فأما ذو المعرفة فإنّ معه عويدا يحرّكه هناك، فإذا زالت العقرب قبض عليه.
وقال أبو الوجيه: كذب والله من زعم أنّ الضّبّة تستثفر [١] عقربا، ولكنّ العقارب مسالمة للضّباب، لأنها لا تعرض لبيضها وفراخها. والضبّ يأكل الجراد ولا يأكل العقارب. وأنشد قول التميميّ الذي كان ينزل به الأزديّ: إنّه ليس إلى الطعام يقصد، وليس به إلا أنه قد صار به إلفا وأنيسا، فقال: [من الوافر]
أتأنس بي ونجرك غير نجري ... كما بين العقارب والضّباب [٢]
وأنشد: [من الطويل]
تجمّعن عند الضّبّ حتى كأنه ... على كلّ حال أسود الجلد خنفس
لأن العقارب تألف الخنافس. وأنشدوا للحكم بن عمرو البهراني [٣] : [من السريع]
والوزغ الرّقط على ذلّها ... تطاعم الحيّات في الجحر
والخنفس الأسود من نجره ... مودّة العقرب في السّرّ
لأنك لا تراهما أبدا إلّا ظاهرتين، يطّاعمان أو يتسايران، ومتى رأيت مكنة [٤] أو اطّلعت على جحر فرأيت إحداهما رأيت الأخرى.
قال: ومما يؤكّد القول الأوّل قوله: [من الطويل]
ومستثفر دون السّويّة عقربا ... لقد جئت بجريّا من الدّهر أعوجا
يقول: حين لم ترض من الدّهاء والنكر [٥] إلّا بما تخالف عنده النّاس وتجوزهم.
١٧١١-[شعر في إعجاب الضب والعقرب بالتمر]
وأنشدني ابن داحة لحذيفة بن دأب عمّ عيسى بن يزيد، الذي يقال له ابن
стр. 1297
دأب في حديث طويل من أحاديث العشّاق: [من الطويل]
لئن خدعت حبّى بسبّ مزعفر ... فقد يخدع الضّبّ المخادع بالتّمر [١]
لأن الضب شديد العجب بالتّمر، فضرب الضب مثلا في الخبث والخديعة.
والذي يدلّ على أن الضب والعقرب يعجبان بالتّمر عجبا شديدا، ما جاء من الأشعار في ذلك.
وأنشدني ابن الأعرابيّ، لابن دغماء العجلي: [من الطويل]
سوى أنكم درّبتم فجريتم ... على دربة، والضّبّ يحبل بالتّمر
فجعل صيده بالتّمر كصيده بالحبالة. وأنشدني القشيريّ: [من الطويل]
وما كنت ضبّا يخرج التّمر ضغنه ... ولا أنا ممن يزدهيه وعيد
وقال بشر بن المعتمر، في قصيدته التي ذكر فيها آيات الله عز ذكره، في صنوف خلقه، مع ذكر الإباضيّة، والرافضة والحشوية والنابتة فقال فيها [٢] : [من السريع]
وهقلة ترتاع من ظلّها ... لها عرار ولها زمر
تلتهم المرو على شهوة ... وحبّ شيء عندها الجمر
وضبّة تأكل أولادها ... وعترفان بطنه صفر
يؤثر بالطّعم، وتأذينه ... منجّم ليس له فكر
وظبية تخضم في حنظل ... وعقرب يعجبها التمر
وقال أيضا بشر، في قصيدة له أخرى [٣] : [من السريع]
أما ترى الهقل وأمعاءه ... يجمع بين الصّخر والجمر
وفأرة البيش على بيشها ... أحرص من ضبّ على تمر
وقال أبو دارة- وقد رأيته أنا، وكان صاحب قنص-: [من الطويل]
وما التمر إلّا آفة وبليّة ... على جلّ هذا الخلق من ساكن البحر
стр. 1298
وفي البرّ من ذئب وسمع وعقرب ... وثرملة تسعى وخنفسة تسري [١]
وقد قيل في الأمثال إن كنت واعيا ... عذيرك، إنّ الضّبّ يحبل بالتمر
وسنفسّر معاني هذه الأبيات إذا كتبنا القصيدتين على وجوههما [٢] بما يشتملان عليه من ذكر الغرائب والحكم، والتّدبير والأعاجيب التي أودع الله تعالى أصناف هذا الخلق، ليعتبر معتبر، ويفكر مفكر، فيصير بذلك عاقلا عالما، وموحّدا مخلصا.
١٧١٢-[طول ذماء الضب]
والدّليل على ما ذكرنا من تفسير قولهم: الضّبّ أطول شيء ذماء [٣] ، قولهم:
«إنّه لأحيا من ضبّ» [٤] ، لأنّ حارشه ربّما ذبحه فاستقصى فري الأوداج، ثم يدعه، فربما تحرك بعد ثلاثة أيام.
وقال أبو ذؤيب الهذلي [٥] : [من الكامل]
ذكر الورود بها وشاقى أمره ... شؤما وأقبل حينه يتتبّع
فأبدّهنّ حتوفهنّ فهارب ... بذمائه أو ساقط متجعجع
وكان النّاس يروون: «فهارب بدمائه» يريدون من الدم. وكانوا يكسرون الدال، حتى قال الأصمعيّ: «بذمائه» معجمة الذال مفتوحة وقال كثير [٦] : [من الكامل]
ولقد شهدت الخيل يحمل شكّتي ... متلمّظ خذم العنان بهيم [٧]
باقي الذماء إذا ملكت مناقل ... وإذا جمعت به أجشّ هزيم [٨]
стр. 1299
١٧١٣-[خبث الضب ومكره]
والضّبّ إذا خدع في جحره وصف عند ذلك بالخبث والمكر، ولذلك قال الشاعر: [من البسيط]
إنّا منينا بضبّ من بني جمح ... يرى الخيانة مثل الماء بالعسل
وأنشد أبو عصام [١] : [من الطويل]
إنّ لنا شيخين لا ينفعاننا ... غنيّين لا يجدي علينا غناهما
كأنّهما ضبّان ضبّا مغارة ... كبيران غيداقان صفر كشاهما [٢]
فإن يحبلا لا يوجدا في حبالة ... وإن يرصدا يوما يخب راصداهما
ولذلك شبّهوا الحقد الكامن في القلب، الذي يسري ضرره، وتدبّ عقاربه بالضّبّ، فسمّوا ذلك الحقد ضبّا. قال معن بن أوس: [من الطويل]
ألا من لمولى لا يزال كأنّه ... صفا فيه صدع لا يدانيه شاعب [٣]
تدبّ ضباب الغشّ تحت ضلوعه ... لأهل النّدى من قومه بالعقارب
وقال أبو دهبل الجمحيّ [٤] : [من البسيط]
فاعلم بأنّي لمن عاديت مضطغن ... ضبّا وإنّى عليك اليوم محسود
وأنشد ابن الأعرابيّ [٥] : [من الرجز]
يا ربّ مولى حاسد مباغض ... عليّ ذي ضغن وضبّ فارض [٦]
له قروء كقروء الحائض
стр. 1300
كأنّه ذهب إلى أنّ حقده يخبو تارة ثمّ يستعر، ثم يخبو ثم يستعر.
وقال ابن ميّادة [١] ، وضرب المثل بنفخ الضب وتوثّبه: [من الطويل]
فإن لقيس من بغيض أقاصيا ... إذا أسد كشّت لفخر ضبابها
وقال الآخر: [من الطويل]
فلا يقطع الله اليمين التي كست ... حجاجي منيع بالقنا من دم سجلا [٢]
ولو ضبّ أعلى ذي دميث حبلتما ... إذا ظلّ يمطو من حبالكم حبلا [٣]
والضب يوصف بشدّة الكبر، ولا سيّما إذا أخصب وأمن وصار [٤] ، كما قال عبدة بن الطّبيب، فإنّه ضرب الضبّ مثلا حيث يقول [٥] ليحيى بن هزّال: [من البسيط]
لأعرفنّك يوم الورد ذا لغط ... ضخم الجزارة بالسّلمين وكّار
تكفي الوليدة والرّعيان مؤتزرا ... فاحلب فإنّك حلّاب وصرّار
ما كنت أول ضب صاب تلعته ... غيث فأمرع واسترخت به الدار
وقال ابن ميّادة [٦] : [من الطويل]
ترى الضّبّ أن لم يرهب الضّبّ غيره ... يكشّ له مستكبرا ويطاوله
وقال دعلج عبد المنجاب: [من الطويل]
إذا كان بيت الضب وسط مضبّة ... تطاول للشخص الذي هو حابله
المضبّة: مكان ذو ضباب كثيرة، ولا تكثر إلّا وبقربها حيّة أو ورل، أو ظربان، ولا يكون ذلك إلّا في موضع بعيد من النّاس، فإذا أمن وخلا له جوّه، وأخصب، نفخ وكشّ نحو كل شيء يريده.
١٧١٤-[ما يوصف بالكبر من الحيوان]
ومما يوصف بالكبر الثّور في حال تشرّقه، وفي حال مشيته الخيلاء في الرّياض،
стр. 1301
عند غبّ ديمة. ولذلك قال الكميت [١] : [من الخفيف]
كشبوب ذي كبرياء من الوح ... دة لا يبتغي عليها ظهيرا [٢]
وهذا كثير، وسيقع في موضعه من القول في البقر.
وممّا يوصف بالكبر الجمل الفحل، إذا طافت [٣] به نوق الهجمة [٤] ، ومرّ نحو ماء أو كلأ فتبعنه. وقال الرّاجز: [من الرجز]
فإن تشرّدن حواليه وقف ... قالب حملاقيه في مثل الجرف [٥]
لو رضّ لحد عينه لما طرف ... كبرا وإعجابا وعزّا وترف
والنّاقة يشتدّ كبرها إذا لقحت، وتزمّ بأنفها [٦] وتنفرد عن صحاباتها، وأنشد الأصمعيّ: [من الرجز]
وهو إذا أراد منها عرسا ... دهماء مرباع اللّقاح جلسا [٧]
عاينها بعد السّنان أنسا ... حتّى تلقّته مخاضا قعسا [٨]
حتّى احتشت في كلّ نفس نفسا ... على الدّوام ضامزات خرسا [٩]
خوصا مسرّات لقاحا ملسا [١٠]
وأمّا قول الشّمّاخ [١١] : [من الطويل]
جماليّة لو يجعل السّيف غرضها ... على حدّه لاستكبرت أن تضوّرا [١٢]
стр. 1302
فليس من الأوّل في شيء.
١٧١٥-[المذكورون من الناس بالكبر]
والمذكورون من النّاس بالكبر، ثمّ من قريش: بنو محزوم، وبنو أميّة. ومن العرب: بنو جعفر بن كلاب، وبنو زرارة بن عدس خاصّة.
فأمّا الأكاسرة من الفرس فكانوا لا يعدّون النّاس إلّا عبيدا، وأنفسهم إلّا أربابا.
ولسنا نخبر إلا عن دهماء النّاس وجمهورهم كيف كانوا، من ملوك وسوقة.
١٧١٦-[الكبر في الأجناس الذليلة]
والكبر في الأجناس الذّليلة من النّاس أرسخ وأعمّ. ولكنّ الذلة والقلّة مانعتان من ظهور كبرهم، فصار لا يعرف ذلك إلّا أهل المعرفة. كعبيدنا من السّند، وذمّتنا من اليهود.
والجملة أنّ كلّ من قدر من السّفلة والوضعاء والمحقرين أدنى قدرة، ظهر من كبره على من تحت قدرته، على مراتب القدرة، ما لا خفاء به. فإن كان ذمّيّا وحسن بما له في صدور النّاس، تزيّد في ذلك، واستظهرت طبيعته بما يظنّ أنّ فيه رقع ذلك الخرق، وحياص [١] ذلك الفتق، وسد تلك الثّلمة. فتفقد ما أقول لك، فإنك ستجده فاشيا.
وعلى هذا الحساب من هذه الجهة، صار المملوك أسوأ ملكة من الحرّ.
وشيء قد قتلته علما، وهو أنّي لم أر ذا كبر قطّ على من دونه إلا وهو يذلّ لمن فوقه بمقدار ذلك ووزنه.
١٧١٧-[كبر قبائل من العرب]
فأمّا بنو مخزوم. وبنو أميّة، وبنو جعفر بن كلاب، وبنو زرارة بن عدس، فأبطرهم ما وجدوا لأنفسهم من الفضيلة. ولو كان في قوى عقولهم وديانتهم فضل على قوى دواعي الحميّة فيهم، لكانوا كبنى هاشم في تواضعهم، وفي إنصافهم لمن دونهم.
стр. 1303
وقد قال في شبيه بهذا المعنى عبدة بن الطبيب، حيث يقول [١] : [من الطويل]
إن الذين ترونهم خلّانكم ... يشفي صداع رؤوسهم أن تصرعوا
فضلت عداوتهم على أحلامهم ... وأبت ضباب صدورهم لا تنزع
١٧١٨-[من عجائب الضب]
فأمّا ما ذكروا [٢] أنّ للضبّ أيرين، وللضّبّة حرين، فهذا من العجب العجيب.
ولم نجدهم يشكّون. وقد يختلفون ثمّ يرجعون إلى هذا العمود. وقال الفزاريّ [٣] :
[من الطويل]
جبى المال عمّال الخراج وجبوتي ... محذّفة الأذناب صفر الشّواكل [٤]
رعين الدّبا والبقل حتى كأنّما ... كساهنّ سلطان ثياب المراجل [٥]
سبحل له نزكان كانا فضيلة ... على كلّ حاف في البلاد وناعل [٦]
ترى كلّ ذيّال إذا الشمس عارضت ... سما بين عرسيه سموّ المخايل
واسم أيره النّزك، معجمة الزّاي والنون من فوق بواحدة، وساكنة الزاي. فهذا قول الفزاريّ. وأنشد الكسائي [٧] : [من الطويل]
تفرّقتم لا زلتم قرن واحد ... تفرّق أير الضّبّ والأصل واحد
فهذا يؤكد ما رواه أبو خالد النميري، عن أبي حيّة النّميري. قال أبو خالد [٨] :
سئل أبو حيّة عن ذلك، فزعم أنّ أير الضبّ كلسان الحيّة: الأصل واحد، والفرع اثنان.
стр. 1304
١٧١٩-[زعم بعض المفسّرين في عقاب الحية]
وبعض أهل التّفسير يزعم أنّ الله عاقب الحيّة- حين أدخلت إبليس في جوفها حتّى كلّم آدم على لسانها- بعشر خصال، منها شقّ اللسان [١] .
قالوا [١] : فلذلك ترى الحيّة أبدا إذا ضربت لتقتل كيف تخرج لسانها، تلويه كما يصنع المسترحم من النّاس بإصبعه إذا ترحّم أو دعا، لتري الظالم عقوبة الله تعالى لها.
١٧٢٠-[تناسل الضب]
قال أبو خالد: قال أبو حيّة: الأصل واحد، والفرع اثنان، وللأنثى مدخلان.
وأنشد لحبّى المدنيّة [٢] : [من الوافر]
وددت بأنّه ضبّ وأني ... كضبّة كدية وجدت خلاء
قال: قالت هذا البيت لابنها، حين عذلها، لأنّها تزوّجت ابن أمّ كلاب، وهو فتى حدث، وكانت هي قد زادت على النّصف، فتمنّت أن يكون لها حران ولزوجها أيران.
وقال ابن الأعرابيّ: للأنثى سبيلان، ولرحمها قرنتان، وهما زاويتا الرّحم. فإذا امتلأت الزّاويتان أتأمت، وإذا لم تمتلئ أفردت.
وقال غيره من العلماء: هذا لا يكون لذوات البيض والفراخ، وإنما هذا من صفة أرحام اللواتي يحبلن بالأولاد، ويضعن خلقا كخلقهنّ ويرضعن. وكيف تفرد الضبّة وهي لم تتئم قط. وهي تبيض سبعين بيضة في كلّ بيضة حسل.
قال: ولهذه الحشرات أيور معروفة، إلّا أنّ بعضها أحقر من بعض. فأما الخصى فشيء ظاهر لمن شقّ عنها.
١٧٢١-[تناسل الذباب]
وجسر أبو خالد، فزعم أنه قد أبصر أير ذباب وهو يكوم ذبابة وزعم أن اسم أيره المتك. وأنشد لعبد الله بن همام السّلوليّ [٣] : [من الكامل]
стр. 1305
لما رأيت القصر غلّق بابه ... وتعلّقت همدان بالأسباب
أيقنت أنّ إمارة ابن مضارب ... لم يبق منها قيس أير ذباب
وهذا شعر لا يدلّ على ما قال.
وقال أصحابنا: إنّما المتك البظر. ولذلك يقال للعلج: يابن المتكاء كما يقال له: يابن البظراء.
القول فيمن استطاب لحم الضب ومن عافه
روى أنّه أتي به على خوان النبي ﷺ فلم يأكله، وقال [١] : «ليس من طعام قومي» .
وأكله خالد بن الوليد فلم ينكر عليه [١] .
ورووا أن النبي ﷺ قال [٢] : «لا أحلّه ولا أحرّمه» . وأنكر ذلك ابن عباس وقال:
ما بعثه الله تعالى إلّا ليحلّ ويحرّم.
وحرّمه قوم، ورووا أنّ أمّتين مسختا، أخذت إحداهما في البر، فهي الضّباب، وأخذت الأخرى في طريق البحر، فهي الجرّيّ [٣] .
ورووا عن بعض الفقهاء أنه رأى رجلا أكل لحم ضبّ، فقال: اعلم أنّك قد أكلت شيخا من مشيخة بني إسرائيل [٤] .
وقال بعض من يعافه: الذي يدلّ على أنّه مسخ شبه كفّه بكفّ الإنسان.
وقال العدار الأبرص، نديم أيّوب بن جعفر، وكان أيوب لا يغبّ [٥] أكل الضباب، في زمانها. ولها في المربد سوق تقوم في ظلّ دار جعفر. ولذلك قال أبو فرعون، في كلمة له طويلة: [من الرجز]
стр. 1306
سوق الضباب خير سوق في العرب
وكان أبو إسحاق إبراهيم النظام والعدار، إذا كان عند أيوب قاما عن خوانه [١] ، إذا وضع له عليه ضبّ. ومما قال فيه العدار قوله: [من الطويل]
له كفّ إنسان وخلق عظاية ... وكالقرد والخنزير في المسخ والغضب
١٧٢٢-[القول في المسخ]
والعوامّ تقول ذلك. وناس يزعمون أن الحيّة مسخ، والضبّ مسخ، والكلب مسخ، والإربيان [٢] ، مسخ، والفأر مسخ.
ولم أر أهل الكتاب يقرّون بأنّ الله تعالى مسخ إنسانا قط خنزيرا ولا قردا. إلّا أنهم قد أجمعوا أنّ الله ﵎ قد مسخ امرأة لوط حجرا [٣] ، حين التفتت [٤] .
وتزعم الأعراب: أنّ الله عزّ ذكره قد مسخ كلّ صاحب مكس وجابي خراج وإتاوة، إذا كان ظالما. وأنه مسخ ماكسين، أحدهما ذئبا والآخر ضبعا.
١٧٢٣-[شعر الحكم بن عمرو في غرائب الخلق]
وأنشد محمّد بن السّكن المعلّم النحويّ، للحكم بن عمرو البهراني، في ذلك وفي غيره شعرا عجيبا، وقد ذكر فيه ضروبا كلّها طريف غريب، وكلها باطل، والأعراب تؤمن بها أجمع.
وكان الحكم هذا أتى بني العنبر بالبادية، على أنّ العنبر من بهراء، فنفوه من البادية إلى الحاضرة، وكان يتفقّه ويفتي فتيا الأعراب [٥] ، وكان مكفوفا ودهريّا
стр. 1307
عد مليّا [١] ، وهو الذي يقول [٢] : [من الخفيف]
١- إنّ ربّي لما يشاء قدير ... ما لشيء أراده من مفرّ
٢- مسخ الماكسين ضبعا وذئبا ... فلهذا تناجلا أمّ عمرو
٣- بعث النّمل والجراد وقفّى ... بنجيع الرّعاف في حيّ بكر
٤- خرقت فارة بأنف ضئيل ... عرما محكم الأساس بصخر [٣]
٥- فجّرته وكان جيلان عنه ... عاجزا لو يرومه بعد دهر [٤]
٦- مسخ الضّبّ في الجدالة قدما ... وسهيل السّماء عمدا بصغر [٥]
٧- والذي كان يكتني برغال ... جعل الله قبره شرّ قبر [٦]
٨- وكذا كلّ ذي سفين وخرج ... ومكوس وكلّ صاحب عشر [٦]
٩- منكب كافر وأشراط سوء ... وعريف جزاؤه حرّ جمر [٧]
١٠- وتزوّجت في الشّبيبة غولا ... بغزال وصدقتي زقّ خمر [٨]
١١- ثيّب إن هويت ذلك منها ... ومتى شئت لم أجد غير بكر [٩]
١٢- بنت عمرو وخالها مسحل الخى ... ر وخالي هميم صاحب عمرو [٩]
١٣- ولها خطّة بأرض وبار ... مسحوها فكان لي نصف شطر [١٠]
١٤- أرض حوش وجامل عكنان ... وعروج من المؤبّل دثر [١١]
١٥- سادة الجنّ ليس فيها من الج ... نّ سوى تاجر وآخر مكر
١٦- ونفوا عن حريمها كلّ عفر ... يسرق السّمع كل ليلة بدر [١١]
стр. 1308
١٧- في فتوّ من الشّنقناق غرّ ... ونساء من الزوابع زهر [١]
١٨- تأكل الفول ذا البساطة مسيا ... بعد روث الحمار في كلّ فجر
١٩- جعل الله ذلك الرّوث بيضا ... من أنوق ومن طروقة نسر
٢٠- ضربت فردة فصارت هباء ... في محاق القمير آخر شهر [٢]
٢١- تركت عبدلا ثمال اليتامى ... وأخوه مزاحم كان بكري [٣]
٢٢- وضعت تسعة وكانت نزورا ... من نساء في أهلها غير نزر [٣]
٢٣- غلبتني على النّجابة عرسي ... بعد ما طار في النّجابة ذكري [٤]
٢٤- وأرى فيهم شمائل إنس ... غير أنّ النّجار صورة عفر [٥]
٢٥- وبها كنت راكبا حشرات ... ملجما قنفذا ومسرج وبر [٦]
٢٦- كنت لا أركب الأرانب للحي ... ض ولا الضّبع أنّها ذات نكر
٢٧- تركب المقعص المجيّف ذا النّع ... ظ وتدعو الضّباع من كلّ جحر [٧]
٢٨- جائبا للبحار أهدي لعرسي ... فلفلا مجتنى وهضمة عطر [٨]
٢٩- وأحلّي هرير من صدف البح ... ر وأسقي العيال من نيل مصر [٩]
٣٠- ويسنّي المعقود نفثي وحلّي ... ثمّ يخفى على السّواحر سحري
٣١- وأجوب البلاد تحتي ظبي ... ضاحك سنّه كثير التّمرّي [١٠]
٣٢- مولج دبره خواية مكو ... وهو باللّيل في العفاريت يسري [١٠]
٣٣- يحسب النّاظرون أنّي ابن ماء ... ذاكر عشّه بضفّة نهر
٣٤- ربّ يوم أكلت من كبد اللّي ... ث وأعقبت بين ذئب ونمر
стр. 1309
٣٥- ليس ذاكم كمن يبيت بطينا ... من شواء ومن قليّة جزر
٣٦- ثم لاحظت خلتي في غدوّ ... بين عيني وعينها السّمّ يجري
٣٧- ثم أصبحت بعد خفض ولهو ... مدنفا مفردا محالف عسر
٣٨- أتراني مقتّ من ذبح الدّى ... ك وعاديت من أهاب بصقر
٣٩- وسمعت النقيق في ظلم اللّي ... ل فجاوبته بسرّ وجهر
٤٠- ثمّ يرمى بي الجحيم جهارا ... في خمير وفي دراهم قمر
٤١- فلعل الإله يرحم ضعفي ... ويرى كبرتي ويقبل عذري
١٧٢٤-[القول في استحلال الضب واستطابته]
وسنقول في الذين استحلوه واستطابوه وقدّموه.
قالوا: الشيء لا يحرم إلّا من جهة كتاب، أو إجماع، أو حجة عقل، أو من جهة القياس على أصل في كتاب الله ، أو إجماع. ولم نجد في تحريمه شيئا من هذه الخصال، وإن كان إنّما يترك من قبل التقزز؛ فقد أكل الناس الدّجاج، والشبابيط؛ ولحوم الجلّالة، وأكلوا السراطين، والعقصير [١] ، وفراخ الزّنابير، والصحناء [٢] والرّبيثا [٣] فكان التقزّز مما يغتذي العذرة رطبة ويابسة، أولى وأحقّ من كلّ شيء يأكل الضروب التي قد ذكرناها وذكرها الرّاجز حيث يقول: [من الرجز]
يا ربّ ضبّ بين أكناف اللّوى ... رعى المرار والكباث والدّبا [٤]
حتّى إذا ما ناصل البهمى ارتمى ... وأجفئت في الأرض أعراف السّفا
ظلّ يباري هبّصا وسط الملا ... وهو بعيني قانص بالمرتبا [٥]
كان إذا أخفق من غير الرعا ... رازم بالأكباد منها والكشى [٦]
فإن عفتموه لأكل الدّبا فلا تأكلوا الجراد، ولا تستطيبوا بيضه.
стр. 1310
وقد قال أبو حجين المنقريّ: [من الطويل]
ألا ليت شعري هل أبيتنّ ليلة ... بأسفل واد ليس فيه أذان
وهل آكلن ضبّا بأسفل تلعة ... وعرفج أكماع المديد خواني [١]
أقوم إلى وقت الصّلاة وريحه ... بكفّيّ لم أغسلهما بشنان [٢]
وهل أشربن من ماء لينة شربة ... على عطش من سور أمّ أبان [٣]
وقال آخر [٤] : [من الطويل]
لعمري لضبّ بالعنيزة صائف ... تضحّى عرادا فهو ينفخ كالقرم [٥]
أحبّ إلينا أن يجاور أرضنا ... من السّمك البنّيّ والسّلجم الوخم [٦]
وقال آخر في تفضيل أكل الضّبّ [٧] : [من الطويل]
أقول له يوما وقد راح صحبتي ... وبالله أبغي صيده وأخاتله
فلمّا التقت كفّي على فضل ذيله ... وشالت شمالي زايل الضّبّ باطله [٨]
فأصبح محنوذا نضيجا وأصبحت ... تمشّى على القيزان حولا حلائله [٩]
شديد اصفرار الكشيتين كأنّما ... تطلّى بورس بطنه وشواكله [١٠]
فذلك أشهى عندنا من بياحكم ... لحى الله شاريه وقبّح آكله [١١]
стр. 1311
وقال أبو الهنديّ، من ولد شبث بن ربعيّ [١] : [من المتقارب]
أكلت الضّباب فما عفتها ... وإنّي لأهوى قديد الغنم [٢]
وركّبت زبدا على تمرة ... فنعم الطّعام ونعم الأدم [٣]
وسمن السّلاء وكمء القصيص ... وزين السّديف كبود النّعم [٤]
ولحم الخروف حنيذا وقد ... أتيت به فائرا في الشّبم [٥]
فأمّا البهطّ وحيتانكم ... فما زلت منها كثير السّقم [٦]
وقد نلت ذاك كما نلتم ... فلم أر فيها كضبّ هرم
وما في البيوض كبيض الدّجاج ... وبيض الجراد شفاء القرم
ومكن الضّباب طعام العريب ... ولا تشتهيه نفوس العجم [٧]
وإلى هذا المعنى ذهب جران العود، حين أطعم ضيفه ضبّا، فهجاه ابن عمّ له كان يغمز في نسبه، فلما قال في كلمة له [٨] : [من الوافر]
وتطعم ضيفك الجوعان ضبّا ... وتأكل دونه تمرا بزبد
وقال في كلمة له أخرى [٨] : [من الوافر]
وتطعم ضيفك الجوعان ضبّا ... كأنّ الضّبّ عندهم عريب
قال جران العود [٨] : [من الوافر]
فلولا أنّ أصلك فارسيّ ... لما عبت الضّباب ومن قراها
قريت الضيف من حبّي كشاها ... وأيّ لويّة إلّا كشاها [٩]
стр. 1312
واللّويّة: الطّعيّم الطّيب، واللّطف [١] يرفع للشّيخ والصبي. وقد قال الأخطل [٢] : [من الطويل]
ففلت لهم هاتوا لوية مالك ... وإن كان قد لاقى لبوسا ومطعما
١٧٢٥-[بزماورد الزّنابير]
وقال مويس بن عمران: كان بشر بن المعتمر خاصّا بالفضل بن يحيى، فقدم عليه رجل من مواليه، وهو أحد بني هلال بن عامر، فمضى به يوما إلى الفضل؛ ليكرمه بذلك، وحضرت المائدة، فذكروا الضب ومن يأكله، فأفرط الفضل في ذمّه، وتابعه القوم بذلك ونظر الهلاليّ فلم ير على المائدة عربيّا غيره، وغاظه كلامهم، فلم يلبث الفضل أن أتي بصحفة ملآنة من فراخ الزّنابير، ليتّخذ له منها بزماورد [٣]- والدّبر والنّحل عند العرب أجناس من الذّبان- فلم يشكّ الهلاليّ أنّ الذي رأى من ذبّان البيوت والحشوش [٤] . وكان الفضل حين ولي خراسان استظرف بها بزماورد الزّنابير، فلمّا قدم العراق كان يتشّهاها فتطلب له من كلّ مكان. فشمت الهلاليّ به وبأصحابه، وخرج وهو يقول [٥] : [من الطويل]
وعلج يعاف الضّبّ لؤما وبطنة ... وبعض إدام العلج هام ذباب [٦]
ولو أن ملكا في الملا ناك أمّه ... لقالوا لقد أوتيت فصل خطاب [٧]
١٧٢٦-[شعر أبي الطروق في مهر امرأة]
لما قال أبو الطروق الضبي [٨] : [من الطويل]
يقولون أصدقها جرادا وضبّة ... فقد جردت بيتي وبيت عياليا [٩]
стр. 1313
وأبقت ضبابا في الصّدور جواثما ... فيا لك من دعوى تصمّ المناديا
وعاديت أعمامي وهم شرّ جيرة ... يدبّون شطر اللّيل نحوي الأفاعيا
وقد كان في قعب وقوس وإن أشأ ... من الأقط ما بلّغن في المهر حاجيا [١]
فقال أبوها: [من الطويل]
فلو كان قعبا رضّ قعبك جندل ... ولو كان قوسا كان للنّبل أذكرا
فقال عمّها: دعوني والعبد.
١٧٢٧-[شعر في الضبّ]
وأنشد للدّبيري: [من الطويل]
أعامر عبد الله إنّي وجدتكم ... كعرفجة الضّبّ الذي يتذلّل
قال: هي ليّنة، وعودها ليّن، فهو يعلوها إذا حضروا بالقيظ. ويتشوّف [٢] عليها. ولست ترى الضّب إلا وهي سامية برأسها، تنظر وترقب. وأنشد: [من الطويل]
بلاد يكون الخيم أطلال أهلها ... إذا حضروا بالقيظ والضّبّ نونها
وقال عمرو بن خويلد: [من الطويل]
ركاب حسيل أشهر الصّيف بدّن ... وناقة عمرو ما يحلّ لها رحل [٣]
إذا ما ابتنينا بيتنا لمعيشة ... يعود لما نبني فيهدمه حسل
ويزعم حسل أنّه فرع قومه ... وما أنت فرع يا حسيل ولا أصل
ولدت بحادي النّجم تسعى بسعيه ... كما ولدت بالنّحس ديّانها عكل
١٧٢٨-[استطراد لغوي]
وهم يسمّون بحسل وحسيل: وضبّ وضبّة. فمنهم ضبّة بن أدّ، وضبة بن محض، وزيد بن ضبّ. ويقال: حفرة ضب. وفي قريش بنو حسل. ومن ذلك ضبّة الباب. ويسمّى حلب الناقة بخمس أصابع ضبّا، يقال ضبّها يضبّها ضبّا: إذا حلبها كذلك. وضبّ الجرح وبضّ: إذا سال دما، مثل ما تقول: جذب وجبذ. و: «إنّه لخبّ
стр. 1314
ضبّ» [١] ، و: «إنّه لأخدع من ضبّ» [٢] . والضبّ: الحقد إذا تمكّن وسرت عقاربه.
وأخفى مكانه. والضّبّ: ورم في خفّ البعير. وقال الرّاجز [٣] : [من الرجز]
ليس بذي عرك ولا ذي ضبّ [٤]
ويقال ضبّ خدع، أي مراوغ. ولذلك سموا الخزانة المخدع. وقال راشد بن شهاب [٥] : [من الطويل]
أرقت فلم تخدع بعينيّ نعسة ... وو الله ما دهري بعشق ولا سقم
وقال ذو الرّمّة [٦] : [من الطويل]
مناسمها خثم صلاب كأنّها ... رؤوس الضّباب استخرجتها الظهائر [٧]
١٧٢٩-[شعر فيه ذكر الضبّ]
ويدلّ على كثرة تصريفهم لهذا الاسم ما أنشدناه أبو الرّدينيّ: [من الرجز]
لا يعقر التقبيل إلا زبّي ... ولا يداوي من صميم الحبّ
والضّبّ في صوّانه مجبّ [٨]
وأنشدنا أبو الرّدينيّ العكليّ، لطارق وكنيته أبو السّمّال: [من الرجز]
يا أم سمّال ألمّا تدري ... أنّي على مياسري وعسري
يكفيك رفدي رجلا ذا وفر ... ضخم المثاليث صغير الأير
إذا تغدّى قال تمري تمري ... كأنّه بين الذّرى والكسر [٩]
ضبّ تضحّى بمكان قفر [١٠]
стр. 1315
وقال أعرابيّ: [من الطويل]
قد اصطدت يا يقظان ضبّا ولم يكن ... ليصطاد ضبّ مثله بالحبائل
يظلّ رعاء الشّاء يرتمضونه ... حنيذا ويجنى بعضه للحلائل [١]
عظيم الكشى مثل الصّبي إذا عدا ... يفوت الضّباب حسله في السّحابل [٢]
وقال العماني [٣] : [من الرجز]
إنّي لأرجو من عطايا ربّي ... ومن وليّ العهد بعد الغبّ
روميّة أولج فيها ضبّي ... لها حر مستهدف كالقب [٤]
مستحصف نعم قراب الزّبّ [٥]
وقال الآخر: [من الوافر]
إذا اصطلحوا على أمر تولّوا ... وفي أجوافهم منه ضباب [٦]
وقال الزّبرقان بن بدر [٧] : [من الكامل]
ومن الموالي ضبّ جندلة ... زمر المروءة ناقص الشّبر [٨]
فالأول جعل أيره ضبّا، والثاني جعل الحقد ضبّا.
وقال الخليل بن أحمد، في ظهر البصرة مما يلي قصر أنس [٩] : [من البسيط]
زر وادي القصر نعم القصر والوادي ... لا بدّ من زورة عن غير ميعاد
ترى به السّفن كالظّلمان واقفة ... والضبّ والنّون والملاح والحادي
стр. 1316
وقال في مثل ذلك ابن أبي عيينة [١] : [من المنسرح]
يا جنّة فاتت الجنان فما ... يبلغها قيمة ولا ثمن
ألفتها فاتّخذتها وطنا ... إنّ فؤادي لأهلها وطن
زوّج حيتانها الضّباب بها ... فهذه كنّة وذا ختن [٢]
فانظر وفكّر فيما تطيف به ... إنّ الأريب المفكّر الفطن [٣]
من سفن كالنّعام مقبلة ... ومن نعام كأنّها سفن
وقال عقبة بن مكدّم في صفة الفرس [٤] : [من الخفيف]
ولها منخر إذا رفعته ... في المجاراة مثل وجر الضّباب [٥]
وأنشد [٦] : [من الرجز]
وأنت لو ذقت الكشى بالأكباد ... لما تركت الضّبّ يسعى بالواد [٧]
وقال أبو حيّة النّميري [٨] : [من البسيط]
وقرّبوا كلّ قنعاس قراسية ... أبدّ ليس به ضبّ ولا سرر [٩]
وقال كثير [١٠] : [من الطويل]
стр. 1317
ومحترش ضبّ العداوة منهم ... بحلو الرّقى حرش الضّباب الخوادع
وقال كثيّر [١] أيضا: [من الوافر]
وما زالت رقاك تسلّ ضغني ... وتخرج من مضائبها ضبابي
١٧٣٠-[شعر في ذم الضب]
فأما الذين ذمّوا الضب وأكله، وضربوا المثل به وبأعضائه وأخلاقه وأعماله، فكما قال التميمي [٢] : [من الوافر]
لكسرى كان أعقل من تميم ... ليالي فرّ من أرض الضّباب
فأنزل أهله ببلاد ريف ... وأشجار وأنهار عذاب
وصار بنو بنيه بها ملوكا ... وصرنا نحن أمثال الكلاب
فلا رحم الإله صدى تميم ... فقد أزرى بنا في كلّ باب
وقال أبو نواس [٣] : [من الطويل]
إذا ما تميميّ آتاك مفاخرا ... فقل عدّ عن ذا كيف أكلك للضّبّ
تفاخر أبناء الملوك سفاهة ... وبولك يجري فوق ساقك والكعب
وقال الآخر: [من البسيط]
فحبّذا هم وروّى الله أرضهم ... من كلّ منهمر الأحشاء ذي برد
ولا سقى الله أياما غنيت بها ... ببطن فلج على الينسوع فالعقد [٤]
مواطن من تميم غير معجبة ... أهل الجفاء وعيش البؤس والصّرد [٥]
همّ الكرام كريم الأمر تفعله ... وهمّ سعد بما تلقي إلى المعد [٦]
أصحاب ضبّ ويربوع وحنظلة ... وعيشة سكنوا منها على ضمد [٧]
стр. 1318
إن يأكلوا الضّبّ باتوا مخصبين به ... وزادها الجوع إن باتت ولم تصد
لو أنّ سعدا لها ريف لقد دفعت ... عنه كما دفعت عن صالح البلد
من ذا يقارع سعدا عن مفازتها ... ومن ينافسها في عيشها النّكد
وقال في مثل ذلك عمرو بن الأهتم [١] : [من الخفيف]
وتركنا عميرهم رهن ضبع ... مسلحبّا ورهن طلس الذّئاب [٢]
نزلوا منزل الضّيافة منا ... فقرى القوم غلمة الأعراب [٣]
ورددناهم إلى حرّتيهم ... حيث لا يأكلون غير الضّباب [٤]
وقالت المرّيّة [٥] : [من الكامل]
جاؤوا بحارشة الضّباب كأنّما ... جاؤوا ببنت الحارث بن عباد
وقائله هذا الشعر امرأة من بني مرّة بن عباد.
وقال الحارث الكندي [٦] : [من الوافر]
لعمرك ما إلى حسن أنخنا ... ولا جئنا حسينا يابن أنس
ولكنّ ضبّ جندلة أتينا ... مضبّا في مضابئها يفسّي [٧]
فلمّا أن أتيناه وقلنا ... بحاجتنا تلوّن لون ورس [٨]
وآض بكفّه يحتكّ ضرسا ... يرينا أنّه وجع بضرس
فقلت لصاحبي أبه كزاز ... وقلت أسرّه أتراه يمسي [٩]
وقمنا هاربين معا جميعا ... نحاذر أن نزنّ بقتل نفس [١٠]
وقالت عائشة ابنة عثمان، في أبان بن سعيد بن العاص، حين خطبها، وكان
стр. 1319
نزل أيلة وترك المدينة [١] : [من الطويل]
نزلت ببيت الضّبّ لا أنت ضائر ... عدوّا ولا مستنفعا أنت نافع
وقال جرير [٢] : [من الوافر]
وجدنا بيت ضبّة في تميم ... كبيت الضّبّ ليس له سواري
وقال آخر- وهذا الشعر يقع أيضا في الضّباع كما يقع في الضّباب-: [من الرجز]
يا ضبع الأكهاف ذات الشّعب ... والوثب للعنز وغير الوثب
عيثي ولا تخشين إلّا سبّي ... فلست بالطّبّ ولا ابن الطّبّ [٣]
إن لم أدع بيتك بيت الضّبّ ... يضيق عند ذي القرد المكبّ [٤]
وقال الفرزدق [٥] : [من الطويل]
لحى الله ماء حنبل خير أهله ... قفا ضبّة عند الصّفاة مكون [٦]
فلو علم الحجّاج علمك لم تبع ... يمينك ماء مسلما بيمين [٧]
وأنشد: [من الطويل]
زعمت بأنّ الضبّ أعمى ولم يفت ... بأعمى ولكن فات وهو بصير
بل الضبّ أعمى يوم يخنس باسته ... إليك بصحراء البياض غرير [٨]
وقالت امرأة في ولدها وتهجو أباه: [من الرجز]
وهبته من ذي تفال خبّ ... يقلب يمينا مثل عين الضّبّ [٩]
ليس بمعشوق ولا محبّ
стр. 1320
وقال رجل من فزارة: [من الطويل]
وجدناكم رأبا بين أمّ قرفة ... كأسنان حسل لا وفاء ولا غدر [١]
وأنشد [٢] : [من الطويل]
ثلاثون رأبا أو تزيد ثلاثة ... يقاتلنا بالقرن ألف مقنّع [٣]
والرأب: السواء، والمعنى الأول يشبه قوله [٤] : [من الطويل]
سواس كأسنان الحمار فلا ترى ... لذي شيبة منهم على ناشئ فضلا
وأنشد ابن الأعرابي [٥] : [من الرجز]
قبّحت من سالفة ومن صدغ ... كأنّها كشية ضبّ في صقغ [٦]
أراد صقع بالعين فقلب. وقال الآخر: [من الرجز]
أعقّ من ضبّ وأفسى من ظرب
وأنشد [٧] : [من الطويل]
فجاءت تهاب الذّمّ ليست بضبّة ... ولا سلفع يلقى مراسا زميلها [٨]
يقول: لا تخدع كما يخدع الضّبّ في جحره.
وأنشد ابن الأعرابي لحيّان بن عبيد الربعي جد أبي محضة: [من الرجز]
стр. 1321
يا سهل لو رأيته يوم الجفر ... إذ هو يسعى يستجير للسّور [١]
يرمي عن الصّفو ويرضى بالكدر ... لازددت منه قذرا على قذر
يضحك عن ثغر ذميم المكتشر ... ولثة كأنّها سير حور [٢]
وعارض كعارض الضّبّ الذكر
وأنشد السّدري [٣] : [من البسيط]
هو القرنبى ومشي الضب تعرفه ... وخصيتا صرصراني من الإبل [٤]
والخال ذو قحم في الجري صادقة ... وعاتق يتعقّى مأبض الرجل [٥]
واعلم، حفظك الله تعالى، أنّه قد أكتفي بالشّاهد، وتبقى في الشعر فضلة، ممّا يصلح لمذاكرة، ولبعض ما بك إلى معرفته حاجة، فأصله به، ولا أقطعه عنه.
وأنشد لابن لجأ [٦] : [من الرجز]
وغنوي يرتمي بأسهم ... يلصق بالصّخر لصوق الأرقم [٧]
لو سئم الضبّ بها لم يسأم
وقال أعرابيّ من بني تميم [٨] : [من الرجز]
تسخر منّي أن رأتني أحترش ... ولو حرشت لكشفت عن حرش [٩]
стр. 1322
يريد عن حرك.
قال: وقال أبو سعنة: [من الرجز]
قلهزمان جعدة لحاهما ... عاداهما الله وقد عاداهما [١]
ضبّا كدى قد غمّرت كشاهما [٢]
وأنشد الأصمعي [٣] : [من البسيط]
إنّي وجدتك يا جرثوم من نفر ... جرثومة اللّؤم لا جرثومة الكرم [٤]
إنّا وجدنا بني جلان كلّهم ... كساعد الضّبّ لا طول ولا عظم
وقال ابن ميّادة [٥] : [من الطويل]
فإنّ لقيس من بغيض لناصرا ... إذا أسد كشّت لفخر ضبابها [٦]
وفي هذه القصيدة يقول: [من الطويل]
ولو أنّ قيسا قيس عيلان أقسمت ... على الشّمس لم يطلع عليك حجابها
وهذا من شكل قول بشّار [٧] : [من الطويل]
إذا ما غضبنا غضبة مضريّة ... هتكنا حجاب الشّمس أو مطرت دما
وأنشد لأبي الطّمحان: [من الكامل]
مهلا نمير فإنّكم أمسيتم ... منّا بثغر ثنيّة لم تستر [٨]
стр. 1323
سودا كأنّكم ذئاب خطيطة ... مطر البلاد وحرمها لم يمطر [١]
يحبون بين أجا وبرقة عالج ... حبو الضّباب إلى أصول السّخبر [٢]
وتركتم قصب الشّريف طواميا ... تهوي ثنيّته كعين الأعور [٣]
١٧٣١-[مفاخرة العثّ للضبّ]
وقال العثّ، واسمه زيد بن معروف، للضب غلام رتبيل بن غلاق: وقد رأيت من سمّى عنزا وثورا، وكلبا، ويربوعا، فلم نر منهم أحدا أشبه العنز ولا الثّور، ولا الكلب، ولا اليربوع. وأنت قد تقيّلت [٤] الضّبّ حتى لم تغادر منه شيئا. فاحتمل ذلك عنه، فلمّا قال: [من البسيط]
من كان يدعى باسم لا يناسبه ... فأنت والاسم شنّ فوقه طبق [٥]
فقال ضبّ لعثّ: [من البسيط]
إن كنت ضبّا فإنّ الضّبّ محتبل ... والضبّ ذو ثمن في السّوق معلوم [٦]
وليس للعثّ حبّال يراوغه ... ولست شيئا سوى قرض وتقليم [٧]
١٧٣٢-[ما يخرج الضب من جحره]
وما أكثر ما يجيء الأعرابي بقربة من ماء، حتى يفرغها في جحره، ليخرج فيصطاده. ولذلك قال الكميت في صفة المطر الشديد الذي يستخرج الضّباب من جحرتها، وإن كانت لا تتّخذها إلا في الارتفاع- فقال [٨] : [من الخفيف]
وعلته بتركها تحفش الأك ... م ويكفي المضبّب التفجير [٩]
والمضبّب هو الذي يصيد الضباب.
стр. 1324
القول في سن الضب وعمره
أنشد الأصمعيّ وغيره [١] : [من الرجز]
تعلّقت واتّصلت بعكل ... خطبي وهزّت رأسها تستبلي [٢]
تسألني من السّنين كم لي ... فقلت لو عمّرت عمر الحسل
أو عمر نوح زمن الفطحل ... والصّخر مبتلّ كطين الوحل [٣]
صرت رهين هرم أو قتل
وهذا الشّعر يدلّ على طول عمر الحسل؛ لأنه لم يكن ليقول:
أو عمر نوح زمن الفطحل ... والصّخر مبتلّ كطين الوحل
إلّا وعمر الحسل عنده من أطول الأعمار.
وروى ابن الأعرابي عن بعض الأعراب أنّ سنّ الضبّ واحدة أبدا، وعلى حال أبدا. قال فكأنه قال: لا أفعله ما دام سنها كذلك، لا ينقص ولا يزيد.
وقال زيد بن كثوة: سنّ الحسل ثلاثة أعوام. وزعم أن قوله ثمّة: «لا أفعله سنّ الحسل» غلط. ولكن الضبّ طويل العمر إذا لم يعرض له أمر.
وسنّ الحسل مثل سنّ القلوص [٤] ، ثلاث سنين، حتى يلقح؛ ولو كانت سنّ الحسل على حال واحدة أبدا لم تعرف الأعراب الفتيّ من المذكّي [٥] .
وقد يكون الضّبّ أعظم من الضّبّ وليس بأكبر منه سنّا.
قال: ولقد نظرت يوما إلى شيخ لنا يفرّ [٦] ضبّا جحلا سبحلا [٧] قد اصطاده.
فقلت له: لم تفعل ذلك؟ فقال: أرجو أن يكون هرما.
стр. 1325
١٧٣٣-[بيض الضب]
قال [١] : وزعم عمرو بن مسافر أن الضّبّة تبيض ستّين بيضة، فإذا كان ذلك سدّت عليهن باب الجحر، ثم تدعهن أربعين يوما فيتفقّص البيض، ويظهر ما فيه، فتحفر عنهنّ عند ذلك، فإذا كشفت عنهن أحضرن وأحضرت في أثرهن تأكلهن، فيحفر المنفلت منها لنفسه جحرا ويرعى من البقل.
قال: وبيض الضبّ شبيه ببيض الحمام. قال: وفرخه حين يخرج يخرج كيّسا كاسيا، خبيثا، مطيقا للكسب، وكذلك ولد العقرب، وفراخ البطّ، وفراريج الدّجاج، وولد العناكب.
١٧٣٤-[سنّ الضب]
وقال زيد بن كثوة، مرّة بعد ذلك: إنّ الضب ينبت سنّه معه وتكبر مع كبر بدنه، فلا يزال أبدا كذلك إلى أن ينتهي بدنه منتهاه قال: فلا يدعى حسلا إلا ثلاث ليال فقط.
وهذا القول يخالف القول الأوّل [٢] . وأنشد: [من الرجز]
مهرتها بعد المطال ضبّين ... من الضباب سحبلين سبطين
نعم لعمر الله مهر العرسين [٣]
أنشدني ابن فضّال: «أمهرتها» وزعم أنّه كذلك سمعها من أعرابيّ وقد يمكن أن يكون الحسل لا يثني ولا يربع، فتكون أسنانه أبدا على أمر واحد، ويكون قول رؤبة بن العجّاج في طول عمره حقّا.
ويدلّ على أنّ أسنانه على ما ذكروا قول الفزاريّ: [من الطويل]
وجدناكم رأبا بني أمّ قرفة ... كأسنان حسل لا وفاء ولا غدر [٤]
يقول: لا زيادة ولا نقصان.
стр. 1326
١٧٣٥-[قصة في عمر الضب]
وقال زيد بن كثوة المزني: قال العنبريّ، وهو أبو يحيى: مكثت في عنفوان شبيبتي، وريعان من ذلك، أريغ ضبّا، وكان ببعض بلادنا في وشاز [١] من الأرض، وكان عظيما منها منكرا. ما رأيت مثله، فمكثت دهرا أريغه ما أقدر عليه. ثم إنّي هبطت إلى البصرة، فأقمت بها ثلاثين سنة، ثمّ إنّي والله كررت راجعا إلى بلادي، فمررت في طريقي بموضع الضّبّ، معتمدا [٢] لذلك، فقلت: والله لأعلمنّ اليوم علمه، وما دهري [٣] إلا أن أجعل من جلده عكّة [٤] ؛ للّذي كان عليه من إفراط العظم، فوجّهت الرّواحل نحوه، فإذا أنا به والله محرنبئا [٥] على تلعة؛ فلمّا سمع حسّ الرّواحل، ورأى سوادا مقبلا نحوه، مرّ مسرعا نحو جحره، وفاتني والله الذي لا إله إلا هو.
١٧٣٦-[مكن الضّبة]
وقال ابن الأعرابيّ [٦] : أخبرني ابن فارس بن ضبعان الكلبيّ، أنّ الضّبّة يكون بيضها في بطنها، وهو مكنها، ويكون بيضها متّسقا، فإذا أرادت أن تبيضه حفرت في الأرض أدحيّا مثل أدحيّ النعامة، ثم ترمي بمكنها [٧] في ذلك الأدحيّ ثمانين مكنة، وتدفنه بالتّراب، وتدعه أربعين يوما، ثم تجيء بعد الأربعين فتبحث عن مكنها، فإذا حسلة [٨] يتعادين منها، فتأكل ما قدرت عليه، ولو قدرت على جميعهن لأكلتهنّ. قال: ومكنها جلد ليّن، فإذا يبست فهي جلد. فإذا شويتها أو طبختها وجدت لها محّا كمحّ بيض الدّجاج.
١٧٣٧-[عداوة الضّبة للحية]
قال [٩] : والضّبّة تقاتل الحيّة وتضربها بذنبها، وهو أخشن من السّفن وهو
стр. 1327
سلاحها، وقد أعطيت فيه من القوّة مثل ما أعطيت العقاب في أصابعها، فربما قطعتها بضربة، أو قتلتها، أو قدّتها [١] . وذلك إذا كان الضّبّ ذيّالا [٢] مذنّبا وإذا كان مرائسا [٣] قتلته الحية.
والتذنيب: أنّ الضبّ إذا أرادت الحيّة الدّخول عليه في جحره أخرج الضبّ ذنبه إلى فم جحره. ثم يضرب به كالمخراق [٤] يمينا وشمالا، فإذا أصاب الحية قطعها، والحية عند ذلك تهرب منه.
والمراءسة: أن يخرج الرّأس ويدع الذّنب ويكون غمرا [٥] فتعضّه الحيّة فتقتله.
١٧٣٨-[استطراد لغوي]
قال: وتقول: أمكنت الضبّة والجرادة فهي تمكن إمكانا: إذا جمعت البيض في جوفها. واسم البيض المكن. والضّبة مكون، فإذا باضت الضبّة والجرادة قيل قد سرأت. والمكن والسّرء: البيض، كان في بطنها أو بعد أن تبيضه. وضبّة سروء.
وكذلك الجرادة تسرأ سرءا، حين تلقي بيضها. وهي حينئذ سلقة [٦] .
وتقول: رزّت الجرادة ذنبها في الأرض فهي ترزّ رزّا، وضربت بذنبها الأرض ضربا، وذلك إذا أرادت أن تلقي بيضها.
١٧٣٩-[المضافات من الحيوان]
ويقولون [٧] : ذئب الخمر [٨] ، وشيطان الحماطة [٩] ، وأرنب الخلّة [١٠] ، وتيس الرّبل [١١] ، وضبّ السّحا. والسّحا: بقلة تحسن حاله عنها.
стр. 1328
ويقال: هو قنفذ برقة [١] ، إذا أراد أن يصفه بالخبث.
١٧٤٠-[ذكر الشعراء للضب في وصف الصيف]
وما أكثر ما يذكرون الضّبّ إذا ذكروا الصيف مثل قول الشاعر: [من البسيط]
سار أبو مسلم عنها بصرمته ... والضبّ في الجحر والعصفور مجتمع
وكما قال أبو زبيد [٢] : [من الخفيف]
أيّ ساع سعى ليقطع شربي ... حين لاحت للصّابح الجوزاء
واستكنّ العصفور كرها مع الض ... بّ وأوفى في عوده الحرباء
وأنشد الأصمعيّ [٣] : [من الطويل]
تجاوزت والعصفور في الجحر لاجئ ... مع الضّبّ والشّقذان تسمو صدورها
قال: والشّقذان: الحرابيّ. قوله: «تسمو» : أي ترتفع في رؤوس العيدان.
الواحد من الشّقذان، بكسر الشين وإسكان القاف. شقذ بتحريك القاف.
١٧٤١-[أسطورة الضب والضفدع]
وتقول الأعراب: خاصم الضبّ الضفدع في الظّمأ أيّهما أصبر، وكان للضفدع ذنب، وكان الضبّ ممسوح الذنب [٤] ، فلمّا غلبها الضبّ أخذ ذنبها فخرجا في الكلإ، فصبرت الضفدع يوما ويوما، فنادت: يا ضبّ، وردا وردا! فقال الضبّ [٥] :
[من مجزوء الرجز]
أصبح قلبي صردا ... لا يشتهي أن يردا
إلّا عرادا عردا ... وصلّيانا بردا [٦]
стр. 1329
فلما كان في اليوم الثالث نادت: يا ضبّ، وردا وردا! قال: فلمّا لم يجبها بادرت إلى الماء، وأتبعها الضبّ، فأخذ ذنبها. فقال: في تصداق ذلك ابن هرمة [١] :
[من الهزج]
ألم تأرق لضوء البر ... ق في أسحم لمّاح
كأعناق نساء الهن ... د قد شيبت بأوضاح [٢]
تؤام الودق كالزّاح ... ف يزجى خلف أطلاح [٣]
كأنّ العازف الجنّ ... يّ أو أصوات أنواح [٤]
على أرجائها الغرّ ... تهدّيها بمصباح [٥]
فقال الضبّ للضفد ... ع في بيداء قرواح [٦]
تأمّل كيف تنجو اليو ... م من كرب وتطواح [٧]
فإني سابح ناج ... وما أنت بسبّاح
فلمّا دق أنف المز ... ن أبدى خير إرواح [٨]
وسحّ الماء من مستح ... لب بالماء سحّاح [٩]
رأى الضبّ من الضفد ... ع عوما غير منجاح
وحطّ العصم يهويها ... ثجوج غير نشّاح [١٠]
ثقال المشي كالسّكرا ... ن يمشي خلفه الصّاحي
ثم قال في شأن الضفدع والضب، الكميت بن ثعلبة [١١] : [من المتقارب]
стр. 1330
على أخذها يوم غبّ الورود ... وعند الحكومة أذنابها [١]
وقال عبيد بن أيوب [٢] : [من الطويل]
ظللت وناقتي نضوي فلاة ... كفرخ الضبّ لا يبغي ورودا [٣]
وقال أبو زياد: قال الضبّ لصاحبه [٤] : [من الرجز]
أهدموا بيتك لا أبا لكا ... وزعموا أنك لا أخا لكا
وأنا أمشي الحيكى حوالكا [٥]
١٧٤٢-[أورى من الضب]
وتقول العرب: «أروى من ضبّ» [٦] ؛ لأن الضب عندهم لا يحتاج إلى شرب الماء، وإذا هرم اكتفى ببرد النّسيم، وعند ذلك تفنى رطوبته فلا يبقى فيه شيء من الدّم، ولا مما يشبه الدّم. وكذلك الحيّة. فإذا صارت كذلك لم تقتل بلعاب، ولا بمجاج، ولا بمخالطة ريق؛ وليس إلّا مخالطة عظم السّنّ لدماء الحيوان.
وأنشدوا [٧] : [من الرجز]
لميمة من حنش أعمى أصم ... قد عاش حتّى هو لا يمشي بدم
فكلّما أقصد منه الجوع شم
وأما صاحب المنطق فإنه قال: باضطرار إنه لا يعيش حيوان إلّا وفيه دم أو شيء يشاكل الدم.
стр. 1331
١٧٤٣-[ما يخرج الضب من جحره]
والضبّ تذلقه [١] من جحره أمور، منها السّيل. وربّما صبّوا في جحره قربة من ماء فأذلقوه به. وأنشد أبو عبيدة: [من الخفيف]
يذلق الضبّ ويخفيه كما ... يذلق السّيل يرابيع النّفق
يخفيه مفتوحة الياء. وتذلقه وقع حوافر الخيل. ولذلك قال امرؤ القيس بن حجر [٢] : [من الطويل]
خفاهنّ من أنفاقهنّ كأنّما ... خفاهنّ ودق من سحاب مركّب
تقول: خفيته أخفيه خفيا: إذا أظهرته. وأخفيته إخفاء: إذا سترته. وقال ابن أحمر [٣] : [من المتقارب]
فإن تدفنوا الدّاء لا نخفه ... وإن تبعثوا الحرب لا نقعد
ولا بدّ من أن يكون وقع الحوافر هدم عليها. أو يكون أفزعها فخرجت. وأهل الحجاز يسمّون النّبّاش المختفي؛ لأنّه يستخرج الكفن من القبر ويظهره.
وحكوا عن بعض الأعراب أنّه قال [٤] : «إنّ بني عامر قد جعلوني على حنديرة أعينها، تريد أن تختفي دمي» أي تظهره وتستخرجه. كأنّها إذا سفحته وأراقته فقد أظهرته.
١٧٤٤-[تفضيل أبي عبيدة قصيدة لامرىء القيس]
وأنشد أبو عبيدة [٥] : [من الرمل]
ديمة هطلاء فيها وطف ... طبق الأرض تحرّى وتدر [٦]
стр. 1332
تخرج الضبّ إذا ما أشجذت ... وتواريه إذا ما تعتكر [١]
وترى الضّبّ ذفيفا ماهرا ... ثانيا برثنه ما ينعفر [٢]
وكان أبو عبيدة يقدّم هذه القصيدة في الغيث، على قصيدة عبيد بن الأبرص، أو أوس بن حجر، التي يقول فيها أحدهما [٣] : [من البسيط]
دان مسفّ فويق الأرض هيدبه ... يكاد يدفعه من قام بالرّاح [٤]
فمن بنجوته كمن بعقوته ... والمستكنّ كمن يمشي بقرواح [٥]
وأنا أتعجّب من هذا الحكم
١٧٤٥-[قولهم: هذا أجلّ من الحرش]
ومما يضيفون إلى هذه الضّباب من الكلام، ما رواه الأصمعيّ في تفسير المثل، وهو قولهم [٦] : «هذا أجلّ من الحرش» - أنّ الضّبّ قال لابنه: إذا سمعت صوت الحرش فلا تخرجنّ! قال: والحرش: تحريك اليد عند جحر الضب؛ ليخرج ويرى أنّه حيّة. قال: فسمع الحسل صوت الحفر، فقال للضّبّ: يا أبت! هذا الحرش؟
قال: يا بنيّ، هذا أجلّ من الحرش! فأرسلها مثلا.
١٧٤٦-[الضب والضفدع والسمكة]
وقال الكميت [٧] : [من الوافر]
يؤلّف بين ضفدعة وضبّ ... ويعجب أن نبرّ بني أبينا
стр. 1333
وقال في الضّبّ والنّون [١] : [من الطويل]
ولو أنّهم جاؤوا بشيء مقارب ... لشيء وبالشّكل المقارب للشّكل
ولكنّهم جاؤوا بحيتان لجّة ... قوامس والمكنيّ فينا أبا حسل
وقال الكميت [٢] : [من الوافر]
وما خلت الضّباب معطّفات ... على الحيتان من شبه الحسول
وقال آخر: [والعرب تقول في الشّيء الممتنع: لا يكون ذلك حتى يرد الضبّ، وفي تبعيد ما بين الجنسين [٣] :] حتّى يؤلّف بين الضّبّ والنّون
١٧٤٧-[استطراد لغوي]
قال: ويقال أضبّت أرض بني فلان: إذا كثرت ضبابها. وهذه أرض مضبّة، وأرض بني فلان مضبّة، مثل فئرة من الفأر، وجرذة من الجرذان، ومحواة ومحياة من الحيّات. وجردة من الجراد، وسرفة من السّرفة، ومأسدة من الأسود، ومثعلة من الثّعالب؛ لأن الثّعلب يسمّى ثعالة، والذّئب ذؤالة.
ويقال أرض مذبّة من الذّباب. مذأبة من الذّئاب.
ويقال في الضّبّ: وقعنا في مضابّ منكرة، وهي قطع من الأرض تكثر ضبابها.
قال: ويقال أرض مربعة، كما يقال مضبّة. إذا كانت ذات يرابيع وضباب. واسم بيضها المكن، والواحدة مكنة.
١٧٤٨-[ترتيب أسماء فرخ الضب]
ويقال لفرخه إذا خرج حسل، والجميع حسلة، وأحسال، وحسول. وهو حسل، ثم مطبّخ ثم غيداق، ثمّ جحل. والسّحبل: ما عظم منها. وهو في ذلك كلّه ضبّ.
وبعضهم يقول: يكون غيداقا، ثم يكون مطبّخا، ثمّ يكون جحلا، وهو
стр. 1334
العظيم. ثمّ هو خضرم، ثمّ يكون ضبّا. وهذا خطأ، وهو ضبّ قبل ذلك. وقال الرّاجز: [من الرجز]
ينفي الغياديق عن الطّريق ... قلّص عنه بيضه في نيق [١]
١٧٤٨-[قولهم: أضل من ضب]
ويقال: «أضلّ من ضبّ» [٢] .
والضلال وسوء الهداية يكون في الضبّ، والورل، والدّيك.
١٧٤٩-[الضب وشدة الحر]
وإذا غيّر الحرّ لون جلد الضبّ فذلك أشدّ ما يكون من الحر. وقال الشّاعر:
[من الطويل]
وهاجرة تنجي عن الضّبّ جلده ... قطعت حشاها بالغريريّة الصّهب [٣]
١٧٥٠-[أمثال في الضب]
وفي المثل: «خلّ درج الضبّ» [٤] ، وفي المثل: «تعلمني بضبّ أنا حرشته!» [٥] ؛ و: «هذا أجلّ من الحرش» [٦] ، و: «أضلّ من ضبّ» [٢] و: «أخبّ من ضبّ» [٧] ، و: «أروى من ضبّ» [٨] ، و: «أعقّ من ضبّ» [٩] ، و: «أحيا من ضبّ» [١٠] ،
стр. 1335
و: «أطول ذماء من ضبّ» [١] ، و: «كلّ ضبّ عند مرداته» [٢] . ويقال: «أقصر من إبهام الضّبّ» [٣] كما يقال: «أقصر من إبهام القطاة» [٣] . وقال ابن الطّثريّة [٤] : [من الطويل]
ويوم كإبهام القطاة....
ومن أمثالهم: «لا آتيك سنّ الحسل» [٥] . وقال العجاج: [من الرجز]
ثمّت لا آتيه سنّ الحسل
كأنّه قال، حتّى يكون ما لا يكون؛ لأنّ الحسل لا يستبدل بأسنانه أسنانا.
١٧٥١-[أسنان الذئب]
وزعم [بعضهم] [٦] أنّ أسنان الذّئب ممطولة [٧] في فكيه. وأنشد: [من الرجز]
أنيابه ممطولة في فكّين
وليس في هذا الشعر دليل على ما قال؛ لأنّ الشاعر يشبع الصفة إذا مدح أو هجا، وقد يجوز أن يكون ما قال حقّا.
١٧٥٢-[من لم يثغر]
فأما عبد الصّمد بن علي فإنه لم يثغر، ودخل القبر بأسنان الصّبا [٨] .
١٧٥٣-[استطراد لغوي]
وقد يقال للضّبّ والحيّة والورل، وما أشبه ذلك: فحّ يفحّ فحيحا. والفحيح: