الفويسقة تضرّم البيت على أهله. وكفّوا مواشيكم وأهليكم حين تغرب الشمس، حتى تذهب فحمة العشاء» .
قال: ويدل على أنه ﷺ لم يأمر بحفظها إلا بقدر الحاجة إليها، ويأمر بإطفائها إلا عند الاستغناء عنها- ما حدّث به عباد بن كثير قال: حدّثني الحسن بن ذكوان عن شهر بن حوشب قال [١] : «أمر رسول الله ﷺ أن تحبسوا صبيانكم عند فحمة العشاء، وأن تطفئوا المصابيح، وأن توكئوا الأسقية، وأن تخمّروا الآنية، وأن تغلّقوا الأبواب» . قال: فقام رجل فقال: يا رسول الله إنه لا بدّ لنا من المصابيح، للمرأة النّفساء، وللمريض، وللحاجة تكون. قال: فلا بأس إذا، فإن المصباح مطردة للشيطان، مذبّة للهوام [٢] ، مدلّة [٣] على اللصوص.
١٣٢١-[نار الغول]
قال: ونار أخرى، وهي التي تذكر الأعراب أن الغول توقدها بالليل، للعبث والتخليل، وإضلال السابلة.
قال أبو المطراب عبيد بن أيوب العنبريّ [٤] : [من الطويل]
فلله درّ الغول أيّ رفيقة ... لصاحب قفر خائف متقتّر
أرنّت بلحن بعد لحن وأوقدت ... حواليّ نيرانا تبوخ وتزهر
١٣٢٢-[جمرات العرب]
قال: وجمرات العرب: عبس، وضبّة، ونمير [٥] . يقال لكلّ واحد منهم: جمرة [٦] .
стр. 1017
وقد ذكر أبو حيّة النّميري قومه خاصّة فقال [١] : [من الطويل]
وهم جمرة لا يصطلي الناس نارهم ... توقّد لا تطفا لريب النّوائب
ويروى: الدوابر [٢] .
ثم ذكر هذه القبائل فعمّهم بذلك، لأنها كلّها مضريّة، فقال [٣] : [من الطويل]
لنا جمرات ليس للناس مثلها ... ثلاث فقد جرّبن كلّ التّجارب
نمير وعبس تتّقى صقراتها ... وضبّة قوم بأسهم غير كاذب
يعني شدّتها [٤] .
إلى كلّ قوم قد دلفنا بجمرة ... لها عارض [٥] جون قويّ المناكب
وعلى ذلك المعنى قيل: «قد سقطت الجمرة» ، إذا كان في استقبال زمان الدّفاء [٦] . ويقولون: قد سقطت الجمرة الأولى، والثانية، والثالثة [٧] .
١٣٢٣-[استطراد لغوي]
والجمار: الحصى الذي يرمى به. والرّمي: التجمير، قال الشاعر [٨] : [من الطويل]
ولم أر كالتجمير منظر ناظر ... ولا كليالي الحجّ أفتنّ ذا هوى
стр. 1018
والتجمير أيضا: أن يرمى بالجند في ثغر [١] من الثّغور، ثم لا يؤذن لهم في الرجوع.
وقال حميد الأرقط: [من الرجز]
فاليوم لا ظلم ولا تتبير ... ولا لغاز إن غزا تجمير [٢]
وقال بعض من جمّر من الشعراء في بعض الأجناد [٣] : [من الطويل]
معاوي إمّا أن تجهّز أهلنا ... إلينا، وإما أن نؤوب معاويا
أجمّرتنا تجمير كسرى جنوده ... ومنّيتنا حتى مللنا الأمانيا
وقال الجعديّ [٤] : [من الخفيف]
كالخلايا أنشأن من أهل سابا ... ط بجند مجمّر بأوال
ويقال قد أجمر الرجل: إذا أسرع أو أعجل مركبه.
وقال لبيد [٥] : [من الرمل]
وإذا حرّكت غرزي أجمرت ... أو قرابي، عدو جون قد أبل [٦]
وقال الراجز: [من الرجز]
أجمر إجمارا له تطميم
التّطميم: الارتفاع والعلوّ. ويقال: أجمر ثوبه، إذا دخّنه [٧] .
والمجمرة والمجمر: الذي يكون فيه الدّخنة. وهو مأخوذ من الجمر.
стр. 1019
ويقال: قد جمّرت المرأة شعرها إذا ضفرته. والضّفر يقال له الجمير [١] . قال:
ويسمى الهلال قبل ليلة السّرار [٢] بليلة: «ابن جمير» قال أبو حردبة [٣] : [من الكامل]
فهل الإله يشيّعني بفوارس ... لبني أميّة في سرار جمير
وأنشدني الأصمعيّ: [من الرجز]
مضفورها يطوى على جميرها
ويقال: قد تجمّر القوم، إذا هم اجتمعوا حتى يصير لهم بأس، ويكونوا كالنار على أعدائهم فكأنهم جمرة، أو كأنهم جمير من شعر مضفور، أو حبل مرصّع القوى [٤] .
وبه سمّيت تلك القبائل والبطون من تميم: الجمار [٥] .
والمجمّر مشدّد الميم: حيث يقع حصى الجمار. وقال الهذلي [٦] : [من الطويل]
لأدركهم شعث النّواصي كأنهم ... سوابق حجّاج توافي المجمّرا
ويقال خفّ مجمّر: إذا كان مجتمعا شديدا.
ويقال: عدّ فلان إبله أو خيله أو رجاله جمارا [٧] : إذا كان ذلك جملة واحدة.
وقال الأعشى [٨] : [من المتقارب]
فمن مبلغ وائلا قومنا ... وأعني بذلك بكرا جمارا
قال: ويقال في النار وما يسقط من الزّند: السّقط، والسّقط، والسّقط. ويقال:
هذا مسقط الرمل، أي منقطع الرمل، ويقال: أتانا مسقط النّجم، إذا جاء حين غاب.
стр. 1020
ويقال رفع الطائر سقطيه [١] . وقال الشاعر [٢] : [من البسيط]
حتى إذا ما أضاء الصّبح وانبعثت ... عنه نعامة ذي سقطين معتكر [٣]
أراد ناحيتي الليل.
ويقال: شبّت النار والحرب تشبّ شبّا، وشببتها أنا أشبّها شبّا، وهو رجل شبوب للحرب.
ويقال: حسب ثاقب، أي مضيء متوقد. وكذلك يقال في العلم. ويقال: هب لي ثقوبا، وهو ما أثقبت [٤] به النار، من عطبة [٥] أو من غيرها. ويقال: أثقب النار إذا فتح عينها لتشتعل. وهو الثّقوب، ويقال: ثقب الزند ثقوبا، إذا ظهرت ناره. وكذلك النار. والزند الثاقب الذي إذا قدح ظهرت النار منه.
ويقال: ذكت النار تذكو ذكوّا، إذا اشتعلت. ويقال ذكّها إذا أريد اشتعالها.
وذكاء اسم للشمس، مضموم الذال المعجمة، وابن ذكاء: الصبح، ممدود مضموم الذال. وقال العجّاج [٦] : [من الرجز]
وابن ذكاء كامن في كفر
وقال ثعلبة بن صعير المازني [٧] . وذكر ظليما ونعامة: [من الكامل]
стр. 1021
فتذكّرا ثقلا رثيدا بعد ما ... ألقت ذكاء يمينها في كافر [١]
وأما الذكاء مفتوح الذال ممدود فحدّة الفؤاد، وسرعة اللّقن [٢] .
وقالوا: أضرمت النار حتى اضطرمت وألهبتها حتى التهبت، وهما واحد.
والضّرام من الحطب: ما ضعف منه ولان. والجزل: ما غلظ واشتدّ. فالرّمث [٣] وما فوقه جزل [٤] . والعرفج [٥] وما دونه ضرام [٦] . والقصب وكل شيء ليس له جمر فهو ضرام. وكل ماله جمر فهو جزل.
ويقال: ما فيها نافخ ضرمة، أي ما فيها أحد ينفخ نارا.
ويقال: صليت الشاة فأنا أصليها صليا إذا شويتها، فهي مصليّة. ويقال: صلي الرجل النار يصلاها، وأصلاه الله حرّ النار إصلاء. وتقول: هو صال حرّ النار، في قوم صالين وصلّى.
ويقال: همدت النار تهمد همودا، وطفئت تطفأ طفوءا، إذا ماتت. وخمدت تخمد خمودا، إذا سكن لهبها وبقي جمرا حارّا.
وشبّت النار تشبّ شبوبا إذا هاجت والتهبت، وشبّ الفرس بيديه فهو يشبّ شبابا، وشبّ الصبيّ يشبّ شبابا. ويقال: ليس لك عضّاض ولا شبّاب.
ويقال: عشا إلى النار فهو يعشو إليها عشوا وعشوّا، وذلك يكون من أول الليل، يرى نارا فيعشو إليها يستضيء بها. قال الحطيئة [٧] : [من الطويل]
стр. 1022
متى تأته تعشو إلى ضوء ناره ... تجد خير نار عندها خير موقد
وقال الأعشى [١] : [من الطويل]
وبات على النار الندى والمحلق
ويقال: عشي الرجل يعشى عشاوة، وهو رجل أعشى، وهو الذي لا بيبصر بالليل. وعشي الرجل على صاحبه يعشى عشا شديدا.
١٣٢٤-[نار الحرب]
ويذكرون نارا أخرى، وهي على طريق المثل [والاستعارة] [٢] ، لا على طريق الحقيقة، كقولهم في نار الحرب. قال ابن ميّادة [٣] : [من الطويل]
يداه: يد تنهلّ بالخير والنّدا ... وأخرى شديد بالأعادي ضريرها [٤]
وناراه: نار نار كلّ مدّفع ... وأخرى يصيب المجرمين سعيرها [٥]
وقال ابن كناسة: [من الخفيف]
خلفها عارض يمدّ على الآ ... فاق ستريين من حديد ونار [٦]
نار حرب يشبّها الحدّ والج ... دّ وتعشي نوافذ الأبصار [٧]
وقال الرّاعي: [من الطويل]
وغارتنا أودتم ببهراء، إنها ... تصيب الصّريح مرّة والمواليا [٨]
وكانت لنا ناران: نار بجاسم ... ونار بدمخ يحرقان الأعاديا
стр. 1023
جاسم: بالشام. ودمخ: جبل بالعالية [١] .
١٣٢٥-[نار القرى]
ونار أخرى [٢] ، وهي مذكورة على الحقيقة لا على المثل، وهي من أعظم مفاخر العرب، وهي النار التي ترفع للسّفر، ولمن يلتمس القرى. فكلما كان موضعها أرفع كان أفخر.
وقال أميّة بن أبي الصّلت [٣] : [من الخفيف]
لا الغيابات منتواك ولكن ... في ذرى مشرف القصور ثواكا [٤]
وقال الكناني [٥] : [من المتقارب]
وبوّأت بيتك في معلم ... رفيع المباءة والمسرح [٦]
كفيت العفاة طلاب القرى ... ونبح الكلاب لمستنبح [٧]
ترى دعس آثار تلك المط ... يّ أخاديد كاللّقم الأفيح [٨]
ولو كنت في نفق رائغ ... لكنت على الشّرك الأوضح [٩]
وأنشدني أبو الزّبرقان [١٠] : [من الوافر]
стр. 1024
له نار تشبّ بكلّ ريع ... إذا الظلماء جلّلت البقاعا [١]
وما إن كان أكثرهم سواما ... ولكن كان أرحبهم ذراعا [٢]
ويروى:
«ولم يك أكثر الفتيان مالا» .
وفي نار القرى يقول الآخر: [من الطويل]
على مثل همّام ولم أر مثله ... تبكّي البواكي أو لبشر بن عامر
غلامان كان استوردا كلّ مورد ... من المجد ثمّ استوسعا في المصادر
كأنّ سنا ناريهما كلّ شتوة ... سنا الفجر يبدو للعيون النّواظر
وفي ذلك يقول عوف بن الأحوص [٣] : [من الطويل]
ومستنبح يخشى القواء ودونه ... من اللّيل بابا ظلمة وستورها [٤]
رفعت له ناري فلمّا اهتدى بها ... زجرت كلابي أن يهرّ عقورها
فلا تسأليني واسألي عن خليقتي ... إذا ردّ عافي القدر من يستعيرها [٥]
ترى أنّ قدري لا تزال كأنّها ... لذي الفروة المقرور أمّ يزورها [٦]
مبرّزة لا يجعل السّتر دونها ... إذا أخمد النيران لاح بشيرها [٧]
стр. 1025
إذا الشّول راحت ثمّ لم تفد لحمها ... بألبانها ذاق السّنان عقيرها [١]
١٣٢٦-[ما قيل من الشعر في الماء]
أما إن ذكرنا جملة من القول في الماء من طريق الكلام وما يدخل في الطب، فسنذكر من ذلك جملة في باب آخر:
قالوا [٢] : مدّ الشعبي يده وهو على مائدة قتيبة بن مسلم يلتمس الشراب، فلم يدر صاحب الشراب اللبن، أم العسل، أم بعض الأشربة؟ فقال له: أي الأشربة أحبّ إليك؟ قال: أعزّها مفقودا، وأهونها موجودا! قال قتيبة: اسقه ماء.
وكان أبو العتاهية في جماعة من الشعراء عند بعض الملوك، إذ شرب رجل منهم ماء، ثمّ قال: «برد الماء وطاب» ! فقال أبو العتاهية: اجعله شعرا. ثمّ قال: من يجيز هذا البيت؟ فأطرق القوم مفكرين، فقال أبو العتاهية: سبحان الله! وما هذا الإطراق؟! ثمّ قال [٣] : [من مجزوء الرمل]
برد الماء وطابا ... حبّذا الماء شرابا
وقال الله : أَنْهارٌ مِنْ ماءٍ غَيْرِ آسِنٍ
[٤] ثمّ لم يذكره بأكثر من السلامة من التغيّر، إذ كان الماء متى كان خالصا سالما لم يحتج إلى أن يشرب بشيء غير ما في خلقته من الصّفاء والعذوبة، والبرد والطّيب، والحسن، والسّلس في الحلق. وقد قال عديّ بن زيد [٥] : [من الرمل]
لو بغير الماء حلقي شرق ... كنت كالغصّان بالماء اعتصاري [٦]
стр. 1026
قال أبو المطراب عبيد بن أيّوب العنبريّ [١] : [من الطويل]
وأوّل خبث الماء خبث ترابه ... وأوّل خبث النّجل خبث الحلائل [٢]
وأوصى رجل من العرب ابنته ليلة زفافها بوصايا، فكان مما قال لها [٣] :
«احذري مواقع أنفه، واغتسلي بالماء القراح [٤] ، حتى كأنك شنّ [٥] ممطور!» وأوصت امرأة ابنتها بوصايا، فكان منها: «وليكن أطيب طيبك الماء» .
وزعموا أنها القائلة لبنتها: [من الرجز]
بنيّتي إن نام نامي قبله ... وأكرمي تابعه وأهله
ولا تكوني في الخصام مثله ... فتخصميه فتكوني بعله [٦]
ومن الأمثال: [من الطويل]
فأصبحت مما كان بيني وبينها ... سوى ذكرها كالقابض الماء باليد
وأخذ المسيح ﵇ في يده اليمنى ماء، وفي يده اليسرى خبزا فقال:
«هذا أبي، وهذا أمّي» ، فجعل الماء أبا، لأن الماء من الأرض يقوم مقام النطفة من المرأة.
وإذا طبخ الماء ثمّ برد لم تلقح عليه الأشجار، وكذلك قضبان الشجر.
والحبوب والبذور لو طبخت طبخة ثمّ بذرت لم تعلق.
وقالوا في النظر إلى الماء الدائم الجريان ما قالوا [٧] .
وجاء في الأثر: من كان به برص قديم فليأخذ درهما حلالا، فليشتر به عسلا، ثمّ يشربه بماء سماء، فإنه يبرأ بإذن الله.
стр. 1027
والنزيف هو الماء عند العرب.
وما ظنّكم بشراب خبث وملح فصار ملحا زعاقا [١] ، وبحرا أجاجا [٢] ، ولّد العنبر الورد [٣] ، وأنسل الدّرّ النفيس، فهل سمعت بنجل أكرم ممن نجله، ومن نتاج أشرف ممن نسله.
وما أحسن ما قال أبو عبّاد كاتب ابن أبي خالد حيث يقول [٤] : «ما جلس بين يديّ رجل قط، إلا تمثّل لي أنني سأجلس بين يديه. وما سرّني دهر قطّ، إلا شغلني عنه تذكر ما يليق بالدهور من الغير» .
قال الله : يلَ لَهَا ادْخُلِي الصَّرْحَ فَلَمَّا رَأَتْهُ حَسِبَتْهُ لُجَّةً وَكَشَفَتْ عَنْ ساقَيْها
[٥] . لأن الزجاج أكثر ما يمدح به أن يقال: كأنه الماء في الفيافي.
وقال الله : هذا عَذْبٌ فُراتٌ سائِغٌ شَرابُهُ
[٦] .
وقال القطاميّ [٧] : [من البسيط]
وهنّ ينبذن من قول يصبن به ... مواقع الماء من ذي الغلّة الصّادي
وقال الله : وَاللَّهُ خَلَقَ كُلَّ دَابَّةٍ مِنْ ماءٍ
[٨] .
فيقال: إنه ليس شيء إلا وفيه ماء، أو قد أصابه ماء. أو خلق من ماء. والنّطفة ماء، والماء يسمى نطفة. وقال الله تعالى: وَكانَ عَرْشُهُ عَلَى الْماءِ
[٩] . قال ابن عباس: موج مكفوف.
وقال : وَنَزَّلْنا مِنَ السَّماءِ ماءً مُبارَكاً
[١٠] .
стр. 1028
وحين اجتهدوا في تسمية امرأة بالجمال. والبركة، والحسن. والصّفاء، والبياض قالوا: ماء السماء [١] . وقالوا: المنذر بن ماء السماء.
ويقال: صبغ له ماء، ولون له ماء، وفلان ليس في وجهه ماء، وردّني فلان ووجهي بمائه. قال الشاعر: [من الطويل]
ماء الحياء يجول في وجناته
وقالت أمّ فروة [٢] في صفة الماء: [من الطويل]
وما ماء مزن أيّ ماء تقوله ... تحدّر من غرّ طوال الذّوائب
بمنعرج أو بطن واد تحدّبت ... عليه رياح المزن من كلّ جانب
نفى نسم الرّيح القذى عن متونه ... فما إن به عيب تراه لشارب
بأطيب ممن يقصر الطّرف دونه ... تقى الله واستحياء بعض العواقب
١٣٢٧-[حب الحيوان لأنواع من الماء]
[٣] والإبل لا تحبّ من الماء إلا الغليظ. والحوافر لا تحبّ العذوبة وتكره الماء الصافي، حتى ربّما ضرب الفرس بيده الشريعة ليثوّر الماء ثمّ يشربه.
والبقر تعاف الماء الكدر، ولا تشرب إلا الصافي.
والظباء تكرع في ماء البحر الأجاج، وتخضم الحنظل.
١٣٢٨-[استطراد لغوي]
والأبيضان: الماء، واللبن. والأسودان: الماء، والتمر.
وسواد العراق: ماؤه الكثير. والماء إن كان له عمق اشتدّ سواده في العين.
١٣٢٩-[شعر في صفة الماء]
وقال العكليّ في صفة الماء: [من الرجز]
стр. 1029
عاده من ذكر سلمى عوّده ... والليل داج مطلخمّ أسوده [١]
فبتّ ليلي ساهرا ما أرقده ... حتى إذا الليل تولى كبده
وانكبّ للغور انكبابا فرقده ... وحثّه حاد كميش يطرده [٢]
أغرّ أجلى مغرب مجرّده ... أصبح بالقلب جوى ما يبرده [٣]
ماء غمام في الرّصاف مقلده ... زلّ به عن رأس نيق صدده [٤]
عن ظهر صفوان مزلّ مجسده ... حتى إذا السّيل تناهى مدده [٥]
وشكّد الماء الذي يشكّده ... بين نعامى ودبور تلهده [٦]
كلّ نسيم من صبا تستورده ... كأنما يشهده أو يفقده
فهو شفاء الصاد مما يعمده [٧]
وقال آخر [٨] في الماء: [من الكامل]
يا كأس ما ثغب برأس شظيّة ... نزل أصاب عراصها شؤبوب [٩]
стр. 1030
ضحيان شاهقة يرفّ بشامه ... نديان، يقصر دونه اليعقوب [١]
بألذّ منك مذاقة لمحلّا ... عطشان داغش ثم عاد يلوب [٢]
وقال جرير [٣] : [من الكامل]
لو شئت قد نقع الفؤاد بشربة ... تدع الحوائم لا يجدن غليلا [٤]
بالعذب من رصف القلات مقيله ... قضّ الأباطح لا يزال ظليلا [٥]
١٣٣٠-[فضل الماء]
قال: وفي الماء أنّ أطيب شراب عمل وركّب، مثل السّكنجبين [٦] ، والجلّاب [٧] ، والبنفسج وغير ذلك مما يشرب من الأشربة، فإن لذّ وطاب، فإنّ تمام لذّته إن يجرع شاربه بعد شربه له جرعا من الماء، يغسل بها فمه، ويطيّب بها نفسه، وهو في هذا الموضع كالخلّة والحمض جميعا [٨] وهو لتسويغ الطعام في المريء [٩] ، والمركب والمعبر، والمتوصّل به إلى الأعضاء.
فالماء يشرب صرفا وممزوجا، والأشربة لا تشرب صرفا، ولا ينتفع بها إلا بممازجة الماء.
стр. 1031
وهو بعد طهور الأبدان، وغسول الأدران.
وقالوا: هو كالماء الذي يطهر كلّ شيء، ولا ينجّسه شيء.
وقال النبي ﷺ في بئر رومة [١] : «الماء لا ينجّسه شيء» .
ومنه ما يكون منه الملح، والبرد، والثّلج، فيجتمع الحسن في العين، والكرم في البياض والصفاء، وحسن الموقع في النفس.
وبالماء يكون القسم، كقول الشاعر: [من السريع]
غضبى ولا والله يا أهلها ... لا أشرب البارد أو ترضى
ويقولون: لو علم فلان أنّ شرب البارد يضع من مروءته لما ذاقه.
وسمّى الله أصل الماء غيثا بعد أن قال: وَكانَ عَرْشُهُ عَلَى الْماءِ
[٢] .
ومن الماء ماء زمزم، وهو لما شرب له [٣] . ومنه [ما] [٤] يكون دواء وشفاء بنفسه، كالماء للحمّى.
١٣٣١-[علّة ذكر النار في كتاب الحيوان]
قد ذكرنا جملة من القول في النار، وإن كان ذلك لا يدخل في باب القول في أصناف الحيوان، فقد يرجع إليها من وجوه كريمة نافعة الذكر، باعثة على الفكر، وقد يعرض من القول ما عسى أن يكون أنفع لقارئ هذا الكتاب من باب القول في الفيل، والزّندبيل [٥] ، وفي القرد والخنزير، وفي الدّب والذئب، والضّبّ والضّبع، وفي السّمع والعسبار [٦] .
وعلى أن الحكمة ربما كانت في الذّبابة مع لطافة شخصها، ونذالة قدرها،
стр. 1032
وخساسة حالها- أظهر منها في الفرس الرّائع، وإن كان الفرس أنفع في باب الجهاد، وفي الجاموس مع عظم شخصه، وفي دودة القزّ، وفي العنكبوت- أظهر منها في الليث الهصور، والعقاب الشّغواء [١] .
وربما كان ذكر العظيم الجثة الوثيق البدن، الذي يجمع حدّة الناب وصولة الخلق أكثر فائدة، وأظهر حكمة من الصّغير الحقير، ومن القليل القميّ [٢] . كالبعير والصّؤابة، والجاموس والثعلب والقملة.
وشأن الأرضة أعجب من شأن الببر [٣] مع مسالمة الأسد له، ومحاربته للنمر.
وشأن الكركيّ [٤] أعجب من شأن العندليب، فإن الكركيّ من أعظم الطّير، والعندليب أصغر من ابن تمرة [٥] .
ولذلك ذكر يونس بعض لاطة الرّواة فقال [٦] : «يضرب ما بين الكركيّ إلى العندليب» . يقول: لا يدع رجلا ولا صبيّا إلّا عفجه.
ويشبه ذلك هجاء خلف الأحمر أبا عبيدة، حيث يقول: [من السريع]
ويضرب الكركي إلى القنبر ... لا عانسا يبقي ولا محتلم
والعانس من الرجال مثله من النساء.
فلسنا نطنب في ذكر العظيم الجثة لعظم جثّته، ولا نرغب عن ذكر الصّغير الجثة، لصغر جثّته، وإنما نلتمس ما كان أكثر أعجوبة، وأبلغ في الحكمة، وأدلّ عند العامة على حكمة الرّبّ. وعلى إنعام هذا السّيّد.
وربّ شيء الأعجوبة فيه إنما هي في صورته، وصنعته، وتركيب أعضائه، وتأليف أجزائه، كالطاووس في تعاريج ريشه، وتهاويل ألوانه، وكالزّرافة في عجيب
стр. 1033
تركيبها، ومواضع أعضائها. والقول فيهما شبيه بالقول في التّدرج والنّعامة.
وقد يكون الحيوان عجيب صنعة البدن، ثم لا يذكر بعد حسن الخلق بخلق كريم، ولا حسّ ثاقب، ولا معرفة عجيبة، ولا صنعة لطيفة. ومنه ما يكون كالببغاء، والنحلة، والحمامة، والثعلب، والدّرّة [١] ، ولا تكون الأعجوبة في تصويره، وتركيب أعضائه، وتنضيد ألوان ريشه في وزن تلك الأشياء التي ذكرناها، أو يكون العجب فيما أعطى في حنجرته من الأغاني العجيبة، والأصوات الشجيّة المطربة، والمخارج الحسنة- مثل العجب فيما أعطي من الأخلاق الكريمة، أو في صنعة الكفّ اللطيفة، والهداية الغريبة، أو المرفق النافع، أو المضرّة التي تدعو إلى شدّة الاحتراس، ودقة الاحتيال، فيقدّم في الذكر لذلك.
١٣٣٢-[العقعق]
وأيّ شيء أعجب من العقعق [٢] وصدق حسّه، وشدّة حذره، وحسن معرفته، ثم ليس في الأرض طائر أشدّ تضييعا لبيضه وفراخه منه. والحبارى مع أنها أحمق الطير، تحوط بيضها أو فراخها أشدّ الحياطة [٣] ، وبأغمض معرفة، حتى قال عثمان بن عفان، ﵁: «كلّ شيء يحب ولده حتى الحبارى» [٤] . يضرب بها المثل في الموق [٥] .
ثم العقعق مع حذقه بالاستلاب، وبسرعة الخطف، لا يستعمل ذلك إلا فيما لا ينتفع به، فكم من عقد ثمين خطير، ومن قرط شريف نفيس، قد اختطف من بين أيدي قوم، فإمّا رمى به بعد تحلّقه في الهواء، وإما أحرزه ولم يلتفت إليه أبدا.
وزعم الأصمعيّ أنّ عقعقا مرة استلب سخابا [٦] كريما لقوم، فأخذ أهل السّخاب أعرابيّة كانت عندهم، فبينما هي تضرب، وتسحب وتسبّ إذ مرّ العقعق
стр. 1034
والسّخاب في منقاره، فصاحوا به فرمى به، فقالت الأعرابية وتذكَّرت السلامة بعد أن كانت قد ابتليت ببليّة أخرى فقالت [١] : [من الطويل]
ويوم السّخاب من تعاجيب ربّنا ... كما أنه من بلدة السّوء نجّاني
تعني الذين كانت نزلت بهم من أهل الحاضرة.
١٣٣٣-[كلام في الاستطراد]
ولا بأس بذكر ما يعرض. ما لم يكن من الأبواب الطّوال. التي ليس فيها إلا المقاييس المجرّدة، والكلامية المحضة، فإن ذلك مما لا يخفّ سماعه ولا تهشّ النفوس لقراءته. وقد يحتمل ذلك صاحب الصناعة، وملتمس الثواب والحسبة [٢] ، إذا كان حليف فكر، أليف عبر، فمتى وجدنا من ذلك بابا يحتمل أن يوشّح بالأشعار الظريفة البليغة. والأخبار الطريفة العجيبة، تكلّفنا ذلك، ورأيناه أجمع لما ينتفع به القارئ.
ولذلك استجزنا أن نقول في باب النار ما قلنا.
وأنا كاتب لك بعد هذا؛ إذ كنت قد أمللتك بالتطويل، وحملتك على أصعب المراكب، وأوعر الطّرق، إذ قد ذكرنا فيه جملة صالحة من كلام المتكلمين، ولا أرى أن أزيد في سآمتك، وأحمّلك استفراغ طاقتك، بأن أبتدئ القول في الإبل، والبقر، والغنم، والأسد، والذئاب، والحمير، والظباء، وأشباه ذلك، مما أنا كاتبه لك.
ولكني أبدأ بصغار الأبواب وقصارها، ومحقّراتها، وملاحها، لئلا تخرج من الباب الأول، إلا وأنت نشيط للباب الثاني، وكذلك الثالث والرابع إلى آخر ما أنا كاتبه لك، إن شاء الله.
١٣٣٤-[سرد منهج سائر الكتاب]
ونبدأ بذكر ما في العصفور، ثم نأخذ في ذكر ما في الفأر والعقرب، والذي بينهما من العداوة، مع سائر خصالهما.
ثم القول في العقرب والخنفساء، وفي الصداقة بينهما، مع سائر خصالهما.
стр. 1035
ثم القول في السّنّور، وبعض القول في العقرب.
ثم القول في البعوض والبراغيث، ثم القول في القمل والصّئبان. ثم القول في الورل والضّبّ. ثم القول في اليربوع والقنفذ. ثم القول في النسور والرّخم.
ثم القول في العقاب، وفي الأرنب. ثم القول في القردان والضفادع. ثم القول في الحبارى وما أشبه ذلك. وإن كنا قد استعملنا في هذا الكتاب جملا من أخبار ما سمينا بذلك.
وسنذكر قبل ذكرنا لهذا الباب أبوابا من الشعر طريفة، تصلح للمذاكرة، وتبعث على النشاط معه وتستخفّ معه قراءة ما طال من الكتب الطوال.
ولولا سوء ظني بمن يظهر التماس العلم في هذا الزمان، ويذكر اصطناع الكتب في هذا الدهر- لما احتجت في مداراتهم واستمالتهم، وترقيق نفوسهم وتشجيع قلوبهم، مع كثرة فوائد هذا الكتاب- إلى هذه الرياضة الطويلة، وإلى كثرة هذا الاعتذار، حتى كأنّ الذي أفيده إياهم أستفيده منهم، وحتى كأنّ رغبتي في صلاحهم، رغبة من يرغب في دنياهم، ويتضرّع إلى ما حوته أيديهم.
هذا. ولم أذكر لك من الأبواب الطوال شيئا، ولو قد صرت إلى ذكر فرق ما بين الجنّ والإنس، وفرق ما بين الملائكة والأنبياء، وفرق ما بين الأنثى والذكر، وفرق ما بينهما وبين ما ليس بأنثى ولا ذكر، حتى يمتدّ بنا القول في فضيلة الإنسان على جميع أصناف الحيوان، وفي ذكر الأمم والأعصار، وفي ذكر القسم والأعمار، وفي ذكر مقادير العقول والعلوم والصناعات. ثم القول في طباع الإنسان منذ كان نطفة إلى أن يفنيه الهرم، وكيف حقيقة ذلك الردّ إلى أرذل العمر، فإن مللت الكتاب واستثقلت القراءة، فأنت حينئذ أعذر، ولحظّ نفسك أبخس. وما عندي لك من الحيلة إلا أن أصوّره لك في أحسن صورة، وأقلّبك منه في الفنون المختلفة، فأجعلك لا تخرج من الاحتجاج بالقرآن الحكيم إلا إلى الحديث المأثور، ولا تخرج من الحديث إلا إلى الشّعر الصحيح، ولا تخرج من الشّعر الصحيح الظريف إلا إلى المثل السائر الواقع، ولا تخرج من المثل السائر الواقع إلا إلى القول في طرف الفلسفة، والغرائب التي صحّحتها التجربة، وأبرزها الامتحان، وكشف قناعها البرهان، والأعاجيب التي للنفوس بها كلف شديد وللعقول الصحيحة إليها النزاع القويّ.
ولذلك كتبته لك، وسقته إليك، واحتسبت الأجر فيك.
стр. 1036
فانظر فيه نظر المنصف من الأكفاء والعلماء، أو نظر المسترشد من المتعلّمين والأتباع. فإن وجدت الكتاب الذي كتبته لك يخالف ما وصفت فانقصني من نشاطك له على قدر ما نقصتك مما ينشطك لقراءته، وإن أنت وجدتني- إذا صحّ عقلك وإنصافك- قد وفّيتك ما ضمنت لك فوجدت نشاطك بعد ذلك مدخولا، وحدّك مفلولا فاعلم أنا لم نؤت إلا من فسولتك [١] ، ومن فساد طبعك، ومن إيثارك لما هو أضرّ بك.
стр. 1037
باب في مديح النصارى واليهود والمجوس والأنذال وصغار الناس
من ذلك ما هو مديح رغبة، ومنه ما هو إحماد [١] .
أنشدنا أبو صالح مسعود بن قند الفزاريّ، في ناس خالطهم من اليهود: [من الوافر]
وجدنا في اليهود رجال صدق ... على ما كان من دين يريب [٢]
لعمرك إنّني وابني عريض ... لمثل الماء خالطه الحليب
خليلان اكتسبتهما وإني ... لخلّة ماجد أبدا كسوب
وقال أبو الطّمحان الأسديّ، وكان نديما لناس من بني الحدّاء وكانوا نصارى، فأحمد ندامهم فقال [٣] : [من الطويل]
كأن لم يكن في القصر مقاتل ... وزورة ظلّ ناعم وصديق [٤]
ولم أرد البطحاء أمزج ماءها ... بخمر من البرّوقتين عتيق [٥]
معي كلّ فضفاض القميص كأنه ... إذا ما جرى فيه المدام فنيق [٦]
بنو الصّلت والحدّاء كلّ سميدع ... له في العروق الصالحات عروق [٧]
وإني وإن كانوا نصارى أحبّهم ... ويرتاح قلبي نحوهم ويتوق
стр. 1038
وقال ابن عبدل، أو غيره، في مجوسيّ ساق عنه صداقا فقال [١] : [من المتقارب]
شهدت عليك بطيب المشا ... ش وأنّك بحر جواد خضم [٢]
وإنك سيد أهل الجحيم ... إذا ما تردّيت فيمن ظلم
نظيرا لهامان في قعرها ... وفرعون والمكتني بالحكم [٣]
كفاني المجوسيّ مهر الرّبا ... ب، فدى للمجوسيّ خالي وعم
فقال له المجوسيّ: جعلتني في النار؟ أما ترضى أن تكون مع من سمّيت؟ قال:
بلى. قال: فمن تعني بالحكم؟ قال: أبا جهل بن هشام.
وأنشدني أبو الرّديني العكليّ، لبعض العكليّين، وكان قين لهم أحدّ جلما [٤] له، فقال يمدحه: [من الرجز]
يا سود يا أكرم قين في مضر ... لك المساعي كلّها والمفتخر
على قيون الناس، والوجه الأغر ... كان أبوك رجلا لا يقتسر [٥]
ثبتا إذا ما هو بالكير ازبأر ... زادك نفخا تلتظي منه سقر [٦]
حتى يطير حوله منها شرر ... قد عطف الكتيف حتى قد مهر [٧]
بالشّعب إن شاء وإن شاء سمر ... ما زال مذ كان غلاما يشتبر [٨]
له على العير إكاف وثفر ... والكلبتان والعلاة والوتر [٩]
فانظر ثوابي، والثّواب ينتظر ... في جلميّ والأحاديث عبر [١٠]
стр. 1039
باب من أراد أن يمدح فهجا
١٣٣٥-[خطأ الأخطل]
قال سعيد بن سلم: لما قال الأخطل بالكوفة: أخطأ الفرزدق حين قال [١] : [من الكامل]
أبني غدانة إنني حرّرتكم ... فوهبتكم لعطيّة بن جعال [٢]
لولا عطيّة لاجتدعت أنوفكم ... من بين ألأم أعين وسبال [٣]
- كيف يكون قد وهبهم له وهو يهجوهم بمثل هذا الهجاء؟! قال: فانبرى له فتى من بني تميم فقال له: وأنت الذي قلت في سويد بن منجوف [٤] : [من الطويل]
وما جذع سوء رقّق السّوس جوفه ... لما حمّلته وائل بمطيق
أردت هجاءه فزعمت أنّ وائلا تعصب به الحاجات، وقدر سويد لا يبلغ ذلك عندهم، فأعطيته الكثير ومنعته القليل [٥] ! وأردت أن تهجو حاتم بن النعمان الباهليّ، وأن تصغّر شأنه، وتضع منه، فقلت [٦] : [من الوافر]
وسوّد حاتما أن ليس فيها ... إذا ما أوقد النيران نار
فأعطيته السّودد من قيس ومنعته ما لا يضرّه [٧] .
стр. 1040
وأردت أن تمدح سماك بن زيد الأسدي فهجوته فقلت [١] : [من البسيط]
نعم المجير سماك من بني أسد ... بالطّفّ إذ قتلت جيرانها مضر
قد كنت أحسبه قينا وأنبؤه ... فاليوم طيّر عن أثوابه الشرر
وقلت [٢] في زفر بن الحارث: [من البسيط]
بني أميّة إني ناصح لكم ... فلا يبيتنّ فيكم آمنا زفر
مفترشا كافتراش الليث كلكله ... لوقعة كائن فيها لكم جزر
فأردت أن تغري به بني أميّة فوهّنت أمرهم، وتركتهم ضعفاء ممتهنين، وأعطيت زفر عليهم من القوة ما لم يكن في حسابه.
١٣٣٦-[أبو العطاف وعمرو بن هداب]
قال [٣] : ورجع أبو العطاف من عند عمرو بن هدّاب، في يومين كانا لعمرو، وأبو العطّاف يضحك. فسئل عن ذلك فقال: أما أحد اليومين فإنّه جلس للشعراء، فكان أول من أنشده المديح فيه طريف بن سوادة، فما زال ينشده أرجوزة له طويلة، حتى انتهى إلى قوله: [من الرجز]
أبرص فيّاض اليدين أكلف ... والبرص أندى باللهى وأعرف [٤]
مجلوّذ في الزّحفات مزحف [٥]
المجلوّذ: السريع.
وكان عمرو أبرص فصاح به ناس: ما لك؟ قطع الله لسانك!. قال عمرو: مه، البرص من مفاخر العرب. أما سمعتم ابن حبناء يقول [٦] : [من البسيط]
стр. 1041
إنّي امرؤ حنظليّ حين تنسبني ... لامل عتيك ولا أخوالي العوق
لا تحسبنّ بياضا فيّ منقصة ... إنّ اللهاميم في أقرابها بلق
أو ما سمعتم قول الآخر [١] : [من الرجز]
يا كأس لا تستنكري نحولي ... ووضحا أوفى على خصيلي [٢]
فإنّ نعت الفرس الرّجيل ... يكمل بالغرّة والتّحجيل [٣]
أو ما سمعتم بقول أبي مسهر [٤] : [من الطويل]
يشتمني زيد بأن كنت أبرصا ... فكلّ كريم لا أبالك أبرص
ثم أقبل على الرّاجز فقال: ما تحفظ في هذا؟ قال: أحفظ والله قوله [٥] : [من الرجز]
يا أخت سعد لا تعرّي بالرّوق ... ليس يضرّ الطّرف توليع البلق [٦]
إذا جرى في حلبة الخيل سبق
ومحمد بن سلّام يزعم أنه لم ير سابقا قطّ أبلق ولا بلقاء [٧] .
وقد سبق للمأمون فرس، إمّا أبلق وإما بلقاء.
وأنشدني أبو نواس لبعض بني نهشل [٨] : [من الرمل]
نفرت سودة عنّي أن رأت ... صلع الرّأس وفي الجلد وضح [٩]
стр. 1042
قلت يا سودة، هذا والذي ... يفرج الكربة منّا والكلح
هو زين لي في الوجه كما ... زيّن الطّرف تحاسين القرح [١]
وزعم أبو نواس أنهم كانوا يتبركون به، وأن جذيمة الوضّاح كان يفخر بذلك.
وزعم أصحابنا أن بلعاء بن قيس، لمّا شاع في جلده البرص قال له قائل: ما هذا يا بلعاء؟ فقال: «هذا سيف الله جلاه!» . وكنانة تقول: «سيف الله حلّاه» [٢] .
ثم رجع الحديث إلى أبي العطّاف وضحكه. قال [٣] : وأما اليوم الآخر فإنّ عمرا لمّا ذهب بصره، ودخل عليه الناس يعزّونه، دخل عليه إبراهيم بن جامع، وهو أبو عتّاب من آل أبي مصاد، وكان كالجمل المحجوم، فقام بين يدي عمرو فقال: يا أبا أسيّد لا تجزعنّ من ذهاب عينيك وإن كانتا كريمتيك؛ فإنك لو رأيت ثوابهما في ميزانك تمنيت أن يكون الله قد قطع يديك ورجليك، ودقّ ظهرك، وأدمى ضلعك.
قال: فصاح به القوم وضحك بعضهم. فقال عمرو: معناه صحيح، ونيته حسنة، وإن كان قد أخطأ في اللفظ [٤] .
١٣٣٧-[بين الجاحظ وأبي عتاب]
وقلت لأبي عتّاب: بلغني أن عبد العزيز الغزّال قال: ليت أن الله لم يكن خلقني، وأني الساعة أعور. قال أبو عتّاب: بئس ما قال؛ وددت والله أن الله لم يكن خلقني وأنّي الساعة أعمى مقطوع اليدين والرّجلين.
وأتى بعض الشعراء أبا الواسع وبنوه حوله، فاستعفاه أبو الواسع من إنشاد مديحه، فلم يزل به حتى أذن له. فلما انتهى إلى قوله: [من البسيط]
فكيف تنفى وأنت اليوم رأسهم ... وحولك الغرّ من أبنائك الصّيد
قال أبو الواسع: ليتك تركتهم رأسا برأس!
стр. 1043
ومدح الممزّق أبو عباد بن الممزّق، بشر بن أبي عمرو- وليس هو بشر بن أبي عمرو بن العلاء فقال [١] : [من الكامل]
من كان يزعم أن بشرا ملصق ... فالله يجزيه وربّك أعلم [٢]
تنبيك قامته وقلّة لحمه ... وتشادق فيه ولون أسحم [٣]
إنّ الصّريح المحض فيه دلالة ... والعرق منكشف لمن يتوسّم [٤]
أما لسانك واحتباؤك في الملا ... فزرارة العدسيّ عندك أعجم [٥]
إني لأرجو أن يكون مقالهم ... زورا، وشانئك الحسود المرغم [٦]
١٣٣٨-[خطأ الكميت في المديح]
ومن المديح الخطإ الذي لم أر قطّ أعجب منه، قول الكميت بن زيد وهو يمدح النبي ﷺ ، فلو كان مديحه لبني أميّة لجاز أن يعيبهم بذلك بعض بني هاشم، أو لو مدح به بعض بني هاشم لجاز أن يعترض عليه بعض بني أميّة، أو لو مدح أبا بلال الخارجيّ لجاز أن تعيبه العامّة، أو لو مدح عمرو بن عبيد لجاز أن يعيبه المخالف، أو لو مدح المهلّب لجاز أن يعيبه أصحاب الأحنف.
فأما مديح النبي ﷺ ، فمن هذا الذي يسوؤه ذلك حيث قال [٧] : [من المنسرح]
فاعتتب الشّوق من فؤادي والشع ... ر إلى من إليه معتتب [٨]
إلى السّراج المنير أحمد لا ... يعدلني رغبة ولا رهب [٩]
стр. 1044
عنه إلى غيره، ولو رفع النا ... س إليّ العيون وارتقبوا [١]
وقيل: أفرطت بل قصدت ولو ... عنّفني القائلون أو ثلبوا [٢]
إليك يا خير من تضمّنت الأرلجّ ... ض ولو عاب قولي العيب [٣]
بتفضيلك اللسان ولو ... أكثر فيك الضّجاج واللّجب [٤]
أنت المصفّى المحض المهذّب في ال ... نّسبة إن نصّ قومك النّسب
ولو كان لم يقل فيه ﵇ إلا مثل قوله [٥] : [من الطويل]
وبورك قبر أنت فيه وبوركت ... به، وله أهل بذلك يثرب
لقد غيّبوا برّا وحزما ونائلا ... عشيّة واراك الصّفيح المنصّب [٦]
فلو كان لم يمدحه ﵇ إلا بهذه الأشعار التي لا تصلح في عامة العرب لما كان ذلك بالمحمود، فكيف مع الذي حكينا قبل هذا؟!
١٣٣٩-[غلط بعض الشعراء في المديح والفخر]
ومن الأشعار الغائظة لقبيلة الشاعر- وهي الأشعار التي لو ظنّت الشعراء أن مضرّتها تعود بعشر ما عادت به، لكان الخرس أهون عليها من ذلك القول- فمن ذلك قول لبيد بن ربيعة [٧] : [من الكامل]
أبني كلاب كيف تنفى جعفر ... وبنو ضبينة حاضرو الأجباب [٨]
قتلوا ابن عروة ثمّ لطّوا دونه ... حتى تحاكمتم إلى جوّاب [٩]
يرعون منخرق اللديد كأنهم ... في العزّ أسرة حاجب وشهاب [١٠]
стр. 1045
متظاهر حلق الحديد عليهم ... كبني زرارة أو بني عتّاب [١]
قوم لهم عرفت معدّ فضلها ... والحقّ يعرفه ذوو الألباب
ومن هذا الباب قول منظور بن زبّان بن سيّار بن عمرو بن جابر الفزاري، وهو أحد سادة غطفان: [من الطويل]
فجاؤوا بجمع محزئلّ كأنهم ... بنو دارم إذا كان في الناس دارم [٢]
وذلك أن تميما لما طال افتخار قيس عليها بأن شعراء تميم كانت تضرب المثل بقبائل قيس ورجالها، فغبرت تميم زمانا لا ترفع رؤوسها حتى أصابت هذين الشعرين من هذين الشّاعرين العظيمي القدر، فزال عنها الذّلّ وانتصفت، فلو علم هذان الشاعران الكريمان ماذا يصنعان بعشائرهما- لكان الخرس أحبّ إليهما.
قال أبو عبيدة: ومن ذلك قول الحارث بن حلّزة، وأنشدها الملك [٣] وكان به وضح [٤] وأنشده من وراء ستر فبلغ من استحسانه القصيدة إلى أن أمر برفع السّتر.
ولكراهتهم لدنوّ الأبرص منهم قال لبيد بن ربيعة [٥] ، للنّعمان بن المنذر، في الربيع بن زياد: [من الرجز]
مهلا أبيت اللّعن لا تأكل معه ... إنّ استه من برص ملمّعه [٦]
وإنه يدخل فيها إصبعه ... يدخلها حتى يواري أشجعه [٧]
كأنما يطلب شيئا ضيّعه
стр. 1046
قال ابن الأعرابيّ: فلما أنشد الملك لبيد في الربيع بن زياد ما أنشد قال الربيع:
أبيت اللّعن، والله لقد نكت أمّه، قال: فقال لبيد: قد كانت لعمري يتيمة في حجرك، وأنت ربيتها، فهذا بذاك، وإلا تكن فعلت ما قلت فما أولاك بالكذب! وإن كانت هي الفاعلة فإنها من نسوة لذلك فعل. يعني بذلك أنّ نساء عبس فواجر، لأن أمه كانت عبسيّة.
والعربيّ يعاف الشيء ويهجو به غيره، فإن ابتلي بذلك فخر به. ولكنه لا يفخر به لنفسه من جهة ما هجا به صاحبه. فافهم هذه؛ فإن الناس يغلطون على العرب ويزعمون أنهم قد يمدحون الشيء الذي قد يهجون به. وهذا باطل، فإنه ليس شيء إلا وله وجهان وطرفان وطريقان.
فإذا مدحوا ذكروا أحسن الوجهين، وإذا ذمّوا ذكروا أقبح الوجهين.
والحارث بن حلّزة فخر ببكر بن وائل على تغلب، ثم عاتبهم عتابا دلّ على أنهم لا ينتصفون منهم، فقال [١] : [من الخفيف]
وأتانا عن الأراقم أنبا ... ء وخطب نعنى به ونساء [٢]
يخلطون البريء منا بذي الذّن ... ب ولا ينفع الخليّ الخلاء
زعموا أن كلّ من ضرب العي ... ر موال لنا وأنّا الولاء [٣]
إنّ إخواننا الأراقم يغلو ... ن علينا في قولهم إحفاء [٤]
ثم قال:
واتركوا الطّيخ والتّعاشي وإمّا ... تتعاشوا ففي التعاشي الدّاء [٥]
واذكروا حلف ذي المجاز وما ق ... دّم فيه، العهود والكفلاء [٦]
حذر الجور والتّعدّي وهل ين ... قض ما في المهارق الأهواء [٧]
стр. 1047
واعلموا أننا وإياكم في ... ما اشترطنا يوم اختلفنا سواء
أم علينا جناح كندة أن يغ ... نم غازيهم ومنّا الجزاء [١]
أم علينا جرّا حنيفة أم ما ... جمّعت من محارب غبراء [٢]
أم علينا جرّا قضاعة أم لي ... س علينا فيما جنوا أنداء [٣]
ليس منّا المضرّبون، ولا قي ... س، ولا جندل، ولا الحدّاء [٤]
أم جنايا بني عتيق فمن يغ ... در فإنا من غدرهم برآء
عننا باطلا وظلما كما تع ... تر عن حجرة الرّبيض الظّباء [٥]
ومن المديح الذي يقبح، قول أبي الحلال في مرثية يزيد بن معاوية، حيث يقول: [من الرجز]
يا أيّها الميت بحوّارينا ... إنّك خير الناس أجمعينا [٦]
وقال الآخر: [من الرجز]
مدحت خير العالمين عنقشا ... يشبّ زهراء تقود الأعمشا [٧]
وقال الآخر: [من الرجز]
إنّ الذي أمسى يسمّى كوزا ... اسما نبيها لم يكن تنبيزا [٨]
لما ابتدرنا القصب المركوزا ... وجدتني ذا وثبة أبوزا [٩]
стр. 1048
ودخل بعض أغثاث [١] شعراء البصريين على رجل من أشراف الوجوه يقال في نسبه [٢] ، فقال: إني مدحتك بشعر لم تمدح قطّ بشعر هو أنفع لك منه. قال: ما أحوجني إلى المنفعة، ولا سيّما كلّ شيء منه يخلد على الأيام، فهات ما عندك فقال: [من السريع]
سألت عن أصلك فيما مضى ... أبناء تسعين وقد نيّفوا [٣]
فكلّهم يخبرني أنه ... مهذّب جوهره يعرف
فقال له: قم في لعنة الله وسخطه! فلعنك الله ولعن من سألت ولعن من أجابك!!
[باب في السّخف والباطل]
(باب)
١٣٤٠-[في السّخف والباطل]
وسنذكر لك بابا من السّخف، وما نتسخّف به لك، إذ كان الحق يثقل ولا يخفّ إلا ببعض الباطل.
أنشدنا أبو نواس في التدليك: [من الرجز]
إن تبخلي بالرّكب المحلوق ... فإنّ عندي راحتي وريقي
وهذا الشعر مما يقال إن أبا نواس ولّده.
ومما يظنّ أنه ولّده قوله: [من الرجز]
لم أر كاللّيلة في التوفيق ... حرا على قارعة الطريق
كأنّ فيه لهب الحريق
وأنشدني ابن الخاركي لبعض الأعرب في التدليك: [من الرجز]
لا بارك الإله في الأحراح ... فإن فيها عدم اللّقاح
لا خير في السفاح واللّقاح ... إلا مناجاة بطون الرّاح
стр. 1049
وأنشدني محمد بن عبّاد: [من الرجز]
تسألني ما عتدي وعن ددي ... فإنني يا بنت آل مرثد [١]
راحلتي رجلاي وامراتي يدي
وأنشدني بعض أصحابنا لبعض المدنيّين: [من المنسرح]
أصفي هوى النفس، غير متّئب ... حليلة لا تسومني نفقه [٢]
تكون عوني على الزمان لل ... كسب، إذا ما أخفقت، مرتفقه [٣]
وشعر في ذلك سمعناه على وجه الدهر، وهو قوله [٤] : [من البسيط]
إذا نزلت بواد لا أنيس به ... فاجلد عميرة لا عار ولا حرج
وأنشدنا أبو خالد النّميريّ [٥] : [من البسيط]
لو أنها رخصة قضّيت من وطري ... لكنّ جلدتها تربي على السّفن [٦]
أشكو إلى الله نعظا قد بليت به ... وما ألاقي من الإملاق والحزن [٧]
وقال الذّكوانيّ يردّ على الأول قوله: [من البسيط]
جلدي عميرة فيه العار والحوب ... والعجز مطّرح والفحش مسبوب [٨]
وبالعراق نساء كالمها قطف ... بأرخص السّوم خدلات مناجيب [٩]
وما عميرة من ثدياء حالية ... كالعاج صفّرها الأكنان والطّيب [١٠]
قال: مثل هذا الشعر كمثل رجل قيل له: أبوك ذاك الذي مات جوعا؟ قال:
فوجد شيئا فلم يأكله؟!
стр. 1050
وقال الحرامي: [من الوافر]
عيال عالة وكساد سوق ... وأير لا ينام ولا ينيم
باب مما قالوا في السرّ
قال ابن ميّادة [١] : [من الطويل]
أتظهر ما في الصّدر أم أنت كاتمه ... وكتمانه داء لمن هو كاتمه
وإضماره في الصدر داء وعلّة ... وإظهاره شنع لمن هو عالمه
وتقول العرب: «من ارتاد لسرّه [موضعا] [٢] فقد أشاعه» .
وأرى الأول قد أذن في واحد [٣] وهو قوله [٤] : [من المتقارب]
وسرّك ما كان عند امرئ ... وسرّ الثلاثة غير الخفي
وقال الآخر [٥] فيما يوافق فيه المثل الأول: [من المتقارب]
فلا تفش سرّك إلا إليك ... فإنّ لكلّ نصيح نصيحا
فإني رأيت غواة الرجا ... ل لا يتركون أديما صحيحا
وقال مسكين الدّارميّ [٦] : [من الطويل]
إذا ما خليلي خانني وائتمنته ... فذاك وداعيه وذاك وداعها
стр. 1051
رددت عليه ودّه وتركتها ... مطلّقة لا يستطاع رجاعها
وإني امرؤ مني الحياء الذي ترى ... أعيش بأخلاق قليل خداعها
أواخي رجالا لست أطلع بعضهم ... على سرّ بعض غير أني جماعها
يظلّون شتّى في البلاد، وسرّهم ... إلى صخرة أعيا الرّجال انصداعها
وقال أبو محجن الثّقفي [١] : [من البسيط]
وقد أجود وما مالي بذي فنع ... وأكتم السّرّ فيه ضربة العنق [٢]
وقال عمر بن الخطاب، ﵁ [٣] : «من كتم سرّه كان الخيار في يده» .
وقال بعض الحكماء: «لا تطلع واحدا من سرّك، إلا بقدر ما لا تجد فيه بدّا من معاونتك» .
وقال آخر [٤] : «إنّ سرّك من دمك، فانظر أين تريقه!» .
وقال الشاعر [٥] : [من البسيط]
ولو قدرت على نسيان ما اشتملت ... مني الضلوع من الأسرار والخبر
لكنت أوّل من بنسى سرائره ... إذ كنت من نشرها يوما على خطر
وقال الآخر: [من الرمل]
فإذا استودعت سرّا أحدا ... فقد استودعت بالسرّ دمك
وقال قيس بن الخطيم [٦] : [من الطويل]
وإن ضيّع الإخوان سرّا فإنني ... كتوم لأسرار العشير أمين
يكون له عندي إذا ما ائتمنته ... مكان بسوداء الفؤاد مكين
стр. 1052
وقيل لمزبّد: يا مزبّد، ما هذا الذي تحت حضنك؟ فقال: يا أحمق، فلم خبأته [١] ؟! وقال أبو الشّيص: [من الطويل]
ضع السرّ في صمّاء ليست بصخرة ... صلود كما عاينت من سائر الصّخر
ولكنها قلب امرئ ذي حفيظة ... يرى ضيعة الأسرار هترا من الهتر [٢]
يموت وما ماتت كرائم فعله ... ويبلى وما يبلى نثاه على الدّهر [٣]
وقال سحيم الفقعسيّ، في نشر ما يودع من السّرّ [٤] : [من الطويل]
ولا أكتم الأسرار لكن أذيعها ... ولا أدع الأسرار تغلي على قلبي
وإن قليل العقل من باب ليله ... تقلّبه الأسرار جنبا إلى جنب
وقال الفرّار السّلميّ- وهذا الشعر في طريق شعر سحيم، وإن لم يكن في معنى السرّ- وهو قوله [٥] : [من الكامل]
وكتيبة لبّستها بكتيبة ... حتى إذا التبست نفضت بها يدي
وتركتهم تقص الرّماح ظهورهم ... من بين منجدل وآخر مسند [٦]
ما كان ينفعني مقال نسائهم ... وقتلت دون رجالهم: لا تبعد
١٣٤١-[تخاذل أسلم بن زرعة]
وقيل لأسلم بن زرعة إنك إن انهزمت من أصحاب مرداس بن أديّة غضب عليك الأمير عبيد الله بن زياد قال: يغضب عليّ وأنا حيّ؛ أحبّ إليّ من أن يرضى عني وأنا ميّت.
стр. 1053
قال: وولي دستبى [١] فخرج إليها في أصحابه، فلما شارفها عرضت له الخوارج، وكان أكثر منهم عددا وعدّة، فقال: والله لأصافّنّهم، ولأعبّينّ أصحابي فلعلهم إذا رأوا كثرتهم انصرفوا، ولا أزال بذلك قويّا في عملي هذا. فلما رأت الخوارج كثرة القوم نزلوا عن خيولهم فعرقبوها [٢] وقطّعوا أجفان سيوفهم، ونبذوا كل دقيق كان معهم، وصبّوا أسقيتهم. فلما رأى ذلك رأى الموت الأحمر. فأقبل عليهم فقال: عرقبتم دوابّكم وقطّعتم أجفان سيوفكم، ونبذتم دقيقكم؟ خار الله لنا ولكم! ثم ضرب وجوه أصحابه وانصرف عنهم.
١٣٤٢-[ضيق صدر النظّام بحمل السرّ]
وكان أبو إسحاق إبراهيم بن سيّار النظّام. أضيق الناس صدرا بحمل سرّ وكان شرّ ما يكون إذا يؤكّد عليه صاحب السر وكان إذا لم يؤكّد عليه ربما نسي القصّة، فيسلم صاحب السرّ.
وقال له مرة قاسم التمّار: سبحان الله ما في الأرض أعجب منك، أودعتك سرّا فلم تصبر عن نشره يوما واحدا، والله لأشكونّك للناس! فقال: يا هؤلاء، سلوه نممت عليه مرة واحدة، أو مرتين، أو ثلاثا، أو أربعا، فلمن الذنب الآن؟
فلم يرض بأن يشاركه في الذّنب، حتى صيّر الذّنب كله لصاحب السرّ.
١٣٤٣-[شعر في حفظ السرّ]
وقال بعض الشعراء [٣] : [من المتقارب]
ختمت الفؤاد على سرّها ... كذاك الصحيفة بالخاتم
هوى بي إلى حبّها نظرة ... هويّ الفراشة للجاحم [٤]
وقال البعيث [٥] : [من الطويل]
فإن تك ليلى حمّلتني لبانة ... فلا وأبي ليلى إذا لا أخونها [٦]
стр. 1054
حفظت لها السرّ الذي كان بيننا ... ولا يحفظ الأسرار إلا أمينها
وقال رجل من بني سعد [١] : [من الوافر]
إذا ما ضاق صدرك عن حديث ... فأفشته الرجال فمن تلوم
إذا عاتبت من أفشى حديثي ... وسرّي عنده فأنا الظلوم
وإني حين أسأم حمل سرّي ... وقد ضمّنته صدري سؤوم
ولست محدّثا سرّي خليلا ... ولا عرسي، إذا خطرت هموم
وأطوي السرّ دون الناس، إني ... لما استودعت من سرّ كتوم
١٣٤٤-[حال من يودع سره الصبيان]
قال: وقيل لشيخ: ويحك هاهنا ناس يسرق أحدهم خمسين سنة، ويزني خمسين سنة، ويصنع العظائم خمسين سنة، وهو في ذلك كله مستور جميل الأمر، وأنت إنما لطت منذ خمسة أشهر، وقد شهرت به في الآفاق! قال: بأبي أنت. ومن يكون سرّه عند الصّبيان أيّ شيء تكون حاله!
١٣٤٥-[وصية العباس لابنه في حفظ السر]
أبو الحسن، عن محمد بن القاسم الهاشمي قال: قال العباس بن عبد المطلب لعبد الله ابنه: «يا بنيّ أنت أعلم منّي، وأنا أفقه منك، إن هذا الرجل يدنيك- يعني عمر بن الخطاب- فاحفظ عني ثلاثا: لا تفش له سرّا، ولا تغتابنّ عنده أحدا، ولا يطّلعنّ منك على كذبة» .
باب في ذكر المنى
قال [٢] : سئل ابن أبي بكرة: أيّ شيء أدوم إمتاعا؟ قال: المنى.
قال [٣] : وقال يزيد بن معاوية على منبره: ثلاث يخلقن العقل، وفيها دليل على الضّعف: سرعة الجواب، وطول التمنّي، والاستغراق في الضّحك!
стр. 1055
وقال عباية الجعفي: ما سرّني بنصيبي من المنى حمر النّعم! وقال الأصمعي: قال ابن أبي الزّناد: المنى والحلم أخوان [١] .
وقال معمّر بن عبّاد: «الأماني للنّفس، مثل التّرّهات [٢] للّسان» .
وقال الشاعر: [من البسيط]
الله أصدق والآمال كاذبة ... وجلّ هذي المنى في الصّدر وسواس
وقال الآخر [٣] : [من البسيط]
إذا تمنّيت مالا بتّ مغتبطا ... إنّ المنى روس أموال المفاليس
لولا المنى متّ من همّ ومن حزن ... إذا تذكرت ما في داخل الكيس
وقال بعض الأعراب [٤] : [من الطويل]
منى إن تكن حقّا تكن أحسن المنى ... وإلّا فقد عشنا به زمنا رغدا
أمانيّ من سلمى حسان كأنما ... سقتني بها سلمى على ظما بردا
وقال بشار [٥] : [من الطويل]
كررنا أحاديث الزمان الذي مضى ... فلذّ لنا محمودها وذميمها
وروى الأصمعيّ عن بعضهم أنه قال: الاحتلام أطيب من الغشيان، وتمنّيك للشيء أوفر حظا في اللّذة من قدرتك عليه.
قال: كأنه ذهب إلى أنه إذا ملك وجبت عليه في ذلك الملك حقوق، وخاف الزوال واحتاج إلى الحفظ.