رددت عليه ودّه وتركتها ... مطلّقة لا يستطاع رجاعها
وإني امرؤ مني الحياء الذي ترى ... أعيش بأخلاق قليل خداعها
أواخي رجالا لست أطلع بعضهم ... على سرّ بعض غير أني جماعها
يظلّون شتّى في البلاد، وسرّهم ... إلى صخرة أعيا الرّجال انصداعها
وقال أبو محجن الثّقفي [١] : [من البسيط]
وقد أجود وما مالي بذي فنع ... وأكتم السّرّ فيه ضربة العنق [٢]
وقال عمر بن الخطاب، ﵁ [٣] : «من كتم سرّه كان الخيار في يده» .
وقال بعض الحكماء: «لا تطلع واحدا من سرّك، إلا بقدر ما لا تجد فيه بدّا من معاونتك» .
وقال آخر [٤] : «إنّ سرّك من دمك، فانظر أين تريقه!» .
وقال الشاعر [٥] : [من البسيط]
ولو قدرت على نسيان ما اشتملت ... مني الضلوع من الأسرار والخبر
لكنت أوّل من بنسى سرائره ... إذ كنت من نشرها يوما على خطر
وقال الآخر: [من الرمل]
فإذا استودعت سرّا أحدا ... فقد استودعت بالسرّ دمك
وقال قيس بن الخطيم [٦] : [من الطويل]
وإن ضيّع الإخوان سرّا فإنني ... كتوم لأسرار العشير أمين
يكون له عندي إذا ما ائتمنته ... مكان بسوداء الفؤاد مكين
стр. 1052
وقيل لمزبّد: يا مزبّد، ما هذا الذي تحت حضنك؟ فقال: يا أحمق، فلم خبأته [١] ؟! وقال أبو الشّيص: [من الطويل]
ضع السرّ في صمّاء ليست بصخرة ... صلود كما عاينت من سائر الصّخر
ولكنها قلب امرئ ذي حفيظة ... يرى ضيعة الأسرار هترا من الهتر [٢]
يموت وما ماتت كرائم فعله ... ويبلى وما يبلى نثاه على الدّهر [٣]
وقال سحيم الفقعسيّ، في نشر ما يودع من السّرّ [٤] : [من الطويل]
ولا أكتم الأسرار لكن أذيعها ... ولا أدع الأسرار تغلي على قلبي
وإن قليل العقل من باب ليله ... تقلّبه الأسرار جنبا إلى جنب
وقال الفرّار السّلميّ- وهذا الشعر في طريق شعر سحيم، وإن لم يكن في معنى السرّ- وهو قوله [٥] : [من الكامل]
وكتيبة لبّستها بكتيبة ... حتى إذا التبست نفضت بها يدي
وتركتهم تقص الرّماح ظهورهم ... من بين منجدل وآخر مسند [٦]
ما كان ينفعني مقال نسائهم ... وقتلت دون رجالهم: لا تبعد
١٣٤١-[تخاذل أسلم بن زرعة]
وقيل لأسلم بن زرعة إنك إن انهزمت من أصحاب مرداس بن أديّة غضب عليك الأمير عبيد الله بن زياد قال: يغضب عليّ وأنا حيّ؛ أحبّ إليّ من أن يرضى عني وأنا ميّت.
стр. 1053
قال: وولي دستبى [١] فخرج إليها في أصحابه، فلما شارفها عرضت له الخوارج، وكان أكثر منهم عددا وعدّة، فقال: والله لأصافّنّهم، ولأعبّينّ أصحابي فلعلهم إذا رأوا كثرتهم انصرفوا، ولا أزال بذلك قويّا في عملي هذا. فلما رأت الخوارج كثرة القوم نزلوا عن خيولهم فعرقبوها [٢] وقطّعوا أجفان سيوفهم، ونبذوا كل دقيق كان معهم، وصبّوا أسقيتهم. فلما رأى ذلك رأى الموت الأحمر. فأقبل عليهم فقال: عرقبتم دوابّكم وقطّعتم أجفان سيوفكم، ونبذتم دقيقكم؟ خار الله لنا ولكم! ثم ضرب وجوه أصحابه وانصرف عنهم.
١٣٤٢-[ضيق صدر النظّام بحمل السرّ]
وكان أبو إسحاق إبراهيم بن سيّار النظّام. أضيق الناس صدرا بحمل سرّ وكان شرّ ما يكون إذا يؤكّد عليه صاحب السر وكان إذا لم يؤكّد عليه ربما نسي القصّة، فيسلم صاحب السرّ.
وقال له مرة قاسم التمّار: سبحان الله ما في الأرض أعجب منك، أودعتك سرّا فلم تصبر عن نشره يوما واحدا، والله لأشكونّك للناس! فقال: يا هؤلاء، سلوه نممت عليه مرة واحدة، أو مرتين، أو ثلاثا، أو أربعا، فلمن الذنب الآن؟
فلم يرض بأن يشاركه في الذّنب، حتى صيّر الذّنب كله لصاحب السرّ.
١٣٤٣-[شعر في حفظ السرّ]
وقال بعض الشعراء [٣] : [من المتقارب]
ختمت الفؤاد على سرّها ... كذاك الصحيفة بالخاتم
هوى بي إلى حبّها نظرة ... هويّ الفراشة للجاحم [٤]
وقال البعيث [٥] : [من الطويل]
فإن تك ليلى حمّلتني لبانة ... فلا وأبي ليلى إذا لا أخونها [٦]
стр. 1054
حفظت لها السرّ الذي كان بيننا ... ولا يحفظ الأسرار إلا أمينها
وقال رجل من بني سعد [١] : [من الوافر]
إذا ما ضاق صدرك عن حديث ... فأفشته الرجال فمن تلوم
إذا عاتبت من أفشى حديثي ... وسرّي عنده فأنا الظلوم
وإني حين أسأم حمل سرّي ... وقد ضمّنته صدري سؤوم
ولست محدّثا سرّي خليلا ... ولا عرسي، إذا خطرت هموم
وأطوي السرّ دون الناس، إني ... لما استودعت من سرّ كتوم
١٣٤٤-[حال من يودع سره الصبيان]
قال: وقيل لشيخ: ويحك هاهنا ناس يسرق أحدهم خمسين سنة، ويزني خمسين سنة، ويصنع العظائم خمسين سنة، وهو في ذلك كله مستور جميل الأمر، وأنت إنما لطت منذ خمسة أشهر، وقد شهرت به في الآفاق! قال: بأبي أنت. ومن يكون سرّه عند الصّبيان أيّ شيء تكون حاله!
١٣٤٥-[وصية العباس لابنه في حفظ السر]
أبو الحسن، عن محمد بن القاسم الهاشمي قال: قال العباس بن عبد المطلب لعبد الله ابنه: «يا بنيّ أنت أعلم منّي، وأنا أفقه منك، إن هذا الرجل يدنيك- يعني عمر بن الخطاب- فاحفظ عني ثلاثا: لا تفش له سرّا، ولا تغتابنّ عنده أحدا، ولا يطّلعنّ منك على كذبة» .
باب في ذكر المنى
قال [٢] : سئل ابن أبي بكرة: أيّ شيء أدوم إمتاعا؟ قال: المنى.
قال [٣] : وقال يزيد بن معاوية على منبره: ثلاث يخلقن العقل، وفيها دليل على الضّعف: سرعة الجواب، وطول التمنّي، والاستغراق في الضّحك!
стр. 1055
وقال عباية الجعفي: ما سرّني بنصيبي من المنى حمر النّعم! وقال الأصمعي: قال ابن أبي الزّناد: المنى والحلم أخوان [١] .
وقال معمّر بن عبّاد: «الأماني للنّفس، مثل التّرّهات [٢] للّسان» .
وقال الشاعر: [من البسيط]
الله أصدق والآمال كاذبة ... وجلّ هذي المنى في الصّدر وسواس
وقال الآخر [٣] : [من البسيط]
إذا تمنّيت مالا بتّ مغتبطا ... إنّ المنى روس أموال المفاليس
لولا المنى متّ من همّ ومن حزن ... إذا تذكرت ما في داخل الكيس
وقال بعض الأعراب [٤] : [من الطويل]
منى إن تكن حقّا تكن أحسن المنى ... وإلّا فقد عشنا به زمنا رغدا
أمانيّ من سلمى حسان كأنما ... سقتني بها سلمى على ظما بردا
وقال بشار [٥] : [من الطويل]
كررنا أحاديث الزمان الذي مضى ... فلذّ لنا محمودها وذميمها
وروى الأصمعيّ عن بعضهم أنه قال: الاحتلام أطيب من الغشيان، وتمنّيك للشيء أوفر حظا في اللّذة من قدرتك عليه.
قال: كأنه ذهب إلى أنه إذا ملك وجبت عليه في ذلك الملك حقوق، وخاف الزوال واحتاج إلى الحفظ.
стр. 1056
وقال: وفي الحديث المأثور: «ما عظمت نعمة الله على أحد إلّا عظمت مؤونة الناس عليه» .
قال: وقيل لمزبّد: أيسرّك أن عندك قنّينة شراب؟ قال: يا ابن أمّ، من يسرّه دخول النار بالمجاز؟! قال: وقدّموا إلى أبي الحارث جمّيز جام خبيص [١] وقالوا له: أهذا أطيب أم الفالوذج [٢] ؟ قال: لا أقضي على غائب! قال: وقال مدينيّ لرجل: أيسرّك أن هذه الدار لك؟ قال: نعم. قال: وليس إلا نعم فقط؟ قال: فما أقول؟ قال: تقول: نعم، وأحمّ [٣] سنة! قال: نعم، وأنا أعور.
قال [٤] : وقيل لمزبّد: أيسرّك أن هذه الجبّة لك؟ قال: نعم، وأضرب عشرين سوطا. قال: ولم تقول هذا؟ قال: لأنه لا يكون شيء إلا بشيء.
قال [٥] : وقال عبد الرحمن بن أبي بكرة: من تمنّى طول العمر فليوطّن نفسه على المصائب.
يقول: إنه لا يخلو من موت أخ، أو عمّ، أو ابن عمّ، أو صديق، أو حميم وقال المجنون [٦] : [من الطويل]
أيا حرجات الحيّ حيث تحمّلوا ... بذي سلم لاجادكنّ ربيع [٧]
وخيماتك اللاتي بمنعرج اللّوى ... بلين بلى لم تبلهنّ ربوع
فقدتك من قلب شعاع، فطالما ... نهيتك عن هذا وأنت جميع [٨]
فقرّبت لي غير القريب، وأشرفت ... مناك ثنايا ما لهنّ طلوع
стр. 1057
١٣٤٦-[أمانيّ الخوارج]
قال [١] : وقال عبد الرحمن بن محمد بن الأشعث: لولا أربع خصال ما أعطيت عربيّا طاعة: لو ماتت أمّ عمرو- يعني أمّه- ولو نسبت، ولو قرأت القرآن، ولو لم يكن رأسي صغيرا.
قال: وقدم عبد الملك، وكان يحبّ الشّعر فبعثت إلى الرواة، فما أتت عليّ سنة حتى رويت الشاهد والمثل، وفصولا بعد ذلك. وقدم مصعب وكان يحبّ النّسب، فدعوت النّسّابين فتعلّمته في سنة. ثم قدم الحجّاج، وكان يدني على القرآن، فحفظته في سنة.
قال: وقال يزيد بن المهلّب: لا أخرج حتى أحجّ، وأحفظ القرآن، وتموت أمّي. فخرج قبل ذلك كلّه.
وقال عبيد الله بن يحيى: كان من أصحابنا بمرو جماعة، فجلسنا ذات يوم نتمنّى، فتمنّيت أن أصير إلى العراق من أيامي سالما، وأن أقدم فأتزوّج سماع [٢] ، وألي كسكر [٣] .
قال: فقدمت سالما، وتزوجت سماع، ووليت كسكر.
١٣٤٧-[أخبار وأشعار في نهري دجلة والفرات]
قال: ووقف هشام بن عبد الملك على الفرات، ومعه عبد الرحمن بن رستم، فقال هشام: ما في الأرض نهر خير من الفرات! فقال عبد الرحمن: ما في الأرض نهر شرّ من الفرات، أوّله للمشركين، وآخره للمنافقين.
وقال أبو الحسن: الفرات ودجلة رائدان [٤] لأهل العراق لا يكذبان.
قال الأصمعيّ وأبو الحسن: فهما الرائدان، وهما الرّافدان.
стр. 1058
وقال الفرزدق [١] : [من الوافر]
أمير المؤمنين وأنت عفّ ... كريم، لست بالوالي الحريص [٢]
بعثت إلى العراق ورافديه ... فزاريّا أحذّ يد القميص [٣]
ولم يك قبلها راعي مخاض ... ليأمنه على وركي قلوص [٤]
تفيهق بالعراق أبو المثنّى ... وعلّم قومه أكل الخبيص [٥]
١٣٤٨-[نهر أم عبد الله]
قال [٦] : وبينا غيلان بن خرشة، يسير مع [عبد الله] [٧] بن عامر، إذ وردا على نهر أمّ عبد الله [٨] فقال ابن عامر: ما أنفع هذا النهر لأهل هذا المصر! قال غيلان:
أجل أيها الأمير، والله إنهم ليستعذبون [٩] منه، وتفيض مياههم إليه، ويتعلم صبيانهم فيه العوم، وتأتيهم ميرتهم [١٠] فيه.
فلما أن كان بعد ذلك ساير ذات يوم زيادا- وكان زياد عدوّا لابن عامر- فقال زياد: ما أضرّ هذا النهر بأهل هذا المصر! فقال: أجل والله أيها الأمير! تنزّ منه دورهم، ويغرق فيه صبيانهم، ويبعضون ويبرغثون [١١] !
стр. 1059
[باب في العصافير]
(القول في العصافير وسنقول باسم الله وعونه في العصفور بجملة من القول.)
وعلى أنّا قد ذكرنا من شأنه أطرافا ومقطّعات من القول تفرّقن في تضاعيف تلك الأصناف. وإذا طال الكلام وكثرت فنونه، صار الباب القصير من القول في غماره مستهلكا، وفي حومته غرقا، فلا بأس أن تكون تلك الفقر مجموعات، وتلك المقطّعات موصولات، وتلك الأطراف مستقصيات مع الباقي من ذكرنا فيه؛ ليكون الباب مجتمعا في مكان واحد. فبالاجتماع تجتمع القوة، ومن الأبعاض يلتئم الكلّ، وبالنظام تظهر المحاسن.
١٣٤٩-[دعوى الإحاطة بالعلم]
ولست أدّعي في شيء من هذه الأشكال الإحاطة به، والجمع لكل شيء فيه.
ومن عجز عن نظم الكثير، وعن وضعه في مواضعه- كان عن بلوغ آخره، وعن استخراج كل شيء فيه أعجز. والمتح [١] أهون من الاستنباط [٢] ، والحصد أيسر من الحرث.
وهذا الباب لو ضمّنه على كتابه من هو أكثر مني رواية أضعافا، وأجود مني حفظا بعيدا، وكان أوسع مني علما وأتمّ عزما، وألطف نظرا وأصدق حسّا، وأغوص على البعيد الغامض، وأفهم للعويص الممتنع، وأكثر خاطرا وأصحّ قريحة، وأقلّ سآمة، وأتمّ عناية، وأحسن عادة مع إفراط الشهوة، وفراغ البال، وبعد الأمل، وقوة الطمع في تمامه، والانتفاع بثمرته، ثم مدّ له في العمر، ومكّنته المقدرة- لكان قد ادّعى معضلة، وضمن أمرا معجزا، وقال قولا مرغوبا عنه، متعجّبا منه؛ ولكان لغوا ساقطا، وحارضا بهرجا [٣] ؛ ولكان ممن يفضل قوله على فعله، ووعده على مقدار إنجازه؛ لأن الإنسان، وإن أضيف إلى الكمال وعرف بالبراعة، وغمر [٤] العلماء؛ فإنه
стр. 1060
لا يكمل أن يحيط علمه بكلّ ما في جناح بعوضة، أيام الدنيا، ولو استمد بقوة كلّ نظّار حكيم؛ واستعار حفظ كلّ بحّاث واع [١] ؛ وكلّ نقّاب في البلاد، ودرّاسة للكتب.
وما أشكّ أن عند الوزراء في ذلك ما ليس عند الرعيّة من العلماء، وعند الخلفاء ما ليس عند الوزراء، وعند الأنبياء ما ليس عند الخلفاء، وعند الملائكة ما ليس عند الأنبياء، والذي عند الله أكثر، والخلق عن بلوغه أعجز، وإنما علّم الله كلّ طبقة من خلقه بقدر احتمال فطرهم، ومقدار مصلحتهم.
١٣٥٠-[القول في قوله تعالى: عَلَّمَ آدَمَ الْأَسْماءَ كُلَّها
]
فإن قلت: فقد علّم الله آدم الأسماء كلّها [٢]- ولا يجوز تعريف الأسماء بغير المعاني- وقلت: ولولا حاجة الناس إلى المعاني، وإلى التعاون والترافد، لما احتاجوا إلى الأسماء. وعلى أن المعاني تفضل [٣] عن الأسماء، والحاجات تجوز مقادير السّمات، وتفوت ذرع العلامات [٤] فممّا لا اسم له خاصّ الخاصّ. والخاصّيّات كلها ليست لها أسماء قائمة.
وكذلك تراكيب الألوان، والأراييح، والطعوم، ونتائجها.
وجوابي في ذلك: أن الله لم يخبرنا أنه قد كان علّم آدم كلّ شيء يعلمه تعالى، كما لا يجوز أن يقدره على كلّ شيء يقدر عليه.
وإذا كان العبد المحدود الجسم، المحدود القوى، لا يبلغ صفة ربّه الذي اخترعه، ولا صفة خالقه الذي ابتدعه- فمعلوم أنه إنما عنى بقوله: وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْماءَ كُلَّها
[٥] علم مصلحته في دنياه وآخرته.
وقال الله : وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ
[٦] . وقال الله :
стр. 1061
وَلَوْ أَنَّما فِي الْأَرْضِ مِنْ شَجَرَةٍ أَقْلامٌ وَالْبَحْرُ يَمُدُّهُ مِنْ بَعْدِهِ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ ما نَفِدَتْ كَلِماتُ اللَّهِ
[١] . وقال الله تعالى: يَعْلَمُونَ ظاهِراً مِنَ الْحَياةِ الدُّنْيا
[٢] . وقال تقدّست أسماؤه: وَما يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلَّا هُوَ
[٣] . وقال الله : وَيَخْلُقُ ما لا تَعْلَمُونَ
[٤] .
وهذا الباب من المعلوم، غير باب علم ما يكون قبل أن يكون؛ لأن باب (كان) قد يعلم بعضه، وباب (يكون) لا سبيل إلى معرفة شيء منه. والمخاطبة وقعت على جميع المتعبّدين، واشتملت على جميع أصناف الممتحنين، ولم تقع على أهل عصر دون عصر، ولا على أهل بلد دون بلد، ولا على جنس دون جنس، ولا على تابع دون متبوع ولا على آخر دون أوّل.
أجناس الطير التي تألف دور الناس
العصافير، والخطاطيف، والزّرازير، والخفافيش. فبين هذه [وبين الناس] [٥] مناسبة ومشاكلة، وإلف ومحبّة.
والخطاطيف تقطع [٦] إليهم وتعزب [٧] عنهم. والعصافير لا تفارقهم. وإن وجدت دارا مبنية لم تسكنها حتى يسكنها إنسان. ومتى سكنتها لم تقم فيها إذا خرج منها ذلك الإنسان. فبفراقه تفارق، وبسكناه تسكن، وهذه فضيلة لها على الخطاطيف.
والحمام لا يقيم معهم في دورهم إلا بعد أن يثبّتوه ويعلّموه، ويرتّبوا حاله ويدرّجوه. ومنها ما هو وحشيّ طورانيّ [٨] ، وربما توحّش بعد الأنس والعصافير على خلاف ذلك، فلها بذلك فضيلة على الحمام، وعلى الخطّاف.
стр. 1062
وقد يدرّب العصفور ويثبّت فيستجيب من المكان البعيد، ويثبت ويدجن.
فهو مما يثبت ويعايش الناس، من تلقاء نفسه مرة، وبالتثبيت مرة. وليس كذلك شيء مما يأوي إلى الناس من الطير.
وقد بلغني أن بعض ما يستجيب منها قد درّب فرجع من ميل. فأما الهداية من تلقاء نفسه فمن الفراسخ الكثيرة.
١٣٥١-[انتقال العصافير إلى البساتين]
وحدّثني حمّويه الخريبيّ وأبو جراد الهزاردريّ قالا: إذا كان زمان البيادر لم يبق بالبصرة عصفور إلا صار إلى البساتين، إلا ما أقام على بيضه وفراخه. وكذلك العصافير إذا خرج أهل الدّار من الدّار، فإنه لا يقيم في تلك الدار عصفور إلا على بيض أو فراخ. فإذا لم يكن لها استوحشت، والتمست لأنفسها الأوكار في الدّور المعمورة. ولذلك قال أبو يعقوب إسحاق الخريمي [١] : [من المنسرح]
فتلك بغداد ما تبنّى من ال ... وحشة في دورها عصافرها
قالا [٢] : فعلى قدر قرب القبائل من البساتين سبق العصافير إليها، فإذا جاءت العصافير التي تلي أقرب القبائل منها إلى أوائل البساتين فوجدت عصافير ما هو أقرب إليها منها قد سبقت إليها تعدّتها إلى البساتين التي تليها وكذلك صنيع ما بقي من عصافير القبائل الباقية حتى تصير عصافير آخر البصرة إلى آخر البساتين. وذلك شبيه بعشرين فرسخا. فإذا قضت حاجتها، وانقضى أمر البيادر أقبلت من هناك، على أمارات لها معروفة، وعلامات قائمة، حتى تصير إلى أو كارها.
١٣٥٢-[ضروب الطير]
والطير كله على ثلاثة أضرب: فضرب من بهائم الطير، وضرب كسباع الطير، وضرب كالمشترك المركّب منها جميعا [٣] .
فالبهيمة كالحمام وأشباه الحمام، مما يغتذي الحبوب والبزور والنبات، ولا يغتذي غير ذلك.
стр. 1063
والسبع [١] : الذي لا يغتذي إلا اللحم.
وقد يأكل الأسد الملح [٢] ، ليس على طريق التغذي، ولكن على طريق التّملّح والتحمّض.
١٣٥٣-[ما يشارك فيه العصفور بهائم الطير]
فممّا يشارك فيه العصفور بهائم الطير، أنه ليس بذي مخلب ولا منسر [٣] ، وهو مما إذا سقط على عود قدّم أصابعه الثلاث، وأخّر الدّابرة [٤] . وسباع الطير تقدّم إصبعين، وتؤخّر إصبعين.
ومما شارك فيه السّبع [٥] أنّ بهائم الطير تزقّ فراخها، والسّباع تلقم فراخها.
١٣٥٤-[ضروب الفراخ]
والفراخ على ثلاثة أضرب: ففرخ كالفرّوج لا يزق ولا يلقم؛ وهو يظهر كاسبا [٦] . وفرخ كفرخ الحمام وأشباه الحمام، فهو يزقّ ولا يلقم. وفرخ كفرخ العقاب والبازي، والزرّق، والشاهين والصقر، وأشباهها من السّباع فهو يلقم ولا يزقّ.
فأشبهها العصفور من هذا الوجه.
وفيه من أخلاق السّباع [٧] : أنه يصيد الجرادة، والنمل الطيّار، ويأكل اللحم، ويلقم فراخه اللحم.
وليس في الأرض رأس أشبه برأس حيّة من رأس عصفور [٨]
١٣٥٥-[الأجناس التي تعايش الناس]
والأجناس التي تعايش الناس: الكلب، والسّنّور، والفرس، والبعير، والحمار، والبغل، والحمام، والخطّاف، والزّرزور، والخفّاش، والعصفور.
стр. 1064
١٣٥٦-[أطول الحيوان عمرا وأقصره]
قالوا [١] : وليس في جميعها أطول عمرا من البغل، ولا أقصر عمرا من العصفور.
قالوا: ونظن ذلك إنما كان لقلّة سفاد البغل، وكثرة سفاد العصفور.
ويزعمون أن محمد بن سليمان أنزى البغال على البغلات، كما أنزى العتاق على الحجور، والبراذين [٢] على الرّماك [٣] ، والحمير على الأتن [٤] ، فوجد تلك الفحولة من البغال بأعيانها، أقصر أعمارا من سائر الحافر، حين سوّى بينها في السّفاد، ووجد البغال تلقح إلقاحا فاسدا لا يتمّ ولا يعيش.
وذكروا أن قصر العمر لم يعرض لإناثها كما عرض لذكورتها.
وهذا شبيه بما ذكر صاحب المنطق [٥] في العصافير، فإنه ذكر أن إناثها أطول أعمارا. وأن ذكورتها لا تعيش إلا سنة واحدة.
١٣٥٧-[السمن يجعل الأنثى عاقرا]
والمرأة تنقطع عن الحبل قبل أن ينقطع الرجل عن الإحبال بدهر، وتفرط في السمن فتصير عاقرا، ويكون الرجل أسمن منها فلا يصير عاقرا.
وكذلك الحجر، والرّمكة، والأتان. وكذلك النخلة المطعمة. ويسمن لبّ الفحّال [٦] فيكون أجود لإلقاحه. وهما يختلفان كما ترى.
١٣٥٨-[الأجناس الفاضلة من الحيوان]
وللعصفور فضيلة أخرى. وذلك أنّ من فضل الجنس أن تتميز ذكورته في العين من إناثه، كالرجل والمرأة، والدّيك والدجاجة، والفحال والمطعمة، والتّيس والصفيّة [٧] ، والطاوس، والتّدرج [٨] ، والدّرّاج [٩] وإناثها.
стр. 1065
وليس ذلك كالحجر والفرس، والرّمكة والبرذون، والناقة والجمل، والعير والأتان، والأسد واللّبؤة، فإن هذه الأجناس تقبل نحوك فلا ينفصل في العين الأنثى من الذكر، حتى تتفقّد مواضع القنب [١] والأطباء [٢] ، وموضع الضّرع والثّيل [٣] ، وموضع ثفر الكلبة [٤] من القضيب.
لأنّ للعصفور الذّكر لحية سوداء. وليس اللحية إلا للرجل والجمل، والتيس، والدّيك، وأشباه ذلك. فهذه أيضا فضيلة للعصفور. وذكر ابن الأعرابيّ أن للناقة عثنونا [٥] كعثنون الجمل، وأنها متى كان عثنونها أطول كان فيها أحمد.
١٣٥٩-[حب العصافير فراخها]
وليس في الأرض طائر، ولا سبع ولا بهيمة، أحنى على ولد، ولا أشدّ به شعفا، وعليه إشفاقا [٦]- من العصافير. فإذا أصيبت بأولادها، أو خافت عليها العطب، فليس بين شيء من الأجناس من المساعدة، مثل الذي مع العصافير، لأن العصفور يرى الحيّة قد أقبلت نحو حجره وعشّه ووكره، لتأكل بيضه أو فراخه، فيصيح ويرنّق [٧] فلا يسمع صوته عصفور إلا أقبل إليه وصنع مثل صنيعه، بتحرّق ولوعة، وقلق، واستغاثة وصراخ، وربما أفلت الفرخ وسقط إلى الأرض- وقد ذهبت الحيّة- فيجتمعن عليه، إذا كان قد نبت ريشه أدنى نبات، فلا يزلن يهيّجنه، ويطرن حوله، لعلمها أن ذلك يحدث للفرخ قوة على النّهوض فإذا نهض طرن حواليه ودونه، حتى يحتثثنه [٨] بذلك العمل.
وكان الخريميّ ينشد [٩] : [من الرجز]
واحتثّ كلّ بازل ذقون ... حتى رفعن سيرة اللّجون [١٠]
стр. 1066
وينشد [١] : [من الرجز]
واحتثّ محتثّاتها الخدورا [٢]
وتقول العرب [٣] : «العاشية تهيج الآبية» [٤] .
ولو أن إنسانا أخذ فرخي عصفور من وكره، ووضعهما بحيث يراهما أبواهما في منزله، لوجد العصفور يتقحّم في ذلك المنزل، حتى يدخل في ذلك القفص، فلا يزال في تعهّده بما يعيشه حتى يستغني عنه. ثم يحتملان في ذلك غاية التغرير والخطار؛ وذلك من فرط الرّقّة على أولادهما.
١٣٦٠-[ضروب الحيوان التي لا تمشي]
وأجناس الحيوان التي لا تستطيع أن تسمح [٥] بالمشي ضروب: منها الضبع، لأنها خلقت عرجاء، فهي أبدا تخمع. قال الشاعر [٦] : [من الوافر]
وجاءت جيأل وأبو بنيها ... أحمّ المأقيين به خماع [٧]
وقال مدرك بن حصن [٨] : [من الطويل]
من الغثر ما تدري أرجل شمالها ... بها الظّلع إمّا هرولت أم يمينها [٩]
стр. 1067
والذئب أقزل [١] شنج [٢] النسا، وإن أحثّ إلى المشي فكأنه يتوجّى [٣] .
وكذلك الظّبي، شنج النّسا، فهو لا يسمح بالمشي. قال الشاعر [٤] : [من الهزج]
وقصرى شنج الأنسا ... ء نبّاح من الشّعب [٥]
ظبي أشعب: إذا كان بعيد ما بين القرنين. ولا يسمع له نباح. وإذا أراد العدو، فإنما هو النّقز [٦] والوثب، ورفع القوائم معا.
ومن ذلك الأسد فإنه يمشي كأنه رهيص [٧] ، وإذا مشى تخلّع [٨] .
قال أبو زبيد [٩] : [من البسيط]
إذا تبهنس يمشي خلته وعثا ... وعت سواعد منه بعد تكسير [١٠]
ومن ذلك الفرس، لا يسمح بالمشي. وهو يوصف بشنج النسا.
وقال الشاعر [١١] : [من الرمل]
شنج الأنساء من غير فحج [١٢]
стр. 1068
ومن ذلك الغراب، فإنه يحجل كأنه مقيّد. قال الشاعر [١] : [من الطويل]
كتارك يوما مشية من سجيّة ... لأخرى ففاتته فأصبح يحجل
وقال الطرّمّاح [٢] : [من الكامل]
شنج النسا أدفى الجناح كأنه ... في الدّار بعد الظّاعنين مقيّد [٣]
والسّنّور، والفهد، وأشباههما في طريق الأسد.
والحيّة تمشي. ومنها ما يثب، ومنها ما ينتصب ويقوم على ذنبه.
والأفعى إذا نهشت أو انباعت للنّهش [٤] ، لم تستقلّ [٥] ببدنها كلّه ولكنها تستقلّ [٥] ببدنها الذي يلي الرأس، بحركة ونشط أسرع من اللّمح.
والجرادة تطير وتمشي وتطمر [٦] . فإذا صرت إلى العصفور ذهب المشي البتّة.
وأكثر ما عند البرغوث الطّمور [٦] والوثوب.
وقال الحسن بن هانئ [٧] يصف رجلا يفلي القمل والبرغوث بأنامله:
أو طامريّ واثب ... لم ينجه منه وثابه
لأن البرغوث مشّاء وثّاب.
قال: وقول الناس [٨] : «طامر بن طامر» [٩] ، إنما يريدون البرغوث.
стр. 1069
والعصفور ليس يعرف إلا أن يجمع رجليه ثم يثب، فيضعهما معا ويرفعهما معا. فليس عنده إلا النّقزان [١] . ولذلك سمّي العصفور نقّازا.
وهو العصفور والجمع عصافير، ونقّاز والجمع نقاقيز. وهو الصّعو. ويزعمون أن العرب تجعل الخرّق [٢] والقنبر، والحمّر، وأشباه ذلك كله، من العصافير.
والعصفور طيرانه نقزان أيضا، فهو لا يسمح بالطيران كما لا يسمح بالمشي.
١٣٦١-[شدة وطء العصفور والكلب]
وليس لشيء جسمه مثل جسم العصفور مرارا كثيرة، من شدّة الوطء، وصلابة الوقع على الأرض، إذا مشى، أو على السطح- ما للعصفور، فإنك إذا كنت تحت السّطح الذي يمشي عليه العصفور حسبت وقعه عليه وقع حجر.
والكلب منعوت بشدة الوطء، وكذلك الخصيان من كل شيء. والعصفور يأخذ بنصيبه من ذلك أكثر من قسط جسمه من تلك الأجسام بالأضعاف الكثيرة.
١٣٦٢-[ضروب الحيوان التي تمشي]
والذّباب من الطير الذي يجيد المشي. ويمشي مشيا سبطا حثيثا، وحسنا مستويا.
والقطاة مليحة المشية، مقاربة الخطو.
وقد توصف مشية المرأة بمشية القطاة. وقال الكميت [٣] : [من الكامل]
يمشين مشي قطا البطاح تأوّدا ... قبّ البطون رواجح الأكفال [٤]
وقال الشاعر [٥] : [من مجزوء الرمل]
يتمشين كما تم ... شي قطا أو بقرات
لأن البقرة تتبختر في مشيتها.
стр. 1070
وقلت لابن دبوقاء [١] : أي شيء أول التّشاجي [٢] ؟ قال: التباهر والقرمطة [٣] في المشي. وقال [٤] : [من مجزوء الكامل]
فدفعتها فتدافعت ... مشي القطاة إلى الغدير
وكلّ حيوان من ذوات الرجلين والأربع، إذا انكسرت لها قائمة تحاملت بالصحيحة، إلا النعامة فإنها تسقط البتّة.
١٣٦٣-[كثرة سفاد العصفور]
قال [٥] : وكثرة عدد السّفاد، والمبالغة في الإبطاء، والدّوام في كثرة العدد لضروب من الحيوان- فالإنسان يغلب هذه الأجناس بأن ذلك دائم منه في جميع الأزمنة. فأما الإبطاء في حال السّفاد فللجمل والورل والذّبان والخنازير. فهذه فضيلة لذة لهذه الأجناس والأصناف. فأما كثرة العدد فللعصافير.
١٣٦٤-[سفاد التيس]
وقد زعم أبو عبد الله العتبيّ الأبرص، وكان قاطع الشهادة عند أصحابنا البصريّين- أن الذي يقال له المشرطيّ قرع في يوم واحد نيفا وثمانين [٦] قرعة.
إلا أن ذلك منه ومن مثله ينمحق؛ حتى يعود جافرا [٧] في الأيام القليلة.
١٣٦٥-[تيس بني حمّان]
وبنو حمّان يزعمون أن تيس بني حمّان قرع وألقح بعد أن ذبح [٨] . وفخروا بذلك، فقال بعض من يهجوهم: [من الطويل]
وألهى بني حمّان عسب عتودهم ... عن المجد حتى أحرزته الأكارم [٩]
стр. 1071
١٣٦٦-[زعم لصاحب المنطق في سفاد الثور]
وزعم صاحب المنطق، في كتاب الحيوان، أن ثورا فيما سلف من الدهر سفد وألقح من ساعته بعد أن خصي.
فإذا أفرط المديح وخرج من المقدار، أو أفرط التعجيب وخرج من المقدار- احتاج صاحبه إلى أن يثبته بالعيان، أو بالخبر الذي لا يكذّب مثله، وإلا فقد تعرّض للتكذيب.
ولو جعلوا حركتهم خبرا وحكاية، وتبرؤوا عن عيبه- ما ضرّهم ذلك، وكان ذلك أصون لأقدارهم، وأتمّ لمروءات كتبهم.
١٣٦٧-[القول في الجناح واليد والرجل]
وقالوا: وكلّ طائر جيّد الجناح، يكون ضعيف الرجلين، كالزّرزور والخطّاف؛ وجناحاهما أجود من جناح العصفور. ورجل العصفور قويّة.
والجناحان هما يدا الطائر؛ لأنهم يجعلون كلّ طائر وإنسان ذا أربع: فجناحا الطائر يداه، ويدا الإنسان جناحاه. ولذلك إن قطعت يد الإنسان لم يجد العدو.
وكذلك إن قطعت رجل الطائر لم يجد الطّيران.
والدابة قد تقوم على رجليها دون يديها، والإنسان قد يمشي على أربع. قالوا:
فهم في عدد الأيدي والأرجل سواء. وفي الآلات الأربع؛ إلا أن الآلة تكون في مكان ببعض الأعمال أليق، وهو عليها أسهل، فتجذبها طبائعها إلى ما فيها من ذلك، كمشي الدابة على يديها، وثقل ذلك على الإنسان.
والحمام يضرب بجناحه الحمام، ويقاتله به، ويدفع به عن نفسه. فقوادمه [١] هي أصابعه، وجناحه هو يده، ورجله كالقدم. وهي رجل وإن سمّوها كفّا، حين وجدوها تكفّ به، كما يصنع الإنسان بكفّه.
وكلّ مقطوع اليدين، وكل من لم يخلق له يدان فهو يصنع برجليه عامّة ما يصنعه الوافر الخلق بيديه.
وكل سبع يكون شديد اليدين فإنه يكون ضعيف الرجلين.
وكل شيء من ذوات الأربع، من البراثن والحوافر، فإن أيديها أكبر من أرجلها.
والناس أرجلهم أكبر من أيديهم، وأقدامهم أكبر من أكفّهم.
стр. 1072
وجعلوا ركبهم في أرجلهم، وجعلوا ركب الدّواب في أيديها.
١٣٦٨-[فائدة العصافير وضررها]
وللعصافير طباهجات [١] وقلايا [٢] تدعى العصافيريّة، ولها حشاوي يطعمها العوامّ المفلوج. والعوامّ تأكلها للقوّة على الجماع. وعظام سوقها وأفخاذها أحدّ وأذرب من الإبر. وهي مخوفة على المعدة والأمعاء.
وهي تخرّب السّقف تخريبا فاحشا. وتجتلب الحيّات إلى منازل الناس؛ لحرص الحيات على ابتلاع العصافير وفراخها وبيضها.
١٣٦٩-[عمر العصفور والذباب والبغل]
والذين زعموا أن ذكورتها لا تعيش إلا سنة، يحتاجون إلى أن يعرّفوا الناس ذلك. وكيف يستطيعون تعريفهم؟! وقد تكون القرى بقرب المزارع والبيادر مملوءة عصافير، ومملوءة من بيضها وفراخها، وهم مع ذلك لم يروا عصفورا قط ميتا.
والذين يزعمون أن الذباب لا يعيش أكثر من أربعين يوما، وكانوا لا يكادون يرون ذبابة ميتة- أعذر، لأنهم ذهبوا إلى الحديث [٣] . وأصحاب الحديث لا يؤاخذون بما يؤاخذ به الفلاسفة.
والذين زعموا أن البغل إنما طال عمره لقلّة السّفاد، والعصفور إنما قصر عمره لكثرة السّفاد وغلمته [٤]- لو قالوا بذلك على جهة الظنّ والتقريب، لم يلمهم أحد من العلماء. والأمور المقرّبة غير الأمور الموجبة، فينبغي أن يعرفوا فصل ما بين الموجب والمقرّب، وفصل ما بين الدليل وشبه الدليل ولعلّ طول عمر البغل يكون للذي قالوا، ولشيء آخر.
وليس ينبغي لنا أن نجزم على هذه العلّة فقط، إلا بعد أن يحيط علمنا بأن عمره لم يفضل على أعمار تلك الأجناس إلا لهذه العلّة.
стр. 1073
١٣٧٠-[بعض خصال العصفور]
والعصفور لا يستقرّ ما كان خارجا من وكره، حتى كأنه في دوام الحركة وصبيّ. له صوت حديد مؤذ.
وزعموا أن البلبل لا يستقر أبدا وهذا غلط، لأن البلبل إنما يقلق لأنه محصور في قفص. والذين عاينوا البلابل والعصافير في أو كارها، وغير محصورة في الأقفاص، يعلمون فضل العصفور على البلبل في الحركة.
فأما صدق الحسّ، وشدّة الحذر، والإزكان [١] الذي ليس عند خبيث الطير [٢] ، ولا عند الغراب [٣]- فإن عند العصفور منه ما ليس عند جميع ما ذكرنا، لو اجتمعت قواهم، وركّبوا في نصاب واحد.
من ذلك أنه يغمّ بحدّة صوته بعض من يقرب منه، فيصيح به ويهوي بيديه إلى الأرض كأنه يريد أن يرميه بحجر فلا يراه يحفل بذلك. فإن وقعت يده على حصاة طار من قبل أن يتمكّن من أخذها.
١٣٧١-[علة العداوة بين الحمار وعصفور الشوك]
وزعم صاحب المنطق أن بين الحمار وعصفور الشّوك عداوة. وقال: لأن الحمار يدخل الشجر والشّوك، فربما زاحم الموضع الذي فيه وكره فيبدّد عشّه.
وربما نهق الحمار فسقط فرخ العصفور أو بيضه من جوف وكره. قال: ولذلك إذا رآه العصفور رنّق [٤] فوق رأسه، وعلى عينيه، وآذاه بطيرانه وصياحه.
وربّما كان العصفور أبلق [٥] . ويصاب فيه الأصبغ [٦] ، والجراديّ [٧] ، والأسود، والفيقع [٨] ، والأغبس [٩] . فإذا أصابوه كذلك باعوه بالثّمن الكثير.
стр. 1074
١٣٧٢-[تأويل عبد الأعلى]
[١] وقال أبو بدر الأسيديّ: قيل لعبد الأعلى القاصّ: لم سمّي العصفور عصفورا؟
قال: لأنه عصى وفرّ. وقيل: ولم سمّي الطّفشيل [٢] طفشيلا؟ قال: لأنه طفا وشال.
وقيل له: لم سمي الكلب القلطيّ قلطيّا؟ [٣] قال: لأنه قلّ ولطئ. وقيل له: لم سمي الكلب السّلوقيّ سلوقيّا؟ قال: لأنه يستلّ ويلقى.
١٣٧٣-[حديث في قتل العصفور]
قال [٤] : وحدّثنا سفيان بن عيينة، عن عمرو بن دينار، عن صهيب مولى ابن عامر، عن عبد الله بن عمرو بن العاص، قال: قال رسول الله ﷺ : «ما من إنسان يقتل عصفورا أو ما فوقها بغير حقها إلا سأله الله عنها» . قيل: يا رسول الله: وما حقها؟
قال: «أن تذبحها فتأكلها، ولا تقطع رأسها فترمي بها» .
١٣٧٤-[صياح العصافير ونحوها]
ويقال: قد صرّ العصفور يصرّ صريرا. قال: ويقال للعصافير والمكاكيّ [٥] والقنابر، والخرّق [٦] ، والحمّر: قد صفر يصفر صفيرا. وقال طرفة بن العبد [٧] : [من الرجز]
يا لك من قبّرة بمعمر ... خلا لك الجوّ فبيضي واصفري
ونقّري ما شيت أن تنقّري
ويقال: قد نطق العصفور. وقال كثيّر [٨] : [من الطويل]
سوى ذكرة منها إذا الرّكب عرّسوا ... وهبّت عصافير الصّريم النواطق [٩]
стр. 1075
ولذكر العصفور موضع آخر: وذلك أنّ العصافير تصيح مع الصّبح. وقال كلثوم ابن عمرو [١] : [من البسيط]
يا ليلة لي بحوّارين ساهرة ... حتى تكلم في الصبح العصافير
وقال خلف الأحمر [٢] : [من المتقارب]
فلما أصاتت عصافيره ... ولاحت تباشير أرواقه [٣]
غدا يقتري أنفا عازبا ... ويلتسّ ناضر أوراقه [٤]
وقال الوليد بن يزيد [٥] : [من مجزوء الوافر]
فلما أن دنا الصبح ... بأصوات العصافير
١٣٧٥-[أحلام العصافير]
ولها موضع آخر. وذلك أنهم يضربون المثل بأحلام العصافير لأحلام السّخفاء [٦] . وقال دريد بن الصّمّة [٧] : [من البسيط]
يا آل سفيان ما بالي وبالكم ... أنتم كثير وفي أحلام عصفور
وقال حسّان بن ثابت [٨] : [من البسيط]
لا بأس بالقوم من طول ومن عظم ... جسم البغال وأحلام العصافير
ومن هذا الباب في معنى التّصغير والتّحقير، قول لبيد [٩] : [من الطويل]
فإن تسألينا فيم نحن فإننا ... عصافير من هذا الأنام المسحّر
стр. 1076
والمسحّر: المخدّع، على قوله [١] : [من الوافر]
ونسحر بالطعام وبالشّراب
وقال لبيد [٢] : [من الوافر]
عصافير وذبّان ودود ... وأجرأ من مجلّحة الذّئاب [٣]
فكأنه يخبر عن ضعف طباع الإنسان.
وقال قوم: المسحّر، يعني كلّ ذي سحر، يذهب إلى الرئة؛ لقوله: [من الوافر]
ونسحر بالطعام وبالشراب
١٣٧٦-[قولهم: صرمت سحري منك]
ولذكر السّحر موضع آخر، يقول الرجل لصاحبه [٤] : «صرمت سحري منك» ، أي لست منك. وقال خفاف بن ندبة [٥] : [من الوافر]
ولولا ابنا تماضر أن يساؤوا ... وأنّي منك غير صريم سحر
فكأنه قال: لست كذلك منك.
وقال قيس بن الخطيم [٦] : [من الوافر]
تقول ظعينتي لما استقلّت ... أتترك ما جمعت صريم سحر
أي قد تركته آيسا منه.
стр. 1077
وأنشد الآخر [١] : [من الوافر]
أيذهب ما جمعت صريم سحر ... ظليفا، إنّ ذا لهو العجيب [٢]
كذبتم والّذي رفع المعالي ... ولمّا يخضب الأسل الخضيب [٣]
١٣٧٧-[العصفور والضب]
وإذا وصفوا شدّة الحرّ، وصفوا كيف يوفي [٤] الحرباء على العود والجذل [٥] ، وكيف تلجأ العصافير إلى جحرة الضّباب [٦] من شدة الحرّ.
وقال أبو زبيد [٧] : [من الخفيف]
أيّ ساع سعى ليقطع شربي ... حين لاحت للصّابح الجوزاء [٨]
واستكنّ العصفور كرها مع الضّ ... بّ وأوفى في عوده الحرباء
ونفى الجندب الحصى بكراعي ... هـ وأذكت نيرانها المعزاء [٩]
من سموم كأنّها لفح نار ... صقرتها الهجيرة الغرّاء [١٠]
وأنشدوا [١١] : [من الطويل]
تجاوزت والعصفور في الجحر لاجئ ... مع الضّبّ والشّقذان تسمو صدورها
قال: الشّقذان [١٢] : الحرابيّ. قوله: «تسمو» أي ترتفع على رأس العود. والواحد من الشّقذان شقذان، بتحريك القاف وفتح الشين.
стр. 1078
١٣٧٨-[عصافير النعمان]
وأكرم فحل كان للعرب من الإبل كان يسمى عصفورا، وتسمى أولاده عصافير النّعمان [١] .
وكانوا يقولون: صنع به الملك كذا وكذا، وحباه بكذا وكذا، ووهب له مائة من عصافيره.
وعصفور، وداعر، وشاغر، وذو الكبلين: فحولة إبل النعمان.
وعصافير الرّحل [٢] واحدها عصفور.
١٣٧٩-[عصفور القواس]
وعصفور القوّاس إليه تضاف القسيّ العصفورية [٣] . وقد ذكره ابن يسير حين دعا على حمام له بالشّواهين، والصّقورة، والسّنانير والبنادق، فقال [٤] : [من الكامل]
من كلّ أكلف بات يدجن ليله ... فغدا بغدوة ساغب ممطور [٥]
ضرم يقلّب طرفه متأنّسا ... شيئا فكنّ له من التّقدير [٦]
يأتي لهنّ ميامنا ومياسرا ... صكّا بكلّ مذلّق مطرور [٧]
لا ينج منه شريدهنّ، فإن نجا ... شيء فصار بجانبات الدّور [٨]
لمشمّرين عن السّواعد حسّر ... عنها بكلّ رشيقة التّوتير [٩]
ليس الذي تشوي يداه رميّة ... فيهم بمعتذر ولا معذور [١٠]
يتبوّعون مع الشروق غديّة ... في كل معطية الجذاب نتور [١١]
стр. 1079
عطف السّيات موانع في بذلها ... تعزى إذا نسبت إلى عصفور [١]
ينفثن عن جذب الأكفّ سواسيا ... متشابهات صغن بالتّدوير [٢]
تجري لها مهجّ النّفوس وإنّها ... لنواصل سلب من التّحسير [٣]
ما إن يني متباين متباعد ... في الجوّ يحسر طرف كلّ بصير [٤]
عن سمتهنّ إذا قصدن لجمعه ... متقطّرا متضمّخا بعبير [٥]
فيؤوب ناجيهنّ بين مجلهق ... دام، ومخلوب إلى منسور [٦]
عاري الجناح من القوادم والقرا ... كاس عليه بصائر التامور [٧]
١٣٨٠-[شعر في العصفور]
وقال أبو السّريّ، وهو معدان الأعمى المديبريّ، وهو يذكر ظهور الإمام، وأشراط خروجه، فقال: [من الخفيف]
في زمان تبيض فيه الخفافي ... ش وتسقى سلافة الجريال [٨]
ويقيم العصفور سلما مع الأي ... م وتحمي الذّئاب لحم السّخال [٩]
يقول: إذا ظهر الإمام فآية ذلك أن تبيض الخفافيش- وهي اليوم تلد- وتحلّ لنا الخمر، وتسالم الحيّات العصافير، والذئاب السّخال.
١٣٨١-[طول سجود عيسى بن عقبة]
ورووا في طول سجود عيسى بن عقبة، أنه كان يطيل ذلك حتى يظنّ العصفور
стр. 1080
أنه كالشيء الذي لا يخاف جانبه، وحتى يظنّ العصفور أنه سارية، فيسقط عليه.
وذكر عمر بن الفضل، عن الأعمش، عن يزيد بن حيّان قال [١] : كان عيسى بن عقبة إذا سجد وقعت العصافير على ظهره؛ من طول سجوده.
وكان محمد بن طلحة يسجد حتى إن العصافير ليسقطن على ظهره ما يحسبنه إلا حائطا.
١٣٨٢-[الشيخ والعصفور]
وفي المثل: أنّ شيخا نصب للعصافير فخّا، فارتبن به وبالفخ، وضربه البرد، فكلما مشى إلى الفخّ وقد انضمّ على عصفور، فقبض عليه ودقّ جناحه، وألقاه في وعائه، دمعت عينه مما كان يصكّ وجهه من برد الشّمال. قال: فتوامرت [٢] العصافير بأمره وقلن: لا بأس عليكنّ، فإنه شيخ صالح رحيم رقيق الدّمعة! قال: فقال عصفور منها: لا تنظروا إلى دموع عينيه، ولكن انظروا إلى عمل يديه!
١٣٨٣-[استطراد]
ومن أمثال العامّة للشيء تتعرّفه بغير مؤونة: «الحجر مجّان [٣] ، والعصفور مجّان!» .
قال: ويقال عصفور وعصفورة. وأنشد قوله [٤] : [من الطويل]
ولو أنها عصفورة لحسبتها ... مسوّمة تدعو عبيدا وأزنما [٥]
١٣٨٤-[شعر فيما يصوّره الفزع]
وقال في هذا المعنى جرير، وإن لم يكن ذكر العصفور، حيث يقول [٦] : [من الكامل]
стр. 1081
ما زلت تحسب كلّ شيء بعدهم ... خيلا تشدّ عليكم ورجالا
قال يونس: أخذ هذا المعنى من قول الله: يَحْسَبُونَ كُلَّ صَيْحَةٍ عَلَيْهِمْ هُمُ الْعَدُوُّ
[١] .
وقال الشاعر [٢] : [من الطويل]
كأن بلاد الله وهي عريضة ... على الخائف المطلوب كفّة حابل [٣]
يؤدّى إليه أنّ كلّ ثنيّة ... تيمّمها ترمي إليه بقاتل [٤]
وقال بشّار في شبيه ذلك [٥] : [من الوافر]
كأنّ فؤاده كرة تنزّى ... حذار البين لو نفع الحذار [٦]
جفت عيني عن التّغميض حتى ... كأنّ جفونها عنه قصار
يروّعه السّرار بكلّ أمر ... مخافة أن يكون به السّرار [٧]
وقال عبيد بن أيّوب [٨] : [من الطويل]
لقد خفت حتى لو تطير حمامة ... لقلت عدوّ أو طليعة معشر
فإن قيل خير قلت هذا خديعة ... وإن قيل شرّ قلت حقّا فشمرّ
وخفت خليلي ذا الصّفاء ورابني ... وقلت: فلانا أو فلانة فاحذر
стр. 1082
وقال أبان اللّاحقيّ [١] : [من الخفيف]
اخفض الصّوت إن نطقت بليل ... والتفت بالنهار قبل الكلام
١٣٨٥-[من ملح أحاديث الأصمعي]
ومن ملح أحاديث الأصمعيّ، قال: حدّثني شيخ من أهل المدينة وكان عالي السّنّ قال: قال الغاضري: كانت هذه الأرض لقوم ابتدؤوها وشقّوها، وكانت الثمرة إذا أدركت قال قائلهم لقيّمه: اثلم الحائط، ليصيب المارّ مما فيه والمعتفي [٢] . ثم يقول: أرسل إلى آل فلان بكذا وكذا، وإلى آل فلان بكذا وكذا. فإذا بيعت الثمرة قال: أرسل إلى فلان بكذا وكذا ودينار، وإلى فلان بكذا وكذا. فيضجّ [٣] الوكيل.
فيقول: ما أنت وهذا؟! لا أمّ لك! فلما عمرت الأرضون وأغنّت [٤] أقطعها [٥] قوم سواهم، فإنّ أحدهم ليسدّ حائطه، ويصغّر بابه، ثم يدلج [٦] فيمرّ فيقول: ما هذه الثّلمة [٧] ؟! ويستطيف [٨] من وراء الحائط، فهو أطول من معقل [٩] أبي كريز.
وإذا دخل حائطه دخل معه بقذّافة، فإذا رأى العصفور على القنا [١٠] رماه، فيقع العصفور مشويّا على قرص [١١] ، والقرص كالعصفور.
١٣٨٦-[العصافير الهبيرية]
وبحمص العصافير الهبيريّة، وهي تطعم على رفوف. وتكون أسمن من السّمانى، وأطيب من كلّ طير. وهي تهدى إلى ملوكنا. وهي قليلة هناك.
стр. 1083
١٣٨٧-[شعر للراعي في نطق العصفور]
وقال الرّاعي [١] : [من البسيط]
ما زال يركب روقيه وكلكله ... حتى استثار سفاة دونها الثّأد [٢]
حتى إذا نطق العصفور وانكشفت ... عماية الليل عنه وهو معتمد [٣]
وقال الراعي [٤] : [من البسيط]
وأصفر مجدول من القدّ مارن ... يلاث بعينيها فيلوى ويطلق [٥]
لدى ساعدي مهريّة شدنية ... أنيخت قليلا والعصافير تنطق [٦]
١٣٨٨-[صيد العصافير]
قال [٧] : وتصاد العصافير بأهون حيلة. وذلك أنهم يعملون لها مصيدة، ويجعلون لها سلّة في صورة المحبرة التي يقال لها: اليهودية، المنكوسة الأنبوبة؛ ثم ينزل في جوفها عصفور واحد، فتنقضّ عليه العصافير ويدخلن عليه، وما دخل منها فإنه لا يجد سبيلا إلى الخروج منها. فيصيد الرجل منها في اليوم الواحد المئين [٨] وهو وادع، وهنّ أسرع إلى ذلك العصفور من الطير إلى البوم إذا جعلن في المصائد.
ومتى أخذ رجل فراخ العصافير من أوكارها، فوضعها في قفص بحيث تراها الآباء والأمّهات، فإنها تأتيها بالطّعم على الخطر الشديد، والخوف من الناس والسّنانير، مع شدة حذرها، ودقّة حسّها. ليس ذلك إلا لبرّها بأولادها، وشدة حبّها لها.
[باب في العقارب والفأر والسنانير]
١٣٨٩-[القول في العقارب والفأر والسنانير]
نقول في العقارب والفأر والجرذان بما أمكن من القول. وإنما ذكرنا العقارب
стр. 1084
مع ذكرنا للفأر، للعداوة التي بين الفأر والعقارب. كما رأينا أن نذكر السّنانير في باب ذكر الفأر، للعداوة التي بينهما.
فإن قلت: قد عرفنا عداوة الفأر للعقرب، فكيف تعادي الفأرة السنّور، والفأرة لا تقاوم السنّور؟! قيل: لعمري إن جرذان أنطاكية لتساجل السنانير في الحرب التي بينهما، وما يقوم لها ولا يقوى عليها إلا الواحد بعد الواحد. وهي بخراسان قويّة جدّا، وربما قطعت أذن النائم [١] .
وفي الفأر ما إذا عضّ قتل. أخبرني أبو يونس الشريطي أنه عاين ذلك.
وأنا رأيت سنّورا عندنا ساور جرذا في بيت الحطب، فأفلت الجرذ منه وقد فقأ عين السّنّور.
١٣٩٠-[قتال الحيوان]
والقتال يكون بين الدّيكة، وبين الكباش والكلاب والسّمانى [٢] والقبج [٣] ، وضروب مما يقبل التّحريش، ويواثب عند الإغراء.
١٣٩١-[قتال الجرذان]
ويزعمون [٤] أنهم لم يروا قتالا قطّ بين بهيمتين ولا سبعين أشدّ من قتال يكون بين جرذين. فإذا ربط أحدهما بطرف خيط، وشدّ رجل الآخر بالطّرف الآخر من الخيط، فلهما عند ذلك من الخلب والخمش [٥] والعضّ، والتّنييب [٦] والعفاس [٧] ، ما لا يوجد بين شيئين من ذوات العقار والهراش. إلا أن ذلك ما داما في الرّباط، فإذا
стр. 1085
انحلّ أو انقطع ولّى كلّ واحد منهما عن صاحبه، وهرب في الأرض، وأخذ في خلاف جهته الآخر.
١٣٩٢-[قتال الجرذ والعقرب]
وإن جعلا في إناء من قوارير، أعني الجرذ والعقرب، وإنما ذكرت القوارير، لأنها لا تستر عن أعين الناس صنيعهما، ولا يستطيعان الخروج؛ لملاسة الحيطان- فالفأرة عند ذلك تختل العقرب، فإن قبضت على إبرتها قرضتها [١] ، وإن ضربها العقرب ضربا كثيرا فاستنفدت سمّها كان ذلك من أسباب حتفها.
ودخلت مرة أنا وحمدان بن الصباح على عبيد بن الشّونيزي فإذا عنده برنيّة [٢] زجاج، فيها عشرون عقربا وعشرون فأرة، فإذا هي تقتتل، فخيّل لي أن تلك الفأر قد اعتراها ورم من شدة وقع اللسع. ورأيت العقارب قد كلّت عنها وتاركتها، ولم أر إلا هذا المقدار الذي وصفت.
وحدثنا عنها عبيد بأعاجيب. ولو كان عبيد إسنادا [٣] لخبّرت عنه، ولكنّ موضع البياض من هذا الكتاب خير من جميع ما كان لعبيد.
١٣٩٣-[أعاجيب في الجرذ]
وللجرذ تدبير في الشيء يأكله أو يحسوه، فإنه ليأتي القارورة الضّيّقة الرأس، فيحتال حتى يدخل طرف ذنبه في عنقها. فكلّما ابتلّ بالدّهن أخرجه فلطعه، ثم أعاده، حتى لا يدع في القارورة شيئا.
ورأيت من الجرذان أعجوبة، وذلك أن الصيادة لما سقطت على جرذ منها ضخم، اجتمعن لإخراجه وسلّ عنقه من الصيّادة، فلما أعجزهنّ ذلك قرضن الموضع المنضمّ عليه من جميع الجوانب، ليتسع الخرق فيجذبنه. فهجمت على نحاتة لو اعتمدت بسكين على ذلك الموضع لظننت أنه لم يكن يمكنني إلا شبيه بذلك.
١٣٩٤-[علة دفن السنور خرأه]
وزعم [٤] بعض الأطباء أن السنور إنما يدفن خرأه ثم يعود إلى موضعه فيشتمّه
стр. 1086
فإن كان يجد من ريحه بعد شيئا زاد عليه من التراب، لأنّ الفأرة لطيفة الحسّ، جيّدة الشّمّ، فإذا وجدت تلك الرائحة عرفتها فأمعنت في الهرب، فلذلك يصنع السنّور ما يصنع.
١٣٩٥-[فأرة العرم]
[١] ولا يشكّ الناس [في] [٢] أن أرض سبإ وجنّتيها إنما خربتا حين دخلهما سيل العرم- والعرم: المسنّاة- وأن الذي فجّر المسنّاة، وسبّب لدخول الماء الفأرة.
والسّيل إذا دخل أخرب بقدر قوّته. وقوّته من ثلاثة أوجه: إمّا أن تدفعه ريح في مكان يفحش فيه الريح، وإما أن يكون وراءه وفوقه ماء كثير، وإما أن يصيب حدورا عميقا.
١٣٩٦-[حديث ثمامة عن الفأر]
وأما حديث ثمامة فإنه قال: لم أر قطّ أعجب من قتال الفأر، كنت في الحبس وحدي، وكان في البيت الذي أنا فيه جحر فأر، يقابله جحر آخر، فكان الجرذ يخرج من أحد الجحرين فيرقص ويتوعّد، ويضرب بذنبه، ثم يرفع صدره ويهزّ رأسه. فلا يزال كذلك حتى يخرج الجرذ الذي يقابله، فيصنع كصنيعه. فبينما هما إذ عدا أحدهما فدخل جحره، ثم صنع الآخر مثل ذلك. فلم يزل ذلك دأبهما في الوعيد وفي الفرار، وفي التحاجز وفي ترك التّلاقي. إلا أني في كل مرة أظنّ للذي يظهر لي من جدهما واجتهادهما، وشدة توعّدهما، أنهما سيلتقيان بشيء أهونه العضّ والخمش، ولا والله إن التقيا قطّ؟ فعجبت من وعيد دائم لا إيقاع معه، ومن فرار دائم لا ثبات معه، ومن هرب لا يمنع من العودة، ومن إقدام لا يوجب الالتقاء. وكيف يتوعّد صاحبه ويتوعده الآخر؟ وبأيّ شيء يتوعده، وهما يعلمان أنهما لا يلتقيان أبدا؟ فإن كان قتالهما ليس هو إلا الصّخب والتّنييب [٣] فلم يفرّ كلّ واحد منهما حتى يدخل جحره؟ وإن كان غير ذلك فأيّ شيء يمنعهما من الصّدمة؟ وهذا أعجب.
стр. 1087
١٣٩٧-[أطول الحيوان ذماء وأقصره]
وتقول العرب [١] : «الضبّ أطول شيء ذماء» [٢] .
ولا أعلم في الأرض شيئا أقصر ذماء [٢] ، ولا أضعف منّة [٣] ولا أجدر أن يقتله اليسير من الفأر.
١٣٩٨-[لعب السنور بالفأر]
وبلغ من تحرّزه واحتياطه، أنه يسكن السقوف، فربما فاجأه السّنّور وهو يريد أن يعبر إلى بيته والسّنّور في الأرض والفأرة في السّقف، ولو شاءت أن تدخل بيتها لم يكن للسّنّور عليها سبيل، فتتحيّر، فيقول السّنّور بيده كالمشير بيساره: ارجع. فإذا رجعت أشار بيمينه: أن عد فيعود. وإنما يطلب أن تعيا أو تزلق أو يدار بها [٤] . ولا يفعل ذلك بها ثلاث مرّات، حتى تسقط إلى الأرض، فيثب عليها. فإذا وثب عليها لعب بها ساعة ثم أكلها. وربما خلّى سبيلها، وأظهر التغافل عنها فتمعن في الهرب، فإذا ظنّت أنها نجت وثب عليها وثبة فأخذها. فلا يزال كذلك كالذي يحبّ أن يسخر من صاحبه، وأن يخدعه، وأن يأخذه أقوى ما يكون طمعا في السّلامة، وأن يورثه الحسرة والأسف، وأن يلذّ بتنغيصه وتعذيبه.
وقد يفعل مثل ذلك العقاب بالأرنب، ويفعل مثل ذلك السّنّور بالعقرب.
١٣٩٩-[أكل الجرذان واليرابيع والضباب والضفادع]
وقال أبو زيد [٥] : دخلت على رؤبة هو يملّ [٦] جرذانا، فإذا نضجت أخرجها من الجمر فأكلها، فقلت له: أتأكل الجرذان؟! قال: هي خير من اليرابيع والضّباب.
إنها عندكم تأكل التّمر والجبن والسويق والخبز، وتحسو الزّيت والسمن.
وقد كان ناس من أهل سيف البحر [٧] من شقّ فارس يأكلون الفأر والضفادع،
стр. 1088
ممقورة [١] ومملوحة، وكانوا يسمونها: جنك جنك [٢] ووال وال [٣] .
وقال أوس بن حجر [٤] : [من الطويل]
لحينهم لحي العصا فطردنهم ... إلى سنة جرذانها لم تحلّم [٥]
يقال: تحلّم الصّبيّ: إذا بدأ في السّمن؛ فإذا زاد على المقدار قيل قد ضبّب، أي سمن سمنا متناهيا.
١٤٠٠-[مثل وشعر في الجرذ]
ويقال [٦] : «أسرق من زبابة» . والزّبابة: الفأرة. ويقال [٧] : «أسرق من جرذ» .
وقال أنس بن أبي إياس لحارثة بن بدر حين ولي أرض سرّق [٨] : [من الطويل]
أحار بن بدر قد وليت ولاية ... فكن جرذا فيها تخون وتسرق
وباه تميما بالغنى إنّ للغنى ... لسانا به المرء الهيوبة ينطق
فإنّ جميع الناس إمّا مكذّب ... يقول بما تهوى وإمّا مصدّق
يقولون أقوالا ولا يعلمونها ... وإن قيل هاتوا حقّقوا لم يحققوا
فلا تحقرن يا حار شيئا أصبته ... فحظّك من ملك العراقين سرّق
فلما بلغت حارثة بن بدر قال: لا يعمى عليك الرّشد.
١٤٠١-[تمني كثرة الجرذان]
قال [٩] : ووقفت عجوز على قيس بن سعد، فقالت: أشكو إليك قلّة الجرذان.
стр. 1089
قال: ما ألطف ما سألت! لأملأنّ بيتك جرذانا. تذكر أنّ بيتها قفر من الأدم والمأدوم، فأكثر لها يا غلام من ذلك.
قال [١] : وسمعت قاصّا مدينيّا يقول في دعائه: اللهمّ أكثر جرذاننا وأقلّ صبياننا.
١٤٠٢-[فزع الناس من الفأر]
وبين الفأر وبين طباع كثير من الناس منافرة، حتى إنّ بعضهم لو وطئ على ثعبان، أو رمي بثعبان- لكان الذي يدخله من المكروه والوحشة والفزع، أيسر مما يدخله من الفأرة لو رمي بها، أو وطئ عليها.
وخبرني رجال من آل زائدة بن مقسم، أن سليمان الأزرق دعي لحيّة شنعاء قد صارت في دارهم، فدخلت في جحر، وأنه اغتصبها نفسها حتى قبض على ما ألفى منها، ثم أدارها على رأسه كما يصنع بالمخراق [٢] ، وأهوى بها إلى الأرض ليضربها بها، فابتدرت من حلقها فأرة كانت ازدردتها. فلما رأى الفأرة هرب وصرخ صرخة.
قالوا: فأخذ مشايخنا الغلمان بإخراج الفأرة وتلك الحيّة الشنعاء إلى مجلس الحيّ ليعجّبوهم من إنسان قتل هذه وفرّ من هذه.
١٤٠٣-[علة نتن جلود الحيات]
وسألت بعض الحوّائين ممن يأكل الأفاعي فما دونها، فقلت: ما بال الحيات منتنة الجلود والجروم [٣] ؟ قال: أمّا الأفاعي فإنّها ليست بمنتنة، لأنها لا تأكل الفأر، وأما الحيّات عامة فإنها تطلب الفأر طلبا شديدا. وربما رأيت الحيّة وما يكون غلظها إلا مثل غلظ إبهام الكبير، ثم أجدها قد ابتلعت الجرذ أغلظ من الذّراع. فأنكر نتن الحيّات إلا من هذا الوجه. ولم أر الذي قال قولا.
١٤٠٤-[رجز في الجرذان]
ودخل أعرابيّ بعض الأمصار، فلقي من الجرذان جهدا، فرجز بها ودعا عليها، فقال [٤] : [من الرجز]
стр. 1090
يعجّل الرحمن بالعقاب ... لعامرات البيت بالخراب
حتى يعجّلن إلى الثياب ... كحل العين وقصّ الرقاب [١]
مستتبعات خلفة الأذناب ... مثل مداري الحصن السّلّاب [٢]
ثم دعا عليهنّ بالسّنّور فقال:
أهوى لهنّ أنمر الإهاب ... منهرت الشّدق حديد النّاب [٣]
كأنما برثن بالحراب
١٤٠٥-[تشبيه عضلات الإنسان بالجرذان]
وتوصف عضل الحفّار والماتح [٤] والذي يعمل في المعادن، فتشبّه بالجرذان، إذا تفلّق لحمه عن صلابة، وصار زيما [٥] . قال الرّاجز [٦] : [من الرجز]
أعددت للورد، إذا الورد حفز ... غربا جرورا وجلالا خزخز [٧]
وماتحا لا ينثني إذا احتجز ... كأنّ جوف جلده إذا احتفز [٨]
في كلّ عضو جرذين أو خزز
والخزز: ذكر الأرانب واليرابيع.
١٤٠٦-[أنواع الفأر]
والزّباب، والخلد، واليرابيع، والجرذان، كله فأر. ويقال لولد اليرابيع درص وأدراص. والخلد أعمى، لا يزال كذلك. والزّباب أصمّ، لا يزال كذلك. وأنشد [٩] :
[من مجزوء الكامل]