فإن كان يجد من ريحه بعد شيئا زاد عليه من التراب، لأنّ الفأرة لطيفة الحسّ، جيّدة الشّمّ، فإذا وجدت تلك الرائحة عرفتها فأمعنت في الهرب، فلذلك يصنع السنّور ما يصنع.
١٣٩٥-[فأرة العرم]
[١] ولا يشكّ الناس [في] [٢] أن أرض سبإ وجنّتيها إنما خربتا حين دخلهما سيل العرم- والعرم: المسنّاة- وأن الذي فجّر المسنّاة، وسبّب لدخول الماء الفأرة.
والسّيل إذا دخل أخرب بقدر قوّته. وقوّته من ثلاثة أوجه: إمّا أن تدفعه ريح في مكان يفحش فيه الريح، وإما أن يكون وراءه وفوقه ماء كثير، وإما أن يصيب حدورا عميقا.
١٣٩٦-[حديث ثمامة عن الفأر]
وأما حديث ثمامة فإنه قال: لم أر قطّ أعجب من قتال الفأر، كنت في الحبس وحدي، وكان في البيت الذي أنا فيه جحر فأر، يقابله جحر آخر، فكان الجرذ يخرج من أحد الجحرين فيرقص ويتوعّد، ويضرب بذنبه، ثم يرفع صدره ويهزّ رأسه. فلا يزال كذلك حتى يخرج الجرذ الذي يقابله، فيصنع كصنيعه. فبينما هما إذ عدا أحدهما فدخل جحره، ثم صنع الآخر مثل ذلك. فلم يزل ذلك دأبهما في الوعيد وفي الفرار، وفي التحاجز وفي ترك التّلاقي. إلا أني في كل مرة أظنّ للذي يظهر لي من جدهما واجتهادهما، وشدة توعّدهما، أنهما سيلتقيان بشيء أهونه العضّ والخمش، ولا والله إن التقيا قطّ؟ فعجبت من وعيد دائم لا إيقاع معه، ومن فرار دائم لا ثبات معه، ومن هرب لا يمنع من العودة، ومن إقدام لا يوجب الالتقاء. وكيف يتوعّد صاحبه ويتوعده الآخر؟ وبأيّ شيء يتوعده، وهما يعلمان أنهما لا يلتقيان أبدا؟ فإن كان قتالهما ليس هو إلا الصّخب والتّنييب [٣] فلم يفرّ كلّ واحد منهما حتى يدخل جحره؟ وإن كان غير ذلك فأيّ شيء يمنعهما من الصّدمة؟ وهذا أعجب.
стр. 1087
١٣٩٧-[أطول الحيوان ذماء وأقصره]
وتقول العرب [١] : «الضبّ أطول شيء ذماء» [٢] .
ولا أعلم في الأرض شيئا أقصر ذماء [٢] ، ولا أضعف منّة [٣] ولا أجدر أن يقتله اليسير من الفأر.
١٣٩٨-[لعب السنور بالفأر]
وبلغ من تحرّزه واحتياطه، أنه يسكن السقوف، فربما فاجأه السّنّور وهو يريد أن يعبر إلى بيته والسّنّور في الأرض والفأرة في السّقف، ولو شاءت أن تدخل بيتها لم يكن للسّنّور عليها سبيل، فتتحيّر، فيقول السّنّور بيده كالمشير بيساره: ارجع. فإذا رجعت أشار بيمينه: أن عد فيعود. وإنما يطلب أن تعيا أو تزلق أو يدار بها [٤] . ولا يفعل ذلك بها ثلاث مرّات، حتى تسقط إلى الأرض، فيثب عليها. فإذا وثب عليها لعب بها ساعة ثم أكلها. وربما خلّى سبيلها، وأظهر التغافل عنها فتمعن في الهرب، فإذا ظنّت أنها نجت وثب عليها وثبة فأخذها. فلا يزال كذلك كالذي يحبّ أن يسخر من صاحبه، وأن يخدعه، وأن يأخذه أقوى ما يكون طمعا في السّلامة، وأن يورثه الحسرة والأسف، وأن يلذّ بتنغيصه وتعذيبه.
وقد يفعل مثل ذلك العقاب بالأرنب، ويفعل مثل ذلك السّنّور بالعقرب.
١٣٩٩-[أكل الجرذان واليرابيع والضباب والضفادع]
وقال أبو زيد [٥] : دخلت على رؤبة هو يملّ [٦] جرذانا، فإذا نضجت أخرجها من الجمر فأكلها، فقلت له: أتأكل الجرذان؟! قال: هي خير من اليرابيع والضّباب.
إنها عندكم تأكل التّمر والجبن والسويق والخبز، وتحسو الزّيت والسمن.
وقد كان ناس من أهل سيف البحر [٧] من شقّ فارس يأكلون الفأر والضفادع،
стр. 1088
ممقورة [١] ومملوحة، وكانوا يسمونها: جنك جنك [٢] ووال وال [٣] .
وقال أوس بن حجر [٤] : [من الطويل]
لحينهم لحي العصا فطردنهم ... إلى سنة جرذانها لم تحلّم [٥]
يقال: تحلّم الصّبيّ: إذا بدأ في السّمن؛ فإذا زاد على المقدار قيل قد ضبّب، أي سمن سمنا متناهيا.
١٤٠٠-[مثل وشعر في الجرذ]
ويقال [٦] : «أسرق من زبابة» . والزّبابة: الفأرة. ويقال [٧] : «أسرق من جرذ» .
وقال أنس بن أبي إياس لحارثة بن بدر حين ولي أرض سرّق [٨] : [من الطويل]
أحار بن بدر قد وليت ولاية ... فكن جرذا فيها تخون وتسرق
وباه تميما بالغنى إنّ للغنى ... لسانا به المرء الهيوبة ينطق
فإنّ جميع الناس إمّا مكذّب ... يقول بما تهوى وإمّا مصدّق
يقولون أقوالا ولا يعلمونها ... وإن قيل هاتوا حقّقوا لم يحققوا
فلا تحقرن يا حار شيئا أصبته ... فحظّك من ملك العراقين سرّق
فلما بلغت حارثة بن بدر قال: لا يعمى عليك الرّشد.
١٤٠١-[تمني كثرة الجرذان]
قال [٩] : ووقفت عجوز على قيس بن سعد، فقالت: أشكو إليك قلّة الجرذان.
стр. 1089
قال: ما ألطف ما سألت! لأملأنّ بيتك جرذانا. تذكر أنّ بيتها قفر من الأدم والمأدوم، فأكثر لها يا غلام من ذلك.
قال [١] : وسمعت قاصّا مدينيّا يقول في دعائه: اللهمّ أكثر جرذاننا وأقلّ صبياننا.
١٤٠٢-[فزع الناس من الفأر]
وبين الفأر وبين طباع كثير من الناس منافرة، حتى إنّ بعضهم لو وطئ على ثعبان، أو رمي بثعبان- لكان الذي يدخله من المكروه والوحشة والفزع، أيسر مما يدخله من الفأرة لو رمي بها، أو وطئ عليها.
وخبرني رجال من آل زائدة بن مقسم، أن سليمان الأزرق دعي لحيّة شنعاء قد صارت في دارهم، فدخلت في جحر، وأنه اغتصبها نفسها حتى قبض على ما ألفى منها، ثم أدارها على رأسه كما يصنع بالمخراق [٢] ، وأهوى بها إلى الأرض ليضربها بها، فابتدرت من حلقها فأرة كانت ازدردتها. فلما رأى الفأرة هرب وصرخ صرخة.
قالوا: فأخذ مشايخنا الغلمان بإخراج الفأرة وتلك الحيّة الشنعاء إلى مجلس الحيّ ليعجّبوهم من إنسان قتل هذه وفرّ من هذه.
١٤٠٣-[علة نتن جلود الحيات]
وسألت بعض الحوّائين ممن يأكل الأفاعي فما دونها، فقلت: ما بال الحيات منتنة الجلود والجروم [٣] ؟ قال: أمّا الأفاعي فإنّها ليست بمنتنة، لأنها لا تأكل الفأر، وأما الحيّات عامة فإنها تطلب الفأر طلبا شديدا. وربما رأيت الحيّة وما يكون غلظها إلا مثل غلظ إبهام الكبير، ثم أجدها قد ابتلعت الجرذ أغلظ من الذّراع. فأنكر نتن الحيّات إلا من هذا الوجه. ولم أر الذي قال قولا.
١٤٠٤-[رجز في الجرذان]
ودخل أعرابيّ بعض الأمصار، فلقي من الجرذان جهدا، فرجز بها ودعا عليها، فقال [٤] : [من الرجز]
стр. 1090
يعجّل الرحمن بالعقاب ... لعامرات البيت بالخراب
حتى يعجّلن إلى الثياب ... كحل العين وقصّ الرقاب [١]
مستتبعات خلفة الأذناب ... مثل مداري الحصن السّلّاب [٢]
ثم دعا عليهنّ بالسّنّور فقال:
أهوى لهنّ أنمر الإهاب ... منهرت الشّدق حديد النّاب [٣]
كأنما برثن بالحراب
١٤٠٥-[تشبيه عضلات الإنسان بالجرذان]
وتوصف عضل الحفّار والماتح [٤] والذي يعمل في المعادن، فتشبّه بالجرذان، إذا تفلّق لحمه عن صلابة، وصار زيما [٥] . قال الرّاجز [٦] : [من الرجز]
أعددت للورد، إذا الورد حفز ... غربا جرورا وجلالا خزخز [٧]
وماتحا لا ينثني إذا احتجز ... كأنّ جوف جلده إذا احتفز [٨]
في كلّ عضو جرذين أو خزز
والخزز: ذكر الأرانب واليرابيع.
١٤٠٦-[أنواع الفأر]
والزّباب، والخلد، واليرابيع، والجرذان، كله فأر. ويقال لولد اليرابيع درص وأدراص. والخلد أعمى، لا يزال كذلك. والزّباب أصمّ، لا يزال كذلك. وأنشد [٩] :
[من مجزوء الكامل]
стр. 1091
وهم زباب حائر ... لا تسمع الآذان رعدا
هكذا أنشدونا.
١٤٠٧-[شعر وخبر في الفأر]
وأنشد الأصمعي لمزرّد بن ضرار، في تشبيه الجرع في حلوق [١] الإبل بجثمان [٢] الزّباب- وهو الشكل الذي وصفناه- فقال في وصف ضيف له سقاه، فوصف جرعه:
[من الطويل]
فقلت له اشرب لو وجدت بهازرا ... طوال الذّرى من مفرهات خناجر [٣]
ولكنما صادفت ذودا منيحة ... لمثلك يأتي للقرى غير عاذر [٤]
فأهوى له الكفّين وامتدّ حلقه ... بجرع كأثباج الزّباب الزّنابر [٥]
وقال أعرابيّ وهو يطنز [٦] بغريم له، ويذكر قرص الفأر الصّكاك، عند فراره منه:
«الزم الصّكّ لا يقرضه الفأر!» تهزّؤوا به [٧] : [من البسيط]
أهون عليّ بسيّار وصفوته ... إذا جعلت ضرارا دون سيّار [٨]
التّابعي ناشرا عندي صحيفته ... في السوق بين قطين غير أبرار [٩]
جاؤوا إليّ غضابا يلغطون معا ... يشفي إراتهم أن غاب أنصاري [١٠]
لمّا أبوا جهرة إلا ملازمتي ... أجمعت مكرا بهم في غير إنكار
стр. 1092
وقلت: إني سيأتيني غدا جلبي ... وإنّ موعدكم دار ابن هبّار
وما أواعدهم إلا لأربثهم ... عني فيخرجني نقضي وإمراري [١]
وما جلبت إليهم غير راحلة ... تخدي برحلي وسيف جفنه عاري [٢]
إنّ القضاء سيأتي دونه زمن ... فاطو الصحيفة واحفظها من الفار
وصفقة لا يقال الرّبح تاجرها ... وقعت فيها وقوع الكلب في النار [٣]
١٤٠٨-[تشبيه فم الإنسان بفم الفأرة]
والعرب تعيب الإنسان إذا كان ضيّق الفم، أو كان دقيق الخطم، يشبّهون ذلك بفم الفأرة. وقال عبدة بن الطبيب [٤] : [من البسيط]
ما مع أنك يوم الورد ذو لغط ... ضخم الجزارة بالسّلمين وكّار [٥]
تكفي الوليدة في الباديّ مؤتزرا ... فاحلب فإنك حلّاب وصرّار [٦]
ما كنت أول ضبّ صاب تلعته ... غيث فأمرع واسترخت به الدار [٧]
أنت الذي لا نرجّي نيله أبدا ... جلد النّدى، وغداة الرّوع خوّار [٨]
تدعو بنيّيك عبّادا وحذيمة ... فا فأرة شجّها في الجحر محفار [٩]
١٤٠٩-[شعر أبي الشمقمق في الفأر والسنور]
وقال أبو الشّمقمق [١٠] في الفأر والسّنّور: [من الخفيف]
ولقد قلت حين أقفر بيتي ... من جراب الدّقيق والفخّاره
ولقد كان آهلا غير قفر ... مخصبا خيره كثير العماره
فأرى الفأر قد تجنّبن بيتي ... عائذات منه بدار الإماره
стр. 1093
ودعا بالرّحيل ذبّان بيتي ... بين مقصوصة إلى طيّاره
وأقام السّنّور في البيت حولا ... ما يرى في جوانب البيت فاره
ينغض الرّأس منه من شدّة الجو ... ع وعيش فيه أذى ومراره [١]
قلت لمّا رأيته ناكس الرّأ ... س كئيبا، في الجوف منه حراره
ويك صبرا فأنت من خير سن ... ور رأته عيناي قطّ بحاره
قال: لا صبر لي، وكيف مقامي ... ببيوت قفر كجوف الحماره
قلت: سر راشدا إلى بيت جار ... مخصب رحله عظيم التّجاره
وإذا العنكبوت تغزل في دنّي ... وحبّي والكوز والقرقاره [٢]
وأصاب الجحام كلبي فأضحى ... بين كلب وكلبة عيّاره [٣]
وقال أيضا: [من الخفيف]
ولقد قلت حين أجحرني البر ... د كما تجحر الكلاب ثعاله [٤]
في بييت من الغضارة قفر ... ليس فيه إلا النّوى والنّخاله [٥]
عطّلته الجرذان من قلّة الخير ... وطار الذّباب نحو زباله [٦]
هاربات منه إلى كلّ خصب ... جيدة لم يرتجين منه بلاله [٧]
وأقام السّنّور فيه بشرّ ... يسأل الله ذا العلا والجلاله
أن يرى فأرة، فلم ير شيئا ... ناكسا رأسه لطول الملاله
قلت لمّا رأيته ناكس الرأ ... س كئيبا يمشي على شرّ حاله
قلت صبرا يا ناز رأس السّنا ... نير، وعلّلته بحسن مقاله [٨]
قال: لا صبر لي، وكيف مقامي ... في قفار كمثل بيد تباله [٩]
стр. 1094
لا أرى فيه فأرة أنغض الرأ ... س ومشيي في البيت مشي خياله [١]
قلت: سر راشدا فخار لك الله ... ولا تعد كربج البقاله [٢]
فإذا ما سمعت أنّا بخير ... في نعيم من عيشة ومناله
فائتنا راشدا ولا تعدونّا ... إن من جاز رحلنا في ضلاله
قال لي قولة، عليك سلام ... غير لعب منه ولا ببطاله [٣]
ثمّ ولّى كأنه شيخ سوء ... أخرجوه من محبس بكفاله
وقال أيضا [٤] : [من مجزوء الرمل]
نزل الفأر ببيتي ... رفقة من بعد رفقه
حلقا بعد قطار ... نزلوا بالبيت صفقه
ابن عرس رأس بيتي ... صاعدا في رأس نبقه
سيفه سيف حديد ... شقّه من ضلع سلقه [٥]
جاءنا يطرق باللّيل ... فدقّ الباب دقّه
دخل البيت جهارا ... لم يدع في البيت فلقه [٦]
وتترّس برغيف ... وصفق نازويه صفقه [٧]
صفقة أبصرت منها ... في سواد العين زرقه
زرقة مثل ابن عرس ... أغبش تعلوه بلقه [٨]
وقال أيضا: [من مجزوء الرمل]
أخذ الفأر برجلي ... جفلوا منها خفافي [٩]
وسراويلات سوء ... وتبابين ضعاف [١٠]
стр. 1095
درجوا حولي بزفن ... وبضرب بالدّفاف [١]
قلت: ما هذا؟ فقالوا: ... أنت من أهل الزّفاف
ساعة ثمّت جازوا ... عن هواي في خلاف
نقروا استي وباتوا ... دون أهلي في لحافي
لعقوا استي وقالوا ... ريح مسك بسلاف [٢]
صفعوا نازوية حتى ... استهلّت بالرّعاف [٣]
١٤١٠-[أحاديث في الفأرة والهرة]
يروى عن النبيّ ﷺ أنه قال [٤] : «خمس يورثن النسيان: أكل التفاح، وسؤر الفأرة، والحجامة في النقرة، ونبذ القملة، والبول في الماء الراكد» .
وابن جريج قال: أخبرني أبو الزبير أنه سمع جابر بن عبد الله عن النبيّ ﷺ أنه قال [٥] : «إذا رقدت فأغلق بابك، وخمّر إناءك، وأوك سقاءك، وأطفئ مصباحك؛ فإن الشيطان لا يفتح غلقا ولا يكشف إناء، ولا يحل وكاء، وإن الفأرة الفويسقة تحرّق على أهل البيت» .
قالوا: في قول النبيّ ﷺ في السنانير: «إنهنّ من الطّوّافات عليكم» [٦] ، وفي تفريقه بين سؤر السّنّور وسؤر الكلب- دليل على حبّه لاتخاذهنّ. وليس لاتخاذهنّ وجه إلا إفناء الفأر وقتل الجرذان. فكأنّ النبيّ ﷺ كما أحبّ استحياء السنانير، فقد أحبّ إهلاك الفأر.
وعن نافع، عن ابن عمر، عن النبيّ ﷺ قال [٧] : «عذبت امرأة في هرّة سجنتها- ويقال: ربطتها- فلم تطعمها ولم تسقها، ولم ترسلها تأكل من خشاش الأرض» .
стр. 1096
وعن أبي سلمة، عن أبي هريرة، عن النبيّ ﷺ قال [١] : «دخلت امرأة ممن كان قبلكم النار في هرّة ربطتها، فلا هي أطعمتها، ولا هي تركتها تصيب من خشاش الأرض [٢] ، حتى ماتت فأدخلت النار، كلما أقبلت نهشتها، وكلما أدبرت نهشتها» .
قال: وذكر النبيّ ﷺ ، صاحب المحجن يجرّ قصبه [٣] في النار حتى قال [٤] :
«وحتى رأيت فيها صاحبة الهرّة التي ربطتها، فلم تدعها تأكل من خشاش الأرض» .
١٤١١-[وصف السنور بصفة الأسد]
قال ابن يسير في صفة السّنّور- فوصفه بصفة الأسد، إلا ما وصفه به من التنمير، فإن السنور يوصف بصفة الأسد، إذا أرادوا به الصورة والأعضاء، والوثوب والتخلّع في المشي. ألا إن في السنانير السود والنّمر والبلق [٥] ، والخلنجيّة [٦] . وليس في ألوان الأسد من ذلك شيء، إلا كما ترون في النوادر: من الفأرة البيضاء، والفاختة البيضاء، والورشان الأبيض، والفرس الأبيض- فقال ابن يسير في دعائه على حمام ذلك الجار حين انتهى إلى ذكر السنور [٧] : [من الكامل]
وخبعثن في مشيه متبهنس ... خطف المؤخّر كامل التصدير [٨]
مما أعير مفرّ أغضف ضيغم ... عن كلّ أعصل كالسّنان هصور [٩]
متسربل ثوب الدّجى أو غبشة ... شيبت على متنيه بالتّنمير [١٠]
стр. 1097
يختصّ كلّ سليل سابق غاية ... محض النّجار مهذّب مخبور [١]
١٤١٢-[فزع الناقة من الهر]
وإذا وصفوا الناقة بأنها رواع [٢] شديدة التفزّع، لفرط نشاطها ومرحها، وصفوها بأن هرّا قد نيّب [٣] في دفّها. وأكثر ما يذكرون في ذلك الهرّ؛ لأنه يجمع العضّ بالناب، والخمش بالمخالب. وليس كل سبع كذلك.
وقال ضابئ بن الحارث [٤] : [من الطويل]
بأدماء حرجوج ترى تحت غرزها ... تهاويل هرّ أو تهاويل أخيلا [٥]
وقد أوس بن حجر [٦] : [من البسيط]
كأن هرّا جنيبا تحت مغرضها ... والتفّ ديك برجليها وخنزير [٧]
وقال عنترة [٨] : [من الكامل]
وكأنّما ينأى بجانب دفّها ال ... وحشيّ من هزج العشيّ مؤوّم [٩]
هرّ جنيب كلما عطفت له ... غضبى اتّقاها باليدين وبالفم [١٠]
والفيل يفزع من السّنور فزعا شديدا.
١٤١٣-[شعر في هجاء السّنّور]
ومما يقع في باب الهجاء، للسنور، قول عبد الله بن عمرو بن الوليد، في أمّ سعيد بنت خالد: [من الوافر]
стр. 1098
وما السّنّور في نفسي بأهل ... لغزلان الخمائل والبراق [١]
فطلّقها فلست لها بأهل ... ولو أعطيت هندا في الصّداق [٢]
١٤١٤-[الرجم بالسنانير والكلاب]
قال صاحب الكلب: قالوا: ولما مات القصبيّ- وكان من موالي بني ربيعة بن حنظلة، وهو عمرو القصبي، ومات بالبصرة- رجم بالسنانير الميّتة. قال: وقد صنعوا شبيها بذلك بخالد بن طليق، حين زعم أهله أن ذلك كان عن تدبير محمد بن سليمان.
وقالوا: ولم نر الناس رموا أحدا بالكلاب الميّتة. والكلاب أكثر من السنانير حيّة وميّتة. فليس ذلك إلا لأن السنانير أحقر عندهم وأنتن.
١٤١٥-[استطراد لغوي]
قال: ويقال للجرذان العضلان. وأولاد الفأر أدراص، والواحد درص. وكذلك أولاد اليرابيع. يقال: أدراص ودروص. وقال أوس بن حجر [٣] : [من الطويل]
وودّ أبو ليلى طفيل بن مالك ... بمنعرج السّوبان لو يتقصّع [٤]
قال: واليرابيع: ضرب من الفأر. قال: ويقال: نفّق اليربوع ينفّق تنفيقا: إذا عمل النافقاء، وهي إحدى مجاحره، ومحافره. وهي النافقاء والقاصعاء، والدّامّاء، والراهطاء. وقال الشاعر [٥] : [من الوافر]
فما أمّ الرّدين وإن أدلّت ... بعالمة بأخلاق الكرام
إذا الشيطان قصّع في قفاها ... تنفّقناه بالحبل التّؤام [٦]
стр. 1099
فإذا طلب من إحدى هذه الحفائر نافق، أي فخرج النّافقاء، وإن طلب من النافقاء قصّع. ويقال: أنفقته إنفاقا: إذا صاح به حتى يخرج. ونفق هو: إذا خرج من النافقاء.
١٤١٦-[احتيال اليرابيع]
وفي احتيال اليرابيع بالنافقاء، والقاصعاء، والدّمّاء والرّاهطاء، وفي جمعها التراب على نفس باب الجحر، وفي تقدمها بالحيلة والحراسة، وفي تغليطها لمن أرادها، والتّورية بشيء عن شيء، وفي معرفتها بباب الخديعة، وكيف توهم عدوّها خلاف ما هي عليه، ثم في وطئها على زمعاتها [١] ، في السهولة وفي الأرض اللينة، كي لا يعرف أثرها الذي يقتصّه [٢] ، وفي استعمالها واستعمال بعض ما يقاربها في الحيلة التوبير- والتوبير: الوطء على مآخير أكفّها- العجب العجيب.
١٤١٧-[أنفاق الزباء]
وزعم أبو عقيل بن درست، وشدّاد الحارثيّ، وحسين الزهريّ أن الزباء الروميّة إنما عملت تلك الأنفاق التي ذكرها الشاعر فقال [٣] : [من الوافر]
أقام لها على الأنفاق عمرو ... ولم تشعر بأنّ لها كمينا
على تدبير اليرابيع في محافيرها هذه، ومخارجها التي أعدّتها ومداخلها، وعلى قدر ما يفجؤها من الأمر.
وأن أهل تبّت والرّوم، إنما استخرجوا الاحتيال بالأنفاق والمطامير والمخارق على تدبير اليرابيع.
١٤١٨-[اشتقاق المنافق]
وإنما سمّى الله الكافر في باطنه المورّي بالإيمان، والمستتر بخلاف ما يسرّ- بالمنافق، على النافقاء والقاصعاء، وعلى تدبير اليربوع في التورية بشيء عن شيء. قال الشاعر [٤] : [من الوافر]
إذا الشيطان قصّع في قفاها ... تنفقّناه بالحبل التّؤام
стр. 1100
وهذا الاسم لم يكن في الجاهلية لمن عمل بهذا العمل. ولكن الله اشتق لهم هذا الاسم من هذا الأصل.
١٤١٩-[كلمات إسلامية لم تكن في الجاهلية]
وقد علمنا أن قولهم لمن لم يحجّ: «صرورة» [١] ، ولمن أدرك الجاهلية والإسلام: «مخضرم» [٢] ، قولهم وتسميتهم لكتاب الله: «قرآنا» «فرقانا» ، وتسميتهم للتمسّح بالتراب: «التيمّم» ، وتسميتهم للقاذف ب «فاسق» - أن ذلك لم يكن في الجاهلية.
وإذا كان للنابغة أن يبتدئ الأسماء على الاشتقاق من أصل اللغة، كقوله [٣] :
[من البسيط]
والنّؤي كالحوض بالمظلومة الجلد [٤]
وحتى اجتمعت العرب على تصويبه، وعلى اتباع أثره، وعلى أنها لغة عربية- فالله الذي له أصل اللغة أحقّ بذلك.
١٤٢٠-[شعر شمّاخ في الزّموع]
وذكر شمّاخ بن ضرار الزّموع [٥] ، وكيف تطأ الأرنب على زمعاتها [٥] لتغالط الكلاب وجميع ما يطالبها- فذكر بديئا شأن العير والعانة، فقال [٦] : [من الوافر]
إذا ما استافهنّ ضربن منه ... مكان الرّمح من أنف القدوع [٧]
стр. 1101
وقد جعلت ضغائنهنّ تبدو ... بما قد كان نال بلا شفيع [١]
مدلّات، يردن النّأي منه ... وهنّ بعين مرتقب تبوع [٢]
ثم أخذ في صفة العقاب، وصار إلى صفة الأرنب فقال:
كأنّ متونهنّ مولّيات ... عصيّ جناح طالبة لموع [٣]
قليلا ما تريث إذا استفادت ... غريض اللّحم عن ضرم جزوع [٤]
ثم قال:
فما تنفكّ بين عويرضات ... تجرّ برأس عكرشة زموع [٥]
تطارد سيد صارات، ويوما ... على خزّان قارات الجموع [٦]
تلوذ ثعالب الشّرفين منها ... كما لاذ الغريم من التّبيع [٧]
نماها العزّ في قطن، نماها ... إلى فرخين في وكر رفيع [٨]
ترى قطعا من الأحناش فيها ... جماجمهنّ كالخشل النّزيع
والزّموع: التي تمشي على زمعاتها: مآخير رجليها قال أبو المفضل: توبّر بيديها، وتمشي على زمعاتها على رجليها، وهي مواضع الثّنن [٩] من الدوابّ، والزّمع المعلّق خلف الظّلف من الشاة والظبي والثور.
стр. 1102
قال: وكل ذلك توبير. وهو أن تطأ على مآخير قوائمها، كي لا يعرف أثرها إنسان ولا كلب.
وذكر أنها تطارد ذئبا مرّة، وخززا مرة، وهو الذّكر من الأرانب؛ والعكرشة:
الأنثى، والخرنق: ولدها. فإذا قلت أرنب، أو عقاب فليس إلا التأنيث. هذه العقاب، وهذه الأرانب، إلا أن تقول: خزز.
وقطن: جبل معروف. والأحناش: الحيات. وأحناش الأرض: الضبّ، والقنفذ، واليربوع، وهي أيضا حشرات الأرض. فجعل الحية حنشا على قولهم: «قد آذتني دوابّ رأسي» : يعنون القمل؛ وعلى قوله تعالى: ما دَلَّهُمْ عَلى مَوْتِهِ إِلَّا دَابَّةُ الْأَرْضِ تَأْكُلُ مِنْسَأَتَهُ
[١] .
قال أبو المفضّل العنبري: ما أراد إلا الحيّات بأعيانها في هذا الموضع، فإن العقبان أسرع إلى أكل الحيّات، من الحيّات إلى أكل الفأر. ويدلّ على أنه إنما أراد رؤوس الحيّات بأعيانها، قوله [٢] : [من الوافر]
ترى قطعا من الأحناش فيها ... جماجمهنّ كالخشل النزيع
لأن أرؤس الحيات سخيفة، قليلة اللّحم والعظام. فلذلك شبّهها بالخشل النزيع. والخشل: المقل السخيف اليابس الخفيف.
١٤٢١-[شعر فيه ذكر المقل والحتيّ]
قال خلف الأحمر [٣] : [من الوافر]
سقى حجّاجنا نوء الثّريّا ... على ما كان من مطل وبخل
هم جمعوا النّعال فأحرزوها ... وسدّوا دونها بابا بقفل
إذا أهديت فاكهة وشاة ... وعشر دجائج بعثوا بنعل
ومسواكين طولهما ذراع ... وعشر من رديّ المقل خشل [٤]
стр. 1103
فإن أهديت ذاك ليحملوني ... على نعل فدقّ الله رجلي [١]
أناس تائهون، لهم رواء [٢] ... تغيم سماؤهم من غير وبل [٣]
إذا انتسبوا ففرع من قريش ... ولكنّ الفعال فعال عكل [٤]
والحتيّ، المقل على وجهه، وقال أبو ذؤيب [٤] : [من البسيط]
لا درّ درّي إن أطعمت نازلهم ... قرف الحتيّ وعندي البرّ مكنوز [٥]
باب آخر مما للسنور فيه فضيلة على جميع أصناف الحيوان ما خلا الإنسان
وإذا قال القائل: فلان وضع كتابا في أصناف الحيوان- فليس يدخل فيها الملائكة والجنّ. وعلى هذا كلام الناس.
وللحيوان موضع آخر، وهو قول الله في كتابه: وَإِنَّ الدَّارَ الْآخِرَةَ لَهِيَ الْحَيَوانُ
[٦] .
قد علمنا أن العجم من السّباع والبهائم، كلما قربت من مشاكلة الناس كان أشرف لها والإنسان هو الفصيح وهو الناطق.
١٤٢٢-[إطلاق الناطق على الحيوان]
وقد يشتقّون لسائر الحيوان الذي يصوّت ويصيح، اسم الناطق إذا قرنوه في
стр. 1104
الذكر إلى الصامت. ولهذا الفرق أعطوه هذه المشاكلة، وهذا الاشتقاق. فإذا تهيأ من لسان بعضها من الحروف مقدار يفضل به على مقادير الأصناف الباقية، كان أولى بهذا الاسم عندهم. فلما تهيأ للقطاة ثلاثة أحرف قاف. وطاء، وألف، وكان ذلك هو صوتها، سمّوها بصوتها. ثم زعموا أنها صادقة في تسميتها نفسها قطا. قال الكميت [١] : [من مجزوء الكامل]
كالناطقات الصادقا ... ت الواسقات من الذّخائر [٢]
وقال الآخر وذكر القطاة [٣] : [من الطويل]
وصادقة قد خبّرت، ما بعثتها ... طروقا، وباقي الليل في الأرض مسدف [٤]
فجعلها مخبرة، وجعل خبرها صدقا، حين زعمت أنها قطا؛ وإنّ كانت القطاة لم ترم [٥] ذلك.
والعرب تتوسع في كلامها. وبأي شيء تفاهم الناس فهو بيان، إلا أن بعضه أحسن من بعض.
والذي تهيأ للشاة قولها: ما، ولذلك قال ذو الرّمة [٦] : [من البسيط]
لا يرفع الصّوت إلا ما تخوّنه ... داع يناديه باسم الماء مبغوم [٧]
وقال أبو عبّاد النميريّ لخربق العميريّ، وكان يتعشّقه ورآه قد اشترى أضحية، فقال: [من المجتث]
يا ذابح الماه ماه ... فعلت فعل الجفاه
أما رحمت من المو ... ت يا خريبق شاه
والصبيان هم الذين يسمون الشاة: ماه، كأنهم سموها بالذي سمعوه منها، حين جهلوا اسمها.
стр. 1105
وقيل لصبي يلعب على بابهم [١] : من أبوك يا غلام؟ وكان اسم أبيه كلبا- فقال: وو وو.
وزعم صاحب المنطق، أن كل طائر عريض اللسان، والإفصاح بحروف الكلام منه أوجد.
ولابن آوى صياح يشبه صياح الصبيان. وكذلك الخنزير. وقد تهيأ للكلب مثل: عف عف، ووو وو، وأشباه ذلك. وتهيّأ للغراب القاف. وقد تهيّأ للهزاردستان- وهو العندليب- ألوان أخر، وقد تهيّأ للببغاء من الحروف أكثر. فإذا صرت إلى السنانير وجدتها قد تهيّأ لها من الحروف العدد الكثير، ومتى أحببت أن تعرف ذلك فتسمّع تجاوب السنانير، وتوعّد بعضها لبعض في جوف الليل، ثم أحص ما تسمعه وتتبّعه، وتوقّف عنده، فإنك ترى من عدد الحروف ما لو كان لها من الحاجات والعقول والاستطاعات؛ ثمّ ألّفتها لكانت لغة صالحة الموضع، متوسّطة الحال.
١٤٢٣-[العلة في صعوبة بعض اللغات]
واللغات إنما تشتدّ وتعسر على المتكلم بها؛ على قدر جهله بأماكنها التي وضعت فيها، وعلى قدر كثرة العدد وقلّته، وعلى قدر مخارجها، وخفّتها وسلسها، وثقلها وتعقّدها في أنفسها، كفرق ما بين الزّنجي والخوزي فإن الرجل يتنخّس [٢] في بيع الزّنج وابتياعهم شهرا واحدا فيتكلّم بعامّة كلامهم، ويبايع الخوز، ويجاورهم زمانا فلا يتعلّق منهم بطائل.
والجملة: أنّ من أعون الأسباب على تعلّم اللغة فرط الحاجة إلى ذلك. وعلى قدر الضرورة إليها في المعاملة يكون البلوغ فيها، والتقصير عنها.
١٤٢٤-[مناسبة الهر للإنسان]
والسنور يناسب الإنسان في أمور [٣] : منها أنه يعطس، ومنها أنه يتثاءب، ومنها أنه يتمطّى ويغسل وجهه وعينيه بلعابه، وتلطع الهرّة وبر جلد ولدها بعد الكبر، وفي الصغر، حتى يصير كأن الدّهان تجري في جلده.
стр. 1106
١٤٢٥-[ما يتهيأ للغربان من الحروف]
ويتهيأ لبعض الغربان من الحروف والحكاية ما لا يعشره [١] الببغاء.
١٤٢٦-[نفع خرء الفأر]
وزعمت الأطباء أن خرء الفأر يسقاه صاحب الأسر فيطلق عن بوله. والأسر هو حصر البول ولكن لا يسمّى بذلك. وهو الأسر بالألف، دون الياء.
ويصيب الصبيّ الحصر فيحتمل من خرء الفأر فيطلق عنه. فقد تهيأ في خرء الفأر دواءان لداءين قاتلين مجهزين. ولذلك قيل [٢] لأعرابيّ قد اجتمعت فيه أوجاع شداد: أيّ شيء تشتكي؟ قال: أمّا الذي يعمدني [٣] فحصر وأسر.
١٤٢٧-[استطراد لغوي]
يقال: خثى الثور يخثي خثيا. وواحد الأخثاء خثي كما ترى.
ويقال: خزق الطائر، وذرق، ومزق، وزرق.
قال ابن الأعرابيّ: لا يكون النّجو جعرا حتى يكون يابسا.
ويقال: ونم الذّباب. واسم نجوه: الونيم. وقال الشاعر [٤] : [من الوافر]
وقد ونم الذّباب عليه حتى ... كأنّ ونيمه نقط المداد
وهو ونيم الذّباب، وعرّة الطائر، وصوم النّعام، وروث الحمار، وبعر البعير والشاة والظبي، وخثي البقر.
وقال الزّبير: «من أهدى لنا مكتلا من عرّة أهدينا له مكتلا من تمر» [٥] .
стр. 1107
قال: العرّة اسم لجميع ما يكون من جميع الحيوان. ولذا قال الزبير ما قال.
قال: ويقال: رمصت الدجاجة، وذرقت، وسلحت. فإذا صاروا إلى الإنسان والفأرة قالوا: خرء الإنسان وخرء الفأرة. ويقال خروءة الفأرة أدخلوا الهاء فيه، كما قالوا ذكورة للذّكران. وقد يستعار ذلك لغير الإنسان والفأرة. قالت دختنوس بنت لقيط بن زرارة، في يوم شعب جبلة [١] : [من مجزوء الكامل]
فرّت بنو أسد خرو ... ء الطّير عن أربابها [٢]
فلذلك يقال لبني أسد: خروء الطير. وقيل لهم: عبيد العصا [٣] ببيت قاله صاحبهم بشر بن أبي خازم [٤] ، قالها لأوس بن حارثة: [من الطويل]
عبيد العصا لم يتّقوك بذمة ... سوى سيب سعدى إنّ سيبك واسع [٥]
١٤٢٨-[اتقاء ألسن الشعراء]
فيجب على العاقل بعد أن يعرف ميسم الشّعر مضرّته، أن يتّقي لسان أخسّ الشّعراء وأجهلهم شعرا بشطر ماله؛ بل بما أمكن من ذلك. فأما العربيّ أو المولى الرّاوية، فلو خرج إلى الشعراء من جميع ملكه لما عنّفته.
والذي لا يكثرث لوقع نبال الشعر، كما قال الباخرزيّ [٦] : [من المنسرح]
ما لي أرى الناس يأخذون ويعطو ... ن ويستمتعون بالنّشب [٧]
وأنت مثل الحمار أبهم لا ... تشكو جراحات ألسن العرب
стр. 1108
ولأمر مّا قال حذيفة لأخيه، والرماح شوارع في صدره: «إياك والكلام المأثور» [١] .
وهذا مذهب فرعت [٢] فيه العرب جميع الأمم. وهو مذهب جامع لأسباب الخير.
١٤٢٩-[استطراد لغوي]
قال: ويقال لموضع الغائط: الخلاء، والمذهب، والمخرج، والكنيف والحشّ، والمرحاض، والمرفق.
وكل ذلك كناية واشتقاق، وهذا أيضا يدلك على شدة هربهم من الدناءة والفسولة، والفحش والقذع.
قال: وعن اليزيديّ: رجع الرجل، من الرجيع وخبرني أبو العاص عن يونس، قال: ليس الرجيع إلا رجيع القول والسّفر والجرّة. قال الله تعالى: وَالسَّماءِ ذاتِ الرَّجْعِ
[٣] وقال الهذليّ وهو المتنخّل [٤] :
[من السريع]
أبيض كالرّجع رسوب إذا ... ما ثاخ في محتفل يختلي [٥]
وفي الحديث [٦] : «فلما قدمنا الشام وجدنا مرافقهم [٧] قد استقبل بها القبلة، فكنّا ننحرف ونستغفر الله» .
стр. 1109
١٤٣٠-[شعر ابن عبدل في الفأرة والسنّور]
وقال ابن عبدل في الفأرة والسنّور: [من الخفيف]
يا أبا طلحة الجواد أغثني ... بسجال من سيبك المقسوم [١]
أحي نفسي فدتك نفسي فإني ... مفلس قد- علمت ذاك- عديم
أو تطوّع لنا بسلف دقيق ... أجره إن فعلت ذاك عظيم [٢]
قد علمتم فلا تعامس عنّي ... ما قضى الله في طعام اليتيم [٣]
أراد: لا تعامسوا. فاكتفى بالضمة من الواو. وأنشد [٤] : [من الوافر]
فلو أنّ الأطبّا كان حولي ... وكان مع الأطباء الأساة
ليس لي غير جرّة وأصيص ... وكتاب منمنم كالوشوم [٥]
وكساء أبيعه برغيف ... قد رقعنا خروقه بأديم [٦]
وإكاف أعارنيه نشيط ... هو لحاف لكلّ ضيف كريم [٧]
ونبيذ مما يبيع صهيب ... يذر الشّيخ رمحه ما يقوم
ربّ حلّا فقد ذكرت أصيصي ... ولحافي حتى يغور النّجوم
كل بيت عليه نصف رعيف ... ذاك قسم عليهم معلوم
فرّ منه مولّيا فار بيتي ... ولقد كان ساكنا ما يريم
قلت: هذا صوم النصارى فحلّوا ... لا تليحوا شيوخكم في السّموم [٨]
ضحك الفأر ثم قلن جميعا ... أهو الحقّ كلّ يوم تصوم
قلت: إن البراء قد قام في ال ... نّاس بإذن وأنت فينا ذميم [٩]
حملوا زادهم على خنفسات ... وقراد مخيّس مزموم [١٠]
стр. 1110
وإذا ضفدع عليه إكاف ... علّموه بعد النّفار الرّسيم [١]
خطموا أنفه بقطعة حبل ... يا لقومي لأنفه المخطوم
نصبوا منجنيقهم حول بيتي ... يا لقومي لبيتي المهدوم [٢]
وإذا في الغباء سمّ بريص ... قائم فوق بيتنا بقدوم [٣]
قلت: بيت الجرين مجمع صدق ... كان قدما لجمعكم معلوم [٤]
قلن: لولا سنّورتاه احتفرنا ... مسكنا تحت تمره المركوم [٥]
إن تلاق سنّورتاه فضاء ... تذرانا وجمعنا كالهزيم
عشّش العنكبوت في قعر دنّي ... إنّ ذا من رزيّتي لعظيم
ليتني قد غمرت دنّي حتى ... أبصر العنكبوت فيه يعوم
غرقا لا يغيثه الدهر إلا ... زبد فوق رأسه مركوم
مخرجا كفّه ينادي ذبابا ... أن أغثني فإنني مظلوم
قال ذرني فلن أطيق دنوّا ... من نبيذ يشمّه المزكوم
وقال في الفأر والسنور: [من المنسرح]
قد قال سنّورنا وأعهده ... قد كان عضبا مفوّها لسنا [٦]
الو أصبحت عندنا جنازتها ... لحنّطت واشترى لها كفنا [٧]
ثم جمعنا صحابتي وغدوا ... فيهم كريب يبكي وقام لنا
كلّ عجوز حلو شمائلها ... كانت لجرذان بيتنا شجنا [٨]
من كلّ حدباء ذات خشخشة ... أو جرذ ذي شوارب أرنا [٩]
стр. 1111
سقيا لسنّوة فجعت بها ... كانت لميثاء حقبة سكنا [١]
١٤٣١-[ضروب الفأر]
قال: والفأر ضروب: فمنها الجرذان والفأر المعروفان، وهما كالجواميس والبقر، وكالبخت والعراب. ومنها الزباب. ومنها الخلد. واليرابيع شكل من الفأر، واسم ولد اليربوع درص، مثل ولد الفأر.
ومن الفأر فأرة المسك [٢] ، وهي دويبة تكون في ناحية تبّت، تصاد لنوافجها وسررها [٣] ، فإذا اصطادها صائد عصب سرّتها بعصاب شديد، وسرّتها مدلاة، فيجتمع فيها دمها فإذا أحكم ذلك ذبحها.
وما أكثر من يأكلها- فإذا ماتت قوّر السرة التي كان عصبها له والفأرة حيّة، ثم دفنها في الشعير حتى يستحيل ذلك الدم المحتقن هناك، الجامد بعد موتها، مسكا ذكيا، بعد أن كان ذلك الدّم لا يرام نتنا.
قال: وفي البيوت أيضا قد يوجد فأر مما يقال له: فأر المسك، وهي جرذان سود ليس عندها إلا تلك الرائحة اللازمة له.
قال: وفي الجرذان جنس لها عبث بالعقود والشّنوف [٤] ، والدراهم والدنانير، على شبيه بالذي عليه خلق العقعق [٥] ؛ إلا أن هذه الجرذان تفرح بالدنانير والدراهم، وبخشخاش الحلي. وذلك أنها تخرجها من جحورها في بعض الزمان، فتلعب عليها وحواليها، ثم تنقلها واحدا واحدا، حتى تعيدها عن آخرها إلى موضعها.
فزعم الشّرقيّ بن القطاميّ- وقد رووه عن شوكر أن رجلا [٦] من أهل الشام اطّلع على جرذ يخرج من جحره دينارا دينارا، فلما رآه قد أخرج مالا صالحا استخفّه الحرص، فهمّ أن يأخذه، ثم أدركه الحزم، وفتح له الرزق المقسوم بابا من الفطنة،
стр. 1112
فقال: الرأي أن أمسك عن أخذه ما دام يخرج، فإذا رأيته يدخل فعند أوّل دينار يغيّبه ويعيده إلى مكانه أثب عليه، فأجترف المال.
قال: ففعلت وعدت إلى موضعي الذي كنت أراه منه. فبينما هو يخرج إذ ترك الإخراج، ثم جعل يرقص ويثب إلى الهواء، ويذهب يمنة ويسرة ساعة، ثم أخذ دينارا فولّى به، فأدخله الجحر، فلما رأيت ذلك قمت إلى الدنانير فأخذتها، فلما عاد ليأخذ دينارا آخر فلم يجد الدنانير أقبل يثب في الهواء، ثم يضرب بنفسه الأرض، حتى مات.
وهذا الحديث من أحاديث النساء وأشباه النساء.
باب آخر يدّعونه للفأر
وهو الذي ينظر فيه أصحاب الفراسة في قرض الفأر، كما ينظر بعضهم في الخيلان [١] ، وفي الأكتاف، وفي أسرار الكفّ [٢] .
ويزعمون [٣] أنّ أبا جعفر المنصور نزل في بعض القرى، فقرض الفأر مسحا له كان يجلس عليه، فبعث به ليرفأ [٤] ، فقال لهم الرفّاء: إنّ هنا أهل بيت يعرفون بقرض الفأر ما ينال صاحب المتاع من خير أو شر، فلا عليكم أن تعرضوه عليهم قبل أن تصلحوه. فبعث المنصور إلى شيخهم، فلما وقعت عينه على موضع القرض وثب وقام قائما ثم قال: من صاحب هذا المسح؟ فقال المنصور: أنا. فقام ثم قال: السلام عليك يا أمير المؤمنين ورحمة الله وبركاته! والله لتلينّ الخلافة أو أكون جاهلا أو كذابا! ذكر هذا الحديث عمر بن مجمّع السّكوني الصّريمي وقد قضى على بعض البلدان.
стр. 1113
١٤٣٢-[فأرة المسك]
وسألت [١] بعض العطارين من أصحابنا المعتزلة عن فأرة المسك فقال: ليس بالفأرة، وهو بالخشف أشبه. ثم قصّ عليّ شأن المسك وكيف يصطنع. وقال، لولا أنّ رسول الله ﷺ قد تطيّب بالمسك لما تطيّبت به، فأمّا الزباد [٢] فليس مما يقرب ثيابي منه شيء.
قلت له: وكيف يرتضع الجدي من لبن خنزيرة فلا يحرم لحمه؟ قال: لأنّ ذلك اللبن استحال لحما، وخرج من تلك الطبيعة، ومن تلك الصورة، ومن ذلك الاسم.
وكذلك لحوم الجلّالة [٣] . فالمسك غير الدّم، والخلّ غير الخمر. والجوهر ليس يحرم بعينه، وإنما يحرم للأعراض والعلل. فلا تقزّز منه عند تذكرك الدّم الحقين؛ فإنه ليس به. وقد تتحوّل النار هواء، والهواء ماء، فيصير الشبه الذي بين الماء والنار بعيدا جدّا.
١٤٣٣-[بيت الفأر]
والجرذان لا تحفر بيوتها على قارعة طريق، وتجتنب الخفض؛ لمكان المطر، وتجتنب الجوادّ [٤] ؛ لأن الحوافر تهدم عليها بيوتها. فإذا أخرجها وقع حافر فرس، مع هذا الصّنيع، دلّ ذلك على شدة الجري والوقع. وقال امرؤ القيس [٥] يصف فرسه:
[من الطويل]
فللسّوط ألهوب وللرّجل درّة ... وللزّجر منه وقع أهوج منعب [٦]
стр. 1114
فأدرك، لم يعرق مناط عذاره ... يدرّ كخذروف الوليد المثقّب [١]
ترى الفأر في مستعكد الأرض لاجئا ... إلى جدد الصحراء من شدّ ملهب [٢]
خفاهنّ من أنفاقهنّ كأنّما ... خفاهنّ ودق من سحاب مركّب [٣]
خفاهنّ: أظهرهنّ. وقرأ بعضهم: إِنَّ السَّاعَةَ آتِيَةٌ أَكادُ أُخْفِيها
[٤] ، بفتح الألف [٥] ؛ أي أظهرها. وقال امرؤ القيس [٦] : [من المتقارب]
فإن تدفنوا الداء لا نخفه ... وإن تبعثوا الحرب لا نقعد
وقال أعرابيّ [٧] : إن بني عامر جعلتني على حنديرة [٨] أعينها، تريد أن تختفي دمي [٩] .
١٤٣٤-[استطراد لغوي]
وقال أبو عبيدة: أربعة أحرف تهمزها عقيل من بين جميع العرب، تقول [١٠] :
فأرة، ومؤسى، وجؤنة، وحؤت [١١] .
стр. 1115
فأصناف ما يقع عليه اسم الفأرة: فأرة البيش، وفأرة البيت، وفأرة المسك، وفأرة الإبل. وفي فأرة المسك يقول حميد الأرقط: [من الرجز]
ممطورة خالط منها النّشر ... ذا أرج شقّق عنه الفأر
وفي فأرة الإبل قال الشاعر [١] : [من البسيط]
كأنّ فأرة مسك في مباءتها ... إذا بدا من ضياء الصّبح تبشير [٢]
وهذا شبيه بالذي قال الراعي [٣]- وليس به-: [من الطويل]
تبيت بنات القفر عند لبانه ... بأحقف من أنقاء توضح هائل [٤]
كأن القطار حرّكت في مبيته ... جديّة مسك في معرّس قافل [٥]
١٤٣٥-[فأرة الإبل]
قال الأصمعيّ: قلت لأبي مهدية: كيف تقول: لا طيب إلا المسك؟ قال:
فأين أنت من العنبر؟! قال: فقلت: لا طيب إلا المسك والعنبر. قال: فأين البان؟! فقلت: لا طيب إلا المسك والعنبر والبان [٦] . قال: فأين أنت عن أدهان بحجر [٧] ؟! قال: فقلت: لا طيب إلا المسك، والعنبر. والبان، وأدهان بحجر. قال: فأين فأرة الإبل صادرة؟! قال الأصمعيّ: فأرة الإبل [٨] .
стр. 1116
١٤٣٦-[فأرة البيش والسمندل]
وفأرة البيش دويبة تغتذي السّموم فلا تضرها. والبيش سمّ، وحكمه حكم الطائر الذي يقال له: سمندل؛ فإنه يسقط في النار فلا يحترق ريشه
٢٢٣٧-[الخشب الذي لا يحترق]
ونبّيت عن أمير المؤمنين المأمون أنه قال: لو أخذ الطّحلب فجفف في الظّلّ، ثم أسقط في النّيران لم يحترق.
ولولا ما عاينوا من شأن الطّلق والعود الذي يجاء به من كرمان [١] لاشتدّ إنكارهم.
وزعم [٢] ابن أبي حرب أن قسّا راهن على أن الصليب الذي في عنقه من خشب، أنه لا يحترق؛ لأنه من العود الذي كان صلب عليه المسيح، وأنه كان يفتن بذلك ناسا من أهل النظر، حتى فطن له بعض المتكلمين، فأتاهم بقطعة عود يكون بكرمان [١] . فكان أبقى على النار من صليبه.
١٤٣٨-[مساوي السنانير]
قال صاحب الكلب: والسنور لصّ لئيم، وشره خؤون. فمن ذلك أن صاحب المنزل يرمي إليه ببعض الطعم، فيحتمله احتمال المريب، واللصّ المغير، حتى يولج به خلف حبّ أو راقود، أو عدل [٣] أو حطب، ثم لا يأكله إلا وهو يتلفَّت يمينا وشمالا، كالذي يخاف أن يسلب ما أعطي، أو يعثر على سرقته فيعاقب. ثم ليس في الأرض خبثة إلا وهو يأكلها، مثل الخنافس والجعلان، وبنات وردان، والأوزاغ، والحيّات، والعقارب، والفأر، وكلّ نتن وكل خبثة، وكلّ مستقذر.
وهذه الأنعام تدخل الغيض، فتجتنب مواضع السموم بطبائعها، وتتخطاها ولا تلتفت لفتها. وربما أشكل الشيء على البعير، فيمتحنه بالشّمة الواحدة. فلا تغلط الإبل إلا في البيش وحده. ولا تغلط الخيل إلا في الدّفلى [٤] وحده.
стр. 1117
والسنانير تموت عن أكل الأوزاغ والحيّات والعقارب، وما لا يحصى عدده من هذه الحشرات، فهذا يدلّ على جهل بمصلحة المعاش، وعلى حسّ غليظ وشره شديد.
١٤٣٩-[هيج الحيوان]
قالوا: وكل أنثى من جميع الحيوان، ما خلا المرأة، فلا بدّ لها من هيج في زمان معلوم، ثم لا يعرف ذلك منها وفيها إلا بالدلائل والآثار، أو ببعض المعاينة.
وإناث السنانير، إذا هجن للسّفاد، آذين بصياحهنّ أهل القبائل ليلا ونهارا، بشيء ظاهر قاهر عليّ. لا يعتريهن فترة ولا ملالة ولا سآمة. فربّ رجل حرّ شديد الغيرة، وهو جالس مع نسائه وهنّ يتردّدن على مثل هذه الهيئة، ويصرخن في طلب السّفاد. فكم من حرة قد خجلت، وحرّ قد انتقضت طبيعته.
وليس لشيء من فحولتها [١] مثل ذلك. فكل جنس في العالم من الحيوان فذكورته أظهر هيجا، إلا السّنانير.
وليس لشيء من فحولة الأجناس مثل الذي للجمل من الإزباد، وهجران الرّعي، وترك الماء، حتى تنضمّ أياطله [٢] ، ويتورّم رأسه، ويكون كذلك الأيام الكثيرة. وهو في ذلك الوقت لو حمّل على ظهره- مع امتناعه شهرا من الطعام- ثلاثة أضعاف حمله لحملها.
١٤٤٠-[أمنية المكي وإسماعيل بن غزوان]
ونظر المكيّ إلى جمل قد أزبد وتلغّم، وطار على رأسه منه كشقق البرس [٣] ، وقد زمّ بأنفه، وهو يهدر ويقبقب [٤] ، لا يعقل شيئا إلا ما هو فيه، فقال لإسماعيل بن غزوان: والله لوددت أن أهل البصرة رأوني يوما واحدا إلى الليل على هذه الصفة، وأنّي خرجت من قليل مالي وكثيره! فقال له إسماعيل: وأي شيء لك في ذلك؟ قال:
كنت والله لا أصبح حتى يوافي داري جميع نساء أهل البصرة، وجواريك فيهنّ فلا
стр. 1118
أبدا إلا بهنّ! قال إسماعيل: إنك والله ما سبقتني إلا إلى القول، وأما النية والأمنيّة فأنا والله أتمنّى هذا منذ أنا صبيّ!.
١٤٤١-[حال بعض الحيوان عند معاينة الأنثى]
وللحمار والفرس عند معاينة الحجر والأتان هيج وصياح، وقلق وطلب.
والجمل يقيم على تلك الصّفة عاين أو لم يعاين، ثم يدنى من هذه الذّكورة إناثها فلا تسمح بالإمكان إلا بعد أن تسوّى وتدارى.
١٤٤٢-[مقارنة بين السنور والكلب والحمام]
قالوا: والسنانير إذا انتقل أربابها من دار إلى دار، كان وطنها أحبّ إليها منهم، وإن أثبتت أعيانهم. فإن هم حوّلوها فأنكرت الدار لم تقم على معرفتهم، فربما هربت من دارهم الحادثة ولم تعرف دارهم الأولى، فتبقى متردّدة: إما وحشية، وإما مأخوذة، وإما مقتولة.
والكلب يخلّي الدار، ويذهب مع أهل الدار. والحمام في ذلك كالسنور.
١٤٤٣-[اختلاف أثمان السنور]
قال صاحب الكلب: السنور يسوى في صغره درهما، فإذا كبر لم يسو شيئا [١] . وقال العمّيّ [٢] : [من الطويل]
فإنّك فيما قد أتيت من الخنا ... سفاها، وما قد ردت فيه بإفراط
كسنّور عبد الله، بيع بدرهم ... صغيرا فلمّا شبّ بيع بقيراط
وصاحب هذا الشعر، لو غبر مع امرئ القيس بن حجر، والنابغة الذّبياني، وزهير ابن أبي سلمى، ثم مع جرير والفرزدق، والراعي والأخطل، ثم مع بشار وابن هرمة، وابن أبي عيينة، ويحيى بن نوفل وأبي يعقوب الأعور، ألف سنة- لما قال بيتا واحدا مرضيا أبدا.
وقد يضاف هذا الشعر إلى بشّار، وهو باطل.
стр. 1119
١٤٤٤-[حلاق الحيوان وبعض الأمم]
وزعم لي من لا أردّ خبره، أن الحلاق قد يعرض للسنانير، كما يعرض للخنازير والحمير.
وزعم لي بعض أهل النظر، أنّ الزّنج أشبهوا الحمير في كلّ شيء، حتى في الحلاق؛ فإنه ليس على ظهرها زنجيّ إلا وهو حلقيّ.
وقد غلط. ليس عليها زنجيّ عليه مؤونة من أن يناك. وليس هذا تأويل الحلاق. وتأويل الحلاق أن يكون هو الطالب.
والنبيذ يهتك ستر الحلقيّ، وينقض عزم المتجمّل [١] . وهم يشربون النبيذ أبدا. وسوء الاحتمال له، وسرعة السكر إليهم عامّ فيهم.
وعندنا منهم أمم. فلو كان هذا المعنى حقّا لكان علمه ظاهرا. فخبّرني صاحبنا هذا [٢] أن في منزل أبي يوسف يعقوب بن إسحاق الكندي هرّين ذكرين عظيمين، يكوم أحدهما الآخر، وذلك كثيرا ما يكون. وأن المنكوح لا يمانع الناكح، ولا يلتمس منه مثل الذي يبذله له.
١٤٤٥-[أكل الهرة أولادها]
قالوا: والهرة تأكل أولادها. فكفاك بهذه الخصلة لؤما وشرها، وعقوقا وغلظ قلب! وقال السيّد الحميريّ- وذكر مسير عائشة، رضي الله تعالى عنها، إلى البصرة مع طلحة والزّبير، حين شهدت ما لم يشهدا، وأقدمت على ما نكصا عنه [٣]-: [من السريع]
جاءت مع الأشقين في هودج ... تزجي إلى البصرة أجنادها
كأنّها في فعلها هرّة ... تريد أن تأكل أولادها
ولبئس ما قال في أمّ المؤمنين وبنت الصدّيق! وقد كان قادرا على أن يوفّر على عليّ- ﵁ فضله، من غير أن يشتم الحواريّين، وأمّهات المؤمنين، ولو
стр. 1120
أراد الحقّ لسار فيها وفي ذكرها سيرة علي بن أبي طالب. فلا هو جعل عليّا قدوة، ولا هو رعى للنبيّ ﷺ حرمة.
وذكورة سنانير الجيران تأكل أولاد الهرة، ما دمن صغارا أو فوق الصغار شيئا، وتقتلها وتطلبها أشدّ الطلب. والأمهات تحرسها منها وتقاتل دونها، مع عجزها عن الذكورة.
١٤٤٦-[الألوان الأصلية في الحيوان]
قال أبو إسحاق: السنور الذي هو السنور، هو المنمّر، وهو الأنمر، وهو الذي يقال له: البقّاليّ، وذلك لكثرة اتخاذ البقالين لها، من بين سائر السنانير، لأنها أصيد للفأر.
قال: وجميع ألوان السنانير إنما هي كالشّيات الدّاخلة على اللون.
قال: وكذلك الحمار، إنما هو الأخضر، والألوان الأخر داخلة عليه.
قال: فأما الأسد فليست بذات شيات، ولا تعدو لونا واحدا، ويكون ذلك اللون متقاربا غير متفاوت.
١٤٤٧-[أحوال إناث السنانير وذكورها]
قال: ومن فضيلة ما في السنانير، أنها تضع في السّنة مرتين وكذلك الماعزة في القرى، إلا ما داس الحبّ.
قال: ويحدث لإناث السنانير من القوة والشجاعة إذا كامها الفحل وهرب منها عند الفراغ فلو لحقته قطّعته.
ويحدث للذكر استخذاء، كما يحدث للذئب القويّ إذا ناله الخدش اليسير، ويحدث للضعيف من الجرأة عليه حتى يثب عليه فيأكله؛ فلا يمتنع منه. كما قال الشاعر [١] : [من الطويل]
وكنت كذئب السّوء لما رأى دما ... بصاحبه يوما أحال على الدم
ويحدث مثل ذلك للجرذ إذا خصي، من الحرد على سائر الجرذان، حتى يثب فيقطّعها، وتهرب منه ضعفا عنه.
стр. 1121
وسائر الحيوان إنما يعتريه الضّعف عن أمثاله إذا خصي وترك أمثاله على حالها.
١٤٤٨-[قول زرادشت في الفأر والسنور والردّ عليه]
ثم رجعنا إلى قول زرادشت في الفأر.
زعم زرادشت أن الفأرة من خلق الله. وأن السنّور من خلق الشيطان. فقيل للمجوس: ينبغي على أصل قولكم أن يكون الشيء الذي خلق الله خيرا كله ونفعا كلّه، ومرفقا [١] كله، ويكون ما خلق الشيطان على خلاف ذلك. ونحن نجد عيانا أن الذي قلتم به خطأ. رأينا الناس كلهم يرون أن الفأر بلاء ابتلوا به، فلم يجدوا بدّا من الاحتيال لصرف مضرّته، كالداء النازل الذي يلتمس له الشفاء. ثم وجدناهم قد أقاموا السنانير مقام التداوي والتعالج، وأقاموا الفأر مقام الداء الذي أنزله الله، وأمر بالتداوي منه، فاجتلبوا لذلك السنانير وبنات عرس، ثم نصبوا لها ألوان الصيّادات، وصنعوا لها ألوان السّموم والمعجونات التي إذا أكلت منها ماتت. واستفرهوا [٢] السنانير واختاروا الصيّادات.
واجتبوا السّنّور دون ابن عرس، لأن ابن عرس يعمل في الفأر والطير كعمل الذّئب بالغنم، فأوّل ما يصنع بالفريسة أن يذبحها، ثم لا يأكلها إلا في الفرط.
والسّنّور يقتل ثم يأكل. فالفار من السنور أشدّ فزعا، وهو الذي قوبل به طباعها وطباعه.
وكما أن الذي يأكل الدجاج كثير، وأن الذي جعل بإزائه ابن آوى. وكما أن الذي يأكل الغنم كثير، والذي جعل بإزائها الذئب.
والأسد أقوى منه على النعجة، والنّعجة من الذّئب أشد فرقا [٣] .
والحيّات تطالب الفأر والجرذان، وهي من السنور أشد فزعا.
وإن كان في الجرذان ما يساوي السنور فإنها منه أشد فزعا.
فإن كنتم إنما جعلتموه من خلق الشيطان لأكله صنفا واحدا من خلق الله- فالأصناف التي يأكلها من خلق الشيطان أكثر.
стр. 1122
وزعم زرادشت أن السّنّور لو بال في البحر، لقتل عشرة آلاف سمكة.
فإن كان إنما استبصر في ذمّه في قتل السمك فالسمك أحقّ بأن يكون من خلق الشيطان؛ لأن السمك يأكل بعضه بعضا، والذكر يتبع الأنثى في زمان طرح البيض، فكلما قذفت به التهمه. وإن غرق إنسان في الماء، بحرا كان أو واديا، أو بعض ذوات الأربع- فالسمك أسرع إلى أكله من الضّباع والسنور إلى الجيف.
وعلى أنّ اعتلاله على السنور، وقوله: لو بال في البحر قتل عشرة آلاف سمكة.
فما يقول فيمن زعم أن الجرذ لو بال في البحر قتل مائة ألف سمكة؟ وبأي شيء يبين منه؟ وهل ينبغي لمن كسر هذا القول الظاهر الكسر، المكشوف الموق [١] أن يفرح؟! وهل تقرّ الجماعة والأمم بأنّ في الفأر شيئا من المرافق؟! وهل يمازج مضرّتها شيء من الخير وإن قلّ؟! أو ليست الفأر والجرذان هي التي تأكل كتب الله تعالى، وكتب العلم، وكتب الحساب؛ وتقرض الثّياب الثمينة، وتطلب سرّ نوى [٢] القطن، وتفسد بذلك اللّحف والدّواويج [٣] والجباب، والأقبية والخفاتين [٤] ، وتحسو الأدهان، فإن عجزت أفواهها أخرجتها بأذنابها؟! أو ليست التي تنقب السّلال وتقرض الأوكية [٥] وتأكل الجرب حتى يعلّق المتاع في الهواء إذا أمكن تعليقه؟!.
وتجلب إلى البيوت الحيّات؛ للعداوة التي بينها وبين الحيّات، ولحرص الحيّات على أكلها، فتكون سببا في اجتماعها في منازلهم، وإذا كثرن قتلن النفوس.
وقال ابن أبي العجوز: لولا مكان الفأر لما أقامت الحيّات في بيوت الناس، إلا ما لا بال به من الإقامة.
وتقتل الفسيل [٦] والنخل، وتهلك العلف والزرع، وربما أهلكن القراح [٧] كله، وحملن شعير الكدس وبرّه.
стр. 1123
أو ليس معلوما من أخلاقها اجتذاب فتائل المصابيح رغبة في تلك الأدهان، حتى ربما جذبتها جهلا وفي أطرافها الأخر السّرج تستوقد فتحرق بذلك القبائل الكثيرة، بما فيها من الناس والأموال والحيوان؟!.
وهي بعد آكل للبيض وأصناف الفراخ من الحيّات لها.
فكيف لم تكن من هذه الجهة من خلق الشيطان؟!.
هذا، وبين طباعها وطباع الإنسان منافرة شديدة، ووحشة مفرطة. وهي لا تأنس بالناس وإن طالت معايشتها لهم والسّنّور آنس الخلق بهم.
وكيف تأنس بهم وهم لا يقلعون عن قتلها ما لم تقلع هي عن مساءتهم؟! فلو كنّ مما يؤكل لكان في ذلك بعض المرفق [١] . فكيف وإنها لتلقى في الطريق ميّتة، فما يعرض لها الكلب الجائع! فالأمم كلها على التفادي منها واتخاذ السنانير لها.
وزرادشت بهذا العقل دعا الناس إلى نكاح الأمهات، وإلى التوضؤ بالبول، وإلى التوكيل في نيك المغيبات، وإلى إقامة سور للسّنب [٢] ، وصاحب الحائض والنفساء [٣] .
١٤٤٩-[سبب نجاح زرادشت]
ولولا أنّه صادف دهرا في غاية الفساد، وأمّة في غاية البعد من الحرية ومن الغيرة والألفة، ومن التقزّز والتنظف، لما تمّ له هذا الأمر.
وقد زعم ناس أن ذلك إنما كان وإنما تمّ لأنه بدأ بالملك [٤] ؛ فدعاه على قدر ما عرف من طباعه وشهوته وخلقه. فكان الملك هو الذي حمل على ذلك رعيّته.
والذي قال هذا القول ليس يعرف من الأمور إلا بقدر ما باين [٥] به العامّة؛ لأنه لا يجوز أن يكون الملك حمل العامّة على ذلك، إلا بعد أن يكون زرادشت ألفى
стр. 1124
على ذلك الفساد أجناد الملك. ولم يكن الملك ليقوى على العامة بأجناده، وبعشرة أضعاف أجناده، إلا أن يكون في العامة عالم من الناس، يكونون أعوانا للأجناد على سائر الرعية.
وعلى أن الملوك ليس لها في مثل هذه الأمور علّة تدعو إلى المخاطرة بملكها، وإنما غاية الملوك كل شيء لا بد للملوك منه، فأمّا ما فضل عن ذلك فإنها لا تخاطر بأصول الملك تطلب الفضول، إلا من كان ملكه في نصاب إمامة، وإمامته في نصاب نبوّة، فإنه يتّبع كلّ شيء توجبه الشريعة، وإن كان ذلك سبيل الرأي؛ لأن الذي شرع الشريعة أعلم بغيب تلك المصلحة.
وقد ينبغي أن يكون ذلك الزمان كان أفسد زمان، وأولئك الأهل كانوا شرّ أهل. ولذلك لم تر قطّ ذا دين تحوّل إلى المجوسيّة عن دينه. ولم يكن ذلك المذهب إلا في شقّهم وصقعهم [١] من فارس والجبال وخراسان. وهذه كلها فارسية.
١٤٥٠-[أثر البيئة في العقيدة]
فإن تعجّبت من استسقاطي لعقل كسرى أبرويز وآبائه، وأحبائه وقرابينه وكتّابه وأطبائه، وحكمائه وأساورته- فإني أقول في ذلك قولا تعرف به أني ليس إلى العصبيّة ذهبت.
اعلم أني لم أعن بذلك القول الذين ولدوا بعد على هذه المقالة، ونشؤوا على هذه الدّيانة، وغذوا بهذه النّحلة، وربّوا جميعا على هذه الملة؛ فقد علمنا جميعا أن عقول اليونانية فوق الدّيانة بالدهرية والاستبصار في عبادة البروج والكواكب؛ وعقول الهند فوق الديانة بطاعة البدّ [٢] ، وعبادة البددة [٣] ، وعقول العرب فوق الدّيانة بعبادة الأصنام والخشب المنجور، والحجر المنصوب، والصخرة المنحوتة.
فداء المنشأ والتقليد، داء لا يحسن علاجه جالينوس ولا غيره من الأطباء.
وتعظيم الكبراء، وتقليد الأسلاف، وإلف دين الآباء، والأنس بما لا يعرفون غيره، يحتاج إلى علاج شديد. والكلام في هذا يطول.
فإن آثرت أن تتعجب، حتى دعاك التعجّب إلى ذكر أبرويز- فاذكر سادات قريش، فإنهم فوق كسرى وآل كسرى.
стр. 1125
١٤٥١-[دفاع صاحب السنور]
وقال المحتجّ للسنانير: قد قالوا: «أبر من هرّة» [١] و «أعق من ضبّ» [٢] ، وهذا قول الذين عاينوها تأكل أولادها. وزعموا أن ذلك من شدة الحبّ لها. وقال بعضهم: إنما يعتريها ذلك من جنون يعتريها عند الولادة، وجوع يذهب معه علمها بفرق ما بين جرائها وجراء غيرها من الأجناس، ولأنها متى أشبعت أو أطعمت شطر شبعها لم تعرض لأولادها. والرد على الأمم أمثالها عمل مسخوط. والعرب لا تتعصب للسنّور على الضبّ؛ فيتوهّم عليها في ذلك خلاف الحقّ، وإنما هذا منكم على جهة قولكم في السنور إذا نجث [٣] لنجوه ثم ستره، ثم عاود ذلك المكان فشمّه فإذا وجد رائحة زاد عليه من التراب. فقلتم: ليس الكرم وستر القبيح أراد، وإنما أراد تأنيس الفأر. فنحن لا ندع ظاهر صنيعه الذي لا حكم له إلا الجميل لما يدّعي مدّع من تصاريف الضمير.
وعلى أن الذي قلتموه إن كان حقّا فالذي أعطيتموه من فضيلة التدبير أكثر مما سلبتموه من فضيلة الحياء.
١٤٥٢-[العيون التي تسرج بالليل]
قال: والعيون التي تسرج بالليل: عيون الأسد، والأفاعي؛ والسنانير، والنّمور.
والأسد سجر [٤] العيون. وعيون السنانير منها زرق، ومنها ذهبية، كعيون أحرار الطير وعتاقها. وعيون الأفاعي بين الزّرق والذهبية. وقال حسان بن ثابت [٥] : [من الطويل]
ثريد كأنّ السّمن في حجراته ... نجوم الثّريّا أو عيون الضّياون