أملا وأحلى لعيني إن مررت به ... من كرخ بغداد ذي الرّمّان والتّوث [١]
الليل نصفان: نصف للهموم فما ... أقضى الرّقاد، ونصف للبراغيث
أبيت حين تساميني أوائلها ... أنزو وأخلط تسبيحا بتغويث [٢]
سود مداليج في الظلماء مؤذية ... وليس ملتمس منها بمشبوث [٣]
وقد جعل «التوث» بالثاء. ووجه الكلام بالتاء. وتعجيمها نقطتان من فوقها.
وقال آخر [٤] : [من الطويل]
وإنّ امرأ تؤذيّ البراغيث جلده ... ويخرجنه من بيته لذليل
ألا ربّ برغوث تركت مجدّلا ... بأبيض ماضي الشّفرتين صقيل [٥]
وقال آخر: [من الطويل]
لقد علم البرغوث حين يعضّني ... ببغداد إني بالبلاد غريب
وقال آخر: [من الطويل]
لقيت من البرغوث جهدا ولا أرى ... أميرا على البرغوث يقضي ولا يعدي
يقلّبني فوق الفراش دبيبه ... وتصبح آثار تبيّن في جلدي
وقال آخر [٦] : [من الطويل]
ألا يا عباد الله من لقبيلة ... إذا ظهرت في الأرض شدّ مغيرها
فلا الدّين ينهاها ولا هي تنتهي ... ولا ذو سلاح من معدّ يضيرها
وقال يزيد بن نبيه الكلّابي: [من الطويل]
أصبحت سالمت البراغيث بعد ما ... مضت ليلة مني وقلّ رقودها
стр. 1157
فيا ليت شعري هل أزورنّ بلدة ... قليل بها أوباشها وسنيدها [١]
وهل أسمعنّ الدّهر أصوات ضمّر ... تطالع بالركبان صعرا خدودها [٢]
وهل أرينّ الدهر نارا بأرضها ... بنفسي وأهلي أرضها ووفودها
تراطن حولي كلما ذرّ شارق ... ببغداد أنباط القرى وعبيدها
وقال آخر: [من البسيط]
لا بارك الله في البرغوث، إن له ... لذعا شديدا كلذع الكيّ بالنار
أقول والنجم قد غارت أوائله ... وغلّس المدلج الساري بأسحار [٣]
لبرقة من براق الحزن أعمرها ... فيها الظّباء تراعي غبّ أمطار [٤]
أشفى لدائي من درب به نبط ... ومنزل بين حجّام وجزّار
من ينحر الشّول لا يخطي قوائمها ... بمدية كشرار النار بتّار [٥]
وقال آخر: [من الخفيف]
إنّ هذا المصلوب لا شك فيه ... هو من بعد صلبه مبعوث
حلّ من حيث ليس يأكله ال ... بقّ ولا يهتدي له البرغوث
بين حنوي مطيّة إن يسقها ... سائقاها فذاك سير مكيث [٦]
فعليه الدبار والخزي لمّا ... قلت من ذا فقال لصّ خبيث [٧]
وقال أبو الرماح الأسديّ [٨] : [من الطويل]
تطاول بالفسطاط ليلي ولم يكن ... بحنو الغضا ليل عليّ يطول
يؤرّقني حدب صغار أذلة ... وإن الذي يؤذينه لذليل
إذا جلت بعض الليل منهن جولة ... تعلّقن بي أو جلن حيث أجول
стр. 1158
إذا ما قتلناهنّ أضعفن كثرة ... علينا ولا ينعى لهنّ قتيل
ألا ليت شعري هل أبيتنّ ليلة ... وليس لبرغوث عليّ سبيل
وقال أبو الشّمقمق [١] : [من المنسرح]
يا طول يومي وطول ليلتيه ... إن البراغيث قد عبثن بيه
فيهنّ برغوثة مجوّعة ... قد عقدت بندها بفقحتيه [٢]
وقال آخر [٣] : [من الطويل]
هنيئا لأهل الرّي طيب بلادهم ... وأن أمير الرّيّ يحيى بن خالد
تطاول في بغداد ليلي ومن يكن ... ببغداد يلبث ليله غير راقد
بلاد إذا جنّ الظلام تقافزت ... براغيثها من بين مثنى وواحد
ديازجة سود الجلود كأنها ... بغال بريد أرسلت في مذاود [٤]
وقال آخر [٥] : [من الرجز]
أرّقني الأسيود الأسكّ ... ليلة حكّ ليس فيها شكّ
أحكّ حتى ماله محكّ ... أحكّ حتى مرفقي منفكّ
وقال آخر: [من الرجز]
يا أمّ مثواي عدمت وجهك ... أنقذني ربّ العلا من مصرك
ولذع برغوث أراه مهلكي ... أبيت ليلي دائم التحكّك
تحكّك الأجرب عند المبرك
وقال آخر: [من البسيط]
الحمد لله برغوث يؤرّقني ... أحيلك الجلد لا سمع ولا بصر [٦]
стр. 1159
وقال آخر: [من الرجز]
قبيلة في طولها وعرضها ... لم يطبقوا عينا لهم بغمضها
خوف البراغيث وخوف عضّها ... كأنّ في جلودها من مضّها [١]
عقاربا ترفضّ من مرفضّها ... إن دام هذا هربت من أرضها [٢]
يا ربّ فاقتل بعضها ببعضها
١٥١٤-[معارف في البرغوث]
قال: والبرغوث في صورة الفيل. وزعموا أنها تبيض وتفرخ، وأنهم رأوا بيضها رؤية العين. والبراغيث تناكح وهي مستدبرة ومتعاظلة [٣] . وهي من الجنس الذي تطول ساعة كومها.
١٥١٥-[شدة استقذار الناس للقمل]
وليس الناس لشيء مما يعضّهم ويؤذيهم، من الجرجس، والبقّ، والبراغيث والذّبان- أشد استقذارا منهم للقمل. ومن العجب أنّ قرابته أمسّ. فأما قملة النّسر، وهي التي يقال لها بالفارسية: «دده» ، وهي تكون بالجبل، فإنها إذا عضّت قتلت.
١٥١٦-[القول في البعوض ونتائج عضها]
حدّثني إبراهيم بن السّنديّ قال: لما كان أبي بالشام واليا، أحبّ أن يسوّي بين القحطانيّ والعدناني، وقال: لسنا نقدّمكم إلا على الطاعة لله ، وللخلفاء، وكلّكم إخوة، وليس للنّزاري عندي شيء ليس لليمانيّ مثله.
قال: وكان يتغدّى مع جملة من جلّة [٤] الفريقين، ويسوّي بينهم في الإذن والمجلس. وكان شيخ اليمانية يدخل عليه معتمّا، وقد جذب كور عمامته حتى غطى بها حاجبه وكان لا ينزعها في حر ولا برد، فأراد فتى من قيس- وقد كان أبي يستخليه ويقرّبه- أن يسقطه من عين أبي ويوحشه منه، فقال له ذات يوم ووجد المجلس خاليا: إني أريد أن أقول شيئا ليس يخرجه مني إلا الشكر والحرية، وإلا
стр. 1160
المودة والنصيحة، ولولا ما أعرف من تقزّزك وتنطّسك [١] ؛ وأنك متى انتبهت على ما أنا ملقيه إليك لم آمن أن تستغشّني [٢] ، وإن لم تظهره لي. إن هذا اليمانيّ إنما يعتم أبدا، ويمدّ طرّة [٣] العمامة حتى يغطّي بها حاجبيه؛ لأن به داء لو علمت به لم تؤاكله! قال: فقال أبي: فرماني والله بمعنى كاد ينقض عليّ جميع ما بيدي، وقلت:
والله لئن أكلت معه وبه الذي به إنّ هذا لهو البلاء، ولئن منعت الجميع مؤاكلتي لأوحشنهم جميعا بعد المباسطة والمباثّة [٤] والملابسة والمؤاكلة، ولئن خصصته بالمنع أو أقعدته على غير مائدتي. ليغضبنّ، ولئن غضب ليغضبنّ معه كل قحطاني بالشام. فبت بليلة طويلة. فلما كان الغد وجلست، ودخلوا للسلام، جرى شيء من ذكر السموم وغرائب أعمالها، فأقبل عليّ ذلك الشيخ فقال: عندي من هذا بالمعاينة ما ليس عند أحد. خرجت مع ابن اخي هذا، ومع ابن عمّي هذا، ومع ابني هذا، أريد قريتي الفلانية، فإذا بقرب الجادّة بعير قد نهشته أفعى. وإذا هو وافر اللحم، وكل شيء حواليه من الطّير والسباع ميت، فقمنا منه على قاب أرماح نتعجب، وإذا عليه بعوض كثيرة.
فبينا أنا أقول لأصحابي: يا هؤلاء، إنكم لترون العجب: أول ذلك أن بعيرا مثل هذا يتفسّخ من عضة شيء لعله أن لا يكون في جسم عرق من عروقه، أو عصبة من عصبه، فما هذا الذي مجّه فيه، وقذفه إليه؟ ثم لم يرض بأن قتله حتى قتل كلّ طائر ذاق منه، وكلّ سبع عضّ عليه. وأعجب من هذا قتله لأكابر السّباع والطير، وتركه قتل البعوضة، مع ضعفها ومهانتها! فبينا نحن كذلك إذ هبّت ريح من تلقاء الجيفة، فطيّرت البعوض إلى شقّنا، وتسقط بعوضة على جبهتي، فما هو إلا أن عضتني إذ اسمأدّ [٥] وجهي تورّم رأسي، فكنت لا أضرب بيدي إلى شيء أحكّه من رأسي وحاجبي، إلا انتثر في يدي.
فحملت إلى منزلي في محمل وعولجت بأنواع العلاج، فبرأت بعد دهر طويل. على أنه أبقى عليّ من الشّين أنه تركني أقرع الرأس. أمرط الحاجبين.
стр. 1161
قال: والقوم يخوضون معه في ذلك الحديث، خوض قوم قد قتلوا [١] تلك القصة يقينا.
قال: فتبسمت، ونكس الفتى القيسيّ رأسه، فظن الشيخ أنه قد جرى بيننا في ذلك ذرء [٢] من القول، فقال: إن هذا القيسيّ خبيث، ولعله أن يكون قد احتال لك بحيلة! قال إبراهيم: فلم أسمع في السموم بأعجب من هذا الحديث.
١٥١٧-[طلسمات البعوض والعقرب]
ويزعم أهل أنطاكية أنهم لا يبعضون لطلّسم هناك. ولو ادعى أهل عقر الدّير، المتوسطة لأجمة ما بين البصرة وكسكر لكان طلّسمهم أعجب.
ويزعم [٣] أهل حمص أن فيها طلّسما من أجله لا تعيش فيها العقارب. وإن طرحت فيها عقرب غريبة ماتت من ساعتها.
ولعمري إنه ليجوز أن تكون بلدة تضادّ ضربا من الحيوان فلا يعيش فيها ذلك الجنس، فيدعي كذّابو أهلها أن ذلك برقية، أو دعوة، أو طلّسم.
١٥١٨-[ألم عضة البرغوث والقملة والبعوض]
والبرغوث إذا عض، وكذاك القملة، فليس هناك من الحرقة والألم ما له مدة قصيرة ولا طويلة.
وأما البعوض فأشهد أن بعوضة عضت ظهر قدمي، وأنا بقرب كاذة والعوجاء [٤] ، وذلك بعد أن صلى الناس المغرب، فلم أزل منها في أكال وحرقة، وأنا أسير في السفينة، إلى أن سمعت أذان العشاء.
ولذلك يقال: إن البعوضة لو ألحقت بمقدار جرم الجرّارة [٥]- فإنّها أصغر العقارب- ثم زيدت من تضاعيف ما معها من السّمّ على حسب ذلك لكانت شرّا من
стр. 1162
الدّويبّة التي تسمى بالفارسية: «دده» وهي أكبر من القملة شيئا، وتكون بمهرجان قذق [١] . فإنها مع صغر جسمها تفسخ الإنسان في أسرع من الإشارة باليد، وهي تعضّ ولا تلسع، وهي من ذوات الأفواه، وهي التي بزعمهم يقال لها «قملة النّسر» . وذلك أن النّسر في بعض الزمان، إذا سقط بتلك الأرض سقطت منه قملة تستحيل هذه الدابة الخبيثة.
والبعوضة من ذوات الخراطيم.
وحدّثني محمد بن هاشم السّدريّ قال: كنت بالزّطّ [٢] . فكنت والله أرى البعوضة تطير عن ظهر الثور فتسقط على الغصن من الأغصان، فتقلس [٣] ما في بطنها، ثم تعود.
والبعوضة تغمس خرطومها في جلد الجاموس، كما يغمس الرجل أصابعه في الثريد.
ومن العجب أن بين البصرة وواسط شطرين. فالشّطر الذي يلي الطّف وباب طنج يبيت أهله في عافية، وليس عندهم من البعوض ما يذكر، والشطر الذي يلي زقاق الهفّة لا ينام أهله من البعوض. فلو كان هذا ببلاد الشام أو بلاد مصر لادّعوا الطّلّسم.
وحدّثني إبراهيم النّظام قال [٤] : وردنا فم زقاق الهفة، في أجمة البصرة، فأردنا النفوذ فمنعنا صاحب المسلحة [٥] ، فأردنا التأخّر إلى الهور [٦] الذي خرجنا منه، فأبى علينا. ووردنا عليه وهو سكران وأصحابه سكارى، فغضب على ملّاح نبطيّ، فشدّه قماطا، ثم رمى به في الأجمة، على موضع أرض تتصل بموضع أكواخ صاحب المسلحة [٧] . فصاح الملاح: اقتلني أيّ قتلة شئت وأرحني! فأبى وطرحه، فصاح،
стр. 1163
ثم عاد صياحه إلى الأنين، ثم خفت وناموا في كللهم [١] وهم سكارى. فجئت إلى المقموط، وما جاوز وقت عتمة، فإذا هو ميت، وإذا هو أشد سوادا من الزنجي. وأشد انتفاخا من الزقّ المنفوخ، وذلك كله بقدر ما بين العشاء والمغرب. فقلت: إنها لمّا لسبته ولسعته من كلّ جانب لسعا على لسع إن اجتماع سمومها فيه أربت [٢] على نهشة أفعى بعيدا. فهي ضرر ومحنة، ليس فيها شيء من المرافق.
١٥١٩-[نفع العقرب]
والعقارب بأكلها مشوية من بعينه ريح السّبل [٣] ، فيجدها صالحة. ويرمى بها في الزيت، حتى إذا تفسّخت وامتصّ الزيت ما فيها من قواها فطلوا بذلك الدهن الخصى [٤] التي فيها النفخ- فرّق تلك الريح حتّى تخمص [٥] الجلدة، ويذهب الوجع.
فإذا سمعت بدهن العقارب فإنما يعنون هذا الدهن.
[باب في البعوض]
(باب)
١٥٢٠-[أجناس البعوض]
في البقّ، والجرجس [٦] والشّرّان [٧] ، والفراش، والأذى.
وقال الله : إِنَّ اللَّهَ لا يَسْتَحْيِي أَنْ يَضْرِبَ مَثَلًا ما بَعُوضَةً فَما فَوْقَها
[٨] ، قال: يريد فما دونها.
وهو قول القائل للرجل يقول: فلان أسفل الناس وأنذلهم! فيقول: هو فوق ذلك! يضع قوله فوق، في موضع: هو شرّ من ذلك.
стр. 1164
قال: وضروب من الطير لا تلتمس أرزاقها إلا بالليل، منها الخفّاش، والبومة، والصّدى [١] ، والضّوع [٢] ، وغراب الليل.
والبعوض بالنهار تؤذي بعض الأذى، وإنما سلطانها بالليل. وكذلك البراغيث.
وأما القمل فأمره في الحالات مستو. وليس للذّبّان بالليل عمل. إلا أنّي متى بيت معي في القبة ما صار إليها، وسكن فيها من الذّبّان، ولم أطردها بالعشيّ وبعد العصر، فإني لا أجد فيها بعوضة واحدة.
١٥٢١-[شعر في البعوض]
وقال الرّاجز في خرطوم البعوضة [٣] : [من الرجز]
مثل السّفاة دائم طنينها ... ركّب في خرطومها سكّينها [٤]
وقال الهذليّ [٥] : [من الوافر]
كأنّ وغى الخموش بجانبيه ... وغى ركب أميم ذوي هياط [٦]
والخموش: أصناف البعوض. والوغى: أصوات الملتفة التي لا يبين واحدها عن معنى، وهو كما تسمع من الأصوات الجيشين إذا التقيا على الحرب، وكما تسمع من ضجّة السوق.
وقال الكميت وهو يذكر قانصا وصاحب قترة [٧]- لأنه لا يبتني بيته إلّا عند
стр. 1165
شريعة [١] ينتابها الوحش- فقال وهو يصف البعوض [٢] : [من الطويل]
به حاضر من غير جنّ تروعه ... ولا أنس ذو أرنان وذو زجل [٣]
والحاضر: الذي لا يبرحه البعوض، لأن البعوض من الماء يتخلّق فكيف يفارقه، والماء الراكد لا يزال يولده؟! فإن صار نطافا أو ضحضحا [٤] استحال دعاميص، وانسلخت الدّعاميص فصارت فراشا وبعوضا. وقال ذو الرّمة [٥] : [من الطويل]
وأيقنّ أنّ القنع صارت نطافه ... فراشا وأن البقل ذاو ويابس
وصف الصّيف. وقال أبو وجزة [٦] ، وهو يصف القانص والشريعة والبعوض:
[من البسيط]
تبيت جارته الأفعى وسامره ... رمد به عاذر منهنّ كالجرب
رمد في لونها، يعني البعوض، وهي التي تسامر القانص وتسهره. والعاذر:
الأثر. يقول: في جلده عواذير وآثار كآثار الجرب من لسع البعوض، وهو مع ذلك وسط الأفاعي.
وقال الراجز يصف البعوض [٧] : [من الرجز]
وليلة لم أدر ما كراها ... أمارس البعوض في دجاها [٨]
كلّ زجول خفق حشاها ... ستّ لدى إيفائها شواها [٩]
لا يطرب السامع من غناها ... حنّانة أعظمها أذاها
стр. 1166
١٥٢٢-[أرجل الجرادة والعقرب والنملة والسرطان]
وكذلك قوائم الجرادة، هي ستّ: يدان، ورجلان، والميشاران وبهما تعتمد إذا نزت [١] .
فأما العقرب فلها ثمان أرجل. وللنملة ست أرجل.
وللسّرطان ثمان أرجل، وهو في ذلك يستعين بأسنانه، فكأنه يمشي على عشر. وعيناه في ظهره. وما أكثر من يشويه ويأكله للشهوة، لا للحاجة ولا للعلاج.
١٥٢٣-[شعر في البعوض]
وقال الرّاجز [٢] ، ووصف حاله وحال البعوض: [من الرجز]
١- لم أر كاليوم ولا مذ قطّ ... أطول من ليلي بنهر بطّ
٣- كأنما نجومه في ربط ... أبيت بين خطّتي مشتطّ
٥- من البعوض ومن التغطّي ... إذا تغنّين غناء الزّطّ [٣]
٧- وهنّ منّي بمكان القرط ... فثق بوقع مثل وقع الشّرط
وقال أيضا [٤] : [من الرجز]
إذا البعوض زجلت أصواتها ... وأخذ اللحن مغنّياتها
لم تطرب السامع خافضاتها [٥] ... كلّ زجول تتّقى شذاتها [٦]
صغيرة، عظيمة أذاتها ... تنقص عن بغيتها بغاتها
ولا تصيب أبدا رماتها ... رامحة، خرطومها قناتها [٧]
وأنشدني جعفر بن سعيد: [من الرجز]
стр. 1167
ظللت بالبصرة في تهواش ... وفي براغيث أذاها فاشي [١]
من نافر منها وذي اهتماش ... يرفع جنبيّ عن الفراش
فأنا في حكّ وفي تخراش ... تترك في جنبيّ كالخراش [٢]
وزوجة دائمة الهراش ... تغلي كغلي المرجل النّشّاش [٣]
تأكل ما جمّعت من تهباشي ... بل أمّ معروف خموش ناش [٤]
وقال رجل من بني حمّان، وقع في جند الثغور: [من الطويل]
أأنصر أهل الشّام ممّن يكيدهم ... وأهلي بنجد ساء ذلك من نصر
براغيث ترذيني إذا الناس نوّموا ... وبقّ أقاسيه على ساحل البحر [٥]
فإن يك فرض بعدها لا أعد له ... وإن بذلوا حمر الدنانير كالجمر [٦]
باب في العنكبوت
قال الله : مَثَلُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْلِياءَ كَمَثَلِ الْعَنْكَبُوتِ اتَّخَذَتْ بَيْتاً، وَإِنَّ أَوْهَنَ الْبُيُوتِ لَبَيْتُ الْعَنْكَبُوتِ لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ
[٧] ، ثم قال على إثر ذلك: وَتِلْكَ الْأَمْثالُ نَضْرِبُها لِلنَّاسِ وَما يَعْقِلُها إِلَّا الْعالِمُونَ
[٨] يريد ذكره بالوهن. وكذلك هو. ولم يرد إحكام الصنعة في الرّقّة والصّفاقة، واستواء الرقعة، وطول البقاء، إذا كان لا يعمل فيه تعاور الأيام، وسلم من جنايات الأيدي.
стр. 1168
١٥٢٤-[شعر في العنكبوت]
وقال الحدّانيّ: [من الطويل]
يزهّدني في ودّ هارون أنه ... غذته بأطباء ملعّنة عكل
كأنّ قفا هارون إذ قام مدبرا ... قفا عنكبوت سلّ من دبرها غزل
ألا ليت هارونا يسافر جائعا ... وليس على هارون خفّ ولا نعل
وقال مزرّد بن ضرار: [من الطويل]
ولو أنّ شيخا ذا بنين كأنما ... على رأسه من شامل الشّيب قونس [١]
ولم يبق من أضراسه غير واحد ... إذا مسّه يدمى مرارا ويضرس [٢]
تبيّت فيه العنكبوت بناتها ... نواشئ حتى شبن أو هنّ عنّس
لظلّ إليها رانيا وكأنه ... إذا كشّ ثور من كريص منمّس [٣]
١٥٢٥-[أجناس العنكبوت ونسيجها]
قال: ومن أجناس العنكبوت جنس رديء التدبير، لأنه ينسج ستره على وجه الأرض، والصخور. ويجعله على ظهر الأرض خارجا، وتكون الأطراف داخلة. فإذا وقع عليه شيء مما يغتذيه من شكل الذّبّان وما أشبه ذلك أخذه.
وأما الدقيق الصّنعة فإنه يصعّد بيته ويمدّ الشّعرة ناحية القرون والأوتاد، ثم يسدّي من الوسط، ثم يهيّئ اللّحمة، ويهيّئ مصيدته في الوسط، فإذا وقع عليها ذباب تحرّك ما هناك ارتبط ونشبت به [٤] ، فيتركه على حاله حتى إذا وثق بوهنه وضعفه، غلّه [٥] وأدخله إلى خزانته. وإن كان جائعا مصّ من رطوبته ورمى به. فإذا فرغ رمّ ما تشعّث من نسجه.
وأكثر ما يقع على تلك المصيدة من الصّيد عند غيبوبة الشمس.
стр. 1169
وإنما تنسج الأنثى. فأما الذكر فإنه ينقض ويفسد.
وولد العنكبوت أعجب من الفرّوج، الذي يظهر إلى الدنيا كاسبا [١] محتالا مكتفيا.
قال: وولد العنكبوت يقوم على النسج ساعة يولد.
قال: والذي ينسج به لا يخرج من جوفه، بل من خارج جسده.
وقال الحدّانيّ [٢] : [من الطويل]
كأن قفا هارون إذ قام مدبرا ... قفا عنكبوت سلّ من دبرها غزل
فالنحل، والعنكبوت، ودود القزّ، تختلف من جهات ما يقال إنه يخرج منها.
١٥٢٦-[العنكبوت الذي يسمى الليث]
ومن العناكب جنس يصيد الذّباب صيد الفهود، وهو الذي يسمى: «الليث» وله ستّ عيون. وإذا رأى الذّباب لطئ بالأرض، وسكّن أطرافه. وإذا وثب لم يخطئ [٣] . وهو من آفات الذّبّان، ولا يصيد إلا ذبّان الناس.
١٥٢٧-[قتل الذبّان للأسد]
[٤] وذبّان الأسد على حدة، وذبّان الكلاب على حدة، وليس يقوم لها شيء. وهي أشدّ من الزنابير، وأضرّ من العقارب الطيّارة. وفيها من الأعاجيب أنها تعضّ الأسد، كما يعضّ الكلب ذبّان الكلب.
وكذلك ذبّان الكلأ، لما يغشى الكلأ من بعير وغير ذلك. ولها عضّ منكر، ولا يبلغ مبلغ ذبّان الأسد.
فمن أعاجيبها سوى شدة عضّها وسمّها، وأنها مقصورة على الأسد، وأنها متى رأت بأسد دما من جراح أو رمي، ولو في مقدار الخديش الصغير فإنها تستجمع عليه، فلا تقلع عنه حتى تقتله.
стр. 1170
١٥٢٨-[قتل الذر للحية]
وهذا شبيه بما يروى ويخبر عن الذَّرّ، فإن الذَّرّ متى رأت بحيّة خدشا لم تقلع عنه حتى تقتله، وحتى تأكله.
١٥٢٩-[شدة ولوع النمل بالأراك]
ولقد أردت أن أغرس في داري أراكة، فقالوا لي: إن الأراكة إنما تنبت من حبّ الأراك، وفي نباتها عسر، وذلك أن حبّ الأراك يغرس في جوف طين، وفي قواصر [١] ، ويسقى الماء أياما. فإذا نبت الحبّ وظهر نباته فوق الطين، وضعت القوصرة [١] كما هي في جوف الأرض، ولكنها إلى أن تصير في جوف الأرض، فإن الذرّ يطالبها مطالبة شديدة. وإن لم تحفظ منها بالليل والنهار أفسدتها.
فعمدت إلى منارات من صفر [٢] من هذه المسارج [٣] ، وهي في غاية الملاسة واللّين، فكنت أضع القوصرة على التّرس الذي فوق العمود الأملس، فأجد فيها الذرّ الكثير، فكنت أنقل المنارة من مكان إلى مكان، فما أفلح ذلك الحبّ.
١٥٣٠-[ضروب العناكب]
قال: والعناكب ضروب: فمنها هذا الذي يقال له الليث، وهو الذي يصيد الذبّان صيد الفهد، وقد ذكرنا في صدر هذا الكلام [٤] حذقه ورفقه، وتأتّيه وحيلته.
ومنها أجناس طوال الأرجل، والواحدة منها إذا مشت على جلد الإنسان تبثّر [٥] . ويقال إن العنكبوت الطويلة الأرجل، إنما اتخذت بيتا وأعدّت فيه المصايد والحبائل، والخيوط التي تلتفّ على ما يدخل بيتها من أصناف الذّبان وصغار الزنابير- لأنها حين علمت أنها لا بدّ لها من قوت، وعرفت ضعف قوائمها، وأنها تعجز عما يقوى عليه الليث، احتالت بتلك الحيل.
فالعنكبوت، والفأر، والنحل، والذّرّ، والنمل، من الأجناس التي تتقدم في إحكام شأن المعيشة.
стр. 1171
ومنها جنس رديء، مشنوء [١] الصورة، غليظ الأرجل، كثيرا ما يكون في المكان التّرب من الصناديق والقماطر والأسفاط. وقد قيل: إنّ بينه وبين الحيّة، كما بين الخنفساء والعقرب.
وإناث العناكب هي العوامل: تغزل وتنسج. والذّكر أخرق ينقض ولا ينسج.
وإن كان ما قال صاحب المنطق حقّا فما أغرب الأعجوبة في ذلك، وذلك أنه زعم أن العنكبوت تقوى على النَّسج، وعلى التقدم في إحكام شأن المعاش حين تولد.
١٥٣١-[الكاسب من أولاد الحيوان]
وقالوا: وأشياء من أولاد الحيوان تكون عالمة بصناعتها، عارفة بما يعيشها ويصلحها، حتى تكون في ذلك كأمهاتها وآبائها، حين تخرج إلى الدنيا، كالفرّوج من ولد الدجاج، والحسل من ولد الضّباب، وفرخ العنكبوت.
وهذه الأجناس، مع الفأر والجرذان، هي التي من بين جميع الخلق تدّخر لنفسها ما تعيش به من الطّعم.
باب في النحل
زعم صاحب المنطق أن خليّة من خلايا النحل فيما سلف من الزمان، اعتلت ومرض ما كان فيها من النحل، وجاء نحل من خليّة أخرى يقاتل هذا النحل حتى أخرجت العسل، وأقبل القيّم على الخلايا يقتل بذلك النحل الذي جاء إلى خليته.
قال: فخرج النحل من الخليّة يقاتل النحل الغريب، والرجل بينها يطرد الغريب، فلم تلسعه نحل الخليّة التي هو حافظها، لدفعه المكروه عنها.
قال: وأجود العسل ما كان لونه لون الذهب.
١٥٣٢-[تقسيم النحل للأعمال]
قال: والنحل تجتمع فتقسم الأعمال بينها، فبعضها يعمل الشّمع، وبعضها يعمل العسل، وبعضها يبني البيوت، وبعضها يستقي الماء ويصبّه في الثّقب، ويلطخه بالعسل.
стр. 1172
ومنه ما يبكّر إلى العمل. ومن النحل ما يكفّه [١] ؛ حتى إذا نهضت واحدة طارت كلها. يقال: «بكر بكور اليعسوب» ، يريد أمير النحل لأنها تتبعه غدوة إلى عملها.
ومنها ما ينقل العسل من أطراف الشجر، ومنها ما ينقل الشّمع الذي تبني به، فلا تزال في عملها حتى إذا كان الليل آبت إلى مآبها.
١٥٣٣-[استطراد لغوي]
قال: والأري: عمل العسل. يقال: أرت تأري أريا. والأري في غير هذا الموضع: القيء [٢] . وقال أبو ذؤيب [٣] : [من الطويل]
بأري التي تأري إلى كل مغرب ... إذا اصفرّ ليط الشمس حان انقلابها [٤]
ومغارب: جمع مغرب. وكل شيء واراك من شيء فهو مغرب، كما جعله أبو ذؤيب. والأصل مغرب الشمس. وقال أبو ذؤيب [٥] : [من الطويل]
فبات بجمع ثمّ تمّ إلى منى ... فأصبح رأدا يبتغي المزج بالسّحل [٦]
المزج: العسل. والسّحل: النقد.
١٥٣٤-[ما له رئيس من الحيوان]
ومن الحيوان ما يكون لكل جماعة منها رأس وأمير، ومنها ما لا يكون ذلك له.
فأما الحيوان الذي لا يجد بدّا ولا مصلحة لشأنه إلا في اتخاذ رئيس ورقيب فمثل ما يصنع الناس، ومثل ما تتخذ النحل والغرانيق، والكراكيّ [٧] .
стр. 1173
فأما الإبل والحمير والبقر، فإن الرياسة لفحل الهجمة [١] ، ولعير العانة [٢] ، ولثور الرّبرب [٣] . وذكورتها لا تتخذ الرّقباء من الذّكورة.
وقد زعم [٤] ناس أن الكراكيّ لا ترى أبدا إلا فرادى فكأن الذي يجمعها الذكر، ولا يجمعها إلا أزواجا.
ولا أدري كيف هذا القول؟! والنحل أيضا تسير بسيرة الإبل والبقر والحمير، لأن الرئيس هو الذي يوردها ويصدرها، وتنهض بنهوضه، وتقع بوقوعه. واليعسوب هو فحلها. فترى كما ترى، سائر الحيوان الذي يتخذ رئيسا إنما هي إناث الأجناس، إلا الناس؛ فإنهم يعلمون أن صلاحهم في اتخاذ أمير وسيّد، ورئيس.
وزعم بعضهم أن رياسة اليعسوب، وفحل الهجمة، والثور، والعير، لأحد أمرين: أحدهما لاقتدار الذّكر على الإناث، والآخر لما في طباع الإناث من حبّ ذكورتها.
ولو لم تتأمّر عليها الفحول لكانت هي لحبّها الفحول تغدو بغدوّها، وتروح برواحها.
قالوا: وكذلك الغرانيق والكراكيّ [٥] . فأما ما ذكروا من رؤساء الإبل والبقر والجواميس والحمير، فما أبعدهم في ذلك عن الصواب.
وأما إلحاقهم الغرانيق والكراكي [٥] بهذه المنزلة فليس على ما قالوا.
وعلى أنّا لا نجد بدّا من أن يعلم أن ذكورتها أقوى على قسر الإناث وجمعها إليها من الإناث.
وعلى أنه لا بد من أن يكون بعض طاعة الإناث لها من جهة ما في طباعها من حبّ ذكورتها.
стр. 1174
ولو كان اتخاذ الغرانيق والكراكيّ الرؤساء والرّقباء إنما علته المعرفة- لم يكن للغرانيق والكراكيّ في المعرفة فضل على الذّر والنمل، وعلى الذّئب والفيل، وعلى الثعلب والحمام.
أما الغنم فهي أغثر وأموق [١] من أن تجري في باب هذا القول.
وقد تخضع الحيات للحية، والكلاب للكلب، والدّيوك للديك، حتى لا تروّمه [٢] ولا تحاول مدافعته.
١٥٣٥-[هيبة الكلاب]
ولقد خرجت في بعض الأسحار في طلب الحديث، فلما صرت في مرّبعة المحلّة، ثار إليّ عدّة من الكلاب، من ضخامها، ومما يختاره الحرّاس. فبينا أنا في الاحتيال لهنّ وقد غشينني إذ سكتن سكتة واحدة معا، ثم أخذ كل واحد في شقّ كالخائف المستخفي، وسمعت نغمة [٣] إنسان، فانتهزت تلك الفرصة من إمساكهنّ عن النّباح، فقلت: إنّ ههنا لعلّة إذ أقبل رجلان ومعها كلب أزبّ [٤] ضخم دوسر [٥] ، وهو في ساجور [٦] ، ولم أر كلبا قط أضخم منه، فقلت: إنهنّ إنما أمسكن عن النّباح وتسترن، من الهيبة له! وهي مع ذلك لا تتخذ رئيسا.
١٥٣٦-[سادة الحيوان]
وروي عن عبّاد بن صهيب، عن عوف بن أبي جميلة، عن قسامة بن زهير قال:
قال أبو موسى [٧] : «إن لكل شيء سادة حتى إن للنمل سادة» . فقال بعضهم: سادة النمل: المتقدّمات.
وهذا تخريج، ولا ندري ما معنى ما قال أبو موسى في هذا.
ولو كان اتخاذ الرئيس من النحل، والكراكيّ، والغرانيق [٨] ، والإبل، والحمير،
стр. 1175
والثيران، لكثرة ما معها من المعرفة- لكانت القرود، والفيلة والذرّ، والثعالب، أولى بذلك. فلا بد من معرفة، ولا بد من طباع وصنعة.
والحمام يزجلن [١] من لؤلؤة [٢] ، وهنّ بصريّات وبغداديّات، وهنّ جمّاع من هاهنا وهاهنا، فلا تتخذ رئيسا.
١٥٣٧-[طعن ناس من الملحدين في آية النّحل]
وقد طعن ناس من الملحدين، وبعض من لا علم له بوجوه اللغة وتوسّع العرب في لغتها، وفهم بعضها عن بعض، بالإشارة والوحي- فقالوا: قد علمنا أن الشمع شيء تنقله النحل، مما يسقط على الشجر، فتبني بيوت العسل منه، ثم تنقل من الأشجار العسل الساقط عليها، كما يسقط التّرنجبين [٣] ، والمنّ [٤] ، وغير ذلك. إلا أن مواضع الشمع وأبدانه خفيّ. وكذلك العسل أخفى وأقلّ. فليس العسل بقيء ولا رجع [٥] ، ولا دخل للنحلة في بطن قطّ.
١٥٣٨-[رد الجاحظ على الملحدين]
وفي القرآن قول الله : وَأَوْحى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ أَنِ اتَّخِذِي مِنَ الْجِبالِ بُيُوتاً وَمِنَ الشَّجَرِ وَمِمَّا يَعْرِشُونَ. ثُمَّ كُلِي مِنْ كُلِّ الثَّمَراتِ فَاسْلُكِي سُبُلَ رَبِّكِ ذُلُلًا يَخْرُجُ مِنْ بُطُونِها شَرابٌ مُخْتَلِفٌ أَلْوانُهُ فِيهِ شِفاءٌ لِلنَّاسِ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ
[٦] .
ولو كان إنما ذهب إلى أنه شيء يلتقط من الأشجار، كالصّموغ وما يتولد من طباع الأنداء والأجواء والأشجار إذا تمازجت- لما كان في ذلك عجب إلا بمقدار ما نجده في أمور كثيرة.
стр. 1176
١٥٣٩-[زعم الجهّال في نبوة النحل]
قلنا: قد زعم ابن حائط وناس من جهّال الصّوفيّة، أن في النحل أنبياء، لقوله : وَأَوْحى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ
. وزعموا أن الحواريّين كانوا أنبياء لقوله : وَإِذْ أَوْحَيْتُ إِلَى الْحَوارِيِّينَ
[١] .
قلنا: وما خالف إلى أن يكون في النحل أنبياء؟! بل يجب أن تكون النحل كلها أنبياء، لقوله على المخرج العامّ: وَأَوْحى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ
، ولم يخصّ الأمهات والملوك واليعاسيب، بل أطلق القول إطلاقا.
وبعد فإن كنتم مسلمين فليس هذا قول أحد من المسلمين. وإلا تكونوا مسلمين فلم تجعلون الحجة على نبوة النحل كلاما هو عندكم باطل؟!
١٥٤٠-[قول في المجاز]
وأما قوله : يَخْرُجُ مِنْ بُطُونِها شَرابٌ
[٢] فالعسل ليس بشراب، وإنما هو شيء يحوّل بالماء شرابا، أو بالماء نبيذا. فسماه كما ترى شرابا، إذ كان يجيء منه الشراب.
وقد جاء في كلام العرب أن يقولوا: جاءت السماء اليوم بأمر عظيم.
وقد قال الشاعر [٣] : [من الوافر]
إذا سقط السماء بأرض قوم ... رعيناه وإن كانوا غضابا
فزعموا أنهم يرعون السماء، وأنّ السماء تسقط.
ومتى خرج العسل من جهة بطونها وأجوافها فقد خرج في اللغة من بطونها وأجوافها.
ومن حمل اللغة على هذا المركب، لم يفهم عن العرب قليلا ولا كثيرا وهذا
стр. 1177
الباب هو مفخر العرب في لغتهم، وبه وبأشباهه اتسعت. وقد خاطب بهذا الكلام أهل تهامة، وهذيلا، وضواحي كنانة. وهؤلاء أصحاب العسل. والأعراب أعرف بكل صمغة سائلة، وعسلة ساقطة، فهل سمعتم بأحد أنكر هذا الباب أو طعن عليه من هذه الحجة؟!
١٥٤١-[أحاديث وأقوال في العسل]
حدّث عن سفيان الثَّوريّ، قال حدّثنا أبو طعمة عن بكر بن ماعز، عن ربيع بن خثيم قال: «ليس للمريض عندي دواء إلا العسل» .
وعن هشام بن حسان، عن الحسن أنه كان يعجبه إذا استمشى [١] الرجل أن يشرب اللبن والعسل.
إبراهيم بن أبي يحيى، قال: بلغني عن ابن عباس: «أن النبيّ ﷺ سئل: أيّ الشراب أفضل؟ قال: الحلو البارد» [٢] .
وسفيان الثوري عن أبي إسحاق، عن أبي الأحوص عن ابن مسعود قال:
«عليكم بالشفاءين: القرآن والعسل» [٣] .
شعبة عن أبي إسحاق، عن أبي الأحوص، قال: مضى رجل إلى ابن مسعود فقال: إن أخي يشتكي بطنه، وقد نعتت له الخمر. فقال: سبحان الله! ما كان الله ليجعل شفاءه في رجس، وإنما جعل الشفاء في اثنين: في القرآن والعسل.
سعيد بن أبي عروبة، عن قتادة، عن أبي المتوكّل الناجيّ، عن أبي سعيد الخدريّ: «أن رجلا أتى النبيّ ﷺ فقال إن أخي يشتكي بطنه، فقال ﵇: اسقه عسلا. ثم أتاه فقال: قد فعلت. قال: اسقه عسلا. ثم أتاه فقال: قد فعلت. فقال: اسقه عسلا. ثم أتاه الرابعة، فقال: صدق الله وكذب بطن أخيك. اسقه عسلا! فسقاه فبرأ الرجل» [٤] .
قال: والذي يدلّ على صحة تأويلنا لقول الله :
стр. 1178
يَخْرُجُ مِنْ بُطُونِها شَرابٌ مُخْتَلِفٌ أَلْوانُهُ فِيهِ شِفاءٌ لِلنَّاسِ
[١] ، أن تكون المعجونات كلها إنما بالعسل، وكذلك الأنبجات [٢] .
١٥٤٢-[كيفية معرفة العسل الجيد]
وإذا ألقي في العسل اللحم الغريض [٣] فاحتاج صاحبه إليه بعد شهر أخرجه طريّا لم يتغير.
وإذا قطرت منه قطرة على وجه الأرض، فإن استدار كما يستدير الزّئبق، ولم يتفشّ، ولم يختلط بالأرض والتراب فهو الصحيح. وأجوده الذهبيّ [٤] .
١٥٤٣-[لذة شراب العسل]
ويزعم أصحاب الشراب أنهم لم يروا شرابا قطّ ألذّ ولا أحسن ولا أجمع لما يريدون، من شراب العسل الذي ينتبذ بمصر. وليس في الأرض تجار شراب ولا غير ذلك أيسر منهم.
وفيه أعجوبة: وذلك أنهم لا يعملونه إلا بماء النّيل أكدر ما يكون. وكلما كان أكدر كان أصفى. وإن عملوه بالصافي فسد.
وقد يلقى العسل على الزّبيب، وعلى عصير الكرم فيجوّدهما.
١٥٤٤-[التشبيه بالعسل]
وهو المثل في الأمور المرتفعة، فيقولون: ماء كأنه العسل. ويصفون كلّ شيء حلو، فيقولون [٥] : كأنه العسل. ويقال: هو معسول اللسان [٦] . وقال الشاعر [٧] : [من الطويل]
стр. 1179
لسانك معسول ونفسك شحّة ... ودون الثّريّا من صديقك مالكا [١]
١٥٤٥-[التنويه بالعسل في القرآن]
وقال الله في كتابه، وذكر أنهار الجنة، فقال: مَثَلُ الْجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ فِيها أَنْهارٌ مِنْ ماءٍ غَيْرِ آسِنٍ وَأَنْهارٌ مِنْ لَبَنٍ لَمْ يَتَغَيَّرْ طَعْمُهُ وَأَنْهارٌ مِنْ خَمْرٍ لَذَّةٍ لِلشَّارِبِينَ. وَأَنْهارٌ مِنْ عَسَلٍ مُصَفًّى
[٢] . فاستفتح الكلام بذكر الماء، وختمه بذكر العسل. وذكر الماء واللبن فلم يذكرهما في نعتهما ووصفهما إلا بالسلامة من الأسن والتغيّرو وذكر الخمر والعسل فقال: مِنْ خَمْرٍ لَذَّةٍ لِلشَّارِبِينَ
ومِنْ عَسَلٍ مُصَفًّى
، فكان هذا ضربا من التفضيل، وذكرها [٣] في مواضع أخر [٤] فنفى عنها عيوب خمر الدنيا. فقال اسمه: لا يُصَدَّعُونَ عَنْها وَلا يُنْزِفُونَ
[٥] . فكان هذا القول الأول أظهر دليل على التفضيل.
[باب في القراد]
(باب)
١٥٤٦-[القول في القراد]
يقال: «أسمع من قراد» [٦] و «ألزق من قراد» [٧] و «ما هو إلا قراد ثفر» [٨] . وقال الشاعر [٩] : [من الطويل]
стр. 1180
هم السمن بالسنّوت لا ألس فيهم ... وهم يمنعون جارهم أن يقرّدا [١]
السنّوت، عند أهل مكة: العسل. وعند آخرين: الكمّون.
وقال الحطيئة [٢] : [من الوافر]
لعمرك ما قراد بني كليب ... إذا نزع القراد بمستطاع
قال: وذلك أن الفحل يمنع أن يخطم [٣] . فإذا نزعوا من قراداته شيئا لذّ لذلك، وسكن إليه، ولان لصاحبه، فعند ذلك يلقي الخطام في رأسه.
قال: وأخبرني فراس بن خندق، وأبو برزة قال: كان جحدر إذا نزلت رفقة قريبا منه، أخذ شنة [٤] فجعل فيها قردانا، ثم نثرها بقرب الإبل فإذا وجدت الإبل مسّها نهضت، وشدّ الشّنّة في ذنب بعض الإبل، فإذا سمعت صوت الشّنّة، وعملت فيها القردان نفرت. ثم كان يثب في ذروة ما ندّ [٥] منها، ويقول: ارحم الغارّة [٦] الضّعاف! يعني القردان.
قال أبو برزة: ولم تكن همّته تجاوز بعيرا.
١٥٤٧-[القراد في الهجاء]
قال رشيد بن رميض [٧] : [من الوافر]
لنا عزّ ومأوانا قريب ... ومولى لا يدبّ مع القراد
وهجاهم الأعشى فقال [٨] : [من الطويل]
стр. 1181
فلسنا لباغي المهملات بقرفة ... إذا ما طما بالليل منتشراتها [١]
أبا مسمع أقصر، فإن قصيدة ... متى تأتكم تلحق بها أخواتها [٢]
وهجاهم حضين بن المنذر فقال: [من الوافر]
تنازعني ضبيعة أمر قومي ... وما كانت ضبيعة للأمور
وهل كانت ضبيعة غير عبد ... ضممناه إلى نسب شطير [٣]
وأوصاني أبي، فحفظت عنه ... بفكّ الغلّ عن عنق الأسير
وأوصى جحدر فوقى بنيه ... بإرسال القراد على البعير
قال: وفي القردان يقول الآخر- قال: وبعضهم يجعلها في البراغيث؛ وهذا باطل [٤] : [من الطويل]
ألا يا عباد الله من لقبيلة ... إذا ظهرت في الأرض شدّ مغيرها
فلا الدّين ينهاها ولا هي تنتهي ... ولا ذو سلاح من معدّ يضيرها
فمن أصناف القردان: الحمنان، والحلم، والقرشام، والعلّ، والطّلح.
١٥٤٨-[شعر ومثل في القرد]
وقال الطّرمّاح [٥] : [من الخفيف]
لمّا وردت الطّويّ والحوض كال ... صيّرة دفن الإزاء ملتبده [٦]
سافت قليلا على نصائبه ... ثم استمرّت في طامس تخده [٧]
стр. 1182
وقد لوى أنفه بمشفرها ... طلح قراشيم شاحب جسده [١]
علّ طويل الطّوى كبالية السّف ... ع متى يلق العلوّ يصطعده [٢]
وفي لزوق القراد يقول الراعي [٣] : [من الكامل]
نبتت مرافقهنّ فوق مزلّة ... لا يستطيع بها القراد مقيلا
والعرب تقول: «ألزق من البرام!» [٤] ، كما تقول: «ألزق من القراد!» [٥] . وهما واحد.
١٥٤٩-[شعر لأمية في الأرض والسماء]
وذكر أمية بن أبي الصّلت، خلق السماء، وإنه ذكر من ملاستها أن القراد لا يعلق بها، فقال [٦] : [من الكامل]
والأرض معقلنا وكانت أمّنا ... فيها معاقلنا وفيها نولد
فيها تلاميذ على قذفاتها ... حبسوا قياما فالفرائص ترعد [٧]
فبني الإله عليهم مخصوفة ... خلقاء لا تبلى ولا تتأوّد [٨]
стр. 1183
فلو أنّه تحدو البرام بمتنها ... زلّ البرام عن التي لا تقرّد [١]
١٥٥٠-[استطراد لغوي]
قال: القراد أول ما يكون- وهو الذي لا يكاد يرى من صغر- قمقامة، ثم يصير حمنانة، ثم يصير قرادا، ثم يصير حلمة.
قال: ويقال للقراد: العلّ، والطّلح، والقتين، والبرام، والقرشام.
قال: والقمّل واحدتها قمّلة، وهي من جنس القردان، وهي أصغر منها.
١٥٥١-[تخلق القراد والقمل]
قال: والقردان يتخلّق من عرق البعير، ومن الوسخ والتلطّخ بالثّلوط [٢] والأبوال، كما يتخلّق من جلد الكلب، وكما يتخلق القمل من عرق الإنسان ووسخه، إذا انطبق عليه ثوب أو شعر أو ريش.
والحلم يعرض لأذني الكلب أكثر ذلك.
١٥٥٢-[أمثال وأشعار وأخبار في القراد]
قال: ويقال «أقطف من حلمة» [٣] ، و «ألزق من برام» [٤] ، و «أذلّ من قراد» [٥] .
وقال الشاعر [٦] : [من الطويل]
يكاد خليلي من تقارب شخصه ... يعضّ القراد باسته وهو قائم
وقال أبو حنش لقيس بن زهير: «والله لأنت بها أذلّ من قراد!» [٥] ، فقدّمه وضرب عنقه.
стр. 1184
وقال الراجز [١] : [من الرجز]
قردانه في العطن الحوليّ ... بيض كحبّ الحنظل المقليّ [٢]
من الخلاء ومن الخويّ [٣]
ويقال لحلمة الثّدي: القراد. وقال عديّ بن الرّقاع [٤] : [من الطويل]
كأن قرادي صدره طبعتهما ... بطين من الجولان كتّاب أعجم
والقراد يعرض لاست الجمل، والنمل يعرض للخصى. وقال الشاعر [٥] : [من المتقارب]
وأنت مكانك من وائل ... مكان القراد من است الجمل
وقال الممزّق [٦] : [من الطويل]
تناخ طليحا ما تراع من الشّذا ... ولو ظلّ في أوصالها العلّ يرتقي [٧]
ويروى: «فباتت ثلاثا لا تراع» . يصف شدة جزعها من القردان.
وقال بشار بن برد: [من الوافر]
أعادي الهمّ منفردا بشوق ... على كبدي كما لزق القراد
وكانوا إذا خافوا الجدب والأزمة تقدموا في عمل العلهز. والعلهز: قردان يعالج
стр. 1185
بدم الفصد مع شيء من وبر. فيدّخرون ذلك كما يدّخر من خاف الحصار الأكارع [١] والجاورس [٢] .
والشّعوبيّة تهجو العرب بأكل العلهز، والفثّ [٣] ، والدّعاع [٤] ، والهبيد [٥] ، والمغافير [٦] ، وأشباه ذلك. وقال حسان بن ثابت [٧] : [من الخفيف]
لم يعلّلن بالمغافير والصّم ... غ ولا شري حنظل الخطبان
وقال الطّرمّاح [٨] : [من الخفيف]
لم تأكل الفثّ والدعاع ولم ... تنقف هبيدا يجنيه مهتبده
وقال الأصمعيّ: قال رجل من أهل المدينة لرجل: أيسرّك أن تعيش حتى تجيء حلمة [٩] من إفريقية مشيا؟ قال: فأنت يسرّك ذلك؟ قال: أخاف أن يقول إنسان: إنها بمخيض، فيغشى عليّ! ومخيض على رأس بريد من المدينة.
ويقولون: أمّ القراد، للواحدة الكبيرة منها. ويتسمّون بقراد، ويكتنون بأبي قراد. وقد ذكر ذلك أبو النجم فقال [١٠] : [من الرجز]
للأرض من أمّ القراد الأطحل [١١]
وفي العرب بنو قراد.
стр. 1186
باب في الحبارى
ونقول في الحبارى بقول موجز، إن شاء الله تعالى.
قال ابن الأعرابي: قال أعرابيّ [١] «إنه ليقتل الحبارى هزلا ظلم الناس بعضهم لبعض!» . قال يقول: إذا كثرت الخطايا منع الله درّ السّحاب. وإنما تصيب الطير من الحبّ ومن الثمر على قدر المطر.
وقال الشاعر [٢] : [من الخفيف]
يسقط الطير حيث ينتثر الح ... بّ وتغشى منازل الكرماء
وهذا مثل قوله [٣] : [من الرجز]
أما رأيت الألسن السّلاطا ... والأذرع الواسعة السّباطا [٤]
إن الندى حيث ترى الضّغاطا [٥]
١٥٥٣-[شعر وأمثال في الحبارى]
وقالوا في المثل: «مات فلان كمد الحبارى» [٦] : وقال أبو الأسود الدؤلي [٧] :
[من الوافر]
وزيد ميّت كمد الحبارى ... إذا ظعنت هنيدة أو تلمّ
стр. 1187
ويروى: «ملمّ» وهو اسم امرأة.
وذلك أن الطير تتحسّر [١] وتتحسّر معها الحبارى. والحبارى إذا نتفت أو تحسّرت أبطأ نبات ريشها، فإذا طار صويحباتها ماتت كمدا [٢] .
وأما قوله: «أو تلمّ» يقول: أو تقارب أن تظعن [٣] .
وقال عثمان بن عفان ﵁: «كلّ شيء يحبّ ولده حتى الحبارى!» [٤] . يضرب بها المثل في الموق [٥] .
١٥٥٤-[سلاح الحبارى في سلاحها]
قال [٦] : وللحبارى خزانة بين دبره وأمعائه، له فيها أبدا سلح رقيق لزج، فمتى ألحّ عليها الصقر- وقد علمت أن سلاحها [٧] من أجود سلاحها، وأنها إذا ذرقته بقي كالمكتوف، أو المدبّق [٨] المقيّد فعند ذلك تجتمع الحباريات على الصقر فينتفن ريشه كلّه طاقة طاقة [٩] وفي ذلك هلاك الصقر.
١٥٥٥-[سلاح بعض الحيوان]
قال: وإنما الحبارى في سلاحها كالظّرابيّ في فسائها، وكالثعلب في سلاحه [٧] ، وكالعقرب في إبرتها، والزنبور في شعرته، والثور في قرنه، والدّيك في صيصيته [١٠] ، والأفعى في نابها، والعقاب في كفّها، والتمساح في ذنبه.
وكلّ شيء معه سلاح فهو أعلم بمكانه. وإذا عدم السّلاح كان أبصر بوجوه
стр. 1188
الهرب؛ كالأرنب في إيثارها للصّعداء، لقصر يديها، وكاستعمال الأرانب للتوبير [١] والوطء على الزّمعات [٢] ، واتخاذ اليرابيع. القاصعاء والنّافقاء، والدّامّاء، والراهطاء [٣] .
١٥٥٦-[شعر في الحبارى]
وقال الشاعر [٤] : [من الوافر]
وهم تركوك أسلح من حبارى ... رأت صقرا وأشرد من نعام
يريد: نعامة. وقال قيس بن زهير: [من الطويل]
متى تتحزّم بالمناطق ظالما ... لتجري إلى شأو بعيد وتسبح
تكن كالحبارى إن أصيبت فمثلها ... أصيب وإن تفلت من الصّقر تسلح
وقال ابن أبي فنن، يصف ناسا من الكتّاب، في قصيدة له ذكر فيها خيانتهم، فقال [٥] : [من الوافر]
رأوا مال الإمام لهم حلالا ... وقالوا الدّين دين بني صهارى
ولو كانوا يحاسبهم أمين ... لقد سلحوا كما سلح الحبارى
١٥٥٧-[الخرب والنهار]
والخرب: ذكر الحبارى. والنهار: فرخ الحبارى. وفرخها حارض [٦] ساقط لا خير فيه. وقال متمّم بن نويرة [٧] : [من الطويل]
وضيف إذا أرغى طروقا بعيره ... وعان ثوى في القدّ حتى تكنّعا [٨]
стр. 1189
وأرملة تمشي بأشعث محثل ... كفرخ الحبارى رأسه قد تصوّعا [١]
وقال أعرابيّ [٢] : [من الرجز]
أحبّ أن أصطاد ضبّا سحبلا ... وخربا يرعى ربيعا، أرملا [٣]
فجعل الخرب أرمل، لأن ريشه يكون أكثر. وقد ذكرنا ما في هذا الباب فيما قد سلف من كتابنا [٤] .
١٥٥٨-[خبر فيه ذكر الحبارى]
وقال أبو الحسن المدائنيّ: قال سعيد النّواء: قدمت المدينة فلقيت عليّ بن الحسين، فقلت: يا ابن رسول الله، متى يبعث أمير المؤمنين علي بن أبي طالب؟
قال: إذا بعث الناس.
قال: ثم تذاكرنا أيام الجمل فقال: ليته كان ممنوعا قبل ذلك بعشرين سنة- أو كلمة غير هذه- قال: فأتيت حسن بن حسن. فذكرت له ما قال، فقال: لوددت والله أنه كان يقاتلهم إلى اليوم! قال: فخرجت من فوري ذلك إلى عليّ بن الحسين، فأخبرته بما قال، فقال: إنه لقليل الإبقاء على أبيه.
قال: وبلغ الخبر المختار فقال: أيضرّب [٥] بين ابني رسول الله ﷺ ؟ لأقتلنّه! فتواريت ما شاء الله، ثم لم أشعر إلا وأنا بين يديه، فقال: الحمد لله الذي أمكنني منك! قال فقلت: أنت استمكنت مني؟ أما والله لولا رؤيا رأيتها لما قدرت عليّ! قال: وما رأيت؟ فقلت: رأيت عثمان بن عفان. فقالت: أنت عثمان بن عفان؟ فقال: أنا حبارى، تركت أصحابي حيارى، لا يهود ولا نصارى! فقال: يا أهل الكوفة انظروا إلى ما أرى الله عدوّكم! ثم خلّى سبيلي. [وقد روي هذا الكلام عن شتير بن شكل، أنه رأى معاوية في النوم فقال الكلام الذي روي عن عثمان.
стр. 1190
ووجه كلام عليّ بن الحسين الذي رواه عنه سعيد النواء، إن كان صادقا فإنه للذي كان يسمع من الغالية [١] ، من الإفراط والغلوّ والفحش.
فكأنه إنما أراد كسرهم، وأن يحطّهم عن الغلوّ إلى القصد [٢] ؛ فإن دين الله بين التقصير والغلوّ، وإلا فعليّ بن الحسين أفقه في الدين، وأعلم بمواضع الإمامة، من أن يخفى عليه فضل [٣] ما بين عليّ وبين طلحة والزّبير.
١٥٥٩-[شعر ومعرفة في الحبارى]
وقال الكميت [٤] : [من الطويل]
وعيد الحبارى من بعيد تنفّشت ... لأزرق مغلول الأظافير بالخضب [٥]
والحبارى طائر حسن. وقد يتّخذ في الدور.
وناس كثير من العرب وقريش يستطيبون محسيّ الحبارى جدّا.
قال: والحبارى من أشد الطير طيرانا، وأبعدها مسقطا وأطولها شوطا، وأقلّها عرجة [٦] . وذلك أنها تصطاد بظهر البصرة عندنا، فيشقّق عن حواصلها. فيوجد فيه الحبّة الخضراء غضّة، لم تتغير ولم تفسد.
وأشجار البطم [٧] وهي الحبّة الخضراء بعيدة المنابت منّا وهي علوية أو ثغريّة [٨] ، أو جبليّة. فقال الشاعر [٩] : [من المنسرح]
ترتعي الضّرو من براقش أو هيلا ... ن أو يانعا من العتم
стр. 1191
شجر الزيتون. والضّر وشجر البطم، وهي الحبّة الخضراء بالجبال شجرتها.
وقال الكودن العجليّ، ويروى العكلي: «البطم لا يعرفه أهل الجلس» ، وبلاد نجد هي الجلس، وهو ما ارتفع. والغور هو ما انخفض.
وبراقش: واد باليمن، كان لقوم عاد. وبراقش: كلبة كانت تتشاءم بها العرب [١] . وقال حمزة بن بيض [٢] : [من الخفيف]
بل جناها أخ عليّ كريم ... وعلى أهلها براقش تجني
[باب في الضأن والمعز]
(القول في الضأن والمعز) قال صاحب الضّأن: قال الله ﵎: ثَمانِيَةَ أَزْواجٍ مِنَ الضَّأْنِ اثْنَيْنِ وَمِنَ الْمَعْزِ اثْنَيْنِ
[٣] ، فقدّم ذكر الضأن.
وقال : وَفَدَيْناهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ
[٤] . وقد أجمعوا على أنه كبش. ولا شيء أعظم مما عظّم الله ، ومن شيء فدي به نبيّ.
وقال تعالى: إِنَّ هذا أَخِي لَهُ تِسْعٌ وَتِسْعُونَ نَعْجَةً وَلِيَ نَعْجَةٌ واحِدَةٌ
[٥] ولم يقل إنّ هذا أخي له تسع وتسعون عنزا ولي عنز واحدة؛ لأن الناس يقولون: كيف النعجة؟ يريدون الزوجة.
وتسمي المها من بقر الوحش نعاجا ولم تسمّ بعنوز. وجعله [٦] الله السّنّة في الأضاحي. والكبش للعقيقة [٧] وهدية العرس وجعل الجذع [٨] من
стр. 1192
الضأن كالثّنيّ [١] من المعز في الأضحية.
وهذا ما فضّل الله به الضأن في الكتاب والسّنّة.
١٥٦٠-[فضل الضأن على المعز]
تولّد الضأن مرة في السّنة، وتفرد ولا تتئم. والماعزة قد تولّد مرتين، وقد تضع الثلاث وأكثر وأقلّ.
والبركة والنّماء والعدد في الضأن، والخنزيرة كثيرة الخنانيص. يقال إنها تلد عشرين خنّوصا. ولا نماء فيها [٢] .
قال: وفضل الضأن على المعز أن الصوف أغلى وأثمن وأكثر قدرا من الشعر.
والمثل السائر: «إنما فلان كبش من الكباش» . وإذا هجوه قالوا: «إنما هو تيس من التيوس» إذا أرادوا النتن أيضا. فإذا أرادوا الغاية في الغباوة قالوا [٣] : «ما هو إلا تيس في سفينة!» .
والحملان يلعب بها الصبيان، والجداء لا يلعب بها. ولبن الضأن أطيب وأخثر [٤] وأدسم، وزبده أكثر. ورؤوس الضأن المشويّة هي الطيبة المفضلة، ورؤوس المعز ليس عندها طائل.
ويقال رؤوس الحملان، ولا يقال رؤوس العرضان [٥] .
ويقال للّوطيّ الذي يلعب بالحدّر [٦] من أولاد الناس: «هو يأكل رؤوس
стр. 1193
الحملان» ؛ لمكان ألية الحمل، ولأنه أخدل [١] وأرطب. ولم يقولوا في الكناية والتعريض: هو يأكل رؤوس العرضان.
والشّواء المنعوت شواء الضأن، وشحمه يصير كلّه إهالة [٢] أوّله وآخره. والمعز يبقى شحمه على حاله، وكذلك لحمه. ولذلك صار الخبّازون الحذّاق قد تركوا الضأن؛ لأن المعز يبقى شحمه ولحمه، فيصلح لأن يسخّن مرات، فيكون أربح لأصحاب العرس.
والكباش للهدايا وللنطاح [٣] . فتلك فضيلة في النجدة وفي الثقافة، ومن الملوك من يراهن عليها، ويضع السّبق عليها، كما يراهن على الخيل.
والكبش الكراز [٤] يحمل الراعي وأداة الراعي. وهو له كالحمار في الوقير [٥] .
ويعيش الكرّاز عشرين سنة.
وإذا شبق الراعي واغتلم اختار النعجة على العنز. وإذا نعتوا شكلا من أشكال مشي البراذين [٦] الفرّه [٧] قالوا: هو يمشي مشي النّعاج.
وقال الله : وَمِنْ أَصْوافِها وَأَوْبارِها وَأَشْعارِها
[٨] فقدّم الصّوف.
والبخت [٩] هي ضأن الإبل، منها الجمّازات [١٠] . والجواميس هي ضأن البقر.
يقال للجاموس الفارسية: «كاوماش» .
ولا يذكر الماعز بفضيلة إلا ارتفاع ثمن جلده، وغزارة لبنه. فإذا صرت إلى عدد كثرة النّعاج وجلود النعاج والضأن كلّها أربى ذلك على ما يفضل به الماعز الضأن في ثمن الجلد، والغزر في اللبن.
стр. 1194
١٥٦١-[قول ابنة الخس ودغفل في المعز]
وقيل لابنة الخسّ: ما تقولين في مائة من الماعز؟ قالت: قنى! قيل: فمائة من الضأن؟ قالت: غنى. قيل: فمائة من الإبل؟ قالت: منى! [١] وسئل دغفل بن حنظلة عن بني مخزوم، فقال: معزى مطيرة، عليها قشعريرة، إلا بني المغيرة؛ فإن فيهم تشادق الكلام، ومصاهرة الكرام [٢] .
١٥٦٢-[بعض الأمثال في ذمّ العنز]
وتقول العرب: «لهو أصرد من عنز جرباء!» [٣] وتقول العرب: «العنز تبهي ولا تبني» [٤] لأن العنز تصعد على ظهور الأخبية فتقطعها بأظلافها، والنعجة لا تفعل ذلك.
هذا. وبيوت الأعراب إنما تعمل من الصوف والوبر، فليس للماعز فيها معونة، وهي تخرّقها. وقال الأول [٥] : [من مجزوء البسيط]
لو نزل الغيث لأبنين امرأ ... كانت له قبّة، سحق بجاد [٦]
أبناه: إذا جعل له بناء. وأبنية العرب: خيامهم؛ ولذلك يقولون: بنى فلان على امرأته البارحة.
١٥٦٣-[ضرر لحم الماعز]
وقال لي شمؤون الطبيب: يا أبا عثمان، إياك ولحم الماعز؛ فإنه يورث الهمّ، ويحرّك السّوداء، ويورث النّسيان، ويفسد الدم وهو والله يخبّل الأولاد! [٧] .
стр. 1195
وقال الكلابيّ: «العنوق بعد النّوق» [١] ، ولم يقل: الحمل بعد الجمل.
وقال عمرو بن العاص للشيخ الجهنيّ المعترض عليه في شأن الحكمين: وما أنت والكلام يا تيس جهينة؟! ولم يقل يا كبش جهينة؛ لأن الكبش مدح والتّيس ذمّ.
وأما قوله: «إن الظّلف لا يرى مع الخفّ» فالبقر والجواميس والضأن والمعز في ذلك سواء.
قال: وأتي عبد الملك بن مروان في دخوله الكوفة على موائد بالجداء، فقال:
فأين أنتم عن العماريس [٢] ؟ فقيل له: عماريس الشّام أطيب!.
وفي المثل: «لهو أذلّ من النقد» [٣] . النقد هو المعز. وقال الكذّاب الحرمازيّ [٤] :
[من الرجز]
لو كنتم قولا لكنتم فندا ... أو كنتم ماء لكنتم زبدا
أو كنتم شاء لكنتم نقدا ... أو كنتم عودا لكنتم عقدا
١٥٦٤-[اشتقاق الأسماء من الكبش]
قال: والمرأة تسمى كبشة، وكبيشة. والرجل يكنى أبا كبشة، وقال أبو قردودة [٥] : [من المتقارب]
كبيشة إذ حاولت أن تب ... ين يستبق الدّمع مني استباقا
وقامت تريك غداة الفراق ... كشحا لطيفا وفخذا وساقا [٦]