعود وكان شيخا جليلا جسيما ثقيلا، فأتاه عقبة بن أبى معيط وهو جالس في المسجد بين ظهراني قومه بمجمرة يحملها فيها نار ومجمر حتى وضعها بين يديه ثم قال: يا أبا على استجمر فإنما أنت من النساء قال قبحك الله وقبح ما جئت به، قال ثم تجهز وخرج مع الناس هكذا قال ابن إسحاق في هذه القصة. وقد رواها البخاري على نحو آخر فقال حدثني احمد بن عثمان حدثنا شريح بن مسلمة ثنا إبراهيم بن يوسف عن أبيه عن أبى إسحاق حدثني عمرو بن ميمون أنه سمع عبد الله بن مسعود حدث عن سعد بن معاذ أنه كان صديقا لامية بن خلف وكان أمية إذا مر بالمدينة نزل على سعد بن معاذ وكان سعد إذا مر بمكة نزل على أمية، فلما قدم رسول الله ﷺ المدينة انطلق سعد بن معاذ معتمرا فنزل على أمية بمكة، قال سعد لامية انظر لي ساعة خلوة لعلى أطوف بالبيت، فخرج به قريبا من نصف النهار فلقيهما أبو جهل، فقال يا صفوان من هذا معك؟ قال هذا سعد. قال له أبو جهل: ألا أراك تطوف بمكة آمنا وقد أويتم الصباة وزعمتم أنكم تنصرونهم وتعينونهم أما والله لولا أنك مع أبى صفوان ما رجعت إلى أهلك سالما، فقال له سعد - ورفع صوته عليه - أما والله لئن منعتني هذا لامنعنك ما هو أشد عليك منه طريقك على المدينة.
فقال له أمية لا ترفع صوتك يا سعد على أبى الحكم فإنه سيد أهل الوادي، قال سعد دعنا عنك يا أمية فو الله لقد سمعت رسول الله ﷺ يقول: «إنهم قاتلوك» قال بمكة؟ قال لا أدرى؟ ففزع لذلك أمية فزعا شديدا
стр. 952
فلما رجع إلى أهله قال يا أم صفوان ألم ترى ما قال لي سعد؟ قالت وما قال لك قال زعم أن محمدا أخبرهم أنهم قاتلي، فقلت له بمكة. قال: لا أدرى. فقال أمية والله لا أخرج من مكة فلما كان يوم بدر. استنفر أبو جهل الناس فقال أدركوا عيركم، فكره أمية أن يخرج فأتاه أبو جهل فقال يا أبا صفوان إنك متى يراك الناس قد تخلفت وأنت سيد أهل الوادي تخلفوا معك، فلم يزل به أبو جهل حتى قال أما إذ عبتنى فو الله لاشترين أجود بعير بمكة، ثم قال أمية يا أم صفوان جهزينى فقالت له يا أبا صفوان وقد نسيت ما قال لك أخوك اليثربي قال لا وما أريد أن أجوز معهم إلا قريبا، فلما خرج أمية أخذ لا ينزل منزلا الا عقل بعيره فلم يزل كذلك حتى قتله الله ببدر. وقد رواه البخاري في موضع آخر عن محمد بن إسحاق عن عبيد الله بن موسى عن إسرائيل عن أبى إسحاق به نحوه، تفرد به البخاري. وقد رواه الامام احمد عن خلف بن الوليد وعن أبى سعيد كلاهما عن إسرائيل وفي رواية إسرائيل قالت له امرأته: والله إن محمدا لا يكذب.
قال ابن إسحاق: ولما فرغوا من جهازهم وأجمعوا المسير ذكروا ما كانوا بينهم وبين بنى بكر ابن عبد مناة بن كنانة من الحرب. فقالوا إنا نخشى أن يأتونا من خلفنا وكانت الحرب التي كانت بين قريش وبين بنى بكر في ابن لحفص بن الاخيف من بنى عامر بن لؤيّ قتله رجل من بنى بكر بإشارة عامر بن يزيد بن عامر بن الملوح، ثم أخذ بثأره أخوه مكرز بن حفص فقتل عامرا وخاض بسيفه في بطنه ثم جاء من الليل فعلقه بأستار الكعبة فخافوهم بسبب ذلك الّذي وقع بينهم.
قال ابن إسحاق: فحدثني يزيد بن رومان عن عروة بن الزبير قال لما أجمعت قريش المسير ذكرت الّذي كان بينها وبين بنى بكر فكاد ذلك أن يثنيهم، فتبدى لهم إبليس في صورة سراقة ابن مالك بن جعشم المدلجي وكان من أشراف بنى كنانة. فقال: أنا لكم جار من أن تأتيكم كنانة من خلفكم بشيء تكرهونه، فخرجوا سراعا. قلت: وهذا معنى قوله تعالى ﴿وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيارِهِمْ بَطَراً وَرِئاءَ النّاسِ وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللهِ وَاللهُ بِما يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ، * وَإِذْ زَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطانُ أَعْمالَهُمْ وَقالَ لا غالِبَ لَكُمُ الْيَوْمَ مِنَ النّاسِ وَإِنِّي جارٌ لَكُمْ فَلَمّا تَراءَتِ الْفِئَتانِ نَكَصَ عَلى عَقِبَيْهِ وَقالَ إِنِّي بَرِيءٌ مِنْكُمْ إِنِّي أَرى ما لا تَرَوْنَ إِنِّي أَخافُ اللهَ وَاللهُ شَدِيدُ الْعِقابِ﴾ غرهم لعنه الله حتى ساروا وسار معهم منزلة منزلة ومعه جنوده وراياته كما قاله غير واحد منهم، فأسلمهم لمصارعهم.
فلما رأى الجد والملائكة تنزل للنصر وعاين جبريل نكص على عقبيه وقال إني بريء منكم إني أرى ما لا ترون إني أخاف الله. وهذا كقوله تعالى ﴿كَمَثَلِ الشَّيْطانِ إِذْ قالَ لِلْإِنْسانِ اُكْفُرْ فَلَمّا كَفَرَ قالَ إِنِّي بَرِيءٌ مِنْكَ إِنِّي أَخافُ اللهَ رَبَّ الْعالَمِينَ﴾ وقد قال الله تعالى ﴿وَقُلْ جاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْباطِلُ إِنَّ الْباطِلَ كانَ زَهُوقاً﴾ فإبليس لعنه الله لما عاين الملائكة يومئذ تنزل للنصر فر ذاهبا فكان أول من
стр. 953
هرب يومئذ بعد أن كان هو المشجع لهم المجير لهم كما غرهم ووعدهم ومناهم وما يعدهم الشيطان إلا غرورا. وقال يونس عن ابن إسحاق: خرجت قريش على الصعب والذلول في تسعمائة وخمسين مقاتلا معهم مائتا فرس يقودونها ومعهم القيان يضربن بالدفوف ويغنين بهجاء المسلمين. وذكر المطعمين لقريش يوما يوما، وذكر الأموي أن أول من نحر لهم حين خرجوا من مكة أبو جهل نحر لهم عشرا، ثم نحر لهم أمية بن خلف بعسفان تسعا، ونحر لهم سهيل بن عمرو بقديد عشرا، ومالوا من قديد إلى مياه نحو البحر فظلوا فيها وأقاموا بها يوما فنحر لهم شيبة بن ربيعة تسعا، ثم أصبحوا بالجحفة فنحر لهم يومئذ عتبة بن ربيعة عشرا، ثم أصبحوا بالأبواء فنحر لهم نبيه ومنبه ابنا الحجاج عشرا، ونحر لهم العباس بن عبد المطلب عشرا، ونحر لهم على ماء بدر أبو البختري عشرا، ثم أكلوا من ازوادهم. قال الأموي حدثنا أبى حدثنا أبو بكر الهذلي قال كان مع المشركين ستون فرسا وستمائة درع وكان مع رسول الله ﷺ فرسان وستون درعا.
هذا ما كان من أمر هؤلاء في نفيرهم من مكة ومسيرهم إلى بدر. وأما رسول الله ﷺ فقال ابن إسحاق: وخرج رسول الله ﷺ في ليال مضت من شهر رمضان في أصحابه واستعمل ابن أم مكتوم على الصلاة بالناس، ورد أبا لبابة من الروحاء واستعمله على المدينة، ودفع اللواء إلى مصعب ابن عمير وكان أبيض، وبين يدي رسول الله ﷺ رايتان سوداوان إحداهما مع على بن أبى طالب يقال لها العقاب، والأخرى مع بعض الأنصار. قال ابن هشام كانت راية الأنصار مع سعد بن معاذ وقال الأموي كانت مع الحباب بن المنذر. قال ابن إسحاق: وجعل رسول الله ﷺ على الساقة قيس بن أبى صعصعة أخا بنى مازن بن النجار. وقال الأموي: وكان معهم فرسان على إحداهما مصعب بن عمير وعلى الأخرى الزبير بن العوام (١) ومن سعد بن خيثمة ومن المقداد بن الأسود.
وقد روى الامام احمد من حديث أبى إسحاق عن حارثة بن مضرب عن على قال ما كان فينا فارس يوم بدر غير المقداد.
وروى البيهقي من طريق ابن وهب عن أبى صخر عن أبى معاوية البلخي عن سعيد بن جبير عن ابن عباس أن عليا قال له: ما كان معنا إلا فرسان فرس للزبير وفرس للمقداد بن الأسود - يعنى يوم بدر - وقال الأموي حدثنا أبى حدثنا إسماعيل بن أبى خالد عن التيمي قال: كان مع رسول الله ﷺ يوم بدر فارسان، الزبير بن العوام على الميمنة، والمقداد بن الأسود على الميسرة.
قال ابن إسحاق: وكان معهم سبعون بعيرا يعتقبونها، فكان رسول الله ﷺ وعلى ومرثد بن
стр. 954
أبى مرثد يعتقبون بعيرا، وكان حمزة وزيد بن حارثة وأبو كبشة وأنسة يعتقبون بعيرا. كذا قال ابن إسحاق رحمه الله تعالى. وقد
قال الامام احمد حدثنا عفان عن حماد بن سلمة حدثنا عاصم بن بهدلة عن زر بن حبيش عن عبد الله بن مسعود. قال: كنا يوم بدر كل ثلاثة على بعير، كان أبو لبابة وعلى زميلي رسول الله ﷺ . قال فكانت عقبة رسول الله ﷺ فقالا نحن نمشي عنك. فقال:
«ما أنتما بأقوى منى ولا أنا بأغنى عن الأجر منكما» وقد رواه النسائي عن الفلاس عن ابن مهدي عن حماد بن سلمة به. قلت: ولعل هذا كان قبل أن يرد أبا لبابة من الروحاء، ثم كان زميلاه على ومرثد بدل أبى لبابة والله أعلم. وقال الامام احمد حدثنا محمد بن جعفر حدثنا سعيد عن قتادة عن زرارة بن أبى أوفى عن سعد بن هشام عن عائشة: أن رسول الله ﷺ أمر بالاجراس أن تقطع من أعناق الإبل يوم بدر، وهذا على شرط الصحيحين. وإنما رواه النسائي عن أبى الأشعث عن خالد ابن الحارث عن سعيد بن أبى عروبة عن قتادة به. قال شيخنا الحافظ المزي في الاطراف وتابعه سعيد بن بشر عن قتادة. وقد رواه هشام عن قتادة عن زرارة عن أبى هريرة فالله أعلم. وقال البخاري حدثنا يحيى بن بكير ثنا الليث عن عقيل عن ابن شهاب عن عبد الرحمن بن عبد الله بن كعب بن مالك أن عبد الله بن كعب. قال سمعت كعب بن مالك يقول: لم أتخلف عن رسول الله ﷺ في غزوة غزاها إلا في غزوة تبوك غير أنى تخلفت عن غزوة بدر ولم يعاتب الله أحدا تخلف عنها، إنما خرج رسول الله ﷺ يريد غير قريش حتى جمع الله بينهم وبين عدوهم على غير ميعاد تفرد به.
قال ابن إسحاق: فسلك رسول الله ﷺ طريقه من المدينة إلى مكة على نقب المدينة ثم على العقيق ثم على ذي الحليفة ثم على أولات الجيش ثم مر على تربان ثم على ملل ثم على غميس الحمام ثم على صخيرات اليمامة ثم على السيالة ثم على فج الروحاء ثم على شنوكة وهي الطريق المعتدلة
حتى إذا كان بعرق الظبية لقي رجلا من الاعراب فسألوه عن الناس فلم يجدوا عنده خبرا، فقال له الناس سلّم على رسول الله ﷺ قال أوفيكم رسول الله ﷺ قالوا نعم! فسلم عليه ثم قال: لئن كنت رسول الله فأخبرني عما في بطن ناقتي هذه، قال له سلمة بن سلامة بن وقش لا تسأل رسول الله ﷺ وأقبل عليّ فانا أخبرك عن ذلك، نزوت عليها ففي بطنها منك سخلة. فقال رسول الله ﷺ مه أفحشت على الرجل، ثم أعرض عن سلمة ونزل رسول الله ﷺ سجسج وهي بئر الروحاء ثم ارتحل منها حتى إذا كان منها بالمنصرف ترك طريق مكة بيسار وسلك ذات اليمين على النازية يريد بدرا؟ فسلك في ناحية منها حتى إذا جزع (١) واديا يقال له رحقان بين النازية وبين مضيق الصفراء ثم على المضيق ثم
стр. 955
انصب منه حتى إذا كان قريبا من الصفراء بعث بسبس بن عمرو الجهنيّ حليف بنى ساعدة وعدي ابن أبى الزغباء حليف بنى النجار إلى بدر يتجسسان الاخبار عن أبى سفيان صخر بن حرب وعيره وقال موسى بن عقبة بعثهما قبل أن يخرج من المدينة فلما رجعا فأخبراه بخبر العير استنفر الناس اليها فان كان ما ذكره موسى بن عقبة وابن إسحاق محفوظا فقد بعثهما مرتين والله أعلم.
قال ابن إسحاق ﵀: ثم ارتحل رسول الله ﷺ وقد قدمهما فلما استقبل الصفراء وهي قرية بين جبلين سأل عن جبليها ما أسماؤهما؟ فقالوا يقال لأحدهما مسلح وللآخر مخرئ، وسأل عن أهلهما فقيل بنو النار، وبنو حراق، بطنان من غفار فكرههما رسول الله ﷺ والمرور بينهما وتفاءل بأسمائهما وأسماء أهلهما فتركهما والصفراء بيسار وسلك ذات اليمين على واد يقال له ذفران فجزع فيه ثم نزل
وأتاه الخبر عن قريش ومسيرهم ليمنعوا عيرهم، فاستشار الناس وأخبرهم عن قريش فقام أبو بكر الصديق فقال وأحسن، ثم قام عمر بن الخطاب فقال وأحسن، ثم قام المقداد بن عمرو فقال يا رسول الله أمض لما أراك الله، فنحن معك والله لا نقول لك كما قال بنو إسرائيل لموسى: اذهب ﴿أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقاتِلا إِنّا هاهُنا قاعِدُونَ﴾، ولكن اذهب أنت وربك فقاتلا إنا معكما مقاتلون، فو الّذي بعثك بالحق لو سرت بنا إلى برك الغماد لجالدنا معك من دونه حتى تبلغه، فقال له رسول الله ﷺ خيرا ودعا له. ثم قال رسول الله ﷺ : «أشيروا عليّ أيها الناس» وإنما يريد الأنصار، وذلك أنهم كانوا عدد الناس وأنهم حين بايعوه بالعقبة قالوا يا رسول الله إنا برآء من ذمامك حتى تصل إلى ديارنا، فإذا وصلت إلينا فأنت في ذمتنا نمنعك مما نمنع منه أبناءنا ونساءنا، فكان رسول الله ﷺ يتخوف أن لا تكون الأنصار ترى عليها نصره إلا ممن دهمه بالمدينة من عدوه، وأن ليس عليهم أن يسير بهم إلى عدو من بلادهم. فلما قال ذلك رسول الله ﷺ قال له سعد بن معاذ: والله لكأنك تريدنا يا رسول الله؟ قال «أجل» قال فقد آمنا بك وصدقناك وشهدنا أن ما جئت به هو الحق وأعطيناك على ذلك عهودنا ومواثيقنا على السمع والطاعة لك، فامض يا رسول الله لما أردت فنحن معك فو الّذي بعثك بالحق لو استعرضت بنا البحر فخضته لخضناه معك ما تخلف منا رجل واحد وما نكره أن تلقى بنا عدونا غدا إنا لصبر في الحرب صدق عند اللقاء لعل الله يريك منا ما تقربه عينك، فسر على بركة الله قال فسر رسول الله ﷺ بقول سعد ونشّطه ثم قال: «سيروا وابشروا فان الله قد وعدني إحدى الطائفتين والله لكأنّي الآن انظر إلى مصارع القوم» هكذا رواه ابن إسحاق ﵀. وله شواهد من وجوه كثيرة فمن ذلك ما رواه البخاري في صحيحه حدثنا أبو نعيم حدثنا إسرائيل عن مخارق عن طارق بن شهاب قال سمعت ابن مسعود يقول شهدت من المقداد بن الأسود مشهدا لأن أكون صاحبه أحب إلى مما عدل به، أتى النبي ﷺ وهو يدعو
стр. 956
على المشركين. فقال: لا نقول كما قال قوم موسى لموسى اذهب ﴿أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقاتِلا إِنّا هاهُنا قاعِدُونَ﴾ ولكن نقاتل عن يمينك وعن شمالك وبين يديك وخلفك، فرأيت النبي ﷺ أشرق وجهه وسره انفرد به البخاري دون مسلم فرواه في مواضع من صحيحه من حديث مخارق به ورواه النسائي من حديثه وعنده: وجاء المقداد بن الأسود يوم بدر على فرس فذكره. وقال الامام احمد حدثنا عبيدة - هو ابن حميد - عن حميد الطويل عن أنس قال: استشار النبي ﷺ مخرجه إلى بدر فاشار عليه أبو بكر، ثم استشارهم فاشار عليه عمر، ثم استشارهم فقال بعض الأنصار: إياكم يريد رسول الله يا معشر الأنصار. فقال بعض الأنصار: يا رسول الله إذا لا نقول كما قالت بنو إسرائيل لموسى اذهب ﴿أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقاتِلا إِنّا هاهُنا قاعِدُونَ﴾ ولكن والّذي بعثك بالحق لو ضربت أكبادها إلى برك الغماد لاتبعناك. وهذا اسناد ثلاثي صحيح على شرط الصحيح. وقال احمد أيضا حدثنا عفان ثنا حماد عن ثابت عن أنس بن مالك أن رسول الله ﷺ : شاور حين بلغه إقبال أبى سفيان قال فتكلم أبو بكر فاعرض عنه ثم تكلم عمر فاعرض عنه فقال سعد بن عبادة إيانا يريد رسول الله ﷺ والّذي نفسي بيده لو أمرتنا أن نخيضها البحار لأخضناها ولو أمرتنا أن نضرب أكبادها إلى برك الغماد لفعلنا،
فندب رسول الله ﷺ الناس. قال فانطلقوا حتى نزلوا بدرا ووردت عليهم روايا قريش وفيهم غلام أسود لبني الحجاج، فأخذوه وكان أصحاب رسول الله ﷺ يسألونه عن أبى سفيان وأصحابه فيقول ما لي علم بأبي سفيان ولكن هذا أبو جهل بن هشام وعتبة بن ربيعة وأمية بن خلف فإذا قال ذلك ضربوه فإذا ضربوه. قال نعم! أنا أخبركم هذا أبو سفيان فإذا تركوه فسألوه قال ما لي بابي سفيان علم ولكن هذا أبو جهل وعتبة وشيبة وأمية، فإذا قال هذا أيضا ضربوه ورسول الله ﷺ قائم يصلى، فلما رأى ذلك انصرف فقال والّذي نفسي بيده انكم لتضربونه إذا صدق وتتركونه إذا كذبكم. قال وقال رسول الله ﷺ : هذا مصرع فلان يضع يده على الأرض هاهنا وهاهنا، فما أماط أحدهم عن موضع يد رسول الله ﷺ ورواه مسلم عن أبى بكر عن عفان به نحوه.
وقد
روى ابن أبى حاتم في تفسيره وابن مردويه - واللفظ له - من طريق عبد الله بن لهيعة عن يزيد بن أبى حبيب عن أسلم عن أبى عمران أنه سمع أبا أيوب الأنصاري يقول قال رسول الله ﷺ ونحن بالمدينة: «إني أخبرت عن عير أبى سفيان أنها مقبلة فهل لكم أن تخرج قبل هذه العير لعل الله يغنمناها؟» فقلنا نعم! فخرج وخرجنا فلما سرنا يوما أو يومين قال لنا «ما ترون في القوم فإنهم قد أخبروا بمخرجكم؟» فقلنا لا والله ما لنا طاقة بقتال القوم ولكنا أردنا العير، ثم قال «ما ترون في قتال القوم؟» فقلنا مثل ذلك. فقام المقداد بن عمرو [فقال]: إذا لا نقول لك يا رسول كما قال قوم موسى لموسى اذهب ﴿أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقاتِلا إِنّا هاهُنا قاعِدُونَ﴾، قال فتمنينا معشر الأنصار لو أنا
стр. 957
قلنا مثل ما قال المقداد أحب إلينا من أن يكون لنا مال عظيم فأنزل الله على رسوله ﴿كَما أَخْرَجَكَ رَبُّكَ مِنْ بَيْتِكَ بِالْحَقِّ وَإِنَّ فَرِيقاً مِنَ الْمُؤْمِنِينَ لَكارِهُونَ﴾ وذكر تمام الحديث.
وروى ابن مردويه أيضا من طريق محمد بن عمرو بن علقمة بن وقاص الليثي عن أبيه عن جده. قال خرج رسول الله ﷺ إلى بدر حتى إذا كان بالروحاء خطب الناس فقال: «كيف ترون؟» فقال أبو بكر يا رسول الله بلغنا أنهم بكذا وكذا، قال ثم خطب الناس فقال «كيف ترون؟» فقال عمر مثل قول أبى بكر ثم خطب الناس فقال «كيف ترون؟» فقال سعد بن معاذ يا رسول الله إيانا تريد؟ فو الّذي أكرمك وأنزل عليك الكتاب ما سلكتها قط ولا لي بها علم، ولئن سرت حتى تأتى برك الغماد من ذي بمن لنسيرن معك ولا نكون كالذين قالوا لموسى اذهب ﴿أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقاتِلا إِنّا هاهُنا قاعِدُونَ﴾ ولكن أذهب أنت وربك فقاتلا انا معكم متبعون، ولعل أن تكون خرجت لأمر وأحدث الله إليك غيره فانظر الّذي أحدث الله إليك فامض فصل حبال من شئت واقطع حبال من شئت وعاد من شئت وسالم من شئت وخذ من أموالنا ما شئت. فنزل القرآن على قول سعد ﴿كَما أَخْرَجَكَ رَبُّكَ مِنْ بَيْتِكَ بِالْحَقِّ وَإِنَّ فَرِيقاً مِنَ الْمُؤْمِنِينَ لَكارِهُونَ﴾ الآيات. وذكره الأموي في مغازيه وزاد بعد قوله وخذ من أموالنا ما شئت وأعطنا ما شئت، وما أخذت منا كان أحب إلينا مما تركت، وما أمرت به من أمر فأمرنا تبع لأمرك فو الله لئن سرت حتى تبلغ البرك من غمدان لنسيرن معك.
قال ابن إسحاق: ثم ارتحل رسول الله ﷺ من ذفران فسلك على ثنايا يقال لها الاصافر ثم انحط منها إلى بلد يقال له الدية (١) وترك الحنّان بيمين وهو كثيب عظيم كالجبل العظيم، ثم نزل قريبا من بدر فركب هو ورجل من أصحابه. قال ابن هشام هو أبو بكر.
قال ابن إسحاق - كما حدثني محمد بن يحيى بن حبان - حتى وقف على شيخ من العرب فسأله عن قريش وعن محمد وأصحابه وما بلغه عنهم. فقال الشيخ: لا أخبركما حتى تخبراني ممن أنتما؟ فقال له رسول الله ﷺ إذا أخبرتنا أخبرناك فقال أو ذاك بذاك؟ قال نعم! قال الشيخ فإنه بلغني أن محمدا وأصحابه خرجوا يوم كذا وكذا فان كان صدق الّذي أخبرنى فهم اليوم بمكان كذا وكذا للمكان الّذي به رسول الله ﷺ وبلغني أن قريشا خرجوا يوم كذا وكذا فان كان الّذي أخبرنى صدقنى فهم اليوم بمكان كذا وكذا. للمكان الّذي به قريش، فلما فرغ من خبره قال ممن أنتما؟ فقال له رسول الله ﷺ نحن من ماء» ثم انصرف عنه. قال يقول الشيخ: ما من ماء أمن ماء العراق؟ قال ابن هشام: يقال لهذا الشيخ سفيان الضمريّ.
стр. 958
قال ابن إسحاق: ثم رجع رسول الله ﷺ إلى أصحابه فلما أمسى بعث على بن أبى طالب والزبير بن العوام وسعد بن أبى وقاص في نفر من أصحابه إلى ماء بدر يلتمسون الخبر له كما
حدثني يزيد بن رومان عن عروة بن الزبير فأصابوا راوية لقريش فيها أسلم غلام بنى الحجاج وعريض أبو يسار غلام بنى العاص بن سعيد، فاتوا بهما فسألوهما ورسول الله ﷺ قائم يصلى فقالوا نحن سقاة قريش بعثونا نسقيهم من الماء، فكره القوم خبرهما ورجوا أن يكونا لأبي سفيان فضربوهما، فلما أذلقوهما قالا نحن لأبي سفيان فتركوهما وركع رسول الله ﷺ وسجد سجدتيه وسلم. وقال: «إذا صدقاكم ضربتموهما، وإذا كذباكم تركتموهما صدقا والله إنهما لقريش، أخبرانى عن قريش؟ قالا هم وراء هذا الكثيب الّذي ترى بالعدوة القصوى، والكثيب العقنقل. فقال لهما رسول الله ﷺ كم القوم؟ قالا كثير. قال ما عدتهم، قالا لا ندري، قال كم ينحرون كل يوم؟ قالا يوما تسعا ويوما عشرا. فقال رسول الله ﷺ : «القوم ما بين التسعمائة إلى الالف» ثم قال لهما فمن فيهم من أشراف قريش قالا عتبة بن ربيعة وشيبة بن ربيعة وأبو البختري بن هشام وحكيم بن حزام ونوفل بن خويلد والحارث بن عامر بن نوفل وطعيمة بن عدي بن نوفل والنضر بن الحارث وزمعة بن الأسود وأبو جهل بن هشام وأمية بن خلف ونبيه ومنبه ابنا الحجاج وسهيل بن عمرو وعمرو بن عبد ودّ.
قال فاقبل رسول الله ﷺ على الناس فقال: «هذه مكة قد القت إليكم أفلاذ كبدها».
قال ابن إسحاق: وكان بسبس بن عمرو وعدي بن أبى الزغباء قد مضيا حتى نزلا بدرا فأناخا إلى تل قريب من الماء ثم أخذا شنا لهما يستقيان فيه، ومجدي بن عمرو الجهنيّ على الماء فسمع عدي وبسبس جاريتين من جواري الحاضر وهما يتلازمان على الماء والملزومة تقول لصاحبتها إنما تأتى العير غدا أو بعد غد فأعمل لهم ثم أقضيك الّذي لك. قال مجدي صدقت ثم خلص بينهما. وسمع ذلك عدي وبسبس فجلسا على بعيريهما ثم انطلقا حتى أتيا رسول الله ﷺ وأخبرناه بما سمعا، وأقبل أبو سفيان حتى تقدم العير حذرا حتى ورد الماء. فقال لمجدى بن عمرو هل أحسست أحدا؟ قال ما رأيت أحدا أنكره إلا أنى قد رأيت راكبين قد أناخا إلى هذا التل ثم استقيا في شن لهما ثم انطلقا، فأتى أبو سفيان مناخهما فأخذ من أبعار بعيريهما ففته فإذا فيه النوى. فقال: هذه والله علائف يثرب فرجع إلى أصحابه سريعا فضرب وجه عيره عن الطريق فساحل بها وترك بدرا بيسار وانطلق حتى أسرع وأقبلت قريش، فلما نزلوا الجحفة رأى جهيم بن الصلت بن مخرمة بن المطلب ابن عبد مناف رؤيا. فقال: إني رأيت فيما يرى النائم وانى لبين النائم واليقظان إذ نظرت إلى رجل قد أقبل على فرس حتى وقف ومعه بعير له ثم قال: قتل عتبة بن ربيعة وشيبة بن ربيعة وأبو الحكم ابن هشام وأمية بن خلف وفلان وفلان فعد رجالا ممن قتل يوم بدر من أشراف قريش، ثم رأيته
стр. 959
ضرب في لبة بعيره ثم أرسله في العسكر فما بقي خباء من أخبية العسكر إلا أصابه نضح من دمه فبلغت أبا جهل لعنه الله فقال هذا أيضا نبي آخر من بنى المطلب سيعلم غدا من المقتول إن نحن التقينا.
قال ابن إسحاق: ولما رأى أبو سفيان أنه قد أحرز عيره أرسل إلى قريش انكم إنما خرجتم لتمنعوا عيركم ورجالكم وأموالكم فقد نجاها الله فارجعوا، فقال أبو جهل بن هشام: والله لا نرجع حتى نرد بدرا وكان بدر موسما من مواسم العرب يجتمع لهم به سوق كل عام فنقيم عليه ثلاثا فننحر الجزور ونطعم الطعام ونسقي الخمر وتعزف علينا القيان وتسمع بنا العرب وبمسيرنا وجمعنا فلا يزالون يهابوننا أبدا فامضوا. وقال الأخنس بن شريق بن عمرو بن وهب الثقفي - وكان حليفا لبني زهرة - وهم بالجحفة: يا بنى زهرة قد نجى الله لكم أموالكم، وخلص لكم صاحبكم مخرمة بن نوفل، وإنما نفرتم لتمنعوه وما له فاجعلوا بى جبنها وارجعوا فإنه لا حاجة لكم بان تخرجوا في غير ضيعة لا ما يقول هذا. قال فرجعوا فلم يشهدها زهري واحد، أطاعوه وكان فيهم مطاعا ولم يكن بقي بطن من قريش إلا وقد نفر منهم ناس إلا بنى عدي لم يخرج منهم رجل واحد، فرجعت بنو زهرة مع الأخنس فلم يشهد بدرا من هاتين القبيلتين أحد. قال: ومضى القوم وكان بين طالب بن أبى طالب - وكان في القوم - وبين بعض قريش محاورة. فقالوا: والله لقد عرفنا يا بنى هاشم - وإن خرجتم معنا - أن هواكم مع محمد، فرجع طالب إلى مكة مع من رجع. وقال في ذلك:
لاهمّ إما يغزونّ طالب … في عصبة محالف محارب
في مقنب من هذه المقانب … فليكن المسلوب غير السالب
وليكن المغلوب غير الغالب
قال ابن إسحاق: ومضت قريش حتى نزلوا بالعدوة القصوى من الوادي خلف العقنقل وبطن الوادي وهو يليل، بين بدر وبين العقنقل الكثيب الّذي خلفه قريش، والقليب ببدر في العدوة الدنيا من بطن يليل إلى المدينة.
قلت: وفي هذا قال تعالى ﴿إِذْ أَنْتُمْ بِالْعُدْوَةِ الدُّنْيا وَهُمْ بِالْعُدْوَةِ الْقُصْوى وَالرَّكْبُ أَسْفَلَ مِنْكُمْ﴾ أي من ناحية الساحل ﴿وَلَوْ تَواعَدْتُمْ لاخْتَلَفْتُمْ فِي الْمِيعادِ وَلكِنْ لِيَقْضِيَ اللهُ أَمْراً كانَ مَفْعُولاً﴾ الآيات. وبعث الله السماء وكان الوادي دهسا فأصاب رسول الله ﷺ وأصحابه منها ماء لبد لهم الأرض ولم يمنعهم من السير، وأصاب قريشا منها ماء لم يقدروا على أن يرتحلوا معه.
قلت وفي هذا قوله تعالى ﴿وَيُنَزِّلُ عَلَيْكُمْ مِنَ السَّماءِ ماءً لِيُطَهِّرَكُمْ بِهِ وَيُذْهِبَ عَنْكُمْ رِجْزَ الشَّيْطانِ وَلِيَرْبِطَ عَلى قُلُوبِكُمْ وَيُثَبِّتَ بِهِ الْأَقْدامَ﴾ فذكر أنه طهرهم ظاهرا وباطنا، وأنه ثبت أقدامهم وشجع قلوبهم وأذهب عنهم تخذيل الشيطان وتخويفه للنفوس ووسوسته الخواطر، وهذا تثبيت الباطن
стр. 960
والظاهر وأنزل النصر عليهم من فوقهم في قوله ﴿إِذْ يُوحِي رَبُّكَ إِلَى الْمَلائِكَةِ أَنِّي مَعَكُمْ فَثَبِّتُوا الَّذِينَ آمَنُوا سَأُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ فَاضْرِبُوا فَوْقَ الْأَعْناقِ﴾ أي على الرءوس ﴿وَاِضْرِبُوا مِنْهُمْ كُلَّ بَنانٍ﴾ أي لئلا يستمسك منهم السلاح ﴿ذلِكَ بِأَنَّهُمْ شَاقُّوا اللهَ وَرَسُولَهُ وَمَنْ يُشاقِقِ اللهَ وَرَسُولَهُ فَإِنَّ اللهَ شَدِيدُ الْعِقابِ، * ذلِكُمْ فَذُوقُوهُ وَأَنَّ لِلْكافِرِينَ عَذابَ النّارِ﴾.
قال ابن جرير: حدثني هارون بن إسحاق ثنا مصعب بن المقدام ثنا إسرائيل ثنا أبو إسحاق عن حارثة عن على بن أبى طالب. قال: أصابنا من الليل طش من المطر - يعنى الليلة التي كانت في صبيحتها وقعة بدر - فانطلقنا تحت الشجر والحجف نستظل تحتها من المطر، وبات رسول الله ﷺ يعنى قائما يصلى - وحرض على القتال.
وقال الامام احمد حدثنا عبد الرحمن بن مهدي عن شعبة عن أبى إسحاق عن حارثة بن مضرب عن على. قال: ما كان فينا فارس يوم بدر إلا المقداد، ولقد رأيتنا وما فينا إلا نائم إلا رسول الله ﷺ تحت شجرة يصلى ويبكى حتى أصبح، وسيأتي هذا الحديث مطولا. ورواه النسائي عن بندار عن غندر عن شعبة به. وقال مجاهد: أنزل عليهم المطر فاطفأ به الغبار وتلبدت به الأرض وطابت به أنفسهم وثبتت به أقدامهم.
قلت: وكانت ليلة بدر ليلة الجمعة السابعة عشر من شهر رمضان سنة ثنتين من الهجرة، وقد
بات رسول الله ﷺ تلك الليلة يصلى إلى جذم شجرة هناك، ويكثر في سجوده أن يقول «يا حي يا قيوم» يكرر ذلك ويلظ به ﵇.
قال ابن إسحاق: فخرج رسول الله ﷺ يبادرهم إلى الماء حتى جاء أدنى ماء من بدر نزل به
قال ابن إسحاق: فحدثت عن رجال من بنى سلمة أنهم ذكروا أن الحباب بن منذر بن الجموح. قال يا رسول الله أرأيت هذا المنزل أمنزلا أنزلكه الله ليس لنا أن نتقدمه ولا نتأخر عنه، أم هو الرأى والحرب والمكيدة؟ قال بل هو الرأى والحرب والمكيدة. قال يا رسول الله فان هذا ليس بمنزل فأمض بالناس حتى نأتي أدنى ماء من القوم فننزله ثم نغور ما وراءه من القلب، ثم نبنى عليه حوضا فنملؤه ماء ثم نقاتل القوم فنشرب ولا يشربون. فقال رسول الله ﷺ «لقد أشرت بالرأي».
قال الأموي حدثنا أبى قال وزعم الكلبي عن أبى صالح عن ابن عباس. قال بينا رسول الله ﷺ يجمع الأقباص (١) وجبريل عن يمينه إذ أتاه ملك من الملائكة فقال يا محمد ان الله يقرأ عليك السلام فقال رسول الله ﷺ : «هو السلام ومنه السلام واليه السلام» فقال الملك إن الله يقول لك ان الأمر [هو] الّذي أمرك به الحباب بن المنذر. فقال رسول الله ﷺ يا جبريل هل تعرف هذا؟ فقال ما كل أهل السماء أعرف وانه لصادق وما هو بشيطان فنهض رسول الله ﷺ ومن معه من الناس
стр. 961
فسار حتى أتى أدنى ماء من القوم نزل عليه ثم أمر بالقلب فعورت، وبنى حوضا على القليب الّذي نزل عليه فملئ ماء ثم قذفوا فيه الآنية.
وذكر بعضهم أن الحباب بن المنذر لما أشار بما أشار به على رسول الله ﷺ نزل ملك من السماء وجبريل عند النبي ﷺ فقال الملك يا محمد ربك يقرأ عليك السلام ويقول لك ان الرأى ما أشار به الحباب، فنظر رسول الله ﷺ الى جبريل فقال ليس كل الملائكة أعرفهم وأنه ملك وليس بشيطان. وذكر الأموي أنهم نزلوا على القليب الّذي يلي المشركين نصف الليل وأنهم نزلوا فيه واستقوا منه وملئوا الحياض حتى أصبحت ملاء وليس للمشركين ماء.
قال ابن إسحاق: فحدثني عبد الله بن أبى بكر انه حدث ان سعد بن معاذ. قال: يا نبي الله ألا نبنى لك عريشا تكون فيه ونعد عندك ركائبك ثم نلقى عدونا فان أعزنا الله وأظهرنا على عدونا كان ذلك ما أحببنا، وان كانت الأخرى جلست على ركائبك فلحقت بمن وراءنا من قومنا فقد تخلف عنك أقوام ما نحن باشد حبالك منهم، ولو ظنوا أنك تلقى حربا ما تخلفوا عنك، يمنعك الله بهم ينصاحونك ويجاهدون معك. فاثنى عليه رسول الله ﷺ خيرا ودعا له بخير، ثم بنى لرسول الله ﷺ عريش كان فيه.
قال ابن إسحاق: وقد ارتحلت قريش حين أصبحت فأقبلت، فلما رآها رسول الله ﷺ تصوب من العقنقل وهو الكثيب الّذي جاءوا منه إلى الوادي. قال: «اللهمّ هذه قريش قد أقبلت بخيلائها وفخرها تحادك وتكذب رسولك اللهمّ فنصرك الّذي وعدتني اللهمّ أحنهم (١) الغداة». وقد قال رسول الله ﷺ وقد رأى عتبة بن ربيعة في القوم وهو على جمل له احمر «إن يكن في أحد من القوم خير فعند صاحب الجمل الأحمر» إن يطيعوه يرشدوا قال: وقد كان خفاف بن ايماء بن رحضة أو أبوه ايماء بن رحضة الغفاريّ، بعث إلى قريش ابنا له بجزائر أهداها لهم. وقال: «إن أحببتم أن نمدكم بسلاح ورجال فعلنا» قال فأرسلوا اليه مع ابنه أن وصلتك رحم، وقد قضيت الّذي عليك، فلعمري إن كنا إنما نقاتل الناس ما بنا ضعف عنهم، وإن كنا إنما نقاتل الله كما يزعم محمد فما لأحد بالله من طاقة. قال فلما نزل الناس أقبل نفر من قريش حتى وردوا حوض رسول الله ﷺ فيهم حكيم بن حزام، فقال رسول الله ﷺ دعوهم فما شرب منه رجل يومئذ إلا قتل إلا ما كان من حكيم بن حزام فإنه لم يقتل ثم أسلم بعد ذلك فحسن إسلامه فكان إذا اجتهد في يمينه قال لا والّذي نجاني يوم بدر.
قلت: وقد كان أصحاب رسول الله ﷺ يومئذ ثلاثمائة وثلاثة عشر رجلا كما سيأتي بيان ذلك
стр. 962
في فصل نعقده بعد الوقعة، ونذكر أسماءهم على حروف المعجم إن شاء الله.
ففي صحيح البخاري عن البراء. قال: كنا نتحدث أن أصحاب بدر ثلاثمائة وبضع عشرة على عدة أصحاب طالوت الذين جاوزوا معه النهر، وما جاوزه معه إلا مؤمن. وللبخاريّ أيضا عنه. قال استصغرت أنا وابن عمر يوم بدر وكان المهاجرون يوم بدر نيفا على ستين، والأنصار نيفا وأربعون ومائتان. وروى الامام احمد عن نصر بن رئاب عن حجاج عن الحكم عن مقسم عن ابن عباس أنه. قال: كان أهل بدر ثلاثمائة وثلاثة عشر، وكان المهاجرون ستة وسبعين وكان هزيمة أهل بدر لسبع عشرة مضين من شهر رمضان يوم الجمعة. وقال الله تعالى ﴿إِذْ يُرِيكَهُمُ اللهُ فِي مَنامِكَ قَلِيلاً وَلَوْ أَراكَهُمْ كَثِيراً لَفَشِلْتُمْ وَلَتَنازَعْتُمْ فِي الْأَمْرِ وَلكِنَّ اللهَ سَلَّمَ﴾ الآية. وكان ذلك في منامه تلك الليلة وقيل إنه نام في العريش وأمر الناس أن لا يقاتلوا حتى يأذن لهم، فدنا القوم منهم فجعل الصديق يوقظه ويقول يا رسول الله دنوا منا فاستيقظ، وقد أراه الله إياهم في منامه قليلا. ذكره الأموي وهو غريب جدا. وقال تعالى ﴿وَإِذْ يُرِيكُمُوهُمْ إِذِ اِلْتَقَيْتُمْ فِي أَعْيُنِكُمْ قَلِيلاً وَيُقَلِّلُكُمْ فِي أَعْيُنِهِمْ لِيَقْضِيَ اللهُ أَمْراً كانَ مَفْعُولاً﴾. فعند ما تقابل الفريقان قلل الله كلا منهما في أعين الآخرين ليجترئ هؤلاء على هؤلاء وهؤلاء على هؤلاء لما له في ذلك من الحكمة البالغة، وليس هذا معارض لقوله تعالى في سورة آل عمران ﴿قَدْ كانَ لَكُمْ آيَةٌ فِي فِئَتَيْنِ اِلْتَقَتا، فِئَةٌ تُقاتِلُ فِي سَبِيلِ اللهِ، وَأُخْرى كافِرَةٌ يَرَوْنَهُمْ مِثْلَيْهِمْ رَأْيَ الْعَيْنِ وَاللهُ يُؤَيِّدُ بِنَصْرِهِ مَنْ يَشاءُ﴾ فان المعنى في ذلك على أصح القولين أن الفرقة الكافرة ترى الفرقة المؤمنة مثلي عدد الكافرة على الصحيح أيضا، وذلك عند التحام الحرب والمسابقة أوقع الله الوهن والرعب في قلوب الذين كفروا فاستدرجهم أولا بان أراهم إياهم عند المواجهة قليلا، ثم أيد المؤمنين بنصره فجعلهم في أعين الكافرين على الضعف منهم حتى وهنوا وضعفوا وغلبوا. ولهذا قال ﴿وَاللهُ يُؤَيِّدُ بِنَصْرِهِ مَنْ يَشاءُ إِنَّ فِي ذلِكَ لَعِبْرَةً لِأُولِي الْأَبْصارِ﴾. قال إسرائيل عن أبى إسحاق عن أبى عبيد وعبد الله. لقد قللوا في أعيننا يوم بدر حتى أنى لأقول لرجل الى جنبي أتراهم سبعين؟ فقال أراهم مائة.
قال ابن إسحاق: وحدثني أبى إسحاق بن يسار وغيره من أهل العلم عن أشياخ من الأنصار قالوا: لما اطمأن القوم بعثوا عمير بن وهب الجمحيّ فقالوا احزر لنا القوم أصحاب محمد، قال فاستجال بفرسه حول العسكر ثم رجع اليهم فقال ثلاثمائة رجل يزيدون قليلا، أو ينقصون ولكن أمهلونى حتى انظر أللقوم كمين أو مدد. قال فضرب في الوادي حتى أبعد فلم ير شيئا، فرجع اليهم فقال: ما رأيت شيئا، ولكن قد رأيت يا معشر قريش البلايا تحمل المنايا، نواضح يثرب تحمل الموت الناقع قوم ليس لهم منعة ولا ملجأ الا سيوفهم، والله ما أرى أن يقتل رجل منهم حتى يقتل
стр. 963
رجلا منكم، فإذا أصابوا منكم أعدادهم فما خير العيش بعد ذلك فروا رأيكم؟ فلما سمع حكيم بن حزام ذلك مشى في الناس فأتى عتبة بن ربيعة فقال: يا أبا الوليد إنك كبير قريش وسيدها والمطاع فيها، هل لك إلى أن لا تزال تذكر فيها بخير إلى آخر الدهر؟ قال وما ذاك يا حكيم؟ قال ترجع بالناس وتحمل أمر حليفك عمرو بن الحضرميّ قال قد فعلت أنت على بذلك، إنما هو حليفي فعلى عقله وما أصيب من ماله. فأت ابن الحنظلية - يعنى أبا جهل - فانى لا أخشى أن يسجر (١) أمر الناس غيره، ثم قام عتبة خطيبا فقال: يا معشر قريش إنكم والله ما تصنعون بأن تلقوا محمدا وأصحابه شيئا، والله لئن أصبتموه لا يزال الرجل ينظر إلى وجه رجل يكره النظر اليه، قتل ابن عمه - أو ابن خاله - أو رجلا من عشيرته فارجعوا وخلوا بين محمد وبين سائر العرب، فان أصابوه فذلك الّذي أردتم، وإن كان غير ذلك الفاكم ولم تعرضوا منه ما تريدون قال حكيم: فانطلقت حتى جئت أبا جهل فوجدته قد نثل درعا فهو يهنئها (٢) فقلت له يا أبا الحكم إن عتبة أرسلنى إليك بكذا وكذا فقال: انتفخ والله سحره حين رأى محمدا وأصحابه، فلا والله لا نرجع حتى يحكم الله بينا وبين محمد، وما بعتبة ما قال ولكنه رأى محمدا وأصحابه أكلة جزور، وفيهم ابنه فقد تخوفكم عليه، ثم بعث إلى عامر بن الحضرميّ. فقال: هذا حليفك يريد أن يرجع الناس، وقد رأيت ثأوك بعينك فقم فأنشد خفرتك ومقتل أخيك، فقام عامر بن الحضرميّ فاكتشف ثم صرخ وا عمراه وا عمراه. قال فحميت الحرب وحقب أمر الناس واستوثقوا على ما هم عليه من الشر وأفسد على الناس الرأى الّذي دعاهم اليه عتبة. فلما بلغ عتبة قول أبى جهل انتفخ والله سحره قال: سيعلم مصفر استه من انتفخ سحره أنا أم هو، ثم التمس عتبة بيضة ليدخلها في رأسه فما وجد في الجيش بيضة تسعه من عظم رأسه فلما رأى ذلك اعتجر على رأسه ببرد له.
وقد روى ابن جرير من طريق مسور بن عبد الملك اليربوعي عن أبيه عن سعيد بن المسيب قال: بينا نحن عند مروان بن الحكم إذ دخل حاجبه فقال: حكيم بن حزام يستأذن، قال ائذن له فلما دخل قال: مرحبا يا أبا خالد أدن، فحال عن صدر المجلس حتى جلس بينه وبى الوسادة ثم استقبله فقال: حدثنا حديث بدر. فقال: خرجنا حتى إذا كنا بالجحفة رجعت قبيلة من قبائل قريش بأسرها فلم يشهد أحد من مشركيهم بدرا، ثم خرجنا حتى نزلنا العدوة التي قال الله تعالى، فجئت عتبة بن ربيعة فقلت يا أبا الوليد هل لك في أن تذهب بشرف هذا اليوم ما بقيت؟ قال أفعل ماذا؟ قلت إنكم لا تطلبون من محمد إلا دم ابن الحضرميّ وهو حليفك، فتحمل بديته (يرجع
стр. 964
الناس. فقال أنت على بذلك وأذهب الى ابن الحنظلية - يعنى أبا جهل - فقل له هل لك أن ترجع اليوم بمن معك عن ابن عمك؟ فجئته فإذا هو في جماعة من بين يديه ومن خلفه، وإذا ابن الحضرميّ واقف على رأسه وهو يقول: فسخت عقدي من عبد شمس، وعقدي اليوم إلى بنى مخزوم فقلت له يقول لك عتبة بن ربيعة هل لك أن ترجع اليوم بمن معك؟ قال أما وجد رسولا غيرك؟ قلت لا! ولم أكن لأكون رسولا لغيره. قال حكيم فخرجت مبادرا إلى عتبة لئلا يفوتني من الخبر شيء وعتبة متكئ على ايماء بن رحضة الغفاريّ، وقد أهدى إلى المشركين عشرة جزائر، فطلع أبو جهل الشرّ في وجهه فقال لعتبة: انتفخ سحرك؟ فقال له عتبة: ستعلم، فسل أبو جهل سيفه فضرب به متن فرسه، فقال ايماء بن رحضة بئس الفأل هذا، فعند ذلك قامت الحرب. وقد صف رسول الله ﷺ أصحابه وعباهم أحسن تعبية فروى الترمذي عن عبد الرحمن بن عوف. قال: صفنا رسول الله ﷺ يوم بدر ليلا.
وروى الامام احمد من حديث ابن لهيعة حدثني يزيد بن أبى حبيب أن أسلم أبا عمران حدثه أنه سمع أبا أيوب يقول: صفنا رسول الله ﷺ يوم بدر فبدرت منا بادرة أمام الصف، فنظر اليهم النبي ﷺ فقال: «معى معى» تفرد به احمد وهذا اسناد حسن.
وقال ابن إسحاق: وحدثني حبان بن واسع بن حبان عن أشياخ من قومه أن رسول الله ﷺ عدل صفوف أصحابه يوم بدر وفي يده قدح يعدل به القوم، فمر بسواد بن غزية حليف بنى عدي ابن النجار وهو مستنتل من الصف، فطعن في بطنه بالقدح وقال «استو يا سواد» فقال يا رسول الله أوجعتني وقد بعثك الله بالحق والعدل فأقدني فكشف رسول الله ﷺ عن بطنه فقال استقد، قال فاعتنقه فقبل بطنه، فقال ما حملك على هذا يا سواد؟ قال يا رسول الله حضر ما ترى فأردت أن يكون آخر العهد بك أن يمس جلدي جلدك، فدعا له رسول الله بخير ﷺ وقاله.
قال ابن إسحاق وحدثني عاصم بن عمر بن قتادة أن عوف بن الحارث - وهو ابن عفراء - قال يا رسول الله ما يضحك الرب من عبده؟ قال «غمسه يده في العدو حاسرا» فنزع درعا كانت عليه فقذفها، ثم أخذ سيفه فقاتل حتى قتل ﵁. قال ابن إسحاق ثم عدل رسول الله ﷺ الصفوف ورجع إلى العريش فدخله ومعه أبو بكر ليس معه فيه غيره. وقال ابن إسحاق: وغيره وكان سعد بن معاذ ﵁ واقفا على باب العريش متقلدا بالسيف ومعه رجال من الأنصار يحرسون رسول الله ﷺ خوفا عليه من أن يدهمه العدو من المشركين والجنائب النجائب مهيأة لرسول الله ﷺ ان احتاج اليها ركبها ورجع الى المدينة كما أشار به سعد بن معاذ. وقد
روى البزار في مسندة من حديث محمد بن عقيل عن عليّ أنه خطبهم فقال: يا أيها الناس من أشجع الناس؟ فقالوا أنت يا أمير المؤمنين، فقال أما إني ما بارزني أحد إلا انتصفت منه، ولكن هو أبو بكر، إنا جعلنا لرسول الله ﷺ عريشا فقلنا
стр. 965
من يكون مع رسول الله ﷺ لئلا يهوى اليه أحد من المشركين، فو الله ما دنا منا أحد الا أبو بكر شاهرا بالسيف على رأس رسول الله ﷺ لا يهوى اليه أحد الا أهوى اليه فهذا أشجع الناس. قال ولقد رأيت رسول الله ﷺ وأخذته قريش فهذا يحاده، وهذا يتلتله ويقولون أنت جعلت الآلهة إلها واحدا فو الله ما دنا منا أحد الا أبو بكر يضرب ويجاهد هذا ويتلتل هذا وهو يقول: ويلكم أتقتلون رجلا أن يقول ربى الله ثم رفع عليّ بردة كانت عليه فبكى حتى اخضلت لحيته ثم قال:
أنشدكم الله أمؤمن آل فرعون خير أم هو؟ فسكت القوم، فقال على: فو الله لساعة من أبي بكر خير من ملء الأرض من مؤمن آل فرعون، ذاك رجل يكتم إيمانه وهذا رجل أعلن إيمانه. ثم قال البزار لا نعلمه يروى الا من هذا الوجه. فهذه خصوصية للصديق حيث هو مع الرسول في العريش كما كان معه في الغار ﵁ وأرضاه.
ورسول الله ﷺ يكثر الابتهال والتضرع والدعاء ويقول فيما يدو به «اللهمّ إنك ان تهلك هذه العصابة لا تعبد بعدها في الأرض» وجعل يهتف بربه ويقول «اللهمّ أنجز لي ما وعدتني، اللهمّ نصرك» ويرفع يديه الى السماء حتى سقط الرداء عن منكبيه. وجعل أبو بكر ﵁ يلتزمه من ورائه ويسوى عليه رداءه ويقول مشفقا عليه من كثرة الابتهال: يا رسول الله بعض مناشدتك ربك فإنه سينجز لك ما وعدك.
[هكذا حكى السهيليّ عن قاسم بن ثابت أن الصديق انما قال بعض مناشدتك ربك من باب الإشفاق لما رأى من نصبه في الدعاء والتضرع حتى سقط الرداء عن منكبيه فقال: بعض هذا يا رسول الله أي لم تتعب نفسك هذا التعب والله قد وعدك بالنصر، وكان ﵁ رقيق القلب شديد الإشفاق على رسول الله ﷺ . وحكى السهيليّ عن شيخه أبى بكر بن العربيّ بانه قال: كان رسول الله ﷺ في مقام الخوف والصديق في مقام الرجاء وكان مقام الخوف في هذا الوقت - يعنى أكمل - قال لأن لله أن يفعل ما يشاء فخاف أن لا يعبد في الأرض بعدها، فخوفه ذلك عبادة.
قلت وأما قول بعض الصوفية إن هذا المقام في مقابلة ما كان يوم الغار فهو قول مردود على قائله إذ لم يتذكر هذا القائل عور ما قال ولا لازمه ولا ما يترتب عليه والله أعلم] (١).
هذا وقد تواجه الفئتان وتقابل الفريقان وحضر الخصمان بين يدي الرحمن واستغاث بربه سيد الأنبياء وضج الصحابة بصنوف الدعاء إلى رب الأرض والسماء سامع الدعاء وكاشف البلاء. فكان أول من قتل من المشركين الأسود بن عبد الأسد المخزومي. قال ابن إسحاق: وكان رجلا شرسا سيئ الخلق فقال: أعاهد الله لأشربن من حوضهم أو لأهدمنّه أو لأموتن دونه، فلما خرج خرج اليه حمزة بن عبد المطلب، فلما التقيا ضربه حمزة فاطن قدمه بنصف ساقه وهو دون الحوض فوقع
стр. 966
على ظهره تشخب رجله دما نحو أصحابه، ثم حبا إلى الحوض حتى اقتحم فيه يريد زعم أن تبر يمينه واتبعه حمزة فضربه حتى قتله في الحوض. قال الأموي: فحمى عند ذلك عتبة بن ربيعة وأراد أن يظهر شجاعته، فبرز بين أخيه شيبة وابنه الوليد، فلما توسطوا بين الصفين دعوا إلى البراز فخرج اليهم فتية من الأنصار ثلاثة وهم عوف ومعاذ ابنا الحارث وأمهما عفراء، والثالث عبد الله بن رواحة - فيما قيل - فقالوا من أنتم؟ قالوا رهط من الأنصار. فقالوا ما لنا بكم من حاجة.
وفي رواية فقالوا أكفاء كرام ولكن أخرجوا إلينا من بنى عمنا، ونادى مناديهم: يا محمد اخرج إلينا أكفاءنا من قومنا. فقال النبي ﷺ : «قم يا عبيدة بن الحارث، وقم يا حمزة، وقم يا على» وعند الأموي أن النفر من الأنصار لما خرجوا كره ذلك رسول الله ﷺ لانه أول موقف واجه فيه رسول الله ﷺ أعداءه فأحب أن يكون أولئك من عشيرته فأمرهم بالرجوع وأمر أولئك الثلاثة بالخروج.
قال ابن إسحاق فما دنوا منهم قالوا من أنتم؟ - وفي هذا دليل أنهم كانوا ملبسين لا يعرفون من السلاح - فقال: عبيدة عبيدة، وقال حمزة حمزة، وقال على على. قالوا نعم! أكفاء كرام.
فبارز عبيدة وكان أسن القوم عتبة، وبارز حمزة شيبة، وبارز على الوليد بن عتبة. فاما حمزة فلم يمهل شيبة أن قتله وأما على فلم يمهل الوليد ان قتله، واختلف عبيدة وعتبة بينهما بضربتين كلاهما أثبت صاحبه، وكر حمزة وعليّ بأسيافهما على عتبة فذففا عليه واحتملا صاحبهما فحازاه إلى أصحابهما ﵁.
وقد ثبت في الصحيحين من حديث أبى مجاز عن قيس بن عباد عن أبى ذر: أنه كان يقسم قسما أن هذه الآية ﴿هذانِ خَصْمانِ اِخْتَصَمُوا فِي رَبِّهِمْ﴾ نزلت في حمزة وصاحبه، وعتبة وصاحبه يوم برزوا في بدر. هذا لفظ البخاري في تفسيرها.
وقال البخاري حدثنا حجاج بن منهال حدثنا المعتمر بن سليمان سمعت أبى ثنا أبو مجاز عن قيس بن عباد عن على بن أبى طالب. أنه قال: أنا أول من يجثو بين يدي الرحمن في الخصومة يوم القيامة. قال قيس: وفيهم نزلت ﴿هذانِ خَصْمانِ اِخْتَصَمُوا فِي رَبِّهِمْ﴾ قال هم الذين بارزوا يوم بدر على وحمزة وعبيدة وشيبة بن ربيعة وعتبة ابن ربيعة والوليد بن عتبة، تفرد به البخاري. وقد أوسعنا الكلام عليها في التفسير بما فيه كفاية ولله الحمد والمنة.
وقال الأموي حدثنا معاوية بن عمرو عن أبى إسحاق عن ابن المبارك عن إسماعيل بن أبى خالد عن عبد الله البهي. قال: برز عتبة وشيبة والوليد وبرز اليهم حمزة وعبيدة وعلى. فقالوا: تكلموا نعرفكم. فقال حمزة: أنا أسد الله وأسد رسول الله أنا حمزة بن عبد المطلب. فقال كفؤ كريم. وقال على: أنا عبد الله وأخو رسول الله، وقال عبيدة: أنا الّذي في الحلفاء، فقام كل رجل إلى رجل فقاتلوهم
стр. 967
فقتلهم الله. فقالت هند في ذلك:
أعيني جودي بدمع سرب … على خير خندف لم ينقلب
تداعى له رهطه غدوة … بنو هاشم وبنو المطلب
يذيقونه حد أسيافهم … يعلونه بعد ما قد عطب
ولهذا نذرت هند أن تأكل من كبد حمزة.
قلت:
وعبيدة هذا هو ابن الحارث بن المطلب بن عبد مناف ولما جاءوا به إلى رسول الله ﷺ أضجعوه إلى جانب موقف رسول الله ﷺ فاشرفه (١) رسول الله ﷺ قدمه فوضع خده على قدمه الشريفة وقال: يا رسول الله لو رآني أبو طالب لعلم أنى أحق بقوله:
ونسلمه حتى نصرّع دونه … ونذهل عن أبنائنا والحلائل
ثم مات ﵁ فقال رسول الله ﷺ «أشهد أنك شهيد» رواه الشافعيّ ﵀.
وكان أول قتيل من المسلمين في المعركة مهجع مولى عمر بن الخطاب رمى بسهم فقتله. قال ابن إسحاق فكان أول من قتل، ثم رمى بعده حارثة بن سراقة أحد بنى عدي بن النجار وهو يشرب من الحوض بسهم فأصاب نحره فمات. وثبت
في الصحيحين عن أنس أن حارثة بن سراقة قتل يوم بدر وكان في النظارة أصابه سهم غرب فقتله، فجاءت أمه فقالت يا رسول الله أخبرنى عن حارثة فان كان في الجنة صبرت وإلا فليرين الله ما أصنع - يعنى من النياح - وكانت لم تحرم بعد. فقال لها رسول الله ﷺ «ويحك أهبلت، إنها جنان ثمان وان ابنك أصاب الفردوس الأعلى».
قال ابن إسحاق: ثم تزاحف الناس ودنا بعضهم من بعض. وقال: أمر رسول الله ﷺ أصحابه أن لا يحملوا حتى يأمرهم، وقال إن اكتنفكم القوم فانضحوهم عنكم بالنبل.
وفي صحيح البخاري عن أبى أسيد. قال قال لنا رسول الله ﷺ يوم بدر إذا أكثبوكم - يعنى المشركين - فارموهم واستبقوا نبلكم. وقال البيهقي أخبرنا الحاكم أخبرنا الأصم حدثنا احمد بن عبد الجبار عن يونس ابن بكير عن أبى إسحاق حدثني عبد الله بن الزبير. قال: جعل رسول الله ﷺ شعار المهاجرين يوم بدر يا بنى عبد الرحمن، وشعار الخزرج يا بنى عبد الله وشعار الأوس يا بنى عبيد الله، وسمى خيله خيل الله. قال ابن هشام: كان شعار الصحابة يوم بدر أحد أحد.
قال ابن إسحاق: ورسول الله ﷺ في العريش معه أبو بكر ﵁ يعنى وهو يستغيث الله كما قال تعالى ﴿إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجابَ لَكُمْ أَنِّي مُمِدُّكُمْ بِأَلْفٍ مِنَ الْمَلائِكَةِ مُرْدِفِينَ * وَما جَعَلَهُ اللهُ إِلاّ بُشْرى وَلِتَطْمَئِنَّ بِهِ قُلُوبُكُمْ وَمَا النَّصْرُ إِلاّ مِنْ عِنْدِ اللهِ إِنَّ اللهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾.
стр. 968
قال الامام احمد حدثنا أبو نوح قراد ثنا عكرمة بن عمار ثنا سماك الحنفي أبو زميل حدثني ابن عباس حدثني عمر بن الخطاب قال: لما كان يوم بدر نظر رسول الله ﷺ إلى أصحابه وهم ثلاثمائة ونيف، ونظر إلى المشركين فإذا هم ألف وزيادة فاستقبل النبي ﷺ القبلة وعليه رداؤه وإزاره ثم قال:
«اللهمّ أنجز لي ما وعدتني، اللهمّ إن تهلك هذه العصابة من أهل الإسلام فلا تعبد بعد في الأرض أبدا» فما زال يستغيث بربه ويدعوه حتى سقط رداؤه. فأتاه أبو بكر فاخذ رداءه فرده ثم التزمه من من ورائه ثم قال: يا رسول الله كفاك (١) مناشدتك ربك فإنه سينجز لك ما وعدك فانزل الله ﴿إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجابَ لَكُمْ أَنِّي مُمِدُّكُمْ بِأَلْفٍ مِنَ الْمَلائِكَةِ مُرْدِفِينَ﴾ وذكر تمام الحديث كما سيأتي وقد رواه مسلم وأبو داود والترمذي وابن جرير وغيرهم من حديث عكرمة بن عمار اليماني وصححه على ابن المديني والترمذي، وهكذا قال غير واحد عن ابن عباس والسدي وابن جرير وغيرهم إن هذه الآية نزلت في دعاء النبي ﷺ يوم بدر، وقد ذكر الأموي وغيره أن المسلمين عجوا الى الله في الاستغاثة بجنابه والاستعانة به وقوله تعالى ﴿بِأَلْفٍ مِنَ الْمَلائِكَةِ مُرْدِفِينَ﴾ أي ردفا لكم ومددا لفئتكم رواه العوفيّ عن ابن عباس. وقاله مجاهد وابن كثير وعبد الرحمن بن زيد وغيرهم. وقال أبو كدينة عن قابوس عن ابن عباس (مردفين) وراء كل ملك ملك. وفي رواية عنه بهذا الاسناد (مردفين) بعضهم على أثر بعض وكذا قال أبو ظبيان والضحاك وقتادة. وقد روى على بن أبى طلحة الوالبي عن ابن عباس قال: وأمد الله نبيه والمؤمنين بألف من الملائكة، وكان جبريل في خمسمائة مجنبة، وميكائيل في خمسمائة مجنبة، وهذا هو المشهور. ولكن قال ابن جرير حدثني المثنى حدثنا إسحاق ثنا يعقوب بن محمد الزهري حدثني عبد العزيز بن عمران عن الربعي عن أبى الحويرث عن محمد بن جبير عن على. قال: نزل جبريل في ألف من الملائكة على ميمنة النبي ﷺ وفيها أبو بكر، ونزل ميكائيل في ألف من الملائكة على ميسرة النبي ﷺ وأنا في الميسرة. ورواه البيهقي في الدلائل من حديث محمد بن جبير عن على فزاد: ونزل إسرافيل في ألف من الملائكة وذكر أنه طعن يومئذ بالحربة حتى اختضبت إبطه من الدماء، فذكر أنه نزلت ثلاثة آلاف من الملائكة، وهذا غريب وفي اسناده ضعف ولو صح لكان فيه تقوية لما تقدم من الأقوال ويؤيدها قراءة من قرأ ﴿بِأَلْفٍ مِنَ الْمَلائِكَةِ مُرْدِفِينَ﴾ بفتح الدال والله أعلم. وقال البيهقي أخبرنا الحاكم أخبرنا الأصم ثنا محمد بن سنان القزاز ثنا عبيد الله بن عبد المجيد أبو على الحنفي حدثنا عبيد الله بن عبد الرحمن بن موهب أخبرنى إسماعيل بن عوف بن عبد الله بن أبى رافع عن عبد الله بن محمد بن عمر بن على بن أبى طالب عن أبيه عن جده. قال: لما كان يوم بدر قاتلت شيئا من قتال، ثم جئت
стр. 969
مسرعا لا نظر إلى رسول الله ﷺ ما فعل، قال فجئت فإذا هو ساجد يقول «يا حي يا قيوم يا حي يا قيوم» لا يزيد عليها فرجعت إلى القتال ثم جئت وهو ساجد يقول ذلك أيضا، فذهبت إلى القتال ثم جئت وهو ساجد يقول ذلك أيضا، حتى فتح الله على يده. وقد رواه النسائي في اليوم والليلة عن بندار عن عبيد الله بن عبد المجيد أبى على الحنفي.
وقال الأعمش عن أبى إسحاق عن أبى عبيدة عن عبد الله بن مسعود. قال ما سمعت مناشدا ينشد أشد من مناشدة محمد ﷺ يوم بدر، جعل يقول «اللهمّ إني أنشدك عهدك ووعدك، اللهمّ إن تهلك هذه العصابة لا تعبد» ثم التفت وكأن شق وجهه القمر. وقال «كأنى انظر إلى مصارع القوم عشية» رواه النسائي من حديث الأعمش به.
وقال لما التقينا يوم بدر قام رسول الله ﷺ فما رأيت مناشدا ينشد حقا له أشد مناشدة من رسول الله ﷺ وذكره. وقد ثبت إخباره ﵇ بمواضع مصارع رءوس المشركين يوم بدر في صحيح مسلم عن أنس بن مالك كما تقدم، وسيأتي في صحيح مسلم أيضا عن عمر بن الخطاب. ومقتضى حديث ابن مسعود أنه أخبر بذلك يوم الوقعة وهو مناسب، وفي الحديثين الآخرين عن أنس وعمر ما يدل على أنه أخبر بذلك قبل ذلك بيوم ولا مانع من الجمع بين ذلك بأن يخبر به قبل بيوم وأكثر، وان يخبر به قبل ذلك بساعة يوم الوقعة والله أعلم. وقد
روى البخاري من طرق عن خالد الحذاء عن عكرمة عن ابن عباس أن النبي ﷺ قال وهو في قبة له يوم بدر «اللهمّ أنشدك عهدك ووعدك، اللهمّ إن شئت لم تعبد بعد اليوم أبدا» فاخذ أبو بكر بيده وقال حسبك يا رسول الله ألححت على ربك فخرج وهو يثب في الدرع وهو يقول ﴿سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ * بَلِ السّاعَةُ مَوْعِدُهُمْ وَالسّاعَةُ أَدْهى وَأَمَرُّ﴾ وهذه الآية مكية وقد جاء تصديقها يوم بدر كما
رواه ابن أبى حاتم حدثنا أبى ثنا أبو الربيع الزهراني ثنا حماد عن أيوب عن عكرمة قال لما نزلت ﴿سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ﴾ قال عمر: أي جمع يهزم وأي جمع يغلب؟ قال عمر فلما كان يوم بدر رأيت رسول الله ﷺ يثبت في الدرع وهو يقول ﴿سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ * بَلِ السّاعَةُ مَوْعِدُهُمْ وَالسّاعَةُ أَدْهى وَأَمَرُّ﴾ فعرفت تأويلها يومئذ وروى البخاري من طريق ابن جريج عن يوسف بن ماهان سمع عائشة تقول نزل على محمد بمكة - وإني لجارية العب - ﴿بَلِ السّاعَةُ مَوْعِدُهُمْ وَالسّاعَةُ أَدْهى وَأَمَرُّ﴾.
قال ابن إسحاق: وجعل رسول الله ﷺ يناشد ربه ما وعده من النصر ويقول فيما يقول «اللهمّ إن تهلك هذه العصابة اليوم لا تعبد» وأبو بكر يقول: يا نبي الله بعض مناشدتك ربك فان الله منجز لك ما وعدك، وقد خفق النبي ﷺ [خفقة] وهو في العريش ثم انتبه فقال: «أبشر يا أبا بكر أتاك نصر الله، هذا جبريل آخذ بعنان فرسه يقوده على ثناياه النقع» يعنى الغبار. قال ثم خرج رسول الله ﷺ إلى الناس فحرضهم. وقال «والّذي نفس محمد بيده لا يقاتلهم اليوم رجل فيقتل
стр. 970
صابرا محتسبا مقبلا غير مدبر إلا أدخله الله الجنة» قال عمير بن الحمام أخو بنى سلمة وفي يده تمرات يأكلهن: بخ بخ أفما بيني وبين أن أدخل الجنة إلا أن يقتلني هؤلاء؟ قال ثم قذف التمرات من يده وأخذ سيفه فقاتل القوم حتى قتل ﵀.
وقال الامام احمد حدثنا هاشم بن سليمان عن ثابت عن أنس. قال: بعث رسول الله ﷺ بسبسا عينا ينظر ما صنعت عير أبى سفيان، فجاء وما في البيت أحد غيري وغير النبي ﷺ قال لا أدرى ما استثنى من بعض نسائه، قال فحدثه الحديث. قال فخرج رسول الله فتكلم فقال «إن لنا طلبة فمن كان ظهره حاضر فليركب معنا» فجعل رجال يستأذنونه في ظهورهم في علو المدينة قال «لا إلا من كان ظهره حاضرا» وانطلق رسول الله ﷺ وأصحابه حتى سبقوا المشركين إلى بدر، وجاء المشركون فقال رسول الله ﷺ «لا يتقدمن أحد منكم إلى شيء حتى أكون أنا دونه» فدنا المشركون فقال رسول الله ﷺ «قوموا إلى جنة عرضها السموات والأرض» قال يقول عمير بن الحمام الأنصاري يا رسول الله جنة عرضها السموات والأرض؟ قال نعم! قال بخ بخ؟ فقال رسول الله «ما يحملك على قول بخ بخ؟ قال لا والله يا رسول الله إلا رجاء أن أكون من أهلها، قال فإنك من أهلها» قال فأخرج تمرات من قرنه فجعل يأكل منهن ثم قال: لئن أنا حييت حتى آكل تمراتي هذه إنها حياة طويلة، قال فرمى ما كان معه من التمر ثم قاتلهم حتى قتل ﵀. ورواه مسلم عن أبى بكر بن أبى شيبة وجماعة عن أبى النضر هاشم بن القاسم عن سليمان بن المغيرة به، وقد ذكر ابن جرير أن عميرا قاتل وهو يقول ﵁:
ركضا إلى الله بغير زاد … إلا التقى وعمل المعاد
والصبر في الله على الجهاد … وكل زاد عرضه النفاد
غير التقى والبر والرشاد
وقال الامام احمد: حدثنا حجاج حدثنا إسرائيل عن أبى إسحاق عن حارثة بن مضرب عن على. قال: لما قدمنا المدينة أصبنا من ثمارها فاجتويناها وأصابنا بها وعك، وكان رسول الله ﷺ يتحيز عن بدر فلما بلغنا أن المشركين قد أقبلوا سار رسول الله ﷺ إلى بدر - وبدر بئر - فسبقنا المشركين اليها فوجدنا فيها رجلين رجلا من قريش ومولى لعقبة بن أبى معيط فاما القرشي فانفلت، وأما المولى فوجدناه فجعلنا نقول له كم القوم؟ فيقول هم والله كثير عددهم شديد بأسهم فجعل المسلمون إذا قال ذلك ضربوه حتى انتهوا به إلى رسول الله ﷺ ، فقال له كم القوم؟ قال هم والله كثير عددهم شديد بأسهم. فجهد النبي ﷺ أن يخبره كم هم فأبى ثم ان النبي ﷺ سأله كم ينحرون من الجزر؟ فقال عشرا كل يوم. فقال النبي ﷺ «القوم ألف، كل جزور لمائة وتبعها» ثم إنه أصابنا من
стр. 971
الليل طش من مطر فانطلقنا تحت الشجر والحجف نستظل تحتها من المطر، وبات رسول الله ﷺ يدعو ربه ويقول «اللهمّ إنك إن تهلك هذه الفئة لا تعبد» فلما طلع الفجر نادى الصلاة عباد الله فجاء الناس من تحت الشجر والحجف فصلى بنا رسول الله ﷺ وحرض على القتال ثم قال «إن جمع قريش تحت هذه الضلع الحمراء من الجبل» فلما دنا القوم منا وصاففناهم إذا رجل منهم على جمل له احمر يسير في القوم، فقال رسول الله ﷺ «يا على ناد حمزة» وكان أقربهم من المشركين من صاحب الجمل الأحمر، فجاء حمزة فقال: هو عتبة بن ربيعة وهو ينهى عن القتال ويقول لهم يا قوم أعصبوها برأسى وقولوا جبن عتبة بن ربيعة، وقد علمتم أنى لست باجبنكم. فسمع بذلك أبو جهل فقال: أنت تقول ذلك والله لو غيرك يقوله لأعضضته قد ملأت رئتك جوفك رعبا. فقال: إياي تعير يا مصفر استه؟ سيعلم اليوم أينا الجبان فبرز عتبة وأخوه شيبة وابنه الوليد حمية فقالوا: من يبارز فخرج فتية من الأنصار مشببة فقال عتبة: لا نريد هؤلاء، ولكن نبارز من بنى عمنا من بنى عبد المطلب.
فقال رسول الله ﷺ «قم يا حمزة، وقم يا علي، وقم يا عبيدة بن الحارث بن المطلب» فقتل الله عتبة وشيبة ابني ربيعة والوليد بن عتبة، وجرح عبيدة فقتلنا منهم سبعين، وأسرنا سبعين وجاء رجل من الأنصار بالعباس بن عبد المطلب أسيرا، فقال العباس: يا رسول الله والله إن هذا ما أسرنى لقد أسرنى رجل أجلح من أحسن الناس وجها على فرس أبلق ما أراه في القوم فقال الأنصاري: أنا أسرته يا رسول الله. فقال: «اسكت، فقد أيدك الله بملك كريم» قال فاسرنا من بنى عبد المطلب العباس وعقيلا ونوفل بن الحارث هذا سياق حسن وفيه شواهد لما تقدم ولما سيأتي وقد تفرد بطوله الامام احمد. وروى أبو داود بعضه من حديث إسرائيل به، ولما نزل رسول الله ﷺ من العريش وحرض الناس على القتال والناس على مصافهم صابرين ذاكرين الله كثيرا كما قال الله تعالى آمرا لهم ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُوا وَاُذْكُرُوا اللهَ كَثِيراً﴾ الآية.
وقال الأموي حدثنا معاوية بن عمرو عن أبى إسحاق قال قال الأوزاعي: كان يقال قلما ثبت قوم قياما، فمن استطاع عند ذلك أن يجلس أو يغض طرفه ويذكر الله رجوت أن يسلم من الرياء، وقال عتبة بن ربيعة يوم بدر لأصحابه: ألا ترونهم - يعنى أصحاب النبي ﷺ جثيا على الركب كأنهم حرس يتلمظون كما تتلمظ الحيات - أو قال الأفاعي -.
قال الأموي في مغازيه: وقد كان النبي ﷺ حين حرض المسلمين على القتال قد نفل كل امرئ ما أصاب. وقال «والّذي نفسي بيده لا يقاتلهم اليوم رجل [فيقتل] صابرا محتسبا مقبلا غير مدبر إلا أدخله الله الجنة» وذكر قصة عمير بن الحمام كما تقدم، وقد قاتل بنفسه الكريمة قتالا شديدا ببدنه، وكذلك أبو بكر الصديق كما كانا في العريش يجاهدان بالدعاء والتضرع، ثم نزلا فحرضا وحثا على القتال وقاتلا بالأبدان جمعا
стр. 972
بين المقامين الشريفين.
قال الامام احمد: حدثنا وكيع حدثنا إسرائيل عن أبى إسحاق عن حارثة ابن مضرب عن على قال: لقد رأيتنا يوم بدر ونحن نلوذ برسول الله ﷺ وهو أقربنا من العدو، وكان من أشد الناس يومئذ بأسا.
ورواه النسائي من حديث أبى إسحاق عن حارثة عن على قال:
كنا إذا حمى البأس ولقي القوم اتقينا برسول الله ﷺ .
وقال الامام احمد حدثنا أبو نعيم حدثنا مسعر عن أبى عون عن أبى صالح الحنفي عن على. قال: قيل لعلى ولأبي بكر ﵄ يوم بدر: مع أحدكما جبريل ومع الآخر ميكائيل، وإسرافيل ملك عظيم يشهد القتال ولا يقاتل - أو قال يشهد الصف - وهذا يشبه ما تقدم من الحديث أن أبا بكر كان في الميمنة ولما تنزل الملائكة يوم بدر تنزيلا كان جبريل على أحد المجنبتين في خمسمائة من الملائكة، فكان في الميمنة من ناحية أبى بكر الصديق، وكان ميكائيل على المجنبة الأخرى في خمسمائة من الملائكة فوقفوا في الميسرة وكان على بن أبى طالب فيها [وفي حديث رواه أبو يعلى من طريق محمد بن جبير بن مطعم عن على. قال كنت أسبح على القليب يوم بدر فجاءت ريح شديدة ثم أخرى ثم أخرى فنزل ميكائيل في ألف من الملائكة فوقف على يمين رسول الله ﷺ وهناك أبو بكر، وإسرافيل في ألف في الميسرة وأنا فيها، وجبريل في ألف قال ولقد طفت يومئذ حتى بلغ إبطي] (١) وقد ذكر صاحب العقد وغيره أن أفخر بيت قالته العرب قول حسان بن ثابت:
وببئر بدر إذ يكف مطيهم … جبريل تحت لوائنا ومحمد
وقد قال البخاري حدثنا إسحاق بن إبراهيم حدثنا جرير عن يحيى بن سعيد عن معاذ بن رفاعة ابن رافع الزرقيّ عن أبيه - وكان أبوه من أهل بدر - قال: جاء جبريل إلى رسول الله ﷺ فقال ما تعدون أهل بدر فيكم؟ قال من أفضل المسلمين - أو كلمة نحوها - قال وكذلك من شهد بدرا من الملائكة. انفرد به البخاري. وقد قال الله تعالى ﴿إِذْ يُوحِي رَبُّكَ إِلَى الْمَلائِكَةِ أَنِّي مَعَكُمْ فَثَبِّتُوا الَّذِينَ آمَنُوا سَأُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ فَاضْرِبُوا فَوْقَ الْأَعْناقِ﴾ - يعنى الرؤس - ﴿وَاِضْرِبُوا مِنْهُمْ كُلَّ بَنانٍ﴾
وفي صحيح مسلم من طريق عكرمة بن عمار عن أبى زميل حدثني ابن عباس. قال:
بينما رجل من المسلمين يشتد في أثر رجل من المشركين أمامه إذ سمع ضربة بالسوط فوقه وصوت الفارس أقدم حيزوم إذ نظر إلى المشرك أمامه قد خر مستلقيا، فنظر إليه فإذا هو خطم وشق وجهه بضربة السوط وحضر ذلك أجمع فجاء الأنصاري فحدث ذاك رسول الله ﷺ فقال «صدقت ذلك من مدد السماء الثالثة» فقتلوا يومئذ سبعين، وأسروا سبعين.
قال ابن إسحاق: حدثني عبد الله بن أبى بكر بن حزم عمن حدثه عن ابن عباس عن رجل من
стр. 973
بنى غفار. قال: حضرت أنا وابن عم لي بدرا ونحن على شركنا، وإنا لفي جبل ننتظر الوقعة على من تكون الدائرة، فأقبلت سحابة فلما دنت من الجبل سمعنا منها حمحمة الخيل، وسمعنا قائلا يقول:
أقدم حيزوم فاما صاحبي فانكشف قناع قلبه فمات مكانه، وأما أنا لكدت أن أهلك ثم انتعشت بعد ذلك. وقال ابن إسحاق: وحدثني عبد الله بن أبى بكر عن بعض بنى ساعدة عن أبى أسيد مالك بن ربيعة - وكان شهد بدرا - قال - بعد أن ذهب بصره - لو كنت اليوم ببدر ومعى بصرى لأريتكم الشعب الّذي خرجت منه الملائكة لا أشك فيه ولا أتمارى. فلما نزلت الملائكة ورآها إبليس وأوحى الله اليهم ﴿أَنِّي مَعَكُمْ فَثَبِّتُوا الَّذِينَ آمَنُوا﴾. وتثبتهم أن الملائكة كانت تأتى الرجل في صورة الرجل يعرفه فيقول له أبشروا فإنهم ليسوا بشيء والله معكم كروا عليهم.
وقال الواقدي حدثني ابن أبى حبيبة عن داود بن الحصين عن عكرمة عن ابن عباس. قال كان الملك يتصور في صورة من يعرفون فيقول إني قد دنوت منهم وسمعتهم يقولون لو حملوا علينا ما ثبتنا ليسوا بشيء إلى غير ذلك من القول فذلك قوله ﴿إِذْ يُوحِي رَبُّكَ إِلَى الْمَلائِكَةِ أَنِّي مَعَكُمْ فَثَبِّتُوا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ الآية. ولما رأى إبليس الملائكة نكص على عقبيه وقال إني بريء منكم إني أرى ما لا ترون وهو في صورة سراقة وأقبل أبو جهل يحرض أصحابه ويقول: لا يهولنكم خذلان سراقة إياكم، فإنه كان على موعد من محمد وأصحابه ثم قال واللات والعزى لا نرجع حتى نفرق محمدا وأصحابه في الجبال فلا تقتلوهم وخذوهم أخذا وروى البيهقي من طريق سلامة عن عقيل عن ابن شهاب عن أبى حازم عن سهل بن سعد قال قال أبو أسيد - بعد ما ذهب بصره - يا ابن أخى والله لو كنت أنا وأنت ببدر ثم أطلق الله بصرى لأريتك الشعب الّذي خرجت علينا منه الملائكة من غير شك ولا تمار
وروى البخاري عن إبراهيم بن موسى عن عبد الوهاب عن خالد عن عكرمة عن ابن عباس أن رسول الله ﷺ قال يوم بدر «هذا جبريل آخذ برأس فرسه وعليه اداة الحرب».
وقال الواقدي حدثنا ابن أبى حبيبة عن داود بن الحصين عن عكرمة عن ابن عباس وأخبرنى موسى بن محمد بن إبراهيم التيمي عن أبيه. وحدثني عابد بن يحيى عن أبى الحويرث عن عمارة بن أكيمة الليثي عن عكرمة عن حكيم بن حزام قالوا: لما حضر القتال ورسول الله ﷺ رافع يديه يسأل الله النصر وما وعده يقول «اللهمّ إن ظهروا على هذه العصابة ظهر الشرك ولا يقوم لك دين» وأبو بكر يقول: والله لينصرنك الله وليبيضن وجهك، فانزل الله الفا من الملائكة مردفين عند اكتناف العدو. قال رسول الله ﷺ «أبشر يا أبا بكر هذا جبريل معتجر بعمامة صفراء آخذ بعنان فرسه بين السماء والأرض، فلما نزل إلى الأرض تغيب عنى ساعة ثم طلع وعلى ثناياه النقع يقول أتاك نصر الله إذ دعوته». وروى البيهقي عن أبى أمامة بن سهل عن أبيه. قال: يا بنى لقد رأيتنا يوم
стр. 974
بدر وأن أحدنا ليشير إلى رأس المشرك فيقع رأسه عن جسده قبل أن يصل اليه السيف.
وقال ابن إسحاق حدثني والدي حدثني رجال من بنى مازن عن أبى واقد الليثي قال إني لأتبع رجلا من المشركين لأضربه فوقع رأسه قبل أن يصل اليه سيفي فعرفت أن غيري قد قتله. وقال يونس بن بكير عن عيسى بن عبد الله التيمي عن الربيع بن أنس. قال: كان الناس يعرفون قتلى الملائكة ممن قتلوهم بضرب فوق الأعناق وعلى البنان مثل سمة النار وقد أحرق به.
وقال ابن إسحاق: حدثني من لا أتهم عن مقسم عن ابن عباس. قال: كانت سيماء الملائكة يوم بدر عمائم بيض قد أرخوها على ظهورهم الا جبريل فإنه كانت عليه عمامة صفراء. وقد قال ابن عباس لم تقاتل الملائكة في يوم سوى يوم بدر من الأيام، وكانوا يكونون فيما سواه من الأيام عددا ومددا لا يضربون. وقال الواقدي حدثني عبد الله بن موسى بن أبى أمية عن مصعب بن عبد الله عن مولى لسهيل بن عمرو سمعت سهيل بن عمرو يقول: لقد رأيت يوم بدر رجالا بيضا على خيل بلق بين السماء والأرض معلمين يقتلون ويأسرون. وكان أبو أسيد يحدث بعد أن ذهب بصره. قال:
لو كنت معكم الآن ببدر ومعى بصرى، لأريتكم الشعب الّذي خرجت منه الملائكة لا أشك ولا أمترى.
قال وحدثني خارجة بن إبراهيم عن أبيه. قال قال رسول الله ﷺ لجبريل: «من القائل يوم بدر من الملائكة أقدم حيزوم؟» فقال جبريل يا محمد ما كل أهل السماء أعرف.
قلت: وهذا الأثر مرسل، وهو يرد قول من زعم أن حيزوم اسم فرس جبريل كما قاله السهيليّ وغيره والله أعلم. وقال الواقدي حدثني إسحاق بن يحيى عن حمزة بن صهيب عن أبيه قال فما أدرى كم يد مقطوعة وضربة جائفة لم يدم كلمها قد رأيتها يوم بدر.
وحدثني محمد بن يحيى عن أبى عقيل عن أبى بردة بن نيار قال جئت يوم بدر بثلاثة أرؤس فوضعتهن بين يدي رسول الله ﷺ فقلت أما رأسان فقتلتهما، وأما الثالث فانى رأيت رجلا طويلا [قتله] فأخذت رأسه. فقال رسول الله ﷺ «ذاك فلان من الملائكة»
وحدثني موسى بن محمد بن إبراهيم عن أبيه. قال: كان السائب بن أبى حبيش يحدث في زمن عمر يقول: والله ما أسرنى أحد من الناس، فيقال فمن؟ يقول لما انهزمت قريش انهزمت معها فأدركني رجل أشعر طويل على فرس أبيض فأوثقني رباطا وجاء عبد الرحمن بن عوف فوجدني مربوطا فنادى في العسكر من أسر هذا؟ حتى انتهى بى إلى رسول الله ﷺ فقال من أسرك قلت لا أعرفه وكرهت أن أخبره بالذي رأيت فقال رسول الله ﷺ «أسرك ملك من الملائكة» اذهب يا ابن عوف بأسيرك. وقال الواقدي حدثني عابد بن يحيى حدثنا أبو الحويرث عن عمارة بن اكيمة عن حكيم بن حزام قال لقد رأيتنا يوم بدر وقد وقع بجاد من السماء قد سد الأفق فإذا الوادي يسيل نهلا فوقع في نفسي أن هذا شيء من السماء أيد به محمد، فما كانت إلا الهزيمة ولقىّ الملائكة
стр. 975
[وقال إسحاق بن راهويه حدثنا وهب بن جرير بن حازم حدثني أبى عن محمد بن إسحاق حدثني أبى عن جبير بن مطعم. قال: رأيت قبل هزيمة القوم - والناس يقتلون - مثل البجاد الأسود قد نزل من السماء مثل النمل الأسود، فلم أشك أنها الملائكة فلم يكن إلا هزيمة القوم] (١) ولما تنزلت الملائكة للنصر ورآهم رسول الله ﷺ حين أغفى إغفاءة ثم استيقظ وبشر بذلك أبا بكر وقال «أبشر يا أبا بكر هذا جبريل يقود فرسه على ثناياه النقع» يعنى من المعركة ثم خرج رسول الله ﷺ من العريش في الدرع فجعل يحرض على القتال ويبشر الناس بالجنة ويشجعهم بنزول الملائكة والناس بعد على مصافهم لم يحملوا على عدوهم حصل لهم السكينة والطمأنينة وقد حصل النعاس الّذي هو دليل على الطمأنينة والثبات والايمان، كما قال ﴿إِذْ يُغَشِّيكُمُ النُّعاسَ أَمَنَةً مِنْهُ﴾ وهذا كما حصل لهم بعد ذلك يوم أحد بنص القرآن، ولهذا قال ابن مسعود: النعاس في المصاف من الايمان، والنعاس في الصلاة من النفاق. وقال الله تعالى ﴿إِنْ تَسْتَفْتِحُوا فَقَدْ جاءَكُمُ الْفَتْحُ وَإِنْ تَنْتَهُوا فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَإِنْ تَعُودُوا نَعُدْ وَلَنْ تُغْنِيَ عَنْكُمْ فِئَتُكُمْ شَيْئاً وَلَوْ كَثُرَتْ وَأَنَّ اللهَ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ﴾. قال الامام احمد: حدثنا يزيد ابن هارون ثنا محمد بن إسحاق حدثني الزهري عن عبد الله بن ثعلبة أن أبا جهل قال - حين التقى القوم - اللهمّ أقطعنا للرحم وآتانا بما لا نعرف فأحنه الغداة. فكان هو المستفتح وكذا ذكره ابن إسحاق في السيرة ورواه النسائي من طريق صالح بن كيسان عن الزهري، ورواه الحاكم من حديث الزهري أيضا ثم قال: صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه.
وقال الأموي حدثنا أسباط بن محمد القريشي عن عطية عن مطرف في قوله ﴿إِنْ تَسْتَفْتِحُوا فَقَدْ جاءَكُمُ الْفَتْحُ﴾ قال قال أبو جهل: اللهمّ [أعن] أعز الفئتين، وأكرم القبيلتين، وأكثر الفريقين.
فنزلت ﴿إِنْ تَسْتَفْتِحُوا فَقَدْ جاءَكُمُ الْفَتْحُ﴾
وقال على بن أبى طلحة عن ابن عباس في قوله ﴿وَإِذْ يَعِدُكُمُ اللهُ إِحْدَى الطّائِفَتَيْنِ أَنَّها لَكُمْ﴾ قال أقبلت عير أهل مكة تريد الشام فبلغ ذلك أهل المدينة فخرجوا ومعهم رسول الله ﷺ يريدون العير، فبلغ ذلك أهل مكة فأسرعوا اليها لكيلا يغلب عليها النبي ﷺ وأصحابه فسبقت العير رسول الله ﷺ وكان الله قد وعدهم احدى الطائفتين، وكانوا يحبون أن يلقوا العير، وسار رسول الله ﷺ بالمسلمين يريد القوم، وكره القوم مسيرهم لشوكة القوم. فنزل النبي ﷺ والمسلمون، وبينهم وبين الماء رملة دعصة فأصاب المسلمون ضعف شديد وألقى الشيطان في قلوبهم الغيظ يوسوسهم تزعمون أنكم أولياء الله وفيكم رسوله، وقد غلبكم المشركون على الماء وأنتم كذا! فأمطر الله عليهم مطرا شديدا فشرب المسلمون وتطهروا فاذهب الله عنهم رجز الشيطان فصار الرمل لبدا ومشى الناس عليه والدواب، فساروا إلى القوم وأيد الله نبيه والمؤمنين بألف من
стр. 976
الملائكة. فكان جبريل في خمسمائة من الملائكة مجنبة وميكائيل في خمسمائة من الملائكة مجنبة وجاء إبليس في جند من الشياطين ومعه ذريته وهم في صورة رجال من بنى مدلج والشيطان في صورة سراقة بن مالك بن جعشم، وقال الشيطان للمشركين: لا غالب لكم اليوم من الناس، وانى جار لكم فلما اصطف الناس قال أبو جهل: اللهمّ أولانا بالحق فانصره ورفع رسول الله ﷺ يديه فقال «يا رب إن تهلك هذه العصابة فلن تعبد في الأرض أبدا». فقال له جبريل: خذ قبضة من التراب فأخذ قبضة من التراب فرمى بها وجوههم فما من المشركين من أحد إلا وأصاب عينيه ومنخريه وفمه تراب من تلك القبضة، فولوا مدبرين. وأقبل جبريل إلى إبليس فلما رآه - وكانت يده في يد رجل من المشركين - انتزع إبليس يده ثم ولى مدبرا وشيعته، فقال الرجل يا سراقة أما زعمت أنك لنا جار؟ قال إني أرى ما لا ترون، إني أخاف الله والله شديد العقاب وذلك حين رأى الملائكة رواه البيهقي في الدلائل.
[وقال الطبراني حدثنا مسعدة بن سعد العطار ثنا إبراهيم بن المنذر الحزامي ثنا عبد العزيز بن عمران ثنا هشام بن سعد عن عبد ربه بن سعيد بن قيس الأنصاري عن رفاعة بن رافع. قال: لما رأى إبليس ما فعل الملائكة بالمشركين يوم بدر أشفق أن يخلص اليه، فتشبث به الحارث بن هشام وهو يظن أنه سراقة بن مالك، فوكز في صدر الحارث ثم خرج هاربا حتى القى نفسه في البحر ورفع يديه فقال: اللهمّ إني أسألك نظرتك إياي وخاف أن يخلص القتل اليه. وأقبل أبو جهل فقال يا معشر الناس لا يهولنكم خذلان سراقة بن مالك فإنه كان على ميعاد من محمد، ولا يهولنكم قتل شيبة وعتبة والوليد فإنّهم قد عجلوا، فو اللات والعزى لا نرجع حتى نفرقهم بالجبال، فلا الفين رجلا منكم قتل رجلا ولكن خذوهم أخذا حتى تعرفوهم سوء صنيعهم من مفارقتهم إياكم ورغبتهم عن اللات والعزى. ثم قال أبو جهل متمثلا:
ما تنقم الحرب الشموس منى … بازل عامين حديث سنى
لمثل هذا ولدتني أمى (١)
وروى الواقدي عن موسى بن يعقوب الزمعى عن أبى بكر بن أبى سليمان عن أبى حتمة سمعت مروان بن الحكم يسأل حكيم بن حزام عن يوم بدر فجعل الشيخ يكره ذلك، فألح عليه فقال حكيم:
التقينا فاقتتلنا فسمعت صوتا وقع من السماء إلى الأرض مثل وقعة الحصاة في الطست، وقبض النبي ﷺ القبضة التراب فرمى بها فانهزمنا قال الواقدي وحدثنا إسحاق بن محمد بن عبد الرحمن بن محمد ابن عبد الله عن عبد الله بن ثعلبة بن صعير سمعت نوفل بن معاوية الديليّ يقول: انهزمنا يوم بدر
стр. 977
ونحن نسمع صوتا كوقع الحصى في الطاس في أفئدتنا ومن خلفنا، وكان ذلك من أشد الرعب علينا.
وقال الأموي حدثنا أبى ثنا ابن أبى إسحاق حدثني الزهري عن عبد الله بن ثعلبة بن صعير أن أبا جهل حين التقى القوم قال: اللهم أقطعنا للرحم وآتانا بما لا نعرف فأحنه الغداة. فكان هو المستفتح. فبينما هم على تلك الحال وقد شجع الله المسلمين على لقاء عدوهم وقللهم في أعينهم حتى طمعوا فيهم، خفق رسول الله ﷺ خفقة في العريش ثم انتبه فقال «أبشر يا أبا بكر هذا جبريل معتجر بعمامته آخذ بعنان فرسه يقوده على ثناياه النقع أتاك نصر الله وعدته» وأمر رسول الله ﷺ فاخذ كفا من الحصى بيده ثم خرج فاستقبل القوم فقال «شاهت الوجوه» ثم نفحهم بها ثم قال لأصحابه «احملوا فلم تكن إلا الهزيمة» فقتل الله من قتل من صناديدهم، وأسر من أسر منهم. وقال زياد عن ابن إسحاق ثم إن رسول الله ﷺ أخذ حنفة من الحصباء فاستقبل بها قريشا ثم قال «شاهت الوجوه» ثم نفحهم بها وأمر أصحابه فقال «شدوا» فكانت الهزيمة، فقتل الله من قتل من صناديد قريش، وأسر من أسر من أشرافهم.
وقال السدي الكبير قال رسول الله ﷺ لعلى يوم بدر «أعطنى حصباء من الأرض» فناوله حصباء عليها تراب فرمى به في وجوه القوم فلم يبق مشرك الا دخل في عينيه من ذلك التراب شيء، ثم ردفهم المسلمون يقتلونهم ويأسرونهم وأنزل الله في ذلك ﴿فَلَمْ تَقْتُلُوهُمْ وَلكِنَّ اللهَ قَتَلَهُمْ، وَما رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلكِنَّ اللهَ رَمى﴾ وهكذا قال عروة وعكرمة ومجاهد ومحمد بن كعب ومحمد بن قيس وقتادة وابن زيد وغيرهم ان هذه الآية نزلت في ذلك يوم بدر، وقد فعل ﵇ مثل ذلك في غزوة حنين كما سيأتي في موضعه إذا انتهينا اليه إن شاء الله وبه الثقة. وذكر ابن إسحاق أن رسول الله ﷺ لما حرض أصحابه على القتال ورمى المشركين بما رماهم به من التراب وهزمهم الله تعالى صعد إلى العريش أيضا ومعه أبو بكر، ووقف سعد بن معاذ ومن معه من الأنصار على باب العريش ومعهم السيوف خيفة أن تكر راجعة من المشركين إلى النبي ﷺ .
قال ابن إسحاق: ولما وضع القوم أيديهم يأسرون رأى رسول الله ﷺ فيما ذكر لي - في وجه سعد بن معاذ الكراهية لما يصنع الناس، فقال له «كأنى بك يا سعد تكره ما يصنع القوم؟» قال أجل والله يا رسول الله كانت أول وقعة أوقعها الله بأهل الشرك، فكان الإثخان في القتل أحب إلى من استبقاء الرجال.
قال ابن إسحاق: وحدثني العباس بن عبد الله بن معبد عن بعض أهله عن عبد الله بن عباس أن النبي ﷺ قال لأصحابه يومئذ «إني قد عرفت أن رجالا من بنى هاشم وغيرهم قد أخرجوا كرها لا حاجة لهم بقتالنا، فمن لقي منكم أحدا من بنى هاشم فلا يقتله ومن لقي أبا البختري بن هشام بن الحارث بن أسد فلا يقتله، ومن لقي العباس بن عبد المطلب عم رسول الله ﷺ فلا يقتله، فإنه إنما خرج مستكرها» فقال أبو حذيفة بن عتبة بن ربيعة: أنقتل
стр. 978
آباءنا وأبناءنا وإخواننا ونترك العباس، والله لئن لقيته لألحمنه بالسيف. فبلغت رسول الله ﷺ فقال لعمر: «يا أبا حفص» قال عمر: والله إنه لأول يوم كنانى فيه رسول الله ﷺ بابي حفص، «أيضرب وجه عم رسول الله بالسيف؟» فقال عمر: يا رسول الله دعني فلا ضرب عنقه بالسيف فو الله لقد نافق. فقال أبو حذيفة ما أنا بآمن من تلك الكلمة التي قلت يومئذ ولا أزال منها خائفا إلا أن تكفرها عنى الشهادة فقتل يوم اليمامة شهيدا ﵁.
مقتل أبى البختري بن هشام
قال ابن إسحاق: وإنما نهى رسول الله ﷺ عن قتل أبى البختري لانه كان أكف القوم عن رسول الله ﷺ وهو بمكة. كان لا يؤذيه ولا يبلغه عنه شيء يكرهه، وكان ممن قام في نقض الصحيفة فلقيه المجذر بن ذياد البلوى حليف الأنصار فقال له: إن رسول الله ﷺ نهانا عن قتلك ومع أبى البختري زميل له خرج معه من مكة وهو جنادة بن مليحة وهو من بنى ليث. قال وزميلي؟ فقال له المجذر لا والله ما نحن بتاركي زميلك، ما أمرنا رسول الله إلا بك وحدك، قال لا والله إذا لأموتن أنا وهو جميعا لا يتحدث عنى نساء قريش بمكة أنى تركت زميلي حرصا على الحياة. وقال أبو البختري وهو ينازل المجذر:
لن يترك (١) ابن حرة زميله … حتى يموت أو يرى سبيله
قال فاقتتلا فقتله المجذر بن ذياد وقال في ذلك:
إما جهلت أو نسيت نسبي … فأثبت النسبة إني من بلى
الطاعنين برماح اليزني … والطاعنين (٢) الكبش حتى ينحنى
بشّر بيتم من أبوه البختري … أو بشرن بمثلها منى بنى
أنا الّذي يقال أصلى من بلى … أطعن بالصعدة حتى تنثني
وأعبط القرن بعصب مشرفي … أرزم للموت كإرزام المري
فلا يرى مجذرا يفرى فرى
ثم أتى المجذر رسول الله ﷺ فقال: والّذي بعثك بالحق لقد جهدت عليه أن يستأسر فآتيك به فأبى ألا أن يقاتلني، فقاتلته فقتلته.
فصل في مقتل أمية بن خلف
قال ابن إسحاق وحدثني يحيى بن عباد بن عبد الله بن الزبير عن أبيه وحدثنيه أيضا عبد الله
стр. 979
ابن أبى بكر وغيرهما عن عبد الرحمن بن عوف. قال: كان أمية بن خلف لي صديقا بمكة، وكان اسمى عبد عمرو فتسميت حين أسلمت عبد الرحمن، فكان يلقاني ونحن بمكة فيقول: يا عبد عمرو أرغبت عن اسم سماكه أبوك؟ قال فأقول نعم! قال فانى لا أعرف الرحمن فاجعل بيني وبينك شيئا أدعوك به أما أنت فلا تجيبني باسمك الأول وأما أنا فلا أدعوك بما لا أعرف. قال وكان إذا دعاني يا عبد عمرو لم أجبه، قال فقلت له يا أبا على اجعل ما شئت. قال فأنت عبد الإله قال قلت نعم! قال فكنت إذا مررت به قال يا عبد الإله فأجيبه فأتحدث معه، حتى إذا كان يوم بدر مررت به وهو واقف مع ابنه على وهو آخذ بيده، قال ومعى أدراع لي قد استلبتها فأنا أحملها فلما رآني. قال يا عبد عمرو فلم أجبه، فقال يا عبد الإله فقلت نعم! قال هل لك في فأنا خير لك من هذه الادراع التي معك قال قلت نعم ها الله، قال فطرحت الادراع من يدي وأخذت بيده وبيد ابنه وهو يقول:
ما رأيت كاليوم قط، أما لكم حاجة في اللبن؟ ثم خرجت أمشى بهما. قال ابن إسحاق: حدثني عبد الواحد بن أبى عون عن سعد بن إبراهيم عن أبيه عن عبد الرحمن بن عوف. قال قال لي أمية ابن خلف وأنا بينه وبين ابنه آخذا بأيديهما: يا عبد الإله من الرجل منكم المعلم بريشة نعامة في صدره؟ قال قلت حمزة قال ذاك الّذي فعل بنا الأفاعيل. قال عبد الرحمن فو الله إني لأقودهما إذ رآه بلال معى - وكان هو الّذي يعذب بلالا بمكة على الإسلام - فلما رآه قال رأس الكفر أمية بن خلف، لا نجوت إن نجا، قال قلت أي بلال أسيري، قال لا نجوت إن نجا، قال ثم صرخ بأعلى صوته يا أنصار الله رأس الكفر أمية بن خلف لا نجوت إن نجا، فأحاطوا بنا حتى جعلونا في مثل المسكة (١) فانا أذب عنه، قال فاخلف رجل السيف فضرب رجل ابنه فوقع، وصاح أمية صيحة ما سمعت بمثلها قط، قال قلت أنج بنفسك ولا نجاء، فو الله ما أغنى عنك شيئا. قال فهبروهما بأسيافهم حتى فرغوا منهما. قال فكان عبد الرحمن يقول: يرحم الله بلالا فجعني بادراعى وباسيرى. وهكذا رواه البخاري في صحيحه قريبا من هذا السياق فقال في الوكالة حدثنا عبد العزيز - هو ابن عبد الله - حدثنا يوسف - هو ابن الماجشون - عن صالح بن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف عن أبيه عن جده عبد الرحمن بن عوف قال: كاتبت أمية بن خلف كتابا بأن يحفظني في صاغيتى (٢) بمكة وأحفظه في صاغيته بالمدينة، فلما ذكرت الرحمن قال لا أعرف الرحمن، كاتبني باسمك الّذي كان في الجاهلية فكاتبته عبد عمرو فلما كان يوم بدر خرجت إلى جبل لا حرزه حين نام الناس فأبصره بلال فخرج حتى وقف على مجلس [من] الأنصار فقال: أمية بن خلف؟! لا نجوت إن نجا أمية بن خلف فخرج
стр. 980
معه فريق من الأنصار في آثارنا فلما خشيت أن يلحقونا خلفت لهم ابنه لاشغلهم فقتلوه ثم أتوا حتى تبعونا وكان رجلا ثقيلا، فلما أدركونا قلت له أبرك فبرك فألقيت عليه نفسي لا منعه فتخللوه بالسيوف من تحتى حتى قتلوه، وأصاب أحدهم رجلي بسيفه فكان عبد الرحمن بن عوف يرينا ذلك في ظهر قدمه. سمع يوسف صالحا وإبراهيم أباه. تفرد به البخاري من بينهم كلهم. وفي مسند رفاعة بن رافع أنه هو الّذي قتل أمية بن خلف.
مقتل أبى جهل لعنه الله
قال ابن هشام: وأقبل أبو جهل يومئذ يرتجز ويقول:
ما تنقم الحرب العوان منى … يازل عامين حديث سنى
لمثل هذا ولدتني أمى
قال ابن إسحاق: ولما فرغ رسول الله ﷺ من عدوه أمر بابي جهل أن يلتمس في القتلى، وكان أول من لقي أبا جهل كما حدثني ثور بن زيد عن عكرمة عن ابن عباس وعبد الله بن أبى بكر أيضا قد حدثني ذلك قالا: قال معاذ بن عمرو بن الجموح أخو بنى سلمة سمعت القوم وأبو جهل في مثل الحرجة (١) وهم يقولون: أبو الحكم لا يخلص اليه، فلما سمعتها جعلته من شأنى فصمدت نحوه، فلما أمكننى حملت عليه فضربته ضربة أطنت قدمه بنصف ساقه، فو الله ما شبهتها حين طاحت إلا بالنواة تطيح من تحت مرضخة النوى حين يضرب بها، قال وضربني ابنه عكرمة على عاتقي فطرح يدي فتعلقت بجلده من جنبي، واجهضنى القتال عنه فلقد قاتلت عامة يومى وإني لاسحبها خلفي فلما آذتني وضعت عليها قدمي ثم تمطيت بها عليها حتى طرحتها. قال ابن إسحاق: ثم عاش بعد ذلك حتى كان زمن عثمان. ثم مر بابي جهل - وهو عقير - معوذ بن عفراء فضربه حتى أثبته، وتركه وبه رمق. وقاتل معوذ حتى قتل، فمر عبد الله بن مسعود بابي جهل حين أمر رسول الله ﷺ أن يلتمس في القتلى وقد قال لهم رسول الله ﷺ فيما بلغني - انظروا إن خفي عليكم في القتلى إلى أثر جرح في ركبته فانى ازدحمت أنا وهو يوما على مأدبة لعبد الله بن جدعان ونحن غلامان وكنت أشف منه بيسير، فدفعته فوقع على ركبتيه فجحش في أحدهما جحشا لم يزل أثره به. قال ابن مسعود: فوجدته بآخر رمق فعرفته. فوضعت رجلي على عنقه قال وقد كان ضبث بى (٢) مرة بمكة فآذانى ولكزنى
стр. 981
ثم قلت له: هل أخزاك الله يا عدو الله؟ قال وبماذا أخزانى؟ قال اعمد من رجل قتلتموه أخبرنى لمن الدائرة اليوم؟ قال قلت لله ولرسوله.
قال ابن إسحاق: وزعم رجال من بنى مخزوم أن ابن مسعود كان يقول قال لي: لقد ارتقيت مرتقى صعبا يا رويعى الغنم، قال ثم احتززت رأسه ثم جئت به رسول الله ﷺ فقلت: يا رسول الله هذا رأس عدو الله. فقال «الله الّذي لا إله غيره؟». وكانت يمين رسول الله ﷺ فقلت نعم! والله الّذي لا إله غيره ثم ألقيت رأسه بين يدي رسول الله ﷺ فحمد الله. هكذا ذكر ابن إسحاق ﵀. وقد ثبت
في الصحيحين من طريق يوسف بن يعقوب بن الماجشون عن صالح بن إبراهيم ابن عبد الرحمن بن عوف عن أبيه عن عبد الرحمن بن عوف. قال إني لواقف يوم بدر في الصف فنظرت عن يميني وشمالي فإذا أنا بين غلامين من الأنصار حديثة صفاتهما، فتمنيت أن أكون بين أظلع منهما فغمزني أحدهما فقال: يا عم أتعرف أبا جهل؟ فقلت نعم وما حاجتك اليه؟ قال أخبرت أنه يسب رسول الله ﷺ والّذي نفسي بيده لئن رأيته لا يفارق سوادي سواده حتى يموت الأعجل منا فتعجبت لذلك فغمزني الآخر فقال لي أيضا مثلها، فلم أنشب ان نظرت إلى أبى جهل وهو يجول في الناس فقلت ألا تريان؟ هذا صاحبكم الّذي تسألان عنه فابتدراه لسيفيهما فضرباه حتى قتلاه، ثم انصرفا إلى النبي ﷺ فأخبراه فقال «أيكما قتله». قال كل منهما أنا قتلته. قال «هل مسحتما سيفيكما؟» قالا: لا. قال فنظر النبي ﷺ في السيفين فقال: «كلاهما قتله» وقضى بسلبه لمعاذ بن عمرو بن الجموح - والآخر معاذ بن عفراء. وقال البخاري حدثنا يعقوب بن إبراهيم ثنا إبراهيم بن سعد عن أبيه عن جده. قال قال عبد الرحمن: إني لفي الصف يوم بدر إذ التفت فإذا عن يميني وعن يسارى فتيان حديثا السن فكأني لم آمن بمكانهما إذ قال لي أحدهما سرا من صاحبه: يا عم أرنى أبا جهل، فقلت يا ابن أخى ما تصنع به؟ قال عاهدت الله إن رأيته أن أقتله أو أموت دونه، وقال لي الآخر سرا من صاحبه مثله، قال فما سرني أننى بين رجلين مكانهما فأشرت لهما اليه فشدا عليه مثل الصقرين حتى ضرباه وهما ابنا عفراء.
وفي الصحيحين أيضا من حديث أبى سليمان التيمي عن أنس بن مالك قال قال رسول الله ﷺ «من ينظر ماذا صنع أبو جهل» قال ابن مسعود: أنا يا رسول الله فانطلق فوجده قد ضربه ابنا عفراء حتى برد. قال فأخذ بلحيته قال فقلت أنت أبو جهل؟ فقال وهل فوق رجل قتلتموه - أو قال قتله قومه - وعند البخاري عن أبى أسامة عن إسماعيل ابن قيس عن ابن مسعود أنه أتى أبا جهل فقال: هل أخزاك الله؟ فقال هل أعمد من رجل قتلتموه وقال الأعمش عن أبى إسحاق عن أبى عبيدة عن عبد الله قال انتهيت إلى أبى جهل وهو صريع وعليه بيضة ومعه سيف جيد. ومعى سيف رديء فجعلت أنقف رأسه بسيفي وأذكر نقفا كان ينقف
стр. 982
رأسي بمكة حتى ضعفت يده (١) فأخذت سيفه فرفع رأسه فقال: على من كانت الدائرة لنا أو علينا ألست رويعينا بمكة؟ قال فقتلته، ثم أتيت النبي ﷺ فقلت قتلت أبا جهل، فقال آلله الّذي لا إله إلا هو؟ فاستحلفني ثلاث مرات ثم قام معى اليهم فدعا عليهم.
وقال الامام احمد حدثنا وكيع ثنا إسرائيل عن أبى إسحاق عن أبى عبيدة قال قال عبد الله انتهيت إلى أبى جهل يوم بدر وقد ضربت رجله وهو يذهب الناس عنه بسيف له، فقلت الحمد لله الّذي أخزاك الله يا عدو الله. قال هل هو إلا رجل قتله قومه فجعلت أتناوله بسيف لي غير طائل فأصبت يده فندر (٢) سيفه فأخذته فضربته حتى قتلته قال ثم خرجت حتى أتيت النبي ﷺ كأنما أقل من الأرض (٣) فأخبرته فقال «آلله الّذي لا إله إلا هو؟» فرددها ثلاثا، قال قلت آلله الّذي لا إله إلا هو قال فخرج يمشى معى حتى قام عليه فقال «الحمد لله الّذي قد أخزاك الله يا عدو الله هذا كان فرعون هذه الأمة» وفي رواية أخرى قال ابن مسعود فنفلنى سيفه.
وقال أبو إسحاق الفزاري عن الثوري عن أبى إسحاق عن أبى عبيدة عن ابن مسعود قال أتيت رسول الله ﷺ يوم بدر فقلت قد قتلت أبا جهل فقال «آلله الّذي لا إله إلا هو؟» فقلت آلله الّذي لا إله إلا هو مرتين - أو ثلاثا - قال فقال النبي ﷺ «الله أكبر الحمد لله الّذي صدق وعده ونصر عبده وهزم الأحزاب وحده» ثم قال «انطلق فأرنيه» فانطلقت فأريته فقال «هذا فرعون هذه الأمة». ورواه أبو داود والنسائي من حديث أبى إسحاق السبيعي به.
وقال الواقدي وقف رسول الله ﷺ على مصرع ابني عفراء فقال «رحم الله ابني عفراء فهما شركاء في قتل فرعون هذه الأمة ورأس أئمة الكفر» فقيل يا رسول الله ومن قتله معهما؟ قال «الملائكة وابن مسعود قد شرك في قتله» رواه البيهقي.
[وقال البيهقي أخبرنا الحاكم أخبرنا الأصم حدثنا احمد بن عبد الجبار حدثنا يونس بن بكير عن عنبسة بن الأزهر عن أبى إسحاق قال: لما جاء رسول الله ﷺ البشير يوم بدر بقتل أبى جهل استحلفه ثلاثة أيمان بالله الّذي لا إله إلا هو لقد رأيته قتيلا؟ فحلف له فخر رسول الله ﷺ ساجدا] ثم روى البيهقي من طريق أبى نعيم عن سلمة بن رجاء عن الشعثاء - امرأة من بنى أسد - عن عبد الله ابن أبى أوفى أن رسول الله ﷺ صلى ركعتين حين بشر بالفتح وحين جيء برأس أبى جهل. وقال ابن ماجة حدثنا أبو بشر بكر بن خلف حدثنا سلمة بن رجاء قال حدثني شعثاء عن عبد الله بن أبى أوفى أن رسول الله ﷺ صلى يوم بشّر برأس أبى جهل ركعتين.
وقال ابن أبى الدنيا حدثنا أبى حدثنا هشام أخبرنا مجالد عن الشعبي أن رجلا قال لرسول الله ﷺ : إني مررت ببدر فرأيت رجلا يخرج من الأرض فيضربه رجل بمقمعة معه حتى يغيب في
стр. 983
الأرض ثم يخرج فيفعل به مثل ذلك مرارا. فقال رسول الله ﷺ «ذاك أبو جهل بن هشام يعذب الى يوم القيامة».
وقال الأموي في مغازيه سمعت أبى ثنا المجالد بن سعيد عن عامر قال جاء رجل إلى رسول الله ﷺ : فقال إني رأيت رجلا جالسا في بدر ورجل يضرب رأسه بعمود من حديد حتى يغيب في الأرض، فقال رسول الله ﷺ «ذاك أبو جهل وكل به ملك يفعل به كلما خرج فهو يتجلجل فيها الى يوم القيامة» وقال البخاري حدثنا عبيد بن إسماعيل ثنا أبو أسامة عن هشام عن أبيه قال قال الزبير: لقيت يوم بدر عبيدة بن سعيد بن العاص وهو مدجج لا يرى منه الا عيناه، وهو يكنى أبا ذات الكرش، فقال أنا أبو ذات الكرش، فحملت عليه بعنزة فطعنته في عينه فمات قال هشام فأخبرت أن الزبير قال: لقد وضعت رجلي عليه ثم تمطيت فكان الجهد أن نزعتها، وقد انثنى طرفاها، قال عروة فسأله إياها رسول الله ﷺ فأعطاه إياها، فلما قبض رسول الله ﷺ أخذها ثم طلبها أبو بكر فأعطاه إياها، فلما قبض أبو بكر سألها إياه عمر بن الخطاب فأعطاه إياها، فلما قبض عمر أخذها ثم طلبها عثمان منه فأعطاه إياها، فلما قتل عثمان وقعت عند آل على فطلبها عبد الله بن الزبير فكانت عنده حتى قتل. وقال ابن هشام حدثني أبو عبيدة وغيره من أهل العلم بالمغازى أن عمر بن الخطاب قال لسعيد بن العاص - ومر به - إني أراك كأن في نفسك شيئا أراك تظن أنى قتلت أباك إني لو قتلته لم أعتذر إليك من قتله، ولكنى قتلت خالي العاص بن هشام بن المغيرة فاما أبوك فانى مررت به وهو يبحث بحث الثور بروقه فحدت عنه وقصد له ابن عمه على فقتله.
قال ابن إسحاق وقاتل عكاشة بن محصن بن حرثان الأسدي حليف بنى عبد شمس يوم بدر بسيفه حتى انقطع في يده فأتى رسول الله ﷺ فأعطاه جذلا من حطب فقال «قاتل بهذا يا عكاشة» فلما أخذه من رسول الله ﷺ هزه فعاد سيفا في يده طويل القامة شديد المتن أبيض الحديدة، فقاتل به حتى فتح الله على المسلمين وكان ذلك السيف يسمى العون ثم لم يزل عنده يشهد به المشاهد مع رسول الله ﷺ حتى قتله طليحة الأسدي أيام الردة، وأنشد طليحة في ذلك قصيدة منها قوله:
عشية غادرت ابن أقوم (١) وناويا … وعكاشة الغنمي عند مجال
وقد أسلم بعد ذلك طليحة كما سيأتي بيانه.
قال ابن إسحاق: وعكاشة هو الّذي قال حين بشر رسول الله ﷺ أمته بسبعين ألفا يدخلون الجنة بغير حساب ولا عذاب أدع الله أن يجعلني منهم قال «اللهمّ اجعله منهم» وهذا الحديث مخرج في الصحاح والحسان وغيرهما.
قال ابن إسحاق:
وقال رسول الله ﷺ فيما بلغني - «منا خير فارس في العرب» قالوا ومن هو يا رسول الله؟ قال «عكاشة بن محصن» فقال ضرار بن الأزور ذاك رجل منا يا رسول الله، قال ليس منكم ولكنه
стр. 984
منا للحلف. وقد روى البيهقي عن الحاكم من طريق محمد بن عمر الواقدي حدثني عمر بن عثمان الخشنيّ عن أبيه عن عمته قالت قال عكاشة بن محصن: انقطع سيفي يوم بدر فأعطانى رسول الله ﷺ عودا فإذا هو سيف أبيض طويل، فقاتلت به حتى هزم الله المشركين، ولم يزل عنده حتى هلك. وقال الواقدي وحدثني أسامة بن زيد عن داود بن الحصين عن رجال من بنى عبد الأشهل عدة قالوا: انكسر سيف سلمة بن حريش يوم بدر فبقي أعزل لا سلاح معه فأعطاه رسول الله ﷺ قضيبا كان في يده من عراجين ابن طاب (١) فقال: اضرب به فإذا سيف جيد فلم يزل عنده حتى قتل يوم جسر أبى عبيدة.
رده ﵇ عين قتادة
قال البيهقي في الدلائل: أخبرنا أبو سعد الماليني أخبرنا أبو احمد بن عدي حدثنا أبو يعلى حدثنا يحيى الحماني ثنا عبد العزيز بن سليمان بن الغسيل عن عاصم بن عمر بن قتادة عن أبيه عن جده قتادة بن النعمان أنه أصيبت عينه يوم بدر فسالت حدقته على وجنته فأرادوا أن يقطعوها فسألوا رسول الله ﷺ فقال «لا» فدعاه فغمز حدقته براحته فكان لا يدرى أي عينيه أصيب وفي رواية فكانت أحسن عينيه. وقد روينا عن أمير المؤمنين عمر بن عبد العزيز أنه لما أخبره بهذا الحديث عاصم بن عمر بن قتادة وأنشد مع ذلك:
أنا ابن الّذي سالت على الخد عينه … فردت بكف المصطفى أيما رد
فقال عمر بن عبد العزيز ﵀ عند ذلك منشدا قول أمية بن أبى الصلت في سيف بن ذي يزن فأنشده عمر في موضعه حقا:
تلك المكارم لا قعبان من لبن … شيبا بماء فعادا بعد أبوالا
فصل قصة أخرى شبيهة بها
قال البيهقي: أخبرنا أبو عبد الله الحافظ أخبرنا محمد بن صالح أخبرنا الفضل بن محمد الشعراني حدثنا إبراهيم بن المنذر أخبرنا عبد العزيز بن عمران حدثني رفاعة بن يحيى عن معاذ بن رفاعة بن رافع عن أبيه رافع بن مالك. قال: لما كان يوم بدر تجمع الناس على أبى بن خلف، فأقبلت اليه فنظرت إلى قطعة من درعه قد انقطعت من تحت إبطه، قال فطعنته بالسيف فيها طعنة، ورميت بسهم يوم بدر، ففقئت عيني فبصق فيها رسول الله ﷺ ودعا لي فما أذانى منها شيء وهذا غريب من هذا الوجه واسناده جيد ولم يخرجوه. ورواه الطبراني من حديث إبراهيم بن المنذر. قال ابن
стр. 985
هشام ونادى أبو بكر ابنه عبد الرحمن وهو يومئذ مع المشركين لم يسلم بعد فقال: أين مالي يا خبيث فقال عبد الرحمن:
لم يبق إلا شكة ويعبوب … وصارم يقتل ضلال الشيب
يعنى لم يبق إلا عدة الحرب، وحصان وهو اليعبوب يقاتل عليه شيوخ الضلالة، هذا يقوله في حال كفره. وقد
روينا في مغازي الأموي أن رسول الله ﷺ جعل يمشى هو وأبو بكر الصديق بين القتلى ورسول الله ﷺ يقول «نفلق هاما» فيقول الصديق:
من رجال أعزة علينا … وهم كانوا أعق وأظلما
ذكر طرح رءوس الكفر في بئر يوم بدر
قال ابن إسحاق: وحدثني يزيد بن رومان عن عروة عن عائشة قالت: لما أمر رسول الله ﷺ بالقتلى أن يطرحوا في القليب، طرحوا فيه إلا ما كان من أمية بن خلف فإنه انتفخ في درعه فملأها فذهبوا ليخرجوه فتزايل [لحمه] فأقروه وألقوا عليه ما غيبه من التراب والحجارة، فلما ألقاهم في القليب وقف عليهم فقال: «يا أهل القليب هل وجدتم ما وعدكم ربكم حقا فانى قد وجدت ما وعدني ربى حقا» قالت فقال له أصحابه يا رسول الله أتكلم قوما موتى فقال «لقد علموا أن ما وعدهم ربهم حق» قالت عائشة: والناس يقولون: لقد سمعوا ما قلت لهم، وإنما قال رسول الله ﷺ لقد علموا
قال ابن إسحاق: وحدثني حميد الطويل عن أنس بن مالك قال سمع أصحاب النبي ﷺ رسول الله من جوف الليل وهو يقول «يا أهل القليب، يا عتبة بن ربيعة، ويا شيبة بن ربيعة، ويا أمية بن خلف، ويا أبا جهل بن هشام - فعدد من كان منهم في القليب - هل وجدتم ما وعد ربكم حقا فانى قد وجدت ما وعدني ربى حقا» فقال المسلمون: يا رسول الله ﷺ أتنادى قوما قد جيفوا؟ فقال «ما أنتم باسمع لما أقول منهم، ولكنهم لا يستطيعون أن يجيبوني» وقد رواه الامام احمد عن ابن أبى عدي عن حميد عن أنس فذكر نحوه. وهذا على شرط الشيخين
قال ابن إسحاق وحدثني بعض أهل العلم أن رسول الله ﷺ قال «يا أهل القليب بئس عشيرة النبي كنتم لنبيكم كذبتموني وصدقنى الناس، وأخرجتمونى وآوانى الناس، وقاتلتموني ونصرني الناس، هل وجدتم ما وعدكم ربكم حقا فانى قد وجدت ما وعدني ربى حقا».
قلت: وهذا مما كانت عائشة ﵂ تتأوله من الأحاديث كما قد جمع ما كانت تتأوله من الأحاديث في جزء وتعتقد أنه معارض لبعض الآيات، وهذا المقام مما كانت تعارض فيه قوله ﴿وَما أَنْتَ بِمُسْمِعٍ مَنْ فِي الْقُبُورِ﴾ وليس هو بمعارض له والصواب قول الجمهور من الصحابة ومن بعدهم