← Адаб

Адаб · id 23775

الحيوان

الجاحظ

Полный текст (2 028 стр.). Показаны 1331–1370 · переход к 1336.

стр. 1331

١٧٤٣-[ما يخرج الضب من جحره] والضبّ تذلقه [١] من جحره أمور، منها السّيل. وربّما صبّوا في جحره قربة من ماء فأذلقوه به. وأنشد أبو عبيدة: [من الخفيف] يذلق الضبّ ويخفيه كما ... يذلق السّيل يرابيع النّفق يخفيه مفتوحة الياء. وتذلقه وقع حوافر الخيل. ولذلك قال امرؤ القيس بن حجر [٢] : [من الطويل] خفاهنّ من أنفاقهنّ كأنّما ... خفاهنّ ودق من سحاب مركّب تقول: خفيته أخفيه خفيا: إذا أظهرته. وأخفيته إخفاء: إذا سترته. وقال ابن أحمر [٣] : [من المتقارب] فإن تدفنوا الدّاء لا نخفه ... وإن تبعثوا الحرب لا نقعد ولا بدّ من أن يكون وقع الحوافر هدم عليها. أو يكون أفزعها فخرجت. وأهل الحجاز يسمّون النّبّاش المختفي؛ لأنّه يستخرج الكفن من القبر ويظهره. وحكوا عن بعض الأعراب أنّه قال [٤] : «إنّ بني عامر قد جعلوني على حنديرة أعينها، تريد أن تختفي دمي» أي تظهره وتستخرجه. كأنّها إذا سفحته وأراقته فقد أظهرته. ١٧٤٤-[تفضيل أبي عبيدة قصيدة لامرىء القيس] وأنشد أبو عبيدة [٥] : [من الرمل] ديمة هطلاء فيها وطف ... طبق الأرض تحرّى وتدر [٦]

стр. 1332

تخرج الضبّ إذا ما أشجذت ... وتواريه إذا ما تعتكر [١] وترى الضّبّ ذفيفا ماهرا ... ثانيا برثنه ما ينعفر [٢] وكان أبو عبيدة يقدّم هذه القصيدة في الغيث، على قصيدة عبيد بن الأبرص، أو أوس بن حجر، التي يقول فيها أحدهما [٣] : [من البسيط] دان مسفّ فويق الأرض هيدبه ... يكاد يدفعه من قام بالرّاح [٤] فمن بنجوته كمن بعقوته ... والمستكنّ كمن يمشي بقرواح [٥] وأنا أتعجّب من هذا الحكم ١٧٤٥-[قولهم: هذا أجلّ من الحرش] ومما يضيفون إلى هذه الضّباب من الكلام، ما رواه الأصمعيّ في تفسير المثل، وهو قولهم [٦] : «هذا أجلّ من الحرش» - أنّ الضّبّ قال لابنه: إذا سمعت صوت الحرش فلا تخرجنّ! قال: والحرش: تحريك اليد عند جحر الضب؛ ليخرج ويرى أنّه حيّة. قال: فسمع الحسل صوت الحفر، فقال للضّبّ: يا أبت! هذا الحرش؟ قال: يا بنيّ، هذا أجلّ من الحرش! فأرسلها مثلا. ١٧٤٦-[الضب والضفدع والسمكة] وقال الكميت [٧] : [من الوافر] يؤلّف بين ضفدعة وضبّ ... ويعجب أن نبرّ بني أبينا

стр. 1333

وقال في الضّبّ والنّون [١] : [من الطويل] ولو أنّهم جاؤوا بشيء مقارب ... لشيء وبالشّكل المقارب للشّكل ولكنّهم جاؤوا بحيتان لجّة ... قوامس والمكنيّ فينا أبا حسل وقال الكميت [٢] : [من الوافر] وما خلت الضّباب معطّفات ... على الحيتان من شبه الحسول وقال آخر: [والعرب تقول في الشّيء الممتنع: لا يكون ذلك حتى يرد الضبّ، وفي تبعيد ما بين الجنسين [٣] :] حتّى يؤلّف بين الضّبّ والنّون ١٧٤٧-[استطراد لغوي] قال: ويقال أضبّت أرض بني فلان: إذا كثرت ضبابها. وهذه أرض مضبّة، وأرض بني فلان مضبّة، مثل فئرة من الفأر، وجرذة من الجرذان، ومحواة ومحياة من الحيّات. وجردة من الجراد، وسرفة من السّرفة، ومأسدة من الأسود، ومثعلة من الثّعالب؛ لأن الثّعلب يسمّى ثعالة، والذّئب ذؤالة. ويقال أرض مذبّة من الذّباب. مذأبة من الذّئاب. ويقال في الضّبّ: وقعنا في مضابّ منكرة، وهي قطع من الأرض تكثر ضبابها. قال: ويقال أرض مربعة، كما يقال مضبّة. إذا كانت ذات يرابيع وضباب. واسم بيضها المكن، والواحدة مكنة. ١٧٤٨-[ترتيب أسماء فرخ الضب] ويقال لفرخه إذا خرج حسل، والجميع حسلة، وأحسال، وحسول. وهو حسل، ثم مطبّخ ثم غيداق، ثمّ جحل. والسّحبل: ما عظم منها. وهو في ذلك كلّه ضبّ. وبعضهم يقول: يكون غيداقا، ثم يكون مطبّخا، ثمّ يكون جحلا، وهو

стр. 1334

العظيم. ثمّ هو خضرم، ثمّ يكون ضبّا. وهذا خطأ، وهو ضبّ قبل ذلك. وقال الرّاجز: [من الرجز] ينفي الغياديق عن الطّريق ... قلّص عنه بيضه في نيق [١] ١٧٤٨-[قولهم: أضل من ضب] ويقال: «أضلّ من ضبّ» [٢] . والضلال وسوء الهداية يكون في الضبّ، والورل، والدّيك. ١٧٤٩-[الضب وشدة الحر] وإذا غيّر الحرّ لون جلد الضبّ فذلك أشدّ ما يكون من الحر. وقال الشّاعر: [من الطويل] وهاجرة تنجي عن الضّبّ جلده ... قطعت حشاها بالغريريّة الصّهب [٣] ١٧٥٠-[أمثال في الضب] وفي المثل: «خلّ درج الضبّ» [٤] ، وفي المثل: «تعلمني بضبّ أنا حرشته!» [٥] ؛ و: «هذا أجلّ من الحرش» [٦] ، و: «أضلّ من ضبّ» [٢] و: «أخبّ من ضبّ» [٧] ، و: «أروى من ضبّ» [٨] ، و: «أعقّ من ضبّ» [٩] ، و: «أحيا من ضبّ» [١٠] ،

стр. 1335

و: «أطول ذماء من ضبّ» [١] ، و: «كلّ ضبّ عند مرداته» [٢] . ويقال: «أقصر من إبهام الضّبّ» [٣] كما يقال: «أقصر من إبهام القطاة» [٣] . وقال ابن الطّثريّة [٤] : [من الطويل] ويوم كإبهام القطاة.... ومن أمثالهم: «لا آتيك سنّ الحسل» [٥] . وقال العجاج: [من الرجز] ثمّت لا آتيه سنّ الحسل كأنّه قال، حتّى يكون ما لا يكون؛ لأنّ الحسل لا يستبدل بأسنانه أسنانا. ١٧٥١-[أسنان الذئب] وزعم [بعضهم] [٦] أنّ أسنان الذّئب ممطولة [٧] في فكيه. وأنشد: [من الرجز] أنيابه ممطولة في فكّين وليس في هذا الشعر دليل على ما قال؛ لأنّ الشاعر يشبع الصفة إذا مدح أو هجا، وقد يجوز أن يكون ما قال حقّا. ١٧٥٢-[من لم يثغر] فأما عبد الصّمد بن علي فإنه لم يثغر، ودخل القبر بأسنان الصّبا [٨] . ١٧٥٣-[استطراد لغوي] وقد يقال للضّبّ والحيّة والورل، وما أشبه ذلك: فحّ يفحّ فحيحا. والفحيح:

стр. 1336

صوت الحية من جوفها، والكشيش والقشيش: صوت جلدها إذا حكّت بعضها ببعض. وليس كما قال، ليس يسمع صوت احتكاك الجلد بالجلد إلّا للأفعى فقط. وقال رؤبة [١] : [من الرجز] فحّي فلا أفرق أن تفحّي ... وأن ترحّي كرحى المرحّي وقال ابن ميادة [٢] : [من الطويل] ترى الضبّ إن لم يرهب الضبّ غيره ... يكشّ له مستكبرا ويطاوله ١٧٥٤-[حديث أبي عمرة الأنصاري] ويكتب في باب حبّ الضّب للتّمر حديث أبي عمرة الأنصاري رووه من كلّ وجه. أنّ عمر بن الخطاب، ﵁، قال لرجل من أهل الطائف: الحبلة [٣] أفضل أم النخلة؟ قال: بل الحبلة، أتزببها وأشمّسها [٤] ، وأستظل في ظلّها، وأصلح برمتي [٥] منها. قال عمر: تأبى ذاك عليك الأنصار [٦] . ودخل أبو عمرة عبد الرحمن بن محصن النجّاري فقال له عمر: الحبلة أفضل أم النّخلة؟ قال: الزبيب إن آكله أضرس، وإن أتركه أغرث! ليس كالصّقر [٧] في رؤوس الرّقل [٨] ، الراسخات في الوحل، المطعمات في المحل [٩] ، خرفة [١٠] الصائم وتحفة الكبير، وصمتة [١١] الصغير وخرسة مريم [١٢] ، ويحترش به الضّباب من الصّلعاء يعني الصحراء [١٣] .

стр. 1337

١٧٥٥-[دية الضب واليربوع] قال: ويقال في الضّب حلّام [١] ، وفي اليربوع جفرة [٢] . والجفرة: التي قد انتفخ جنباها وشدنت [٣] . والحلّام فوق الجدي وقد صلح أن يذبح للنّسك. والحلّان، بالنون: الجدي الصغير الذي لا يصلح للنّسك. وقال ابن أحمر [٤] : [من البسيط] تهدي إليه ذراع الجدي تكرمة ... إمّا ذبيحا وإمّا كان حلّانا والحلّان والحلوان جميعا: رشوة الكاهن. وقد نهي عن زبد المشركين [٥] ، وحلوان الكاهن [٦] . وقال مهلهل [٧] : [من الرجز] كلّ قتيل في كليب حلّام ... حتّى ينال القتل آل همّام ١٧٥٦-[أقوال لبعض الأعراب] وقال الأصمعي [٨] : قال أعرابيّ يهزأ بصاحبه: اشتر لي شاة قفعاء [٩] ، كأنّها تضحك: مندلقة [١٠] خاصرتاها، كأنّها في محمل، لها ضرع أرقط. كأنّه ضبّ. قال: فكيف العفل [١١] ؟ قال: أو لهذه عفل؟!

стр. 1338

قال [١] : وسأل مدنيّ أعرابيّا قال: أتأكلون الضّبّ؟ قال: نعم. قال: فاليربوع؟ قال: نعم. قال: فالورل؟ قال: نعم. قال: أفتأكلون أمّ حبين؟ قال: لا. قال: فليهن أمّ حبين العافية!. ١٧٥٧-[شعر في الضب] وقال فراس بن عبد الله الكلابي: [من الرجز] لمّا خشيت الجوع والإرمالا ... ولم أجد بشولها بلالا [٢] أبصرت ضبّا دحنا مختالا ... أوفد فوق جحره وذالا [٣] فدبّ لي يختلني اختيالا ... حتّى رأيت دوني القذالا [٤] وميلة ما ملت حين مالا ... فدهشت كفّاي فاستطالا ضمني فلا نزع ولا إرسالا فحاجزا وبرّأ الأوصالا [٥] ... منّي ولم أرفع بذاك بالا لمّا رأت عيني كشى خدالا [٦] ... منه وثنّيت له الأكبالا ورحت منه دحنا دأّلا [٧]

стр. 1339

أسماء لعب الأعراب البقّير، وعظيم وضّاح، والخطرة. والدّارة، والشّحمة والحلق، ولعبة الضّبّ. فالبقير: أن يجمع يديه على التراب في الأرض إلى أسفله، ثم يقول لصاحبه: اشته في نفسك. فيصيب ويخطئ. وعظيم وضّاح: أن يأخذ بالليل عظما أبيض، ثم يرمي به واحد من الفريقين، فإن وجده واحد من الفريقين ركب أصحابه الفريق الآخر من الموضع الذي يجدونه فيه إلى الموضع الذي رموا به منه. والخطرة: أن يعملوا مخراقا، ثم يرمي به واحد منهم من خلفه إلى الفريق الآخر، فإن عجزوا عن أخذه رموا به إليهم، فإن أخذوه ركبوهم. والدّارة، هي التي يقال لها الخراج [١] . والشّحمة: أن يمضي واحد من أحد الفريقين بغلام فيتنحّون ناحية ثم يقبلون، ويستقبلهم الآخرون؛ فإن منعوا الغلام حتّى يصيروا إلى الموضع الآخر فقد غلبوهم عليه، ويدفع الغلام إليهم، وإن هم لم يمنعوه ركبوهم. وهذا كله يكون في ليالي الصّيف، عن غبّ ربيع مخصب. ولعبة الضّبّ: أن يصوّروا الضّبّ في الأرض، ثم يحوّل واحد من الفريقين وجهه، ثم يضع بعضهم يده على شيء من الضّبّ، فيقول الذي يحوّل وجهه: أنف الضّبّ، أو عين الضبّ، أو ذنب الضّب، أو كذا وكذا من الضّبّ، على الولاء [٢] ، حتّى يفرغ؛ فإن أخطأ ما وضع عليه يده ركب وركب أصحابه، وإن أصحاب حوّل وجهه الذي كان وضع يده على الضّبّ، ثم يصير هو السائل. ١٧٥٨-[التداوي بالحيوان] ويقول: الأطبّاء [٣] : إنّ خرء الضّب صالح للبياض الذي يصير في العين. والأعراب ربّما تداووا به من وجع الظهر.

стр. 1340

وناس يزعمون أنّ أكل لحمان الحيوان المذكور بطول العمر، يزيد في العمر. فصدّق بذلك ابن الخاركي وقال: هذا كما يزعمون أن أكل الكلية جيّد للكلية. وكذلك الكبد، والطّحال، والرّئة، واللّحم ينبت اللّحم، والشّحم ينبت الشّحم. فغبر [١] سنة وليس يأكل إلّا قديد لحوم الحمر الوحشية، وإلا الورشان والضّباب، وكلّ شيء قدر عليه مما يقضي له بطول العمر، فانتقض بدنه، وكاد يموت، فعاد بعد إلى غذائه الأوّل. تفسير قصيدة البهراني [٢] نقول في تفسير قصيدة البهراني، فإذا فرغنا منها ذكرنا ما في الحشرات من المنافع والأعاجيب والروايات، ثم ذكرنا قصيدتي أبي سهل بشر بن المعتمر في ذلك، وفسرناهما وما فيهما من أعاجيب ما أودع الله تعالى هذا الخلق وركّبه فيهم. إن شاء الله تعالى. وبالله ﵎ أستعين. ١٧٥٩-[شعر في المكس والأتاوة] أما قوله: [من الخفيف] ٢- «مسخ الماكسين ضبعا وذئبا ... فلهذا تناجلا أمّ عمرو» فإن ملوك العرب كانت تأخذ من التّجّار في البرّ والبحر، وفي أسواقهم، المكس، وهو ضريبة كانت تؤخذ منهم، وكانوا يظلمونهم في ذلك. ولذلك قال التّغلبي، وهو يشكو ذاك في الجاهلية ويتوعد وهو قوله [٣] : [من الطويل] ألا تستحي منّا ملوك وتتّقي ... محارمنا لا يبوؤا الدّم بالدّم وفي كلّ أسواق العراق إتاوة ... وفي كلّ ما باع امرؤ مكس درهم والإتاوة والأربان والخرج كله شيء واحد. وقال الآخر [٤] : [من الطويل] ألا ابن المعلّى خلتنا أم حسبتنا ... صراري نعطي الماكسين مكوسا وقال الأصمعيّ، في ذكر المكس والسّفن التي كان تعشر، في قصيدته التي

стр. 1341

ذكر فيها من أهلك الله عز ذكره، من الملوك، وقصم من الجبابرة، وأباد من الأمم الخالية- فقال: [من الخفيف] أعلقت تبّعا حبال المنون ... وانتحت بعده على ذي جدون [١] وأصابت من بعدهم آل هرما ... س وعادت من بعد للسّاطرون [٢] ملك الحضر والفرات إلى دج ... لة شرقا فالطور من عبدين [٣] كل حمل يمرّ فوق بعير ... فله مكسه ومكس السّفين والأعراب يزعمون أن الله تعالى لم يدع ماكسا ظالما إلا أنزل به بلية، وأنّه مسخ منهم ضبعا وذئبا. فلهذه القرابة تسافدا وتناجلا، وإن اختلفا في سوى ذلك. فمن ولدهما السّمع والعسبار. وإنما اختلفا لأنّ الأمّ ربما كانت ضبعا والأب ذئبا، وربما كانت الأمّ ذئبة والأب ذيخا. والذّيخ: ذكر الضّباع. ١٧٦٠-[ذكر الأمم التي أهلكها الله] وأمّا قوله: [من الخفيف] ٣- «بعث الذّرّ والجراد وقفّى ... بنجيع الرّعاف في حيّ بكر» فإنّ الإعراب تزعم أن الله تعالى قد أهلك بالذرّ أمما. وقد قال أميّة بن أبي الصّلت [٤] : [من الخفيف] أرسل الذّرّ والجراد عليهم ... وسنينا فأهلكتهم ومورا ذكر الذّرّ إنّه يفعل الشّ ... رّ وإنّ الجراد كان ثبورا وأما قوله: «وقفّي بنجيع الرّعاف في حيّ بكر» فإنّه يريد بكر بن عبد مناة، لأنّ كنانة بنزولها مكّة كانوا لا يزالون يصيبهم من الرّعاف ما يصير شبيها بالموتان، ويجارف الطاعون. وكان آخر من مات بالرّعاف من سادة قريش هشام بن المغيرة. وكان الرّعاف من منايا جرهم أيام جرهم، ولذلك قال شاعر في الجاهلية، من إياد [٥] : [من المتقارب]

стр. 1342

ونحن إياد عباد الإله ... ورهط مناجيه في سلّم ونحن ولاة حجاب العتيق ... زمان الرّعاف على جرهم ولهذا المناجي [١] الذي كان يناجي الله، ، في الجاهلية على سلّم- حديث [١] . ١٧٦١-[سيل العرم] فأما قوله: [من الخفيف] ٤- «خرقت فأرة بأنف ضئيل ... عرما محكم الأساس بصخر» فقد قال الله : فَأَرْسَلْنا عَلَيْهِمْ سَيْلَ الْعَرِمِ [٢] والعرم [٣] : المسنّاة التي كانوا أحكموا عملها لتكون حجازا بين ضياعهم وبين السيل، ففجرته فارة، فكان ذلك أعجب وأظهر في الأعجوبة كما أفار الله تعالى ماء الطوفان من جوف تنّور، ليكون ذلك أثبت في العبرة، وأعجب في الآية. ولذلك قال [٤] خالد بن صفوان لليمانيّ [٥] الذي فخر عليه عند المهديّ وهو ساكت، فقال المهدي: وما لك لا تقول؟! قال: وما أقول لقوم ليس فيهم إلا دابغ جلد، وناسج برد، وسائس قرد، وراكب عرد، غرّقتهم فارة، وملكتهم امرأة، ودلّ عليهم هدهد [٦] . وأما قوله: [من الخفيف] ٥- «فجّرته وكان جيلان عنه ... عاجزا لو يرومه بعد دهر»

стр. 1343

فإنّ جيلان فعلة الملوك، وكانوا من أهل الجبل. وأنشد الأصمعي [١] : [من المنسرح] أرسل جيلان ينحتون له ... ساتيدما بالحديد فانصدعا وأنشد: [من الطويل] وتبني له جيلان من نحتها الصّفا ... قصورا تعالى بالصّفيح وتكلس [٢] وأنشد لامرئ القيس [٣] : [من الطويل] أتيح له جيلان عند جذاذه ... وردّد فيه الطّرف حتّى تحيّرا [٤] يقول: فجّرته فارة، ولو أنّ جيلان أرادت ذلك لامتنع عليها، لأنّ الفارة إنما خرقته لما سخّر الله عز ذكره لها من ذلك العرم وأنشدوا [٥] : [من المنسرح] من سبأ الحاضرين مأرب إذ ... يبنون من دون سيله العرما ومأرب: اسم لقصر ذلك الملك، ثم صار اسما لذلك البلد. ويدلّ على ذلك قول أبي الطّمحان القيني [٦] : [من البسيط] ألا ترى مأربا ما كان أحصنه ... وما حواليه من سور وبنيان ظلّ العباديّ يسقى فوق قلّته ... ولم يهب ريب دهر حقّ خوّان حتّى تناوله من بعد ما هجعوا ... يرقى إليه على أسباب كتّان [٧] وقال الأعشى [٨] : [من المتقارب] ففي ذاك للمؤتسي أسوة ... ومأرب قفّى عليه العرم

стр. 1344

رخام بنته له حمير ... إذا جاء ماؤهم لم يرم فأروى الحروث وأعنابها ... على ساعة ماؤهم إذ قسم فطار الفيول وفيّالها ... بيهماء فيها سراب يطمّ [١] فكانوا بذلكم حقبة ... فمال بهم جارف منهدم فطاروا سراعا وما يقدرو ... ن منه لشرب صبيّ فطم ١٧٦٢-[مسخ الضبّ وسهيل] وأما قوله: [من الخفيف] «مسخ الضّبّ في الجدالة قدما ... وسهيل السّماء عمدا بصغر [٢] » فإنهم يزعمون أنّ الضّبّ وسهيلا كانا ماكسين عشّارين، فمسخ الله أحدهما في الأرض، والآخر في السماء. والجدالة: الأرض، ولذلك يقال: ضربه فجدّله أي ألزقه بالأرض، أي بالجدالة. وكذلك قول عنترة [٣] : [من الكامل] وحليل غانية تركت مجدّلا ... تمكو فريصته كشدق الأعلم وأنشد أبو زيد سعيد بن أوس الأنصاري [٤] : [من الرجز] قد أركب الحالة بعد الحاله ... وأترك العاجز بالجداله ١٧٦٣-[قبر أبي رغال] [٥] وأما قوله: [من الخفيف] ٧- «والذي كان يكتني برغال ... جعل الله قبره شرّ قبر ٨- وكذا كلّ ذي سفين وخرج ... ومكوس وكلّ صاحب عشر» فإنما ذكر أبا رغال، وهو الذي يرجم الناس قبره إذا أتوا مكة. وكان وجّهه

стр. 1345

صالح النبي ﷺ ، فيما يزعمون، على صدقات الأموال، فخالف أمره، وأساء السّيرة، فوثب عليه ثقيف، وهو قسيّ بن منبّه، فقتله قتلا شنيعا. وإنما ذلك لسوء سيرته في أهل الحرم فقال غيلان بن سلمة، وذكر قسوة أبيه على أبي رغال [١] : [من الرجز] نحن قسيّ وقسا أبونا وقال أميّة بن أبي الصّلت [٢] : [من الوافر] نفوا عن أرضهم عدنان طرّا ... وكانوا للقبائل قاهرينا وهم قتلوا الرئيس أبا رغال ... بنخلة إذ يسوق بها الظعينا وقال عمرو بن درّاك العبدي، وذكر فجور أبي رغال وخبثه، فقال [٣] : [من الوافر] وإني إن قطعت حبال قيس ... وحالفت المزون على تميم لأعظم فجرة من أبي رغال ... وأجور في الحكومة من سدوم [٤] وقال مسكين الدارميّ [٥] : [من الوافر] وأرجم قبره في كلّ عام ... كرجم النّاس قبر أبي رغال وقال عمر بن الخطاب، رضي الله تعالى عنه، لغيلان بن سلمة، حين أعتق عبده، وجعل ماله في رتاج الكعبة: لئن لم ترجع في مالك ثمّ متّ لأرجمنّ قبرك، كما رجم قبر أبي رغال، وكلاما غير هذا قد كلّمه به [٦] . ١٧٦٤-[المنكب والعريف] وأما قوله: [من الخفيف] ٩- «منكب كافر وأشراط سوء ... وعريف جزاؤه حرّ جمر»

стр. 1346

فإنما ذهب إلى أحكام الإسلام. كأنه قد كان لقى من المنكب والعريف جهدا. وهم ثلاثة: منكب [١] ، ونقيب، وعريف. وقال جبيهاء الأشجعيّ: [من الوافر] رعاع عاونت بكرا عليه ... كما جعل العريف على النّقيب ١٧٦٥-[الغول والسعلاة] وأما قوله: [الخفيف] ١٠- «وتزوّجت في الشّبيبة غولا ... بغزال وصدقتي زقّ خمر» فالغول اسم لكلّ شيء من الجن يعرض للسّفّار، ويتلوّن في ضروب الصّور والثّياب، ذكرا كان أو أنثى. إلّا أنّ أكثر كلامهم على أنّه أنثى [٢] . وقد قال أبو المطراب عبيد بن أيّوب العنبريّ [٣] : [من الوافر] وحالفت الوحوش وحالفتني ... بقرب عهودهنّ وبالبعاد وأمسى الذّئب يرصدني مخشّا ... لخفّة ضربتي ولضعف آدي [٤] وغولا قفرة ذكر وأنثى ... كأنّ عليهما قطع البجاد [٥] فجعل في الغيلان الذّكر والأنثى. وقد قال الشّاعر في تلوّنها [٦] : [من البسيط] فما تدوم على حال تكون بها ... كما تلوّن في أثوابها الغول فالغول ما كان كذلك، والسّعلاة اسم الواحدة من نساء الجن إذا لم تتغوّل لتفتن السّفّار. قالوا: وإنما هذا منها على العبث، أو لعلّها أن تفزّع إنسانا جميلا فتغيّر عقله، فتداخله عند ذلك، لأنّهم لم يسلّطوا على الصّحيح العقل، ولو كان ذلك إليهم

стр. 1347

لبدؤوا بعليّ بن أبي طالب، وحمزة بن عبد المطلب وبأبي بكر وعمر في زمانهم وبغيلان والحسن في دهرهما وبواصل وعمرو في أيامهما. وقد فرق بين الغول والسّعلاة عبيد بن أيّوب، حيث يقول [١] : [من الطويل] وساخرة منّي ولو أنّ عينها ... رأت ما ألاقيه من الهول جنّت أزلّ وسعلاة وغول بقفرة ... إذا اللّيل وارى الجنّ فيه أرنّت [٢] وهم إذا رأوا المرأة حديدة الطّرف والذّهن، سريعة الحركة، ممشوقة ممحّصة [٣] قالوا: سعلاة وقال الأعشى [٤] : [من الخفيف] ورجال قتلى بجنبي أريك ... ونساء كأنهنّ السّعالي [٥] ١٧٦٦-[تزاوج الجن والإنس] ويقولون: تزوّج عمرو بن يربوع السّعلاة. وقال الرّاجز [٦] : [من الرجز] يا قاتل الله بني السّعلاة ... عمرو بن يربوع شرار النّات وفي تلوّن الغول يقول عبّاس بن مرداس السّلميّ [٧] : [من البسيط] أصابت العام رعلا غول قومهم ... وسط البيوت ولون الغول ألوان وهم يتأوّلون قوله عز ذكره: وَشارِكْهُمْ فِي الْأَمْوالِ وَالْأَوْلادِ [٨] . وقوله : لَمْ يَطْمِثْهُنَّ إِنْسٌ قَبْلَهُمْ وَلا جَانٌّ* [٩] . قالوا: فلو كان الجانّ لم يصب منهنّ قطّ، ولم يأتهنّ، ولا كان ذلك مما يجوز بين الجن وبين النساء الآدميات- لم يقل ذلك.

стр. 1348

وتأوّلوا قوله : وَأَنَّهُ كانَ رِجالٌ مِنَ الْإِنْسِ يَعُوذُونَ بِرِجالٍ مِنَ الْجِنِ [١] فجعل منهنّ النّساء، إذ قد جعل منهم الرّجال، وقوله ﵎: أَفَتَتَّخِذُونَهُ وَذُرِّيَّتَهُ أَوْلِياءَ مِنْ دُونِي [٢] . وزعم ابن الأعرابيّ قال: دعا أعرابيّ ربه فقال: اللهمّ إني أعوذ بك من عفاريت الجن! اللهم لا تشركهم في ولدي، ولا جسدي، ولا دمي، ولا مالي، ولا تدخلهم في بيتي، ولا تجعلهم لي شركاء في شيء من أمر الدنيا والآخرة. وقالوا: ودعا زهير بن هنيدة فقال: اللهمّ لا تسلطهم على نطفتي ولا جسدي. قال أبو عبيدة: فقيل له: لم تدعو بهذا الدّعاء قال: وكيف لا أدعو به وأنا أسمع أيّوب النبي والله تعالى يخبر عنه ويقول: وَاذْكُرْ عَبْدَنا أَيُّوبَ إِذْ نادى رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ الشَّيْطانُ بِنُصْبٍ وَعَذابٍ [٣] حتى قيل له: ارْكُضْ بِرِجْلِكَ هذا مُغْتَسَلٌ بارِدٌ وَشَرابٌ [٤] . وكيف لا أستعيذ بالله منه وأنا أسمع الله يقول: الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبا لا يَقُومُونَ إِلَّا كَما يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطانُ مِنَ الْمَسِ [٥] ، وأسمعه يقول: وَإِذْ زَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطانُ أَعْمالَهُمْ وَقالَ لا غالِبَ لَكُمُ الْيَوْمَ مِنَ النَّاسِ وَإِنِّي جارٌ لَكُمْ [٦] ، فلما رأى الملائكة نكص على عقبيه، كما قال الله عزّ ذكره: فَلَمَّا تَراءَتِ الْفِئَتانِ نَكَصَ عَلى عَقِبَيْهِ وَقالَ إِنِّي بَرِيءٌ مِنْكُمْ إِنِّي أَرى ما لا تَرَوْنَ [٧] ، وقد جاءهم في صورة الشّيخ النّجدي [٨] . وكيف لا أستعيذ بالله منه، وأنا أسمع الله عز ذكره يقول: وَلَقَدْ جَعَلْنا فِي السَّماءِ بُرُوجاً وَزَيَّنَّاها لِلنَّاظِرِينَ. وَحَفِظْناها مِنْ كُلِّ شَيْطانٍ رَجِيمٍ. إِلَّا مَنِ اسْتَرَقَ السَّمْعَ فَأَتْبَعَهُ شِهابٌ مُبِينٌ [٩] . وكيف لا أستعيذ بالله منه وأنا أسمع الله تعالى يقول:

стр. 1349

وَلِسُلَيْمانَ الرِّيحَ غُدُوُّها شَهْرٌ وَرَواحُها شَهْرٌ وَأَسَلْنا لَهُ عَيْنَ الْقِطْرِ وَمِنَ الْجِنِّ مَنْ يَعْمَلُ بَيْنَ يَدَيْهِ بِإِذْنِ رَبِّهِ [١] ثم قال: يَعْمَلُونَ لَهُ ما يَشاءُ مِنْ مَحارِيبَ وَتَماثِيلَ وَجِفانٍ كَالْجَوابِ وَقُدُورٍ راسِياتٍ [٢] . وكيف لا أدعو بذلك وأنا أسمع الله تعالى يقول: قالَ عِفْرِيتٌ مِنَ الْجِنِّ أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ تَقُومَ مِنْ مَقامِكَ، وَإِنِّي عَلَيْهِ لَقَوِيٌّ أَمِينٌ [٣] . وكيف لا أقول ذلك وأنا أسمع الله يقول: بِّ اغْفِرْ لِي وَهَبْ لِي مُلْكاً لا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ مِنْ بَعْدِي إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ. َخَّرْنا لَهُ الرِّيحَ تَجْرِي بِأَمْرِهِ رُخاءً حَيْثُ أَصابَ. وَالشَّياطِينَ كُلَّ بَنَّاءٍ وَغَوَّاصٍ. آخَرِينَ مُقَرَّنِينَ فِي الْأَصْفادِ [٤] . والأعراب يتزيّدون في هذا الباب. وأشباه الأعراب يغلطون فيه. وبعض أصحاب التأويل يجوّز في هذا الباب ما لا يجوز فيه. وقد قلنا في ذلك في كتاب النّبوّات بما هو كاف إن شاء الله تعالى. ١٧٦٧-[شعر العرب في الجن] وسيقع هذا الباب والجواب فيه تامّا إذا صرنا إلى القول في الملائكة، وفي فرق ما بين الجن والإنس. وأما هذا الموضع فإنما مغزانا فيه الإخبار عن مذاهب الأعراب، وشعراء العرب. ولولا العلم بالكلام، وبما يجوز مما لا يجوز، لكان في دون إطباقهم على هذه الأحاديث ما يغلط فيه العاقل. قال عبيد بن أيّوب، وقد كان جوّالا في مجهول الأرض، لمّا اشتد خوفه وطال تردّده، وأبعد في الهرب [٥] : [من الطويل] لقد خفت حتّى لو تمرّ حمامة ... لقلت عدوّ أو طليعة معشر فإن قيل أمن قلت هذي خديعة ... وإن قيل خوف قلت حقّا فشمر وخفت خليلي ذا الصّفاء ورابنى ... وقيل فلان أو فلانة فاحذر فلله درّ الغول أيّ رفيقة ... لصاحب قفر خائف متقتّر [٦]

стр. 1350

أرنّت بلحن بعد لحن وأوقدت ... حواليّ نيرانا تلوح وتزهر وأصبحت كالوحشيّ يتبع ما خلا ... ويترك مأبوس البلاد المدعثر [١] وقال في هذا الباب في كلمة له، وهذا أولها [٢] : [من الطويل] أذقني طعم الأمن أو سل حقيقة ... عليّ فإن قامت ففصّل بنانيا خلعت فؤادي فاستطير فأصبحت ... ترامى بي البيد القفار تراميا كأني وآجال الظّباء بقفرة ... لنا نسب نرعاه أصبح دانيا [٣] رأين ضئيل الشّخص يظهر مرّة ... ويخفى مرارا ضامر الجسم عاريا فأجفلن نفرا ثمّ قلن ابن بلدة ... قليل الأذى أمسى لكنّ مصافيا ألا يا ظباء الوحش لا تشهرنّني ... وأخفينني إذ كنت فيكن خافيا أكلت عروق الشّرى معكنّ والتوى ... بحلقي نور القفر حتّى ورانيا [٤] وقد لقيت مني السّباع بليّة ... وقد لاقت الغيلان منّي الدّواهيا ومنهنّ قد لاقيت ذاك فلم أكن ... دجبانا إذا هول الجبان اعترانيا أذقت المنايا بعضهنّ بأسهمي ... وقدّدن لحمي وامتشقن ردائيا [٥] أبيت ضجيع الأسود الجون في الهوى ... كثيرا وأثناء الحشاش وساديا [٦] إذا هجن بي في جحرهنّ اكتنفنني ... فليت سليمان بن وبر يرانيا [٧] فما زلت مذ كنت ابن عشرين حجة ... أخا الحرب مجنيّا عليّ وجانيا ومما ذكر فيه الغيلان قوله [٨] : [من الطويل] نقول وقد ألممت بالإنس لمّة ... مخضّبة الأطراف خرس الخلاخل [٩]

стр. 1351

أهذا خليل الغول والذّئب والذي ... يهيم بربّات الحجال الكواهل [١] رأت خلق الأدراس أشعث شاحبا ... على الجدب بسّاما كريم الشّمائل [٢] تعوّد من آبائه فتكاتهم ... وإطعامهم في كلّ غبراء شامل [٣] إذا صاد صيدا لفّه بضرامه ... وشيكا ولم ينظر لنصب المراجل [٤] ونهسا كنهس الصقر ثم مراسه ... بكفيّه رأس الشّيخة المتمايل [٥] فلم يسحب المنديل بين جماعة ... ولا فاردا مذ صاح بين القوابل ومما قال في هذا المعنى [٦] : [من الطويل] علام ترى ليلى تعذّب بالمنى ... أخا قفرات كان بالذئب يأنس وصار خليل الغول بعد عداوة ... صفيّا وربّته القفار البسابس وقال في هذا المعنى [٧] : [من الطويل] فلولا رجال يا منيع رأيتهم ... لهم خلق عند الجوار حميد لنالكم مني نكال وغارة ... لها ذنب لم تدركوه بعيد أقلّ بنو الإنسان حتّى أغرتم ... على من يثير الجنّ وهي هجود ١٧٦٨-[أخبار تتعلق بالجن] وقال ابن الأعرابي: وعدت أعرابيّة أعرابيّا أن يأتيها، فكمن في عشرة [٨] كانت بقربهم، فنظر الزّوج فرأى شبحا في العشرة، فقال لامرأته: يا هنتاه [٩] إنّ إنسانا ليطالعنا من العشرة! قالت: مه يا شيخ، ذاك جانّ العشرة! إليك عنّي وعن ولدي!!

стр. 1352

قال الشيخ: وعنّي يرحمك الله! قالت: وعن أبيهم إن هو غطّى رأسه ورقد. قال: ونام الشّيخ، وجاء الأعرابي فسفع [١] برجليها ثمّ أعطاها حتى رضيت. وروى عن محمّد بن الحسن، عن مجالد أو عن غيره وقال [٢] : كنّا عند الشّعبي جلوسا، فمرّ حمّال على ظهره دنّ خلّ، فلما رأى الشّعبيّ وضع الدّنّ وقال للشعبي: ما كان اسم امرأة إبليس؟ قال: ذاك نكاح ما شهدناه! وأبو الحسن عن أبي إسحاق المالكي قال [٣] : قال الحجاج ليحيى بن سعيد بن العاص: أخبرني عبد الله بن هلال صديق إبليس، أنّك تشبه إبليس! قال: وما ينكر أن يكون سيد الإنس يشبه سيد الجنّ! وروى الهيثم عن داود بن أبي هند، قال [٤] : سئل الشّعبي عن لحم الفيل، فتلا قوله عزّ ذكره: قُلْ لا أَجِدُ فِي ما أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّماً عَلى طاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلَّا أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَماً مَسْفُوحاً أَوْ لَحْمَ خِنزِيرٍ [٥] إلى آخر الآية. وسئل عن لحم الشّيطان فقال: نحن نرضى منه بالكفاف. فقال له قائل [٦] : ما تقول في الذّبّان؟ قال: إن اشتهيته فكله. وأنشدوا قول أعرابي لامرأته: [من البسيط] ألا تموتين إنا نبتغي بدلا ... إن اللواتي يموّتن الميامين أم أنت لازلت في الدنيا معمّرة ... كما يعمّر إبليس الشّياطين وقال أبو الحسن وغيره: كان سعيد بن خالد بن عبد الله بن أسيد تصيبه موتة [٧] نصف سنة، ونصف سنة يصح، فيحبو ويعطي، ويكسو ويحمل. فأراد أهله أن يعالجوه. فتكلّمت امرأة على لسانه فقالت. أنا رقيّة بنت ملحان سيّد الجنّ، والله أن لو علمت مكان رجل أشرف منه لعلقته! والله لئن عالجتموه لأقتلنّه! فتركوا علاجه.

стр. 1353

وتقول العرب: شيطان الحماطة، وغول القفرة، وجانّ العشرة. وأنشد: [من الرجز] فانصلتت لي مثل سعلاة العشر ... تروح بالويل وتغدو بالغير وأنشد [١] : [من الرجز] يا أيّها الضاغب بالغملول ... إنّك غول ولدتك غول الغملول: الخمر من الأرض اختبأ فيه هذا الرجل، وضغب ضغبة [٢] الأرنب، ليفزعه ويوهمه أنّه عامر لذلك الخمر.

стр. 1354

باب من ادعى من الأعراب والشعراء أنهم يرون الغيلان ويسمعون عزيف الجان وما يشبهون بالجن والشياطين، وبأعضائهم وبأخلاقهم وأعمالهم. وأنشد: [من الرجز] كأنّه لمّا تدانى مقربه ... وانقطعت أوذامه وكربه [١] وجاءت الخيل جميعا تذنبه ... شيطان جنّ في هواء يرقبه [٢] أذنب فانقضّ عليه كوكبه وأنشد: [من البسيط] إنّ العقيليّ لا تلقى له شبها ... ولو صبرت لتلقاه على العيس بينا تراه عليه الخزّ متّكئا ... إذ مرّ يهدج في خيش الكرابيس [٣] وقد تكنّفه غرّامه زمنا ... أشباه جنّ عكوف حول إبليس [٤] إذا المفاليس يوما حاربوا ملكا ... ترى العقيليّ منهم في كراديس [٥] وهو الذي يقول [٦] : [من الكامل] أصبحت ما لك غير جلدك تلبس ... قطر السّماء وأنت عار مفلس وقال الخطفي [٧] : [من الرجز]

стр. 1355

يرفعن بالليل إذا ما أسدفا ... أعناق جنّان وهاما رجّفا وعنقا بعد الرسيم خيطفا [١] وأنشد ابن الأعرابي: [من الطويل] غناء كليبيا ترى الجنّ تبتغي ... صداه إذا ما آب للجشنّ آيب وقال الحارث بن حلزة [٢] : [من الخفيف] ربّنا وابننا وأفضل من يم ... شي ومن دون ما لديه الثّناء [٣] إرميّ بمثله جالت الج ... نّ فآبت لخصمها الأجلاء [٤] وقال الأعشى [٥] : [من الطويل] فإنّي وما كلّفتموني وربّكم ... ليعلم من أمسى أعقّ وأحوبا لكالثّور والجنيّ يضرب ظهره ... وما ذنبه أن عافت الماء مشربا وقال الزّفيان العوافيّ واسمه عطاء بن أسيد أحد بني عوافة بن سعد [٦] : [من الرجز] بين اللها منه إذا ما مدّا ... مثل عزيف الجن هدّت هدّا [٧] وقال ذو الرّمّة [٨] : [من البسيط] قد أعسف النّازح المجهول معسفه ... في ظلّ أغضف يدعو هامه البوم [٩] للجنّ باللّيل في حافاتها زجل ... كما تناوح يوم الريح عيشوم [١٠]

стр. 1356

داويّة ودجى ليل كأنّهما ... يمّ تراطن في حافاته الرّوم وقال [١] : [من الطويل] وكم عرّست بعد السّرى من معرّس ... به من كلام الجن أصوات سامر [٢] وقال [٣] : [من البسيط] كم جبت دونك من يهماء مظلمة ... تيه إذا ما مغنّي جنّة سمرا [٤] وقال [٥] : [من الطويل] ورمل عزيف الجنّ في عقداته ... هزيز كتضراب المغنّين بالطّبل [٦] وقال [٧] : [من الطويل] وتيه خبطنا غولها وارتمى بنا ... أبو البعد من أرجائها المتطاوح فلاة لصوت الجنّ في منكراتها ... هزيز، وللأبوام فيها نوائح وطول اغتماسي في الدّجى كلما دعت ... من اللّيل أصداء المتان الصوائح [٨] وقال ذو الرّمة [٩] : [من الطويل] بلادا يبيت البوم يدعو بناته ... بها ومن الأصداء والجنّ سامر وقال ذو الرمة [١٠] : [من الطويل] وللوحش والجنّان كلّ عشية ... بها خلفة من عازف وبغام [١١]

стр. 1357

وقال الراعي [١] : [من الطويل] وداويّة غبراء أكثر أهلها ... عزيف وبوم آخر الليل صائح أقرّ بها جأشي تأوّل آية ... وماضي الحسام غمده متصايح ١٧٦٩-[لطيم الشيطان] ويقال لمن به لقوة أو شتر، إذا سبّ: يا لطيم الشيطان [٢] . وكذلك قال عبيد الله بن زياد، لعمرو بن سعيد، حين أهوى بسيفه ليطعن في خاصرة عبد الله بن معاوية، وكان مستضعفا، وكان مع الضّحّاك فأسر، فلمّا أهوى له السيف وقد استردفه عبيد الله، واستغاث بعبيد الله، قال عبيد الله لعمرو: يدك يا لطيم الشيطان [٣] ! ١٧٧٠-[قولهم: ظل النعامة، وظل الشيطان] ويقال للرّجل المفرط الطّول: يا ظلّ النّعامة! وللمتكبّر الضخم: يا ظلّ الشيطان [٤] ! كما قال الحجّاج لمحمد بن سعد بن أبي وقاص: بينا أنت، يا ظلّ الشّيطان، أشدّ النّاس كبرا إذ صرت مؤذّنا لفلان [٥] ! وقال جرير في هجائه شبّة بن عقال، وكان مفرط الطّول [٦] : [من الكامل] فضح المنابر يوم يسلح قائما ... ظلّ النّعامة شبّة بن عقال ١٧٧١-[قولهم: ظل الرمح] فأما قولهم [٧] : «منينا بيوم كظلّ الرمح» فإنّهم ليس يريدون به الطول فقط، ولكنّهم يريدون أنّه مع الطول ضيق غير واسع.

стр. 1358

وقال ابن الطّثرية [١] : [من الطويل] ويوم كظلّ الرّمح قصّر طوله ... دم الزّقّ عنّا واصطفاق المزاهر [٢] قال: وليس يوجد لظلّ الشخص نهاية مع طلوع الشّمس. ١٧٧٢-[التشبيه بالجن] قال: وكان عمر بن عبد العزيز أوّل من نهى النّاس عن حمل الصّبيان على ظهور الخيل يوم الحلبة [٣] ، وقال: «تحملون الصّبيان على الجنّان؟» . وأنشد في تشبيه الإنس بالجن لأبي الجويرية العبدي: [من البسيط] إنس إذا أمنوا جنّ إذا فزعوا ... مرزّؤون بها ليل إذا حشدوا [٤] وأنشدوا: [من الرجز] وقلت والله لنرحلنّا ... قلائصا تحسبهنّ جنا [٥] وقال ابن ذي الزوائد: [من المنسرح] وحولي الشّول رزّحا شسبا ... بكية الدّرّ حين تمتصر [٦] ولاذ بي الكلب لا نباح له ... يهرّ محرنجما وينجحر [٧] بحور خفض لمن ألمّ بهم ... جنّ بأرماحهم إذا خطروا [٨]

стр. 1359

وأنشدوا: [من الرجز] إنّي امرؤ تابعني شيطانيه ... آخيته عمري وقد آخانيه يشرب في قعبي وقد سقانيه ... فالحمد لله الذي أعطانيه [١] قرما وخرقا في خدود واضيه ... تربّعت في عقد فالماوية [٢] بقلا نضيدا في تلاع حاليه ... حتّى إذا ما الشّمس مرّت ماضيه [٣] قام إليها فتية ثمانيه ... فثوّروا كلّ مريّ ساجيه [٤] أخلافها لذي الأكف ماليه [٥] ١٧٧٣-[موضع الجن] وقال ابن الأعرابي: قال لي أعرابي مرّة من غنيّ وقد نزلت به، قال: وهو أخفّ ما نزلت به وأطيبه، فقلت: ما أطيب ماءكم هذا، وأعذى [٦] منزلكم! قال: نعم وهو بعيد من الخير كله، بعيد من العراق واليمامة والحجاز، كثير الحيات، كثير الجنان! فقلت: أترون الجن؟ قال: نعم! مكانهم في هذا الجبل- وأشار بيده إلى جبل يقال له سواج [٧] قال: ثمّ حدّثني بأشياء. ١٧٧٤-[ذكر الجن في الشعر] وقال عبيد بن أوس الطائي [٨] في أخت عدي بن أوس: [من الكامل] هل جاء أوسا ليلتي ونعيمها ... ومقام أوس في الخباء المشرج [٩]

стр. 1360

ما زلت أطوي الجنّ أسمع حسّهم ... حتّى دفعت إلى ربيبة هودج فوضعت كفّي عند مقطع خصرها ... فتنفّست بهرا ولمّا تنهج [١] فتناولت رأسي لتعرف مسّه ... بمخضّب الأطراف غير مشنّج [٢] قالت بعيش أخي وحرمة والدي ... لأنبّهنّ الحيّ إن لم تخرج فخرجت خيفة قومها فتبسّمت ... فعلمت أنّ يمينها لم تلجج [٣] فلثمت فاها قابضا بقرونها ... شرب النّزيف ببرد ماء الحشرج [٤] وأنشدني آخر [٥] : [من الطويل] ذهبتم فعذتم بالأمير وقلتم ... تركنا أحاديثا ولحما موضّعا [٦] فما زادني إلّا سناء ورفعة ... ولا زادكم في القوم إلّا تخشّعا فما نفرت جنّي ولا فلّ مبردي ... وما أصبحت طيري من الخوف وقّعا [٧] وقال حسّان بن ثابت، في معنى قوله [٨] : «ولله لأضربنّه حتّى أنزع من رأسه شيطانه» ، فقال [٩] : [من المتقارب] وداوية سبسب سملق ... من البيد تعزف جنّانها [١٠] قطعت بعيرانة كالفني ... ق يمرح في الآل شيطانها [١١] فجمع في هذا البيت تثبيت عزيف الجن، وأنّ المراح والنشاط والخيلاء والغرب [١٢] هو شيطانها.

стр. 1361

وأبين من ذلك قول منظور بن رواحة [١] : [من الطويل] أتاني وأهلي بالدّماخ فغمرة ... مسبّ عويف اللؤم حيّ بني بدر فلمّا أتاني ما يقول ترقّصت ... شياطين رأسي وانتشين من الخمر ١٧٧٥-[من المثل والتشبيه بالجن] ومن المثل والتّشبيه قول أبي النّجم [٢] : [من الرجز] وقام جنّيّ السّنام الأميل ... وامتهد الغارب فعل الدّمّل [٣] وقال ابن أحمر [٤] : [من الوافر] بهجل من قسا ذفر الخزامى ... تداعى الجربياء به الحنينا تكسّر فوقه القلع السّواري ... وجنّ الخازباز به جنونا وقال الأعشى [٥] : [من الخفيف] وإذا الغيث صوبه وضع القد ... ح وجنّ التّلاع والآفاق لم يزدهم سفاهة شرب الخم ... ر ولا اللهو بينهم والسّباق وقال النابغة [٦] : [من البسيط] وخيّس الجنّ إنّي قد أذنت لهم ... يبنون تدمر بالصّفّاح والعمد [٧] ١٧٧٦-[إضافة البناء العجيب إلى الجن] وأهل تدمر يزعمون أنّ ذلك البناء [بني] [٨] قبل زمن سليمان، ﵇،

стр. 1362

بأكثر مما بيننا اليوم وبين سليمان بن داود ﵉ قالوا: ولكنّكم إذا رأيتم بنيانا عجيبا، وجهلتم موضع الحيلة فيه، أضفتموه إلى الجنّ، ولم تعانوه بالفكر. وقال العرجيّ [١] : [من البسيط] سدّت مسامعها بفرج مراجل ... من نسج جنّ مثله لا ينسج [٢] وقال الأصمعيّ [٣] : السيوف المأثورة هي التي يقال إنها من عمل الجن والشياطين لسليمان بن داود ﵉. فأمّا القوارير والحمامات، فذلك ما لا شك فيه. وقال البعيث [٤] : [من البسيط] بنى زياد لذكر الله مصنعة ... من الحجارة لم تعمل من الطّين [٥] كأنّها، غير أنّ الإنس ترفعها ... مما بنت لسليمان الشياطين وقال المقنّع الكنديّ [٦] : [من البسيط] وفي الظّعائن والأحداج أملح من ... حلّ العراق وحلّ الشام واليمنا [٧] جنّيّة من نساء الإنس أحسن من ... شمس النّهار وبدر اللّيل لو قرنا مكتومة الذكر عندي ما حييت لها ... قد لعمري مللت الصّرم والحزنا وقال أبو النّجم [٨] : [من الرجز] أدرك عقلا والرهان عمله ... كأنّ ترب القاع حين تسحله [٩] صيق شياطين زفته شمأله [١٠] وقال الأعشى [١١] في المعنى الأوّل، من بناء الشياطين لسليمان بن داود ﵉: [من الطويل]

стр. 1363

أرى عاديا الم يمنع الموت ربّه ... وورد بتيماء اليهوديّ أبلق بناه سليمان بن داود حقبة ... له جندل صمّ وطيّ موثّق ١٧٧٧-[مواضع الجن] وكما يقولون [١] : قنفذ برقة، وضبّ سحا، وأرنب الخلّة، وذئب خمر فيفرقون بينها وبين ما ليست كذلك إمّا في السّمن، وإمّا في الخبث، وإمّا في القوة- فكذلك أيضا يفرقون بين مواضع الجن. فإذا نسبوا الشّكل منها إلى موضع معروف، فقد خصّوه من الخبث والقوة والعرامة بما ليس لجملتهم وجمهورهم. قال لبيد [٢] : [من الكامل] غلب تشذّر بالذّحول كأنّها ... جنّ البديّ رواسيا أقدامها [٣] وقال النّابغة [٤] : [من الكامل] سهكين من صدإ الحديد كأنّهم ... تحت السّنوّر جنّة البقّار [٥] وقال زهير [٦] : [من الطويل] عليهنّ فتيان كجنّة عبقر ... جديرون يوما أن ينيفوا فيستعلوا وقال حاتم [٧] : [من الطويل] عليهنّ فتيان كجنّة عبقر ... يهزّون بالأيدي الوشيج المقوّما [٨]

стр. 1364

ولذلك قيل لكلّ شيء فائق، أو شديد: عبقري. وفي الحديث، في صفة عمر ﵁ «فلم أر عبقريّا يفري فريّه» [١] . قال أعرابي: ظلمني والله ظلما عبقريّا [٢] . ١٧٧٨-[مراتب الجن] ثمّ ينزلون الجن في مراتب. فإذا ذكروا الجنّيّ سالما قالوا: جني. فإذا أرادوا أنّه ممن سكن مع النّاس قالوا: عامر، والجميع عمّار. وإن كان ممن يعرض للصبيان فهم أرواح. فإن خبث أحدهم وتعرّم فهو شيطان، فإذا زاد على ذلك فهو مارد. قال الله عز ذكره: وَحِفْظاً مِنْ كُلِّ شَيْطانٍ مارِدٍ [٣] فإن زاد على ذلك في القوّة فهو عفريت، والجميع عفاريت. قال الله تعالى: قالَ عِفْرِيتٌ مِنَ الْجِنِّ أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ تَقُومَ مِنْ مَقامِكَ [٤] . وهم في الجملة جنّ وخوافي. قال الشاعر [٥] : [من البسيط] ولا يحسّ سوى الخافي بها أثر فإن طهر الجني ونظف ونقي وصار خيرا كلّه فهو ملك، في قول من تأول قوله عز ذكره: كانَ مِنَ الْجِنِّ فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ [٦] على أنّ الجنّ في هذا الموضع الملائكة. وقال آخرون: كان منهم على الإضافة إلى الدّار والدّيانة، لا على أنّه كان من جنسهم. وإنّما ذلك على قولهم سليمان بن يزيد العدوي، وسليمان بن طرخان التّيمي، وأبو علي الحرمازي، وعمرو بن فائد الأسواري، أضافوهم إلى المحالّ، وتركوا أنسابهم في الحقيقة.

стр. 1365

١٧٧٩-[استطراد لغوي] وقال آخرون: كلّ مستجنّ فهو جنّيّ، وجانّ، وجنين. وكذلك الولد قيل له جنين لكونه في البطن واستجنانه. وقالوا للميّت الذي في القبر جنين. وقال عمرو بن كلثوم [١] : [من الوافر] ولا شمطاء لم تدع المنايا ... لها من تسعة إلّا جنينا يخبر أنّها قد دفنتهم كلّهم. ١٧٨٠-[طبقات الملائكة] قالوا: وكذلك الملائكة، من الحفظة، والحملة، والكروبيّين [٢] . فلا بدّ من طبقات. وربّما فرّق بينهم بالأعمال، واشتقّ لهم الاسم من السّبب كما قالوا لواحد من الأنبياء: خليل الله، وقالوا لآخر: كليم الله، وقالوا لآخر: روح الله. ١٧٨١-[مراتب الشجعان] والعرب تنزل الشّجعاء في المراتب. والاسم العامّ شجاع، ثمّ بطل، ثم بهمة، ثم أليس. هذا قول أبي عبيدة. فأمّا قولهم: شيطان الحماطة، فإنّهم يعنون الحيّة. وأنشد الأصمعي [٣] : [من الطويل] تلاعب مثنى حضرميّ كأنّه ... تعمّج شيطان بذي خروع قفر وقد يسمّون الكبر والطغيان، والخنزوانة، والغضب الشّديد شيطانا، على التّشبيه. قال عمر بن الخطاب، رضي الله تعالى عنه [٤] : «والله لأنزعنّ نعرته، ولأضربنّه حتى أنزع شيطانه من نخرته» .

стр. 1366

١٧٨٢-[مراتب الجن] والأعراب تجعل الخوافي والمستجنّات، من قبل أن ترتّب المراتب، جنسين، يقولون جنّ وحنّ، بالجيم والحاء. وأنشدوا [١] : [من الرجز] أبيت أهوي في شياطين ترنّ ... مختلف نجواهم حنّ وجنّ [٢] ويجعلون الجنّ فوق الحنّ. وقال أعشى سليم: [من الطويل] فما أنا من جنّ إذا كنت خافيا ... ولست من النّسناس في عنصر البشر ذهب إلى قول من قال: البشر ناس ونسناس، والخوافي حنّ وجنّ. يقول: أنا من أكرم الجنسين حيثما كنت. ١٧٨٣-[شيطان ضعفة النّسّاك] وضعفة النسّاك وأغبياء العبّاد، يزعمون أنّ لهم خاصّة شيطانا قد وكّل بهم، ويقال له «المذهب» يسرج لهم النّيران، ويضيء لهم الظّلمة ليفتنهم وليريهم العجب إذا ظنّوا أنّ ذلك من قبل الله تعالى. ١٧٨٤-[شيطان حفظة القرآن] وفي الحديث أنّ الشّيطان الذي قد تفرّد بحفظة القرآن ينسيهم القرآن، يسمى خنزب [٣] ، وهو صاحب عثمان بن أبي العاص. ١٧٨٥-[شيطان الخبل] قال: وأما الخابل والخبل، فإنما ذلك اسم للجنّ الذين يخبلون النّاس بأعيانهم، دون غيرهم. وقال الشّاعر [٤] : [من الطويل] تناوح جنّان بهنّ وخبّل كأنّه أخرج الذين يخبلون ويتعرّضون، ممّن ليس عنده إلّا العزيف والنّوح. وفصل أيضا لبيد بينهم فقال [٥] : [من الطويل]

стр. 1367

أعاذل لو كان النّداد لقوتلوا ... ولكن أتانا كلّ جنّ وخابل وقد زعم ناس أنّ الخبل والخابل ناس. قالوا: فإذا كان ذلك كذلك، فكيف يقول أوس بن حجر [١] : [من الطويل] ناوح جنّان بهن وخبّل ١٧٨٦-[استطراد لغوي] قالوا: وإذا تعرّضت الجنّيّة وتلوّنت وعبثت فهي شيطانة، ثم غول. والغول في كلام العرب الدّاهية. ويقال: لقد غالته غول. وقال الشاعر: [من البسيط] تقول بيتي في عز وفي سعة ... فقد صدقت ولكن أنت مدخول لا بأس بالبيت إلّا ما صنعت به ... تبني وتهدمه هدّا له غول وقال الرّاجز: [من الرجز] والحرب غول أو كشبه الغول ... تزفّ بالرّايات والطّبول تقلب للأوتار والذّحول ... حملاق عين ليس بالمكحول [٢] ١٧٨٧-[زواج الجن بالأعراب] ومن قول الأعراب أنهم يظهرون لهم، ويكلّمونهم، ويناكحونهم. ولذلك قال شمر بن الحارث الضبّي [٣] : [من الوافر] ونار قد حضأت بعيد هدء ... بدار لا أريد بها مقاما سوى تحليل راحلة وعين ... أكالئها مخافة أنّ تناما أتوا ناري فقلت منون قالوا ... سراة الجنّ قلت عموا ظلاما فقلت إلى الطّعام فقال منهم ... زعيم نحسد الإنس الطّعاما وذكر أبو زيد عنهم أن رجلا منهم تزوج السّعلاة، وأنها كانت عنده زمانا، وولدت منه، حتّى رأت ذات ليلة برقا على بلاد السّعالي، فطارت إليهنّ، فقال [٤] : [من الوافر]

стр. 1368

رأى برقا فأوضع فوق بكر ... فلا بك ما أسال وما أغاما فمن هذا النّتاج المشترك، وهذا الخلق المركّب عندهم، بنو السّعلاة، من بين عمرو بن يربوع، وبلقيس ملكة سبأ. وتأوّلوا قول الشاعر [١] : [من الرجز] لا همّ إنّ جرهما عبادكا ... النّاس طرف وهم تلادكا فزعموا أن أبا جرهم من الملائكة الذين كانوا إذا عصوا في السّماء أنزلوا إلى الأرض [٢] ، كما قيل في هاروت وماروت. فجعلوا سهيلا عشّارا مسخ نجما، وجعلوا الزّهرة امرأة بغيّا مسخت نجما، وكان اسمها «أناهيد» . وتقول الهند في الكوكب الذي يسمّى «عطارد» شبيها بهذا. ١٧٨٨-[المخدومون] ويقول الناس: «فلان مخدوم» يذهبون إلى أنّه إذا عزم على الشّياطين والأرواح والعمّار أجابوه وأطاعوه. منهم عبد الله بن هلال الحميريّ، الذي كان يقال له صديق إبليس [٣] . ومنهم كرباش الهنديّ، وصالح المديبري. ١٧٨٩-[شروط إجابة العامر للعزيمة] وقد كان عبيد مجّ يقول: إن العامر حريص على إجابة العزيمة، ولكنّ البدن إذا لم يصلح أن يكون له هيكلا لم يستطع دخوله. والحيلة في ذلك أن يتبخّر باللبان الذّكر، ويراعي سير المشتري، ويغتسل بالماء القراح، ويدع الجماع وأكل الزّهومات [٤] ، ويتوحّش في الفيافي، ويكثر دخول الخرابات، حتى يرقّ ويلطف ويصفو ويصير فيه مشابه من الجنّ، فإن عزم عند ذلك فلم يجب فلا يعودنّ لمثلها فإنه ممّن لا يصلح أن يكون بدنه هيكلا لها، ومتى عاد خبط فربما جنّ، وربما مات. قال: فلو كنت ممّن يصلح أن يكون لهم هيكلا لكنت فوق عبد الله بن هلال.

стр. 1369

١٧٩٠-[رؤية الجن وسماع همهمتهم] قال الأعراب: وربما نزلنا بجمع كثير، ورأينا خياما وقبابا، وناسا، ثم فقدناهم من ساعتنا. والعوامّ ترى أنّ ابن مسعود، ﵁، رأى رجالا من الزّطّ فقال: «هؤلاء أشبه من رأيت بالجنّ ليلة الجنّ» . قال: وقد روي عنه خلاف ذلك. وتأوّلوا قوله تعالى: وَأَنَّهُ كانَ رِجالٌ مِنَ الْإِنْسِ يَعُوذُونَ بِرِجالٍ مِنَ الْجِنِّ فَزادُوهُمْ رَهَقاً [١] . ولم يهلك الناس كالتأويل. ومما يدلّ على ما قلنا قول أبي النّجم، حيث يقول [٢] : [من الرجز] بحيث تستنّ مع الجنّ الغول فأخرج الغول من الجنّ، للذي بانت به من الجنّ. وهكذا عادتهم: أن يخرجوا الشيء من الجملة بعد أن دخل ذلك الشيء في الجملة، فيظهر لأمر خاصّ. وفي بعض الرّواية أنهم كانوا يسمعون في الجاهلية من أجواف الأوثان همهمة، وأن خالد بن الوليد حين هدم العزّى رمته بالشّرر حتى احترق عامّة فخذه، حتى عاده النبيّ ﷺ . وهذه فتنة لم يكن الله تعالى ليمتحن بها الأعراب وأشباه الأعراب من العوامّ. وما أشك أنه قد كانت للسّدنة حيل وألطاف لمكان التكسّب. ولو سمعت أو رأيت بعض ما قد أعدّ الهند من هذه المخاريق [٣] في بيوت عباداتهم، لعلمت أنّ الله تعالى قد منّ على جملة الناس بالمتكلّمين، الذين قد نشؤوا فيهم. ١٧٩١-[افتتان بعض النصارى بمصابيح كنيسة قمامة] وقد تعرف ما في عجايز النصارى وأغمارهم [٤] ، من الافتنان بمصابيح كنيسة

стр. 1370

قمامة. فأما علماؤهم وعقلاؤهم فليسوا بمتحاشين من الكذب الصّرف، والجراءة على البهتان البحت. وقد تعوّدوا المكابرة حتى دربوا بها الدّرب الذي لا يفطن له إلا ذو الفراسة الثّابتة، والمعرفة الثّاقبة. ١٧٩٢-[إيمان الأعراب وأشباههم بالهواتف] والأعراب وأشباه الأعراب لا يتحاشون من الإيمان بالهاتف، بل يتعجّبون ممن ردّ ذلك [١] . فمن ذلك حديث الأعشى بن نبّاش بن زرارة الأسدي، أنه سمع هاتفا يقول [٢] : [من الطويل] لقد هلك الفيّاض غيث بني فهر ... وذو الباع والمجد الرّفيع وذو الفخر قال: فقلت مجيبا له: [من الطويل] ألا أيّها الناعي أخا الجود والنّدى ... من المرء تنعاه لنا من بين فهر فقال: [من الطويل] نعيت ابن جدعان بن عمرو أخا النّدى ... وذا الحسب القدموس والحسب القهر [٣] وهذا الباب كثير. قالوا: ولنقل الجنّ الأخبار علم الناس بوفاة الملوك، والأمور المهمة، كما تسامعوا بموت المنصور بالبصرة في اليوم الذي توفي فيه بقرب مكة. وهذا الباب أيضا كثير. ١٧٩٣-[من له رئيّ من الجن] وكانوا يقولون: إذا ألف الجنّي إنسانا وتعطّف عليه، وخبّره ببعض الأخبار، وجد حسّه ورأى خياله، فإذا كان عندهم كذلك قالوا: مع فلان رئيّ من الجن. وممن يقولون ذلك فيه عمرو بن لحيّ بن قمعة، والمأمور الحارثي، وعتيبة بن الحارث بن شهاب، في ناس معروفين من ذوي الأقدار، من بين فارس رئيس، وسيّد مطاع.
следующие страницы →