وسائر الحيوان إنما يعتريه الضّعف عن أمثاله إذا خصي وترك أمثاله على حالها.
١٤٤٨-[قول زرادشت في الفأر والسنور والردّ عليه]
ثم رجعنا إلى قول زرادشت في الفأر.
زعم زرادشت أن الفأرة من خلق الله. وأن السنّور من خلق الشيطان. فقيل للمجوس: ينبغي على أصل قولكم أن يكون الشيء الذي خلق الله خيرا كله ونفعا كلّه، ومرفقا [١] كله، ويكون ما خلق الشيطان على خلاف ذلك. ونحن نجد عيانا أن الذي قلتم به خطأ. رأينا الناس كلهم يرون أن الفأر بلاء ابتلوا به، فلم يجدوا بدّا من الاحتيال لصرف مضرّته، كالداء النازل الذي يلتمس له الشفاء. ثم وجدناهم قد أقاموا السنانير مقام التداوي والتعالج، وأقاموا الفأر مقام الداء الذي أنزله الله، وأمر بالتداوي منه، فاجتلبوا لذلك السنانير وبنات عرس، ثم نصبوا لها ألوان الصيّادات، وصنعوا لها ألوان السّموم والمعجونات التي إذا أكلت منها ماتت. واستفرهوا [٢] السنانير واختاروا الصيّادات.
واجتبوا السّنّور دون ابن عرس، لأن ابن عرس يعمل في الفأر والطير كعمل الذّئب بالغنم، فأوّل ما يصنع بالفريسة أن يذبحها، ثم لا يأكلها إلا في الفرط.
والسّنّور يقتل ثم يأكل. فالفار من السنور أشدّ فزعا، وهو الذي قوبل به طباعها وطباعه.
وكما أن الذي يأكل الدجاج كثير، وأن الذي جعل بإزائه ابن آوى. وكما أن الذي يأكل الغنم كثير، والذي جعل بإزائها الذئب.
والأسد أقوى منه على النعجة، والنّعجة من الذّئب أشد فرقا [٣] .
والحيّات تطالب الفأر والجرذان، وهي من السنور أشد فزعا.
وإن كان في الجرذان ما يساوي السنور فإنها منه أشد فزعا.
فإن كنتم إنما جعلتموه من خلق الشيطان لأكله صنفا واحدا من خلق الله- فالأصناف التي يأكلها من خلق الشيطان أكثر.
стр. 1122
وزعم زرادشت أن السّنّور لو بال في البحر، لقتل عشرة آلاف سمكة.
فإن كان إنما استبصر في ذمّه في قتل السمك فالسمك أحقّ بأن يكون من خلق الشيطان؛ لأن السمك يأكل بعضه بعضا، والذكر يتبع الأنثى في زمان طرح البيض، فكلما قذفت به التهمه. وإن غرق إنسان في الماء، بحرا كان أو واديا، أو بعض ذوات الأربع- فالسمك أسرع إلى أكله من الضّباع والسنور إلى الجيف.
وعلى أنّ اعتلاله على السنور، وقوله: لو بال في البحر قتل عشرة آلاف سمكة.
فما يقول فيمن زعم أن الجرذ لو بال في البحر قتل مائة ألف سمكة؟ وبأي شيء يبين منه؟ وهل ينبغي لمن كسر هذا القول الظاهر الكسر، المكشوف الموق [١] أن يفرح؟! وهل تقرّ الجماعة والأمم بأنّ في الفأر شيئا من المرافق؟! وهل يمازج مضرّتها شيء من الخير وإن قلّ؟! أو ليست الفأر والجرذان هي التي تأكل كتب الله تعالى، وكتب العلم، وكتب الحساب؛ وتقرض الثّياب الثمينة، وتطلب سرّ نوى [٢] القطن، وتفسد بذلك اللّحف والدّواويج [٣] والجباب، والأقبية والخفاتين [٤] ، وتحسو الأدهان، فإن عجزت أفواهها أخرجتها بأذنابها؟! أو ليست التي تنقب السّلال وتقرض الأوكية [٥] وتأكل الجرب حتى يعلّق المتاع في الهواء إذا أمكن تعليقه؟!.
وتجلب إلى البيوت الحيّات؛ للعداوة التي بينها وبين الحيّات، ولحرص الحيّات على أكلها، فتكون سببا في اجتماعها في منازلهم، وإذا كثرن قتلن النفوس.
وقال ابن أبي العجوز: لولا مكان الفأر لما أقامت الحيّات في بيوت الناس، إلا ما لا بال به من الإقامة.
وتقتل الفسيل [٦] والنخل، وتهلك العلف والزرع، وربما أهلكن القراح [٧] كله، وحملن شعير الكدس وبرّه.
стр. 1123
أو ليس معلوما من أخلاقها اجتذاب فتائل المصابيح رغبة في تلك الأدهان، حتى ربما جذبتها جهلا وفي أطرافها الأخر السّرج تستوقد فتحرق بذلك القبائل الكثيرة، بما فيها من الناس والأموال والحيوان؟!.
وهي بعد آكل للبيض وأصناف الفراخ من الحيّات لها.
فكيف لم تكن من هذه الجهة من خلق الشيطان؟!.
هذا، وبين طباعها وطباع الإنسان منافرة شديدة، ووحشة مفرطة. وهي لا تأنس بالناس وإن طالت معايشتها لهم والسّنّور آنس الخلق بهم.
وكيف تأنس بهم وهم لا يقلعون عن قتلها ما لم تقلع هي عن مساءتهم؟! فلو كنّ مما يؤكل لكان في ذلك بعض المرفق [١] . فكيف وإنها لتلقى في الطريق ميّتة، فما يعرض لها الكلب الجائع! فالأمم كلها على التفادي منها واتخاذ السنانير لها.
وزرادشت بهذا العقل دعا الناس إلى نكاح الأمهات، وإلى التوضؤ بالبول، وإلى التوكيل في نيك المغيبات، وإلى إقامة سور للسّنب [٢] ، وصاحب الحائض والنفساء [٣] .
١٤٤٩-[سبب نجاح زرادشت]
ولولا أنّه صادف دهرا في غاية الفساد، وأمّة في غاية البعد من الحرية ومن الغيرة والألفة، ومن التقزّز والتنظف، لما تمّ له هذا الأمر.
وقد زعم ناس أن ذلك إنما كان وإنما تمّ لأنه بدأ بالملك [٤] ؛ فدعاه على قدر ما عرف من طباعه وشهوته وخلقه. فكان الملك هو الذي حمل على ذلك رعيّته.
والذي قال هذا القول ليس يعرف من الأمور إلا بقدر ما باين [٥] به العامّة؛ لأنه لا يجوز أن يكون الملك حمل العامّة على ذلك، إلا بعد أن يكون زرادشت ألفى
стр. 1124
على ذلك الفساد أجناد الملك. ولم يكن الملك ليقوى على العامة بأجناده، وبعشرة أضعاف أجناده، إلا أن يكون في العامة عالم من الناس، يكونون أعوانا للأجناد على سائر الرعية.
وعلى أن الملوك ليس لها في مثل هذه الأمور علّة تدعو إلى المخاطرة بملكها، وإنما غاية الملوك كل شيء لا بد للملوك منه، فأمّا ما فضل عن ذلك فإنها لا تخاطر بأصول الملك تطلب الفضول، إلا من كان ملكه في نصاب إمامة، وإمامته في نصاب نبوّة، فإنه يتّبع كلّ شيء توجبه الشريعة، وإن كان ذلك سبيل الرأي؛ لأن الذي شرع الشريعة أعلم بغيب تلك المصلحة.
وقد ينبغي أن يكون ذلك الزمان كان أفسد زمان، وأولئك الأهل كانوا شرّ أهل. ولذلك لم تر قطّ ذا دين تحوّل إلى المجوسيّة عن دينه. ولم يكن ذلك المذهب إلا في شقّهم وصقعهم [١] من فارس والجبال وخراسان. وهذه كلها فارسية.
١٤٥٠-[أثر البيئة في العقيدة]
فإن تعجّبت من استسقاطي لعقل كسرى أبرويز وآبائه، وأحبائه وقرابينه وكتّابه وأطبائه، وحكمائه وأساورته- فإني أقول في ذلك قولا تعرف به أني ليس إلى العصبيّة ذهبت.
اعلم أني لم أعن بذلك القول الذين ولدوا بعد على هذه المقالة، ونشؤوا على هذه الدّيانة، وغذوا بهذه النّحلة، وربّوا جميعا على هذه الملة؛ فقد علمنا جميعا أن عقول اليونانية فوق الدّيانة بالدهرية والاستبصار في عبادة البروج والكواكب؛ وعقول الهند فوق الديانة بطاعة البدّ [٢] ، وعبادة البددة [٣] ، وعقول العرب فوق الدّيانة بعبادة الأصنام والخشب المنجور، والحجر المنصوب، والصخرة المنحوتة.
فداء المنشأ والتقليد، داء لا يحسن علاجه جالينوس ولا غيره من الأطباء.
وتعظيم الكبراء، وتقليد الأسلاف، وإلف دين الآباء، والأنس بما لا يعرفون غيره، يحتاج إلى علاج شديد. والكلام في هذا يطول.
فإن آثرت أن تتعجب، حتى دعاك التعجّب إلى ذكر أبرويز- فاذكر سادات قريش، فإنهم فوق كسرى وآل كسرى.
стр. 1125
١٤٥١-[دفاع صاحب السنور]
وقال المحتجّ للسنانير: قد قالوا: «أبر من هرّة» [١] و «أعق من ضبّ» [٢] ، وهذا قول الذين عاينوها تأكل أولادها. وزعموا أن ذلك من شدة الحبّ لها. وقال بعضهم: إنما يعتريها ذلك من جنون يعتريها عند الولادة، وجوع يذهب معه علمها بفرق ما بين جرائها وجراء غيرها من الأجناس، ولأنها متى أشبعت أو أطعمت شطر شبعها لم تعرض لأولادها. والرد على الأمم أمثالها عمل مسخوط. والعرب لا تتعصب للسنّور على الضبّ؛ فيتوهّم عليها في ذلك خلاف الحقّ، وإنما هذا منكم على جهة قولكم في السنور إذا نجث [٣] لنجوه ثم ستره، ثم عاود ذلك المكان فشمّه فإذا وجد رائحة زاد عليه من التراب. فقلتم: ليس الكرم وستر القبيح أراد، وإنما أراد تأنيس الفأر. فنحن لا ندع ظاهر صنيعه الذي لا حكم له إلا الجميل لما يدّعي مدّع من تصاريف الضمير.
وعلى أن الذي قلتموه إن كان حقّا فالذي أعطيتموه من فضيلة التدبير أكثر مما سلبتموه من فضيلة الحياء.
١٤٥٢-[العيون التي تسرج بالليل]
قال: والعيون التي تسرج بالليل: عيون الأسد، والأفاعي؛ والسنانير، والنّمور.
والأسد سجر [٤] العيون. وعيون السنانير منها زرق، ومنها ذهبية، كعيون أحرار الطير وعتاقها. وعيون الأفاعي بين الزّرق والذهبية. وقال حسان بن ثابت [٥] : [من الطويل]
ثريد كأنّ السّمن في حجراته ... نجوم الثّريّا أو عيون الضّياون
стр. 1126
الضيّون: السّنّور.
١٤٥٣-[تحقيق في الألوان]
وإذا قال الناس: ثوب أزرق فإنهم يذهبون إلى لون واحد. وإذا وصفوا بذلك العين وقع على لونين؛ لأن البازي يسمى أزرق وكذلك العقاب، والزّرّق، وكل شيء ذهبي العين. فإذا قالوا: سنور أزرق لم يدر، أذهبوا إلى ألوان الثياب أم إلى ألوان عيون البزاة.
وقد قال صحار العبديّ حين قال له معاوية: يا أزرق! قال: البازي أزرق.
وأنشد [١] : [من الطويل]
ولا عيب فيها غير شكلة عينها ... كذاك عتاق الطير شكل عيونها
والذهب قد يقال له أصفر، ويقال له أحمر.
وقال بعض بني مروان لبعض ولد متمّم بن نويرة: يا أحمر! قال: الذهب أحمر.
فلذلك زعم أن عتاق الطير شكل عيونها.
وقال الأخطل [٢] : [من الطويل]
وما زالت القتلى تمور دماؤهم ... بدجلة حتى ماء دجلة أشكل
فالشّكلة عندهم تقع على الصّفرة والحمرة إذا خالطا غيرهما.
١٤٥٤-[الزرق العيون من العرب]
فمن الزرق من الناس صحار العبديّ، وعبد الرحمن ابنه، وداود بن متمّم بن نويرة، والعباس بن الوليد بن عبد الملك بن مروان، ومرون بن محمد بن مروان، وسعيد بن قيس الهمداني، وزرقاء اليمامة. وهي عنز، من بنات لقمان بن عاديا.
ومن الزّرق ممن كانوا يتشاءمون به: قيس بن زهير، وكان أزرق وكان بكرا وابن بكرين [٣] .
стр. 1127
وكانت البسوس زرقاء وبكرا بنت بكرين. ولها حديث لا أحقّه.
وكانت الزّبّاء زرقاء. والزرق العيون، من بني قيس بن ثعلبة، منهم المرقّشان، وغيرهما.
١٤٥٥-[الحمر الحماليق من العرب]
والحمر الحماليق [١] ، من بني شيبان. وكان النعمان أزرق، أقشر، أحمر العينين، أحمر الحماليق. وفيه يقول أبو قردودة حين نهى ابن عمار عن منادمته [٢] :
[من البسيط]
إني نهيت ابن عمّار وقلت له ... لا تأمنن أحمر العينين والشّعره
إن الملوك متى تنزل بساحتهم ... تطر بنارك من نيرانهم شرره
يا جفنة كإزاء الحوض قد هدموا ... ومنطقا مثل وشي اليمنة الحبره
١٤٥٦-[شعر في الزرق]
وقال عبد الله بن همام السّلوليّ: [من البسيط]
ولا يكوننّ مال الله مأكلة ... لكلّ أزرق من همدان مكتحل
وقال آخر [٣] : [من الطويل]
لقد زرقت عيناك يا ابن مكعبر ... كما كلّ ضبّيّ من اللؤم أزرق
وفي باب آخر يقول زهير [٤] : [من الطويل]
فلما وردن الماء زرقا جمامه ... وضعن عصيّ الحاضر المتخيّم [٥]
стр. 1128
١٤٥٧-[معارف في حمرة العين]
وقال يونس: لم أر قرشيّا قطّ أحمر عروق العينين إلا كان سيّدا شجاعا.
وروي أن النبي ﷺ ، كان أشكل العينين ضليع الفم [١] .
١٤٥٨-[الدعاء على الفأر بالسنانير]
قال: ونزل أبو الرّعل الجرميّ بعض قرى أنطاكية فلقي من جرذانها شرّا، فدعا عليها بالسنانير فقال: [من البسيط]
يا رب شعث برى الإسآد أو جههم ... ومنزل الحكم في طه وحاميم [٢]
أتح لشيخ ثوى بالشّام مغتربا ... نائي النّصير بعيد الدّار مهموم
تكنّفته قريبات الخطى دكن ... وقص الرّقاب لطيفات الخراطيم [٣]
حجن المخالب والأنياب شابكة ... غلب الرّقاب رحيبات الحيازيم [٤]
ثاروا لهنّ فما تنفكّ من قنص ... لكلّ ذيّالة مقّاء علجوم [٥]
حتى أبيت وزادي غير منعكم ... على النّزيل ولا كرزي بمعكوم [٦]
وأنشدني ابن أبي كريمة، ليزيد بن ناجية السّعدي: سعد بن بكر، وكان لقي من الفأر جهدا، فدعا عليهنّ بالسنانير، فقال: [من الكامل]
أزهير ما لك لا يهمّك ما بي ... أخزى إله محمد أصحابي
كحل العيون، صغيرة آذانها ... جنح الحنادس يعتورن جرابي [٧]
стр. 1129
شمّ الأنوف لريح كلّ قفيّة ... يلحظن لحظ مروّع مرتاب [١]
دكن الجباب تدرّعت أبدانها ... صعل الرّؤوس طويلة الأذناب [٢]
شخت المخالب والأنايب والشّوى ... ثجل الخصور رحيبة الأقراب [٣]
أسقى الإله بلادهنّ سحائبا ... غرّ النّشاص بعيدة الأطناب [٤]
ترمي بغبس كاللّيوث تسربلت ... منها الجلود مدارع السّنجاب [٥]
غلب الرّقاب لطيفة أعجازها ... فطح الجباه رهيفة الأنياب [٦]
متبهنسات للطّراد كأنها ... آساد بيشة أدمجت بخضاب [٧]
ونحن نظنّ أنّ هذه القصيدة من توليد ابن أبي كريمة.
١٤٥٩-[معارف في السنور والفأر]
والسّنور ثاقب البصر بالليل. وكذلك الفأرة سوداء العينين، وهي في ذلك ثاقبة البصر.
والسّنور ضعيف الهامة. وهامته من مقاتله. ولا يستطيع أن يذوق الطعام الحارّ والحامض.
١٤٦٠-[مقارنة بين السّنور والكلب]
قال: وللسنور فضيلة أخرى: أنه كثير الأسماء القائمة بأنفسها، غير المشتقات.
ولا أنها تجمع الصفات والأعمال، بل هي أسماء قائمة. من ذلك: القطّ، والهرّ، والضيّون، والسنّور.
وليس للكلب اسم سوى الكلب، ولا للدّيك اسم إلا الديك.
стр. 1130
وليس للأسد اسم إلا الأسد واللّيث، وأمّا الضيغم، والخنابس، والرّئبال، وغيرها- فليست بمقطوعة، والباقي ليست بأسماء مقطوعة؛ ولا تصلح في كل مكان.
وكذلك الخمر. فإذا قالوا: قهوة، ومدامة، وسلاف، وخندريس وأشباه ذلك، فإنما تلك أسماء مشتركة. وكذلك السيف. وليس هذه الأسماء عند العامة كذلك.
قال: وعلى السّنور من المحبة، ولا سيما من محبّة النّساء، ومعه من الإلف والأنس والدنوّ، والمضاجعة والنوم في اللّحاف الواحد- ما ليس مع الكلب، ولا مع الحمام، ولا مع الدّجاج، ولا مع شيء مما يعايش الناس.
هذا، ومنها الوحشي والأهليّ فلولا قوّة حبّه للناس لما كان في هذا المعنى أكثر من الكلاب، والكلاب كلّها أهلية.
قالوا: وليس بعجيب أن يكون الكلب طيّب الفم؛ لكثرة ريقه، ولبعد قرابته ومشاكلته للأسد، وإنما العجب في طيب فم السنّور، وكأنه في الشّبه من أشبال الأسد.
ومن يقبّل أفواه السنانير وأجراءها من الخرائد [١] وربّات الحجال، والمخدّرات، والمطهّمات [٢] ، والقينات [٣] أكثر من أن يحصى لهنّ عدد، وكلهنّ يخبرن عن أفواهها [٤] بالطّيب والسلامة مما عليه أفواه السباع، وأفواه ذوات الجرّة [٥] من الأنعام.
وما رأينا وضيعة قطّ ولا رفيعة، قبّلت فم كلب أو ديك. وما كان ذلك من حارس قطّ، ولا من كلاب، ولا من مكلّب [٦] ، ولا من مهارش.
والسنور يخضب، وتصاغ له الشنوف [٧] والأقرطة، ويتحف [٨] ويدلّل.
ومن رأى السنور كيف يختل العصفور، مع حذر العصفور، وسرعة طيرانه-
стр. 1131
على أن جهته في الصيد جهة الفهد والأسد. ومن رآه كيف يرتفع بوثبته إلى الجرادة في حال طيرانها- علم أنه أسرع من الجرادة.
وله إهاب فضفاض، وقميص من جلده واسع، يموج فيه بدنه. وهو مما يضبع [١] لسعة إبطيه، ولو شاء إنسان أن يعقد صلبه، ويثني أوّله على آخره، كما يثنى المخراق [٢] ، وكما يثنى قضيب الخيزران لفعل.
ويوصف الفرس بأنه رهل اللّبان [٣] ، رحيب الإهاب، واسع الآباط. وعيب الحمار للكزازة التي في يديه، وفي منكبيه، وانضمامهما إلى إبطيه، وضيق جلده، وإنما يعدو بعنقه.
١٤٦١-[التجارة في السنانير]
قالوا: وللسنور تجّار وباعة، ودلّالون، وناس يعرفون بذلك. ولها راضة [٤] .
وقال السّنديّ بن شاهك [٥] : ما أعياني أحد من أهل الأسواق: من التجّار، ومن الباعة والصنّاع، كما أعياني أصحاب السنانير، يأخذون السنّور الذي يأكل الفراخ والحمام، ويواثب أقفاص الفواخت والوراشين والدّباسي [٦] والشّفانين [٧] ، ويدخلونه في دنّ، ويشدّون رأسه، ثم يدحرجونه على الأرض حتى يشغله الدّوار، ثم يدخلونه في قفص فيه الفراخ والحمام، فإذا رآه المشتري رأى شيئا عجبا، وظنّ أنه قد ظفر بحاجته. فإذا مضى به إلى البيت مضى بشيطان، فيجمع عليه بليّتين إحداهما أكل طيوره وطيور الجيران، والثانية أنه إذا ضري عليها لم يطلب سواها.
ومررت يوما وأنا أريد منزل المكّي بالأساورة [٨] وإذا امرأة قد تعلّقت برجل وهي تقول: بيني وبينك صاحب المسلحة [٩] فإنك دللتني على سنّور، وزعمت أنه
стр. 1132
لا يقرب الفراخ، ولا يكشف القدور، ولا يدنو من الحيوان، وزعمت أنك أبصر الناس بسنور، فأعطيتك على بصرك ودلالتك دانقا [١] ؛ فلما مضيت به إلى البيت مضيت بشيطان قد والله أهلك الجيران بعد أن فرغ منا. ونحن منذ خمسة أيام نحتال في أخذه، وها هو ذا قد جئتك به فردّ عليّ دانقي [١] ، وخذ ثمنه من الذي باعني. ولا والله إن تبصر من السنانير قليلا ولا كثيرا! قال الدلّال: انظروا بأيّ شيء تستقيلني [٢] ؟! ولا والله إن في ناحيتنا فتى هو أبصر بسنور منّي، وذلك من منّ سيّدي ومولاي! فقلت للدّلّال: ولا والله إن في هذه الناحية فتى هو أشكر لله منك.
١٤٦٢-[أكل السنانير]
وناس يأكلون السنانير ويستطيبونها. وليس يأكل الكلب أحد إلا في الفرط والعامة تزعم [٣] أن من أكل السّنّور الأسود لم يعمل فيه السحر. والكلب لا يؤكل.
١٤٦٣-[أكل الديك]
والديك خبيث اللحم عضله، إلا أن يخصى. وتلك حيلة لأهل حمص وليست عندنا فيه حيلة. وقال جحشويه: [من الخفيف] كيف صبري عن مثل جمجمة الهرّ تثنّى بمسبطرّ متين [٤]
ليس يخفى عليك حين تراها ... أنها عدّة لداء دفين
١٤٦٤-[سكينة التابوت]
قالوا [٥] : وزعم بعض أهل الكتاب، وبعض أصحاب التفسير، أن السّكينة التي كانت في تابوت موسى كانت رأس هرّ [٦] .
стр. 1133
١٤٦٥-[استطراد لغوي]
قالوا: وقلتم في الاشتقاق من اسم الكلب: كليب، وكلاب، ومكلبة، ومكالب، وأصاب القوم كلبة الزمان، مثل هلبة، وهي الشدّة.
والكلاب واحدها كلب، وتجمع على كلاب وأكلب وكليب، كما يجمع البخت بخيتا وأبختا.
والكلّاب بتثقيل اللام: صاحب الكلاب. والمكلّب، بتثقيل اللام وضمّ الميم:
الذي يعلّم الكلاب الصّيد. وقال طفيل الغنويّ [١] : [من الطويل]
تباري مراخيها الزّجاج كأنها ... ضراء أحسّت نبأة من مكلّب [٢]
وقال الآخر [٣] : [من الكامل]
خوص تراح إلى الصّداح إذا غدت ... فعل الضّراء تراح للكلّاب [٤]
والكلب: داء يقع في الإبل، فيقال كلبت الإبل تكلب كلبا، وأكلب القوم: إذا وقع في إبلهم الكلب. ويقال كلب الكلب واستكلب: إذا ضري وتعوّد أكل الناس، ويقال للرّجل إذا عضّه الكلب الكلب: قد كلب الرّجل.
ويقال: إن الرّجل الكلب يعضّ إنسانا آخر، فيأتون رجلا شريفا، فيقطر لهم من دم إصبعه، فيسقون ذلك الكلب فيبرأ [٥] . وقال الكميت [٦] : [من البسيط]
أحلامكم لسقام الجهل شافية ... كما دماؤكم يشفى بها الكلب
قالوا: فقد يقولون للسنور هرّ، وللأنثى هرّة. ويقال من ذلك هرّ الكلب يهرّ
стр. 1134
هريرا، وتسمّى المرأة بهرّة، ويكنى الرّجل أبا هرّ، وأبا هريرة. وقال الأعشى [١] : [من البسيط]
ودّع هريرة إنّ الركب مرتحل ... وهل تطيق وداعا أيها الرجل
وقال امرؤ القيس [٢] : [من الكامل]
دار لهرّ والرّباب وفرتنى ... ولميس قبل تفرّق الأيّام [٣]
وقال ابن أحمر [٤] : [من السريع]
إنّ امرأ القيس على عهده ... في إرث ما كان بناه حجر
بنّت عليه الملك أطنابها ... كأس رنوناة وطرف طمر [٥]
يلهو بهند فوق أنماطها ... وفرتنى تسعى عليه وهر [٦]
١٤٦٦-[أطباء الهرة ومدة حملها]
قال: وللهرة ثمانية أطباء: أربعة تقابل أربعة، أوّلهنّ بين الإبط والصّدر، وآخرهنّ عند الرّفغ. وتحمل خمسين يوما، وتضع جراها عميا. وليس بين تفقيحها وتفقيح جراء الكلاب إلا اليسير.
١٤٦٧-[إيثار الهرة والديك]
والهرّة من الخلق الذي يؤثر على نفسه، ولها فضيلة في ذلك على الدّيك الذي له الفضيلة في ذلك على جميع الحيوان، إلا أن الديك لا يفعل ذلك بالدجاج إلا مادام شابّا. ولا يفعل ذلك بأولاده، ولا يعرفهم؛ وإنما يفعل ذلك بالدجاج على غير الزّواج، وعلى غير القصد إلى واحدة يقصد إليها بالهوى.
والهرّة يلقى إليها الشيء الطيب وهي جائعة، فتدعو أولادها، وقد استغنين عن اللبن، وأطقن الأكل والتقمّم والتكسّب، نعم حتى ربما فعلت ذلك بهنّ وهنّ في
стр. 1135
العين شبيهات بها في العظم؛ فلا تزال ممسكة عن تلك الشحمة على جوعها، ومع شره السنانير، حتى يقبل ولدها فيأكله.
ورجل من أصحابنا ائتمنوه على مال، فشدّ عليه فأخذه، فلما لامه بعض نصحائه قال: يطرحون اللحم قدّام السّنّور فإذا أكله ضربوه! فضرب شره السنور مثلا لنفسه.
والهرّة ربما رموا إليها بقطعة اللحم، فتقصد نحوها حتى تقف عليها، فإذا أقبل ولدها تجافت عنها. وربما قبضت عليها بأسنانها فرمت بها إليه بعد شمّ الرائحة، وذوق الطعم.
١٤٦٨-[نقل الهرة أولادها]
والهرّة تنقل أولادها في المواضع، من الخوف عليها. ولا سبيل لها في حملها إلا بفيها. وهي تعرف دقّة أطراف أنيابها، وذرب أسنانها. فلها بتلك الأنياب الحداد ضرب من القبض عليها، والعضّ لها، بمقدار تبلغ به الحاجة، ولا تؤثّر فيها ولا تؤذيها.
١٤٦٩-[مخالب الهرة والأسد]
فأما كفّها والمخالب المعقّفة الحداد التي فيها، فإنها مصونة في أكمامها.
فمتى وقعت كفّها على وجه الأرض صارت في صون، ومتى أرادت استعمالها نشرتها وافرة، غير مكلومة ولا مثلومة، كما وصف أبو زبيد كفّ الأسد فقال [١] : [من الوافر]
بحجن كالمحاجن في قنوب ... يقيها قضّة الأرض الدّخيس
١٤٧٠-[أنياب الأفاعي]
كذلك مخالبها ومخالب الأسد، وأنياب الأفاعي. وقد قال الرّاجز، وهو جاهليّ [٢] : [من الرجز]
حتّى دنا من رأس نضناض أصمّ ... فخاضه بين الشّراك والقدم [٣]
بمذرب أخرجه من جوف كم [٤]
стр. 1136
١٤٧١-[زعم بعض المفسرين والقصّاص في خلق السنانير والخنازير]
وزعم بعض المفسرين أن السنور خلق من عطسة الأسد، وأن الخنزير خلق من سلحة [١] الفيل؛ لأن أصحاب التفسير يزعمون أن أهل سفينة نوح لما تأذّوا بكثرة الفأر وشكوا إلى نوح ذلك سأل ربّه الفرج، فأمره أن يأمر الأسد فيعطس. فلما عطس خرج من منخريه زوج سنانير: ذكر وأنثى. خرج الذّكر من المنخر الأيمن، والأنثى من المنخر الأيسر. فكفياهم مؤونة الجرذان. ولما تأذّوا بريح نجوهما شكوا ذلك إلى نوح، وشكا ذلك إلى ربّه. فأمره أن يأمر الفيل فليسلح. فسلح زوج خنازير فكفياهم مؤونة رائحة النجو.
وهذا الحديث نافق عند العوامّ، وعند بعض القصّاص.
١٤٧٢-[إنكار تخلّق الحيوان من غير الحيوان، والرد عليه]
وقد أنكر ناس أن يكون الفأر تخلّق في أرحام إناثها من أصلاب ذكورتها ومن أرحام بعض الأرضين [٢] كطينة القاطول [٣] ؛ فإن أهلها زعموا [٤] أنهم ربما رأوا الفأرة لم يتمّ خلقها بعد، وإن عينيها لتبصّان [٥] ، ثم لا يريمون حتى يتمّ خلقها وتشتدّ حركتها.
وقالوا: لا يجوز لشيء خلق من الحيوان أن يخلق من غير الحيوان. ولا يجوز أن يكون شيء له في العالم أصل أن يؤلّف الناس أشياء تستحيل إلى مثل هذا الأصل.
فأنكروا من هذا الوجه تحويل الشبه [٦] ذهبا، والزّيبق فضة.
وقد علمنا أن للنّوشاذر في العالم أصلا موجودا. وقد يصعّدون [٧] الشّعر ويدبّرونه حتى يستحيل كحجر النوشاذر، ولا يغادر منه شيئا في عمل ولا بدن.
стр. 1137
وقد يدبّرون الرّماد والقلي [١] فيستحيل حجارة سودا إذا عمل منها أرحاء [٢] كان لها في الرّيع [٣] فضيلة.
قالوا [٤] : وللمردارسنج [٥] في العالم أصل قائم. والرصاص يدبّر فيستحيل مرداسنجا [٥] . وللرّصاص في العالم أصل قائم، فيدبّرون المرداسنج [٥] فيستحيل رصاصا.
وللتّوتياء [٦] أصل قائم، فيدبرون أقليميا [٧] النّحاس فتستحيل توتياء.
وكذلك المينا [٨] ، له أصل قائم، وقد عمله الناس.
وكذلك الحجارة السّود للطحين وغير ذلك.
فأما قولهم: لا يجوز أن يكون شيء من الحيوان يخلق من ذكر وأنثى- فيجيء من غير ذكر وأنثى- فقد قلنا في جميع ذلك في صدر كتابنا هذا بما أمكننا.
١٤٧٣-[معارف في الحيّات والأفاعي]
وقال: الحيّات كلها تعوم [٩] ، إلا الأفاعي، فإنها لا يعوم منها إلا الجبليّات.
قال: والحيّة إن رأت حيّة ميتة لم تأكلها، ولا تأكل الفأر ولا الجرذان الميتة، ولا العصافير الميتة، مع حرص الحية عليها، ولا تأكل إلا لحم الشيء الحيّ، إلا أن يدخل الحوّاء في حلوقها اللحم إدخالا. فأما من تلقاء نفسها فإن وجدته، وهي جائعة لم تأكله.
فينبغي أن يكون صاحب المنطق إنما عنى بقوله: «أخبث ما تكون ذوات السموم إذا أكل بعضها بعضا» الابتلاع دون كل شيء. وهم لا يعرفون ذلك في
стр. 1138
الحيّات إلا للأسود، فإنه ربما كان مع الأفاعي في جونة، فيجوع فيبتلعها. وذلك إذا أخذها من قبل رؤوسها، وإن رام ذلك من جهة الرأس فعضته الأفعى قتلته.
وزعموا أن الحية لا تصّاعد في الحائط الأملس ولا في غير الأملس، فإنما يقول ذلك أصحاب المخاريق [١] والذين يستخرجون الحيات بزعمهم من السقوف، ويشمون أراييح أبدانها من أطراف القصب، إذا مسحوها في ترابيع البيوت.
قالوا: وقد تصعد الحيّات في الدّرج وأشباه الدّرج؛ لتطلب بيوت العصافير، والفأر، والخطاطيف، والزّرازير، والخفافيش، وتتحامى في السّقف.
[باب في العقرب]
(القول في العقرب) وسنذكر تمام القول في العقرب؛ إذ كنا قد ذكرنا من شأنها شيئا في باب القول في الفأر.
١٤٧٤-[نفع العقرب]
ولمّا قيل ليحيى بن خالد، النازل في مربّعة الأحنف- وزعموا أنهم لم يروا رجلا لم يختلف إلى البيمارستانات [٢] ولا رجلا مسلما ليس بنصرانيّ ولا رجلا لم ينصب نفسه للتكسب بالطب كان أطبّ منه- فلما قيل له: إن القينيّ قال [٣] : «أنا مثل العقرب أضرّ ولا أنفع» قال: ما أقلّ علمه بالله ؛ لعمري إنها لتنفع إذا شقّ بطنها ثم شدّ على موضع اللّسعة، فإنها حينئذ تنفع منفعة بينة! والعقرب تجعل في جوف فخّار مشدود الرّأس مطيّن الجوانب، ثم يوضع الفخّار في تنّور، فإذا صارت العقرب رمادا سقي من ذلك الرّماد من به الحصاة مقدار نصف دانق [٤] .
стр. 1139
وقال حنين: وقد يسقى منه الدانق وأكثر، فيفتّت الحصاة من غير أن يضرّ بشيء من الأعضاء والأخلاط. وخير الدواء ما قصد إلى العضو السقيم، وسلمت عليه الأعضاء الصحيحة.
وقال يحيى: وقد تلسع أصحاب ضروب من الحميات العقارب فيفيقون، وتلسع الأفاعي فتموت، ومنها ما يلسع بعضها بعضا فيموت الملسوع، فهي من هذا الوجه تكفي الناس مؤونة عظيمة.
وتلقى العقرب في الدّهن وتترك فيه، حتى يأخذ الدهن منها ويمتصّ ويجتذب قواها كلها بعد الموت، فيكون ذلك الدهن يفرّق الأورام الغلاط. وقد عرف ذلك حنين.
١٤٧٥-[بعض أعاجيب العقرب]
ومن أعاجيبها أنها لا تسبح، ولا تتحرك إذا ألقيت في الماء كيف كان الماء:
ساكنا أو جاريا [١] .
والعقرب تطلب الإنسان وتقصد نحوه، فإذا قصد نحوها فرّت وهربت وتقصد أيضا نحو الإنسان، فإذا ضربته هربت، هرب من قد أساء، وتعلم أنها مطلوبة.
والزنابير تطالب من تعرّض لها وتقصد لعينه، ولا تكاد تعرض للكافّ عنها.
١٤٧٦-[المودّة والمسالمة في الحيوان]
وبين العقارب وبين الخنافس مودة. والمودّة غير المسالمة.
والمسالمة: أن يكون كل واحد من الجنسين لا يعرض للآخر بخير ولا شر، بعد أن يكون كل واحد منهما مقرّبا لصاحبه.
والعداوة أن يعرض كل واحد منهما لصاحبه بالشرّ والأذى والقتل، ليس من جهة أن أحدهما طعام لصاحبه.
والأسد ليس يثب على الإنسان والحمار والبقرة والشاة من جهة العداوة، وإنما يثب عليه من طريق طلب المطعم. ولو مرّ به وهو غير جائع لم يعرض له الأسد.
стр. 1140
والنمر على غير ذلك. ولكن قد يقال: إن بين الببر [١] والأسد مسالمة.
والمودة: كما يكون بين العقارب والخنافس، فإنّ بعضها يتألف بعضا، وليست تلك بمسالمة، وكما بين الحيّات والوزغ، فإنها تساقى السّمّ وتزاقّ، وكما بين ضروب من العقارب وأسود سالخ [٢] .
والأسود ربّما جاع في جونة الحوّاء فأكل الأفعى وربما عضّته الأفعى فقتلته.
١٤٧٧-[علاقة الرائحة بالطعم]
وريح العقارب إذا شويت مثل ريح الجراد.
وما زلت أظنّ أن الطعم أبدا يتبع الرائحة، حتى حقّق ذلك عندي بعض من يأكلها مشوية ونيّة، أنه ليس بينها وبين الجراد الأعرابي السمين فرق.
١٤٧٨-[معاينة الخرق الذي في إبرة العقرب]
وزعم لي بختيشوع بن جبريل، أنه عاين الخرق الذي في إبرة العقرب. وإن كان صادقا كما قال، فما في الأرض أحدّ بصرا منه. وإنه لبعيد، وما هو بمستنكر.
١٤٧٩-[من أعاجيب العقرب]
وفي العقارب أعجوبة أخرى؛ لأنه يقال: إنها مائية الطّباع، وإنها من ذوات الذّرو [٣] والإنسال وكثرة الولد، كما يعتري ذلك السّمك والضّبّ والخنزيرة، في كثرة الخنانيص [٤] .
١٤٨٠-[موت العقرب بعد الولادة]
قال [٥] : ومع ذلك إن حتفها في أولادها، وإن أولادها إذا بلغن وحان وقت الولادة، أكلن جلد بطنها من داخل، حتى إذا خرقنه خرجن منه وماتت الأمّ.
стр. 1141
وقد يطأ الإنسان على العقرب وهي ميتة، فتغترز إبرتها في رجله، فيلقى الجهد الجاهد؛ وربما أمرضت، وربّما قتلت.
قال: وفي أشعار اللّغز قيل في أكل أولاد العقرب بطن الأمّ، وأنّ عطبها في أولادها [١] : [من الطويل]
وحاملة لا يكمل الدّهر حملها ... تموت ويبقى حملها حين تعطب
وليس هذا شيئا.
١٤٨١-[ولادة العقرب من فيها]
خبّرني من أثق بعقله، وأسكن إلى خبره، أنه أرى العقرب عيانا وأولادها يخرجن من فيها، وذكر عددا كثيرا، وأنها صغار بيض على ظهورها نقط سود، وأنها تحمل أولادها على ظهرها، وأنه عاين ذلك مرة أخرى. فقلت: إن كانت العقرب تلد من فيها فأخلق بها أن يكون تلاقحها من حيث تلد أولادها!.
١٤٨٢-[العقارب القاتلة]
والعقارب القاتلة تكون في موضعين [٢] : بشهرزور. وقرى الأهواز، إلا أن القواتل التي بالأهواز جرّارات [٣] . ولم نذكر عقارب نصيبين، لأن أصلها- فيما لا يشكّون فيه- من شهرزور حين حوصر أهلها ورموا بالمجانيق [٤] ، وبكيزان محشوّة من عقارب شهرزور، حتّى توالدت هناك، فأعطى القوم بأيديهم.
١٤٨٣-[لغز في العقرب]
ومن اللّغز فيها في غير هذا الجنس: [من الطويل]
وما بكرة مضبورة مقمطرّة ... مسرّة كبر أن تنال فتمرضا [٥]
بأشوس منها حين جاءت مدلّة ... لتقتل نفسا أو تصيب فتمرضا [٦]
فلما دنا نادى أوابا بنعم غيرها ... ديرا إذا نال الغريفة أو قضا
стр. 1142
١٤٨٤-[استخراج العقارب بالجراد والكرّاث]
قال [١] : والعقارب تستخرج من بيوتها بالجراد: تشدّ الجرادة في طرف عود، ثم تدخل الجحر، فإذا عاينتها تعلقت بها، فإذا أخرج العود خرجت العقرب وهي متعلقة بالجرادة.
فأما إبراهيم بن هانىء فأخبرني أنه كان يدخل في جحرها خوط [٢] كرّاث، فلا يبقى منها عقرب إلا تبعته.
١٤٨٥-[ألسنة الحيات والأفاعي]
ألسنة الحيّات كلها سود. وألسنة الأفاعي حمر، إلا أنها مشقوقة.
١٤٨٦-[جرّارات الأهواز]
وسنذكر عقارب الشتاء وعقيرب الحرّ. وكلّ شيء من هذا الباب، ولكنا نبدأ بذكر جرّارات الأهواز.
ذكروا أنّ أقتلها عقارب عسكر مكرم، وأنها متى ضربت رجلا فظنّ أن تلك العضة عضّة نملة، أو وخزة شوكة، فنال من اللحم تضاعف ما به.
وربما باتت مع الرجل في إزاره فلم تضربه.
وهي لا تدبّ على كل شيء له غفر [٣] ، ولا تدبّ على المسوح [٤] ، وما أكثر ما تأوي في أصول الآجرّ الذي قد أخرج من الأتاتين [٥] ونضّد في الأنابير [٦] .
وكان أهل العسكر يرون [٧] أن من أصلح ما يعالج به موضع اللسعة أن يحجم، وكان الحجّام لا يرضى إلا بدنانير ودنانير، لأن ثناياه ربما نصلت، وجلد وجهه ربما
стр. 1143
تبطّط [١] من السمّ الذي يرتفع إلى فيه، بمصّته وجذبته من أذناب المحاجم [٢] . حتى عمدوا بعد ذلك إلى شيء من قطن، فحشوا به تلك الأنبوبة، فإذا جذب بمصّته فارتفع إليه من بخار الدّم أجزاء من ذلك السم، تعلقت بالقطن، ولم تنفذ إلى فيه. والقطن ليس مما يدفع قوّة المص. ثم وقعوا بعد ذلك على حشيشة فوجدوا فيها الشفاء!
١٤٨٧-[من أعاجيب العقرب]
ومن أعاجيب ما في العقرب أنا وجدنا عقارب القاطول يموت بعضها عن لسع بعض، ثم لا يموت عن لسعها شيء غير العقارب [٣] .
ونجد العقرب تلسع إنسانا فيموت الإنسان، وتسلع آخر فتموت هي. فدلّ ذلك على أنها كما تعطي تأخذ، وأن للناس أيضا سموما عجيبة. ولذلك صار بعضهم إذا عضّ قتل.
ومن أعاجيبها أنها تضرب الطست [٤] أو القمقم [٥] فتخرقه. وربما ضربته فتثبت فيه إبرتها ثم تنصل حتى تبين منها.
١٤٨٨-[العنبر وأثره في الطيور والبال]
والعنبر يقذفه البحر إلى عبريه [٦] ، فلا يأكل منه شيء إلا مات، ولا ينقره طائر بمنقار إلا نصل فيه منقاره. فإذا وضع رجليه نصلت [٧] أظفاره. فإن كان قد أكل منه قتله ما أكل. وإن لم يكن أكل فإنه ميت لا محالة، لأنه إذا بقي بغير منقار، ولم يكن للطائر شيء يأكل به مات.
والبحريّون والعطّارون يخبروننا أنهم ربما وجدوا فيه المنقار والظفر. وإنّ البال [٨] ليأكل منه اليسير فيموت.
стр. 1144
والبال: سمكة ربما كان طولها أكثر من خمسين ذراعا.
١٤٨٩-[أعاجيب لسع العقرب]
ومن أعاجيب العقارب أنها تلسع الأفعى فتموت الأفعى ولا تموت هي، وتلسع بعض الناس، فتموت هي، ولا ينال الملسوع منها من المكروه قليل ولا كثير. ويزعم العوامّ أن ذلك إنما يكون لمن لسعت أمّه عقرب وهو حمل في بطنها.
وقد لسعت عقرب رجلا مفلوجا، فذهب عنه الفالج [١] . وقصة هذا المفلوج معروفة، وقد عرفها صليبا وغيره من الأطباء.
ومن العقارب طيارات وجرارات، ومعقّفات، وخضر، وحمر.
١٤٩٠-[اختلاف السموم، واختلاف علاجها]
وتختلف سموم العقارب بأسباب: منها اختلاف أجناسها، كالجرّارة وغيرها، ومنها اختلاف التّرب كفرق ما بين جرّارات عقارب شهرزور [٢] وعسكر مكرم.
وتختلف مضرّة سمومها على قدر طباع الملسوع. ويختلف قدر سمومها على قدر مواضع اللسعة، وعلى قدر اختلاف ما بين النهار والليل، وعلى قدر ما صادفت عليه الملسوع من غذائه، ومن تفتح منافسه، وعلى قدر ما تصادف عليه العقرب من الحبل وغير الحبل وعلى قدر لسعتها في أوّل الليل عند خروجها من جحرها بعد أن أقامت فيه شتوتها. وأشدّ من ذلك أن تلسع أوّل ما تخرج من جحرها بعد أن أقامت فيه يومها.
قال ماسرجويه: فلذلك اختلفت وجوه العلاج، فصار ضرب من العلاج يفيق عنه إنسان ولا يصلح أمر الآخر.
١٤٩١-[لسعة الزنبور]
وخبرني ثمامة عن أمير المؤمنين المأمون أنه قال [٣] : قال لي بختيشوع بن جبريل وسلمويه، وابن ماسويه: «إن الذباب إذا دلك به موضع لسعة الزنبور سكن»
стр. 1145
فلسعني زنبور فحككت على موضعه أكثر من عشرين ذبابة فما سكن إلا في قدر الزمان الذي كان يسكن فيه من غير علاج. فلم يبق في يدي منهم إلا أن يقولوا: كان هذا الزنبور حتفا قاضيا، ولولا هذا العلاج لقتلك.
١٤٩٢-[حجج الأطبّاء]
وكذلك هم إذا سقوا دواء فضرّ، أو قطعوا عرقا فضرّ، قالوا: أنت مع هذا العلاج الصّواب تجد ما تجد! فلولا ذلك العلاج كنت الساعة في نار جهنم.
وقيل لي- وقرأت في كتاب الحيوان- إنّ ريح السّذاب [١] يشتد على الحيّات. فألقيت على وجوه الأفاعي جرز السّذاب فما كان عندها إلا كسائر البقل.
فلو قلت لهم في هذا شيئا لقالوا: الحيّات غير الأفاعي. وهذا باطل. الأفاعي نوع من الحيات. وكلهم قد عمّ ولم يخص.
١٤٩٣-[ما يدّخر من الحيوان]
وجميع الحشرات والأحناش، وجميع العقارب وهذه الدّبابات [٢] التي تعضّ وتلسع، التي تكمن في الشتاء لا تأكل شيئا في تلك الأشهر ولا تشرب، وكذا كل شيء من الهمج والحشرات مما لا يتحرّك في الشتاء إلا النمل والذّرّ والنحل، فإنها قد ادخرت ما يكفيها، وليست كغيرها مما تثبت حياته مع ترك الطعم.
١٤٩٤-[حرص العقارب والحيات على أكل الجراد]
وللعقرب ثماني أرجل وهي حريصة على أكل الجراد. وكذلك الحيات. وما أكثر ما تلدغ وتنهش صاحب الجراد [٣] .
١٤٩٥-[أثر المرضع في الرضيع]
ومن عجيب سمّ الأفاعي ما خبرني به بعض من يخبر شأن الأفاعي قال [٤] :
стр. 1146
كنت بالبادية ورأيت ناقة ترتع، وفصيلها يرتضع من أخلافها، إذ نهشت الناقة على مشافرها أفعى، فبقيت واقفة سادرة، والفصيل يرتضع، فبينا هو يرتضع إذ خرّ ميّتا.
فكان موته قبل موت أمّه من العجب. وكان مرور السمّ في تلك الساعة القصيرة أعجب، وكان ما صار من فضول سمها في لبن الضّرع حتى قتل الفصيل قبل أمه عجبا آخر.
والمرأة المرضع تشرب النبيذ فيسكر عن لبنها الرضيع وتشرب دواء المشي فيعتري الرضيع الخلفة [١] . فلذلك يختار الحكماء لأولادهم الظئر البريئة من ألأدواء:
في عقلها، وفي بدنها.
وتوهّموا أن اللبن إنما نجع في الفصيل لقرابة ما بين اللبن والدّم، فصار ذلك السمّ أسرع إليه منه إلى أمه. ولعل ضعف الفصيل قد أعان أيضا على ذلك.
١٤٩٦-[قصتان في من لسعته العقرب]
قال أبو عبيدة [٢] : لسعت أعرابيّا عقرب بالبصرة، فخيف عليه فاشتدّ جزعه، فقال بعض الناس: ليس شيء خيرا له من أن تغسل له خصية زنجي عرق- وكانت ليلة غمقة [٣]- فلما سقوه قطب [٤] ، فقيل له: طعم ماذا تجد؟ قال: طعم قربة جديدة.
وخبرني محمد وعليّ ابنا بشير، أن ظئرا لسليمان بن رياش لسعتها عقرب فملأت الدنيا صراخا، فقال سليمان: اطلبوا لها هذه العقرب، فإن دواءها أن تلسعها لسعة أخرى في ذلك المكان، فقالت العجوز: قد برئت، وقد سكن وجعي، ولا حاجة لي إلى هذا العلاج. قال: فأتوه بعقرب لا والله إن يدرى: أهي تلك أم غيرها؟ فأمر بها فأمسكت فقالت: أنشدك بالله واللبن فأبى وأرسلها عليها. فلسعتها فغشي عليها ومرضت زمانا وتساقط شعر رأسها. فقيل لسليمان في ذلك فقال: يا مجانين! لا والله إن ردّ عليّ روحها إلا اللسعة الثانية. ولولا هي لقد كانت ماتت.
стр. 1147
باب القول في القمل والصّؤاب
وسنقول في القمل والصّؤاب ما وجدنا تمكينا من القول، إن شاء الله تعالى.
١٤٩٧-[ما زعمه إياس بن معاوية والرد عليه]
ذكروا عن إياس بن معاوية، أنه زعم أن الصّئبان ذكورة القمل والقمل إناثها، وأن القمل من الشّكل الذي تكون إناثه أعظم من ذكورته.
وذكروا عنه أنه قال: وكذلك الزّرارقة والبزاة. فجعل البزاة في الإناث.
وليس فيما قال شيء من الصواب والتّسديد. وقد خبّرناكم [١] عن حكايته في الشّبّوط، حين جعله كالبغل، وجعله مخلوقا من بين البنّيّ والزّجر.
والقمل يعتري من العرق والوسخ، إذا علاهما ثوب، أو ريش، أو شعر، حتى يكون لذلك المكان عفن وخموم.
١٤٩٨-[أثر لون الشّعر في لون القملة]
[٢] والقملة تكون في رأس الأسود سوداء، ورأس الأبيض الشعر بيضاء، وتكون خصيفة [٣] اللون، وكالحبل الأبرق [٤] إذا كانت في رأس الأشمط [٥] . وإذا كانت في رأس الخاضب بالحمرة كانت حمراء، وإن كان الخاضب ناصل الخضاب كان في لونها شكلة [٦] ، إلا أن يستولي على الشعر النّصول فتعود بيضاء.
وهذا شيء يعتري القمل، كما تعتري الخضرة دود البقل، وجراده وذبابه، وكلّ شيء يعيش فيه.
١٤٩٩-[أثر البيئة في الحيوان]
وليس ذلك بأعجب من حرّة بن سليم، فإن من طباع تلك الحرة أن تسوّد كل
стр. 1148
شيء يكون فيها [١] : من إنسان، أو فرس، أو حمار، أو شاة، أو بعير، أو طائر، أو حيّة.
ولم نسمع ببلدة أقوى في هذا المعنى من بلاد الترك، فإنها تصوّر إبلهم وخيلهم، وجميع ما يعيش فيها، على صورة التّرك.
١٥٠٠-[تولد القمل]
والقمل يعرض لثياب كلّ الناس إذا عرض لها الوسخ والعرق، والخموم، إلا ثياب المجذّمين [٢] فإنهم لا يقملون.
وإذا قمل إنسان وأفرط عليه ذلك، زأبق [٣] رأسه إن كنّ في رأسه أو جسده، وإن كنّ في ثيابه، فموّتن.
وقال أبو قطيفة لأصحابه [٤] : أتدرون ما يذرأ [٥] القمل! قالوا: لا. قال: ذاك والله من قلة عنايتكم بما يصلح أبدانكم! يذرأ القمل الفساء.
فأما ثمامة فحدثني عن يحيى بن خالد البرمكي، أن شيئين يورثان القمل [٦] :
أحدهما الإكثار من التّين اليابس، والآخر بخار اللّبان إذا ألقي على المجمرة.
١٥٠١-[الإنسان القمل الطباع]
وربما كان الإنسان قمل الطباع، وإن تنظّف وتعطّر وبدّل الثياب، كما عرض لعبد الرحمن بن عوف، والزبير بن العوّام، استأذنا رسول الله ﷺ ، في لباس الحرير فأذن لهما فيه [٧] ؛ ولولا أنهما كانا في حدّ ضرورة لما أذن لهما فيه، مع ما قد جاء في ذلك من التشديد [٨] .
стр. 1149
فلما كان في خلافة عمر، رأى عمر على بعض بني المغيرة من أخواله، قميص حرير، فعلاه بالدّرّة [١] ، فقال المغيريّ: أو ليس عبد الرحمن بن عوف يلبس الحرير؟
قال: وأنت مثل عبد الرحمن؛ لا أمّ لك!
١٥٠٢-[الاحتيال للبراغيث]
واحتاج أصحابنا إلى التسلّم من عضّ البراغيث، أيام كنّا بدمشق، ودخلنا أنطاكية، فاحتالوا لبراغيثها بالأسرّة فلم ينتفعوا بذلك؛ لأن براغيثهم تمشي.
وبراغيثهم نوعان: الأبجل والبقّ، إنما سمّوا ذلك الجنس على شبيه بما حكى لي ثمامة عن يحيى بن خالد البرمكيّ، فإنّ يحيى زعم أن البراغيث من الخلق الذي يعرض له الطيران فيستحيل بقّا، كما يعرض الطيران للنّمل، وكما يعرض الطيران للدّعاميص؛ فإن الدعاميص إذا انسلخت صارت فراشا.
فكان أصحابنا قد لقوا من تلك البراغيث جهدا. وكانت لها بليّة أخرى: وذلك أن الذي تسهره البراغيث لا يستريح إلا أن يقتلها بالعرك والقتل. وإلى أن يقبض عليها فيرمي بها إلى الأرض من فوق سريره فيرى أنهنّ إذا صرن عشرين كان أهون عليه من أن يكنّ إحدى وعشرين. فكان الرجل إذا رام ذلك من واحدة منها نتنت يده وكانوا ملوكا، ومثل هذا شديد على مثلهم، فما زالوا في جهد منها حتى لبسوا قمص الحرير الصّينيّ، وجعلوها طويلة الأردان والأبدان فناموا مستريحين [٢] .
١٥٠٣-[خروج القمل من جسم الإنسان]
وخبّرني كم شئت من أطبّاء الناس وأصحاب التجارب، منهم من يقشعر من الكذب، ويتقزز منه- أنهم رأوا القمل عيانا وهو يخرج من جلد الإنسان. فإذا كان الإنسان قملا كان قمله مستطيلا، في شبيه بخلقة الديدان الصغار البيض.
ويذكر أن مثل ذلك قد كان عرض لأيوب النبي، ﷺ ، حين كان امتحن بتلك الأوجاع حتى سمّي: «المبتلى» وخبّرني شيخ من بني ليث، أنه اعتراه جرب، وأنه تطلّى بالمرتك [٣] والدّهن،
стр. 1150
ثم دخل الحمّام فرأى قملا كثيرا، يخرج من تلك الجلب [١] والقروح.
وخبّرني أبو موسى العباسيّ صديقنا أنه كان له غلام بمصر، وكان الغلام ربما أخذه إبرة ففتح بها فتحا في بعض جسده، في الجلد، فلا يلبث أن يطلع من تحت الجلد في القيح قملة.
١٥٠٤-[قمل الحيوان]
والقمل يسرع إلى الدّجاج والحمام، إذا لم يغتسل ويكن نظيف البيت. وهو يعرض للقرد [٢] ، ويتولّد من وسخ جلد الأسير وما في رأسه من الوسخ. ولذلك كانوا يضجّون ويقولون: أكلنا القدّ [٣] والقمل!
١٥٠٥-[تلبيد الشعر]
وكانوا يلبّدون شعورهم، وذلك العمل هو التلبيد، والحاجّ الملبّد هو هذا.
وقال الشاعر: [من الكامل]
يا ربّ، ربّ الراقصات عشيّة ... بالقوم بين منى وبين ثبير [٤]
زحف الرّواح قد انقضت منّاتهم ... يحملن كلّ ملبّد مأجور [٥]
وقال عبد الله بن العجلان النهديّ: [من المنسرح]
إني وما مار بالفريق وما ... قرقر بالجلهتين من سرب [٦]
جماعة من القطا وغيره، واحدتها سربة وعبر بها ها هنا عن الحجّاج.
من شعر كالغليل يلبد بال ... قمل وما مار من دم سرب [٧]
والعتر عتر النّسيك يخفر بال ... بدن لحلّ الإحرام والنّصب [٨]
стр. 1151
وقال أميّة بن أبي الصّلت [١] : [من البسيط]
شاحين آباطهم لم ينزعوا تفثا ... ولم يسلّوا لهم قملا وصئبانا [٢]
ويروى: «لم يقربوا تفثا» قال الله : ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ
[٣] . وما أقل ما ذكروا التّفث في الأشعار.
والتلبيد: أن يأخذ شيئا من خطميّ وآس وسدر، وشيئا من صمغ فيجعله في أصول شعره وعلى رأسه، كي يتلبد شعره ولا يعرق ويدخله الغبار، ويخمّ فيقمل.
وكانوا يكرهون تسريح الشعر وقتل القمل. فكان ذلك العمل يقلّ معه القمل.
وقد قال النبيّ ﷺ لكعب بن عجرة: هل آذاك هوامّ رأسك؟!» [٤]
١٥٠٦-[تعيير هوازن وأسد بأكل القرّة]
وقال ابن الكلبيّ [٥] : عيّرت هوازن وأسد بأكل القرّة [٦] . وهما بنو القملة.
وذلك أن أهل اليمن كانوا إذا حلقوا رؤوسهم بمنى وضع كل رجل منه على رأسه قبضة من دقيق. فإذا حلقوا رؤوسهم سقط ذلك الشّعر مع ذلك الدقيق، ويجعلون الدقيق صدقة. فكان ناس من الضّركاء [٧] وفيهم ناس من قيس وأسد، يأخذون ذلك الشعر بدقيقه، فيرمون بالشعر، وينتفعون بالدقيق.
وأنشد لمعاوية بن أبي معاوية الجرميّ، في هجائهم [٨] : [من الطويل]
стр. 1152
ألم تر جرما أنجدت وأبوكم ... مع الشعر في قصّ الملبّد شارع [١]
إذا قرَّة جاءت يقول أصب بها ... سوى القمل إني من هوازن ضارع
١٥٠٧-[شعر في هجو القملين]
وقال بعض العقيليّين، ومرّ بأبي العلاء العقيليّ وهو يتفلّى، فقال [٢] : [من الكامل]
وإذا مررت به مررت بقانص ... متصيّد في شرقة مقرور [٣]
للقمل حول أبي العلاء مصارع ... من بين مقتول وبين عقير
وكأنهنّ لدى خبون قميصه ... فذّ وتوءم سمسم مقشور [٤]
ضرج الأنامل من دماء قتيلها ... حنق على أخرى العدوّ مغير [٥]
وقال الحسن بن هانىء [٦] ، في أيوب، وقد ذهب عني نسبه، وطالما رأيته في المسجد: [من مجزوء الكامل]
من ينأ عنه مصاده ... فمصاد أيوب ثيابه
تكفيه فيها نظرة ... فتعلّ من علق حرابه [٧]
يا ربّ محترس بخب ... ن الدّرز تكنفه صؤابه [٨]
فاشي النّكاية غير معلو ... م إذا دبّ انسيابه
أو طامريّ واثب ... لم ينجه عنه وثابه
الطامريّ: البرغوث. ثم قال:
أهوى له بمذلّق الغربين إصبعه نصابه [٩]
стр. 1153
لله درّك من أخي ... قنص أصابعه كلابه [١]
١٥٠٨-[أحاديث وأخبار في القمل]
وفي الحديث أن أكل التفاح، وسؤر الفأرة، ونبذ القملة يورث النّسيان [٢] .
وفي حديث آخر أنّ الذي ينبذ القملة لا يكفى الهمّ.
والعامة تزعم أن لبس النّعال السود يورث الغمّ والنسيان.
وتناول أعرابيّ قملة دبّت على عنقه، ففدغها ثم قتلها بين باطن إبهامه وسبّابته، فقيل له: ما تصنع ويلك بحضرة الأمير؟! فقال: بأبي أنت وأميّ: وهل بقي منها إلا خرشاؤها؟ يعني جلدتها وقشرتها وكل وعاء فهو خرشاء.
١٥٠٩-[المأمون وسعيد بن جابر]
وحدثني إبراهيم بن هانىء، قال: حدّثني سعيد بن جابر، قال: لما كادت الأجناد تحيط ببغداد من جوانبها. قال لنا المخلوع [٣] : لو خرجنا هكذا قطربّل [٤] على دوابنا، ثم رجعنا من فورنا، كان لنا في ذلك نشرة [٥] ، قال: فلما صرنا هناك هجمنا على موضع خمّارين، فرأى أناسا قد تطافروا [٦] من بعض تلك الحانات، فسأل عنهم، فإذا هم أصحاب قمار ونرد ونبيذ، فبعث في آثارهم فردّوا وقال لنا: أشتهي أن أسمع حديثهم، وأرى مجلسهم وقمارهم. قال: فدخلنا إلى موضعهم، فإذا تخت النّرد قطعة لبد، وإذا فصوص النّرد من طين، بعضه مسوّد وبعضه متروك، وإذا الكعبان من عروة كوز محكّكة، وإذا بعضهم يتكئ على دنّ خال وتحتهم بوار قد تنسّرت [٧] . قال: فبينا هو يضحك منهم إذ رأيت قملة تدب على ذيله، فتغفّلته وأخذتها فرآني وقد تناولت شيئا، فقال لي: أي شيء تناولت؟ فقلت: دويبّة دبت
стр. 1154
على ذيلك من ثياب هؤلاء. قال: وأيّ دابة هي؟ قلت: قملة. قال: أرنيها؛ فقد والله سمعت بها! قال: فتعجبت يومئذ من المقادير كيف ترفع رجالا في السماء، وتحطّ آخرين في الثّرى!
١٥١٠-[لذة قصع القمل على الأظفار]
قال: والقرد يتفلّى، فإذا أصاب قملة رمى بها إلى فيه.
ونساء العوامّ يعجبهنّ صوت قصع القمل على الأظفار.
ورأيت مرة أنا وجعفر بن سعيد، بقَّالا في العتيقة وإذا امرأته جالسة بين يديه، وزوجها يحدّثها وهي تفلّي جيبها وقد جمعت بين باطن إبهامها وسبّابتها عدّة قمل، فوضعتها على ظفر إبهامها الأيسر، ثم قلبت عليها ظفرها الأيمن فشدختها به، فسمعت لها فرقعة، فقلت لجعفر: فما منعها أن تضعها بين حجرين؟ قال: لها لذة في هذه الفرقعة، والمباشرة أبلغ عندها في اللذة. فقلت: فما تكره مكان زوجها؟
قال: لولا أن زوجها يعجب بذلك لنهاها!
١٥١١-[شعر لابن ميادة]
وقال ابن ميّادة [١] : [من الطويل]
سقتني سقاة المجد من آل ظالم ... بأرشية أطرافها في الكواكب [٢]
وإنّ بأعلى ذي النّخيل نسيّة ... يسيّرن أعيارا شداد المناكب [٣]
يشلن بأستاه عليهنّ دسمة ... كما شال بالأذناب سمر العقارب [٤]
стр. 1155
[باب في البرغوث]
(باب)
١٥١٢-[القول في البرغوث]
[١] والبرغوث أسود أحدب نزّاء، من الخلق الذي لا يمشي صرفا.
وبما قال بعضهم: دبيبها من تحتي أشدّ عليّ من عضّها.
وليس ذلك بدبيب. وكيف يمكنه الدّبيب- وهو ملزق على النّطع بجلد جنب النائم؟! ولكنّ البرغوث خبيث، فمتى أراد الإنسان أن ينقلب من جنب إلى جنب، انقلب البرغوث واستلقى على ظهره، ورفع قوائمه فدغدغه بها، فيظنّ من لا علم عنده أنه إنما يمشي تحت جنبه.
وقد ذكرنا من شأنه في مواضع، ولو كان الباب يكبر حتى يكون لك مجموعا ولم تعرفه تكلفت لك جمعه.
١٥١٣-[شعر في البرغوث]
وقال بعض الأعراب [٢] : [من البسيط]
ليل البراغيث عنّاني وأنصبني ... لا بارك الله في ليل البراغيث [٣]
كأنهنّ وجلدي إذ خلون به ... أيتام سوء أغاروا في المواريث
وقال محبوب بن أبي العشنّط النهشليّ [٤] : [من البسيط]
لروضة من رياض الحزن أو طرف ... من القريّة جرد غير محروث [٦]
للنّور فيه إذا مجّ النّدى أرج ... يشفي الصّداع ويشفي كلّ ممغوث [٧]
стр. 1156
أملا وأحلى لعيني إن مررت به ... من كرخ بغداد ذي الرّمّان والتّوث [١]
الليل نصفان: نصف للهموم فما ... أقضى الرّقاد، ونصف للبراغيث
أبيت حين تساميني أوائلها ... أنزو وأخلط تسبيحا بتغويث [٢]
سود مداليج في الظلماء مؤذية ... وليس ملتمس منها بمشبوث [٣]
وقد جعل «التوث» بالثاء. ووجه الكلام بالتاء. وتعجيمها نقطتان من فوقها.
وقال آخر [٤] : [من الطويل]
وإنّ امرأ تؤذيّ البراغيث جلده ... ويخرجنه من بيته لذليل
ألا ربّ برغوث تركت مجدّلا ... بأبيض ماضي الشّفرتين صقيل [٥]
وقال آخر: [من الطويل]
لقد علم البرغوث حين يعضّني ... ببغداد إني بالبلاد غريب
وقال آخر: [من الطويل]
لقيت من البرغوث جهدا ولا أرى ... أميرا على البرغوث يقضي ولا يعدي
يقلّبني فوق الفراش دبيبه ... وتصبح آثار تبيّن في جلدي
وقال آخر [٦] : [من الطويل]
ألا يا عباد الله من لقبيلة ... إذا ظهرت في الأرض شدّ مغيرها
فلا الدّين ينهاها ولا هي تنتهي ... ولا ذو سلاح من معدّ يضيرها
وقال يزيد بن نبيه الكلّابي: [من الطويل]
أصبحت سالمت البراغيث بعد ما ... مضت ليلة مني وقلّ رقودها
стр. 1157
فيا ليت شعري هل أزورنّ بلدة ... قليل بها أوباشها وسنيدها [١]
وهل أسمعنّ الدّهر أصوات ضمّر ... تطالع بالركبان صعرا خدودها [٢]
وهل أرينّ الدهر نارا بأرضها ... بنفسي وأهلي أرضها ووفودها
تراطن حولي كلما ذرّ شارق ... ببغداد أنباط القرى وعبيدها
وقال آخر: [من البسيط]
لا بارك الله في البرغوث، إن له ... لذعا شديدا كلذع الكيّ بالنار
أقول والنجم قد غارت أوائله ... وغلّس المدلج الساري بأسحار [٣]
لبرقة من براق الحزن أعمرها ... فيها الظّباء تراعي غبّ أمطار [٤]
أشفى لدائي من درب به نبط ... ومنزل بين حجّام وجزّار
من ينحر الشّول لا يخطي قوائمها ... بمدية كشرار النار بتّار [٥]
وقال آخر: [من الخفيف]
إنّ هذا المصلوب لا شك فيه ... هو من بعد صلبه مبعوث
حلّ من حيث ليس يأكله ال ... بقّ ولا يهتدي له البرغوث
بين حنوي مطيّة إن يسقها ... سائقاها فذاك سير مكيث [٦]
فعليه الدبار والخزي لمّا ... قلت من ذا فقال لصّ خبيث [٧]
وقال أبو الرماح الأسديّ [٨] : [من الطويل]
تطاول بالفسطاط ليلي ولم يكن ... بحنو الغضا ليل عليّ يطول
يؤرّقني حدب صغار أذلة ... وإن الذي يؤذينه لذليل
إذا جلت بعض الليل منهن جولة ... تعلّقن بي أو جلن حيث أجول
стр. 1158
إذا ما قتلناهنّ أضعفن كثرة ... علينا ولا ينعى لهنّ قتيل
ألا ليت شعري هل أبيتنّ ليلة ... وليس لبرغوث عليّ سبيل
وقال أبو الشّمقمق [١] : [من المنسرح]
يا طول يومي وطول ليلتيه ... إن البراغيث قد عبثن بيه
فيهنّ برغوثة مجوّعة ... قد عقدت بندها بفقحتيه [٢]
وقال آخر [٣] : [من الطويل]
هنيئا لأهل الرّي طيب بلادهم ... وأن أمير الرّيّ يحيى بن خالد
تطاول في بغداد ليلي ومن يكن ... ببغداد يلبث ليله غير راقد
بلاد إذا جنّ الظلام تقافزت ... براغيثها من بين مثنى وواحد
ديازجة سود الجلود كأنها ... بغال بريد أرسلت في مذاود [٤]
وقال آخر [٥] : [من الرجز]
أرّقني الأسيود الأسكّ ... ليلة حكّ ليس فيها شكّ
أحكّ حتى ماله محكّ ... أحكّ حتى مرفقي منفكّ
وقال آخر: [من الرجز]
يا أمّ مثواي عدمت وجهك ... أنقذني ربّ العلا من مصرك
ولذع برغوث أراه مهلكي ... أبيت ليلي دائم التحكّك
تحكّك الأجرب عند المبرك
وقال آخر: [من البسيط]
الحمد لله برغوث يؤرّقني ... أحيلك الجلد لا سمع ولا بصر [٦]
стр. 1159
وقال آخر: [من الرجز]
قبيلة في طولها وعرضها ... لم يطبقوا عينا لهم بغمضها
خوف البراغيث وخوف عضّها ... كأنّ في جلودها من مضّها [١]
عقاربا ترفضّ من مرفضّها ... إن دام هذا هربت من أرضها [٢]
يا ربّ فاقتل بعضها ببعضها
١٥١٤-[معارف في البرغوث]
قال: والبرغوث في صورة الفيل. وزعموا أنها تبيض وتفرخ، وأنهم رأوا بيضها رؤية العين. والبراغيث تناكح وهي مستدبرة ومتعاظلة [٣] . وهي من الجنس الذي تطول ساعة كومها.
١٥١٥-[شدة استقذار الناس للقمل]
وليس الناس لشيء مما يعضّهم ويؤذيهم، من الجرجس، والبقّ، والبراغيث والذّبان- أشد استقذارا منهم للقمل. ومن العجب أنّ قرابته أمسّ. فأما قملة النّسر، وهي التي يقال لها بالفارسية: «دده» ، وهي تكون بالجبل، فإنها إذا عضّت قتلت.
١٥١٦-[القول في البعوض ونتائج عضها]
حدّثني إبراهيم بن السّنديّ قال: لما كان أبي بالشام واليا، أحبّ أن يسوّي بين القحطانيّ والعدناني، وقال: لسنا نقدّمكم إلا على الطاعة لله ، وللخلفاء، وكلّكم إخوة، وليس للنّزاري عندي شيء ليس لليمانيّ مثله.
قال: وكان يتغدّى مع جملة من جلّة [٤] الفريقين، ويسوّي بينهم في الإذن والمجلس. وكان شيخ اليمانية يدخل عليه معتمّا، وقد جذب كور عمامته حتى غطى بها حاجبه وكان لا ينزعها في حر ولا برد، فأراد فتى من قيس- وقد كان أبي يستخليه ويقرّبه- أن يسقطه من عين أبي ويوحشه منه، فقال له ذات يوم ووجد المجلس خاليا: إني أريد أن أقول شيئا ليس يخرجه مني إلا الشكر والحرية، وإلا
стр. 1160
المودة والنصيحة، ولولا ما أعرف من تقزّزك وتنطّسك [١] ؛ وأنك متى انتبهت على ما أنا ملقيه إليك لم آمن أن تستغشّني [٢] ، وإن لم تظهره لي. إن هذا اليمانيّ إنما يعتم أبدا، ويمدّ طرّة [٣] العمامة حتى يغطّي بها حاجبيه؛ لأن به داء لو علمت به لم تؤاكله! قال: فقال أبي: فرماني والله بمعنى كاد ينقض عليّ جميع ما بيدي، وقلت:
والله لئن أكلت معه وبه الذي به إنّ هذا لهو البلاء، ولئن منعت الجميع مؤاكلتي لأوحشنهم جميعا بعد المباسطة والمباثّة [٤] والملابسة والمؤاكلة، ولئن خصصته بالمنع أو أقعدته على غير مائدتي. ليغضبنّ، ولئن غضب ليغضبنّ معه كل قحطاني بالشام. فبت بليلة طويلة. فلما كان الغد وجلست، ودخلوا للسلام، جرى شيء من ذكر السموم وغرائب أعمالها، فأقبل عليّ ذلك الشيخ فقال: عندي من هذا بالمعاينة ما ليس عند أحد. خرجت مع ابن اخي هذا، ومع ابن عمّي هذا، ومع ابني هذا، أريد قريتي الفلانية، فإذا بقرب الجادّة بعير قد نهشته أفعى. وإذا هو وافر اللحم، وكل شيء حواليه من الطّير والسباع ميت، فقمنا منه على قاب أرماح نتعجب، وإذا عليه بعوض كثيرة.
فبينا أنا أقول لأصحابي: يا هؤلاء، إنكم لترون العجب: أول ذلك أن بعيرا مثل هذا يتفسّخ من عضة شيء لعله أن لا يكون في جسم عرق من عروقه، أو عصبة من عصبه، فما هذا الذي مجّه فيه، وقذفه إليه؟ ثم لم يرض بأن قتله حتى قتل كلّ طائر ذاق منه، وكلّ سبع عضّ عليه. وأعجب من هذا قتله لأكابر السّباع والطير، وتركه قتل البعوضة، مع ضعفها ومهانتها! فبينا نحن كذلك إذ هبّت ريح من تلقاء الجيفة، فطيّرت البعوض إلى شقّنا، وتسقط بعوضة على جبهتي، فما هو إلا أن عضتني إذ اسمأدّ [٥] وجهي تورّم رأسي، فكنت لا أضرب بيدي إلى شيء أحكّه من رأسي وحاجبي، إلا انتثر في يدي.
فحملت إلى منزلي في محمل وعولجت بأنواع العلاج، فبرأت بعد دهر طويل. على أنه أبقى عليّ من الشّين أنه تركني أقرع الرأس. أمرط الحاجبين.