← Адаб

Адаб · id 23775

الحيوان

الجاحظ

Полный текст (2 028 стр.). Показаны 1366–1405 · переход к 1371.

стр. 1366

١٧٨٢-[مراتب الجن] والأعراب تجعل الخوافي والمستجنّات، من قبل أن ترتّب المراتب، جنسين، يقولون جنّ وحنّ، بالجيم والحاء. وأنشدوا [١] : [من الرجز] أبيت أهوي في شياطين ترنّ ... مختلف نجواهم حنّ وجنّ [٢] ويجعلون الجنّ فوق الحنّ. وقال أعشى سليم: [من الطويل] فما أنا من جنّ إذا كنت خافيا ... ولست من النّسناس في عنصر البشر ذهب إلى قول من قال: البشر ناس ونسناس، والخوافي حنّ وجنّ. يقول: أنا من أكرم الجنسين حيثما كنت. ١٧٨٣-[شيطان ضعفة النّسّاك] وضعفة النسّاك وأغبياء العبّاد، يزعمون أنّ لهم خاصّة شيطانا قد وكّل بهم، ويقال له «المذهب» يسرج لهم النّيران، ويضيء لهم الظّلمة ليفتنهم وليريهم العجب إذا ظنّوا أنّ ذلك من قبل الله تعالى. ١٧٨٤-[شيطان حفظة القرآن] وفي الحديث أنّ الشّيطان الذي قد تفرّد بحفظة القرآن ينسيهم القرآن، يسمى خنزب [٣] ، وهو صاحب عثمان بن أبي العاص. ١٧٨٥-[شيطان الخبل] قال: وأما الخابل والخبل، فإنما ذلك اسم للجنّ الذين يخبلون النّاس بأعيانهم، دون غيرهم. وقال الشّاعر [٤] : [من الطويل] تناوح جنّان بهنّ وخبّل كأنّه أخرج الذين يخبلون ويتعرّضون، ممّن ليس عنده إلّا العزيف والنّوح. وفصل أيضا لبيد بينهم فقال [٥] : [من الطويل]

стр. 1367

أعاذل لو كان النّداد لقوتلوا ... ولكن أتانا كلّ جنّ وخابل وقد زعم ناس أنّ الخبل والخابل ناس. قالوا: فإذا كان ذلك كذلك، فكيف يقول أوس بن حجر [١] : [من الطويل] ناوح جنّان بهن وخبّل ١٧٨٦-[استطراد لغوي] قالوا: وإذا تعرّضت الجنّيّة وتلوّنت وعبثت فهي شيطانة، ثم غول. والغول في كلام العرب الدّاهية. ويقال: لقد غالته غول. وقال الشاعر: [من البسيط] تقول بيتي في عز وفي سعة ... فقد صدقت ولكن أنت مدخول لا بأس بالبيت إلّا ما صنعت به ... تبني وتهدمه هدّا له غول وقال الرّاجز: [من الرجز] والحرب غول أو كشبه الغول ... تزفّ بالرّايات والطّبول تقلب للأوتار والذّحول ... حملاق عين ليس بالمكحول [٢] ١٧٨٧-[زواج الجن بالأعراب] ومن قول الأعراب أنهم يظهرون لهم، ويكلّمونهم، ويناكحونهم. ولذلك قال شمر بن الحارث الضبّي [٣] : [من الوافر] ونار قد حضأت بعيد هدء ... بدار لا أريد بها مقاما سوى تحليل راحلة وعين ... أكالئها مخافة أنّ تناما أتوا ناري فقلت منون قالوا ... سراة الجنّ قلت عموا ظلاما فقلت إلى الطّعام فقال منهم ... زعيم نحسد الإنس الطّعاما وذكر أبو زيد عنهم أن رجلا منهم تزوج السّعلاة، وأنها كانت عنده زمانا، وولدت منه، حتّى رأت ذات ليلة برقا على بلاد السّعالي، فطارت إليهنّ، فقال [٤] : [من الوافر]

стр. 1368

رأى برقا فأوضع فوق بكر ... فلا بك ما أسال وما أغاما فمن هذا النّتاج المشترك، وهذا الخلق المركّب عندهم، بنو السّعلاة، من بين عمرو بن يربوع، وبلقيس ملكة سبأ. وتأوّلوا قول الشاعر [١] : [من الرجز] لا همّ إنّ جرهما عبادكا ... النّاس طرف وهم تلادكا فزعموا أن أبا جرهم من الملائكة الذين كانوا إذا عصوا في السّماء أنزلوا إلى الأرض [٢] ، كما قيل في هاروت وماروت. فجعلوا سهيلا عشّارا مسخ نجما، وجعلوا الزّهرة امرأة بغيّا مسخت نجما، وكان اسمها «أناهيد» . وتقول الهند في الكوكب الذي يسمّى «عطارد» شبيها بهذا. ١٧٨٨-[المخدومون] ويقول الناس: «فلان مخدوم» يذهبون إلى أنّه إذا عزم على الشّياطين والأرواح والعمّار أجابوه وأطاعوه. منهم عبد الله بن هلال الحميريّ، الذي كان يقال له صديق إبليس [٣] . ومنهم كرباش الهنديّ، وصالح المديبري. ١٧٨٩-[شروط إجابة العامر للعزيمة] وقد كان عبيد مجّ يقول: إن العامر حريص على إجابة العزيمة، ولكنّ البدن إذا لم يصلح أن يكون له هيكلا لم يستطع دخوله. والحيلة في ذلك أن يتبخّر باللبان الذّكر، ويراعي سير المشتري، ويغتسل بالماء القراح، ويدع الجماع وأكل الزّهومات [٤] ، ويتوحّش في الفيافي، ويكثر دخول الخرابات، حتى يرقّ ويلطف ويصفو ويصير فيه مشابه من الجنّ، فإن عزم عند ذلك فلم يجب فلا يعودنّ لمثلها فإنه ممّن لا يصلح أن يكون بدنه هيكلا لها، ومتى عاد خبط فربما جنّ، وربما مات. قال: فلو كنت ممّن يصلح أن يكون لهم هيكلا لكنت فوق عبد الله بن هلال.

стр. 1369

١٧٩٠-[رؤية الجن وسماع همهمتهم] قال الأعراب: وربما نزلنا بجمع كثير، ورأينا خياما وقبابا، وناسا، ثم فقدناهم من ساعتنا. والعوامّ ترى أنّ ابن مسعود، ﵁، رأى رجالا من الزّطّ فقال: «هؤلاء أشبه من رأيت بالجنّ ليلة الجنّ» . قال: وقد روي عنه خلاف ذلك. وتأوّلوا قوله تعالى: وَأَنَّهُ كانَ رِجالٌ مِنَ الْإِنْسِ يَعُوذُونَ بِرِجالٍ مِنَ الْجِنِّ فَزادُوهُمْ رَهَقاً [١] . ولم يهلك الناس كالتأويل. ومما يدلّ على ما قلنا قول أبي النّجم، حيث يقول [٢] : [من الرجز] بحيث تستنّ مع الجنّ الغول فأخرج الغول من الجنّ، للذي بانت به من الجنّ. وهكذا عادتهم: أن يخرجوا الشيء من الجملة بعد أن دخل ذلك الشيء في الجملة، فيظهر لأمر خاصّ. وفي بعض الرّواية أنهم كانوا يسمعون في الجاهلية من أجواف الأوثان همهمة، وأن خالد بن الوليد حين هدم العزّى رمته بالشّرر حتى احترق عامّة فخذه، حتى عاده النبيّ ﷺ . وهذه فتنة لم يكن الله تعالى ليمتحن بها الأعراب وأشباه الأعراب من العوامّ. وما أشك أنه قد كانت للسّدنة حيل وألطاف لمكان التكسّب. ولو سمعت أو رأيت بعض ما قد أعدّ الهند من هذه المخاريق [٣] في بيوت عباداتهم، لعلمت أنّ الله تعالى قد منّ على جملة الناس بالمتكلّمين، الذين قد نشؤوا فيهم. ١٧٩١-[افتتان بعض النصارى بمصابيح كنيسة قمامة] وقد تعرف ما في عجايز النصارى وأغمارهم [٤] ، من الافتنان بمصابيح كنيسة

стр. 1370

قمامة. فأما علماؤهم وعقلاؤهم فليسوا بمتحاشين من الكذب الصّرف، والجراءة على البهتان البحت. وقد تعوّدوا المكابرة حتى دربوا بها الدّرب الذي لا يفطن له إلا ذو الفراسة الثّابتة، والمعرفة الثّاقبة. ١٧٩٢-[إيمان الأعراب وأشباههم بالهواتف] والأعراب وأشباه الأعراب لا يتحاشون من الإيمان بالهاتف، بل يتعجّبون ممن ردّ ذلك [١] . فمن ذلك حديث الأعشى بن نبّاش بن زرارة الأسدي، أنه سمع هاتفا يقول [٢] : [من الطويل] لقد هلك الفيّاض غيث بني فهر ... وذو الباع والمجد الرّفيع وذو الفخر قال: فقلت مجيبا له: [من الطويل] ألا أيّها الناعي أخا الجود والنّدى ... من المرء تنعاه لنا من بين فهر فقال: [من الطويل] نعيت ابن جدعان بن عمرو أخا النّدى ... وذا الحسب القدموس والحسب القهر [٣] وهذا الباب كثير. قالوا: ولنقل الجنّ الأخبار علم الناس بوفاة الملوك، والأمور المهمة، كما تسامعوا بموت المنصور بالبصرة في اليوم الذي توفي فيه بقرب مكة. وهذا الباب أيضا كثير. ١٧٩٣-[من له رئيّ من الجن] وكانوا يقولون: إذا ألف الجنّي إنسانا وتعطّف عليه، وخبّره ببعض الأخبار، وجد حسّه ورأى خياله، فإذا كان عندهم كذلك قالوا: مع فلان رئيّ من الجن. وممن يقولون ذلك فيه عمرو بن لحيّ بن قمعة، والمأمور الحارثي، وعتيبة بن الحارث بن شهاب، في ناس معروفين من ذوي الأقدار، من بين فارس رئيس، وسيّد مطاع.

стр. 1371

فأما الكهّان [١] : فمثل حارثة جهينة [٢] ، وكاهنة باهلة، وعزّى سلمة، ومثل شقّ، وسطيح، وأشباههم. وأما العرّاف، وهو دون الكاهن، فمثل الأبلق الأسدي، والأجلح الزهري، وعروة ابن زيد الأسدي، وعرّاف اليمامة رباح بن كحلة [٣] ، وهو صاحب بنت المستنير البلتعي، وقد قال الشاعر [٤] : [من الطويل] فقلت لعراف اليمامة داوني ... فإنّك إنّ أبرأتني لطبيب وقال جبيهاء الأشجعيّ: [من الوافر] أقام هوى صفيّة في فؤادي ... وقد سيّرت كلّ هوى حبيب لك الخيرات كيف منحت ودّي ... وما أنا من هواك بذي نصيب أقول وعروة الأسديّ يرقي ... أتاك برقية الملق الكذوب لعمرك ما التّثاؤب يا ابن زيد ... بشاف من رقاك ولا مجيب لسير النّاعجات أظنّ أشفى ... لما بي من طبيب بني الذّهوب [٥] وليس الباب الذي يدّعيه هؤلاء من جنس العيافة والزّجر، والخطوط، والنّظر في أسرار الكفّ، وفي مواضع قرض الفار، وفي الخيلان في الجسد، وفي النظر في الأكتاف، والقضاء بالنجوم، والعلاج بالفكر. وقد كان مسيلمة يدّعي أن معه رئيّا في أوّل زمانه، ولذلك قال الشّاعر، حين وصف مخاريقه وخدعه: [من الطويل] ببيضة قارور وراية شادن ... وخلة جنّيّ وتوصيل طائر [٦]

стр. 1372

ألا تراه ذكر خلّة الجني. ١٧٩٤-[تعرض الشّقّ للمسافرين وإهلاكه لهم] ويقولون [١] : ومن الجنّ جنس صورة الواحد منهم على نصف صورة الإنسان، واسمه شقّ، وإنّه كثيرا ما يعرض للرّجل المسافر إذا كان وحده، فرّبما أهلكه فزعا، وربما أهلكه ضربا وقتلا. قالوا [٢] : فمن ذلك حديث علقمة بن صفوان بن أميّة بن محرّث الكناني، جدّ مروان بن الحكم، خرج في الجاهلية، وهو يريد مالا له بمكة، وهو على حمار، وعليه إزار ورداء، ومعه مقرعة، في ليلة إضحيانة، حتى انتهى إلى موضع يقال له حائط حزمان، فإذا هو بشقّ له يد ورجل، وعين، ومعه سيف، وهو يقول: [من الرجز] علقم إني مقتول ... وإن لحمي مأكول أضربهم بالهذلول ... ضرب غلام شملول [٣] رحب الذّراع بهلول فقال علقمة: يا شقّها مالي ولك ... اغمد عنّي منصلك [٤] تقتل من لا يقتلك فقال شقّ: عبيت لك عبيت لك ... كيما أتيح مقتلك فاصبر لما قد حمّ لك قال: فضرب كلّ واحد منهما صاحبه، فخرّا ميّتين، فممّن قتلت الجنّ علقمة ابن صفوان هذا، وحرب بن أميّة. قالوا: وقالت الجنّ [٥] : [من الرجز] وقبر حرب بمكان قفر ... وليس قرب قبر حرب قبر [٦]

стр. 1373

قالوا [١] : ومن الدّليل على ذلك، وعلى أنّ هذين البيتين من أشعار الجن أن أحدا لا يستطيع أن ينشدهما ثلاث مرات متصلة، لا يتتعتع فيها، وهو يستطيع أن ينشد أثقل شعر في الأرض وأشقّه عشر مرّات ولا يتعتع. ١٧٩٥-[ذكر من قتلته الجنّ أو استهوته] قال [٢] : وقتلت مرداس بن أبي عامر، أبا عبّاس بن مرداس [٣] ، وقتلت الغريض خنقا بعد أن غنّى بالغناء الذي كانوا نهوه عنه، وقتلت الجنّ سعد بن عبادة بن دليم، وسمعوا الهاتف يقول [٤] : [من الهزج] نحن قتلنا سيّد الخزر ... ج سعد بن عباده رميناه بسهمين ... فلم نخط فؤاده واستهووا سنان بن أبي حارثة ليستفحلوه، فمات فيهم. واستهووا طالب بن أبي طالب، فلم يوجد له أثر إلى يومنا هذا [٥] . واستهووا عمرو بن عديّ اللّخميّ الملك، الذي يقال فيه [٦] : «شبّ عمرو عن الطّوق» ، ثمّ ردّوه على خاله جذيمة الأبرش، بعد سنين وسنين. واستهووا عمارة بن الوليد بن المغيرة، ونفخوا في إحليله فصار مع الوحش [٧] . ويروون عن عبد الله بن فائد بإسناد له يرفعه، أنّ النبي ﷺ قال: «خرافة رجل من عذرة استهوته الشّياطين» ، وأنّه تحدّث يوما بحديث فقالت امرأة من نسائه: هذا من حديث خرافة! قال: «لا، وخرافة حقّ» [٨] .

стр. 1374

١٧٩٦-[طعام الجن] ورووا عن عمر بن الخطاب ﵁، أنّه سأل المفقود الذي استهوته الجن: ما كان طعامهم؟ قال: الفول. قال: فما كان شرابهم؟ قال: الجدف [١] . ورووا أن طعامهم الرّمة وما لم يذكر اسم الله عليه. ورووا عن النبي ﷺ والحديث صحيح- أنه قال [٢] : «خمّروا آنيتكم، وأوكئوا أسقيتكم وأجيفوا الأبواب، وأطفئوا المصابيح، واكففوا صبيانكم، فإن للشّياطين انتشارا وخطفة» . ١٧٩٧-[ضرب المثل بقبح الشيطان] وقد قال الناس في قوله تعالى: إِنَّها شَجَرَةٌ تَخْرُجُ فِي أَصْلِ الْجَحِيمِ. طَلْعُها كَأَنَّهُ رُؤُسُ الشَّياطِينِ [٣] ، فزعم ناس أنّ رؤوس الشياطين ثمر شجرة تكون ببلاد اليمن، لها منظر كريه. والمتكلّمون لا يعرفون هذا التّفسير، وقالوا: ما عنى إلّا رؤوس الشياطين المعروفين بهذا الاسم، من فسقة الجن ومردتهم. فقال أهل الطّعن والخلاف: كيف يجوز أن يضرب المثل بشيء لم نره فنتوهّمه، ولا وصفت لنا صورته في كتاب ناطق، أو خبر صادق. ومخرج الكلام يدلّ على التخويف بتلك الصّورة، والتفزيع منها. وعلى أنّه لو كان شيء أبلغ في الزّجر من ذلك لذكره. فكيف يكون الشأن كذلك، والناس لا يفزعون إلّا من شيء هائل شنيع، قد عاينوه، أو صوّره لهم واصف صدوق اللسان، بليغ في الوصف. ونحن لم نعاينها، ولا صوّرها لنا صادق. وعلى أنّ أكثر الناس من هذه الأمم التي لم تعايش أهل الكتابين وحملة القرآن من المسلمين، ولم تسمع الاختلاف لا يتوهّمون ذلك، ولا يقفون عليه، ولا يفزعون منه. فكيف يكون ذلك وعيدا عاما؟! قلنا [٤] : وإن كنّا نحن لم نر شيطانا قطّ ولا صوّر رؤوسها لنا صادق بيده، ففي

стр. 1375

إجماعهم على ضرب المثل بقبح الشيطان، حتّى صاروا يضعون ذلك في مكانين: أحدهما أن يقولوا: «لهو أقبح من الشيطان» ، والوجه الآخر أن يسمّى الجميل شيطانا، على جهة التطيّر له، كما تسمّى الفرس الكريمة شوهاء، والمرأة الجميلة صمّاء، وقرناء، وخنساء، وجرباء وأشباه ذلك، على جهة التطيّر له. ففي إجماع المسلمين والعرب وكلّ من لقيناه على ضرب المثل بقبح الشيطان، دليل على أنه في الحقيقة أقبح من كل قبيح. والكتاب إنّما نزل على هؤلاء الذين قد ثبّت في طبائعهم بغاية التثبيت. وكما يقولون: «لهو أقبح من السحر» ، فكذلك يقولون، كما قال عمر بن عبد العزيز لبعض من أحسن الكلام في طلب حاجته- « «هذا والله السّحر الحلال» . وكذلك أيضا ربّما قالوا: «ما فلان إلا شيطان» على معنى الشّهامة والنّفاذ وأشباه ذلك [١] . ١٧٩٨-[صفة الغول والشيطان] والعامّة تزعم أنّ الغول تتصوّر في أحسن صورة إلا أنه لا بدّ أن تكون رجلها رجل حمار [٢] . وخبّروا عن الخليل بن أحمد، أنّ أعرابيّا أنشده [٣] : [من البسيط] وحافر العير في ساق خدلّجة ... وجفن عين خلاف الإنس في الطول [٤] وذكروا أنّ العامّة تزعم أنّ شقّ عين الشيطان بالطول. وما أظنّهم أخذوا هذين المعنين إلّا عن الأعراب. ١٧٩٩-[ردّ على أهل الطعن في الكتاب] وأما إخبارهم عن هذه الأمم، وعن جهلها بهذا الإجماع والاتّفاق والإطباق، فما القول في ذلك إلّا كالقول في الزّبانية وخزنة جهنّم، وصور الملائكة الذين

стр. 1376

يتصوّرون في أقبح الصّور إذا حضروا لقبض أرواح الكفار، وكذلك في صور منكر ونكير، تكون للمؤمن على مثال، وللكافر على مثال. ونحن نعلم أنّ الكفار يزعمون أنهم لا يتوهّمون الكلام والمحاجّة من إنسان ألقي في جاحم أتّون فكيف بأن يلقى في نار جهنّم؟! فالحجّة على جميع هؤلاء، في جميع هذه الأبواب، من جهة واحدة. وهذا الجواب قريب. والحمد لله. وشقّ فم العنكبوت بالطول. وله ثماني أرجل. ١٨٠٠-[سكنى الجن أرض وبار] وتزعم الأعراب أن الله عزّ ذكره حين أهلك الأمة التي كانت تسمّى وبار، كما أهلك طسما، وجديسا، وأميما، وجاسما، وعملاقا، وثمودا وعادا- أنّ الجنّ سكنت في منازلها وحمتها من كلّ من أرادها، وأنّها أخصب بلاد الله، وأكثرها شجرا، وأطيبها ثمرا، وأكثرها حبّا وعنبا، وأكثرها نخلا وموزا. فإن دنا اليوم إنسان من تلك البلاد، متعمّدا، أو غالطا، حثوا في وجهه التراب، فإن أبى الرّجوع خبلوه، وربّما قتلوه. والموضع نفسه باطل. فإذا قيل لهم: دلّونا على جهته، ووقّفونا على حدّه وخلاكم ذمّ- زعموا أنّ من أراد ألقي على قلبه الصّرفة، حتّى كأنهم أصحاب موسى في التّيه. وقال الشاعر [١] : [من الطويل] وداع دعا واللّيل مرخ سدوله ... رجاء القرى يا مسلم بن حمار دعا جعلا لا يهتدي لمقيله ... من اللؤم حتّى يهتدي لوبار فهذا الشاعر الأعرابيّ جعل أرض وبار مثلا في الضلال. والأعراب يتحدّثون عنها كما يتحدّثون عمّا يجدونه بالدّوّ والصّمّان، والدهناء، ورمل يبرين. وما أكثر ما يذكرون أرض وبار في الشّعر، على معنى هذا الشاعر [٢] . قالوا: فليس اليوم في تلك البلاد إلّا الجنّ، والإبل الحوشيّة.

стр. 1377

١٨٠١-[الحوشية من الإبل] والحوش من الإبل عندهم هي التي ضربت فيها فحول إبل الجن. فالحوشيّة من نسل إبل الجن. والعيديّة، والمهرية، والعسجديّة، والعمانية، قد ضربت فيها الحوش. وقال رؤبة [١] : [من الرجز] جرّت رحانا من بلاد الحوش وقال ابن هريم: [من الطويل] كأنّي على حوشيّة أو نعامة ... لها نسب في الطّير وهو ظليم وإنما سمّوا صاحبة يزيد بن الطّثرية «حوشيّة» على هذا المعنى. ١٨٠٢-[التحصّن من الجنّ] وقال بعض أصحاب التفسير في قوله تعالى: وَأَنَّهُ كانَ رِجالٌ مِنَ الْإِنْسِ يَعُوذُونَ بِرِجالٍ مِنَ الْجِنِّ فَزادُوهُمْ رَهَقاً [٢] : إنّ جماعة من العرب كانوا إذا صاروا في تيه من الأرض، وتوسّطوا بلاد الحوش، خافوا عبث الجنّان والسّعالي والغيلان والشياطين، فيقوم أحدهم فيرفع صوته: إنا عائذون بسيّد هذا الوادي! فلا يؤذيهم أحد، وتصير لهم بذلك خفارة [٣] . ١٨٠٣-[الصرع والاستهواء] [٤] وهم يزعمون أن المجنون إذا صرعته الجنّيّة، وأنّ المجنونة إذا صرعها الجنيّ- أنّ ذلك إنما هو على طريق العشق والهوى، وشهوة النّكاح، وأن الشيطان يعشق المرأة منّا، وأنّ نظرته إليها من طريق العجب بها أشدّ عليها من حمّى أيام، وأنّ عين الجانّ أشدّ من عين الإنسان. قال: وسمع عمرو بن عبيد، ﵁، ناسا من المتكلّمين ينكرون صرع الإنسان للإنسان، واستهواء الجنّ للإنس، فقال وما ينكرون من ذلك وقد سمعوا قول

стр. 1378

الله عزّ ذكره في أكلة الرّبا، وما يصيبهم يوم القيامة، حيث قال: الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبا لا يَقُومُونَ إِلَّا كَما يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطانُ مِنَ الْمَسِ [١] . ولو كان الشّيطان لم يخبط أحدا لما ذكر الله تعالى به أكلة الرّبا. فقيل له: ولعلّ ذلك كان مرّة فذهب. قال: ولعله قد كثر فازداد أضعافا. قال: وما ينكرون من الاستهواء بعد قوله تعالى: كَالَّذِي اسْتَهْوَتْهُ الشَّياطِينُ فِي الْأَرْضِ حَيْرانَ [٢] . ١٨٠٤-[زعم العرب أن الطاعون طعن من الشيطان] قال [٣] : والعرب تزعم أن الطاعون طعن من الشيطان، ويسمّون الطّاعون رماح الجنّ. قال الأسديّ للحارث الملك الغسّاني [٤] : [من الوافر] لعمرك ما خشيت على أبيّ ... رماح بني مقيّدة الحمار ولكني خشيت على أبيّ ... رماح الجنّ أو إياك حار يقول: لم أكن أخاف على أبيّ مع منعته وصرامته، أن يقتله الأنذال، ومن يرتبط العير دون الفرس، ولكني إنما كنت أخافك عليه، فتكون أنت الذي تطعنه أو يطعنه طاعون الشّام. وقال العمانيّ يذكر دولة بني العبّاس [٥] : [من الرجز] قد دفع الله رماح الجن ... وأذهب العذاب والتّجنّي [٦] وقال زيد بن جندب الإياديّ [٧] : [من الطويل] ولولا رماح الجنّ ما كان هزهم ... رماح الأعادي من فصيح وأعجم

стр. 1379

ذهب إلى قول أبي دؤاد [١] : [من الخفيف] سلّط الموت والمنون عليهم ... فلهم في صدى المقابر هام يعني الطاعون الذي كان أصاب إيادا. وجاء في الحديث عن النبي ﷺ أنّه ذكر الطّاعون فقال [٢] : «هو وخز من عدوّكم» : وأنّ عمرو بن العاص قام في النّاس في طاعون عمواس فقال [٣] : «إنّ هذا الطاعون قد ظهر، وإنما هو وخز من الشّيطان، ففرّوا منه في هذه الشّعاب» . وبلغ معاذ بن جبل، فأنكر ذلك القول عليه. ١٨٠٥-[تصور الجنّ والغيلان والملائكة والناس] وتزعم العامّة أنّ الله تعالى قد ملّك الجن والشياطين والعمّار والغيلان أن يتحوّلوا في أيّ صورة شاؤوا، إلّا الغول، فإنّها تتحوّل في جميع صورة المرأة ولباسها، إلّا رجليها، فلا بدّ من أن تكون رجلي حمار [٤] . وإنما قاسوا تصوّر الجن على تصوّر جبريل ﵇ في صورة دحية بن خليفة الكلبي [٥] ، وعلى تصوّر الملائكة الذين أتوا مريم [٦] ، وإبراهيم، ولوطا، وداود ﵈ في صورة الآدميّين، وعلى ما جاء في الأثر من تصوّر إبليس في صورة سراقة بن مالك بن جعشم [٧] ، وعلى تصوّره في صورة الشيخ النجدي [٨] . وقاسوه على تصوّر ملك الموت إذا حضر لقبض أرواح بني آدم، فإنه عند ذلك يتصوّر على قدر الأعمال الصالحة والطالحة. قالوا [٩] : وقد جاء في الخبر أنّ من الملائكة من هو في صورة الرّجال، ومنهم

стр. 1380

من هو في صورة الثّيران، ومنهم من هو في صورة النسور. ويدلّ على ذلك تصديق النبى ﷺ لأميّة بن أبي الصّلت، حين أنشد [١] : [من الكامل] رجل وثور تحت رجل يمينه ... والنّسر للأخرى وليث مرصد قالوا: فإذ قد استقام أن تختلف صورهم وأخلاط أبدانهم، وتتفق عقولهم وبيانهم واستطاعتهم، جاز أيضا أن يكون إبليس والشّيطان والغول أن يتبدلوا في الصّور من غير أن يتبدلوا في العقل والبيان والاستطاعة. قالوا: وقد حوّل الله تعالى جعفر بن أبي طالب طائرا، حتى سماه المسلمون الطّيّار [٢] ، ولم يخرجه ذلك من أن نراه غدا في الجنة، وله مثل عقل أخيه علي ﵄، ومثل عقل عمه حمزة رضي الله تعالى عنه، مع المساواة بالبيان والخلق. ١٨٠٦-[أحاديث في إثبات الشيطان] قالوا: وقد جاء في الأثر النهي عن الصّلاة في أعطان الإبل، لأنّها خلقت من أعنان الشياطين [٣] . وجاء أنّ النبيّ ﷺ نهى عن الصّلاة عند طلوع الشّمس حتى طلوعها، فإنّها بين قرني شيطان [٤] . وجاء أنّ الشياطين تغلّ في رمضان. فكيف تنكر ذلك مع قوله تعالى في القرآن. وَالشَّياطِينَ كُلَّ بَنَّاءٍ وَغَوَّاصٍ. وَآخَرِينَ مُقَرَّنِينَ فِي الْأَصْفادِ [٥] . ولشهرة ذلك في العرب، في بقايا ما ثبتوا عليه من دين إبراهيم ﵇، قال النابغة الذبياني [٦] : [من البسيط]

стр. 1381

إلا سليمان إذ قال الإله له ... قم في البريّة فاحددها عن الفند [١] وخيّس الجنّ إنّي قد أذنت لهم ... يبنون تدمر بالصّفّاح والعمد [٢] فمن عصاك فعاقبه معاقبة ... تنهى الظّلوم ولا تقعد على ضمد [٣] وجاء في قتل الأسود البهيم من الكلاب، وفي ذي النّكتتين، وفي الحية ذات الطّفيتين [٤] ، وفي الجانّ [٥] . وجاء: «لا تشربوا من ثلمة الإناء، فإنّه كفل الشّيطان» [٦] . وفي العاقد شعره في الصلاة: «إنّه كفل الشيطان» . وأن النبي ﷺ قال: «تراصّوا بينكم في الصلاة، لا تتخللكم الشّياطين كأنّها بنات حذف» [٧] . وأنّه نهى عن ذبائح الجن [٨] . ورووا: «أن امرأة أتت إلى النبي ﷺ فقالت: إنّ ابني هذا، به جنون يصيبه عند الغداء والعشاء قال: فمسح النبيّ ﷺ صدره، فثعّ ثعة فخرج من جوفه جرو أسود يسعى» .

стр. 1382

قالوا: وقد قضى ابن علاثة القاضي بين الجنّ، في دم كان بينهم بحكم أقنعهم. ١٨٠٧-[رجع إلى تفسير قصيدة البهراني] ثم رجع بنا القول إلى تفسير قصيدة البهّراني [١] : أما قوله: ١٠- «وتزوّجت في الشبيبة غولا ... بغزال وصدقتي زقّ خمر» فزعم أنه جعل صداقها غزالا وزقّ خمر، فالخمر لطيب الرائحة، والغزال لتجعله مركبا، فإنّ الظّباء من مراكب الجنّ. وأما قوله: ١١- «ثيّب إن هويت ذلك منها ... ومتى شئت لم أجد غير بكر» كأنه قال: هي تتصوّر في أيّ صورة شاءت. ١٨٠٨-[شياطين الشعراء] وأما قوله: ١٢- «بنت عمرو وخالها مسحل الخي ... ر وخالي هميم صاحب عمرو» فإنهم يزعمون [٢] أنّ مع كلّ فحل من الشعراء شيطانا يقول ذلك الفحل على لسانه الشعر، فزعم البهراني أنّ هذه الجنّية بنت عمرو صاحب المخبّل، وأن خالها مسحل شيطان الأعشى. وذكر أن خاله هميم، وهو همّام. وهمّام هو الفرزدق. وكان غالب بن صعصعة إذا دعا الفرزدق قال: يا هميم. وأما قوله: «صاحب عمرو» فكذلك أيضا يقال إن اسم شيطان الفرزدق عمرو. وقد ذكر الأعشى مسحلا حين هجاه جهنّام فقال [٣] : [من الطويل] دعوت خليلي مسحلا ودعوا له ... جهنّام جدعا للهجين المذمّم

стр. 1383

وذكره الأعشى فقال [١] : [من الطويل] حباني أخي الجنّيّ نفسي فداؤه ... بأفيح جيّاش العشيّات مرجم [٢] وقال أعشى سليم [٣] : [من الطويل] وما كان جنّيّ الفرزدق قدوة ... وما كان فيهم مثل فحل المخبّل وما في الخوافي مثل عمرو وشيخه ... ولا بعد عمرو شاعر مثل مسحل وقال الفرزدق [٤] ، في مديح أسد بن عبد الله: [من البسيط] ليبلغنّ أبا الأشبال مدحتنا ... من كان بالغور أو مروي خراسانا [٥] كأنّها الذّهب العقيان حبّرها ... لسان أشعر خلق الله شيطانا [٦] وقال: [من الطويل] فلو كنت عندي يوم قوّ عذرتني ... بيوم دهتني جنّه وأخابله فمن أجل هذا البيت، ومن أجل قول الآخر: [من الوافر] إذا ما راع جارته فلاقى ... خبال الله من إنس وجنّ زعموا أنّ الخابل النّاس. ولما قال بشّار الأعمى [٧] : [من الطويل] دعاني شنقناق إلى خلف بكرة ... فقلت: اتركنّي فالتفرّد أحمد [٨] يقول: أحمد في الشعر أن لا يكون لي عليه معين- فقال أعشى سليم [٩] يردّ عليه: [من الطويل]

стр. 1384

إذا ألف الجنّيّ قردا مشنّفا ... فقل لخنازير الجزيرة أبشري فجزع بشّار من ذلك جزعا شديدا، لأنّه كان يعلم مع تغزّله أنّ وجهه وجه قرد. وكان أوّل ما عرف من جزعه من ذكر القرد، الذي رأوا منه حين أنشدوه بيت حمّاد [١] : [من الهزج] ويا أقبح من قرد ... إذا ما عمي القرد وأما قوله: ١٣- «ولها خطّة بأرض وبار ... مسحوها فكان لي نصف شطر» [٢] فإنما ادّعى الرّبع من ميراثها، لأنه قال: ٢١- «تركت عبدلا ثمال اليتامى ... وأخوه مزاحم كان بكري» ٢٢- «وضعت تسعة وكانت نزورا ... من نساء في أهلها غير نزر» [٣] وفي أنّ مع كلّ شاعر شيطانا يقول معه، قول أبي النجم [٤] : [من الرجز] إني وكلّ شاعر من البشر ... شيطانه أنثى وشيطاني ذكر وقال آخر [٥] : [من الرجز] إني وإن كنت صغير السّنّ ... وكان في العين نبوّ عنّي فإنّ شيطاني كبير الجنّ ١٨٠٩-[كلاب الجن] وأما قول عمرو بن كلثوم [٦] : [من الوافر]

стр. 1385

وقد هرّت كلاب الجنّ منا ... وشذّبنا قتادة من يلينا فإنهم يزعمون أنّ كلاب الجنّ هم الشعراء. ١٨١٠-[أرض الجن] وأما قوله: ١٤- «أرض حوش وجامل عكنان ... وعروج من المؤبّل دثر» فأرض الحوش هي أرض وبار، وقد فسّرنا تأويل الحوش [١] ، والعكنان: الكثير الذي لا يكون فوقه عدد. قوله: «عروج» جمع عرج. والعرج: ألف من الإبل نقص شيئا أو زاد شيئا. و «المؤبّل» من الإبل، يقال إبل مؤبّلة، ودراهم مدرهمة، وبدر مبدّرة، مثل قوله تعالى: وَالْقَناطِيرِ الْمُقَنْطَرَةِ [٢] وأما قوله: «دثر» فإنهم يقولون: مال دثر، ومال دبر، ومال حوم: إذا كان كثيرا. ١٨١١-[استراق السمع] وأما قوله: ١٦- «ونفوا عن حريمها كلّ عفر ... يسرق السّمع كلّ ليلة بدر» فالعفر هو العفريت، وجعله لا يسرق السمع إلا جهارا في أضوإ ما يكون البدر، من شدّة معاندته، وفرط قوته. ١٨١٢-[الشنقناق والشيصبان] وأما قوله: ١٧- في فتوّ من الشّنقناق غرّ ... ونساء من الزّوابع زهر» الزوابع: بنو زوبعة الجنّيّ، وهم أصحاب الرّهج والقتام والتّثوير وقال راجزهم: [من الرجز] إنّ الشياطين أتوني أربعه ... في غبش الليل وفيهم زوبعه فأما شنقناق وشيصبان، فقد ذكرهما أبو النجم [٣] : [من الرجز] لابن شنقناق وشيصبان

стр. 1386

فهذان رئيسان ومن آباء القبائل. وقد قال شاعرهم [١] : [من المتقارب] إذا ما ترعرع فينا الغلام ... فليس يقال له من هوه إذا لم يسد قبل شدّ الإزار ... فذلك فينا الذي لا هوه ولي صاحب من بني الشّيصبا ... ن فطورا أقول وطورا هوه وهذا البيت أيضا يصلح أن يلحق في الدّليل على أنهم يقولون: إن مع كلّ شاعر شيطانا. ومن ذلك قول بشّار الأعمى [٢] : [من الطويل] دعاني شنقناق إلى خلف بكرة ... فقلت: اتركنّي فالتّفرّد أحمد ١٨١٣-[شياطين الشام والهند] قال: وأصحاب الرّقى والأخذ والعزائم، والسّحر، والشّعبذة، يزعمون أنّ العدد والقوّة في الجنّ والشياطين لنازلة الشام والهند، وأنّ عظيم شياطين الهند يقال له: تنكوير [٣] ، وعظيم شياطين الشام يقال له: دركاذاب [٣] . وقد ذكرهما أبو إسحاق في هجائه محمد بن يسير، حين ادّعى هذه الصناعة فقال: [من الخفيف] قد لعمري جمعت مل آصفيّا ... ت ومن سفر آدم والجراب [٤] وتفرّدت بالطوالق والهي ... كل والرّهنبات من كلّ باب وعلمت الأسماء كيما تلاقي ... زحلا والمرّيخ فوق السّحاب واستثرت الأرواح بالبحر يأتي ... ن لصرع الصّحيح بعد المصاب جامعا من لطائف الدّنهشيّا ... ت كبوسا نمّقتها في كتاب [٥] ثم أحكمت متقن الكرويّا ... ت وفعل الناريس والنجاب ثمّ لم تعيك الشعابيذ والخد ... مة والإحتفاء بالطلاب [٦] بالخواتيم والمناديل والسّع ... ي بتنكوير ودركاذاب

стр. 1387

١٨١٤-[قتل الغول بضربة واحدة] وأما قوله: ٢٠- «ضربت فردة فصارت هباء ... في محاق القمير آخر شهر» فإنّ الأعراب والعامّة تزعم أن الغول إذا ضربت ضربة ماتت، إلّا أن يعيد عليها الضّارب قبل أن تقضي ضربة أخرى، فإنّه إن فعل ذلك لم تمت. وقال شاعرهم: [من الكامل] فثنّيت والمقدار يحرس أهله ... فليت يميني قبل ذلك شلّت وأنشد لأبي البلاد الطّهويّ [١] : [من الوافر] لهان على جهينة ما ألاقي ... من الرّوعات يوم رحى بطان [٢] لقيت الغول تسري في ظلام ... بسهب كالعباية صحصحان [٣] فقلت لها كلانا نقض أرض ... أخو سفر فصدّي عن مكاني [٤] فصدّت وانتحيت لها بعضب ... حسام غير مؤتشب يماني [٥] فقدّ سراتها والبرك منها ... فخرّت لليدين وللجران [٦] فقالت زد فقلت رويد إنّي ... على أمثالها ثبت الجنان [٧] شددت عقالها وحططت عنها ... لأنظر غدوة ماذا دهاني إذا عينان في وجه قبيح ... كوجه الهرّ مشقوق اللسان ورجلا مخدج ولسان كلب ... وجلد من فراء أو شنان [٨] وأبو البلاد هذا الطهوي كان من شياطين الأعراب، وهو كما ترى يكذب وهو يعلم، ويطيل الكذب ويحبّره. وقد قال كما ترى: [من الوافر]

стр. 1388

فقالت زد فقلت رويد إنّي ... على أمثالها ثبت الجنان لأنّهم هكذا يقولون، يزعمون أنّ الغول تستزيد بعد الضّربة الأولى لأنّها تموت من ضربة، وتعيش من ألف ضربة [١] . ١٨١٥-[مناكحة الجنّ ومحالفتهم] وأمّا قوله: ٢٣- «غلبتني على النّجابة عرسي ... بعد أن طال في النجابة ذكري ٢٤- وأرى فيهم شمائل إنس ... غير أنّ النّجار صورة عفر» فإنّه يقول: لما تركّب الولد منّي ومنها كان شبهها فيه أكثر. وقال عبيد بن أيّوب [٢] : [من الطويل] أخو قفرات حالف الجنّ وانتفى ... من الإنس حتّى قد تقضّت وسائله له نسب الإنسيّ يعرف نجله ... وللجنّ منه خلقه وشمائله وقال [٣] : [من الطويل] وصار خليل الغول بعد عداوة ... صفيّا وربّته القفار البسابس فليس بجنّيّ فيعرف نجله ... ولا أنسيّ تحتويه المجالس يظلّ ولا يبدو لشيء نهاره ... ولكنّه ينباع واللّيل دامس [٤] قال: وقال القعقاع بن معبد بن زرارة، في ابنه عوف بن القعقاع: والله لما أرى من شمائل الجنّ في عوف أكثر ممّا أرى فيه من شمائل الإنس!. وقال مسلمة بن محارب: حدّثني رجل من أصحابنا قال: خرجنا في سفر ومعنا رجل، فانتهينا إلى واد، فدعونا بالغداء، فمدّ رجل يده إلى الطعام، فلم يقدر عليه- وهو قبل ذلك يأكل معنا في كلّ منزل- فاشتدّ اغتمامنا لذلك، فخرجنا نسأل عن حاله، فتلقّانا أعرابيّ فقال: ما لكم؟ فأخبرناه خبر الرّجل، فقال: ما اسم

стр. 1389

صاحبكم؟ قلنا: أسد قال: هذا واد قد أخذت سباعه فارحلوا، فلو قد جاوزتم الوادي استمرى الرّجل وأكل. ١٨١٦-[مراكب الجن] وأمّا قوله [١] : ٢٥- «وبها كنت راكبا حشرات ... ملجما قنفذا ومسرج وبر ٣١- وأجوب البلاد تحتي ظبي ... ضاحك سنّه كثير التمرّي ٣٢- مولج دبره خواية مكو ... وهو باللّيل في العفاريت يسري» فقد أخبرنا في صدر هذا الكتاب [٢] بقول الأعراب في مطايا الجن من الحشرات والوحش. وأنشد ابن الأعرابي لبعض الأعراب [٣] : [من الطويل] كلّ المطايا قد ركبنا فلم نجد ... ألذّ وأشهى من مذاكي الثّعالب [٤] ومن عنظوان صعبة شمّرية ... تخبّ برجليها أمام الرّكائب ومن جرذ سرح اليدين مفرّج ... يعوم برحلى بين أيدي المراكب

стр. 1390

ومن عضرفوط حطّ بي فأقمته ... يبادر وردا من عظاء قوارب [١] وشرّ مطايا الجنّ أرنب خلّة ... وذئب الغضا أوق على كلّ صاحب [٢] ولم أر فيها مثل قنفذ برقة ... يقود قطارا من عظام العناكب وقد فسّرنا قولهم في الأرانب، لم لا تركب، وفي أرنب الخلّة، وقنفذ البرقة. وحدثني أبو نواس قال: بكرت إلى المربد، ومعي ألواحي أطلب أعرابيّا فصيحا، فإذا في ظلّ دار جعفر أعرابيّ لم أسمع بشيطان أقبح منه وجها، ولا بإنسان أحسن منه عقلا. وذلك في يوم لم أر كبرده بردا، فقلت له: هلّا قعدت في الشمس! فقال: الخلوة أحبّ إليّ! فقلت له مازحا: أرأيت القنفذ إذا امتطاه الجنيّ وعلا به في الهواء، هل القنفذ يحمل الجنّيّ أم الجنّيّ يحمل القنفذ؟ قال: هذا من أكاذيب الأعراب، وقد قلت في ذلك شعرا. قلت فأنشدنيه. فأنشدني بعد أن كان قال لي: قلت هذا الشعر وقد رأيت ليلة قنفذا ويربوعا يلتمسان بعض الرّزق: [من الطويل] فما يعجب الجنّان منك عدمتهم ... وفي الأسد أفراس لهم ونجائب أتسرج يربوع وتلجم قنفذا ... لقد أعوزتهم ما علمت المراكب فإن كانت الجنّان جنّت فبالحرى ... ولا ذنب للأقدار والله غالب وما الناس إلا خادع ومخدّع ... وصاحب إسهاب وآخر كاذب قال: فقلت له: قد كان ينبغي أن يكون البيت الثالث والرابع بيت آخر. قال: كانت والله أربعين بيتا، ولكنّ الحطمة [٣] والله حطمتها. قال: فقلت: فهل قلت في هذا الباب غير هذا؟ قال: نعم، شيء قلته لزوجتي، وهو والله عندها أصدق شيء قلته لها: [من الطويل] أراه سميعا للسّرار كقنفذ ... لقد ضاع سرّ الله يا أمّ معبد [٤] قال: فلم أصبر أن ضحكت. فغضب وذهب.

стр. 1391

١٨١٧-[شعر فيه ذكر الغول] ويكتب مع شعر أبي البلاد الطّهوي: [من الطويل] فمن لا مني فيها فواجه مثلها ... على غرّة ألقت عطافا ومئزرا [١] لها ساعدا غول، ورجلا نعامة ... ورأس كمسحاة اليهوديّ أزعرا [٢] وبطن كأثناء المزادة رفّعت ... جوانبه أعكانه وتكسّرا [٣] وثديان كالخرجين نيطت عراهما ... إلى جؤجؤ جاني الترائب أزورا [٤] قال: كان أبو شيطان، واسمه إسحاق بن رزين، أحد بني السّمط سمط جعدة ابن كعب، فأتاهم أمير فجعل ينكب [٥] عليهم جورا، وجعل آخر من أهل بلده ينقب [٦] عليهم: أي يكون عليهم نقيبا، فجعل يقول: [من الرجز] يا ذا الذي نكبنا ونقبا ... زوّجه الرّحمن غولا عقربا جمّع فيها ماله ولبلبا ... لبالب التّيس إذا تهبهبا [٧] حتّى إذا ما استطربت واستطربا ... عاين أشنا خلق ربّي زرنبا [٨] ذات نواتين وسلع أسقبا [٩] يعني فرجها ونواتها. يقول. لم تختن. ١٨١٨-[جنون الجن وصرعهم] وأما قوله [١٠] : فإن كانت الجنّان جنّت فبالحرى

стр. 1392

فإنهم قد يقولون في مثل هذا، وقد قال دعلج بن الحكم [١] : [من الطويل] وكيف يفيق الدهر كعب بن ناشب ... وشيطانه عند الأهلّة يصرع ١٨١٩-[شعر فيه ذكر الجنون] وأنشدني عبد الرحمن بن منصور الأسيديّ قبل أن يجنّ: [من الطويل] جنونك مجنون ولست بواجد ... طبيبا يداوي من جنون جنون [٢] وأنشدني يومئذ [٣] : [من الطويل] أتوني بمجنون يسيل لعابه ... وما صاحبي إلا الصّحيح المسلّم وفيما يشبه الأول يقول ابن ميّادة [٤] : [من الطويل] فلما أتاني ما تقول محارب ... تغنّت شياطيني وجنّ جنونها وحاكت لها ممّا أقول قصائدا ... ترامت بها صهب المهاري وجونها وقال في التّمثيل [٥] : [من الخفيف] إنّ شرخ الشّباب والشّعر الأس ... ود ما لم يعاص كان جنونا وقال الآخر [٦] : [من البسيط] قالت عهدتك مجنونا فقلت لها ... إنّ الشّباب جنون برؤه الكبر وما أحسن ما قال الشّاعر حيث يقول [٧] : [من الطويل] فدقّت وجلّت واسبكرّت وأكملت ... فلو جنّ إنسان من الحسن جنّت وما أحسن ما قال الآخر [٨] : [من الكامل]

стр. 1393

حمراء تامكة السّنام كأنّها ... جمل بهودج أهله مظعون جادت بها عند الغداة يمينه ... كلتا يدي عمرو الغداة يمين ما إن يجود بمثلها في مثلها ... إلّا كريم الخيم أو مجنون وقال الجميح [١] : [من البسيط] لو أنّني لم أنل منكم معاقبة ... إلّا السّنان لذاق الموت مظعون أو لا ختطبت فإني قد هممت به ... بالسّيف إنّ خطيب السّيف مجنون وأنشد [٢] : [من الوافر] هم أحموا حمى الوقبى بضرب ... يؤلّف بين أشتات المنون فنكّب عنهم درء الأعادي ... وداووا بالجنون من الجنون وأنشدني جعفر بن سعيد: [من البسيط] إنّ الجنون سهام بين أربعة ... الرّيح والبحر والإنسان والجمل وأنشدني أيضا: [من البسيط] احذر مغايظ أقوام ذوي حسب ... إنّ المغيظ جهول السّيف مجنون وأنشدني أبو تمام الطائي [٣] : [من البسيط] من كلّ أصلع قد مالت عمامته ... كأنّه من حذار الضّيم مجنون وقال القطاميّ [٤] : [من البسيط] يتبعن سامية العينين تحسبها ... مجنونة أو ترى ما لا ترى الإبل وقال في المعني الأوّل الزّفيان العوافيّ [٥] : [من الرجز] أنا العوافيّ فمن عاداني ... أذقته بوادر الهوان حتّى تراه مطرق الشّيطان

стр. 1394

وقال مروان بن محمد: [من الكامل] وإذا تجنّن شاعر أو مفحم ... أسعطته بمرارة الشيطان وقال ابن مقبل [١] : [من الطويل] وعندي الدّهيم لو أحلّ عقالها ... فتصعد لم تعدم من الجنّ حاديا وقد صغّر «الدّهيم» ليس على التحقير، ولكن هذا مثل قولهم: «دبّت إليهم دويهية الدهر» . ١٨٢٠-[أحاديث الفلاة] وقال أبو إسحاق: وأما قول ذي الرّمّة [٢] : [من الطويل] إذا حثّهنّ الرّكب في مدلهمّة ... أحاديثها مثل اصطخاب الضّرائر قال أبو إسحاق: يكون في النّهار ساعات ترى الشّخص الصّغير في تلك المهامه عظيما، ويوجد الصّوت الخافض رفيعا، ويسمع الصّوت الذي ليس بالرّفيع مع انبساط الشّمس غدوة من المكان البعيد؛ ويوجد لأوساط الفيافي والقفار والرّمال والحرار، في أنصاف النّهار، مثل الدّويّ من طبع ذلك الوقت وذلك المكان. عند ما يعرض له. ولذلك قال ذو الرّمّة [٣] : [من الطويل] إذا قال حادينا لتشبيه نبأة ... صه لم يكن إلا دويّ المسامع [٤] قالوا: وبالدّويّ سميّت دوّيّة وداوية، وبه سمّي الدوّ دوّا ١٨٢١-[عزيف الجنان وتغوّل الغيلان] وكان أبو إسحاق يقول في الذي تذكر الأعراب من عزيف الجنان، وتغوّل الغيلان: أصل هذا الأمر وابتداؤه، أنّ القوم لما نزلوا بلاد الوحش، عملت فيهم

стр. 1395

الوحشة [١] . ومن انفرد وطال مقامه في البلاد [٢] والخلاء، والبعد من الإنس- استوحش. ولا سيّما مع قلة الأشغال والمذاكرين. والوحدة لا تقطع أيامهم إلا بالمنى أو بالتفكير. والفكر ربما كان من أسباب الوسوسة. وقد ابتلى بذلك غير حاسب، كأبي يس ومثنّى ولد القنافر [٣] . وخبّرني الأعمش أنه فكّر في مسألة، فأنكر أهله عقله، حتّى حموه وداووه. وقد عرض ذلك لكثير من الهند. وإذا استوحش الإنسان تمثّل له الشّيء الصغير في صورة الكبير، وارتاب، وتفرّق ذهنه، وانتفضت أخلاطه، فرأى ما لا يرى، وسمع ما لا يسمع، وتوهم على الشيء اليسير الحقير، أنه عظيم جليل. ثمّ جعلوا ما تصوّر لهم من ذلك شعرا تناشدوه، وأحاديث توارثوها فازدادوا بذلك إيمانا. ونشأ عليه الناشئ، وربّي به الطّفل، فصار أحدهم حين يتوسّط الفيافي، وتشتمل عليه الغيظان في اللّيالي الحنادس- فعند أوّل وحشة وفزعة، وعند صياح بوم ومجاوبة صدى، وقد رأى كلّ باطل، وتوهّم كلّ زور، وربما كان في أصل الخلق والطبيعة كذّابا نفّاجا [٤] ، وصاحب تشنيع وتهويل، فيقول في ذلك من الشّعر على حسب هذه الصّفة، فعند ذلك يقول: رأيت الغيلان! وكلّمت السّعلاة! ثمّ يتجاوز ذلك إلى أن يقول قتلتها، ثم يتجاوز ذلك إلى أن يقول: رافقتها ثمّ يتجاوز ذلك إلى أن يقول: تزوّجتها!! قال عبيد بن أيّوب [٥] : [من الطويل] فلله درّ الغول أيّ رفيقة ... لصاحب قفر خائف متقتّر وقال [٦] : [من الطويل] أهذا خليل الغول والذئب والذي ... يهيم بربّات الحجال الهراكل

стр. 1396

وقال [١] : [من الطويل] أخو قفرات حالف الجنّ وانتفى ... من الإنس حتّى قد تقضّت وسائله له نسب الإنسيّ يعرف نجله ... وللجنّ منه خلقه وشمائله وممّا زادهم في هذا الباب، وأغراهم به، ومدّ لهم فيه، أنهم ليس يلقون بهذه الأشعار وبهذه الأخبار إلا أعرابيّا مثلهم، وإلا عامّيّا لم يأخذ نفسه قط بتمييز ما يستوجب التّكذيب والتّصديق، أو الشّكّ، ولم يسلك سبيل التوقف والتثبّت في هذه الأجناس قطّ. وإمّا أن يلقوا راوية شعر، أو صاحب خبر، فالرّاوية كلّما كان الأعرابيّ أكذب في شعره كان أطرف عنده، وصارت روايته أغلب، ومضاحيك حديثه أكثر فلذلك صار بعضهم يدّعي رؤية الغول، أو قتلها، أو مرافقتها، أو تزويجها؛ وآخر يزعم أنّه رافق في مفازة نمرا. فكان يطاعمه ويؤاكله، فمن هؤلاء خاصّة القتّال الكلابي؛ فإنّه الذي يقول [٢] : [من الطويل] أيرسل مروان الأمير رسالة ... لآتيه إني إذا لمصلّل [٣] وما بي عصيان ولا بعد منزل ... ولكنّني من خوف مروان أوجل وفي باحة العنقاء أو في عماية ... أو الأدمى من رهبة الموت موئل [٤] ولي صاحب في الغار هدّك صاحبا ... هو الجون إلّا أنه لا يعلّل إذا ما التقينا كان جلّ حديثنا ... صمات وطرف كالمعابل أطحل [٥] تضمّنت الأروى لنا بطعامنا ... كلانا له منها نصيب ومأكل [٦] فأغلبه في صنعة الزّاد إنّني ... أميط الأذى عنه ولا يتأمّل وكانت لنا قلت بأرض مضلّة ... شريعتنا لأيّنا جاء أوّل [٧] كلانا عدوّ لو يرى في عدوّه ... محزّا وكلّ في العداوة مجمل [٨]

стр. 1397

وأنشد الأصمعيّ [١] : [من الطويل] ظللنا معا جارين نحترس الثّأى ... يسائرني من نطفة وأسائره ذكر سبعا ورجلا، قد ترافقا، فصار كلّ واحد منهما يدع فضلا من سؤره ليشرب صاحبه. الثّأى: الفساد. وخبّر أنّ كلّ واحد منهما يحترس من صاحبه. وقد يستقيم أن يكون شعر النابغة في الحية، وفي القتيل صاحب القبر، وفي أخيه المصالح للحية أن يكون إنما جعل ذلك مثلا، وقد أثبتناه في باب الحيات [٢] ، فلذلك كرهنا إعادته في هذا الموضع. فأما جميع ما ذكرناه عنهم فإنما يخبرون عنه من جهة المعاينة والتّحقيق، وإنما المثل في هذا مثل قوله: [من الرجز] قد كان شيطانك من خطّابها ... وكان شيطاني من طلّابها حينا فلمّا اعتركا ألوى بها ١٨٢٢-[توهم سماع الأصوات] والإنسان يجوع فيسمع في أذنه مثل الدويّ. وقال الشاعر: [من الطويل] دويّ الفيافي رابه فكأنّه ... أميم وساري اللّيل للضّرّ معور [٣] معور: أي مصحر [٤] . وربما قال الغلام لمولاه: أدعوتني؟ فيقول له: لا. وإنما اعترى مسامعه ذلك لعرض، لا أنّه سمع صوتا. ومن هذا الباب قول تأبّط شرّا، أو قول قائل فيه في كلمة له [٥] : [من الطويل] يظلّ بموماة ويمسي بقفرة ... جحيشا ويعروري ظهور المهالك [٦]

стр. 1398

ويسبق وقد الرّيح من حيث ينتحي ... بمنخرق من شدّه المتدارك [١] إذا خاط عينيه كرى النّوم لم يزل ... له كالئ من قلب شيحان فاتك [٢] ويجعل عينيه ربيئة قلبه ... إلى سلّة من حدّ أخضر باتك [٣] إذا هزّه في عظم قرن تهلّلت ... نواجذ أفواه المنايا الضّواحك [٤] يرى الإنس وحشيّ الفلاة ويهتدي ... بحيث اهتدت أمّ النجوم الشّوابك [٥] ١٨٢٣-[نزول العرب بلاد الوحش والحشرات والسباع] ويدلّ على ما قال أبو إسحاق، من نزولهم في بلاد الوحش وبين الحشرات والسّباع، ما رواه لنا أبو مسهر، عن أعرابيّ من بني تميم نزل ناحية الشّام، فكان لا يعدمه في كلّ ليلة أن يعضّه أو يعضّ ولده أو بعض حاشيته سبع من السباع، أو دابّة من دوابّ الأرض فقال: [من الطويل] تعاورني دين وذلّ وغربة ... ومزّق جلدي ناب سبع ومخلب وفي الأرض أحناش وسبع وحارب ... ونحن أسارى وسطها نتقلب [٦] رتيلا وطبّوع وشبثان ظلمة ... وأرقط حرقوص وضمج وعقرب [٧] ونمل كأشخاص الخنافس قطّب ... وأرسال جعلان وهزلى تسرّب وعثّ وحفّاث وضبّ وعربد ... وذرّ ودحّاس وفار وعقرب [٧] وهرّ وظربان وسمع ودوبل ... وثرملة تجري وسيد وثعلب ونمر وفهد ثم ضبع وجيأل ... وليث يجوس الألف لا يتهيّب ولم أر آوى حيث أسمع ذكره ... ولا الدّبّ إنّ الدّبّ لا يتنسّب فأما الرّتيلا والطّبّوع، والشّبث، والحرقوص، والضّمج والعنكبوت، والخنفساء، والجعل، والعثّ، والحفّاث، والدّحّاس والظّربان، والذّئب، والثّعلب، والنمر، والفهد، والضّبع، والأسد- فسنقول في ذلك إذا صرنا إلى ذكر هذه الأبواب،

стр. 1399

وقبل ذلك عند ذكر الحشرات. فأما الضّبّ والورل، والعقرب، والجعل، والخنفساء، والسّمع فقد ذكرنا ذلك في أوّل الكتاب. وأما قوله: «وهزلى تسرب فالهزلى هي الحيات، كما قال جرير [١] : [من الطويل] مزاحف هزلى بينها متباعد وكما قال الآخر [٢] : [من الوافر] كأنّ مزاحف الهزلى عليها ... خدود رصائع جدلت تؤاما وأما قوله: [من الطويل] ولم أر آوى حيث أسمع ذكره فإنّ ابن آوى لا ينزل القفار، وإنّما يكون حيث يكون الريف. وينبغي أن يكون حيث قال هذا الشّعر توهّم أنّه ببياض نجد. وأمّا قوله: [من الطويل] ولا الدبّ إنّ الدبّ لا يتنسّب فإنّ الدبّ عندهم عجميّ، والعجميّ لا يقيم نسبه. ١٨٢٤-[ملح ونوادر] ورووا في الملح أنّ فتى قال لجارية له، أو لصديقة له: ليس في الأرض أحسن منّي: ولا أملح منّي. فصار عندها كذلك. فبينا هو عندها على هذه الصّفة إذ قرع عليها الباب إنسان يريده، فاطّلعت عليه من خرق الباب، فرأت فتى أحسن النّاس وأملحهم، وأنبلهم وأتمّهم، فلمّا عاد صاحبها إلى المنزل قالت له: أو ما أخبرتني أنّك أملح الخلق وأحسنهم؟ قال: بلى! وكذلك أنا! فقالت: فقد أرادك اليوم فلان، ورأيته من خرق الباب، فرأيته أحسن منك وأملح! قال: لعمري إنّه لحسن مليح، ولكنّ له جنّيّة تصرعه في كلّ شهر مرّتين- وهو يريد بذلك أن يسقطه من عينها- قالت: أو ما تصرعه في الشّهر إلّا مرتين؟ أما والله لو أنّي جنّيّة لصرعته في اليوم ألفين!

стр. 1400

وهذا يدلّ على أنّ صرع الشّيطان للإنسان ليس هو عند العوامّ إلّا على جهة ما يعرفون من الجماع. ومن هذا الضّرب من الحديث ما حدّثنا به المازنيّ، قال: ابتاع فتى صلف بذّاخ [١] جارية حسناء بديعة ظريفة، فلمّا وقع عليها قال لها مرارا ويلك. ما أوسع حرك! فلمّا أكثر عليها قالت: أنت الفداء لمن كان يملؤه. فقد سمع هذا كما ترى من المكروه مثل ما سمع الأوّل. وزعموا أنّ رجلا نظر إلى امرأة حسناء ظريفة، فالحّ عليها، فقالت: ما تنظر؟ قرّة عينك، وشيء غيرك! وزعم أبو الحسن المدائني أن رجلا تبع جارية لقوم. فراوغته فلم ينقطع عنها، فحثّت في المشي فلم ينقطع عنها، فلمّا جازت بمجلس قوم قالت: يا هؤلاء، لي طريق ولهذا طريق، ومولاي ينيكني؛ فسلوا هذا ما يريد مني؟ وزعم أيضا أن سيارا البرقيّ قال: مرّت بنا جارية، فرأينا فيها الكبر والتجبّر، فقال بعضنا: ينبغي أن يكون مولى هذه الجارية ينيكها! قالت: كما يكون! فلم أسمع بكلمة عامّية أشنع ولا أدلّ على ما أرادت، ولا أقصر من كلمتها هذه. وقد قال جحشويه في شعر شبيها بهذا القول، حيث يقول: [من الوافر] تواعدني لتنكحني ثلاثا ... ولكن يا مشوم بأيّ أير فلو خطبت في صفة أير خطبة أطول من خطبة قيس بن خارجة بن سنان في شأن الحمالة- لما بلغ مبلغ قول جحشويه: «ولكن يا مشوم بأيّ أير» ، وقول الخادم: «كما يكون» . وزعموا [٢] أن فتى جلس إلى أعرابيّة، وعلمت أنّه إنما جلس لينظر إلى محاسن ابنتها، فضربت بيدها على جنبها، ثم قالت: [من الوافر] علنداة يئطّ الأير فيها ... أطيط الغرز في الرّحل الجديد [٣] ثم أقبلت على الفتى فقالت: [من الطويل] وما لك من غير أنّك ناكح ... بعينيك عينيها فهل ذاك نافع

стр. 1401

ودخل قاسم منزل الخوارزمي النخّاس، فرأى عنده جارية كأنها جانّ، وكأنها خوط بان، وكأنّها جدل عنان، وكأنه الياسمين؛ نعمة وبياضا؛ فقال لها: أشتريك يا جارية؟ فقالت: «افتح كيسك تسرّ نفسك» ودخلت الجارية منزل النخّاس، فاشتراها وهي لا تعلم ومضى إلى المنزل ودفعها الخوارزميّ إلى غلامه، فلم تشعر الجارية إلا وهي معه في جوف بيت، فلما نظرت إليه وعرفت ما وقعت فيه قالت له: ويلك! إنك والله لن تصل إليّ إلا بعد أن أموت! فإن كنت تجسر على نيك من قد أدرجوه في الأكفان فدونك! والله إن زلت منذ رأيتك، ودخلت إلى الجواري، أصف لهنّ قبحك وبليّة امرأتك بك! فأقبل عليها يكلّمها بكلام المتكلمين، فلم تقبل منه، فقال: فلم قلت لي: «افتح كيسك تسرّ نفسك» ؟ وقد فتحت كيسي فدعيني أسرّ نفسي! وهو يكلّمها وعين الجارية إلى الباب، ونفسها في توهّم الطّريق إلى منزل النخّاس. فلم يشعر قاسم حتّى وثبت وثبة إلى الباب كأنّها غزال، ولم يشعر الخوارزمي إلّا والجارية بين يديه مغشيّ عليها. فكرّ قاسم إليه راجعا وقال: ادفعها إليّ أشفي نفسي منها. فطلبوا إليه فصفح عنها، واشتراها في ذلك المجلس غلام أملح منها، فقامت إليه فقبّلت فاه، وقاسم ينظر، والقوم يتعجّبون ممّا تهيأ له وتهيّأ لها. وأما عيسى بن مروان كاتب أبي مروان عبد الملك بن أبي حمزة فإنّه كان شديد التغزّل والتّصندل [١] ، حتّى شرب لذلك النبيذ وتظرّف [٢] بتقطيع ثيابه [٣] وتغنّى أصواتا، وحفظ أحاديث من أحاديث العشّاق ومن الأحاديث التي تشتهيها النساء وتفهم معانيها. وكان أقبح خلق الله تعالى أنفا، حتّى كان أقبح من الأخنس، ومن الأفطس، والأجدع، فإمّا أن يكون صادق ظريفة، وإما أن يكون تزوّجها فلما خلا معها في بيت وأرادها على ما يريد الرّجل من المرأة، امتنعت، فوهب لها، ومنّاها، وأظهر تعشقها، وأراغها بكلّ حيلة. فلما لم تجب قال لها: خبّريني، ما الذي يمنعك؟ قالت: قبح أنفك وهو يستقبل عيني وقت الحاجة، فلو كان أنفك في قفاك لكان أهون عليّ! قال لها: جعلت فداك؟ الذي بأنفي ليس هو خلقة وإنّما هو ضربة ضربتها في سبيل الله تعالى. فقالت واستغربت ضحكا: أنا ما أبالي. في سبيل الله كانت أو في سبيل الشّيطان. إنّما بي قبحه. فخذ ثوابك على هذه الضّربة من الله أمّا أنا فلا.

стр. 1402

باب الجدّ من أمر الجنّ ليس هذا، حفظك الله تعالى، من الباب الذي كنّا فيه، ولكنّه كان مستراحا وجماما. وسنقول في باب من ذكر الجنّ، لتنتفع في دينك أشد الانتفاع. وهو جدّ كلّه. والكلام الأوّل وما يتلوه من ذكر الحشرات، ليس فيه جدّ إلّا وفيه خلط من هزل، وليس فيه كلام صحيح إلا وإلى جنبه خرافة، لأن هذا الباب هكذا يقع. وقد طعن قوم في استراق الشّياطين السمع بوجوه من الطّعن. فإذ قد جرى لها من الذّكر في باب الهزل ما قد جرى، فالواجب علينا أن نقول في باب الجدّ، وفيما يرد على أهل الدّين بجملة، وإن كان هذا الكتاب لم يقصد به إلى هذا الباب حيث ابتدئ. وإن نحن استقصيناه كنّا قد خرجنا من حدّ القول في الحيوان. ولكنا نقول بجملة كافية. والله تعالى المعين على ذلك. ١٨٢٥-[رد على المحتجّين لإنكار استراق السمع بالقرآن] قال قوم: قد علمنا أن الشياطين ألطف لطافة، وأقلّ آفة، وأحدّ أذهانا، وأقلّ فضولا، وأخفّ أبدانا، وأكثر معرفة وأدقّ فطنة منّا. والدّليل على ذلك إجماعهم على أنّه ليس في الأرض بدعة بديعة، دقيقة ولا جليلة، ولا في الأرض معصية من طريق الهوى والشّهوة، خفيّة كانت أو ظاهرة، إلّا والشّيطان هو الدّاعي لها، والمزيّن لها، والذي يفتح باب كلّ بلاء، وينصب كلّ حبالة وخدعة. ولم تكن لتعرف أصناف جميع الشرور والمعاصي حتى تعرف جميع أصناف الخير والطّاعات. ونحن قد نجد الرّجل إذا كان معه عقل، ثمّ علم أنّه إذا نقب حائطا قطعت يده، أو أسمع إنسانا كلاما قطع لسانه، أو يكون متى رام ذلك حيل دونه ودون ما رام منه- أنّه لا يتكلّف ذلك ولا يرومه، ولا يحاول أمرا قد أيقن أنّه لا يبلغه. وأنتم تزعمون أنّ الشّياطين الذين هم على هذه الصّفة كلّما صعد منهم شيطان ليسترق السّمع قذف بشهاب نار، وليس له خواطئ، فإمّا أن يكون يصيبه،

стр. 1403

وإمّا أن يكون نذيرا صادقا أو وعيدا إن يقدم عليه رمى به. وهذه الرّجوم لا تكون إلا لهذه الأمور. ومتى كانت فقد ظهر للشّيطان إحراق المستمع والمسترق، والموانع دون الوصول ثمّ لا نرى الأوّل ينهي الثّاني، ولا الثّاني ينهي الثّالث، ولا الثّالث ينهي الرّابع عجب. وإن كان الذي يعود غيره فكيف خفي عليه شأنهم، وهو ظاهر مكشوف؟! وعلى أنّهم لم يكونوا أعلم منّا حتّى ميّزوا جميع المعاصي من جميع الطاعات. ولولا ذلك لدعوا إلى الطّاعة بحساب المعصية، وزيّنوا لها الصّلاح وهم يريدون الفساد. فإذا كانوا ليسوا كذلك فأدنى حالاتهم أن يكونوا قد عرفوا أخبار القرآن وصدقوها، وأنّ الله تعالى محقّق ما أوعد كما ينجز ما وعد. وقد قال الله : وَلَقَدْ زَيَّنَّا السَّماءَ الدُّنْيا بِمَصابِيحَ وَجَعَلْناها رُجُوماً لِلشَّياطِينِ [١] ، وقال تعالى: وَلَقَدْ جَعَلْنا فِي السَّماءِ بُرُوجاً وَزَيَّنَّاها لِلنَّاظِرِينَ. وَحَفِظْناها مِنْ كُلِّ شَيْطانٍ رَجِيمٍ [٢] وقال تعالى: إِنَّا زَيَّنَّا السَّماءَ الدُّنْيا بِزِينَةٍ الْكَواكِبِ وَحِفْظاً مِنْ كُلِّ شَيْطانٍ مارِدٍ [٣] وقال تعالى: هَلْ أُنَبِّئُكُمْ عَلى مَنْ تَنَزَّلُ الشَّياطِينُ تَنَزَّلُ عَلى كُلِّ أَفَّاكٍ أَثِيمٍ. يُلْقُونَ السَّمْعَ وَأَكْثَرُهُمْ كاذِبُونَ [٤] مع قول الجنّ: أَنَّا لا نَدْرِي أَشَرٌّ أُرِيدَ بِمَنْ فِي الْأَرْضِ أَمْ أَرادَ بِهِمْ رَبُّهُمْ رَشَداً [٥] وقولهم: أَنَّا لَمَسْنَا السَّماءَ فَوَجَدْناها مُلِئَتْ حَرَساً شَدِيداً وَشُهُباً. وَأَنَّا كُنَّا نَقْعُدُ مِنْها مَقاعِدَ لِلسَّمْعِ فَمَنْ يَسْتَمِعِ الْآنَ يَجِدْ لَهُ شِهاباً رَصَداً [٦] . فكيف يسترق السّمع الذين شاهدوا الحالتين جميعا، وأظهروا اليقين بصحّة الخير بأنّ للمستمع بعد ذلك القذف بالشّهب، والإحراق بالنار، وقوله تعالى: إِنَّهُمْ عَنِ السَّمْعِ لَمَعْزُولُونَ [٧] وقوله تعالى: وَحِفْظاً مِنْ كُلِّ شَيْطانٍ مارِدٍ. لا يَسَّمَّعُونَ إِلَى الْمَلَإِ الْأَعْلى وَيُقْذَفُونَ مِنْ كُلِّ جانِبٍ دُحُوراً وَلَهُمْ عَذابٌ واصِبٌ [٨] في آي غير

стр. 1404

هذا كثير. فكيف يعودون إلى استراق السّمع، مع تيقنهم بأنّه قد حصّن بالشهب. ولو لم يكونوا موقنين من جهة حقائق الكتاب، ولا من جهة أنّهم بعد قعودهم مقاعد السّمع لمسوا السّماء فوجدوا الأمر قد تغيّر- لكان في طول التّجربة والعيان الظّاهر، وفي إخبار بعضهم لبعض، ما يكون حائلا دون الطّمع وقاطعا دون التماس الصّعود. وبعد فأي عاقل يسرّ بأن يسمع خبرا وتقطع يده فضلا عن أن تحرقه النّار؟! وبعد فأيّ خبر في ذلك اليوم؟! وهل يصلون إلى النّاس حتّى يجعلوا ذلك الخبر سببا إلى صرف الدّعوى؟ قيل لهم: فإنّا نقول بالصّرفة في عامّة هذه الأصول. وفي هذه الأبواب، كنحو ما ألقي على قلوب بني إسرائيل وهم يجولون في التّيه، وهم في العدد وفي كثرة الأدلّاء والتجّار وأصحاب الأسفار، والحمّارين والمكارين، من الكثرة على ما قد سمعتم به وعرفتموه؛ وهم مع هذا يمشون حتّى يصبحوا، مع شدّة الاجتهاد في الدّهر الطويل، ومع قرب ما بين طرفي التّيه. وقد كان طريقا مسلوكا. وإنّما سمّوه التّيه حين تاهوا فيه، لأنّ الله تعالى حين أراد أن يمتحنهم ويبتليهم صرف أوهامهم. ومثل ذلك صنيعه في أوهام الأمة التي كان سليمان ملكها ونبيّها، مع تسخير الريح والأعاجيب التي أعطيها. وليس بينهم وبين ملكهم ومملكتهم وبين ملك سبأ ومملكة بلقيس ملكتهم بحار لا تركب، وجبال لا ترام. ولم يتسامع أهل المملكتين ولا كان في ذكرهم مكان هذه الملكة. وقد قلنا في باب القول في الهدهد ما قلنا [١] ، حين ذكرنا الصّرفة، وذكرنا حال يعقوب ويوسف وحال سليمان وهو معتمد على عصاه، وهو ميّت والجنّ مطيفة به وهم لا يشعرون بموته، وذكرنا من صرف أوهام العرب عن محاولة معارضة القرآن، ولم يأتوا به مضطربا ولا ملفّقا ولا مستكرها؛ إذا كان في ذلك لأهل الشّغب متعلّق، مع غير ذلك، ممّا يخالف فيه طريق الدّهريّة، لأنّ الدّهريّ لا يقر إلّا بالمحسوسات والعادات على خلاف هذا المذهب. ولعمري ما يستطيع الدّهريّ أن يقول بهذا القول ويحتجّ بهذه الحجّة، ما دام لا يقول بالتّوحيد، وما دام لا يعرف إلا الفلك وعمله، ومادام يرى أن إرسال الرسل يستحيل، وأن الأمر والنّهي، والثواب والعقاب على غير ما نقول، وأنّ الله تعالى لا يجوز أن يأمر من جهة الاختبار إلا من جهة الحزم.

стр. 1405

وكذلك نقول ونزعم أن أوهام هذه العفاريت تصرف عن الذكر لتقع المحنة، وكذلك نقول في النبي ﷺ أن لو كان في جميع تلك الهزاهز [١] من يذكر قوله تعالى: وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ [٢] لسقط عنه من المحنة أغلظها. وإذا سقطت المحنة لم تكن الطاعة والمعصية. وكذلك عظيم الطاعة مقرون بعظيم الثّواب. وما يصنع الدهري وغير الدّهري بهذه المسألة وبهذا التسطير [٣] ؟! ونحن نقول: لو كان إبليس يذكر في كلّ حال قوله تعالى: وَإِنَّ عَلَيْكَ اللَّعْنَةَ إِلى يَوْمِ الدِّينِ [٤] وعلم في كلّ حال أنّه لا يسلم لوجب أن المحنة كانت تسقط عنه، لأن من علم يقينا أنّه لا يمضي غدا إلى السوق ولا يقبض دراهمه من فلان، لم يطمع فيه. ومن لم يطمع في الشيء انقطعت عنه أسباب الدواعي إليه. ومن كان كذلك فمحال أن يأتي السّوق. فنقول في إبليس: إنه ينسى ليكون مختبرا ممتحنا فليعلموا أن قولنا في مسترقي السمع كقولنا في إبليس، وفي جميع هذه الأمور التي أوجب علينا الدّين أن نقول فيها بهذا القول. وليس له أن يدفع هذا القول على أصل ديننا، فإن أحبّ أن يسأل عن الدين الذي أوجب هذا القول علينا فيلفعل، والله تعالى المعين والموفّق. وأما قولهم: «من يخاطر بذهاب نفسه لخبر يستفيده» فقد علمنا أن أصحاب الرّياسات وإن كان متبيّنا كيف كان اعتراضهم على أنّ أيسر ما يحتملون في جنب تلك الرّياسات القتل. ولعلّ بعض الشّياطين أن يكون معه من النّفخ [٥] وحب الرّياسة ما يهوّن عليه أن يبلغ دوين المواضع التي إن دنا منها أصابه الرّجم، والرّجم إنما ضمن أنه مانع من الوصول، ويعلم أنه إذا كان شهابا أنه يحرقه ولم يضمن أنه يتلف عنه، فما أكثر من تخترقه الرّماح في الحرب ثم يعاود ذلك المكان ورزقه ثمانون دينارا ولا يأخذ إلا
следующие страницы →