شجر الزيتون. والضّر وشجر البطم، وهي الحبّة الخضراء بالجبال شجرتها.
وقال الكودن العجليّ، ويروى العكلي: «البطم لا يعرفه أهل الجلس» ، وبلاد نجد هي الجلس، وهو ما ارتفع. والغور هو ما انخفض.
وبراقش: واد باليمن، كان لقوم عاد. وبراقش: كلبة كانت تتشاءم بها العرب [١] . وقال حمزة بن بيض [٢] : [من الخفيف]
بل جناها أخ عليّ كريم ... وعلى أهلها براقش تجني
[باب في الضأن والمعز]
(القول في الضأن والمعز) قال صاحب الضّأن: قال الله ﵎: ثَمانِيَةَ أَزْواجٍ مِنَ الضَّأْنِ اثْنَيْنِ وَمِنَ الْمَعْزِ اثْنَيْنِ
[٣] ، فقدّم ذكر الضأن.
وقال : وَفَدَيْناهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ
[٤] . وقد أجمعوا على أنه كبش. ولا شيء أعظم مما عظّم الله ، ومن شيء فدي به نبيّ.
وقال تعالى: إِنَّ هذا أَخِي لَهُ تِسْعٌ وَتِسْعُونَ نَعْجَةً وَلِيَ نَعْجَةٌ واحِدَةٌ
[٥] ولم يقل إنّ هذا أخي له تسع وتسعون عنزا ولي عنز واحدة؛ لأن الناس يقولون: كيف النعجة؟ يريدون الزوجة.
وتسمي المها من بقر الوحش نعاجا ولم تسمّ بعنوز. وجعله [٦] الله السّنّة في الأضاحي. والكبش للعقيقة [٧] وهدية العرس وجعل الجذع [٨] من
стр. 1192
الضأن كالثّنيّ [١] من المعز في الأضحية.
وهذا ما فضّل الله به الضأن في الكتاب والسّنّة.
١٥٦٠-[فضل الضأن على المعز]
تولّد الضأن مرة في السّنة، وتفرد ولا تتئم. والماعزة قد تولّد مرتين، وقد تضع الثلاث وأكثر وأقلّ.
والبركة والنّماء والعدد في الضأن، والخنزيرة كثيرة الخنانيص. يقال إنها تلد عشرين خنّوصا. ولا نماء فيها [٢] .
قال: وفضل الضأن على المعز أن الصوف أغلى وأثمن وأكثر قدرا من الشعر.
والمثل السائر: «إنما فلان كبش من الكباش» . وإذا هجوه قالوا: «إنما هو تيس من التيوس» إذا أرادوا النتن أيضا. فإذا أرادوا الغاية في الغباوة قالوا [٣] : «ما هو إلا تيس في سفينة!» .
والحملان يلعب بها الصبيان، والجداء لا يلعب بها. ولبن الضأن أطيب وأخثر [٤] وأدسم، وزبده أكثر. ورؤوس الضأن المشويّة هي الطيبة المفضلة، ورؤوس المعز ليس عندها طائل.
ويقال رؤوس الحملان، ولا يقال رؤوس العرضان [٥] .
ويقال للّوطيّ الذي يلعب بالحدّر [٦] من أولاد الناس: «هو يأكل رؤوس
стр. 1193
الحملان» ؛ لمكان ألية الحمل، ولأنه أخدل [١] وأرطب. ولم يقولوا في الكناية والتعريض: هو يأكل رؤوس العرضان.
والشّواء المنعوت شواء الضأن، وشحمه يصير كلّه إهالة [٢] أوّله وآخره. والمعز يبقى شحمه على حاله، وكذلك لحمه. ولذلك صار الخبّازون الحذّاق قد تركوا الضأن؛ لأن المعز يبقى شحمه ولحمه، فيصلح لأن يسخّن مرات، فيكون أربح لأصحاب العرس.
والكباش للهدايا وللنطاح [٣] . فتلك فضيلة في النجدة وفي الثقافة، ومن الملوك من يراهن عليها، ويضع السّبق عليها، كما يراهن على الخيل.
والكبش الكراز [٤] يحمل الراعي وأداة الراعي. وهو له كالحمار في الوقير [٥] .
ويعيش الكرّاز عشرين سنة.
وإذا شبق الراعي واغتلم اختار النعجة على العنز. وإذا نعتوا شكلا من أشكال مشي البراذين [٦] الفرّه [٧] قالوا: هو يمشي مشي النّعاج.
وقال الله : وَمِنْ أَصْوافِها وَأَوْبارِها وَأَشْعارِها
[٨] فقدّم الصّوف.
والبخت [٩] هي ضأن الإبل، منها الجمّازات [١٠] . والجواميس هي ضأن البقر.
يقال للجاموس الفارسية: «كاوماش» .
ولا يذكر الماعز بفضيلة إلا ارتفاع ثمن جلده، وغزارة لبنه. فإذا صرت إلى عدد كثرة النّعاج وجلود النعاج والضأن كلّها أربى ذلك على ما يفضل به الماعز الضأن في ثمن الجلد، والغزر في اللبن.
стр. 1194
١٥٦١-[قول ابنة الخس ودغفل في المعز]
وقيل لابنة الخسّ: ما تقولين في مائة من الماعز؟ قالت: قنى! قيل: فمائة من الضأن؟ قالت: غنى. قيل: فمائة من الإبل؟ قالت: منى! [١] وسئل دغفل بن حنظلة عن بني مخزوم، فقال: معزى مطيرة، عليها قشعريرة، إلا بني المغيرة؛ فإن فيهم تشادق الكلام، ومصاهرة الكرام [٢] .
١٥٦٢-[بعض الأمثال في ذمّ العنز]
وتقول العرب: «لهو أصرد من عنز جرباء!» [٣] وتقول العرب: «العنز تبهي ولا تبني» [٤] لأن العنز تصعد على ظهور الأخبية فتقطعها بأظلافها، والنعجة لا تفعل ذلك.
هذا. وبيوت الأعراب إنما تعمل من الصوف والوبر، فليس للماعز فيها معونة، وهي تخرّقها. وقال الأول [٥] : [من مجزوء البسيط]
لو نزل الغيث لأبنين امرأ ... كانت له قبّة، سحق بجاد [٦]
أبناه: إذا جعل له بناء. وأبنية العرب: خيامهم؛ ولذلك يقولون: بنى فلان على امرأته البارحة.
١٥٦٣-[ضرر لحم الماعز]
وقال لي شمؤون الطبيب: يا أبا عثمان، إياك ولحم الماعز؛ فإنه يورث الهمّ، ويحرّك السّوداء، ويورث النّسيان، ويفسد الدم وهو والله يخبّل الأولاد! [٧] .
стр. 1195
وقال الكلابيّ: «العنوق بعد النّوق» [١] ، ولم يقل: الحمل بعد الجمل.
وقال عمرو بن العاص للشيخ الجهنيّ المعترض عليه في شأن الحكمين: وما أنت والكلام يا تيس جهينة؟! ولم يقل يا كبش جهينة؛ لأن الكبش مدح والتّيس ذمّ.
وأما قوله: «إن الظّلف لا يرى مع الخفّ» فالبقر والجواميس والضأن والمعز في ذلك سواء.
قال: وأتي عبد الملك بن مروان في دخوله الكوفة على موائد بالجداء، فقال:
فأين أنتم عن العماريس [٢] ؟ فقيل له: عماريس الشّام أطيب!.
وفي المثل: «لهو أذلّ من النقد» [٣] . النقد هو المعز. وقال الكذّاب الحرمازيّ [٤] :
[من الرجز]
لو كنتم قولا لكنتم فندا ... أو كنتم ماء لكنتم زبدا
أو كنتم شاء لكنتم نقدا ... أو كنتم عودا لكنتم عقدا
١٥٦٤-[اشتقاق الأسماء من الكبش]
قال: والمرأة تسمى كبشة، وكبيشة. والرجل يكنى أبا كبشة، وقال أبو قردودة [٥] : [من المتقارب]
كبيشة إذ حاولت أن تب ... ين يستبق الدّمع مني استباقا
وقامت تريك غداة الفراق ... كشحا لطيفا وفخذا وساقا [٦]
стр. 1196
ومنسدلا كمثاني الحبا ... ل توسعه زنبقا أو خلاقا [١]
وأول هذه القصيدة:
كبيشة عرسي تريد الطّلاقا ... وتسألني بعد وهن فراقا
١٥٦٥-[قول القصاص في تفضيل الكبش على التيس]
وقال بعض القصّاص [٢] : ومما فضل الله به الكبش أن جعله مستور العورة من قبل ومن دبر، وممّا أهان الله تعالى به التيس أن جعله مهتوك الستر، مكشوف القبل والدّبر.
١٥٦٦-[التيس في الهجاء]
وقال حسّان بن ثابت الأنصاريّ [٣] : [من الطويل]
سألت قريشا كلها فشرارها ... بنو عامر شاهت وجوه الأعابد [٤]
إذا جلسوا وسط النّديّ تجاوبوا ... تجاوب عتدان الربيع السّوافد [٥]
وقال آخر [٦] : [من الوافر]
أعثمان بن حيّان بن أدم ... عتود في مفارقه يبول
ولو أني أشاء قد ارفأنّت ... نعامته ويعلم ما أقول [٧]
وقال الشاعر: [من الكامل]
سميّت زيدا كي تزيد فلم تزد ... فعاد لك المسمي فسمّاك بالقحر [٨]
وما القحر إلا التّيس يعتك بوله ... عليه ويمذي في الّلبان وفي النّحر [٩]
стр. 1197
١٥٦٧-[شدة نتن التّيوس]
فالتّيس كالكلب؛ لأنه يقزح [١] ببوله، فيريد به حاقّ [٢] خيشومه. وبول التّيس من أخثر البول وأنتنه، وريح أبدان التّيوس إليها ينتهي المثل. ولو كان هذا العرض في الكبش لكان أعذر له؛ لأن الخموم واللخن، والعفن والنّتن، لو عرض لجلد ذي الصّوف المتراكم، الصّفيق الدقيق، والملتفّ المستكثف؛ لأن الرّيح لا تتخلّله، والنسيم لا يتخرّقه- لكان ذلك أشبه.
فقد علمنا الآن أن للتيس مع تخلخل شعره، وبروز جلده [٣] وجفوف عرقه، وتقطع بخار بدنه- فضلا ليس لشيء سواه. والكلب يوصف بالنّتن إذا بلّه المطر.
والحيّات توصف بالنّتن. ولعل ذلك أن يجده من وضع أنفه على جلودها.
وبول التّيس يخالط خيشومه. وليس لشيء من الحيوان ما يشبه هذا، إلا ما ذكرنا من الكلب، على أن صاحب الكلب قد أنكر هذا.
وجلود التّيوس، وجلود آباط الزّنج، منتنة العرق، وسائر ذلك سليم. والتيس إبط كله [٤] ، ونتنه في الشتاء كنتنه في الصيف. وإنا لندخل السكّة وفي أقصاها تيّاس [٥] ، فنجد نتنها من أدناها، حتى لا يكاد أحدنا يقطع تلك السكة إلا وهو مخمّر الأنف. إلا ما كان مما طبع الله عليه البلويّ وعليّا الأسواري؛ فإن بعضهما صادق بعضا على استطابة ريح التيوس. وكان ربما جلسا على باب التّيّاس؛ ليستنشقا تلك الرائحة، فإذا مرّ بهما من يعرفهما وأنكر مكانهما، ادّعيا أنهما ينتظران بعض من يخرج إليهما من بعض تلك الدّور.
١٥٦٨-[المكّيّ وجاريته سندرة]
فأما المكي فإنه تعشّق جارية يقال لها سندرة، ثم تزوجها نهاريّة [٦] وقد
стр. 1198
دعاني إلى منزلها غير مرّة، وخبّرني أنها كانت ذات صنان، وأنه كان معجبا بذلك منها، وأنها كانت تعالجه بالمرتك [١] ، وأنه نهاها مرارا حتى غضب عليها في ذلك.
قال: فلما عرفت شهوتي كانت إذا سألتني حاجة ولم أقضها قالت: والله لأتمرتكنّ، ثم والله لأتمرتكنّ، ثمّ والله لأتمرتكنّ! فلا أجد بدّا من أن أقضي حاجتها كائنا ما كان.
١٥٦٩-[اشتهاء ريح الكرياس]
وحدّثني مويس بن عمران، وكان هو والكذب لا يأخذان في طريق، ولم يكن عليه في الصدق مؤونة، لإيثاره له حتى كان يستوي عنده ما يضرّ وما لا يضر- قال:
كان عندنا رجل يشتهي ريح الكرياس [٢] لا يشفيه دونه شيء، فكان قد أعدّ مجوبا [٣] أو سكة حديد في صورة المبرد، فيأتي الكراييس التي تكون في الأزقة القليلة المارة، فيخرق الكرياس ولا يبالي، أكان من خزف أو من خشب، ثم يضع منخريه عليه، حتى يقضي وطره.
قال: فلقي الناس من سيلان كراييسهم شرّا حتى عثروا عليه فما منعهم من حبسه إلا الرحمة له من تلك البليّة، مع الذي رأوا من حسن هيئته، فقال لهم: يا هؤلاء، لو مررتم بي إلى السلطان كان يبلغ من عقابي أكثر مما أبلغ من نفسي؟ قالوا:
لا والله! وتركوه.
١٥٧٠-[نتن العنز]
قالوا: وهذا شأن التّيس، وهو أبو العنز. «ولا تلد الحيّة إلا حيّة» [٤] ، ولا بد لذلك النّتن عن ميراث في ظاهر أو باطن. وأنشدوا لابن أحمر [٥] : [من البسيط]
إني وجدت بني أعيا وجاملهم ... كالعنز تعطف روقيها فترتضع [٦]
وهذا عيب لا يكون في النّعاج.
стр. 1199
والعنز هي التي ترتضع من خلفها وهي محفَّلة [١] ، حتى تأتي على أقصى لبنها، وهي التي تنزع الوتد وتقلب المعلف، وتنثر ما فيه.
وإذا ارتعت الضائنة [٢] والماعزة في قصيل [٣] ، نبت ما تأكله الضائنة [٢] ، ولا ينبت ما تأكله الماعزة، لأن الضائنة تقرض بأسنانها وتقطع، والماعزة تقبض عليه فتثيره وتجذبه، وهي في ذلك تأكله. ويضرب بها المثل بالموق [٤] في جلبها حتفها على نفسها. وقال الفرزدق [٥] : [من الطويل]
فكانت كعنز السّوء قامت بظلفها ... إلى مدية تحت التّراب تثيرها
١٥٧١-[تيس بني حمان]
وقال الشاعر [٦] : [من الطويل]
لعمرك ما تدري فوارس منقر ... أفي الرأس أم في الإست تلقى الشّكائم [٧]
وألهى بني حمّان عسب عتودهم ... عن المجد حتى أحرزته الأكارم
وذلك أن بني حمّان تزعم أن تيسهم قرع شاة بعد أن ذبح وأنه ألقحها [٨] .
١٥٧٢-[أعجوبة في الضأن]
قالوا: في الضأن أعجوبة؛ وذلك أن النعجة ربما عظمت أليتها حتى تسقط على الأرض، ويمنعها ذلك من المشي، فعند الكبش رفق في السّفاد، وحذق لم يسمع بأعجب منه، وذلك أنه يدنو منها ويقف منها موقفا يعرفه، ثم يصكّ [٩] أحد جانبي الألية بصدره، بمقدار من الصكّ يعرفه، فيفرج عن حياها [١٠] المقدار الذي لا يعرفه غيره، ثم يسفدها في أسرع من اللّمح.
стр. 1200
١٥٧٣-[فضل الضأن على الماعز]
وقالوا: والضأن أحمل للبرد والجمد وللرّيح والمطر.
قالوا: ومن مفاخر الضأن على المعز أن التمثيل الذي كان عند كسرى والتّخيير [١] ، إنما كان بين النعجة والنخلة، ولم يكن هناك للعنز ذكر وعلى ذلك الناس إلى اليوم.
والموت إلى المعزى أسرع، وأمراضها أكثر. وإنما معادن [٢] الغنم الكثير الذي عليه يعتمد الناس- الجبال، والمعز لا تعيش هناك. وأصواف الكباش أمنع للكباش من غلظ جلود المعز. ولولا أن أجواف الماعز أبرد وكذلك كلاها، لما احتشت من الشّحم كما تحتشي.
١٥٧٤-[جمال ذكورة الحيوان وقبح التيوس]
[٣] وذكورة كلّ جنس أتمّ حسنا من إناثها. وربما لم يكن للإناث شيء من الحسن، وتكون الذكورة في غاية الحسن؛ كالطواويس والتّدارج [٤] . وإناثها لا تدانيها في الحسن، ولها من الحسن مقدار، وربما كنّ دون الذّكورة، ولهنّ من الحسن مقدار، كإناث الدّراريج والقبج [٥] والدجاج والحمام، والوراشين، وأشباه ذلك.
وإذا قال الناس: تيّاس، عرف معناه واستقذرت صناعته. وإذا قالوا: كبّاش، فإنما يعنون بيع الكباش واتخاذها للنّطاح.
والتّيوس قبيحة جدّا. وزاد في قبحها حسن الصّفايا [٦] .
١٥٧٥-[التشبيه بالكباش والتفاؤل بها]
وإذا وصفوا أعذاق [٧] النخل العظام قالوا: كأنّها كباش.
стр. 1201
وقال الشاعر: [من الطويل]
كأنّ كباش السّاجسيّة علّقت ... دوين الخوافي أو غراير تاجر [١]
وصوّر عبيد الله بن زياد، في زقاق قصره، أسدا، وكلبا، وكبشا [٢] فقرنه مع سبعين عظيمي الشأن: وحشيّ، وأهليّ؛ تفاؤلا به.
١٥٧٦-[ذم العنز في الشعر]
ومما ذمّوا فيه العنز دون النعجة قول أبي الأسود الدّؤلي [٣] : [من الطويل]
ولست بمعراض إذا ما لقيته ... يعبّس كالغضبان حين يقول
ولا بسبس كالعنز أطول رسلها ... ورئمانها يومان ثم يزول [٤]
وقال أبو الأسود أيضا [٥] : [من المتقارب]
ومن خير ما يتعاطى الرجال ... نصيحة ذي الرّأي للمجتبيها
فلا تك مثل التي استخرجت ... بأظلافها مدية أو بفيها
فقام إليها بها ذابح ... ومن تدع يوما شعوب يجيها [٦]
فظلّت بأوصالها قدرها ... تحشّ الوليدة أو تشتويها [٧]
وقال مسكين الدارميّ [٨] : [من الطويل]
إذا صبّحتني من أناس ثعالب ... لترفع ما قالوا منحتهم حقرا [٩]
فكانوا كعنز السّوء تثغو لحينها ... وتحفر بالأظلاف عن حتفها حفرا [١٠]
وقال الفرزدق [١١] : [من الطويل]
стр. 1202
وكان يجير الناس من سيف مالك ... فأصبح يبغي نفسه من يجيرها
وكان كعنز السّوء قامت بظلفها ... إلى مدية تحت التراب تثيرها
١٥٧٧-[أمنية أبي شعيب القلال]
وقال رمضان لأبي شعيب القلّال- وأبو الهذيل حاضر-: أيّ شيء تشتهي؟
وذلك نصف النهار، وفي يوم من صيف البصرة. قال أبو شعيب: أشتهي أن أجيء إلى باب صاحب سقط [١] ، وله على باب حانوته ألية معلقة، من تلك المبزَّرة المشرّجة [٢] ، وقد اصفرّت، وودكها يقطر من حاقّ السّمن [٣] ، فآخذ بحضنها ثم أفتح لها فمي، فلا أزال كدما كدما، ونهشا نهشا، وودكها يسيل على شدقي، حتى أبلغ عجب الذّنب [٤] ! قال أبو الهذيل: ويلك قتلتني قتلتني!! يعني من الشهوة.
باب في الماعز
قال صاحب الماعز: في أسماء الماعز وصفاتها، ومنافعها وأعمالها، دليل على فضلها. فمن ذلك أن الصفية [٥] أحسن من النعجة. وفي اسمها دليل على تفضيلها.
ولبنها أكثر أضعافا، وأولادها أكثر أضعافا، وزبدها أكثر وأطيب.
وزعم [٦] أبو عبد الله العتبيّ أن التيس المشراطيّ قرع في يوم واحد نيّفا وثمانين قرعة. وكان قاطع الشهادة. وقد بيع من نسل المشراطيّ وغيره الجدي بثمانين درهما. والشاة بنحو من ذلك.
وتحلب خمسة مكاكيك وأكثر. وربما بيع الجلد جلد الماعز فيشتريه الباضوركي [٧] بثمانين درهما وأكثر.
стр. 1203
والشاة إذا كانت كذلك فلها غلّة نافعة تقوم بأهل البيت.
والنعال البقريّة من السّبت [١] وغير السّبت مقسوم نفعها بين الماعز والبقر، لأن للشّرك [٢] من جلودها خطرا. وكذلك القبال والشّسع [٣] .
ووصف حميد بن ثور جلدا من جلودها، فقال [٤] : [من الطويل]
تتابع أعوام علينا أطبنها ... وأقبل عام أصلح الناس واحد
وجاءت بذي أونين مازال شاته ... تعمّر حتى قيل هل مات خالد
وقال راشد بن سهاب [٥] : [من الطويل]
ترى رائدات الخيل حول بيوتنا ... كمعزى الحجاز أعوزتها الزّرائب
١٥٧٨-[لحم الماعز والضأن]
ومن منافعها الانتفاع بشحم الثرب والكلية، وهما فوق شحم الألية. وإذا مدحوا اللحم قالوا: لحم الماعز الخصيّ الثّنيّ! وقال الشاعر [٦] : [من الوافر]
كأن القوم عشّوا لحم ضأن ... فهم نعجون قد مالت طلاهم
والممرورون الذين يصرعون، إذا أكلوا لحم الضأن اشتدّ ما بهم، حتى يصرعهم ذلك في غير أوان الصرع.
وأوان الصّرع الأهلّة وأنصاف الشهور. وهذان الوقتان هما وقت مدّ البحر وزيادة الماء. ولزيادة القمر إلى أن يصير بدرا أثر بين في زيادة الدّماء والأدمغة، وزيادة جميع الرطوبات [٧] .
стр. 1204
١٥٧٩-[بعض الأمثال في المعز والضأن]
ويقال: «فلان ماعز من الرّجال» [١] ، و «فلان أمعز من فلان» . والعتاق معز الخيل، والبراذين ضأنها.
وإذا وصفوا الرّجل بالضعف والموق [٢] قالوا: «ما هو إلا نعجة من النعاج» .
ويقولون في التقديم والتأخير: «ما له سبد ولا لبد» [٣] .
وقال الشاعر [٤] : [من الكامل]
نشبي وما جمّعت من صفد ... وحويت من سبد ومن لبد
همم تقاذفت الهموم بها ... فنزعن من بلد إلى بلد
يا روح من حسمت قناعته ... سبب المطامع من غد وغد [٥]
من لم يكن لله متّهما ... لم يمس محتاجا إلى أحد
وهذا شعر رويته على وجه الدهر.
وزعم لي حسين بن الضّحّاك أنه له. وما كان ليدّعي ما ليس له.
وقال لي سعدان المكفوف: لا يكون: «فنزعن من بلد إلى بلد» بل كان ينبغي أن يقول: «فنازعن» [٦] .
١٥٨٠-[فضل الماعز]
وقال: والماعزة قد تولّد في السنة مرتين، إلا ما ألقي منها في الدّياس [٧] . ولها في الدّياس نفع موقعه كبير. وربما باعوا عندنا بطن الماعز [٨] بثمن شاة من الضأن.
стр. 1205
قال: والأقط [١] للمعز. وقرونها هي المنتفع بها.
قال: والجدي أطيب من الحمل وأكرم. وربما قدموا على المائدة الحمل مقطوع الألية من أصل الذّنب؛ ليوهموا أنه جدي.
وقال عمر بن الخطاب، ﵁ وعقول الخلفاء فوق عقول الرّعية، وهم أبصر بالعيش، استعملوا ذلك أو تركوه- فقال [٢] : أترون أني لا أعرف الطيبات؟
لباب البرّ بصغار المعزى! وملوكنا يحمل معهم في أسفارهم البعيدة الصفايا الحوامل، المعروفات أزمان الحمل والوضع، ليكون لهم في كل منزل جداء معدّة. وهم يقدرون على الحملان السّمان بلا مؤونة.
والعناق الحمراء والجداء، هي المثل في المعز والطّيب. ويقولون: جداء البصرة، وجداء كسكر.
وسلخ الماعز على القصّاب أهون. والنّجّار يذكر في خصال السّاج [٣] سلسه [٤] تحت القدوم والمثقب والميشار.
١٥٨١-[أمارات حمل الشاة]
وقيل لأعرابي [٥] : بأي شيء تعرف حمل شاتك؟ قال: إذا تورّم حياها ودجت [٦] شعرتها واستفاضت خاصرتها.
وللداجي يقال: قد كان ذلك وقد دجا ثوب الإسلام [٧] ، وكان ذلك وثوب الإسلام داج.
стр. 1206
١٥٨٢-[المرعزيّ وقرابة الماعزة من الناس]
قال: وللماعز المرعزيّ [١] ؛ وليس للضأن إلا الصوف.
والكساء كلها صوف ووبر وريش وشعر، وليس الصوف إلا للضأن.
وذوات الوبر كالإبل والثعالب، والخزز [٢] والأرنب، وكلاب الماء، والسّمّور [٣] ، والفنك [٤] ، والقاقم [٥] ، والسّنجاب، والدّباب [٦] .
والتي لها شعر كالبقر والجواميس، والماعز، والظباء، والأسد، والنمور، والذئاب، والببور [٧] ، والكلاب، والفهود، والضباع، والعتاق، والبراذين، والبغال، والحمير، وما أشبه ذلك.
والإنسان الذي جعله الله تعالى فوق جميع الحيوان في الجمال والاعتدال، وفي العقل والكرم، ذو شعر.
فالماعزة بقرابتها من الناس بهذا المعنى أفخر وأكرم.
١٥٨٣-[الماعز التي لا ترد]
وزعم الأصمعيّ أن لبني عقيل ما عزا لا ترد [٨] ؛ فأحسب واديهم أخصب واد وأرطبه. أليس هذا من أعجب العجب؟!.
١٥٨٤-[جلود الماعز]
ومن جلودها تكون القرب، والزّقاق [٩] ، وآلة المشاعل [١٠] ، وكلّ نحي [١١]
стр. 1207
وسعن [١] ، ووطب [٢] ، وشكيّة [٣] وسقاء، ومزادة، مسطوحة كانت أو مثلوثة [٤] .
ومنها ما يكون الخون [٥] ، وعكم السّلف [٦] ، والبطائن والجرب. ومن الماعزة تكون أنطاع [٧] البسط، وجلال [٨] الأثقال في الأسفار، وجلال قباب الملوك، وبقباب الأدم تتفاخر العرب. وللقباب الحمر قالوا: مضر الحمراء. وقال عبيد بن الأبرص [٩] : [من البسيط]
فاذهب إليك فإني من بني أسد ... أهل القباب وأهل الجرد والنادي [١٠]
١٥٨٥-[الفخر بالماعز]
وقالوا: وفخرتم بكبشة وكبيشة وأبي كبشة [١١] ، فمنّا عنز اليمامة وعنز وائل، ومنا ماعز بن مالك، صاحب التوبة النّصوح.
وقال صاحب الماعز: وطعنتم على الماعزة بحفرها عن حتفها [١٢] ، فقد قيل ذلك للضأن. من ذلك قول البكري للعنبريّة، وهي «قيلة» وصار معها إلى النبيّ فسأله الدّهناء [١٣] ، فاعترضت عنه قيلة، فقال لها البكريّ: إني وإياك كما قال القائل [١٤] :
стр. 1208
«عن حتفها تبحث ضأن بأظلافها!» ، فقالت له العنبرية: مهلا، فإنك ما علمت:
جوادا بذي الرّجل [١] ، هاديا في الليلة الظلماء، عفيفا عن الرفيقة! فقال: لازلت مصاحبا بعد أن أثنيت عليّ بحضرة الرسول بهذا!.
١٥٨٦-[ضرر الضأن ونفع الماعز]
وقالوا: والنعجة حرب [٢] ، واتّخاذها خسران، إلا أن تكون في نعاج سائمة، لأنها لا ترفع رأسها من الأكل. والنعجة آكل من الكبش، والحجر آكل من الفحل، والرّمكة آكل من البرذون. والنعجة لا يقوم نفعها بمؤونتها. والعنز تمنع الحيّ الجلاء [٣] ، فإن العرب تقول: إن العنوق [٤] تمنع الحيّ الجلاء.
والصفيّة من العراب أغزر من بختية [٥] بعيدا.
ويقال [٦] : «أحمق من راعي ضأن ثمانين!» .
١٥٨٧-[كرم الماعز]
وأصناف أجناس الأظلاف وكرامها بالمعز أشبه، لأن الظّباء والبقر من ذوات الأذناب والشعر، وليست من ذوات الألايا [٧] والصوف.
والشّمل [٨] ، والتعاويذ والقلائد، إنما تتّخذ للصفايا، ولا تتّخذ للنعاج، ولا يخاف على ضروعها العين والنفس.
والأشعار التي قيلت في الشاء إذا تأمّلتها وجدت أكثرها في المعز: في صفاياها وفي حوّها [٩] ، وفي تيوسها وفي عنوقها وجدائها.
стр. 1209
وقال مخارق بن شهاب المازنيّ- وكان سيّدا كريما، وكان شاعرا- فقال يصف تيس غنمه [١] : [من الطويل]
وراحت أصيلانا كأنّ ضروعها ... دلاء وفيها واتد القرن لبلب [٢]
له رعثات كالشّنوف وغرّة ... شديخ ولون كالوذيلة مذهب [٣]
وعينا أحمّ المقلتين وعصمة ... ثنى وصلها دان من الظّلف مكثب [٤]
إذا دوحة من مخلف الضّال أربلت ... عطاها كما يعطو ذرى الضّال قرهب [٥]
تلاد رقيق الخدّ إن عدّ نجره ... فصردان نعم النّجر منه وأشعب [٦]
أبو الغرّ والحوّ اللواتي كأنها ... من الحسن في الأعناق جزع مثقّب [٧]
إذا طاف فيها الحالبان تقابلت ... عقائل في الأعناق منها تحلّب [٨]
ترى ضيفها فيها يبيت بغبطة ... وضيف ابن قيس جائع يتحوّب [٩]
قال [١٠] : فوفد ابن قيس هذا، على النّعمان، فقال له: كيف المخارق فيكم؟
قال: سيّد شريف، من رجل يمدح تيسه، ويهجو ابن عمّه! وقال الراجز [١١] : [من الرجز]
أنعت ضأنا أمجرت غثاثا [١٢]
стр. 1210
والمجر: أن تشرب فلا تروى. وذلك من مثالبها.
وقال رجل لبعض ولد سليمان بن عبد الملك: ماتت أمّك بغرا، وأبوك بشما [١] .
وقال أعرابي [٢] : [من الكامل]
مولى بن تيم، ألست مؤدّيا ... منيحتنا كما تؤدّى المنائح [٣]
فإنّك لو أدّيت صعدة لم تزل ... بعلياء عندي، ما ابتغي الرّبح رابح [٤]
لها شعر داج وجيد مقلّص ... وخلق زخاريّ وضرع مجالح [٥]
ولو أشليت في ليلة رجبيّة ... لأرواقها هطل من الماء سافح [٦]
لجاءت أمام الحالبين وضرعها ... أمام صفاقيها مبدّ مضارح [٧]
وويل أمّها كانت نتيجة واحد ... ترامى بها بيد الإكام القراوح [٨]
١٥٨٨-[أصناف الظلف وأصناف الحافر]
ليس سبيل أصناف الظّلف في التشابه سبيل أصناف الحافر، والخفّ. واسم النّعم يشتمل على الإبل والبقر والغنم. وبعد بعض الظلف من بعض، كبعده من الحافر والخف؛ لأن الظلف للضأن والمعز والبقر والجواميس والظّباء والخنازير وبقر الوحش، وليس بين هذه الأجناس تسافد ولا تلاقح، لا الغنم في الغنم من الضأن والماعز، ولا الغنم في سائر الظلف ولا شيء من سائر تلك الأجناس تسافد غيرها أو تلاقحها. فهي تختلف في الصوف والشعر، وفي الأنس والوحشة، وفي عدم التلاقح والتسافد، وليس كذلك الحافر والخفّ.
стр. 1211
١٥٨٩-[رجز في العنز]
وقال الراجز [١] : [من الرجز]
لهفي على عنزين لا أنساهما ... كأنّ ظلّ حجر صغراهما
وصالغ معطرة كبراهما
قوله: صالغ، يريد انتهاء السنّ. والمعطرة: الحمراء؛ مأخوذة من العطر. وقوله:
«كأن ظلّ حجر صغراهما» يريد أنها كانت سوداء، لأن ظلّ الحجر يكون أسود، وكلما كان الساتر أشدّ اكتنازا كان الظلّ أشدّ سوادا.
١٥٩٠-[أظل من حجر]
وتقول العرب: ليس شيء أظلّ من حجر [٢] ، ولا أدفأ من شجر [٣] ، وليس يكون ظلّ أبرد ولا أشدّ سوادا من ظلّ جبل. وكلما كان أرفع سمكا، وكان مسقط الشمس أبعد، وكان أكثر عرضا وأشدّ اكتنازا، كان أشدّ لسواد ظله.
ويزعم المنجّمون أن الليل ظلّ الأرض، وإنما اشتدّ جدّا لأنه ظلّ كرة الأرض.
وبقدر ما زاد بدنها في العظم ازداد سواد ظلّها.
وقال حميد بن ثور [٤] : [من الطويل]
إلى شجر ألمى الظلال كأنها ... رواهب أحرمن الشراب عذوب
والشفّة الحمّاء يقال لها لمياء. يصفون بذلك اللّثة. فجعل ظلّ الأشجار الملتفّة ألمى.
стр. 1212
١٥٩١-[أقط الماعز]
وقال امرؤ القيس بن حجر [١] : [من الوافر]
لنا غنم نسوقّها غزار ... كأنّ قرون جلّتها العصيّ [٢]
فدلّ بصفة القرون على أنها كانت ماعزة. ثم قال:
فتملأ بيتنا أقطا وسمنا ... وحسبك من غنى شبع وريّ [٣]
فدلّ على أن الأقط منها يكون.
١٥٩٢-[استطراد لغوي]
وقال: ويقال لذوات الأظلاف: قد ولّدت الشاة والبقرة، مضمومة الواو مكسورة اللام مشدودة. يقال هذه شاة تحلب قفيزا، ولا يقال تحلب، والصواب ضم التاء وفتح اللام.
ويقال أيضا: وضعت، في موضع ولّدت. وهي شاة زبّى، من حين تضع إلى خمسة عشر يوما- وقال أبو زيد: إلى شهرين- من غنم رباب، مضمومة الرّاء على فعال، كما قالوا: رجل ورجال، وظئر وظؤار وهي ربّى بيّنة الرّباب والرّبّة بكسر الرّاء، ويقال هي في ربابها. وأنشد [٤] : [من الرجز]
حنين أمّ البوّ في ربابها [٥]
والرّباب مصدر، وفي الرّبى حديث عمر: «دع الرّبّى والماخض والأكولة» [٦] .
وقال أبو زيد: ومثل الرّبّى من الضأن الرّغوث، قال طرفة [٧] : [من الوافر]
стр. 1213
فليت لنا مكان الملك عمرو ... رغوثا حول قبّتنا تخور
وقالوا: إذا وضعت العنز ما في بطنها قيل سليل ومليط. وقال أبو زيد: هي ساعة تضعه من الضأن والمعز جميعا، ذكرا كان أو أنثى: سخلة، وجمعها سخل وسخال. فلا يزال ذلك اسمه ما رضع اللبن، ثم هي البهمة للذكر والأنثى، وجمعها بهم. وقال الشاعر [١] : [من البسيط]
وليس يزجركم ما توعظون به ... والبهم يزجرها الراعي فتنزجر
ويروى: «يزجر أحيانا» . وإذا بلغت أربعة أشهر وفصلت عن أمهاتها، وأكلت من البقل واجترّت، فما كان من أولاد المعز فهو جفر، والأنثى جفرة، والجمع جفار.
ومنه حديث عمر ﵁، حين قضى في الأرنب يصيبها المحرم بجفر [٢] .
فإذا رعى وقوي وأتى عليه حول فهو عريض، وجمعه عرضان. والعتود نحو منه، وجمعه أعتدة وعتدان. وقال يونس: جمعه أعتدة وعتد. وهو في ذلك كلّه جدي، والأنثى عناق. وقال الأخطل [٣] : [من البسيط]
واذكر غدانة عتدانا مزنّمة ... من الحبلّق يبنى حولها الصّير [٤]
ويقال له إذا تبع أمّه وفطم: تلو، والأنثى: تلوة؛ لأنه يتلو أمّه.
ويقال للجدي: إمّر والأنثى أمّرة. وقالوا: هلّع وهلّعة. والبدرة: العناق أيضا.
والعطعط: الجدي. فإذا أتى عليه الحول فالذكر تيس والأنثى عنز. ثم يكون جذعا في السّنة الثانية، والأنثى جذعة. ثم ثنيّا في الثالثة، والأنثى ثنيّة. ثم يكون رباعيا في الرابعة، والأنثى رباعية. ثم يكون سديسا، والأنثى سديس أيضا مثل الذكر بغير هاء.
ثم يكون صالغا والأنثى صالغة. والصالغ بمنزلة البازل من الإبل، والقارح من الخيل.
ويقال: قد صلغ يصلغ صلوغا، والجمع الصّلّغ. وقال رؤبة [٥] : [من الرجز]
стр. 1214
والحرب شهباء الكباش الصّلّغ
وليس بعد الصالغ شيء.
وقال الأصمعيّ: الحلّام والحلّان من أولاد المعز خاصة. وجاء في الحديث [١] :
«في الأرنب يصيبها المحرم حلّام» . قال ابن أحمر [٢] : [من البسيط]
تهدي إليه ذراع البكر تكرمة ... إمّا ذكيّا وإمّا كان حلّانا
ويروى: «ذراع الجدي» ويروى: «ذبيحا» ، والذبيح هو الذي أدرك أن يضحّى به. وقال مهلهل بن ربيعة [٣] : [من الرجز]
كلّ قتيل في كليب حلّام ... حتى ينال القتل آل همام [٤]
وقالوا في الضأن كما قالوا في المعز، إلا في مواضع. قال الكسائي: هو خروف، في موضع العريض، والأنثى خروفة. ويقال له حمل، والأنثى من الحملان رخل والجمع رخال، كما يقال ظئر وظؤار وتوءم وتؤام. والبهمة: الضأن والمعز جميعا.
فلا يزال كذلك حتى يصيف. فإذا أكل واجترّ فهو فرير وفرارة وفرفور، وعمروس.
وهذا كله حين يسمن ويجتر. والجلام، بكسر الجيم وتعجيم نقطة من تحت الجيم. قال الأعشى [٥] : [من المتقارب]
سواهم جذعانها كالجلام ... وأقرح منها القياد النسورا
يعني الحوافر.
واليعر: الجدي، بإسكان العين، وقال البريق الهذليّ [٦] : [من الطويل]
стр. 1215
مقيما بأملاح كما ربط اليعر
والبذج: من أولاد الضأن خاصة. وقال الراجز [١] : [من الرجز]
قد هلكت جارتنا من الهمج ... فإن تجع تأكل عتودا أو بذج [٢]
والجمع بذجان.
١٥٩٣-[أمنية أعرابي]
وقال أعرابيّ [٣] : اللهم ميتة كميتة أبي خارجة! قالوا: وما ميتة أبي خارجة؟
قال: أكل بذجا، وشرب مشعلا، ونام في الشمس، فأتته المنيّة شبعان ريان [دفآن] [٤] !.
١٥٩٤-[تيس بني حمان]
وفي المثل [٥] : «أغلم من تيس بني حمّان» . وبنو حمّان تزعم أنه قفط سبعين عنزا وقد فريت أوداجه.
فهذا من الكذب الذي يدخل في باب الخرافة.
١٥٩٥-[زعم لصاحب المنطق]
وقد ذكر أرسطوطاليس في كتاب الحيوان، أنه قد ظهر ثور وثب بعد أن خصي، فنزا على بقرة فأحبلها.
ولم يحك هذا عن معاينة. والصدور تضيق بالردّ على أصحاب النظر وتضيق بتصديق هذا الشّكل.
стр. 1216
١٥٩٦-[أحاديث وآثار في الغنم]
قال: وحدّثنا سعد بن طريف، عن الأصبغ بن نباتة قال: سمعت عليّا يقول:
«ما أهل بيت لهم شاة إلا يقدّسون [١] كلّ ليلة» .
وقال: حدثنا عنبسة القطّان، قال حدّثنا السكن بن عبد الله بن عبد الأعلى القرشيّ، عن رجل من الأنصار، أن رسول الله ﷺ قال: «امسحوا رعام الشّاء، ونقّوا مرابضها من الشّوك والحجارة، فإنها في الجنّة» .
وقال: «ما من مسلم له شاة إلا قدّس كلّ يوم مرّة. فإن كانت له شاتان قدّس في كلّ يوم مرّتين» .
قال: وحدثنا عنبسة القطان، بهذا الإسناد، أن رسول الله ﷺ قال: «أوصيكم بالشّاء خيرا، فنقّوا مرابضها من الحجارة والشّوك فإنّها في الجنّة» .
وعن محمد بن عجلان، عن وهب بن كيسان، عن محمد بن عمرو بن عطاء العامريّ من بني عامر بن لؤيّ، أن رجلا مرّ على أبي هريرة رضي الله تعالى عنه، وهو بالعقيق، فقال: أين تريد؟ قال: أريد غنيمة لي. قال: امسح رعامها، وأطب مراحها، وصلّ في جانب مراحها؛ فإنها من دوابّ الجنة [٢] .
وعن فرج بن فضالة، عن معاوية بن صالح، عن رجل من أصحاب أبي الدرداء، أنه عمل طعاما اجتهد فيه، ثم دعاه فأكل، فلما أكل قال [٣] : الحمد لله الذي أطعمنا الخمير، وألبسنا الحبير، بعد الأسودين: الماء والتمر. قال: وعند صاحبه ضائنة له، فقال: هذه لك؟ قال: نعم. قال: أطب مراحها واغسل رعامها، فإنها من دوابّ الجنة، وهي صفوة الله من البهائم.
قال: وحدّثنا إبراهيم بن يحيى، عن رجل، عن عطاء بن أبي رباح، عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ ، أنه قال: «إن الله خلق الجنة بيضاء، وخير الزّيّ البياض» . قال: وبعث إلى الرّعيان: «من كانت له غنم سود فليخلطها بعفر، فإنّ دم عفراء أزكى من دم سوداوين» .
وحدثنا أبو المقدام قال: حدّثنا عبد الرحمن بن حبيب، عن عطاء، عن ابن
стр. 1217
عباس، أن رسول الله ﷺ دعا بالرّعاة فجمعوا له، فقال: «من كان منكم يرعى غنما سودا فليخلط فيها بيضا» .
قال [١] : وجاءته امرأة فقالت: يا رسول الله، إني اتخذت غنما رجوت نسلها ورسلها وإني لا أراها تنمو. قال: «فما ألوانها؟» قالت: سود. قال: «عفّري» . أي اخلطي فيها بيضا.
قال: وحدثنا طلحة بن عمرو الحضرميّ، عن عطاء، أن رسول الله ﷺ قال: «الغنم بركة موضوعة، والإبل جمال لأهلها، والخير معقود في نواصي الخيل إلى يوم القيامة» [٢] .
حنظلة بن أبي سفيان المكّي قال: سمعت طاووسا يقول: من ها هنا أطلع الشيطان قرنيه، من مطلع الشمس. والجفاء والكبر في أهل الخيل والإبل، في الفدّادين أهل الوبر [٣] . والسكينة في أهل الغنم [٤] .
قال وحدثنا بكر بن خنيس، عن يحيى بن عبيد الله بن عبد الله بن موهب، عن أبيه، عن أبي هريرة قال [٥] : قال رسول الله ﷺ : «رأس الكفر قبل المشرق، والفخر والخيلاء في أهل الخيل والإبل والفدادين أهل الوبر. والسكينة في أهل الغنم، والإيمان يمان والحكمة يمانية» .
وعن عوف بن أبي جميلة، عن الحسن، أن رسول الله ﷺ قال [٦] : «الفخر في أهل الخيل، والجفاء في أهل الإبل، والسكينة في أهل الغنم» .
وعن عثمان بن مقسم، عن نافع، أن ابن عمر حدثه أنه سمع النبي ﷺ يقول [٦] : «السكينة في أهل الغنم» .
والفدّاد: الجافي الصوت والكلام. وأنشدنا أبو الرّدينيّ العكليّ: [من الرجز]
جاءت سليم ولها فديد
стр. 1218
١٥٩٧-[أخبار ونصوص في الغنم]
وكان من الأنبياء ﵈ من رعى الغنم [١] . ولم يرع أحد منهم الإبل.
وكان منهم شعيب، وداود، وموسى، ومحمد؛ ﵈. قال الله :
وَما تِلْكَ بِيَمِينِكَ يا مُوسى. قالَ هِيَ عَصايَ أَتَوَكَّؤُا عَلَيْها وَأَهُشُّ بِها عَلى غَنَمِي وَلِيَ فِيها مَآرِبُ أُخْرى
[٢] .
وكان النبي ﷺ يرعى غنيمات خديجة.
والمعزبون [٣] بنزولهم البعد من الناس، في طباع الوحش.
وجاء في الحديث: «من بدا جفا» [٤] .
ورعاء الغنم وأربابها أرقّ قلوبا، وأبعد من الفظاظة والغلظة.
وراعي الغنم إنما يرعاها بقرب الناس، ولا يعزب، ولا يبدو [٥] ، ولا ينتجع [٦] .
قالوا: والغنم في النوم غنم.
وقالوا في الغنم: إذا أقبلت أقبلت، وإذا أدبرت أقبلت [٧] .
١٥٩٨-[ما حرمته العرب على أنفسها]
وكان لأصحاب الإبل مما يحرمونه على أنفسه: الحامي [٨] والسائبة [٩] ،
стр. 1219
ولأصحاب الشاء الوصيلة [١] .
والعتيرة أيضا من الشّاء. وكان أحدهم إذا نذر أن يذبح من العتائر والرجبية كذا وكذا شاة، فبلغ الذي كان يتمنّى في نذره، وشحّ على الشاء قال: والظّباء أيضا شاء، وهي تجزي إذا كانت شاء: فيجعل عتائره من صيد الظباء. وقال الحارث بن حلّزة [٢] : [من الخفيف]
عنتا باطلا وظلما كما تع ... تر عن حجرة الرّبيض الظّباء
وقال الطّرمّاح [٣] : [من الطويل]
كلون الغريّ الفرد أجسد رأسه ... عتائر مظلوم الهديّ المذبّح [٤]
ومنها الغدويّ [٥] والغذويّ جميعا. وقال الفرزدق [٦] : [من الكامل]
ومهور نسوتهم إذا ما أنكحوا ... غذويّ كلّ هبنقع تنبال [٧]
١٥٩٩-[ميل الحيوان على شقة الأيسر]
وقال أبو عتّاب: ليس في الأرض شاة ولا بعير ولا أسد ولا كلب يريد الرّبوض إلا مال على شقّه الأيسر، إبقاء على ناحية كبده.
стр. 1220
قال: ومتى تفقدتم الصفايا التي في البيوت، والنعاج، والجداء، والحملان وجدتموها كذلك.
١٦٠٠-[معالجة العقاب الفريسة]
قال [١] : والعقاب تستعمل كفها اليمنى إذا أصعدت بالأرانب والثعالب في الهواء، وإذا ضربت بمخالبها في بطون الظّباء والذئاب. فإذا اشتكت كبدها أحسّت بذلك، فلا تزال إذا اصطادت شيئا تأكل من كبده، حتى تبرأ. وإن لم تعاين فريسة فربما جلّت [٢] على الحمار الوحشيّ فتنقضّ عليه انقضاض الصخرة، فتقدّ بدابرتها [٣] ما بين عجب [٤] ذنبه إلى منسجه [٥] . وقد ذكرنا من شأنها في باب القول فيها ما فيه كفاية.
١٦٠١-[أخذ الهارب على يساره حين الهرب]
قال [٦] : وليس في الأرض هارب من حرب أو غيرها استعمل الحضر [٧] إلا أخذ على يساره، إذا ترك عزمه وسوم [٨] طبيعته. وأنشد: [من الطويل]
تخامص عن وحشيّة وهو ذاهل ... وفي الجوف نار ليس يخبو ضرامها [٩]
وأنشد الأصمعي للأعشى [١٠] : [من الطويل]
ويسّر سهما ذا غرار يسوقه ... أمين القوى في ضالة المترنّم [١١]
فمرّ نضيّ السّهم تحت لبانه ... وحال على وحشيّة لم يعتّم [١٢]
стр. 1221
قال: ووضع: «على» موضع: «عن» .
١٦٠٢-[ميل شقشقة الجمل ولسان الثور]
وفي باب آخر يقول أوس بن حجر [١] : [من البسيط]
أو سرّكم في جمادى أن نصالحكم ... إذ الشقاشق معدول بها الحنك [٢]
وذلك أنه ليس في الأرض جمل هاج وأخرج شقشقته إلا عدل بها إلى أحد شقّي حنكه، والثور إذا عدا عدل بلسانه عن شقّ شماله إلى يمينه. وقال عبدة بن الطبيب [٣] : [من البسيط]
مستقبل الريح يهفو وهو متبرك ... لسانه عن شمال الشّدق معدول [٤]
١٦٠٣-[حال الثور عند الكر والفر]
قال: وإذا كر الكلب أو الثور فهو يصنع خلاف صنيعه عند الفرّ. وقال الأعشى [٥] : [من الطويل]
فلما أضاء الصّبح قام مبادرا ... وحان انطلاق الشاة من حيث يمما
فصبّحه عند الشروق غديّة ... كلاب الفتى البكريّ عوف بن أرقما
فأطلق عن مجنوبها فاتّبعنه ... كما هيّج السامي المعسّل خشرما [٦]
فأنحى على شؤمى يديه فذادها ... بأظمأ من فرع الذّؤابة أسحما [٧]
стр. 1222
ثم قال:
وأدبر كالشّعرى وضوحا ونقبة ... يواعس من حرّ الصّريمة معظما [١]
١٦٠٤-[علة غزو العرب أعداءهم من شق اليمين]
قال: ولعلم العرب بأن طبع الإنسان داعية إلى الهرب من شقّ الشمال، يحبّون أن يأتوا أعداءهم من شقّ اليمين. قال: ولذلك قال شتيم بن خويلد: [من الطويل]
فجئناهم من أيمن الشّق غدوة ... ويأتي الشّقيّ الحين من حيث لا يدري
وأما رواية أصحابنا فهي: «فجئناهم من أيمن الشق عندهم» .
١٦٠٥-[الأعسر من الناس واليسر]
وإذا كان أكثر عمل الرجل بيساره كان أعسر، فإذا استوى عملا بهما قيل «أعسر يسر» [٢] ، فإذا كان أعسر مصمتا فليس بمستوى الخلق، وهو عندهم إذا كان كذلك فليس بميمون الخلق. ويشتقّون من اليد العسرى العسر والعسرة. فلما سمّوها الشّمال أجروها في الشؤم وفي المشؤوم على ذلك المعنى. وسموها اليد اليسار واليد اليسرى على نفي العسر والنكد، كما قالوا: سليم، ومفازة. ثم أفصحوا بها في موضع فقالوا اليد الشؤمى.
١٦٠٦-[مما قيل من الشعر في الشمال]
ومما قالوا في الشمال قول أبي ذؤيب [٣] : [من الطويل]
أبالصّرم من أسماء جدّ بك الذي ... جرى بيننا يوم استقلّت ركابها
زجرت لها طير الشّمال فإن يكن ... هواك الذي تهوى يصبك اجتنابها
وقال شتيم بن خويلد [٤] : [من المتقارب]
وقلت لسيّدنا يا حليم ... إنّك لم تأس أسوا رفيقا
стр. 1223
زجرت بها ليلة كلها ... فجئت بها مؤيدا خنفقيقا
أعنت عديّا على شأوها ... تعادي فريقا وتبقي فريقا
أطعت عريّب إبط الشّمال ... تنحّي لحد المواسي الحلوقا
وقال آخر [١] : [من الطويل]
وهوّن وجدي أنني لم أكن لهم ... غراب شمال ينفض الرّيش حاتما [٢]
وإذا مال شقّة قالوا: احولّ شقّه وقال الأشتر بن عمارة [٣] : [من المتقارب] .
عشيّة يدعو معتر يال جعفر ... أخوكم أحول الشّقّ مائله
وقال آخر [٤] : [من المنسرح]
أيّ أخ كان لي وكنت له ... أشفق من والد على ولد
حتى إذا قارب الحوادث من ... خطوي وحلّ الزمان من عقدي
احولّ عنّي وكان ينظر من ... عيني ويرمي بساعدي ويدي
١٦٠٧-[الوقت الجيد في الحمل على الشاء]
قال الأصمعيّ: الوقت الجيّد في الحمل على الشاء أن تخلّى سبعة أشهر بعد ولادها. ويكون حملها خمسة أشهر، فتولّد في كل سنة مرة. فإن حمل عليها في كل سنة مرتين فذلك الإمغال، يقال: أمغل بنو فلان فهم ممغلون، والشاة ممغل.
وإذا ولّدت الشاة ومضى لها أربعة أشهر فهي لجبة، والجميع اللّجاب واللّجبات. وذلك حين يأخذ لبنها في النقصان.
١٦٠٨-[استطراد لغوي]
قال: والأير من البعير: المقلم، ومن الحافر الجردان، ومن الظلف كله:
القضيب. ومن الفرس العتيق: النّضيّ. زعم ذلك أبو عبيدة.
стр. 1224
وما أراد من الحافر الفحل فهو الوداق، وهو من الإبل الضّبعة، ومن الضأن الحنوّ. ويقال: حنت تحنو حنوّا، وهي نعجة حان كما ترى. وما كان من المعز فهو الحرمة. ويقال: عنز حرمى. وأنكر بعضهم قولهم: «شاة صارف» وزعم أنه مولد.
قال: وهو من السباع الإجعال، يقال: كلبة مجعل. فإذا عظم بطنها قيل أجحّت فهي مجحّ.
وما كان من الخف فهو مشفر، وما كان من الغنم فهو مرمّة، وما كان من الحافر فهو جحفلة.
١٦٠٩-[استطراد لغوي آخر]
وإذا قلت لكلّ ذات حمل وضعت، جاز. فإذا ميزت قلت للخف: نتجت، وللظّلف: ولّدت. والبقرة تجري هذا المجرى. وقلت للحافر: نتجت.
ويقال للحافر من بين هذا كله إذا كان في بطنها ولد: نتوج. وإذا عظم بطن الحافر قيل قد أعقّت فهي عقوق، والجماع عقق، وبعضهم يقول: عقائق.
ويقال للبقرة الوحشية نعجة. والبقرة تجري مجرى الضائنة في حالها.
وما كان من الخف فصوته بغام. فإذا ضجّت فهو الرّغاء. فإذا طرّبت في إثر ولدها قيل حنّت. فإذا مدت الحنين قيل سجرت.
قال: والإلماع في السباع وفي الخيل، دون البهائم، وهو أن تشرق ضروعها.
قال: والخروف في الخيل والضأن، دون البهائم كلها.
قال: ويقال للطير: قد قمطها يقمطها. ويقال للتيس والكلب: قد سفد يسفد سفادا. ويقال في الخيل: كامها يكومها كوما، وكذلك في الحافر كلّه. وفي الحمار وحده: باكها يبوكها بوكا.
١٦١٠-[ما له سبد ولا لبد]
وتقول العرب [١] : «ما له عندي سبد ولا لبد» . فقدّموا السّبد، ففي هذا المعنى أنهم قدموا الشّعر على الصوف.
فإن قال قائل: فقد قدّموا في مواضع كثيرة ذكر ما هو أخسّ فقالوا: «ما له
стр. 1225
عندي قليل ولا كثير» ، و «العير والنّفير» [١] حتى قالوا: الخلّ والزيت، وقالوا: ربيعة ومضر، وسليم وعامر، والأوس والخزرج. وقال الله: لا يُغادِرُ صَغِيرَةً وَلا كَبِيرَةً إِلَّا أَحْصاها
[٢] .
والذي يدلّ على أن ذلك الذي قلنا كما قلنا قول الراعي [٣] : [من البسيط]
حتى إذا هبط الغيطان وانقطعت ... عنه سلاسل رمل بينها عقد
لاقى أطيلس مشّاء بأكلبه ... إثر الأوابد ما ينمي له سبد [٤]
فقدّم السّبد. ثم قال:
يشلي سلوقيّة زلّا جواعرها ... مثل اليعاسيب في أصلابها أود [٥]
وقال الراعي:
أما الفقير الذي كانت حلوبته ... وفق العيال فلم يترك له سبد [٦]
وهو لو قال: لم يترك له لبد، ولو قال: ما ينمي له لبد- لقام الوزن، ولكان له معنى. فدلّ ذلك على أنه إنما أراد تقديم المقدّم.
١٦١١-[مفاخرة بين صاحب الضأن وصاحب الماعز]
قال صاحب الضأن: فخرتم على الضأن بأن الإنسان ذو شعر، وأنه بالماعز أشبه، فالإنسان ذو ألية، وليس بذي ذنب، فهو من هذا الوجه بالضأن أشبه.
قال صاحب الماعز: كما فخرتم [٧] بقوله: ثَمانِيَةَ أَزْواجٍ مِنَ الضَّأْنِ اثْنَيْنِ
[٨] وقلتم: فقد قدّمها، فقال الله: امَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ
[٩] .
стр. 1226
فإن وجب لضأنك التقديم على الماعز بتقديم هذه الآية- وجب للجنّ التقديم بتلك الآية.
١٦١٢-[ذكر أجناس من الحيوان والهمج في القرآن]
علّمك الله علما نافعا، وجعل لك من نفسك سامعا، وأعاذك من العجب، وعرّفك لباس التقوى، وجعلك من الفائزين.
اعلم، رحمك الله تعالى، أن الله جل وعز قد أضاف ست سور من كتابه إلى أشكال من أجناس الحيوان الثلاثة، منها مما يسمونها باسم البهيمة وهي سورة البقرة، وسورة الأنعام، وسورة الفيل، وثلاثة منها مما يعدون اثنتين منها من الهمج [١] . وواحدة من الحشرات [٢] .
فلو كان موقع ذكر هذه البهائم، وهذه الحشرات والهمج، من الحكمة والتدبير، موقعها من قلوب الذين لا يعتبرون ولا يفكرون، ولا يميزون، ولا يحصلون الأمور، ولا يفهمون الأقدار- لما أضاف هذه السور العظام الخطيرة، والشريفة الجليلة، إلى هذه الأمور المحقّرة المسخفة [٣] ، والمغمورة المقهورة.
ولأمر ما وضعها في هذا المكان، ونوّه بأسمائها هذا التنويه. فافهم، فإن الأديب الفهم [٤] ، لا يعوّد قلبه الاسترسال. وخذ نفسك بالفكرة، وقلبك بالعبرة.
[باب في الضفادع]
١٦١٣-[القول في الضفادع]
وأنا ذاكر من شأن الضفدع من القول ما يحضر مثلي. وهو قليل في جنب ما عند علمائنا. والذي عند علمائنا لا يحسّ في جنب ما عند غيرهم من العلماء.
والذي عند العلماء قليل في جنب ما عند الأنبياء، والذي عند الأنبياء قليل في جنب ما عند الله ﵎.
من ذلك الضّفدع [٥] ، لا يصيح ولا يمكنه الصياح حتى يدخل حنكه الأسفل
стр. 1227
في الماء. فإذا صار في فمه بعض الماء صاح. ولذلك لا تسمع للضفادع نقيقا إذا كنّ خارجات من الماء.
والضفادع من الحيوان الذي يعيش في الماء، ويبيض في الشطّ، مثل الرّق [١] والسّلحفاة، وأشباه ذلك.
والضفادع تنقّ، فإذا أبصرت النار أمسكت [٢] .
١٦١٤-[زعم في تخلّق الضفادع] [٣]
والضفادع من الحيوان الذي يخلق في أرحام الحيوان، وفي أرحام الأرضين، إذا ألقحتها المياه، لأن اليخّ [٤] يخراسان يكبس في الآزاج [٥] ، ويحال بينه وبين الرّيح والهواء والشمس، بأحكم ما يقدرون عليه وأوثقه. ومتى انخرق في تلك الخزانة خرق في مقدار منخر الثور حتى تدخله الريح، استحال ذلك اليخّ كله ضفادع.
ولم نعرف حقّ هذا وصدقه من طريق حديث الرجل والرجلين، بل نجد الخبر عنه كالإطباق، وكالخبر المستفيض الذي لا معارض له.
١٦١٥-[أعجوبة في الضفادع]
وفيها أعجوبة أخرى [٦] : وذلك أنا نجد، من كبارها وصغارها، الذي لا يحصى في غبّ المطر [٧] ، إذا كان المطر ديمة، ثم نجدها في المواضع التي ليس بقربها بحر ولا نهر، ولا حوض، ولا غدير، ولا واد، ولا بير. ونجدها في الصّحاصح الأماليس [٨] ، وفوق ظهور مساجد الجماعة. حتى زعم كثير من المتكلفين، ومن أهل الخسارة [٩] وممن لا يحتفل بسوء الحال عند العلماء، ولا يكترث للشكّ- أنها كانت في السحاب.
стр. 1228
ولذلك طمع بعض الكذّابين ممن نكره اسمه، فذكر أن أهل أيذج مطروا مرة أكبر شبابيط في الأرض، وأسمنها وأعذبها وأعظمها، وأنهم اشتووا، وملّحوا، وقرّسوا [١] ، وتزوّد منه مسافرهم. وإنما تلك الضفادع شيء يخلق في تلك الحال بمزاوجة الزمان، وتلك المطرة، وتلك الأرض، وذلك الهواء.
١٦١٦-[معارف في الضفدع]
والضفادع من الخلق الذي لا عظام له [٢] .
ويزعم أصحاب الغرائب أن العلاجيم [٣] منها الذكورة السود.
ويقال: «أرسح من ضفدع» [٤] .
وتزعم الأعراب أن الضفدع كان ذا ذنب، وأن الضّبّ سلبه إياه [٥] وذلك في خرافة من خرافات الأعراب. ويقول آخرون: إن الضفدع إذا كان صغيرا كان ذا ذنب، فإذا خرجت له يدان أو رجلان سقط.
١٦١٧-[طائفة من الأمثال]
وتقول العرب: «لا يكون ذلك حتى يجمع بين الأروى والنعام» [٦] و «حتى يجمع بين الماء والنار» ، و «حتى يشيب الغراب» [٧] ، و «حتى يبيضَّ القار» [٨] ، و «حتى تقع السماء على الأرض» .
ومن حديث الأمثال: «حتى يجيء نشيط من مرو» [٩] . وهو لأهل البصرة.
стр. 1229
و «حتى يجيء مصقلة من طبرستان» [١] ، وهو لأهل الكوفة.
وقال الله : وَلا يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ حَتَّى يَلِجَ الْجَمَلُ فِي سَمِّ الْخِياطِ
[٢] .
وتقول العرب: «لا يكون ذلك حتى يجمع بين الضب والنون» [٣] ، و: «حتى يجمع بين الضفدع والضّبّ!» . وقال الكميت [٤] : [من الوافر]
يؤلّف بين ضفدعة وضبّ ... ويعجب أن نبرّ بني أبينا
وقال في النون والضبّ [٥] : [من الطويل]
ولو أنهم جاؤوا بشيء مقارب ... لشيء وبالشكل الموافق للشّكل
ولكنهم جاؤوا بحيتان لجّة ... قوامس، والمكنيّ فينا أبا الحسل [٦]
١٦١٨-[معارف في الضفدع]
[٧] وهو من الخلق الذي لا يصاب له عظم [٨] . والضفدع أجحظ الخلق عينا.
والأسد تنتابها في الشرائع، وفي مناقع المياه، والآجام والغياض، فتأكلها أكلا شديدا.
وهي من الخلق المائيّ الذي يصبر عن الماء أياما صالحة. والضفادع تعظم ولا تسمن، كالدّرّاج والأرنب، فإنّ سمنهما أن يحتملا اللحم.
وفي سواحل فارس ناس يأكلونها.
١٦١٩-[زعم مسيلمة في الضفدع]
ولا أدري ما هيّج مسيلمة على ذكرها، ولم ساء رأيه فيها، حيث جعل بزعمه فيما نزل عليه من قرآنه: يا ضفدع كم تنقّين! نصفك في الماء ونصفك في الطين! لا الماء تكدّرين، ولا الشارب تمنعين [٩] .
стр. 1230
١٦٢٠-[معيشة الضفادع مع السمك]
والضفادع من الخلق الذي يعيش مع السمك في الماء. وليس كل شيء يعيش في الماء فهو سمك. وقد قال الصّلتان العبديّ، في القضاء الذي قضى بين جرير والفرزدق. والفصل الذي بينهما [١] : [من الطويل]
فإن يك بحر الحنظليَّين زاخرا ... فما تستوي حيتانه والضفادع [٢]
١٦٢١-[طلب الحيّات والضفادع وإعراضها عن بعض الحيوان]
والحيات تأني مناقع الماء، تطلب الضفادع. والفأر تكون بقرب المياه كثيرة، فلذلك تأتي الحيات تلك المواضع. ولأن صيدها من أسهل الصيد عليها، وهي تعرف صيدها. ألا تراها تحيد عن ابن عرس، وإن رأت جرذا أكبر منه لم تنهنهه دون أن تبتلعه؟! وترى الورل فتفرّ منه. وترى الوحرة [٣] فتشدّ عليها، وترى القنفذ- وإن صغر- فلا تجترئ أن تمرّ به خاطفة، وترى الوبرة [٤] ، وهي مثل ذلك القنفذ مرتين فتأكلها.
ولطلبها الضفادع بالليل في الشرائع يقول الأخطل [٥] : [من الطويل]
ضفادع في ظلماء ليل تجاوبت ... فدلّ عليها صوتها حيّة البحر
وقد سرق معناه بعض الشّعراء، فقال- وهو يذكر الضفدع، وأنه لا ينقّ حتى يدخل حنكه الماء [٦] : [من الرجز]
يدخل في الأشداق ماء ينصفه ... كيما ينقّ والنّقيق يتلفه