Полный текст (353 стр.). Показаны 141–180 · переход к 146.
стр. 141
قال المسعودي: وقد أتينا على خبر شهربراز والسبب في فساد الحال بينه وبين أبرويز والى ما آل أمرهما وشرح أخبار هرقل، وما كان بينه وبين فارس من الحروب وحيله ومكايده، وما كان بينه وبين النبي ﷺ من المكاتبات والمراسلات، وما كان بين جنوده وبين المسلمين من الحروب بالشأم ومصر وغيرهما في خلافة أبى بكر وعمر، وخروجه عن الشأم وقطعه الدرب الى بلاد الروم، وقوله عند صعوده جبل الآكام واشرافه على الشأم: «عليك السلام يا سوريه سلام مودع لا يعود إليك ابدا حتى يولد الغلام المشئوم، وليته لا يولد! فما أحلى رضاعه، وأمر فطامه» وما كان بينه وبين معاوية بن أبى سفيان في حال أمرته على الشأم من قبل عمر وعثمان من المراسلات والملاطفات. وإخباره يناق غلام معاوية بأن عثمان بن عفان يقتل وما يئول اليه أمر المسلمين بعد ذلك وغير ذلك من أخباره في كتاب (أخبار الزمان، ومن أباده الحدثان) من الأمم الماضية، والممالك الداثرة وفي كتاب (فنون المعارف، وما جرى في الدهور السوالف) وانما نذكر في هذا الكتاب لمعا وجوامع منبهين بذلك على ما تقدم تأليفه من كتبنا، ومدخلا الى علم ما سبق إيضاحه من تصنيفنا الثالث والعشرون قسطنطين بن قسطنطين أخى هرقل وقيل إنه ابن هرقل ملك تسع سنين وستة أشهر في خلافة عثمان بن عفان، وهو الّذي غزا في البحر في نحو ألف مركب حربية وغيرها فيها الخيل والخزائن والعدد يريد الإسكندرية من بلاد مصر وكان عامل مصر والإسكندرية لعثمان عبد الله بن سعد بن أبى سرح فالتقوا في البحر فكانت على قسطنطين فعطبت مراكبه وهلك أكثر رجاله ونجا في مركب فوقع في جزيرة سقلية من بلاد افريقية فقتله جرجيق ملكها تشاؤما به لإهلاكه النصرانية وسميت هذه الغزاة ذات الصواري لكثرة المراكب وصواريها، وهي الادقال وكان ذلك في سنة ٣٤ للهجرة
стр. 142
قال المسعودي: وفي ملكه كان السنهودس السادس وهو المجمع بالقسطنطينية من بلاد بوزنطيا وقيل بل كان قبل هذا الوقت، وكان اجتماعهم على لعن رجل يقال له قورس الإسكندراني خالف الملكية وأحدث قولا نحو قول المارونية في المشيئة والفعل وكان عدة من اجتمع فيه من الأساقفة مائتين وتسعة وثمانين أسقفا وقيل دون ذلك فمن السنهودس الخامس إلى هذه السنهودس ثمان وستون سنة وأربعة أشهر وقيل دون ذلك وهذا آخر السنهودسات، لم يكن لهم إلى هذا الوقت المؤرخ به كتابنا وهو سنة ٣٤٥ والملك على الروم قسطنطين بن لاون ابن بسيل- اجتماع فيما بلغني مع قربنا من ديارهم وبحثنا عن أخبارهم وتنقلنا بالثغر الشأمى وأنطاكية والشأم ومصر، والملكية تذكر هذه الاجتماعات الستة في قداسها وهي الصلاة على القربان في كل يوم، وقد اختلف أهل دين النصرانية في العبارة عن أسماء هذه المجامع عند مقابلتهم الأمانات بالتراجم المعروفة فمنه ما يسميه أهل مصر «السنهودسات» أحدها سنهودس وبها عبرنا في كتابنا هذا لأنها أفصحها ولمقامنا بمصر في هذا الوقت، ويسميه أهل المشرق «السنادسات» وقوم يقولون «سناطس» وقد أتينا على شرحها والسبب في وقوعها وما كان في ذلك من الخلاف والمناظرات بينهم، وأخبار أصحاب الكراسي الذين هم البطاركة أحدهم بطريرك ومراتبهم وتسميتهم وأعدادهم إلى هذا الوقت المؤرخ به كتابنا ممن كان منهم بمدينة رومية والاسكندرية من بلاد مصر وأنطاكية والقسطنطينية وإيليا، في كتاب (مروج الذهب في كتاب ومعادن الجوهر) وفي كتاب (فنون المعارف، وما جرى في الدهور السوالف) وان كانت أسماؤهم مثبتة في الدبطخة التي تقرءوها النصارى في القداس وذكرنا أسماء الاثني عشر والسبعين تلاميذ المسيح وتفرقهم في البلاد وأخبارهم وما كان منهم ومواضع قبورهم وأن أصحاب الأناجيل الأربعة منهم يوحنا ومتى من الاثني
стр. 143
عشر ولوقا ومرقس من السبعين وأن مرقس صاحب الاسكندرية ومن كان بعده من البطاركة على هذا الكرسي الحكام على سائر أصحاب الكراسي في كل ما يختلفون فيه، والقضاة عليهم إذا تنازعوا ومتى اجتمعوا في محفل جلسوا حسرا وصاحب هذا الكرسي بعمامة إذ كان خليفة بطرس، وأن السبب في ذلك ان بطرس لما دعا التلاميذ الى ان يسير بعضهم إلى الاسكندرية بالإنجيل الّذي كتبه ويدعو الناس جزعوا من ذلك لأجل من كان بها من الصابئين والقاطرين أحدهم قاطر ويسمى بالقبطية هيراتقس وهم الكهنة وان مرقس انتدب لذلك وكان أصغر القوم سنا فناوله بطرس الإنجيل ومحا اسمه منه وأثبت فيه اسم مرقس وقال له قد جعلناك الحاكم عليهم فيما تنازعوا فيه وغير ذلك من أسرار دين النصرانية وأخبارهم من السليحين وغيرهم مما هو موجود في الكتاب المعروف بيركسيس وفي كتاب ديونوسيوس «الفلو باخيطوا» في أسرارهم أيضا وفي كتاب قليمنس وكان تلميذا لبطرس ورأيت كثيرا من النصارى يقف في هذا الكتاب ويدفع أن يكون صحيحا، وفي الأربع عشرة رسالة لبولس التي كتب بها في أوقات متفرقة الى أهل رومية وغيرهم، وتدعى هذه الرسائل كتاب السليخ، وذكرنا في كتاب (المقالات، في أصول الديانات) وكتاب (خزائن الدين وسر العالمين) أقاويل الأمم العوالم الأربعة في عالم الربوبية وعالم العقل وعالم النفس وعالم الطبيعة ومراتب الروحانية والجواهر العلوية والأجسام السمائية وسائر الوسائط والفرق بين النار والنور ومراتب الأنوار وما قاله كل فريق منهم في ذلك من الهند وقدماء الفلكيين وأصحاب الاثنين ومن واقفهم من أصحاب التأويل في هذا الوقت والحنفاء والكلدانيين وهم البابليون الذين بقيتهم في هذا الوقت بالبطائح بين واسط والبصرة في قرايا هناك وتوجههم في صلاتهم
стр. 144
إلى القطب الشمالي والجدي والسمنية وهم صابئة الصين وغيرهم وهم على مذاهب بوداسب وعوام اليونانيين وتوجههم في صلاتهم إلى المشرق وصابئة المصريين الذين بقيتهم في هذا الوقت صابئو الحرانيين وتوجههم في صلاتهم إلى التيمن وهو القبلة واستدبار هم الشمال، وامتناعهم من كثير من المآكل التي كان صابئة اليونانيين يأكلونها كلحم الخنزير والفراخ والثوم والباقلى وغير ذلك وقولهم بنبوة أغاثديمون وهرمس وأميروس واراطس صاحب كتاب صورة الفلك والكواكب وغير ذلك واريباسيس وأراني الأول والثاني وغيرهم واسرارهم في الذبائح والصلوات للكواكب السبعة وغيرها والموقوفات وهي الدخن للكواكب وتمثيلهم مراتب الكهنوت في هياكلهم بما علا من الروحانية وتسميتهم أعلى الكهنة رأس كمرين وما يذهبون اليه من قول أفلاطون «إن من عرف نفسه حقيقة المعرفة تأله» ومن قول صاحب المنطق «من عرف نفسه فقد عرف بها كل شيء» وما جرى بين فرفريوس الصوري صاحب كتاب ايساغوجى في المدخل الى كتاب أرسطاطاليس في المنطق، وكان نصرانيا ينصر مذاهب صابئة اليونانيين مخفيا لذلك وبين أنابوا الكاهن المصري، وكان ينصر الفلسفة الاولى التي كان عليها فوثاغورس وثاليس الملطي وغيرهما وهي مذهب صابئة المصريين من المسائل والجوابات في العلوم الإلهية، وذلك في رسائل بينهم معروفة عند من عنى بعلوم الأوائل وما كانوا عليه من الآراء والنحل وقد صنف على مذاهب الفوثاغوريين والانتصار لهم كتب كثيرة، وآخر من صنف في ذلك أبو بكر محمد بن زكريا الرازيّ صاحب كتاب المنصوري في الطب وغيره كتابا في ثلاث مقالات وذلك بعد سنة ٣١٠ وقد ذكر أفلاطون ترتيب العوالم في كتابه المعروف بطيماوس فيما بعد
стр. 145
الطبيعة وهو ثلاث مقالات الى تلميذه طيماوس مما ترجمه يحيى بن البطريق وهو غير كتاب طيماوس الطبي الّذي ذكر فيه كون العالم الطبيعي وما فيه والهيئات والألوان وتراكيبها واختلافها وغير ذلك شرحه جالينوس وفسره حنين بن إسحاق، وذكر بأنه سقط عنه منه كراستان الاولى والثانية، والّذي حصل من ترجمته أربع مقالات ذكر أرسطاطاليس ترتيب العوالم في كتابه فيما بعد الطبيعة في الحرف المعروف باللام وغيره من الأحرف فيما فسره طامستيوس وترجمة الى العربيّ إسحاق بن حنين وذكرنا فيما سلف من كتبنا ما ذهب اليه النصارى من أن البارئ خلق في الابتداء جنس الملائكة المقربين روحانيين ذوى جواهر بسائط أحياء ناطقة، ليمجدوه من غير حاجة منه الى ذلك، وأنه تعالى جعلهم منقسمين لطبقات تسع، وعلى طبقات بعضها أعلى من بعض واسم جملة الروحانيين بالسريانية وهو اللسان الأول «طغم» وبالرومية «طغماتس» وبالعربية «تغم» والكنيسة عندهم كنيسة السماء ومراتب الكهنوت على مقدار طغمات الملائكة وهي تسع فالطغمة الأولى عندهم طغمة البطارقة ثم ما يلي ذلك من مراتب الكهنة وذكرنا مذاهب الصابئين في ذلك وأنهم يرون ان هذه المراتب على ترتيب الأفلاك التسعة، وكذلك مذاهب أصحاب الاثنين في ذلك قبل ظهور مانى، وأسماء كل فرقة منهم، وما رتب لها من ذوى الرئاسات الديانية تشبيها بما علا من الجواهر العلوية والأجسام السمائية قال المسعودي: فلنرجع الآن الى سياقة الملوك على الترتيب الرابع والعشرون قسطا بن قسطنطين، ملك خمس عشرة سنة وذلك في خلافة على بن أبى طالب ﵇ وصدرا من أيام معاوية بن أبى سفيان
стр. 146
الخامس والعشرون هرقليانس بن قسطنطين، وهو هرقل الأصغر وقيل ان جده هرقل الأكبر ملك أربع سنين وثلاثة أشهر في أيام معاوية السادس والعشرون قسطنطين بن قسطا، ملك ثلاث عشرة سنة، بقية أيام معاوية، وأيام يزيد، ومروان بن الحكم، وصدرا من أيام عبد الملك بن مروان السابع والعشرون اسطنيانس المعروف بالأخرم، ملك تسع سنين في أيام عبد الملك ثم خلع وخرم أنفه وقطع عرق تحت لسانه ليخرس، فسلّم من ذلك وحمل إلى بعض الجزائر فهرب ولحق بملك الخزر مستنجدا به وتزوج هناك فلم ير عندهم ما يحب، فصارا إلى طرفلا ملك برجان الثامن والعشرون أولنطس وقيل لونطس، ملك ثلاث سنين في أيام عبد الملك ثم زهد في الملك وأظهر العجز عنه فلحق بالدير فترهب التاسع والعشرون أبسيمر المعروف بالطرسوسي، ملك سبع سنين في أيام عبد الملك فسار اسطنيانس الاخرم ومعه طرفلا ملك برجان منجدا له في جيوش كثيفة فكانت له مع أبسيمر حروب يطول شرحها قد ذكرناها في كتاب (أخبار الزمان، ومن أباده الحدثان) من الأمم الماضية والأجيال الخالية والممالك الداثرة فغلب اسطنيانس على الملك وخلع ابسيمر، وكان ذلك في السنة الأولى من ملك الوليد بن عبد الملك واستوى الأمر له الملك الثاني وهو الثلاثون من ملوكهم وقد كان شرط لطرفلا ملك برجان إذا رجع الملك اليه أن يحمل اليه في كل سنة خراجا، وكان يفعل ذلك واشتد عسفه للروم وبسط يده في القتل فيهم وأباد كثيرا من رؤسائهم وبطارقتهم فأجمعوا على قتله فقتلوه، فكان ملكه الثاني سنتين ونصفا الحادي والثلاثون فيلبقوس ملك سنتين وستة أشهر بقية أيام الوليد وهلك في أول سنة من ملك سليمان بن عبد الملك
стр. 147
الثاني والثلاثون نسطاس بن فيلبقوس ملك ثلاثة أشهر على تحزب كثير واختلاف كلمة ثم خلع ونفى الثالث والثلاثون تيدوس المعروف بالارمنى كان ملكه في السنة التي بويع فيها سليمان بن عبد الملك فبعث اليه سليمان أخاه مسلمة لغزو القسطنطينية برا وبحرا وذلك في سنة ٩٧ وكان في مائة ألف وعشرين ألف مقاتل وكان على أسطول المسلمين في البحر عمر بن هبيرة الفزاري فانضم إلى مسلمة بطريق يعرف بأليون بن قسطنطين المرعشي وضمن له أن يناصحه على أهل القسطنطينية فركن مسلمة إلى ذلك وعبر الخليج وحصر القسطنطينية فوجه أهلها الى مسلمة يبذلون الفدية فأبى فمكر به أليون واستأذنه في مكاتبة رؤساء الروم والتوسط بينه وبينهم فكاتبهم وسار اليهم، فخلا بالبطريرك صاحب كرسي القسطنطينية ورئيس الديانة وسائر البطارقة أصحاب السيوف وولاة الأعمال فدعاهم إلى أن يملكوه عليهم ليقوم بأمرهم ويصرف مسلمة عنهم وذكر لهم ضعف تيدوس ملكهم عن مقاومته فأجابوه الى ذلك وعاد الى مسلمة فأخبره أنهم قد دخلوا في طاعته وسأله التبعد عنهم قليلا وترك حصارهم ليطمئنوا اليه ففعل ذلك فدخل أليون القسطنطينية فملك ونصب التاج على رأسه، فأمر بنقل ما كان مسلمة أعده من الأقوات لعسكره فأدخل القسطنطينية وبلغ مسلمة ذلك فعلم أنه ممكور به فرجع الى حصارهم وعاودهم الحرب وعظم البلاء على من مع مسلمة لذهاب أقواتهم وولى عمر بن عبد العزيز على تلك الحال فكتب الى مسلمة يأمره بالقفول واستحثه على ذلك فقفل بعد كره شديد وخطب طويل وذلك في سنة ١٠٠ وقد أتينا على شرح هذه الحروب وما كان فيها من الحيل والمكايد في كتاب (فنون المعارف، وما جرى في الدهور السوالف) الرابع والثلاثون أليون بن قسطنطين ملك ستا وعشرين سنة بقية أيام سليمان
стр. 148
ابن عبد الملك، وأيام عمر بن عبد العزيز، ويزيد بن عبد الملك، وهشام، وهلك في السنة التي بويع فيها الوليد بن يزيد الخامس والثلاثون قسطنطين بن أليون ملك احدى وعشرين سنة أيام الوليد ابن يزيد، ويزيد بن الوليد، ومروان بن محمد، وأبى العباس السفاح، وعشر سنين من خلافة المنصور السادس والثلاثون أليون بن قسطنطين ملك سبع عشرة سنة واربعة أشهر، بقية أيام المنصور، وخمس سنين من خلافة المهدي.
السابع والثلاثون ريني امرأة أليون بن قسطنطين وتفسير «ريني» صلاح ثم لقبت بعد ذلك أغسطة وملك معها ابنها قسطنطين بن اليون فلم يزالا ملكين بقية أيام المهدي، وأيام الهادي، وصدرا من خلافة الرشيد.
وكانت هي تمضى الأمور والاسم لابنها، وكانت كالمهادنة للمهدي والهادي والرشيد، فلما نشأ ابنها أفسد وتعدى وطغى ونابذ الرشيد ونقض ما كان بينهم من الصلح، فغزاه الرشيد وأوقع به فهرب فكاد أن يؤخذ فلما صار الى قراره خافت أمه أن يكر عليهم الرشيد وكان طغيان ابنها وقبح سياسته قد ظهر في رعيته حتى سبوه وأنكروه، فاحتالت عليه أمه ليبقى ملكها عليها فأمرت بمرآة فأحميت في حال نومه ثم أنبهته وقابلته بالمرآة ففتح عينيه على غرة فذهب بصره.
وكان مدة ملكه مع أمه سبع عشرة سنة وتفردت بالأمر خمس سنين وذلك في أيام الرشيد وهادنت الرشيد وحملت إليه الاتاوة فتطرق بذلك عليها نقفور فأعين وعوضد حتى خلعت وانتزع الملك منها وذلك في سنة ١٨٧ وهي في بلاط بنته بالقسطنطينية يعرف بالابتار والى هذا الوقت ولغثيطها الياطس، وكان ذا رأى وحزم وسياسة، والبلاط القصر، وفي هذا البلاط مينا عليه سلسلة فيه ينزل رسل العرب إذا قدموا للفداء
стр. 149
الثامن والثلاثون نقفور بن استبراق ملك سبع سنين وثلاثة أشهر في أيام الرشيد وهلك في أول خلافة الأمين وقيل إنه كان من ولد جفنة من غسان ممن تنصر آباؤه وقيل بل من ولد متنصرة إياد الذين دخلوا في أرض الروم من بلاد الجزيرة في خلافة عمر بن الخطاب رضى الله عنه، وبايع لابنه استبراق بالملك بعده ولم يعهد هذا فيمن سلف من ملوك الروم، وكانت كتبه تصدر من نقفور واستبراق ملكي الروم، وكانت ملوك الروم قبله تحلق لحاها، وكذلك ملوك الفرس لأمور قد ذكرناها في غير هذا الكتاب فأبى ذلك نقفور وقال هذا تغيير لحق البارئ سبحانه، وكانت مرتبته قبل أن يلي الملك لغثيط وهي ولاية ديوان الخراج.
وكانت ملوك الروم تكتب على كتبها من فلان ملك النصرانية فغير ذلك نقفور وكتب ملك الروم، وقال هذا كذب ليس أنا ملك النصرانية أنا ملك الروم والملوك لا تكذب، وأنكر على الروم تسميتهم العرب «ساراقينوس» تفسير ذلك عبيد سارة طعنا منهم على هاجر وابنها إسماعيل، وانها كانت أمة لسارة وقال تسميتهم عبيد سارة كذب، والروم الى هذا الوقت تسمى العرب ساراقينوس وكان مقتل نقفور في حرب كانت بينه وبين برجان في سنة ١٩٣، وقد أتينا على أخباره مع الرشيد وحروبه لبرجان وقتلهم إياه وغير ذلك من أخباره في كتاب (مروج الذهب، ومعادن الجوهر) التاسع والثلاثون استبراق بن نقفور بن استبراق ملك شهرين.
الأربعون ميخائيل بن جورجس وكان ابن عم نقفور وصهره ملك سنتين في أيام الأمين وقيل أكثر من ذلك فوثب به أليون المعروف بالبطريق وغلب على الأمر وأقام ميخائيل قبله مخفيا أمره، وأشاع هلكه بعد أن ناله بأنواع المكاره.
стр. 150
الحادي والأربعون أليون المعروف بالبطريق، ملك سبع سنين وثلاثة أشهر، وذلك بقية أيام الأمين، وصدرا من خلافة المأمون، فاحتال صنائع ميخائيل فاستخلصوه فوثب باليون وهو مغثر فقتله وعاد الملك اليه وقيل إنه في حال غلبة أليون على الأمر ترهب.
الثاني والأربعون ميخائيل بن جورجس الملك الثاني ملك تسع سنين في أيام المأمون وقيل أكثر من ذلك وقد أتينا على خبره وما كان من أمره وعوده الى الملك ثانية في كتاب (مروج الذهب ومعادن الجوهر) الثالث والأربعون توفيل بن ميخائيل ملك أربع عشرة سنة بقية أيام المأمون وأيام المعتصم وصدرا من أيام الواثق، وهو الّذي فتح مدينة زبطرة من الثغور الجزرية فخرج المعتصم نافرا غازيا حتى نزل على عمّورية فافتتحها وذلك في سنة ٢٢٣ وكان دخوله من الثغور الشأمية ودخل الافشين خيذر بن كاوس الاشروسنى فيمن كان معه من الأولياء وعمر بن عبيد الله بن مروان الأقطع السامي صاحب ملطية من الثغور الجزرية فلقيهم الملك توفيل بن ميخائيل فكانت بينهم حروب عظيمة فانكشف الملك وحماه من كان معه من المحمرة والخرمية، ممن كان استأمن اليه من ناحية آذربيجان والجبال لما واقعهم إسحاق بن إبراهيم بن مصعب الطاهري وكانوا ألوفا، ولحق الافشين بالمعتصم فنزل معه على عمّورية وفي ذلك يقول الحسين بن الضحاك الخليع الباهلي في قصيدة له طويلة يمدح أبا الحسن الأفشين.
أثبت المعصوم عزا لأبى ... حسن أثبت من ركن إضم
كل مجد دون ما أثله ... لبني كاوس أملاك العجم
لم يدع بالبذ من ساكنة ... غير أمثال كأمثال إرم
وقرى توفيل طعنا صادقا ... فض جمعيه جميعا وهزم
وقد ذكره أبو تمام في قصيدته التي مدح بها المعتصم وذكر فتح عمّورية
стр. 151
التي أولها:
السيف أصدق إنباء من الكتب ... في حده الحد بين الجد واللعب
وقال:
لما رأى الحرب رأى العين توفلس ... والحرب مشتقة المعنى من الحرب
وقال الحسين بن الضحاك أيضا: في كلمة له طويلة يخاطب المعتصم.
لم تبق من أنقرة نقرة ... واجتحت عمّورية الكبرى
إن يشك توفيل بتاريخه ... فحق أن يعذر بالشكوى
وقال:
تفنى بنو العيص وأيامهم ... وذكر أيامك لا يفنى
يا رب قد أملكت من بابك ... فاجعل لتوفيلهم العقبي
وإنما ذكرنا هذه الشواهد لأن فريقا ممن لا علم له بسير الملوك وأيامهم ذهبوا الى أن المواقع للأفشين والّذي فتحت عمّورية الكبرى في أيامه هو نقفور الّذي كان في أيام الرشيد، وما ذكرنا أشهر وأوضح إذ كان من الكوائن التي يشترك الناس في علمها بسبب شهرتها، واستفاضة انبائها، ولكن الحاجة دعت الى الاستشهاد.
الرابع والأربعون ميخائيل بن توفيل ملك ثمانيا وعشرين سنة بقية أيام الواثق والمتوكل والمتنصر والمستعين وكانت أمه تدورة تدبر الملك معه ثم أراد قتلها لأمر كان منها، فهربت ولحقت بالدير فترهبت. ونازعه في الملك رجل من أهل عمّورية من أبناء الملوك السالفة يعرف بابن بقراط فلقيه ميخائيل وقد أخرج من في سجونه من المسلمين للقتال معه، وقواهم بالخيل والسلاح فظفر بابن بقراط فشوه بخلقه ولم يقتله لأنه لم يلبس ثياب الفرفير والخف الأحمر، وقتل ميخائيل بسيل الصقلبى جد قسطنطين بن لاون بن بسيل الملك على الروم في هذا الوقت
стр. 152
المؤرخ به كتابنا وهو سنة ٣٤٥ في خلافة المطيع وكان قتله إياه في سنة ٢٥٣ في خلافة المعتز وقيل في سنة ٢٥٢.
الخامس والأربعون بسيل الصقلبى ملك عشرين سنة أيام المعتز والمهتدي وصدرا من خلافة المعتمد وكانت أمه صقلبية فنسب اليها فقيل الصقلبى.
قال المسعودي: وقد أتينا على خبره وبدء أمره وخروجه من بلده وهو بند تراقية إلى القسطنطينية ملتمسا للرزق طالبا للمعاش وما كان عليه من الشدة والشجاعة والهمة والمعرفة بأمور الخيل، وكيف اتصاله بميخائيل بن توفيل إلى أن صار المدبر لخيله وانتقاله في المراتب إلى أن سمى «براكنميس» تفسير ذلك المدبر للملك وقيل ان توفيل استحضره لما نمي اليه خبره وخبر الامرأتين اللتين تزوج الملك بإحداهما وزوجه الأخرى إذ كانت شريعتهم تمنع من الجمع بينهما وكان الملك يختلف اليهما، وما توجه لبسيل عليه من الحيلة حتى قتله وصفا له الملك وغير ذلك من أحواله في كتاب (فنون المعارف، وما جرى في الدهور السوالف) السادس والأربعون أليون بن بسيل ملك ستا وعشرين سنة بقية أيام المعتمد والمعتضد والمكتفي وصدرا من أيام المقتدر، وقيل ان وفاته كانت في سنة ٢٩٧.
السابع والأربعون أخوه الاكصندرس بن بسيل ملك سنة وقيل أكثر من ذلك وقيل إنه اغتيل لسوء سيرته وقبح سياسته.
الثامن والأربعون قسطنطين بن لاون بن بسيل ملك وله نحو من ست سنين وقيل أكثر من ذلك في سنة ٣٠١ وغلب على أمره بطريق البحر وصاحب مغازيه رومانوس فقام بأمر الملك وشرط على نفسه شروطا منها أنه لا يطلب الملك ولا يريده ولا يتسمى به ولا أحد من ولده.
وأقام على ذلك نحوا من سنتين. ومن رسوم ملوك الروم ألا يجلس معهم في
стр. 153
مجلسهم أحد ولا يلبس خفين أحمرين غيرهم فجعل لأرمانوس أن يجلس معه ويلبس خفا أحمر والآخر اسود، ثم نقض الشروط وسمى نفسه ملكا ولبس انتاج والثياب الفرفير التي لا يلبسها الا الملوك وخفين أحمرين وحجر على قسطنطين.
ونشأ لأرمانوس أربعة أولاد فخصى الأوسط واسمه توفيلقطس، وجعله خادما للكنيسة فلما كبر وبلغ مبلغ الرجال جعله بطريركا وهو ملك الدين والقيم به كما ان الملك صاحب السيف، فهو صاحب كرسي القسطنطينية الى هذا الوقت المؤرخ به كتابنا وصاحب الكرسي هو شريك الملك ليس يساوى الملك في الخلق أحدالا هو، ولا يكفر الملك الا له، وإذا جلس الملك جلس على كرسي من ذهب وجلس البطريرك على كرسي من حديد فما كان من نفقات الحرب وجباية الخراج وإعطاء الجند فهو الى الملك، وما كان من أموال الاحباس والوقوف لنفقات الكنائس والديرة والأساقفة والرهبان وما أشبه ذلك من أمر دينهم فهو الى البطريرك، وله في كل بند عامل مثل عامل الملك، والبطريرك لا يأكل اللحم ولا يطأ النساء ولا يتقلد السيف ولا يركب الخيل وإذا أراد أن يركب ركب حمارا وحول رجليه على جانب مثل ركوب النساء.
وكان أولاد أرمانوس الباقون اخرصطفورس، واصطفن، وقسطنطين وكانوا جميعا يخاطبون بالملك وزوج أرمانوس ابنته «إلنا» بقسطنطين فكانت تخاطب بالملكة أيضا.
وولد لقسطنطين الملك منها ولد سماه ارمانوس فهو ولى عهده والمرشح للملك بعده في هذا الوقت وهلك اخرصطفورس وبقي أخواه قسطنطين واصطفن فلم يزل الأمر على ذلك الى نحو من سنة ٣٣٠ للهجرة فواطأ ابنا ارمانوس قسطنطين بن لاون على ازالة أبيهم ارمانوس عن الملك ليصفو لهم الأمر فدخلوا عليه في بعض الأيام في عدة من الناس فقبضوا عليه وانفذوه الى دير
стр. 154
كان بناه في الجزائر بالقرب من القسطنطينية وأقام ولداه مع قسطنطين نحوا من أربعين يوما وعملا على الفتك به والاستيلاء على الملك ونذر بما دبراه فسبقهما الى ذلك فأحضرهما طعامه وقد أعدلهما عدة من خواصه فقبض عليهما ونفاهما الى جزيرتين في البحر منفردتين ففتك أحدهما وهو قسطنطين يالموكل به ورام من أصحابه وأهل الجزيرة طاعته فقتلوه وحملوا رأسه إلى الملك قسطنطين فأظهر الجزع عليه، وتوفى ارمانوس بعد اربع سنين من ترهبه وبقي اصطفن في هذه الجزيرة الى هذا الوقت على ما ينمى إلينا من أخبارهم ونحن بفسطاط مصر ممن يرد في المراكب من القسطنطينية من التجار والرسل الى السلطان بها، وصفا الملك لقسطنطين فبقي في الملك بقية أيام المقتدر والقاهر والراضي والمتقى والمستكفي والى هذا الوقت من خلافة المطيع قال المسعودي: وقد ذكرنا في كتاب (فنون المعارف، وما جرى في الدهور السوالف) خبر من خرج عليه من الخوارج ونازعه في الملك قبل استيلاء ارمانوس عليه وقيامه به كقسطنطين بن اندرونقس الملقب بدوقاس وكان أبوه اندرونقس استأمن الى المكتفي من ناحية طرسوس وكان صاحب جيش اليون ملك الروم وصار الى مدينة السلام في سنة ٢٩٤ وأسلم على يد المكتفي ثم هلك فهرب ابنه هذا على طريق الجبل وارمينية وآذربيجان فكثر اتباعه والمعاضدون له وصار الى القسطنطينية ونازع قسطنطين بن اليون على الملك وكاد ان يتم له ثم وثب به صنائع قسطنطين فقتلوه وذلك في سنة ٣٠١ وكقرقاس أخى الدمستق بارزوس بن الفقاس المساجل في هذا الوقت لأبى الحسن على بن عبد الله بن حمدان بن حمدون بن الحارث العدوي عدي بن أسامة بن مالك بن بكر بن حبيب بن عمر بن غنم بن تغلب صاحب جند حمص وجند قنسرين والثغور الشأمية والجزيرة وديار مضر وديار بكر والمواقع له مرة بعد أخرى،
стр. 155
وكان قرقاس طلب الملك وطمع فيه فقبض عليه وسمل وقد أتينا على سير هؤلاء وأخبارهم وحروبهم مع سائر الأمم وما بنوا من المدن وكوروا من الكور وشيدوا من الهياكل حين كانوا على الحنيفية والكنائس حين دانوا بالنصرانية وما كان من الكوائن والاحداث في أيامهم ودياناتهم ووجوه سياساتهم الى هذا الوقت والتنازع في أعدادهم وما ملكوا من السنين وما كان بينهم وبين ملوك الفرس وغيرهم من الأمم من الحروب والوقائع والزحوف والحيل والمكايد وما كان بينهم وبين خلفاء المسلمين وملوكهم من المغازي والوقائع المشهورة في البر والبحر وأخبار الرسل والوفود بينهم والمهادنات والأفدية وغير ذلك، والتنازع في أنساب الروم وما قيل في وما يذهب اليه بعض ذوى المعرفة منهم والدراية في هذا الوقت من أنهم ولد رومي ابن لنطى بن يونان بن نويه بن سرجون بن بزنط بن توفيل بن رومي بن الأصفر بن اليفز بن العيص بن إسحاق بن إبراهيم فسموا باسم جدهم وأضيفوا إليه ومن قال منهم انهم من ولد روم بن سملاحين بن هريا بن علقا بن العيص ابن إسحاق بن إبراهيم وغير ذلك من الأقاويل في كتاب (أخبار الزمان، ومن اباده الحدثان) ، من الأمم الماضية والأجيال الخالية والممالك الداثرة في الكتاب الأوسط وفي النسخة الاخيرة من كتاب (مروج الذهب ومعادن الجوهر) التي قررنا أمرها في هذا الوقت المؤرخ به كتابنا وهي أضعاف ما تقدم من النسخ وفي كتاب (فنون المعارف، وما جرى في الدهور السوالف) وفي كتاب ذخائر العلوم وفي كتاب الاستذكار، لما جرى في سالف الاعصار) الّذي كتابنا هذا تال له ومبنى عليه وقد خصصنا كل كتاب منها من أخبارهم بما لم تخصص به الآخر إلا ما لا يسع تركه، وإنما ذكرنا في هذا الكتاب جملا وجوامع استذكارا لما تقدم
стр. 156
وقد قدمنا في أول أخبار الروم من هذا الكتاب أن عدة ملوك الروم ثمانية وسبعون ملكا من الصابئين والمتنصرة قبل الإسلام وبعده وان مدة سنيهم إلى ملك قسطنطين هذا تسعمائة سنة وست وستون سنة وشهر وفصلنا ما ملكه الصابئون والمنتصرة فاذ قد ذكرنا الروم وأنسابهم وتاريخ سنيهم وطبقات ملوكهم إلى وقتنا هذا فلنذكر الآن حدود بلادهم وبنودهم وما يتصل منها بالبحار وما لا يتصل
ذكر بنود الروم وحدودها ومقاديرها، وما يتصل منها بالخليج، وبحر الروم والخزر وما اتصل بذلك من اللمع المنبهة على ما تقدم من تأليفنا فيما سلف من كتبنا
أرض الروم أرض واسعة في الطول والعرض آخذة في الشمال بين المشرق والمغرب، مقسومة في قديم الزمان على أربعة عشر قسما: أعمال مفردة، تسمى البنود كما يقال: أجناد الشام، كجند فلسطين، وجند الأردن، وجند دمشق، وجند حمص، وجند قنسرين. غير أن بنود الروم أوسع من هذه الأجناد وأطول والروم يسمون بلادهم أرمانيا، ويسمون البلاد التي سكانها المسلمون في هذا الوقت من الشأم والعراق سوريا.
والفرس إلى هذا الوقت تقارب الروم في هذه التسمية، فيسمون العراق والجزيرة والشأم «سورستان» اضافة الى السريانيين الذين هم الكلدانيون ويسمون سريان ولغتهم سورية وتسميهم العرب النبط.
فالبند الأول يسمى «الافتى ماتى» تفسير ذلك الأذن والعين وهو «بند
стр. 157
الناطليق» أعظم بنود الروم فيه عمّورية، أوله مما يلي بلاد الإسلام من الثغور الشامية حصن هرقلة وأول عمل الناطليق رستاق يعرف بغصطوبلى وفيه يقوم سوق البخور وهو سوق يقوم في السنة مرة.
البند الثاني «بند الابسيق» فيه مدينة نيقية، أول عمل هذا البند غصطوبلى وآخره خليج القسطنطينية فهذان البندان من دار الإسلام الى خليج القسطنطينية في الطول يكون أميالا أربعمائة ميل واربعة وثلاثين ميلا.
البند الثالث «يسرة الناطليق» ويعرف «بترقسين» وهو بند افسيس مدينة أصحاب الكهف ومدينة زمرنى، اخرج هذا البند عدة من الحكماء في سالف الزمان فلاسفة وأطباء، فمن الأطباء روفس الافسيسى له مصنفات كثيرة في الطب وجالينوس يمدحه في كثير من كتبه ويذم روفس الحينيطى، وهذا البند متصل ببحر الروم والشأم.
البند الرابع «بند بنطيليا» وهي «دقابلى» يتصل بالبحر الرومي أيضا وفي آخر هذا البند عمل سلوقية وحصن بوقية واللامس، الّذي يكون فيه الفداء بين المسلمين والروم ومنه الى طرسوس خمسة وثلاثون ميلا وهو بند ضيق وحروب المسلمين عليه برا وبحرا فهذان البندان متصلان من دار الإسلام على البحر الرومي الى خليج القسطنطينية أيضا يكون طولهما ثلاثمائة ميل وخمسة وستين ميلا.
البند الخامس «بند القباذق» وهو يمنة عمّورية فيه قرة وحصن يدقسى وحصن سلندو وذو الكلاع- واسمه بالرومية كوبسطرة- وقونية ووادي سالمون ووادي طامسة، وأول عمل هذا البند مما يلي الثغور الشأمية مطمورة تعرف بماجدة من قلعة لؤلؤة على نحو عشرين ميلا وآخره نهر آلس وتفسير «آلس» بالعربية نهر الملح وهو نهر مقلوب يجرى مما يلي الجنوب مستقبلا للشمال كنيل مصر ومهران السند ونهر انطاكية المعروف بالارنط وما عدا ذلك من الأنهار الكبار
стр. 158
فمصبها كلها من الشمال الى ناحية الجنوب لارتفاع الشمال على الجنوب وكثرة مياهه وقد أتينا على علة ذلك فيما سمينا من كتبنا.
البند السادس «بند البقلار» وهو بند عمل انقرة وأول عمل انقرة نهر آلس وهو آخر عمل القباذق وآخر عمل البقلار بحر الخزر الّذي هو بحر ما يطس فهذان البندان متصلان من دار الإسلام الى بحر الخزر في الطول يكون أميالا اربعمائة ميل وخمسة وأربعين ميلا، وليس للروم أطول من بند البقلار هذا، ولا أكثر رجالة منه.
البند السابع «بند الافطماط» وهو عمل نقمودية، وهو بند مربع بين البقلار والابسيق وآخر عمل هذا البند خليج القسطنطينية، وعرض الخليج هناك ميل ويسمى ذلك الموضع الى هذا الوقت أقروبلى. وقد قدمنا صفة ذلك فيما سلف من هذا الكتاب في ملك قسطنطين بن هيلانى عند ذكر بنائه القسطنطينية ووصف خليجها والعدوات الست التي عليه البند الثامن «بند الارمنياق» يمنة البقلار، وهو عمل ماسية وفي طرف هذا البند عمل خرشنة، وآخره بحر ما يطس الّذي يسميه كثير من الناس بحر الخزر وانما هو متصل به لأن بحر الخزر هو الّذي عليه دور الأعاجم كالباب والأبواب وموقان والجبل والديلم، وآبسكون ساحل جرجان، والبهم ساحل آمل قصبة طبرستان على ما قدمنا فيما سلف من هذا الكتاب عند إخبارنا عن البحار وترتيبها وما يصب اليها من كبار الأنهار البند التاسع «بند فلاغونية» وهو يمنة الارمنياق وفي طرفه عمل قلونية، فهذه تسعة بنود دون الخليج مما يلي الثغور الشأمية والجزرية وغيرها من بلاد الإسلام، والخمسة الباقية من البنود وراء الخليج متصلة بالقسطنطينية وهي «بند طابلا» ومنه القسطنطينية حده من جهة المشرق الخليج الآخذ من بحر الخزر الى بحر الشأم
стр. 159
ومن القبلة بحر الشأم، ومن المغرب سور ممدود من بحر الشأم الى بحر الخزر يسمى «مقرون تيخس» تفسيره السور الطويل، طوله مسيرة أربعة أيام وبينه وبين القسطنطينية يومان وأكثر هذا البلد ضياع الملك والبطارقة، ومروج المواشي «بند تراقية» «بند مقدونية» «بند بلبونيسة» تفسير ذلك الجزائر الكثيرة، وقيل البلدان الكثيرة وهو غربي القسطنطينية فيه خرقيذية ومثونية وقرنتو واثينس وهي مدينة أرسطاطاليس بن نيقوماخس وثاوفرسطس، ودار أرسطاطاليس فيها بينة الى هذا الوقت معروفة معظمة «بند سالونيكة» التي افتتحها لاون غلام زرافة في البحر سنة ٢٩ في خلافة المكتفي وهي مدينة عظيمة بنيت قبل القسطنطينية بناها الإسكندر بن فيلبس الملك وقد غلبت البرغر وأجناس من الترك بدو يسمون «الولندرية» اضافة الى مدينة في أقاصى ثغور الروم مما يلي المشرق تعرف بولندر وهم بجناك ويجنى وبجغرد ونوكبردة على أكثر هذه البنود الخمسة وذلك بعد العشرين والثلاثمائة وخيموا هناك ومنعوا الطريق من القسطنطينية الى رومية وهو مسافة نحو أربعين يوما وأخربوا أكثر ما هناك من العمائر، واتصلت غاراتهم بالقسطنطينية فلا وصول لمن في القسطنطينية الى رومية في هذا الوقت الا في البحر، وانما العمارة بينهما مما يلي القسطنطينية مسيرة أيام كثيرة وقد ذكرنا في كتاب (فنون المعارف، وما جرى في الدهور السوالف) السبب في انتقال هذه الأجناس الأربعة من الترك عن المشرق وما كان بينهم وبين الغزية والخرلخية، والكيماكية من الحروب والغارات على البحيرة الجرجانية، واليها يصب نهر جيحون ونهر الشاش وفرغانة وبلاد الفاراب تجرى فيها السفن الكبار من بلاد خوارزم الى بلاد الشاش وغيرها بأنواع التجارات
стр. 160
على ما قدمنا فيما سلف من هذا الكتاب، وليس في المعمور أكبر منها لأنها مسيرة شهر في مثل ذلك، وقيل أكثر على ما قدمنا وماؤها عذب ويليها في العظم بحيرة المارزبون بأرض الروم، وسبب مسيرهم الى هذه الديار. وكان صاحب رومية منقادا الى صاحب القسطنطينية مطيعا له ممتثلا لأمره لا يلبس تاجا ولا يتسمى بالملك على ذلك جرت رسومهم قديما قبل ظهور الإسلام الى نحو سنة ٣٤٠ للهجرة فان صاحب رومية قوى أمره وكثرت جموعه، فلبس التاج والثياب الفرفير والخفاف الحمر وغير ذلك مما يختص به ملك الروم وتسمى ملكا فلما بلغ قسطنطين بن أليون الملك على الروم في هذا الوقت ذلك أنفذ اليه الجيوش فعادت اليه منكوبة مهزومة فكاتبه حينئذ ورضى منه بالمسالمة وقد كان جرى بينهما مصاهرة قبل هذه المنابذة، زوج ملك رومية ابنته بأرمانوس بن قسطنطين وحملها اليه وجهزها بأفخر ما تجهز به بنات الملوك وأعظمه قدرا فهلكت عنده وسائر أجناس الافرنجية من الجلالقة والجاسقس والوشكنس وارماتجس وأكثر الصقالبة والبرغر وغيرهم من الأمم فدائنون بالنصرانية منقادون الى صاحب رومية، ورومية دار مملكة الافرنجة العظمى قديما وحديثا وقد ذكر ذلك أرسطاطاليس في رسالته الى الإسكندر التي يحرضه فيها على المسير لحرب دارا بن دارا ملك فارس فقال «انك أيها الملك قد رأيت أمارات الظفر عند مسيرك أولا الى الافرنجة، فان مشايخهم الذين كانوا على تخوم بلادهم، لما دنوت منهم أسلموا اطراف بلادهم والتجئوا الى مدينتهم العظمى رومية» قال المسعودي: وكانت مساكن الروم واليونانيين متجاوزة كمجاورة مكان
стр. 161
العراق وهم النبط للفرس سكان فارس والأهواز وارض الجبال من الماهات وغيرها على ما ذكرنا فيما سلف من هذا الكتاب في باب الأمم السبع قبل تجيل الأجيال وتحزب الأمم، الى أن غلبت الروم على ديار اليونانيين، وصار الجميع روما كغلبة الفرس على مملكة النبط غير ان كل فريق منهم يحفظون أنسابهم ويرجعون إلى شعوبهم، وقد ذكرنا في أخبار اليونانيين من كتاب (فنون المعارف، وما جرى في الدهور السوالف) ، أن هذه البنود التسعة التي تلى ارض الإسلام في هذا الوقت كانت ديار اليونانيين فإلى وراء الخليج بأيام وكانت ديار الروم ما وراء ذلك الى وراء بلاد رومية وارض الافرنجة برا وبحرا، وذلك نحو من خمسمائة فرسخ إلى أن تتصل ببحر أوقيانوس المحيط وبلاد الأندلس، وأتينا على أخبار هذه البنود ومقاديرها وما يتصل منها بالبحر وما لا يتصل، وما فيها من الحصون العظام والموانى والبحيرات والأنهار والهوتات والحمات. وما وطئ منها المسلمون في أيام مغازيهم إلى هذا الوقت المؤرخ به كتابنا وحدودها، وبماذا التنازع في أسمائها، والى ماذا أضيفت وولاتها ومراتبها ومواضعهم وسماتهم ومقادير جيوشهم، ومن يحاربهم من الأمم في البر والبحر، وما استرجعوه مما كان المسلمون غلبوا عليه من بلادهم، كملطية وشمشاط وحصن منصور وقلعة إبريق التي كانت مدينة البيالقة وكان بها عدة من بطارقتهم منهم قربياس مولى آل طاهر بن الحسين وخرسخارس وغيرهما ومدينة سيحان التي يخرج منها العيون التي هي أصل نهر سيحان وهو نهر أذنة من الثغر الشأمى وغير ذلك من الثغور الجزرية فإلى بلاد قاليقلا، وما يتصل بذلك من المشرق والشمال كإرمينية وغيرها والحصون التي عمرت مما كان المسلمون أخربوه في أول الإسلام مما يلي الثغور الشأمية وما غلبت عليه البرغر وبجناك من الترك وغيرهم من الولندرية من ثغور الروم في هذا الوقت، وخبر السور المسمى بالرومية «مقرون تبخس» تفسير ذلك
стр. 162
السور الطويل كما ذكرنا آنفا الحاجز بين بلاد برجان وبين البنود الخمسة التي وراء القسطنطينية المبنى في سالف الدهر بين جبلين عظيمين وهو دون النهر العظيم المسمى بالصقلبية «دنابى» وعرضه نحو من ثلاثة أميال على ما قدمناه ذكره وعليه كثير من البرغر والصقالبة وغيرهم من الأمم الواغلين في الشمال وقول من قال إنه جيحون نهر بلخ على ما ذكرناه فيما سلف من هذا الكتاب في أخبار أنهار العالم الكبار ومصباتها في البحار وغير ذلك من أخبار الروم وبلادهم وإنما ذكرنا في هذا الكتاب لمعا استذكارا لما تقدم تصنيفه وتنبيها على ما سلف تأليفه وذكرنا فيما تقدم من كتبنا سائر الممالك والأمم ومساكنهم وملوكهم وسيرهم وسياساتهم وحروبهم ووجوه عباداتهم ممن سكن المشرق والمغرب والشمال والجنوب كالهند والصين والترك والخزر واللان، ومن سكن جبل القبق من اللكز ومن جاور الباب والأبواب وقرب من هذا الجبل من الأمم كاللان والسرير والخزر وجرزان والابخاز والصنارية وكشك والسكاسكية وغيرهم والابر وبرجان والروس والبرغر والافرنجة والصقالبة وأجناس السودان مع اختلاف ديارهم وبنائهم وتباينهم في مساكنهم ولغاتهم واخبار مصر والاسكندرية وملوكها ونيلها وما عليه من ممالك الكوشانيين وهم ولد حام بن نوح وأخبار الكلدانيين وهم السريانيون المسمون النبط وأخبار بنى إسرائيل وأنبيائهم وملوكهم ورؤسائهم وقوامهم والأربعة والعشرين كتابا التي تجتمع اليهود والنصارى عليها وتسميها اليهود الكتب الجامعة والنصارى كتب الصورة- والصورة القديمة اثنا عشر منها صغار واثنا عشر كبار، وتسمى أيضا كتب الأنبياء منها التوراة خمسة اسفار وليس تقرأ النصارى في الكنائس من التوراة الا السفر الأول وهو الخليقة، وغير ذلك مما تقدم عنها وتأخر
стр. 163
وأخبار العرب البائدة كعاد وعبيل ابني عوص بن أرم بن سام بن نوح، وثمود وجديس ابني عابر ابن أرم بن سام، وعمليق وطسم ابني لاود بن ارم ابن سام ابن نوح، ووبار بن أميم بن لاود بن أرم بن سام بن نوح، وجرهم بن قحطان بن عابر بن شالخ بن ارفخشذ بن سام، وعبد بن ضخم بن عبس بن هرم بن عابر بن أرم بن سام وغيرهم وتفرقهم عن أرض العراق بعد تبلبل الألسن، وما كان من قضية المجدل وما ارتجز به كل فريق منهم، وأخبار العرب الباقية من معد وقحطان وأنسابهم وأخبار ملوكهم، وأخبار ملوك حمير من التبابعة وغيرهم والتنازع في كمية أعدادهم، ومن قال إنهم سبعون تبعا واستشهد بقول عبد الرحمن بن حسان بن ثابت أو النعمان بن بشير الأنصاريين
لنا من بنى قحطان سبعون تبعا ... أقرت لها بالخرج منها الأعاجم
وقول من قال أقل من ذلك وأكثر والسبب الّذي به سموا التبابعة ومن قال ان هذه السمة لم يكن يستحقها منهم الا من ملك اليمن وحضرموت واجتمعت له طاعتهم، ومن رأى انه انما قيل للملك منهم تبع تشبيها بالظل الّذي يتفيأ به وأن التبع في أصل اللغة الظل إذ كان الملوك السعداء ظلا لرعيتهم وكهفا لها وملجأ، واستشهادهم بقول ليلى الجهنية، وقيل قول سعدى الجهنية
يرد المياه حضيرة ونفيضة ... ورد القطاة إذا اسمأل التبع
يعنى ارتفع الظل وقيل لمعان غير ذلك، ومن سار منهم في البلاد ووطئ الممالك ووصاياهم وعهودهم وحكمهم ومغازيهم من لدن حمير وهو العرنجج ويسمي أيضا زيد بن سبإ وهو عبد شمس، الى زوال نظامهم، وانقضاء ملكهم بغلبة الحبشة عليهم والتنازع في مدة ما ملكوا من السنين من مكثر ومقلل وأقل ما قيل في مدة ملكهم ما حكاه محمد بن موسى الخوارزمي في زيجه في النجوم وغيره أن ذلك ألف وتسعمائة سنة وثمان وثلاثون سنة
стр. 164
ومن تلاهم من ذوى المراتب الملوكية كالأقيال والأذواء والمثامنة والعباهلة وغيرهم، وقيل ان الأذواء لم تكن مرتبة، وانما هي سماة لملوكهم، كذي الإذعار، وذي النار، وذي يزن، وذي رعين، وذي نواس، وذي كلاع، وذي أصبح، وغيرهم ومن ملكته الروم من اليمن بالشأم من تنوخ والضجاعم من سليخ بن حلوان بن عمران بن الحاف بن قضاعة وغسان استكفاء بهم من يليهم من بادية العرب أولهم جفنة بن عمرو مزيقياء بن عامر ماء السماء بن حارثة بن امرئ القيس بن ثعلبة بن مازن بن الأزد، وآخرهم جبلة بن الأيهم بن جبلة بن الحارث بن حجر بن النعمان بن الحارث بن الأيهم بن الحارث بن جبلة بن الحارث بن ثعلبة بن عمرو بن جفنة الّذي لحق بالروم بعد فتوح الشأم ومن ملكته الفرس بالحيرة من أرض العراق من بنى نصر بن لخم من النعامنة والمناذرة وهم ولد عمرو بن عدي بن نصر بن ربيعة بن عمرو بن الحارث بن سعود بن مالك بن غنم بن نمارة بن لخم واسمه مالك بن عدي ابن الحارث بن مرة بن أدد بن زيد بن كهلان ليكفوا بهم من يليهم من بوادي العرب أيضا وآخرهم النعمان بن المنذر الّذي قتله كسرى أبرويز وملك الحيرة بعده اياس بن قبيصة الطائي وغيره الى أن جاء الله بالإسلام وكان عدة من ملك الحيرة من بنى نصر والعباد وغسان وتميم وكندة والفرس وغيرهم نيفا وعشرين ملكا ملكوا خمسمائة سنة واثنتين وعشرين سنة وشهورا، وعمرو بن عدي هو صاحب المثل السائر «كبر عمرو عن الطوق» وهو ابن أخت جذيمة الأبرش الّذي قتلته الزباء ابنة عامر بن ظرب وجذيمة صاحب النديمين الذين يضرب بهما المثل، وفيهما قال متمم بن نويرة اليربوعي في مرثيته أخاه مالك بن نويرة
стр. 165
وكنا كندمانى جذيمة حقبة ... من الدهر حتى قيل لن يتصدعا
فلما تفرقنا كأنى ومالكا ... لطول اجتماع لم نبت ليلة معا
ومن ملك من كندة على معد وغيرها أولهم معاوية بن ثور بن مرتع وهو من كندة وآخرهم حجر بن الحارث بن عمرو أبو امرئ القيس بن حجر، وهو الّذي قتله بنو أسد بن خزيمة، وأخبار ولد نزار بن معد بن عدنان بن أد بن أدد ابن الهميسع بن تيمن بن نبت بن إسماعيل بن إبراهيم- ربيعة ومضر وهما الصريحان من ولد إسماعيل بن إبراهيم- واياد وأنمار مع تنازع النساب فيهما من اليمن هم أم من نزار واستشهاد من ألحق ايادا بنزار بقول أبى دواد جويرية بن الحجاج الأيادي
وفتو حسن أوجههم ... من اياد بن نزار بن معد
وبقول الكميت بن زيد الأسدي
اياد حين تنسب من معد ... وان رغمت أنوف الراغمينا
وكانوا في الذؤابة من نزار ... وأهل لوائها مترزنينا
وقول نساب اليمانية إنه اياد بن أحاظة بن سعد من حمير، واستشهاد من ألحق أنمارا بنزار بقول الكميت أيضا
وأنمار وإن رغمت أنوف ... معديو العمومة والخؤول
لهم لغة تبين من أبيهم ... مع الغر الشوادخ ذي الحجول
وقول اليمن إنه أنمار بن أراش بن الغوث وهو الأزد بن نبت بن مالك ابن زيد بن كهلان وانه ولد له سبعة من الذكور فخمسة منهم يدعون بجيلة وواحد يدعى خثعما، وواحد ينسب والده الى الأزد.
وسبب تفرق هذه القبائل وغيرها من معد عن الحجاز، وما قالته نساب القحطانية فيمن تخلج وتنقل عن قبائلهم الى معد وانتسبوا فيهم، وما قالته نساب المعدية فيمن تخلج أيضا وتنقل عن قبائلهم الى قحطان
стр. 166
والسبب الّذي لأجله انقادت القحطانية الى تمليك الملوك عليها وأبت المعدية ذلك، الى أن جاء الله بالإسلام، ولم سمت القحطانية أنفسها ومن تقدمها من العرب البائدة العرب العاربة وسموا معدا العرب المتعربة، وغير ذلك من فنون الأخبار وضروب السير والآثار، على الشرح والإيضاح قال المسعودي: فاذ ذكرنا اليونانيين وملوكهم وغلبة الروم عليهم ودخولهم في جملتهم، وملوك الروم على طبقاتهم من الحنفاء والمتنصرة قبل ظهور الإسلام وبعده الى وقتنا هذا وهو سنة ٣٤٥ فلنذكر الآن ما كان من الأفدية والهدن بين الروم والعرب في أيام ولد العباس إذ لم يكن في أيام بنى أمية فداء معروف مشهور فنذكره بل كان يفادى بالنفر بعد النفر في سواحل الشأم ومصر والاسكندرية وبلاد ملطية وغيرها من الثغور الجزرية، إذ كانت أموية والثغور الشأمية عباسية
ذكر الأفدية بين المسلمين والروم
الفداء الأول: فداء أبى سليم كان أول فداء جرى في أيام ولد العباس في خلافة الرشيد باللامس من ساحل البحر الرومي على نحو من خمسة وثلاثين ميلا من طرسوس سنة ١٨٩ والملك على الروم نقفور بن استبراق يقال انه فودى بكل أسير كان بأرض الروم من ذكر وأنثى فيما ظهر، وذلك على يد القاسم ابن الرشيد وباسمه، وهو معسكر بمرج دابق من بلاد قنسرين من أعمال حلب وفيه قيل
يا أيها النفر الغزاة ... النازلون بمرج دابق
انى لغاز لو ترك ... ت الى حبيب لي موافق
حضر هذا الفداء وقام به أبو سليم فرج خادم الرشيد المتولي له بناء
стр. 167
طرسوس في سنة ١٧١ للهجرة وسالم البرلسي البربري مولى بنى العباس في ثلاثين ألفا من المرتزقة، وحضره من أهل الثغور وغيرهم من أهل الأمصار وغيرهم نحو من خمسمائة ألف، وقيل أكثر من ذلك بأحسن ما يكون من العدد والخليل والسلاح والقوة، قد أخذوا السهل والجبل وضاق بهم الفضاء. وحضرت مراكب الروم الحربية بأحسن ما يكون من الزي ومعهم أسارى المسلمين، وكان عدة من فودى به من المسلمين في اثنى عشر يوما ثلاثة آلاف وسبعمائة، وقيل أكثر من ذلك وأقل. والمقام باللامس نحو من أربعين يوما قبل الأيام التي وقع الفداء فيها وبعدها. وإنما نذكر في كل فداء يرد فيما بعد هذا الفداء الأيام التي وقع فيها الفداء لا مدة مقام الناس باللامس، إذ كان يطول ويقصر وفي هذا الفداء يقول مروان بن أبى حفصة في كلمة له طويلة يمدح بها الرشيد
وفكت بك الأسرى التي شيدت لها ... محابس ما فيها حميم يزورها
على حين أعيا المسلمين فكاكها ... وقالوا سجون المشركين قبورها
الفداء الثاني: فداء ثابت في خلافة الرشيد أيضا باللامس في سنة ١٩٢ والملك على الروم نقفور بن استبراق أيضا، وكان القيم به ثابت بن نصر بن مالك الخزاعي أمير الثغور الشأمية، حضره مئو ألوف من الناس، وكان عدة من فودى به من المسلمين في سبعة أيام ألفين وخمسمائة ونيفا من ذكر وأنثى الفداء الثالث: فداء خاقان في خلافة الواثق باللامس في المحرم سنة ٢٣١ والملك على الروم ميخائيل بن توفيل وكان القيم به خاقان الخادم التركي وعدة من فودى به من المسلمين في عشرة أيام اربعة آلاف وثلاثمائة واثنين وستين من ذكر وأنثى، وقيل أربعة آلاف وسبعة وأربعين على ما في كتب الصوائف، وقيل أقل من ذلك
стр. 168
وفي هذا الفداء أخرج أهل زبطرة، وفيه خرج مسلم بن أبى مسلم الجرمي، وكان ذا محل في الثغور ومعرفة بأهل الروم وأرضها، وله مصنفات في أخبار الروم وملوكهم وذوى المراتب منهم، وبلادهم وطرقها ومسالكها، وأوقات الغزو اليها والغارات عليها، ومن جاورهم من الممالك من برجان والابر والبرغر والصقالبة والخزر وغيرهم وحضر هذا الفداء مع خاقان رجل يكنى أبا رملة، من قبل احمد بن أبى دواد قاضى القضاة يمتحن الأسارى وقت المفاداة، فمن قال منهم بخلق التلاوة، ونفى الرؤية فودى به وأحسن اليه، ومن أبى ترك بأرض الروم، فاختار جماعة من الأسارى الرجوع الى أرض النصرانية على القول بذلك، وأبى أن يسلم الانقياد الى ذلك، فنالته محن ومهانة الى أن تخلص الفداء الرابع: فداء شنيف في خلافة المتوكل باللامس في شوال سنة ٢٤١ والملك على الروم ميخائيل بن توفيل، وكان القيم به شنيف الخادم مولاه، وحضر جعفر بن عبد الواحد الهاشمي القرشي القاضي، وعلى بن يحيى الأرمني صاحب الثغور الشأمية فكان عدة من فودى به من المسلمين في سبعة أيام ألفين ومائتي رجل، وقيل ألفى رجل ومائتي امرأة، وكان مع الروم من النصارى المأسورين من أرض الإسلام مائة رجل ونيف فعوضوا مكانهم عدة أعلاج، إذ كان الفداء لا يقع على نصراني ولا ينعقد الفداء الخامس: فداء نصر بن الأزهر وعلى بن يحيى في خلافة المتوكل أيضا باللامس مستهل صفر سنة ٢٤٦ والملك على الروم ميخائيل بن توفيل أيضا وكان القيم به على بن يحيى الأرمني أمير الثغور الشأمية ونصر بن الأزهر الطائي الشيعي من شيعة ولد العباس المراسل الى الملك في أمر هذا الفداء من
стр. 169
قبل المتوكل وعدة من فودى به من المسلمين في سبعة أيام ألفان وثلاثمائة وسبعة وستون من ذكر وأنثى وقد ذكر بعض من لحقنا أيامه من مصنفي الكتب في الكوائن والاحداث والسير والتواريخ أن فداء كان في أيام المعتز، والملك على الروم بسيل على يد شفيع الخادم في سنة ٢٥٣ الفداء السادس: فداء ابن طغان في خلافة المعتضد باللامس في شعبان سنة ٢٨٣ والملك على الروم أليون بن بسيل ابو قسطنطين بن أليون الملك على الروم في وقتنا هذا وكان القيم به احمد بن طغان أمير الثغور الشأمية وأنطاكية من قبل أبى الجيش خمارويه بن احمد بن طولون صاحب مصر وأجناد الشأم وديار مضر وغيرها وكانت الهدنة لهذا الفداء وقعت في أيام ابى الجيش في سنة ٢٨٢ فقتل ابو الجيش بدمشق في ذي القعدة من هذه السنة، وتم الفداء في أيام ولده جيش ابن خمارويه فكان عدة من فودى به من المسلمين في عشرة أيام ألفين واربعمائة وخمسة وتسعين من ذكر وأنثى، وقيل ثلاثة آلاف رجل الفداء السابع: فداء رستم ويعرف بفداء الغدر في خلافة المكتفي باللامس في ذي القعدة سنة ٢٩٢ والملك على الروم أليون بن بسيل أيضا، القيم به رستم ابن بردو الفرغاني أمير الثغور الشأمية، وكان عدة من فودى به من المسلمين في أربعة أيام ألفا ومائة وخمسة وخمسين من ذكر وأنثى، ثم غدر الروم وانصرفوا ببقية الأسارى الفداء الثامن: فداء رستم أيضا ويعرف بفداء التمام في خلافة المكتفي أيضا باللامس في شوال سنة ٢٩٥ والملك على الروم أليون أيضا- القيم به رستم بن
стр. 170
بردو، وكان عدة من فودى به من المسلمين ألفين وثمانمائة واثنين وأربعون من ذكر وأنثى الفداء التاسع: فداء مؤنس في خلافة المقتدر باللامس في شهر ربيع الآخر سنة ٣٠٥ والملكان على الروم قسطنطين بن أليون ملكهم في وقتنا هذا وارمانوس. وقسطنطين يومئذ صغير في حجره، وكان القيم به مؤنس الخادم وبشرى الخادم الافشينى أمير الثغور الشأمية وانطاكية، والمتوسط له والمعاون عليه أبو عمير عدي بن احمد بن عبد الباقي التميمي الأذني، وعدة من فودى به من المسلمين في ثمانية أيام ثلاثة آلاف وثلاثمائة وستة وثلاثون من ذكر وأنثى الفداء العاشر: فداء مفلح في خلافة المقتدر أيضا باللامس في رجب سنة ٣١٣ والملكان على الروم قسطنطين وارمانوس وكان القيم به مفلح الخادم الأسود المقتدري وبشرى خليفة ثمل الخادم الدّلفى على الثغور الشأمية، وعدة من فودى به من المسلمين في تسعة عشر يوما ثلاثة آلاف وتسعمائة وثلاثة وثمانون من ذكر وأنثى الفداء الحادي عشر: فداء ابن ورقاء في خلافة الراضي باللامس في سلخ ذي القعدة وأيام من ذي الحجة سنة ٣٢٦ والملكان على الروم قسطنطين وارمانوس وكان القيم به ابن ورقاء الشيباني من قبل الوزير الفضل بن جعفر بن الفرات وبشرى الثملي أمير الثغور الشأمية وكان عدة من فودى به من المسلمين في ستة عشر يوما ستة آلاف وثلاثمائة ونيفا من ذكر وأنثى، وفضل في أيدي الروم من المسلمين ثمانمائة رجل ردوا وفودى بهم على نهر البدندون في مرار شتى، وزيد في الهدنة بعد انقضاء الفداء مدة ستة أشهر، لأجل من تخلف في أيدي الروم من المسلمين، حتى جمع الأسارى لهم
стр. 171
الفداء الثاني عشر: فداء ابن حمدان في خلافة المطيع باللامس في شهر ربيع الأول سنة ٣٣٥ والملك على الروم قسطنطين وكان القيم به نصر الثملي أمير الثغور الشأمية من قبل أبى الحسن على بن عبد الله بن حمدان صاحب جند حمص وجند قنسرين وديار مضر وديار بكر والثغور الشأمية والجزرية وكان عدة من فودى به من المسلمين ألفين وأربعمائة واثنين وثمانين من ذكر وأنثى وفضل للروم على المسلمين قرضا مائتان وثلاثون، لكثرة من كان في أيديهم، فوفاهم أبو الحسن ذلك وحمله اليهم وكان الّذي شرح في هذا الفداء وابتدأ به الاخشيذ محمد بن طغج أمير مصر والشأم والثغور الشأمية، وكان ابو عمير عدي بن احمد بن عبد الباقي الأذني شيخ الثغر والمنظور اليه منهم قدم اليه الى دمشق في ذي الحجة سنة ٣٣٤ ونحن يومئذ بها ومعه يوانس الانسيبطوس البطريقوس المسدقوس المترهب، رسول ملك الروم في إتمام هذا الفداء، وكان ذا رأى وفهم بأخبار ملوك اليونانيين والروم، ومن كان في أعصارهم من الفلاسفة، وقد أشرف على شيء من آرائهم والاخشيذ حينئذ شديد العلة فتوفى يوم الجمعة لثمان خلون من ذي الحجة من هذه السنة وسار ابو المسك كافور الاخشيذى بالجيش راجعا الى مصر، وحمل معه أبا عمير والمسدقوس الى بلاد فلسطين، فدفع اليهما ثلاثين ألف دينار من مال هذا الفداء، وصارا الى مدينة صور فركبا في البحر الى طرسوس فإلى ما وصلا اليها كاتب بشرى الثملي أمير الثغور الشأمية أبا الحسن بن حمدان ودعا له على منابر الثغور الشأمية، فجد في إتمام هذا الفداء فعرف به ونسب اليه قال المسعودي وهذا آخر فداء كان بين المسلمين والروم الى وقتنا المؤرخ
стр. 172
به كتابنا، وقد ذكرت أفدية غير هذه لم نجد لها حقيقة، لا اشتهر أمرها، ولا استفاض خبرها منها فداء كان في أيام المهدي على يد المعروف بالنقاش الأنطاكي، ومنها فداء كان في أيام الرشيد في شوال سنة ١٨١ على يد عياض بن سنان أمير الثغور الشأمية، وفداء كان على يد ثابت بن نصر في أيام الأمين في ذي القعدة سنة ١٩٤، وفداء كان في أيام المأمون في ذي القعدة سنة ٢٠١ على يد ثابت أيضا، وفداء كان في أيام المتوكل سنة ٢٤٧ على يد محمد بن على، وفداء كان في أيام المعتمد في شهر رمضان سنة ٢٥٨ على يد شفيع ومحمد بن على والصحيح منها والمعول عليه هو ما رسمناه دون ما عداه، وقد ذكرنا في كتاب (فنون المعارف، وما جرى في الدهور السوالف) وفي كتاب (الاستذكار، لما جرى في سالف الاعصار) شرح هذه الافدية ومن حضرها وكيفية وقوعها ومن ترسل فيها وتوسطها بين المسلمين والروم وشروطها ومقادير النفقات فيها وهدنها وما كان بين المسلمين والروم من المغازي في البر والبحر من الصوائف والشواتي والربيعيات وما جرى بين الروم وبرجان والبرغر والترك وغيرهم من الوقائع المشهورة والحروب المذكورة، وغير ذلك فلنذكر الآن جامع تاريخ العالم والأنبياء والملوك وما اتصل بذلك
стр. 173
ذكر تأريخ الأمم والأنبياء والملوك، وجامع تأريخ العالم من آدم الى نبينا صلى الله عليه وعلى آله، وما اتصل بذلك
ليس أمة من الأمم من الشريعيين وغيرهم ممن سلف وخلف إلا ولها تأريخ ترجع اليه وتعول عليه في أكثر أمورها ينقل ذلك خلف عن سلف وباق عن ماض إذ كان به تعرف الحوادث العظام، والكوائن الجسام، وما كان في الأزمان الماضية، والدهور الخالية، ولولا ضبط ذلك وتقييده لانقطعت الأخبار ودرست الآثار وجهلت الأنساب، ولذلك أخذ الإسكندر أهل مملكته بتقييد أيامه وحفظ تأريخه وسيره، لكيلا يضيع ما بان من أمره وحمد من سعيه، ولا يجهل كثرة من ناصب من الأعداء وقتل من الملوك، ووطئ من البلاد، وحوى من المملكة لعلمه بما يلحق كثيرا من الناس من التواني عن نقل الأخبار وتقييد السير والآثار، وإعراضهم عن ذلك إيثارا للدعة وميلا الى التخفيف. واحتذى فعله أردشير بن بابك لما قتل ملوك الطوائف واستوسقت له الأمور، وانقاد الناس الى طاعته، قام بضبط سيرته وعهوده وأيامه وحروبه، إلا أنه اطرح ما كان قبل ذلك وتناساه، لكي يكون الذكر لأيامه وسيرته، فضبط ذلك ضبطا شديدا الى يزدجرد بن شهريار آخر ملوكهم فكانت الأمم السالفة والأجيال الخالية والقرون الماضية تؤرخ الكوائن العظام والأحداث الكبار عندها، وتملك الملوك فمن أقر بالطوفان من الأمم كانوا يؤرخون به ثم أرخوا العام بتبلبل الألسن باقليم بابلى فاما المجوس فلإنكارهم كون الطوفان المستولى على جميع الأرض أرخوا بكيومرث
стр. 174
كلشاه معنى ذلك ملك الطين، وهو عندهم آدم أبو البشر وأصل النسل واليه ترجع الفرس في أنسابها على ما قدمنا فيما سلف من هذا الكتاب في آخر ملوك الفرس وطبقاتهم مجملا، وفي غيره من كتبنا مفسرا مشروحا ثم أرخوا بقتل داريوس الملك وظهور الإسكندر الملك، ثم ارخوا بظهور أردشير بن بابك وجمعه الملك واستيلاءه على ملوك الطوائف، ثم ارخوا بملك يزدجرد بن شهريار بن كسرى أبرويز بن هرمز بن خسرو أنوشروان بن قباذ الملك وهو آخر ملوكهم الى هذا الوقت وأول سنته يوم الثلاثاء وكان سوالف اليونانيين والروم والنبط وهم السريانيون يؤرخون بملوك لهم متقدمين وكوائن واحداث، ثم أرخوا بسنى الإسكندر بن فيلبس، فاستقر تاريخهم على ذلك الى هذا الوقت وقد تنوزع في مبدإ تاريخ الإسكندر فمنهم من رأى أن ذلك من ابتداء ملكه ومنهم من رأى ذلك من أول السنة السابعة من ملكه حين خرج عن بلاد مقدونية الى ناحية المغرب وغيرها من بلاد الأفرنجية، ومنهم من رأى ذلك من غلبته على إقليم بابل وقتله دارا بن دارا ومنهم من رأى أن ذلك من وفاته ومن آدم الى ملك الإسكندر خمسة آلاف سنة ومائة واحدى وثمانون سنة، وقيل خمسة آلاف سنة ومائتان وتسع وخمسون سنة، وبين الطوفان الى ملكه ألفان وتسعمائة وخمس وعشرون سنة، ومن فالغ بن عابر الى ملكه ألفان وثلاثمائة واربع وتسعون سنة، ومن إبراهيم الى ملكه ألف وثمانمائة وثلاث وخمسون سنة، ومن خروج بنى إسرائيل من مصر إلى ملكه ألف وثلاثمائة وست وأربعون سنة، ومن ملك داود الى ملكه سبعمائة سنة وأربعون سنة، ومن سبى نصر لبني إسرائيل الى ملكه مائتان وثلاث وستون سنة وقد ذهب قوم الى أن من ابتداء ملك نصر الى غلبة الإسكندر لدارا
стр. 175
اربعمائة سنة وتسع وعشرون سنة وثلاثمائة وستة وخمسون يوما، ومنهم من رأى أن ذلك مائتا سنة وتسع وثمانون سنة، ومن الإسكندر الى صلب ايشوع عند النصارى ثلاثمائة واثنتان وأربعون سنة، ومن الإسكندر الى هذا الوقت الّذي ألف أبو الحسن على بن الحسين المسعودي فيه الكتاب وهو سنة ٣٤٥ للهجرة ألف سنة ومائتا سنة وثمان وستون سنة وكانت القبط بأرض مصر تؤرخ بأول السنة التي ملك فيها بخت نصّر وأولها يوم الأربعاء، وقد ذكر ذلك ابطلميوس في كتاب المجسطي فأما تاريخهم في زيجه فمن أول سنى فيلبس ابى الإسكندر وأول سنته يوم الأحد وبين تاريخ فيلبس وتاريخ الإسكندر اثنتا عشرة سنة وعشرة أشهر وعشرون يوما، ثم ارخوا بملك دقلطيانوس الملك، الملك القبطي لعظم ملكه، واستقر تاريخهم على ذلك الى هذه الغاية وبين تاريخ نصر وتاريخ يزدجرد ألف وثلاثمائة وتسع وسبعون سنة فارسية وثلاثة أشهر، وبين تأريخ فيلبس وتاريخ يزدجرد تسعمائة وخمس وخمسون سنة وثلاثة أشهر، وبين تاريخ الإسكندر وتأريخ يزدجرد تسعمائة واثنتان وأربعون سنة من سنى الروم ومائتان وخمسون يوما، وبين تأريخ الهجرة وتاريخ يزدجرد من الأيام ثلاثة آلاف يوم وستمائة وأربعة وعشرون يوما، فأول هذه التواريخ تاريخ بخت نصّر، ثم تأريخ فيلبس، ثم تاريخ الهجرة، ثم تاريخ يزدجرد. كذلك ذكر محمد بن كثير الفرغاني في كتاب الثلاثين فصلا الّذي فيه ناكر جوامع المجسطي لأبطلميوس وغيره من أصحاب الزيجة في النجوم والقوانين، كالفزارى، ويحيى بن أبى منصور، والخوارزمي، وحبش، وما شاء الله، ومحمد بن خالد المروروذي، وابى معشر جعفر بن محمد البلخي، وابن الفرخان الطبري، والحسن بن الخصيب، ومحمد بن جابر البتاني، والنيريزى،
стр. 176
وغيرهم ممن تقدم وتأخر وكان الإسرائيليون يؤرخون بوفاة إسرائيل وهو يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم، ثم بخروجهم من أرض مصر مع موسى، وكان دخول إسرائيل الى مضر وولده الأسباط وأولادهم وهم سبعون نفسا حين قصدوا يوسف، فكان مقامهم بمصر الى أن خرجوا عنها مع موسى الى التيه مائتي سنة وسبع عشرة سنة يتداولهم ملوك مصر، وأحصاهم موسى وهارون في التيه، فكان من يصلح لحمل السلاح والقتال منهم من ابن عشرين سنة فصاعدا سوى سبط لاوى ستمائة ألف وثلاثة آلاف وخمسمائة وخمسة وخمسين نفسا، وأحصى سبط لاوى بن يعقوب وهو ابن سبطها من ابن شهر الى فوق فكانوا اثنين وعشرين ألفا ومائتين وثلاثة وسبعين، فجميع بنى إسرائيل على ما أحصينا ستمائة وخمسة وعشرون ألفا وثمانمائة وثلاثة وعشرون الفا وكانت وفاة موسى وهارون وأختهما مريم بالتيه في سنة واحدة لتمام أربعين سنة لهم في التيه، وهم لام واحدة اسمها أماحية ماتت أولا مريم أختهما في ستة أيام من نيسان ولها مائة وسبع وعشرون سنة ومات هارون في أول يوم من آب ودفن في جبل هور وهو أحد الأطوار الأربعة المقدم ذكرها وله مائة وثلاث وعشرون سنة، ومات موسى في سبعة أيام من أذار في أرض موآب ودفن في الوادي من أرض موآب وله مائة وعشرون سنة وتولى الأمر بعد موسى يوشع بن نون، وحارب ملوك الشأم وغيرها واستولى على أكثر البلاد، فأقام ست سنين ومات وله مائة وعشرون سنة، ودبر الأمر بعده فينخاس بن العازر بن هارون وما كان كاهنا، والإسرائيليون يذكرون انه النبي الّذي تسميه المسلمون الخضر، والفرس تزعم أن الخضر هو أحد السبعة بنى منوشهر على ما قدمنا فيما سلف من هذا الكتاب، ولأهل الشرائع وغيرهم من أصحاب
стр. 177
التأويل في وقتنا هذا فيه كلام طويل يطول ذكره، فكان من إبراهيم الى خروج بنى إسرائيل من مصر خمسمائة وسبع وستون سنة، ومن الطوفان الى خروجهم ثلاثة آلاف وثمانمائة وخمس وثلاثون سنة، ثم ارخوا بإخراب نصر أورشلم وهي بيت المقدس وسبيهم الى بابل، وكان من ابتداء ملك بخت نصّر الى ظهور الإسرائيليين وسبيهم احدى وثلاثون سنة واربعة وثلاثون يوما، ومن ملك داود الى سبى بابل وأربعمائة سنة وسبع وسبعون سنة، ومن خروج بنى إسرائيل من مصر الى سببهم ألف وثلاث وثمانون سنة، ومن إبراهيم الى سبيهم ألف وخمسمائة وتسعون سنة، ومن فالغ بن عابر الى سبيهم ألفان ومائة واحدى وثلاثون سنة، ومن الطوفان الى سبيهم ألفان وستمائة واثنتان وستون ومن آدم الى سبيهم اربعة آلاف وتسعمائة وثماني عشرة سنة، وكان مقامهم ببابل سبعين سنة الى أن ردهم بهمن بن إسفنديار بن كيبشتاسب بن كيلهراسب الى أورشلم، وامر بعمارتهما والإسرائيليون وكثير من الناس يسمونه كورش، وغير ذلك من الكوائن التي كانت فيهم وكذلك أرخت النصارى من مولد المسيح وغير ذلك من أحواله وأما الهند والصين ومن وافقهم من الأمم ممن قال بقدم العالم وأزليته فيأبون كون الطوفان عم جميع الأرض وما ذكر من تبلبل الألسن، وتواريخهم موضوعة على سوالف ملوكهم وأحداث عظيمة كانت في أيامهم يبعد علينا في هذا الكتاب وصفها، وقد قدمنا فيما سلف من كتبنا شرحها وبأعالي الهند ومشارقها البيت المعروف ببيت الذهب بدء تاريخهم بعد ظهور البدّ الأول فيهم وهو اثنا عشر ألف عام مضروبة في ثلاثة وثلاثين ألف عام وهو البيت الّذي دخله الإسكندر بن فيلبس الملك حين قتل فور ملكهم، وكتب بخبره الى أرسطاطاليس وما شاهد منه من العجائب، فأجابه أرسطاطاليس
стр. 178
بالرسالة المعروفة برسائل بيت الذهب التي أولها:
الى الإسكندر ملك ملوك الأمم من عبده أرسطاطاليس، أما بعد، كتبت الى تذكر الّذي أعجبك من بنيان بيت الذهب بالهند، وما ذكرت أنك رأيت فيه من العجائب والبنيان الشامخ المزخرف بأنواع الجوهر، وما يونق العين من الذهب الأحمر، حتى قد بهر العيون منظره وسار في الأمم ذكره، وقد كتبت إليك أيها الملك أصونك لمعرفتك بالأمور السابقة العليا والأرضية السفلى، ان يعجبك شيء صنعته الأيدي المنينة بالحكمة في الأيام القصيرة، ومدة الزمان اليسيرة، ولكنى أرضى لك أيها الملك أن ترفع نظرك الى ما فوقك وتحتك وعن يمينك وعن شمالك من السماء والصخور والجبال والبحور، وما في ذلك من العجائب الغامضة والمصانع الظاهرة والبنيان الشامخ الّذي لا ينحته الحديد ولا يثلمه المجانيق، ولا يعمله الأجساد المخلخلة الضعيفة في المدة المنقطعة- ثم مر في إتمام الرسالة في وصف الأرضين والبحار والأفلاك والنجوم والآثار العلوية وغير ذلك مما يحدث في الجو مما قد ذكرناه مع رسائل أرسطاطاليس الى الإسكندر في السياسات الديانية والملوكية وغير ذلك في كتاب (فنون المعارف، وما جرى في الدهور السوالف) وهذه الرسالة مستفيضة في أيدي الناس وكانت العرب قبل ظهور الإسلام تؤرخ بتواريخ كثيرة، فأما حمير وكهلان ابنا سبإ بن يشجب بن يعرب بن قحطان بأرض اليمن، فإنهم كانوا يؤرخون بملوكهم السالفة من التبابعة وغيرهم، كملك تبع الأكبر وتبع الأصغر وتبع ذي الأذعار وتبع ذي المنار. وأرخوا بنار صوران وهي نار كانت تظهر ببعض الحرار من أقاصى بلاد اليمن أحدها حر والتي يقال إن الحبرين اللذين قدم بهما تبع أبو كرب من المدينة إلى اليمن حاكما أهل اليمن إليها، وكان ذلك سبب تهود كثير من أهل اليمن وذلك مشهور في أخبارهم، وأرخوا بعث شعيب بن مهذم وملك ذي
стр. 179
نواس وملك جذيمة بن مالك بن فهم بن غنم الدوسيّ وملك آل أبى شمر من غسان بالشام، وأرخوا بعام السيل وهو سيل العرم الّذي ذكره الله في القرآن وخروج عمرو بن مزيقياء بن عامر ماء السماء بن حارثة الغطريف بن امرئ القيس ابن ثعلبة ابن مازن بن الأزد من مأرب جماع غسان في قومه من الأزد وغيرهم من كهلان وحمير وتفرقهم في البلاد، ثم أرخوا بظهور الحبشة على اليمن ثم غلبت الفرس على اليمن، وإزالة الحبشة إلى أن جاء الله بالإسلام فأما تاريخ ولد معد بن عدنان فإنهم كانوا يؤرخهم بغلبة جرهم العماليق وإخراجهم إياهم عن الحرم، ثم أرخوا بهلاك جرهم في الحرم. ثم أرخوا بعد ذلك بعام التفرق، وهو العام الّذي افترق فيه ولد نزار بن معد بن عدنان من ربيعة ومضر وإياد وأنمار على ما في ذلك من التنازع في نسبة إياد وأنمار إلى نزار على ما قدمنا فيما سلف من هذا الكتاب، ثم أرخوا بعد ذلك بعام الفساد وهو عام وقع فيه بين أحياء العرب وقبائلها التنازع والحروب فاستبدلوا الديار وتنقلوا في المساكن وأرخوا بحجة الغدر وكانت قبل الإسلام بنحو من مائة وخمسين سنة وكان سببها أن أوسا وحصبة بنى أزنم بن عبيد بن ثعلبة بن يربوع بن حنظلة بن مالك بن زيد مناة بن تميم بن أد بن طابخة بن الياس بن مضر بن نزار خرجا في عدة من قومهما حجاجا فلقوا بأنصاب الحرم أناسا من اليمن معهم كسوة للكعبة ومال للسدنة حمل ذلك بعض ملوكهم فقتلوهم وأخذوا ما كان معهم ودخلوا مكة فلما كان في أيام منى فشا الخبر بالناس فوثب بهم وتحزب معهم قوم فانتهبت الناس بعضهم بعضا فسميت حجة الغدر وأرخوا بالحرب بين ابني وائل بكر وثعلب المعروفة بحرب البسوس وكان الّذي هاجها قتل جساس بن مرة بن ذهل بن شيبان بن ثعلبة بن عكابة بن صعب
стр. 180
ابن على بن بكر بن وائل كليبا، وهو وائل بن ربيعة بن الحارث لقتل كليب ناقة يقال لها سراب لجار لخالة جساس وهي البسوس ابنة المنقذ التميمية ثم السعدية من قضاعة من بنى حرم وأرخوا بحرب بنى بغيض بن ريث بن غطفان المعروفة بحرب داحس والغبراء، وذلك قبل البعث بنحو من ستين سنة وبحرب الأوس والخزرج ابني حارثة بن ثعلبة وهو العنقاء، وإنما سمى العنقاء لطول عنقه، ابن عمر وهو مزيقياء بن عامر ماء السماء بن حارثة الغطريف ابن امرئ القيس البطريق بن ثعلبة البهلوان بن مازن بن الأزد وهو درّ ابن الغوث بن نبت بن مالك بن زيد بن كهلان بن سبإ بن يشجب بن يعرب بن قحطان، وهما أخوان لأب ولأم نسبا إلى أمهما قيلة بنت جفنة بن عتبة بن عمرو، ونساب قضاعة يذكرون أنها قيلة بنت كاهل بن عذرة بن سعد بن زيد بن سود بن أسلم بن الحاف بن قضاعة وأرخوا بعام الخنان وهو عام شمل أكثر الناس فيه الخنان قال النابغة الجعديّ
فمن يك سائلا عنى فانى ... من الفتيان في عام الخنان
وذهب أبو جعفر محمد بن حبيب في آخرين إلى أنه سمى عام الخنان، أن بنى عامر بن صعصعة بن معاوية بن بكر بن هوازن كانت لهم وقعة مع بعض العرب فلم يصل بعضهم إلى بعض من كثرة الحديد، فقال قائل «يا بنى عامر خنوهم بالسيوف» فلقب ذلك عام الخنان قال المسعودي: وكانت كل قبيلة من قبائل العرب تؤرخ بيوم من أيامها المشهورة في حروبها فكانت بكر وتغلب ابنا وائل بن قاسط بن هنب بن أفصى بن دعمي بن جديلة بن أسد بن ربيعة بن نزار تؤرخ بعام التحالق من إلى حرب البسوس أيام حروبهم المنسوبات
следующие страницы →