← Адаб

Адаб · id 23775

الحيوان

الجاحظ

Полный текст (2 028 стр.). Показаны 1261–1300 · переход к 1266.

стр. 1261

جميعا، وصلبت الشجاء وحمادة، قتل خالد بن عتّاب غزالة. وكانت امرأة صالح بن مسرّح. ومن نساء الغالية [١] : الميلاء، وحميدة، وليلى الناعظية. محمد بن سلام عن ابن جعدبة قال: ما أبرم عمر بن الخطاب أمرا قط إلا تمثل ببيت شعر. وعن أبان بن عثمان، قال عبد الملك: لقد كنت أمشي في الزّرع فأتّقي الجندب أن أقتله، وإن الحجاج ليكتب إليّ في قتل فئام [٢] من الناس؛ فما أحفل بذلك. وقيل له- وقد أمر بضرب أعناق الأسراء-: أقستك الخلافة يا أمير المؤمنين، وقد كنت رؤوفا! قال: كلا، ما أقستني، ولكن أقساني احتمال الضغن على الضغن قالوا [٣] : ومات يونس النحويّ سنة اثنتين وثمانين ومائة هو ابن ثمان وثمانين سنة. وقال يونس: ما أكلت شيئا قطّ في الشتاء إلا وقد برد، ولا في الصيف إلا وقد سخن. وحدثني محمد بن يسير قال [٣] : قال أبو عمرو المدايني: لو كانت البلايا بالحصص ما نالني كل ما نالني: اختلفت جاريتي بالشاة إلى التّياس وبي إلى حملها حاجة، فرجعت جاريتي حاملا، والشاة حائلا. محمد بن القاسم قال [٤] : قال جرير: أنا لا أبتدي، ولكني أعتدي. وقال القيني [٥] : أنا مثل العقرب. أضر ولا أنفع. وقال القينيّ [٦] : أنا أصدق في صغار ما يضرّني، لأكذب في كبار ما ينفعني. قال أبو إسحاق: استراح فلان من حيث تعب الكرام. وقال الحجاج: أنا حديد حقود حسود [٧] .

стр. 1262

وحدثني نفيع قال [١] : قال لي القيني: أنا لا أصدق مادام كذبي يخفى. قال: وذكر شبيب بن شيبة عند خالد بن صفوان فقال خالد: ليس له صديق في السر، ولا عدوّ في العلانية! وقال أبو نخيلة [٢] في شبيب بن شيبة: [من الرجز] إذا غدت سعد على شبيبها ... على فتاها وعلى خطيبها من مطلع الشمس إلى مغيبها ... عجبت من كثرتها وطيبها وقال يحيى بن أبي علي الكرخيّ: أنا إنسان لا أبالي ما استقبلت به الأحرار [٣] . وقال عمرو بن القاسم: إنما قويت على خصمي بأني لم أتستّر قطّ عن شيء من القبيح [٤] ! فقال أبو إسحاق: نلت اللذّة، وهتكت المروءة، وغلبتك النفس الدّنية، فأرتك مكروه عملك محبوبا وسيّىء قولك حسنا. ومن كان على هذا السبيل لم يتلفت إلى خير يكون منه، ولم يكترث بشرّ يفعله. وقال الفرزدق [٥] : [من الطويل] وكان يجير الناس من سيف مالك ... فأصبح يبغي نفسه من يجيرها ومن هذا الباب قول التّوتّ اليمانيّ [٦] : [من الطويل] على أيّ باب أطلب الإذن بعد ما ... حجبت عن الباب الذي أنا حاجبه ومن هذا الشكل قول عديّ بن زيد [٧] : [من الرمل] لو بغير الماء حلقي شرق ... كنت كالغصّان بالماء اعتصاري وقال زهير [٨] : [من الطويل] فلما وردن الماء زرقا جمامه ... وضعن عصيّ الحاضر المتخيّم

стр. 1263

وكتب سويد بن منجوف [١] إلى مصعب بن الزبير: [من الوافر] فأبلغ مصعبا عني رسولا ... وهل يلفى النصيح بكلّ واد تعلّم أنّ أكثر من تواخى ... وإن ضحكوا إليك هم الأعادي وحدثني إبراهيم بن عبد الوهاب، قال [٢] : كتب شيخ من أهل الريّ على باب داره: «جزى الله من لا يعرفنا ولا نعرفه خيرا. فأمّا أصدقاؤنا الخاصة فلا جزاهم الله خيرا، فإنا لم نؤت قطّ إلا منهم!» وأنشدني النهشليّ لأعرابي يصف نخلا: [من البسيط] ترى مخارفها ثنيي جوانبها ... كأنّ جاني بيض النّحل جانيها [٣] ووصف آخر نخلا فقال: [من الرجز] إذا علا قمّتها الرّاقي أهل [٤] وقال الشاعر [٥] : [من الوافر] ومن تقلل حلوبته وينكل ... عن الأعداء يغبقه القراح رأيت معاشرا يثنى عليهم ... إذا شبعوا وأوجههم قباح يظلّ المصرمون لهم سجودا ... وإن لم يسق عندهم ضياح [٦] وقال الشاعر: [من البسيط] البائتين قريبا من بيوتهم ... ولو يشاؤون آبوا الحيّ أو طرقوا يقول: لرغبته في القرى، وفي طعام الناس، يبيت بهم، ويدع أهله. ولو شاء أن يبيت عندهم لفعل. وقال آخر، يمدح ضدّ هؤلاء: [من البسيط] تقري قدورهم سرّاء ليلهم ... ولا يبيتون دون الحيّ أضيافا [٧]

стр. 1264

وقال جرير [١] : [من الطويل] وإني لأستحيي أخي أن أرى له ... عليّ من الحق الذي لا يرى ليا قال: أستحيي أن يكون له عندي يد ولا يرى لي عنده مثلها. وقال امرؤ القيس [٢] : [من الطويل] وهل ينعمن إلا خليّ منعّم ... قليل الهموم ما يبيت بأوجال قال: وهو كقوله [٢] : «استراح من لا عقل له» . وأنشد مع هذا البيت قول عمر ابن أبي ربيعة. ويحكى أن المنصور كان يعجبه النصف الأخير من البيت الثاني جدّا، ويتمثل به كثيرا، حتى انتقده بعض من قضى به عليه أن المعنى قدّمه دهرا، وكان استحسانه عن فضل معرفته بإحقاقه فيه، وصواب قوله [٣] : [من الطويل] وأعجبها من عيشها ظلّ غرفة ... وريّان ملتفّ الحدائق أخضر ووال كفاها كلّ شيء يهمّها ... فليست لشيء آخر الدهر تسهر وأنشد [٤] : [من الطويل] إذا ابتدر الناس المعالي رأيتهم ... وقوفا، بأيديهم مسوك الأرانب [٥] هجاهم بأنهم إنما يعيشون من الصيد. وأنشد: [من الطويل] إذا ابتدر الناس المكارم والعلا ... أقاموا رتوبا في النّهوج اللهاجم [٦] يخبر أنهم يسألون الناس. والنهج واللهجم: الطريق الواسع. وقال الآخر [٧] : [من الطويل] لنا إبل يروين يوما عيالنا ... ثلاث وإن يكثرن يوما فأربع نمدّهم بالماء لا من هوانهم ... ولكن إذا ما قلّ شيء يوسّع

стр. 1265

وقال الآخر [١] : [من الطويل] من المهديات الماء بالماء بعدما ... رمى بالمقادي كلّ قاد ومعتم [٢] وقال الآخر: [من الطويل] وداع دعا والليل مرخ سدوله ... رجاء القرى يا مسلم بن حمار دعا جعلا لا يهتدي لمبيته ... من اللوم حتى يهتدي ابن وبار وقال الحسن بن هانئ [٣] : [من الطويل] أضمرت للنّيل هجرانا ومقلية ... إذ قيل لي إنما التّمساح في النيل [٤] فمن رأى النّيل رأي العين من كثب ... فما أرى النّيل إلا في البواقيل [٥] وقال ابن ميّادة [٦] : [من الطويل] أتيت ابن قشراء العجان فلم أجد ... لدى بابه إذنا يسيرا ولا نزلا فإن الذي ولّاك أمر جماعة ... لأنقص من يمشي على قدم عقلا ومن هذا الباب قوله [٧] : [من البسيط] إني رأيت أبا العوراء مرتفقا ... بشطّ دجلة يشري التّمر والسّمكا كشرّة الخيل تبقى عند مذودها ... والموت أعلم إذ قفّى بمن تركا هذي مساعيك في آثار سادتنا ... ومن تكن أنت ساعيه فقد هلكا ومن هذا الباب قوله [٨] : [من الوافر] ورثنا المجد عن آباء صدق ... أسأنا في ديارهم الصّنيعا إذا المجد الرفيع تعاورته ... ولاة السّوء أوشك أن يضيعا وقال جران العود [٩] : [من الطويل]

стр. 1266

أراقب لمحا من سهيل كأنه ... إذا ما بدا في دجية الليل يطرف وقال: [من الطويل] ولم أجد الموقوذ ترجى حياته ... إذا لم يرعه الماء ساعة ينضح [١] وكان أبو عباد النّميريّ أتى باب بعض العمال، يسأله شيئا من عمل السلطان، فبعثه إلى أستقانا فسرقوا كل شيء في البيدر وهو لا يشعر، فعاتبه في ذلك، فكتب إليه أبو عبّاد [٢] : [من مجزوء الرمل] كنت بازا أضرب الكر ... كيّ والطير العظاما فتقّنّصت بي الصّ ... عو فأوهنت القدامى [٣] وإذا ما أرسل البا ... زي على الصعو تعامى أراد قول أبي النجم [٤] في الراعي: [من الرجز] يمرّ بين الغانيات الجهّل ... كالصقر يجفو عن طراد الدّخّل وبات أبو عبّاد مع أبي بكر الغفاريّ، في ليالي شهر رمضان، في المسجد الأعظم، فدبّ إليه، وأنشأ يقول: [من السريع] يا ليلة لي بتّ ألهو بها ... مع الغفاريّ أبي بكر قمت إليه بعد ما قد مضى ... ثلث من الليل على قدر في ليلة القدر، فيا من رأى ... أدبّ منّي ليلة القدر ما قام حمدان أبو بكر ... إلا وقد أفزعه نخري [٥] وقال في قلبان صديقته: [من مجزوء الخفيف] إنّ قلبان قد بغت ... لشقائي وقد طغت وإذا لم تنك بأي ... ر عظيم القوى بكت وقال مسكين الدّارمي [٦] : [من الطويل]

стр. 1267

إليك أمير المؤمنين رحلتها ... تثير القطا ليلا وهنّ هجود لدى كلّ قرموص كأنّ فراخه ... كلى غير أن كانت لهنّ جلود وقال أبو الأسود الدؤلي، واسمه ظالم بن عمرو بن سفيان [١] : [من الطويل] أمنت على السّرّ امرأ غير كاتم ... ولكنه في النصح غير مريب أذاع به في الناس حتّى كأنّه ... بعلياء نار أوقدت بثقوب [٢] وكنت متى لم ترع سرّك تنتشر ... قوارعه من مخطئ ومصيب [٣] وما كل ذي لبّ بمؤتيك نصحه ... وما كلّ مؤت نصحه بلبيب ولكن إذا ما استجمعا عند واحد ... فحقّ له من طاعة بنصيب [٤] وقال أيضا [٥] : [من الطويل] إذا كنت مظلوما فلا تلف راضيا ... عن القوم حتّى تأخذ النصف واغضب وإن كنت أنت الظّالم القوم فالطّرح ... مقالتهم وأشغب بهم كل مشغب وقارب بذي جهل، وباعد بعالم ... جلوب عليك الحقّ من كلّ مجلب فإن حدبوا فاقعس وإن هم تقاعسوا ... ليستمسكوا مما وراءك فاحدب [٦] ولا تذعنن للحقّ واصبر على التي ... بها كنت أقضي للبعيد على أبي فإني امرؤ أخشى إلهي وأتّقي ... معادي وقد جرّبت ما لم تجرب وقال مسلمة بن عبد الملك: [من الرجز] إني إذا الأصوات في القوم علت ... في موطن يخشى به القوم العنت موطّن نفسي على ما خيّلت ... بالصّبر حتّى تنجلي عمّا انجلت وقال الكميت [٧] : [من المتقارب] وبيض رقاق خفاف المتون ... تسمع للبيض منها صريرا [٨]

стр. 1268

تشبّه في الهام آثارها ... مشافر قرحى أكلن البريرا وأنشدني أبو عبيدة: [من الرجز] نصبحها قيسا بلا استبقائها ... صفائحا فيها فضول مائها من كلّ غضب علّ من دمائها ... إذا علا البيضة في استوائها رونقه أوقد في حربائها ... نارا وقد أمخض من ورائها وأنشدني لرجل من طيئ: [من الرجز] لم أر فتيان صباح أصبرا ... منهم إذا كان الرماح كسرا سفع الحدود درّعا وحسّرا ... لا يشتهون الأجل المؤخّرا [١] وقال ابن مفرّغ [٢] : [من الرجز] قبّ البطون والهوادي قود ... إن حادت الأبطال لا تحيد [٣] إذا رجعناهنّ قالت عودوا ... كأنما يعلمن ما نريد ومن المجهولات: [من الطويل] عليك سلام الله من منزل قفر ... فقد هجت لي شوقا قديما وما تدري عهدتك من شهر جديدا ولم أخل ... صروف النّوى تبلي مغانيك في شهر الخريميّ أبو يعقوب [٤] : [من الطويل] لعمرك ما أخلقت وجها بذلته ... إليك ولا عرّضته للمعاير أي لا أعيّر لقصدك. فتى وفرت أيدي المحامد عرضه ... عليه وخلّت ماله غير وافر وقال مطيع بن إياس [٥] : [من المنسرح] قد كلفتني طويلة العنق ... وحبّ طول الأعناق من خلقي

стр. 1269

أقلق من بعدها فإن قربت ... فالقرب أيضا يزيد في قلقي وقال سهل بن هارون [١] : [من البسيط] إذا امرؤ ضاق عنّي لم يضق خلقي ... من أن يراني غنيّا عنه بالياس ولا يراني إذا لم يرع آصرتي ... مستمريا دررا منه بإبساس [٢] لا أطلب المال كي أغنى بفضلته ... ما كان مطلبه فقرا إلى الناس وقال [٣] ليحيى بن خالد: [من الطويل] عدّو تلاد المال فيما ينوبه ... منوع إذا ما منعه كان أحزما فسيّان حالاه، له فضل منعه ... كما يستحقّ الفضل إن هو أنعما مذلّل نفس قد أبت غير أن ترى ... مكاره ما تأتي من الحقّ مغنما وقال أبو الأسود لزياد: [من الطويل] لعمرك ما حشاك الله روحا ... به جشع ولا نفسا شريره ولكنّ أنت لا شرس غليظ ... ولا هشّ تنازعه خؤوره كأنا إذ أتيناه نزلنا ... بجانب روضة ريّا مطيره تم الجزء الخامس من كتاب الحيوان ويليه الجزء السادس أوله باب.. من كتاب الحيوان.

стр. 1270

الجزء السادس (بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ) * [باب في الإطناب والإيجاز لبعض الأبواب السابقة] (باب) بسم الله، والحمد لله، ولا حول ولا قوّة إلا بالله، وصلى الله على محمد وعلى آله وصحبه وسلم. اللهم جنّبنا فضول القول، والثقة بما عندنا، ولا تجعلنا من المتكلّفين. ١٦٦٧-[مسرد الأجزاء السابقة] قد قلنا في الخطوط [١] ومرافقها، وفي عموم منافعها، وكيف كانت الحاجة إلى استخراجها، وكيف اختلفت صورها على قدر اختلاف طبائع أهلها، وكيف كانت ضرورتهم إلى وضعها، وكيف كانت تكون الخلّة عند فقدها. وقلنا في العقد ولم تكلّفوه، وفي الإشارة ولم اجتلبوها [٢] ، ولم شبّهوا جميع ذلك ببيان اللّسان حتى سموه بالبيان، ولم قالوا: القلم أحد اللسانين، والعين أنمّ من اللّسان. وقلنا في الحاجة إلى المنطق وعموم نفعه، وشدة الحاجة إليه، وكيف صار أعمّ نفعا، ولجميع هذه الأشكال أصلا، وصار هو المشتقّ منه، والمحمول عليه، وكيف جعلنا دلالة الأجسام الصامتة نطقا والبرهان الذي في الأجرام الجامدة بيانا. وذكرنا جملة القول في الكلب والدّيك في الجزأين الأوّلين، وذكرنا جملة القول في الحمام، وفي الذّبّان، وفي الغربان، وفي الخنافس، وفي الجعلان، إلّا ما بقي من فضل القول فيهما، فإنّا قد أخرنا ذلك، لدخوله في باب الحشرات، وصواب موقعهما في باب القول في الهمج- في الجزء الثالث. وإذا سمعت ما أودعها الله تعالى من عظيم الصّنعة، وما فطرها الله تعالى عليه من غريب المعرفة، وما أجرى بأسبابها من المنافع الكثيرة، والمحن العظيمة، وما جعل فيها من الدّاء والدّواء- أجللتها أن تسميها همجا، وأكبرت الصنف الآخر أن تسمّيه حشرة، وعلمت أنّ أقدار الحيوان ليست على قدر الاستحسان، ولا على أقدار الأثمان.

стр. 1271

وذكرنا جملة القول في الذّرّة والنّملة، وفي القرد والخنزير، وفي الحيّات والنّعام، وبعض القول في النّار في الجزء الرابع. والنار- حفظك الله- وإن لم تكن من الحيوان، فقد كان جرى من السّبب المتّصل بذكرها، ومن القول المضمر بما فيها، ما أوجب ذكرها والإخبار عن جملة القول فيها. وقد ذكرنا بقيّة القول في النّار، ثمّ جملة القول في العصافير، ثمّ جملة القول في الجرذان والسّنانير والعقارب. ولجمع هذه الأجناس في باب واحد سبب سيعرفه من قرأه، ويتبيّنه من رآه! ثمّ القول في القمل والبراغيث والبعوض، ثمّ القول في العنكبوت و؟؟؟ القول في الحبارى، ثمّ القول في الضّأن والمعز، ثمّ القول في الضفادع والجراد؟؟؟ القول في القطا. ١٦٦٨-[الإطناب والإيجاز] وقد بقيت- أبقاك الله تعالى- أبواب توجب الإطالة، وتحوج إلى الإطناب. وليس بإطالة ما لم يجاوز مقدار الحاجة، ووقف عند منتهى البغية. وإنما الألفاظ على أقدار المعاني، فكثيرها لكثيرها، وقليلها لقليلها، وشريفها لشريفها، وسخيفها لسخيفها. والمعاني المفردة، البائنة بصورها وجهاتها، تحتاج من الألفاظ إلى أقلّ مما تحتاج إليه المعاني المشتركة، والجهات الملتبسة. ولو جهد جميع أهل البلاغة أن يخبروا من دونهم عن هذه المعاني، بكلام وجيز يغني عن التفسير باللّسان، والإشارة باليد والرأس- لما قدروا عليه. وقد قال الأوّل [١] : «إذا لم يكن ما تريد فأرد ما يكون!» . وليس ينبغي للعاقل أن يسوم [٢] اللّغات ما ليس في طاقتها. ويسوم النّفوس ما ليس في جبلّتها [٣] . ولذلك صار يحتاج صاحب كتاب المنطق إلى أن يفسّره لمن

стр. 1272

طلب من قبله علم المنطق، وإن كان المتكلم رفيق اللّسان، حسن البيان، إلّا أنّي لا أشكّ على حال أنّ النفوس إذ كانت إلى الطّرائف أحنّ، وبالنّوادر أشغف، وإلى قصار الأحاديث أميل، وبها أصبّ- أنّها خليقة لاستثقال الكثير، وإن استحقّت تلك المعاني الكثيرة، وإن كان ذلك الطّويل أنفع، وذلك الكثير أردّ [١] . ١٦٦٩-[سرد سائر أبواب الكتاب] وسنبدأ بعون الله تعالى وتأييده، بالقول في الحشرات والهمج، وصغار السباع، والمجهولات الخاملة الذّكر من البهائم، ونجعل ذلك كله بابا واحدا، ونتّكل، بعد صنع الله تعالى، على أنّ ذلك الباب إذ كان أبوابا كثيرة، وأسماء مختلفة- أنّ القارئ لها لا يملّ بابا حتّى يخرجه الثّاني إلى خلافه، وكذلك يكون مقام الثّالث من الرّابع، والرّابع من الخامس، والخامس من السّادس. ١٦٧٠-[مقياس قدر الحيوان] وليس الذي يعتمد عليه من شأن الحيوان عظم الجثة، ولا كثرة العدد، ولا ثقل الوزن! والغاية التي يجرى إليها، والغرض الذي نرمي إليه غير ذلك، لأن خلق البعوضة وما فيها من عجيب التركيب، ومن غريب العمل، كخلق الذّرّة وما فيها من عجيب التركيب، ومن الأحساس الصّادقة، والتدابير الحسنة، ومن الرويّة والنظر في العاقبة، والاختيار لكلّ ما فيه صلاح المعيشة، ومع ما فيها من البرهانات النيرة، والحجج الظّاهرة [٢] . وكذلك خلق السّرفة [٣] وعجيب تركيبها، وصنعة كفّها، ونظرها في عواقب أمرها. وكذا خلق النّحلة مع ما فيها من غريب الحكم، وعجيب التّدبير، ومن التقدّم فيما يعيشها، والادخار ليوم العجز عن كسبها، وشمّها ما لا يشمّ، ورؤيتها لما لا يرى، وحسن هدايتها، والتّدبير في التأمير عليها، وطاعة ساداتها، وتقسيط أجناس الأعمال بينها، على أقدار معارفها وقوّة أبدانها [٤] .

стр. 1273

فهذه النّحلة، وإن كانت ذبابة، فانظر قبل كل شيء في ضروب انتفاع ضروب الناس فيها، فإنّك تجدها أكبر من الجبل الشامخ، والفضاء الواسع. وكلّ شيء وإن كان فيه من العجب العاجب، ومن البرهان النّاصع، ما يوسّع فكر العاقل، ويملأ صدر المفكّر، فإنّ بعض الأمور أكثر أعجوبة، وأظهر علامة. وكما تختلف برهاناتها في الغموض والظّهور، فكذلك تختلف في طبقات الكثرة، وإن شملتها الكثرة، ووقع عليها اسم البرهان. ١٦٧١-[رجع إلى سرد سائر أبواب الكتاب] ولعلّ هذا الجزء الذي نبتدئ فيه بذكر ما في الحشرات والهمج، أن يفضل من ورقه شيء، فنرفعه ونتمّه بجملة القول في الظّباء والذئاب، فإنّهما بابان يقصران عن الطوال، ويزيدان على القصار. وقد بقي من الأبواب المتوسّطة والمقتصدة المعتدلة، التي قد أخذت من القصر لمن طلب القصر بحظّ، ومن الطّول لمن طلب الطّول بحظّ وهو القول في البقر، والقول في الحمير، والقول في كبار السّباع وأشرافها، ورؤسائها، وذوي النّباهة منها، كالأسد والنّمر، والببر وأشباه ذلك، مما يجمع قوّة أصل النّاب، والذّرب [١] ، وشحو [٢] الفم، والسّبعيّة وحدّة البرثن، وتمكّنه في العصب، وشدّة القلب وصرامته عند الحاجة، ووثاقة خلق البدن، وقوّته على الوثب. وسنذكر تسالم المتسالمة منها، وتعادي المتعادية منها، وما الذي أصلح بينها على السّبعيّة الصّرف، واستواء حالها في اقتيات اللّحمان، حتّى ربّما استوت فريستها في الجنس. وقد شاهدنا غير هذه الأجناس يكون تعاديها من قبل هذه الأمور التي ذكرناها. وليس فيما بين هذه السّباع بأعيانها تفاوت في الشّدّة، فتكون كالأسد الذي يطلب الفهد ليأكله، والفهد لا يطمع فيه ولا يأكله. فوجدنا التّكافؤ في القوّة والآلة من أسباب التّفاسد. وإنّ ذلك ليعمل في طباع عقلاء الإنس حتّى يخرجوا إلى تهارش السّباع، فما بالها لم تعمل هذا العمل في أنفس السّباع؟!

стр. 1274

وسنذكر علّة التسالم وعلّة التعادي، ولم طبعت رؤساء السّباع على الغفلة وبعض ما يدخل في باب الكرم، دون صغار السّباع وسفلتها، وحاشيتها وحشوها [١] ، وكذلك أوساطها، والمعتدلة الآلة والأسر [٢] منها. ١٦٧٢-[شواهد هذا الكتاب وملازمتها للغرائب والطرائف] ولم نذكر، بحمد الله تعالى، شيئا من هذه الغرائب، وطريفة من هذه الطرائف إلا ومعها شاهد من كتاب منزل، أو حديث مأثور، أو خبر مستفيض، أو شعر معروف، أو مثل مضروب، أو يكون ذلك ممّا يشهد عليه الطبيب، ومن قد أكثر قراءة الكتب، أو بعض من قد مارس الأسفار، وركب البحار، وسكن الصّحاري واستذرى [٣] بالهضاب، ودخل في الغياض [٤] ، ومشى في بطون الأودية. وقد رأينا أقواما يدّعون في كتبهم الغرائب الكثيرة، والأمور البديعة، ويخاطرون من أجل ذلك بمروءاتهم، ويعرّضون أقدارهم، ويسلّطون السّفهاء على أعراضهم، ويجترّون سوء الظّنّ إلى أخبارهم، ويحكّمون حسّاد النّعم في كتبهم، ويمكّنون لهم من مقالتهم. وبعضهم يتّكل على حسن الظّنّ بهم، أو على التسليم لهم، والتقليد لدعواهم. وأحسنهم حالا من يحبّ أن يتفضّل عليه ببسط العذر له، ويتكلّف الاحتجاج عنه، ولا يبالي أن يمنّ بذلك على عقبه، أو من دان بدينه، أو اقتبس ذلك العلم من قبل كتبه. ونحن حفظك الله تعالى، إذا استنطقنا الشّاهد، وأحلنا على المثل، فالخصومة حينئذ إنّما هي بينهم وبينها، إذ كنّا نحن لم نستشهد إلّا بما ذكرنا. وفيما ذكرنا مقنع عند علمائنا، إلّا أن يكون شيء يثبت بالقياس، أو يبطل بالقياس، فواضع الكتاب ضامن لتخليصه وتلخيصه، ولتثبيته وإظهار حجّته. فأمّا الأبواب الكبار فمثل القول في الإبل، والقول في فضيلة الإنسان على جميع الحيوان، كفضل الحيوان على جميع النامي، وفضل النّامي على جميع الجماد.

стр. 1275

وليس يدخل في هذا الباب القول فيما قسم الله، ، لبعض البقاع من التّعظيم دون بعض، ولا فيما قسم من السّاعات والليالي، والأيّام والشّهور وأشباه ذلك، لأنّه معنى يرجع إلى المختبرين بذلك، من الملائكة والجنّ والآدميّين. فمن أبواب الكبار القول في فصل ما بين الذّكورة والإناث، وفي فصل ما بين الرّجل والمرأة خاصّة. وقد يدخل في القول في الإنسان ذكر اختلاف النّاس في الأعمار، وفي طول الأجسام، وفي مقادير العقول، وفي تفاضل الصّناعات، وكيف قال من قال في تقديم الأوّل، وكيف قال من قال في تقديم الآخر. فأما الأبواب الأخر، كفضل الملك على الإنسان، وفضل الإنسان على الجانّ، وهي جملة القول في اختلاف جواهرهم، وفي أيّ موضع يتشاكلون، وفي أيّ موضع يختلفون؛ فإن هذه من الأبواب المعتدلة في القصر والطّول. ١٦٧٣-[علة تداخل أبواب الكتاب] وليس من الأبواب باب إلّا وقد يدخله نتف من أبواب أخر على قدر ما يتعلّق بها من الأسباب، ويعرض فيه من التضمين. ولعلك أن تكون بها أشدّ انتفاعا. وعلى أني ربما وشّحت هذا الكتاب وفصّلت فيه بين الجزء والجزء بنوادر كلام، وطرف أخبار، وغرر أشعار، مع طرف مضاحيك. ولولا الذي نحاول من استعطاف على استتمام انتفاعكم لقد كنّا تسخّفنا [١] وسخّفنا شأن كتابنا هذا. وإذا علم الله تعالى موقع النّيّة، وجهة القصد، أعان على السّلامة من كلّ مخوف ١٦٧٤-[العلة في عدم إفراد باب للحيوانات المائية] ولم نجعل لما يسكن الملح والعذوبة، والأنهار والأدوية، والمناقع والمياه الجارية، من السّمك وممّا يخالف السّمك، ممّا يعيش مع السمك- بابا مجرّدا، لأنّي لم أجد في أكثره شعرا يجمع الشّاهد ويوثق منه بحسن الوصف، وينشّط بما فيه من غير ذلك للقراءة. ولم يكن الشّاهد عليه إلّا أخبار البحريّين، وهم قوم لا

стр. 1276

يعدّون القول في باب الفعل، وكلّما كان الخبر أغرب كانوا به أشدّ عجبا، مع عبارة غثّة، ومخارج سمجة. وفيه عيب آخر: وهو أنّ معه من الطّول والكثرة ما لا تحتملونه، ولو غنّاكم بجميعه مخارق، وضرب عليه زلزل، وزمر به برصوما، فلذلك لم أتعرّض له. وقد أكثر في هذا الباب أرسطاطاليس، ولم أجد في كتابه على ذلك من الشّاهد إلّا دعواه. ولقد قلت لرجل من البحريّين: زعم أرسطاطاليس أنّ السّمكة لا تبتلع الطّعم أبدا إلّا ومعه شيء من ماء، مع سعة المدخل، وشرّ النفس. فكان من جوابه أن قال لي: ما يعلم هذا إلّا من كان سمكة مرّة، أو أخبرته به سمكة، أو حدّثه بذلك الحواريّون أصحاب عيسى، فإنهم كانوا صيّادين، وكانوا تلامذة المسيح. وهذا البحريّ صاحب كلام، وهو يتكلّف معرفة العلل. وهذا كان جوابه. ولكني لن أدع ذكر بعض ما وجدته في الأشعار والأخبار، أو كان مشهورا عند من ينزل الأسياف [١] وشطوط الأودية والأنهار، ويعرفه السّمّاكون، ويقرّ به الأطبّاء- بقدر ما أمكن من القول. ١٦٧٥-[زعم إياس بن معاوية في الشبّوط] وقد روى لنا غير واحد من أصحاب الأخبار، أنّ إياس بن معاوية زعم أنّ الشّبّوطة كالبغل، وأنّ أمّها بنيّة، وأباها زجر [٢] ، وأنّ من الدّليل على ذلك أنّ الناس لم يجدوا في بطن شبّوطة قطّ بيضا. وأنا أخبرك أنّي قد وجدته فيها مرارا، ولكنّي وجدته أصغر جثّة، وأبعد من الطّيب، ولم أجده عامّا كما أجده في بطون جميع السمك. فهذا قول أبي واثلة إياس بن معاوية المزني الفقيه القاضي، وصاحب الإزكان [٣] ، وأقوف [٤] من كرز بن علقمة، داهية مضر في زمانه، ومفخر من مفاخر العرب.

стр. 1277

١٦٧٦-[الشك في أخبار البحريين والسّماكين والمترجمين] فكيف أسكن بعد هذا إلى أخبار البحريّين، وأحاديث السمّاكين، وإلى ما في كتاب رجل لعلّه أن لو وجد هذا المترجم أن يقيمه على المصطبة، ويبرأ إلى النّاس من كذبه عليه، ومن إفساد معانيه بسوء ترجمته. ١٦٧٧-[الأجناس التي ترجع إلى صورة الضب] والذي حضرني من أسماء الحشرات، ممّا يرجع عمود صورها إلى قالب واحد، وإن اختلفت بعد ذلك في أمور. فأوّل ما نذكر من ذلك الضبّ. والأجناس التي ترجع إلى صورة الضّبّ: الورل، والحرباء، والوحرة [١] ، والحلكة [٢] ، وشحمة الأرض، وكذلك العظاء، والوزغ، والحرذون. وقال أبو زيد: وذكر العظاية هو العضرفوط. ويقال في أمّ حبين حبينة وأشباهها مما يسكن الماء الرّقّ، والسّلحفا، والغيلم، والتّمساح، وما أشبه ذلك. ١٦٧٨-[الحشرات] وممّا نحن قائلون في شأنه من الحشرات: الظربان، والعثّ [٣] والحفّاث [٤] والعربد [٥] ، والعضرفوط [٦] ، والوبر [٧] ، وأم حبين، والجعل، والقرنبى [٨] والدّسّاس [٩] ، والخنفساء، والحيّة، والعقرب، والشّبث [١٠] والرّتيلاء [١١] ، والطّبّوع،

стр. 1278

والحرقوص [١] ، والدّلم [٢] ، وقملة النّسر [٣] ، والمثل، والنّبر، وهي دويبّة إذا دبّت على جلد البعير تورّم [٤] ، ولذلك يقول الشاعر [٥] ، وهو يصف إبله بالسّمن: [من الرجز] كأنّها من بدن واستيقار ... دبّت عليها ذربات الأنبار [٦] وقال الآخر [٧] : [من الكامل] حمر تحقّنت النّجيل كأنما ... بجلودهن مدارج الأنبار والضّمج [٨] ، والقنفذ، والنّمل، والذّرّ، والدّساس [٩] ، [ومنها ما] [١٠] تتشاكل في وجوه، وتختلف من وجوه: كالفأر والجرذان والزباب [١١] ، والخلد واليربوع، وابن عرس، وابن مقرض [١٢] ومنها العنكبوت الذي يقال له منونة، وهي شرّ من الجرّارة والضّمج [٨] . ١٦٧٩-[الوحشي والأهلي من الحيوان] وسنقول في الأجناس التي يكون في الجنس منها الوحشيّ والأهليّ، كالفيلة، والخنازير، والبقر، والحمير، والسّنانير.

стр. 1279

والظّباء قد تدجن وتولّد على صعوبة فيها. وليس في أجناس الإبل جنس وحشيّ، إلّا في قول الأعراب. وممّا يكون أهليّا ولا يكون وحشيّا وهو سبع- الكلاب وليس يتوحّش منها إلّا الكلب الكلب. فأمّا الضّباع والذّئاب، والأسد، والنمور، والببور، والثعالب، وبنات آوى، فوحشيّة كلها، وقد يقلّم الأسد وتنزع أنيابه، ويطول ثواؤه مع الناس حتى يهرم مع ذلك، ويحسّ بعجزه عن الصّيد، ثمّ هو في ذلك لا يؤتمن عرامه [١] ولا شروده، إذا انفرد عن سوّاسه [٢] ، وأبصر غيضة قدّامها صحراء. ١٦٨٠-[قصة الأعرابي والذئب] وقد كان بعض الأعراب ربّى جرو ذئب صغيرا، حتّى شبّ، وظنّ أنه يكون أغنى غناء من الكلب، وأقوى على الذّبّ عن الماشية، فلمّا قوي شيئا وثب على شاة فذبحها- وكذلك يصنع الذّئب- ثمّ أكل منها فلمّا أبصر الرّجل أمره قال [٣] : [من الوافر] أكلت شويهتي وربيت فينا ... فمن أنباك أنّ أباك ذيب وقد أنكر ناس من أصحابنا هذا الحديث، وقالوا: لم يكن ليألفه ويقيم معه بعد أن اشتدّ عظمه! ولم لم يذهب مع الذّئاب والضّباع، ولم تكن البادية أحبّ إليه من الحاضرة، والقفار أحبّ إليه من المواضع المأنوسة. ١٦٨١-[كيف يصير الوحشيّ من الحيوان أهليا] وليس يصير السبع من هذه الأجناس أو الوحشيّ من البهائم أهليّا بالمقام فيهم، وهو لا يقدر على الصّحاري. وإنما يصير أهليّا إذا ترك منازل الوحش وهي له معرضة. ١٦٨٢-[ما يعتري الوحشي إذا صار إلى الناس] وقد تتسافد وتتوالد في الدّور وهي بعد وحشيّة، وليس ذلك فيها بعامّ. ومن الوحش ما إذا صار إلى النّاس وفي دورهم ترك السّفاد، ومنها ما لا يطعم ولا يشرب

стр. 1280

البتّة بوجه من الوجوه، ومنها ما يكره على الطّعم ويدخل في حلقة كالحيّة، ومنها ما لا يسفد ولا يدجن، ولا يطعم ولا يشرب، ولا يصيح حتى يموت وهذا المعنى في وحشيّ الطّير أكثر. ١٦٨٣-[حذق السّوداني بتدريب الجوارح] [١] والذي يحكى عن السوداني القنّاص الجبليّ ليس بناقض لما قلنا، لأنّ الشّيء الغريب، والنادر الخارجيّ، لا يقاس عليه. وقد زعموا أنّه بلغ من حذقه بتدريب الجوارح وتضريتها أنّه ضرّى ذئبا حتّى اصطاد به الظّباء وما دونها، صيدا ذريعا، وأنه ألفه حتى رجع إليه من ثلاثين فرسخا، وقد كان بعض العمّال سرقه منه. وقد ذكروا أنّ هذا الذّئب قد صار إلى العسكر، وأن هذا السّودانيّ ضرّى أسدا حتى اصطاد له الحمير فما دونها صيدا ذريعا، وأنه ضرّى الزّنابير فاصطاد بها الذّبّان. وكلّ هذا عجب، وهو غريب نادر، بديع خارجيّ وذكروا أنّه من قيس عيلان، وأن حليمة ظئر النبي ﷺ قد ولدته. ١٦٨٤-[الحيوانات العجيبة] وليس عندي في الحمار الهنديّ [٢] شيء. وقد ذكره صاحب المنطق. فأما الدّباب، وفأرة المسك [٣] ، والفنك [٤] ، والقاقم [٥] ، والسّنجاب، والسّمّور [٦] ، وهذه الدوابّ ذوات الفراء [٧] والوبر الكثيف النّاعم، والمرغوب فيه، والمنتفع به، فهي عجيبة. وإنّما نذكر ما يعرفه أصحابنا وعلماؤنا، وأهل باديتنا. ألا ترى أنّي لم أذكر لك

стр. 1281

الحريش [١] ، والدّخس [٢] ، ولا هذه السّباع المشتركة الخلق، المتولّدة فيما بين السّباع المختلفة الأعضاء، المتشابهة الأرحام، التي إذا صار بعضها في أيدي القرّادين والمتكسّبين والطوّافين، وضعوا لها أسماء، فقالوا: مقلاس، وكيلاس، وشلقطير، وخلقطير وأشباه ذلك، حين لم تكن من السّباع الأصلية والمشهورة النسب، والمعروفة بالنّفع والضّرر. وقد ذكرنا منها ما كان مثل الضبع، والسّمع [٣] ، والعسبار [٤] ، إذ كانت معروفة عند الأعراب، مشهورة في الأخبار، منوّها بها في الأشعار. ١٦٨٥-[الاعتماد على معارف الأعراب في الوحش] وإنّما أعتمد في مثل هذا على ما عند الأعراب، وإن كانوا لم يعرفوا شكل ما احتيج إليه منها من جهة العناية والفلاية، ولا من جهة التذاكر والتكسّب. ولكن هذه الأجناس الكثيرة، ما كان منها سبعا أو بهيمة أو مشترك الخلق، فإنّما هي مبثوثة في بلاد الوحش: من صحراء، أو واد، أو غائط، أو غيضة، أو رملة، أو رأس جبل، وهي في منازلهم ومناشئهم [٥] ، فقد نزلوا كما ترى بينها، وأقاموا معها. وهم أيضا من بين النّاس وحش، أو أشباه الوحش. ١٦٨٦-[توارث المعرفة بالداء والدواء] وربّما؛ بل كثيرا ما يبتلون بالناب والمخلب، وباللدغ واللّسع، والعضّ والأكل، فخرجت بهم الحاجة إلى تعرّف حال الجاني والجارح والقاتل، وحال المجنيّ عليه والمجروح والمقتول، وكيف الطّلب والهرب، وكيف الداء والدواء، لطول الحاجة، ولطول وقوع البصر، مع ما يتوارثون من المعرفة بالدّاء والدواء.

стр. 1282

١٦٨٧-[معرفة العرب للآثار والأنواء والنجوم] ومن هذه الجهة عرفوا الآثار في الأرض والرّمل، وعرفوا الأنواء ونجوم الاهتداء، لأنّ كلّ من كان بالصّحاصح الأماليس [١]- حيث لا أمارة ولا هادي، مع حاجته إلى بعد الشّقّة- مضطرّ إلى التماس ما ينجيه ويؤديه [٢] . ولحاجته إلى الغيث، وفراره من الجدب، وضنّه بالحياة، اضطرته الحاجة إلى تعرّف شأن الغيث. ولأنه في كلّ حال يرى السّماء، وما يجري فيها من كوكب، ويرى التّعاقب بينها، والنّجوم الثوابت فيها، وما يسير منها مجتمعا وما يسير منها فاردا [٣] ، وما يكون منها راجعا ومستقيما. وسئلت أعرابيّة فقيل لها: أتعرفين النجوم؟ قالت: سبحان الله! أما أعرف أشباحا وقوفا عليّ كلّ ليلة! وقال اليقطريّ: وصف أعرابيّ لبعض أهل الحاضرة نجوم الأنواء، ونجوم الاهتداء، ونجوم ساعات اللّيل والسّعود والنّحوس، فقال قائل لشيخ عباديّ كان حاضرا: أما ترى هذا الأعرابيّ يعرف من النّجوم ما لا نعرف! قال: ويل أمّك، من لا يعرف أجذاع [٤] بيته؟ قال: وقلت لشيخ من الأعراب قد خرف، وكان من دهاتهم: إني لا أراك عارفا بالنّجوم! قال: أما إنّها لو كانت أكثر لكنت بشأنها أبصر، ولو كانت أقلّ لكنت لها أذكر. وأكثر سبب ذلك كلّه- بعد فرط الحاجة، وطول المدارسة- دقّة الأذهان، وجودة الحفظ. ولذلك قال مجنون من الأعراب- لمّا قال له أبو الأصبغ بن ربعيّ: أما تعرف النجوم؟ قال: وما لي أعرف من لا يعرفني؟! فلو كان لهذا الأعرابيّ المجنون مثل عقول أصحابه، لعرف مثل ما عرفوا.

стр. 1283

١٦٨٨-[ما يجب في التعليم] ولو كان عندي في أبدان السّمّور، والفنك، والقاقم [١] ، ما عندي في أبدان الأرانب والثّعالب، دون فرائها، لذكرتها بما قلّ أو كثر، لكنّه لا ينبغي لمن قلّ علمه أن يدع تعليم من هو أقلّ منه علما. ١٦٨٩-[الدساس وعلة اختصاصه بالذّكر] ولو كانت الدّسّاس [٢] من أصناف الحيّات لم نخصّها من بينها بالذّكر، ولكنها وإن كانت على قالب الحيّات وخرطها، وأفرغت كإفراغها وعلى عمود صورها، [فخصائصها] [٣] دون خصائصها، كما يناسبها في ذلك الحفّاث [٤] والعربد [٥] . وليسا من الحيّات، كما أن هذا ليس من الحيّات، لأنّ الدّسّاس ممسوحة الأذن، وهي مع ذلك ممّا يلد ولا يبيض. والمعروف في ذلك أنّ الولادة هي في الأشرف [٦] ، والبيض في الممسوح [٧] . وقد زعم ناس أنّ الولادة لا تخرج الدّسّاس من اسم الحيّة، كما أن الولادة لا تخرج الخفّاش من اسم الطير. وكلّ ولد يخرج من بيضه فهو فرخ، إلا ولد بيض الدّجاج فإنّه فرّوج. والأصناف التي ذكرناها مع ذكر الضّبّ تبيض كلّها، ويسمى ولدها بالاسم الأعم فرخا. وزعم لي ابن أبي العجوز، أنّ الدّسّاس تلد. وكذلك خبّرني به محمد بن أيوب ابن جعفر عن أبيه، وخبّرني به الفضل بن إسحاق بن سليمان فإن كان خبرهما عن إسحاق فقد كان إسحاق من معادن [٨] العلم.

стр. 1284

وقد زعموا بهذا الإسناد أنّ الأرويّة [١] تضع مع كلّ ولد وضعته أفعى في مشيمة واحدة. وقال الآخرون: الأرويّة [١] لا تعرف بهذا المعنى، ولكنه ليس في الأرض نمرة إلا وهي تضع ولدها وفي عنقه أفعى في مكان الطّوق. وذكروا أنّها تنهش وتعضّ، ولا تقتل. ولم أكتب هذا لتقرّ به، ولكنها رواية أحببت أن تسمعها. ولا يعجبني الإقرار بهذا الخبر، وكذلك لا يعجبني الإنكار له. ولكن ليكن قلبك إلى إنكاره أميل. ١٦٩٠-[مواضع الشك واليقين] وبعد هذا فاعرف مواضع الشّكّ، وحالاتها الموجبة له، لتعرف بها مواضع اليقين والحالات الموجبة له، وتعلم الشّكّ في المشكوك فيه تعلّما. فلو لم يكن في ذلك إلّا تعرّف التوقّف ثمّ التثبّت، لقد كان ذلك ممّا يحتاج إليه. ثمّ اعلم أنّ الشكّ في طبقات عند جميعهم. ولم يجمعوا على أن اليقين طبقات في القوّة والضعف. ١٦٩١-[أقوال لبعض المتكلمين في الشك] ولمّا قال ابن الجهم للمكّيّ: أنا لا أكاد أشكّ! قال المكّيّ: وأنا لا أكاد أوقن! ففخر عليه المكيّ بالشكّ في مواضع الشّك، كما فخر عليه ابن الجهم باليقين في مواضع اليقين. وقال أبو إسحاق: نازعت من الملحدين الشاك والجاحد فوجدت الشّكّاك أبصر بجوهر الكلام من أصحاب الجحود. وقال أبو إسحاق: الشاك أقرب إليك من الجاحد، ولم يكن يقين قط حتى كان قبله شكّ، ولم ينتقل أحد عن اعتقاد إلى اعتقاد غيره حتّى يكون بينهما حال شكّ. وقال ابن الجهم: ما أطمعني في أوبة المتحيّر لأنّ كل من اقتطعته عن اليقين الحيرة فضالته التبيّن، ومن وجد ضالته فرح بها. وقال عمرو بن عبيد: تقرير لسان الجاحد أشدّ من تعريف قلب الجاهل.

стр. 1285

وقال أبو إسحاق: إذا أردت أن تعرف مقدار الرجل العالم، وفي أيّ طبقة هو، وأردت أن تدخله الكور [١] وتنفخ عليه، ليظهر لك فيه الصّحّة من الفساد، أو مقداره من الصّحّة والفساد، فكن عالما في صورة متعلّم، ثم اسأله سؤال من يطمع في بلوغ حاجته منه. ١٦٩٢-[علة قلة الشكوك عند العوام] والعوامّ أقلّ شكوكا من الخواص، لأنّهم لا يتوقّفون في التصديق والتكذيب ولا يرتابون بأنفسهم، فليس عندهم إلّا الإقدام على التّصديق المجرّد، أو على التكذيب المجرد، وألغوا الحال الثالثة من حال الشّكّ التي تشتمل على طبقات الشك، وذلك على قدر سوء الظنّ وحسن الظّن بأسباب ذلك. وعلى مقادير الأغلب. ١٦٩٣-[حرمة المتكلمين] وسمع رجل، ممّن قد نظر بعض النظر، تصويب العلماء لبعض الشكّ، فأجرى ذلك في جميع الأمور، حتّى زعم أنّ الأمور كلها يعرف حقها وباطلها بالأغلب. وقد مات ولم يخلّف عقبا، ولا واحدا يدين بدينه. فلو ذكرت اسمه مع هذه الحال لم أكن أسأت، ولكنّي على حال أكره التّنويه بذكر من قد تحرّم بحرمة الكلام، وشارك المتكلّمين في اسم الصّناعة، ولا سيّما إن كان ممّن ينتحل تقديم الاستطاعة. ١٦٩٤-[الأوعال والثياتل والأيايل] فأمّا القول في الأوعال، والثّياتل [٢] ، والأيايل [٣] وأشباه ذلك، فلم يحضرنا فيها ما إن نجعل لذكرها بابا مبوبا. ولكننا سنذكرها في مواضع ذكرها من تضاعيف هذا الكتاب إن شاء الله تعالى.

стр. 1286

[باب في الضب] (الضب) ١٦٩٥-[ذم هذا الكتاب ومدحه] وأنا مبتدئ على اسم الله تعالى في القول في الضّبّ. على أنّي أذمّ هذا الكتاب في الجملة، لأنّ الشواهد على كلّ شيء بعينه وقعت متفرّقة غير مجتمعة. ولو قدرت على جمعها لكان ذلك أبلغ في تزكية الشّاهد، وأنور للبرهان، وأملأ للنفس، وأمتع لها، بحسن الرّصف [١] . وأحمده، لأنّ جملة الكتاب على حال مشتملة على جميع تلك الحجج، ومحيطة بجميع تلك البرهانات، وإن وقع بعضه في مكان بعض، تأخّر متقدّم، وتقدّم متأخر. ١٦٩٦-[ما قيل من الشعر في جحر الضب] وقالوا [٢] : ومن كيس [٣] الضّبّ أنّه لا يتخذ جحره إلّا في كدية وهو الموضع الصّلب- أو في ارتفاع عن المسيل والبسيط، ولذلك توجد براثنه ناقصة كليلة، لأنّه يحفر في الصّلابة، ويعمّق الحفر، ولذلك قال خالد بن الطّيفان [٤] : [من الطويل] ومولى كمولى الزّبرقان دملته ... كما دملت ساق تهاض، بها كسر [٥] إذا ما أحالت والجبائر فوقها ... مضى الحول لا برء مبين ولا جبر تراه كأنّ الله يجدع أنفه ... وأذنيه إن مولاه ثاب له وفر ترى الشّرّ قد أفنى دوائر وجهه ... كضبّ الكدى أفنى براثنه الحفر

стр. 1287

وقال كثيّر [١] : [من المتقارب] فإن شئت قلت له صادقا ... وجدتك بالقفّ ضبّا جحولا من اللاء يحفرن تحت الكدى ... ولا يبتغين الدّماث السّهولا وقال دريد بن الصّمّة [٢] : [من الطويل] وجدنا أبا الجبّار ضبّا مورّشا ... له في الصّفاة برثن ومعاول له كدية أعيت على كلّ قانص ... ولو كان منهم حارشان وحابل ظللت أراعي الشمس لولا ملالتي ... تزلّع جلدي عنده وهو قائل [٣] وأنشد لدريد بن الصمة [٤] : [من الطويل] وعوراء من قيل امرىء قد رددتها ... بسالمة العينين طالبة عذرا [٥] ولو أنني إذ قالها قلت مثلها ... وأكثر منها، أورثت بيننا غمرا فأعرضت عنها وانتظرت به غدا ... لعلّ غدا يبدي لمنتظر أمرا لأخرج ضبّا كان تحت ضلوعه ... وأقلم أظفارا أطال بها الحفرا وقال أوس بن حجر، في أكل الصّخر للأظفار [٦] : [من الطويل] فأشرط فيها نفسه وهو معصم ... وألقى بأسباب له وتوكّلا وقد أكلت أظفاره الصّخر، كلّما ... تعايا عليه طول مرقى توصّلا فقد وصفوا الضّبّ كما ترى، بأنه لا يحفر إلّا في كدية، ويطيل الحفر حتّى تفنى براثنه، ويتوخّى به الارتفاع عن مجاري السّيل والمياه، وعن مدق الحوافر، لكيلا ينهار عليه بيته.

стр. 1288

١٦٩٧-[هداية الضب إلى جحره] ولمّا علم أنّه نسّاء سيّئ الهداية، لم يحفر وجاره إلّا عند أكمة، أو صخرة، أو شجرة، ليكون متى تباعد من جحره لطلب الطّعم، أو لبعض الخوف فالتفت ورآه؛ أحسن الهداية إلى جحره. ولأنّه إذا لم يقم علما [١] فلعلّه أن يلج على ظربان أو ورل، فلا يكون دون أكله له شيء. ١٦٩٨-[بعض الأمثال في خداع الضب] فقالت العرب: «خبّ ضبّ» [٢] ؛ و: «أخبّ من ضبّ» [٣] ؛ و «أخدع من ضبّ» [٤] ؛ و: «كلّ ضبّ عند مرداته» [٥] . وإذا خدع في زوايا حفيرته فقد توثّق لنفسه عند نفسه. ١٦٩٩-[حذر بعض الحيوان] ولهذه العلّة اتخذ اليربوع القاصعاء، والنافقاء، والدّامّاء، والرّاهطاء، وهي أبواب قد اتخذها لحفيرته، فمتى أحسّ بشرّ خالف تلك الجهة إلى الباب. ولهذا وشبهه من الحذر كان التوبير [٦] من الأرانب وأشباهها. والتوبير: أن تطأ على زمعاتها [٦] فلا يعرف الكلب والقائف من أصحاب القنص آثار قوائمها. ولما أشبه هذا التّدبير صار الظبي لا يدخل كناسه إلّا وهو مستدبر، يستقبل بعينه ما يخافه على نفسه وخشفه [٧] .

стр. 1289

١٧٠٠-[شعر في حزم الضب واليربوع] وقد جمع يحيى بن منصور الذّهليّ أبوابا من حزم الضب، وخبثه وتدبيره. إلّا أنّه لم يرد تفضيل الضب في ذلك. ولكنه بعد أن قدّمه على حمقى الرّجال. قال: فكيف لو فكّرتم في حزم اليربوع والضبّ. وأنشدني فقال [١] : [من الوافر] وبعض النّاس أنقص رأي حزم ... من اليربوع والضبّ المكون [٢] يرى مرداته من رأس ميل ... ويأمن سيل بارقة هتون [٣] ويحفر في الكدى خوف انهيار ... ويجعل مكوه رأس الوجين [٤] ويخدع إن أردت له احتيالا ... رواغ الفهد من أسد كمين ويدخل عقربا تحت الذّنابى ... ويعمل كيد ذي خدع طبين [٥] فهذا الضبّ ليس بذي ... حريم مع اليربوع والذّئب اللّعين وقد ذكر يحيى جميع ما ذكرنا، إلّا احتياله بإعداد العقرب لكفّ المحترش، فإنه لم يذكر هذه الحيلة من عمله. وسنذكر ذلك في موضعه. والشّعر الذي يثبت له ذلك كثير. فهذا شأن الضّب في الحفر، وإحكام شأن منزله. ١٧٠١-[امتناع الورل عن اتخاذ بيت له] ومن كلام العرب أنّ الورل إنّما يمنعه من اتّخاذ البيوت أنّ اتخاذها لا يكون إلّا بالحفر، والورل يبقي على براثنه، ويعلم أنّها سلاحه الذي به يقوى على ما هو أشدّ بدنا منه. وله ذنب يؤكل ويستطاب، كثير الشّحم. ١٧٠٢-[قول الأعراب في مطايا الجن من الحيوان] والأعراب لا يصيدون يربوعا، ولا قنفذا، ولا ورلا من أول الليل، وكذلك كل شيء يكون عندهم من مطايا الجنّ، كالنّعام والظّباء.

стр. 1290

ولا تكون الأرنب والضّبع من مراكب الجن، لأن الأرنب تحيض ولا تغتسل من الحيض، والضبّاع تركب أيور القتلى والموتى إذا جيّفت [١] أبدانهم وانتفخوا وأنعظوا ثم لا تغتسل عندهم من الجنابة. ولا حنابة إلا ما كان للإنسان فيه شرك. ولا تمتطي القرود، لأن القرد زان، ولا يغتسل من جنابة. فإن قتل أعرابيّ قنفذا أو ورلا، من أول الليل، أو بعض هذه المراكب، لم يأمن على فحل إبله، ومتى اعتراه شيء حكم بأنه عقوبة من قبلهم. قالوا: ويسمعون الهاتف عند ذلك بالنّعى، وبضروب الوعيد. ١٧٠٣-[قول الأعراب في قتل الجان من الحيات] وكذلك يقولون في الجانّ من الحيّات. وقتل الجان عندهم عظيم. ولذلك رأى رجل منهم جانّا في قعر بئر، لا يستطيع الخروج منها، فنزل على خطر شديد حتّى أخرجها، ثم أرسلها من يده فانسابت، وغمّض عينيه لكيلا يرى مدخلها كأنّه يريد الإخلاص في التقرّب إلى الجن. قال المازني: فأقبل عليه رجل فقال له: كيف يقدر على أذاك من لم ينقذه من الأذى غيرك؟! ١٧٠٤-[ما لا يتم له التدبير إذا دخل الأنفاق] وقال: ثلاثة أشياء لا يتمّ لها التّدبير إذا دخلت الأسراب، والأنفاق، والمكامن والتّوالج [٢] حتّى يغص بها الخرق. - فمن ذلك: أن الظربان إذا أراد أن يأكل حسلة الضب أو الضبّ نفسه؛ اقتحم جحر الضّب مستدبرا، ثم التمس أضيق موضع فيه، فإذا وجده قد غصّ به، وأيقن أنّه قد حال بينه وبين النسيم، فسا عليه، فليس يجاوز ثلاث فسوات حتى يغشى على الضب فيأكله كيف شاء. - والآخر: أن الرجل إذا دخل وجار الضبع ومعه حبل، فإن لم يسدّ ببدنه وبثوبه جميع المخارق والمنافذ ثم وصل إلى الضبع من الضياء بمقدار سمّ الإبرة، وثبت عليه. فقطّعته، ولو كان أشدّ من الأسد.

стр. 1291

- والثالث: أنّ الضب إذا أراد أن يأكل حسوله وقف لها من جحرها في أضيق موضع من منفذه إلى خارج، فإذا أحكم ذلك بدأ فأكل منها، فإذا امتلأ جوفه انحطّ عن ذلك المكان شيئا قليلا، فلا يفلت منه شيء من ولده إلا بعد أن يشبع ويزول عن موضعه، فيجد منفذا. وقال بعض الأعراب: [من الرجز] ينشب في المسلك عند سلّته ... تزاحم الضبّ عصى في كديته ١٧٠٥-[شعر في أكل الضبّ ولده] وقال: الدّليل على أنّ الضّبّ يأكل ولده قول عملّس بن عقيل بن علّفة لأبيه [١] : [من الوافر] أكلت بنيك أكل الضّبّ حتى ... وجدت مرارة الكلأ الوبيل فلو أنّ الأولى كانوا شهودا ... منعت فناء بيتك من بجيل وأنشد لغيره [٢] : [من الوافر] أكلت بنيك أكل الضّبّ حتّى ... تركت بنيك ليس لهم عديد وقال عمرو بن مسافر: عتبت على أبي يوما في بعض الأمر، فقلت: [من البسيط] كيف ألوم أبي طيشا ليرحمني ... وجدّه الضّبّ لم يترك له ولدا وقال خداش بن زهير [٣] : [من البسيط] فإن سمعتم بجيش سالكا سرفا ... أو بطن قوّ فأخفوا الجرس واكتتموا ثمّ ارجعوا فأكبّوا في بيوتكم ... كما أكبّ على ذي بطنه الهرم جعله هرما لطول عمره. وذي بطنه: ولده.

стр. 1292

وقال أبو بكر بن أبي قحافة لعائشة، ﵄: إنّي كنت نحلتك سبعين وسقا [١] من مالي بالعالية، وإنّك لم تحوزيه، وإنما هو مال الوارث، وإنما هو أخواك وأختاك. قالت: ما أعرف لي أختا غير أسماء. قال: إنّه قد ألقى في روعي أن ذا بطن بنت خارجة جارية. قال آخرون: لم يعن بذي بطنه ولده، ولكنّ الضّبّ يرمي ما أكل، أي يقيء؛ ثم يرجع فيأكله. فذلك هو ذو بطنه. فشبّهوه في ذلك بالكلب والسّنّور. وقال عمرو بن مسافر: ما عنى إلا أولاده، فكأنّ خداشا قال: ارجعوا عن الحرب التي لا تستطيعونها، إلى أكل الذّريّة والعيال. ١٧٠٦-[نفي الغنويّ أكل الضبّة أولادها] قال: وقال أبو سليمان الغنويّ: أبرأ إلى الله تعالى من أن تكون الضّبّة تأكل أولادها! ولكنها تدفنهنّ وتطمّ عليهنّ التّراب، وتتعهدهنّ في كلّ يوم حتّى يخرّجن [٢] ، وذلك في ثلاثة أسابيع. غير أنّ الثّعالب والظّربان والطّير، تحفر عنهنّ فتأكلهنّ. ولو أفلت منهنّ كلّ فراخ الضّباب لملأن الأرض جميعا. ولو أنّ إنسانا نحل أمّ الدّرداء، أو معاذة العدويّة، أو رابعة القيسيّة، أنهنّ يأكلن أولادهنّ، لما كان عند أحد من النّاس من إنكار ذلك، ومن التكذيب عنهنّ، ومن استعظام هذا القول، أكثر مما قاله أبو سليمان في التّكذيب على الضّباب أن تكون تأكل أولادها. قال أبو سليمان: ولكن الضبّ يأكل بعره، وهو طيّب عنده. وأنشد [٣] : [من البسيط] يعود في تيعه حدثان مولده ... فإن أسنّ تغدّى نجوه كلفا قال: وقال أفّار بن لقيط: التّيع: القيء. ولكنّا رويناه هكذا. إنما قال: «يعود في رجعه» . وكذلك الضّبّ، يأكل رجعه [٤] .

стр. 1293

وزعم أصحابنا أنّ أبا المنجوف السّدوسيّ روى عن أبي الوجيه العكليّ قوله [١] : [من الطويل] وأفطن من ضبّ إذا خاف حارشا ... أعدّ له عند التلمّس عقربا جملة القول في نصيب الضباب من الأعاجيب والغرائب أوّل ذلك طول الذّماء، وهو بقيّة النّفس وشدّة انعقاد الحياة والرّوح بعد الذبح وهشم الرّأس، والطّعن الجائف النافذ، حتّى يكون في ذلك أعجب من الخنزير، ومن الكلب، ومن الخنفساء، وهذه الأشياء التي قد تفرّدت بطول الذّماء. ثمّ شارك الضّبّ الوزغة والحيّة، فإن الحية تقطع من ثلث جسمها، فتعيش إن سلمت من الذّرّ. فجمع الضّبّ الخصلتين جميعا. إلا ما رأيت في دخّال الأذن من هذه الخصلة الواحدة، فإنّي كنت أقطعه بنصفين، فيمضي أحد نصفيه يمنة والآخر يسرة. إلا أنّي لا أعرف مقدار بقائهما بعد أن فاتا بصري. ومن أعاجيبه طول العمر. وذلك مشهور في الأشعار والأخبار، ومضروب به المثل. فشارك الحيّات في هذه الفضيلة، وشارك الأفعى الرّمليّة والصّخرية في أنّها لا تموت حتف أنفها، وليس إلا أن تقتل أو تصطاد، فتبقى في جون الحوّائين، تذيلها [٢] الأيدي، وتكره على الطّعم في غير أرضها وهوائها، حتى تموت، أو تحتملها السّيول في الشّتاء وزمان الزّمهرير، فما أسرع موتها حينئذ، لأنّها صردة. وتقول العرب: «أصرد من حيّة» ؛ كما تقول: «أعرى من حية» [٣] . وقال القشيريّ: «والله لهي أصرد من عنز جرباء» [٤] .

стр. 1294

١٧٠٧-[حتوف الحيّات] وحتوفها التي تسرع إليها ثلاثة أشياء: أحدها مرور أقاطيع الإبل والشّاء، وهي منبسطة على وجه الأرض، إما للتشرّق نهارا في أوائل البرد، وإما للتبرّد ليلا في ليالي الصّيف، وإمّا لخروجها في طلب الطّعم. والخصلة الثانية ما يسلّط عليها من القنافذ والأوعال والورل، فإنها تطالبها مطالبة شديدة، وتقوى عليها قوّة ظاهرة، والخنازير تأكلها وقد ذكرنا ذلك في باب القول في الحيّات [١] . والخصلة الثالثة: تكسّب الحوّائين بصيدها. وهي تموت عندهم سريعا. ١٧٠٨-[اكتفاء الحيات والضباب بالنسيم] والضّبّ يشاركها في طول العمر، ثمّ الاكتفاء بالنسيم والتّعيش ببرد الهواء. وذلك عند الهرم وفناء الرّطوبات، ونقص الحرارات [٢] . وهذه كلها عجب. ١٧٠٩-[رجع إلى أعاجيب الضب] ثم اتخاذه الجحر في الصّلابة، وفي بعض الارتفاع. خوفا من الانهدام، ومسيل المياه. ثم لا يكون ذلك إلا عند علم يرجع إليه إن هو أضلّ جحره. ولو رأى بالقرب ترابا متراكبا بقدر تلك المرداة [٣] والصّخرة، لم يحفل بذلك. فهذا كله كيس وحزم. وقال الشّاعر [٤] : [من الطويل] سقى الله أرضا يعلم الضب أنّها ... عذيّة بطن القاع طيّبة البقل يرود بها بيتا على رأس كدية ... وكل امرئ في حرفة العيش ذو عقل وقال البطين: [من البسيط] وكلّ شيء مصيب في تعيّشه ... الضبّ كالنّون، والإنسان كالسّبع

стр. 1295

ومن أعاجيبه [١] أنّ له أيرين، وللضبة حرين. وهذا شيء لا يعرف إلّا لهما. فهذا قول الأعراب. وأمّا قول كثير من العلماء، ومن نقّب في البلاد، وقرأ الكتب، فإنّهم يزعمون أنّ للسّقنقور أيرين، وهو الذي يتداوى به العاجز عن النكاح، ليورثه ذلك القوة. قالوا: وإن للحرذون أيضا أيرين، وإنّهم عاينوا ذلك معاينة. وآخر من زعم لي ذلك موسى بن إبراهيم. والحرذون دويبة تشبه الحرباء، تكون بناحية مصر وما والاها، وهي دويّبة مليحة موشّاة بألوان ونقط. وقال جالينوس: الضبّ الذي له لسانان يصلح لحمه لكذا وكذا. فهذه أيضا أعجوبة أخرى في الضبّ: أن يكون بعضه ذا لسانين وذا أيرين. ومن أعاجيب الضّبّة أنّها تأكل أولادها. وتجاوز في ذلك خلق الهرّة، حتّى قالت الأعراب: «أعقّ من ضبّ» [٢] . ١٧١٠-[احتيال الضب بالعقرب] وزعمت العرب أنّه يعدّ العقرب في جحره، فإذا سمع صوت الحرش استثفرها [٣] ، فألصقها بأصل عجب الذّنب من تحت، وضمّ عليها، فإذا أدخل الحارش يده ليقبض على أصل ذنبه لسعته العقرب. وقال علماؤهم: بل يهيّئ العقارب في جحره، لتلسع المحترش إذا أدخل يده. وقال أبو المنجد بن رويشد: رأيت الضب أخور [٤] دابّة في الأرض على الحر، تراه أبدا في شهر ناجر [٥] بباب جحره، متدخّلا يخاف أن يقبض قابض بذنبه، فربّما أتاه الجاهل ليستخرجه، وقد أتى بعقرب فوضعها تحت ذنبه بينه وبين الأرض، يحبسها بعجب الذنب، فإذا قبض الجاهل على أصل ذنبه لسعته، فشغل بنفسه.

стр. 1296

فأما ذو المعرفة فإنّ معه عويدا يحرّكه هناك، فإذا زالت العقرب قبض عليه. وقال أبو الوجيه: كذب والله من زعم أنّ الضّبّة تستثفر [١] عقربا، ولكنّ العقارب مسالمة للضّباب، لأنها لا تعرض لبيضها وفراخها. والضبّ يأكل الجراد ولا يأكل العقارب. وأنشد قول التميميّ الذي كان ينزل به الأزديّ: إنّه ليس إلى الطعام يقصد، وليس به إلا أنه قد صار به إلفا وأنيسا، فقال: [من الوافر] أتأنس بي ونجرك غير نجري ... كما بين العقارب والضّباب [٢] وأنشد: [من الطويل] تجمّعن عند الضّبّ حتى كأنه ... على كلّ حال أسود الجلد خنفس لأن العقارب تألف الخنافس. وأنشدوا للحكم بن عمرو البهراني [٣] : [من السريع] والوزغ الرّقط على ذلّها ... تطاعم الحيّات في الجحر والخنفس الأسود من نجره ... مودّة العقرب في السّرّ لأنك لا تراهما أبدا إلّا ظاهرتين، يطّاعمان أو يتسايران، ومتى رأيت مكنة [٤] أو اطّلعت على جحر فرأيت إحداهما رأيت الأخرى. قال: ومما يؤكّد القول الأوّل قوله: [من الطويل] ومستثفر دون السّويّة عقربا ... لقد جئت بجريّا من الدّهر أعوجا يقول: حين لم ترض من الدّهاء والنكر [٥] إلّا بما تخالف عنده النّاس وتجوزهم. ١٧١١-[شعر في إعجاب الضب والعقرب بالتمر] وأنشدني ابن داحة لحذيفة بن دأب عمّ عيسى بن يزيد، الذي يقال له ابن

стр. 1297

دأب في حديث طويل من أحاديث العشّاق: [من الطويل] لئن خدعت حبّى بسبّ مزعفر ... فقد يخدع الضّبّ المخادع بالتّمر [١] لأن الضب شديد العجب بالتّمر، فضرب الضب مثلا في الخبث والخديعة. والذي يدلّ على أن الضب والعقرب يعجبان بالتّمر عجبا شديدا، ما جاء من الأشعار في ذلك. وأنشدني ابن الأعرابيّ، لابن دغماء العجلي: [من الطويل] سوى أنكم درّبتم فجريتم ... على دربة، والضّبّ يحبل بالتّمر فجعل صيده بالتّمر كصيده بالحبالة. وأنشدني القشيريّ: [من الطويل] وما كنت ضبّا يخرج التّمر ضغنه ... ولا أنا ممن يزدهيه وعيد وقال بشر بن المعتمر، في قصيدته التي ذكر فيها آيات الله عز ذكره، في صنوف خلقه، مع ذكر الإباضيّة، والرافضة والحشوية والنابتة فقال فيها [٢] : [من السريع] وهقلة ترتاع من ظلّها ... لها عرار ولها زمر تلتهم المرو على شهوة ... وحبّ شيء عندها الجمر وضبّة تأكل أولادها ... وعترفان بطنه صفر يؤثر بالطّعم، وتأذينه ... منجّم ليس له فكر وظبية تخضم في حنظل ... وعقرب يعجبها التمر وقال أيضا بشر، في قصيدة له أخرى [٣] : [من السريع] أما ترى الهقل وأمعاءه ... يجمع بين الصّخر والجمر وفأرة البيش على بيشها ... أحرص من ضبّ على تمر وقال أبو دارة- وقد رأيته أنا، وكان صاحب قنص-: [من الطويل] وما التمر إلّا آفة وبليّة ... على جلّ هذا الخلق من ساكن البحر

стр. 1298

وفي البرّ من ذئب وسمع وعقرب ... وثرملة تسعى وخنفسة تسري [١] وقد قيل في الأمثال إن كنت واعيا ... عذيرك، إنّ الضّبّ يحبل بالتمر وسنفسّر معاني هذه الأبيات إذا كتبنا القصيدتين على وجوههما [٢] بما يشتملان عليه من ذكر الغرائب والحكم، والتّدبير والأعاجيب التي أودع الله تعالى أصناف هذا الخلق، ليعتبر معتبر، ويفكر مفكر، فيصير بذلك عاقلا عالما، وموحّدا مخلصا. ١٧١٢-[طول ذماء الضب] والدّليل على ما ذكرنا من تفسير قولهم: الضّبّ أطول شيء ذماء [٣] ، قولهم: «إنّه لأحيا من ضبّ» [٤] ، لأنّ حارشه ربّما ذبحه فاستقصى فري الأوداج، ثم يدعه، فربما تحرك بعد ثلاثة أيام. وقال أبو ذؤيب الهذلي [٥] : [من الكامل] ذكر الورود بها وشاقى أمره ... شؤما وأقبل حينه يتتبّع فأبدّهنّ حتوفهنّ فهارب ... بذمائه أو ساقط متجعجع وكان النّاس يروون: «فهارب بدمائه» يريدون من الدم. وكانوا يكسرون الدال، حتى قال الأصمعيّ: «بذمائه» معجمة الذال مفتوحة وقال كثير [٦] : [من الكامل] ولقد شهدت الخيل يحمل شكّتي ... متلمّظ خذم العنان بهيم [٧] باقي الذماء إذا ملكت مناقل ... وإذا جمعت به أجشّ هزيم [٨]

стр. 1299

١٧١٣-[خبث الضب ومكره] والضّبّ إذا خدع في جحره وصف عند ذلك بالخبث والمكر، ولذلك قال الشاعر: [من البسيط] إنّا منينا بضبّ من بني جمح ... يرى الخيانة مثل الماء بالعسل وأنشد أبو عصام [١] : [من الطويل] إنّ لنا شيخين لا ينفعاننا ... غنيّين لا يجدي علينا غناهما كأنّهما ضبّان ضبّا مغارة ... كبيران غيداقان صفر كشاهما [٢] فإن يحبلا لا يوجدا في حبالة ... وإن يرصدا يوما يخب راصداهما ولذلك شبّهوا الحقد الكامن في القلب، الذي يسري ضرره، وتدبّ عقاربه بالضّبّ، فسمّوا ذلك الحقد ضبّا. قال معن بن أوس: [من الطويل] ألا من لمولى لا يزال كأنّه ... صفا فيه صدع لا يدانيه شاعب [٣] تدبّ ضباب الغشّ تحت ضلوعه ... لأهل النّدى من قومه بالعقارب وقال أبو دهبل الجمحيّ [٤] : [من البسيط] فاعلم بأنّي لمن عاديت مضطغن ... ضبّا وإنّى عليك اليوم محسود وأنشد ابن الأعرابيّ [٥] : [من الرجز] يا ربّ مولى حاسد مباغض ... عليّ ذي ضغن وضبّ فارض [٦] له قروء كقروء الحائض

стр. 1300

كأنّه ذهب إلى أنّ حقده يخبو تارة ثمّ يستعر، ثم يخبو ثم يستعر. وقال ابن ميّادة [١] ، وضرب المثل بنفخ الضب وتوثّبه: [من الطويل] فإن لقيس من بغيض أقاصيا ... إذا أسد كشّت لفخر ضبابها وقال الآخر: [من الطويل] فلا يقطع الله اليمين التي كست ... حجاجي منيع بالقنا من دم سجلا [٢] ولو ضبّ أعلى ذي دميث حبلتما ... إذا ظلّ يمطو من حبالكم حبلا [٣] والضب يوصف بشدّة الكبر، ولا سيّما إذا أخصب وأمن وصار [٤] ، كما قال عبدة بن الطّبيب، فإنّه ضرب الضبّ مثلا حيث يقول [٥] ليحيى بن هزّال: [من البسيط] لأعرفنّك يوم الورد ذا لغط ... ضخم الجزارة بالسّلمين وكّار تكفي الوليدة والرّعيان مؤتزرا ... فاحلب فإنّك حلّاب وصرّار ما كنت أول ضب صاب تلعته ... غيث فأمرع واسترخت به الدار وقال ابن ميّادة [٦] : [من الطويل] ترى الضّبّ أن لم يرهب الضّبّ غيره ... يكشّ له مستكبرا ويطاوله وقال دعلج عبد المنجاب: [من الطويل] إذا كان بيت الضب وسط مضبّة ... تطاول للشخص الذي هو حابله المضبّة: مكان ذو ضباب كثيرة، ولا تكثر إلّا وبقربها حيّة أو ورل، أو ظربان، ولا يكون ذلك إلّا في موضع بعيد من النّاس، فإذا أمن وخلا له جوّه، وأخصب، نفخ وكشّ نحو كل شيء يريده. ١٧١٤-[ما يوصف بالكبر من الحيوان] ومما يوصف بالكبر الثّور في حال تشرّقه، وفي حال مشيته الخيلاء في الرّياض،
следующие страницы →