← Адаб

Адаб · id 23775

الحيوان

الجاحظ

Полный текст (2 028 стр.). Показаны 981–1020 · переход к 986.

стр. 981

قالوا: فهذا باب يساق. باب آخر إن الصفرة متى اشتدت صارت حمرة، ومتى اشتدت الحمرة صارت سوادا، وكذلك الخضرة متى اشتدت صارت سوادا. والسواد يضاد البياض مضادة تامة، وصارت الألوان الأخر فيما بينها تتضاد عادة، وصارت الطّعوم والأراييح والملامس تخالفها ولا تضادها. ١٢٨٥-[أصل الألوان] وقد جعل بعض من يقول بالأجسام [١] هذا المذهب دليلا على أن الألوان كلّها إنما هي من السواد والبياض، وإنما تختلفان على قدر المزاج. وزعموا أن اللون في الحقيقة إنما هو البياض والسواد، وحكموا في المقالة الأولى بالقوة للسواد على البياض؛ إذ كانت الألوان كلها كلما اشتدت قربت من السواد، وبعدت من البياض، فلا تزال كذلك إلى أن تصير سوادا. وقد ذكرنا قبل هذا قول من جعل الضياء والبياض جنسين مختلفين، وزعم أن كلّ ضياء بياض وليس كلّ بياض ضياء. ١٢٨٦-[عظم شأن المتكلمين] وما كان أحوجنا وأحوج جميع المرضى أن يكون جميع الأطباء متكلمين، وإلى أن يكون المتكلمون علماء؛ فإن الطبّ لو كان من نتائج حذاق المتكلمين ومن تلقيحهم له، لم نجد في الأصول التي يبنون عليها من الخلل ما نجد. ١٢٨٧-[ألوان النّيران والأضواء] وزعموا أن النار حمراء، وذهبوا إلى ما ترى العين، والنار في الحقيقة بيضاء. ثم قاسوا على خلاف الحقيقة المرّة الحمراء [٢] ، وشبّهوها بالنار. ثم زعموا أن المرة الحمراء مرّة. وأخلق بالدخان أن يكون مرّا. وليس الدخان من النار في شيء.

стр. 982

وكل نور وضياء هو أبيض، وإنما يحمرّ في العين بالعرض الذي يعرض للعين. فإذا سلمت من ذلك، وأفضت إليه العين رأته أبيض، وكذلك نار العود تنفصل من العود، وكذلك انفصال النار من الدّهن ومعها الدخان ملابسا لأجزائها. فإذا وقعت الحاسة على سواد أو بياض في مكان واحد، كان نتاجهما [١] في العين منظرة [٢] الحمرة. ولو أنّ دخانا عرض بينك وبينه قرص الشمس أو القمر لرأيته أحمر. وكذلك قرص الشمس في المشرق أحمر وأصفر، للبخار والغبار المعترض بينك وبينه. والبخار والدخان أخوان. ومتى تحلّق القرص في كبد السماء، فصار على قمة رأسك؛ ولم يكن بين عينيك وبينه إلا بقدر ما تمكن البخار من الارتفاع في الهواء صعدا- وذلك يسير قليل- فلا تراه حينئذ إلا في غاية البياض. وإذا انحطّ شرقا أو غربا صار كلّ شيء بين عينيك وبين قرصها من الهواء، ملابسا للغبار والدخان والبخار، وضروب [٣] الضّباب والأنداء [٤] فتراها إما صفراء، وإما حمراء. ومن زعم أن النار حمراء فلم يكذب إن ذهب إلى ما ترى العين، ومن ذهب إلى الحقيقة والمعلوم في الجوهرية، فزعم أنها حمراء، ثم قاس على ذلك جهل وأخطأ. وقد نجد النار تختلف على قدر اختلاف النّفط الأزرق، والأسود، والأبيض. وذلك كله يدور في العين مع كثرة الدخان وقلته. ونجد النار تتغير في ألوانها في العين، على قدر جفوف الحطب ورطوبته، وعلى قدر أجناس العيدان والأدهان، فنجدها شقراء، ونجدها خضراء إذا كان حطبها مثل الكبريت الأصفر.

стр. 983

١٢٨٨-[سبب تلون السحاب] ونجد لون السحاب مختلفا في الحمرة والبياض، على قدر المقابلات والأعراض، ونجد السحابة بيضاء، فإذا قابلت الشمس بعض المقابلة، فإن كانت السحابة غربية أفقيه والشمس منحطّة، رأيتها صفراء، ثم سوداء، تعرض للعين لبعض ما يدخل عليها. ١٢٨٩-[شعر في ألوان النار] وقال الصّلتان الفهميّ في النار: [من الطويل] وتوقدها شقراء في رأس هضبة ... ليعشو إليها كلّ باغ وجازع [١] وقال مزرّد بن ضرار [٢] : [من الطويل] فأبصر ناري وهي شقراء أوقدت ... بعلياء نشز، للعيون النواظر [٣] وقال آخر [٤] : [من الطويل] ونار كسحر العود يرفع ضوءها ... مع الليل هبّات الرياح الصّوارد [٥] والغبار يناسب بعض الدخان. ولذلك قال طفيل الغنويّ [٦] : [من الطويل] إذا هبطت سهلا كأنّ غباره ... بجانبها الأقصى دواخن تنضب [٧] لأن دخانه يكون أبيض يشبه الغبار، وناره شقراء. والعرب تجمع الدخان دواخن. وقال الأزرق الهمدانيّ: [من الطويل] ونوقدها شقراء من فرع تنضب ... وللكمت أروى للنّزال وأشبع

стр. 984

وذلك أن النار إذا ألقي عليها اللحم فصار لها دخان، اصهابّت [١] بدخان ماء اللحم وسواد القتار [٢] . وهذا يدل أيضا على ما قلنا. وفي ذلك يقول الهيّبان الفهميّ: [من الوافر] له فوق النّجاد جفان شيزى ... ونار لا تضرّم للصّلاء [٣] ولكن للطّبيخ، وقد عراها ... طليح الهمّ مستلب الفراء [٤] وما غذيت بغير لظى، فناري ... كمرتكم الغمامة ذي العفاء [٥] وقال سحر العود: [من الوافر] له نار تشبّ على يفاع ... لكلّ مرعبل الأهدام بالي [٦] ونار فوقها بجر رحاب ... مبجّلة تقاذف بالمحال [٧] ١٢٩٠-[اختلاف ألوان النار] ويدلّ أيضا على ما قلنا: أن النار يختلف لونها على قدر اختلاف جنس الدّهن والحطب والدخان، وعلى قدر كثرة ذلك وقلّته، وعلى قدر يبسه ورطوبته- قول الراعي حين أراد أن يصف لون ذئب فقال [٨] : [من الكامل] وقع الربيع وقد تقارب خطوه ... ورأى بعقوته أزلّ نسولا [٩]

стр. 985

متوضّح الأقراب فيه شهبة ... هشّ اليدين تخاله مشكولا [١] كدخان مرتجل بأعلى تلعة ... غرثان ضرّم عرفجا مبلولا [٢] المرتجل: الذي أصاب رجلا من جراد، فهو يشويه. وجعله غرثان لكون الغرث لا يختار الحطب اليابس على رطبه، فهو يشويه بما حضره. وأدار هذا الكلام، ليكون لون الدخان بلون الذئب الأطحل [٣] متفقين. ١٢٩١-[تعظيم زرادشت لشأن النار] وزرادشت هو الذي عظم النار وأمر بإحيائها، ونهى عن إطفائها، ونهى الحيّض عن مسها والدنوّ منها. وزعم أن العقاب في الآخرة إنما هو بالبرد والزمهرير والدّمق [٤] . ١٢٩٢-[سبب تخويف زرادشت أصحابه بالبرد والثلج] وزعم أصحاب الكلام أن زرادشت- وهو صاحب المجوس- جاء من بلخ، وادعى أن الوحي نزل عليه على جبال سيلان، وأنه حين دعا سكان تلك الناحية الباردة، الذين لا يعرفون إلا الأذى بالبرد، ولا يضربون المثل إلا به؛ حتى يقول الرجل لعبده: لئن عدت إلى هذا لأنزعنّ ثيابك، ولأقيمنّك في الريح، ولأوقفنّك في الثلج! فلما رأى موقع البرد منهم هذا الموقع، جعل الوعيد بتضاعفه، وظنّ أنّ ذلك أزجر لهم عما يكره. وزرادشت في توعده تلك الأمة بالثلج دون النار، مقرّ بأنه لم يبعث إلا إلى أهل تلك الجبال. وكأنه إذا قيل له: أنت رسول إلى من؟ قال لأهل البلاد الباردة، الذين لابدّ لهم من وعيد، ولا وعيد لهم إلا بالثلج. وهذا جهل منه، ومن استجاب له أجهل منه. ١٢٩٣-[ردّ على زرادشت في التخويف بالثلج] والثلج لا يكمل لمضادّة النار، فكيف يبلغ مبلغها؟ والثلج يؤكل ويشرب،

стр. 986

ويقضم قضما، ويمزج بالأشربة، ويدفن فيه الماء وكثير من الفواكه. وربما أخذ بعض المترفين القطعة منه كهامة [١] الثور، فيضعها على رأسه ساعة من نهار، ويتبرّد بذلك. ولو أقام إنسان على قطعة من الثلج مقدار صخرة في حمدان ريح [٢] ساعة من نهار، لما خيف عليه المرض قطّ. فلو كان المبالغة في التنفير والزجر أراد، وإليه قصد؛ لذكر ما هو في الحقيقة عند الأمم أشدّ. والوعيد بما هو أشد، وبما يعم بالخوف سكان البلاد الباردة والحارة أشبه، إذا كان المبالغة يريد. والثلج قد يداوى به بعض المرضى، ويتولد فيه الدود، وتخوضه الحوافر، والأظلاف، والأخفاف، والأقدام، بالليل والنهار، في الأسفار. وفي أيام الصيد يهون على من شرب خمسة أرطال نبيذ أن يعدو عليه خمسة أشواط. ١٢٩٤- (معارضة بعض المجوس في عذاب النار) وقد عارضني بعض المجوس وقال: فلعلّ أيضا صاحبكم إنما توعّد أصحابه بالنار، لأن بلادهم ليست ببلاد ثلج ولا دمق [٣] ، وإنما هي ناحية الحرور والوهج والسّموم [٤] ، لأن ذلك المكروه أزجر لهم. فرأي هذا المجوسي أنه قد عارضني! فقلت له: إن أكثر بلاد العرب موصوفة بشدة الحر في الصيف. وشدة البرد في الشتاء؛ لأنها بلاد صخور وجبال، والصخر يقبل الحر والبرد ولذلك سمت الفرس بالفارسية، العرب والأعراب: «كهيان» ، والكه بالفارسية هو الجبل. فمتى أحببت أن تعرف مقدار برد بلادهم في الشتاء وحرّها في الصيف، فانظر في أشعارهم، وكيف قسّموا ذلك، وكيف وضعوه لتعرف أن الحالتين سواء عندهم في الشدة. ١٢٩٥-[القول في البرودة والثلج] والبلاد ليس يشتد بردها على كثرة الثلج، فقد تكون بلدة أبرد وثلجها أقل،

стр. 987

والماء ليس يجمد للبرد فقط، فيكون متى رأينا بلدة ثلجها أكثر، حكمنا أن نصيبها من البرد أوفر. وقد تكون الليلة باردة جدا، وتكون صنّبرة [١] فلا يجمد الماء، ويجمد فيما هو أقلّ منها بردا. وقد يختلف جمود الماء في الليلة ذات الريح، على خلاف ما يقدّرون ويظنون. وقد خبرني من لا أرتاب بخبره، أنهم كانوا في موضع من الجبل، يستغشون [٢] به بلبس المبطّنات [٣] ، ومتى صبوا ماء في إناء زجاج، ووضعوه تحت السماء، جمد من ساعته. فليس جمود الماء بالبرد فقط، ولا بد من شروط ومقادير، واختلاف جواهر، ومقابلات أحوال، كسرعة البرد في بعض الأدهان، وإبطائه عن بعض وكاختلاف عمله في الماء المغلى، وفي الماء المتروك على حاله وكاختلاف عمله في الماء والنبيذ، وكما يعتري البول من الخثورة والجمود، على قدر طبائع الطعام والقلة. والزّيت خاصة يصيبه المقدار القليل من النار، فيستحيل من الحرارة إلى مقدار لا يستحيل إليه ما هو أحرّ. ١٢٩٦-[ردّ آخر على المجوس] وحجة أخرى على المجوس. وذلك أن محمدا ﷺ ، لو كان قال: لم أبعث إلا إلى أهل مكة- لكان له متعلق من جهة هذه المعارضة. فأما وأصل نبوّته، والذي عليه مخرج أمره وابتداء مبعثه إلى ساعة وفاته، أنه المبعوث إلى الأحمر والأسود، وإلى الناس كافة [٤] ، وقد قال الله تعالى:

стр. 988

قُلْ يا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعاً [١] وقد قال تعالى: نَذِيراً لِلْبَشَرِ [٢]- فلم يبق أن يكون مع ذلك قولهم معارضة، وأن يعدّ في باب الموازنة. ١٢٩٧-[ما قيل من الشعر في البرد] ومما قالوا في البرد قول الكميت [٣] : [من المتقارب] إذا التفّ دون الفتاة الضّجيع ... ووحوح ذو الفروة المرمل [٤] وراح الفنيق مع الرائحات ... كإحدى أوائلها المرسل [٥] وقال الكميت أيضا في مثل ذلك [٦] : [من البسيط] وجاءت الريح من تلقاء مغربها ... وضنّ من قدره ذو القدر بالعقب [٧] وكهكه المدلج المقرور في يده ... واستدفأ الكلب في المأسور ذي الذّئب [٨] وقال في مثله جران العود [٩] : [من الوافر] ومشبوح الأشاجع أريحيّ ... بعيد السّمع، كالقمر المنير [١٠] رفيع الناظرين إلى المعالي ... على العلّات في الخلق اليسير [١١] يكاد المجد ينضح من يديه ... إذا دفع اليتيم عن الجزور [١٢]

стр. 989

وألجأت الكلاب صبا بليل ... وآل نباحهنّ إلى الهرير [١] وقد جعلت فتاة الحي تدنو ... مع الهلّاك من عرن القدور [٢] وقال في مثل ذلك ابن قميئة [٣] : [من الخفيف] ليس طعمي طعم الأرامل إذ ق ... لّص درّ اللّقاح في الصّنّبر [٤] ورأيت الإماء كالجعثن البا ... لي عكوفا على قرارة قدر [٥] ورأيت الدخان كالودع [٦] الأه ... جن ينباع من وراء السّتر حاضر شركم وخيركم د ... رّ خروس من الأرانب بكر [٧] وقال في مثل ذلك [٨] : [من الكامل] وإذا العذارى بالدّخان تقنّعت ... واستعجلت نصب القدور فملّت درّت بأرزاق العيال مغالق ... بيديّ من قمع العشار الجلّة [٩]

стр. 990

وقال الهذليّ [١] : [من البسيط] وليلة يصطلي بالفرث جازرها ... يختصّ بالنّقرى المثرين داعيها لا ينبح الكلب فيها غير واحدة ... من الشّتاء ولا تسري أفاعيها وفي الجمد والبرد والأزمات يقول الكميت [٢] : [من الوافر] وفي السنة الجماد يكون غيثا ... إذا لم تعط درّتها الغضوب [٣] وروّحت اللّقاح مبهلات ... ولم تعطف على الرّبع السّلوب [٤] وكان السّوف للفتيان قوتا ... تعيش به وهيّبت الرقوب [٥] وفي هذه القصيدة يقول في شدة الحر: وخرق تعزف الجنّان فيه ... لأفئدة الكماة لها وجيب [٦] قطعت ظلام ليلته ويوما ... يكاد حصى الإكام به يذوب وقال آخر لمعشوقته [٧] : [من الطويل] وأنت التي كلفتني البرد شاتيا ... وأوردتنيه فانظري أيّ مورد [٨] فما ظنك ببرد يؤدّي هذا العاشق إلى أن يجعل شدّته عذرا له في تركه الإلمام بها. وذلك قوله في هذه القصيدة [٩] : فيا حسنها إذ لم أعج أن يقال لي ... تروّح فشيعنا إلى ضحوة الغد فأصبحت مما كان بيني وبينها ... سوى ذكرها كالقابض الماء باليد

стр. 991

ومما يقع في الباب قبل هذا، ولم نجد له بابا قول مسكين الدّارميّ: [من الوافر] وإني لا أقوم على قناتي ... أسبّ الناس كالكلب العقور [١] وإني لا أحلّ ببطن واد ... ولا آوي إلى البيت القصير وإني لا أحاوص عقد ناد ... ولا أدعو دعائي بالصفير [٢] ولست بقائل للعبد أوقد ... إذا أوقدت بالعود الصّغير ولو تأملت دخان أتّون [٣] واحد، من ابتدائه إلى انقضائه، لرأيت فيه الأسود الفاحم، والأبيض الناصع. والسواد والبياض، هما الغاية في المضادّة، وذلك على قدر البخار والرطوبات. وفيما بينهما ضروب من الألوان. وكذلك الرماد، منه الأسود، ومنه الأبيض، ومنه الأصهب، ومنه الخصيف [٤] . وذلك كله على قدر اختلاف حالات المحترق وجواهره. فهذا بعض ما قالوا في البرد. ١٢٩٨-[ما قيل من الشعر في صفة الحر] وسنذكر بعض ما قالوا في صفة الحر. قال مضرّس بن زرارة بن لقيط [٥] : [من الطويل] ويوم من الشّعرى كأنّ ظباءه ... كواعب مقصور عليها ستورها [٦]

стр. 992

تدلّت عليها الشمس حتى كأنه ... من الحر يرمى بالسكينة نورها [١] سجودا لدى الأرطى كأن رؤوسها ... علاها صداع أو فوال يصورها [٢] وقال القطاميّ [٣] : [من البسيط] فهن معترضات والحصى رمض ... والريح ساكنة والظلّ معتدل [٤] حتى وردن ركيّات الغوير وقد ... كاد الملاء من الكتّان يشتعل [٥] وقال الشماخ بن ضرار [٦] : [من الطويل] كأنّ قتودي فوق جأب مطرّد ... من الحقب لاحته الجداد الغوارز [٧] طوى ظمأها في بيضة القيظ بعدما ... جرت في عنان الشّعريين الأماعز [٨] وظلّت بيمؤود كأن عيونها ... إلى الشمس، هل تدنو، ركيّ نواكز [٩]

стр. 993

ولهذه الأبيات كان الحطيئة والفرزدق يقدّمان الشماخ بغاية التقديم. وقال الراعي [١] : [من الوافر] ونار وديقة في يوم هيج ... من الشّعرى نصبت لها الجبينا [٢] إذا معزاء هاجرة أرنّت ... جنادبها وكان العيس جونا [٣] وقال مسكين الدارمي [٤] : [من الطويل] وهاجرة ظلّت كأنّ ظباءها ... إذا ما اتّقتها بالقرون سجود تلوذ لشؤبوب من الشّمس فوقها ... كما لاذ من حرّ السّنان طريد [٥] وقال جرير [٦] : [من الطويل] وهاجد موماة بعثت إلى السّرى ... وللنّوم أحلى عنده من جنى النّحل [٧] يكون نزول الركب فيها كلا ولا ... غشاشا ولا يدنون رحلا إلى رحل [٨] ليوم أتت دون الظلال سمومه ... وظلّ المها صورا جماجمها تغلي [٩] وفيها يقول جرير: [من الطويل] تمنّى رجال من تميم لي الرّدى ... وما ذاد عن أحسابهم ذائد مثلي [١٠]

стр. 994

١٢٩٩-[احتجاج النظام للكمون] وقال أبو إسحاق: أخطأ من زعم أن النار تصعد في أول العود، وتنحدر وتغوص فيه، وتظهر عليه، وتأخذ منه عرضا. وقال: العود، النار في جميعه كامنة، وفيه سائحة، وهي أحد أخلاطه. والجزء الذي يرى منها في الطرف الأول، غير الجزء الذي في الوسط والجزء الذي في الوسط غير الجزء الذي في الطرف الآخر. فإذا احتكّ الطرف فحمي زال مانعه، وظهرت النار التي فيه. وإذا ظهرت حمي لشدة حرها الموضع الذي يليها، وتنحّى أيضا مانعه. وكذلك الذي في الطرف الآخر ولكن الإنسان إذا رأى النار قد اتصلت في العود كله، وظهرت أولا فأوّلا، ظن أن الجزء الذي كان في المكان الأول قد سرى إلى المكان الثاني، ثم إلى المكان الثالث. فيخبر عن ظاهر ما يرى ولا يعرف حقيقة ما بطن من شأنها. وقال أبو إسحاق: ولو كانت العيدان كلها لا نار فيها، لم يكن سرعة ظهورها من العراجين، ومن المرخ والعفار [١] ، أحقّ منها بعود العنّاب [٢] والبرديّ [٣] وما أشبه ذلك. لكنها لمّا كانت في بعض العيدان أكثر، وكان مانعها أضعف، كان ظهورها أسرع، وأجزاؤها إذا ظهرت أعظم. وكذلك ما كمن منها في الحجارة. ولو كانت أجناس الحجارة مستوية في الاستسرار [٤] فيها، لما كان حجر المرو أحقّ بالقدح إذا صكّ بالقدّاحة، من غيره من الحجارة، ولو طال مكثه في النار ونفخ عليه بالكير. ولم صار لبعض العيدان جمر باق، ولبعضها جمر سريع الانحلال، وبعضها لا يصير جمرا؟ ولم صار البرديّ مع هشاشته ويبسه ورخاوته، لا تعمل فيه النيران؟ ولذلك إذا وقع الحريق في السّوق سلم كل مكان يكون بين أضعاف البردي. ولذلك ترى النار سريعة الانطفاء في أضعاف البرديّ، ومواضع جميع اللّيف. وقال أبو إسحاق: فلم اختلفت في ذلك؟ إلا على قدر ما يكون فيها من النار، وعلى قدر قوة الموانع وضعفها.

стр. 995

ولم صارت تقدح على الاحتكاك حتى تلهبت، كالساج [١] في السفن إذا اختلط بعضه ببعض عند تحريك الأمواج لها؟ ولذلك أعدّوا لها الرجال لتصبّ من الماء صبّا دائما. وتدوّم الريح فتحتك عيدان الأغصان في الغياض، فتلتهب نار فتحدث نيران. ولم صار العود يحمى إذا احتكّ بغيره؟ ولم صار الطّلق [٢] لا يحمى؟ فإن قلت لطبيعة هناك، فهل دللتمونا إلا على اسم علّقتموه على غير معنى وجدتموه؟ أولسنا قد وجدنا عيون ماء حارة وعيون ماء بارد، بعضها يبرص وينفط الجلد [٣] ، وبعضها يجمد الدم ويورث الكزاز [٤] ؟ أولسنا قد وجدنا عيون ريح [٥] وعيون نار [٦] ؟ فلم زعمتم أن الريح والماء كانا مختنقين في بطون الأرض ولم تجوّزوا لنا مثل ذلك في النار؟ وهل بين اختناق الريح والماء فرق؟ وهل الريح إلا هواء تحرّك؟ وهل بين المختنق والكامن فرق؟. وزعم أبو إسحاق: أنه رمى بردائه في بئر النبي ﷺ التي من طريق مكة، فردّته الريح عليه. وحدّثني رجل من بني هاشم قال: كنت برامة [٧] ، من طريق مكة فرميت في بئرها ببعرة فرجعت إليّ، ثم أعدتها فرجعت، فرميت بحصاة فسمعت لها حريقا [٨] وحفيفا [٩] شديدا وشبيها بالجولان، إلى أن بلغت قرار الماء.

стр. 996

وزعم أبو إسحاق أنه رأى عين نار في بعض الجبال، يكون دخانها نهارا وليلا. أو ليس الأصل الذي بني عليه أمرهم: أن جميع الأبدان من الأخلاط الأربعة [١] : من النار، والماء، والأرض، والهواء؟ فإذا رأينا موضعا من الأرض يخرج منه ماء قلنا: هذا أحد الأركان؛ فما بالنا إذا رأينا موضعا من الأرض يخرج منه نار لم نقل مثل ذلك فيه؟. ولم نقول في حجر النار إنه متى وجد أخف من مقدار جسمه من الذهب والرّصاص والزئبق، إنما هو لما خالطه من أجزاء الهواء الرّافعة له؟ وإذا وجدناه أعلك علوكة، وأمتن متانة، وأبعد من التهافت جعلنا ذلك لما خالطه من أجزاء الماء. وإذا وجدناه ينقض الشرر، ويظهر النار جعلنا لك للذي خالطه من الهواء؟ ولم جعلناه إذا خف عن شيء بمقدار جسمه، لما خالطه من أجزاء الهواء، ولا نجعله كذلك لما خالطه من أجزاء النار؟! ولا سيما إذا كانت العين تجده يقدح بالشرر، ولم تجر أجزاء الهواء فيه عندنا عيانا. فلم أنكروا ذلك، وهذه القصة توافق الأصل الذي بنوا عليه أمرهم؟. قال: أو ليس من قوله أنه لولا النيران المتحركة في جوف الأرض، التي منها يكون البخار- الذي بعضه أرضيّ وبعضه مائيّ- لم يرتفع ضباب، ولم يكن صواعق ولا مطر ولا أنداء. ١٣٠٠-[الصواعق وما قيل فيها] ومتى كان البخار حارّا يابسا قدح وقذف بالنار التي تسمى «الصاعقة» ، إذا اجتمعت تلك القوى في موضع منه. فإن كانت القوى ريحا كان لها صوت، وإن كانت نارا كانت لها صواعق. حتى زعم كثير من الناس [أن بعض السيوف من خبث نيران الصواعق] [٢] ، وذلك شائع على أفواه الأعراب والشعراء. قال أبو الهول الحميري [٣] : [من الخفيف]

стр. 997

حاز صمصامة الزّبيديّ من بي ... ن جميع الأنام موسى الأمين [١] سيف عمرو، وكان فيما سمعنا ... خير ما أطبقت عليه الجفون [٢] أوقدت فوقه الصواعق نارا ... ثم ساطت به الزّعاف المنون [٣] وقال منهم آخر [٤] : [من الكامل] يكفيك من قلع السماء عقيقة ... فوق الذّراع ودون بوع البائع [٥] قال الأصمعيّ: الانعقاق: تشقّق البرق. ومنه وصف السيف بالعقيقة، وأنشد [٦] : [من الوافر] وسيفي كالعقيقة وهو كمعي [٧] وقال الأخطل [٨] : [من الطويل] وأرّقني من بعد ما نمت نومة ... وعضب إباطي كالعقيق يماني [٩]

стр. 998

[جملة من القول في الماء] (ونذكر بعون الله وتأييده جملة من القول في الماء ثمّ نصير إلى ذكر ما ابتدأنا به، من القول في النار) ذكروا أن الماء لا يغذو، وإنما هو مركب ومعبر وموصل للغذاء. واستدلّوا لذلك بأن كلّ رقيق سيّال فإنك متى طبخته انعقد، إلا الماء. وقالوا في القياس: إنه لا ينعقد في الجوف عند طبخ الكبد له، فإذا لم ينعقد لم يجئ منه لحم ولا عظم. ولأننا لم نر إنسانا قطّ اغتذاه وثبت عليه روحه، وإن السمك الذي يموت عند فقده [١] ليغذوه سواه مما يكون فيه دونه. قال خصمهم: إنما صار الماء لا ينعقد؛ لأنه ليس فيه قوى مستفادة مأخوذة من قوى الجواهر. والماء هو الجوهر القابل لجميع القوى. فبضرب من القوى والقبول يصير دهنا، وبضرب آخر يصير خلّا، وبضرب آخر يصير دما، وبضرب آخر يصير لبنا. وهذه الأمور كلها إنّما اختلفت بالقوى العارضة فيها. فالجوهر المنقلب في جميع الأجرام [٢] السّيّالة، إنما هو الماء. فيصير عند ضرب من القبول دهنا، وعند ضرب من القبول لبنا. وعصير كل شيء ماؤه والقابل لقوى ما فيه. فإذا طبخت الماء صرفا، سالما على وجهه، ولا قوى فيه، لم ينعقد وانحلّ بخارا حتى يتفانى؛ وإنما ينعقد الكامن من الملابس له. فإذا صار الماء في البدن وحده ولم يكن فيه قوى لم ينعقد. وانعقاده إنما هو انعقاد ما فيه. والماء لا يخلو من بعض القبول ولكنّ البعض لا ينعقد ما لم يكثر. وزعم أصحاب الأعراض [٣] أن الهواء سريع الاستحالة إلى الماء، وكذلك الماء إلى الهواء، للمناسبة التي بينهما من الرطوبة والرقة. وإنما هما غير سيّارين. ويدل على ذلك اجتذاب الهواء للماء وملابسته له، عند مصّ الإنسان بفيه فم الشّرابة [٤] . ولذلك سرى الماء وجرى في جوف قصب الخيزران، إذا وضعت طرفه في الماء.

стр. 999

وكذلك الهواء، فيه ظلام الليل وضياء النهار وما كان فيه من الأشباح. والحدقة لا ترى من الضياء العارض في الهواء ما تباعد منها. ١٣٠١-[ألوان الماء] والماء يرقّ فيكون له لون، ويكون عمقه مقدارا عدلا فيكون له لون، فإن بعد غوره وأفرط عمقه رأيته أسود. وكذلك يحكون عن الدّردور [١] . ويزعمون أن عين حوارا ترمى بمثل الزنوج. فتجد الماء جنسا واحدا، ثم تجد ذلك الجنس أبيض إذا قلّ عمقه، وأخضر إذا كان وسطا، وأسود إذا بعد غوره. ويختلف منظره على قدر اختلاف إنائه وأرضه، وما يقابله. فدلّ ذلك على أنه ليس بذي لون، وإنما يعتريه في التخييل لون ما يقابله ويحيط به. ولعلّ هذه الأمور إذا تقابلت أن تصنع في العين أمورا، فيظنّ الإنسان مع قرب المجاورة والالتباس، أن هذه الألوان المختلفة إنما هي لهذا الماء الرائق الخالص، الذي لم ينقلب في نفسه، ولا عرض له ما يقلبه. وكيف يعرض له ويقلبه وعين كل واحد منهما غير عين صاحبه؟ وهو يرى الماء أسود كالبحر، متى أخذ منه أحد غرفة رآه كهيئته إذا رآه قليل العمق. ويتشابهان أيضا لسرعة قبولهما للحر والبرد، والطّيب والنّتن؛ والفساد والصلاح. ١٣٠٢-[حجة للنظام في الكمون] قال أبو إسحاق: قال الله عند ذكر إنعامه على عباده وامتنانه على خلقه، فذكر ما أعانهم به من الماعون: أَفَرَأَيْتُمُ النَّارَ الَّتِي تُورُونَ. أَأَنْتُمْ أَنْشَأْتُمْ شَجَرَتَها أَمْ نَحْنُ الْمُنْشِؤُنَ [٢] ، وكيف قال «شجرتها» وليس في تلك الشجرة

стр. 1000

شيء. وجوفها وجوف الطّلق [١] في ذلك سواء. وقدرة الله على أن يخلق النار عند مسّ الطّلق، كقدرته على أن يخلقها عند حكّ العود وهو، تعالى وعز، لم يرد في هذا الموضع إلا التعجيب [٢] من اجتماع النار والماء. وهل بين قولكم في ذلك وبين من زعم أن البذر الجيّد والرديء والماء العذب والملح، والسّبخة [٣] والخبرة [٤] الرّخوة، والزمان المخالف والموافق، سواء، وليس بينها من الفرق إلا أن الله شاء أن يخلق عند اجتماع هذه حَبًّا. وَعِنَباً وَقَضْباً. وَزَيْتُوناً وَنَخْلًا [٥] دون تلك الأضداد. ومن قال بذلك وقاسه في جميع ما يلزم من ذلك، قال كقول الجهميّة في جميع المقالات، وصار إلى الجهالات، وقال بإنكار الطبائع والحقائق. وقال الله : الَّذِي جَعَلَ لَكُمْ مِنَ الشَّجَرِ الْأَخْضَرِ ناراً فَإِذا أَنْتُمْ مِنْهُ تُوقِدُونَ [٦] . ولو كان الأمر في ذلك على أن يخلقها ابتداء لم يكن بين خلقها عند أخضر الشجر وعند اليابس الهشيم فرق، ولم يكن لذكر الخضرة الدّالة على الرطوبة معنى. وقد ذكرنا جملة من قولهم في النار. وفي ذلك بلاغ لمن أراد معرفة هذا الباب. وهو مقدار قصد، لا طويل ولا قصير. فأما القول في نار جهنم، وفي شواظها [٧] ودوامها وتسعّرها وخبوّها والقول في خلق السماء من دخان والجانّ من نار السّموم [٨] ، وفي مفخر النار على الطين، وفي احتجاج إبليس بذلك- فإنا سنذكر من ذلك جملة في موضعه إن شاء الله تعالى. ١٣٠٣-[حسن النار] ونحن راجعون في القول في النار إلى مثل ما كنا ابتدأنا به القول في صدر هذا

стр. 1001

الكلام، حتى نأتي من أصناف النيران على ما يحضرنا، إن شاء الله تعالى. قالوا: وليس في العالم جسم صرف غير ممزوج، ومرسل غير مركب، ومطلق القوى، غير محصور ولا مقصور، أحسن من النار. قال: والنار سماوية علوية؛ لأن النار فوق الأرض، والهواء فوق الماء، والنار فوق الهواء. ويقولون: «شراب كأنه النار» ، و «كأن لون وجهها النار» . وإذا وصفوا بالذكاء قالوا: «ما هو إلا نار» وإذا وصفوا حمرة القرمز [١] وحمرة الذهب قالوا: «ما هو إلا نار» . قال: وقالت هند [٢] : «كنت والله في أيام شبابي أحسن من النار الموقدة!» . وأنا أقول: لم يكن بها حاجة إلى ذكر «الموقدة» وكان قولها: «أحسن من النار» يكفيها. وكذلك اتهمت هذه الرواية. وقال قدامة حكيم المشرق في وصف الذّهن [٣] : «شعاع مركوم [٤] ، ونسم معقود، ونور بصّاص [٥] . وهو النار الخامدة، والكبريت الأحمر» [٦] . ومما قال العتّابي: «وجمال كل مجلس بأن يكون سقفه أحمر، وبساطه أحمر» . وقال بشّار بن برد: [من الطويل] هجان عليها حمرة في بياضها ... تروق بها العينين والحسن أحمر [٧] وقال أعرابيّ: [من الطويل] هجان عليها حمرة في بياضها ... ولا لون أدنى للهجان من الحمر

стр. 1002

١٣٠٤-[تعظيم الله شأن النار] قال [١] : ومما عظم الله به شأن النار أنها تنتقم في الآخرة من جميع أعدائه. وليس يستوجبها بشريّ من بشريّ، ولا جنيّ من جنيّ بضغينة ولا ظلم، ولا جناية ولا عدوان، ولا يستوجب النار إلا بعداوة الله وحده، وبها يشفي صدور أوليائه من أعدائهم في الآخرة. ١٣٠٥-[تعظيم الله لما أضافه إلى نفسه] وكل شيء أضافه الله إلى نفسه فقد عظّم شأنه، وشدّد أمره. وقد فعل ذلك بالنار [٢] ، فقالوا بأجمعهم: دعه في نار الله وسقره، وفي غضب الله ولعنته، وسخط الله وغضبه. هما ناره أو الوعيد بناره، كما يقال: بيت الله، وزوّار الله، وسماء الله، وعرش الله. ثم ذكرها فامتنّ بها على أهل الأرض من وجهين [٣] : أحدهما قوله : الَّذِي جَعَلَ لَكُمْ مِنَ الشَّجَرِ الْأَخْضَرِ ناراً فَإِذا أَنْتُمْ مِنْهُ تُوقِدُونَ [٤] فجعلها من أعظم الماعون معونة، وأخفها مؤونة. ١٣٠٦-[استطراد لغوي] والماعون الأكبر: الماء والنار، ثم الكلأ والملح. قال الشاعر في الماعون بيتا جامعا، أحسن فيه التأدية حيث قال [٥] : [من البسيط] لا تعدلنّ أتاويّين قد نزلوا ... وسط الفلاة بأصحاب المحلّات [٦] والمحلّات هي الأشياء التي إذا كانت مع المسافرين حلّوا حيث شاؤوا، وهي القدّاحة، والقربة، والمسحاة. فقال: إياك أن تعدل، إذا أردت النّزول، من معه أصناف

стр. 1003

الماعون بأتاويّين، يعني واحدا أتى من هاهنا، وآخر أتى من هاهنا. كأنهم جماعة التقوا من غير تعريف بنسب ولا بلد. وإذا تجمعوا أفذاذا [١] لم يكمل كلّ واحد منهم خصال المحلّات. قال أبو النجم [٢] : [من الرجز] يضعن بالفقر أتاويّات ... معترضات غير عرضيّات [٣] وقالت امرأة من الكفار، وهي تحرّض الأوس والخزرج، حين نزل فيهم النبي ﷺ وعلى آله وصحبه: [من المتقارب] أطعتم أتاويّ من غيركم ... فلا من مراد ولا مذحج ولم ترد أنهما أشرف من قريش، ومن الحيّين كعب وعامر، ولكنها أرادت أن تؤلّب وتذكي العصبيّة. وقالوا: لا تبتنى المدن إلا على الماء والكلإ والمحتطب. فدخلت النار في المحتطب؛ إذ كان كلّ عود يوري. وأما الوجه الآخر [٤] من الامتنان بها، فكقوله تعالى: يُرْسَلُ عَلَيْكُما شُواظٌ مِنْ نارٍ وَنُحاسٌ فَلا تَنْتَصِرانِ [٥] ثم قال على صلة الكلام: فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ [٦] . وليس يريد أنّ إحراق الله العبد بالنار من آلائه ونعمائه. ولكنه رأى [٧] أن الوعيد الصادق إذا كان في غاية الزجر عما يطغيه ويرديه [٨] فهو من النعم السابغة والآلاء العظام.

стр. 1004

وكذلك نقول في خلق جهنم: إنها نعمة عظيمة، ومنّة جليلة، إذا كان زاجرا عن نفسه ناهيا، وإلى الجنة داعيا. فأما الوقوع فيها فما يشكّ أنه البلاء العظيم. وكيف تكون النقم نعما! ولو كانت النقمة نعمة لكانت رحمة، ولكان السّخط رضا وليس يهلك على البينة إلا هالك. وقال الله : لِيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَنْ بَيِّنَةٍ وَيَحْيى مَنْ حَيَّ عَنْ بَيِّنَةٍ [١] . ١٣٠٧-[من مواعظ الحسن البصري] وقال الحسن: «والله يا ابن آدم، ما توبقك إلا خطاياك! قد أريد بك النجاة فأبيت إلا أن توقع نفسك» !. وشهد الحسن بعض الأمراء، وقد تعدّى إقامة الحدّ، وزاد في عدد الضرب، فكلمه في ذلك، فلما رآه لا يقبل النصح قال: أما إنك لا تضرب إلا نفسك، فإن شئت فقلّل، وإن شئت فكثّر. وكان كثيرا ما يتلو عند ذلك: فَما أَصْبَرَهُمْ عَلَى النَّارِ [٢] . ١٣٠٨-[عقاب الآخرة وعقاب الدنيا] والعقاب عقابان: فعقاب آخرة، وعقاب دنيا. فجميع عقاب الدنيا بليّة من وجه، ونعمة من وجه. إذ كان يؤدّي إلى النعمة وإن كان مؤلما. فهو عن المعاصي زاجر، وإن كان داخلا في باب الامتحان والتعبّد، مع دخوله في باب العقاب والنعمة؛ إذ كان زجرا، وتنكيلا لغيره. وقد كلّفنا الصبر عليه، والرضا به، والتسليم لأمر الله فيه. وعقاب الآخرة بلاء صرف، وخزي بحت. لأنه ليس بمخرج منه، ولا يحتمل وجهين. ١٣٠٩-[معارف في النار] وقال أبو إسحاق: الجمر في الشمس أصهب [٣] ، وفي الفيء أشكل [٤] ، وفي ظلّ

стр. 1005

الأرض- الذي هو الليل- أحمر. وأيّ صوت خالطته النار فهو أشد الأصوات، كالصاعقة، والإعصار الذي يخرج من شقّ [١] البحر، وكصوت الموم [٢] ، والجذوة من العود إذا كان في طرفه نار ثم غمسته في إناء فيه ماء نوى منقع. ثم بالنار يعيش أهل الأرض من وجوه: فمن ذلك صنيع الشمس في برد الماء والأرض؛ لأنها صلاء جميع الحيوان، عند حاجتها إلى دفع عادية البرد. ثمّ سراجهم الذي يستصبحون به، والذي يميزون بضيائه بين الأمور. وكلّ بخار يرتفع من البحار والمياه وأصول الجبال، وكل ضباب يعلو، وندى يرتفع ثم يعود بركة ممدودة على جميع النبات والحيوان- فالماء الذي يحلّه ويلطّفه، ويفتح له الأبواب، ويأخذ بضبعه [٣] من قعر البحر والأرض النار المخالطة لهما من تحت، والشمس من فوق. ١٣١٠-[عيون الأرض] وفي الأرض عيون نار، وعيون قطران، وعيون نفط وكباريت وأصناف جميع الفلزّ من الذهب والفضة والرّصاص والنّحاس. فلولا ما في بطونها من أجزاء النار لما ذاب في قعرها جامد، ولما انسبك في أضعافها شيء من الجواهر، ولما كان لمتقاربها جامع، ولمختلفها مفرّق. ١٣١١-[قول العرب في الشمس] قال: وتقول العرب [٤] «الشمس أرحم بنا» . وقيل لبعض العرب: أيّ يوم أنفع؟ قال: يوم شمال وشمس. وقال بعضهم [٥] لامرأته: [من الوافر] تمنّين الطّلاق وأنت عندي ... بعيش مثل مشرقة الشّمال [٦]

стр. 1006

وقال عمر [١] : «الشمس صلاء العرب» . وقال عمر: «العربيّ كالبعير، حيثما دارت الشمس استقبلها بهامته» . ووصف الرّاجز إبلا فقال [٢] : [من الرجز] تستقبل الشمس بجمجماتها وقال قطران العبسيّ [٣] : [من الطويل] بمستأسد القريان حوّ تلاعه ... فنوّاره ميل إلى الشمس زاهرة [٤] ١٣١٢-[نبات الخيريّ] والخيريّ [٥] ينضم ورقه بالليل، وينفتح بالنهار. ولإسماعيل بن غزوان في هذا نادرة. وهو أن سائلا سألنا من غير أهل الكلام، فقال: ما بال ورق الخيريّ ينضم بالليل وينتشر بالنهار؟ فانبرى له إسماعيل بن غزوان فقال: لأن برد الليل وثقله، من طباعهما الضمّ والقبض والتّنويم، وحرّ شمس النهار من طباعه الإذابة، والنشر، والبسط، والخفّة، والإيقاظ. قال السائل: فيما قلت دليل، ولكنه! قال إسماعيل: وما عليك أن يكون هذا في يدك، إلى أن تصيب شيئا هو خير منه. وكان إسماعيل أحمر حليما، وكذلك كان الحراميّ. وكنت أظن بالحمر الألوان التسرع والحدّة، فوجدت الحلم فيهم أعمّ. وكنت أظن بالسمان الخدال [٦] العظام أنّ الفالج إليهم أسرع، فوجدته في الذين يخالفون هذه الصّفة أعمّ.

стр. 1007

١٣١٣-[أثر الجوّ في الأبدان] وقال إياس بن معاوية: «صحّة الأبدان مع الشمس» . ذهب إلى أهل العمد والوبر. وقال مثنّى بن بشير: «الحركة خير من الظل والسّكون» . وقد رأينا لمن مدح خلاف ذلك كلاما، وهو قليل. وقيل لابنة الخسّ: أيّما أشدّ: الشتاء أم الصيف؟ قالت: ومن يجعل الأذى كالزمانة [١] ؟!. وقال أعرابيّ: لا تسبّوا الشّمال فإنها تضع أنف الأفعى، وترفع أنف الرّفقة. وقال خاقان بن صبيح، وذكر نبل الشتاء وفضله على نبل الصيف فقال: «تغيب فيه الهوام، وتنجحر [٢] فيه الحشرات، وتظهر الفرشة والبزّة [٣] ، ويكثر فيه الدّجن [٤] ؛ وتطيب فيه خمرة [٥] البيت، ويموت فيه الذّبان والبعوض، ويبرد الماء، ويسخن الجوف، ويطيب فيه العناق» . وإذا ذكرت العرب برد الماء وسخونة الجوف قالت [٦] : «حرّة تحت قرّة» . ويجود فيه الاستمراء؛ لطول الليل، ولتفصّي الحرّ [٧] . وقال بعضهم: لا تسرّنّ بكثرة الإخوان، ما لم يكونوا أخيارا؛ فإن الإخوان غير الخيار بمنزلة النار، قليلها متاع، وكثيرها بوار [٨] .

стр. 1008

١٣١٤-[نار الزحفتين] قال [١] : ومن النيران «نار الزّحفتين» ، وهي نار أبي سريع، وأبو سريع هو العرفج [٢] . وقال قتيبة بن مسلم، لعمر بن عبّاد بن حصين: والله للسّؤدد أسرع إليك من النار في يبيس العرفج [٢] !. وإنما قيل لنار العرفج: نار الزحفتين؛ لأن العرفج [٢] إذا التهبت فيه النار أسرعت فيه وعظمت، وشاعت واستفاضت، في أسرع من كل شيء. فمن كان في قربها [٣] يزحف عنها، ثم لا تلبث أن تنطفئ من ساعتها، في مثل تلك السرعة؛ فيحتاج الذي يزحف عنها أن يزحف إليها من ساعته؛ فلا تزال للمصطلي كذلك، ولا يزال المصطلي بها كذلك. فمن أجل ذلك قيل: «نار الزّحفتين» . قال [٤] : وقيل لبعض الأعراب: ما بال نسائكم رسحا [٥] ؟ قال: أرسحهنّ عرفج الهلباء [٦] . ١٣١٥-[شرط الراعي على المسترعي] وهذا شرط الراعي فيما بينه وبين من استرعاه ماشيته في القارّ والحارّ [٧] ، وذلك أن شرطهم عليه أن يقول المسترعي للراعي [٨] : «إن عليك أن تردّ ضالّتها، وتهنأ جرباها [٩] ، وتلوط [١٠] حوضها. ويدك مبسوطة في الرّسل [١١] ما لم تنهك حلبا، أو تضرّ بنسل» .

стр. 1009

قال: فيقول عند ذلك الراعي لرب الماشية، بعد هذا الشرط: «ليس لك أن تذكر أمّي بخير ولا شرّ ولك حذفة [١] بالعصا عند غضبك، أخطأت أو أصبت، ولي مقعدي من النار وموضع يدي من الحارّ [والقارّ] [٢] » ١٣١٦-[شبه ما بين النار والإنسان] قال: ووصف بعض الأوائل شبه ما بين النار والإنسان، فجعل ذلك قرابة ومشاكلة، قال: وليس بين الأرض وبين الإنسان، ولا بين الإنسان، والماء، ولا بين الهواء والإنسان، مثل قرابة ما بينه وبين النار؛ لأن الأرض إنما هي أمّ للنبات، [وليس للماء] [٣] إلا أنه مركب. وهو لا يغذو؛ إلّا ما يعقده الطبخ وليس للهواء فيه إلا النسيم والمتقلّب. وهذه الأمور وإن كانت زائدة، وكانت النفوس تتلف مع فقد بعضها، فطريق المشاكلة والقرابة غير طريق إدخال المرفق وجرّ المنفعة، ودفع المضرّة. قال: وإنما قضيت لها بالقرابة، لأني وجدت الإنسان يحيا ويعيش في حيث تحيا النار وتعيش، وتموت وتتلف حيث يموت الإنسان ويتلف. وقد تدخل نار في بعض المطامير [٤] والجباب [٥] ، والمغارات، والمعادن [٦] ، فتجدها متى ماتت هناك علمنا أن الإنسان متى صار في ذلك الموضع مات. ولذلك لا يدخلها أحد ما دامت النار إذا صارت فيها ماتت. ولذلك يعمد أصحاب المعادن والحفاير إذا هجموا على فتق في بطن الإرض أو مغارة في أعماقها أو أضعافها، قدّموا شمعة في طرفها أو في رأسها نار، فإن ثبتت النار وعاشت دخلوا في طلب الجواهر من الذهب وغير ذلك. وإلا لم يتعرّضوا له. وإنما يكون دخولهم بحياة النار، وامتناعهم بموت النار. وكذلك إذا وقعوا على رأس الجبّ الذي فيه الطعام، لم يجسروا على النزول

стр. 1010

فيه، حتى يرسلوا في ذلك الجبّ قنديلا فيه مصباح أو شيئا يقوم مقام القنديل، فإن مات لم يتعرّضوا له، وحرّكوا في جوفه أكسية [١] وغيرها من أجزاء الهواء. قال: وممّا يشبّه النار فيه بالإنسان، أنك ترى للمصباح قبل انطفائه ونفاد دهنه، اضطراما وضياء ساطعا، وشعاعا طائرا، وحركة سريعة وتنقضا [٢] شديدا، وصوتا متداركا. فعندها يخمد المصباح. وكذلك الإنسان، له قبل حال الموت، ودوين انقضاء مدّته بأقرب الحالات، حال مطمعة تزيد في القوة على حاله قبل ذلك أضعافا، وهي التي يسمونها «راحة الموت» ، وليس له بعد تلك الحال لبث. ١٣١٧-[قول رئيس المتكلّمين في النفس] وكان رئيس من المتكلمين، وأحد الجلّة المتقدمين، يقول في النفس قولا بليغا عجيبا، لولا شنعته لأظهرت اسمه، وكان يقول: الهواء اسم لكل فتق، وكذلك الحيّز [٣] . والفتق لا يكون إلا بين الأجرام الغلاظ، وإلا فإنما هو الذي يسميه أصحاب الفلك «اللّجّ» . وإذا هم سألوهم عن خضرة الماء قالوا: هذا لجّ الهواء، وقالوا: لولا أنك في ذلك المكان لرأيت في اللّجّ الذي فوق ذلك مثل هذه الخضرة. وليس شيء إلا وهو أرق من كتيفه أو من الأجرام الحاصرة له. وهو اسم لكل متحرّك ومتقلّب لكل شيء فيه من الأجرام المركبة. ولا يستقيم أن يكون من جنس النسيم، حتى يكون محصورا، إما بحصر كتيفي كالسفينة لما فيها من الهواء الذي به حملت مثل وزن جرمها الأضعاف الكثيرة، وإما أن يكون محصورا في شيء كهيئة البيضة المشتملة على ما فيها، كالذي يقولون في الفلك الذي هو عندنا: سماء. قال: وللنسيم الذي هو فيه معنى آخر، وهو الذي يجعله بعض الناس ترويحا عن النفس، يعطيها البرد والرّقّة والطّيب، ويدفع النّفس، ويخرج إليه البخار والغلظ، والحرارات الفاضلة [٤] ، وكلّ ما لا تقوى النّفس على نفيه واطّراده.

стр. 1011

قال: وليس الأمر كذلك. بل أزعم أنّ النفس من جنس النسيم وهذه النفس القائمة في الهواء المحصور، عرض لهذه النفس المتفرّقة في أجرام جميع الحيوان، وهذه الأجزاء التي في هذه الأبدان، هي من النسيم في موضع الشعاع والأكثاف، والفروع التي تكون من الأصول. قال: وضياء النفس كضياء دخل من كوّة [١] فلما سدّت الكوّة انقطع بالطّفرة إلى عنصره من قرص الشمس وشعاعها المشرق فيها، ولم يقم في البيت مع خلاف شكله من الجروم [٢] . ومتى عمّ السّدّ لم تقم النفس في الجرم فوق لا. وحكم النفس عند السّدّ- إذ كنا لا نجدها بعد ذلك- كحكم الضياء بعد السدّ، إذ كنا لا نجده بعد ذلك. فالنفس من جنس النسيم، وبفساده تفسد الأبدان، وبصلاحه تصلح. وكان يعتمد على أن الهواء نفسه هو النفس والنسيم، وأن الحرّ واللدونة وغير ذلك من الخلاف، إنما هو من الفساد العارض. قيل له: فقد يفسد الماء فتفسد الأجرام من الحيوان بفساده، ويصلح فتصلح بصلاحه، وتمنع الماء وهي تنازع إليه فلا تحلّ [٣] بعد المنازعة إذا تمّ المنع، وتوصل بجرم الماء فتقيم في مكانها. فلعل النفس عند بطلانها في جسمها قد انقطعت إلى عنصر الماء بالطّفرة. وبعد فما علّمك؟ لعلّ الخنق هيّج على النفس أضدادا لها كثيرة، غمرتها حتى غرقت فيها، وصارت مغمورة بها. وكان هذا الرئيس يقول: لولا أن تحت كلّ شعرة وزغبة مجرى نفس لكان المخنوق يموت مع أوّل حالات الخنق، ولكن النفس قد كان لها اتصال بالنسيم من تلك المجاري على قدر [من] [٤] الأقدار، فكان نوطها [٥] جوف الإنسان. فالرّيح والبخار لمّا طلب المنفذ فلم يجده، دار وكثف وقوي؛ فامتدّ له الجلد فسدّ له

стр. 1012

المجاري. فعند ذلك ينقطع النفس. ولولا اعتصامها بهذا السبب لقد كانت انقطعت إلى أصلها من القرص، مع أول حالات الخنق. وكان يقول: إن لم تكن النفس غمرت بما هيّج عليها من الآفات، ولم تنقطع للطّفر إلى أصلها جاز أن يكون الضياء الساقط على أرض البيت عند سدّ الكوّة أن يكون لم ينقطع إلى أصله. ولكن السدّ هيّج عليه من الظلام القائم في الهواء ما غمره، وقطعه عن أصله. ولا فرق بين هذين. وكان يعظّم شأن الهواء، ويخبر عن إحاطته بالأمور ودخوله فيها، وتفضّل قوّته عليها. وكان يزعم أن الذي في الزّقّ [١] من الهواء، لو لم يكن له مجار ومنافس، ومنع من كل وجهة- لأقلّ الجمل الضخم. وكان يقول: وما ظنّك بالرّطل من الحديد أو بالزّبرة [٢] منه، أنه متى أرسل في الماء خرقه، كما يخرق الهواء! قال: والحديد يسرع إلى الأرض إذا أرسلته في الهواء، بطبعه وقوّته، ولطلبه الأرض المشاكلة له، ودفع الهواء له، وتبرّيه منه، ونفيه له بالمضادة، واطّراده له بالعداوة. قال: ثمّ تأخذ تلك الزّبرة [٢] فتبسطها بالمطارق، فتنزل نزولا دون ذلك؛ لأنها كلما اجتمعت فكان الذي يلاقيها من الماء أصغر جرما، كانت أقوى عليه. ومتى ما أشخصت [٣] هذه الزّبرة [٢] المفطوحة المبسوطة المسطوحة، بنتق [٤] الحيطان في مقدار غلظ الإصبع، حمل مثل زنته المرار الكثيرة وليس إلا لما حصرت تلك الإصبع من الهواء. وكلما كان نتوّ الحيطان أرفع كان للأثقال أحمل، وكان الهواء أشدّ انحصارا. قال: ولولا أن ذلك الهواء المحصور متّصل بالهواء المحصور في جرم الحديد، وفي جرم الخشب والقار، فرفع بذلك الاتصال السفينة علوّا- لما كان يبلغ من حصر ارتفاع إصبع للهواء ما يحمله البغل.

стр. 1013

ويدلّ على ذلك شأن السكّابة [١] ؛ فإنّك تضع رأس السكّابة الذي يلي الماء في الماء، ثم تمصه من الطرف الآخر، فلو كان الهواء المحصور في تلك الأنبوبة إنما هو مجاور لوجه الماء، ولم يكن متصلا بما لابس جرم الماء من الهواء، ثم مصصته بأضعاف ذلك الجذب إلى ما لا يتناهى لما ارتفع إليك من الماء شيء رأسا. وكان يقول في السّبيكة التي تطيل عليها الإيقاد، كيف لا تتلوّى، فما هو إلا أن ينفخ عليها بالكير [٢] حتى تدخل النيران في تلك المداخل، وتعاونها الأجزاء التي فيها من الهواء. وبمثل ذلك قام الماء في جوف كوز المسقاة المنكس. ولعلمهم بصنيع الهواء إذا احتصر وإذا حصر، جعلوا سمك [٣] الصّينية مثل طولها. أعني المركب الصّينيّ. وكان يخبر عن صنيع الهواء بأعاجيب. وكان يزعم [٤] أنّ الرّجل إذا ضربت عنقه سقط على وجهه، فإذا انتفخ انتفخ غرموله وقام وعظم. فقلبه عند ذلك على القفا. فإذا جاءت الضّبع لتأكله فرأته على تلك الحال، ورأت غرموله على تلك الهيئة، استدخلته وقضت وطرها من تلك الجهة، ثم أكلت الرّجل، بعد أن يقوم ذلك عندها أكثر من سفاد الذّيخ. والذّيخ: ذكر الضّباع العرقاء [٥] . وذكر بعض الأعراب أنه عاينها عند ذلك، وعند سفاد الضّبع لها، فوجد لها عند تلك الحال حركة وصياحا، لم يجده عندها في وقت سفاد الذّيخ لها. ولذلك قال أبو إسحاق لإسماعيل بن غزوان: «أشهد بالله إنك لضبع» . لأن إسماعيل شدّ جارية له على سلّم وحلف ليضربنّها مائة سوط دون الإزار- ليلتزق جلد السّوط بجلدها، فيكون أوجع لها- فلما كشف عنها رطبة بضّة خدلة [٦] ، وقع عليها، فلما قضى حاجته منها وفرغ، ضربها مائة سوط. فعند ذلك قال أبو إسحاق ما قال.

стр. 1014

١٣١٨-[أحوال الغرقى] [١] وإذا غرقت المرأة رسبت. فإذا انتفخت وصارت في بطنها ريح وصارت في معنى الزقّ، طفا بدنها وارتفع، إلا أنها تكون منكبّة، ويكون الرّجل مستلقيا. وإذا ضربت عنق الرّجل وألقي في الماء لم يرسب، وقام في جوف الماء وانتصب، ولم يغرق، ولم يلزم القعر، ولم يظهر. كذلك يكون إذا كان مضروب العنق، كان الماء جاريا أو كان ساكنا. حتى إذا خفّ وصار فيه الهواء، وصار كالزّقّ المنفوخ، انقلب وظهر بدنه كله، وصار مستلقيا، كان الماء جاريا أو كان قائما. فوقوفه وهو مضروب العنق، شبيه بالذي عليه طباع العقرب التي فيها الحياة، إذا ألقيتها في ماء غمر [٢] ، لم تطف ولم ترسب، وبقيت في وسط عمق الماء، لا يتحرّك منها شيء. والعقرب من الحيوان الذي لا يسبح. فأما الحيّة فإنها تكون جيّدة السباحة، إذا كانت من اللواتي تنساب وتزحف. فأمّا أجناس الأفاعي التي تسير على جنب فليس عندها في السباحة طائل. والسّباحة المنعوتة، إنما هي للإوزّة والبقرة والكلب. فأمّا السمكة فهي الأصل في السباحة، وهي المثل، وإليها جميع النسبة. والمضروب العنق يكون في عمق الماء قائما. والعقرب يكون على خلاف ذلك. [رجع إلى ذكر النار] ١٣١٩-[مناغاة الطفل للمصباح] ثمّ رجع بنا القول إلى ذكر النار. قال: والنار من الخصال المحمودة أنّ الطفل لا يناغي شيئا كما يناغي المصباح. وتلك المناغاة نافعة له في تحريك النفس، وتهييج الهمة، والبعث على الخواطر، وفتق اللهاة، وتسديد [٣] اللسان، وفي السرور الذي له في النفس أكرم أثر.

стр. 1015

١٣٢٠-[قول الأديان في النار] قال: وكانت النار معظّمة عند بني إسرائيل، حيث جعلها الله تعالى تأكل القربان، وتدل على إخلاص المتقرّب، وفساد نية المدغل [١] ، وحيث قال الله لهم [٢] : «لا تطفئوا النّار من بيوتي» . ولذلك لا تجد الكنائس والبيع أبدا إلا وفيها المصابيح تزهر [٣] ، ليلا ونهارا، حتى نسخ الإسلام ذلك وأمرنا بإطفاء النيران، إلا بقدر الحاجة. فذكر ابن جريح قال: أخبرني أبو الزّبير، أنه سمع جابر بن عبد الله يقول: أمرني رسول الله ﷺ فقال [٤] : «إذا رقدت فأغلق بابك، وخمّر [٥] إناءك، وأوك سقاءك [٦] ، وأطفئ مصباحك، فإن الشيطان لا يفتح غلقا ولا يكشف إناء، ولا يحلّ وكاء. وإن الفأرة الفويسقة تحرق أهل البيت» . وفطر بن خليفة عن أبي الزبير؛ عن جابر بن عبد الله، قال [٧] : قال لنا رسول الله ﷺ : «أغلقوا أبوابكم، وأوكوا أسقيتكم وخمّروا آنيتكم، وأطفئوا سرجكم، فإن الشيطان لا يفتح غلقا، ولا يحلّ وكاء، ولا يكشف غطاء. وإن

стр. 1016

الفويسقة تضرّم البيت على أهله. وكفّوا مواشيكم وأهليكم حين تغرب الشمس، حتى تذهب فحمة العشاء» . قال: ويدل على أنه ﷺ لم يأمر بحفظها إلا بقدر الحاجة إليها، ويأمر بإطفائها إلا عند الاستغناء عنها- ما حدّث به عباد بن كثير قال: حدّثني الحسن بن ذكوان عن شهر بن حوشب قال [١] : «أمر رسول الله ﷺ أن تحبسوا صبيانكم عند فحمة العشاء، وأن تطفئوا المصابيح، وأن توكئوا الأسقية، وأن تخمّروا الآنية، وأن تغلّقوا الأبواب» . قال: فقام رجل فقال: يا رسول الله إنه لا بدّ لنا من المصابيح، للمرأة النّفساء، وللمريض، وللحاجة تكون. قال: فلا بأس إذا، فإن المصباح مطردة للشيطان، مذبّة للهوام [٢] ، مدلّة [٣] على اللصوص. ١٣٢١-[نار الغول] قال: ونار أخرى، وهي التي تذكر الأعراب أن الغول توقدها بالليل، للعبث والتخليل، وإضلال السابلة. قال أبو المطراب عبيد بن أيوب العنبريّ [٤] : [من الطويل] فلله درّ الغول أيّ رفيقة ... لصاحب قفر خائف متقتّر أرنّت بلحن بعد لحن وأوقدت ... حواليّ نيرانا تبوخ وتزهر ١٣٢٢-[جمرات العرب] قال: وجمرات العرب: عبس، وضبّة، ونمير [٥] . يقال لكلّ واحد منهم: جمرة [٦] .

стр. 1017

وقد ذكر أبو حيّة النّميري قومه خاصّة فقال [١] : [من الطويل] وهم جمرة لا يصطلي الناس نارهم ... توقّد لا تطفا لريب النّوائب ويروى: الدوابر [٢] . ثم ذكر هذه القبائل فعمّهم بذلك، لأنها كلّها مضريّة، فقال [٣] : [من الطويل] لنا جمرات ليس للناس مثلها ... ثلاث فقد جرّبن كلّ التّجارب نمير وعبس تتّقى صقراتها ... وضبّة قوم بأسهم غير كاذب يعني شدّتها [٤] . إلى كلّ قوم قد دلفنا بجمرة ... لها عارض [٥] جون قويّ المناكب وعلى ذلك المعنى قيل: «قد سقطت الجمرة» ، إذا كان في استقبال زمان الدّفاء [٦] . ويقولون: قد سقطت الجمرة الأولى، والثانية، والثالثة [٧] . ١٣٢٣-[استطراد لغوي] والجمار: الحصى الذي يرمى به. والرّمي: التجمير، قال الشاعر [٨] : [من الطويل] ولم أر كالتجمير منظر ناظر ... ولا كليالي الحجّ أفتنّ ذا هوى

стр. 1018

والتجمير أيضا: أن يرمى بالجند في ثغر [١] من الثّغور، ثم لا يؤذن لهم في الرجوع. وقال حميد الأرقط: [من الرجز] فاليوم لا ظلم ولا تتبير ... ولا لغاز إن غزا تجمير [٢] وقال بعض من جمّر من الشعراء في بعض الأجناد [٣] : [من الطويل] معاوي إمّا أن تجهّز أهلنا ... إلينا، وإما أن نؤوب معاويا أجمّرتنا تجمير كسرى جنوده ... ومنّيتنا حتى مللنا الأمانيا وقال الجعديّ [٤] : [من الخفيف] كالخلايا أنشأن من أهل سابا ... ط بجند مجمّر بأوال ويقال قد أجمر الرجل: إذا أسرع أو أعجل مركبه. وقال لبيد [٥] : [من الرمل] وإذا حرّكت غرزي أجمرت ... أو قرابي، عدو جون قد أبل [٦] وقال الراجز: [من الرجز] أجمر إجمارا له تطميم التّطميم: الارتفاع والعلوّ. ويقال: أجمر ثوبه، إذا دخّنه [٧] . والمجمرة والمجمر: الذي يكون فيه الدّخنة. وهو مأخوذ من الجمر.

стр. 1019

ويقال: قد جمّرت المرأة شعرها إذا ضفرته. والضّفر يقال له الجمير [١] . قال: ويسمى الهلال قبل ليلة السّرار [٢] بليلة: «ابن جمير» قال أبو حردبة [٣] : [من الكامل] فهل الإله يشيّعني بفوارس ... لبني أميّة في سرار جمير وأنشدني الأصمعيّ: [من الرجز] مضفورها يطوى على جميرها ويقال: قد تجمّر القوم، إذا هم اجتمعوا حتى يصير لهم بأس، ويكونوا كالنار على أعدائهم فكأنهم جمرة، أو كأنهم جمير من شعر مضفور، أو حبل مرصّع القوى [٤] . وبه سمّيت تلك القبائل والبطون من تميم: الجمار [٥] . والمجمّر مشدّد الميم: حيث يقع حصى الجمار. وقال الهذلي [٦] : [من الطويل] لأدركهم شعث النّواصي كأنهم ... سوابق حجّاج توافي المجمّرا ويقال خفّ مجمّر: إذا كان مجتمعا شديدا. ويقال: عدّ فلان إبله أو خيله أو رجاله جمارا [٧] : إذا كان ذلك جملة واحدة. وقال الأعشى [٨] : [من المتقارب] فمن مبلغ وائلا قومنا ... وأعني بذلك بكرا جمارا قال: ويقال في النار وما يسقط من الزّند: السّقط، والسّقط، والسّقط. ويقال: هذا مسقط الرمل، أي منقطع الرمل، ويقال: أتانا مسقط النّجم، إذا جاء حين غاب.

стр. 1020

ويقال رفع الطائر سقطيه [١] . وقال الشاعر [٢] : [من البسيط] حتى إذا ما أضاء الصّبح وانبعثت ... عنه نعامة ذي سقطين معتكر [٣] أراد ناحيتي الليل. ويقال: شبّت النار والحرب تشبّ شبّا، وشببتها أنا أشبّها شبّا، وهو رجل شبوب للحرب. ويقال: حسب ثاقب، أي مضيء متوقد. وكذلك يقال في العلم. ويقال: هب لي ثقوبا، وهو ما أثقبت [٤] به النار، من عطبة [٥] أو من غيرها. ويقال: أثقب النار إذا فتح عينها لتشتعل. وهو الثّقوب، ويقال: ثقب الزند ثقوبا، إذا ظهرت ناره. وكذلك النار. والزند الثاقب الذي إذا قدح ظهرت النار منه. ويقال: ذكت النار تذكو ذكوّا، إذا اشتعلت. ويقال ذكّها إذا أريد اشتعالها. وذكاء اسم للشمس، مضموم الذال المعجمة، وابن ذكاء: الصبح، ممدود مضموم الذال. وقال العجّاج [٦] : [من الرجز] وابن ذكاء كامن في كفر وقال ثعلبة بن صعير المازني [٧] . وذكر ظليما ونعامة: [من الكامل]
следующие страницы →