← История

История · id 23718

التنبيه والإشراف

المسعودي

Полный текст (353 стр.). Показаны 246–285 · переход к 251.

стр. 246

ونحر رسول الله ﷺ الهدى عنهما وحج بالناس وأراهم مناسكهم وعرفهم سنن حجهم، وأعلمهم أن دماءهم وأموالهم عليهم حرام، وأن كل دم موضوع، فسميت حجة الوداع لأنه ودعهم ولم يحج بعدها، وتسمى أيضا حجة البلاغ لأنه حين ودعهم خطبهم فقال في خطبته ألا ان الزمان قد استدار كهيئته يوم خلق الله السموات والأرض وهذا القول بين ماضى الزمان ومستقبله مثبت لبطلان النسيء على ما قدمنا مفصلا فيما سلف من كتابنا هذا. ثم قال اللَّهمّ هل بلغت؟ فقالوا نعم فقال اللَّهمّ اشهد وأحج رسول الله ﷺ نساءه كلهن معه وابنته فاطمة، وقيل إنه أفرد الحج، وقيل أقرن، وقيل انه كسا البيت في حجته الحبرات ذكر السنة الحادية عشرة من الهجرة وهي «سنة الوفاة» فيها كان توجيه رسول الله ﷺ عمرو بن العاص الى جيفر وعبادا بنى الجلندي بن مسعود الأزديين صاحبي عمان يدعوهما الى الإسلام فأسلما، وفي هذه السنة قوى أمر الأسود العنسيّ الكذاب المتنبي باليمن وهو عبهلة بن كعب بن الحارث بن عمرو بن عبد الله بن سعد بن عنس بن مذحج وهو مالك بن أدد بن زيد بن يشجب بن عريب بن زيد بن كهلان بن سبإ بن يشجب بن يعرب بن قحطان، وكان بدء أمره بالموضع المعروف بكهف خبان وكان يدعى ذا الحمار، لحمار كان معه قد راضه وعلمه يقول له اسجد فيسجد ويقول له اجث فيجثو، وغير ذلك من أمور كان يدعيها ومخاريق كان يأتى بها يجتذب بها قلوب متبعيه

стр. 247

وقتل باذان رئيس الأبناء الذين شخصوا مع وهرز الى اليمن، وكانوا أسلموا وتزوج امرأته، فوثب عليه فيروز بن الديلميّ من الأبناء، وعاضده في ذلك داذويه، وقيس بن مكشوح المرادي. وكان النبي ﷺ كاتبهم فقتلوه فأخبر النبي ﷺ أصحابه بقتله، وقيل إن رأسه حمل المدينة، وقد قبض رسول الله ﷺ ، وتنوزع هل كان مقتله في حياته أم بعد وفاته؟ ثم وثب قيس بن مكشوح المرادي على داذويه فقتله منقربا بذلك الى قوم ذي الحمار من عنس، وقال في ذلك. قد علم الأحياء من مذحج ... ما قتل الأسود إلا أنا طلبت ثأرا كان لي عنده ... بقتلة الأسود مستمكنا في كلمة له طويلة أولها: ألمم بسلمى قبل أن تظعنا ... إن بنا من حبها ديدنا ثم ندب رسول الله ﷺ أسامة بن زبد في صفر إلى بلاد البلقاء وأذرعات ومؤتة من أرض دمشق من الشأم ثائرا بأبيه، ولأسامة يومئذ ثماني عشرة سنة. وكان في بعثه عمر بن الخطاب والزبير وأبو عبيدة بن الجراح، وتنوزع في أبى بكر، أكان في هذا البعث أم لا؟ فأقاموا يتجهزون إلى أن توفى رسول الله ﷺ ، وكان يقول في علته جهزوا جيش أسامة. قال المسعودي: وكانت غزوات رسول الله ﷺ التي غزاها بنفسه سبعا وعشرين غزوة، ومن الناس من يذهب الى أنها ثمان وعشرون، فالذين ذهبوا الى أنها سبع وعشرون، جعلوا منصرف النبي ﷺ من خيبر إلى وادي القرى غزوة واحدة، والذين رووا أنها ثمان وعشرون جعلوا

стр. 248

غزاة خيبر مفردة، ووادي القرى غزوة أخرى، قاتل منها في تسع، أولها بدر وأحد، والخندق، وقريظة، والمصطلق، وخيبر، والفتح، وحنين، والطائف هذا قول محمد بن إسحاق في آخرين، ووافق الواقدي ابن إسحاق في أن النبي ﷺ قاتل في هذه التسع غزوات وذكر أنه قاتل في غزاة وادي القرى، وفي يوم الغابة فقتاله في التسع اتفاق. وزاد الواقدي ما ذكرنا وإنما حكينا تنازع هذين لأنهما قدوة في حملة المغازي والسير وإليهما يرجع في ذلك. وكانت سراياه وسواربه وبعوثه على ما رتبنا في هذا الكتاب ثلاثا وسبعين وتنازع مصنفو الكتب في التواريخ والسير في ذلك، فذهب قوم منهم إلى أن سراياه وسواربه ست وستون. وقال آخرون نيف وخمسون. وقال محمد بن إسحاق في عدة من أصحاب السير والمغازي، بل ذلك خمس وثلاثون. وقال محمد بن عمر الواقدي في آخرين من أصحاب المغازي والسير انما كانت السرايا والسوارب ثمانيا وأربعين. قال المسعودي: وأرى أن السبب الّذي أوجب هذا التنازع المتفاوت في اعداد هذه السرايا، أن منهم من يعتد بسرايا لا يعتد بها آخرون، وذلك أنه كانت سرايا في جملة مغاز، فأفردها بعضهم واعتد بها، وبعض جعلها في جملة تلك المغازي، لأن رسول الله ﷺ ، قد وجه في كثير من غزواته سرايا الى ما يلي البلاد التي حلها بعد هزيمة المشركين بخيبر في الطلب على ما قدمنا، ووجه بعد فتح مكة سرايا لهدم الأصنام التي حول مكة، فوقع التنازع لأجل ذلك، فجمعنا في كتابنا هذا جميع ذلك ولم نأل جهدا في حصره وترتيبه، ولم نخله من ذكر خلاف أصحاب السير في ذلك ليكون أعم لفائدته وأجزل لعائدته،

стр. 249

على أنا لم نجد أحدا حصل ذلك تحصيلنا، ولا رتبه ترتيبنا، فمن أراد علم ذلك فليتصفح كتب من عنى بهذا الشأن من الأسلاف والأخلاف يقف على حقيقة ما قلنا وفضيلة ما أتينا، ففهم ذلك بعد الكفاية يسير، ومطلبه قبل الكفاية عسير. وقد ذكرنا ذلك على الشرح والإيضاح، وما فيه من التنازع في كتاب (فنون المعارف، وما جرى في الدهور السوالف) وفي كتاب (الاستذكار، لما جرى في سوالف الاعصار) الّذي كتابنا هذا تال له ومبنى عليه، وإنما حذفنا من كتابنا هذا الأسانيد ليخف تحمله، ويقرب متناوله. قال المسعودي: وقد ذكر عدة من ذوى المعرفة بسياسة الحروب وتدبير العساكر والجيوش ومقاديرها وسماتها، أن السرايا ما بين الثلاث نفر الى الخمسمائة، وهي التي تخرج بالليل، فأما التي تخرج بالنهار فتسمى السوارب، وذلك قوله وَمن هُوَ مُسْتَخْفٍ بِاللَّيْلِ وَسارِبٌ بِالنَّهارِ ١٣: ١٠ وما زاد على الخمسمائة الى دون الثمانمائة فهي المناسر، وما بلغ الثمانمائة فهو جيش، وهو أقل الجيوش وما زاد على الثمانمائة الى دون الألف فهو الخشخاش، وما بلغ الألف فهو الجيش الأزلم، وما بلغ الأربعة آلاف، فهو الجيش الجحفل، وما بلغ اثنى عشر ألفا، فهو الجيش الجرار، وإذا افترقت السرايا والسوارب بعد خروجها، فما كان دون الأربعين، فهي الجرائد، وما كان من الأربعين الى دون الثلاثمائة فهي المقانب، وما كان من الثلاثمائة الى دون الخمسمائة فهي الجمرات، وكانوا يسمون الأربعين رجلا إذا وجهوا العصبة، ويقولون خير السرايا أربعمائة، وخير الجيوش أربعة آلاف، ولن يؤتى اثنا عشر ألفا من قلة. وقد رأى قوم أن المقنب مثل المنسر، وأن كل واحد منهما ما بين الثلاثين رجلا الى الأربعين، واستشهدوا على تقاربهما بقول الشاعر: وإذا تواكلت المقانب لم يزل ... بالثغر منا منسر وعظيم

стр. 250

وأن الكتيبة ما جمع فلم ينتشر، وأن الحضيرة النفر الذين يغزى بهم العشرة فمن دونهم، والنفيضة جماعة يغزى بهم وليسوا بجيش كثير، وان الأرعن الجيش الكبير الّذي له مثل رعن الجبل، والخميس الجيش العظيم، والجرار الّذي لا يسير إلا زحفا لكثرته، والجرار أكثر ما يكون من الجيوش العظمى. ويقول الناس فيما ذكرنا كلاما كثيرا، وقد ذكرنا من ذلك أفضل ما قيل فيه وأوجزه. وتنوزع في أي يوم من شهر ربيع الأول كانت وفاته ﵊ بعد إجماعهم على أن وفاته يوم الاثنين في شهر ربيع الأول، فقال الأكثرون كانت وفاته لاثنتي عشرة ليلة خلت من هذا الشهر. وقال آخرون بل ذلك لليلتين خلتا منه، وقال آخرون لتسع خلون منه وكان ذلك اليوم السادس عشر من شهر اسفندار ماه من شهور الفرس، سنة ١٣٨٠ لبخت نصّر، وهو اليوم الثالث من حزيران سنة ٩٤٣ للإسكندر بن فيلبس الملك، وسنة ١٠٠ من ملك كسرى أنوشروان بن قباذ، وكانت شكاته أربعة عشر يوما وقيل دون ذلك وكان الذين تولوا غسله ﷺ على بن أبى طالب والعباس بن عبد المطلب وابناه الفضل وقثم وأسامة بن زيد وشقران مولى رسول الله ﷺ وتنوزع فيما كفن به رسول الله ﷺ فروى جعفر بن محمد بن أبيه محمد بن على عن أبيه على بن الحسين قال لما فرغ من غسل رسول الله ﷺ كفن في ثلاثة أثواب ثوبين صحاريين وقيل سحوليين وبرد حبرة أدرج فيها إدراجا. قال المسعودي: والثياب الصحارية مضافة إلى صحار وهي قصبة عمان والسحولية ثياب بيض من قطن تعمل بموضع من اليمن يعرف بسحولا. والى

стр. 251

هذه الرواية يذهب أهل البيت وشيعتهم وبذلك كفن أمير المؤمنين على بن أبى طالب ﵇ غير أنه عمم بعمامة لأجل الضربة، فصارت عندهم سنة مأثورة معمولا بها. وليس تعد العمامة والمئزر من الكفن المفروض والكفن المفروض عندهم ثوب واحد إذا لم يوجد غيره وثلاثة وخمسة لمن وجد سعة، وروى بعضهم ما زاد على خمسة فبدعة يشق أحد هذه الأثواب في وسطه ويقمص به من غير خياطة فيسمى القميص لذلك وعن عائشة رضى الله عنها أن رسول الله ﷺ كفن في ثلاثة أثواب كرسف ليس فيها قميص ولا عمامة وعنها في رواية أخرى أنه ﷺ كفن في ثلاثة أثواب سحولية ليس فيها قميص ولا عمامة، وحكي عن إبراهيم قال كفن النبي ﷺ في حلة يمانية وقميص ثم صلّى عليه الناس أفواجا بغير إمام ودفن من الغد يوم الثلاثاء في حجرة عائشة وقيل ليلة الأربعاء وقيل إنه دفن بعد وفاته بثلاثة أيام، وكان الذين نزلوا قبره على بن ابى طالب والفضل وقثم ابنا العباس وشقران ممن سمينا. كتاب من حضر من الكتاب وكان خالد بن سعيد بن العاص بن أمية بن عبد شمس بن عبد مناف يكتب بين يديه في سائر ما يعرض من أموره، والمغيرة بن شعبة الثقفي، والحصين ابن نمير يكتبان أيضا فيما يعرض من حوائجه، وعبد الله بن الأرقم بن عبد يغوث الزهري، والعلاء بن عقبة يكتبان بين الناس المداينات وسائر العقود والمعاملات، والزبير بن العوام، وجهيم بن الصلت يكتبان أموال الصدقات، وحذيفة بن اليمان يكتب خرص الحجاز، ومعيقيب بن أبى فاطمة الدوسيّ دوس

стр. 252

ابن عدثان بن عبد الله بن زهران بن كعب بن الحارث بن كعب بن عبد الله ابن مالك بن نصر بن الأزد وكان حليفا لبني أسد يكتب مغانم رسول الله ﷺ وكان عليها من قبله وزيد بن ثابت الأنصاري ثم الخزرجي من بنى غنم بن مالك بن النجار يكتب إلى الملوك ويجيب بحضرة النبي ﷺ وكان يترجم للنّبيّ ﷺ بالفارسية والروميّة والقبطية والحبشية، تعلم ذلك بالمدينة من أهل هذه الألسن، وكان حنظلة بن الربيع بن صيفي الأسيدي التميمي يكتب بين يديه ﷺ في هذه الأمور إذا غاب من سمينا من سائر الكتاب ينوب عنهم في سائر ما ينفرد به كل واحد منهم، وكان يدعى حنظلة الكاتب، وكانت وفاته في خلافة عمر بن الخطاب بعد أن فتح الله على المسلمين البلاد وتفرقوا فيها فصار إلى الرها من بلاد ديار مضر فمات هناك فرثته امرأة ... من قومه فقالت يا عجب الدهر لمحزونة ... تبكى على ذي شيبة شاحب إن تسألينى الدهر ما شفنى ... أخبرك قيلا ليس بالكاذب إن سواد الرأس أودى به ... حزني على حنظلة الكاتب وكتب له عبد الله بن سعد بن أبى سرح من بنى عامر بن لؤيّ بن غالب ثم لحق بالمشركين بمكة مرتدا، وكتب له شرحبيل به حسنة الطابخى من خندف حليف قريش، ويقال بل هو كندى، وكان أبان بن سعيد، والعلاء بن الحضرميّ ربما كتبا بين يديه، وكتب له معاوية قبل وفاته بأشهر، وإنما ذكرنا من أسماء كتابه ﷺ من ثبت على كتابته واتصلت أيامه فيها وطالت مدته وصحت الرواية على ذلك من أمره دون من كتب الكتاب والكتابين والثلاثة إذ كان لا يستحق بذلك أن يسمى كاتبا ويضاف إلى جملة كتابه

стр. 253

ذكر خلافة ابى بكر الصديق رضى الله عنه وبويع أبو بكر عبد الله بن عثمان بن عامر بن عمرو بن كعب بن سعد بن تيم بن مرة بن كعب بن لؤيّ، يلتقى مع النبي ﷺ عند مرة بن كعب، وهما في القعدد واحد بين كل واحد منهما وبين مرة ستة آباء، وكان اسمه في الجاهلية عبد الكعبة فلما أسلم سماه النبي ﷺ عبد الله ولقبه عتيق قيل لجماله وقيل لعتقه من النار، ويقال إن ذلك كان اسمه في الجاهلية وأمه أم الخير بنت صخر بن عامر بن كعب بن سعد بن تيم بن مرة في سقيفة بنى ساعدة بن كعب بن الخزرج- في اليوم الّذي توفى فيه رسول الله ﷺ وهو يوم الاثنين لاثنتي عشرة ليلة خلت من شهر ربيع الأول سنة ١١ من الهجرة، وقد كانت الأنصار نصبت للبيعة سعد بن عبادة بن دليم الأنصاري ثم الخزرجي فكانت بينه وبين من حضر من المهاجرين في السقيفة منازعة طويلة وخطوب عظيمة، وعلى والعباس وغيرهم من المهاجرين مشتغلون بتجهيز النبي ﷺ ودفنه، وكان ذلك أول خلاف حدث في الإسلام بعد مضى النبي ﷺ ، وارتد أكثر العرب بعد وفاة النبي ﷺ ، فمن كافر ومانع للزكاة والصدقة، وكان أعظمهم شوكة وأخوفهم أمرا مسيلمة الكذاب الحنفي باليمامة، وطليحة بن خويلد الأسدي ثم الفقعسي في أسد بن خزيمة، وقد عاضده عيينة بن حصن الفزاري في غطفان، فوجه أبو بكر اليهم وإلى جميع من ارتد من ضاحية مضر خالد بن الوليد بن المغيرة المخزومي فلقى طليحة فهزمه وفض جموعه وأسر عيينة وذلك في سنة ١١ وسار إلى البطاح وأ نحن في أرض تميم وقتل مالك بن نويرة اليربوعي وسار إلى اليمامة فقاتله بنو حنيفة قتالا شديدا إلى أن قتل مسيلمة وصالحه بقيتهم، وذلك في سنة

стр. 254

١٢ واستشهد باليمامة من المسلمين ألف ومائتا رجل منهم من قريش ثلاثة وعشرون رجلا، فيهم زيد بن الخطاب أخو عمر بن الخطاب رضى الله عنهما ومن الأنصار سبعون وقيل دون ذلك، ولم يزل خالد يطأ فرقة فرقة ممن ارتد حتى رجعوا عن ردتهم وكانت سجاح بنت الحارث بن سويد بن عقفان التميمية اليربوعية يربوع ابن حنظلة بن مالك بن زيد مناة بن تميم قد تنبت وتبعها نفر كثير منهم الزبرقان ابن بدر، وعطارد بن حاجب بن زرارة، وشبث بن ربعي وكان مؤذنها، وعمرو ابن الأهتم التميميون، وسارت إلى مسيلمة إلى اليمامة فتزوجها وأقامت عنده ثلاثا وفي ذلك يقول الطرماح بن حكيم الطائي لعمري لقد سارت سجاح بقومها ... فلما أتت عز اليمامة حلت فدارسها البكري حتى استزلها ... فأضحت عروسا فيهم قد تجلت فتلك نبي الحنظليين أصبحت ... مضمخة في خدرها قد تظلت وقال عطارد بن حاجب بن زرارة: أمست نبيتنا أنثى نطيف بها ... وأصبحت أنبياء الناس ذكرانا ويريد بالأنبياء الأسود العنسيّ وطليحة بن خويلد ومسيلمة وجهز أبو بكر الجيوش لغزو الروم بالشأم، وأمر الأمراء، وهم يزيد بن أبى سفيان، وعمرو بن العاص، وأبو عبيدة بن الجراح، وشرحبيل بن حسنة، وكتب الى خالد بن الوليد، وكان سار الى ناحية العراق في الانضمام اليهم، فسار معهم فافتتحوا من الشأم بصرى وحوران والبثنية والبلقاء من أعمال دمشق، ولقيتهم الروم بأجنادين ثم بمرج الصفر، فهزموا وقتلوا قتلا ذريعا. وسار المسلمون إلى دمشق، فنزلوا عليها. وتوفى أبو بكر وهم محاصروها، وكانت وفاته بالمدينة ليلة الثلاثاء لثمان خلون من جمادى الآخرة سنة ١٣ للهجرة، وهو ابن ثلاث وستين سنة. وقيل

стр. 255

أكثر من ذلك ودفن مع النبي ﷺ في حجرة عائشة، وكانت خلافته سنتين وثلاثة أشهر وعشرة أيام، وقيل وعشرين يوما، وكان طوالا آدم نحيفا خفيف العارضين غائر العينين مشرف الجبهة ناتىء الوجنتين، يغير شيبة بالحناء والكتم. وكان كتابه عثمان بن عفان وزيد بن ثابت وعبد الله بن الأرقم، ونقش خاتمه «نعم القادر الله» وقاضيه عمر بن الخطاب رضى الله عنه وحاجبه شديد مولاه وكان له من البنين ثلاثة عبد الله المقدم ذكره في سنة ٨ في حصار النبي ﷺ الطائف، وقد انقرض ولده، وكان آخرهم إسماعيل بن عبد الله ابن أبى بكر، وعبد الرحمن بن أبى بكر وله صحبة والعدد في ولده منهم الطلحيون بنو طلحة بن عبد الله بن عبد الرحمن بن أبى بكر أكثرهم بادية منازلهم جاده والصفينة بقفا من الأيم من جادة العراق حذاء المسلح وأفيعية والغمرة لهم إلى هذا الوقت لهم عدد وقوة، محمد بن أبى بكر العقب له من القاسم بن محمد، وكان أحد فقهاء المدينة ومن خيار التابعين، وعقبه قليل من ولده محمد بن عبد الله ابن عبد الرحمن بن القاسم بن محمد، ومن البنات ثلاث منهن عائشة زوجة النبي ﷺ ، وأسماء أم عبد الله بن الزبير، ولم يل الخلافة منذ عهد النبي ﷺ الى وقتنا هذا أحد أبوه حي إلا أبو بكر، وكان أبوه أبو قحافة في الوقت الّذي توفى فيه أبو بكر مقيما بمكة، فلما نعى إليه قال: رزء جليل وورثه السدس وتوفى بعده بسبعة أشهر، وقيل بستة مكفوفا وله سبع وتسعون سنة. وكان إسلامه يوم فتح مكة، وكانت وفاته ووفاة هند ابنة عتبة بن ربيعة بن عبد شمس بن عبد مناف أم معاوية بن أبى سفيان في يوم واحد، وتوفيت فاطمة ابنة رسول الله ﷺ ليلة الثلاثاء لثلاث خلون من شهر رمضان سنة

стр. 256

١١، وقيل إنها توفيت بعد وفاة رسول الله ﷺ بثلاثة أشهر وقيل بستة، وقيل بسبعين يوما وغير ذلك من الأقاويل. ثم تنوزع في سنها، فقال فريق منهم توفيت ولها ثلاث وثلاثون سنة، وقال آخرون بل ثلاثون، وقال آخرون بل تسع وعشرون سنة، وهذا قول أكثر البيت وشيعتهم وقيل دون ذلك، وتولى غسلها أمير المؤمنين على بن أبى طالب رضى الله عنه ودفنها ليلا بالبقيع وقيل غيره، ولم يؤذن بها أبو بكر وكانت مهاجرة له منذ طالبته بإرثها من أبيها ﷺ من فدك وغيرها وما كان بينهما من النزاع في ذلك الى أن ماتت ولم يبايع على ﵇ أبا بكر رضى الله عنه إلى أن توفيت، وتنوزع في كيفية بيعته إياه، وقد أتينا على ما قيل في ذلك في كتاب (الاستذكار لما جرى في سالف الأعصار) ذكر خلافة عمر بن الخطاب رضى الله عنه وبويع عمر بن الخطاب بن نفيل بن عبد العزى بن رياح بن عبد الله بن قرط ابن رزاح بن عدي بن كعب بن لؤيّ ويكنى أبا حفص وأمه حنتمة ابنة هشام بن المغيرة بن عبد الله بن عمر بن مخزوم في الوقت الّذي كانت فيه وفاة أبى بكر ففتح الله على يديه أكثر البلاد فجند الأجناد ومصر الأمصار ودون الدواوين وفرض العطاء وكتب التاريخ وسن صلاة التراويح في شهر رمضان، وقتل بالمدينة يوم الأربعاء لأربع بقين من ذي الحجة سنة ٢٣ وهو ابن ثلاث وستين سنة وقيل أقل من ذلك والأول أشهر، قتله أبو لؤلؤة الفارسي عبد المغيرة بن شعبة ودفن مع النبي ﷺ وأبى بكر في حجرة عائشة، وقد تنوزع في كيفية قبورهم وصفاتها فروى هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة قالت لما توفى أبو بكر

стр. 257

دفن إلى جانب رسول الله ﷺ رأسه بين كتفي رسول الله ثم توفى عمر فدفن الى جانب أبى بكر رأسه بين كتفي أبى بكر وذكر القاسم بن محمد بن أبى بكر قال دخلت على عائشة فقلت يا أمه اكشفي لي عن قبر النبي ﷺ وصاحبيه فكشفت لي عن قبور ثلاثة ليست بالمشرفة ولا هي باللاطئة بالأرض مسطوحة ببطحاء العرصة الحمراء، قال فرأيت قبر النبي ﷺ مقدما، ورأيت أبا بكر رأسه عند رجلي النبي ﷺ من خلفه، ورأيت عمر رأسه عند رجلي أبى بكر. وذكر أبو عبد الله جعفر بن محمد بن على بن الحسين بن على بن أبى طالب عن أبيه رضى الله عنهما قال رفعت القبور من الأرض قدر شبر مربعة مدكنة. وكانت خلافته عشر سنين وستة أشهر وثمانية عشر يوما وكان آدم مشرفا على الناس من طوله كأنه راكب أعسر يسراكث اللحية، وكان كاتبه زيد بن ثابت، وعبد الله بن الأرقم، ونقش خاتمه «كفى بالموت واعظا يا عمر» وقيل «آمنت بالذي خلقني» وحاجبه ير في مولاه: وقاضيه أبو أمية شريح بن الحارث بن قيس بن الجهم بن معاوية بن عامر بن الرائش بن الحارث بن معاوية ابن ثور بن مرتع بن معاوية بن كندة، وهو ثور بن عفير بن عدي بن الحارث بن مرة بن أدد بن زيد بن يشجب بن عريب بن زيد بن كهلان بن سبإ بن يشجب ابن يعرب بن قحطان، وقيل إن أول من قضى لعمر بالعراق سلمان بن ربيعة الباهلي، وقيل إنه قضى بالمدينة في أيامه، وبعد ذلك السائب بن يزيد بن أخت النمر الكندي. وكان لعمر من البنين تسعة، عبد الله وعبد الرحمن الأكبر وزيد الأكبر وعبيد الله المقتول بصفين وعاصم وزيد الأصغر وعبد الرحمن الأصغر وعياض

стр. 258

وعبد الله الأصغر، المعقبون منهم أربعة عبد الله الأكبر وعاصم وعبيد الله وعبد الرحمن الأصغر، ومن البنات أربع منهن حفصة زوجة النبي ﷺ . وكان عمر شاور الناس في التأريخ لأمور حدثت في أيامه، لم يعرف لها وقت تؤرخ به، فكثر منهم القول، وطال الخطب في تواريخ الأعاجم وغيرها، فأشار عليه على بن أبى طالب أن يؤرخ بهجرة النبي ﷺ ، وتركه أرض الشرك، فجعلوا التأريخ من المحرم، وذلك قبل مقدم النبي ﷺ الى المدينة بشهرين واثنى عشر يوما لانهم أحبوا أن يبتدءوا بالتأريخ من أول السنة، وكان ذلك في سنة ١٧ أو ١٨ يتنازع الناس في ذلك. قال المسعودي: وقد روى الزهري محمد بن مسلّم بن عبيد الله بن عبد الله بن شهاب بن عبد الله بن الحارث بن زهرة بن كلاب أن رسول الله ﷺ لما قدم المدينة مهاجرا أمر بالتأريخ، وهذا خبر مجتنب من حيث الآحاد، ومرسل من عند من لا يرى قبول المراسيل، وما حكيناه أولا هو المتفق عليه إذ كان ليس في هذا الخبر وقت معلوم أرخ به ولا نقل كيفية ذلك. وجعل عمر الأمر بعده شورى في ستة نفر على وعثمان وطلحة، وكان غائبا، والزبير، وعبد الرحمن بن عوف وسعد بن أبى وقاص، وجعل معهم ابنه عبد الله ابن عمر مشيرا ومؤامرا وحاكما، وليس له من الأمر شيء وأمهلهم ثلاثة أيام، وأمر أن يصلّى بالناس فيها أبو يحيى صهيب الروم مولى عبد الله بن جدعان التيمي، وكان يقول إنه من النمر بن قاسط، وإنه صهيب بن سنان، ووكل بهم أبا طلحة زيد بن سهل الأنصاري، ثم الخزرجي من بنى عدي بن عمرو بن مالك بن النجار وهو زوج أم سليم أم أنس بن مالك في خمسين رجلا من الأنصار، وأمره باستحثاثهم وأن لا تمضى الثلاثة أيام إلا وقد أبرموا أمرهم، وأجمعوا على رجل منهم، وقال إن اجتمع خمسة وخالف واحد فاقتلوه، وكذلك إن خالف اثنان

стр. 259

واجتمع أربعة نفر، فان افترقوا فرقتين فكونوا في الفرقة التي فيها عبد الرحمن بن عوف، وإن أبت الفرقة الأخرى الدخول فيما اجتمع عليه المسلمون فاقتلوهم، فعرض عليهم عبد الرحمن أن يخرج أحدهم نفسه ويختار من الباقين واحدا، فأحجموا عن ذلك. فأخرج نفسه من الأمر على أن يختار أحدهم مكثوا ثلاثة أيام يتراضون، ثم بايع عبد الرحمن لعثمان، وكان صهره واستوسق الأمر له بعد خطب طويل، ومنازعة كانت بينهم، وفي ذلك يقول الفرزدق: صلّى صهيب ثلاثا ثم أرسلها ... إلى ابن عفان ملكا غير مقسور ذكر خلافة عثمان بن عفان وبويع عثمان بن عفان بن أبى العاص بن أمية بن عبد شمس بن عبد مناف، ويكنى أبا عبد الله، وأبا عمرو، وأمه أروى ابنة كريز بن ربيعة بن حبيب بن عبد شمس بن عبد مناف يوم الجمعة غرة المحرم سنة ٢٤ وقتل بالمدينة يوم الجمعة لاثنتي عشرة ليلة بقيت من ذي الحجة سنة ٣٥ وهو ابن اثنتين وثمانين سنة وقيل ثمان وثمانين وذهب قوم من أهل السير والآثار إلى أن قتله كان يوم الأضحى، واستشهدوا على ذلك بقول الفرزدق. عثمان إذ قتلوه وانتهكوا ... دمه صبيحة ليلة النحر وبقول أيمن بن خريم بن فاتك الأسدي وكان عثمانيا تعاقد الذابحو عثمان ضاحية ... فأى ذبح حرام ويحهم ذبحوا ضحوا بعثمان في الشهر الحرام ولم ... يخشوا على مطمح الكفر الّذي طمحوا وبقول حسان بن ثابت الأنصاري. ضحوا بأشمط عنوان السجود به ... يقطع الليل تسبيحا وقرآنا ودفن بموضع من المدينة يعرف بحش كوكب بضم الحاء، يضاف إلى رجل

стр. 260

من الأنصار يعرف بكوكب والحش هو البستان فكانت خلافته إحدى عشرة سنة وأحد عشر شهرا واثنين وعشرين يوما، وكان مربوعا حسن الوجه أسمر وافر اللحية يصفرها مشدود الأسنان بالذهب، وكان كاتبه مروان بن الحكم، وحاجبه حمران مولاه، وقاضيه زيد بن ثابت الأنصاري، وقد كتب له وقيل إنه قضى بالمدينة في أيام عمر السائب بن يزيد ابن أخت النمر الكندي، وقيل إنه كان على شرطه والأول أثبت قال المسعودي: حدثنا أبو بكر محمد بن خلف وكيع قال حدثنا محمد بن أحمد ابن الجنيد قال حدثنا أبو أحمد الزبيري قال حدثنا مسعر عن محارب بن دثار قال لما استخلف أبو بكر قال له عمر بن الخطاب أنا أكفيك القضاء، فمكث عمر سنة لا يختلف اليه أحد قال وكيع فأما أيام عمر فان الصغاني حدثني عن عفان عن عبد الواحد ابن زياد عن حجاج عن نافع أن عمر استعمل زيد بن ثابت على القضاء وفرض له أجرا، وقال يونس عن الزهري ما اتخذ رسول الله ﷺ قاضيا ولا أبو بكر ولا عمر، وقال محمد بن يحيى أبو غسان لم أسمع أحدا من أهل العلم يذكر أن عثمان استقضى أحدا حتى مات وكان نقش خاتمه «آمنت باللَّه مخلصا» وقيل «آمنت باللَّه العظيم» وقيل «لتصبرن أو لتندمن» ولم يزل خاتم النبي ﷺ باقيا إلى أيامه فسقط من يده فنقش له على هيئته، فكان خاتم الخلافة متداولا ولكل واحد ممن طرأ بعد خاتم مفرد ينقش عليه ما أحب على ما نحن ذاكروه الى خلافة المطيع فيما يرد من هذا الكتاب. وقد روى عبيد الله بن عمر عن نافع عن ابن عمر أن النبي ﷺ اتخذ خاتما من ورق، فكان في يده ويد أبى بكر ويد عمر ويد عثمان، حتى وقع في

стр. 261

بئر أريس. وكان له من البنين تسعة عبد الله الأكبر توفى وله من العمر ست سنين أمه رقية بنت رسول الله ﷺ على ما قدمنا وعبد الله الأصغر وعمرو وعمر وخالد وأبان والوليد وسعيد وعبد الملك، المعقبون منهم خمسة عمرو وكان أكبر ولده والذين اعقبوا من ولده محمد بن عبد الله بن عمرو بن عثمان الملقب بالديباج لحسنه، أمه فاطمة بنت الحسين بن على بن أبى طالب وعمر وأبان والوليد وسعيد، ومن البنات ثمان وفي السنة التاسعة من خلافته وهي سنة ٣٢ توفى العباس بن عبد المطلب وله ثمان وثمانون سنة، وكان مولده قبل عام الفيل بثلاث سنين، وفيها مات عبد الرحمن بن عوف الزهري وهو ابن خمس وسبعين سنة، وعبد الله بن مسعود ابن غافل بن حبيب بن شمخ بن فار بن مخزوم بن صاهلة بن كاهل بن الحارث ابن تميم بن سعد بن هذيل بن مدركة بن الياس بن مضر بن نزار وله بضع وستون سنة وفي سنة ٣١ كانت وفاة أبى سفيان صخر بن حرب بن أمية بن عبد شمس ابن عبد مناف وقد استوفى سن العباس ثمانيا وثمانين سنة. ذكر خلافة على بن أبى طالب وبويع على بن ابى طالب بن عبد المطلب بن هاشم بن عبد مناف، ويكنى أبا الحسن وأمه فاطمة ابنة أسد بن هاشم بن عبد مناف في اليوم الّذي قتل فيه عثمان قال المسعودي: وكان بين بيعته الى وقعة الجمل بالبصرة خمسة أشهر واحد وعشرون يوما، وقتل من أصحاب الجمل ثلاثة عشر ألفا من الأزد أربعة آلاف وقيل دون ذلك، ومن ضبة ألف ومائة، وباقيهم من سائر الناس، وقتل من أصحاب

стр. 262

على رضى الله عنه نحو ألف، وقيل دون ذلك أو أكثر. وكانت الوقعة يوم الخميس لعشر ليال خلون من جمادى الآخرة سنة ٣٦، وبين وقعة الجمل والتقائه مع معاوية للقتال بصفين سبعة أشهر وثلاثة عشر يوما وكان أول يوم وقعت الحرب بينهم بصفين يوم الأربعاء غرة صفر سنة ٣٧ وتنوزع في عدة من كان مع على ﵇ فمكثر ومقلل والمتفق عليه من تنازعهم أنه كان في تسعين ألفا وكان معاوية في مائة ألف وعشرين ألفا، وقيل دون ذلك وأكثر منه، وقتل بصفين سبعون ألفا من أصحاب على رضى الله عنه منهم خمسة وعشرون ألفا، منهم خمسة وعشرون بدريا من الصحابة. منهم عمار بن ياسر العنسيّ، عنس بن مالك بن أدد بن زيد بن يشجب ابن عريب بن زيد بن كهلان بن سبا بن يشجب بن يعرب بن قحطان، وكان حليفا لبني مخزوم، وقتل من أصحاب معاوية خمسة وأربعون ألفا وقيل في عدة من قتل بينهما دون ذلك وأكثر. وكان المقام بصفين مائة يوم وعشرة أيام والوقائع بينهم تسعون وقيعة وبين وقعة صفين والتقاء الحكمين أبى موسى الأشعري وعمرو بن العاص بدومة الجندل في شهر رمضان سنة ٣٨ سنة وخمسة أشهر وأربعة وعشرون يوما، وبين التقائهما، وخروج على إلى الخوارج بالنهروان وقتله إياهم سنة وشهران. وكانت الخوارج أربعة آلاف عليهم عبد الله بن وهب بن الراسبي، راسب ابن ميدعان بن مالك بن نصر بن الأزد، وليس براسب بن الخزرج بن جدة بن جرم بن ربان بالراء بن حلوان بن عمران بن الحاف بن قضاعة، ولا راسب في العرب من معد وقحطان غير هذين فتفرقوا عند نزول على رضى الله عنهم بإزائهم ودعائه إياهم وبقي عبد الله بن وهب في ألف وثمانمائة وقيل ألف وخمسمائة، وقيل ألف ومائتين فقتلوا إلا نفرا قليلا، وقيل إن السبب في تفرق من تفرق عنه أن

стр. 263

الخوارج تنادوا عند إحاطة أصحاب على ﵇ بهم وإسراعهم فيهم «يا أخواتنا أسرعوا بنا الروحة الى الجنة» فقال عبد الله بن وهب: فلعلها الى النار فقال من فارقه مرائيا: نقاتل مع رجل شاك. ففارقوه، وبين خروجه الى الخوارج وقتل عبد الرحمن بن ملجم اليحصبى وعداده في مراد إياه سنة وخمسة أشهر وخمسة أيام، وكثير من الخوارج لا يتولى ابن ملجم لقتله إياه غيلة، وبين ذلك وبين أول الهجرة تسع وثلاثون سنة وثمانية أشهر وعشرون يوما. واستشهد بالكوفة في أول العشر الأواخر من شهر رمضان سنة ٤٠ وتنوزع في مقدار عمره فذهب قوم الى أنه استشهد وله ثمان وستون سنة. هذا قول من يذهب إلى أنه أسلّم وله خمس عشرة سنة، وقال آخرون استشهد وله ست وستون سنة، هذا قول من يذهب إلى أنه أسلّم وله ثلاث عشرة سنة. وقال آخرون استشهد وله ثلاث وستون سنة، هذا قول من يرى أنه أسلم وله عشر سنين. وقد ذكرنا فيما تقدم من هذا الكتاب عند ذكرنا مبعث النبي ﷺ وهجرته التنازع في أول من أسلّم، وقول من قال إنه أسلّم وله دون ذلك الى خمس سنين، وهؤلاء يذهبون إلى أنه استشهد وله ثمان وخمسون سنة. وهذا أقل ما قيل في مقدار عمره وبينا أغراضهم في ذلك وقصدهم لازالة فضائله ودفع مناقبه، وتنوزع في موضع قبره، فمنهم من قال دفن بالغري وهو الموضع المشهور في هذا الوقت على أميال من الكوفة، ومنهم من قال دفن في مسجد الكوفة، ومنهم من قال بل في رحبة القصر بها، ومنهم من قال بل حمل الى المدينة فدفن بها مع فاطمة، وغير ذلك من الأقاويل مما قد أتينا على ذكره. وقد ذكرنا مقاتل آل ابى طالب وأنسابهم ومواضع قبورهم ومصارعهم في كتابنا (في اخبار الزمان، ومن اباده الحدثان، من الأمم الماضية والأجيال الخالية،

стр. 264

والممالك الداثرة) وفي رسالة البيان من أسماء الأئمة وما قالته الإمامية في ذلك ومقادير أعمارهم وكيفية اعدادهم. وكانت خلافته أربع سنين وتسعة أشهر وثمانية أيام، وكان أسمر عظيم البطن، أصلع أبيض الرأس واللحية، أدعج عظيم العينين، ليس بالطويل ولا بالقصير، تملأ لحيته صدره لا يغير شيبة وكان كاتبه عبيد الله بن أبى رافع مولى رسول الله ﷺ ونقش خاتمه «الملك للَّه» وقاضيه شريح وحاجبه قنبر مولاه، وكان له من البنين أحد عشر، الحسن والحسين أمهما فاطمة بنت رسول الله ﷺ ، ومحمد بن الحنفية، وأمه خولة ابنة جعفر بن قيس بن مسلمة بن عبيد بن ثعلبة بن يربوع ابن ثعلبة بن الدؤل بن حنيفة بن لجيم بن صعب بن على بن بكر بن وائل، وعمر أمه أم حبيب الصهباء بنت ربيعة بن بحير بن العبد بن علقمة بن الحارث بن عتبة ابن سعد بن زهير بن جشم بن بكر بن حبيب بن عمرو بن تغلب بن وائل، والعباس أمه أم البنين ابنة حزام بن خالد بن ربيعة بن الوحيد وهو عامر بن كعب ابن عامر بن كلاب بن ربيعة بن عامر بن صعصعة بن معاوية بن بكر بن هوازن وعبد الله وجعفر وعثمان ومحمد الأصغر ويكنى أبا بكر، وعبيد الله ويحيى، والمعقبون منهم خمسة، الحسن والحسين ومحمد بن الحنفية وعمر والعباس، ومن البنات ست عشرة، منهن زينب وأم كلثوم وأمها فاطمة بنت رسول الله ﷺ ، فالعقب للحسن بن على بن أبى طالب من زيد والحسن، والعقب لزيد من الحسن بن زيد، والعقب للحسن بن الحسن من جعفر وداود وعبد الله والحسن ومحمد وإبراهيم والعقب للحسين بن على بن أبى طالب من على الأصغر ابن الحسين، والعقب لعلى بن الحسين من محمد وعبد الله وعمر وزيد والحسين بن على، والعقب لمحمد بن الحنفية من جعفر وعلى وعون وإبراهيم، والعقب لجعفر

стр. 265

ابن محمد بن عبد الله ولعلى بن محمد من عون ولعون بن محمد بن محمد ولإبراهيم بن محمد من محمد فأما أبو هاشم عبد الله بن محمد بن الحنفية وهو أكبر ولده فقد ظن قوم أن له عقبا ولم يعقب، والعقب لعمر بن على بن أبى طالب من محمد بن عمر، والعقب لمحمد بن عمر من عمر وعبد الله وعبيد الله وجعفر، والعقب للعباس بن على بن أبى طالب ﵇ من عبيد الله بن العباس، والعقب لعبيد الله من الحسن بن عبيد الله وكان العقب لأبى طالب بن عبد المطلب من ثلاثة عقيل وجعفر وعلى لأن طالبا الّذي به كان يكنى لا عقب له وبين كل واحد من الاخوة عشر سنين أكبرهم طالب ثم يليه عقيل ثم يلي عقيلا جعفر ويلي جعفرا على، وكان له من البنات اثنتان أم هانئ وجمانة. قال المسعودي: فاذ قد بينا ولد أمير المؤمنين على وعقبه فلنذكر ولد جعفر وعقيل والمعقبين منهم ولد جعفر بن أبى طالب عبد الله وعون ومحمد المقتول بصفين التقى وعبيد الله بن عمر بن الخطاب فقتل كل واحد منهما صاحبه وإلى هذا ذهب نساب آل أبى طالب وان كانت ربيعة تنكر ذلك، وتذكر أن بكر بن وائل قتلت عبيد الله بن عمر المعقب منهم عبد الله. وبه كان يكنى وقيل بأبي الفضل والأول أشهر، والعقب لعبد الله من على وإسحاق ومعاوية وإسماعيل. وولد عقيل بن أبى طالب يزيد وبه كان يكنى ومحمدا وسعيدا وجعفرا الأكبر، وأبا سعيد الأحول، ومسلّم بن عقيل، وعبد الله الأكبر، وعبد الله الأصغر، وجعفر الأصغر، وحمزة وعيسى وعثمان وعليا الأصغر، والمعقب منهم محمد والعقب لمحمد من عبد الله بن محمد.

стр. 266

وما ذكرنا من أنساب آل ابى طالب، فمن كتاب أنسابهم الّذي حدثنا به طاهر بن يحيى بن حسن بن جعفر بن عبد الله بن الحسين بن على بن أبى طالب عن أبيه، ومما أخذناه من ذوى المعرفة منهم بأنسابهم. وما ذكرنا من عقب أبى بكر وعمر وعثمان فمن كتاب أنساب قريش للزبير ابن بكار: وما حدثنا به أبو بكر عبد الله بن محمد المعرى القاضي بمكة، وابو الحسن احمد بن سعيد الدمشقيّ الأموي، وابو الحسين الطوسي وحرمي وغيرهم بمدينة السلام، ومما أخذناه عن ذوى الدراية منهم بأنسابهم. ذكر خلافة الحسن بن على ﵇ وبويع الحسن بن على بن أبى طالب، ويكنى أبا محمد وأمه فاطمة بنت رسول الله ﷺ بعد وفاة أبيه بيومين، وذلك لسبع بقين من شهر رمضان سنة ٤٠، ثم صالح معاوية في شهر ربيع الأول سنة ٤١، وقد رأى قوم أن ذلك كان في جمادى الآخرة أو الاولى من هذه السنة، والأول أشهر وأصح عندنا من مدة أيامه. وكانت خلافته إلى أن صالحه ستة أشهر وثلاثة أيام، وهو أول خليفة خلع نفسه وسلم الأمر إلى غيره. وتوفى بالمدينة مسموما فيما ذكر في شهر ربيع الأول سنة ٤٩، وله ست وأربعون سنة، ودفن ببقيع الغرقد مع أمه فاطمة ﵍. وهناك الى هذا الوقت رخامة مكتوب عليها «الحمد للَّه مبيد الأمم ومحيي الرمم، هذا قبر فاطمة بنت رسول الله ﷺ ، سيدة نساء العالمين والحسن بن على بن أبى طالب، وعلى بن الحسين بن على. ومحمد بن على، وجعفر بن محمد، رضوان الله عليهم أجمعين» .

стр. 267

وكان الحسن أحد المشبهين برسول ﷺ على ما ذكرنا من صفته ومن أشبهه في كتاب (الاستذكار) . وكان كاتبه عبيد الله بن أبى رافع، وقاضيه شريح، وحاجبه سالم مولاه. وقيل قنبر. ذكر أيام معاوية بن أبى سفيان وبويع معاوية بن أبى سفيان صخر بن حرب بن أمية بن عبد شمس بن عبد مناف، ويكنى أبا عبد الرحمن، وأمه هند ابنة عتبة بن ربيعة بن عبد شمس- في شهر ربيع الأول سنة ٤١. وتوفى بدمشق في رجب سنة ٦٠ وله ثمانون سنة، ودفن بدمشق في الموضع المعروف بباب الصغير. وقبره مشهور في تلك المقبرة، وقيل بل في الدار المعروفة بدمشق بالخضراء، الى هذا الوقت في قبلة المسجد الجامع، وفيها الشرطة والحبوس. وكان بها ينزل ومن ولى الأمر بعده من بنى أمية ممكن سكن بدمشق وان الّذي في مقبرة باب الصغير قبره قبر معاوية بن يزيد بن معاوية. وكانت أيامه تسع عشرة سنة وثلاثة أشهر وأياما، وكان طويلا مسمنا أبيض كبير العجيزة، قصير الهامة، جهم الوجه، جاحظ العينين، عريض الصدر، وافر اللحية، يخضب بالحناء والكتم. وكان داهية ذا مكر، وذا رأى وحزم في امر دنياه، إذا رأى الفرصة لم يبق ولم يتوقف وإذا خاف الأمر داري عنه، وإذا خصم في مقال ناضل عنه. وقطع الكلام على مناظرة. وكتب له عبيد بن أوس الغساني، وسرجون بن منصور الرومي، وعبد الملك ابن مروان فيما قيل، وعبد الرحمن بن دراج وسليمان بن سعيد مولى خشن.

стр. 268

وكان نقش خاتمه «لا قوة الا باللَّه» وعلى قضائه فضالة بن عبيد الأنصاري وحاجبه صفوان مولاه، وقيل يزيد مولاه. ومات عمرو بن العاص بن وائل السهمي بفسطاط مصر يوم الفطر سنة ٤٣ وهو وال لمعاوية عليها، وله تسع وثمانون سنة. وقيل له تسعون سنة. وانما ذكرنا وفاته لأن كثيرا ممن لا علم له يقول انه توفى بعد معاوية وتوفى أكثر أزواج النبي ﷺ في أيامه، منهن أخته أم حبيبة رملة بنت أبى سفيان في سنة ٤٤. وحفصة بنت عمر بن الخطاب ٤٥. وصفية بنت حيي ابن أخطب في سنة ٥٠. وجويرية ابنة الحارث المصطلقية في سنة ٥٦، وعائشة ابنة ابى بكر في سنة ٥٨. وأم سلمة في سنة ٥٩. ذكر أيام يزيد بن معاوية وبويع يزيد بن معاوية، ويكنى أبا خالد- وامه ميسون ابنة بحدل الكلبية من بنى حارثة بن جناب بن هبل بن عبد الله بن كنانة بن بكر بن عوف ابن عذرة بن زيد اللات بن رفيدة بن ثور بن كلب في رجب سنة ٦٠ وامتنع من بيعته الحسين بن على بن أبى طالب رضى الله عنه، وعبد الله بن الزبير حين أخذهما عامل المدينة بذلك، وخرجا الى مكة فأقام ابن الزبير بها، وشخص الحسين يريد العراق، حين تواترت عليه كتبهم، وترادفت رسلهم ببيعته، والسمع والطاعة له، فلما قرب من الكوفة وقد قدم اليها ابن عمه مسلّم ابن عقيل خذله أهل العراق، ولم يفوا له بما كاتبوه به، ووافقوه عليه وانفضوا عن مسلّم وأسلموه الى عبيد الله بن زياد فقتله. وسير الجيوش الى الحسين مع عمر بن سعد بن ابى وقاص، فقتل يوم الجمعة لعشر ليال خلون من المحرم سنة ٦١، وقيل ان قتله كان يوم الاثنين والأول أشهر وعليه الأكثر.

стр. 269

ودفن بكربلاء من ارض العراق وله سبع وخمسون سنة، وقتل معه من ولد أبيه ستة وهم العباس وجعفر وعثمان ومحمد الأصغر وعبد الله وأبو بكر ومن ولده ثلاثة على الأكبر وعبد الله صبي وأبو بكر بنو الحسين بن على، ومن ولد الحسن بن على عبد الله والقاسم، ومن ولد عبد الله بن جعفر بن أبى طالب عون ومحمد ومن ولد عقيل بن طالب خمسة مسلّم وجعفر وعبد الرحمن وعبد الله بنو عقيل ومحمد بن ابى سعيد بن عقيل. وامتنع ابن الزبير من بيعة يزيد، وكان يسميه السكير الخمير. وأخرج عامله عن مكة وكتب الى أهل المدينة ينتقصه، ويذكر فسوقه، ويدعوهم الى معاضدته على حربه، وإخراج عامله عنهم. واخرج أهل المدينة عامله ومروان بن الحكم وولده وغيرهم من بنى أمية، وسيروهم الى الشام فبعث اليهم يزيد مسلّم ابن عقبة المري في اربعة آلاف، ومعه زفر بن الحارث الكلابي. وحبيش بن دلجة القيني، والحصين بن نمير الكندي، وعبد الله بن مسعدة الفزاري، وغيرهم من رؤساء الأجناد. وخرج يزيد مشيعا لهم وموصيا. فقال لمسلّم بن عقبة فيما وصاه به: ان حدث بك حدث فالأمر الى الحصين بن نمير، وإذا قدمت إلى المدينة فمن عاقك عن دخولها أو نصب لك حربا فالسيف السيف ولا تبقى عليهم وانتهبها عليهم ثلاثا واجهز على جراحهم. واقتل مدبرهم. وان لم يعرضوا لك، فامض الى مكة فقاتل ابن الزبير. فأرجو ان يظفرك الله به وانشأ يزيد يقول والرايات تمر، وقد علا على نشر من الأرض، وأحاطت به الخيول: أبلغ أبا بكر إذ الأمر انبرى ... وانحطت الرايات من وادي القرى أجمع سكران من القوم ترى ... أم جمع يقظان نفى عنه الكرى وكان ابن الزبير يكنى أبا بكر وأبا خبيب، وسار مسلّم الى المدينة وقد احتفر أهلها خندق رسول الله ﷺ الّذي كان حفره يوم الأحزاب

стр. 270

وشكوا المدينة بالحيطان، وقال شاعرهم مخاطبا ليزيد إن بالخندق المكلل بالمجد ... لضربا يبدي عن النشوات لست منا وليس خالك منا ... يا مضيع الصلوات للشهوات فإذا ما قتلتنا فتنصر ... واشرب الخمر واترك الجمعات فالتقوا بالحرة لثلاث بقين من ذي الحجة سنة ٦٣ وكان على قريش وحلفائهم ومواليهم عبد الله بن مطيع العدوي ابن عم عمر بن الخطاب، وعلى الأنصار وسائر الناس عبد الله بن حنظلة الغسيل بن أبى عامر الأنصاري ثم الأوسي، فاقتتلوا قتالا شديدا، فقتل عبد الله بن حنظلة في عدة من المهاجرين والأنصار وأبنائهم ومواليهم وحلفائهم وغيرهم من ذلك من قريش والأنصار نحو من سبعمائة رجل ومن سائر الناس من الرجال والنساء والصبيان نحو من عشرة آلاف فيما ذكر محمد بن عمر الواقدي صاحب المغازي والسير، وقيل دون ذلك وأكثر ودخل مسلّم المدينة فأنتهبها ثلاثة أيام وبايع من بقي من أهلها على أنهم قن ليزيد والقن العبد الّذي ملك أبواه، وعبد مملكة الّذي ملك في نفسه وليس أبواه مملوكين غير على بن الحسين بن على بن أبى طالب، لأنه لم يدخل فيما دخل فيه أهل المدينة وعلى بن عبد الله بن العباس، فان من كان في الجيش من أخواله من كندة منعوه. فكان ذلك من أعظم الاحداث في الإسلام وأجلها وأفظعها رزء بعد قتل الحسين بن على بن أبى طالب. وهلك يزيد بحوارين من أرض دمشق مما يلي قارا والقطيفة طريق حمص في البر لسبع عشرة ليلة خلت من صفر سنة ٦٤ وهو ابن ثلاث وثلاثين سنة. وكانت أيامه ثلاث سنين وسبعة أشهر واثنين وعشرين يوما، وكان آدم شديد الأدمة، عظيم الهامة، بوجهه أثر جدري بين، يبادر بلذته، ويجاهر

стр. 271

بمعصيته، ويستحسن خطأه، ويهون الأمور على نفسه في دينه إذا صحت له دنياه. وكتب له عبيد بن أوس الغساني، وزمل بن عمرو العذري، وسرجون ابن منصور. وكان نقش خاتمه «ربنا الله» وقاضيه أبو إدريس الخولانيّ، وحاجبه خالد مولاه، وقيل صفوان. ذكر أيام معاوية بن يزيد بن معاوية وبويع معاوية بن يزيد بن معاوية ويكنى أبا عبد الرحمن، وإنما كنى أبا ليلى تقريعا له لعجزه عن القيام بالأمر، وكانت العرب تفعل ذلك بالعاجز من الرجال وفيه قال الشاعر: إني أرى فتنة تغلي مراجلها ... والملك بعد أبى ليلى لمن غلبا وقيل بل الشعر قديم، تمثل به الشاعر في أيامه وأمه أم خالد ابنة أبى هاشم بن عتبة بن ربيعة- في اليوم الّذي هلك فيه أبوه يزيد وتوفى بدمشق في شهر ربيع الأول سنة ٦٤، ودفن بها. وكانت أيامه أربعين يوما، وقيل أقل من ذلك، وأكثر، وكان ربعة من الرجال نحيفا يعتريه صفار. وكتب له زمل بن عمرو العذري، وسليمان بن سعيد الخشنيّ، وسرجون النصراني، وكان نقش خاتمه «باللَّه ثقة معاوية» وقاضيه ابو إدريس الخولانيّ، وحاجبه صفوان مولاه .

стр. 272

ذكر أيام مروان بن الحكم وبويع مروان بن الحكم بن أبى العاص بن أمية بن عبد شمس بن عبد مناف، ويكنى أبا عبد الملك وأبا الحكم وأمه آمنة ابنة علقمة بن صفوان بن أمية في رجب سنة ٦٤ بعد تنازع طويل كان بين شيعة بنى أمية، ومن يهوى هواهم في عقد الأمر له، أو لخالد بن يزيد بن معاوية، وذلك أن الأمر اضطرب بعد معاوية بن يزيد بن معاوية. وبايع الضحاك بن قيس الفهري وهو أمير دمشق يومئذ عبد الله بن الزبير وكذلك النعمان بن بشير الأنصاري بمصر، وزفر بن الحارث الكلابي بقنسرين وناتل بن قيس الجذامي بفلسطين، ودعي له على سائر منابر الحجاز ومصر والشأم والجزيرة والعراق وخراسان وسائر أمصار الإسلام إلا طبرية من بلاد الأردن، فان حسان بن مالك بن بحدل الكلبي من بنى حارثة بن جناب، وكان بها، امتنع من الدعاء لابن الزبير والدخول في طاعته وأراد عقد الأمر لخالد ابن يزيد، وكان ابن أختهم، واجتمع بنو أمية وشيعتهم، ومن يميل إليهم من رؤساء الشأم، فتشاوروا في عقد الأمر لخالد بن يزيد، وأبى آخرون إلا أن يعقدوا لمروان، إذ كان خالد صبيا لا يقاوم ابن الزبير ومروان شيخ مجرب بقية بنى أمية في وقته، وكان تشاورهم بالجابية بين دمشق، وطبرية فأجمعوا على عقد الأمر له فبويع له بالخلافة، وجعل الأمر بعده لخالد بن يزيد بن معاوية، ولعمرو بن سعيد الأشدق بعده. وخرج الضحاك عن مدينة دمشق فيمن معه من الزبيرية، واستمد من بالشأم على طاعة ابن الزبير فأمدوه بالجيوش والمال والسلاح، فصار في ثلاثين ألفا من قيس بن عيلان، وغيرهم من مضر وأكثرهم فرسان، وكان مروان

стр. 273

في ثلاثة عشرة ألفا من اليمن من كلب وسواهم، وأكثرها رجالة، وفي ذلك اليوم يقول مروان: لما رأيت الناس مالوا جنبا ... والملك لا يؤخذ إلا غصبا أعددت غسان لهم وكلبا ... والسكسكيين رجالا غلبا وطيِّئا يأبون إلا ضربا ... والقين تمشى في الحديد نكبا ومن تنوخ مشمخرا صعبا ... بالأعوجيات يثبن وثبا وإن دنت قيس فقل لا قربا فالتقوا بمرج راهط، فاقتتلوا قتالا شديدا، فقتل الضحاك في جمع كثير من القيسية، وانهزم الباقون، وقيل إنهم أقاموا بالمرج عشرين يوما يقتتلون في كل يوم، والحرب بينهم سجال. وان مروان كادهم، ودعاهم إلى الموادعة والصلح، فلما اطمأنوا الى ذلك شد عليهم وهم غارون على غير عدة ولا أهبة، فكان ذلك سبب هزيمتهم، فكانت هذه الوقعة سبب رد ملك بنى أمية، وقد كان زال عنهم الى بنى أسد بن عبد العزى. ولذلك رأى قوم أن مروان أول من أخذ الخلافة بالسيف، وهذه الوقعة من الوقائع المشهورة والأيام المذكورة، واليمانية تفتخر بها على النزارية، وقد أكثرت شعراؤها الافتخار بذلك، قال عمرو بن مخلاة الحمار الكلبي: شفى النفس قتلى لم توسد خدودها ... تلم بها طلس الذئاب وسودها بأيدي كماة في الحروب مساعر ... على ضامرات ما تجف لبودها أبحنا حمى الحيين قيس براهط ... وولت شذاذا واستبيح شريدها وقال أيضا: رددنا لمروان الخلافة بعد ما ... جرى للزبيريين كل بريد فالا يكن منا الخليفة نفسه ... فما نالها إلا ونحن شهور

стр. 274

وقال زفر بن الحارث الكلابي يعتذر من فراره ذلك اليوم: لعمري لقد أبقت وقيعة راهط ... لمروان صدعا بينا متنائيا أتذهب كلب لم تنلها رماحنا ... وتترك قتلى راهط هي ما هيا فقد ينبت المرعى على دمن الثرى ... وتبقى حزارات النفوس كما هيا أرينى سلاحي لا أبا لك إنني ... أرى الحرب لا تزداد إلا تماديا فلم تر منى نبوة قبل هذه ... فراري وتركي صاحبي ورائيا ونجاك شدات الأغر كأنما ... يرى الأكم من أجبال سلمى صحاريا فلما أمنت القوم وامتدت الضحى ... بسنجار أذريت الدموع الذواريا فرد عليه جواس بن القعطل الكلبي فقال: لعمري لقد أبقت وقيعة راهط ... على زفر داء من الداء باقيا مقيما ثوى بين الضلوع محله ... وبين الحشا أعيا الطبيب المداويا دعا بسلاح ثم أحجم إذ رأى ... سيوف جناب والطوال المذاكيا عليها كأسد الغاب فتيان نجدة ... إذا ما انتضوا عند النزال العواليا وفي ذلك يقول الفرزدق: وقد جعلت للحين في المرج والقنا ... لمروان أيام عظام الملاحم رأيت بنى مروان جلت سيوفهم ... عشى كان في الابصار تحت العمائم ولو رام قيس غيرهم يوم راهط ... للاقى المنايا بالسيوف الصوارم ولكن قيسا روغمت يوم راهط ... بطود أبى العاص الشديد الدعائم وقال كثير بن عبد الرحمن الخزاعي مخاطبا لعبد الملك: أبوك حمى أمية حين زالت ... دعائمها وأصحر للضراب وكان الملك قد وهيت قواه ... فرد الملك منها في النصاب وقال عبد الرحمن بن الحكم أخو مروان بن الحكم:

стр. 275

أرى أحاديث أهل المرج قد بلغت ... أقصى الفرات وأهل الفيض والنيل أموالهم حرة في الأرض تلقطها ... فرسان كلب على الجرد الهذاليل ثم سار مروان بعقب ذلك الى مصر، وهم في طاعة ابن الزبير، وكانت له معهم حروب عظيمة قتل فيها خلق كثير من الفريقين الى أن استوسقوا على طاعته، وأخرجوا عبد الرحمن بن جحدم الفهري عامل ابن الزبير عنهم. واستخلف مروان عليها ابنه عبد العزيز وذلك في سنة ٦٥ وعاد إلى دمشق، وسرح عبيد الله بن زياد في جيوش كثيفة للغلبة على الجزيرة والعراق، وولاه كل بلد يغلب عليه، فسار في نحو من ثمانين ألفا، فلما صار ببلاد الجزيرة بلغه مسير سليمان بن صرد الخزاعي والمسيب بن نجبة وغيرهما في نحو من أربعة آلاف يطلبون بدم الحسين بن على بن أبى طالب ﵇، وكانوا يسمون جيش التوابين حتى صاروا الى عين الوردة، وهي رأس العين فسرح اليهم عبيد الله ابن الحصين بن نمير وغيرهم من رؤساء الشأم، فالتقوا بها فاقتتلوا قتالا شديدا، فقتل سليمان بن صرد والمسيب بن نجبة وأكثر ذلك الجيش، وتحمل من بقي في أول الليل راجعين الى الكوفة. وذلك في هذه السنة وهي سنة ٦٥ وكانت وفاة مروان بن الحكم بدمشق لثلاث خلون من شهر رمضان من هذه السنة ودفن بها، وله إحدى وستون سنة. وكانت ولايته تسعة أشهر وأياما، وكان طوالا أصهب أزرق بعيد الغور يركب الأمور بغير رهبة ويمضى التدبير على غير روية وكتب له ابو الزعيزعة مولاه، وابن سرجون النصراني، وسليمان بن سعيد الخشنيّ، وعبيد بن أوس الغساني وكان نقش خاتمه «العزة للَّه» وقيل «آمنت باللَّه» وقيل «آمنت باللَّه العزيز الحكيم» وقيل «آمنت بالعزيز الحكيم» وقاضيه ابو إدريس الخولانيّ

стр. 276

وحاجبه أبو سهيل الأسود مولاه، وقيل ابو المنهال مولاه. ذكر أيام عبد الملك بن مروان وبويع عبد الملك بن مروان ويكنى أبا الوليد وأمه عائشة ابنة معاوية بن المغيرة ابن أبى العاص بن أمية في رجب سنة ٦٥ والحجاز والعراق وفارس وخراسان وما يلي ذلك من البلاد بيد ابن الزبير، وغلب المختار بن أبى عبيد بن مسعود الثقفي على الكوفة، وأظهر الدعاء الى ابن الحنفية، وتجرد لقتلة الحسين فأباد، منهم خلقا كثيرا. وسار عبيد الله بن زياد الى الموصل، وسير المختار إبراهيم بن الأشتر مالك ابن الحارث النخعي للقائه في اثنى عشر الفا، فالنقوا بالزاب من ارض الموصل، فاقتتلوا قتالا شديدا. فقتل عبيد الله بن زياد، والحصين بن نمير السكونيّ، وشرحبيل بن ذي الكلاع الحميري في خلق عظيم من أهل الشأم، وذلك يوم عاشوراء سنة ٦٧ وفي قتل عبيد الله يقول ابن مفرغ الحميري: إن الّذي عاش ختارا بذمته ... ومات عبدا قتيل الله بالزاب ولم يزل المختار مقيما بالكوفة الى أن سار اليه مصعب بن الزبير في أهل البصرة ومعه المهلب بن أبى صفرة الأزدي، ثم العتيكى وغيره من الرؤساء، فهزمه وحصره في قصر الامارة بالكوفة، الى ان خرج مستميتا في نفر من أصحابه، فجالد حتى قتل. وذلك للنصف من شهر رمضان من هذه السنة، وهي سنة ٦٧، ونزل من بقي من أصحاب المختار وهم نحو من ستة آلاف على حكم مصعب فقتلهم جميعا، وكانوا يسمون الخشبية قال المسعودي: وسار عبد الملك الى العراق، فالتقى مع مصعب بن الزبير

стр. 277

بمسكن من ارض العراق، فقتل مصعب في جمادى الاولى سنة ٧٢. وفي ذلك يقول عبيد الله بن قيس الرقيات، وكان من شيعة آل الزبير: إن الرزية يوم مس ... كن والمصيبة والفجيعة بابن الحواري الّذي ... لم يعده يوم الوقيعة غدرت به مضر العراق ... وأمكنت منه ربيعة ووجه بالحجاج بن يوسف بن الحكم بن أبى عقيل بن مسعود بن عامر بن معتب بن مالك بن كعب بن عمرو بن سعد بن عوف بن ثقيف، واسم ثقيف قسى ابن منبه بن بكر بن هوازن بن منصور بن عكرمة بن خصفة بن قيس بن عيلان بن مضر في عساكره الى عبيد الله بن الزبير بن العوام، فحصره بمكة ثم بالمسجد الحرام، وقتل به يوم الثلاثاء لسبع عشرة ليلة خلت من جمادى الاولى سنة ٧٣ وله ثلاث وسبعون سنة، وأمر به الحجاج فصلب، وأمه أسماء ابنة أبى بكر ذات النطاقين أخت عائشة لأمها، وأبيها وهي يومئذ باقية قد بلغت من السن مائة سنة لم يقع لها سن ولا ابيض لها شعر ولا أنكر لها عقل، غير أنها ذاهبة البصر، وكانت مدة أيامه وفتنته مذ مات معاوية بن أبى سفيان إلى أن قتل ثمان سنين وتسعة أشهر. ومما كان في أيام عبد الملك بن مروان من الحوادث العظيمة والأنباء الجليلة في الملك خلع عبد الرحمن بن محمد بن الأشعث بن قيس بن معديكرب الكندي في سنة ٨١، وكان الحجاج وجهه في جيش كثيف حسن العدة، وكان يسمى جيش الطواويس الى سجستان لغزو رتبيل ملك زابلستان، ففتح كثيرا من بلادهم، وكتب اليه الحجاج يستعجزه ويغلظ له، فدعا من معه من رؤساء أهل العراق إلى خلع الحجاج، فأجابوه الى ذلك، لبغضهم الحجاج، وخوفهم سطوته، فخلعوه.

стр. 278

وسار عبد الرحمن راجعا لإخراج الحجاج من العراق، ومسألة عبد الملك إبدالهم به، فلما عظمت جموعه ولحق به كثير من أهل العراق ورؤسائهم وقرائهم ونساكهم عند قربه منها خلع عبد الملك، وذلك بإصطخر فارس وخلعه الناس جميعا وسمى نفسه «ناصر المؤمنين» وذكر له أنه القحطانى الّذي ينتظره اليمانية وأنه يعيد الملك فيها، فقيل له إن القحطانى على ثلاثة أحرف، فقال اسمى عبد وأما الرحمن فليس من اسمى، وسار الحجاج للقائه حتى لقيه دون تستر من كور الأهواز بسبعة فراسخ، فهزم أصحاب الحجاج، وقتل منهم نحو من ثمانية آلاف. وسار الحجاج الى البصرة، فنزل الراوية وسار ابن الأشعث حتى نزل الخريبة، وذلك في سنة ٨٣. فأقاموا يقتتلون نحوا من شهرين، ثم خرج ابن الأشعث الى الكوفة ليلا لينغلب عليها في نفر يسير وأصبح أصحابه، فبايعوا عبد الرحمن بن عباس بن ربيعة بن الحارث بن عبد المطلب، فلقيهم الحجاج فهزمهم، ولحقوا بابن الأشعث، فخرج ابن الأشعث من الكوفة حتى نزل دير الجماجم، وسار الحجاج حتى نزل دير قرة، وكان كتب الى عبد الملك يستمده فأمده بابنه عبد الله بن عبد الملك وأخيه محمد بن مروان، فاقتتلوا بدير الجماجم نحوا من اربعة أشهر، فكانت الوقائع بينهم فيما قيل نحوا من ثمانين وقعة، وابن الأشعث في نحو من ثمانين الفا، وقيل أكثر من ذلك. والحجاج في دون جمعه ولم يكن بعد وقائع صفين أعظم من هذه الحروب ولا أهول من هذه الزحوف، ثم انهزم ابن الأشعث وأهل العراق، وقتل منهم جمع كثير، وسار ابن الأشعث إلى البصرة، وتبعه الحجاج فخرج عنها، فكان التقاؤهم بمسكن من أرض العراق، فهزم أهل العراق وقتلوا قتلا ذريعا، ومضى ابن الأشعث فيمن تبعه حتى صار إلى سجستان، وكاتب رتبيل وصار اليه فوجه الحجاج بجيش كثيف الى سجستان. وكتب الى رتبيل بتسليم ابن الأشعث فيمن تبعه، ورغبه

стр. 279

إن فعل ذلك في مال جزيل ورفع الاتاوة عنه ويخوفه إن أبى ذلك بقصده وتسرية الجيوش اليه، فغدر به رتبيل وسلمه إلى صاحب الحجاج فسار به يريده فألقى ابن الأشعث نفسه من فوق قصر من قصور الرخّج فمات، فأخذ رأسه وصير به إلى الحجاج، وذلك في سنة ٨٤. فوجه به الحجاج إلى عبد الملك فوجه به عبد الملك إلى أخيه عبد العزيز بمصر وفي ذلك يقول الشاعر: يا بعد مصرع جثة من رأسها ... رأس بمصر وجثة بالرخّج قتلوه بغيا ثم قالوا بايعوا ... وجرى البريد برأس أروع أبلج وتوفى عبد الملك بدمشق لعشر خلون من شوال سنة ٨٦، ودفن بها وله اثنتان وستون سنة، وقيل أكثر من ذلك، فكانت أيامه إحدى وعشرين سنة وشهرين وعشرة أيام، وكان أسمر مربوعا، طويل اللحية، يباشر الأمور بنفسه، متيقظا في سلطانه، حازما في رأيه، لا يكل الأمور في أعدائه وأهل عربه الى غيره حتى يباشرها بنفسه، يركب الخطأ في كثير من أموره فتغره السلامة وكتب له قبيصة بن ذؤيب الخزاعي، وابو الزعيزعة، وعمرو بن الحارث مولى بنى عامر بن لؤيّ، وسرجون بن منصور الرومي وكان نقش خاتمه «آمنت به مخلصا» وعلى قضائه أبو إدريس الخولانيّ، وعبد الله بن قيس بن عبد مناف وحاجبه يوسف مولاه، وقد حجبه أبو الزعيزعة وفي أيامه كانت وفاة عبد الله بن العباس بن عبد المطلب بالطائف ذاهب البصر سنة ٦٨، وله إحدى وسبعون سنة، وكان مولده قبل الهجرة بثلاث سنين، وصلّى عليه محمد بن الحنفية أبو القاسم محمد بن على بن أبى طالب، وتوفى محمد بن الحنفية بالمدينة في المحرم سنة ٨١ وله خمس وستون سنة، وصلّى عليه أبان بن عثمان، وهو يومئذ والى المدينة لعبد الملك، وللكيسانية من الشيعة فيه خطوب كثيرة طويلة ودعاوى كثيرة.

стр. 280

ذكر أيام الوليد بن عبد الملك وبويع الوليد بن عبد الملك بن مروان، ويكنى أبا العباس وأمه ولادة ابنة العباس بن جزء بن الحارث العبسيّ بدمشق في اليوم الّذي توفى فيه عبد الملك، وتوفى بها للنصف من جمادى الآخرة سنة ٩٦، وهو ابن ثلاث وأربعين سنة ودفن بها. وكانت مدته تسع سنين وثمانية أشهر وخمسة أيام، وكان طويلا أسمر أفطس به أثر جدري، بمقدم لحيته شيب لم يغيره، وكان لحانة، شديد السطوة لا يتوقف عند الغضب، ولا ينظر في عاقبة، ولا يكلم عند سطوته، تهون عليه الدماء وكتب له عبد الله بن هلال الثقفي، وصالح بن عبد الرحمن مولى بنى مرة بن عبيد، وانقعقاع بن خليد العبسيّ، وسليمان بن سعد الخشنيّ، وكان نقش خاتمه «يا وليد إنك ميت» وقاضية أبو بكر محمد بن حزم، وحاجبه يزيد مولاه. قال المسعودي: وكانت وفاة الحجاج بن يوسف بن أبى عقيل عامله وعامل أبيه على العراق بواسط العراق في شهر رمضان سنة ٩٥ قبل وفاة الوليد بتسعة أشهر، وكانت ولايته العراق عشرين سنة. وترك في بيت المال مائة ألف ألف وبضعة عشر ألف ألف درهم، وتولى العراق وخراجها مائة ألف ألف درهم، فلم يزل بعنته وسوء سياسته حتى صار خراجها خمسة وعشرين ألف ألف درهم، ونظرت هند ابنة أسماء بن خارجة الفزاري الى الحجاج مسجى، وكانت امرأته فطلقها فقالت: ألا يا أيها الجسد المسجى ... لقد قرت بمصرعك العيون وكنت قرين شيطان رجيم ... فلما مت سلمك القرين وكان عدة من قتله الحجاج صبرا سوى من قتل في زحوفه وحروبه مائة ألف وعشرين ألفا، منهم سعيد بن جبير صاحب عبد الله بن العباس، ويكنى أبا عبد الله

стр. 281

مولى لبني والبة بن الحارث بن ثعلبة بن دودان بن أسد بن خزيمة، وكان أسود قتله في سنة ٩٤ لخروجه مع عبد الرحمن بن محمد بن الأشعث، وكميل بن زياد النخعي من بنى صهبان صاحب على بن أبى طالب، وتوفى وفي محبسه خمسون ألف رجل وثلاثون ألف امرأة، وكان حبسه حائرا لا شيء فيه يكنهم فيه من حر ولا برد، ويسقون الماء مشوبا بالرماد. ذكر أيام سليمان بن عبد الملك وبويع سليمان بن عبد الملك بن مروان ويكنى أبا أيوب في اليوم الّذي توفى فيه أخوه الوليد، وأمه ولادة أم أخيه الوليد وهلك وهو معسكر بمرج دابق من أعمال قنسرين، ممدا لأخيه مسلمة، وهو على حصار القسطنطينية يوم الجمعة لعشر ليال بقين من صفر سنة ٩٩ وله تسع وثلاثون سنة، وكانت ولايته سنتين وثمانية أشهر وخمس ليال، وكان طويلا أبيض، جميلا قضيفا، جعد الشعر لم يشب، فصيح اللسان، كثير الأدب، لين الجانب: شديد العجب بشبابه وجماله، أكولا، نهما، نكاحا، لا يعجل إلى سفك الدماء، ولا يستنكف عن مشورة النصحاء، فيه حسد شديد وكتب له عبد العزيز بن الحارث بن الحكم بن أبى العاص، وسليمان بن نعيم الحميري، وابن بطريق النصراني. وكان نقش خاتمه «آمنت باللَّه» وعلى قضائه محمد بن حزم وحاجبه أبو عبيدة مولاه وقيل مسلّم مولاه.

стр. 282

ذكر خلافة عمر بن عبد العزيز ﵀ وبويع عمر بن عبد العزيز بن مروان بن الحكم، ويكنى أبا حفص وأمه أم عاصم ابنة عاصم بن عمر بن الخطاب في اليوم الّذي توفى فيه سليمان، فوجه الى مسلمة فأقفله عن حصار القسطنطينية، وقد ذكرنا مدة ما أقام عليها محاصرا لها فيما سلف من هذا الكتاب في أخبار ملوك الروم بعد ظهور الإسلام في ملك تيدوس المعروف بالأرمني وتوفى عمر بدير سمعان من أعمال حمص مما يلي قنسرين مسموما فيما قيل من قبل أهله يوم الجمعة لعشر بقين من رجب سنة ١٠١ وله تسع وثلاثون سنة وكانت خلافته سنتين وخمسة أشهر وخمسة أيام، وكان أسمر، حسن الوجه، نحيف الجسم، حسن اللحية، غائر العينين، بوجهه أثر من نفح دابة رمحته في صباه قد وخطه الشيب، ومات ولم يخضب. وكان فاضلا يؤثر الدين على الدنيا، ويعمل عمل من يخاف يومه ويرجو غده ويقر بتدينه لما يجرى أهله عليه وكان كاتبه ليث بن أبى رقية ونقش خاتمه «لكل عمل ثواب» وقيل «عمر يؤمن باللَّه مخلصا» وعلى قضائه عبد الله بن سعد الأيلي، وحاجبه مزاحم مولاه، وقيل حسين.

стр. 283

ذكر أيام يزيد بن عبد الملك وبويع يزيد بن عبد الملك بن مروان، ويكنى أبا خالد، وأمه عاتكة ابنة يزيد بن معاوية في اليوم الّذي توفى فيه عمر، وتوفى بأرض البلقاء من أعمال دمشق يوم الجمعة لخمس ليال بقين من شعبان سنة ١٠٥، وهو ابن تسع وثلاثين سنة، فكانت أيامه أربع سنين وشهرا. وكان طويلا جسيما أبيض مدور الوجه لم يشب، فتى الشباب شديد الفخر ظاهر الكبر، يحب اللهو، ويستعمل الحجاب، لا يعرف صوابا فيأتيه، ولا خطأ فيدعه وكتب له أسامة بن زيد السليحي وزيد بن عبد الله وكان نقش خاتمه «قنى الحساب» وحاجبه سعيد مولاه، وقيل خالد. وكان في أيامه من الكوائن العظيمة في الملك خلع يزيد بن المهلب بن أبى صفرة إياه، واسم أبى صفرة ظالم بن سراق بن صبح بن كندى بن عمرو بن عدي بن وائل بن الحارث بن العتيك بن الأسد بن عمران بن عمرو مزيقياء بن عامر ماء السماء بن حارثة الغطريف بن ثعلبة بن امرئ القيس بن ثعلبة بن مازن ابن الأزد، واسمه دراء بن الغوث بن نبت بن مالك بن زيد بن كهلان بن سبإ. وكان يزيد في سجن عمر بن عبد العزيز يطالبه بالأموال التي كان يزيد كتب بها الى سليمان بن عبد الملك، أنها صارت إليه عند فتحه جرجان وطبرستان، فلما مات عمر وذلك في رجب سنة ١٠١، هرب يزيد من السجن وصار الى البصرة، وعليها عدي بن أرطاة الفزاري، وكان قد سجن عدة إخوة ليزيد حين بلغه مسيره اليه فسامه يزيد تخليتهم فأبى، واجتمع الى يزيد جمع عظيم وبذل الأموال فكثر تبعه، وسار الى عدي فقبض عليه وسجنه وغلب على البصرة والأهواز وفارس وكرمان، وخلع يزيد بن عبد الملك، فندب يزيد للقائه أخاه مسلمة بن

стр. 284

عبد الملك، وابن أخيه العباس بن الوليد بن عبد الملك في جيوش كثيفة، وخرج يزيد بن المهلب عن البصرة في جموع كثيفة عظيمة، فالتقوا بالعقر من أرض بابل فاقتتلوا قتالا شديدا، فقتل يزيد وعدة من إخوته في جمع من أهل العراق وانهزم الباقون، وذلك في سنة ١٠٢، وقيل إن الّذي تولى قتل يزيد القحل بن عياش بن حسان بن سمير بن شراحيل بن عرين بن أبى جابر بن زهير بن جناب، وفي ذلك يقول المسيب بن الرفل الكلبي مفتخرا: قتلنا يزيد بن المهلب بعد ما ... تمنيتم أن يغلب الحق باطله فما كان من أهل العراق منافق ... عن الدين إلا من قضاعة قاتله وقال رفيع بن أزير الأسدي في مقتله مخاطبا يزيد بن عبد الله بن مروان: إليك أمير المؤمنين مسيرنا ... على المقربات والمحذفة البتر نزيد أمير المؤمنين بأرضه ... رءوسا جناها بين بابل والعقر ولاقى يزيد بن المهلب باكرا ... من الموت ساقته الحتوف وما يدرى وركب من بقي من آل المهلب وأتباعهم السفن حتى صاروا إلى قندابيل من أرض السند فوجه مسلمة هلال بن أحوز المازني لاتباعهم، فلحقهم بها، فقتل منهم جمعا وأسر الباقين، فكان المهلب عند وفاته استخلف يزيد بن المهلب على عمله وأمر سائر إخوته بالسمع والطاعة له. وكانت وفاة المهلب بمروالروز من أرض خراسان في ذي الحجة سنة ٨٣ وهو على إمرتها يومئذ، وفيه يقول نهار بن توسعة التميمي: ألا ذهب العز المقرب للتقى ... ومات الندى والجود بعد المهلب أقاما بمروالروز رهني ضريحه ... فقد غيبا عن كل شرق ومغرب

стр. 285

ذكر أيام هشام بن عبد الملك وبويع هشام بن عبد الملك بن مروان، ويكنى أبا الوليد وأمه أم هشام بنت هشام بن إسماعيل بن هشام بن الوليد بن المغيرة المخزومي في اليوم الّذي توفى فيه يزيد، وتوفى بالرصافة من أرض قنسرين مما يلي البر يوم الأربعاء لست ليال خلون من شهر ربيع الآخر سنة ١٢٥، وله ثلاث وخمسون سنة وكانت ولايته تسع عشرة سنة وسبعة أشهر وإحدى عشرة ليلة، وكان ابيض الى الصفرة ما هو، أحول شديد انقلاب العين، يخضب لحيته بالسواد، ربعة من الرجال، حسن البدن خشن الجانب، شكس الأخلاق، دقيق النظر، جامعا للأموال، قليل البذل للنوال، متيقظا في سلطانه، سائسا لرعيته، مباشرا للأمور بنفسه، لا يغيب عنه شيء من أمر مملكته وكتب له محمد بن عبد الله بن حارثة الأنصاري، وأسامة بن زيد السليحي، وسالم مولى سعيد بن عبد الملك وكان نقش خاتمه «الحكم للحكيم» وعلى قضائه محمد بن صفوان الجمحيّ، ونمير بن أوس الأشعري، وحاجبه غالب مولاه. وفي السنة السابعة عشرة من ولايته وهي سنة ١٢٢، كان ظهور زيد بن على ابن الحسين بن على بن أبى طالب بالكوفة في نفر يسير، وعليها يوسف بن عمر الثقفي، وقد كان بايعه خلق كثير، ثم قعدوا عنه ولم يفوا له، فلقيه يوسف ابن عمر في جموع عظيمة، فقاتلهم زيد قتالا شديدا إلى ان قتل ومن معه في صفر من هذه السنة وصلب بالكناسة.
следующие страницы →