Полный текст (353 стр.). Показаны 211–250 · переход к 216.
стр. 211
قال: لما كان يوم بدر التقينا، فهزم الله المشركين، فقتل منهم سبعون رجلا واسر سبعون رجلا، وقيل ان عدة من قتل يوم بدر من قريش وحلفائهم سبعة وأربعون رجلا والأسرى تسعة وأربعون رجلا، وقيل إن عدة القتلى منهم يومئذ خمسة وأربعون رجلا، والأسرى مثل ذلك رجالا واستشهد من المسلمين أربعة عشر رجلا قال المسعودي: وقسم رسول الله ﷺ ما أفاء الله عليه لكل رجل سهما وللفرس سهمين وضرب لثمانية نفر بأسهمهم لم يشهدوا القتال، وهم:
عثمان بن عفان، تخلف عن بدر لمرض رقية بنت رسول الله ﷺ فضرب له بسهمه. فقال يا رسول الله وأجرى قال وأجرك ومنهم طلحة بن عبيد الله بن عثمان بن عمرو بن كعب بن سعد بن تيم بن مرة بن كعب بن لؤيّ بن غالب، يجتمع مع أبى بكر الصديق ﵇ في عمرو بن كعب بن سعد وسعيد بن زيد بن عمرو بن نفيل بن عبد العزى بن رباح بن عبد الله بن قرط بن رزاح بن عدي بن كعب بن لؤيّ بن غالب، يجتمع مع عمر بن الخطاب في نفيل بن عبد العزى. وكان رسول الله ﷺ بعثهما لما خرج من المدينة يتحسسان أخبار العير، نعادا بعد انقضاء الحرب، وقيل انهما كانا بالشأم في تجارة لهما فقد ما بعد رجوع رسول الله ﷺ من بدر فضرب لهما بسهميهما، فقالا يا رسول الله وأجرنا، قال وأجركما على الله- والأول أشهر وعليه العمل والحارث بن الصمة من بنى مالك بن النجار بن ثعلبة بن عمرو بن حارثة ابن الخزرج- وخوات بن جبير بن ثعلبة بن عمرو بن عوف بن مالك بن الأوس- والحارث بن حاطب- وعاصم بن عدي الأنصاريان- وأبو لبابة بشير
стр. 212
ابن عبد المنذر الأنصاري ثم الأوسي. وكان استخلفه على المدينة وما ذكرنا من أن رسول الله ﷺ قسم للفرس سهمين ولفارسه سهما باتفاق من سائر فقهاء الأمصار وغيرهم، إلا أبا حنيفة النعمان بن ثابت، فإنه قال يسهم للفرس سهما ولفارسه سهما وخالفه صاحباه أبو يوسف ومحمد بن الحسن في ذلك.
واعتل أصحاب أبى حنيفة لصحة قوله بأحاديث رووها عن أصحاب رسول الله ﷺ ، وعن أمير المؤمنين على بن أبى طالب، وأبى موسى الأشعري. وغيرهم، وإنما ذكرنا ذلك الخلاف للخلاف الواقع بينهم في الخبر.
وكانت غيبة رسول الله ﷺ الى أن عاد الى المدينة تسعة عشر يوما ودخلها لثمان بقين من شهر رمضان، وكان استخلف عليها ابن أم مكتوم الضرير، وهو عمرو بن قيس من بنى عامر بن لؤيّ بن غالب.
وكانت وفاة أبى لهب عبد العزى بن عبد المطلب عم النبي ﷺ بمكة في اليوم الّذي ورد فيه خبر وقعة بدر ثم سرية عمير بن عدي بن خرشة الأوسي ثم الخطميّ إلى عصماء ابنة مروان من بنى أمية بن بدر، وكانت تؤذى المسلمين وتحرض عليهم أعداءهم فقتلها عمير، وفي هذه السنة أمر رسول الله ﷺ ، بإخراج زكاة الفطر ثم سرية سالم بن عمير الأنصاري إلى أبى عفك شيخ من بنى عمرو بن عوف، وكان يحرض على رسول الله ﷺ فقتله في شوال من هذه السنة.
ثم غزوة رسول الله ﷺ للنصف من شوال إلى بنى قينقاع من من اليهود وكانوا أربعمائة فحصرهم إلى هلال ذي القعدة، فنزلوا على حكمه فاستوهبهم منه عبد الله بن أبى بن سلول- وكانوا حلفاء للخزرج- فأجلاهم إلى
стр. 213
أذرعات من أرض الشأم، وغنم أموالهم وأخذ الخمس، وهو أول خمس خمسه، وفرق الأربعة أخماس على أصحابه. وقيل إن فعله ذلك كان ببدر. وكان استخلف على المدينة أبا لبابة بن عبد المنذر الخزرجي ثم غزوة رسول الله ﷺ المعروفة بغزوة السويق، خرج في ذي الحجة في طلب أبى سفيان صخر بن حرب، وكان أقبل في مائتي راكب من أهل مكة ليبر نذره أن لا يمس النساء، ولا الطيب حتى يثأر بأهل بدر، فصار إلى العريض، فقتل رجلا من الأنصار، وحرق أبياتا هنالك. فلما بلغه خروج رسول الله ﷺ وأصحابه في طلبه جعل وأصحابه يلقون جرب السويق تخففا، فسميت غروة السويق وكان استخلف على المدينة أبا لبابة بن عبد المنذر أيضا، وفي هذا الشهر بنى على بفاطمة ﵉ قال المسعودي: وقد ذكرنا التنازع في سنها عند ذكر وفاتها في خلافة أبى بكر فيما يرد من هذا الكتاب وضحى رسول الله ﷺ أول أضحى رآه المسلمون، وأمر بذلك، وخرج إلى المصلّى، وذبح به شاتين بيده وقيل شاة وفي هذه السنة كانت الوقعة بذي قار بين بكر بن وائل- وعليهم حنظلة ابن سيار من ولد جذيمة بن سعد بن عجل بن لجيم بن صعب بن على بن بكر ابن وائل بن قاسط بن هنب بن أفصى بن دعمي بن جديلة بن أسد بن ربيعة ابن نزار، وقيل إنه من ولد كعب بن سعد بن ضبيعة بن عجل- وبين الجيش الّذي بعثه إليهم الملك خسرو أبرويز عليهم الهامرز، وذلك لما امتنع هانئ بن قبيصة بن هانئ بن مسعود بن عامر بن عمرو بن أبى ربيعة بن ذهل بن شيبان ابن ثعلبة بن عكابة بن صعب بن على بن بكر بن وائل من تسليم ما كان النعمان
стр. 214
ابن المنذر اللخمي ملك الحيرة أودعه إياه من أهله وماله وسلاحه قبل قتل كسرى إياه فاقتتلوا قتالا شديدا، فهزمت الفرس، ومن كان معها من العرب، من تغلب وعليها بشر بن سوادة التغلبي، وطيِّئ وعليها إياس بن قبيصة الطائي، وضبة وتميم وعليهما عطارد بن حاجب بن زرارة، والنمر وعليها أوس بن الخزرج النمري، وبهراء وتنوخ وغيرهم من العرب وقتل الهامرز.
وقيل إن ذلك كان قبل الهجرة، وإن أناسا من عبد القيس وحنيفة وغيرهم من بكر بن وائل جاءوا من اليمامة وبلاد البحرين الموسم يريدون المضي إلى بكر لانجادها، فوقف عليهم النبي ﷺ ، وهو يعرض نفسه على قبائل العرب ومعه أبو بكر فدعاهم إلى الايمان باللَّه وجرى بين أبى بكر ودغفل بن حنظلة بن زيد بن عبدة بن عبد الله بن ربيعة بن عمرو بن شيبان النسابة ما جرى حتى قال النبي ﷺ إن البلاء موكل بالمنطق فوعدوا النبي ﷺ إن نصرهم الله على الأعاجم آمنوا به وصدقوا بنبوته، فدعا لهم النبي ﷺ بالنصر فلما بلغه ظهورهم على الأعاجم قال هذا أول يوم انتصفت فيه العرب من العجم، وبى نصروا وهذا يوم تفخر به بكر بن وائل على سائر العرب وفوضل به في مناقبها وذكره من تقدم من الشعراء وتأخر في مدح بكر، وذكر أيامها المذكورة ووقائعها المشهورة ولقد أحسن أبو تمام حبيب بن أوس الطائي في تلطفه لذلك في مديحه أبا دلف القاسم بن عيسى بن إدريس بن معقل بن عمير بن شيخ بن معاوية بن خزاعيّ ابن عبد العزى بن دلف بن جشم بن قيس بن سعد بن عجل بن لجيم بن صعب
стр. 215
ابن على بن بكر بن وائل ببائيته التي أولها
على مثلها من أربع وملاعب
فقال
إذا افتخرت يوما تميم بقوسها ... على الناس أو ما ولدت من مناقب
فأنتم بذي قار أمالت سيوفكم ... عروش الذين استرهنوا قوس حاجب
وقد ذكر أبو عبيدة معمر بن المثنى في كتابه المترجم بالديباج- أو فياء العرب فعد- السموأل بن عاديا الغساني، والحارث بن ظالم المري، وعمير بن سلمى الحنفي. ولم يذكر هانئا وهو أعظم العرب وفاء، وأعزهم جوارا، وأمنعهم جارا، لأنه عرض نفسه، وقومه للحتوف، ونعمهم للزوال، وحرمهم للسبى، ولم يخفر أمانته، ولا ضيع وديعته
ذكر السنة الثالثة من الهجرة وتعرف «بسنة التمحيص»
ثم غزوة رسول الله ﷺ للنصف من المحرم في مائتين إلى الماء المعروف بقرقرة الكدر، ناحية معدن بنى سليم، مما يلي جادة العراق إلى مكة وبين المعدن والمدينة ثمانية برد يريد سليم بن منصور بن عكرمة بن خصفة ابن قيس بن عيلان بن مضر بن نزار، وغطفان بن سعد بن قيس بن عيلان بن مضر بن نزار، فانجفلوا وغنم من أموالهم، ورجع ولم يلق كيدا، وكان استخلف على المدينة ابن أم مكتوم ثم سرية محمد بن مسلمة الأنصاري من بنى حارثة بن الحارث بن الخزرج بن عمرو بن مالك بن الأوس في أربعة نفر من الأنصار، إلى كعب بن الأشرف اليهودي. وكان رجلا من طيِّئ ثم من بنى نبهان بن عمرو بن الغوث بن طيِّئ،
стр. 216
وأمه من بنى النضير من اليهود، وكان يشبب بنساء المسلمين. ويحرص على النبي ﷺ ، ويرثى أهل القليب، فقتلوه في حصنه للنصف من شهر ربيع الأول ثم غزوة رسول الله ﷺ في جمادى الآخرة بفران. وهو معدن بنى سليم بناحية الفرع من الحجاز، فصار إليه وقد تقدم إليهم خبره فتفرقوا، فرجع ولم يلق كيدا، وكانت غيبته عشرة أيام، واستخلف على المدينة ابن أم مكتوم ثم غزوة رسول الله ﷺ في هذا الشهر في أربعمائة وخمسين إلى نجد، يريد غطفان فبلغ الموضع المعروف بذي أمر وراء بطن نخل فانجفلوا من بين يديه، فرجع ولم يلق كيدا.
وكانت غيبته عشرة أيام، واستخلف على المدينة عثمان بن عفان ثم سرية مولاه زيد بن حارثة الكلبي مستهل جمادى الآخرة إلى الموضع المعروف بالقردة، من أرض نجد بين الرّبذة والغمر وذات عرق من جادة العراق يعترض عيرا لقريش تريد الشأم، فظفر بها، وبلغ الخمس عشرين ألفا، وهذا أول بعث خرج فيه زيد أميرا وفي شعبان من هذه السنة تزوج رسول الله ﷺ حفصة ابنة عمر بن الخطاب، وكانت قبله عند خنيس بن حذافة بن قيس بن عدي بن سعد بن سهم، وكان بدريا ولم يشهد بدرا مع رسول الله ﷺ من بنى سهم غيره وللنصف من شهر رمضان كان مولد الحسن بن على بن أبى طالب ﵇، وفيه تزوج رسول الله ﷺ زينب بنت خزيمة المعروفة بأم المساكين
стр. 217
ثم غزوة رسول الله ﷺ أحدا خرج إليها في نحو من ألف رجل، فانخذل عنه عبد الله بن أبى بن سلول في نحو من ثلث الناس- وكان أشار على على رسول الله ﷺ بترك الخروج إليهم والتمسك بالمدينة. وقال عصاني، ولم يقبل رأيي- وبقي رسول الله ﷺ في نحو من سبعمائة وكانت قريش وكنانة بن خزيمة وأحلافها ثلاثة آلاف، فيهم سبعمائة دارع، والخيل مائتا فرس، ومعهم من النساء خمس عشرة امرأة يحرضنهم فيهن هند ابنة عتبة، وعلى الناس أبو سفيان صخر بن حرب بن أمية بن عبد الشمس بن عبد مناف، فالتقوا يوم السبت لسبع خلون من شوال فاستشهد من المسلمين سبعون رجلا، وقيل خمسة وستون رجلا أربعة منهم من المهاجرين. أحدهم حمزة بن عبد المطلب، والباقون من الأنصار. وقتل من المشركين ثلاثة وعشرون رجلا. وعاد إلى المدينة، وكان قد استخلف عليها ابن أم مكتوم ثم خرج من الغد وهو ثانى يوم أحد في طلب أبى سفيان وأصحابه حتى انتهى إلى الموضع المعروف بحمراء الأسد، وهي على عشرة أميال من المدينة على طريق العقيق متياسرة عن ذي الحليفة ففاتته قريش. فأقام ثلاثا، ثم عاد وفي الناس من يعد هذه غزاة
.
стр. 218
ذكر السنة الرابعة من الهجرة وتعرف «بسنة الترفيه»
ثم سرية أبى سلمة بن عبد الأسد المخزومي في المحرم إلى قطن وهو جبل بناحية فيد من آخر بلاد نجد ثم سرية عبد الله بن أنيس الجهنيّ، جهينة بن زيد بن ليث بن سود بن أسلم ابن الحاف بن قضاعة إلى سفيان بن خالد الهذلي في المحرم أيضا فقتله. وقيل إن قتله إياه كان في السنة الخامسة من الهجرة ثم بعث المنذر بن عمرو الأنصاري في صفر في سبعين رجلا من الأنصار إلى أهل نجد ليقرئوهم القرآن ويعلموهم الدين. فلما انتهوا إلى الموضع المعروف ببئر معونة، على أربع مراحل من المدينة بين أرض بنى سليم وأرض بنى كلاب، أغار عليهم عامر بن الطفيل الكلابي فقتلهم. وكان فيهم عامر بن فهيرة مولى أبى بكر الصديق ثم بعث رسول الله ﷺ عاصم بن ثابت بن أبى الأقلح الأنصاري ثم الأوسي في صفر في تسعة نفر من أصحابه مع رهط من القارة. وهي من الهون بن خزيمة بن مدركة بن الياس بن مضر. وعضل وهي من القارة.
وكانوا قدموا على النبي ﷺ . فسألوه أن يبعث معهم من يفقههم في الدين فبعثهم. فلما صاروا بالموضع المعروف بالرجيع، وذلك على سبعة أميال من الموضع المعروف بالهدأة، الهدأة على سبعة أميال من عسفان غدر بهم، فقتلت لحيان بن هذيل بن مدركة بن الياس بن مضر منهم سبعة نفر، وأسر اثنان خبيب بن عدي الأنصاري من بنى عمرو بن عوف بن مالك بن الأوس، وزيد
стр. 219
ابن الدّثنة فذهب بهما إلى مكة، فقتلا هنالك ثم سرية عمرو بن أمية الضمريّ وسلمة بن أسلم بن حريش إلى أبى سفيان بمكة ليغتالاه فنذر بهما فعاد، وقيل إن ذلك في السنة الخامسة من الهجرة ثم غزوة رسول الله ﷺ في شهر ربيع الأول بنى النضير من اليهود، وقيل إنهم وقريظة من ولد هارون بن عمران، وقيل إنهم من جذام وإنما رغبوا عن دين العمالقة وعبادة الأصنام فاتبعوا شريعة موسى، وانتقلوا من الشأم إلى الحجاز وكانت منازل النضير بناحية الغرس وما والاها، ومقبرة بنى خطمة، وكانوا موادعين لرسول الله ﷺ ، ثم هموا بالغدر به فنذر بهم فنبذ إليهم، فأقاموا على الحرب فسار إليهم فحصرهم خمسة عشر يوما، ثم أجلاهم إلى فدك وخيبر، وقبض ما لهم من الحلقة والكراع فخرجوا يريدون خيبر، وهم يضربون بالدفوف ويزمرون بالمزامير، وعلى النساء المصبغات والمعصفرات وحلى الذهب مظهرين بذلك تجلدا، وكان فيهم- فيما أخبرنا به عن عمر بن شبة النميري- عروة الصعاليك بن الورد العبسيّ، وكان حليفا في بنى عمرو بن عوف، وكان شاعرا مجيدا، وهو القائل في كلمة له طويلة:
دعينى للغنى أسعى فأنى ... رأيت الناس شرهم الفقير
وعاد رسول الله ﷺ إلى المدينة، وكان استخلف عليها ابن أم مكتوم قال المسعودي: وفي هذا الشهر فيما ذكر حرمت الخمر على ما في ذلك من التنازع في سبب تحريمها. وفي شعبان من هذه السنة كان مولد الحسين بن على بن أبى طالب، وفي شوال تزوج رسول الله ﷺ بأم سلمة هند بنت أبى أمية المخزومي، وفي هذا الشهر فيما ذكر رجم يهودي ويهودية كانا قد زنيا
стр. 220
ثم غزوته ﷺ في ذي القعدة في ألف وخمسمائة والخيل عشرة بدرا، لموعد أبى سفيان صخر بن حرب حين أراد الانصراف من أحد فأقام بها ثمانية أيام وتسمى «بدر الثالثة» وخرج أبو سفيان في قريش من مكة إلى عسفان في ألفين والخيل خمسون، ثم لم يقف، ورجع رسول الله ﷺ إلى المدينة، وكان استخلف عليها عبد الله بن رواحة الأنصاري، وكانت غيبته ستة عشر يوما
ذكر السنة الخامسة من الهجرة وتعرف «بسنة الأحزاب»
ثم غزوته ﷺ لعشر خلون من المحرم في ثمانمائة إلى الموضع المعروف بذات الرقاع، وهو جبل قريب من النخيل مما يلي السعد والشقرة مختلفة ألوانه فيه بقع حمر وبيض وسود- وقيل إنها انما سميت غزوة ذات الرقاع لكثرة الرقاع في الرايات، فأجفلت العرب من بين يديه، ولحقوا برءوس الجبال وبطون الأودية قال المسعودي: وفي هذه الغزاة صلّى رسول الله ﷺ صلاة الخوف لقرب العدو منهم، وإشرافهم عليه على ما في ذلك من تنازع في وصفها وكيفيتها بين فقهاء الأمصار وغيرهم، من السلف.
وعاد إلى المدينة وكان استخلف عليها عثمان بن عفان، وكانت غيبته خمس عشرة ليلة ثم غزوته ﷺ دومة الجندل، وهي أول غزواته للروم، وبين
стр. 221
دومة الجندل وبين دمشق خمس ليال، وبينها وبين المدينة خمس عشرة ليلة، وقيل ثلاث عشرة وكان صاحبها- أكيدر بن عبد الملك الكندي- يدين بالنصرانية، وهو في طاعة هرقل ملك الروم، وكان يعترض سفر المدينة وتجارهم، فبلغ أكيدر مسيره فهرب، وتفرق أهل دومة الجندل وصار إليها فلم يجد بها أحدا، فأقام أياما وعاد إلى المدينة، وكان استخلف عليها ابن أم مكتوم وفي هذه السنة وادع رسول الله ﷺ عيينة بن حصن بن حذيفة بن بدر الفزاري ثم غزوته ﷺ لليلتين خلتا من شعبان، بنى المصطلق بن سعد بن عمرو- وهو خزاعة ومنه تفرقت بطونهم- ابن ربيعة بن حارثة بن عمرو بن عامر، وإنما سموا خزاعة بانخزاعهم من جملة الأزد إلى بطن مر عند مسيرهم من مأرب، وفي ذلك يقول شاعرهم:
ولما هبطنا مر تخزعت ... خزاعة منا في حلول كراكر
وكانوا على ماء لهم يعرف بالمريسيع بطريق الفرع، والفرع على ثمانية برد من المدينة فناجزهم فانهزموا، فقتل وأسر وسبى الذراري والأموال، فكان في السبي جويرية بنت الحارث بن أبى ضرار رئيس بنى المصطلق، وكانت صارت لبعض الأنصار فكاتبها، فأدى رسول الله ﷺ كتابتها وتزوجها، فعتق الناس بقية السبي ببركتها، وعاد إلى المدينة، وكان قد استخلف عليها زيد بن حارثة مولاه. وكانت غيبته ثمانية عشر يوما.
وفي هذه الغزاة فقد عقد عائشة، وقال فيها أهل الافك ما قالوا وهم: مسطح ابن أثاثة بن عباد بن المطلب بن عبد مناف، وهو ابن خالة أبى بكر، وكان في عياله- وحسان بن ثابت بن المنذر بن حرم بن عمرو بن زيد مناة بن عدي بن
стр. 222
عمرو بن مالك بن النجار- وهو تيم الله بن ثعلبة بن عمرو بن الخزرج- وعبد الله بن أبى بن سلول، وهو الّذي تولى كبره منهم، وحمنة ابنة جحش ابن رئاب.
والّذي ذكروه صفوان بن المعطل السلمي، وكان صاحب الساقة في تلك الغزاة، فلما أنزلت براءتها جلدهم رسول الله ﷺ ثمانين جلدة، إلا عبد الله بن أبى بن سلول فإنه لم يجلده، وفي ذلك يقول عبد الله بن رواحة، وقيل كعب بن مالك
لقد ذاق حسان الّذي هو أهله ... وحمنة إذ قالوا هجيرا ومسطح
تعاطوا برجم الغيب زوج نبيهم ... وسخطة ذي العرش الكريم فأبرحوا
وفيها نزلت آية التيمم على ما في ذلك من التنازع بين الأسلاف والأخلاف في كيفية التيمم ثم غزوته ﷺ الخندق، وهي غزوة الأحزاب، سارت إليه قريش وغطفان وسليم وأسد وأشجع وقريظة والنضير وغيرهم من اليهود، فكان عدة الجميع أربعة وعشرين ألفا، منها قريش وأتباعها أربعة آلاف، معهم ثلاثمائة فرس، وألف وأربعمائة بعير قائدهم أبو سفيان صخر بن حرب، والمسلمون نحو من ثلاثة آلاف، وذلك في شوال، وقيل في ذي القعدة فأشار سلمان الفارسي على رسول الله ﷺ بالخندق، فخندق وأقاموا محاصرين للمدينة يتناوشون ثم نصر الله رسوله، وهزم الأحزاب، وردهم بغيظهم لم ينالوا خيرا، واستخلف رسول الله ﷺ على المدينة ابن أم مكتوم وقد تنوزع في مدة إقامتهم على الخندق، فمنهم من قال شهر، ومنهم من قال خمسة عشر يوما، وقيل غير ذلك
стр. 223
ثم غزوته ﷺ قريظة من اليهود لمظاهرتهم قريشا عليه، سار إليهم عند منصرفه من الخندق، وذلك لسبع بقين من ذي القعدة، وكانوا على بعض يوم من المدينة، فحصرهم خمسة عشر يوما وقيل أكثر من ذلك، ثم نزلوا على حكم سيد الأوس سعد بن معاذ بن النعمان بن امرئ القيس بن زيد ابن عبد الأشهل فحكم بقتل مقاتلهم وسبى ذراريهم، وكان سعد رمى يوم الخندق بسهم فقطع أكحله فكان لمآبه، فقتل من قريظة سبعمائة وخمسين رجلا صبرا.
وعاد إلى المدينة، وكان استخلف عليها أبارهم الغفاريّ كلثوم بن الحصين، وتوفى سعد بن معاذ بعد رجوع رسول الله ﷺ إلى المدينة وفي هذه السنة تزوج رسول الله ﷺ زينب ابنة جحش بن رئاب الأسدية، أسد بن خزيمة بن مدركة بن الياس بن مضر، وهي ابنة عمته أميمة بنت عبد المطلب ثم سرية أبى عبيدة بن الجراح الفهري فهر قريش، وهو عامر بن عبد الله ابن الجراح بن هلال بن وهيب بن ضبة بن الحارث بن فهر بن مالك بن النضر ابن كنانة في ذي الحجة إلى سيف البحر
стр. 224
ذكر السنة السادسة من الهجرة، وتعرف «بسنة الاستئناس»
ثم سرية محمد بن مسلمة الأنصاري في المحرم إلى القرطاء من بنى أبى بكر ابن كلاب بناحية ضرية، بموضع يقال له البكرات، وضرية على سبعة أميال من المدينة.
ثم غزوة رسول الله ﷺ بنى لحيان من هذيل، وكانوا بالقرب من عسفان خرج إليهم لهلال ربيع الأول ثائرا بمن قتلوا من أصحابه بالرجيع فاعتصموا برءوس الجبال وفيها بعث فيما قيل عمر بن الخطاب سرية إلى القارة، فاعتصموا بالجبال أيضا، وبعث هلال بن الحارث المزني إلى بنى مالك بن فهر فهربوا منه، وبعث بشر ابن سويد الجهنيّ إلى بنى الحارث بن كنانة فاعتصموا بغيضة فأضرمها عليهم عليهم فاحترقوا، فأنكر النبي ﷺ ذلك ورجع إلى المدينة ولم يلق كيدا، وكان استخلف عليها ابن أم مكتوم، وكانت غيبته أربع عشرة ليلة ثم غزوته ﷺ الموضع المعروف بذي قرد من طريق خيبر وهو على ليلتين من المدينة، وكان عيينة بن حصن بن حذيفة بن بدر الفزاري، أغار على لقاحه وهي بالغابة، وهي على بريد من المدينة أو أكثر.
فخرج رسول الله ﷺ يوم الأربعاء لأربع خلون من شهر ربيع الأول فاستنقذ بعضها وعاد إلى المدينة وكان استخلف عليها ابن أم مكتوم، وكانت غيبته خمس ليال ثم سرية سعد بن عبادة الخزرجي إلى الموضع المعروف بالغميم
стр. 225
ثم سرية أبى عبيدة بن الجراح إلى جبلي أجأ وسلمى ثم سرية عكاشة بن محصن الأسدي الغمر غمر مرزوق قال المسعودي.
والغمر على ليلتين من فيد، طريق الكوفة وكان لبني أسد ثم سرية محمد بن مسلمة الأنصاري في شهر ربيع الأول إلى ذي القصة.
وبين ذي القصة والمدينة عشرون ميلا على طريق الرَّبَذَة من جادة العراق إلى بنى ثعلبة، وأناس من تغلب، وكان في عشرة نفر فقتلوا وهم نيام وأفلت محمد جريحا ثم شرية أبى عبيدة بن الجراح إلى ذي القصة أيضا في شهر ربيع الآخر ثم سرية زيد بن حارثة إلى بنى سليم بالجموم، والجموم من بطن نخل عن يسارها، وبطن نخل على أربعة برد من المدينة ثم سرية زيد بن حارثة أيضا في جمادى الأولى إلى العيص، وهي طريق ذي المروة عن يمينها على ليلة منها مما يلي البحر، وهي على أربع مراحل من المدينة ثم سرية زيد بن حارثة أيضا في جمادى الآخرة إلى بنى ثعلبة بالطرف، والطرف ماء قرب من المراض دون النّخيل، وهو على ستة وثلاثين ميلا من المدينة على طريق العراق.
ثم سرية زيد بن حارثة أيضا في جمادى الآخرة أيضا، إلى جذام بحسمى وحسمى وراء وادي القرى مما يلي بلاد فلسطين من أرض الشأم.
ثم سرية زيد بن حارثة أيضا في رجب إلى وادي القرى لاجتماع فزارة لك، فقامت بالحرب أم قرفة، فانصرف زيد راجعا.
ثم سرية عبد الرحمن بن عوف بن عبد عوف بن عبد بن الحارث بن زهرة ابن كلاب في شعبان إلى دومة الجندل.
ثم سرية على بن ابى طالب رضى الله عنه إلى بنى سعد بفدك، وبين فدك وبين المدينة نحو من خمس ليال.
стр. 226
ثم سرية زيد بن حارثة في شهر رمضان إلى أم قرفة، وهي فاطمة ابنة ربيعة ابن زيد الفزارية، وكانت بنواحي وادي القرى على سبع ليال من المدينة، فهزم فزارة وقتل أم قرفة.
ثم سرية عبد الله بن عتيك في هذا الشهر إلى أبى رافع سلام بن أبى الحقيق النضري بخيبر فقتله ثم سرية عبد الله بن رواحة الأنصاري من بنى كعب بن الحارث بن الخزرج إلى أسير بن رزام اليهودي بخيبر فقتله ثم سرية كرز بن جابر الفهري في شوال إلى العرنيين الذين ارتدوا عن الإسلام وقتلوا راعى رسول الله ﷺ ، واستاقوا الإبل. وذلك بالموضع المعروف بذي الجدر بناحية قباء قريب من عين على ستة أميال من المدينة، فأتى بهم فسملت أعينهم، وقطعت أيديهم وأرجلهم على ما في هذا الخبر من التنازع بين فقهاء الأمصار في معناه، وفي آية المحاربة وأحكام المحاربين وحدثنا أبو مسلّم إبراهيم بن عبد الله الكشي عن أبى النعمان عارم بن الفضل السدوسي وسليمان بن حرب بن عثم عن حماد بن زيد.
وحدثنا أبو خليفة الفضل بن الحباب الجمحيّ قال حدثنا سليمان بن حرب عن حماد بن زيد عن أيوب عن أبى قلابة عن أنس بن مالك الأنصاري أن قوما من عكل أو عرينة قدموا على رسول الله ﷺ فاجتووا المدينة. فأمر لهم رسول الله ﷺ بلقاح، وأمرهم أن يشربوا من ألبانها وأبوالها فانطلقوا فلما صحوا قتلوا رعاة رسول الله ﷺ واستاقوا النعم فبلغ رسول الله ﷺ الخبر من أول النهار فأرسل في طلبهم، فما ارتفع النهار حتى أتى بهم، فقطعت أيديهم وأرجلهم، وسملت أعينهم، وألقوا بالحرة، فيستسقون فلا يسقون حتى ماتوا
стр. 227
وقد روى أن النبي ﷺ إنما سمل أعينهم لأنهم سملوا أعين الرعاة، فجعل السمل قصاصا، كذلك ذكر يزيد بن زريع عن سليمان التيمي عن انس بن مالك.
قال المسعودي: والعرينون من ولد عرينة بن نذير بن قسر بن عبقر بن بجيلة، وبجيلة امرأة سمي ولدها بها وهم بنو أنمار بن أراش بن عمرو بن الغوث أخى الأزد بن الغوث وعند نساب ربيعة ومضرا بنى نزار، بجيلة من ولد أنمار بن نزار بن معد، وفي كلب عرينة أخرى، وهي عرينة بن ثور بن كلب بن وبرة والعكليون ولد عكل بن عبد مناة بن أد بن طابخة بن الياس بن مضر ثم غزوة رسول الله ﷺ الحديبيّة، خرج للعمرة في ذي القعدة في ألف وستمائة رجل، وساق معه سبعين بدنة، فصده المشركون عن الدخول إلى مكة، فأقام بالحديبية. وهي من مكة على تسعة أميال مما يلي طرف الحرم وفيها كانت بيعة الرضوان تحت الشجرة على الموت، وذلك لما بعث رسول الله ﷺ عثمان بن عفان إلى أهل مكة يعلمهم أنه لم يأت محاربا، وإنما جاء معتمرا، فاحتبسوا عثمان، واستفاضت الأخبار بقتله، فوقعت البيعة حينئذ.
وخرج إليه سهيل بن عمرو بن عبد شمس من بنى عامر بن لؤيّ بن غالب فصالحه على موادعة عشر سنين على أن ينصرف في تلك السنة، ويأتى في العام المقبل فيخلوا له مكة ثلاثة أيام، فنحر وحلق بالحديبية، وجعلها عمرة وانصرف إلى المدينة، وكان استخلف عليها ابن أم مكتوم، وفي منصرفه عن الحديبيّة قال لأمير المؤمنين على بن أبى طالب رضى الله عنه بغدير خم، من كنت مولاه فعلى مولاه وذلك في اليوم الثامن عشر من ذي الحجة.
وغدير خم يقرب من الماء المعروف بالخرار بناحية الجحفة، وولد على رضى
стр. 228
الله عنه وشيعته يعظمون هذا اليوم وفي هذه السنة أجدب الناس، فاستسقى رسول الله ﷺ في شهر رمضان، وفيها أسلّم المغيرة بن شعبة وفيها انكشف شهربراز صاحب أبرويز بن هرمز عن الروم، وظهرت الروم على الفرس، وفيهم نزلت الم غُلِبَتِ الرُّومُ في أَدْنَى الْأَرْضِ وَهُمْ من بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ ٣٠: ١- ٣
ذكر السنة السابعة من الهجرة، وتعرف «بسنة الاستغلاب»
ثم غزوة رسول الله ﷺ في المحرم خيبر، وهي على ثمانية برد من المدينة في ألف وأربعمائة راجل، والخيل مائتا فرس، فحاربه بعض أهل الحصون، فافتتحها عنوة، وبعضهم جنح إلى الصلح فأجلاهم ثم سألوه أن يقر الأرض في أيديهم على أن يعتملوها ولهم شطر الثمرة فأجابهم إلى ذلك، فكان يبعث عبد الله ابن رواحة الأنصاري في كل سنة، فيخرص عليهم، فلما قتل بمؤتة وجه مكانه جبار بن صخر، فكانوا على ذلك إلى أيام عمر بن الخطاب، فأخرجهم من الحجاز لأنه بلغه رسول الله ﷺ قال في مرضه الّذي مات فيه لا يجتمع دينان في جزيرة العرب على ما في هذا الخبر من التنازع بين فقهاء الأمصار في المساقاة واصطفى رسول الله ﷺ من سبى حصن القموص صفية بنت حيي بن أخطب من النضير، وكانت عند كنانة بن أبى الحقيق فأعتقها رسول الله ﷺ وجعل عتقها صداقها
стр. 229
كذلك ذكر عبد العزيز بن صهيب، وثابت البناني، وشعيب بن الحبحاب عن أنس بن مالك على ما في ذلك من التنازع في معنى هذا الخبر، وهل ذلك خاصا للنّبيّ ﷺ ، أم لأمته التأسي به فيه وفي هذه الغزاة قدم جعفر بن أبى طالب رضى الله عنه ومن معه، من أرض الحبشة، ومعهم أم حبيبة رملة بنت أبى سفيان صخر بن حرب، وكان النجاشي ملك الحبشة زوّجها من النبي ﷺ وأدى عنه المهر، وكانت عند عبد الله بن جحش بن رئاب من بنى غنم بن دودان ابن أسد بن خزيمة بن مدركة ابن الياس بن مضر، وكان هاجر إلى أرض الحبشة وهي معه فتنصر، ففارقته.
وقال رسول الله ﷺ عند قدوم جعفر ما أدرى بأيهما أنا أبشر، بفتح خيبر، أم بقدوم جعفر وفي هذه الغزاة سم النبي ﷺ في ذراع شاة أهدتها له زينب بنت الحارث اليهودية امرأة سلام بن مشكم اليهودي، وكانت سألت: أي عضو من الشاة أحب الى رسول الله ﷺ ؟ فقيل لها الذراع، فأكثرت فيها السم، وسمت سائر الشاة ثم جاءت بها فلما وضعتها بين يدي رسول الله ﷺ تناول الذراع فلاك منها مضغة فلم يسغها، ومعه بشر بن البراء ابن معرور الأنصاري من بنى سلمة من الخزرج قد أخذ منها كما أخذ رسول الله ﷺ ، فأما بشر فأساغها، وأما رسول الله ﷺ فلفظها ثم قال إن هذا العظم ليخبرني انه مسموم ودعا بها فاعترفت، فقال ما حملك على ذلك؟ قالت بلغت من قومي ما لم يخف عليك، فقلت إن كان نبيا فسيخبر، وإن كان ملكا استرحت منه وقومي، فتجاوز عنها رسول الله ﷺ ومات بشر من أكلته التي أكل فقتلها رسول الله ﷺ حينئذ
стр. 230
وقال رسول الله ﷺ في مرضه الّذي توفى فيه ودخلت عليه أم بشر ابن البراء تعوده، فقال يا أم بشر إن هذا الأوان وجدت انقطاع أبهرى من الأكلة التي أكلت مع ابنك بخيبر وكان المسلمون يرون أن رسول الله ﷺ قد مات شهيدا، مع ما أكرمه الله به من النبوة- كذلك ذكر سلمة بن الفضل عن محمد بن إسحاق عن مروان بن عثمان بن أبى سعيد بن المعلى قال المسعودي: وذكر أبو عبيد القاسم بن سلام في كتاب غريب الحديث أنه قال ﷺ ما زالت أكلة خيبر تعادّنى في كل عام فهذا أوان قطعت أبهرى قال أبو عبيد مفسرا لذلك: تعادّنى من العداد وهو الشيء الّذي يأتيك لوقت معلوم مثل الحمى الربع والسم الّذي يقتل لوقت فإنه يعادّ صاحبه لأيام حتى يأتى وقته الّذي يقتل فيه، وأصله من العدد، والأبهر عرق مستبطن الصلب، والقلب متصل به، فإذا انقطع لم يكن معه حياة.
ولما سمع أهل فدك بما نال أهل خيبر، ومن صالح رسول الله ﷺ منهم، ومساقاته إياهم بعثوا إليه يسألونه أن يحقن دماءهم ويخلوا له الأموال ففعل فكانت فدك خالصة لرسول الله ﷺ لأن المسلمين لم يوجفوا عليها بخيل ولا ركاب.
وسار رسول الله ﷺ عن خيبر الى وادي القرى، فحصرهم أياما حتى افتتحها عنوة وكان أهل تيماء أعداء لرسول الله ﷺ ، ورؤساؤهم آل السموأل ابن عاديا بن حيّا بن رفاعة بن الحارث بن ثعلبة بن كعب بن عمرو مزيقياء بن
стр. 231
عامر، والسموأل أحد أوفياء العرب، وهو صاحب الحصن المعروف بالأبلق الفرد، وقد ذكره أعشى بنى قيس بن ثعلبة في مديحه لشريح بن السموأل فقال:
بالأبلق الفرد من تيماء منزله ... حصن حصين وجار غير غدار
فلما بلغهم ما نزل بأهل وادي القرى صالحوا رسول الله ﷺ على أداء الجزية، ورجع رسول الله ﷺ الى المدينة وكان استخلف عليها سباع بن عرفطة الأنصاري واتخذ رسول الله ﷺ الخاتم في المحرم، ونقش عليه محمد رسول الله، وكاتب الملوك في شهر ربيع الأول ونفذت كتبه ورسله اليهم يدعوهم الى الإسلام، وافتتح كتبه اليهم بسم الله الرحمن الرحيم وكان ﷺ أولا يكتب كما تكتب قريش «باسمك اللَّهمّ» حتى نزل عليه ارْكَبُوا فِيها بِسْمِ الله مَجْراها ١١: ٤١ فكتب بذلك الى أن نزل عليه قُلِ ادْعُوا الله أَوِ ادْعُوا الرَّحْمنَ أَيًّا ما تَدْعُوا فَلَهُ الْأَسْماءُ الْحُسْنى ١٧: ١١٠ فكتب «بسم الله الرحمن» حتى نزل عليه إِنَّهُ من سُلَيْمانَ وَإِنَّهُ بِسْمِ الله الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ ٢٧: ٣٠ فكتب بذلك وقد أتينا على السبب في كتبة قريش «باسمك اللَّهمّ» في أخبار أمية بن أبى الصلت الثقفي من الأخبار المسعوديات المنسوبة إلينا.
فبعث عبد الله بن حذافة السهمي الى كسرى أبرويز بن هرمز ملك فارس، وهو يومئذ بالمدائن من ارض العراق، فمزق كتاب رسول الله ﷺ ، وكتب الى باذام عامله على اليمن أن يشخصه اليه فبعث اليه اسوارين في عدة، وهما فيروز بن الديلميّ وخرخسرو، وقيل بابويه، وقال تأتونى به، فقدما المدينة على النبي ﷺ فأخبرها ان شيرويه بن أبرويز ملكهم قد قتل إياه في تلك الليلة، فرجعا الى باذام فأخبراه، فكان الأمر كما ذكر صلّى الله عليه وسلّم
стр. 232
فأسلما وأسلّم باذام والأبناء بصنعاء، وهم الذين ساروا الى اليمن مع خرزاد بن نرسى بن جاماسب أخى قباذ بن فيروز الملك.
وكان أنوشروان سمى مرتبته وهرز حين أنفذه مع سيف بن ذي يزن الحميري منجدا له على الحبشة حين غلبت على اليمن، فقتلوا مسروق بن أبرهة الأشرم آخر ملوك الحبشة باليمن وأقاموا بها.
وكان جميع من ملك اليمن من الحبشة أربعة أولهم أرياط، وقيل أبرهة الاشرم ثم أبرهة وهو السائر إلى البيت الحرام بالفيل المذكور في القرآن، ثم يكسوم ابنه، ثم مسروق ابنه أيضا، ومدة ما ملكوا من السنين نيف وسبعون سنة، وكان قطعهم البحر من ساحل الحبشة الى ساحل اليمن من الموضع المعروف بالمندب وهما جبلان، وهذا الموضع أضيق أعبار هذا البحر، وإنما عرضه نحو من ميل ويتصل به من ساحل اليمن ساحل المخا وهي متصلة بغلافقة ساحل زبيد من أعمال ابن زياد في هذا الوقت ومن الناس من يسمى وهرز الديلميّ لأنه ولى مرزبة الديلم والجيل لا أنه كان ديلميا.
وبعث رسول الله ﷺ دحية بن خليفة الكلبي وهو دحية بن خليفة بن فروة بن فضالة بن زيد بن امرئ القيس بن الخزج والخزج العظم وهو زيد مناة بن عامر بن بكر بن عامر الأكبر بن عوف بن عذرة بن زيد اللات بن رفيدة بن ثور بن كلب. الى هرقل ملك الروم، وعمرو بن أمية الضمريّ إلى النجاشي اصحمة بن بحر ملك الحبشة، والعلاء بن الحضرميّ الى المنذر ابن ساوى أحد بنى عبد القيس صاحب البحرين، وسليط بن عمرو العامري الى هوذة بن على الحنفي صاحب اليمامة، وشجاع بن وهب الأسدي إلى الحارث بن
стр. 233
أبي شمر الغساني عامل هرقل ملك الروم على دمشق وأعمالها، وكان ينزل الجولان ومرج الصّفر، وحاطب بن أبى بلتعة اللخمي وقيل العبسيّ حليف بنى أسد بن عبد العزى الى المقوقس المقرقب النونى بالنون عظيم القبط ببلاد الاسكندرية ومصر، والنون هو قبيل من القبط.
قال المسعودي: وقد أتينا على أخبار هؤلاء الرسل مع من أرسلوا إليه ورسل من كان بعد النبي ﷺ من الخلفاء والملوك ووفودهم إلى سائر الملوك والأمم إلى هذا الوقت وهو سنة ٣٤٥ في خلافة المطيع في كتاب (فنون المعارف وما جرى في الدهور السوالف) وقيل ان بعثة الرسل الى هؤلاء الملوك كان في السنة السادسة من الهجرة قبل فتحه خيبر.
ثم سرية عمر بن الخطاب في شعبان إلى الموضع المعروف بتربة وتربة ناحية العبلاء، على أربع ليال من مكة وقيل خمس، طريق صنعاء ونجران اليمن ثم سرية أبى بكر في هذا الشهر الى بنى كلاب بن ربيعة بن عامر بن صعصعة ابن معاوية بن بكر بن هوازن بن منصور بن عكرمة بن خصفة بن قيس بن عيلان بن مضر بن نزار، بناحية ضرية، ثم سرية بشير بن سعد الأنصاري، ثم الخزرجي في هذا الشهر أيضا الى بنى مرة بن عوف بن سعد بن ذبيان بن بغيض بن ريث بن غطفان بن سعد بن قيس بن عيلان بن مضر بفدك، فأصيب أصحابه وارتث في القتلى.
ثم سرية غالب بن عبد الله الليثي في شهر رمضان الى الميفعة وراء بطن نخل الى ناحية النقرة مما يلي نجدا على ثمانية برد من المدينة، وفيها قتل أسامة ابن زيد بن حارثة الرجل الّذي قال لا إله الا الله فلامه النبي ﷺ على قتله فقال إنما قالها احتجارا فقال «هلا شققت عن قلبه فتعلم أصادق هو أم كاذب؟» فأنزل الله في ذلك وَلا تَقُولُوا لِمَنْ أَلْقى إِلَيْكُمُ السَّلامَ لَسْتَ مُؤْمِناً ٤: ٩٤
стр. 234
ثم سرية بشير بن سعد الأنصاري في شوال إلى يمن وجبار وهما موضعان نحو الجناب والجناب يعارض خيبر ووادي القرى ثم خرج رسول الله ﷺ عن المدينة يوم الاثنين لست ليال خلون من ذي القعدة لعمرة القضاء التي كان المشركون صدوه عنها بالحديبية فخرج المشركون عن مكة ودخلها رسول الله ﷺ فأقام بها وأصحابه ثلاثا ثم خرج عنها وعاد الى المدينة وكان استخلف عليها سباع بن عرفطة، وفيها تزوج ميمونة الهلالية خالة عبد الله بن العباس على ما في هذا الخبر من التنازع بين فقهاء الأمصار وغيرهم ممن تقدم: أنكحها وهو محل أم محرم؟ وهي ميمونة بنت الحارث بن حزن بن بجير بن الهزم بن رويبة بن عبد الله بن هلال بن عامر بن صعصعة بن معاوية بن بكر بن هوازن، وأمها هند بنت عوف بن زهير بن الحارث بن حماطة بن جرش بن حمير وهي العجوز الجرشية أكرم الناس أصهارا كان لها ثماني بنات ميمونة ولبابة الكبرى ولبابة الصغرى وعصماء وعزة بنات الحارث بن حزن وسلمى وأسماء وسلامة بنات عميس بن معد بن الحارث بن تيم ابن كعب بن مالك بن قحافة بن عامر بن ربيعة بن عامر بن معاوية بن زيد بن مالك بن نسر بن وهب الله بن شهران بن عفرس بن أفتل وهم جماعة خثعم بن أنمار على ما في ذلك من التنازع في نسب أنمار ومن ألحقه من نساب النزارية بنزار بن معد بن عدنان ومن ألحقه من نساب القحطانية بأراش بن عمرو بن غوث بن بنت بن زيد بن كهلان بن سبإ بن يعرب بن قحطان.
تزوج رسول الله ﷺ ميمونة على ما وصفنا، وتزوج حمزة بن عبد المطلب سلمى فولدت له أمة الله وقيل أمامة، وتزوج العباس بن عبد المطلب لبابة الكبرى وتكنى أم الفضل فولدت له الفضل لا عقب له وعبد الله أبا الخلفاء
стр. 235
من بنى العباس وعبيد الله ومعبدا لهما عقب وقثم وعبد الرحمن لا عقب لهما وأم حبيب. ولم يكن اخوة لأم وأب أشرف منهم ولا أبعد قبورا، مات الفضل بالشأم في طاعون عمواس وعبد الرحمن ومعبد بإفريقية وقثم بسمرقند وعبد الله بالطائف وعبيد الله بالمدينة. وتزوج جعفر بن أبى طالب أسماء فولدت له عبد الله وعونا ومحمدا ثم تزوجها أبو بكر فولدت له محمدا ثم تزوجها على بن أبى طالب فولدت له يحيى وعونا لا عقب لهما، وتزوج الوليد بن المغيرة المخزومي لبابة الصغرى فولدت له خالد بن الوليد وباقي البنات عند أزواج شتى ليس لهم من السابقة في الدين والشرف في النسب ما لهؤلاء.
ثم سرية ابن أبى العوجاء السلمي في ذي الحجة الى بنى سليم، فأصيب أصحابه ونجا مكلوما ثم سرية عبد الله بن أبى حدرد الأسلمي في ذي الحجة الى الغابة فقتل رفاعة ابن زيد الجشمي.
ثم سرية محيصة بن مسعود إلى ناحية فدك.
ثم سرية عبد الله بن أبى حدرد الى إضم في ذي الحجة أيضا، وكان فيهم أبو قتادة ومحلم بن جثامة فقتل محلم عامر بن الأضبط الأشجعي لشيء كان بينهما في الجاهلية وقيل بل قتله بعد أن حياه بتحية الإسلام فقيل إن فيه نزل وَلا تَقُولُوا لِمَنْ أَلْقى إِلَيْكُمُ السَّلامَ لَسْتَ مُؤْمِناً، تَبْتَغُونَ عَرَضَ الْحَياةِ الدُّنْيا ٤: ٩٤
стр. 236
ذكر السنة الثامنة من الهجرة وتسمى «سنة الفتح»
ثم سرية غالب بن عبد الله الليثي في صفر إلى بنى الملوح بكديد بين عسفان وقديد.
ثم سرية أيضا في صفر إلى مصاب أصحاب يسير بفدك، وفي هذا الشهر قدم عمرو بن العاص بن وائل بن هاشم بن سعيد بن سهم بن عمرو بن هصيص ابن كعب بن لؤيّ بن غالب، وخالد بن الوليد بن المغيرة بن عبد الله بن عمر بن مخزوم بن يقظة بن مرة بن كعب بن لؤيّ مهاجرين.
ثم سرية شجاع بن وهب الأسدي في شهر ربيع الأول الى بنى عامر بالسى من ناحية ركبة، مما تلى تربة وركبة وراء معدن بنى سليم من المدينة على خمس ليال.
ثم سرية كعب بن عمير الغفاريّ في هذا الشهر إلى ذات أطلاح، وهي وراء وادي القرى بين تبوك وأذرعات من بلاد دمشق من أرض الشام فقتل أصحابه جميعا وتحامل الى المدينة جريحا.
ثم سرية زيد بن حارثة وجعفر بن أبى طالب وعبد الله بن رواحة الأنصاري من بنى الحارث بن الخزرج في جمادى الأولى لغزو الروم الى مؤتة من ناحية البلقاء من أعمال دمشق من الشأم لقتل شرحبيل بن عمرو الغساني الحارث بن عمير الأزدي رسول رسول الله ﷺ الى صاحب بصرى، ولم يقتل للنّبيّ ﷺ رسول غيره وكانوا في نحو من ثلاثة آلاف فلقيهم جموع الروم في مائة ألف أنفذهم هرقل للقائهم وهو يومئذ مقيم بأنطاكيّة وعلى الروم تيادوقس البطريق، وعلى متنصرة العرب من غسان وقضاعة وغيرهم شرحبيل بن عمرو
стр. 237
الغساني، فقتل زيد بن حارثة وجعفر بن أبى طالب بعد أن عرقب فرسه، وهو أول فرس عرقبت في الإسلام وجرح نيفا وتسعين جراحة كلها في مقادمه، وعبد الله ابن رواحة ورجع خالد بن الوليد بالناس.
ثم سرية عمرو بن العاص في جمادى الآخرة الى ذات السلاسل وراء وادي القرى بينها وبين المدينة عشرة أيام، فلقيه جموع الروم ومنتصرة العرب فاستمد النبيّ ﷺ فأمده بسرية فيها أبو بكر وعمر وأبو عبيدة بن الجراح رضى الله عنهم، وكان لعمرو في هذه السرية أفعال أنكرت عليه منها صلاته بالناس جنبا، ومنعه إيقاد النار مع حاجتهم اليها لشدة القر وكثرة الجراح وغير ذلك، وبلغ النبي ﷺ ما فعل فأجازه لما ذكر فيه من المصلحة للجيش.
ثم سرية أبى عبيدة بن الجراح في رجب الى أرض جهينة بناحية البحر بينها وبين المدينة خمس ليال.
ثم سرية أبى قتادة النعمان بن ربعي الأنصاري ثم الخزرجي في شعبان الى خضرة أرض محارب بنجد.
ثم سرية أبى قتادة أيضا في هذا الشهر الى بطن إضم بين ذي خشب وذي المروة بينها وبين المدينة ثلاثة برد ثم غزوة رسول الله ﷺ مكة وهي غزوة الفتح سار اليها لثلاث ليال خلون من شهر رمضان في عشرة آلاف من المسلمين فدخلها، وكان استخلف على المدينة أبارهم الغفاريّ.
قال المسعودي: وتنوزع في دخوله أصلحا كان أم عنوة فقال أبو عمرو عبد الرحمن بن عمرو الأوزاعي من الأوزاع من حمير في آخرين من أهل الشأم وأهل العراق وغيرهم من أهل الظاهر كأبى سليمان داود بن على الأصبهاني وغيره
стр. 238
فتح رسول الله ﷺ مكة عنوة فخلى بين المهاجرين وأرضهم ودورهم بمكة ولم يجعلها فيئا واحتجوا بقول النبي ﷺ ألا إن الله حبس الفيل عن مكة وسلط عليهم رسوله والمؤمنين ألا انها لم تحل لأحد قبلي ولا تحل لأحد بعدي وبقوله أترون أوباش قريش أنى لقيتموهم فاحصدوهم حصدا وأمره بقتل ابن خطل وعبد الله بن سعد بن أبى سرح ومقيس بن حبابة وغيرهم، وغير ذلك من الحجاج فقال أبو عبد الله محمد بن إدريس الشافعيّ وموافقته: لم يدخلها رسول الله ﷺ عنوة وانما دخلها صلحا، وقد تقدم لهم أمان بقوله من دخل داره فهو آمن، ومن ألقى السلاح فهو آمن، ودليل قول الله :
وَهُوَ الَّذِي كَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنْكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ عَنْهُمْ بِبَطْنِ مَكَّةَ من بَعْدِ أَنْ أَظْفَرَكُمْ عَلَيْهِمْ ٤٨: ٢٤.
وقد روي ان هذه الآية نزلت في غزوة الحديبيّة كذلك حدثنا ابو جعفر محمد بن جرير الطبري عن بشر بن معاذ عن يزيد بن زريع عن سعيد عن قتادة وذهب أبو عبد الله مالك بن أنس الأصبحي من ذي أصبح بن مالك من حمير وغيره من أهل المدينة إلى مثل ذلك فإنهم لما أومنوا على أنفسهم كانت أموالهم تبعا لهم، وقال آخرون منهم ابو عبيد القاسم بن سلام افتتح رسول الله ﷺ مكة ومن على أهلها فردها عليهم ولم يقسمها ولا جعلها فيئا وغير ذلك من الحجاج، وأمر رسول الله ﷺ بقتل عدة، منهم عبد الله بن سعد بن أبى سرح بن حبيب بن جذيمة بن نصر بن مالك بن حسل ابن عامر بن لؤيّ وكان أخا عثمان بن عفان لأمه وأحد من كتب الوحي فارتد مشركا ولحق بمكة، فلما أمر النبي ﷺ بقتله أخفاه عثمان ثم أتى به النبي ﷺ سائلا فيه فصمت النبي ﷺ طويلا
стр. 239
ثم قال «نعم» فلما انصرف به عثمان قال رسول الله ﷺ لمن حضره من أصحابه أما والله لقد صمت ليقوم اليه بعضكم فيضرب عنقه فقال رجل من الأنصار: فهلا أومأت يا رسول الله؟ فقال إن النبي لا يقتل بالإشارة ومنهم عبد الله بن خطل من بنى تيم بن غالب بن فهر بن مالك، وقيل إن اسمه هلال بن خطل، وابن خطل هو عبد الله وكان رسول الله ﷺ أمره مصدقا وكان معه رجل من الأنصار وغلام له فقتل الغلام لخلاف كان منه عليه وارتد مشركا وكانت له قينتان تغنيان بهجاء النبي ﷺ ، فأمر بقتلهما معه، ومقيس بن حبابة من بنى كلب بن عوف بن كعب بن عامر بن ليث بن بكر بن عبد مناة بن كنانة بن خزيمة بن مدركة بن الياس بن مضر وكان قتل رجلا من الأنصار قتل أخا له خطأ وكان رجع إلى مكة مرتدا، وعكرمة ابن أبى جهل المخزومي، والحويرث بن نقيذ بن وهب بن عبد بن قصي وكان ممن يؤذبه بمكة فقتله على بن أبى طالب ﵇، وسارة مولاة كانت لبني عبد المطلب وكانت ممن يؤذيه بمكة أيضا وبث رسول الله ﷺ السرايا حول مكة وكان أولها سرية خالد بن الوليد في شهر رمضان الى نخلة اليمانية لهدم العزى فهدمها.
ثم سرية عمرو بن العاص في شهر رمضان الى سواع برهاط فهدمه.
ثم سرية سعد بن زيد الأشهلي من الأوس في هذا الشهر إلى مناة بالمشلل فهدمه.
ثم سرية خالد بن سعيد بن العاص الى عرنة.
ثم سرية هشام بن سعيد بن العاص الى يلملم.
ثم سرية الطفيل بن عمرو الدوسيّ في شوال الى ذي الكفين صنم عمرو بن حممة الدوسيّ فهدمه.
стр. 240
ثم سرية خالد بن الوليد الى بنى جذيمة بن عامر بن عبد مناة بن كنانة بن خزيمة بن مدركة وكانوا بأسفل مكة على ليلة منها نحو يلملم، بعثه رسول الله ﷺ داعيا، ولم يأمره بالقتال فقتلهم بالغميصاء، فوداهم رسول الله ﷺ .
ثم غزوة رسول الله ﷺ هوازن وهي غزوة حنين قال المسعودي: وحنين واد الى جانب ذي المجاز بينه وبين مكة ثلاث ليال، وكان خروجه ﷺ في اثنى عشر ألفا من أهل مكة والخيل مائتا فرس وقيل أكثر من ذلك وطلب ﷺ من صفوان بن أمية عارية أدراعا كانت عنده وصفوان يومئذ مشرك قد استأجل النبي ﷺ بإسلامه شهرين فقال أغصبا يا محمد؟ فقال بل عارية مضمونة حتى نؤديها إليك فأعطاه مائة درع بما يصلحها من السلاح على ما في هذا الخبر من اختلاف الألفاظ واضطراب الأسانيد وتنازع الناس في العارية مضمنة هي كما قال الشافعيّ وغيره واشترط ذلك المعير أم لم يشترط، وهو قول يعزى الى ابن عباس وأبى هريرة وغيرهما أم غير مضمنة كما قال أبو حنيفة النعمان بن ثابت وصاحباه وسفيان الثوري وأهل الطاهر، ويعزى ذلك الى أمير المؤمنين على بن أبى طالب ﵇ وعبد الله بن مسعود أم تكون مضمنة إذا اشترط ضمانها كما قال قتادة وغيره، أو كما قال مالك ما كان من ذلك ظاهرا مثل الرقيق وغيره من الحيوان أو الربع فلم يبعد ذلك لم يكن ضامنا، وما كان من العروض والحلي وغير ذلك فهو ضامن إلا أن يصيبه أمر من أمر الله تعالى يعذر به أو يقوم له بينة فلا يضمن وغير ذلك من الأقاويل مع اتفاق الجميع على أن المستعير لا يملك بالعارية واتفاقهم على أن له الشيء المستعار فيما أذن له مالكه أن يستعمله فيه، واتفاقهم على أن المستعير إذا أتلف الشيء المستعار أن
стр. 241
عليه ضمانه فلقى رسول الله ﷺ هوازن بأوطاس عليهم مالك بن عوف النصري نصر بن معاوية بن بكر بن هوازن بن منصور بن عكرمة بن خصفة ابن قيس بن عيلان بن مضر بن نزار ودريد بن الصمة الجشمي جشم بن بكر ابن هوازن وكان أحد فرسان العرب وشجعانهم وهو يومئذ شيخ كبير ضرير، قيل قد جاوز المائتي سنة ليس فيه الا التيمن برأيه وكان من حضر ذلك اليوم من هوازن نصر وجشم أبناء معاوية بن بكر بن هوازن وسعد بن بكر بن هوازن ونفر من بنى هلال بن عامر بن صعصعة بن معاوية بن بكر بن هوازن ولم يحضرها أحد من بنى نمير ولد عامر بن صعصعة بن معاوية بن بكر ابن هوازن، ولا من كلاب بن ربيعة بن عامر بن صعصعة، ولا من ولد كعب بن ربيعة بن عامر بن صعصعة وهم عقيل والحريش وقشير وجعدة وعبد الله وحبيب بنو كعب فهزمهم الله وغنم رسوله أموالهم وذراريهم، وقتل دريد بن الصمة يومئذ في نحو من مائة وخمسين رجلا من هوازن، وهرب مالك بن عوف.
ثم غزوة رسول الله ﷺ في رجب تبوك مما يلي دمشق من أرض الشأم، وبين تبوك والمدينة تسعون فرسخا، وذلك مسيرة اثنتي عشرة ليلة وكان معه في هذه الغزاة ثلاثون ألفا، الخيل عشرة آلاف، والإبل اثنا عشر ألف بعير، ويسمي جيش العسرة لأنهم أمروا بالخروج لما طابت الثمار واشتد الحر وطاب لهم الظلال، وشق عليهم الخروج لبعد المسافة، وعسرة من الماء، وعسرة من النفقة والظهر، وحث رسول الله ﷺ الأغنياء على النفقة والحملان، فصار إلى تبوك، فأقام بها بضع عشرة ليلة، وقيل عشرين، يصلّى ركعتين ركعتين، وعاد إلى المدينة وكان استخلف عليها على بن أبى طالب وقد ذهب قوم إلى أنه استخلف عليها أبا رهم الغفاريّ وعلى أهله على بن أبى طالب، وقيل بل استخلف عليها بن أم مكتوم، وقيل محمد بن مسلمة، وقيل سباع
стр. 242
ابن عرفطة، وتخلف عبد الله بن أبى معسكرا في الموضع المعروف بالجرف في قطعة من الجيش، وفي هذه الغزاة قال رسول الله ﷺ لعلى بن أبى طالب لما خلفه بالمدينة ولم يخلفه قبلها، وقد رأى كراهية على لذلك أفلا ترضى أن تكون منى بمنزلة هارون من موسى، إلا أنه لا نبي بعدي والأشهر أن رسول الله ﷺ استخلف عليا على المدينة، ليكون مع من ذكرنا من المتخلفين، وقد ذكرنا السبب الّذي له ومن أجله خلفه، وسبب تخلف عبد الله ابن أبى فيما ذكرنا في كتاب (الاستذكار، لما جرى في سالف الاعصار) الّذي كتابنا هذا تال له، وفيها كانت قصة الثلاثة الذين خلفوا، فأنزل الله «وَعَلَى الثَّلاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا حَتَّى إِذا ضاقَتْ عَلَيْهِمُ الْأَرْضُ بِما رَحُبَتْ» ٩: ١١٨ وهم من الأنصار، كعب بن مالك الخزرجي، ومرارة بن الربيع، وهلال بن أمية الأوسيان وقد أتينا على ما كان بينه وبين هرقل، ملك الروم من المراسلات في هذه الغزاة في حال مقامه ﷺ بتبوك، وهرقل يومئذ بحمص، وقيل بدمشق فيما سلف من كتبنا وبعث من هناك خالد بن الوليد المخزومي إلى أكيدر بن عبد الملك الكندي صاحب دومة الجندل، فأخذه أسيرا وفتح الله عليه دومة، وجاءه وهو بتبوك أسقف أيلة يحنة بن روبة فصالحه على أن على كل حالم بها دينارا في السنة، وقدم عليه أهل أذرح فسألوه الصلح على الجزية فقبلها وكتب لهم كتابا، وفي هذه الغزاة نهى عن إخصاء الخيل، وغزوة تبوك آخر غزواته ﷺ وفي انصرافه من هذه الغزاة هم عدة من المنافقين باغتياله ﷺ ليلا وإلقائه في الثنية، وهم المعروفون بأصحاب العقبة، فحال الله بينهم وبين ما أرادوا بنبيه وظهره عليهم، وقد أتينا على شرح خبرهم وسمائهم في كتاب
стр. 243
(الاستذكار) عند ذكرنا هذه الغزاة، وأمر رسول الله ﷺ بهدم مسجد الضرار وإحراقه، وكان في بنى سالم بن عوف من الأوس، وفيه أنزل الله الَّذِينَ اتَّخَذُوا مَسْجِداً ضِراراً وَكُفْراً وَتَفْرِيقاً بَيْنَ الْمُؤْمِنِينَ وَإِرْصاداً لِمَنْ حارَبَ الله وَرَسُولَهُ ٩: ١٠٧.
وتوفيت أم كلثوم ابنة رسول الله ﷺ في شعبان، وفي ذي القعدة من هذه السنة كانت وفاة عبد الله بن أبى بن مالك بن الحارث بن عبيد بن مالك بن الحبلى، وهو سالم بن غنم بن عوف بن الخزرج بن حارثة، وأم أبيه سلول امرأة من خزاعة بها تعرف، وكان أحد المنافقين، وقدم رسول الله ﷺ المدينة مهاجرا، والتاج ينظم له ليملك ومن رسول الله ﷺ في هذه السنة فرائض الصدقات وأوجب في الغلات مما سقى سيحا أو سقته السماء العشر، وما سقى بالنواضح نصف العشر، على ما في ذلك من التنازع بين فقهاء الأمصار في الوسق والحصر وغير ذلك.
ثم وجه ﵊ أبا بكر الصديق رضى الله عنه في ذي الحجة ليحج بالناس ونزلت عليه سورة براءة، فبعث بسبع آيات من صدرها مع على بن أبى طالب، وأمره أن يقوم بها على الناس بمنى إذا اجتمعوا، وقال أذن في الناس أنه لا يدخل الجنة كافر، ولا يحج بعد هذا العام مشرك، ولا يطوف بالبيت عريان ومن كان له عند رسول الله ﷺ عهد فهو له إلى مدته، وأجل الناس أربعة أشهر من يوم تنادى، ليرجع كل قوم إلى مأمنهم، ثم لا عهد لمشرك ولا ذمة وحمل عليا على ناقة العضباء، على ما في هذا الخبر من التنازع والتأول بين فرق أهل الصلاة من أصحاب النص من الشيعة، وأصحاب الاختيار من المعتزلة والخوارج والمرجئة وفقهاء الأمصار وغيرهم من الحشوية والنابتة، فحج المسلمون وحج المشركون على منازلهم من الشرك، وقام على بمنى على ما أمره
стр. 244
رسول الله ﷺ ، فلم تمض سنة حتى دخلت العرب في الإسلام، وكانوا أكثر من مائة ألف وتعايروا بالشرك بينهم، والمقام عليه.
ذكر السنة العاشرة من الهجرة وهي سنة «حجة الوداع»
ثم سرية أسامة بن زيد إلى يبنى وأزدود من أرض فلسطين من بلاد الشأم.
ثم سرية خالد بن الوليد في شهر ربيع الأول إلى بنى عبد المدان من بنى الحارث بن كعب، من ولد عريب بن زيد بن كهلان بنجران اليمن، وفي هذا الشهر توفى إبراهيم بن رسول الله ﷺ ، وكان من مولده إلى وفاته سنة وعشرة أشهر وعشرة أيام وكسفت الشمس يومئذ. فقال قوم إنما كسفت لموته، فصلّى رسول الله ﷺ صلاة الكسوف. ثم قال أيها الناس إن الشمس والقمر آيتان من آيات الله لا يكسفان لموت أحد ولا لحياته، فإذا رأيتم ذلك فافزعوا إلى الله ثم سرية على بن أبى طالب ﵇ في شهر رمضان إلى اليمن، وكتب معه رسول الله ﷺ كتابا يدعوهم إلى الإسلام، فجمعوا له فقرأ عليهم كتاب رسول الله ﷺ ودعاهم الى الإسلام، فأسلمت همدان كلها في يوم واحد واسم همدان أوسلة بن ربيعة بن الخيار بن مالك بن زيد بن كهلان بن سبإ بن يشجب بن يعرب بن قحطان، ثم تتابعت اليمن على الإسلام، وقدمت على رسول الله ﷺ وفودهم، فكتب لهم كتبا بإقرارهم على ما أسلموا
стр. 245
عليه من أموالهم وأرضهم، ووجه إليهم عماله لتعريفهم شرائع الإسلام، وقبض صدقاتهم، وجزية من أقام على دين النصرانية والمجوسية واليهودية منهم وقدم على رسول الله ﷺ بمال البحرين، وهو ثمانون ألف درهم، وجه به العلاء بن عبد الله بن ضماد الحضرميّ، وكان حليفا لبني أمية وهو أول مال حمل إلى المدينة ففرقه على الناس، وقدمت وفود العرب عليه من كل وجه من معد واليمن، وكانت تتربص بإسلامها فلما فتح رسول الله ﷺ مكة ودانت له قريش، انقادت له العرب الى الإسلام وقدم وفد بنى حنيفة بن لجيم بن صعب بن على بن بكر بن وائل من اليمامة فيمن قدم من الوفود، وفيهم مسيلمة الكذاب بن ثمامة بن كثير بن حبيب بن الحارث بن عبد الحارث بن عدي بن حنيفة، ويكنى أبا ثمامة، وبنو حنيفة يسترونه بالثياب فلما رجعوا أظهر مسيلمة أمره بادعائه النبوة.
وصار اليه في هذه السنة السيد والعاقب وافدا أهل نجران يسألانه الصلح، فصالحهما عن أهل نجران على ألفى حلة في السنة وغير ذلك.
ثم خرج رسول الله ﷺ حاجا لخمس بقين من ذي القعدة، وقد ساق معه الهدى ستين بدنة، وقيل أكثر من ذلك وأقل، فلما صار بالموضع المعروف بسرف، أمر الناس أن يحلوا بعمرة إلا من ساق الهدى، ودخل مكة وقدم على بن أبى طالب من نجران اليمن مهلا بالحج، فقال له النبي ﷺ : بأي شيء أهللت؟ قال قلت: حين أحرمت اللَّهمّ إني أهل بما أهل به عبدك ورسولك، فقال له هل معك من هدى؟ قال: لا، فأشركه رسول الله ﷺ في هديه، وثبت على إحرامه مع رسول الله ﷺ حتى فرغا من الحج.
стр. 246
ونحر رسول الله ﷺ الهدى عنهما وحج بالناس وأراهم مناسكهم وعرفهم سنن حجهم، وأعلمهم أن دماءهم وأموالهم عليهم حرام، وأن كل دم موضوع، فسميت حجة الوداع لأنه ودعهم ولم يحج بعدها، وتسمى أيضا حجة البلاغ لأنه حين ودعهم خطبهم فقال في خطبته ألا ان الزمان قد استدار كهيئته يوم خلق الله السموات والأرض وهذا القول بين ماضى الزمان ومستقبله مثبت لبطلان النسيء على ما قدمنا مفصلا فيما سلف من كتابنا هذا. ثم قال اللَّهمّ هل بلغت؟ فقالوا نعم فقال اللَّهمّ اشهد وأحج رسول الله ﷺ نساءه كلهن معه وابنته فاطمة، وقيل إنه أفرد الحج، وقيل أقرن، وقيل انه كسا البيت في حجته الحبرات
ذكر السنة الحادية عشرة من الهجرة وهي «سنة الوفاة»
فيها كان توجيه رسول الله ﷺ عمرو بن العاص الى جيفر وعبادا بنى الجلندي بن مسعود الأزديين صاحبي عمان يدعوهما الى الإسلام فأسلما، وفي هذه السنة قوى أمر الأسود العنسيّ الكذاب المتنبي باليمن وهو عبهلة بن كعب بن الحارث بن عمرو بن عبد الله بن سعد بن عنس بن مذحج وهو مالك بن أدد بن زيد بن يشجب بن عريب بن زيد بن كهلان بن سبإ بن يشجب بن يعرب بن قحطان، وكان بدء أمره بالموضع المعروف بكهف خبان وكان يدعى ذا الحمار، لحمار كان معه قد راضه وعلمه يقول له اسجد فيسجد ويقول له اجث فيجثو، وغير ذلك من أمور كان يدعيها ومخاريق كان يأتى بها يجتذب بها قلوب متبعيه
стр. 247
وقتل باذان رئيس الأبناء الذين شخصوا مع وهرز الى اليمن، وكانوا أسلموا وتزوج امرأته، فوثب عليه فيروز بن الديلميّ من الأبناء، وعاضده في ذلك داذويه، وقيس بن مكشوح المرادي.
وكان النبي ﷺ كاتبهم فقتلوه فأخبر النبي ﷺ أصحابه بقتله، وقيل إن رأسه حمل المدينة، وقد قبض رسول الله ﷺ ، وتنوزع هل كان مقتله في حياته أم بعد وفاته؟
ثم وثب قيس بن مكشوح المرادي على داذويه فقتله منقربا بذلك الى قوم ذي الحمار من عنس، وقال في ذلك.
قد علم الأحياء من مذحج ... ما قتل الأسود إلا أنا
طلبت ثأرا كان لي عنده ... بقتلة الأسود مستمكنا
في كلمة له طويلة أولها:
ألمم بسلمى قبل أن تظعنا ... إن بنا من حبها ديدنا
ثم ندب رسول الله ﷺ أسامة بن زبد في صفر إلى بلاد البلقاء وأذرعات ومؤتة من أرض دمشق من الشأم ثائرا بأبيه، ولأسامة يومئذ ثماني عشرة سنة.
وكان في بعثه عمر بن الخطاب والزبير وأبو عبيدة بن الجراح، وتنوزع في أبى بكر، أكان في هذا البعث أم لا؟ فأقاموا يتجهزون إلى أن توفى رسول الله ﷺ ، وكان يقول في علته جهزوا جيش أسامة.
قال المسعودي: وكانت غزوات رسول الله ﷺ التي غزاها بنفسه سبعا وعشرين غزوة، ومن الناس من يذهب الى أنها ثمان وعشرون، فالذين ذهبوا الى أنها سبع وعشرون، جعلوا منصرف النبي ﷺ من خيبر إلى وادي القرى غزوة واحدة، والذين رووا أنها ثمان وعشرون جعلوا
стр. 248
غزاة خيبر مفردة، ووادي القرى غزوة أخرى، قاتل منها في تسع، أولها بدر وأحد، والخندق، وقريظة، والمصطلق، وخيبر، والفتح، وحنين، والطائف هذا قول محمد بن إسحاق في آخرين، ووافق الواقدي ابن إسحاق في أن النبي ﷺ قاتل في هذه التسع غزوات وذكر أنه قاتل في غزاة وادي القرى، وفي يوم الغابة فقتاله في التسع اتفاق.
وزاد الواقدي ما ذكرنا وإنما حكينا تنازع هذين لأنهما قدوة في حملة المغازي والسير وإليهما يرجع في ذلك.
وكانت سراياه وسواربه وبعوثه على ما رتبنا في هذا الكتاب ثلاثا وسبعين وتنازع مصنفو الكتب في التواريخ والسير في ذلك، فذهب قوم منهم إلى أن سراياه وسواربه ست وستون. وقال آخرون نيف وخمسون.
وقال محمد بن إسحاق في عدة من أصحاب السير والمغازي، بل ذلك خمس وثلاثون.
وقال محمد بن عمر الواقدي في آخرين من أصحاب المغازي والسير انما كانت السرايا والسوارب ثمانيا وأربعين.
قال المسعودي: وأرى أن السبب الّذي أوجب هذا التنازع المتفاوت في اعداد هذه السرايا، أن منهم من يعتد بسرايا لا يعتد بها آخرون، وذلك أنه كانت سرايا في جملة مغاز، فأفردها بعضهم واعتد بها، وبعض جعلها في جملة تلك المغازي، لأن رسول الله ﷺ ، قد وجه في كثير من غزواته سرايا الى ما يلي البلاد التي حلها بعد هزيمة المشركين بخيبر في الطلب على ما قدمنا، ووجه بعد فتح مكة سرايا لهدم الأصنام التي حول مكة، فوقع التنازع لأجل ذلك، فجمعنا في كتابنا هذا جميع ذلك ولم نأل جهدا في حصره وترتيبه، ولم نخله من ذكر خلاف أصحاب السير في ذلك ليكون أعم لفائدته وأجزل لعائدته،
стр. 249
على أنا لم نجد أحدا حصل ذلك تحصيلنا، ولا رتبه ترتيبنا، فمن أراد علم ذلك فليتصفح كتب من عنى بهذا الشأن من الأسلاف والأخلاف يقف على حقيقة ما قلنا وفضيلة ما أتينا، ففهم ذلك بعد الكفاية يسير، ومطلبه قبل الكفاية عسير. وقد ذكرنا ذلك على الشرح والإيضاح، وما فيه من التنازع في كتاب (فنون المعارف، وما جرى في الدهور السوالف) وفي كتاب (الاستذكار، لما جرى في سوالف الاعصار) الّذي كتابنا هذا تال له ومبنى عليه، وإنما حذفنا من كتابنا هذا الأسانيد ليخف تحمله، ويقرب متناوله.
قال المسعودي: وقد ذكر عدة من ذوى المعرفة بسياسة الحروب وتدبير العساكر والجيوش ومقاديرها وسماتها، أن السرايا ما بين الثلاث نفر الى الخمسمائة، وهي التي تخرج بالليل، فأما التي تخرج بالنهار فتسمى السوارب، وذلك قوله وَمن هُوَ مُسْتَخْفٍ بِاللَّيْلِ وَسارِبٌ بِالنَّهارِ ١٣: ١٠ وما زاد على الخمسمائة الى دون الثمانمائة فهي المناسر، وما بلغ الثمانمائة فهو جيش، وهو أقل الجيوش وما زاد على الثمانمائة الى دون الألف فهو الخشخاش، وما بلغ الألف فهو الجيش الأزلم، وما بلغ الأربعة آلاف، فهو الجيش الجحفل، وما بلغ اثنى عشر ألفا، فهو الجيش الجرار، وإذا افترقت السرايا والسوارب بعد خروجها، فما كان دون الأربعين، فهي الجرائد، وما كان من الأربعين الى دون الثلاثمائة فهي المقانب، وما كان من الثلاثمائة الى دون الخمسمائة فهي الجمرات، وكانوا يسمون الأربعين رجلا إذا وجهوا العصبة، ويقولون خير السرايا أربعمائة، وخير الجيوش أربعة آلاف، ولن يؤتى اثنا عشر ألفا من قلة.
وقد رأى قوم أن المقنب مثل المنسر، وأن كل واحد منهما ما بين الثلاثين رجلا الى الأربعين، واستشهدوا على تقاربهما بقول الشاعر:
وإذا تواكلت المقانب لم يزل ... بالثغر منا منسر وعظيم
стр. 250
وأن الكتيبة ما جمع فلم ينتشر، وأن الحضيرة النفر الذين يغزى بهم العشرة فمن دونهم، والنفيضة جماعة يغزى بهم وليسوا بجيش كثير، وان الأرعن الجيش الكبير الّذي له مثل رعن الجبل، والخميس الجيش العظيم، والجرار الّذي لا يسير إلا زحفا لكثرته، والجرار أكثر ما يكون من الجيوش العظمى. ويقول الناس فيما ذكرنا كلاما كثيرا، وقد ذكرنا من ذلك أفضل ما قيل فيه وأوجزه.
وتنوزع في أي يوم من شهر ربيع الأول كانت وفاته ﵊ بعد إجماعهم على أن وفاته يوم الاثنين في شهر ربيع الأول، فقال الأكثرون كانت وفاته لاثنتي عشرة ليلة خلت من هذا الشهر.
وقال آخرون بل ذلك لليلتين خلتا منه، وقال آخرون لتسع خلون منه وكان ذلك اليوم السادس عشر من شهر اسفندار ماه من شهور الفرس، سنة ١٣٨٠ لبخت نصّر، وهو اليوم الثالث من حزيران سنة ٩٤٣ للإسكندر بن فيلبس الملك، وسنة ١٠٠ من ملك كسرى أنوشروان بن قباذ، وكانت شكاته أربعة عشر يوما وقيل دون ذلك وكان الذين تولوا غسله ﷺ على بن أبى طالب والعباس بن عبد المطلب وابناه الفضل وقثم وأسامة بن زيد وشقران مولى رسول الله ﷺ وتنوزع فيما كفن به رسول الله ﷺ فروى جعفر بن محمد بن أبيه محمد بن على عن أبيه على بن الحسين قال لما فرغ من غسل رسول الله ﷺ كفن في ثلاثة أثواب ثوبين صحاريين وقيل سحوليين وبرد حبرة أدرج فيها إدراجا.
قال المسعودي: والثياب الصحارية مضافة إلى صحار وهي قصبة عمان والسحولية ثياب بيض من قطن تعمل بموضع من اليمن يعرف بسحولا. والى
следующие страницы →