← Тараджим

Тараджим · id 23764

تاريخ بغداد - ط العلمية

الخطيب البغدادي

Полный текст (6 461 стр.). Показаны 5846–5885 · переход к 5851.

стр. 5846

أخبرنا حمزة بن محمّد بن طاهر، حدّثنا الوليد بن بكر، حدّثنا علي بن أحمد بن زكريا الهاشميّ، حدّثنا أبو مسلم صالح بن أحمد بن عبد الله بن صالح العجلي، حدثني أبي قال: أبو حنيفة النّعمان بن ثابت كوفي تيمي من رهط حمزة الزّيّات، وكان خزازا يبيع الخز. أنبأنا محمّد بن أحمد بن رزق، أخبرنا محمّد بن العبّاس بن أبي ذهل الهرويّ، حدّثنا أحمد بن محمّد بن يونس الحافظ، حدّثنا عثمان بن سعيد الدّارميّ قال: سمعت محبوب بن موسى يقول: سمعت ابن أسباط (١) يقول: ولد أبو حنيفة وأبوه نصراني. أخبرنا الحسن بن محمّد الخلّال، أخبرنا علي بن عمرو الحريري أن أبا القاسم علي ابن محمّد بن كاس النخعي أخبرهم قال: حدّثنا محمّد بن علي بن عفّان، حدّثنا محمّد بن إسحاق البكائي عن عمر بن حمّاد بن أبي حنيفة قال: أبو حنيفة النّعمان ابن ثابت بن زوطى، فأما زوطى فإنه من أهل كابل، وولد ثابت على الإسلام، وكان زوطى مملوكا لبني تيم الله بن ثعلبة فأعتق، فولاؤه لبني تيم الله بن ثعلبة، ثم لبني قفل. وكان أبو حنيفة خزازا ودكانه معروف في دار عمرو بن حريث (٢). قال محمّد بن علي بن عفّان: وسمعت أبا نعيم الفضل بن دكين يقول: أبو حنيفة النّعمان بن ثابت بن زوطى أصله من كابل. أخبرنا أبو نعيم الحافظ، حدّثنا أبو أحمد الغطريفي قال: سمعت السّاجي يقول: سمعت محمّد بن معاوية الزّيادي يقول: سمعت أبا جعفر يقول: كان أبو حنيفة اسمه عتيك بن زوطرة، فسمى نفسه النّعمان وأباه ثابتا. أخبرنا محمّد بن أحمد بن رزق، أخبرنا أحمد بن جعفر بن محمّد بن سلم الختلي، حدّثنا أحمد بن علي الأبار، حدّثنا عبد الله بن محمّد العتكيّ البصريّ، حدّثنا محمّد بن أيّوب الذارع قال: سمعت يزيد بن زريع يقول: كان أبو حنيفة نبطيا. أخبرنا أحمد بن عمر بن روح النهرواني، أخبرنا المعافى بن زكريا، حدّثنا أحمد

стр. 5847

ابن نصر بن طالب، حدّثنا إسماعيل بن عبد الله بن ميمون قال: سمعت أبا عبد الرّحمن المقرئ يقول: كان أبو حنيفة من أهل بابل، وربما قال في قول البابلي كذا (١). أخبرنا الخلّال، أخبرنا علي بن محمّد بن كاس النخعي حدثهم قال: حدّثنا أبو بكر المروزيّ، حدّثنا النّضر بن محمّد، حدّثنا يحيى بن النّضر القرشيّ قال: كان والد أبي حنيفة من نسا. وقال النخعي: حدّثنا سليمان بن الرّبيع قال: سمعت الحارث بن إدريس يقول: أبو حنيفة أصله من ترمذ (٢). وقال النخعي أيضا: حدّثنا أبو جعفر أحمد بن إسحاق بن البهلول القاضي قال: سمعت أبي يقول عن جدي. قال: ثابت والد أبي حنيفة من أهل الأنبار (٣). أخبرنا القاضي أبو عبد الله الحسين بن علي الصيمري، أخبرنا عمر بن إبراهيم المقرئ، حدّثنا مكرم بن أحمد بن عبيد الله بن شاذان المروزيّ قال: حدثني أبي عن جدي قال: سمعت إسماعيل بن حمّاد بن أبي حنيفة يقول: أنا إسماعيل بن حمّاد ابن النّعمان بن ثابت بن النّعمان بن المرزبان من أبناء فارس الأحرار، والله ما وقع علينا رق قط، ولد جدي في سنة ثمانين، وذهب ثابت إلى علي بن أبي طالب وهو صغير فدعا له بالبركة فيه، وفي ذريته، ونحن نرجو من الله أن يكون قد استجاب الله ذلك لعلي بن أبي طالب فينا. قال: والنّعمان بن المرزبان أبو ثابت هو الذي أهدى لعلي بن أبي طالب الفالوذج في يوم النّيروز فقال: نوروزنا كل يوم. وقيل: كان ذلك في المهرجان، فقال: مهر جونا كلّ يوم (٤). ذكر إرادة ابن هبيرة أبا حنيفة على ولاية القضاء وامتناع أبي حنيفة من ذلك: أخبرنا القاضي أبو العلاء محمّد بن علي الواسطيّ، حدّثنا أبو الحسن محمّد بن حمّاد بن سفيان- بالكوفة- حدّثنا الحسين بن محمّد بن الفرزدق الفزاريّ، حدّثنا

стр. 5848

أبو عبد الله عمرو بن أحمد بن عمرو بن السرح- بمصر- حدّثنا يحيى بن سليمان الجعفي الكوفيّ، حدّثنا علي بن معبد، حدّثنا عبيد الله بن عمرو الرقي قال: كلم ابن هبيرة أبا حنيفة أن يلي له قضاء الكوفة فأبى عليه فضربه مائة سوط وعشرة أسواط في كل يوم عشرة أسواط وهو على الامتناع، فلما رأى ذلك خلى سبيله. كتب إليّ القاضي أبو القاسم الحسن بن محمّد بن أحمد بن إبراهيم المعروف بالأنباريّ- من مصر- وحدثني أبو طاهر محمّد بن أحمد بن محمّد بن أبي الصّقر إمام الجامع بالأنبار عنه قال: أخبرنا محمّد بن أحمد بن المسور البزّاز، حدّثنا أبو عمرو المقدام بن داود الرعيني، حدّثنا علي بن معبد، حدّثنا عبيد الله بن عمرو أن ابن هبيرة ضرب أبا حنيفة مائة سوط وعشرة أسواط في أن يلي القضاء فأبى، وكان ابن هبيرة عامل مروان على العراق في زمن بني أميّة. أخبرنا أبو الحسن علي بن القاسم بن الحسن الشاهد- بالبصرة- حدّثنا علي بن إسحاق المادرائي قال: سمعت إبراهيم بن عمر الدّهقان يقول: سمعت أبا معمر يقول: سمعت أبا بكر بن عيّاش يقول: إن أبا حنيفة ضرب على القضاء. أخبرنا التنوخي، حدّثنا أحمد بن عبد الله الدّوريّ، أخبرنا أحمد بن القاسم بن نصر- أخو أبي اللّيث الفرائضيّ- حدّثنا سليمان بن أبي شيخ قال: حدثني الرّبيع بن عاصم- مولى بني فزارة- قال: أرسلني يزيد بن عمر بن هبيرة فقدمت بأبي حنيفة فأراده على بيت المال فأبى، فضربه أسواطا. أخبرنا الخلّال، أخبرنا الحريري أن النخعي حدثهم قال: حدّثنا محمّد بن علي بن عفّان، حدّثنا يحيى بن عبد الحميد عن أبيه قال: كان أبو حنيفة يخرج كل يوم- أو قال بين الأيام- فيضرب ليدخل في القضاء فأبى، ولقد بكى في بعض الأيام فلما أطلق. قال لي: كان غم والدتي أشد عليّ من الضرب. وقال النخعي: حدّثنا إبراهيم بن مخلد البلخيّ، حدّثنا محمّد بن سهل بن أبي منصور المروزيّ، حدثني محمّد بن النّضر قال: سمعت إسماعيل بن سالم البغداديّ يقول: ضرب أبو حنيفة على الدخول في القضاء، فلم يقبل القضاء. قال: وكان أحمد بن حنبل إذا ذكر ذلك بكى وترحم على أبي حنيفة، وذلك بعد أن ضرب أحمد. أخبرني عبد الباقي بن عبد الكريم بن عمر المؤدّب، أخبرنا عبد الرّحمن بن عمر الخلّال، حدّثنا محمّد بن أحمد بن يعقوب بن شيبة، حدّثنا جدي، أخبرني عبد الله

стр. 5849

ابن الحسن بن المبارك عن إسماعيل بن حمّاد بن أبي حنيفة قال: مررت مع أبي بالكناسة فبكى فقلت له: يا أبت ما يبكيك؟ قال: يا بني في هذا الموضع ضرب ابن هبيرة أبي عشرة أيام في كل يوم عشرة أسواط على أن يلي القضاء فلم يفعل. وقيل إن أبا جعفر المنصور أشخص أبا حنيفة من الكوفة إلى بغداد ليوليه القضاء. ذكر قدوم أبي حنيفة بغداد وموته بها: أخبرنا أبو عمر الحسن بن عثمان الواعظ، أخبرنا جعفر بن محمّد بن أحمد بن الحكم الواسطيّ. وأخبرنا القاضي أبو العلاء الواسطيّ، حدّثنا طلحة بن محمّد بن جعفر المعدل قالا: حدّثنا محمّد بن أحمد بن يعقوب، حدّثنا جدي، حدّثنا بشر بن الوليد الكندي قال: أشخص أبو جعفر أمير المؤمنين أبا حنيفة، فأراده على أن يوليه القضاء فأبى، فحلف عليه ليفعلن، فحلف أبو حنيفة أن لا يفعل، فحلف المنصور ليفعلن، فحلف أبو حنيفة أن لا يفعل، فقال الرّبيع الحاجب: ألا ترى أمير المؤمنين يحلف! فقال أبو حنيفة: أمير المؤمنين على كفارة أيمانه أقدر مني على كفارة أيماني، وأبى أن يلي، فأمر به إلى الحبس في الوقت. هذا لفظ أبي العلاء وانتهى حديث الواعظ. وزاد أبو العلاء، والعوامّ يدعون أنه تولى عدد اللبن أياما ليكفر بذلك عن يمينه، ولم يصح هذا من جهة النقل، والصحيح أنه توفي وهو في السجن. أخبرنا الخلّال، أخبرنا الحريري أن النخعي حدثهم قال: حدّثنا سليمان بن الرّبيع، حدّثنا خارجة بن مصعب بن خارجة قال: سمعت مغيث بن بديل يقول قال خارجة: دعا أبو جعفر أبا حنيفة إلى القضاء فأبى عليه فحبسه، ثم دعا به يوما فقال: أترغب عما نحن فيه؟ قال: أصلح الله أمير المؤمنين لا أصلح للقضاء، فقال له كذبت، قال: ثم عرض عليه الثانية، فقال أبو حنيفة قد حكم على أمير المؤمنين أني لا أصلح للقضاء لأنه ينسبني إلى الكذب، فإن كنت كاذبا فلا أصلح، وإن كنت صادقا فقد أخبرت أمير المؤمنين أني لا أصلح. قال: فرده إلى الحبس. أخبرني أبو بشر محمّد بن عمر الوكيل وأبو الفتح عبد الكريم بن محمّد بن أحمد الضّبّيّ المحاملي قالا: حدّثنا عمر بن أحمد الواعظ، حدّثنا مكرم بن أحمد، حدّثنا أحمد بن محمّد الحماني قال: سمعت إسماعيل بن أبي أويس يقول: سمعت الرّبيع بن يونس يقول: رأيت أمير المؤمنين المنصور ينازل أبا حنيفة في أمر القضاء وهو

стр. 5850

يقول: اتق الله ولا ترعى أمانتك إلا من يخاف الله، والله ما أنا بمأمون الرضى، فكيف أكون مأمون الغضب؟! ولو اتجه الحكم عليك ثم هددتني أن تغرقني في الفرات أو أن تلي الحكم لا اخترت أن أغرق، ولك حاشية يحتاجون إلى من يكرمهم لك فلا أصلح لذلك. فقال له: كذبت أنت تصلح، فقال: قد حكمت لي على نفسك كيف يحل لك أن تولى قاضيا على أمانتك وهو كذّاب. أخبرنا الصيمري، أخبرنا أبو عبيد الله المرزباني، حدّثنا محمّد بن أحمد الكاتب، حدّثنا عبّاس الدّوريّ قال: حدثونا عن المنصور أنه لما بنى مدينته ونزلها، ونزل المهديّ في الجانب الشرقي، وبنى مسجد الرصافة، أرسل إلى أبي حنيفة، فجيء به فعرض عليه قضاء الرصافة، فأبى فقال له: إن لم تفعل ضربتك بالسياط، قال: أو تفعل؟ قال: نعم، فقعد في القضاء يومين فلم يأته أحد، فلما كان في اليوم الثالث أتاه رجل صفار ومعه آخر. فقال الصّفّار: لي على هذا درهمان وأربعة دوانيق بقية ثمن تور صفر، فقال أبو حنيفة: اتق الله وانظر فيما يقول الصّفّار. قال: ليس له عليّ شيء، فقال أبو حنيفة للصفار: ما تقول؟ قال: استحلفه لي، فقال أبو حنيفة للرجل: قل والله الذي لا إله إلا هو فجعل يقول، فلما رآه أبو حنيفة معزما على أن يحلف، قطع عليه وضرب بيده إلى كمه فحل صرة وأخرج درهمين ثقيلين، فقال للصفار: هذان الدرهمان عوض من باقي تورك، فنظر الصّفّار إليهما وقال نعم! فأخذ الدرهمين، فلما كان بعد يومين اشتكى أبو حنيفة. فمرض ستة أيام ثم مات. قال أبو الفضل- يعني عبّاسا- فهذا قبره في مقام الخيزران، إذا دخلت من باب القطّانين يسرة، بعد قبرين- أو ثلاثة-. وقيل: إن المنصور أقدمه بغداد لأمر آخر غير القضاء. أخبرنا القاضي أبو العلاء الواسطيّ، حدّثنا أبو القاسم طلحة بن محمّد بن جعفر، حدّثنا أبو بكر محمّد بن أحمد بن يعقوب بن شيبة عن جده يعقوب قال: حدثني عبد الله بن الحسن قال: سمعت الواقديّ يقول: كنت بالكوفة وقد أشخص أبو جعفر أمير المؤمنين أبا حنيفة إلى بغداد. أخبرنا محمّد بن أحمد بن رزق، أخبرنا إسماعيل بن علي الخطبي، حدّثنا محمّد ابن عثمان، حدّثنا نصر بن عبد الرّحمن قال: حدّثنا الفضل بن دكين، حدثني زفر بن الهذيل قال: كان أبو حنيفة يجهر بالكلام أيام إبراهيم جهارا شديدا فقلت له: والله ما أنت بمنته حتى توضع الحبال في أعناقنا، قال: فلم يلبث أن جاء كتاب المنصور إلى

стр. 5851

عيسى بن موسى أن احمل أبا حنيفة. قال: فغدوت إليه ووجهه كأنه مسح، قال فحمله إلى بغداد فعاش خمسة عشر يوما ثم سقاه فمات، وذلك في سنة خمسين، ومات أبو حنيفة وله سبعون سنة. صفة أبي حنيفة وذكر السنة التي ولد فيها: أخبرنا القاضي أبو عبد الله الصيمري قال: قرأنا على الحسين بن هارون الضّبّيّ عن أبي العبّاس بن سعيد قال: حدّثنا عبد الله بن إبراهيم بن قتيبة، حدّثنا حسن بن الخلّال قال: سمعت مزاحم بن داود بن علية يذكر عن أبيه- أو غيره- قال: ولد أبو حنيفة سنة إحدى وستين، ومات سنة خمسين ومائة لا أعلم لصاحب هذا القول متابعا. أخبرنا أبو نعيم الحافظ، حدّثنا أبو إسحاق إبراهيم بن عبد الله الأصبهاني- بنيسابور- حدّثنا محمّد بن إسحاق الثّقفيّ، حدّثنا يوسف بن موسى، حدّثنا أبو نعيم قال: ولد أبو حنيفة سنة ثمانين وكان له يوم مات سبعون سنة، ومات في سنة خمسين ومائة. وهو النّعمان بن ثابت. أخبرنا التنوخي، حدثني أبي، حدّثنا أبو بكر محمّد بن حمدان بن الصّبّاح النّيسابوريّ- بالبصرة- حدّثنا أحمد بن الصّلت بن المغلس الحماني قال: سمعت أبا نعيم يقول: ولد أبو حنيفة سنة ثمانين بلا مائة، ومات سنة خمسين ومائة، وعاش سبعين سنة. قال أبو نعيم: وكان أبو حنيفة حسن الوجه، حسن الثياب، طيب الريح، حسن المجلس، شديد الكرم، حسن المواساة لإخوانه. أخبرنا الخلّال، أخبرنا الحريري أن النخعي حدثهم قال: حدّثنا محمّد بن علي بن عفّان قال: سمعت نمر بن جدار يقول: سمعت أبا يوسف يقول: كان أبو حنيفة ربعا من الرجال ليس بالقصير، ولا بالطويل، وكان أحسن الناس منطقا، وأحلاهم نغمة، وأنبههم على ما يريده. وقال النخعي: حدّثنا محمّد بن جعفر بن إسحاق عن عمر بن حمّاد بن أبي حنيفة أن أبا حنيفة كان طوالا تعلوه سمرة، وكان لباسا حسن الهيئة كثير التعطر، يعرف بريح الطّيب إذا أقبل وإذا خرج من منزله قبل أن تراه. أخبرنا القاضي أبو بكر أحمد بن الحسن الحرشي، حدّثنا أبو العبّاس محمّد بن يعقوب الأصمّ، حدّثنا محمّد بن الجهم، حدّثنا إبراهيم بن عمر بن حمّاد بن أبي

стр. 5852

حنيفة قال: قال أبو حنيفة: لا يكتنى بكنيتي بعدي إلا مجنون. قال: فرأينا عدة اكتنوا بها فكان في عقولهم ضعف. أخبرنا أبو نعيم الحافظ، حدّثنا أبو بكر عبد الله بن يحيى الطلحي، حدّثنا عثمان ابن عبيد الله الطلحي، حدّثنا إسماعيل بن محمّد الطلحي، حدّثنا سعيد بن سالم البصريّ قال: سمعت أبا حنيفة يقول: لقيت عطاء بمكة فسألته عن شيء فقال: من أين أنت؟ قلت: من أهل الكوفة، قال: أنت من أهل القرية الذين فرقوا دينهم وكانوا شيعا؟ قلت: نعم! قال: فمن أي الأصناف أنت؟ قلت: ممن لا يسب السلف ويؤمن بالقدر ولا يكفر أحدا بذنب، قال: فقال لي عطاء: عرفت فالزم. ذكر خبر ابتداء أبي حنيفة بالنظر في العلم: أخبرنا الخلّال، أخبرنا علي بن عمر الحريري أن علي بن محمّد النخعي حدثهم قال: حدّثنا محمّد بن محمود الصيدناني، حدّثنا محمّد بن شجاع بن الثلجي (١)، حدّثنا الحسن بن أبي مالك عن أبي يوسف قال: قال أبو حنيفة: لما أردت طلب العلم جعلت أتخير العلوم وأسأل عن عواقبها، فقيل لي: تعلم القرآن، فقلت إذا تعلمت القرآن وحفظته فما يكون آخره؟ قالوا: تجلس في المسجد ويقرأ عليك الصبيان والأحداث ثم لا تلبث أن يخرج فيهم من هو أحفظ منك- أو يساويك- في الحفظ فتذهب رئاستك. قلت: فإن سمعت الحديث وكتبته حتى لم يكن في الدّنيا أحفظ مني؟ قالوا: إذا كبرت وضعفت حدثت واجتمع عليك الأحداث والصبيان ثم لا تأمن أن تغلط فيرمونك بالكذب فيصير عارا عليك في عقبك. فقلت: لا حاجة لي في هذا ثم قلت: أتعلم النحو فقلت إذا حفظت النحو والعربية ما يكون آخر أمري؟ قالوا تقعد معلما فأكثر رزقك ديناران إلى ثلاثة قلت وهذا لا عاقبة له قلت فان نظرت في الشعر فلم يكن أحد أشعر مني ما يكون أمري؟ قال: تمدح هذا فيهب لك، أو يحملك على دابة، أو يخلع عليك خلعة، وإن حرمك هجوته فصرت تقذف المحصنات قلت: لا حاجة لي في هذا. قلت: فإن نظرت في الكلام ما يكون آخره؟ قالوا: لا يسلم من نظر في الكلام من مشنعات الكلام فيرمى بالزندقة، فإما أن تؤخذ فتقتل، وإما أن تسلم فتكون مذموما ملوما. قلت فإن تعلمت الفقه؟ قالوا تسأل وتفتي الناس وتطلب

стр. 5853

للقضاء، وإن كنت شابا. قلت: ليس في العلوم شيء أنفع من هذا. فلزمت الفقه وتعلمته. أخبرنا العتيقي، حدّثنا محمّد بن العبّاس (١)، حدّثنا أبو أيّوب سليمان بن إسحاق الجلاب قال: سمعت إبراهيم الحربيّ يقول: كان أبو حنيفة طلب النحو في أول أمره، فذهب يقيس فلم يجئ، وأراد أن يكون فيه أستاذا، فقال: قلب وقلوب، وكلب وكلوب. فقيل له: كلب وكلاب. فتركه ووقع في الفقه فكان يقيس، ولم يكن له علم بالنحو. فسأله رجل بمكة فقال له رجل شج رجلا بحجر، فقال هذا خطأ ليس عليه شيء، لو أنه حتى يرميه بأبا قبيس لم يكن عليه شيء. أخبرني البرقاني، أخبرنا محمّد بن العبّاس الخزّاز، حدّثنا عمر بن سعد، حدّثنا عبد الله بن محمّد، أبو مالك بن أبي بهز البجلي عن عبد الله بن صالح عن أبي يوسف قال: قال لي أبو حنيفة: إنهم يقرؤن حرفا في يوسف يلحنون فيه؟ قلت: ما هو؟ قال: قوله: ﴿لَا يَأْتِيكُمَا طَعامٌ تُرْزَقانِهِ﴾ [يوسف ٣٧] فقلت فكيف هو؟ قال: ترزقانه. أخبرنا الخلّال، أخبرنا الحريري أن النخعي حدثهم قال: حدثني جعفر بن محمّد ابن حازم، حدّثنا الوليد بن حمّاد عن الحسن بن زياد عن زفر بن الهذيل قال: سمعت أبا حنيفة يقول: كنت أنظر في الكلام حتى بلغت فيه مبلغا يشار إليّ فيه بالأصابع، وكنا نجلس بالقرب من حلقة حمّاد بن أبي سليمان فجاءتني امرأة يوما (٢) فقالت لي (٣): رجل له امرأة أمة أراد أن يطلقها للسنة كم يطلقها فلم أدر ما أقول فأمرتها أن (٤) تسأل حمادا ثم ترجع فتخبرني. فسألت حمّادا فقال يطلقها. وهي طاهر من الحيض والجماع تطليقة ثم يتركها حتى تحيض حيضتين فإذا اغتسلت فقد حلت للأزواج فرجعت فأخبرتني. فقلت: لا حاجة لي في الكلام. وأخذت نعلي فجلست إلى حمّاد فكنت أسمع مسائله فاحفظ قوله ثم يعيدها من الغد، فاحفظها ويخطئ أصحابه، فقال: لا يجلس في صدر الحلقة بحذائي غير أبي حنيفة. فصحبته عشر سنين ثم نازعتني نفسي الطلب للرئاسة فأحببت أن أعتزله وأجلس في حلقة لنفسي، فخرجت يوما بالعشي وعزمي أن أفعل فلما دخلت المسجد فرأيته لم تطب نفسي أن

стр. 5854

اعتزله فجئت وجلست معه، فجاءه في تلك الليلة نعي قرابة له قد مات بالبصرة. وترك مالا وليس له وارث غيره فأمرني أن أجلس مكانه. فما هو إلا أن خرج حتى وردت عليّ مسائل لم أسمعها منه، فكنت أجيب وأكتب جوابي فغاب شهرين. ثم قدم فعرضت عليه المسائل- وكانت نحوا من ستين مسألة- فوافقني في أربعين وخالفني في عشرين فآليت على نفسي ألا أفارقه حتى يموت فلم أفارقه حتى مات (١). أخبرنا أبو عبد الله محمّد بن عبد الواحد، حدّثنا الوليد بن بكر الأندلسي، حدّثنا علي بن أحمد بن زكريا الهاشميّ، حدّثنا أبو مسلم صالح بن أحمد بن عبد الله العجلي، حدثني أبي قال: قال أبو حنيفة: قدمت البصرة فظننت إني لا أسأل عن شيء إلا أجبت فيه. فسألوني عن أشياء لم يكن عندي فيها جواب فجعلت على نفسي ألا أفارق حمّادا حتى يموت فصحبته ثماني عشرة سنة. أخبرني الصيمري قال: قرأنا على الحسين بن هارون الضّبّيّ عن أبي العبّاس أحمد ابن محمّد بن سعيد قال: حدّثنا محمّد بن عبيد بن عتبة، حدّثنا محمّد بن الحسين- أبو بشير- حدّثنا إبراهيم بن سماعة- مولى بني ضبة- قال: سمعت أبا حنيفة يقول: ما صليت صلاة منذ مات حمّاد إلا استغفرت له مع والدي وإني لأستغفر لمن تعلمت منه علما أو علمته علما. وأخبرنا الصيمري، أخبرنا عمر بن إبراهيم المقرئ، حدّثنا مكرم بن أحمد، حدّثنا ابن مغلس، حدّثنا هناد بن السّريّ قال: سمعت يونس بن بكير يقول: سمعت إسماعيل بن حمّاد بن أبي سليمان يقول: غاب أبي غيبة في سفر له ثم قدم فقلت له: يا أبت إلى أي شيء كنت أشوق؟ قال وأنا أرى أنه يقول إلى ابني. فقال: إلى أبي حنيفة، ولو أمكنني ألا أرفع طرفي عنه فعلت. أخبرني محمّد بن عبد الملك القرشيّ، أنبأنا أبو العبّاس أحمد بن محمّد بن الحسين الرازي، حدّثنا علي بن أحمد الفارسيّ، أخبرنا محمّد بن فضيل- هو البلخيّ العابد- أنبأنا أبو مطيع قال: قال أبو حنيفة: دخلت على أبي جعفر أمير المؤمنين فقال لي يا أبا حنيفة عمن أخذت العلم؟ قال: قلت عن حمّاد عن إبراهيم عن عمر بن

стр. 5855

الخطّاب، وعلي بن أبي طالب، وعبد الله بن مسعود، وعبد الله بن عبّاس، قال: فقال أبو جعفر بخ بخ استوثقت ما شئت يا أبا حنيفة الطّيّبين الطّاهرين المباركين صلوات الله عليهم. أخبرني أبو بشر محمّد بن عمر الوكيل، وأبو الفتح عبد الكريم بن محمّد الضّبّيّ قالا: حدّثنا عمر بن أحمد الواعظ، حدّثنا مكرم بن أحمد القاضي، حدّثنا أحمد بن عطية الكوفيّ، حدّثنا ابن أبي أويس قال: سمعت الرّبيع بن يونس يقول: دخل أبو حنيفة يوما على المنصور وعنده عيسى بن موسى، فقال للمنصور: هذا عالم الدّنيا اليوم. فقال له: يا نعمان عمن أخذت العلم؟ قال: عن أصحاب عمر، عن عمر، وعن أصحاب علي عن علي، وعن أصحاب عبد الله عن عبد الله. وما كان في وقت ابن عبّاس على وجه الأرض أعلم منه. قال: لقد استوثقت لنفسك. أخبرنا القاضي أبو بكر محمّد بن عمر الدّاودي، أخبرنا عبيد الله بن أحمد بن يعقوب المقرئ، حدّثنا محمّد بن محمّد بن سليمان الباغندي، حدثني شعيب بن أيّوب، حدّثنا أبو يحيى الحماني قال: سمعت أبا حنيفة يقول: رأيت رؤيا أفزعتني حتى رأيت كأني أنبش قبر النبي ﷺ فأتيت البصرة فأمرت رجلا يسأل محمّد بن سيرين. فسأله فقال: هذا رجل ينبش أخبار النبي ﷺ (١). أخبرني الصيمري قال: قرأنا على الحسين بن هارون عن أبي العبّاس بن سعيد قال: أخبرنا محمّد بن عبد الله بن سالم قال: سمعت أبي يقول: سمعت هشام بن مهران يقول: رأى أبو حنيفة في النوم كأنه ينبش قبر رسول الله ﷺ ، فبعث من سأل له محمّد بن سيرين، فقال محمّد بن سيرين: من صاحب هذه الرؤيا؟ فلم يجبه عنها ثم سأله الثانية، فقال مثل ذلك، ثم سأله الثالثة فقال: صاحب هذه الرؤيا يثير علما لم يسبقه إليه أحد قبله. قال: هشام فنظر أبو حنيفة وتكلم حينئذ. مناقب أبي حنيفة: أخبرني القاضي أبو العلاء محمّد بن علي الواسطيّ وأبو عبد الله أحمد بن أحمد ابن علي القصري قالا: أخبرنا أبو زيد الحسين بن الحسن بن علي بن عامر الكندي- بالكوفة- أخبرنا أبو عبد الله محمّد بن سعيد الدورقي المروزيّ، حدّثنا سليمان بن

стр. 5856

جابر بن سليمان بن ياسر بن جابر، حدّثنا بشر بن يحيى قال: أخبرنا الفضل بن موسى السيناني عن محمّد بن عمرو عن أبي سلمة عن أبي هريرة عن رسول الله ﷺ قال: «إن في أمتي رجلا- وفي حديث القصري- يكون في أمتي رجل اسمه النّعمان وكنيته أبو حنيفة، هو سراج أمتي، هو سراج أمتي، هو سراج أمتي» (١). قال لي أبو العلاء: كتب عني هذا الحديث القاضي أبو عبد الله الصيمري. قلت: وهو حديث موضوع تفرد بروايته البورقي وقد شرحنا فيما تقدم أمره وبينا حاله. أخبرنا الخلّال، أخبرنا الحريري أن النخعي حدثهم أخبرنا سليمان ابن الرّبيع الخزّاز، حدّثنا محمّد بن حفص عن الحسن بن سليمان أنه قال في تفسير الحديث: «لا تقوم الساعة حتى يظهر العلم» (٢). قال: هو علم أبي حنيفة وتفسيره الآثار. أخبرنا الحسن بن أبي بكر، أخبرنا القاضي أبو نصر أحمد بن نصر بن محمّد بن أشكاب البخاريّ قال: سمعت محمّد بن خلف بن رجاء يقول: سمعت محمّد بن سلمة يقول: قال خلف بن أيّوب: صار العلم من الله تعالى إلى محمّد ﷺ ثم صار إلى أصحابه، ثم صار إلى التابعين، ثم صار إلى أبي حنيفة وأصحابه فمن شاء فليرض، ومن شاء فليسخط. أخبرنا محمّد بن أحمد بن رزق، حدّثنا محمّد بن عمر الجعابي، حدثني أبو بكر إبراهيم بن محمّد بن داود بن سليمان القطّان، حدّثنا إسحاق بن البهلول. سمعت ابن عيينة يقول: ما مقلت عيني مثل أبي حنيفة. أخبرني محمّد بن أحمد بن يعقوب، حدّثنا محمّد بن نعيم الضّبّيّ قال: سمعت أبا الفضل محمّد بن الحسين قاضي نيسابور سمعت حمّاد بن أحمد القاضي المروزي يقول: سمعت إبراهيم بن عبد الله الخلّال يقول: سمعت ابن المبارك يقول: كان أبو حنيفة آية. فقال له قائل: في الشر يا أبا عبد الرّحمن أو في الخير؟ فقال: اسكت يا هذا فإنه يقال: غاية في الشر، وآية في الخير، ثم تلا هذه الآية: ﴿وَجَعَلْنَا ابْنَ مَرْيَمَ وَأُمَّهُ آيَةً﴾ [المؤمنون ٥٠].

стр. 5857

أخبرنا الصيمري، أخبرنا عمر بن إبراهيم المقرئ، حدّثنا مكرم بن أحمد، حدّثنا أحمد بن محمّد بن مغلس، حدّثنا الحماني قال: سمعت ابن المبارك يقول: ما كان أوقر مجلس أبي حنيفة، كان يشبه الفقهاء، وكان حسن السمت، حسن الوجه، حسن الثوب، ولقد كنا يوما في مسجد الجامع، فوقعت حية، فسقطت في حجر أبي حنيفة، وهرب الناس غيره فما رأيته زاد على أن نفض الحية وجلس مكانه. أخبرنا الحسن بن أبي بكر، حدّثنا محمّد بن أحمد بن الحسن الصّوّاف، أخبرنا محمّد بن محمّد المروزيّ، حدّثنا حامد بن آدم، حدّثنا أبو وهب محمّد بن مزاحم قال: سمعت عبد الله بن المبارك يقول: لولا أن الله أغاثني بأبي حنيفة، وسفيان، كنت كسائر الناس. أخبرنا أبو نعيم الحافظ، أخبرنا علي بن أحمد بن أبي غسان الدّقيقيّ البصريّ، حدّثنا جعفر بن محمّد بن موسى النّيسابوريّ الحافظ قال: سمعت علي بن سالم العامري يقول: سمعت أبا يحيى الحماني يقول: ما رأيت رجلا قط خيرا من أبي حنيفة. أخبرني أبو بشر الوكيل وأبو الفتح الضّبّيّ قالا: أخبرنا عمر بن أحمد الواعظ، حدّثنا مكرم بن أحمد، حدّثنا أحمد بن عطية العوفي، حدّثنا منجاب قال: سمعت أبا بكر بن عيّاش يقول: أبو حنيفة أفضل أهل زمانه. أخبرني الصيمري قال: قرأنا على الحسين بن هارون عن أبي العبّاس بن سعيد قال: حدّثنا محمّد بن عبد الله بن أبي حكيمة، حدّثنا إبراهيم بن أحمد الخزاعيّ قال: سمعت أبي يقول: سمعت سهل بن مزاحم يقول: بذلت الدنيا لأبي حنيفة فلم يردها. وضرب عليها بالسياط فلم يقبلها. أخبرنا علي بن القاسم الشّاهد- بالبصرة- حدّثنا علي بن إسحاق المادراني، أخبرنا أحمد بن زهير- إجازة- أخبرني سليمان بن أبي شيخ. وأخبرني أبو بشر الوكيل وأبو الفتح الضّبّيّ قالا: أخبرنا عمر بن أحمد، حدّثنا الحسين بن أحمد بن صدقة الفرائضيّ- وهذا لفظ حديثه- حدّثنا أحمد بن أبي خيثمة (١)، حدّثنا سليمان بن أبي شيخ، حدثني حجر بن عبد الجبّار قال: قيل

стр. 5858

للقاسم بن معن بن عبد الرّحمن بن عبد الله بن مسعود: ترضى أن تكون من غلمان أبي حنيفة. قال: ما جلس الناس إلى أحد أنفع من مجالسة أبي حنيفة. وقال له القاسم: تعال معي إليه، فجاء فلما جلس إليه لزمه. وقال: ما رأيت مثل هذا. زاد الفرائضيّ: قال سليمان: وكان أبو حنيفة ورعا سخيّا. ما قيل في فقه أبي حنيفة: أخبرنا البرقاني، حدّثنا أبو العبّاس بن حمّاد لفظا، حدّثنا محمّد بن أيّوب، أخبرنا أحمد بن الصّبّاح قال: سمعت الشّافعيّ- محمّد بن إدريس- قال: قيل لمالك بن أنس: هل رأيت أبا حنيفة؟ قال: نعم، رأيت رجلا لو كلمك في هذه السارية أن يجعلها ذهبا لقام بحجته. حدثني الصوري، أخبرنا الخصيب بن عبد الله القاضي- بمصر- حدّثنا أحمد بن جعفر بن حمدان الطرسوسي، حدّثنا عبد الله بن جابر البزّاز قال: سمعت جعفر بن محمّد بن عيسى بن نوح يقول: سمعت محمّد بن عيسى بن الطباع يقول: سمعت روح بن عبادة يقول: كنت عند ابن جريج سنة خمسين- وأتاه موت أبي حنيفة- فاسترجع وتوجع، وقال: أي علم ذهب؟ قال: ومات فيها ابن جريج. أخبرني أبو بشر الوكيل وأبو الفتح الضّبّيّ قالا: حدّثنا عمر بن أحمد الواعظ، حدّثنا أحمد بن محمّد بن عصمة الخراساني، حدّثنا أحمد بن بسطام، حدّثنا الفضل ابن عبد الجبّار قال: سمعت أبا عثمان حمدون بن أبيّ الطّوسيّ يقول: سمعت عبد الله ابن المبارك يقول: قدمت الشام على الأوزاعي فرأيته ببيروت، فقال لي: يا خراساني من هذا المبتدع الذي خرج بالكوفة يكنى أبا حنيفة؟ فرجعت إلى بيتي، فأقبلت على كتب أبي حنيفة، فأخرجت منها مسائل من جياد المسائل، وبقيت في ذلك ثلاثة أيام، فجئت يوم الثالث، وهو مؤذن مسجدهم وإمامهم، والكتاب في يدي، فقال: أي شيء هذا الكتاب؟ فناولته فنظر في مسألة منها وقعت عليها قال النّعمان: فما زال قائما بعد ما أذن حتى قرأ صدرا من الكتاب. ثم وضع الكتاب في كمه، ثم أقام وصلى، ثم أخرج الكتاب حتى أتى عليها. فقال لي: يا خراساني من النّعمان بن ثابت هذا؟ قلت: شيخ لقيته بالعراق. فقال: هذا نبيل من المشايخ، اذهب فاستكثر منه. قلت: هذا أبو حنيفة الذي نهيت عنه.

стр. 5859

أخبرنا الخلّال، أخبرنا الحريري أن النخعي حدثهم قال: حدّثنا سليمان بن الرّبيع، حدّثنا همام بن مسلم قال: سمعت مسعر بن كدام يقول: ما أحسد أحدا بالكوفة إلا رجلين: أبو حنيفة في فقهه، والحسن بن صالح في زهده. أخبرني الصيمري قال: قرأت على الحسين بن هارون عن أبي العبّاس بن سعيد قال: حدّثنا عبد الله بن أحمد بن مسرور، حدّثنا علي بن مكنف، حدّثني أبي عن إبراهيم بن الزبرقان قال: كنت يوما عند مسعر، فمر بنا أبو حنيفة، فسلم ووقف عليه ثم مضى، فقال بعض القوم لمسعر: ما أكثر خصوم أبي حنيفة؟ فاستوى مسعر منتصبا. ثم قال: إليك فما رأيته خاصم أحدا قط إلا فلج عليه. أخبرنا الصيمري، أخبرنا عمر بن إبراهيم المقرئ، حدّثنا مكرم بن أحمد، حدّثنا أحمد بن محمّد بن مغلس، أخبرنا أبو غسان قال: سمعت إسرائيل يقول: كان نعم الرجل النّعمان، ما كان أحفظه لكل حديث فيه فقه. وأشد فحصه عنه، وأعلمه بما فيه من الفقه. وكان قد ضبط عن حمّاد فأحسن الضبط عنه. فأكرمه الخلفاء والأمراء والوزراء. وكان إذا ناظره رجل في شيء من الفقه همّته نفسه. ولقد كان مسعر يقول: من جعل أبا حنيفة بينه وبين الله رجوت أن لا يخاف ولا يكون فرط في الاحتياط لنفسه. أخبرنا التنوخي، حدثني أبي، حدّثنا محمّد بن حمدان بن الصّبّاح النيسابوري، حدّثنا أحمد بن الصّلت الحماني، حدّثنا علي بن المدينيّ قال: سمعت عبد الرزاق يقول: كنت عند معمر فأتاه ابن المبارك فسمعنا معمرا يقول: ما أعرف رجلا يحسن يتكلم في الفقه أو يسعه أن يقيس ويشرح لمخلوق النجاة في الفقه، أحسن معرفة من أبي حنيفة، ولا أشفق على نفسه من أن يدخل في دين الله شيئا من الشك من أبي حنيفة. أخبرنا الصيمري قال: قرأنا على الحسين بن هارون عن أبي سعيد قال: حدّثنا أحمد بن تيم بن عباد المروزيّ، حدّثنا حامد بن آدم، حدّثنا عبد الله بن أبي جعفر الرّازيّ قال: سمعت أبي يقول: ما رأيت أحدا أفقه من أبي حنيفة وما رأيت أحدا أورع من أبي حنيفة. أخبرني أبو بشر الوكيل وأبو الفتح الضّبّيّ قالا: حدّثنا عمر بن أحمد، حدّثنا مكرم بن أحمد، حدّثنا أحمد بن عطية، حدّثنا سعيد بن منصور.

стр. 5860

وأخبرني التنوخي، حدثني أبي، حدّثنا محمّد بن حمدان بن الصّبّاح، حدّثنا أحمد ابن الصّلت قال: حدّثنا سعيد بن منصور قال: سمعت الفضيل بن عياض يقول: كان أبو حنيفة رجلا فقيها معروفا بالفقه، مشهورا بالورع، واسع المال، معروفا بالإفضال على كل من يطيف به، صبورا على تعليمالعلم بالليل والنهار، حسن الليل كثير الصمت، قليل الكلام حتى ترد مسألة في حلال أو حرام، فكان يحسن أن يدل على الحق، هاربا من مال السلطان. هذا آخر حديث مكرم. وزاد ابن الصّبّاح، وكان إذا وردت عليه مسألة فيها حديث صحيح اتبعه، وإن كان عن الصحابة والتابعين، وإلا قاس وأحسن القياس. أخبرني التنوخي، حدثني أبي، حدّثنا محمّد بن حمدان قال: حدّثنا أحمد بن الصّلت، حدّثنا بشر بن الوليد قال: سمعت أبا يوسف يقول: ما رأيت أحدا أعلم بتفسير الحديث ومواضع النكت التي فيه من الفقه، من أبي حنيفة. أخبرنا الصيمري، أخبرنا عمر بن إبراهيم، حدّثنا مكرم بن أحمد، حدّثنا أحمد بن محمّد بن مغلس قال: سمعت محمّد بن سماعة يقول: سمعت أبا يوسف يقول: ما خالفت أبا حنيفة في شيء قط فتدبرته إلا رأيت مذهبه الذي ذهب إليه أنجي في الآخرة، وكنت ربما ملت إلى الحديث، وكان هو أبصر بالحديث الصحيح مني. أخبرني أبو منصور علي بن محمّد بن الحسين الدّقّاق قال: قرأنا على الحسين بن هارون الضبي عن أحمد بن محمّد بن سعيد قال: حدّثنا محمّد بن عبد الله بن نوفل، حدثني عبد الرّحمن بن فضل بن موفق، أخبرني إبراهيم بن مسلمة الطّيالسيّ قال: سمعت أبا يوسف يقول: إني لأدعو لأبي حنيفة قبل أبوي، ولقد سمعت أبا حنيفة يقول: إني لأدعو لحمّاد مع أبوي. أخبرنا القاضي علي بن أبي علي البصريّ، حدّثنا أحمد بن عبد الله الدّوريّ، أخبرنا أحمد بن القاسم بن نصر أخو أبي اللّيث الفرائضيّ، حدّثنا سليمان بن أبي شيخ، حدثني محمّد بن عمر الحنفيّ عن أبي عباد- شيخ لهم- قال: قال الأعمش لأبي يوسف: كيف ترك صاحبك أبو حنيفة قول عبد الله «عتق الأمة طلاقها؟» قال: تركه لحديثك الذي حدثته عن إبراهيم عن الأسود عن عائشة أن بريرة حين أعتقت خيرت، قال الأعمش: إن أبا حنيفة لفطن- قال: وأعجبه ما أخذ به أبو حنيفة-.

стр. 5861

أخبرنا القاضي أبو جعفر محمّد بن أحمد بن محمّد السمناني، أخبرنا سليمان بن الحسين بن علي البخاريّ الزّاهد، حدّثنا أبو بكر أحمد بن سعد بن نصر، حدّثنا علي ابن موسى القمي، حدثني محمّد بن سعدان قال: سمعت أبا سليمان الجوزجاني يقول: سمعت حمّاد بن زيد يقول: أردت الحج، فأتيت أيّوب أودعه، فقال: بلغني أن الرجل الصالح فقيه أهل الكوفة- يعني أبا حنيفة- يحج العام، فإذا لقيته فأقرئه مني السلام. أخبرنا الصيمري قال: قرأنا على الحسين بن هارون عن ابن سعيد قال: حدّثنا عبد الله بن إبراهيم بن قتيبة، حدّثنا ابن نمير، حدثني إبراهيم بن البصير عن إسماعيل بن حمّاد عن أبي بكر بن عيّاش قال: مات عمر بن سعيد أخو سفيان فأتيناه نعزيه، فإذا المجلس غاص بأهله، وفيهم عبد الله بن إدريس، إذ أقبل أبو حنيفة في جماعة معه، فلما رآه سفيان تحرك من مجلسه، ثم قام فاعتنقه، وأجلسه في موضعه وقعد بين يديه، قال أبو بكر: فاغتظت عليه، وقال ابن إدريس: ويحك ألا ترى؟ فجلنا حتى تفرق الناس، فقلت لعبد الله بن إدريس: لا تقم حتى نعلم ما عنده في هذا، فقلت: يا أبا عبد الله رأيتك اليوم فعلت شيئا أنكرته، وأنكره أصحابنا عليك، قال: وما هو؟ قلت جاءك أبو حنيفة فقمت إليه وأجلسته في مجلسك وصنعت به صنيعا بليغا، وهذا عند أصحابنا منكر. فقال: وما أنكرت من ذاك! هذا رجل من العلم بمكان. فإن لم أقم لعلمه قمت لسنه، وإن لم أقم لسنه قمت لفقهه، وإن لم أقم لفقهه قمت لورعه، فأحجمني فلم يكن عندي جواب. أخبرني أبو بشر الوكيل وأبو الفتح الضّبّيّ قالا: حدّثنا عمر بن أحمد قال: سمعت محمّد بن أحمد بن القاسم النّيسابوريّ- قدم علينا- قال: سمعت أحمد بن حم العفيفي يقول: سمعت محمّد بن الفضيل الزّاهد البلخيّ يقول: سمعت أبا مطيع الحكم بن عبد الله يقول: ما رأيت صاحب- يعني حديث- أفقه من سفيان الثوري، وكان أبو حنيفة أفقه منه. أخبرني عبد الباقي بن عبد الكريم المؤدّب، أخبرنا عبد الرّحمن بن عمر الخلّال، حدّثنا محمّد بن أحمد بن يعقوب بن شيبة، حدّثنا جدي، حدثني يعقوب بن أحمد قال: سمعت الحسن بن علي قال: سمعت يزيد بن هارون- وسأله إنسان- فقال يا

стр. 5862

أبا خالد من أفقه من رأيت؟ قال أبو حنيفة. قال الحسن: ولقد قلت لأبي عاصم- يعني النّبيل- أبو حنيفة أفقه، أو سفيان؟ قال: عبد أبي حنيفة أفقه من سفيان. أخبرنا الحسين بن علي، أخبرنا الخلّال، أخبرنا الحريري أن النخعي حدثهم قال: حدّثنا محمّد بن علي بن عفّان، حدّثنا ضرار بن صرد قال: سئل يزيد بن هارون: أيما أفقه، أبو حنيفة أو سفيان؟ قال سفيان أحفظ للحديث، وأبو حنيفة أفقه. قال: وسألت أبا عاصم النّبيل فقلت: أيما أفقه، سفيان أو أبو حنيفة؟ قال: غلام من غلمان أبي حنيفة أفقه من سفيان. أخبرنا الحسين بن علي الحنيفي، أخبرنا عبد الله بن محمّد الحلواني، حدّثنا مكرم ابن أحمد، حدّثنا أحمد بن محمّد- يعني الحماني- قال: سمعت سجادة يقول: دخلت أنا وأبو مسلم المستملي على يزيد بن هارون- وهو نازل ببغداد على منصور ابن المهديّ- فصعدنا إلى غرفة هو فيها فقال له أبو مسلم: ما تقول يا أبا خالد في أبي حنيفة والنظر في كتبه؟ قال: انظروا فيها إن كنتم تريدون أن تفقهوا فإني ما رأيت أحدا من الفقهاء يكره النظر في قوله، ولقد احتال الثوري في كتاب الرهن حتى نسخه. أخبرنا الخلّال، أخبرنا الحريري أن النخعي حدثهم قال: حدّثنا محمّد بن علي بن عفّان، حدّثنا أبو كريب قال: سمعت عبد الله بن المبارك يقول: وأخبرني محمّد بن أحمد بن يعقوب، أخبرنا محمّد بن نعيم الضّبّيّ، حدّثنا أبو سعيد محمّد بن الفضل المذكر، حدّثنا أبو عبد الله محمّد بن سعيد المروزيّ، حدّثنا أبو حمزة- يعني ابن حمزة- قال: سمعت أبا وهب محمّد بن مزاحم يقول: سمعت عبد الله بن المبارك يقول: رأيت أعبد الناس، ورأيت أورع الناس، ورأيت أعلم الناس، ورأيت أفقه الناس، فأما أعبد الناس فعبد العزيز بن أبي روّاد، وأما أورع الناس فالفضيل بن عياض، وأما أعلم الناس فسفيان الثوري، وأما أفقه الناس فأبو حنيفة، ثم قال: ما رأيت في الفقه مثله. أخبرنا الصيمري، أخبرنا عمر بن إبراهيم، حدّثنا مكرم بن أحمد، حدّثنا أحمد بن محمّد بن مغلس، حدّثنا محمّد بن مقاتل قال: سمعت ابن المبارك قال: إن كان الأثر قد عرف واحتيج إلى الرأي، فرأى مالك، وسفيان وأبي حنيفة، وأبو حنيفة أحسنهم وأدقهم فطنة، وأغوصهم على الفقه، وهو أفقه الثلاثة.

стр. 5863

وقال أحمد بن محمّد: حدّثنا نصر بن علي قال: سمعت أبا عاصم النّبيل سئل: أيما أفقه سفيان أو أبو حنيفة؟ فقال: إنما يقاس الشيء إلى شكله، أبو حنيفة فقيه تام الفقه، وسفيان رجل متفقه. أخبرنا محمّد بن الحسين بن الفضل القطّان، أخبرنا عثمان بن أحمد الدّقّاق، حدّثنا محمّد بن إبراهيم- أبو حمزة المروزيّ- قال: سمعت ابن أعين أبا الوزير المروزيّ قال: قال عبد الله:- يعني ابن المبارك- إذا اجتمع سفيان وأبو حنيفة! فمن يقوم لهما على فتيا؟ أخبرنا الحسين بن علي بن محمّد المعدل، حدّثنا علي بن الحسن الرّازيّ، حدّثنا محمّد بن الحسين الزّعفرانيّ، حدّثنا أحمد بن زهير، حدّثنا الوليد بن شجاع، حدّثنا علي بن الحسن بن شقيق قال: كان عبد الله بن المبارك يقول: إذا اجتمع هذان على شيء فذاك قوي- يعني الثوري وأبا حنيفة-. أخبرنا التنوخي، حدثني أبي، حدّثنا أبو بكر محمّد بن حمدان بن الصّبّاح، حدّثنا أحمد بن الصّلت بن المغلس، حدّثنا الحماني، حدّثنا ابن المبارك قال: رأيت مسعرا في حلقة أبي حنيفة جالسا بين يديه، يسأله ويستفيد منه، وما رأيت أحدا قط تكلم في الفقه أحسن من أبي حنيفة. أخبرنا أبو نعيم الحافظ، حدّثنا محمّد بن إبراهيم بن علي، حدّثنا أبو عروبة الحرّانيّ قال: سمعت سلمة بن شبيب يقول: سمعت عبد الرزاق يقول: سمعت ابن المبارك يقول: إن كان أحد ينبغي له أن يقول برأيه، فأبو حنيفة ينبغي له أن يقول برأيه. أخبرني عبد الباقي بن عبد الكريم، أخبرنا عبد الرّحمن بن عمر الخلّال، حدّثنا محمّد بن أحمد بن يعقوب، حدّثنا جدي قال: حدثني علي بن أبي الرّبيع قال: سمعت بشر بن الحارث يقول: سمعت عبد الله بن داود. قال جدي: وحدثنيه إبراهيم بن هاشم قال: بشر حدثنيه عن ابن داود- قال: إذا أردت الآثار- أو قال الحديث، وأحسبه قال والورع- فسفيان، وإذا أردت تلك الدقائق، فأبو حنيفة. أخبرنا الخلّال، أخبرنا الحريري أن النخعي حدثهم قال: حدّثنا عمر بن شهاب العبدي، حدّثنا جندل بن والق، حدثني محمّد بن بشر قال: كنت أختلف إلى أبي حنيفة وإلى سفيان فآتي أبا حنيفة فيقول لي من أين جئت؟ فأقول من عند سفيان.

стр. 5864

فيقول لقد جئت من عند رجل لو أن علقمة والأسود حضرا لاحتاجا إلى مثله، فآتي سفيان فيقول لي من أين؟ فأقول من عند أبي حنيفة. فيقول لقد جئت من عند أفقه أهل الأرض. أخبرنا محمّد بن أحمد بن رزق، أخبرنا أحمد بن شعيب البخاريّ، حدّثنا علي ابن موسى القمي قال: سمعت محمّد بن عمار يقول: قال علي بن عاصم: كنا في مجلس فذكر أبو حنيفة، فقال لي خالد الطحان: ليت بعض علمه بيني وبينك. أخبرنا علي بن القاسم البصريّ، حدّثنا علي بن إسحاق المادراني، حدّثنا أبو قلابة، حدّثنا بكر بن يحيى بن زبّان عن أبيه قال: قال لي أبو حنيفة: يا أهل البصرة أنتم أورع منا، ونحن أفقه منكم. أخبرنا أبو نعيم الحافظ، حدّثنا إبراهيم بن عبد الله الأصبهانيّ، حدّثنا محمّد بن إسحاق الثّقفيّ، حدّثنا الجوهريّ، حدّثنا أبو نعيم قال: كان أبو حنيفة صاحب غوص في المسائل. أخبرنا الجوهريّ، أخبرنا محمّد بن عمران المرزباني، حدّثنا عبد الواحد بن محمّد الخصيب، حدثني أبو مسلم الكجي إبراهيم بن عبد الله قال: حدثني محمّد بن سعيد أبو عبد الله الكاتب قال: سمعت عبد الله بن داود الخريبي يقول: يجب على أهل الإسلام أن يدعوا الله لأبي حنيفة في صلاتهم قال: وذكر حفظه عليهم السنن والفقه. أخبرنا علي بن أبي علي، حدّثنا أبو علي أحمد بن محمّد بن محمّد بن إسحاق المعدل النّيسابوريّ، حدّثنا أبو حامد أحمد بن محمّد بن بلال قال: سمعت محمّد ابن يزيد يقول: سمعت عبد الله بن يزيد المقرئ يقول: ما رأيت أسود رأس أفقه من أبي حنيفة. أخبرني أبو بشر الوكيل وأبو الفتح الضّبّيّ، حدّثنا عمر بن أحمد الواعظ، حدّثنا محمّد بن مخزوم، حدّثنا بشر بن موسى، حدّثنا أبو عبد الرّحمن المقرئ- وكان إذا حدّثنا عن أبي حنيفة- قال: حدّثنا شاهنشاه. أخبرنا الخلّال، أخبرنا الحريري أن النخعي حدثهم قال: حدّثنا إبراهيم بن مخلد البلخيّ، حدّثنا أحمد بن محمّد البلخيّ قال: سمعت شدّاد بن حكيم يقول: ما رأيت أعلم من أبي حنيفة.

стр. 5865

وقال النخعي: حدّثنا إسماعيل بن محمّد الفارسيّ قال: سمعت مكي بن إبراهيم ذكر أبا حنيفة فقال: كان أعلم أهل زمانه. أخبرنا التنوخي، حدثني أبي، حدّثنا محمّد بن حمدان بن الصّبّاح، حدّثنا أحمد ابن الصّلت قال: سمعت مليح بن وكيع يقول: سمعت أبي يقول: ما لقيت أحدا أفقه من أبي حنيفة، ولا أحسن صلاة منه. وقال ابن الصّلت: سمعت الحسين بن حريث يقول: سمعت النّضر بن شميل يقول: كان الناس نياما عن الفقه حتى أيقظهم أبو حنيفة بما فتقه، وبيّنه، ولخصه. أخبرنا الجوهريّ، أخبرنا عبد العزيز بن جعفر الخرقي، حدّثنا هيثم بن خلف الدّوريّ، حدّثنا أحمد بن منصور بن سيّار قال: سمعت يحيى بن معين يقول: سمعت يحيى بن سعيد يقول: كم من شيء حسن قد قاله أبو حنيفة. أخبرنا علي بن القاسم الشّاهد، حدّثنا علي بن إسحاق المادراني قال: سمعت أبا جعفر بن أشرس يقول: سمعت يحيى بن معين يقول: سمعت يحيى القطّان يقول: لا نكذب الله، ربما آخذ بالشيء من رأى أبي حنيفة. أخبرنا العتيقي، حدّثنا عبد الرّحمن بن عمر بن نصر بن محمّد الدّمشقيّ- بها- حدثني أبي، حدّثنا أحمد بن علي بن سعيد القاضي قال: سمعت يحيى بن معين يقول: سمعت يحيى بن سعيد القطّان يقول: لا نكذب الله ما سمعنا أحسن من رأى أبي حنيفة، ولقد أخذنا بأكثر أقواله. قال يحيى بن معين: وكان يحيى بن سعيد يذهب في الفتوى إلى قول الكوفيّين، ويختار قوله من أقوالهم، ويتبع رأيه من بين أصحابه. أخبرنا أبو نعيم الحافظ، حدّثنا محمّد بن إبراهيم بن علي قال: سمعت حمزة بن علي البصريّ يقول: سمعت الرّبيع يقول: سمعت الشّافعيّ يقول: الناس عيال على أبي حنيفة في الفقه. أخبرنا علي بن القاسم، حدّثنا علي بن إسحاق المادراني، حدّثنا زكريا بن عبد الرّحمن، حدثني عبد الله بن أحمد قال: قال هارون بن سعيد: سمعتالشّافعيّ يقول: ما رأيت أحدا أفقه من أبي حنيفة. قلت: أراد بقوله ما رأيت، ما علمت.

стр. 5866

أخبرنا أبو طاهر محمّد بن علي بن محمّد بن يونس الواعظ، أخبرنا عبيد الله بن عثمان بن يحيى الدّقّاق، حدّثنا إبراهيم بن محمّد بن أحمد- أبو إسحاق البخاريّ- حدّثنا عبّاس بن عزيز أبو الفضل القطّان، حدّثنا حرملة بن يحيى قال: سمعت محمّد ابن إدريس الشّافعيّ يقول: الناس عيال على هؤلاء الخمسة، من أراد أن يتبحر في الفقه فهو عيال على أبي حنيفة قال: وسمعته- يعني الشّافعيّ- يقول: كان أبو حنيفة ممن وفق له الفقه، ومن أراد أن يتبحر في الشعر فهو عيال على زهير بن أبي سلمى، ومن أراد أن يتبحر في المغازي فهو عيال على محمّد بن إسحاق، ومن أراد أن يتبحر في النحو فهو عيال على الكسائيّ ومن أراد أن يتبحر في تفسير القرآن فهو عيال على مقاتل بن سليمان. أخبرنا التنوخي، حدثني أبي، حدّثنا محمّد بن حمدان، حدّثنا أحمد بن الصّلت الحماني قال: سمعت أبا عبيد يقول: سمعت الشّافعيّ يقول: من أراد أن يعرف الفقه فليلزم أبا حنيفة وأصحابه، فان الناس كلهم عيال عليه في الفقه. أخبرني أبو الوليد الحسن بن محمّد الدربندي، أخبرني محمّد بن أحمد بن محمّد ابن سليمان الحافظ- ببخاري- قال: سمعت علي بن الحسن بن عبد الرحيم الكندي يقول: سمعت أبا محمّد عبد الله بن محمّد بن عمر الأديب يقول: سمعت يعقوب ابن إبراهيم بن أبي خيران يقول: سمعت الحسن بن عثمان القاضي يقول: وجدت العلم بالعراق والحجاز ثلاثة، علم أبي حنيفة وتفسير الكلبيّ، ومغازي محمّد بن إسحاق. أخبرنا الصيمري، أخبرنا عمر بن إبراهيم، حدّثنا مكرم بن أحمد، حدّثنا أحمد بن عطية قال: سمعت يحيى بن معين يقول: القراءة عندي قراءة حمزة، والفقه فقه أبي حنيفة، على هذا أدركت الناس. أخبرني إبراهيم بن مخلد المعدل، حدّثنا القاضي أبو بكر أحمد بن كامل- إملاء- حدّثنا محمّد بن إسماعيل السلمي، حدّثنا عبد الله بن الزّبير الحميديّ قال: سمعت سفيان بن عيينة يقول: شيئان ما ظننت أنهما يجاوزان قنطرة الكوفة وقد بلغا الآفاق: قراءة حمزة، ورأي أبي حنيفة.

стр. 5867

أخبرني عبد الباقي بن عبد الكريم قال: أخبرنا عبد الرّحمن بن عمر، حدّثنا محمّد بن أحمد بن يعقوب، حدّثنا جدي قال: سمعت علي بن المدينيّ يقول: كان يزيد بن زريع يقول:- وذكر أبو حنيفة- هيهات طارت بفتياه البغال الشهب. أخبرنا الخلّال، أخبرنا الحريري أن النخعي حدثهم حدّثنا إبراهيم بن مخلد، حدّثنا محمّد بن سهل قال: حدثني محمّد بن هانئ قال: سمعت جعفر بن الرّبيع يقول: أقمت على أبي حنيفة خمس سنين فما رأيت أطول صمتا منه، فإذا سئل عن شيء من الفقه تفتح وسال كالوادي، وسمعت له دويا وجهارة بالكلام. أخبرنا الصيمري قال: قرأنا على الحسين بن هارون عن ابن سعيد قال: حدّثنا عبد الله بن أحمد بن بهلول قال: هذا كتاب جدي إسماعيل بن حمّاد- فقرأت فيه، حدثني سعيد بن سويد القرشيّ قال: سمعت إبراهيم بن عكرمة المخزوميّ يقول: ما رأيت أحدا أورع ولا أفقه من أبي حنيفة. أخبرنا القاضي أبو الطّيّب طاهر بن عبد الله الطبري، حدّثنا المعافى بن زكريا، حدّثنا محمّد بن جعفر المطيري، حدثني محمّد بن منصور القاضي، حدّثنا عثمان بن أبي شيبة، حدّثنا علي بن عاصم قال: دخلت على أبي حنيفة وعنده حجام يأخذ من شعره فقال للحجام: تتبع مواضع البياض، قال الحجام: لا ترد، قال: ولم؟ قال: لأنه يكثر. قال: فتتبع مواضع السواد لعله يكثر. بلغني أن شريكا حكيت له هذه الحكاية عن أبي حنيفة فضحك وقال: لو ترك قياسه تركه مع الحجام. أخبرني الحسن بن أبي طالب، ومحمّد بن عبد الملك القرشيّ- قال الحسن حدّثنا. وقال محمّد أخبرنا- أحمد بن محمّد بن الحسين الرّازيّ، حدّثنا علي بن أحمد الفارسيّ الفقيه، حدّثنا محمّد بن فضيل الزّاهد قال: سمعت أبا مطيع يقول: مات رجل وأوصى إلى أبي حنيفة وهو غائب، قال: فقدم أبو حنيفة، فارتفع إلى ابن شبرمة، وادعى الوصية وأقام البينة أن فلانا مات وأوصى إليه، فقال له ابن شبرمة: يا أبا حنيفة احلف أن شهودك شهدوا بحق، قال ليس عليّ يمين كنت غائبا، قال: ضلت مقاليدك يا أبا حنيفة، قال: ضلت مقاليدي؟! ما تقول في أعمى شجّ فشهد له شاهدان أن فلانا شجه، على الأعمى يمين أن شهوده شهدوا بالحق ولا يرى. أخبرني أبو بشر الوكيل وأبو الفتح الضّبّيّ قالا: حدّثنا عمر بن أحمد الواعظ، حدّثنا إبراهيم بن سليمان المروزيّ- قدم علينا- قال: قرئ على عبد الله بن علي

стр. 5868

القزّاز عن أحمد بن إسحاق عن النّضر بن محمّد قال: دخل قتادة الكوفة ونزل في دار أبي بردة، فخرج يوما وقد اجتمع إليه خلق كثير، فقال قتادة: والله الذي لا إله إلا هو ما يسألني اليوم أحد عن الحلال والحرام إلا أجبته، فقام إليه أبو حنيفة فقال: يا أبا الخطّاب ما تقول في رجل غاب عن أهله أعواما فظنت امرأته أن زوجها مات فتزوجت، ثم رجع زوجها الأول ما تقول في صداقها؟ وقال لأصحابه الذين اجتمعوا إليه: لئن حدث بحديث ليكذبن، ولئن قال برأي نفسه ليخطئن فقال قتادة: ويحك أوقعت هذه المسألة؟ قال لا، قال: فلم تسألني عما لم يقع؟ قال أبو حنيفة إنا نستعد للبلاء قبل نزوله، فإذا ما وقع عرفنا الدخول فيه والخروج منه. قال قتادة: والله لا أحدثكم بشيء من الحلال والحرام، سلوني عن التفسير، فقام إليه أبو حنيفة فقال له: يا أبا الخطّاب ما تقول في قول الله تعالى: ﴿قَالَ الَّذِي عِنْدَهُ عِلْمٌ مِنَ الْكِتَابِ أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ يَرْتَدَّ إِلَيْكَ طَرْفُكَ﴾ [النحل ٤٠] قال نعم، هذا آصف بن برخيا بن شمعيا كاتب سليمان بن داود كان يعرف اسم الله الأعظم، فقال أبو حنيفة: هل كان يعرف الاسم سليمان؟ قال لا، قال: فيجوز أن يكون في زمن نبي من هو أعلم من النبي؟ قال فقال قتادة: والله لا أحدثكم بشيء من التفسير، سلوني عما اختلف فيه العلماء، قال: فقام إليه أبو حنيفة فقال: يا أبا الخطّاب أمؤمن أنت؟ قال: أرجوا! قال: ولم؟ قال: لقول إبراهيم ﵇: ﴿وَالَّذِي أَطْمَعُ أَنْ يَغْفِرَ لِي خَطِيئَتِي يَوْمَ الدِّينِ﴾ [الشعراء ٨٢] فقال أبو حنيفة: مهلا قلت كما قال إبراهيم ﵇: ﴿قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِنْ قَالَ بَلَى﴾ [البقرة ٢٦٠] فهلا قلت بلى؟ قال فقام قتادة مغضبا ودخل الدار وحلف ألا يحدثهم. أخبرنا الصيمري، أخبرنا عمر بن إبراهيم المقرئ، حدّثنا مكرم بن أحمد، حدّثنا أحمد بن محمّد- يعني الحماني- حدّثنا الفضل بن غانم قال: كان أبو يوسف مريضا شديد المرض، فعاده أبو حنيفة مرارا، فصار إليه آخر مرة فرآه مقبلا فاسترجع، ثم قال: لقد كنت أؤملك بعدي للمسلمين، ولئن أصيب الناس بك ليموتن معك علم كثير، ثم رزق العافية وخرج من العلة، فأخبر أبو يوسف يقول أبي حنيفة، فارتفعت نفسه، وانصرفت وجوه الناس إليه فقعد لنفسه مجلسا في الفقه وقصر عن لزوم مجلس أبي حنيفة، فسأل عنه، فأخبر أنه قد قعد لنفسه مجلسا، وأنه قد بلغه كلامك فيه، فدعا رجلا كان له عنده قدر فقال: صر إلى مجلس يعقوب فقل له: ما تقول في رجل دفع إلى قصار ثوبا ليقصره بدرهم، فصار إليه بعد أيام في طلب الثوب، فقال له

стр. 5869

القصار: مالك عندي شيء وأنكره، ثم إن رب الثوب رجع إليه فدفع إليه الثوب مقصورا، أله أجرة؟ فإن قال له أجرة فقل أخطأت، وإن قال لا أجرة له فقل أخطأت. فصار إليه فسأله فقال أبو يوسف: له الأجرة، فقال أخطأت. فنظر ساعة ثم قال: لا أجرة له فقال أخطأت، فقام أبو يوسف من ساعته فأتى أبا حنيفة، فقال له: ما جاء بك إلا مسألة القصار؟ قال: أجل! قال: سبحان الله من قعد يفتي الناس وعقد مجلسا يتكلم في دين الله وهذا قدره لا يحسن أن يجيب في مسألة من الإجارات، فقال يا أبا حنيفة علمني، فقال إن كان قصره بعد ما غصبه فلا أجرة له، لأنه قصره لنفسه، وإن كان قصره قبل أن يغصبه فله الأجرة لأنه قصره لصاحبه. ثم قال: من ظن أنه يستغنى عن التعلم فليبك على نفسه. أخبرني أبو القاسم الأزهري، حدّثنا عبد الرّحمن بن عمر الخلّال، حدّثنا محمّد ابن أحمد بن يعقوب، حدّثنا جدي قال: أملى عليّ بعض أصحابنا أبياتا مدح بها عبد الله بن المبارك أبا حنيفة: رأيت أبا حنيفة كل يوم … يزيد نبالة ويزيد خيرا وينطق بالصواب ويصطفيه … إذا ما قال أهل الجور جورا يقايس من يقايسه بلب … فمن ذا يجعلون له نظيرا كفانا فقد حمّاد وكانت … مصيبتنا به أمرا كبيرا فرد شماتة الأعداء عنا … وأبدى بعده علما كثيرا رأيت أبا حنيفة حين يؤتى … ويطلب علمه بحرا غزيرا إذا ما المشكلات تدافعتها … رجال العلم كان بها بصيرا أخبرنا الحسين بن علي الحنيفي قال: أنشدنا أبو القاسم عبد الله بن محمّد الشّاهد، أنشدنا مكرم بن أحمد- لأبي القاسم غسان بن محمّد بن عبد الله بن سالم التّميميّ: وضع القياس أبو حنيفة كله … فأتى بأوضح حجة وقياس وبنى على الآثار رأس بنائه … فأتت غوامضه على الآساس والناس يتبعون فيها قوله … لما استبان ضياؤه للناس أخبرني علي بن أبي علي البصريّ، حدّثنا القاضي أبو نصر محمّد بن محمّد بن سهل النّيسابوريّ، حدّثنا أبو العبّاس محمّد بن يعقوب الأصمّ، حدثني أحمد بن

стр. 5870

يحيى أبو يحيى السّمرقنديّ، حدّثنا نصر بن يحيى البلخي، حدّثنا الحسن بن زياد اللؤلؤي قال: كانت هاهنا امرأة يقال لها أم عمران مجنونة، وكانت جالسة في الكناسة فمر بها رجل فكلمها بشيء، فقالت له: يا ابن الزانيين. وابن أبي ليلى حاضر يسمع ذلك فقال للرجل: أدخلها عليّ المسجد، وأقام عليها حدين حدا لأبيه، وحدا لأمه، فبلغ ذلك أبا حنيفة فقال: أخطأ فيها في ستة مواضع، أقام الحد في المسجد، ولا تقام الحدود في المساجد، وضربها قائمة والنساء يضربن قعودا، وضرب لأبيه حدا ولأمه حدا ولو أن رجلا قذف جماعة كأن عليه حد واحد، وجمع بين حدين ولا يجمع بين حدين حتى يخف أحدهما، والمجنونة ليس عليها حد، وحد لأبويه وهما غائبان لم يحضرا فيدعيان. فبلغ ذلك ابن أبي ليلى فدخل على الأمير فشكى إليه وحجر على أبي حنيفة. وقال: لا يفتي، فلم يفت أياما حتى قدم رسول من ولي العهد فأمر أن يعرض على أبي حنيفة مسائل حتى يفتي فيها. فأبى أبو حنيفة وقال: أنا محجور عليّ، فذهب الرسول إلى الأمير فقال الأمير قد أذنت له، فقعد فأفتى. أخبرنا التنوخي، حدّثنا أحمد بن عبد الله الورّاق الدّوريّ، أخبرنا أحمد بن القاسم ابن نصر أخو أبي اللّيث الفرائضيّ، حدّثنا سليمان بن أبي شيخ، حدّثنا عبد الله بن صالح بن مسلم العجلي قال: قال رجل بالشام للحكم بن هشام الثّقفيّ: أخبرنى عن أبي حنيفة، قال: على الخبير سقطت، كان أبو حنيفة لا يخرج أحدا من قبلة رسول الله ﷺ حتى يخرج من الباب الذي منه دخل، وكان من أعظم الناس أمانة، وأراده سلطاننا على أن يتولى مفاتيح خزائنه أو يضرب ظهره، فاختار عذابهم على عذاب الله. فقال له: ما رأيت أحدا وصف أبا حنيفة بمثل ما وصفته به. قال: هو كما قلت لك. أخبرني عبد الله بن يحيى السّكّري، أخبرنا إسماعيل بن محمّد الصّفّار، حدّثنا أحمد بن منصور الرمادي، حدّثنا عبد الرزاق قال: شهدت أبا حنيفة في مسجد الخيف فسأله رجل عن شيء فأجابه. فقال رجل: إن الحسن يقول كذا وكذا. قال أبو حنيفة: أخطأ الحسن، قال فجاء رجل مغطى الوجه قد عصب على وجهه فقال: أنت تقول أخطأ الحسن يا ابن الزانية؟ ثم مضى، فما تغير وجهه ولا تلون، ثم قال: إي والله أخطأ الحسن وأصاب ابن مسعود.

стр. 5871

أخبرنا الحسن بن أبي بكر، أخبرنا محمّد بن أحمد بن الحسن الصّوّاف، حدّثنا محمود بن محمّد المروزيّ، حدّثنا حامد بن آدم قال: سمعت سهل بن مزاحم يقول: سمعت أبا حنيفة يقول: ﴿فَبَشِّرْ عِبَادِ الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ﴾ [الزمر ١٨] قال كان أبو حنيفة يكثر من قول: اللهم من ضاق بنا صدره فإن قلوبنا قد اتسعت له. أخبرنا الجوهريّ، أخبرنا محمّد بن عمران المرزباني، حدّثنا عبد الواحد بن محمّد الخصيبي، حدثني أبو خازم القاضي قال: حدثني شعيب بن أيّوب الصّريفيني قال: سمعت الحسن بن زياد اللؤلؤي يقول: سمعت أبا حنيفة يقول: قولنا هذا رأي وهو أحسن ما قدرنا عليه، فمن جاءنا بأحسن من قولنا فهو أولى بالصواب منا. وأخبرنا الجوهريّ، أخبرنا محمّد بن عبد الله الأبهري، حدّثنا أبو عروبة الحرّانيّ، حدّثنا سليمان بن سيف قال: سمعت أبا عاصم يقول: قال رجل لأبي حنيفة: متى يحرم الطعام على الصائم؟ قال: إذا طلع الفجر، قال: فقال له السائل: فإن طلع نصف الليل؟ قال: فقال له أبو حنيفة: قم يا أعرج. ما ذكر من عبادة أبي حنيفة وورعه: أخبرنا محمّد بن أحمد بن رزق، حدّثنا أحمد بن علي بن عمر بن حبيش الرّازيّ قال: سمعت محمّد بن أحمد بن عصام يقول: سمعت محمّد بن سعد العوفي يقول: سمعت يحيى بن معين يقول: سمعت يحيى القطّان يقول: جالسنا والله أبا حنيفة وسمعنا منه، وكنت والله إذا نظرت إليه عرفت في وجهه أنه يتقي الله . أخبرنا الصيمري قال: قرأنا على الحسين بن هارون عن أبي العبّاس بن سعيد قال: حدّثنا إبراهيم بن الوليد، حدّثنا محمّد بن إسحاق البلخيّ قال: سمعت الحسن بن محمّد اللّيثي يقول: قدمت الكوفة فسألت عن أعبد أهلها فدفعت إلى أبي حنيفة. أخبرنا محمّد بن أحمد بن رزق قال: سمعت أبا نصر وأبا الحسن بن أبي بكر، أخبرنا أبو نصر أحمد بن نصر بن محمّد بن أشكاب البخاريّ قال: سمعت أبا إسحاق إبراهيم بن محمّد بن سفيان يقول: سمعت علي بن سلمة يقول: سمعت

стр. 5872

سفيان بن عيينة يقول: رحم الله أبا حنيفة كان من المصلين- أعني أنه كان كثير الصّلاة-. أخبرنا التنوخي، حدثني أبي، حدّثنا محمّد بن حمدان بن الصّبّاح، حدّثنا أحمد ابن الصّلت الحماني قال: سمعت سويد بن سعيد يقول: سمعت سفيان بن عيينة يقول: ما قدم مكة رجل في وقتنا أكثر صلاة من أبي حنيفة. أخبرنا محمّد بن عبد الملك القرشيّ، أخبرنا أحمد بن محمّد بن الحسين الرّازيّ، حدّثنا علي بن أحمد الفارسيّ، حدّثنا محمّد بن فضيل قال: قال أبو مطيع: كنت بمكة، فما دخلت الطواف في ساعة من ساعات الليل إلا رأيت أبا حنيفة وسفيان في الطواف. أخبرنا إبراهيم بن مخلد المعدل، حدّثنا محمّد بن أحمد بن إبراهيم الحكيمي، حدّثنا مقاتل بن صالح أبو علي المطرز قال: سمعت يحيى بن أيّوب الزّاهد يقول: كان أبو حنيفة لا ينام الليل. أخبرنا أبو نعيم الحافظ، أخبرنا عبد الله بن جعفر بن فارس- فيما أذن لي أن أرويه عنه- قال: حدّثنا هارون بن سليمان، حدّثنا علي بن المدينيّ قال: سمعت سفيان بن عيينة يقول: كان أبو حنيفة له مروءة، وله صلاة في أول زمانه. قال سفيان: اشترى أبي مملوكا فأعتقه، وكان له صلاة من الليل في داره، فكان الناس ينتابونه فيها يصلون معه من الليل، فكان أبو حنيفة فيمن يجيء يصلي. أخبرني عبد الباقي بن عبد الكريم، أخبرنا عبد الرّحمن بن عمر، حدّثنا محمّد بن أحمد بن يعقوب، حدّثنا جدي قال: حدثني محمّد بن بكر قال: سمعت أبا عاصم النّبيل يقول: كان أبو حنيفة يسمى الوتد لكثرة صلاته. أخبرني الصيمري قال: قرأنا على الحسين بن هارون عن ابن سعيد قال: حدّثنا عبد الله بن محمّد بن نوح قال: حدّثنا محمّد بن يزيد السلمي، حدّثنا حفص بن عبد الرّحمن قال: كان أبو حنيفة يحيى الليل بقراءة القرآن في ركعة ثلاثين سنة. وقال ابن سعيد: حدّثنا محمّد بن أحمد بن الحسن، حدّثنا أبي قال: سمعت زافر ابن سليمان يقول: كان أبو حنيفة يحيى الليل بركعة يقرأ فيها القرآن. أخبرنا علي بن المحسن المعدل، حدّثنا أبو بكر أحمد بن محمّد بن يعقوب الكاغدي، حدّثنا أبو محمّد عبد الله بن محمّد بن يعقوب بن الحارث الحارثي

стр. 5873

البخاريّ- ببخاري- حدّثنا أحمد بن الحسين البلخيّ، حدّثنا حمّاد بن قريش قال: سمعت أسد بن عمرو (١) يقول: صلى أبو حنيفة فيما حفظ عليه صلاة الفجر بوضوء صلاة العشاء أربعين سنة، فكان عامة الليل يقرأ جميع القرآن في ركعة واحدة، وكان يسمع بكاؤه بالليل حتى يرحمه جيرانه، وحفظ عليه أنه ختم القرآن في الموضع الذي توفي فيه سبعة آلاف مرة. أخبرني الحسين بن محمّد أخو الخلّال، حدّثنا إسحاق بن محمّد بن حمدان المهلبي- ببخاري- حدّثنا عبد الله بن محمّد بن يعقوب، حدّثنا قيس بن أبي قيس، حدّثنا محمّد بن حرب المروزيّ، حدّثنا إسماعيل بن حمّاد بن أبي حنيفة عن أبيه قال: لما مات أبي سألنا الحسن بن عمارة أن يتولى غسله ففعل، فلما غسله قال: رحمك الله وغفر لك لم تفطر منذ ثلاثين سنة ولم تتوسد يمينك بالليل منذ أربعين سنة، وقد أتعبت من بعدك، وفضحت القراء. أخبرنا الحسين بن علي بن محمّد المعدل، حدّثنا القاضي أبو نصر محمّد بن محمّد بن سهل النّيسابوريّ، حدّثنا أحمد بن هارون الفقيه، حدثني محمّد بن المنذر ابن سعيد الهرويّ، حدّثنا محمّد بن سهل بن منصور المروزيّ قال: حدثني أحمد بن إبراهيم قال: سمعت منصور بن هاشم يقول: كنا مع عبد الله بن المبارك بالقادسية إذ جاءه رجل من أهل الكوفة فوقع في أبي حنيفة، فقال له عبد الله: ويحك أتقع في رجل صلى خمسا وأربعين سنة خمس صلوات على وضوء واحد؟ وكان يجمع القرآن في ركعتين في ليلة، وتعلمت الفقه الذي عندي من أبي حنيفة. أخبرنا الخلّال، حدّثنا الحريري أن النخعي حدثهم قال: حدّثنا محمّد بن الحسن ابن مكرم، حدّثنا بشر بن الوليد عن أبي يوسف قال: بينا أنا أمشي مع أبي حنيفة سمعت (٢) رجلا يقول لرجل، هذا أبو حنيفة لا ينام الليل، فقال أبو حنيفة: والله لا يتحدث عني بما لا أفعل، فكان يحيي الليل صلاة، ودعاء، وتضرعا. أخبرنا التنوخي والجوهريّ قالا: أخبرنا عبد العزيز بن جعفر بن محمّد الخرقي، حدّثنا هيثم بن خلف الدّوريّ، حدثني محمّد بن يزيد بن سليم- مولى بني هاشم- قال: حدثني يحيى بن فضيل قال: كنت مع جماعة فأقبل أبو حنيفة، فقال بعض

стр. 5874

القوم: ما ترونه ما ينام هذا الليل. قال وسمع أبو حنيفة ذلك فقال: أراني عند الناس خلاف ما أنا عند الله، لا توسدت فراشا حتى ألقى الله. قال يحيى: كان أبو حنيفة يقوم الليل كله حتى توفي- أو قال حتى مات-. أخبرني أبو علي عبد الرّحمن بن محمّد بن أحمد بن فضالة النّيسابوريّ الحافظ- بالري- أخبرنا أحمد بن محمّد بن الحسين المذكر، حدّثنا علي بن أحمد بن موسى الفارسيّ، حدّثنا محمّد بن فضيل العابد، حدّثنا أبو يحيى الحماني، حدثني سلم بن سالم عن أبي الجويرية قال: صحبت حمّاد بن أبي سليمان ومحارب بن دثار وعلقمة ابن مرثد وعون بن عبد الله، وصحبت أبا حنيفة فما كان في القوم رجل أحسن ليلا من أبي حنيفة. لقد صحبته أشهرا فما منها ليلة وضع فيها جنبه. قال: وحدّثنا أبو يحيى الحماني عن بعض أصحابه أن أبا حنيفة كان يصلي الفجر بوضوء العشاء، وكان إذا أراد أن يصلي من الليل تزين حتى يسرح لحيته. أخبرنا محمّد بن أحمد بن رزق قال: سمعت القاضي أبا نصر. وأخبرنا الحسن ابن أبي بكر، أخبرنا القاضي أبو نصر أحمد بن نصر بن محمّد بن أشكاب البخاريّ قال: سمعت محمّد بن خلف بن رجاء يقول: سمعت محمّد بن سلمة عن ابن أبي معاذ عن مسعر بن كدام قال: أتيت أبا حنيفة في مسجده فرأيته يصلي الغداة ثم يجلس للناس في العلم إلى أن يصلي الظهر، ثم يجلس إلى العصر، فإذا صلى العصر جلس إلى المغرب، فإذا صلى المغرب جلس إلى أن يصلي العشاء، فقلت في نفسي: هذا الرجل في هذا الشغل متى يتفرغ للعبادة؟ لأتعاهدنه الليلة، قال: فتعاهدته فلما هدأ الناس خرج إلى المسجد فانتصب للصلاة إلى أن طلع الفجر، ودخل منزله ولبس ثيابه، وخرج إلى المسجد وصلى الغداة، فجلس للناس إلى الظهر، ثم إلى العصر، ثم إلى المغرب، ثم إلى العشاء، فقلت في نفسي: إن الرجل قد تنشط الليلة، لا تعاهدنه الليلة، فتعاهدته فلما هدأ الناس خرج فانتصب للصلاة، ففعل كفعله في الليلة الأولى، فلما أصبح خرج إلى الصّلاة وفعل كفعله في يوميه، حتى إذا صلى العشاء قلت في نفسي إن الرجل لينشط الليلة والليلة، لا تعاهدنه الليلة ففعل كفعله في ليلتيه، فلما أصبح جلس كذلك، فقلت في نفسي لألزمنه إلى أن يموت أو أموت، قال فلازمته في مسجده. قال ابن أبي معاذ: فبلغني أن مسعرا مات في مسجد أبي حنيفة في سجوده.

стр. 5875

أخبرنا الخلّال، أخبرنا الحريري أن النخعي حدثهم قال: حدّثنا محمّد بن على بن عفّان، حدّثنا على بن حفص البزّاز قال: سمعت حفص بن عبد الرّحمن يقول سمعت مسعر بن كدام يقول: دخلت ذات ليلة المسجد فرأيت رجلا يصلي فاستحليت قراءته فقرأ سبعا، فقلت يركع، ثم قرأ الثلث، ثم قرأ النصف، فلم يزل يقرأ القرآن حتى ختمه كله في ركعة، فنظرت فإذا هو أبو حنيفة. وقال النخعي: حدّثنا إبراهيم بن مخلد البلخيّ، حدّثنا إبراهيم بن رستم المروزيّ قال سمعت خارجة بن مصعب يقول: ختم القرآن في ركعة (١) أربعة من الأئمة، عثمان بن عفّان، وتميم الداري، وسعيد بن جبير، وأبو حنيفة. وقال إبراهيم بن مخلد: حدّثنا أحمد بن يحيى الباهليّ، حدّثنا يحيى بن نصر. قال: كان أبو حنيفة ربما ختم القرآن في شهر رمضان ستين ختمة. أخبرنا أبو بشر الوكيل وأبو الفتح الضّبّيّ. قالا: أخبرنا عمر بن أحمد الواعظ، حدّثنا مكرم بن أحمد، حدّثنا أحمد بن محمّد الحماني، حدّثنا أحمد بن يونس قال: سمعت زائدة يقول: صليت مع أبي حنيفة في مسجده عشاء الآخرة وخرج الناس ولم يعلم أني في المسجد، وأردت أن أسأله عن مسألة من حيث لا يراني أحد قال فقام فقرأ- وقد افتتح الصّلاة- حتى بلغ إلى هذه الآية: ﴿فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْنا وَوَقَانَا عَذَابَ السَّمُومِ﴾ [الطور ٢٧] فأقمت في المسجد أنتظر فراغه فلم يزل يرددها حتى أذن المؤذّن لصلاة الفجر. وقال أحمد بن محمّد: سمعت أبا نعيم ضرار بن صرد يقول: سمعت يزيد بن الكميت يقول- وكان من خيار الناس- كان أبو حنيفة شديد الخوف من الله، فقرأ بنا علي بن الحسين المؤذّن ليلة في عشاء الآخرة: ﴿إِذَا زُلْزِلَتِ﴾ وأبو حنيفة خلفه، فلما قضى الصّلاة وخرج الناس، نظرت إلى أبي حنيفة وهو جالس يفكر ويتنفس، فقلت أقوم لا يشتغل قلبه بي، فلما خرجت تركت القنديل ولم يكن فيه إلا زيت قليل، فجئت وقد طلع الفجر وهو قائم قد أخذ بلحية نفسه وهو يقول: يا من يجزي بمثقال ذرة خير خيرا، ويا من يجزي بمثقال ذرة شر شرا، أجر النّعمان عبدك من النار، وما يقرب منها من السوء، وأدخله في سعة رحمتك قال: فأذنت فإذا القنديل يزهر وهو قائم، فلما دخلت قال: تريد أن تأخذ القنديل قال: قلت قد أذنت لصلاة الغداة، قال

стр. 5876

اكتم على ما رأيت، وركع ركعتي الفجر وجلس حتى أقمت الصّلاة وصلى معنا الغداة على وضوء أول الليل. أخبرنا الخلّال، أخبرنا الحريري أن النخعي حدثهم قال: حدّثنا بختري بن محمّد، حدّثنا محمّد بن سماعة عن محمّد بن الحسن قال: حدثني القاسم بن معين: أن أبا حنيفة قام ليلة بهذه الآية: ﴿بَلِ السَّاعَةُ مَوْعِدُهُمْ وَالسَّاعَةُ أَدْهَى وَأَمَرُّ﴾ [القمر: ٤٦] يرددها ويبكي ويتضرع. وقال النخعي: حدّثنا سليمان بن الرّبيع، حدّثنا حبّان بن موسى قال: سمعت عبد الله بن المبارك يقول: قدمت الكوفة فسألت عن أورع أهلها فقالوا أبو حنيفة. وقال سليمان: سمعت مكي بن إبراهيم يقول: جالست الكوفيّين فما رأيت أورع من أبي حنيفة. وقال النخعي: حدّثنا الحسين بن الحكم الحبري، حدّثنا علي بن حفص البزّاز قال: كان حفص بن عبد الرّحمن شريك أبي حنيفة، وكان أبو حنيفة يجهز عليه، فبعث إليه في رفقة بمتاع وأعلمه أن في ثوب كذا وكذا عيبا فإذا بعتهفبين، فباع حفص المتاع ونسى أن يبين ولم يعلم ممن باعه، فلما علم أبو حنيفة تصدق بثمن المتاع كله. أخبرني أبو بشر الوكيل وأبو الفتح الضّبّيّ قالا: حدّثنا عمر بن أحمد، حدّثنا مكرم بن أحمد، حدّثنا أحمد بن المغلس الحمني قال: حدّثنا مليح بن وكيع، حدّثنا أبي قال: كان أبو حنيفة قد جعل على نفسه ألا يحلف بالله في عرض كلامه إلا تصدق بدرهم، فحلف فتصدق به، ثم جعل على نفسه إن حلف أن يتصدق بدينار، فكان إذا حلف صادقا في عرض الكلام تصدق بدينار، وكان إذا أنفق على عياله نفقة تصدق بمثلها، وكان إذا اكتسى ثوبا جديدا كسى بقدر ثمنه الشيوخ العلماء، وكان إذا وضع بين يديه الطعام أخذ منه فوضعه على الخبز حتى يأخذ منه بقدر ضعف ما كان يأكل، فيضعه على الخبز ثم يعطيه إنسانا فقيرا، فان كان في الدار من عياله إنسان يحتاج إليه دفعه إليه وإلا أعطاه مسكينا. أخبرنا التنوخي، حدثني أبي، حدّثنا محمّد بن حمدان، حدّثنا أحمد بن الصّلت الحماني قال: سمعت مليح بن وكيع يقول: سمعت أبي يقول: كان والله أبو حنيفة عظيم الأمانة، وكان الله في قلبه جليلا كبيرا عظيما، وكان يؤثر رضاء ربه على كل

стр. 5877

شيء، ولو أخذته السيوف في الله لاحتمل، ﵀ ورضى عنه رضى الأبرار فلقد كان منهم. أخبرنا الحسن بن أبي بكر، أخبرنا محمّد بن أحمد بن الحسن الصّوّاف، حدّثنا محمود بن محمّد المروزيّ قال: سمعت إبراهيم بن عبد الله الخلّال ذكروا له عن حامد بن آدم أنه قال: سمعت عبد الله بن المبارك يقول: ما رأيت أحدا أورع من أبي حنيفة، فقال من رأيي أن أخرج إلى حامد في هذا الحرف الواحد أسمع منه. وأخبرنا الحسن، أخبرنا ابن الصّوّاف، حدّثنا محمود بن محمّد المروزيّ قال: سمعت حامد بن آدم يقول: سمعت عبد الله بن المبارك يقول: ما رأيت أحدا أورع من أبي حنيفة، وقد جرب بالسياط والأموال. أخبرنا علي بن أبي علي البصريّ، أخبرنا أبو بكر محمّد بن عبد الرحيم المازني، حدّثنا الحسين بن القاسم الكوكبي، حدثني أبو الحسن الديباجي، حدّثنا زيد بن أخزم قال: سمعت عبد الله بن صهيب الكلبيّ يقول: كان أبو حنيفة النّعمان بن ثابت يتمثل كثيرا: عطاء ذي العرش خير من عطائكم … وسيبه واسع يرجى وينتظر أنتم يكدر ما تعطون منكم … والله يعطي بلا من ولا كدر أخبرنا الخلّال، أخبرنا الحريري أن النخعي حدثهم قال: حدّثنا سعيد القصار قال: سمعت محمّد بن أبي عبد الرّحمن المسعودي عن أبيه قال: ما رأيت أحسن أمانة من أبي حنيفة، مات يوم مات وعنده ودائع بخمسين ألفا، ما ضاع منها ولا درهم واحد. وقال النخعي: حدّثنا إبراهيم بن مخلد، حدّثنا بكر العمى عن هلال بن يحيى عن يوسف السمتي أن أبا جعفر المنصور أجاز أبا حنيفة بثلاثين ألف درهم في دفعات فقال: يا أمير المؤمنين إني ببغداد غريب وليس لها عندي موضع، فاجعلها في بيت المال، فأجابه المنصور إلى ذلك، قال: فلما مات أبو حنيفة أخرجت ودائع الناس من بيته، فقال المنصور: خدعنا أبو حنيفة. وقال النخعي: حدّثنا سوادة بن علي، حدّثنا خارجة بن مصعب بن خارجة قال: سمعت مغيث بن بديل يقول: قال خارجة بن مصعب: أجاز المنصور أبا حنيفة بعشرة آلاف درهم فدعى ليقبضها، فشاورني وقال: هذا رجل إن رددتها عليه غضب، وإن قبضتها دخل عليّ في ديني ما أكرهه؟ فقلت: إن هذا المال عظيم في عينه، فإذا دعيت

стр. 5878

لتقبضها فقل لم يكن هذا أملي من أمير المؤمنين، فدعى ليقبضها فقال ذلك، فرفع إليه خبره فحبس الجائزة، قال: فكان أبو حنيفة لا يكاد يشاور في أمره غيري. ما ذكر من جود أبي حنيفة وسماحه وحسن عهده: أخبرني أبو بشر الوكيل وأبو الفتح الضّبّيّ قالا: حدّثنا عمر بن أحمد الواعظ، حدّثنا مكرم بن أحمد، حدّثنا أحمد بن محمّد الحماني، حدّثنا عاصم بن علي قال: سمعت القيس بن الرّبيع يقول: كان أبو حنيفة رجلا ورعا فقيها محسودا، وكان كثير الصلة والبر لكل من لجأ إليه، كثير الإفضال على إخوانه، قال: وسمعت قيسا يقول: كان النّعمان بن ثابت من عقلاء الرجال. وقال مكرم: حدّثنا أحمد بن عطية، حدّثنا الحسن بن الرّبيع قال: كان قيس بن الرّبيع يحدثني عن أبي حنيفة انه كان يبعث بالبضائع إلى بغداد فيشتري بها الأمتعة ويحملها إلى الكوفة، ويجمع الأرباح عنده من سنة إلى سنة، فيشري بها حوائج الأشياخ المحدثين وأقواتهم وكسوتهم وجميع حوائجهم، ثم يدفع باقي الدنانير من الأرباح إليهم فيقول: أنفقوا في حوائجكم ولا تحمدوا إلا الله، فاني ما أعطيتكم من مالي شيئا، ولكن من فضل الله عليّ فيكم، وهذه أرباح بضائعكم فانه هو والله مما يجريه الله لكم على يدي، فما في رزق الله حول لغيره. أخبرنا الحسين بن علي الحنيفي، حدّثنا علي بن الحسن الرّازيّ، حدّثنا محمّد بن الحسين الزّعفرانيّ، حدّثنا أحمد بن زهير، أخبرنا سليمان بن أبي شيخ، حدثني حجر ابن عبد الجبّار قال: ما رأى الناس أكرم مجالسة من أبي حنيفة، ولا إكراما لأصحابه. قال حجر: كان يقال إن ذوي الشرف أتم عقولا من غيرهم. أخبرنا الصيمري قال: قرأنا على الحسين بن هارون عن أبي العبّاس بن سعيد قال: حدّثنا أحمد بن محمّد بن يحيى الخازمي، حدّثنا حسين بن سعيد اللخمي قال: سمعت حفص بن حمزة القرشيّ يقول: كان أبو حنيفة ربما مر به الرجل فيجلس إليه لغير قصد ولا مجالسة، فإذا قام سأل عنه فان كانت به فاقة وصله، وإن مرض عاده حتى يجره إلى مواصلته، وكان أكرم الناس مجالسة. أخبرنا الخلّال، أخبرنا الحريري أن النخعي حدثهم قال: حدّثنا أحمد بن عمار بن أبي مالك الجنبي عن أبيه عن الحسن بن زياد قال: رأى أبو حنيفة على بعض جلسائه ثيابا رثة، فأمره فجلس حتى تفرق الناس وبقي وحده. فقال له: ارفع المصلى وخذ ما

стр. 5879

تحته، فرفع الرجل المصلى فكان تحته ألف درهم، فقال له: خذ هذه الدراهم فغير بها من حالك، فقال الرجل: إني موسر وأنا في نعمة ولست أحتاج إليها، فقال له: أما بلغك الحديث: «إن الله يحب أن يرى أثر نعمته على عبده» (١)؟ فينبغي لك أن تغير حالك حتى لا يغتم بك صديقك. وقال النخعي: حدّثنا محمّد بن علي بن عفّان، حدّثنا إسماعيل بن يوسف السنبري (٢) قال: سمعت أبا يوسف يقول: كان أبو حنيفة لا يكاد يسأل حاجة إلا قضاها، فجاءه رجل فقال له إن لفلان عليّ خمسمائة درهم وأنا مضيق، فسله يصبر عني ويؤخرني بها. فكلم أبو حنيفة صاحب المال، فقال صاحب المال: هي له قد أبرأته منها، فقال الذي عليه الحق: لا حاجة لي فيها، فقال أبو حنيفة: ليس الحاجة لك، وإنما الحاجة لي قضيت. وقال النخعي: حدّثنا عبد الله بن أحمد بن البهلول الكوفيّ، حدّثنا القاسم بن محمّد البجلي عن إسماعيل بن حمّاد بن أبي حنيفة أن أبا حنيفة حين حذق حمّاد ابنه، وهب للمعلم خمسمائة درهم. وقال النخعي: حدّثنا محمّد بن إسحاق البكائي قال: سمعت جعفر بن عون العمري يقول: أتت امرأة أبا حنيفة تطلب منه ثوب خز، فأخرج لها ثوبا فقالت له: إني امرأة ضعيفة وأنها أمانة، فبعني هذا الثوب بما يقوم عليك، فقال خذيه بأربعة دراهم، فقالت: لا تسخر بي وأنا عجوز كبيرة. فقال: إني اشتريت ثوبين فبعت أحدهما برأس المال إلا أربعة دراهم، فبقى هذا الثوب علىّ بأربعة دراهم. أجاز لي محمّد بن أسد الكاتب أن جعفر الخلدي حدثهم ثم أخبرني الأزهري- قراءة- حدّثنا الحسن بن عثمان، حدّثنا جعفر الخلدي، حدّثنا أحمد بن محمّد الطّوسيّ، حدثني أبو سيعد الكندي عبد الله بن سعيد، حدّثنا شيخ سماه أبو سعيد الكندي قال: كان بأو حنيفة يبيع الخز، فجاءه رجل فقال: يا أبا حنيفة قد احتجت إلى ثوب خز. فقال: ما لونه؟ فقال: كذا وكذا فقال له: اصبر حتى يقع وآخذه لك إن شاء الله. قال: فما دارت الجمعة حتى وقع، فمر به الرجل فقال له أبو حنيفة قد

стр. 5880

وقعت حاجتك، قال: فاخرج إليه الثوب فأعجبه فقال: يا أبا حنيفة كم أزن للغلام؟ قال: درهما، قال يا أبا حنيفة ما كنت أظنك تهزأ؟ قال: ما هزأت إني اشتريت ثوبين بعشرين دينارا ودرهم، وإني بعت أحدهما بعشرين دينارا وبقي هذا بدرهم وما كنت لا ربح على صديق. أخبرنا الحسين بن علي الحنيفي، حدّثنا علي بن الحسن الرّازيّ، حدّثنا محمّد بن الحسين الزّعفرانيّ، حدّثنا أحمد بن زهير، أخبرني سليمان بن أبي شيخ قال: قال مساور الورّاق: كنا من الدين قبل اليوم في سعة … حتى ابتلينا بأصحاب المقاييس قاموا من السوق إذ قلت مكاسبهم … فاستعملوا الرأي عند الفقر والبوس أما الغريب فأمسوا لا عطاء لهم … وفي الموالي علامات المفاليس فلقيه أبو حنيفة فقال: هجوتنا، نحن نرضيك، فبعث إليه بدراهم فقال: إذا ما أهل مصر بادهونا … بداهية من الفتيا لطيفه أتيناهم بمقياس صحيح … صليب من طراز أبي حنيفة إذا سمع الفقيه به حواه … وأثبته بحبر في صحيفة أخبرني علي بن أحمد الرّزّاز، حدّثنا أبو اللّيث نصر بن محمّد الزّاهد البخاريّ- قدم علينا- حدّثنا محمّد بن محمّد بن سهل النّيسابوريّ، حدّثنا أبو أحمد محمّد بن أحمد الشعيبي، حدّثنا أسد بن نوح، حدّثنا محمّد بن عباد قال: حدّثنا القاسم بن غسان، أخبرني أبي قال: أخبرني عبد الله بن رجاء الغداني قال: كان لأبي حنيفة جار بالكوفة إسكاف يعمل نهاره أجمع، حتى إذا جنه الليل رجع إلى منزله وقد حمل لحما فطبخه، أو سمكة فيشويها، ثم لا يزال يشرب حتى إذا دب الشراب فيه غنى بصوت، وهو يقول: أضاعوني وأى فتى أضاعوا … ليوم كريهة وسداد ثغر فلا يزال يشرب ويردد هذا البيت حتى يأخذه النوم، وكان أبو حنيفة يسمع جلبته، وأبو حنيفة كان يصلي الليل كله، ففقد أبو حنيفة صوته فسأل عنه فقيل أخذه العسس منذ ليال وهو محبوس، فصلى أبو حنيفة صلاة الفجر من غد، وركب بغلته واستأذن على الأمير. قال الأمير: ائذنوا له واقبلوا به راكبا ولا تدعوه ينزل حتى يطأ البساط، ففعل، فلم يزل الأمير يوسع له من مجلسه، وقال: ما حاجتك؟ قال: لي جار

стр. 5881

إسكاف أخذه العسس منذ ليال، يأمر الأمير بتخليته، فقال نعم وكل من أخذ في تلك الليلة إلى يومنا هذا، فأمر بتخليتهم أجمعين، فركب أبو حنيفة والإسكاف يمشي وراءه فلما نزل أبو حنيفة مضى إليه فقال: يا فتى أضعناك؟ قال: لا بل حفظت ورعيت جزاك الله خيرا عن حرمة الجوار ورعاية الحق، وتاب الرجل ولم يعد إلى ما كان. ما ذكر من وفور عقل أبي حنيفة وفطنته وتلطفه: أخبرني أبو بشر الوكيل وأبو الفتح الضّبّيّ قالا: حدّثنا عمر بن أحمد الواعظ، حدّثنا مكرم بن أحمد، حدّثنا أحمد بن عطية قال: حدّثنا يحيى الحماني قال: سمعت ابن المبارك يقول: قلت لسفيان الثوري: يا أبا عبد الله ما أبعد أبا حنيفة من الغيبة ما سمعته يغتاب عدوّا له قط. قال: هو والله أعقل من أن يسلط على حسناته ما يذهب بها. أخبرني أبو الوليد الحسن بن محمّد الدربندي، أخبرنا محمّد بن أحمد بن محمّد ابن سليمان الحافظ- ببخاري- حدّثنا أبو حفص أحمد بن أجيد بن حمدان، حدّثنا علي بن موسى القمي قال: سمعت محمّد بن شجاع يقول: سمعت علي بن عاصم يقول: لو وزن عقل أبي حنيفة بعقل نصف أهل الأرض لرجح بهم. أخبرني محمّد بن أحمد بن يعقوب، أخبرنا محمّد بن نعيم الضّبّيّ قال: سمعت أبا العبّاس أحمد بن هارون الفقيه يقول: حدثني محمّد بن إبراهيم السّرخسيّ قال: حدّثنا سليمان بن الرّبيع النّهديّ الكوفيّ قال: سمعت همام بن مسلم يقول: سمعت خارجة بن مصعب- وذكر أبو حنيفة عنده- فقال: لقيت ألفا من العلماء فوجدت العاقل فيهم ثلاثة- أو أربعة- فذكر أبا حنيفة في الثلاثة- أو الأربعة- قال خارجة بن مصعب: من لا يرى المسح على الخفين، أو يقع في أبي حنيفة، فهو ناقص العقل. أخبرنا الخلّال، أخبرنا الحريري أن النخعي حدثهم قال: حدّثنا محمّد بن علي بن عفّان، حدّثنا محمّد بن عبد الملك الدّقيقيّ قال: سمعت يزيد بن هارون يقول: أدركت الناس فما رأيت أحدا أعقل، ولا أفضل، ولا أروع، من أبي حنيفة. وقال النخعي: حدّثنا أبو قلابة قال: سمعت محمّد بن عبد الله الأنصاريّ قال: كان أبو حنيفة ليتبين عقله في منطقه، ومشيته، ومدخله، ومخرجه. أخبرنا علي بن القاسم الشّاهد- بالبصرة- حدّثنا علي بن إسحاق المادراني، حدّثنا أحمد بن محمّد الباهليّ، حدّثنا محمّد بن عبد الرّحمن قال: كان رجل بالكوفة

стр. 5882

يقول: عثمان بن عفّان كان يهوديّا فأتاه أبو حنيفة فقال: أتيتك خاطبا، قال: لمن؟ قال: لا بنتك، رجل شريف غني بالمال، حافظ لكتاب الله، سخي، يقوم الليل في ركعة، كثير البكاء من خوف الله. قال: في دون هذا مقنع يا أبا حنيفة، قال إلا أن فيه خصلة، قال: وما هي؟ قال: يهودي. قال: سبحان الله تأمرني أن أزوج ابنتي من يهودي؟ قال: لا تفعل؟ قال: لا، قال: فالنبي ﷺ زوج ابنتيه من يهودي! قال: أستغفر الله، إني تائب إلى الله . أخبرنا أبو نعيم الحافظ، حدّثنا أبو محمّد عبد الله بن محمّد بن جعفر بن حيّان، حدّثنا أبو يحيى الرّازيّ، حدّثنا سهل بن عثمان قال: حدّثنا إسماعيل بن حمّاد بن أبي حنيفة قال: كان لنا جار طحان رافضي، وكان له بغلان، سمى أحدهما أبا بكر، والآخر عمر، فرمحه ذات ليلة أحدهما فقتله. فأخبر أبو حنيفة فقال: انظروا البغل الذي رمحه الذي سماه عمر؟ فنظروا فكان كذلك. أخبرنا الحسين بن علي المعدل، أخبرنا أبو القاسم عبد الله بن محمّد الحلواني، حدّثنا مكرم بن أحمد، حدّثنا أحمد بن عطية، حدّثنا الحماني، حدّثنا ابن المبارك قال: رأيت أبا حنيفة في طريق مكة وشوى لهم فصيل سمين، فاشتهوا أن يأكلوه بخلّ، فلم يجدوا شيئا يصبون فيه الخل فتحيروا، فرأيت أبا حنيفة وقد حفر في الرمل حفرة، وبسط عليها السفرة وسكب الخل على ذلك الموضع، فأكلوا الشواء بالخل، فقالوا له: تحسن كل شيء. قال: عليكم بالشكر فان هذا شيء ألهمته لكم فضلا من الله عليكم. أخبرنا الحسن بن محمّد الخلّال، أخبرنا علي بن عمر الحريري أن علي بن محمّد ابن كاس النخعي حدثهم قال: حدّثنا محمّد بن علي بن عفّان، حدّثنا نمر بن جدار عن أبي يوسف قال: دعا المنصور أبا حنيفة فقال الرّبيع حاجب المنصور- وكان يعادي أبا حنيفة- يا أمير المؤمنين هذا أبو حنيفة يخالف جدك، كان عبد الله بن عبّاس يقول: إذا حلف على اليمين ثم استثنى بعد ذلك بيوم أو يومين جاز الاستثناء، وقال أبو حنيفة: لا يجوز الاستثناء إلا متصلا باليمين. فقال أبو حنيفة: يا أمير المؤمنين إن الرّبيع يزعم أنه ليس لك في رقاب جندك بيعة، قال: وكيف؟ قال يحلفون لك ثم يرجعون إلى منازلهم فيستثنون فتبطل أيمانهم، قال: فضحك المنصور وقال: يا ربيع لا تعرض لأبي حنيفة. فلما خرج أبو حنيفة قال له الرّبيع: أردت أن تشيط بدمي؟ قال: لا، ولكنك أردت أن تشيط بدمي فخلصتك وخلصت نفسي.

стр. 5883

أخبرنا أبو نعيم الحافظ، حدّثنا أبو بكر أحمد بن محمّد بن موسى، حدّثنا خالد ابن النّضر قال: سمعت عبد الواحد بن غياث يقول: كان أبو العبّاس الطّوسيّ سيئ الرأي في أبي حنيفة، وكان أبو حنيفة يعرف ذلك، فدخل أبو حنيفة على أبي جعفر- أمير المؤمنين- وكثر الناس، فقال الطّوسيّ: اليوم أقتل أبا حنيفة، فأقبل عليه فقال: يا أبا حنيفة إن أمير المؤمنين يدعو الرجل منا فيأمره بضرب عنق الرجل لا يدري ما هو، أيسعه أن يضرب عنقه؟ فقال: يا أبا العبّاس أمير المؤمنين يأمر بالحق أو بالباطل؟ قال بالحق، قال أنفذ الحق حيث كان ولا تسل عنه، ثم قال أبو حنيفة لمن قرب منه: إن هذا أراد أن يوثقني فربطته. أخبرنا محمّد بن عبد الواحد، أخبرنا محمّد بن العبّاس، أخبرنا أحمد بن سعيد السوسي قال: أخبرنا عبّاس بن محمّد قال: سمعت يحيى بن معين يقول: دخل الخوارج مسجد الكوفة وأبو حنيفة وأصحابه جلوس، فقال أبو حنيفة: لا تبرحوا، فجاءوا حتى وقفوا عليهم، فقالوا لهم: ما أنتم؟ فقال أبو حنيفة: نحن مستجيرون، فقال أمير الخوارج دعوهم وأبلغوهم مأمنهم، واقرءوا عليهم القرآن فقرءوا عليهم القرآن وأبلغوهم مأمنهم. أخبرنا الخلّال، أخبرنا الحريري أن النخعي حدثهم قال: حدّثنا أبو صالح البختريّ ابن محمّد، حدّثنا يعقوب بن شيبة قال: حدثني سليمان بن منصور قال: حدثني حجر بن عبد الجبّار الحضرمي قال: كان في مسجدنا قاص يقال له زرعة، فنسب مسجدنا إليه وهو مسجد الحضرميين، فأرادت أم أبي حنيفة أن تستفتي في شيء فأفتاها أبو حنيفة فلم تقبل، فقالت: لا أقبل إلا ما يقول زرعة القاص، فجاء بها أبو حنيفة إلى زرعة فقال: هذه أمي تستفتيك في كذا وكذا، فقال: أنت أعلم مني وأفقه، فأفتها أنت فقال أبو حنيفة قد أفتيتها بكذا وكذا فقال زرعة القول كما قال أبو حنيفة، فرضيت وانصرفت. وقال النخعي: حدّثنا محمّد بن محمود الصيدناني قال: حدثني محمّد بن شجاع قال: سمعت الحسن بن زياد يقول: حلفت أم أبي حنيفة بيمين فحنثت، فاستفتت أبا حنيفة فأفتاها فلم ترض، وقالت: لا أرضى إلا بما يقول زرعة القاص، فجاء بها أبو حنيفة إلى زرعة، فسألته فقال: أفتيك ومعك فقيه الكوفة، فقال أبو حنيفة: أفتها بكذا وكذا فأفتاها فرضيت.

стр. 5884

أخبرني أبو بشر محمّد بن عمر الوكيل وأبو الفتح عبد الكريم بن محمّد الضّبّيّ قالا: حدّثنا عمر بن أحمد الواعظ، حدّثنا مكرم بن أحمد، حدّثنا أحمد بن عطية، حدّثنا الحماني قال: سمعت ابن المبارك يقول: رأيت الحسن بن عمارة آخذا بركاب أبي حنيفة وهو يقول: والله ما أدركنا أحدا تكلم في الفقه أبلغ ولا أصبر ولا أحضر جوابا منك، وإنك لسيد من تكلم فيه في وقتك غير مدافع، وما يتكلمون فيك إلا حسدا. أخبرنا علي بن القاسم البصريّ الشّاهد، حدّثنا علي بن إسحاق المادراني قال: ذكر أبو داود- يعني السجستاني ولم أسمع منه- عن نصر بن علي قال: سمعت ابن داود يقول: الناس في أبي حنيفة حاسد وجاهل، وأحسنهم عندي حالا الجاهل. وأخبرنا محمّد بن الحسن بن أحمد الأهوازي، حدّثنا أبو بكر محمّد بن إسحاق ابن إبراهيم القاضي- بالأهواز- قال: حدثني محمّد بن محمّد بن عزرة، حدّثنا أبو الرّبيع الحارثي قال: سمعت عبد الله بن داود يقول: الناس في أبي حنيفة رجلان، جاهل به، وحاسد له. وأخبرنا الأهوازي، حدّثنا محمّد بن إسحاق القاضي، حدّثنا محمود بن محمّد الواسطيّ قال: حدّثنا سفيان بن وكيع قال: سمعت أبي يقول: دخلت على أبي حنيفة فرأيته مطرقا مفكرا، فقال لي: من أين أقبلت؟ قلت: من عند شريك، فرفع رأسه وأنشأ يقول: إن يحسدوني فإني غير لائمهم … قبلي من الناس أهل الفضل قد حسدوا فدام لي ولهم ما بي وما بهم … ومات أكثرنا غيظا بما يجد قال وكيع: أظنه كان بلغه عنه شيء. أخبرنا أحمد بن علي بن الحسين التوزي قال: حدّثنا الحسن بن الحسين بن حمكان الفقيه الشّافعيّ قال: سمعت أبا نصر أحمد بن نصر البخاريّ يقول: سمعت عبد الله الزّعفرانيّ يقول: ذكر لمحمّد بن الحسن ما يجرى الناس من الحسد لأبي حنيفة فقال: محسدون وشر الناس منزلة … من عاش في الناس يوما غير محسود حدّثنا أحمد بن علي البادا، أخبرنا أحمد بن إبراهيم بن شاذان، حدّثنا محمّد بن الحسين بن حميد بن الرّبيع، حدّثنا سليمان بن الرّبيع بن هشام النّهديّ قال: سمعت الحارث بن إدريس يقول: قال أبو وهب العباد: قلّ من لا يرى المسح على الخفين، أو يقع في أبي حنيفة إلا ناقص العقل.

стр. 5885

أخبرنا محمّد بن أحمد بن رزق، أخبرنا أحمد بن شعيب البخاريّ، حدّثنا علي ابن موسى القمي، حدثني أحمد بن عبد قاضي الري، حدّثنا أبي قال: كناعند ابن عائشة فذكر حديثا لأبي حنيفة، فقال بعض من حضر: لا ترده. فقال له: أما إنكم لو رأيتموه لأردتموه، وما أعرف له ولكم مثلا إلا ما قال الشّاعر: أقلوا عليه ويحكم لا أبا لكم … من اللؤم أو سدوا المكان الذي سدا أخبرنا أبو سعيد محمّد بن موسى بن الفضل الصّيرفيّ، حدّثنا أبو العبّاس محمّد بن يعقوب الأصمّ، حدّثنا محمّد بن إسحاق الصاغاني، حدّثنا يحيى بن معين قال: سمعت عبيد بن أبي قرة يقول: سمعت يحيى بن ضريس يقول: شهدت سفيان وأتاه رجل فقال له: ما تنقم على أبي حنيفة؟ قال: وما له. قال: سمعته يقول: آخذ بكتاب الله فما لم أجد فبسنة رسول الله ﷺ ، فإن لم أجد في كتاب الله ولا سنة رسول الله ﷺ ، أخذت بقول أصحابه، آخذ بقول من شئت منهم، وأدع من شئت منهم ولا أخرج من قولهم إلى قول غيرهم. فأما إذا انتهى الأمر- أو جاء- إلى إبراهيم، والشعبي، وابن سيرين، والحسن، وعطاء، وسعيد بن المسيّب- وعدد رجالا- فقوم اجتهدوا فأجتهد كما اجتهدوا، قال: فسكت سفيان طويلا ثم قال:- كلمات برأيه ما بقي في المجلس أحد إلا كتبه-: نسمع الشديد من الحديث فنخافه، ونسمع اللين فنرجوه، ولا نحاسب الأحياء، ولا نقضي على الأموات، نسلم ما سمعنا، ونكل ما لم نعلم إلى عالمه، ونتهم رأينا لرأيهم. [قال الخطيب] (١): وقد سقنا عن أيّوب السختياني، وسفيان الثوري وسفيان ابن عيينة، وأبي بكر بن عيّاش، وغيرهم من الأئمة أخبارا كثيرة تتضمن تقريظ أبي حنيفة والمدح له، والثناء عليه. والمحفوظ عند نقلة الحديث عن الأئمة المتقدمين- وهؤلاء المذكورون منهم- في أبي حنيفة خلاف ذلك، وكلامهم فيه كثير لأمور شنيعة حفظت عليه. متعلق بعضها بأصول الديانات، وبعضها بالفروع، نحن ذاكروها بمشيئة الله، ومعتذرون إلى من وقف عليها وكره سماعها (٢)، بأن أبا حنيفة عندنا مع جلالة قدره اسوة غيره من
следующие страницы →