Полный текст (1 429 стр.). Показаны 1051–1090 · переход к 1056.
стр. 1051
شرح ألفية الحافظ العراقي (٣٧)
(تابع: باب: آداب المحدث)
الشيخ/ عبد الكريم الخضير
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله، نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين. فيقول الناظم -رحمه الله تعالى- في باب: آداب المحدث
يقول -رحمه الله تعالى-:
وَاعْقِدْ لِلاِمْلاَ مَجْلِساً فَذَاكَ مِنْ ... أَرْفَعِ الاسْمَاعِ وَالاَخْذِ ثُمَّ إِنْ
تَكْثُرْ جُمُوْعٌ فَاتَّخِذْ مُسْتَمْلِيَا ... مُحَصِّلاً ذَا يَقْظَةٍ مُسْتَوِيَا
إحنا وقفنا على هذا.
يقول -رحمه الله تعالى-: "واعقد للإملا" الإملاء: ضرب ونوع وقسم من أقسام التحمل، بل فرع من فروع القسم الأول، من أقسام التحمل الثمانية، القسم الأول: السماع من لفظ الشيخ، وتقدم شرحها مفصلاً أعني الأقسام الثمانية، فالأول منها: السماع من لفظ الشيخ، وقلنا في وقتها كما قال أهل العلم: إنه أرفع أنواع التحمل، وأرفعه الإملاء، أرفع أنواع هذا القسم الإملاء، لما يلزم فيه من تحرز الشيخ والطالب، الشيخ يملي والطالب يكتب، كلاهما متحرز، الشيخ منتبه لما يقول، والطالب منتبه لما يكتب.
واعقد للإملا مجلساً فذاك من ... أرفع الاسماع. . . . . . . . .
يعني أرفع أنواع السماع من لفظ الشيخ، وإذا كان السماع من لفظ الشيخ أرفع طرق التحمل فيكون الإملاء إملاء الشيخ على الطلاب، والطلاب يكتبون أرفع الأنواع مطلقاً، إذ هو أرفع الأرفع، الإملاء سنة متبعة عند أهل الحديث لا يقصد بها السنة الشرعية؛ لأن العلم كله سنة، نعم لكن سنة وطريقة متبعة عند أهل الحديث، يعقدون مجالس للإملاء ينتقون فيها بعض الأحاديث يهتمون بها، ويعتنون بها، مما لها صفة تميزها، ينتقي من أحاديث شيوخه التي يرويها بأسانيده العوالي مثلاً، أو القصار من الأحاديث، أو ذات الموضوع الواحد من أحاديث شيوخه، أو لها صبغة معينة، أو وصف يشملها، وتكون من نوادر حديثه.
стр. 1052
الإملاء كان معروفاً عند المتقدمين، ثم انقطع فترة من الزمن، فأعيد، أعاده الحافظ العراقي، والحافظ ابن حجر، والولي ابن الحافظ العراقي، والسخاوي والسيوطي، كلهم أملوا بعد انقطاعه، إلى منتصف القرن أو إلى أواخر القرن الثامن، الإملاء مثلما ذكرنا ينتقي من أحاديثه من مروياته عن شيوخه من الأحاديث التي يرويها بأسانيده أحاديث لها صفة تميزها، يعني غير مجالس التحديث، يعني يوم في الأسبوع مثلاً يقول: عندكم يوم الاثنين بعد صلاة العصر، أو يوم الثلاثاء أو يوم الجمعة مجلس إملاء، غير الدروس العامة التي يلقيها على طلابه، أو يُقرأ عليه فيها.
واعقد للإملا مجلساً فذاك من ... أرفع الاسماع والأخذ. . . . . . . . .
يعني أرفع طرق التحمل والأداء الإملاء، وذكرنا السبب في ذلك أنه يلزم عليه تحرز كل من الشيخ والطالب؛ لأنه ما يمكن يملي الشيخ وهو غافل، ولا يمكن أن يكتب الطالب وهو غافل، إلا إذا كانت الغفلة ملازمة له، أما إذا كان من أهل اليقظة والتحفظ هذا لا يمكن أن يملي أو يكتب وهو غافل.
. . . . . . . . . ... . . . . . . . . . ثم إن
تكثر جموعٌ. . . . . . . . . ... . . . . . . . . .
стр. 1053
يعني يكثر الطلاب، الطلاب إذا كانوا في حدود ما يسمع من لفظ الشيخ يُكتفى بهذا، لفظ الشيخ يبلغهم ويصل إلى أقصاهم وأدناهم، وينفذهم صوته، لكن إذا كثرت الجموع، يعني ذكروا جموعاً هائلة عند بعض المحدثين، الألوف المؤلفة وبدون ألآت مكبرة مثل هذه التي نستعملها ماذا يصنعون؟ يعني تسمعون في الصلاة إذا كثرت الجموع في الصلاة اتخذ الإمام الذي يبلغ عنه التكبير لتتم المتابعة، وإلا إذا كثر الجموع من غير مبلغ فيحصل الخلل في صلاة المأمومين، كثيراً ما ينقطع التيار الكهربائي في صلاة الجمعة مثلاً، والمسجد طوابق مثلاً، الإمام على مستوى الأرض، وناس في أسفل وناس في أعلى، فإذا انقطع التيار الكهربائي تجد الإمام يقول: الله أكبر رافعاً من السجود، والذين فوق أو تحت يقولون: آمين، هذا حصل، هذا خلل في الصلاة، فلا بد من اتخاذ من يبلغ صوت الإمام، وهنا إذا كثرت الجموع فصار الطلاب لا يسمعون صوت الشيخ المملي؛ لأنهم ذكروا أرقاماً تصل أحياناً إلى مائة ألف، أربعين ألف، خمسين ألف، جموع غفيرة ما ينفذهم الصوت، فمثل هذا يأخذ مستملي، إيش معنى المستملي؟ المستملي الذي يبلغ صوت الشيخ، يسمع من الشيخ فيبلغه، ثم يسمعه المستملي الثاني فيبلغه إلى من .. ، قد يحتاج عدة من المستمليين، ينتشرون بين الطلاب، يعني بعض الأمراء قبل وجود هذه الآلات -آلات الاتصال- يعني في القديم، تجده في محل عمله في العمارة، كيف يطلب من في الأسفل؟ يعني على سبيل المثال القهوة كيف يؤتى بها ويطلبها من المطبخ؟ تجد الأمير يصوت: قهوة مثلاً على طريقة الأمراء العرب هنا، فتجد اللي في الدرج، في أعلى الدرج يقول: قهوة مثلاً يسمعه من أسفل يقول كذلك، ثم يسمعه من في المطبخ، ويحضرون القهوة وهكذا، هذه معروفة عند الناس قبل وسائل الاتصال، وافرض أنه يطلب غير القهوة مثلاً، المعاملة الفلانية، الكتاب الفلاني، أي شيء، فإذا كثر الجموع بحيث لا يصلهم ولا ينفذهم صوت الشيخ على هذا الشيخ أن يتخذ المستملين الذين يبلغون صوته.
. . . . . . . . . ... . . . . . . . . . ثم إن
تكثر جموع فاتخذ مستملياً ... محصلاً. . . . . . . . .
стр. 1054
يعني ما تأتي بعامي لا يعرف شيئاً، لا يقرأ ولا يكتب تجعله مستملي من هذا، هذا أولاً لا يفهم الكلام على وجهه ولا يبلغه على وجهه، لا بد أن يكون لديه أهلية، يعني ما يلزم أن يكون عالم، لكن يميز أقل الأحوال، "ذا يقظة" يعني نبيه، ما تمر الكلمات بحيث تفوته بعض الكلمات، أو يؤولها ويأتي بمعناها، لا، بل لا بد بأن يكون محصلاً يعني لديه أهلية لفهم ما يقال، وتبليغه على وجه، ثم بعد ذلك يكون يقظاً، ما يكون مغفلاً، يعني ذكروا من المستملين طرائف، قال الشيخ: "حدثنا عدة" وسكت، قال المستملي: "حدثنا عدة" لما سكت الشيخ قال المستملي: عدة ابن من؟ قال: "عدة ابن فقدتك" يعني غباء هذا، ذكروا من هذا النوع من الضرب طرائف، يعني يمكن أن يتندر بها في المجالس، ولا يستبعد أن يقع مثل هذه الأشياء؛ لأن الناس يتفاوتون في إفهامهم.
. . . . . . . . . ... محصلاً ذا يقظة مستويا
بعالٍ. . . . . . . . . ... . . . . . . . . .
لأنه يبلغ البعيد، فيكون في موضع مرتفع أو يقف؛ لأن هذا التبليغ والأصل في هذا العلو هو علو المؤذن الذي يبلغ أنحاء البلد، وهذا يبلغ عموم الطلاب، فلا شك أنه إذا كان في محل مرتفع فإنه يبلغ أكثر، يكون تبلغه أكثر، أما الجالس بين الناس فتبليغه ضعيف.
بعالٍ أو فقائماً. . . . . . . . . ... . . . . . . . . .
يعني إذا لم يكن يوجد مكان مرتفع فيبلغ قائماً، ولذا القيام في الخطبة واجب؛ لأنه لو جلس بين الناس وصار يخطب ما سمع الناس، حتى القريب منه قد لا يسمع؛ لأن رؤية المتكلم تعين على فهم كلامه.
بعالٍ أو فقائماً يتبع ما ... يسمعه. . . . . . . . .
من الشيخ، مبلغاً عنه أو مفهماً له؛ لأنه قد يبلغ ما يسمع بحروفه، وقد يحتاج إلى أن يفهم من لا يفهم، "أو مفهماً".
стр. 1055
كانت الدروس قبل وجود هذه الآلات متعبة جداً، الشيخ يحتاج إلى أن يرفع صوته ويتكلف في هذا، ولما تيسرت هذه الألآت، وإن كانت في أول الأمر أول ما وجدت أنكرها جمع من أهل العلم؛ لأنها أمور محدثة، وتستعمل في عبادة في صلاة، في علم شرعي، في تدريس القرآن، في تدريس السنة، فقالوا: محدثة، ومنهم من مات ولم يستعملها وهي موجودة، ومنهم من تلقاها بصدر رحب، واستفاد منها، وتتابع الناس عليها، فالآن قد لا يوجد من ينكرها إلا نادراً، وهي نعمة من نعم الله لا سيما إذا احتيج إليها، لكن مع الأسف أننا نجدها في أماكن لا يحتاج إليها، قد يوجد من الطلاب خمسة ستة ويتخذ مكبر، أو الإمام ما عنده ولا نصف صف ويتخذ مكبر، ويرفع عليه، ومؤثرات، ويزعج، بل يصدع المأمومين وأهل الحي والجيران، وهو ليس بحاجة إليها، نعم هي محدثة، لكن مثل هذه المحدثات احتيج إليها فتكون بقدر الحاجة.
طالب:. . . . . . . . .
تتخذ لكن بدون إزعاج.
طالب:. . . . . . . . .
في الصلاة، وفي القراءة، وفي الإقامة، وفي الأذان، كلها تتخذ، ما في إشكال، هذه مما يعين الناس، لكن أنا أقول: رفع الصوت أكثر من اللازم ليست سمة محمودة، ونبه عليها أهل العلم عند تفسير قوله -جل وعلا- ﴿إِنَّ أَنكَرَ الْأَصْوَاتِ لَصَوْتُ الْحَمِيرِ﴾ [(١٩) سورة لقمان] قالوا: إن ارتفاع الصوت ليس بمحمدة، يعني من عرف بجهور الصوت هذا ليس بمحمدة، وإن ذكروا عن العباس بن عبد المطلب أنه يبلغ صوته الفراسخ، نعم الناس بحاجة إلى من ينبههم في الأذان، وفي الإقامة أيضاً؛ لأنه في الحديث الصحيح: ((إذا سمعتم الإقامة)) دل على أن الإقامة تُسمع، وابن عمر كان يسمع الإقامة وهو يأكل، وفلان وفلان، المقصود أن سماع الإقامة معروف في عهد الصحابة -رضوان الله عليهم-، والحديث دل عليه: ((إذا سمعتم الإقامة فلا تأتوها وأنتم تسعون)) وكم من إنسان يعني بعض المشايخ اجتهد ﵀ وقال: إن الإقامة بالمكبر تحمل على الكسل، ناس كسلانين، الكسلان كسلان، لكن كونه يخرج مع الإقامة ويدرك شيئاً من الصلاة أفضل من كونه إذا خرج يقابلونه في الطريق.
طالب:. . . . . . . . .
стр. 1056
هذا من التعاون على البر والتقوى، أما كوننا نقول: نعينهم على الكسل هو الكسلان كسلان، يعني ما فيش حيلة، وحديث: ((إذا سمعتم الإقامة)) نص في الموضوع، ما يحتاج إلى إغراب في الفهم، أو استنباط بعيد.
طالب:. . . . . . . . .
هي للحاضرين والغائب يعان على ذلك؛ لأن كلمة "إذا سمعتم الإقامة" و"كان ابن عمر يسمع الإقامة" دل على أنها تسمع من بُعد، وبلال كان يقيم في مكان الأذان، بدليل قوله: ((لا تسبقوني بآمين)).
واستحسنوا البدء بقارئ تلا ... . . . . . . . . .
يتلو شيئاً من القرآن، ولو قرأ سورة كاملة كان أولى، لا سيما من القصار، ويستحسن أن يكون نفس الشيخ المحدث المملي أو المستملي، أو من حضر من أرباب الأصوات المؤثرة.
"واستحسنوا البدء -بدء الإملاء- بقارئ تلا" وهذا مأثور عن الصحابة ومن بعدهم أنهم إذا اجتمعوا أمروا واحداً منهم أن يقرأ عليهم، بعضهم يستحب أن تكون القراءة -قراءة سورة الأعلى- سبح اسم ربك الأعلى، لا يوجد لها دليل شرعي، نعم ليس له دليل، وإنما هو مجرد استحسان واسترواح ﴿سَنُقْرِؤُكَ فَلَا تَنسَى﴾ [(٦) سورة الأعلى] يعني مالوا إلى هذا، ﴿صُحُفِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى﴾ [(١٩) سورة الأعلى] وأنكم تكتبون بأيدكم صحف، وما أشبه ذلك، لكن لا أصل له، هذا الاستحسان لا أصل له.
طالب: القراءة يا شيخ من الصحابة بلا مخالف. . . . . . . . .؟
على كل حال هو أثر أنهم إذا اجتمعوا أمروا قارئاً أن يقرأ القرآن.
طالب: لكن لو فعلت الآن يا شيخ باستمرار؟
وين؟
طالب: المدرس الآن يدرس طلابه في الفصل، في المدرسة، في الكلية وقال لأحد طلابه: اقرأ واتخذها عادة ....
أما اتخاذ عادة دون أصل مرفوع شرعاً هذا لا ينبغي، الأصل عدمه، لكن أيضاً بعد الاقتداء بمن سلف، إذا كانت سنة من سلف لا تنكر.
طالب:. . . . . . . . . القراءة يا شيخ لأنهم كانوا يتدارسون الآيات ويقرؤون ما سيتدارسونه وما يدرسونه؟
لا لا في جلسة عادية، لو جلسوا جلسة عادية قالوا: يا فلان اقرأ، وهذا متداول إلى يومنا هذا، أهل العلم إذا جلسوا أي مجلس قالوا: سم، اقرأ.
طالب:. . . . . . . . .
стр. 1057
هذا الموجود إلى الآن، واللي ما يسويها يعتبرونه تقصير منه، يعني إذا وجد من أهل العلم في مجلس وما في أي فائدة، يعني أقل الأحوال يقرأ له آيات ثم يفسرها، هذه طريقة من سلف، وعهدنا شيوخنا على هذا، لكن لما غلب الهزل، وصار بعض الناس يتذرع بأدنى شيء، فإذا كان في مناسبة أي مناسبة من المناسبات قال: أنا لا أعرف لمثل هذا أصل، الله أعلم بما في قبله، لكن في الغالب أنه يتنصل من المسؤولية.
طالب:. . . . . . . . .
إيه، والله المتسعان.
طالب:. . . . . . . . .
على كل حال إسماع الناس القرآن أمر شرعي ومطلوب، وكان النبي ﵊ يغشى الناس ويسمعهم القرآن.
طالب:. . . . . . . . .
على حسب الحكم، يعني ما الذي تهرب منه هل هو واجب عليه في الأصل أو ليس بواجب؟ أقل أحواله الحرمان، أنه محروم.
. . . . . . . . . ... وبعده استنصت ثم بسملا
استنصت يعني السين والتاء للطلب، يعني طلب الإنصات، وجاء في الحديث الصحيح في حجة الوداع: ((استنصت الناس)) يعني أمرهم أن ينصتوا، أن يسكتوا ليسمعوا.
. . . . . . . . . ... وبعده استنصت ثم بسملا
فالحمد فالصلاة. . . . . . . . . ... . . . . . . . . .
كل هذا عملاً بالأحاديث الواردة في هذا، الفعلية، وإلا القولية فيها ضعف، على أن الجمهور يحتجون بها في مثل هذا الموضع؛ لأنه من الفضائل، ((كل عمل ذي بال لا يُبدأ فيه ببسم الله)) ((كل عمل ذي بال لا يُبدأ فيه بحمد الله ثم الصلاة عليه)) كثير من أهل العلم حكموا على الحديث بجميع ألفاظه وطرقه أنه ضعيف، لكن النبي ﵊ يصدر كتبه ومراسلاته بالبسملة، والقرآن مفتتح بالحمدلة، والخطب تفتتح بالحمد، والصلاة على النبي ﵊ مأمور بها، كل هذه تجعل كلام أهل العلم يستقيم في مثل هذا، وأنه يبدأ بالبسملة ثم الحمدلة، ثم الصلاة على النبي ﵊.
فالحمد فالصلاة ثم أقبل ... بقول من. . . . . . . . .
هذا المستملي، المستملي يستنصت الناس، الشيخ يبسمل ويحمد ويصلي، وكذلك المستملي.
. . . . . . . . . ثم أقبل ... بقول من أو ما ذكرت وابتهل
له. . . . . . . . . ... . . . . . . . . .
стр. 1058
إذا قال الشيخ: حدثنا، يقبل المستملي على الشيخ ويقول: من حدثك؟ أو ما الذي ذكرته؟ هذا قبل أن يبدأ الشيخ أو بعد المستملي؟ الأصل أن الشيخ يبدأ قبل، ثم المستملي يبلغ ما يسمع، لكن المستملي إذا استنصت الناس بقوله: ما ذكرتَ؟ أو من ذكرتَ؟ كأنه يبلغ الشيخ أنهم سكتوا، الآن الطلاب على أتم استعداد للتلقي، فيقول: من ذكرت؟ أو ما ذكرت؟ أو من حدثك؟ فيقول: حدثني فلان عن فلان ثم يبلغ، "وابتهل ... له" يقول: أنت ذكرت -رحمك الله- يدعو له، والشيخ حاجته إلى الدعاء أكثر من حاجته إلى الثناء، الشيخ يحتاج إلى دعاء أكثر من حاجته إلى الثناء، "وابتهل" يعني دعا له "وصلى وترضى رافعاً" صلى على النبي ﵊، ويثني على الله -جل وعلا- إذا مر ذكره، ويصلي عن النبي، ويترضى عن الصحابة، رفعاً صوته بذلك، ويترحم على من بعد الصحابة، يعني العرف عند أهل العلم الذي جروا عليه أن الرب -جل وعلا- يقال فيه: ، وجل وعلا، وتبارك وتعالى، ولا يقال لمحمد ﵊: " " وإن كان عزيزاً جليلاً؛ لأن العرف عند أهل العلم المتفق عليه بينهم أن هذا لا يقال إلا في حق الله -جل وعلا-، ثم بعد ذلك الصلاة، وهي خاصة بالنبي ﵊ على سبيل الاستقلال، والأنبياء ومن عطف عليه ﵊ من آله وأصحابه.
. . . . . . . . . وصلى وترضى رافعاً ... والشيخ ترجم الشيوخ ودعا
الشيخ ترجم الشيوخ، يعني إذا نقل عن شيخه يذكر اسمه كاملاً، حدثنا فلان ابن فلان ابن فلان، أبو محمد الفلاني، يعني يذكر الاسم كامل.
. . . . . . . . . ... والشيخ ترجم الشيوخ ودعا
стр. 1059
يعني دعاء لهم، الشيوخ أيضاً هم بحاجة أن يُدعى لهم كما يُدعى له، وقد يحتاج إلى شيء من الثناء عليهم لا سيما فيما يميز منازلهم؛ لأن هذا محل رواية، وإذا أثنى على الشيوخ قبلت رواياتهم، وهذا طريق مسلوك متبع، يعني بدءً من الصحابة حينما يقول: "حدثني الصادق المصدوق" "أوصاني خليلي"، والتابعي يثني على الصحابي ومن بعده، "حدثني أصدق من رأيت من البشر"، "حدثني فلان وهو ثقة"، لا سيما إذا كان في اسمه ما يدل على عدمها، يعني في البخاري: حدثني حجاج الشاعر وكان ثقة؛ لأن السامع يقول: شاعر هذا ويش جابه للحديث؟ نعم، والشعراء يقولون ما لا يفعلون، ويتبعهم الغاوون، ثم بعد ذلك قد يتطاول عليه أحد، فرفعاً لمثل هذا أردفه بقوله: "وكان ثقة".
وذكر معروفٍ بشيء من لقب ... . . . . . . . . .
اللقب الذي يشعر بمدحٍ أو ذم، يعني قول الرب -جل وعلا- ﴿اسْمُهُ الْمَسِيحُ﴾ [(٤٥) سورة آل عمران].
طالب:. . . . . . . . .
نعم، ﴿اسْمُهُ الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ﴾ [(٤٥) سورة آل عمران] الاسم هل هو المسيح أو عيسى؟ أو هما اسمان؟ أو المسيح وصف نعت لقب واسمه العلم عيسى؟ يعني من حيث تطبيق التعاريف فالمسيح لقب، والعلم عيسى، لكن الله -جل وعلا- قال: ﴿اسْمُهُ الْمَسِيحُ﴾ [(٤٥) سورة آل عمران] أو نقول: له اسمان؟ لا شك أنه لما يقال: المسيح لأنه يمسح الأكمه والأبرص والأعمى والمريض ويشفى سمي المسيح بهذا يكون لقب ما يكون علم، أو لأنه ممسوح أخمص القدمين، وأمور كثيرة يعني ذكروها في سبب تسميته بالمسيح، وأعني بذلك مسيح الهداية عيسى بن مريم، بخلاف مسيح الغواية الدجال، هل هذا لقب وإلا اسم؟ يعني لو لم يرد قول الله -جل وعلا-: ﴿اسْمُهُ الْمَسِيحُ﴾ [(٤٥) سورة آل عمران] ما ترددنا في كونه لقب، ما يُتردد في كونه لقب؛ لأن هذا مدلول اللقب، وهذا الذي ينطبق عليه حده.
طالب: يا شيخ في حالة النداء ناداه الله -جل وعلا- في عدة آيات غير الآية هذه "يا عيسى بن مريم" "يا عيسى" فبدأ باسمه ....
стр. 1060
وأسند إليه الفعل، وأسند إليه الخبر بعيسى، لكن قوله -جل وعلا-: ﴿اسْمُهُ الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ﴾ [(٤٥) سورة آل عمران] لا يستطيع أحد أن يخالف ما جاء في كلام الله -جل وعلا-، اللهم إلا أن يقال كما قيل في غيره من أن هذه حقيقة شرعية والحقيقة العرفية كذا؛ لأنه قد تختلف الحقائق الشرعية مع العرفية.
وذكر معروفٍ بشيء من لقب ... كغندر. . . . . . . . .
لقب لمحمد بن جعفر، وممن يروي عنه غندار، غندار محمد بن بشار، وهناك ألقاباً كثيرة، وألف في الألقاب كتب، الحافظ ابن حجر اسمه كتابه إيش؟ (نزهة الألباب في ذكر المعروفين بالألقاب) مطبوع في مجلدين، هناك كتب كثيرة في الألقاب، مثل: (صاعقة) محمد بن عبد الرحيم، ومثل: (دحيم) ومثل: (مُطيّن) ألقاب كثيرة عند أهل الحديث، هذه الألقاب منها ما يشعر بذم، ومنها ما يشعر بمدح، ومنها ما هو لا هذا ولا هذا، يعني بيان واقع، ما في ذم ولا مدح.
وذكر معروفٍ بشيء من لقب ... كغندر أو وصف نقصٍ أو نسب
لأمه. . . . . . . . . ... . . . . . . . . .
ابن علية، عبد الله بن بحينة، سهيل بن بيضاء، ابن البرصاء، ابن كذا، ابن كذا، ابن أم مكتوم، نعم؟
طالب:. . . . . . . . .
كذلك، المقصود أنه من نسب إلى أمه كثير في الصحابة والتابعين ومن بعدهم، هذا إذا لم يقصد بذلك العيب والشين للراوي، ولا يُعرف بغيره ولو أشعر بنقص أو ذم كالأعمش والأعرج والأعمى والضرير والأحدب والأحول هذه موجودة في ألقاب المحدثين، وتذكر في كتب السنة.
طالب:. . . . . . . . .
عن عبد الله بن بحينة، أمه أشهر من أبيه.
"وهو حامل أمامة بنت زينب" هذا في الصحيح.
طالب:. . . . . . . . .
إيش؟
طالب:. . . . . . . . .
لماذا؟
طالب:. . . . . . . . .
يعني هناك قول ضعيف عند أهل العلم أن الناس يدعون يوم القيامة بأمهاتهم، فلان ابن فلانة، فلان ابن فلانة كلهم يدعون على هكذا، وعللوا ذلك بأن قالوا؟
طالب:. . . . . . . . .
стр. 1061
لا، قالوا: تشريفاً لعيسى بن مريم، وستراً على أولاد الزنا، واستدلالاً بقوله: ﴿يَوْمَ نَدْعُو كُلَّ أُنَاسٍ بِإِمَامِهِمْ﴾ [(٧١) سورة الإسراء] جمع أم، ولكنه كما جاء في الحديث: ((يُدعى –لا سيما أهل الجنة- بأحب الأسماء إليهم)) هنا في الألقاب.
وذكر معروفٍ بشيء من لقب ... كغندر أو وصف نقصٍ. . . . . . . . .
وصف نقص: الأعمى والأعرج والأحول والأحدب.
. . . . . . . . . ... . . . . . . . . . أو نسب
لأمه. . . . . . . . . ... . . . . . . . . .
كابن بحينة على ما ذكرنا، وعبد الله بن مالك اسمه، ابن القشب، أمه بحينة، ابن أم مكتوم، والأصل في التلقيب ما جاء في حديث: ((أكما يقول ذو اليدين؟ )) النبي –﵊ ذكره بلقبه لأمه، إلا إذا كان لا يرضى بذلك كابن علية مثلاً، فإن الإمام أحمد بن حنبل أنكر على يحيى بن معين نسبته لأمه؛ لأنه يكره الانتساب إليها، والشافعي يقول: حدثنا إسماعيل بن إبراهيم الذي يقال له: ابن علية؛ لأنه مشهور بأمه.
لأمه فجائزٌ ما لم يكن ... يكرهه كابن عليةٍ فصن
يعني صن لسانك عن النطق بما يكره الإنسان؛ لأن هذه حقوق العباد، وإذا كان الاختلاف في الضبط منه ما هو مكروه عند صاحبه، ومنه ما هو محبوب كابن المسيِب والمسيَب فيحرص الإنسان على أن يأتي بما يرضي صاحبه، كثير ما يردد أهل العلم: "خطأ مشهور خير من صحيح مغمور" الآن صاحب المستصفى والإحياء اشتهر على ألسنة الناس التخفيف: (الغزالي) والأصل فيه التشديد (الغزّالي)، وأيضاً (الباقِلاني) يعني العكس، الناس ينطقونه بالتشديد وهو بالتخفيف حقيقتها، (الباقلاني) بدالاً من (الباقلّاني) فيرون أن هذه الأمور التي درج عليها الناس ولو كانت خلاف الأصل، ولا تغير المعنى، ولا توقع في لبس؛ لأنها تتحدث عن ذات واحدة سواء شددت أو خففت، يتسامحون في مثل هذا.
. . . . . . . . . فجائزٌ ما لم يكن ... يكرهه كابن عليةٍ فصن
وارو في الإملا عن شيوخ قدمِ ... أولاهم وانتقه وأفهمِ
стр. 1062
"وارو في الإملا عن شيوخ قدمِ ... أولاهم" يعني ابدأ بالأقدم فالأقدم من شيوخك، ما تأتي إلى شيخ أخذت عنه حديثاً، أو صغير السن قد أخذت قبله عمن هو أكبر منه، ومن هو أفضل منه وأحفظ، على أي وصف كان يقتضي التقديم يقدم الشخص.
وارو في الإملا عن شيوخ قدمِ ... أولاهم. . . . . . . . .
أولاهم بالتقديم، سواء كانت هذه الأولية بسبب كبر السن، أو قدم السماع، أو كونه أضبط وأحفظ، وأتقن من غيره.
. . . . . . . . . ... . . . . . . . . . وانتقه وأفهمِ
يعني انتقِ من أحاديث الشيوخ وأفهم، يعني لا تركز على حديث واحد من الشيوخ وتترك الباقي؛ لأن الإملاء يختلف عن التحديث، يعني أنت في دروس التحديث بصدد أن تملي جميع ما عندك، أو تحدث بجميع ما عندك، لكن دروس الإملاء التي يتخللها ما يتخللها من طرائف وأشعار ونوادر وحكايات، هذه ما يلزم فيها الاستيعاب، وعلى هذا ينتقي من كل شيخ حديث، يعني في تذكرة الحفاظ للحافظ الذهبي ﵀ ينتقي من مروياته عن طريق هذا المترجم حديث واحد، ففي الإملاء ينتقى من أحاديث كل شيخ من الشيوخ حديث واحد، لا سيما إذا كان مكثر من الشيوخ، أما شخص ما له إلا شيخ واحد فمثل هذا ينتقي من أحاديث شيوخ شيوخه، وكذلك من بعده، يترقى فيها، يعني يأتي يوم بحديث من أحاديث شعبة، وحديث من أحاديث الزهري، وحديث من أحاديث ابن كيسان، وحديث من أحاديث الثوري، من حديث ابن عيينة، ينتقي من أحاديث الشيوخ.
. . . . . . . . . ... أولاهم وانتقه وأفهمِ
"أفهم" يعني لا تهذرم ولا تسرع في الإملاء، ومما يوقع الطالب في الحرج لعدم فهمه ما يملأ، فتجده يكتب خطأ، ولذا تجدون في الدروس -في الدراسة النظامية- المدرس يشرح والطلاب يكتبون، وأفهامهم متفاوتة، الشيخ لا يملي إملاء بمعنى أنه يبسط كتابه ويملي عليهم إملاءً، هذا سهل، يعني الطالب قد يكتب كتابة صحيحة، لكن إذا كان يملي والطالب يكتب، فإذا قابلت كتابات بعض الطلاب على بعض وجدت بينهم بوناً شاسعاً، وجدت بوناً شاسعاً، فرق كبير، كل ذلك بسبب عدم تأني الشيخ وإفهامه.
. . . . . . . . . ... . . . . . . . . . وأفهمِ
ما فيه من فائدة ولا تزد ... عن كل شيخ فوق متن واعتمد
стр. 1063
وأفهم ما فيه من فائدة، يعني أنت مر عليك هذا الحديث، وقرأته وأمليته على الطلاب بصوت واضح وكتبوه، وهذا الحديث فيه فائدة، يعني لا تشرح الحديث شرح بإسهاب وإطناب بحيث لا يكفي الدرس الواحد حديث واحد؛ لأن المسألة مسألة إملاء وانتقاء من أحاديث الشيوخ ما فيه فائدة لهم، وبعضهم كما قال الخطيب وغيره في مثل: "أفهم ما فيه من فائدة" يعني الذي يستفيد منه جميع الناس أحاديث الأحكام، فجميع الناس بحاجة إليها، أحاديث الأحكام ينتقى منها، لكن أبواب الدين كلها مطلوبة لطالب العلم وللشيخ، أحاديث الترغيب، أحاديث الفضائل، أحاديث الفتن، أحاديث كثيرة، أحاديث الإيمان، أحاديث العقائد في غاية الأهمية، المغازي والسير أيضاً مهمة، "وأفهم ... ما فيه من فائدة" يعني استنبط لهم فائدة من هذا الخبر، سواء كانت في متنه أو في إسناده، أو في مناسبة حصلت لها عُلقة بهذا الخبر، أو حكاية تحكى عن هذا الشيخ الذي يروى من طريقه، أو عن شيخ في أثناء إسناده.
. . . . . . . . . ... . . . . . . . . . وأفهمِ
ما فيه من فائدة ولا تزد ... عن كل شيخ فوق متن واعتمد
لأنك لو أكثرت من أحاديث الشيخ الواحد فإنك لن تستوعب جميع أحاديث الشيوخ، فأنت تجمع شيوخك وتلقي على الطلاب عن كل شيخ حديث واحد، وتذكر ما يتعلق بهذا الحديث من استنباط، أو فائدة، أو طرفة، أو شعر، أو ما أشبه ذلك، أو حكاية تتعلق بهذا الخبر، أو براوٍ من رواته.
. . . . . . . . . ولا تزد ... عن كل شيخ فوق متن واعتمد
عاليَ إسناد قصير متن ... . . . . . . . . .
"عالي إسناد" يعني تقل الوسائط فيه بينك وبين النبي ﵊ "قصير متن" يعني ما تملي عليهم الأخبار الطويلة بحيث ينتهي مجلس الإملاء بحديث واحد، إنما تأتي بالأحاديث العوالي قصيرة الإسناد، قصيرة المتن.
عالي إسناد قصير متن ... واجتنب المشكل خوف الفتن
стр. 1064
يعني ما لا تحتمل عقول الطلاب الحاضرين، قد تأتي بشيء لا تبلغه عقولهم فتكون فيه فتنة لهم، والشراح كلهم في مثل هذا يركزون على أحاديث الصفات، ويجعلونها من المتشابه الذي لا يلقى على العامة، أو على أنصاف المتعلمين الذين قد يفهمون منها التشبيه، تشيبه الخالق بالمخلوق، لكن هذا الكلام ليس بصحيح، فأحاديث الصفات من المحكم، وما يقال مما قد يفهمه بعض الناس يرد بما قد يفهمونه من الآيات، فهل يحجب عنهم القرآن أيضاً؟ لا يمكن حجب القرآن ولا عن العامة، وفيه من آيات الصفات ما فيه، فلو حجبنا أحاديث الصفات للزم أن نحجب أيضاً آيات الصفات.
. . . . . . . . . ... واجتنب المشكل خوف الفتن
لئلا يفتنن به من لا يحتمله علقه، "حدثوا الناس بما يعرفون، أتريدون أن يكذب الله ورسوله؟! " نعم؟
طالب:. . . . . . . . .
لا لا، لو رجعت إلى الشراح الشيخ سليمان بن علي في فتح المجيد ذكر ما يذكر عن مالك أن أحاديث الصفات من المتشابه ولا تلقى على العوام، ورد عليها رداً قوياً، وإن كان لا يثبت عن مالك، لكن مع ذلك القول مردود، ذكره في الشروح كلها، حتى في فتح المجيد وغيره، لكن الأصل تيسير العزيز الحميد.
هذا يقول: لماذا أسهب الشيخ في ذكر آداب مجلس الإملاء مع أنه حالة خاصة؟
يعني مجالس التحديث العامة غير مجالس الإملاء يخدمها كثير من الأبواب السابقة، يخدمها جميع الأبواب السابقة تخدم التحديث، تحملاً وأداءً، لكن الإملاء ما مر ما يخدمه إلا في هذا الباب، مع أنه سنة قد تكون مهجورة، والآن يختلف الوضع عن السابق، الإشكال لو اتخذ مجلس للإملاء كان يكتفي الناس بآلات التسجيل، يعني الشيخ يحرر ما يريد أن يمليه، ويأتي إلى الطلاب ويملي عليهم إملاء من غير زيادة ولا نقصان، ويقول لهم: المسجل يكفي، أو يكتب واحد وراء الشيخ ويصور للبقية، قبل ما في مثل هذا، في السابق ما في مثل هذا، ولذا ما أدري ما مصير الطلاب؟ وما مصير وضعهم لو عقد مجالس للإملاء من هذا النوع؟ هل يثبتون؟ شوف في الجامعة اللي يملي على الطلاب يملونه، يعني مجرد إملاء من أن يدخل إلى أن يخرج وهو يملي يملونه، ولو كان علماً نافعاً، يكتفي بواحد يكتب والبقية يصورون.
стр. 1065
طالب: لكن يا شيخ الإملاء الذي يُذكر عن أهل العلم إملاء المرويات، وليس إملاء كلام يُنشأ ثم يُلقى على هيئة الإملاء.
إلا إلا إملاء، إملاء سواء كان من حفظه أو من كتابته، ويزينه بالحكايات والطرائف والقصص، ويستطرد فيه، وأشعار.
طالب: لا أقصد الأغلب فيما يذكر عن الإملاء أنه المرويات.
إيه في المرويات، لكن المرويات مع الإجازة إذا كتب واحد وأجيز الجميع به انتهوا يروح يصوره وخلاص.
طالب: السبب أنت ذكرت يا شيخ -الله يحفظك- الآن من النادر أن يوجد الآن من يملي بسبب حفظ المرويات.
لا لا ما هي مسألة حفظ، سواء كان من حفظه أو من كتابه، أنا أقول: ما أدري هل عند الطلاب استعداد أن يكتبوا مع الشيخ مجلس إملاء؟ يعني لو أنا حررت على هذه الطريقة وخصصت يوم في الأسبوع، وقلت: تعالوا -يا الله- احضروا كل واحد يجيب قلم وأوراق يكتبون كلهم؟! ما أظنهم يكتبون، ما أظن يكتب إلا واحد أو اثنين، والبقية يصورون، حتى سماع الإملاء ما هو مقبول، ما هو مثل الإلقاء اللي ينتابه ما ينتابه، ويتغير فيه الوضع، والكلام نبرته تتغير، وتدخل فائدة، وتأخذ من كتاب، لا، لذلك التعليم بالإملاء هذا لا شك أنه ممل، لكنها سنة معروفة عند أهل العلم حفظ بها كثير من المصنفات، يقول:
واستحسن الإنشاد في الأواخرِ ... بعد الحكايات مع النوادرِ
استحسن الإنشاد مع حكايات ونوادر؛ لأن هذه تنشط طالب العلم، لا شك أن الدرس إذا كان جاد تمله الأسماع، تمجه الأسماع، فيحتاجون إلى ما يستجمون به من حكايات وأشعار ونوادر وطرائف، يعني يستجمون بها، ويروحون ويريحون العقل من العلم الجاد المتين، يحتاجون إلى شيء من ملح العلم وطرائفه لينشطوا، ولذا نوصي طلاب العلم باستمرار أن ينظروا في كتب التواريخ؛ لأن فيها شيء من هذا، وكتب الأدب أيضاً فيها شيء من الاستجمام يعني ينوع طالب العلم، أما إذا كان جاداً فإن العقول تكل وتمل، قد تحمله على الترك.
واستحسن الإنشاد في الأواخرِ ... بعد الحكايات مع النوادرِ
стр. 1066
تجدون بعض أهل العلم وهذه موجودة، وبعضهم يشكو منها، وبعضهم يشكو من عدمها، بعض المشايخ تجده بصدد ما بين يديه من علم، لا يخرج لا يمين ولا شمال، لا يتعدى هذه الأسطر التي يشرحها، في أي كتاب، وفي أي فن، تجد بعض الطلاب يطالبونه بشيء مما يريح عقولهم من الاستطرادات التي تفيدهم من جهة وتشدهم لاستماع الدرس؛ لأن ما يخدم الكتاب موجود في الشروح، يعني لو افترضنا أن شيخ يشرح زاد المستقنع مثلاً بقدر ما بين يديه، لا يخرج لا يمين ولا يستطرد ولا ... ، يقولون: الشروح عندنا كافية، ما نحتاج إلى مثل هذا الشرح، لو وجد أخر مثلاً يشرح هذا الكتاب بما في الشروح وبما في الكتب الأخرى، مما يخدم هذا المتن بالاستطرادات، بالنكت، بالطرائف التي تنشط طالب العلم هذه يرغبها كثير من الطلاب، لكن الإشكال أن بعض الطلاب يذكر أنها تعقوهم عن تكميل الكتاب، ولذا المطالبة كثيرة ومتضادة ومتقاربة يعني، بعضهم يقول: نريد استطرادات مما لا نجده في الشروح، وبعضهم يقول: لا نريد هذه الاستطرادات التي تعوقنا عن تحصيل أو تكميل الكتاب.
стр. 1067
وعلى كل حال كل له منهجه وطريقته، إذا لم تعجبك طريقة هذا الشيخ الذي يلزم هذا الكتاب ولا يتعداه، يعني وجد بعض الشيوخ يشرح زاد المستقنع إذا انتهى الشرح أو انتهى الكتاب قارنته في الشروح ما وجدت فرق، اللهم إلا مجرد اختصار لبعض الشروح الموجودة هذا ما يفيد كثيراً، لكن لو كان هناك استطرادات ويربط العلوم بعضها ببعض، ويفرع، ويربط الفروع بأصولها وبقواعدها، وإذا مر به فائدة في كتاب ليس بمظنة أفاد بها الطلاب، هذا يستمسك به، لكن صحيح أنه. . . . . . . . . كامل، الكتاب يحتاج إلى مدة متطاولة، فإذا ما أعجبتك طريقة هذا الشيخ انتقل إلى شيخ آخر لعلها تعجبك طريقته، مسألة تكميل الكتاب هذه إذا كان النظر إليها على أي وجه كان هذه مشكلة، بعض الناس يستعجل ختم الكتب هذا ما يدرك في الغالب، ختم الكتب عندك شروح، عندك حواشي، وعندك شيوخ أيضاً يشرحون على هذه الطريقة التي تريدها، فلا تكلف غيرهم مثلما يصنعونه، ولا تكلفهم أيضاً أن يسلكوا ما يسلك غيرهم؛ لأنه إذا بغى يستطرد يمكن ما يقدر؛ لأنه تحتاج إلى سعة اطلاع وتفنن، وتحتاج إلى تفنن، بعض الناس تخصص في هذا الفن ما يعرف غيره، ويش لون يطلع؟ ومن أنفع الأمور لطالب العلم ربط الفروع بالأصول، والتفريع على القواعد، هذا مهم جداً بالنسبة لطالب العلم؛ لأنه بدلاً من أن يفهم مسألة واحدة يفهم القاعدة التي تنضوي تحتها، أو الأصل الذي تحته فروع كثيرة جداً.
واستحسن الإنشاد في الأواخرِ ... بعد الحكايات مع النوادرِ
لا شك أن الدرس مثلما ذكرنا أنه إذا كان علم محض متين خالص، هذا كثير من الناس يمله، الناس مجبولة على الملل، مجبولة على هذا، وإذا ملت كلت، قد تترك، قد يؤدي ذلك إلى الترك.
وإن يخرج للرواة متقنُ ... مجالسَ الإملاء فهو حسنُ
الشيخ قد يكون عنده طيلة أيام الأسبوع دروس، وله ارتباطات والتزامات، وله أعمال أخرى، فمجلس الإملاء تمر فيه أثار، تمر في أحاديث مرفوعة وأثار وأخبار وأشعار، وكل هذه تحتاج إلى تخريج وعزو إلى مصادرها، قد لا يتيسر للشيخ لضيق الوقت عليه أن يخرجها بنفسه، فلا مانع أن يسند هذا التخريج إلى شخص متقن.
وإن يخرج للرواة متقنُ ... مجالسَ الإملاء فهو حسنُ
стр. 1068
يعني يعان على هذا؛ لأن وقته لا يستوعب، والواقع من حال أهل العلم قديماً وحديثاً أنهم يستفيدون من طلابهم، يعني كان الحافظ ابن حجر يكلف طلابه ببحث المسائل التي يحررها، ويعيد النظر فيها ويصوغها ويثبتها في فتح الباري، وأكثر فتح الباري إملاء، أكثره إملاء، وأشار إلى هذا الحافظ، قال: "كنت أمليت في كتاب الوضوء كذا" ... قال: "وقصة الإفك قبل نزول الحجاب" هذا في كتاب الوضوء، ثم في قصة الإفك في حديث في الأخير يعني في حديث السيرة قال: "وكنت أمليت أن قصة الإفك قبل نزول الحجاب، والصواب أنها بعد نزول الحجاب" وهذا صريح كلام عائشة "كان يعرفني قبل أن ينزل الحجاب" فدل على أنه قد نزل الحجاب "كنت أمليت" فدل على أن الكتاب إملاء، ولا شك أن الحافظ ابن حجر يستفيد من الطلاب ويكلفهم، لكن الطلاب النبلاء منهم الطلاب المتقنين ما يسند لأي طالب يقوم بهذا العمل.
وإن يخرج للرواة متقنُ ... مجالسَ الإملاء فهو حسنُ
يعني يستفيد من طلابه، يستفيد من أقرانه، يستفيد ممن يخرج له، هذا إذا كان العمل حسبة لله -جل وعلا-، أما إذا كان في مثل الرسائل العلمية يريد أن يستفيد من غيره، أو يستأجر من يخرج له هذا لا يجوز بحال؛ لأنها ورقة امتحان، ينظر فيها قدرته، لا يجوز أن يكلف أحد أن يخرج عنه أبداً.
وليس بالإملاء حين يكملُ ... غنى عن العرض لزيغ يحصلُ
"وليس بالإملاء حين يكملُ" أكمل الشيخ ما يريد إملاءه، يعني الشيخ يريد إملاء مثلاً تخريج أحاديث تفسير الجلالين مثلاً، أملاها على الطلاب وانتهى، هذا ما دونه الطلاب عن شيخهم في حال الإملاء قد يهم الطالب في كتابته فلا يستغني حينئذٍ عن عرض ما كتبه على الشيخ.
وليس بالإملاء حين يكملُ ... غنى عن العرض لزيغ يحصلُ
стр. 1069
تعطيه الشيخ يراجع ويطالع وإذا كان فيه خلل وإلا شيء يصحح ويقوم، ولا بد من وجود الخلل، لا بد؛ لأن ما دام الكتابة عن الأصل، وهو بين يديك تنظر فيه وتكتب منه حرفاً حرفاً لا بد من مقابلته على الأصل؛ لأن العين قد تزيغ عن الموضع المطلوب فتكتب غيره، ويحصل نقص، يحصل زيادة، وهذا كثير في النسخ -نسخ الكتب-، فلا بد من مقابلتها على أصله، فلا تجوز الرواية من الكتاب غير المقابل، إلا على رأي الخطيب ومن يقول بقوله ممن يقول: لا مانع من الرواية من كتاب غير مقابل إذا كان الناسخ متقن، وبيّن حال الرواية أنه غير مقابل، إذا كان هذا في النسخ من الأصل فكيف بالنسخ أو النسخ في حال الإملاء؟ النسخ في حال الإملاء لا شك أنه عرضة لمثل هذا النقص، ولهذا الخلل، ولهذا الزيف من النقل من الكتاب، وعلى هذا لا بد أن يعرض على الشيخ، ولا تجوز الرواية منه إلا بعد عرضه، وإذا كان الناسخ متقن وماهر فلعل البيان حال الرواية يعني: "لم أعرضه على الشيخ" يكون مثل البيان حال الرواية من الكتاب المنسوخ من الأصل، ولا يقابل عليه.
اللهم صل وسلم على عبدك ورسولك.
سم.
طالب: تخصيص يوم الثلاثاء. . . . . . . . .
ما له علة إلا أنهم يقلد بعضهم بعضاً، يقلد بعضهم بعضاً في هذا، وجاء في حديث يرفعونه ضعيف أو موضوع، لكن منهم من يقول: إنه بعد صلاة الجمعة أفضل وأوفر؛ لوجود الناس في المسجد، ويستفيد منه أكبر قدر ممكن، وكان شيخ الإسلام ﵀ يفسر القرآن بعد صلاة الجمعة ...
стр. 1070
شرح ألفية الحافظ العراقي (٣٨)
(أدب طالب الحديث)
الشيخ/ عبد الكريم الخضير
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
هذا عن الوليد بن عبد الله بن صياد الذي مر ذكره بالأمس، يقول: قال في (تعجيل المنفعة) هو ثقة أخو عمارة بن عبد الله بن صياد، وقال في سيرة عمارة: هو ابن عبد الله بن صياد الذي قيل فيه إنه هو الدجال، هذا استشكلناه بالأمس، والاحتمال يعني السن يحتمل.
سم.
الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله، نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
اللهم اغفر لنا ولشيخنا والسامعين، يا ذا الجلال والإكرام.
قال الحافظ -رحمه الله تعالى-:
أدب طالب الحديث:
وَأَخْلِصِ الّنِيَّةَ فِي طَلَبِكَا ... وَجِدَّ وَابْدَأْ بِعَوَاِلي مِصْرِكَا
وَمَا يُهِمُّ ثُمَّ شُدَّ الرَّحْلاَ ... لِغَيْرِهِ وَلاَ تَسَاهَلْ حَمْلاَ
وَاعْمَلْ بِمَا تَسْمَعُ فِي الْفَضَائِلِ ... وَالشَّيْخَ بَجِّلْهُ وَلاَ تَثَاقَلِ
عَلَيْه تَطْويْلاَ بِحَيْثُ يَضْجُرُ ... وَلاَ تَكُنْ يَمْنَعُكَ التَّكَبُّرُ
أَو الْحَيَا عَنْ طَلَبٍ وَاجْتَنِبِ ... كَتْمَ السَّمَاعِ فَهْوَ لُؤْمٌ وَاكْتُبِ
مَا تَسْتَفيْدُ عَالِياً وَنَاِزلاَ ... لاَ كَثْرَةَ الشُّيُوْخِ صِيْتاً عَاطلاَ
وَمَنْ يَقُلْ إذا كَتَبْتَ قَمِّشِ ... ثُمَّ إذا رَوَيْتَهُ فَفَتِّشِ
فَلَيْسَ مِنْ ذَا وَالْكتَابَ تَمِّمِ ... سَمَاَعَهُ لاَ تَنْتَخِبه تَنْدَمِ
وَإِنْ يَضِقْ حَالٌ عَنِ اسْتِيْعَابهِ ... لِعَارِفٍ أَجَادَ فِي انْتِخَابهِ
أَوْ قَصَّرَ اسْتَعَانَ ذَا حِفْظٍ فَقَدْ ... كَانَ مِنَ الحُفَّاظِ مَنْ لَهُ يُعدْ
وَعَلَّمُوْا فِي الأَصْلِ إِمَّا خَطَّا ... أَوْ هَمْزَتَيْنِ أَوْ بِصَادٍ أَوْ طَا
وَلاَ تَكُنْ مُقْتَصِراً أَنْ تَسْمَعَا ... وَكَتْبَهُ مِنْ دُوْن فَهْم نَفَعَا
وَاقْرَأْ كِتَاباً فِي عُلُوْمِ الأَثَرِ ... كَابْنِ الصَّلاَحِ أَوْ كَذَا الْمُخْتَصَرِ
وَبِالصَّحِيْحَيْنِ ابْدَأَنْ ثُمَّ السُّنَنْ ... وَالْبَيْهَقِيْ ضَبْطَاً وَفَهْمَاً ثُمَّ ثَنْ
بِمَا اقْتَضَتْهُ حَاجَةٌ مِنْ مُسْنَدِ ... أَحْمَدَ وَالْمُوَطَّأِ الْمُمَهَّدِ
стр. 1071
وَعِلَلٍ وَخَيْرُهَا لأَِحْمَدَا ... وَالدَّارَقُطْنِي وَالتَّوَارِيْخُ غَدَا
مِنْ خَيْرِهَا الْكَبِيْرُ لِلْجُعْفِيِّ ... وَالْجَرْحُ وَالتَّعْدِيْلُ لِلرَّازِيِّ
وَكُتُبِ الْمُؤْتَلِفِ الْمَشْهُوْرِ ... وَالأَكْمَلُ الإِْكْمَالُ لِلأَمِيْرِ
وَاحْفَظْهُ بِالتَّدْرِيْجِ ثُمَّ ذَاكِرِ ... بِهِ وَالاتْقَانَ اصْحَبَنْ وَبَادِرِ
إذا تَأَهَّلْتَ إلى التَّأْلِيْفِ ... تَمْهَرْ وَتُذْكَرْ وَهْوَ في التَّصْنِيْفِ
طَرِيْقَتَانِ جَمْعُهُ أبوابَا ... أَوْ مُسْنَدَاً تُفْرِدُهُ صِحَابَا
وَجَمْعُهُ مُعَلَّلاً كَمَا فَعَلْ ... يَعْقُوْبُ أَعْلَى رُتْبَةً وَمَا كَمَلْ
وَجَمَعُوْا أبواباً أو شُيُوخَاً أو ... تَرَاجُمَاً أَوْ طُرُقَاً وَقَدْ رَأَوْا
كَراهَةَ الْجَمْعِ لِذِي تَقْصِيْرِ ... كَذَاكَ الاخْرَاجُ بِلاَ تَحْرِيْرِ
الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله، نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين، أما بعد:
فيقول الناظم -رحمه الله تعالى-:
أدب طالب الحديث.
لما انتهى من ذكر الآداب المتعلقة بالمحدث ثنى بذكر آداب طالب الحديث، قدم آداب المحدث لما ذكرناه سابقاً من أن المحدث أقدم في الوجود من الطالب، ولولا المحدث لما وجد الطالب، وإن كان المحدث من جهة أخرى كان طالباً، ثم صار محدثاً، فتقديم هذا له وجه، وتقديم ذاك له وجه، لكن البداءة بالكبير أولى، حديث: ((كبر كبر)) والغالب أن المحدث أكبر من طالب الحديث، فيذكر ما يتعلق به، وهناك أمور مشتركة بين المحدث وطالب الحديث.
مضى ما يتعلق بالمحدث، والآن نقرأ ما نظمه الشيخ -رحمه الله تعالى- في هذا الباب، فقال:
وأخلص النية في طلبكا ... وجدّ. . . . . . . . .
стр. 1072
أخلص النية، الإخلاص مضى في آداب المحدث، وهذا قاسم مشترك لجميع من يتعبد لله -جل وعلا- بأي عبادة يتقرب بها إلى الله -جل وعلا-؛ لأنه شرط القبول، الإخلاص، يعني مع المتابعة لا بد منه، أي عمل لا إخلاص فيه لا قيمة له، ((إنما الأعمال بالنيات)) والذي يطلب الحديث لغير الله -كما يقول أهل العلم-: "من طلب الحديث لغير الله مُكر به" لا بد أن يطلبه مخلصاً لله -جل وعلا-؛ لأن الحديث وسائر العلوم الشرعية المتعلقة بالوحيين من أمور الآخرة المحضة -كما يقول أهل العلم- التي لا تقبل التشريك، فلا بد فيها من الإخلاص الذي هو شرط القبول، وهذا مما يشترك فيه طالب الحديث مع المحدث.
"وجد" لا بد من الجد؛ لأن العلم متين، ولا يكمل له إلا الفحول من الرجال الذكور، والإناث قد يوجد فيهن من تُكمل لهذا، بل وُجد على مر التاريخ محدثات، لكن الغالب أنه لا يكمل له إلا الفحول من الرجال الذين هم أهل الجد والعزم وعدم التراخي والتفريط.
стр. 1073
ومع الأسف أننا نجد من ينتسب لهذا العلم وتجده يأخذه على التراخي، على التيسير، يعني لا يجد فيه؛ لأن الحديث هذا بحر محيط لا ساحل له، يعني من اليسير جداً أن يتخصص الإنسان في أي علم من العلوم، ويحيط بأطرافه، ويدرك جملة صالحة منه تعينه على تحصيل بقيته، أما هذا العلم فدون تحصيله خرط القتاد؛ لأنه يحتاج إلى عمر مديد، يحتاج إلى جد واجتهاد وإخلاص، وصدق لجأ إلى الله -جل وعلا- مع المتابعة، مع ما ركب في الإنسان من حفظ وفهم، الآن لو الإنسان يفني عمره في صحيح البخاري فقط، انتهى عمره ما انتهى من صحيح البخاري، يعني إذا أراد أن يدرس صحيح البخاري على الوجه الذي يرجى أن يتقنه إتقاناً تاماً، ويكون مرجع فيه ما يمكن، على صحيح البخاري ما يقرب من مائة شرح، كيف يحيط الإنسان بهذه الشروح؟ يعني شرح واحد قراءة سرد يحتاج إلى سنتين، سرد دون وقوف عند مسائله، يحتاج إلى سنتين، يعني إذا كان فتح الباري بهذه المثابة، والكرماني يحتاج إلى نصف سنة مثلاً، وعمدة القارئ تحتاج إلى مثل فتح الباري إلى سنتين، وإرشاد الساري يحتاج إلى سنة وهكذا كم؟ العمر لا شك أنه قصير بالنسبة لهذا العلم، هذا كتاب واحد، ثم إذا انتقل إلى مسلم، وعليه من الشروح ما عليه، وفيها إعواز كبير يحتاج إلى مراجعات، إلى كتب تعينه على فهم صحيح مسلم، فماذا عن بقية السنن؟ وماذا عن المسند، البحر المحيط الذي فيه أكثر من ثلاثين ألف حديث؟ ماذا عن سنن البيهقي؟ لو أن الإنسان تفرغ لسنن البيهقي ما أنجزه، تحتاج إلى وقت طويل وهكذا.
стр. 1074
ولذا يركز أهل العلم على الجد، العلوم الأخرى يمكن أن تؤخذ لبعض الوقت، لكن هذا العلم لا يمكن أن يؤخذ إلا بجميع الوقت، كل الوقت لا بد أن يستغرق فيه، وما يعين على فهمه وحفظه، كان الناس يحفظون مئات الألوف من الأحاديث، أحمد بن حنبل سبعمائة ألف حديث، أبو داود استخرج السنن من خمسمائة ألف حديث، وفلان وفلان، جمع غفير من أهل العلم بهذه المثابة، لماذا؟ لأنهم أخذوه بالتراخي؟ أخذوه بالتساهل؟ أبداً، جدوا في طلبه، وأخبارهم شاهدة على ذلك، والبخاري يحفظ من الصحيح مائة ألف حديث، ومن غيره مائتي ألف حديث، يعني الآن الآلات الحاسبة التي أدخل فيها جميع ما وجد من الأحاديث أكبر برنامج فيه خمسمائة ألف بالتكرار، يعني الإمام أحمد أكثر منه يحفظ، فهذا العلم يحتاج إلى جد، يعني إذا كان القرآن يمكن حفظه في سنة لطالب العلم المتوسط الحافظة يمكن حفظه في سنة، وإلا وجد من يحفظه في ثلاثة أشهر، بل وجد من حفظه ... ، الزهري في شهر حفظ القرآن، فالسنة متى تحفظ؟ وكان الحفظ للسنة ميئوساً منه، حتى كان العلماء من قرون وهم يتوارثون كتب مختصرة مجردة، يتدرجون فيها، يقفون فيها إلى حد، ولا يتطاولون إلى الكتب الأصلية المسندة إلى حفظها، والآن بدأت بوارق الأمل في عودة الحفظ للسنة، ووجد من يحفظ، يعني وجد، هم يقولون: حفظ الصحيحين المقصود بذلك من غير تكرار ولا أسانيد، يبدءون بأحدهما ويضيفون إليه زوائد الآخر، ثم السنن تباعاً، ثم المسند، ثم نسمع من يحفظ الآن زوائد البيهقي، وهذه بشارة عظمى، ومن سنها لا يحرم أجرها وأجر من عمل بها، نرجو له ذلك -إن شاء الله تعالى-، ومع ذلك يوصى طالب العلم بالجد والاجتهاد، يعني لو إنسان أمسك بجامع الأصول وحفظه يحتاج إلى عمر مديد، مع أن جامع الأصول فيه شيء من الخلل، فلا بد من حفظ الأصول من الأصول على ما سيأتي:
стр. 1075
"وبالصحيحين ابدأن" إن شاء الله نشرح هذا غداً بإذن الله، ويحتاج إلى مزيد من العناية، مثل هذا الموضوع؛ لأن كثير من طلاب العلم يتخبط في الحفظ؛ لأن الآن -ولله الحمد- فُتح الباب، وسلكت الجادة، وكان طلاب العلم يحفظون الأربعين ثم العمدة ثم البلوغ، كثير منهم يقف إلى هذا الحد، يعني يندر من يتطاول على المنتقى، وأما بقية كتب الأحكام فلا تُعرف إلا في عصور متأخرة، الإلمام والمحرر وغيرهما، تقريب الأسانيد وغيره هذا ما يعرف عند كثير من طلاب العلم إلى وقت قريب، الآن -ولله الحمد- والبوادر ظهرت والنتائج ملموسة الآن، وليست على مستوى بلد معين، إنما هذا عم في جميع بلدان المسلمين، وهذه بادرة خير -ولله الحمد- كون طالب العلم لديه رصيد من النصوص فلا شك أنها يفزع إليها عند الاختلاف، عند الاختلاف إنما يرد إلى الله ورسوله، فإذا كان طالب العلم ليس عنده شيء مما يفزع إليه من النصوص كيف يصل إلى الأقوال الراجحة، ويعرف المرجوح من الراجح، ما يستطيع، لكن هذا يحتاج إلى جد، كما قال الناظم ﵀:
. . . . . . . . . . ... وجد وابدأ بعوالي مصركا
"وابدأ بعوالي مصركا" يعني ابدأ بعلماء بلدك، واحرص على الأسانيد العالية عندهم، وخذ من كل عالم ما لا يوجد عند غيره، يعني تبدأ بالأكبر، بالأعلم، ثم تأخذ عنه العلم، ثم تزيد عليه على ما أخذت عنده مما عند غيره من أهل العلم إلى أن تأتي على جميع علماء بلدك، ثم بعد ذلك تبدأ بالرحلة.
يقول:
. . . . . . . . . ... . . . . . . . . . وابدأ بعوالي مصركا
لأنه من تضييع الوقت أن ترحل لطلب العلم، وفي بلدك من يقوم بهذه المهمة؛ لأن الرحلة لذاتها ليست مطلوبة، الرحلة سفر، والسفر مشقة، والمشقة لذاتها لا تطلب شرعاً أبداً، إلا أن تأتي لتحقيق غاية، لتحقيق عبادة ما تأتي إلا بمشقة، الحج يلزم منه مشقة، المشقة ((أجركِ على قدر نصبكِ)) لكن لو أراد الإنسان المشقة التي لا تحقق غاية هذا لا يؤجر عليها.
. . . . . . . . . ... . . . . . . . . . وابدأ بعوالي مصركا
стр. 1076
يعني بلدك، "وما يهم" يعني الأهم فالأهم، "بالمهم المهم ابدأ لتدركه" كما في المنظومة الميمية: "وبالمهم المهم ابدأ لتدركه"، وهذا هو طالب العلم الموفق الذي يرجى له الفلاح في هذا العلم، يبدأ بالمهم فالمهم، يبدأ بالأهم، ولذلك قال:
"وبالصحيحين ابدأن" على ما سيأتي، ومع الأسف أنه يوجد طلاب علم نهمتهم في الغرائب، تجده يخفى عليه ما في الصحيحين، ما في البخاري، وتجده في زاوية يحفظ جزء بيبي، أو جزء الألف دينار، أو زوائد مسند الفردوس، وهو ما يعرف الصحيحين، هذا خذلان هذا، وهذا لن يفلح في الغالب.
стр. 1077
"ثم شُد الرحلا" الرحلة سنة من سنن أهل هذا العلم، الحديث، رحلوا، رحل منهم من رحل مدة شهر يقطع الفيافي والقفار من أجل حديث واحد، جابر بن عبد الله رحل إلى عبد الله بن أنيس من أجل حديث، وغيره وغيره، وفي ذلك مصنف للخطيب البغدادي اسمه: (الرحلة في طلب الحديث) من سنن أهل هذا الفن يرحلون إلى العصور المتأخرين، إذا أخذ ما عند علماء بلده انتقل إلى غيره، ويحرص على العلماء الذين هم أهل تحقيق وتدقيق؛ لأن منهم من يرحل من أجل قدم السماع أو علو الإسناد، وإن كان هذا المرحول إليه عامي لا يفقه شيئاً، إنما عنده إجازات اختصرت له بعض الرواة، فصارت لديه أسانيد عالية، نعم أهل العلم يقصدون مثل هذا، لكن الأهم من هذا معرفة محتوى الأحاديث ومضمونها، وما تدل عليه؛ لأنه فرق بين شيخ عنده أسانيد، يعني وجد في القرن الثامن والتاسع والسابع أيضاً شيوخ عوام، لا يقرءون ولا يكتبون، ولا يعلقون بكلمة إنما تيسرت لهم حضروا دروس ومجالس حديثية في أوائل أعمارهم في الخامسة في السادسة من العمر، وأجيزوا بهذا الكتاب، ثم لما تقدم بهم السن ومات أقرانهم احتاج الناس إلى ما عندهم، تكون أسانيدهم عالية، لكن ما الفائدة أن تقرأ الكتاب، أو يُقرأ الكتاب وأنت تسمع، أو تجاز بهذا الكتاب عن شخص لا يعلق بكلمة، يعني الآن موجود من أهل العلم وعنده القدرة والأهلية للشرح والتعليق ومع ذلك يقتصر على سماع الكتب، مسند أحمد يُقرأ في عشرين يوم مثلاً، سنن أبي داود في عشرة أيام، سنن كذا في .. ، إلى أن وجد من يُقرئ الكتب الستة في شهر، كل هذا إحياء لسنة سابقة، هذا موجود في السابق، لكن أهم من ذلك العلم لما يطلب؟ إنما يطلب للعمل، ومجرد الإكثار من الإجازات والرواية صار هدفاً ومقصداً، يعني وهذا موجود في السابق، يعني موجود في القرن السابع والثامن والتاسع إلى يومنا هذا، لكن همة أهل العلم الراسخين في العلم غير هذا؛ لأن العلم إنما يطلب للعمل، ولا يتم العمل بمثل هذه القراءات، عندي بدلاً من أن يُقرأ المسند في شهر نفقه مائة حديث بدل ثلاثين ألف حديث، ونعرف ما فيها من أحكام، وكيف نتعامل معها إذا عارضت أو عورضت أفضل من قراءة المسند كامل؛ لأن هذه الثمرة من قراءة
стр. 1078
الحديث.
"ثم شُد الرحلا" لغيره، يعني لغير بلدك، "ولا تساهل حملاً" لأن بعض الناس إذا شد الرحل ولحقته المشقة ووصل إلى بلد حصل له فيه شدة ومشقة، وكل شيء يشكل عليه، النوم فيه إشكال، والأكل فيه إعواز، احتاج أن يرجع إلى بلده في أقرب فرصة، ثم يترتب على ذلك أن يتساهل في الحمل، قد يحمل العلم أو يسمع ما يقرئ وهو نائم -وهو ناعس-، لماذا؟ ما الذي اضطره إلى ذلك؟ الاستعجال؛ لأن ظرف البلد الذي يعيش فيه لا يناسبه "ولا تساهل حملاً" لأنه إذا تساهل في الحمل قدح فيه، وتركت الرواية عنه، فصار سبب في تعطيل العمل بهذا الحديث.
واعمل بما تسمع في الفضائلِ ... . . . . . . . . .
نعم هذه هي الثمرة من العلم، الثمرة من العلم العمل، وإلا ما الفائدة من علم بلا عمل؟ ما الفائدة أن تزرع زرعاً لا ينتج؟ قد يستعمل الزرع من أجل الظل، ومن أجل استمتاع بمرآه، لكن علم بلا عمل هذا وبال على صاحبه، لا يخرج منه الإنسان كفافاً.
واعمل بما تسمع في الفضائلِ ... . . . . . . . . .
من أهل العلم من يقول: أدوا زكاة العلم بالعمل، حتى قال بعضهم بالنسبة للفضائل: أن تعمل من كل مائتي حديث بخمسة أحاديث، هذا بالنسبة للفضائل والمتسحبات لا بأس، لك ذلك، أما الفرائض التي أوجب الله عليك العمل بها هذه لا يجوز أن تفرط بحديث واحد، بل كل ما سمعت مما فيه إيجاب أو تحريم عليك أن تفعل الواجب، وتترك المحرم، ولا تنتقِ تقول: والله أهل الحديث يقولون: الزكاة، لا، الزكاة من القدر الزائد على الواجب والمحرم.
واعمل بما تسمع في الفضائلِ ... . . . . . . . . .
ولا شك أن العمل من أقوى وسائل تثبيت العلم، الذي يسمع العلم ولا يعمل به ينساه، لكن إذا عمل به خلاص يثبت عنده هذا العلم؛ لأنه ملازم له.
. . . . . . . . . ... والشيخ بجله ولا تثاقلِ
стр. 1079
"والشيخ بجله" يعني عظمه، واحترمه ووقره يعني بحدود ما يطلب له شرعاً؛ لفضله عليك في تعليمك، ولسنه يحترم ويقدر ويعظم بقدر ما تبيحه الشريعة، وما زاد على ذلك من غلو أو إطراء أو رفع له فوق منزلته فضلاً عن صرف شيء من حقوق الرب -جل وعلا- له أو لمثله، هذا كله لا يجوز، والنبي ﵊ نهى عن الإطراء، قال: ((لا تطروني كما أطرت النصارى ابن مريم)) ((إياكم والغلو، فإنما أهلك من كان قبلكم الغلو)) ونرى جمع من المسلمين في مصنفاتهم وفي أفعالهم وأقوالهم يوجد الغلو، والإطراء والمدح الذي لا يجوز شرعاً، لمن يحسنون به الظن، بل يصرف له شيء من حقوق الرب -جل وعلا-، يستغاث به وينادى من دون الله، ويدعى من دونه، وفي المقابل إذا كان غير موافق له تجده -نسأل الله السلامة والعافية- يغمطه حقه، ويذمه، ويسبه بغير حق، على المسلم أن يكون معتدلاً منصفاً مع الموافق والمخالف، عليه أن ينصف.
. . . . . . . . . ... والشيخ بجله ولا تثاقلِ
عليه تطويلاً بحيث يضجرُ ... . . . . . . . . .
стр. 1080
نعم على طالب العلم أن لا يضجر الشيخ، كما أن على الشيخ أن يبذل، تعلم ليعمل ويعلم، وإلا ما الفائدة ممن يتعلم ولا يعمل، أو يتعلم ولا يعلم، عليه أن يبذل، وإذا سئل عليه أن يجيب، لكن يبقى أنه بشر، يبقى أنه بشر، ينتابه ما ينتاب غيره من البشر، فإذا كان النبي ﵊ يقول: ((إنما أنا بشر أغضب كما تغضبون)) فكيف بمن دونه؟ الذي خلقه القرآن يقول هذا الكلام فكيف بمن دونه؟ تجد طالب العلم –بعضهم- مصر إلا أن تجاب كل أسئلته، يا أخي خلِّ سؤالك بالتوقيت، اليوم سؤال وبكرة سؤال، وبعد ذلك يصر، وأحياناً الشيخ يحتاج ما يحتاجه غيره، تجده جالس في الدرس، ثم بعد الدرس يحتاج إلى أسئلة، نعم عليه أن يصبر، وعليه أن يبذل ويعلم، ويجيب على الأسئلة، لكن أيضاً المقابل كل إنسان له ما يخصه من خطاب الشرع، المعلم له ما يخصه، عليه أن يبذل، وأيضاً عليه أن يجيب، و ((من سئل عن علم فكتمه ألجم بلجام من نار)) لكن يبقى أن أيضاً الطرف الآخر مخاطب بنصوص أخرى؛ لأن الإضجار يدعو الشيخ إلى الملل، وأحياناً إلى الترك، ويفرح إذا حان وقت تعطيل الدروس، أو إذا طرأ له سفر، يعني ما يأتي إلى الدروس وهو منشرح الصدر، ويعطي الطلاب ما عنده براحة، أحياناً تجده يُغضب إما قبل الدرس وإلا بعده ثم بعد ذلك يحرم الطلاب مما عنده من علم، فلا بد من احترام المدرس، وملاحظة شعوره، أحياناً يحتاج إلى دورة، ويمسك عند الباب، أو يكون الجو حار وبعد صلاة الظهر ويمسك بالشمس، هذا ليس مناسب إطلاقاً.
الآن لو أن الإنسان ذهب إلى طبيب يريد أن يعالج شيئاً في بدنه هل يستطيع أن يغضبه؟ أو يتلمس رضاه بكل أسلوب يستطيعه؟
طالب: يتلمس.
стр. 1081
هذا الحاصل نعم، تجده يخاطبه برفق ويلين، يضفي عليه من الألقاب والمدائح كله من أجل هذا الداء عله أن يشفى على يديه، فكيف بأدواء القلوب، وتعليم العلم الموصل إلى رضا الرب -جل وعلا-، وعلى كل حال مثلما قلنا: كل إنسان له ما يخصه من خطاب الشرع، فالمعلم عليه أن يعلم، وعليه أن يجيب على الأسئلة، لكن بحيث لا يتضرر، ولا يتضرر من يمونه، بعض الناس يحرج الشيخ ويأخذ أوقاته، ويأخذ شيء من وقت أهله، وأهله لهم عليه حق، نعم يوجد نماذج في القديم والحديث ممن جعل وقته لله -جل وعلا-، ويصرفه كله لطلاب العلم ونفعهم، هذا لا شك أنه أجره عند الله -جل وعلا- عظيم، لكن يبقى أنه ما هو الناس على منزلة واحدة، يعني بعض الناس، أو بعض أهل العلم وصل إلى مرحلة يتلذذ فيها بالنشر والتعليم، بالفتوى، ورأينا منهم من هو في المستشفى ومع ذلك يجيب، وبيده كتاب يحرره ويراجعه، وفتاوى يجيب عليها، وعنده أحد يقرأ عليه، هذا وصل إلى مرحلة يتلذذ فيها بالعلم.
وشاركنا بعض المشايخ في الدورات يعني الفرق كبير، نسأل الله العفو والمسامحة، يعني ما عندنا إحنا إلا الدرس الذي هو ساعة لا تزيد ولا تنقص، ما عندنا غيره، تجده درس بعد الفجر، ثم بعد ذلك يستلمونه الإخوان يودونه دائرة إما عسكرية وإلا مدنية يلقي عليهم محاضرة، وتجده يمسكونه في محل فيه تليفون يجيب على أسئلة السائلين بعد أن يعلن عن هذا الهاتف وأن الشيخ عليه .. ، ثم بعد ذلك الظهر ينتقل إلى مسجد آخر، ثم دعوة يجيب فيها على أسئلة طلاب العلم وهكذا نهاره، يعني موجود الآن، وممن مضى يعني، الأمثلة موجودة، لكن كيف يُحمل الناس كلهم على هذا المستوى؟ هذا ليس بصحيح، من وصل إلى مرحلة التلذذ هذا نعمة من الله -جل وعلا-، ومنحة إلهية أن يمضي أنفاسه كلها في العلم والتعلم، لكن من لا يزال في مرحلة المجاهدة كيف تكلفه ما لا يطيق؟! ولذلك قال:
. . . . . . . . . ... . . . . . . . . . ولا تثاقلِ
عليه تطويلاً بحيث يضجرُ ... . . . . . . . . .
стр. 1082
وذكر عن بعض المحدثين أنه من أحسن الناس خلقاً، فما زال به الطلاب حتى صار من أسوأ الناس خلقاً، صحيح بشر، تجد الشيخ جالس في المسجد يقرأ القرآن، يقرأ نصيبه أو حزبه من القرآن ثم يجئ الطالب يبي يسأل، انتظر يا أخي إلى أن ينتهي من القراءة، إذا كنت تعرف عادة الشيخ أنه يطول ويفوت عليك شيء وأنت وراءك دوام وهو جالس ما عنده دوام، شوف لك وقت آخر، وبعضهم يتندر بالمجالس يقول لي الشيخ: مشغول وهو يقرأ، يعني ما في برنامجهم قراءة القرآن شغل! يعني هذا موجود وسمعناه، يعني ما هو بافتراض، الشيخ يقول: مشغول وهو جالس يقرأ، والله المستعان.
. . . . . . . . . ... . . . . . . . . . ولا تثاقلِ
عليه تطويلاً بحيث يضجرُ ... ولا تكن يمنعك التكبرُ
أو الحيا عن طلبٍ. . . . . . . . . ... . . . . . . . . .
لا يمنعك التكبر ولا الحياء عن طلب العلم، بعض طلاب العلم يريد أن يسأل عنده إشكال، يريد أن يسأل عنه، بس يخشى أنه إذا سأل إما أن يراه الشيخ أو أحد من الحضور يقول: هذا السؤال يعني ما ... ، قد يظن به أن مستواه أرفع من هذا السؤال فيترك، يتكبر ويترك هذا السؤال، أو يستحي من الشيخ، أو من الحاضرين "لا يتعلم العلم مستحي ولا مستكبر" كما في البخاري عن مجاهد، يحرم؛ لأنه لن يسأل ما دام متكبر أو مستحي، ومفتاح العلم السؤال.
أو الحيا عن طلب واجتنبِ ... كتم السماع فهو لؤم واكتبِ
стр. 1083
يعني بعض الطلاب إذا تيسرت له فرصة أن يقرأ على شيخ، أو كتاب مثلاً من الكتب التي تعني جميع طلاب العلم قد يكتمها، إذا قيل له: هل تعرف شيخ يقرئ الكتاب الفلاني؟ وهو يقرأ عليه في الكتاب الفلاني، قال: لا، لا ما في أحد، نعم ما في أحد، على شان إيش؟ يتفرد به، ثم بعد مدة يقول: أنا عندي شيء لا يوجد عند غيره، وهو القراءة على فلان، يكتم السماع، ويبخل بالكتب، لا يعيرها لمحتاج إليها، ولا يطلع عليها أحد، بعض الناس الكتب عزيزة على قلبه، وعنده نوعيات من الكتب تتأثر بالاستعمال، إما مخطوطات، أو كتب قديمة أو شيء من هذا، وبذل فيها ما بذل من مال وجهد، ثم يأتي طالب علم لا يعرف يتعامل مع الكتب، وحصل هذا يعني أعرنا بعض الطلاب كتب ما خلصناه إلا بالفؤوس، لصق بعضها على بعض، يتعشى ويتغدى وهي بين يديه، صحيح، يعني مثل هذا لو جُحد عنه كتاب، جاء شخص عنده كتاب مخطوط وفيه خرم مقدار ثلاثة أسطر، وذهب إلى شيخ قال: أنا أريد نسختك من أجل أن أسدد هذا الخرم، قال: ما عندي الكتاب لكن اترك كتابك لعلي أستظهر هذه الأسطر الثلاثة، ترك الكتاب لما جاء من الغد إذا بالثلاثة مكتوبة بقلم الشيخ، يعني من نسخته، لكن الشيخ يبخل بكتبه، وبعض الكتب يعني له مبرر كون الإنسان يبخل بها، لا سيما من بعض من لا يحسن التعامل معها، يعني تعطيه كتاب، تعيره كتاب، وهذا حصل يعني من نفائس الكتب من سنن البيهقي أو تهذيب التهذيب أو غيره من الطبعات الهندية التي ما تحمل الاستعمال، ثم يجيك وهو ثاني الورقة هكذا تشيلها تطيح بيدك، هذا يعار هذا؟! أو الكتب التي طبعت قديماً بمصر حيث لو بغيت تقرأ لا بد تطفي المروحة؛ لأنه لو فتحت الورقة انقطعت، قد يقول قائل: ما الذي يدعو إلى اقتناء مثل هذه الكتب التي تحصل مداراتها أكثر من مداراة العين والوالدين، صحيح؛ لأنه بدل من أن تقتني سنن البيهقي وتتعامل معه معاملة وأنت وجل، شوف لك نسخة مصورة واستعملها على كيفيك، وخطط وقوس على ما تريد، وألوان وأرقام، هذا صحيح، لكن المسألة تحتاج إلى نظر بروية وعقل، بعض المصورات تفاجئ أن هذه الصفحة بيضاء، تفاجئ أن هذه الملزمة غير موجودة أصلاً، وإلا ما في فرق بين المطبوع والمصور، نعم هناك من
стр. 1084
له عناية بهذا الأمر، وصارت المسألة مسألة هواية، وليت الإنسان يخرج منها سالماً لا له ولا عليه، لكن مع ذلك قد يوجد المبرر عن جحد بعض الكتب عن بعض الطلاب الذين لا يحسنون التعامل معها.
. . . . . . . . . واجتنبِ ... كتم السماع فهو لؤم واكتبِ
ما تستفيد عالياً ونازلاً ... . . . . . . . . .
اكتب كل شيء، "واكتب ... ما تستفيد عالياً ونازلاً" ما تقول: والله أنا ما أنا بكاتب إلا العالي، النازل ما يسوى من يكتبه، لا، قد تحتاج إلى هذا النازل فلا تجده في مروياتك، اكتب كل شيء، والبخاري وهو مضرب المثل في كتب السنة، فيه العوالي الثلاثيات وفيه النازل، فيه تساعي، مما يتساوى فيه البخاري مع الحافظ العراقي، وبينهم كم قرن؟ يعني مائتين وستة وخمسين، وهذا ثمانمائة وستة، خمسة قرون ونصف، بينهم خمسمائة وخمسين سنة في الوفاة، هل يقال: إن البخاري كتب هذا عبث؟ لا.
. . . . . . . . . ... . . . . . . . . . واكتبِ
ما تستفيد عالياً ونازلاً ... لا كثرة الشيوخ صيتاً عاطلاً
يعني أنت تهتم بالمروي؛ لأنك بصدد طلب علم الحديث، ولست بصدد طلب كثرة الشيوخ، لا يكون همك كثرة الشيوخ؛ لأنه وجد من طلاب العلم من يهتم بكثرة الشيوخ ليقال: روى عن مائة شيخ، مائتي شيخ، ثلاثمائة شيخ، أربعمائة، ألف شيخ، حتى وجد من ذكر أنه قرأ على ثلاثة آلاف وخمسمائة شيخ، هذا لو جلس عند كل شيخ يوم احتاج إلى عشر سنين، بمعنى كل شيخ يوم واحد يحتاج إلى عشر سنين، ما الذي دعاه إلى هذا؟ إنما هو مجرد الكثرة لذات الكثرة.
"لا كثرة الشيوخ صيتاً" يعني تبغي وترجو من وراء ذلك "صيتاً عاطلاً" خالياً عن الفائدة المرجوة، العلماء لهم فهارس، ولهم أثبات، فهارس للشيوخ موجودة، وبعضهم يروي عن مائة، وبعضهم مائتين، إلى أن وجد من يروي عن ألف، نعم إذا دعت الحاجة إلى ذلك، واستوعبت أحاديث شيوخ بلدك، ثم المهم فالمهم على ما تقدم، ودعتك الحاجة، أو وجد أحاديث لا توجد إلا عند فلان، لا مانع.
ومن يقل إذا كتبت قمشِ ... ثم إذا رويته ففتشِ
فليس من ذا. . . . . . . . . ... . . . . . . . . .
стр. 1085
لما قال: ما تستفيد عالياً يعني اكتب كل شيء؟ يقول: "ومن يقل" يعني أبا حاتم الرازي يقول: "إذا كتبت فقمش، وإذا رويت ففتش" أو إذا حدثت ففتش، وما شرح المراد من هذا، واختلف في المراد -بين أهل العلم- اختلافاً كبيراً، لكن السياق يدل على أنه عند الكتابة اكتب كل شيء، وإذا أردت أن تحدث أو تروي ففتش عن الصحيح والضعيف، فحدث بما يستحق التحديث، واترك ما يشغل مما لا يفيد؛ لأن الأحاديث فيها الصحيح وفيها الضعيف، وفيها الأصل في الباب، وفي المكرر، وفيها إذا كتبت قمش، اكتب كل شيء، وإن كان يعني لفظة: (قمش) يمكن قد يفهم منها غير ذلك، لكن هذا السياق، يعني مثل الرواية، اكتب كل ما تستفيد عالياً ونازلاً، هذا في التحمل، في الأداء فتش، وهذا يظهر جلياً من الشروط في الراوي؛ لأنهم في حال التحمل لا يشترطون شيء، يعني تأخذ عن كل أحد في التحمل، لكن إذا أردت أن تحدث فلا بد أن تتوافر الشروط، وصححوا تحمل الكافر كما تقدم، صححوا تحمل الفاسق، صححوا تحمل الصبي، لكن عند الأداء يبحث عن الشروط، تطبق الشروط فلا تصح الرواية عن كافر ولا فاسق ولا صبي، ولا متساهل في الحمل، ولا ... ، شروط كثيرة، ولا مغفل، الشروط كثيرة في هذا.
ومن يقل إذا كتبت قمشِ ... ثم إذا رويته ففتشِ
فليس من ذا. . . . . . . . . ... . . . . . . . . .
"فليس من ذا" يعني ليس من هذا الذي يذكره المؤلف.
فليس من ذا والكتاب تممِ ... سماعه لا تنتخبه تندمِ
يقول: معك كتاب من مرويات فلان، لا تنتخب لا تقول: أقرأ من كل باب حديث، لا، اقرأ الكتاب من أوله إلى آخره؛ لأنك إذا انتخبت ثم احتجت إلى حديث مما تركت وليست لك به رواية عن هذا الشيخ ندمت على ذلك، ومثل هذا من يختصر الكتب، الذي يختصر الكتب قد يترك شيء وهو بأمس الحاجة إليه، قد يكون المتروك أهم مما ذُكر، ولذا يوصى طلاب العلم أن يعنوا بالأصول لا بالمختصرات، الأصول التي وضعها مؤلفوها على ما أرادوا يهتم بها طالب العلم، وكمن طالب علم اقتصر على المختصرات فجهل في الكتاب الأصلي ما هو أهم مما ذكره المختصِر؛ لان المختصِر من وجهة نظره، يبقي المهم من وجهة نظره، قد يوافق على هذه الوجهة وقد لا يوافق.
стр. 1086
تقول: إذا كان الاختصار بحذف الأسانيد فقط؟ الأسانيد من أهم المهمات، وأولى ما يعنى به طالب العلم، في غاية الأهمية لطالب العلم، نعم قد لا تهم طالب علم غير شرعي، طبيب وإلا مهندس وإلا لا عناية له بالعلم الشرعي، نقول: ما في داعي يقول: حدثنا فلان، قال: حدثنا فلان، هذا يحتاج إلى حذف هذه الأسانيد والتكرار لأنها لا تعنيه، لكن لها أهمية كبرى بالنسبة لطالب العلم، الأسانيد والتكرار أيضاً، كم حصل من الخلل في مسند أحمد لما رتبه الساعاتي وحذف التكرار وحذف الأسانيد، صارت فائدته ضعيفة جداً، لكن لو أبقاه كما هو ورتبه وأبقاه، كما فعل ابن عروة في الكواكب الدراري نفع الله به نفعاً عظيماً؛ لأنك تحتاج إلى شاهد لهذا الحديث حذفه، تحتاج إلى متابع لهذا الراوي حذفه، كيف تصل إلى حقيقة الأمر؟ طالب العلم الشرعي لا بد له من الأسانيد، ولا بد له من التكرار، وكم فرع العالم وطالب العلم بزيادة لفظة في متن حذف في المختصرات، يمر علينا أشياء في مختصر البخاري، حقيقةً المختصرات ضيعت كثير من العلم على طلاب العلم، والعناية بها لا شك أنه خلل في التحصيل.
стр. 1087
يبقى أنه مثلما أشرنا مراراً، وهذا لا يظن أنه تعارض، أنا أقول: من أعظم وسائل العلم اختصار الكتب، هو يختصر بنفسه، بدل من أن تقتصر على اختصار الزبيدي (التجريد الصريح)، أو اختصار الألباني -رحم الله الجميع- أو غيرهم، اختصر أنت، امسك البخاري واختصر، لن تحذف شيء إلا بعد أن استقر في نفسك أنه يمكن الاستغناء عنه، وأنت في هذا النظر وهذا التأمل هل يمكن الاستغناء عنه أو لا يمكن؟ حفظته، فإذا اختصرته أنت صار علمك بما حذفت كعلمك بما أثبت، أما إذا اختصره غيرك ويش الفائدة؟ خلاص ما تدري عن شيء أنت، ما تدري يمكن حذف أهم المواضع حذفه، وترك الأقل، يعني مثال واحد، حديث الرقاق في صحيح البخاري مائتي حديث في مائة وخمسين ترجمة، تراجم فقه البخاري، استنباطات البخاري يدعمها بالأحاديث المعلقة، يدعمها بأقوال الصحابة والتابعين التي قد لا توجد عند غيره، يترجم على هذا الحديث ويكرره في مواضع، ثم جاء المختصر واقتصر على عشرة أحاديث، هل تخرج بتصور تام من خلال عشرة أحاديث عن الباب كامل؟ ما يمكن، مستحيل، مشلول العمل، لكن عذره أن هذه الأحاديث تقدمت في أبواب أخرى، وما يدريك أن هذا الحديث الذي أنت بأمس الحاجة إليه في كتاب الرقاق تقدم في كتاب العلم أو في كتاب الوضوء، ما يصلح هذا أبداً.
وأقول: من أعظم وسائل التحصيل لطالب العلم أن يختصر الكتب بنفسه؛ لأنها تثبت بالمعاناة، يعني تفسير ابن كثير يمله كثير من طلاب العلم، حدثنا قال: حدثنا، ثم بعد ذلك سياق آخر، ثم طريق آخر، وبعدين؟ فرحوا بالمختصرات وضاع عليهم شيء كثير، شوف الآن يبي يجينا: "وبالصحيحين ابدأن" لكن ترى بداية الدرس إن صيفت ما لحقت على شيء، بداية الدرس القادم "بالصحيحين ابدأن" نشرح ذلك -إن شاء الله-، لكن إن تأخرت ترى يفوتك.
طالب:. . . . . . . . .
إيه جزاك الله خيراً.
يقول:
. . . . . . . . . والكتاب تممِ ... سماعه لا تنتخبه تندمِ
стр. 1088
ترى الشيوخ أحياناً يؤدبون الطلاب، وهم ما يدرون عن ظروفهم، ما يدرون ما لهم إلا الظاهر، في طالب تزوج -ملازم لشيخ من المشايخ- تزوج، في صبيحة ليلة الزواج الدرس بعد صلاة الفجر، تأخر حتى غلب على ظنه أنه وصل إلى باقي واحد أو اثنين من الطلاب الذين يقرءون؛ لأن الطريقة يحضر أكثر من ثلاثين طالب، ثم يقرأ هذا، ثم هذا، ثم هذا .. إلى آخره، يعني بعد ساعتين يصلك الدور، جاء قبل نهاية الطلاب وجلس بالأخير، يوم جاء دوره قال الشيخ: اقرأ، قرأ، من الغد تصور الزواج البارحة ترى ما هي ... ، من الغد كذلك خلاه يقرأ، يوم وصله الدور في اليوم الثالث قام وخلاه؛ لأنه تأخر، الشيخ ما يدري عن ظرفه، أو يدري، لكن قد يكون في نفس طالب العلم شيء من هذا، لكنه بعد ذلك ما تأخر صار يصلي في نفس المسجد، نعم، فليس هدف الشيخ حينما يتكلم على طالب من الطلاب، أو يوجه طالب أنه يريد أن يحط من قدره بقدر ما هو حثه على التبكير والتحصيل لا يفوته شيء، بعض الناس يقصد بعض الشيوخ يقول: لعلي أسمع الكلمة التي فيها نجاتي، وما يدريك، والله المستعان.
"لا تنتخبه تندم" تقدم في كتابة الحديث أن تصغير الحرف العلماء حذروا ونهوا عن تدقيق الحروف وتصغيرها، قالوا: اكتب بحرف واضح وجلي يُرى، إلا في حالات يعني لأن تدقيق الحرف يخونك إذا ضعف البصر، لكن استثنوا من ذلك بعض الحالات: ضيق الورق مثلاً، وضيق ذات اليد، يعني الورق غير موجود، أو للحمل في الأسفار، بدل من أن تكتب الكتاب في مجلدات تكتبه في مجلد واحد، هذه أعذار مقبولة، وهنا الانتخاب
. . . . . . . . . ... . . . . . . . . . لا تنتخبه تندمِ
وإن يضق حال عن استيعابه ... . . . . . . . . .
أنت ما عندك ورق يستوعب الكتاب كامل، تريد أن تأخذ الأهم من هذا الكتاب، مثل هذا له وجه.
وإن يضق حال عن استيعابه ... لعارف أجاد في انتخابه
стр. 1089
لا بد أن يكون المنتخب عارف، يعني يحسن الانتخاب، ولا يتسنى هذا لكل أحد؛ لأنه بعضهم يسلك طريقة ويأخذ أول حديث في الباب، ويسمي هذا اختصار، قد يكون الحديث الثاني من ... أحاديث الباب، "أو قصر" يعني عن هذه المرتبة، أراد أن ينتخب وقصر ما يعرف، ما يحسن الانتخاب، "استعان ذا حفظ فقد" فقد استعان يعني بذي حفظ، استعان ذا حفظ، استعان به يعني منصوب على نزع الخافض.
. . . . . . . . . استعان ذا حفظ فقد ... كان من الحفاظ من له يُعد
من الحفاظ من له يُعد الانتخاب، يُنتخب له وهو من الحفاظ، إما لضيق وقته، أو لكون المنتخب أمهر منه في كيفية الانتخاب.
وعلّموا في الأصل إما خطا ... أو همزتين أو بصاد أو طا
يعني كيف يذكر العلامة؟ ما يلزم أن ينسخ إلى كتاب آخر، يختصر ويُبقي، الآن عندك تفسير ابن كثير طويل تحتاج في قراءته إلى مدة طويلة، وأردت أن تنتخب منه فكيف تصنع؟ وأنت تشق عليك الكتابة، تقول: والله ما أنا بناسخ الكتاب يمكن يطلع في مجلد كبير، الآن تنتخب منه بالتقويس، الآن المتأخرون يستعملون الأقواس، أو بالتحويق، أو بنصف دائرة، على ما مضى في كتابة الحديث وضبطه، واترك الكتاب كاملاً، عندك الأصلي موجود وعندك المختصر، وقد يُستعمل لا سيما في الكتب المطبوعة الحديثة التي تكثر في الأسواق، ويسهل التعامل معها بالألوان، المقطع الذي تريده لونه بلون لا يخفي الحروف، ويكون أيضاً بارز شوي، هذه طريقة في الانتخاب والاختصار مع بقاء الأصل، وهنا إذا بقي الأصل "وعلموا في الأصل" يعني إذا كنت ما أنت بناسخ المنتخب، تبقي الأصل عندك وتنتخب منه ما تحتاج إليه فيما بعد، يعني عند المراجعة، يعني مثل ما ذكرنا في استعمال الألوان في جرد المطولات، أنتم تذكرون هذا، استعمال الألوان في جرد المطولات، هؤلاء العلماء علموا في الأصل إما خطاً، يعني تضع عليه خط، تضع على ما تريد خط، وهذا الأصل في الخط أنه فوق الكلام لا تحته، يعني طريقة أهل العلم من المتقدمين يضعون الخط فوق الكلام الذي يراد انتخابه، والمخطوطات كلها شاهدة على هذا، أما وضع الخط تحت الكلمة أو الكلام المطلوب هذا صنيع المستشرقين، وشفنا مطبوعاتهم، نعم هذا موجود.
стр. 1090
وعلّموا في الأصل إما خطا ... أو همزتين. . . . . . . . .
يضعون على أول ما تريد همزة، وفي آخره همزة، "أو بصادٍ" صاد مثل الضبة، تذكر طرف الصاد وتمدها على ما تريد انتخابه، أو بدل الصاد طاء، تضع عليها شولة "أو بصادٍ أو طا".
ولا تكن مقتصراً أن تسمعا ... وكتبه من دون فهم نفعا
"ولا تكن مقتصراً أن تسمعا" يعني لا يكن حظك وهمك من رواية الحديث مجرد السماع، يعني مثلما أشرنا سابقاً أن منهم من يقرأ الكتاب أو يسمع الكتاب أو يحضر درس في كتاب، وهو مجرد سرد، وذكرنا مراراً أنه وضع دورات لقراءة الكتب الستة في شهر، هذه مجرد سماع، لا يحصل فيها تعليق ولا بكلمة واحدة، ما يمكن الوقت ما يستوعب لا تعليق ولا تصحيح ولا بيان خطأ ولا شيء.
ولا تكن مقتصراً أن تسمعا ... وكتبه من دون فهم نفعا
"من دون فهم نفعا" يعني من دون فهم نافع ينفعك، مجرد كتابة تنسخ كتب تصير وراق، يعني مجرد زيادة نسخة في البلد، أو مجرد سماع بدون فهم هذا لا ينفع، إنما المقصود الفهم؛ لأنك إذا لم تفهم لا تستطيع أن تعمل بما لا تفهم، العمل بالعلم لا بد من فهمه قبل العمل به، فلا بد من الفهم، ولا يقتصر على السماع المجرد ولا على الكتابة دون فهم؛ لأن العمل لا يتسنى إلا بعد الفهم.
واقرأ كتاباً في علوم الأثرِ ... كابن الصلاح أو كذا المختصرِ
في علوم الأثر يعني في مصطلح الحديث، يسمونه علم الأثر، أو مصطلح الحديث أو أصول الحديث، أو علوم الحديث.
واقرأ كتاباً في علوم الأثرِ ... كابن الصلاح. . . . . . . . .
يعني كمقدمة ابن الصلاح، كعلوم الحديث لابن الصلاح، "أو كذا المختصر" المختصر هذه الألفية، حيث يقول:
لخصت فيها ابن الصلاح أجمعه ... وزدتها علماً تراه موضعه
فهي مختصر لابن الصلاح، وكلامه يشمل المختصرات المنظومة والمنثورة، يعني المختصر من ابن الصلاح، وهو في الغالب، وقد بين ذلك في شرحه أنه يريد ألفيته؛ لأنها ملخصة من ابن الصلاح، يعني كما قال في مقدمتها:
لخصت فيها ابن الصلاح أجمعه ... وزدتها علماً تراه موضعه
следующие страницы →