← История

История · id 23718

التنبيه والإشراف

المسعودي

Полный текст (353 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.

стр. 106

حكيمة ولها كتب في الرقية وغيرها، وليس ابطلميوس القلوذى صاحب كتاب المجسطي وغيره من الكتب من هؤلاء البطلميوسين ولم يكن ملكا وقد بينا ذلك في كتاب أخبار ملوك الروم الأولى فيما يرد من هذا الكتاب في ملك أنطونيوس بيوس مجملا وفيما تقدمه من الكتب مشروحا وأتينا في كتاب (فنون المعارف، وما جرى في الدهور السوالف) على أخبار اليونانيين وأنسابهم وآرائهم وديارهم والتنازع في بدء أنسابهم ومن قال انهم من ولد يونان بن يافث بن نوح، ومن قال بل هو يونان بن ارعوا بن فالغ بن عابر بن شالخ بن أرفخشد بن سام بن نوح، ومن قال بل هو يونان بن عابر أخو قحطان بن عابر ومن ذهب إلى أنهم من ولد أليفز بن العيص بن إسحاق ابن إبراهيم وانهم اخوة الروم وغير ذلك من الأقاويل وكيفية غلبة الروم عليهم ودخولهم في جملتهم حتى زال اسمهم وانقطع ذكرهم ونسب الجميع إلى الروم بغلبة أوغسطس الملك عليهم عند خروجه من رومية ومسيره إلى الشأم ومصر وتنازع الناس في الفلاسفة كفيثاغورس وثاليس وانباذقليس والرواقيين وأصحاب الاصطوان وأميروس وأرسيلاوس وسقراط وأفلاطون وأرسطاطاليس وثاوفرسطس وثامسطيوس وأبقراط وجالينوس وغيرهم من الفلاسفة والأطباء أروم هم أم يونانيون وما ذكرنا من الشواهد من كتبهم انهم يونانيون، وقول من قال إنهم روم وسير ملوكهم وحروبهم وأخبار الإسكندر وسيره ومسيره في مشارق الأرض ومغاربها، وما وطئ من الممالك، ولقي من الملوك، وبنى من المدن، ورأى من العجائب وأخبار الردم وهو سد يأجوج ومأجوج وما كان بينه وبين معلمه أرسطاطاليس بن نيقوماخس، صاحب كتب المنطق وغيرها، وتفسير «أرسطاطاليس» الغداء التام وقيل تام الفضيلة لأن أرسطو هو الفضيلة، وطاليس تام، وتفسير «نيقوماخس» قاهر الخصم من الرسائل والمكاتبات في

стр. 107

ضروب السياسات الملوكية والديانية وغير ذلك، وتنازع الناس في الإسكندر أهو ذو القرنين أم غيره؟ وما قيل في ذلك وما كان من أخبار خلفائه بعده كانطيخس الباني مدينة انطاكية وإلى اسمه أضيفت فعربتها العرب فسمتها أنطاكية، وكسليقس الباني مدينة سلوقية وغيرهما، وما كان بينهم وبين من كان بالإسكندرية من بلاد مصر من الحروب، وأخبار الفلاسفة وآرائهم الإلهيين منهم والطبيعيين، ومن قتل منهم، وما كانوا عليه من الآراء إلى عهد سقراط وأفلاطون وأرسطاطاليس من الفلسفة المدينة، وما أحدثوه من الآراء خلافا على من تقدم ومباينة للفلسفة الأولى الطبيعية التي اليها كان يذهب فوثاغورس وثاليس الملطي، وعوام اليونانيين، وصابئو المصريين الّذي بقيتهم في هذا الوقت صابئو الحرانيين، وقد ذكر ذلك أرسطاطاليس في كتابه في الحيوان، وهو تسع عشرة مقالة فقال ولما كان منذ عشرين سنة من زمن سقراط مال الناس عن الفلسفة الطبيعية إلى الفلسفة المدنية وما ذهب اليه سقراط ومن رأى رأيه ممن سميناه في الموجود الأول الّذي اقتبست الموجودات وجودها عنه وكيف يفيض عليها بجوده، وكيف حصلت الموجودات عنه، وعلى أي شيء هي سبب وجودها، وغاية لها، وعلى أي جهة ينبغي أن يعتقد، وكيف ترتيب مراتبها في الوجود، وكيف ارتبط بعضها ببعض، وبأي شيء ارتبطت وائتلفت، ومن أي شيء موادها، وما جواهر الأجسام الطبيعية التي تحتوى عليها الأجسام السمائية، وهي الأجسام الهيولانية، وما مراتب الروحانيين، وما فوض إلى كل واحد منهم من التدبير؟ ونفس الإنسان وكم قواها وما فعل كل واحد منها ومراتب بعضها في بعض، وإحصاء جمل أعضائها ومراتبها؟ وأي القوى هي الرئيسة، وما مراتبها، ومن انتهى في الرئاسة، وايها المخدومة وايها الخادمة؟ وكيف

стр. 108

يحدث العقل في الإنسان، وكيف فعل العقل الفعال في الحر الناطق، وتنازع الناس في السعادة المطلوبة التي لها كون الإنسان، وما الشقاء الّذي يصير اليه إذا حاد عن طريق العادة؟ وذكر المنام وأصناف الرؤيا، ولأى جزء من أجزاء النفس ذلك، وما الرؤيا الصادقة، ومن اين تحصل للنفس وكيف صارت الصادقة تدل، وعلى أي جهة تدل؟ وكيف الطريق إلى علم عبارة الرؤيا، وما الحاجة الى الاجتماعات الانسانية، وأصناف الاجتماعات وهي التي بها يتعاونون على بلوغ أغراضهم التي اليها يأتمون، وايها عظمي وايها وسطى وايها صغرى؟ وما الاجتماع المدني الّذي يكون في المدينة الفاضلة، وما المدينة الفاضلة، وما مراتب اجزائها، ومراتب رئاساتها، وكيف صارت منزلة أجزاء هذه المدينة منزلة أعضاء الحيوان من الحيوان، فإنهم يتعاونون على تكميل السعادة للإنسان كما يتعاون أعضاء الحيوان على تكميل حياة الحيوان؟ وكيف ينبغي ان يكون ملك هذه المدينة ورئيسها الأول؟ واى علامات وشرائط ينبغي ان يكون فيه من مولده وفي صبائه وحداثته يرشح بها لملك المدينة الفاضلة والفضائل التي يصير بها سائسا كاملا ورئيسا فاضلا، وبأي آداب وصناعات يؤدب فتمكن فيه حتى تحصل له مهنة الملكية الفاضلة؟ وفي اى الأمم يوجد ذلك في الأغلب، وفي ايها في النادر، وهل هو جزء من أجزاء المدينة أم غيرها، على ما في ذلك من التنازع بين أفلاطون وأرسطاطاليس، على حسب ما ذكره أفلاطون في كتاب (الفحص عن ملك المدينة الفاضلة) الّذي هو الفيلسوف في الحقيقة وذكره أرسطاطاليس في كتابه في (السياسة المدنية) وعدد أجزاء هذه المدينة ومثلها الطبيعية وكيف ينبغي ان تكون الرئاسات التي تتبع الرئيس الأول في هذه المدينة، وبماذا تكمل وتلتئم تلك الرئاسات؟ وكم أصناف المدن المضادة للمدينة الفاضلة، كالمدن الجاهلية والمدن الضالة والمدن الفاسقة ومراتب ملوكهم ورئاساتهم، ونحو ماذا يؤمون وعلى

стр. 109

بلوغ اى غرض يتعاونون، وما أصناف السعادات التي تصير اليها أنفس أهل المدينة الفاضلة في الحياة الآخرة وأصناف الشقاء التي تصير اليها أنفس أهل المدن المضادة للمدينة الفاضلة في الحياة الآخرة، وما الأشياء التي ينبغي أن يعلمها ويعمل بها أهل المدينة الفاضلة باشتراك وعلى العموم لينالوا بها السعادة الكاملة المطلوبة، وما العلامات التي يتميز بها أهل المدينة الفاضلة من باقي الأمم والمدن المضادة لهم وما ينبغي ان تكون عليه أحوال أهل المدينة الفاضلة متى لم تكن لهم مدينة تخصهم وكانوا غرباء في المدن المضادة لمدينتهم، وذكر الأصول الفاسدة التي منها تفرعت أصناف الآراء والاجتماعات والمدن والرئاسات الجاهلية والأصول الفاسدة التي منها تنشأ أصناف الآراء والاجتماعات والمدن والرئاسات الضالة، وقولهم في الأوائل بها وجود سائر الموجودات وهي الأول أكملها وجودا إذ لم يكن وجوده لأجل غيره ووجود كل ما سواه لأجله، والأشياء منه لا هو منها، اقتبست وجودها من وجوده، فهو كل الأشياء. وليست الأشياء هو، ومعرفته الواجبة ألّا طريق اليه الا منه ولا سبيل اليه الا به إذا كانت العلة لا يدركه معلول ولا محدث قديما ولا مخلوق خالقا، والثواني التي تليه في الوجود ومراتبها بحسب مراتب الأجسام السمائية وعددها على عددها، والعقل الفعال، والنفس، والصورة، والهيولى، وأن باقي الموجودات هي الأجسام، وأجناسها ستة، الجسم السمائى، والحيوان الناطق، والحيوان غير الناطق، والنبات، والأجسام الحجرية، وهي المعدنية، والاستقصات الأربعة وهي النار، والهواء، والماء، والأرض وما ذهبوا اليه في العقل الأول والثاني، والنفس وما تحت ذلك من الطبائع وأن العقل هو العلة المتوسطة بين الله ، وبين خلقه، والسبب الّذي شرفت به النفس الناطقة في عالمها، والمرآة التي بها تنظر الى محاسنها ومساويها وبها تتأمل صور مهالكها ومناجيها، وقولهم في النفس الناطقة وغيرها من

стр. 110

النفوس كالنزاعية والتخيلية والحسية والبهيمية، وما يرتبط منها بالأجسام السمائية التي هي على اعدادها ومقسومة عليها، وأن النفس الناطقة جوهر بسيط من جوهر الحي الّذي لا يموت، وأن موتها انتقالها من جسم الى جسم، وأنها إذا فارقت البدن عاينت كل ما في العوالم، ولم يخف عليها خافية، وأن غرضها وغايتها القصوى السعادة واللحاق بعالم العقل، وهي الإنسان على الحقيقة والعلة في نزولها من عالم العقل إلى عالم الحس، حتى نسيت بعد الذكر، وجهلت بعد العلم، وقول من رأى ذلك منهم، ولأية علة صار الإنسان العالم الصغير، وما اجتمع فيه وشبه به من سائر الأشياء، وما الاتصال والنسبة بين العوالم، عند من ذكرنا قوله؟ وما ذهب اليه أرسطاطاليس في أزلية العلة والمعلول، وذكره ذلك في المقالة الاولى من كتابه في (سمع الكيان) وفي المقالة الثامنة منه أيضا، وهو ثماني مقالات، وفي كتاب (السماء والعالم) وهو أربع مقالات، وفي كتاب (ما بعد الطبيعة) وهو ثلاث عشرة مقالة وقول سائر أهل الشرائع مع تنازعهم وغيرهم من أصحاب القدم في المعاد بعد مفارقة النفوس الأجساد، وقول أصحاب التأويل وغيرهم في الروح اللطيف الغير محسوس، والكثيف المحسوس، وغير ذلك من حدودهم المؤيد منها والمقصود وسائر الآراء والنحل قال المسعودي: وأرسطاطاليس هو تلميذ أفلاطون. وأفلاطون تلميذ سقراط وسقراط تلميذ أرسيلاوس، في الطبيعيات- دون غيرها من العلوم- وتفسير «أرسيلاوس» رأس السباع، وأرسيلاوس تلميذ انكساغورس وقد ذكرنا في كتاب (فنون المعارف، وما جرى في الدهور السوالف) الفلسفة وحدودها، والأخبار من كمية أجزائها وما ذكره فوثاغورس. وثاليس

стр. 111

الملطي، والرواقيون، وأفلاطون، وأرسطاطاليس وغيرهم. وتنازعهم في ذلك وصفة الفيلسوف الّذي يجب له في الحقيقة هذا الاسم، ويطلق عليه، وكيفية سيرته وأخلاقه وأوصافه وصورته. ومراتب الفلسفة، وعلى ماذا استقرت وكيف وقعت التعاليم بها إلى هذا الوقت، والى ماذا انتهت، والغرض من كتب المنطق ووصفها والحاجة التي دعت إلى تأليف كتب المنطق وما المنفعة التي تستفاد منها. ولم صارت ثمانية كتب. وما العلة في هذا الترتيب، وما الغرض المقصود في كل واحد منها، وما الأشياء التي ينبغي أن يبتدئ بالنظر فيها من أراد قراءة كتب المنطق. وفي أي صنف من الصناعات تدخل صناعة الفلسفة. وكم حدودها. وإلى من يضاف كل حد منها من الفلاسفة، ومن أي الجهات استخرجت حدودها. وما معنى كل حد منها. وكم أقسام الفلسفة الاوالى والثواني، ولم قسمت بهذه القسمة وجرت قسمتها هذا المجرى؟ ولأية علة ابتدئ بالفلسفة المدنية من سقراط ثم أفلاطون ثم أرسطاطاليس ثم ابن خالته ثاوفرسطس ثم أوذيمس، ومن تلاه منهم واحدا بعد آخر، وكيف انتقل مجلس التعليم من أثينة الى الاسكندرية من بلاد مصر، وجعل أوغسطس الملك لما قتل قلوبطرة الملكة التعليم بمكانين الاسكندرية ورومية، ونقل تيدوسيوس الملك الّذي ظهر في أيامه أصحاب الكهف التعليم من رومية، ورده إياه الى الاسكندرية؟ ولأى سبب نقل التعليم في أيام عمر بن عبد العزيز من الاسكندرية الى أنطاكية، ثم انتقاله الى حران في أيام المتوكل؟ وانتهى ذلك في أيام المعتضد إلى قويرى ويوحنا بن حيلان، وكانت وفاته بمدينة السلام في أيام المقتدر وإبراهيم المروزي، ثم الى أبى محمد بن كرنيب وأبى بشر متى بن يونس تلميذي إبراهيم المروزي، وعلى شرح متى لكتب أرسطاطاليس المنطقية يعول الناس في وقتنا هذا، وكانت وفاته ببغداد في خلافة الراضي، ثم الى أبى نصر محمد

стр. 112

ابن محمد الفارابيّ تلميذ يوحنا بن حيلان وكانت وفاته بدمشق في رجب سنة ٣٣٩ ولا أعلم في هذا الوقت أحدا يرجع اليه في ذلك الا رجلا واحدا من النصارى بمدينة السلام يعرف بأبي زكريا بن عدي، وكان مبدأ أمره ورأيه وطريقته في درس طريقة محمد بن زكريا الرازيّ، وهو رأى الفوثاغوريين في الفلسفة الاولى على ما قدمنا فلنذكر الآن ملوك الروم على طبقاتهم، الصابئين منهم والمتنصرة. وجملة ما ملكوا من السنين، وما كان من الحوادث العظيمة في أيامهم وبلادهم وغير ذلك من أخبارهم ذكر ملوك الروم على طبقاتهم من الحنفاء وهم الصابئون والمنتصرة وعدتهم، وجملة ما ملكوا من السنين عدة ملوك الروم جميعا من غائيوس قيصر أول ملوكهم الى قسطنطين بن لاون بن بسيل الملك عليهم في هذا الوقت وهو سنة ٣٤٥ في خلافة المطيع ثمانية وسبعون ملكا من ذلك الملوك الصابئون المسمون بالحنفاء قبل النصرانية أربعون ملكا، والمنتصرة من قسطنطين بن هيلانى الى قسطنطين بين لاون هذا ثمانية وثلاثون ملكا وجملة ما ملكوا من السنين تسعمائة وست وستون سنة وشهر من ذلك الصابئون ثلاثمائة وأربع وسبعون سنة وثلاثة أشهر، والمنتصرة الى ملك قسطنطين ابن لاون خمسمائة واحدى وتسعون سنة وعشرة أشهر

стр. 113

ذكر الطبقة الاولى من ملوك الروم، وهم الصابئون كان أول من يعد ممن ملك منهم برومية غائيوس قيصر، ملك ثماني عشرة سنة، وقد كان ملك بها قبله ملوك أولهم روملس وأرمانوس، البانيان لها المعروفان بابني الذئبة، والى اسمهما أضيفت رومية وأضيف الروم الى اسمهما وغيرهما من الملوك، غير أن غائيوس أول من يعد في التاريخ القديم وقيل إن أول من ملك الروم رهماساطوخاس وهو جائيوس الأصفر بن روم ابن سملاحين بن هريا بن علقا بن العيص بن إسحاق بن إبراهيم الثاني من ملوك رومية يوليوس، ملك اربع سنين وأربعة أشهر والثالث اوغسطس وتفسير «اوغسطس» باللغة الافرنجية الاولى الضياء وسمى «قيصر» تفسير ذلك بهذه اللغة شق عنه، وذلك أنهم ذكروا أن أمه ماتت وهي مقرب به فشق عنه بطنها واستخرج، وصار ذلك كالسمة لكثير من ملوكهم. واشتهر ذلك عنهم فسمتهم العرب بالقياصرة، ملك ستاً وخمسين سنة وخمسة أشهر وأكثر من عنى بأخبار ملوك الروم وتواريخهم، بأوغسطس يبتدئ لأنه أول ملك من ملوك الروم خرج عن مدينة رومية دار مملكته وسير جنوده براً وبحرا، فاستولى على ملك اليونانيين ومصر والشام. وقتل قلوبطرة، آخر ملوك اليونانيين، فاجتمع له ملك الروم واليونانيين وزالت رسوم اليونانيين فسمى الجميع روما، وذلك لاثنتي عشرة سنة خلت من ملكه، وولى هيرودس بن أنطيقوس على أورشلم وهي بيت المقدس وجبل يهودا وجبل الجليل ولاثنتين وأربعين سنة خلت من ملكه كان مولد المسيح ﵇ ببيت

стр. 114

لحم من بلاد فلسطين، يوم الأربعاء لست بقين من كانون الأول وكانت مريم يوم ولدته بنت ثلاث عشرة سنة عند النصارى، وكان جميع عمرها إحدى وخمسين سنة منها بعد رفع المسيح ست سنين فكان من آدم إلى مولده عندهم خمسة آلاف سنة وخمسمائة سنة وست سنين، ومن زوال ملك قلوبطرة آخر من ملك اليونانيين على ما قدمنا في هذا الكتاب إلى مولده ثلاثون سنة الرابع طيباريوس قيصر، ملك ثلاثا وعشرين سنة، وهو الّذي بنى مدينة طبرية من بلاد الأردن من أرض الشأم، والى اسمه أضيفت فعربتها العرب حين افتتحت البلاد فقالت طبرية ولخمس عشرة سنة خلت من ملكه عمد ايشوع الناصري عند النصارى في نهر الأردن، وكان المعمد له ابن خالته يحيى بن زكريا، ولذلك سمى يحيى المعمدانى واسم أمه صابات وكان أكبر من ايشوع بستة أشهر ولسبع عشرة سنة خلت من ملكه وهي سنة ٣٤٢ للإسكندر بن فيلبس الملك كان عند النصارى صلب ايشوع الناصري، وذلك في يوم الجمعة الثالث والعشرين من آذار، وهو عندهم منه في مثل اليوم الّذي أهبط فيه آدم من الجنة، ومات عندهم ودفن وقام وانبعث من بين الموتى حيا، وصعد إلى السماء وله ثلاث وثلاثون سنة، ولا يصعد عندهم إلى السماء إلا من نزل منها وكان فصح اليهود في هذه السنة يوم السبت لسبع بقين من آذار، وفصح النصارى إلى قيامة المسيح يوم الأحد لست بقين من أذار، والصعود يوم الخميس لثلاث خلون من نيسان والنصارى تصوم يوم الأربعاء، لأن ايشوع ولد فيه، والجمعة لأنه صلب

стр. 115

فيه عندهم تطوعا لا فريضة الخامس غائيوس بن طيباريوس ملك أربع سنين وقتل اصطفنوس رئيس الشمامسة والشهداء عند النصارى، ويعقوب أخا يوحنا بن زبدي في خلق كثير من النصارى السادس قلوذيوس بن طيباريوس، ملك أربع عشرة سنة، وفي أول سنة من ملكه قتل أغريفوس عامله على الإسرائيليين يوحنا بن زبدي أحد التلاميذ وحبس شمعون الصفا، ثم خلص شمعون الصفا من الحبس، وصار إلى مدينة انطاكية، والنصارى يدعونها مدينة الله، ومدينة الملك، وأم المدن، لأنها أول بلد أظهر فيه دين النصرانية، وبها كرسي بطرس ويسمى شمعون وسمعان، وهو خليفة ايشوع الناصري والمرأس على سائر التلاميذ الاثني عشر والسبعين وغيرهم، فشرع بطرس في بناء الكنيسة المعروفة في انطاكية بالقسيان إلى هذا الوقت وفي السنة الثالثة من ملكه دخل شمعون الصفا مدينة رومية، وسقف بها ودبرها سنين، ودانت امرأة الملك، وكان اسمها فروطانيقى ويقال لها بطريقية النصرانية، وصارت إلى أورشلم وهي بيت المقدس فأخرجت الخشبة التي تظن النصارى أن المسيح صلب عليها، ويسمونها صليب المسيح. وكانت في أيدي اليهود، قد منعوا النصارى منها فأخذتها منهم وردتها على النصارى وقوت أمرهم ونحن ذاكرون لمعا من أخبار هذه الخشبة وإلام آل أمرها في قصة هيلانى أم قسطنطين فيما يرد من هذا الكتاب، وإن كنا قد أتينا على شرح ذلك فيما سلف من كتبنا السابع نيرون بن قلوذيوس ملك ثلاث عشرة سنة وثلاثة أشهر، ولثلاث

стр. 116

عشرة سنة خلت من ملكه قبل بطرس، وبولس بمدينة رومية وصلبهما منكسين وذلك بعد ايشوع باثنتين وعشرين سنة وقد أتينا على خبر بطرس بمدينة رومية مع سيمن المصري، الّذي تسميه النصارى جميعا إلا الأريوسية «الساحر» وكان صحب ايشوع ثم خالفهم فيما سلف من كتبنا وفي السنة الثامنة من ملكه وثبت اليهود بأوريشلم، فيما ذكرت النصارى على يعقوب بن يوسف أخى ايشوع الناصري عندهم في الجسمية، وكان أول أساقفة بيت المقدس، وألقوه على رأسه من أعلى الهيكل فمات لامتناعه من الرجوع الى مذهبهم ومقامه على دين النصرانية ودفن الى جانب الهيكل وهدموا البيعة وأخذوا خشبة الصليب وخشبتي اللصين فدفنوها في قبر واحد وفي أيام هذا الملك فيما قيل كان مارينوس الحكيم صاحب كتاب جغرافيا في صورة الأرض وشكلها وبحارها وأنهارها وعامرها وغامرها وقد ذكره ابطلميوس القلوذى في كتاب جغرافيا في صورة الأرض وشكلها أيضا وأنكر عليه أشياء ذكرها الثامن غلباس، ملك سبعة أشهر التاسع اوثون، ملك ثلاثة أشهر العاشر بيطاليس ملك ثمانية أشهر الحادي عشر اسباسيانوس، ملك تسع سنين وسبعة أشهر، ووجه بابنه طيطوس في السنة الثانية من ملكه الى اورشلم لخلاف كان منهم عليه فحصرها وافتتحها عنوة وقتل أكثر أهلها من اليهود والنصارى وخرب الهيكل وكان عدة من قتل من الإسرائيليين فيما ذكر نحوا من ثلاثة آلاف ألف وعم الأذى اليهود وأنصاري في أيامه

стр. 117

الثاني عشر طيطوس بن اسباسيانوس ملك سنتين وثلاثة أشهر وفي أول سنة من ملكه أظهر مرقيون مقالته وهي القول بالاثنين الخير والشر وسعد ثالث بينهما وكان ابنا لبعض الأساقفة ببلاد حران واليه تنسب المرقيونية من أصحاب الاثنين الثالث عشر دومطيانوس بن اسباسيانيوس ملك خمس عشرة سنة وعشرة أشهر الرابع عشر نرواس قيصر، ملك سنة وخمسة أشهر الخامس عشر طرايانوس قيصر، ملك تسع عشرة سنة، وفي السنة السادسة من ملكه كانت وفاة يوحنا التلميذ بمدينة افسيس بعد أن كتب الإنجيل في جزيرة من جزائر البحر السادس عشر إيليا اذريانوس، ملك عشرين سنة وقتل من اليهود باورشلم وجبل يهودا وجبل الجليل وغيرها من أرض الشأم مقتلة عظيمة لخلاف كان منهم عليه وكذلك من النصارى وخرب أورشلم وهو آخر خرابها، فلما مضى من ملكه ثمان سنين عمرها وسماها إيليا، فصارت سمة لها إلى هذا الوقت وأسكنها جماعة من اليونانيين والروم وبنى على الاقرانيون المقبرة هيكلا عظيما للزهرة، وبنى نحو الهيكل الّذي يدعى البهاء برجا عظيما، وجعل على أعلاه لوحا من الرخام مكتوبا فيه بالذهب اسم الملك إيليا، وهذا البرج إلى هذا الوقت وهي سنة ٣٤٥ يسمى محراب داود وهو متصل بسور المدينة، وانما بنى بعد داود بمئين من السنين، وكان بنيانا عظيما سبع طبقات فهدم من أعاليه، وفي أيامه كان ساقيدس الفيلسوف الصامت وقد أتينا على خبره مع هذا الملك وغيره وإشارته ورموزه في (كتاب الاستذكار، لما جرى في سالف الأعصار) السابع عشر انطونينوس بيوس، ملك اثنتين وعشرين سنة قال المسعودي:

стр. 118

وفي أيامه كان ابطلميوس القلوذى صاحب كتاب المجسطي وجغرافيا والمقالات الأربع والقانون الّذي عمل عليه ثاون الإسكندراني وكتاب الأنواء وكتاب الموسيقى وان لم يذكر العود فيه فذلك دليل على أنه حدث بعده وغير ذلك مما أضيف اليه من الكتب وهو بطلاماوس بلغتهم وقيل انه من ولد قلوذيوس السادس من ملوك الروم على ما قدمنا فيما سلف من هذا الكتاب، وكانت أرصاده التي أرخ بها المجسطي في ملك انطونينوس هذا، وذلك موجود في المقالة التاسعة من هذا الكتاب وقد أدرك جالينوس عصره وشاهده في حال صباه، وجالينوس يعينه في كثير من أقاويله وارصاده لمخالفته أبرخس صاحب الارصاد القديمة، وقد غلط كثير من الناس ممن يدعى المعرفة بأخبار حكماء الأمم وفلاسفتهم والملوك ومن كان منهم في اعصارهم فجعلوه بعض ملوك اليونانيين بعد الإسكندر المسمين بهذا الاسم وأنه أبو قلوبطرة الملكة الحكيمة آخر من ملوك من ملوك اليونانيين المقدم ذكرها فيما سلف من هذا الكتاب، وذكروا أمورا أيدوا بها قولهم هذا، قد أتينا عليها فيما سلف من كتبنا قال المسعودي: ومن أدل الدلائل على بطلان قولهم أن ابطلميوس ذكر في النوع الثامن من القول الثالث من كتاب المجسطي انه رصد الشمس بالإسكندرية فوجد الاعتدال الخريفي في اليوم السابع من الشهر الثالث من شهور القبط سنة ٨٨٠ لبخت نصّر فإذا نظرنا ما بين ملك بخت نصّر إلى غلبة الإسكندر لدارا وهو أربعمائة سنة وتسع وعشرون سنة وثلاثمائة وستة عشر يوما، ومن غلبته إياه إلى زوال ملك قلوبطرة آخر من ملك من اليونانيين الملقبين بالبطلميوسين الذين ملكوا بالإسكندرية بعد الإسكندر بغلبة أوغسطس ملك الروم على ملكها على ما قدمنا فيما سلف من هذا الكتاب مائتا سنة

стр. 119

وست وثمانون سنة وثمانية عشر يوما ومنذ غلبة أوغسطس الى وفاته أربع وأربعون سنة وملك بعده من ملوك الروم إلى أنطونينوس الّذي ذكرنا أن ابطلميوس كان في أيامه من السنين مائة سنة وثلاثا وعشرين سنة وسبعة أشهر، فمنذ ملك نصر إلى ملك أنطونينوس هذا على هذه المسافة ثمانمائة واثنتان وثمانون سنة وثمانية أشهر وأربعة عشر يوما، وجدنا ذلك موافقا لما حكيناه عن ابطلميوس من تاريخ رصده الثامن عشر مرقس، ويسمى أورلليوس قيصر ملك تسع عشرة سنة وفي ملكه أظهر ابرديصان مقالته، وكان اسقفا للرهاء من بلاد الجزيرة واليه تضاف الديصانية من أصحاب الاثنين وتفسير «ابرديصان» وهي كلمة سريانية ابن النهر والنهر هناك معروف بديصان الى هذا الوقت على باب من أبواب الرهاء يعرف بشاعا مصبه إلى ناحية حلوان ثم ينتهى إلى نهر البليخ وإنما يجرى شهورا وينقطع في القيظ وله كنيسة على هذا النهر مما يلي الباب يعيد لها النصارى عيدا في السنة وقيل انه كان منبوذا أصيب على شاطئ هذا النهر فأضيف اليه التاسع عشر قوموذوس بن أنطونينوس ملك اثنتي عشرة سنة وفي أيامه كان جالينوس تاج الأطباء وإمامهم في عصره الّذي به يقتدون وعلى كتبه يعولون، والمفسر لكتب ابقراط والملخص لها بمدينة ابرغامس من أرض اليونانيين وقد ذكر ذلك جالينوس في كتابه في أخلاق النفس في فهرست كتبه وبين الإسكندر وقوموذوس الملك هذا خمسمائة سنة ونيف قد بين ذلك جالينوس في كتابه في الأخلاق أيضا فينبغي أن يكون لجالينوس إلى وقتنا هذا وهو سنة ١٢٦٧ للإسكندر وسنة ٣٤٥ للهجرة سبعمائة سنة ونيفا على التقريب وكان جالينوس بعد المسيح بنحو مائتي سنة وقد كان دين النصرانية ظهر في الروم واليونانيين وغيرهم في أيامه

стр. 120

وذكر جالينوس المتدينين من النصارى في كتابه في جوامع كتاب أفلاطون في السياسة، لأنه كان متدينا بذلك. وبين جالينوس وبين ابقراط نحو من ستمائة سنة لأن ابقراط كان قبل الإسكندر بقريب من مائة سنة في أيام ارطخشست من ملوك الفرس الأولى، وأرى انه بهمن بن إسفنديار بن كيبشتاسب بن كيلهراسب وقد ذكر ذلك جالينوس في تفسير كتاب ايمان ابقراط وشرحه له وترجمه حنين بن إسحاق فحكى أن ارطخشست هذا وجه الى عامله على مدينة قوس من أرض اليونانيين- وهم يومئذ في طاعته- بأمره بدفع قناطير من المال اليه وحمله اليه مكرما، لأنه نال من الفرس في ذلك الوقت داء يقال له الموتان فامتنع ابقراط من ذلك لأنه لم ير من العدل اشفاء الفرس وهم أعداء اليونانيين قال المسعودي: والبقارطة ثلاثة ابقراط هذا صاحب الكتب المصنفة في الطب التي ترجمها وشرحها جالينوس وغيره ككتاب الفصول وكتاب تقدمة المعرفة وهو كتاب الأمراض الحادثة وكتاب ماء الشعير وهو كتاب تدبير الأمراض وكتاب ابتديما وغيرها، وهو كتاب الاهوية والبلدان وغير ذلك من الكتب المنسوبة اليه من السنن وغيرهما، وهو من ولد سقلابيوس وكان معظما في اليونانيين وله هيكل وسقلابيوس هذا من ولد ابلون، وكان معظما لحكمته له أيضا هيكل في بعض الجزائر كان يحج اليه في أيام اليونانيين قبل ظهور النصرانية وقد ذكره أفلاطون في كتابه المسمى فادن في النفس والاثنان الباقيان من البقارطة من أولاده أيضا لأنه كان لابقراط الكبير ابنان أحدهما يقال له تاسلوس والآخر دراقن وكان لكل واحد منهما ابن سماه باسم جده ابقراط، ذكر ذلك غير واحد ممن تقدم وتأخر منهم حنين بن إسحاق في كتابه في الأسطقسات على رأى جالينوس على طريق المسألة والجواب

стр. 121

إلى ابنيه إسحاق وداود العشرون برطينقس قيصر، ملك ثلاثة أشهر الحادي والعشرون يوليانوس قيصر، ملك شهرين الثاني والعشرون سورس، ملك سبع عشرة سنة وشمل اليهود والنصارى في أيامه القتل والأذى والتشريد، وسار إلى بلاد مصر فبنى بالإسكندرية هيكلا عظيما سماه هيكل الآلهة الثالث والعشرون انطونيوس، ملك ست سنين الرابع والعشرون مقرينوس ملك سنة وشهرين الخامس والعشرون أنطونيوس الثاني، ملك أربع سنين السادس والعشرون الاكصندرس ويلقب مامياس، ملك ثلاث عشرة سنة السابع والعشرون مقسميانوس، ملك ثلاث سنين الثامن والعشرون بوبينوس، ملك ثلاثة أشهر التاسع والعشرون غرديانوس، ملك ست سنين الثلاثون فيلبس قيصر، ملك ست سنين ودعي إلى دين النصرانية فأجاب وترك ما كان عليه من مذاهب الصابئين واتبعه على ذلك كثير من أهل مملكته فآل ذلك إلى تحزبهم واختلاف كلمتهم في الديانة وكان فيمن خالفه عليه بطريق من بطارقته يقال له داقيوس فقتل فيلبس واستولى على الملك الحادي والثلاثون داقيوس، ملك سنتين ونتبع النصارى فقتل منهم مقتلة عظيمة ومنه هرب الفتية أصحاب الكهف وهم في جبل من جبال الروم يعرف بخاوس شرقى مدينة افسيس وهو على نحو ألف ذراع منها، وكانت هذه المدينة على بحر الروم فبعد البحر عنها في هذا الوقت وخربت وأحدثت مدينة على نحو ميل منها

стр. 122

قال المسعودي: وقد ذكرنا في كتاب (الاستذكار، لما جرى في سالف الأعصار) الّذي كتابنا هذا تال له في اخبار ملوك الروم تنازع الناس في أصحاب الكهف والرقيم ومواضعهم وهل هم أصحاب الرقيم أم هؤلاء غيرهم؟ ومن قال منهم ان الرقيم بالهوته وهي خارمى من بلاد الروم بين عمّورية ونيقية وكيفية تزاور الشمس في حال طلوعها وغروبها عن الكهف والعلة في ذلك على الشرح والإيضاح، وما كان من توجيه الواثق لمحمد بن موسى بن شاكر المنجم إلى هناك وما شاهد قال المسعودي: وللناس ممن عنى بهيئة الفلك وعلم النواحي والآفاق وتأثيرات الأجسام السمائية في هذا العالم في كيفية ازورار الشمس عن كهفهم في حال طلوعها وغروبها لموضعهم من الشمال كلام كثير، من ذلك ان كل بيت يستقبل بابه الشمال في البلدان الخارجة عن مدار السرطان إلى ناحية الشمال وكل بلد عرضه أكثر من أربع وعشرين درجة، فان الشمس إذا طلعت أخذت عن يمين الباب، وإذا توسطت السماء كانت على ظهر البيت، وإذا غربت أخذت عن ذات الشمال. وهذا الصقع الّذي فيه الكهف واغل في الشمال وباب الكهف مستقبل الشمال، وذكر هؤلاء أن مدينة افسيس التي هي مدينة أصحاب الكهف في الإقليم الخامس طولها من المغرب سبع وخمسون درجة تامة وعرضها ثمان وثلاثون درجة، ويمكن أن يكون الله خلق لهم هذا الكهف مستقبل الشمال على ما ذكرنا تكرمة لهم وليجعلهم آية للعالمين وقد أخبر الله عن ذلك بقوله وَتَرَى الشَّمْسَ إِذا طَلَعَتْ تَتَزاوَرُ عَنْ كَهْفِهِمْ ذاتَ الْيَمِينِ وَإِذا غَرَبَتْ تَقْرِضُهُمْ ذاتَ الشِّمالِ وَهُمْ في فَجْوَةٍ مِنْهُ، ذلِكَ من آياتِ الله من يَهْدِ الله فَهُوَ الْمُهْتَدِ وَمن يُضْلِلْ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ وَلِيًّا مُرْشِداً ١٨: ١٧ الثاني والثلاثون غليوس قيصر ملك سنتين وكان شريكه في الملك أخوه يوليانوس

стр. 123

الثالث والثلاثون غالينوس قيصر ويلقب والاريانوس ملك خمس عشرة سنة الرابع والثلاثون قلوذيوس الثاني ملك سنة وفي أيامه كان ظهور مانى واليه أضيفت المانوية من أصحاب الاثنين، وقد تقدم ذكره فيما سلف من هذا الكتاب في أخبار ملوك الفرس الثانية وهم الساسانية في ملك سابور بن أردشير وما كان من مقتله في ملك بهرام بن هرمز بن سابور مجملا وفيما سلف من كتبنا مفصلا مشروحا، وقول أصحاب المانوية إنه الفارقليط الّذي وعد به المسيح وما ذكر مانى من ذلك في الجبلة وفي كتابه المترجم بالشابرقان وفي كتاب سفر الأسفار وغيرها من كتبه، والحجاج بين سائر بأصحاب الاثنين من المانوية والديصانية والمرقيونية وغيرهم من الفلاسفة في المبادئ الأول وغير ذلك وقد ذكر مانى في كثير من كتبه المرقيونية والديصانه وأفرد للمرقيونية بابا في كتابه المترجم بالكنز وللديصانية بابا في كتابه سفر الأسفار وغير ذلك من كتبه وإنما ذكرنا ذلك دلالة على أنهما كانا قبله، إذ كثير ممن لا علم له بأرباب الآراء والنحل والمذاهب والملل يعتقد أنهما كانا بعده الخامس والثلاثون أورلليوس بن قلوذيوس ملك ست سنين السادس والثلاثون طاقطوس وعاضده على الملك أخوه فوروس ملكا تسعة أشهر السابع والثلاثون بروبس، ملك تسع سنين الثامن والثلاثون قاروس، ملك سنتين وخمسة أشهر التاسع والثلاثون دقلطيانوس، ملك سبع عشرة سنة الأربعون مقسيميانوس وشاركه في الملك مقسنطيوس بن مقسيميانوس فاقتسما المملكة بعد خطوب كثيرة وحروب عظيمة قد ذكرناها في كتاب (أخبار الزمان، ومن أباحه الحدثان) من الأمم الماضية والأجيال الخالية والممالك الداثرة، فتملك مقسيميانوس على الشأم ومما يلي بلاد الجزيرة ومواضع

стр. 124

من أرض الروم، وتملك مقسنطيوس على مدينة رومية وما اتصل بذلك من أرض الافرنجة وتملك معهما على بلاد بوزنطيا وما يليها قسطنس أبو قسطنطين ثم هلك قسطنس فأفضى أمر المملكة إلى ولده قسطنطين المعروف بأمه هيلانى، وكانت له مع مقسيميانوس ومقسنطيوس برومية وغيرها حروب طويلة إلى ان هلك مقسنطيوس وخلع مقسيميانوس نفسه، وكانت مدة ملكهما نحوا من تسع سنين قال ابو الحسن على بن الحسين بن على المسعودي: فهذه الطبقة الاولى من ملوك الروم الذين كانوا على دين الصابئة وهي الحنيفية الاولى وهم أربعون ملكا وفي زيج ثاون الإسكندراني ان عدة الملوك من أوغسطس إلى قسطنطين بن هيلانى تسعة وعشرون ملكا، وسبيل هؤلاء الملوك من أوغسطس إلى قسطنس أبى قسطنطين سبيل ملوك الفرس الاولى والطوائف من جيومرت إلى أردشير مضطرب تاريخهم متنازع في أعدادهم غير محصلة أوقاتهم، وإنما يعول على تاريخ ملوك الروم من قسطنطين المظهر لدين النصرانية والمحارب عليها كما تعول الفرس في تاريخ سنيها وتحصيل أيام ملوكها مذ ملك أردشير بن بابك على أنا لم نأل جهدا في تحصيل أعداد ملوكهم ومدة أيامهم، ونحن ذاكرون الطبقة الثانية من ملوك الروم المنتصرة قبل ظهور الإسلام وبعده إلى هذا الوقت المؤرخ به كتابنا وهو سنة ٣٤٥

стр. 125

ذكر الطبقة الثانية من ملوك الروم وهم المنتصرة وتأريخهم وأعدادهم، وما كان من الكوائن والاحداث العظام الديانية والملوكية في أيامهم أول ملوك هذه الطبقة قسطنطين بن قسطنس يعرف، بأمه هيلانى، واليها ينسب على ما قدمنا، ملك اثنتين وثلاثين سنة وثلاثة أشهر وهو الّذي أظهر دين النصرانية وحارب عليها حتى قبلت وانتشرت في البلاد إلى هذه الغاية، وقد ذكرنا في كتاب (الاستذكار، لما جرى في سالف الاعصار) التنازع في سبب تنصره وتركه ما كان عليه من مذاهب الحنفاء، وما قالت الحنفاء في ذلك من ظهور الوضح في جسمه وإجماعهم على خلعه، إذ كان في أصل دياناتهم وواجب عباداتهم أن من كان به ذلك لا يصلح للملك، وانه مايل من فشا فيه دين النصرانية واستظهر بهم وبخاصته وصنائعه على من خالفه وأظهر النصرانية، إذ كان غير محظور فيها تمليك من به ذلك وقول من قال منهم انه كتم ما ظهر به وأفشاه إلى بعض وزرائه ممن كان يخفى النصرانية، وأعلمه انه يخشى خلعه عن الملك، فضمن له القيام بكفايته ذلك وأنفذ عدة عساكر إلى من حوله من الأعداء مرة بعد أخرى، بأسماء الأصنام السبعة التي كانت على أسماء الكواكب السبعة، ومثالات لها من النيرين والخمسة وكان الصابئون يقربون لها القرابين ويعتكفون على عبادتها، بعد أن جعلها في غاية الضعف فعادت منكوبة مهزومة، فأظهر الإزراء بها والتنقص لمن يرى عبادتها، وأشار عليه حينئذ بالانتقال الى النصرانية ففعل وما ذهب اليه النصارى من أن السبب في ذلك ظهور صليب له نوري في

стр. 126

السماء في نومه في حال حربه مع ملك برجان، وانه قيل له استنصر به على عدوك تنصر عليه، وانه ركب مثال ذلك على رءوس الأعلام كالأسنة فظهر على عدوه بعد أن كانوا الظاهرين عليه، فدان بها حينئذ وقول من قال منهم إنه رأى ذلك في يقظته، وغير ذلك من أقاويل الفريقين على الشرح والإيضاح ولثلاث سنين خلت من ملكه بنى مدينة القسطنطينية على الخليج الآخذ من بحر ما يطسن، ويعرف في هذا الوقت ببحر الخزر إلى بحر الروم والشأم ومصر، وذلك في الموضع المعروف بطابلا من صقع بوزنطيا وبالغ في تحصينها وإحكام بنائها، وجعلها دار مملكة له أضيفت الى اسمه ونزلها ملوك الروم بعده إلى هذا الوقت غير أن الروم يسمونها إلى وقتنا هذا المؤرخ به كتابنا «بولن» وإذا أرادوا العبارة عنها انها دار الملك لعظمها قالوا «استن بولن» ولا يدعونها القسطنطينية وانما العرب تعبر عنها بذلك والقسطنطينية من الأرض الكبيرة المتصلة برومية وبلاد الافرنجة والصقالبة والأندلس وغيرهم من الأمم الواغلين في الشمال، واتصل ذلك بالمشرق كأرض الترك وغيرها من خراسان إلى الهند والصين، والخليج الآخذ من بحر ما يطس الّذي يعرف بالخزرى، يحيط بها من ثلاث جهاتها ويصب في البحر الرومي، وقيل إنه يحيط بها من جهتين المشرق والشمال وجانباها الغربي والجنوبي في البر وطول الخليج ثلاثمائة وستون ميلا، وقيل وثلاثون، عليه ست عدوات لمن يريد من دار الإسلام اليها مما يلي الثغور الشأمية والجزرية وغيرها فالعدوة الأولى تعرف بأقر وبلى عرض الخليج هناك ميل، وعلى هذا الموضع نزل سابور الجنود بن أردشير وحاصر القسطنطينية، وبنى هناك بيت نار، واشترط على الروم عند انصرافه بقاءه فلم يزل ذلك البيت قائما إلى أيام المهدي فخرب ثم نزل

стр. 127

عليه بعده أنوشروان بن قباذ ملك كالفرس في بعض غزواته فأجرى إلى ما هناك نهرا ونصب عليه أرحاء، وأراد سكر هذا الموضع من الخليج بالحجارة، وجرب الرمل ليعبر عليه، فغلبه الماء لشدة انصبابه من البحر الخزري الى الرومي، الّذي هو بحر الشأم ومصر والعدوة الثانية يقال لها الافقاطى، تكون من هذه العدوة على نحو من ثلاثين ميلا وعرضها من الجانب الشأمي الى ذلك الجانب تسعة أميال، ومن هذه العدوة تعبر عساكر الروم إذا أرادوا الخروج إلى دار الإسلام والعدوة الثالثة تعرف بسنكرة، وبينها وبين عدوة الافقاطى نحو من ثلاثين ميلا، يكون عرض هذه العدوة اثنى عشر ميلا وهذه العدوة تقرب من مدينة نيقية والعدوة الرابعة تعرف بفيلاس بينها وبين عدوة سنكرة نحو من ثمانية أميال يكون عرض هذه العدوة من الجانب الشأمى الى ذلك الجانب وهو بند تراقية نحوا من أربعين ميلا، ومن هذه العدوة يعدى بأسارى الروم إذا أرادوا بهم الفداء الى اللامس، لأنها عدوة عريضة يرهبون بها الأسرى والعدوة الخامسة تعرف بلبادو، وبينها وبين عدوة فيلاس نحو من عشرين ميلا، يكون عرض هذه العدوة من الجانب الشأمي الى ذلك الجانب، وهو بند تراقية نحو من عشرين ميلا، وقد حاصر القسطنطينية في الإسلام من هذه العدوة ثلاث أمراء آباؤهم ملوك وخلفاء، أولهم يزيد بن معاوية بن أبى سفيان، والثاني مسلمة بن عبد الملك بن مروان، والثالث هارون الرشيد بن المهدي والعدوة السادسة تعرف بابدو، وهي فم الخليج الصاب في بحر مصر والشأم ومبدؤه من بحر ما يطس المسمى بحر الخزر وعرضه في المبدإ نحو من عشرة أميال، وهناك مدينة الروم تعرف بمسناة تمنع من يرد في ذلك البحر من مراكب

стр. 128

الكوذكانه وغيرهم من أجناس الروس، والروم تسميهم «روسيا» معنى ذلك الحمر وقد دخل كثير منهم في وقتنا هذا في جملة الروم، كدخول الأرمن والبرغر وهم نوع من الصقالبة والبجناك من الأتراك، فشحنوا بهم كثيرا من حصونهم التي تلى الثغور الشأمية وجعلوهم بإزاء برجان وغيرهم من الأمم المتأبدة لهم والمحيطة بملكهم، وأبدوا مدينة على هذا الخليج مما يلي الشأم والجزيرة لا من جانب القسطنطينية ومن هذه العدوة الى القسطنطينية مائتا ميل رومية، تكون أميالا بأميالنا نحو مائة وعشرين ميلا، وابدو جبلان جبل من هذا الجانب من عمل الأبسيق وجبل من ذلك الجانب من عمل تراقية، وكان على هذين الجبلين حرس على كل جبل عشرون رجلا يحرسون المراكب إذا دخلت وخرجت ويفتشونها وكانت فيه سلسلة تفتح وتغلق في عمودي حديد من هذا الجانب إلى ذلك الجانب هو باب الخليج الّذي يحاصر به القسطنطينية حين كان للمسلمين أسطول يغزونهم من الثغر الشأمى والشأم ومصر و «الاسطول» كلمة رومية سمة للمراكب الحربية المجتمعة وقد ذكرنا فيما سلف من كتبنا السبب في كيفية بناء القسطنطينية والتنازع في ذلك، وقول من قال إن ما وراء الخليج كان من أرض برجان فاحتال قسطنطين على ملك برجان لعلمه بالموضع وحصانته حتى أذن له في بنائها وما يذم من خصالها وهوائها ومائها وتربتها، وأن الخيل لا تنزو بها ولا تصهل لما يلحقها من الربو لنداوة البلد وعفونته، وقبل ان ذلك لطلسم فيها وغير ذلك من أخبارها ولعشرين سنة خلت من ملك قسطنطين كان «السنهودس» الأول بمدينة نيقية من بلاد الروم تفسير ذلك المجمع وهو القداس حضر هذا المجمع ألفان وثمانية وأربعون أسقفا مختلفو الآراء فاختير منهم ثلاثمائة وثمانية عشر أسقفا متفقين غير مختلفين فحرموا أريوس الإسكندراني والى اسمه

стр. 129

أضيفت الأريوسية من النصارى ووضعوا في هذا المجمع الأمانة التي يتفق عليها سائر النصارى من الملكية، واليعقوبية والعباد وهم النسطورية، ويذكرونها كل يوم في القداس ولهم أربعون كتابا فيها السنن والشرائع واتفقوا على أن يكون فصح النصارى يوم الأحد الّذي يكون بعد فصح اليهود، وألا يكون فصح اليهود مع فصح النصارى وكان المقدم والرئيس في هذا المجمع الإسكندر، بطريرك الاسكندرية من بلاد مصر وهو بالرومية «بطريركس» تفسيره رئيس الآباء فخفف، وحضر اسطاث بطريرك انطاكية، ومارقس أسقف بيت المقدس، ويوليوس بطريرك رومية، وكان هذا الاجتماع في اليوم التاسع عشر من حزيران سنة ٦٣٦ للإسكندر الملك وقيل انها السنة التاسعة عشرة من ملك قسطنطين وكثير من النصارى يعد ذلك من شمعون بن قلوفا فأضافها إليه، وبنت هيلانى بإيليا الكنيسة المعروفة بالقيامة في هذا الوقت الّذي يظهر منها النار في يوم السبت الكبير الّذي صبحه الفصح، وكنيسة قسطنطين وديارات كثيرة للنساء والرجال على الجبل المطل على مدينة بيت المقدس المعروف بطور زيتا وهو بإزاء قبلة اليهود وعمرت مدينة إيليا عمارة لم يكن قبلها مثلها، ولم يزل ذلك عامرا الى أن أخربته جنود الفرس حين غلبت على الشأم ومصر وسبت من كان في تلك الديارات وغيرها قبل ظهور الإسلام وذلك في ملك كسرى أبرويز ملك فارس والملك على الروم يومئذ فوقاس على ما نحن ذاكروه فيما يرد من هذا الكتاب مجملا وقد سلف في كتبنا مشروحا والأطوار المقدسة للنصارى أربعة، فأولها طور سينا الّذي كلم الله موسى عليه وأنزلت عليه التوراة وهو على أيام من مدينة القلزم، وعلى يوم وبعض آخر من راية من ساحل بحر القلزم

стр. 130

الثاني هو طور هارون وهو على أيام من جبل طور سينا والثالث طور زيتا على ما ذكرناه والرابع طور الأردن بين فلسطين وطبرية جميعها للملكية من النصارى والأطوار الجبال وبنت هيلانى كنيسة حمص وهي احدى عجائب العالم على أربعة أركان، وكنيسة الرهاء من بلاد ديار مضر وهي احدى عجائب العالم الأربع المذكورة، وكانت هيلانى من بلاد الرهاء من قرية تعرف بتل فخار الى هذا الوقت المؤرخ به كتابنا هذا، على طريق آمد وقد أتينا على خبر قسطنس أبى قسطنطين، والسبب في تزوجه بها عند مشاهدته إياها والعجائب الأربع جامع دمشق، ومنارة الاسكندرية، وقنطرة سنجة وهذه الكنيسة، وقد أغفل قوم من مصنفي الكتب في التواريخ والسير من النصارى فزعموا أن خروج هيلانى أم قسطنطين الى الشأم كان لسبع سنين من ملك ابنها قسطنطين وهذا غلط متفاحش لأن قسطنطين دان بالنصرانية بعد مضى عشرين سنة من ملكه قال المسعودي: ولقسطنطين أخبار وسير وسياسات في الملك والدين وسير في الأرض وحروب قبل تنصره وبعده، وقد أتينا على جميع ذلك في كتابنا في (اخبار الزمان، ومن اباده الحدثان) من الأمم الماضية، والأجيال الخالية، والممالك الداثرة، وما تلاه من الكتاب الأوسط وفي النسخة الاخيرة من كتاب (مروج الذهب، ومعادن الجوهر) وفي كتاب (فنون المعارف، وما جرى في الدهور السوالف) وفي كتاب (الاستذكار، لما جرى في سالف الاعصار) وانما نذكر في هذا الكتاب لمعا من ذلك، ليكون منبها عليها ومدخلا اليها الثاني من المنتصرة قسطنطين بن قسطنطين بن هيلانى. ملك أربعا وعشرين سنة، وكان أبوه قسطنطين عهد اليه بالملك في حياته وولاه القسطنطينية وولى

стр. 131

أخاه قسطنس انطاكية والشأم ومصر والجزيرة وجعل مقامه بأنطاكيّة وولى أخاه قسطوس رومية وما يليها من بلاد الافرنجة والصقالبة وغيرهم من الأمم وأنزله رومية وأخذ على أخويه هذين العهود والمواثيق بالانقياد لأخيهما قسطنطين فاستقام ملكه الى أن هلك الثالث يوليانوس ابن أخي قسطنطين بن هيلانى ملك سنتين، وكان يخفى الصابئية في أيام عمه وابن عمه، فلما ملك أظهرها وارتد عن دين النصرانية وخرب الكنائس، ورد التماثيل التي جعلها الصابئون مثلا للجواهر العلوية والأجسام السمائية التي هي وسائط بين العلة الاولى عندهم وبين الخليقة في العبادات، وقتل من النصارى خلقا كثيرا، وجعل عقوبة من لم يرتد الى الحنيفية القتل، وكان يأخذ من عاد الى الحنيفية بإلقاء اللبان على النار والاكل من ذبيحة الحنفاء وغير ذلك، وكان عظيم السطوة كثير الجنود. قال المسعودي: وسار الى ارض العراق في ملك سابور بن أردشير فهلك بسهم غرب أصابه. وقد أتينا على خبره وخبر سابور الجنود ملك بابل وما كان بينهما من الحروب في الجزء السابع من (كتاب مروج الذهب ومعادن الجوهر) في أخبار الفرس في ملك سابور والروم تسميه «باربديس» تفسير ذلك المرتد والصابئة «أوسيبوس» تفسير ذلك المؤمن التقي، والنصارى جميعا يتبرءون منه ومنهم من يدعوه «البزتاط» . الرابع يوبيانوس، ملك سنة وكان خليفة يوليانوس المقتول ومعه في عسكره ففزعوا الى تمليكه عليهم فأبى الا أن يرجعوا الى النصرانية فأجابوا الى ذلك فرد دين النصرانية وانصرف بجيوش الروم عن العراق بعد قصص كانت له مع سابور ومهادنة قد ذكرناها فيما سلف من كتبنا. الخامس والنطيوس، ملك اثنتي عشرة سنة وخمسة أشهر.

стр. 132

السادس والنس، ملك ثلاث سنين وثلاثة أشهر. السابع والنطيانوس، ملك ثلاث سنين وأربعة أشهر، وعاضده على ملكه غراطيانوس فهلك قبله. الثامن تدوس الكبير وتفسير «تدوس» عطية الله ملك تسع عشرة سنة وفي ملكه كان السنهودس الثاني وهو المجمع بمدينة قسطنطنية من بلاد بوزنطيا اجتمع فيه مائة وخمسون أسقفا، فامنوا مقذونس وأشياعه مع البطارقة الذين بعده قالوا بمقالته وكان المقدم في هذا المجمع طيموثاوس بطريرك الاسكندرية، ومليطيوس بطريرك انطاكية، وقورللس بطريرك بيت المقدس وفي هذا المجمع بطرك وهو أول بطريرك لبيت المقدس وانما كانوا أساقفة وكانت البطارقة أصحاب الكراسي الأربعة. أولها مدينة رومية وهي لبطرس رئيس الحواريين وخليفة ايشوع، الثاني الاسكندرية من بلاد مصر، وهي لمرقس أحد أصحاب الأناجيل الأربعة. والثالث قسطنطينية من بلاد بوزنطيا وكان أول بطريرك لها مطروفانس رتبه الثلاثمائة والثمانية عشر أسقفا الذين أقاموا دين النصرانية بمدينة نيقية المقدم ذكرهم. والرابع انطاكية وهي لبطرس أيضا، واستخلف بطرس على الكرسي بها حين سار الى مدينة رومية واذيوس، فصارت البطاركة خمسة الى هذا الوقت المؤرخ به كتابنا وهي سنة ٣٤٥ للهجرة جميعا للملكية فكان من السنهودس الأول بنيقية الثلاثمائة والثمانية عشر اسقفا الى هذا الاجتماع ست وخمسون سنة، وأطلق طيماثاوس بطريرك الاسكندرية في هذا المجمع للبطاركة والأساقفة والرهبان ببلاد مصر والاسكندرية أكل اللحم لأجل الثنوية ليعرف من كان منهم

стр. 133

مثنوى المذهب إذ كانت الثنوية تمتنع من ذلك، فاما البطاركة والأساقفة والرهبان بغير مصر والاسكندرية كرومية وانطاكية وغيرهما من البلاد فإنهم امتنعوا من أكل اللحم وأكلوا بدلا عنه السمك محنة لهم إذ كانت الثنوية لا تأكل اللحم ولا السمك الا السماعين منهم فان منهم من يأكل اللحم والسمك، ومنهم من يأكل السمك دون اللحم. قال المسعودي: ولثماني سنين خلت من ملكه ظهر الفتية أصحاب الكهف الذين كانوا قد هربوا من داقيوس الملك على ما قدمنا في أخبار الطبقة الاولى من ملوك الروم في هذا الكتاب وقد ذكرنا في كتاب (فنون المعارف، وما جرى في الدهور السوالف) أخبارهم وما قيل فيهم والتنازع في موضعهم أهو الموضع الّذي بمدينة افسيس وراء مدينة زمرنى على البحر الرومي، أم الهوته التي تسمي خارمى مما يلي قرة بأرض الروم، أم غيرهما من المواضع التي يشار اليها بذلك؟ وخبر تدوس الملك والسبب في إفضاء الملك إليه وما كان من خبره قبل ذلك وبعده. التاسع أرقاذيوس بن ثدوس ملك ثلاث عشرة سنة. العاشر تدوس الصغير بن تدوس الكبير ملك اثنتين وأربعين سنة ولإحدى وعشرين سنة خلت من ملكه كان السنهودس الثالث بمدينة أفسيس على بطريرك القسطنطينية نسطورس وكان على كرسيها أربع سنين حضر هذا المجمع مائتا أسقف، وكان المقدم فيه قورللس بطريرك الاسكندرية، وكلسطوس بطريرك رومية، وبولانيوس بطريرك إيليا فلعنوا نسطورس وتبرءوا منه ونفوه فسار إلى صعيد مصر فأقام ببلاد اخميم والبلينا ومات بقرية يقال لها سيفلح وموضعه معروف في هذا الوقت المؤرخ به كتابنا، وأضافت الملكية العباد من النصارى وهم المشارقة إليه تقريعا لهم بذلك فسموا النسطورية وكانت رئاسة البطركة للمشارقة في

стр. 134

ذلك الوقت بالمدائن من أرض العراق لداديشوع يعد بلادها في ملك فارس. قال المسعودي: فذكرت العباد أن تيادوس الملك كان كتب إلى يوحنا بطريرك أنطاكية وأساقفته ان يسيروا الى المدينة أفسيس، لينظروا فيما بين نسطورس وقورللس بطريرك الإسكندرية من الخلاف فاجتمع نسطورس وأصحابه وقورللس وأصحابه بها فانتدب قورللس فحرم نسطورس قبل موافاة يوحنا صاحب انطاكية الّذي جعله الملك حكما بينهما فلما رأى نسطورس ان قورللس يجرى الى الحيلة والمغالبة العدول عن الحق اعتزل وقال الديانة لا تكون بالمجاذبات والحيل وطلب الرئاسات وان يوحنا بطريرك انطاكية لما وافى فوقف على فعل قورللس أنكره عليه وحرمه وأنكر ذلك عليه عند قراءته مقالة نسطورس ومقالة قورللس وصحح مقالة نسطورس وأمانته ورد مقالة قورللس وذكر انها مخالفة للحق لا يجوز لأحد أن يقول بها ولا يتقلدها وان يوحنا عاد إلى انطاكية وكتب إلى يطريرك المشرق بما جرى وتوجه الحيلة على نسطورس من صاحب الإسكندرية ببذل الأموال لبطانة الملك حتى حل الحرم عنه وبقي حرم نسطورس، فكان هذا أحد أسباب الخلاف بين أهل المشرق من النصارى وأهل المغرب وداعية إلى ما كان بينهم من العداوة والقتال وسفك الدماء، والعباد تذكر أن أول البطاركة السريانيين الذين نزلوا كرسي المشرق على قديم الأيام بعد صعود المسيح إلى السماء بنحو ثلاثين سنة بعد توما أحد الاثني عشر ادى السليح قبل حدوث الخلاف بين النصارى وهو ادى برمارى السليح من السبعين وهو نصر أهل المدائن ودير قنى وكسكر وغيرهما من السواد وبنى بيعتين إحداهما بالمدائن دار مملكة فارس يومئذ وجعلها كرسيا لمن يأتى بعده من البطاركة ورسم ألا تتم البطركة لمن نصب لها إلا في هذه البيعة، وأخرى بديرقنى وقبره بها، وقد ذكرنا فيما سلف من كتبنا خبر المشارقة من النصارى مع سابور

стр. 135

ملك فارس حين أخذهم بالتمجس وامتناعهم من ذلك وقتله منهم نحوا من مائتي ألف وغير ذلك من أخبارهم، وذكر الملكية أن مقالة نسطورس كانت درست فأحياها برسوما مطران نصيبين ودعا اليها المشارقة من النصارى فدانوا بها. قال المسعودي: وفي هذا المجمع خالفت النسطورية الملكية وافترقوا عنهم، فمن المجمع الثاني المائة والخمسين الأسقف الذين اجتمعوا بمدينة القسطنطينية ولعنوا مقذونس إلى هذا المجمع المائتي أسقف الذين اجتمعوا بمدينة افسيس احدى وخمسون سنة، وكان في أيام تدوس هذا عند النصارى حوادث في الدين والملك منها نفيه يوحنا المعروف بفهم الذهب بطريرك القسطنطينية بحكومة حكمها في كرم فكرهت ذلك زوجة الملك يدوقية، وغير ذلك الحادي عشر مرقيان، ملك ست سنين وفي أول سنة من ملكه كان السنهودس الرابع بمدينة خلقيذون على ديسقرس بطريرك القسطنطينية وأوطيسوس اجتمع فيه ستمائة وثلاثون أسقفا فمن المجمع الثالث المائتي أسقف الذين اجتمعوا بمدينة أفسيس إلى هذا المجمع احدى وعشرون سنة وفي هذا المجمع خالفت اليعقوبية سائر النصارى وفارقوهم، وقد ذكرنا في (كتاب أخبار الزمان، ومن اباده الحدثان) من الأمم الماضية والأجيال الخالية والأمم الداثرة في أخبار ملوك الروم وطبقاتهم وسيرهم خبر يعقوب البرذعانى الأنطاكي، وقيل الحراني تلميذ سورس، وكيف أضيف أهل مقالة ديسقرس إلى اليعاقبة، ونسبوا إلى يعقوب، وما كان من سواري. وقد ذكرنا في أخبار ملوك الروم المنتصرة من كتاب (فنون المعارف، وما جرى في الدهور السوالف) عند ذكرنا مرقيان هذا والسنهودس الّذي كان في أيامه أيامه اتفقت عليه الملكية والنسطورية واليعقوبية وما اختلفت فيه من الكلام في الأقانيم والجوهر وغير

стр. 136

ذلك، وما احتج به كل فريق منهم لذلك على الشرح، وقول من خالف هؤلاء من فرق النصارى الاريوسية والمارونية والبيالقة وهو المذهب الّذي أحدثه بولس الشمشاطي، وهو من أول بطاركة انطاكية وأصحاب الكراسي بها متوسطا بين مذاهب النصارى والمجوس وأصحاب الاثنين من تعظيم سائر الأنوار وعبادتها على مراتبها وغير ذلك، وإنما نذكر في هذا الكتاب لمعا وجوامع منبهين بذلك على ما تقدم من كتبنا وسبق من تصنيفنا، ولليعاقبة كرسيان لا ثالث لهما، أحدهما بأنطاكيّة، والآخر بمصر، والغالب على نصارى مصر من الأقباط وغيرها بفسطاطها وسائر كورها وما يليها من أرض النوبة والأحابش رأى اليعقوبية وبها منهم ما لا يحيط به الإحصاء كثرة ومقام بطركتهم بدير يعرف بأبي مقار بناحية الاسكندرية والملكية والنسطورية بمصر قليلون جدا، وما عدا هذين البلدين فإنما لليعقوبية مطارنة واساقفة الثاني عشر لاوون الكبير، ملك ست عشرة سنة. الثالث عشر لاوون الصغير، ملك سنة وكان يعقوبى المذهب وأراد حمل أهل مملكته على ذلك فهلك ولم يبلغ ما أراده وقيل إنه اغتيل بالسم. الرابع عشر زينون، ملك سبع عشرة سنة وكان يعقوبى المذهب وزهد في الملك وجعله الى ولده فهلك ولده فعاد الى الملك. الخامس عشر انسطاس، ملك سبعا وعشرين سنة وكان يعقوبى المذهب. السادس عشر يوسطين، ملك تسع سنين وتتبع اليعقوبية بالقتل والنفي. السابع عشر يوسطانوس، ملك تسعا وعشرين سنة، وفي ملكه كان السنهودس الخامس بمدينة القسطنطينية فحرموا اريجانس أسقف منبج لقوله بتناسخ الأرواح في أجسام الحيوان وتبديل الأسماء وتغير الأجسام، وان الله لا يفعل ذلك بخلقه الا باستحقاق لما ارتكبوه من الاجرام وانه لا يجلب

стр. 137

بعذابهم منفعة ولا يدفع عن ذاته مضرة إذ كان غنيا عن جميع ذلك وغير ذلك من الكلام في إيلام الحيوان والتعديل والتحرير، وايبا أسقف الرهاء وتدوس اسقف المصيصة وتوزروطس اسقف انقرة لأقاويل أظهروها، حضر هذا المجمع أصحاب الكراسي الأربعة وأساقفتهم وهم مائة وأربعة وستون أسقفا ولم يحضر بطريرك إيليا وحضر أصحابه فكان من المجمع الرابع الستمائة والثلاثين الذين اجتمعوا بخلقيذون إلى هذا المجمع مائة وست وثلاثون سنة وقد ذكرنا في كتاب (فنون المعارف، وما جرى في الدهور السوالف) ما كان في أيام هذا الملك من أمر اليعاقبة والملكية ببلاد مصر والاسكندرية وأمر اليهود بإيليا وجبل يهودا وجبل الجبل وقتلهم النصارى، وما بنى هذا الملك من الكنائس والديارات وبطور سينا على الناطس والعليقة وهو الموضع الّذي أنزلت فيه التوراة على موسى بن عمران ﵇ وغير ذلك من أحواله. الثامن عشر يوسطينوس، ملك ثلاث عشرة سنة، وكان في أيامه أنوشروان الملك. التاسع عشر طيباريوس، ملك ثلاث سنين وثمانية أشهر، وكان بينه وبين أنوشروان مراسلات ومهاداة. العشرون موريق، ملك عشرين سنة وأربعة أشهر وظهر في أيامه رجل من أهل مدينة حماة من أعمال حمص يعرف بمارون اليه تنسب المارونية من النصارى إلى هذا الوقت المؤرخ به كتابنا، وأمرهم مشهور بالشأم وغيرها، أكثرهم بجبل لبنان وسنير وحمص وأعمالها كحماة وشيزر ومعرة النعمان. وكان له دير عظيم يعرف به شرقى حماة وشيزر ذو بنيان عظيم حوله أكثر من ثلاثمائة صومعة فيها الرهبان، وكان فيه من آلات الذهب والفضة والجوهر شيء عظيم فخرب هذا الدير وما حوله من الصوامع بتواتر الفتن من الاعراب وحيف

стр. 138

السلطان وهو يقرب من نهر الارنط، نهر حمص وانطاكية. وكان مارون قد أحدث آراء بان بها عمن تقدمه من النصارى في المشيئة وغيرها وكثر متبعوه، وقد أتينا على شرح مذهبه وموافقته الملكية والنسطورية واليعاقبة في الثالوث ومخالفته إياهم فيما يذهب اليه من أن المسيح جوهر ان أقنوم واحد مشيئة واحدة وهذا القول متوسط بين قول النسطورية والملكية وغير ذلك في كتابنا في المقالات في أصول الديانات، ولبعض متبعيه من المارونية ويعرف بقيس الماروني كتاب حسن في التاريخ وابتداء الخليقة والأنبياء والكتب والمدن والأمم وملوك الروم وغيرهم وأخبارهم، انتهى بتصنيفه الى خلافة المكتفي ولم أر للمارونية في هذا المعنى كتابا مؤلفا غيره. وقد ألف جماعة من الملكية والنسطورية واليعقوبية كتبا كثيرة ممن سلف وخلف منهم. وأحسن كتاب رأيته للملكية في تاريخ الملوك والأنبياء والأمم والبلدان وغير ذلك كتاب محبوب بن قسطنطين المنبجي، وكتاب سعيد بن البطريق المعروف بابن الفراش المصري بطريرك كرسي مارقس بالإسكندرية، وقد شاهدناه بفسطاط مصر، انتهى بتصنيفه الى خلافة الراضي. وكتاب اثنايوس الراهب المصري رتب فيه ملوك الروم وغيرهم من الأمم وسيرهم وأخبارهم من آدم الى قسطنطين بن هيلانى، ورأيت لأهل المشرق من العباد كتابا ليعقوب بن زكريا الكسكري الكاتب وقد شاهدناه بأرض العراق والشأم يشتمل على أنواع من العلوم في هذه المعاني، يزيد على غيره من كتب النصارى، وكتابا لليعاقبة في ذكر ملوك الروم واليونانيين وفلاسفتهم وسيرهم وأخبارهم ألفه أبو زكريا دنخا النصراني وكان متفلسفا جدلا نظارا جرت بيني وبينه مناظرات كثيرة ببغداد في الجانب الغربي بقطيعة أم جعفر وبمدينة تكريت في الكنيسة المعروفة

стр. 139

بالخضراء في الثالوث وغيره وقد أتينا على ذكرها في كتاب (المسائل والعلل، في المذاهب والملل) وفي كتاب (سر الحياة) وذلك في سنة ٣١٣. قال المسعودي: وقد كان خسرو أبرويز بن هرمز بن أنوشروان لما هزمه بهرام جوبين واحتوى على الملك وقتل هرمز لجأ الى موريق مستنجدا به فأنجده وزوجه ابنته مريم وهي أم شيرويه القاتل لأبيه أبرويز وأنجده بجيش كثيف فسار بهم أبرويز مما يلي ارمينية وآذربيجان فواقع بهرام وكشفه فلحق بأرض الترك إلى أن قتل بها هناك غيلة، وقد أتينا على ما كان في أيامه في كتاب (مروج الذهب ومعادن الجوهر) في النسخة الاخيرة التي قررنا أمرها في هذا الوقت وهي سنة ٣٤٥ وهي أضعاف ما تقدم من النسخة المؤلفة في سنة ٣٣٢. الحادي والعشرون فوقاس، ملك ثماني سنين وأربعة أشهر، ولما ملك تتبع ولد موريقيس حمو أبرويز وحاشيته بالقتل، فلما بلغ ذلك أبرويز أحفظه وسير الجنود الى بلاد الشأم ومصر فاحتوى عليها وقتلوا من النصارى خلقا كثيرا وخربوا الكنائس بإيليا وغيرها وتوجه شهربراز في جيوش كثيرة كثيفة نحو القسطنطينية فخيموا على الخليج بإزائهم واشتد حصارهم إياها، وكان هرقل ابن فوق بن مرقس يختلف من مدينة صلونيقى وهو من أهلها الى القسطنطينية بالزاد في البحر وهم محاصرون فبانت شهامته، وظهرت شجاعته، وأحبه أهل القسطنطينية فخلا بالبطارقة وذوى المراتب فأغراهم بفوقاس، وذكر لهم ما نزل بهم في أيامه وذكرهم بسوء آثاره فيهم وغلبة الفرس على ملكهم بسوء تدبيره وقبح سياسته واقدامه على الدماء، ودعاهم الى الفتك به فأجابوه إلى ذلك فقتلوه

стр. 140

ذكر ملوك الروم من الهجرة الى سنة ٣٤٥ واجتمعت البطارقة وغيرهم من ذوى المراتب، من الروم وغيرهم بعد قتل فوقاس لاختيار من يصلح للملك، فوقع اختيارهم بعد خطب طويل وتنازع كثير على هرقل، فملكوه ورجوا صلاح أحوالهم بتمليكه وهو الثاني والعشرون من ملوك الروم المتنصرة، وكان ملكه لثلاث وثلاثين سنة خلت من ملك كسرى أبرويز بن هرمز ملك بابل، فملك خمسا وعشرين سنة وقيل أكثر من ذلك وفي أول سنة من ملكه كانت هجرة رسول الله ﷺ فأقام في الملك أيام النبي ﷺ ، وأيام أبى بكر وعمر وسنتين من خلافة عثمان وفي أيامه غلب المسلمون على بلاد سورية وهي الشأم والجزيرة، وكان أخوه قسطنطين معاضدا له على الملك فهلك قبله ولما ملك هرقل جد في حرب الفرس، فكانت له معهم حروب كثيرة وفسد الأمر بين كسرى أبرويز وصاحب جيشه المحاصر للقسطنطينية شهربراز وأتاه هرقل ومالأه على أبرويز، فخرج هرقل في مراكب كثيرة في الخليج الى بحر الخزر وسار الى طرازندة وأبواب لازقة واستنجد هناك ملوك الأعاجم من اللان والخزر والسرير والأبخاز وجرزان والأرمن وغيرهم حتى صار الى بلاد أران والبيلقان وآذربيجان والماهات من أرض الجبل واتصلت جيوشه بأرض العراق فشن الغارات وقتل وسبى وانصرف راجعا الى القسطنطينية بحيلة أوقعها أبرويز عليه

стр. 141

قال المسعودي: وقد أتينا على خبر شهربراز والسبب في فساد الحال بينه وبين أبرويز والى ما آل أمرهما وشرح أخبار هرقل، وما كان بينه وبين فارس من الحروب وحيله ومكايده، وما كان بينه وبين النبي ﷺ من المكاتبات والمراسلات، وما كان بين جنوده وبين المسلمين من الحروب بالشأم ومصر وغيرهما في خلافة أبى بكر وعمر، وخروجه عن الشأم وقطعه الدرب الى بلاد الروم، وقوله عند صعوده جبل الآكام واشرافه على الشأم: «عليك السلام يا سوريه سلام مودع لا يعود إليك ابدا حتى يولد الغلام المشئوم، وليته لا يولد! فما أحلى رضاعه، وأمر فطامه» وما كان بينه وبين معاوية بن أبى سفيان في حال أمرته على الشأم من قبل عمر وعثمان من المراسلات والملاطفات. وإخباره يناق غلام معاوية بأن عثمان بن عفان يقتل وما يئول اليه أمر المسلمين بعد ذلك وغير ذلك من أخباره في كتاب (أخبار الزمان، ومن أباده الحدثان) من الأمم الماضية، والممالك الداثرة وفي كتاب (فنون المعارف، وما جرى في الدهور السوالف) وانما نذكر في هذا الكتاب لمعا وجوامع منبهين بذلك على ما تقدم تأليفه من كتبنا، ومدخلا الى علم ما سبق إيضاحه من تصنيفنا الثالث والعشرون قسطنطين بن قسطنطين أخى هرقل وقيل إنه ابن هرقل ملك تسع سنين وستة أشهر في خلافة عثمان بن عفان، وهو الّذي غزا في البحر في نحو ألف مركب حربية وغيرها فيها الخيل والخزائن والعدد يريد الإسكندرية من بلاد مصر وكان عامل مصر والإسكندرية لعثمان عبد الله بن سعد بن أبى سرح فالتقوا في البحر فكانت على قسطنطين فعطبت مراكبه وهلك أكثر رجاله ونجا في مركب فوقع في جزيرة سقلية من بلاد افريقية فقتله جرجيق ملكها تشاؤما به لإهلاكه النصرانية وسميت هذه الغزاة ذات الصواري لكثرة المراكب وصواريها، وهي الادقال وكان ذلك في سنة ٣٤ للهجرة

стр. 142

قال المسعودي: وفي ملكه كان السنهودس السادس وهو المجمع بالقسطنطينية من بلاد بوزنطيا وقيل بل كان قبل هذا الوقت، وكان اجتماعهم على لعن رجل يقال له قورس الإسكندراني خالف الملكية وأحدث قولا نحو قول المارونية في المشيئة والفعل وكان عدة من اجتمع فيه من الأساقفة مائتين وتسعة وثمانين أسقفا وقيل دون ذلك فمن السنهودس الخامس إلى هذه السنهودس ثمان وستون سنة وأربعة أشهر وقيل دون ذلك وهذا آخر السنهودسات، لم يكن لهم إلى هذا الوقت المؤرخ به كتابنا وهو سنة ٣٤٥ والملك على الروم قسطنطين بن لاون ابن بسيل- اجتماع فيما بلغني مع قربنا من ديارهم وبحثنا عن أخبارهم وتنقلنا بالثغر الشأمى وأنطاكية والشأم ومصر، والملكية تذكر هذه الاجتماعات الستة في قداسها وهي الصلاة على القربان في كل يوم، وقد اختلف أهل دين النصرانية في العبارة عن أسماء هذه المجامع عند مقابلتهم الأمانات بالتراجم المعروفة فمنه ما يسميه أهل مصر «السنهودسات» أحدها سنهودس وبها عبرنا في كتابنا هذا لأنها أفصحها ولمقامنا بمصر في هذا الوقت، ويسميه أهل المشرق «السنادسات» وقوم يقولون «سناطس» وقد أتينا على شرحها والسبب في وقوعها وما كان في ذلك من الخلاف والمناظرات بينهم، وأخبار أصحاب الكراسي الذين هم البطاركة أحدهم بطريرك ومراتبهم وتسميتهم وأعدادهم إلى هذا الوقت المؤرخ به كتابنا ممن كان منهم بمدينة رومية والاسكندرية من بلاد مصر وأنطاكية والقسطنطينية وإيليا، في كتاب (مروج الذهب في كتاب ومعادن الجوهر) وفي كتاب (فنون المعارف، وما جرى في الدهور السوالف) وان كانت أسماؤهم مثبتة في الدبطخة التي تقرءوها النصارى في القداس وذكرنا أسماء الاثني عشر والسبعين تلاميذ المسيح وتفرقهم في البلاد وأخبارهم وما كان منهم ومواضع قبورهم وأن أصحاب الأناجيل الأربعة منهم يوحنا ومتى من الاثني

стр. 143

عشر ولوقا ومرقس من السبعين وأن مرقس صاحب الاسكندرية ومن كان بعده من البطاركة على هذا الكرسي الحكام على سائر أصحاب الكراسي في كل ما يختلفون فيه، والقضاة عليهم إذا تنازعوا ومتى اجتمعوا في محفل جلسوا حسرا وصاحب هذا الكرسي بعمامة إذ كان خليفة بطرس، وأن السبب في ذلك ان بطرس لما دعا التلاميذ الى ان يسير بعضهم إلى الاسكندرية بالإنجيل الّذي كتبه ويدعو الناس جزعوا من ذلك لأجل من كان بها من الصابئين والقاطرين أحدهم قاطر ويسمى بالقبطية هيراتقس وهم الكهنة وان مرقس انتدب لذلك وكان أصغر القوم سنا فناوله بطرس الإنجيل ومحا اسمه منه وأثبت فيه اسم مرقس وقال له قد جعلناك الحاكم عليهم فيما تنازعوا فيه وغير ذلك من أسرار دين النصرانية وأخبارهم من السليحين وغيرهم مما هو موجود في الكتاب المعروف بيركسيس وفي كتاب ديونوسيوس «الفلو باخيطوا» في أسرارهم أيضا وفي كتاب قليمنس وكان تلميذا لبطرس ورأيت كثيرا من النصارى يقف في هذا الكتاب ويدفع أن يكون صحيحا، وفي الأربع عشرة رسالة لبولس التي كتب بها في أوقات متفرقة الى أهل رومية وغيرهم، وتدعى هذه الرسائل كتاب السليخ، وذكرنا في كتاب (المقالات، في أصول الديانات) وكتاب (خزائن الدين وسر العالمين) أقاويل الأمم العوالم الأربعة في عالم الربوبية وعالم العقل وعالم النفس وعالم الطبيعة ومراتب الروحانية والجواهر العلوية والأجسام السمائية وسائر الوسائط والفرق بين النار والنور ومراتب الأنوار وما قاله كل فريق منهم في ذلك من الهند وقدماء الفلكيين وأصحاب الاثنين ومن واقفهم من أصحاب التأويل في هذا الوقت والحنفاء والكلدانيين وهم البابليون الذين بقيتهم في هذا الوقت بالبطائح بين واسط والبصرة في قرايا هناك وتوجههم في صلاتهم

стр. 144

إلى القطب الشمالي والجدي والسمنية وهم صابئة الصين وغيرهم وهم على مذاهب بوداسب وعوام اليونانيين وتوجههم في صلاتهم إلى المشرق وصابئة المصريين الذين بقيتهم في هذا الوقت صابئو الحرانيين وتوجههم في صلاتهم إلى التيمن وهو القبلة واستدبار هم الشمال، وامتناعهم من كثير من المآكل التي كان صابئة اليونانيين يأكلونها كلحم الخنزير والفراخ والثوم والباقلى وغير ذلك وقولهم بنبوة أغاثديمون وهرمس وأميروس واراطس صاحب كتاب صورة الفلك والكواكب وغير ذلك واريباسيس وأراني الأول والثاني وغيرهم واسرارهم في الذبائح والصلوات للكواكب السبعة وغيرها والموقوفات وهي الدخن للكواكب وتمثيلهم مراتب الكهنوت في هياكلهم بما علا من الروحانية وتسميتهم أعلى الكهنة رأس كمرين وما يذهبون اليه من قول أفلاطون «إن من عرف نفسه حقيقة المعرفة تأله» ومن قول صاحب المنطق «من عرف نفسه فقد عرف بها كل شيء» وما جرى بين فرفريوس الصوري صاحب كتاب ايساغوجى في المدخل الى كتاب أرسطاطاليس في المنطق، وكان نصرانيا ينصر مذاهب صابئة اليونانيين مخفيا لذلك وبين أنابوا الكاهن المصري، وكان ينصر الفلسفة الاولى التي كان عليها فوثاغورس وثاليس الملطي وغيرهما وهي مذهب صابئة المصريين من المسائل والجوابات في العلوم الإلهية، وذلك في رسائل بينهم معروفة عند من عنى بعلوم الأوائل وما كانوا عليه من الآراء والنحل وقد صنف على مذاهب الفوثاغوريين والانتصار لهم كتب كثيرة، وآخر من صنف في ذلك أبو بكر محمد بن زكريا الرازيّ صاحب كتاب المنصوري في الطب وغيره كتابا في ثلاث مقالات وذلك بعد سنة ٣١٠ وقد ذكر أفلاطون ترتيب العوالم في كتابه المعروف بطيماوس فيما بعد

стр. 145

الطبيعة وهو ثلاث مقالات الى تلميذه طيماوس مما ترجمه يحيى بن البطريق وهو غير كتاب طيماوس الطبي الّذي ذكر فيه كون العالم الطبيعي وما فيه والهيئات والألوان وتراكيبها واختلافها وغير ذلك شرحه جالينوس وفسره حنين بن إسحاق، وذكر بأنه سقط عنه منه كراستان الاولى والثانية، والّذي حصل من ترجمته أربع مقالات ذكر أرسطاطاليس ترتيب العوالم في كتابه فيما بعد الطبيعة في الحرف المعروف باللام وغيره من الأحرف فيما فسره طامستيوس وترجمة الى العربيّ إسحاق بن حنين وذكرنا فيما سلف من كتبنا ما ذهب اليه النصارى من أن البارئ خلق في الابتداء جنس الملائكة المقربين روحانيين ذوى جواهر بسائط أحياء ناطقة، ليمجدوه من غير حاجة منه الى ذلك، وأنه تعالى جعلهم منقسمين لطبقات تسع، وعلى طبقات بعضها أعلى من بعض واسم جملة الروحانيين بالسريانية وهو اللسان الأول «طغم» وبالرومية «طغماتس» وبالعربية «تغم» والكنيسة عندهم كنيسة السماء ومراتب الكهنوت على مقدار طغمات الملائكة وهي تسع فالطغمة الأولى عندهم طغمة البطارقة ثم ما يلي ذلك من مراتب الكهنة وذكرنا مذاهب الصابئين في ذلك وأنهم يرون ان هذه المراتب على ترتيب الأفلاك التسعة، وكذلك مذاهب أصحاب الاثنين في ذلك قبل ظهور مانى، وأسماء كل فرقة منهم، وما رتب لها من ذوى الرئاسات الديانية تشبيها بما علا من الجواهر العلوية والأجسام السمائية قال المسعودي: فلنرجع الآن الى سياقة الملوك على الترتيب الرابع والعشرون قسطا بن قسطنطين، ملك خمس عشرة سنة وذلك في خلافة على بن أبى طالب ﵇ وصدرا من أيام معاوية بن أبى سفيان
следующие страницы →