← Адаб

Адаб · id 23775

الحيوان

الجاحظ

Полный текст (2 028 стр.). Показаны 1226–1265 · переход к 1231.

стр. 1226

فإن وجب لضأنك التقديم على الماعز بتقديم هذه الآية- وجب للجنّ التقديم بتلك الآية. ١٦١٢-[ذكر أجناس من الحيوان والهمج في القرآن] علّمك الله علما نافعا، وجعل لك من نفسك سامعا، وأعاذك من العجب، وعرّفك لباس التقوى، وجعلك من الفائزين. اعلم، رحمك الله تعالى، أن الله جل وعز قد أضاف ست سور من كتابه إلى أشكال من أجناس الحيوان الثلاثة، منها مما يسمونها باسم البهيمة وهي سورة البقرة، وسورة الأنعام، وسورة الفيل، وثلاثة منها مما يعدون اثنتين منها من الهمج [١] . وواحدة من الحشرات [٢] . فلو كان موقع ذكر هذه البهائم، وهذه الحشرات والهمج، من الحكمة والتدبير، موقعها من قلوب الذين لا يعتبرون ولا يفكرون، ولا يميزون، ولا يحصلون الأمور، ولا يفهمون الأقدار- لما أضاف هذه السور العظام الخطيرة، والشريفة الجليلة، إلى هذه الأمور المحقّرة المسخفة [٣] ، والمغمورة المقهورة. ولأمر ما وضعها في هذا المكان، ونوّه بأسمائها هذا التنويه. فافهم، فإن الأديب الفهم [٤] ، لا يعوّد قلبه الاسترسال. وخذ نفسك بالفكرة، وقلبك بالعبرة. [باب في الضفادع] ١٦١٣-[القول في الضفادع] وأنا ذاكر من شأن الضفدع من القول ما يحضر مثلي. وهو قليل في جنب ما عند علمائنا. والذي عند علمائنا لا يحسّ في جنب ما عند غيرهم من العلماء. والذي عند العلماء قليل في جنب ما عند الأنبياء، والذي عند الأنبياء قليل في جنب ما عند الله ﵎. من ذلك الضّفدع [٥] ، لا يصيح ولا يمكنه الصياح حتى يدخل حنكه الأسفل

стр. 1227

في الماء. فإذا صار في فمه بعض الماء صاح. ولذلك لا تسمع للضفادع نقيقا إذا كنّ خارجات من الماء. والضفادع من الحيوان الذي يعيش في الماء، ويبيض في الشطّ، مثل الرّق [١] والسّلحفاة، وأشباه ذلك. والضفادع تنقّ، فإذا أبصرت النار أمسكت [٢] . ١٦١٤-[زعم في تخلّق الضفادع] [٣] والضفادع من الحيوان الذي يخلق في أرحام الحيوان، وفي أرحام الأرضين، إذا ألقحتها المياه، لأن اليخّ [٤] يخراسان يكبس في الآزاج [٥] ، ويحال بينه وبين الرّيح والهواء والشمس، بأحكم ما يقدرون عليه وأوثقه. ومتى انخرق في تلك الخزانة خرق في مقدار منخر الثور حتى تدخله الريح، استحال ذلك اليخّ كله ضفادع. ولم نعرف حقّ هذا وصدقه من طريق حديث الرجل والرجلين، بل نجد الخبر عنه كالإطباق، وكالخبر المستفيض الذي لا معارض له. ١٦١٥-[أعجوبة في الضفادع] وفيها أعجوبة أخرى [٦] : وذلك أنا نجد، من كبارها وصغارها، الذي لا يحصى في غبّ المطر [٧] ، إذا كان المطر ديمة، ثم نجدها في المواضع التي ليس بقربها بحر ولا نهر، ولا حوض، ولا غدير، ولا واد، ولا بير. ونجدها في الصّحاصح الأماليس [٨] ، وفوق ظهور مساجد الجماعة. حتى زعم كثير من المتكلفين، ومن أهل الخسارة [٩] وممن لا يحتفل بسوء الحال عند العلماء، ولا يكترث للشكّ- أنها كانت في السحاب.

стр. 1228

ولذلك طمع بعض الكذّابين ممن نكره اسمه، فذكر أن أهل أيذج مطروا مرة أكبر شبابيط في الأرض، وأسمنها وأعذبها وأعظمها، وأنهم اشتووا، وملّحوا، وقرّسوا [١] ، وتزوّد منه مسافرهم. وإنما تلك الضفادع شيء يخلق في تلك الحال بمزاوجة الزمان، وتلك المطرة، وتلك الأرض، وذلك الهواء. ١٦١٦-[معارف في الضفدع] والضفادع من الخلق الذي لا عظام له [٢] . ويزعم أصحاب الغرائب أن العلاجيم [٣] منها الذكورة السود. ويقال: «أرسح من ضفدع» [٤] . وتزعم الأعراب أن الضفدع كان ذا ذنب، وأن الضّبّ سلبه إياه [٥] وذلك في خرافة من خرافات الأعراب. ويقول آخرون: إن الضفدع إذا كان صغيرا كان ذا ذنب، فإذا خرجت له يدان أو رجلان سقط. ١٦١٧-[طائفة من الأمثال] وتقول العرب: «لا يكون ذلك حتى يجمع بين الأروى والنعام» [٦] و «حتى يجمع بين الماء والنار» ، و «حتى يشيب الغراب» [٧] ، و «حتى يبيضَّ القار» [٨] ، و «حتى تقع السماء على الأرض» . ومن حديث الأمثال: «حتى يجيء نشيط من مرو» [٩] . وهو لأهل البصرة.

стр. 1229

و «حتى يجيء مصقلة من طبرستان» [١] ، وهو لأهل الكوفة. وقال الله : وَلا يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ حَتَّى يَلِجَ الْجَمَلُ فِي سَمِّ الْخِياطِ [٢] . وتقول العرب: «لا يكون ذلك حتى يجمع بين الضب والنون» [٣] ، و: «حتى يجمع بين الضفدع والضّبّ!» . وقال الكميت [٤] : [من الوافر] يؤلّف بين ضفدعة وضبّ ... ويعجب أن نبرّ بني أبينا وقال في النون والضبّ [٥] : [من الطويل] ولو أنهم جاؤوا بشيء مقارب ... لشيء وبالشكل الموافق للشّكل ولكنهم جاؤوا بحيتان لجّة ... قوامس، والمكنيّ فينا أبا الحسل [٦] ١٦١٨-[معارف في الضفدع] [٧] وهو من الخلق الذي لا يصاب له عظم [٨] . والضفدع أجحظ الخلق عينا. والأسد تنتابها في الشرائع، وفي مناقع المياه، والآجام والغياض، فتأكلها أكلا شديدا. وهي من الخلق المائيّ الذي يصبر عن الماء أياما صالحة. والضفادع تعظم ولا تسمن، كالدّرّاج والأرنب، فإنّ سمنهما أن يحتملا اللحم. وفي سواحل فارس ناس يأكلونها. ١٦١٩-[زعم مسيلمة في الضفدع] ولا أدري ما هيّج مسيلمة على ذكرها، ولم ساء رأيه فيها، حيث جعل بزعمه فيما نزل عليه من قرآنه: يا ضفدع كم تنقّين! نصفك في الماء ونصفك في الطين! لا الماء تكدّرين، ولا الشارب تمنعين [٩] .

стр. 1230

١٦٢٠-[معيشة الضفادع مع السمك] والضفادع من الخلق الذي يعيش مع السمك في الماء. وليس كل شيء يعيش في الماء فهو سمك. وقد قال الصّلتان العبديّ، في القضاء الذي قضى بين جرير والفرزدق. والفصل الذي بينهما [١] : [من الطويل] فإن يك بحر الحنظليَّين زاخرا ... فما تستوي حيتانه والضفادع [٢] ١٦٢١-[طلب الحيّات والضفادع وإعراضها عن بعض الحيوان] والحيات تأني مناقع الماء، تطلب الضفادع. والفأر تكون بقرب المياه كثيرة، فلذلك تأتي الحيات تلك المواضع. ولأن صيدها من أسهل الصيد عليها، وهي تعرف صيدها. ألا تراها تحيد عن ابن عرس، وإن رأت جرذا أكبر منه لم تنهنهه دون أن تبتلعه؟! وترى الورل فتفرّ منه. وترى الوحرة [٣] فتشدّ عليها، وترى القنفذ- وإن صغر- فلا تجترئ أن تمرّ به خاطفة، وترى الوبرة [٤] ، وهي مثل ذلك القنفذ مرتين فتأكلها. ولطلبها الضفادع بالليل في الشرائع يقول الأخطل [٥] : [من الطويل] ضفادع في ظلماء ليل تجاوبت ... فدلّ عليها صوتها حيّة البحر وقد سرق معناه بعض الشّعراء، فقال- وهو يذكر الضفدع، وأنه لا ينقّ حتى يدخل حنكه الماء [٦] : [من الرجز] يدخل في الأشداق ماء ينصفه ... كيما ينقّ والنّقيق يتلفه

стр. 1231

١٦٢٢-[شعر في الضفادع] وقال زهير [١] : [من البسيط] وقابل يتغنَّى كلما قدرت ... على العراقي يداه قائما دفقا [٢] يحيل في جدول تحبو ضفادعه ... حبو الجواري ترى في مائه نطقا [٣] يخرجن من شربات ماؤها طحل ... على الجذوع يخفن الغمّ والغرقا [٤] وقال أوس بن حجر [٥] : [من الطويل] فباكرن جونا للعلاجيم فوقه ... مجالس غرقى لا يحلا ناهله [٦] جون قال: يريد غديرا كثير الماء. قال: وإذا كثر الماء وكثر عمقه اسودّ في العين. والعلاجيم: الضفادع السود؛ وجعلها غرقى، يقول: هي فيما شاءت من الماء، كقولك: فلان في خير غامر من قبل فلان. وجعل لها مجالس حول الماء وفوقه، لأن هذه الأجناس- التي تعيش مع السمك في الماء وليست بسمك- أكثر حالاتهن إذ لم تكن سمكا خالصا أن تظهر على شطوط المياه، وفي المواضع التي تبيض فيها من الدّغل [٧] . وذلك كالسّرطان والسّلحفاة، والرّق [٨] ، والضفدع، وكلب الماء، وأشباه ذلك.

стр. 1232

١٦٢٣-[استطراد لغوي] ويقال: نقّ الضفدع ينقّ نقيقا، وأنقض ينقض إنقاضا. وقال رؤبة [١] : [من الرجز] إذا دنا منهن إنقاض النّقق ... في الماء والساحل خضخاض البثق [٢] ١٦٢٤-[سمع الضفدع] وقد زعم ناس أن أبا الأخزر الحمّاني حيث قال: [من الرجز] تسمّع القنقن صوت القنقن [٣] إنما أراد الضفدع. قالوا: وكذلك الطّرماح حيث يقول [٤] : [من الطويل] يخافتن بعض المضغ من خشية الرّدى ... وينصتن للصوت انتصات القناقن قالوا: لأن الضفدع جيّد السمع إذا ترك النقيق وكان خارجا من الماء. وهو في ذلك الوقت أحذر من الغراب [٥] والعصفور والعقعق [٦] ، وأسمع من فرس [٧] ، وأسمع من قراد [٧] ، وأسمع من عقاب [٨] . وبكل هذا جاء الشعر. ذكر ما جاء في الضفادع في الآثار إبراهيم بن أبي يحيى، عن سعيد بن أبي خالد بن فارض، عن سعيد بن المسيب، عن عبد الرحمن بن عثمان التيمي «أن النبي ﷺ نهى عن قتل الضفدع» [٩] .

стр. 1233

قال: وحدّثنا سعيد عن قتادة قال: سمعت زرارة يحدّث أنه سمع عبد الله بن عمرو يقول: «لا تسبّوا الضفادع فإنّ أصواتها تسبيح» [١] . قال: وحدثنا هشام صاحب الدّستوائي، عن قتادة عن زرارة بن أوفى، عن عبد الله بن عمرو أنه قال: «لا تقتلوا الضفادع، فإن نقيقهنّ تسبيح، ولا تقتلوا الخفاش، فإنه إذا خرب بيت المقدّس قال: يا ربّ سلّطني على البحر حتى أغرقهم» . وعن حماد بن سلمة، عن قتادة، عن زرارة، قال: قال عبد الله بن عمرو: «لا تقتلوا الخفاش، فإنه استأذن البحر أن يأخذ من مائه فيطفئ بيت المقدس حيث حرّق. ولا تقتلوا الضفادع، فإن نقيقها تسبيح» . وعن محمد بن عبد الرحمن بن أبي ذئب، وفي إسناد له: أن طبيبا ذكر الضّفدع عند النبي ﷺ ، ليجعل في دواء، فنهى النبي ﷺ عن قتل الضفدع» . ١٦٢٥-[ما يوصف بجودة الحراسة وشدة الحذر] والعرب تصف هذه الأصناف التي ذكرناها بجودة الحراسة، وبشدة الحذر، وأعطوا الثعلب والذّئب أمورا لا يبلغها كثير من الناس. ١٦٢٦-[قول عجيب لصاحب المنطق في الغرانيق] وقال صاحب المنطق في الغرانيق [٢] قولا عجيبا. فزعم أن الغرانيق من الطيور القواطع [٣] ، وليست من الأوابد. وأنها إذا أحسّت بتغيّر الزمان اعتزمت على الرجوع إلى بلادها وأوكارها. وذكر أنها بعيدة سحيقة. قال: فعند ذلك تتخذ قائدا وحارسا، ثم تنهض معا، فإذا طارت ترفعت في الجواء جدّا، كي لا يعرض لها شيء من سباع الطير، أو يبلغها سهم أو بندق. وإن عاينت غيما أو مطرا، أو خافت مطرا، أو سقطت لطلب ما لا بدّ لها منه من طعم، أو هجم عليها الليل- أمسكت عن الصياح، وضمَّت إليها أجنحتها. فإذا أرادت النوم أدخل كل واحد منها رأسه تحت جناحه، لأنه يرى أن الجناح أحمل لما يرد عليه من رأسه، أو بعض ما في رأسه: من العين وغير ذلك،

стр. 1234

ويعلم أنه ليس بعد ذهاب الرأس حياة. ثم ينام كل واحد منها وهو قائم على رجليه، لأنه يظن أنه إن مكّنهما نام إن كان لا يحب النوم. أو نام نوما ثقيلا إن كان يحب أن يكون نومه غرارا [١] . فأما قائدها وسائقها وحارسها، فإنه لا ينام إلا وهو مكشوف الرأس. وإن نام فإن نومه يكون أقلّ من الغشاش [٢] . وينظر في جميع النواحي، فإن أحسّ شيئا صاح بأعلى صوته. ١٦٢٧-[صيد طير الماء] وسألت بعض من اصطاد في يوم واحد مائة طائر من طير الماء، فقلت له: كيف تصنعون؟ قال: إن هذا الذي تراه ليس من صيد يوم واحد، وإن كلّه صيد في ساعة واحدة. قلت له: وكيف ذاك؟ قال: وذلك أنا نأتي مناقع الماء ومواضع الطير، فنأخذ قرعة يابسة صحيحة. فنرمي بها في ذلك الماء، فإذا أبصرها الطير تدنو منه بدفع الرّيح لها في جهته، مرة أو مرتين فزع. فإذا كثر ذلك عليه أنس. وإنما ذلك الطير طير الماء والسّمك [٣] ، فهي أبدا على وجه الماء. فلا تزال الرّيح تقرّبها وتباعدها، وتزداد هي بها أنسا، حتى ربما سقط الطائر عليها، والقرعة في ذلك إما واقفة في مكان، وإما ذاهبة وجائية. فإذا لم نرها تنفر منها أخذنا قرعة أخرى، أو أخذناها بعينها، وقطعنا موضع الإبريق [٤] منها، وخرقنا فيها موضع عينين، ثم أخذها أحدنا فأدخل رأسه فيها، ثم دخل الماء ومشى فيه إليها مشيا رويدا، فكلما دنا من طائر قبض على رجليه ثم غمسه في الماء، ودقّ جناحه وخلّاه، فبقي طافيا فوق الماء يسبح برجليه، ولا يطيق الطيران، وسائر الطير لا ينكر انغماسه. ولا يزال كذلك حتى يأتي على آخر الطير. فإذا لم يبق منها شيء رمى بالقرعة عن رأسه، ثمّ نلقطها ونجمعها ونحملها. ١٦٢٨-[نفع الضفدع] قال: ومن جيّد ما يعالج به الملسوع، أن يشقّ بطن الضفدع، ثم يرفد [٥] به موضع اللسعة. ولسنا نعني لدغة الحية، وإنما نعني لسعة العقرب.

стр. 1235

١٦٢٩-[حيرة الضفدع والأسد عند رؤية النار] والضفدع إذا رأى النار أمسك عن النقيق [١] ، وإذا رأى الفجر. والأسد إذا رأت النار أحجمت عن الإقدام. وإذا اشتد الأصوات. ١٦٣٠-[استطراد لغويّ] قال: ويقال للضفدع: نقّ ينقّ، وهدر يهدر. وقال الراعي: [من المتقارب] فأوردهنّ قبيل الصباح ... عينا ضفادعها تهدر ١٦٣١-[قول صاحب المنطق في الضفادع والسمك] وأما قول صاحب المنطق في أن الضفادع لا تنقّ حتى تدخل فكها الأسفل في الماء، لأن الصوت لا يجيئها حتى يكون في فكها ماء، فقد قال ذلك، وقد وافقه عليه ناس من العلماء، وادعوا في ذلك العيان [٢] . فأما زعمه أن السمكة لا تبتلع شيئا من الطعم إلا ببعض الماء، فأيّ عيان دلّ على هذا؟! وهذا عسر. [باب في الجراد] (القول في الجراد) أحضرني على اسم الله ذهنك، وفرّغ لما ألقيه إليك قلبك، فربّ حرف من حروف الحكم الشريفة، والأمثال الكريمة- قد عفا أثره، ودثر ذكره، ونبا الطَّرف عنه، ولم يشغل الذهن بالوقوف عليه. وربّ بيت هذا سبيله، وخطبة هذه حالها. ومدار الأمر على فهم المعاني لا الألفاظ، والحقائق لا العبارات. فكم من دارس كتابا خرج غفلا كما دخل، وكم من متفهّم لم يفهم؟! ولن يستطيع الفهم إلا من فرَّع قلبه للتفهم، كما لا يستطيع الإفهام إلا من صحت نيته في التعليم. ١٦٣٢-[فضل الإنسان على سائر الحيوان] فأقول: إن الفرق الذي بين الإنسان والبهيمة، والإنسان والسّبع والحشرة، والذي صيّر الإنسان إلى استحاق قول الله :

стр. 1236

وَسَخَّرَ لَكُمْ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً مِنْهُ [١] ليس هو الصورة، وأنه خلق من نطفة وأن أباه خلق من تراب، ولا أنه يمشي على رجليه، ويتناول حوائجه بيديه، لأن هذه الخصال كلها مجموعة في البله والمجانين، والأطفال والمنقوصين. والفرق الذي هو الفرق إنما هو الاستطاعة والتمكين. وفي وجود الاستطاعة وجود العقل والمعرفة. وليس يوجب وجودهما وجود الاستطاعة. وقد شرّف الله تعالى الجانّ وفضّله على السّبع والبهيمة، بالذي أعطاه من الاستطاعة الدالة على وجود العقل والمعرفة. وقد شرّف الله الملائكة وفضلهم على الجانّ، وقدمهم على الإنسان وألزمهم من التكليف على حسب ما خوّلهم من النعمة. وليست لهم صورة الإنسان ولم يخلقوا من النّطف، ولا خلق أبوهم من التراب. وإنما الشأن في العقل، والمعرفة، والاستطاعة. أفتظنّ أن الله يخصّ بهذه الخصال بعض خلقه دون بعض، ثم لا يطالبهم إلا كما يطالب بعض من أعدمه ذلك، وأعراه منه؟! فلم أعطاه العقل، إلا للاعتبار والتفكير؟! ولم أعطاه المعرفة، إلا ليؤثّر الحقّ على هواه؟! ولم أعطاه الاستطاعة، إلا لإلزام الحجة؟! فهل فكّرت قطّ في فصل [٢] ما بينك وبين الخلق المسخّر لك، وبين الخلق الذي جعل لك والخلق المسلط عليك؟! وهل فكّرت قط في فصل ما بين ما جعله عليك عاديا؟! وبين ما جعله لك غاذيا؟! وهل فكرت قطّ في فصل ما بين الخلق الذي جعل لك عذابا، والخلق الذي جعل لك قاتلا، وبين ما آنسه بك وبين ما أوحشه منك، وبين ما صغّره في عينك وعظّمه في نفسك، وبين ما عظّمه في عينك وصغّره في نفسك؟!. بل هل فكرت في النحلة والعنكبوت والنملة، أنت ترى الله تقدّس وعزّ كيف نوّه بذكرها ورفع من قدرها، وأضاف إليها السّور العظام، والآيات الجسام، وكيف جعل الإخبار عنها قرآنا وفرقانا، حيث يقول: وَأَوْحى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ [٣] . فقف

стр. 1237

على صغر النحلة وضعف أيدها [١] ، ثمّ ارم بعقلك إلى قول الله: ثُمَّ كُلِي مِنْ كُلِّ الثَّمَراتِ فَاسْلُكِي سُبُلَ رَبِّكِ ذُلُلًا [٢] ، فإنك تجدها أكبر من الطّود، وأوسع من الفضاء. ثم انظر إلى قوله: حَتَّى إِذا أَتَوْا عَلى وادِ النَّمْلِ [٣] . فما ترى في مقدار النملة في عقل الغبيّ، وغير الذّكيّ؟! فانظر كيف أضاف الوادي إليها، وخبر عن حذرها ونصحها لأصحابها، وخوفها ممن قد مكّن، فإنك تجدها عظيمة القدر، رفيعة الذكر، قد عظمها في عقلك، بعد أن صغرها في عينك. ١٦٣٣-[عجز الإنسان وصغر قدره] وخبّرني عن الله تعالى، أمّا كان قادرا أن يعذّب الكنعانيين، والجبابرة، والفراعنة، وأبناء العمالقة: من نسل عاد وثمود، وأهل العتوّ والعنود- بالشياطين ثم بالمردة، ثم بالعفاريت، ثم بالملائكة الذين وكّلهم الله تعالى بسوق السحاب، وبالمدّ والجزر، وبقبض أرواح الخلق. وبقلب الأرضين، وبالماء والريح، وبالكواكب والنيران، وبالأسد والنمور والببور [٤] وبالفيلة والإبل والجواميس، وبالأفاعي والثعابين وبالعقارب والجرارات، وبالعقبان والنسور، وبالتماسيح، وباللّخم [٥] والدّلفين. فلم عذّبهم بالجراد والقمّل والضفادع؟! وهل يتلقّى عقلك قبل التفكير إلا أنه أراد أن يعرّفهم عجزهم، ويذكّرهم صغر أقدارهم، ويدلّهم على ذلك بأذلّ خلقه، ويعرفهم أن له في كل شيء جندا، وأن القويّ من قوّاه وأعانه، والضعيف من ضعّفه، والمنصور من نصره، والمخذول من خلّاه وخذله، وأنه متى شاء أن يقتل بالعسل الماذي والماء الزّلال كما يقتل بالسمّ الساري، والسيف الماضي قتل؟ ولم كان النّبيّ ﷺ إذا رأى على جسده البثرة ابتهل في الدعاء وقال: «إن الله تعالى إذا أراد أن يعظم صغيرا عظمه» ؟! ولم قال لنا: فَأَرْسَلْنا عَلَيْهِمُ الطُّوفانَ وَالْجَرادَ وَالْقُمَّلَ وَالضَّفادِعَ وَالدَّمَ آياتٍ مُفَصَّلاتٍ [٦] ؟! فافهم عنه تعالى ذكره، وتقدست أسماؤه قوله: «آيات» ثم قال:

стр. 1238

«مفصّلات» . فهل وقفت قطّ على هذه الآيات؟! وهل توهّمت تأويل قوله: هذا آية وغير آية؟! وهل وقفت على فصل ما بين الآية وغير الآية، وإذا كانت مفصّلات كان ماذا، وإذا لم تكن مفصلات كان ماذا. فافهم قوله: فَأَرْسَلْنا عَلَيْهِمُ . وما في الأرض أنقص معرفة وعلما، ولا أضعف قوة وبطشا، ولا أوهن ركنا وعظما من ضفدع. فقد قال- كما ترى: فَأَرْسَلْنا عَلَيْهِمُ الطُّوفانَ وَالْجَرادَ وَالْقُمَّلَ وَالضَّفادِعَ وَالدَّمَ . فقد جعله- كما ترى- أفضل آياته والعذاب الذي أرسله على أعدائه. وقد قال جل وعز: فَإِذا جاءَ أَمْرُنا وَفارَ التَّنُّورُ [١] فأظهر الماء جلّ ثناؤه من أبعد مواضع الماء من ظنونهم، وخبّرنا بذلك كي لا نخلي أنفسنا من الحذر والإشفاق، ولنكون علماء بالعلم الذي أعطانا، ولنكون راجين خائفين، ليصحّ الاختيار، ويحسن الاختبار: فَتَبارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخالِقِينَ [٢] . ما أحسن ما قدَّر، وأتقن ما برأ!. ١٦٣٤-[سيل العرم] وكان السبب الذي سلطه الله تعالى على العرم، وهو مسنّاة جنّتي بلاد سبإ، جرذا، فهو الذي خرقه، وبدّل نعمتهم بؤسا، وملكهم يبابا وعزَّهم ذلّا، إلى أن عادوا فقراء [٣] . فقال الله: وَبَدَّلْناهُمْ بِجَنَّتَيْهِمْ جَنَّتَيْنِ ذَواتَيْ أُكُلٍ خَمْطٍ وَأَثْلٍ وَشَيْءٍ مِنْ سِدْرٍ قَلِيلٍ [٤] . هذا بعد أن قال: لَقَدْ كانَ لِسَبَإٍ فِي مَسْكَنِهِمْ آيَةٌ جَنَّتانِ عَنْ يَمِينٍ وَشِمالٍ كُلُوا مِنْ رِزْقِ رَبِّكُمْ وَاشْكُرُوا لَهُ بَلْدَةٌ طَيِّبَةٌ وَرَبٌّ غَفُورٌ. فَأَعْرَضُوا فَأَرْسَلْنا عَلَيْهِمْ سَيْلَ الْعَرِمِ [٥] . ١٦٣٥-[شعر في سد مأرب] وقال الأعشى [٦] : [من المتقارب]

стр. 1239

ففي ذاك للمؤتسي أسوة ... ومأرب قفّى عليه العرم [١] رخام بنته لهم حمير ... إذا جاء ماؤهم لم يرم وأنشد أبو عمرو بن العلاء [٢] : [من المنسرح] من سبإ الحاضرين مأرب إذ ... يبنون من دون سيله العرما ١٦٣٦-[باب القول في الجراد] ثم انظر إلى الجراد وهذا باب القول فيه. قال: فأول ما يبدو الجراد إذا باض سرء، وسرؤه: بيضه. يقال: سرأت تسرأ سرءا. فانظر الآن، فكم ترى فيه من أعجوبة، ومن آية بليغة. فأوّل ذلك التماسها لبيضها الموضع الصّلد، والصخور الصّمّ الملس، ثقة بأنها إذا ضربت بأذنابها فيها انفرجت لها. ١٦٣٧-[ذنب الجرادة وإبرة العقرب] ومعلوم أن ذنب الجرادة ليس في خلقة المسمار، ولا طرف ذنبها كحد السّنان، ولا لها من قوة الأسر، ولذنبها من الصّلابة [٣] ما إذا اعتمدت به على الكدية [٤] والكذّانة [٥] جرح فيهما. فكيف وهي تتعدى إلى ما هو أصلب من ذلك، وليس في طرف ذنبها كإبرة العقرب؟!. وعلى أن العقرب ليس تخرق القمقم من جهة الأيد [٦] وقوة البدن [٧] ، بل إنما

стр. 1240

ينفرج بطبع مجعول هناك. وكذلك انفراج الصخور لأذناب الجراد. ولو أن عقابا أرادت أن تخرق في جلد الجاموس لما انخرق لها إلا بالتكلّف الشديد، والعقاب هي التي تنكدر [١] على الذئب الأطلس فتقدّ بدابرتها [٢] ما بين صلاه [٣] إلى موضع الكاهل. فإذا غرزت الجرادة وألقت بيضها، وانضمّت عليها تلك الأخاديد التي أحدثتها، وصارت كالأفاحيص لها، وصارت حافظة لها ومربّية. وصائنة وواقية، حتى إذا جاء وقت دبيب الرّوح فيها أحدث الله في أمرها عجبا آخر. فسبحان من استخزنها حكمته، وحشاها بالأدلة عليه، وأنطقها بأنها مدبرة، ومذلَّلة ميسرة، ليفكر مفكر، ويعتبر معتبر! ذلكم الله ربّ العالمين، وتبارك الله ربّ العالمين! ١٦٣٨-[استطراد لغوي] وقال الأصمعي [٤] : يقال: قد سرأت الجرادة تسرأ سرءا. فإذا خرج من بيضه فهو دبا والواحدة دباة. ويخرج أصهب إلى البياض، فإذا اصفرّ وتلوّنت فيه خطوط واسودّ فهو برقان. يقال رأيت دبا برقانا، والواحدة برقانة، فإذا بدت فيه خطوط سود وبيض وصفر فهو المسيّح. فإذا بدا حجم جناحه فذلك الكتفان، لأنه حينئذ يكتف المشي، واحدة كتفانة. قال ابن كناسة: [من الخفيف] يكتف المشي كالذي يتخطّى ... طنبا أو يشكّ كالمتمادي [٥] يصف فرسا. فإذا ظهرت أجنحته وصار أحمر إلى الغبرة فهو الغوغاء والواحدة غوغاءه، وذلك حين يستقلّ ويموج بعضه في بعضه ولا يتوجّه جهة. ولذلك قيل لرعاع الناس غوغاء. فإذا بدت في لونه الحمرة والصفرة، وبقي بعض الحمرة، واختلف في ألوانه، فهو الخيفان، والواحدة خيفانة. ومن ثمّة قيل للفرس خيفانة.

стр. 1241

فإذا اصفرّت الذكورة واسودّت الإناث ذهبت عنه أسماء غير الجراد. فإذا باض قيل غرز الجراد، وقد رزّ. فإذا كثر الجراد في السماء وكثف فذلك السّدّ. ويقال: رأيت سدّا من جراد، ورأيت رجلا من جراد، للكثير منه. وقال العجاج [١] : [من الرجز] سير الجراد السّدّ يرتاد الخضر ١٦٣٩-[مثل في الجراد] ومما تقول العرب: «أصرد من جرادة» [٢] . وإنما يصطاد الجراد بالسّحر. إذا وقع عليه الندى طلب مكانا أرفع من موضعه، فإن كان مع النّدى برد لبد في موضعه. ولذلك قال الشاعر [٣] : [من الكامل] وكتيبة لبّستها بكتيبة ... كالثائر الحيران أشرف للنّدى الثائر: الجراد. أشرف: أتى على شرف. للندى: أي من أجل الندى. ١٦٤٠-[استطراد لغوي] ويقال: سخّت الجرادة تسخّ سخّا، ورزّت وأرزّت، وجرادة رزّاء ورازّ ومرزّ: إذا غمزت ذنبها في الأرض، وإذا ألقت بيضها قيل: سرأت تسرأ سرءا. ويقال: قد بشر الجراد الأرض فهو يبشرها بشرا: إذا حلقها فأكل ما عليها. ويقال: جرد الجراد: إذا وقع على شيء فجرده. وأنشدني ابن الأعرابي [٤] : [من الطويل] كما جرد الجارود بكر بن وائل ولهذا البيت سمّي الجارود.

стр. 1242

وأنشدني آخر: [من الطويل] يقول أمير: ها جراد وضبّة ... فقد جردت بيتي وبيت عياليا وهذا من الاشتقاق. ومنه قيل ثوب جرد، بإسكان الراء، إذا كان قد انجرد وأخلق. قالت سعدى بنت الشّمردل [١] : [من الكامل] سبّاء عادية وهادي سربة ... ومقاتل بطل وليث مسلع [٢] أجعلت أسعد للرّماح دريئة ... هبلتك أمّك أيَّ جرد ترقع [٣] ١٦٤١-[تطيّر النابغة] ويدخل في هذا الباب ما حدّثنا به الأصمعيّ، قال [٤] : تجهز النابغة الذبيانيّ مع زبَّان بن سيَّار الفزاريّ، للغزو. فلما أراد الرحيل نظر إلى جرادة قد سقطت عليه، فقال: «جرادة تجرد، وذات لونين. غيري من خرج في هذا الوجه» ولم يلتفت زبّان إلى طيرته وزجره، ونفذ لوجهه، فلما رجع إلى موضعه الذي كان النابغة فارقه فيه، وذكر ما نال من السلامة والغنيمة، أنشأ يذكر شأن النابغة فقال [٥] : [من الوافر] تخبّر طيره فيها زياد ... لتخبره وما فيها خبير أقام كأنَّ لقمان بن عاد ... أشار له بحكمته مشير تعلَّم أنه لا طير إلا ... على متطيّر وهو الثبور بلى، شيء يوافق بعض شيء ... أحايينا، وباطله كثير

стр. 1243

واسم النابغة زياد بن عمرو، وكنيته أبو ثمامة. وأنشدني أبو عبيدة [١] : [من الطويل] وقائلة: من أمّها واهتدى لها؟ ... زياد بن عمرو أمَّها واهتدى لها ١٦٤٢-[استطراد لغوي] قال: ويقال أبشرت الأرض إبشارا: إذا بذرت فخرج منها بذرها. فعند ذلك يقال: ما أحسن بشرة الأرض. وقال الكميت- وكنية الجراد عندهم: أمّ عوف. وجناحاها: برداها- ولذا قال [٢] : [من الطويل] تنفّض بردي أمّ عوف ولم تطر ... لنا بارق، بخ للوعيد وللرّهب [٣] وأنشدنا أبو زيد [٤] : [من البسيط] كأن رجليه رجلا مقطف عجل ... إذا تجاوب من برديه ترنيم يقول: كأنَّ رجلي الجندب، حين يضرب بهما الأرض من شدة الحرّ والرّمضاء، رجلا رجل مقطف. والمقطف: الذي تحته دابّة قطوف [٥] ، فهو يهمزها [٦] برجليه. ١٦٤٣-[شعر في الجندب والجراد] وقال أبو زبيد الطائيّ [٧] ، يصف الحرّ وشدته، وعمل الجندب بكراعيه: [من الخفيف]

стр. 1244

أيّ ساع سعى ليقطع شربي ... حين لاحت للصابح الجوزاء واستكنّ العصفور كرها مع الضَّبّ وأوفى في عوده الحرباء ونفى الجندب الحصى بكراعيه وأذكت نيرانها المعزاء وأنشد أبو زيد، لعوف بن ذروة [١] ، في صفة الجراد: [من الرجز] ١- قد خفت أن يحدرنا للمصرين ... ويترك الدّين علينا والدَّين [٢] ٣- زحف من الخيفان بعد الزّحفين ... من كلّ سفعاء القفا والخدّين [٣] ٥- ملعونة تسلخ لونا عن لون ... كأنها ملتفَّة في بردين ٧- تنحي على الشمراخ مثل الفأسين ... أو مثل مئشار غليظ الحرفين [٤] ٩- أنصبه منصبه في قحفين [٥] وعلى معنى قوله: تنحي على الشمراخ مثل الفأسين ... أو مثل مئشار غليظ الحرفين قال حماد لأبي عطاء [٦] : [من مجزوء الوافر] فما صفراء تكنى أمَّ عوف ... كأنَّ رجيلتيها منجلان ١٦٤٤-[تشبيه الفرس بالجرادة] ويوصف الفرس فيشبه بالجرادة، ولذا قال الشاعر: [من الكامل] فإذا أتيت أباك فاشتر مثلها ... إنّ الرّداف عن الأحبَّة يشغل فإذا رفعت عنانها فجرادة ... وإذا وضعت عنانها لا تفشل

стр. 1245

ولم يرض بشر بن أبي خازم بأن يشبهه بالجرادة حتى جعله ذكرا، حيث يقول [١] : [من الوافر] بكلّ قياد مسنفة عنود ... أضرَّ بها المسالح والعوار [٢] مهارشة العنان كأنّ فيها ... جرادة هبوة فيها اصفرار [٣] فوصفها بالصّفرة، لأنّ الصفرة هي الذكورة، وهي أخفّ أبدانا، وتكون لخفة الأبدان أشدّ طيرانا. ١٦٤٥-[تشبيه قتير الدرع بحدق الجراد] ويوصف قتير [٤] الدّرع ومساميرها [فيشبّه] [٥] بحدق الجراد [٦] . وقال قيس بن الخطيم [٧] : [من الطويل] ولما رأيت الحرب حربا تجرّدت ... لبست مع البردين ثوب المحارب مضاعفة يغشى الأنامل فضلها ... كأنّ قتيريها عيون الجنادب وقال المقنّع الكنديّ [٨] : [من الطويل] ولي نثرة ما أبصرت عين ناظر ... كصنع لها صنعا ولا سردها سردا [٩]

стр. 1246

تلاحم منها سردها فكأنما ... عيون الدَّبا في الأرض تجردها جردا [١] وقال عمرو بن معد يكرب [٢] : [من الوافر] تمناني ليلقاني أبيّ ... وددت وأين ما منّي ودادي تمناني وسابغتي دلاص ... خروس الحسّ محكمة السّراد [٣] مضاعفة تخيَّرها سليم ... كأنّ سكاكها حدق الجراد [٤] ١٦٤٦-[تشبيه وسط الفرس بوسط الجرادة] ويوصف وسط الفرس بوسط الجرادة. قال رجل من عبد القيس [٥] يصف فرسا: [من الكامل] أمّا إذا ما استدبرت فنعامة ... تنفي سنابكها رضيض الجندل ١٦٤٧-[تشبيه الحباب بحدق الجراد] ويوصف حباب الشراب بحدق الجراد. قال المتلمّس [٦] : [من الوافر] كأني شارب يوم استبدّوا ... وحثّ بهم وراء البيد حادي عقارا عتّقت في الدّنّ حتى ... كأنّ حبابها حدق الجراد ١٦٤٨-[لعاب الجندب] وإذا صفا الشّراب وراق شبّهوه بلعاب الجندب. ولذا قال الشاعر [٧] : [من الكامل] صفراء من حلب الكروم كأنّها ... ماء المفاصل أو لعاب الجندب [٨]

стр. 1247

ولعاب الجندب سمّ على الأشجار، لا يقع على شيء إلا أحرقه. ١٦٤٩-[زعم في الدّبا] ولا يزال بعض من يدَّعي العلم يزعم أن الدّبا يريد الخضرة، ودونها النهر الجاري، فيصير بعضه جسرا لبعض، وحتى يعبر إلى الخضرة، وأن تلك حيلة منها. وليس ذلك كما قال: ولكنّ الزّحف الأول من الدبا يريد الخضرة، فلا يستطيعها إلا بالعبور إليها، فإذا صارت تلك القطعة فوق الماء طافية صارت تلك لعمري أرضا للزحف الثاني الذي يريد الخضرة. فإن سمّوا ذلك جسرا استقام. فأما أن يكون الزحف الأول مهّد للثاني ومكّن له، وآثره بالكفاية- فهذا ما لا يعرف. ولو أن الزحفين جميعا أشرفا على النهر، وأمسك أحدهما عن تكلّف العبور إلى أن يمهّد له الآخر- كان ذلك قولا. ١٦٥٠-[استطراد لغوي] ويقال في الجراد: خرقة من جراد، والجميع خرق. وقال الشاعر [١] : [من مجزوء الكامل] وكأنها خرق الجراد ... يثور يوم غبار ويقال للقطعة الكثيرة منها رجل جراد، ورجلة من جراد. والثَّول: القطعة من النحل. وتوصف كثرة النّبل، ومرورها، وسرعة ذلك بالجراد. وقال أبو النجم [٢] : [من الرجز] كأنما المعزاء من نضالها ... رجل جراد طار عن حدالها [٣] وإذا جاء منه ما يسدّ الأفق قالوا: رأينا سدّا من جراد. وقال المفضل النّكريّ [٤] : [من الوافر] كأنّ النّبل بينهم جراد ... تهيّجه شآمية خريق [٥]

стр. 1248

والمرتجل: الذي قد أصاب رجل جراد، فهو يشويه. وقال بعض الرّجّاز، وهو يصف خيلا قد أقبلت إلى الحيّ: [من الرجز] حتى رأينا كدخان المرتجل ... أو شبه الحفّان، في سفح الجبل ولأن الحفان أتمّها أبدانا، قال ابن الزّبعرى [١] : [من الرمل] ليت أشياخي ببدر شهدوا ... جزع الخزرج من وقع الأسل حين ألقت بقباء بركها ... واستحرّ القتل في عبد الأشل [٢] ساعة ثم استخفوا رقصا ... رقص الحفّان في سفح الجبل [٣] وقتلنا الضّعف من ساداتهم ... وعدلنا ميل بدر فاعتدل [٤] ١٦٥١-[طيب الجراد الأعرابي] والجراد الأعرابيّ لا يتقدمه في الطّيب شيء. وما أحصي كم سمعت من الأعراب من يقول: ما شبعت منه قطّ! وما أدعه إلا خوفا من عاقبته؛ أو لأني أعيا فأتركه! ١٦٥٢-[أكل الجراد] والجراد يطيب حارّا وباردا، ومشويّا ومطبوخا، ومنظوما في خيط، ومجعولا في الملّة [٥] . والبيض الذي يتقدّم في الطيب ثلاثة أجناس: بيض الأسبور [٦] وبيض الدّجاج، وبيض الجراد فوق بيض الأسبور في الطيب. وبيض الأسبور فوق بيض الدّجاج. وجاء في الأثر، أن الجراد ذكر عند عمر فقال [٧] : «ليت لنا منه قفعة [٨] أو قفعتين» .

стр. 1249

وهو يؤكل يابسا وغير يابس، ويجعل أدما [١] ونقلا [٢] . والجراد المأكول ضروب، فمنه الأهوازيّ، ومنه المذنّب، وأطيبه الأعرابيّ، وأهل خراسان لا يأكلونه. ١٦٥٣-[الولوع بأكل الجراد] وحدّثني رتبيل بن عمرو بن رتبيل قال: والله إني لجالس على باب داري في بني صبير، إذ أقبلت امرأة لم أر قط أتم حسنا وملحا [٣] وجسما منها، ورأيت في مشيها تأوّدا، ورأيتها تتلفّت. فلم ألبث أن طلعت أخرى لا أدري أيتهما أقدّم، إذ قالت التي رأيتها بديّا للأخرى: ما لك لا تلحقيني؟ قالت: أنا منذ أيام كثيرة أكثر أكل هذا الجراد، فقد أضعفني! فقالت: وإنك لتحبّينه حبّا تحتملين له مثل ما أرى بك من الضّعف؟ قالت: والله إنه لأحبّ إليّ من الحبل!. ١٦٥٤-[طرفة في الجراد] وقال الأصمعي: قال رجل من أهل المدينة لامرأته: لا جزاك الله خيرا، فإنك غير مرعية ولا مبقية! قالت: لأنا والله أرعى وأبقى من التي كانت قبلي! قال: فأنت طالق إن لم أكن كنت آتيها بجرادة فتطبخ منها أربعة ألوان، وتشوي جنبيها! فرفعته إلى القاضي فجعل القاضي يفكر ويطلب له المخرج. فقال للقاضي: أصلحك الله أأشكلت عليك المسألة؟ هي طالق عشرين! ١٦٥٥-[تشبيه الجيش بالدبا] ووصف الراجز حربا، فوصف دنوّ الرّجّالة من الرّجّالة، فقال: [من الرجز] أو كالدّبا دبّ ضحى إلى الدّبا ١٦٥٦-[قول أبي إسحاق في آية الضفادع] وقرأ بعض أصحابنا بحضرة أبي إسحاق: وَقالُوا مَهْما تَأْتِنا بِهِ مِنْ آيَةٍ لِتَسْحَرَنا بِها فَما نَحْنُ لَكَ بِمُؤْمِنِينَ. فَأَرْسَلْنا عَلَيْهِمُ الطُّوفانَ وَالْجَرادَ وَالْقُمَّلَ وَالضَّفادِعَ وَالدَّمَ آياتٍ مُفَصَّلاتٍ [٤] فقال رجل لأبي إسحاق: انظر كيف قرن الضفادع مع ضعفها

стр. 1250

إلى الطوفان، مع قوة الطوفان وغلبته. قال أبو إسحاق: الضفادع أعجب في هذا الموضع من الطوفان، وإذا أراد الله تعالى أن يصيّر الضفادع أضرّ من الطوفان فعل. ١٦٥٧-[شعر في تشبيه بالجراد] وقال أبو الهندي [١] : [من الكامل] لمّا سمعت الدّيك صاح بسحرة ... وتوسّط النّسران بطن العقرب وتتابعت عصب النّجوم كأنها ... عفر الظّباء على فروع المرقب وبدا سهيل في السماء كأنه ... ثور وعارضه هجان الرّبرب [٢] نبّهت ندماني فقلت له: اصطبح ... يا ابن الكرام من الشّراب الأصهب صفراء تنزو في الإناء كأنها ... عين الجرادة أو لعاب الجندب نزو الدّبا من حرّ كلّ ظهيرة ... وقّادة، حرباؤها يتقلّب وقال أبو الهنديّ [٣] أيضا: [من السريع] فإنّ هذا الوطب لي ضائر ... في ظاهر الأمر وفي الغامض [٤] إن كنت تسقيني فمن قهوة ... صفراء مثل المهرة الناهض تنزو الفقاقيع إذا شعشعت ... نزو جراد البلد الرّامض [٥] وقال الأفوه [٦] : [من الكامل] بمناقب بيض، كأنّ وجوههم ... زهر قبيل ترجّل الشّمس دبّوا كمنتشر الجراد هوت ... بالبطن، في درع وفي ترس [٧] وكأنها آجال عادية ... حطّت إلى إجل من الخنس [٨]

стр. 1251

١٦٥٨-[أقوال فيما يضر من الأشياء] وروى الأصمعي، وأبو الحسن، عن بعض المشايخ. قال: ثلاثة أشياء ربما صرعت أهل البيت عن آخرهم: أكل الجراد، ولحوم الإبل، والفطر من الكمأة. وقال غيرهما: شرب الماء في الليل يورث الخبل، والنظر إلى المختصر يورث ضعف القلب، والاطلاع في الآبار العاديّة [١] ينقض التركيب. ويسوّل مصارع السّوء. فأما الفطر الذي يخلق في ظلّ شجر الزيتون فإنما هو حتف قاض، وسمّ ناقع. وكل شيء يخلق تحت ظلال الشجر يكون رديئا، وأردؤه شجر الزيتون، وربما قتل، وإن كان مما اجتنبوه من أوساط الصحارى. قالوا: ومما يقتل: الحمّام على الملأة، والجماع على البطنة، والإكثار من القديد [٢] اليابس. وقال الآخر [٣] : شرب الماء البارد على الظمإ الشديد- إذا عجّل الكرع، وعظّم الجرع، ولم يقطع النفس- يقتل. قالوا [٤] : وثلاث تورث الهزال: شرب الماء على الرّيق، والنوم على غير وطاء، وكثرة الكلام برفع الصوت. والجماع على الامتلاء من الطعام ودخوله. وربما خيف عليه أن يكون قاتل نفسه [٥] . وقالوا [٦] : وأربعة أشياء تسرع إلى العقل بالإفساد: الإكثار من البصل، والباقلّى والجماع، والخمار. وأما ما يذكرون في الباب من الهمّ والوحدة والفكرة، فجميع الناس يعرفون

стр. 1252

ذلك. وأما الذي لا يعرفه إلا الخاصة فالكفاية التامة، والتعظيم الدائم، وإهمال الفكر، والأنف من التعلّم. هذا قول أبي إسحاق. وقال أبو إسحاق [١] : ثلاثة أشياء تخلق العقل، وتفسد الذهن: طول النظر في المرآة، والاستغراق في الضحك، ودوام النظر إلى البحر. وقال معمّر: قطعت في ثلاثة مجالس، ولم أجد لذلك علة؛ إلا أني أكثرت في أحد تلك الأيام من أكل الباذنجان، وفي اليوم الآخر من أكل الزيتون، وفي اليوم الثالث من الباقلّى. وزعم أنه كلم رجلا من الملحدين في بعض العشايا، وأنه علاه علوّا ظاهرا قاهرا، وأنه بكر على بقية ما في مسألته من التخريج، فأجبل وأصفى [٢] ، فقال له خصمه: ما أحدثت بعدي؟ قال: قلت: ما أتّهم إلا إكثاري البارحة من الباذنجان! فقال لي- وما خالف إلى التّهمة: ما أشكّ أنك لم تؤت إلا منه! وقال لي من أثق به: ما أخذت قط شيئا من البلاذر فنازعت أحدا إلا ظهرت عليه. وقال أبو ناضرة: ما أعرف وجه انتفاع الناس بالبلاذر إلا أن يؤخذ للعصب. قلت: فأي شيء بقي بعد صلاح العصب، وأنتم بأجمعكم تزعمون أن الحسّ للعصب خاصة؟ [باب في القطا] ١٦٥٩-[القول في القطا] تقول العرب: «أصدق من قطاة [٣] » و «أهدى من قطاة» [٤] . وفي القطا أعجوبة، وذلك أنها لا تضع بيضها أبدا إلا أفرادا، ولا يكون بيضها أزواجا أبدا. وقال أبو وجزة [٥] : [من البسيط] وهنّ ينسبن وهنا كلّ صادقة ... باتت تباشر عرما غير أزواج

стр. 1253

والعرم التي عنى: بيض القطا، لأنها منقّطة. وقال الأخطل [١] : [من الطويل] شفى النّفس قتلى من سليم وعامر ... ولم يشفها قتلى غنيّ ولا جسر ولا جشم شرّ القبائل إنهم ... كبيض القطا ليسوا بسود ولا حمر وقال معقل بن خويلد [٢] : [من الطويل] أبا معقل لا توطئنكم بغاضتي ... رؤوس الأفاعي في مراصدها العرم يريد: الأفاعي العرم في مراصدها. وهي منقّطة الظهور. وما أكثر ما تبيض العقاب ثلاث بيضات، إلا أنها لا تلحم ثلاثة [٣] ، بل تخرج منهنّ واحدة. وربما باضت الحمامة ثلاث بيضات، إلا أن واحدة تفسد لا محالة. وقال الآخر [٤] في صفة البيض: [من الطويل] وبيضاء لا تنحاش منّا وأمّها ... إذا ما رأتنا زال منها زويلها نتوج ولم تقرف لما يمتنى له ... إذا أنتجت ماتت وحيّ سليلها يعني البيضة. نتوج، حامل: ولم تقرف: لم تدان. لما يمتنى: أي للضّراب. والامتناء: انتظارك الناقة إذا ضربت ألاقح هي أم لا. وقال ابن أحمر [٥] : [من الطويل] بتيهاء قفر والمطيّ كأنها ... قطا الحزن قد كانت فراخا بيوضها [٦]

стр. 1254

وذلك أنها قد كانت قبل ذلك الوقت تشرب من الغدر، فلما أفرخت صافت، فاحتاجت إلى طلب الماء من مكان بعيد، فذلك أسرع لها. ١٦٦٠-[تشبيه مشي المرأة السمينة بمشي القطاة] ويشبّه مشي المرأة إذا كانت سمينة غير خرّاجة طوّافة بمشي القطاة في القرمطة والدّلّ. وقال ابن ميّادة [١] : [من البسيط] إذا الطّوال سدون المشي في خطل ... قامت تريك قواما غير ذي أود [٢] تمشي ككدريّة في الجوّ فاردة ... تهدي سروب قطا يشربن بالثّمد [٣] وقال جران العود [٤] : [من الطويل] فلمّا رأين الصّبح بادرن ضوءه ... رسيم قطا البطحاء، أو هنّ أقطف وقال الكميت [٥] : [من الكامل] يمشين مشي قطا البطاح تأوّدا ... قبّ البطون رواجح الأكفال ١٦٦١-[شعر في التشبيه بالقطاة] وقال الآخر [٦] في غير هذا المعنى: [من الوافر] كأنّ القلب ليلة قيل يغدى ... بليلى العامريّة أو يراح قطاة غرّها شرك فباتت ... تجاذبه وقد علق الجناح وقال آخر [٧] : [من الطويل] وكنّا كزوج من قطا بمفازة ... لدى خفض عيش ونق مورق رغد فخانهما ريب الزّمان فأفردا ... ولم تر عيني قطّ أقبح من فرد

стр. 1255

١٦٦٢-[شعر في صدق القطاة] وفي صدق القطاة يقول الشاعر [١] : [من الطويل] وصادقة ما خبّرت قد بعثتها ... طروقا وباقي الليل في الأرض مسدف ولو تركت نامت، ولكن أعشّها ... أذى من قلاص كالحنيّ المعطّف [٢] وتقول العرب: «لو ترك القطا لنام» [٣] . ويقال: أعششت القوم إعشاشا: إذا نزلت بهم وهم كارهون لك فتحوّلوا عن منزلهم. وقال الكميت [٤] : [من البسيط] لا تكذب القول إن قالت قطا صدقت ... إذ كلّ ذي نسبة لابد ينتحل وقال مزاحم العقيليّ [٥] ، في تجاوب القطاة وفرخها: [من الطويل] فنادت وناداها، وما اعوجّ صدرها ... بمثل الذي قالت له لم يبدّل. والقطاة لم ترد اسم نفسها، ولكن الناس سموها بالحروف التي تخرج من فيها، وزاد في ذلك أنها على أبنية كلام العرب، فجعلوها صادقة ومخبرة، ومريدة وقاصدة. ١٦٦٣-[استطراد لغوي] ويقال سرب نساء، وسرب قطا، وسرب ظباء. كل ذلك بكسر السين وإسكان الراء. فإذا كان من الطريق والمذهب قالوا: خلّ سربه. و: فلان خليّ السّرب؛ بفتح السين وإسكان الراء. وهذا عن يونس بن حبيب. وقال الشاعر: [من البسيط] أما القطاة فإنّي سوف أنعتها ... نعتا يوافق نعتي بعض ما فيها

стр. 1256

سكّاء مخطوفة في ريشها طرق ... سود قوادمها صهب خوافيها ويقال في ريشها فتخ، وهو اللّين. ويقال في جناحه طرق: إذا غطى الرّيش الأعلى الأسفل. وقال ذو الرّمّة [١] : [من الطويل] طراق الخوافي واقع فوق ريعة ... ندى ليلة في ريشه يترقرق [٢] ويقال: اطّرقت الأرض: إذا ركب التراب بعضه بعضا، ولزم بعضه بعضا، فصار كطراق [٢] النّعال طبقا. وقال العجاج [٣] : [من الرجز] فاطّرقت إلا ثلاثا دخّسا [٥] والطّرق، بإسكان الراء: الضرب بالحصى، وهو من فعال الحزاة والعائفين [٦] : وقال [٧] لبيد، أو البعيث: [من الطويل] لعمرك ما تدري الطوارق بالحصى ... ولا زاجرات الطير ما الله صانع قال: ويقال طرّقت القطاة ببيضها: إذا حان خروجه وتعضلّت به شيئا. قال أبو عبيد ولا يقال ذلك في غير القطاة. وغرّه قول العبديّ [٨] : [من الطويل] وقد تخذت رجلي لدى جنب غرزها ... نسيفا كأفحوص القطاة المطرّق [٩] وهذا الشاعر لم يقل إن التطريق لا يكون إلا للقطاة، بل يكون لكل بيّاضة، ولكلّ ذات ولد. وكيف يقول ذلك وهم يروون عن قابلة البادية أنها قالت لجارية

стр. 1257

تسمى «سحابة» ، وقد ضربها المخاض وهي تطلق على يدها [١] : [من الرجز] أيا سحاب طرّقي بخير ... وطرّقي بخصية وأير ولا ترينا طرف البظير ١٦٦٤-[ولادة البكر] وقال أوس بن حجر [٢] : [من المتقارب] بكلّ مكان ترى شطبة ... مولّية، ربها مسبطر [٣] وأحمر جعدا عليه النسو ... روفي ضبنه ثعلب منكسر [٤] وفي صدره مثل جيب الفتا ... ة تشهق حينا وحينا تهر [٥] فإنا وإخوتنا عامرا ... على مثل ما بيننا نأتمر [٦] لنا صرخة ثم إسكاتة ... كما طرّقت بنفاس بكر فهذا كما ترى يردّ عليه. وإنما ذكر أوس بن حجر البكر دون غيرها، لأن الولاد على البكر أشدّ، وخروج الولد أعسر، والمخرج أكزّ وأضيق، ولولا أن البكر أكثر ما تلد أصغر جثة وألطف جسما، إلى أن تتسع الرحم بتمطّي الأولاد فيها لكان أعسر وأشقّ. ١٦٦٥-[أجود قصيدة في القطا] وقال المرّار، أو العكبّ التغلبي، وهي أجود قصيدة قيلت في القطا: [من الطويل] بلاد مروراة يحار بها القطا ... ترى الفرخ في حافاتها يتحرّق [٧]

стр. 1258

يظلّ بها فرخ القطاة كأنّه ... يتيم جفا عنه مواليه مطرق بديمومة قد مات فيها وعينه ... على موته تغضي مرارا وترمق [١] شبيه بلا شيء هنالك شخصه ... يواريه قيض حوله متفلّق [٢] له محجر ناب وعين مريض ... ة وشدق بمثل الزّعفران مخلّق تعاجيه كحلاء المدامع حرّة ... لها ذنب وحف وجيد مطوّق [٣] سماكية كدريّة عرعريّة ... سكاكيّة غبراء سمراء عسلق [٤] إذا غادرته تبتغي ما يعيشه ... كفاها رذاياها النّجاء الهبنّق [٥] غدت تستقي من منهل ليس دونه، ... مسيرة شهر للقطا، متعلّق لأزغب مطروح، بجوز تنوفة ... تلظّى سموما قيظه، فهو أورق [٦] تراه إذا أمسى وقد كاد جلد ... هـ من الحرّ عن أوصاله يتمزّق [٧] غدت فاستقلّت ثم ولّت مغيرة ... بها حين يزهاها الجناحان أولق [٨] تيمّم ضحضاحا من الماء قد بدت ... دعاميصه فالماء أطحل أورق [٩] فلما أتته مقذحرّا تغوّثت ... تغوّث مخنوق فيطفو ويغرق [١٠] تحير وتلقي في سقاء كأنّه ... من الحنظل العاميّ جرو مفلّق [١١] فلما ارتوت من مائه لم يكن لها ... أناة وقد كادت من الرّيّ تبصق طمت طموة صعدا ومدّت جرانها ... وطارت كما طار السّحاب المحلّق [١٢]

стр. 1259

١٦٦٦-[شعر البعيث في القطا] وقال البعيث: [من الطويل] نجت بطوالات كأنّ نجاءها ... هويّ القطا تعرو المناهل جونها [١] طوين سقاء الخمس ثمّت قلّصت ... لورد المياه واستتبّت قرونها [٢] إذا ما وردن الماء في غلس الضّحى ... بللن أداوى ليس خرز يشينها [٣] أداوى خفيفات المحامل أشنقت ... إلى ثغر اللّبّات منها حصينها [٤] جعلن حباب الماء حين حملنه ... إلى غصص قد ضاق عنها وتينها [٥] إذا شئن أن يسمعن والليل واضع ... هذا ليله والريح تجري فنونها [٦] تناوم سرب في أفاحيصه السّفا ... وميّتة الخرشاء حيّ جنينها [٧] يروّين زغبا بالفلاة كأنّها ... بقايا أفاني الصّيف، حمرا بطونها [٨] «يروّين» من قولك: روّيت: أي حملت في راوية. إذا ملأت منها قطاة سقاءها ... فلا تعكم الأخرى ولا تستعينها [٩] ذكر نوادر وأحاديث وأشعار وكلام يتمّ بها هذا الجزء قالوا [١٠] : خرف النّمر بن تولب، فكان هجّيراه [١١] : اصبحوا الركب، اغبقوا الركب.

стр. 1260

وخرفت امرأة من العرب فكان هجّيراها: زوّجوني، زوّجوني! فقال عمر بن الخطاب ﵁: لما لهج به أخو عكل خير مما لهجت به صاحبتكم! وحدثني عبد الله بن إبراهيم بن قدامة الجمحي قال: كان عمر بن الخطاب ﵁ إذا رأى رجلا يضرب في كلامه قال: أشهد أن الذي خلقك وخلق عمرو بن العاص واحد! وقال عليّ بن أبي طالب ﵁ لصعصعة بن صوحان في المنذر بن الجارود: ما وجدنا عند صاحبك شيئا! قال [١] : إن قلت ذاك إنه لنظّار في عطفيه، تفّال في شراكيه، تعجبه حمرة برديه! قال: وحدّثنا جرير بن حازم القطعيّ قال: قال الحسن: لو كان الرجل كلما قال أصاب، وكلما عمل أحسن، لأوشك أن يجنّ من العجب. عن أبان بن عثمان قال: سمعت أبا بلال في جنازة وهو يقول [٢] : كلّ ميتة ظنون إلا ميتة الشّجّاء قالوا: وما ميتة الشّجّاء؟ قال: أخذها زياد فقطع يديها ورجليها، فقيل لها: كيف ترين يا شجّاء؟ فقالت: قد شغلني هول المطّلع عن برد حديدكم هذا [٣] . قال: وقيل لرابعة القيسيّة: لو أذنت لنا كلّمنا قومك فجمعوا لك ثمن خادم، وكان لك في ذلك مرفق وكفتك الخدمة وتفرّغت للعبادة. فقالت والله إني لأستحيي أن أسأل الدنيا من يملك الدنيا، فكيف أسأل الدنيا من لا يملكها؟! والناسكات المتزهدات من النساء المذكورات في الزّهد والرياسة، من نساء الجماعة وأصحاب الأهواء. فمن نساء الجماعة [٤] : أم الدرداء، ومعاذة العدوية، ورابعة القيسيّة. ومن نساء الخوارج [٥] : الشّجاء، وحمادة الصّفرية وغزالة الشّيبانية قتلن

стр. 1261

جميعا، وصلبت الشجاء وحمادة، قتل خالد بن عتّاب غزالة. وكانت امرأة صالح بن مسرّح. ومن نساء الغالية [١] : الميلاء، وحميدة، وليلى الناعظية. محمد بن سلام عن ابن جعدبة قال: ما أبرم عمر بن الخطاب أمرا قط إلا تمثل ببيت شعر. وعن أبان بن عثمان، قال عبد الملك: لقد كنت أمشي في الزّرع فأتّقي الجندب أن أقتله، وإن الحجاج ليكتب إليّ في قتل فئام [٢] من الناس؛ فما أحفل بذلك. وقيل له- وقد أمر بضرب أعناق الأسراء-: أقستك الخلافة يا أمير المؤمنين، وقد كنت رؤوفا! قال: كلا، ما أقستني، ولكن أقساني احتمال الضغن على الضغن قالوا [٣] : ومات يونس النحويّ سنة اثنتين وثمانين ومائة هو ابن ثمان وثمانين سنة. وقال يونس: ما أكلت شيئا قطّ في الشتاء إلا وقد برد، ولا في الصيف إلا وقد سخن. وحدثني محمد بن يسير قال [٣] : قال أبو عمرو المدايني: لو كانت البلايا بالحصص ما نالني كل ما نالني: اختلفت جاريتي بالشاة إلى التّياس وبي إلى حملها حاجة، فرجعت جاريتي حاملا، والشاة حائلا. محمد بن القاسم قال [٤] : قال جرير: أنا لا أبتدي، ولكني أعتدي. وقال القيني [٥] : أنا مثل العقرب. أضر ولا أنفع. وقال القينيّ [٦] : أنا أصدق في صغار ما يضرّني، لأكذب في كبار ما ينفعني. قال أبو إسحاق: استراح فلان من حيث تعب الكرام. وقال الحجاج: أنا حديد حقود حسود [٧] .

стр. 1262

وحدثني نفيع قال [١] : قال لي القيني: أنا لا أصدق مادام كذبي يخفى. قال: وذكر شبيب بن شيبة عند خالد بن صفوان فقال خالد: ليس له صديق في السر، ولا عدوّ في العلانية! وقال أبو نخيلة [٢] في شبيب بن شيبة: [من الرجز] إذا غدت سعد على شبيبها ... على فتاها وعلى خطيبها من مطلع الشمس إلى مغيبها ... عجبت من كثرتها وطيبها وقال يحيى بن أبي علي الكرخيّ: أنا إنسان لا أبالي ما استقبلت به الأحرار [٣] . وقال عمرو بن القاسم: إنما قويت على خصمي بأني لم أتستّر قطّ عن شيء من القبيح [٤] ! فقال أبو إسحاق: نلت اللذّة، وهتكت المروءة، وغلبتك النفس الدّنية، فأرتك مكروه عملك محبوبا وسيّىء قولك حسنا. ومن كان على هذا السبيل لم يتلفت إلى خير يكون منه، ولم يكترث بشرّ يفعله. وقال الفرزدق [٥] : [من الطويل] وكان يجير الناس من سيف مالك ... فأصبح يبغي نفسه من يجيرها ومن هذا الباب قول التّوتّ اليمانيّ [٦] : [من الطويل] على أيّ باب أطلب الإذن بعد ما ... حجبت عن الباب الذي أنا حاجبه ومن هذا الشكل قول عديّ بن زيد [٧] : [من الرمل] لو بغير الماء حلقي شرق ... كنت كالغصّان بالماء اعتصاري وقال زهير [٨] : [من الطويل] فلما وردن الماء زرقا جمامه ... وضعن عصيّ الحاضر المتخيّم

стр. 1263

وكتب سويد بن منجوف [١] إلى مصعب بن الزبير: [من الوافر] فأبلغ مصعبا عني رسولا ... وهل يلفى النصيح بكلّ واد تعلّم أنّ أكثر من تواخى ... وإن ضحكوا إليك هم الأعادي وحدثني إبراهيم بن عبد الوهاب، قال [٢] : كتب شيخ من أهل الريّ على باب داره: «جزى الله من لا يعرفنا ولا نعرفه خيرا. فأمّا أصدقاؤنا الخاصة فلا جزاهم الله خيرا، فإنا لم نؤت قطّ إلا منهم!» وأنشدني النهشليّ لأعرابي يصف نخلا: [من البسيط] ترى مخارفها ثنيي جوانبها ... كأنّ جاني بيض النّحل جانيها [٣] ووصف آخر نخلا فقال: [من الرجز] إذا علا قمّتها الرّاقي أهل [٤] وقال الشاعر [٥] : [من الوافر] ومن تقلل حلوبته وينكل ... عن الأعداء يغبقه القراح رأيت معاشرا يثنى عليهم ... إذا شبعوا وأوجههم قباح يظلّ المصرمون لهم سجودا ... وإن لم يسق عندهم ضياح [٦] وقال الشاعر: [من البسيط] البائتين قريبا من بيوتهم ... ولو يشاؤون آبوا الحيّ أو طرقوا يقول: لرغبته في القرى، وفي طعام الناس، يبيت بهم، ويدع أهله. ولو شاء أن يبيت عندهم لفعل. وقال آخر، يمدح ضدّ هؤلاء: [من البسيط] تقري قدورهم سرّاء ليلهم ... ولا يبيتون دون الحيّ أضيافا [٧]

стр. 1264

وقال جرير [١] : [من الطويل] وإني لأستحيي أخي أن أرى له ... عليّ من الحق الذي لا يرى ليا قال: أستحيي أن يكون له عندي يد ولا يرى لي عنده مثلها. وقال امرؤ القيس [٢] : [من الطويل] وهل ينعمن إلا خليّ منعّم ... قليل الهموم ما يبيت بأوجال قال: وهو كقوله [٢] : «استراح من لا عقل له» . وأنشد مع هذا البيت قول عمر ابن أبي ربيعة. ويحكى أن المنصور كان يعجبه النصف الأخير من البيت الثاني جدّا، ويتمثل به كثيرا، حتى انتقده بعض من قضى به عليه أن المعنى قدّمه دهرا، وكان استحسانه عن فضل معرفته بإحقاقه فيه، وصواب قوله [٣] : [من الطويل] وأعجبها من عيشها ظلّ غرفة ... وريّان ملتفّ الحدائق أخضر ووال كفاها كلّ شيء يهمّها ... فليست لشيء آخر الدهر تسهر وأنشد [٤] : [من الطويل] إذا ابتدر الناس المعالي رأيتهم ... وقوفا، بأيديهم مسوك الأرانب [٥] هجاهم بأنهم إنما يعيشون من الصيد. وأنشد: [من الطويل] إذا ابتدر الناس المكارم والعلا ... أقاموا رتوبا في النّهوج اللهاجم [٦] يخبر أنهم يسألون الناس. والنهج واللهجم: الطريق الواسع. وقال الآخر [٧] : [من الطويل] لنا إبل يروين يوما عيالنا ... ثلاث وإن يكثرن يوما فأربع نمدّهم بالماء لا من هوانهم ... ولكن إذا ما قلّ شيء يوسّع

стр. 1265

وقال الآخر [١] : [من الطويل] من المهديات الماء بالماء بعدما ... رمى بالمقادي كلّ قاد ومعتم [٢] وقال الآخر: [من الطويل] وداع دعا والليل مرخ سدوله ... رجاء القرى يا مسلم بن حمار دعا جعلا لا يهتدي لمبيته ... من اللوم حتى يهتدي ابن وبار وقال الحسن بن هانئ [٣] : [من الطويل] أضمرت للنّيل هجرانا ومقلية ... إذ قيل لي إنما التّمساح في النيل [٤] فمن رأى النّيل رأي العين من كثب ... فما أرى النّيل إلا في البواقيل [٥] وقال ابن ميّادة [٦] : [من الطويل] أتيت ابن قشراء العجان فلم أجد ... لدى بابه إذنا يسيرا ولا نزلا فإن الذي ولّاك أمر جماعة ... لأنقص من يمشي على قدم عقلا ومن هذا الباب قوله [٧] : [من البسيط] إني رأيت أبا العوراء مرتفقا ... بشطّ دجلة يشري التّمر والسّمكا كشرّة الخيل تبقى عند مذودها ... والموت أعلم إذ قفّى بمن تركا هذي مساعيك في آثار سادتنا ... ومن تكن أنت ساعيه فقد هلكا ومن هذا الباب قوله [٨] : [من الوافر] ورثنا المجد عن آباء صدق ... أسأنا في ديارهم الصّنيعا إذا المجد الرفيع تعاورته ... ولاة السّوء أوشك أن يضيعا وقال جران العود [٩] : [من الطويل]
следующие страницы →